شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 59 من 59

الموضوع: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (41)

    صـــــ346 إلى صــ358



    [باب إزالة النجاسة]

    وأما طهارة الثوب فقد أشار الله تعالى إليها بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فأمر بطهارة الثوب للصلاة،
    وأما طهارة المكان فقد أمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيح في قصّة بول الأعرابي لما بال على أرض المسجد حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    [أَرِيقُوا عليه سَجْلاً مِنْ مَاءٍ] وكذلك أمر المصلي في نعليه إذا وجد فيهما الأذى أن يدلكهما.
    فهذه النصوص تدل على وجوب إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع في: البدن، والثوب، والمكان، ثم إزالة النجاسة إما أن تكون بالماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله -تعالى- بيّن في كتابه، وعلى لسان رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الماء أصل المطهرات؛
    فقال تعالى:
    {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (1) أي: طاهراً في نفسه مُطهراً لغيره،
    وقال عليه الصلاة والسلام في ماء البحر: [هُو الطَهُور مَاؤُه] فدلّ هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، وقد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة،
    مثال ذلك:
    طهارة الخارج من السبيلين تكون بكل طاهر كالتراب، والحصى، والمنديل.
    قوله رحمه الله:
    [يُجْزِئُ في غَسْل النّجاساتِ كلّها إِذا كانتْ عَلى الأرضِ غسلةٌ واحدةٌ]: يجزئ: أي يكفي،
    وقوله:
    [في غَسْلِ النّجاساتِ] أي:في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض،
    مثال ذلك:
    لو وقع بول على أرض مسجد، وكانت من تراب، يجزئ في طهارتها أن يَصبّ المكلفُ صبّةً من ماء تكون أكثر من البول، أما إذا كانت مثله، أو أقل، فإنها لا تُجزئ، إنما تكون مجزئة إذا كانت أكثر من النجاسة، ولذلك قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [أَريقُوا عليه سجلاً منْ ماءٍ] وذلك في تطهير موضع بول الأعرابي،
    وفي رواية:
    " دلواً مِنْ مَاءٍ " ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يقل: أريقوا عليه ماءً، ولكن قال: " سجلاً " فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تَصُبّ أيُّ ماء، بل لا بد من أن يكون أكثر من النجاسة المصبوب عليها،
    وجه ذلك في قوله:
    " سجلاً " فإن السجل كما هو معلوم الدّلو،
    بل قال بعض شراح الحديث:
    هو الدلو الكبير، وإن كان ظاهر الحديث السجل العرفي، وهو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا نظرت إليه قرابة السطل، وقرابة السطل إذا صببته على بول فإنه أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تطهر بالمكاثرة،
    وعليه فيكون قول المصنف:
    [غَسْلةٌ واحدة] ليس هو على إطلاقه بحيث يشمل أيّ صبة، بل لا بد من أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيلها،
    وهذا ما أكده بقوله بعد ذلك:
    [تذهب بعين النجاسة]، وهذا الحكم من سماحة الشريعة، ويسرها، ورحمة الله -عز وجل- بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة إذا أصابت الأرض الترابية في مسجد، أو غرفة فإنه لا يمكن للمكلف أن يقلع التراب ويغسله مثل ما يفعل بثوبه، ولو أمر بذلك لكان فيه حرج، ومشقّة،
    فقال عليه الصلاة والسلام: [أَرِيقُوا عليْه سَجْلاً منْ ماءٍ] فدلّ على سماحة الشريعة، ويسرها، فإنّ صَبَّ الماء على هذا الوجه أرفق بالناس.
    وقوله رحمه الله: [غسلة واحدة]؛
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    [أَرِيقُوا عليْه سَجْلاً منْ ماءٍ] فلم يشترط سجلين، أو ثلاثة، فدلّ على أنّ الواجب، والمجزئ صبّةٌ واحدةٌ بشرط ما قدمنا، وهو أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يحصل بها التطهير،
    وهذا الشرط أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله:[تَذْهَبُ بِعَيْنِ النّجاسةِ]: فلا بد من كونها تذهب بالنجاسة فلا يجزئ ما كان أقل من النجاسة، أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها به، فيلزمه أن يزيد عليها فتكون أكثر من صبة إذا لم تزل؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإذا بقي أثرها كان صب الماء وجوده، وعدمه على حدٍّ سواء في إزالتها، ولذلك لا بد من أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن بزوالها، هذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما إذا كان ما على الأرض من القماش، ونحوه مما يُمكن رفعُه، وغسله، وتطهيره فإنه حينئذ يُرفع، ويُغسل؛ كالثوب؛ ولذلك يرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء هذه طريقة، أو يعصره إذا أمكن عصره، وأما إذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد البساط الموكيت، ونحوه مما يشقُّ فيه العصر فإنه يكفيه صب الماء، ثم يسحبُ، ويُشْفَط، أو يُنْصَبُ، ويجفّفُ حتى يغلب على ظنك أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصبّ تُذهب عينَ النجاسة، وأثرها، ولا يشترط أمر زائد على ذلك.
    قوله رحمه الله: [وعَلى غَيْرِها سَبعٌ، إحداها بترابٍ في: نجاسَةِ كلبٍ، وخنزيرٍ]: عندنا النجاسات إما مخصوصة، وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة قلنا يكفى فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، ولا يشترط العصر في ذلك كما ذكرناه.
    ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب،
    والخنزير:
    أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مُغفلٍ رضي الله عنهما الثابتان في الصحيح أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: [طُهُورُ إِناءِ أحدِكُمْ إِذا ولغَ فِيه الكلبُ أنْ يَغسِلَه سبعَ مَرّاتٍ] في رواية " إِحدَاهُنّ "، وفي رواية " أولاهُنّ بالتّرابِ " وفي رواية " وعَفّروهُ الثامِنَة بِالتُّرابِ " هذا الحديث دل على مسائل:
    المسألة الأولى:
    أنه إذا ولغ الكلب في الإناء، والولوغ أن يُدخل رأسه فيشرب من الإناء، أو يلحسه بلسانه، فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب،
    وفي التراب ثلاث روايات رواية:
    " أولاهُنَّ " وصورتها أن تأخذ كفاً من تراب، وترميه في السطل، أو الماعون الذي ولغ الكلب فيه، ثم إذا رميت هذا الكفّ من التراب صببت الصبة الأولى من الماء، ثم الثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، ويطهر الإناء بذلك، هذا إذا كانت غسلة التراب الأولى.
    وأما رواية:
    " إحداهُن " فهي مطلقة، إن شئت في الأولى كما ذكرنا، وإن شئت صببت الماء وغسلت الإناء الغسلة الأولى، ثم ترمي التراب بعد الغسلة الأولى، ثم تصب الماء للغسلة الثانية، فيكون التراب في الثانية،وهكذا بقية الغسلات بشرط أن لا تتأخر عن الغسلة السابعة من الماء لأنها إذا تأخرت بعد السابعة إحتاج إلى غسلة ماء ثامنة، وهي زائدة على النصِّ.
    أما رواية:
    " عَفّروه الثامنة " فهي محل إشكال؛ لأنّ الظّاهر أنّ معناه أنْ يكون بعد غسله سبع مرات يصبّ التراب، ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهو قول شاذٌ قال به بعض السلف،
    والصحيح أن قول:
    " عَفّروهُ الثامنة بالترابِ " أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فتشمل جميع الصور السابقة في رواية " أولاهُنَّ "، و " إِحْدَاهُنَّ "، ولا تشمل الصورة الشاذّة التي تفهم من ظاهرها، وبهذا يكون معناها أن يكون التراب في إِحدى الغسلات فيما قبل الغسلة الأخيرة، فهو غسلة ثامنة من حيث العدد، والحساب لا أنه يكون غسلة ثامنة ترتيباً، وبهذا يزول الإشكال، وتتفق الروايات، ولا تتعارض.
    وتلخص مما سبق: أن الحديث دلّ على وجوب غسل الإناء سبعاً، وتعفيره الثامنة بالتراب على الصّفة التي ذكرناها، متى؟ إذا حصل الولوغ،
    وينبني عليه:
    أنه لو أدخل رأسه، ولم يصب لسانه الماء، أو الإناء، فإنه لا يجب الغسل، ويبقى الإناءُ على أصله من كونه طاهراً، بمعنى أنه لا يكفى أن يدخل رأسه فقط،
    بل لا بد أن يلغ وهذا هو مفهوم الشرط في قوله عليه الصلاة والسلام:
    " إِذا وَلَغَ " فقيّد الحكم بوجود الولوغ.إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعاً، والثامنة بالتراب؛
    فإنه يرد السؤال:
    هل الحكم مخصوص بالكلب؟ أو يُقاسُ عليه غيرُه؟
    قال بعض العلماء: يُقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيراً أدخل رأسه، وولغ في الإناء يغسل سبعاً والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة كما نصّ عليه المصنف رحمه الله، وهو قول مرجوح، والصحيح أن الحكم يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم.
    والدليل على ذلك:
    أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نصّ على الكلب وحده، وكان الخنزير موجوداً في زمانه، فلو كان يأخذ حكم الكلب لنصّ على ذلك عليه الصلاة والسلام ولقال: (والخنزير)، فاقتصاره على الكلب يدل على أن الحكم مختص به، وأنه لا يقاس عليه غيره.
    قال رحمه الله: [ويُجْزِئُ عَنِ التُّرابِ أشْنانٌ، ونَحوُهُ]: لا زال المصنف -رحمه الله- يتكلم عن طهارة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وقد ذكرنا في المجلس الماضي أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعاً، وأن يكون ضمن غسلات الماء غسلةٌ بالتراب، فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [طُهُور إِناءِ أحدِكمْ إذا وَلغ فيهِ الكلبُ أنْ يَغْسلَه سبعَ مراتٍ أُولاهُنَّ -وفي رواية- إِحداهُنَّ بالتُّرابِ] وإذا ثبت أن الكلب إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبعاً، والثامنة بالتراب.
    فإنه يرد السؤال: هل التراب مُتعينٌ، فلا يُجزئ عنه غيره، أم أنه غير متعين؟في مذهب الشافعية، والحنابلة رحمهم الله، وهم الذين يقولون بالتسبيع،
    والتتريب ثلاثة أوجه:
    الأول: أنه متعيّن؛ إلا إذا لم يجد غيره، فيحل محله الأشْنانُ، ونحوه.
    والثاني: أنه غير متعيّن فيحل محله الأشنان، فالمكلف مخيّر إن شاء وضع التراب، وإن شاء وضع غيرَه.
    والثالث: أنه متعيّن، ولا يحل غيرُه محله، سواء وجد التراب، أو لم يجده.
    وأقوى هذه الأوجه الأول، فإذا لم يجد تراباً نظر إلى ما هو أقرب إليه، وهو الأُشنان، والصابون، ونحوه، ومشى المصنف رحمه الله على القول بعدم التّعيين، وينبني عليه أنّ المكلف إِنْ شاء غسله بالتّراب، وإن شاء غسله بالأشنان، فهو مخيّر، ولا يتعيّن عليه التراب.
    قوله رحمه الله:
    [وفِي نجاسَةِ غَيْرِهِمَا سَبْعٌ بِلا تُرابٍ]: قوله: [وفي نجاسَةِ غيرهما]: أي غير الكلب والخنزير تغسل النجاسة سبع مرات بلا تراب،
    وللعلماء رحمهم الله في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
    القول الأول: لا يجزي أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهرُ العمدة.
    القول الثاني:
    جميع النجاسات من غير الكلب، والخنزير يجزيء أن تَصبَّ عليها صبةً واحدةً تُذْهِبُ عينَ النجاسة، وأثرَها، وهذا القول مذهب جمهورِ العلماء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله على الجميع-.
    القول الثالث:
    لا بد في التطهير بسبع غسلات، فلو غسلت بأقل لا زال المحل نجساً، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله، وهي التي مشى عليها المصنف رحمه الله هنا في اختصاره.
    وعند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي:أن أصحاب القول الأول إستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [إِذَا استيقظَ أحدُكمْ مِنْ نَومِه؛ فَليغسِلْ يَديْهِ ثلاثاً قبلَ أَنْ يُدْخِلَهُما في الإِنَاءِ]،
    قالوا:
    إن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر بغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ فدلّ على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات تزول بها النجاسة.والحق أنك إذا غسلت ثلاثاً فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يُنَاط بالغَالبِ.
    واستدل أصحاب القول الثاني:
    بأن الصبّةَ الواحدةَ التي تذهبُ بعين النجاسة مجزئة بدليل السنة في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين في قصة بول الأعرابي،
    ووجه الدلالة:
    أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [صُبوا عليْهِ ذَنوباً منْ مَاءٍ]
    ووجه الدلالة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتبر الصبة الواحدة مجزئة فدل على أن غسل النجاسة مرة واحدة يعتبر كافياً إذا أذهب عينها.
    واستدل الذين قالوا: بالسبع بحديث أيوب بن جابر،
    وهو حديث ضعيف:
    [أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمرَ بغسْلِ النجاسةِ سَبْعاً].
    والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول الأول،
    وذلك لما يلي:
    أولاً: لظاهر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مع أن النجاسة مشكوك فيها،
    يقول عليه الصلاة والسلام:
    [فَلْيغسِلْ يديْهِ ثلاثاً قبلَ أَنْ يُدخِلهُما فِي الإِناءِ].
    ثانياً: أما حديث الأعرابي الذي فيه صبّة واحدة، فمحمول على الخصوص لأن الأرض لا يمكن عصر النجاسة التي عليها كما تقدم معنا في شرح الحديث،
    فنقول:
    الأصل التثليث إلا إذا كانت النجاسة على الأرض فصبّة واحدة تذهب بعينها، فنستثني هذا الخاصَّ من العامِّ.
    ومما يقوي دليل التثليث:
    أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث.ثم إن شاهد الحس أن الغالب في الثلاث أنها تزيل النجاسة فصار الإعتداد بها لأن الحكم للغالب.
    تنبيه: محلُّ الخلافِ: إذا زالت النجاسة في كل قول بحسبه، أما إذا لم تزل النجاسة بثلاث، فإنه بالإجماع يطالب بالزيادة عليها حتى تزول، فهو مطالب بإزالة النجاسة حتى ولو وصل إلى عشر غسلات عند الجميع.
    قوله رحمه الله:
    [ولا يَطْهُر متنَجّسٌ بِشمسٍ، ولا بِريحٍ، ولا دَلْكٍ] مراده رحمه الله: أن إزالة النجاسة تكون بالماء على الأصل، ولا يحصل إزالتها بالتبخر بالشمس أو بالريِح، أو بالدّلك،
    ومن أمثلة ذلك:
    لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفاً من الأرض تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أياماً، ثم إنك وقفت عليه بعد ذلك فلم ترَ أثراً للنجاسة فقد زال أثر النجاسة عنه بالشمس فهل نحكم بطهارته،
    إختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:
    القول الأول: أن النجاسة لا تطهر بالشمس، بل لا بد من الغسل، وبه قال جمهور العلماء رحمهم الله.
    القول الثاني: أن النجاسة تطهر بالشمس، وبه قال الإمام أبو حنيفة، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله.
    إستدل أصحاب القول الأول بما ثبت في الصحيح في قصة الأعرابي أنه لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: [أَرِيقُوا عَلى بَوْلِهِ سَجْلاً منْ ماءٍ]
    قالوا: لو كانت الأرض تَطْهُر بالشمس لما أمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصحابة بأن يتكلفوا بصبّ الماء على الموضع، ولترك الموضع حتى يطهر بالشمس خاصة، وأن أكثر مسجده عليه الصلاة والسلام لم يكن مسقوفاً، والغالب أن البول يكون في غير المسقوف، لأن الغالب في الأعرابي في مثل هذه الحالة أن يقصد الموضع المكشوف من المسجد، دون المسقوف.واستدل أصحاب القول الثاني بأن الشّمس تُطهّر كالماء بدليل العقل،
    وقالوا:
    " إِنّ الحُكْمَ يدورُ مع علتهِ وجُوداً، وعَدما " فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فنرجع إلى الأصل الموجب لطهارة الموضع.والذي يترجح في نظري , والعلم عند الله هو القول بعدم التّطهير بالشمس،
    وذلك لما يلي:
    أولاً: أنّ الأصل في الطهارة أن تكون بالماء،
    وهو الذي دلت عليه نصوص الشريعة:
    ففي الكتاب قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} أي: مطهراً،
    وفهم منه بعض العلماء رحمهم الله:
    أن التطهير لا يكون بغيره؛ إلا ما استثناه الشرع، ولم يرد في الشمس إستثناء فبقيت على الأصل.
    ثانياً: قوة ما ذكره أصحاب هذا القول من دليل السنة.
    قوله رحمه الله:
    [ولا رِيحٍ] أي لا يطهر الموضع المتنجس بالرّيح إذا أذهبت الريح النجاسة،
    مثال ذلك:
    لو أن إنساناً أصابت ثوبه نجاسةٌ، فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن من كونه نجساً، بل لا بد من الغسل.
    قوله رحمه الله:
    [ولا دَلكٍ] مراده أن الدّلك لا يُزيل النجاسة،
    وهذا هو الأصل فيه:
    أنه لا يزيل النجاسة إلا أن الشرع استثنى بعض الأحوال، فاعتبره مزيلاً فيها،
    ومن هنا فإن للدّلك حالتين:
    الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتبارها مُطَهِّرةً.والحالة الثانية: بقيت على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل.أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدّلك فيها مطهراً فهي في نجاسة الحذاء، وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه أمر بالصلاة بالنعال،
    ومخالفة اليهود فقال:
    [صَلُّوا في نِعَالِكُمْ] ثم قال: [فإِنْ وجَدَ أحَدكُم فِيهما أذَىً فليدْلكهما بالأرض، ثم ليُصلِّ فِيهِما]، فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدّلك، لعموم الأذى.ولما سُئل -عليه الصلاة والسلام- عن ثوب المرأة يصيب النجاسة عند جرّها له؛ لأن السُّنة في المرأة إذا لبست العباءة أن تكون سابغة بحيث تزيد إلى شبر، أو ذراع، وهذا أبلغ في السّتر، وهذه سنّة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان،
    فلما سُئلَ عما يُصيبهُ ذلك الثوب من النجاسة فقال:
    [يُطَهّرهُ ما بَعْده] يعني: لو مرّت المرأة بعباءتها على نجاسة، ثم مرّت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفاً له، كما لو صبّ الماء عليه، ولما كان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أنه سيمر على تراب، واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمرُّ على تراب دلّ هذا على أن الأصل في النجاسات أنها تغسل، إِذْ لو كانت بكل طاهر تزول لما استشكل الصحابة رضي الله عنهم كون المرأة تمرُّ بعباءتها، وتجرها على الأرض اليابسة.إذا ثبت هذا؛ فإن الدّلك في الأصل غير مزيل للنجاسة إلا ما ورد الشرع باعتباره فيه مزيلاً كما في مسألة الحذاء، وثوب المرأة.
    قوله رحمه الله: [ولا استحالة غير الخمرة]:
    الإستحالة: إستفعال من التحوّل، وهو الانتقال، والتبدل، والإستحالة تكون بنفس الشيء فتتحول المادة النجسة مع مرور الزمن إلى طاهرة، وقد تتحول بفعل فاعل.فأما ما كان من الإستحالة ناشئاً من نفس الشيء فالأصل أنه متنجس لا يحكم بطهارته إلا بالغسل إعمالاً للأدلة الشرعية التي أمرت بغسل النّجس، إلا أن الشرع استثنى الخمر إذا تخلّلت بنفسها كما سيأتي بإذن الله.
    وأما ما كان من الإستحالة ناشئاً من فعل المكلف؛ فإنْ كان بصبّ الماء الطهور، أو الطاهر على الماء المتنجس بأكثر منه حتى يغلب على الظن تغيّره به، فإن كان طهوراً صار الماء المتنجس طهوراً بالمكاثرة، وإن كان طاهراً صار طاهراً كذلك، وهذا النوع راجع إلى تطهير النجاسة بالماء، ولا إشكال فيه، وقد ثبتت السنة باعتبار أصله، كما في حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين في قصّة بول الأعرابي حيث إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعتبر التطهير بالمكاثرة، فصب الطهور على النجس، وكان الطهور أكثر فاعتبره مطهراً، فدلّ على اعتبار المكاثرة مؤثرة في الحكم بالطهارة وزوال النجاسة.

    (1) الفرقان، آية: 48.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (42)

    صـــــ358 إلى صــ371



    [باب إزالة النجاسة]

    قوله رحمه الله: [غير الخمرة] غير: استثناء،
    الخَمْرةُ: والخَمرُ مأخوذ من قولهم: خمّر الشيء: إذا غطاه وستره، ومنه الخمار، إذا غطى الوجه، وسميت الخمر خمراً، لأنها -والعياذ بالله- تغطي عقل الإنسان، وتذهب إدراكه، وشعوره، والخمرة تكون مائعة في الأصل، ولكن العلماء إذا أطلقوا الخمر، فإن مرادهم بها الشراب المائع، الذي يكون من العنب، والتمر، والزبيب، وغيره من سائر الثمار، فهذه الخمرة محكوم بنجاستها، وقد تكلمنا على هذه المسألة، وفصلنا القول فيها في شرح بلوغ المرام، فإن الذين قالوا بنجاستها،
    وهم جماهير العلماء حكموا بالنجاسة لظاهر القرآن في قوله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} (1) والرِّجْس: هو القذر في أصل اللغة، والقذر في الشرع أصله النّجس، وقالوا خرجت الأزلام، والأنصاب، فأما الأنصاب فإنها نجسة،
    لأنها كانت حجارة يذبح عليها كما قال تعالى:
    {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}، فيكون الدم المسفوح النجس قد أصابها فهي نجسة، والميسر، والأزلام خرجا من وصف النجاسة الحسّية بدلالة الحسِّ، وأما بالنسبة للخمرفليس هناك دلالة تخرجها فبقيت على الأصل، وهي مستقذرة فتبقى على وصف الرّجس في الشرع، والشرع قد خصّ الرجس بالنّجس، فخَصّص الحقيقة اللغوية به.
    واستدل من قال بطهارة الخمر: بأمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بإراقة مزادتي الخمر فإنه أمر الصحابي أن يُريقَ الخمرَ من المزادتين،
    قالوا:
    ولم يأمره بغسلهما، وهذا استدلال ضعيف كما نبّه عليه غير واحد من أهل العلم، فإن سكوت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أمره بغسل مزادة الخمر؛ إنما سكت للعلم به بداهة، فإنك إذا وضعت في هذه المزادة لبناً، وأرقت اللبن ماذا تفعل؟ معلوم بداهة أنك ستغسلها، فسكت -عليه الصلاة والسلام- عن الأمر بالغسل لكونه واقعاً لا محالة.
    وقال بعض العلماء في جوابه:
    لو قيل بظاهر سكوت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه يدل على خلوها لاحتج بذلك محتج،
    وقال:
    يجوز لمن أخذ مزادة الخمر بعد تفريغها، وصبَّ فيها لبناً قبل غسلها؛ فإنه لا ينكر عليه؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يأمر بغسلها،
    فيكون الجواب: بأنه سكت عن الأمر بغسلها للعلم به بداهة، فكما أنه في المشروبات المباحة نأمر بالغسل، ونقول سكت عنه للعلم به بداهة،
    كذلك هنا نقول:
    سكت عن الأمر بغسل نجاسة الخمر للعلم به بداهة، فهو يعلم عليه الصلاة والسلام أن صاحبها سيغسلها لا محالة، فلم يأمره بالغسل، ولم يصحّ الإستدلال بسكوته عن أمره بذلك على طهارة الخمر.
    وأما صبّها في سكك المدينة فقد بيّن العلماء أن هذا لا يدل على طهارتها؛ وذلك لأنّ الصحابة رضي الله عنهم إذا صبّوها في سكك المدينة فإن الغالب فيهم أنهم يتقونها، ولو فرض أنهم مشوا عليها بالنعال، فإن المشي على الأرض اليابسة بعد ذلك يطهّر النِّعال، ولو أن امرأة جرّت ثوبها على خمرة مُرَاقةٍ، ثم مضت بعد ذلك إلى أرض يبسة؛ فإنها تطهره بذلك الجرِّ، وبناءً على ذلك لا يعتبر هذا دليلاً قوياً كما نبّه عليه الشيخ الأمين -رحمة الله عليه- وله فيه بحث نفيس في تفسير آية المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} وبيّن أن قول الصحابي: [جَرتْ بِها سِكَكُ المدينةِ] وصف فيه مبالغة، وليس على ظاهره، فأقوى الأقوال القول بنجاستها، وهو مذهب جماهير السلف، والخلف،
    حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله:
    (الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة) ولم يحك قولاً مخالفاً في نجاستها.
    وقال بعض العلماء:
    في إِستدلالهم على طهارة الخمر بدليل غريب حيث قال: إن الله تعالى يقول: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (1) فوصف الخمر بكونها طهوراً، وقد فاته أن الله -عز وجل- حكم بأن خمر الآخرة لا غولٌ فيها، والغَول، والكحول هو أساس نجاسة الخمر في الدنيا، فإذاً نجاسة الخمر في الدنيا مبنيّة على وجود هذه المادة التي تستحيل إذا صارت الخمر خلاً، ويُحكم بطهارته،
    ولما كانت خمر الآخرة طاهرة من جهة عدم وجود الغول فيها قال تعالى:
    {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} وقلب بعض العلماء هذا
    الإستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا،
    والآخرة متساويتين لما قال:
    {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} فلما كانت خمرة الدنيا نجسة وصف خمر الآخرة بعكسها، كما أنه لما كانت خمرة الدنيا تصدّع الرأسَ،
    وصف خمرة الآخرة بضدّها فقال سبحانه:
    {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} فصار الإستدلال بهذه الآية مقلوباً، حيث دلَّ على نجاسة الخمر، لا على طهارتها.وإذا ثبت أن الخمر نجسة فإنها إذا إِستحالت،
    وصارت خَلاً فلا تخلو تلك الإستحالة من حالتين:
    الحالة الأولى: أن تتخلّل بنفسها.
    الحالة الثانية:
    أن تتخلّل بفعل المكلّف.فإن تخلّلت بنفسها؛ فإنها تطهر؛ لدليل الشرع كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
    قال:
    [نِعْمَ الإِدَامُ الخلُّ] فأثنى عليه، والثناء يدلُّ على الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل،
    والخل:
    أصله خمر، إذا ثبت هذا، فإنها إذا تخلّلت بنفسها طَهُرَتْ على ظاهر هذا الحديث.
    فقد يقول قائل:
    إن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أثنى على الخلّ مطلقاً، سواء تخلّل بنفسه، أو تخلّل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد، وأبو داود أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [نهى عَن تَخلِيلِ الخمْرِ]، وذلك لما سئل عن تخليلها، وقال: " لا " وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يُريقَ الخمر، ويَكْسِر الدِّنَّان وهي أوعية الخمر، ومعلوم أن هذا مال أيتام،
    فلو كانت الخمر تتخلّل بفعل المكلف لقال له:
    خَلّلْهَا؛ لأنه مال يتيم يُحفظ، ولا يُراق إذا أمكن استصلاحه، وبهذا يزول الإشكال، ويتبيّن أن الحديث الدّال على حلِّ الخل، وإباحته شرطه أن تكون الخمرة قد تخلّلت بنفسها، لا بفعل الغير.
    قوله رحمه الله: [أو تَنجّس دهنٌ مائعٌ؛ لم يَطْهُرْ] الدهن مثل: السمن، والزيت،
    والسّمنُ من أمثلته:
    ما يُستخلص من الشحوم من بهيمة الأنعام،
    والزيت مثاله:
    ما يُستخلص من النباتات، مثل زيت الزيتون، والسِّمْسِم، واللّوز، ونحوه، فالدهن إذا كان سمناً جامداً، ووقعت فيه نجاسة، فالحكم أنك تأخذ النجاسة وما حولها، لظاهر حديث الفأرة إذا ماتت في السمن الجامد، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر بإلقائها، وما حولها، فدلّ هذا على أنّ الدهن إذا كان جامداً طَهُر بزوال عين النجاسة بإلقائها، وما حولها.وأما إذا كان مائعاً، ووقعت فيه النجاسة فإنّ المصنف رحمه الله نصّ على أنه متنجس لا يَطْهُر، وهذا مبني على القول بأن نجاسة الدهن نجاسة ممازجة،
    وقد بيّنا هذه المسألة في الشروح في دروس الجامعة وأن للعلماء رحمهم الله قولين مشهورين فيها:
    هل نجاسة الدهن نجاسة عين، أو نجاسة مجاورة؟ فعلى القول الأول لا يمكن تطهيره، وهو مبنيّ على حديث الفأرة في روايته الضعيفة أنه إذا كان الدهن مائعاً لا يُقْرب، وهو قولٌ عند المالكية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله، ونصّ عليه المصنف رحمه الله،
    بقوله:
    [دُهنٌ مائعٌ].
    والقول الثاني عندهم جميعاً يقول: نجاسة الدهون نجاسة مجاورة، لا نجاسة عين، لأن النجاسة إذا وقعت في السمن انحازت، وتميزت عنه، فلو وقعت في زيت وجدتها تَنْحازُ، ولا تختلط به،
    قالوا:
    فنجاسته نجاسة مجاورة، ونجاسة المجاروة ليست كنجاسة العين التي تحصل بها الممازجة بين النجس والطاهر كما نشاهده في البول، حينما يقع في الماء، فإنه يتحلّل فيه ويمتزجا كالشيء الواحد، ففرّق العلماء بين النجاسة بالمجاورة وهي التي يكون فيها جرم النّجس منفصلاً عن الطاهر، وبين النجاسة التي تمازج الطاهر.إذا علمنا أن عندنا قولين فما هو أقواهما؟ الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بأن نجاسة الزيوت، والدهون نجاسة مجاورة، وليست ممازجة، فإن دليل الحس ظاهر في قوة هذا القول حيث يشاهد عدم اختلاط النجس بالزيت، وعدم ممازجته له مما يدل على ضعف تأثيره عن الممازج المخالط، فنجاسة هذه المائعات، والدهون نجاسة مجاورة، وليست بنجاسة ممازجة.
    قوله رحمه الله:
    [وإِنْ خَفِي موضعُ نجاسةٍ غَسلَ حَتّى يَجزمَ بِزَوالهِ]: مراده رحمه الله أن يجزم بإصابة النجاسة، ووقوعها على الطّاهر، ولكنه لا يستطيع أن يحدّد موضعها حتى يزيلها.
    مثال ذلك:
    لو أن إنساناً مرّ على موضع، فتطاير من ذلك الموضع النّجس ذرّاتٌ من نجاسة، وتحقّق أنها أصابت ثوبه، ولكن لا يعلم أين المكان الذي أصابته النجاسة من الثوب؟
    وحكمه حينئذ:
    أنه يجب عليه أن يغسل من ثوبه الموضع الذي أصابته النجاسة بقدر ما يجزم معه أنه قد أصاب فيه موضعها.فلو جزم أن النجاسة أصابت أسفل ثوبه بحدود الربع، ولكن لا يدري: هل هي في الجانب الأيمن من الثوب،
    أو الأيسر فإننا نقول له:
    إغسل ربع الثوب السُّفلي كلّه حتى يَجزم، ويَستيقنَ أنّ ثوبه طاهر، وهكذا بقية الصور والمسائل.
    قوله رحمه الله: [ويَطْهُر بَولُ غلامٍ لَمْ يَأكُلِ الطعامَ بِنَضْحِهِ] أي أن الشرع خفّف في نجاسة الغلام الذي لم يأكل الطعام، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّ أمّ قيسٍ بنتَ مِحْصَنٍ رضي الله عنها أَتت بِصبِّيها إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأجْلَسه في حِجْرِه، وكان -صلوات الله وسلامه عليه- يؤتى له بالولود فيحنّكه، ويدعو له بالخير -صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا من مكارم خلقه -صلوات الله وسلامه عليه-، فأجلسه في حِجْره، فلما أجلسه بالَ عليه؛
    قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: " فأخَذَ مَاءً فَرشَّه " وفي رواية " فَنَضَحَه بماءٍ، ولم يَغْسِلْه " كما هي رواية السنن، هذا الحديث دلّ على أن بول الغلام يُنضح،
    والنضح:
    أن تأخذ كفّاً من ماءٍ، وتَرشُّه به،
    وأما الغسل:
    فإنك تصبّ الماء على الموضع، وتُعمّمه به، فالرّشُ، والنّضْحُ أخفّ من الغسل، فخُفف في نجاسة الغلام، وأكد هذا حديث علي -رضي الله عنه-
    أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
    [يُغسلُ منْ بولِ الجاريةِ، ويُنضحُ منْ بولِ الغُلامِ] هذا القول هو قول الجمهور من العلماء رحمهم الله: إن بول الغلام يُرشُّ، ولا يُغسلُ، وبول الجارية يغسل،
    وهنا مسائل:
    المسألة الأولى: أن الحكم يختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أي مدة رضاعه، فإن فُطِمَ فإنه يجب غسله؛ قالوا: إن الحديث الوارد في المسألة نصّ على ذلك بالمنطوق في الذي لم يأكل،
    ومفهومه:
    وجوب الغسل في الذي فُطِمَ، وأكل،
    وذلك في قولها في الرواية الصحيحة:
    [لمْ يَأكُلِ الطعامَ]،
    ولذلك يقولون:
    إنه إذا فطم يجب غسل بوله كالجارية سواءً بسواء،
    ثم يرد السؤال عن مسألة وهي:
    لماذا فُرقَ بين الغلام، وبين الجارية؟
    والجواب:

    أولاً:
    ينبغي على المكلف أن يسلِّم بالشَّرع، وأن لا يتكلّف البحثَ عن العلل، وأن يتعبّد الله -عز وجل- بما ثبت به دليل الكتاب، والسُّنة؛
    قال بعض السلف رحمه الله:
    على الله الأمر، وعلى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- البلاغ، وعلينا الرضا، والتسليم،
    فمن الإيمان بالله أن المكلف إذا جاءه الحكم قال: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا، وإليك المصير، وأثنى الله على هؤلاء الذين يُسلِّمون، ولا يتكلّفون في بحث العلل، والتّقصي فيها.لكن إذا وجدت الحاجة للبحث عن العلّة، كما يفعل العلماء رحمهم الله في النصوص التي تحتمل التَّعليلَ فلا حرج، أما الأصل فهو التّسليم، والرِّضا بحكم الله سواء علمنا العلّة، أو لم نعلمها،
    ثم إنهم إِختلفوا فيما يظهر لهم في العلّة:فقال بعض العلماء: خُفّف في بول الغلام، وشُدّد في بول الجارية لسبب موجود في ذات البول، فإن بول الجارية أثقل من بول الغلام، فخُفف في بول الغلام دون بولها قبل الفطام، لضعف مادته.
    والوجه الثاني:
    أنه خفف لصورة بول الغلام، وذلك أنه لا ينتشر، وبول الجارية ينتشر.
    وهاتان العلتان ضعيفتان.
    أما علة من قال: إن بول الجارية أثقل من بول الغلام فهذا لم يسلّم به حتى إن بعض الأطباء أكدّ ردّه وعدم صحّته.
    وأما التعليل بالإنتشار، وعدمه، فضعيف لأنه لا فرق في النّجس بين كونه منتشراً، أو غير منتشر فالقطرة من البول منجّسة، سواء انحصرت، أو انتشرت، فالحكم واحد، ثم إن كلا البولين سينتشر بالسّريان فاستوى أن يكون في حاله الأول منتشراً، أو غير منتشر.
    وأقوى العلل هي قولهم: إن الشرع خفف في بول الغلام أكثر من الجارية؛ لأنهم كانوا يحملون الغلمان أكثر من الجواري في محضر الناس، فتجدهم يحملون الغلمان، لأنهم يستحيون وكانوا يتعاطون الكمال في إخفاء المرأة حتى في حال الصّغر، فكانوا يحملون الصبيان، ويحضرونهم المجالس أكثر، وقد يحضرون الصبية كما في حديث أُمامة لما حملَها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكنّه نادر، والحمل أكثر ما يكون للذكور بالنسبة لمجامع الناس، فخُفّف من أجل المشقة في الصبيان أكثر من الجواري غالباً.هذا بالنسبة لقضية بول الغلام، وبول الجارية.
    وإذا قلنا إن الحكم يختص بالبول، فإنه لا يسري إلى غيره كالدّم مثلاً؛ لأن الحكم جاء على سبيل الإستثناء فانحصر في الوارد، ولم يلتحق به غيره.
    قوله رحمه الله:
    [ويُعْفَى في غيرِ مَائعٍ، ومطْعومٍ عنْ يَسيرِ دَمٍ نَجِسٍ منْ حَيوانٍ طَاهرٍ]: بيّن المصنف رحمه الله في هذه العبارة بعض المستثنيات في باب إزالة النجاسة، وهو يسير الدم، وأن محلّ الإستثناء ألا يكون في مائع، ومطعوم، والدّم نجس، وهو قول جاهير العلماء -رحمة الله عليهم-
    لقوله عليه الصلاة والسلام: [إِغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ]،
    وكذلك قوله في دم المرأة المستحاضة: [إِنما ذَلكِ عِرْق] قالوا: فكما أن دم المستحاضة خرج من عرق فسائر دم الإنسان في أصله خارج من عرق،
    وظاهر القرآن دال على نجاسته كما في قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... } إلى قوله: { ... فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (2) والدم المسفوح يكون من البهيمة عند قتلها، وتذكيتها، ويكون من الآدمي فهو الدم الذي يخرج من الجسد في حال الحياة، ولذلك أجمعوا على أن الدم الذي يخرج عند ذبح الشاة،
    أو نحر البعير أنه نجس هذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع فقال: " أجمع العلماء على أن الدم المسفوح عند التذكية أنه نجس "،
    وذلك لظاهر قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... } إلى قوله: { ... فَإِنَّهُ رِجْسٌ} فالجماهير لما قالوا بنجاسة الدم قالوا: إن القرآن أطلق فوصف كل دمٍ مسفوح بكونه رجساً،
    والدم المسفوح:
    هو الخارج في الحياة؛ لأن الذي عند الذكاة خرج والبهيمة حية، ولذلك إذا سكنت، وماتت بالتذكية؛ فسائر الدم الذي في أجزائها يعتبر طاهراً.
    والذين قالوا بطهارة الدم إحتجوا بأنه -عليه الصلاة والسلام- نحر الجزور، ثم سلخه، وصلّى، ولم يغسل أثر الدم، وهذا مردود بأن الدم الذي يكون عند السلخ طاهر، ولا يعتبر نجساً حتى يكاد يكون عليه الإجماع، ألا ترى أنه يؤخذ كتف البهيمة، ويُطبخ، ويُشوى، ويؤكل مع أن فيه الدم لكنه يعتبر طاهراً لأنه خارج بعد الذكاة من غير موضعها، فالإستدلال بهذا الحديث استدلال بما هو خارج عن موضع النزاع.
    واستدلوا بحديث عبّاد بن بشر رضي الله عنه لما أصابه السهم وهو قائم يصلي في حراسته، فنزعه فنزف قالوا لو كان نجساً لقطع صلاته،
    وهذا يعارض المنطوق الذي ذكرناه في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    [إغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ]، وجوابه كما نبّه عليه شراح الحديث في غير ما موضع أن حديث الصحابي رضي الله عنه في النزف، والنزيف سواءً كان بسهم، أو باستحاضة متفق على أنه يُعتبر رخْصَة يعني يصلي الإنسان، ولو جرى معه الدم، كما صلّى عمرُ -رضي الله عنه- وجُرحه يَثْعُب؛ لأنه لا يستطيع إيقافه غالباً؛ وإنما يستقيم الإستدلال بهذه الأدلة أن لو كان الدم فيها من غير نزف بمعنى أنه يمكنه إيقافه، فلو كان كذلك لعارض ظاهر ما ذكرناه من النصوص، ولكنه ليس كذلك، ولذلك لا تعتبر هذه الأدلة حجة على الجمهور؛
    لأن الجمهور يقولون:
    إن المرأة المستحاضة إذا غلبها الدم تُصلي على حالتها، وكذلك الذي معه رعاف لو غلبه الرعاف يُصلي على حالته ولو كان الدم على ثوبه، أو بدنه إذا غلبه، وكان كثيراً؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، فليس هذا الدليل في موضع النزاع، وكذلك الإستدلال بما ورد في قصة عمر رضي الله عنه لأنها بصورة النزيف الموجب للرّخصة.
    ولذلك قال جمهور العلماء: إنّ الدمَ نَجِسٌ، وهو الراجح لدلالة النّصوص القويّة على رجحانه كما قدمنا، ولم يُخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر، وبعض أهل الحديث رحمهم الله.
    وإذا قلنا بمذهب الجماهير بنجاسة الدم، فإنه يُفرّق بين كثيره، وقليله، فقد أجمع العلماء على أن يسير الدم معفو عنه، وفيه حديث ضعيف، وهو حديث الدّرهم البَغْلِي، والصحيح أنه لا يثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إستثناء هذا القدر؛ وإنما اُستثني بدليل الكتاب،
    والإجماع أما دليل الكتاب فقوله سبحانه:
    {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} فلما حكم بنجاسة الدم، وصفه بكونه مسفوحاً،
    والمسفوح:
    هو الكثير، ومفهوم ذلك أن اليسير لا يأخذ حكم الكثير المسفوح فاستثني، وتأيد هذا بفعل الصحابة رضي الله عنهم كما صحّ عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهما لم يريا في البثرة شيئاً بل كان أحدهم يعصرها فيخرج منها الدم، ويصلي، ولا يغسلها،
    وأما الإجماع:
    فلأن جميع من قال بنجاسة الدم إستثنى اليسير، وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم في حدِّ اليسير كما تقدم معنا، فهم بهذا متفقون على أن اليسير معفو عنه.
    ونظراً لدلالة الكتاب، والإجماع إستثنى العلماء رحمهم الله يسير الدم، ولم يحكموا فيه بالأصل، لأنه محلّ العفو من الشرع.
    ويستوي عند العلماء رحمهم الله في هذا الإستثناء أن يكون قدر الدرهم منحصراً في موضع معين، أو متفرقاً في مواضع، فما دام أنه بمجموعه لا يبلغ قدر الدرهم، فهو يسير، وعفو.
    ثم إذا قلنا على القول المرجوح في مسألة القُلتين إن التّحديد بهما معتبر، فإن يسير الدم لو وقع في إناء دون القلتين حكمنا بنجاسته، ولا تدخل هذه المسألة معنا، وهذا هو ما أشار إليه المصنف رحمه الله بالتّعبير بالقيد في قوله [في غيرِ مائع، ومطعومٍ]، وأما على مذهب المالكية، والظاهرية الذي قدمنا رجحانه فإن العبرة بالتغيّر، فإن حصل تغيّر لم يُعفَ، وإلا كان عفواً، والمائع طاهر، وطهور بحسبه.
    وإذا قلنا:
    إن يسير الدم معفو عنه؛ فإنه يرد السؤال هل يلتحقُ بغيرِ الدّم غيرُه؟
    فمن العلماء من قال:
    أقْصُر الرّخصةَ على محلّها، فأعفو عن الدم وحدَه، لأنه هو الذي دل عليه دليل الكتاب، وهو الذي فعله الصحابة -رضوان الله عليهم- فيبقى غيره على الأصل.
    وقال بعض العلماء:
    ما دامت العلّة التخفيف، وأن اليسير لا يأخذ حكم الكثير، فنطرد ذلك في كل نجاسة،
    فنقول:
    يسير النجاسة معفو عنه سواء كان دماً، أو غيره،
    والمذهب الأول:
    أرجح، لإعماله لدليل الأصل، وقصر الرخصة على محلِّها، وعليه فإن الحكم باستثناء اليسير يختصّ بالدم وحده، ولا يلتحقُ به غيره من النّجاسات؛ كيسير المَذْي، والودْي، والبول، والغائط، فكلُّها باقيةٌ على الأصل لضعف دليل الإستثناء.
    قوله رحمه الله:
    [وعن أَثَرِ استجمارٍ بمَحَلِّهِ]: أي: يُعفى عن أثر استجمار في محلِّه،
    والمحلُّ المراد به:
    مخرج البول، والغائط، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قضى حاجته؛ فإنه ربما غسل بالماء، وربما استجمر بالحجارة، أما لو غسل بالماء؛
    فبالإجماع:
    أنه يجب عليه غسل الموضع، وإنقاؤه هذا إذا كان بالماء.أما إذا تطهّر بالحجارة فمن المعلوم أن إنقاء الحجارة للموضع ليس كإنقاء الماء، بل لا بد من بقاء أثر للنجاسة في الموضع فخفّف الشرع في هذا الأثر اليسير
    ولكن بشرط أن يكون في موضعه فلا يتجاوزه وهذا ما عبّر عند المصنف رحمه الله بقوله: [بِمَحلّهِ]،
    ومن أمثلته أيضاً:
    الجروح يُعفَى عن الدّم النّجِسِ الموجود في فتحاتها، ولا يجب غسله لوجود الضرر، والحرج، فكلّها من اليسير المعفو عنه.

    (1) المائدة، آية:90.
    (2) الأنعام، آية: 145.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (43)

    صـــــ371 إلى صــ383



    [باب إزالة النجاسة]

    قوله رحمه الله: [ولا يَنْجُسُ الآدميُّ بالموتِ]: قوله: [لا يَنْجُسُ]: أي: لا يُحكم بكونه نجساً، فلو سئلت عن آدمي مات؟
    تقول:
    هو طاهر، هذا هو أحد قولي العلماء -رحمة الله عليهم- أن الآدمي لا ينجس بالموت.
    وقال بعض العلماء:
    الأصل في الميتة أنها نجسة، واُستثْني الآدمي المسلمَ؛
    لقوله عليه الصلاة والسلام: [المؤْمنُ لا يَنْجُس] وأُبْقِيتْ ميتة المشرك على الأصل،
    وأكدوا هذا بقوله تعالى:
    {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}،
    قالوا:
    لما كانت الميتة في أصل حكم الشّرع نجسة كما نصّ الله -عز وجل- في غير موضع؛
    فإننا نقول:
    إنّ كل ميتةٍ نجسةٍ، إلا ما ورد الشرع بإستثنائه، فلما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [إن المؤمنَ لا يَنجُسُ] وجدنا قوله " المؤمن " مطلقاً في حال الحياة، والموت فلا نحكم بنجاسته لا حياً،
    ولا ميتاً وكما استثنى الشّرع المؤمنَ من الحكم بنجاسة الميتة بقوله عليه الصلاة والسلام:
    [إنّ المؤمنَ لا ينجُسُ] كذلك إستثنى ميتة البحر بقوله عليه الصلاة والسلام: [هُو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلّ مَيتتُهُ] فلم نحكم بنجاسة ميتة البحر، وبقي ما عدا ذلك على الأصل، ومنهم الكافر، والمشرك، هذا بالنسبة للمذهب الثاني.
    وهناك مذهب ثالث: أن المشرك نجس حياً،
    وميتاً لقوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، ولقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [إِنّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ] ومفهومه: إن الكافر نجس حياً، وميتاً.
    اعترض عليهم باعتراضات وجيهة منها: إن نساء أهل الكتاب يحل لنا نكاحهنَّ، وإذا جاز لنا نكاحَهنَّ فإنه لا بد من مخالطة، فكيف نخالط النجس؟!كذلك اُعترضَ عليهم بقصة ثُمامةَ بنِ أثالٍ الحنفىّ رضي الله عنه، فإنه -رضي الله عنه- أخذتهُ خَيلُ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو ماضٍ إلى العُمرة فأَمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِربطهِ في المسجدِ،
    قالوا: ولو كان نَجِساً لما أدخله النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المسجد، هذا بالنسبة للاعتراضات التي اُعترض بها عليهم.
    وأجيب عنها:
    بأنّ النّص بالنجاسة في قوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (1) ورد في المشركين ولم يرد في عموم الكفار،
    إذ لو كان أهل الكتاب داخلين فيها لقال:
    إنما الكفار نجس، لكنه قال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ} َ، ووجدنا أن القرآن يفرق بين المشركين،
    وأهل الكتاب كما في قوله تعالى:
    {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} (2) فلما فرق بينهم علمنا أن قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، المراد به عبدة الأوثان والذين لا دين لهم سماوي.
    وأما حديث ثمامة بن أثال رضي الله عنه فأجيب عنه: بأنه خارج عن الأصل لمكان الحاجة؛ لأن المقصود دلالته على الإسلام، وتعريفه به فاغتُفِرَ ما يحصل من المفاسد في جنب ما يحصل من المصلحة العظمى وهي إسلامه؛ كما اغتفر النظر إلى المخطوبة، وهو محرم في الأصل في جنب ما يقصد من حصول المصلحة من الزواج، وقد مشى المصنف رحمه الله على مذهب من يقول بعدم نجاسة الكافر حياً كان، أو ميتاً.
    قوله رحمه الله:
    [وما لا نفْسَ لهُ سائلةٌ مُتَولِّدٍ مِنْ طَاهِر]: النّفْسُ: تطلق ويراد بها الدّمُ، وسمي الحيض نفاساً لمكان الدم الخارج، كما في الصحيحين من قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
    لعائشة: [مالَكِ أَنفِسْتِ؟]، وسُمِّيَ النِّفاس نِفاساً لوجود الدّم فيه، ومن هذا الإستعمال قول الفقهاء رحمهم الله في وصف بعض الحشرات ما لا نَفْس له سائلة، ويعنون به الحشرات من غير ذوات الدّماء؟ كبنات وردان، والصراصير، والبعوض، والبراغيث، ونحوها، وهكذا دود السُّوسِ في التمر، والدقيق، والحبّ كلُّه طاهرٌ،
    والدليل على طهارته ما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
    [أُحلّتْ لنا مَيْتتانِ، ودَمانِ، أمّا المَيْتَتَانِ فَالجَرادُ، والحوت، وأمّا الدّمان فالكبدُ، والطُّحالُ] ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن من هديه أنه حرّم سوسَ التّمرِ، أو أمر الصحابة رضي الله عنهم بإخراجه، وإنقائه.فلهذا نصّ جماهير العلماء رحمهم الله، والأئمة على طهارة ما لا نَفْسَ له سائلة.
    ثم إن ما لا نفس له سائلة يكون في بعض الأحوال متولداً من غيره،
    وحينئذ لا يخلو من حالتين:
    الأولى: أن يكون متولداً من شيءٍ طاهر؛
    مثل:
    التَّمر، والحبِّ، والدقيق، والأجبان، ونحو ذلك، فهو طاهر وهذا هو الذي قصده المصنف رحمه الله،
    وأشار إليه بقوله:
    [مُتَولِّدٍ منْ طَاهرٍ].
    الثَانية: أن يكون مُتولِّداً من نجس مثل: الدودِ المتولّدِ من عذرة الآدمي، ونحوها من النجاسات، فهو نجس لأن الفرع تابعٌ لأصله.
    فبيّن المصنف رحمه الله أنه يُستثنى من الحكم بطهارة ما لا نفس له سائلة ما كان متولداً من النجاسة، وهذا هو ما يدل عليه مفهوم قوله [من طاهرٍ].
    قال رحمه الله: [وبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، ورَوْثه]: التقدير طاهر، ومراده رحمه الله أن الحيوانات التي أذن الشرع بأكل لحمها، مثل الإبل، والبقَر، والغنم، والحمام، والدجاج، ونحوها كلها طاهرة الفضلة سواء كانت بولاً، أو روثاً.
    وقد دلّ على طهارتها ما ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
    [قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقوامٌ منْ عُكلٍ، أو عُريْنة، واجْتَوَوْا المَدِينَة] أي: أصابهم الجَوى، والجوى: نوع من الأمراض، لأن أهل البادية تكون مناطقهم نقيّة، ونافهة، فإذا دخلوا المدن يصيبهم هذا النوع من المرض، ويُسمّى الجوى، وسببه كما ذكر الإمام النووي،
    وغيره:
    إختلاف الموضع، والطعام عليهم؛ لأنهم ألفوا طلاقة الجوِّ، ونظافة ما يؤكل ويشرب، بخلاف المدن التي تكون وخيمة، ووبيئة عادة؛ بسبب كثرة الناس بها، وضيق أماكنها، فأمرهم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وهذا من طبِّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عالج المريض بمألوفه، والأطباء يعتبرون هذا، وهو أن بعض الأمراض يكون علاجها بِرَد الإنسان إلى مكانه الذي ألِفَه، وإعتاد عليه،
    حتى قالوا:
    إنه يتأثر بأرضه، وهوائها، ومائها، وكان بعض الأطباء يُداوي بالماء الذي يكون في الموضع الذي وُلِدَ فيه الإنسان، وما فيه من مأكل، ومشرب، كما بيّنَهُ الإمام ابن القيم رحمه الله في الطبِّ النّبوي، ووجه دلالة هذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه،
    وروثه:
    أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذنَ لهم بشرب البول، فلو كان نجساً لما أذن لهم بذلك؛
    لأنّ النجس محرّمٌ شربه والله لم يجعل شفاء الأمّةِ فيما حرمه عليها كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
    [إِنّ الله لمْ يجعلْ شِفاءكمْ فِيمَا حَرمَ عَليكمْ] فأَمَرُهُ عليه الصلاة والسلام بالإستشفاء ببول الإبل يدلُّ على طهارته، وأكّد ذلك طوافه عليه الصلاة والسلام على بعيره، وصلاته النّافلة عليه في السفر كما ثبت في الصحيحين، ومن المعلوم أن البعير لا يسلم غالباً من طشاش بوله، وروثه على فخذيه، وما قارب مخرج البول، والروث، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يُصلي، ويطوف وهو راكب عليه فدلّ على طهارة روثه وبوله.ولما جاءت السنة أيضاً بالإذن بالصلاة في مرابض الغنم؛
    دلّ ذلك على:
    أن العلّة هي كون الإبل، والغنم من الحيوانات التي أذن الشرع بأكل لحمها.
    فصح القول بطهارة فضلة مأكول اللحم سواء كانت بولاً، أو روثاً، كما نصَّ عليه المصنف رحمه الله في هذه العبارة، وقد قوى هذا المعنى المستنبط مما ذكرنا من الأحاديث السابقة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما حُرّمَتْ لُحومُ الحُمُرِ الأهليةِ حكم بنجاستها،
    فقال كما في الصحيح:
    [إِنها رِجْسٌ] فدلّ على أن تحريم الأكل يوجب الحكم بالنجاسة، وعكسه يدل على الطهارة،
    ولذلك وصف الله مباح الأكل بالطيب فقال سبحانه:
    {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ولا طيب لنجسٍ.
    قوله رحمه الله: [ومنيّه، ومنيّ الآدمي]: قوله: [ومنيّه]: أىِ: منيُّ ما يؤكل لحمه، فإنه يُعتبر طاهراً، لأنه فضلة، وقد تقدم بيان الدليل على ذلك، ولأنه إذا كان روثه، وبوله طاهر، فمن باب أولى المني؛ لأن فضلة البول، والروث أشدّ في حكم النجاسة من المنيّ، أصله الآدمي.وأما منيُّ الآدمي فقد تقدم وصفه، وضبطه في باب الغسل.
    وهو طاهر في أصحِّ قولي العلماء رحمهم الله كما بيّناه في شرح البلوغ حيث ذكرنا فيه قولي العلماء رحمهم الله بالنجاسة والطهارهَ، وهل نجاسته مخففة، أو باقية على الأصل؟وقد دلّ على طهارته دليل السنة، كما بيّنا في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيح، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصلي بثوبه، وأثر الجنابةِ فيه.
    وقد أنكرت رضي الله عنها على ضيفها حينما غسل الثوب من المنيّ، وجاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند البيهقي،
    وغيره أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
    [إنّما هو بمنْزِلةِ المُخَاطِ يَكْفِيكَ أَن تَحُتّه عَنْكَ بإِذْخِرَةٍ] فأكّد القول بطهارته.
    وظاهر قول المصنف رحمه الله: [الآدميّ] العموم في الرجال، والنساء.
    قوله رحمه الله:
    [ورُطوبةُ فَرْجِ المَرأة]: الرطوبة: (سائل يخرج من رحم المرأة في حال الجماع، وغيره) فيخرج تارة بشهوة، وتارة بدونها، هذا السائل نصّ المصنف رحمه الله على طهارته، وهو رواية عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية رحمة الله على الجميع، وقد بنوا مذهبهم على أن الأصل الطهارة، ولا دليل يخالفها، فوجب البقاء على الأصل الموجب للحكم بالطهارة.وذهب طائفة من العلماء رحمهم الله إلى القول بنجاسته وهو الرواية الثانية عند الحنابلة، والوجه الثاني عند الشافعية رحمة الله على الجميع.واستدلوا على نجاسته بدليل النّقل،
    والعقل:
    أما دليلهم من النّقل فما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: [لِيَغْسِلْ مَا أَصابه مِنْها] وهذا الحديث وارد فيمن جامع زوجته، ولم يُترل حيث كان في أول الإسلام لا يلزمه غسلٌ للجنابة، ولكن يُؤمر بغسل فرجه، وما أصابه من رطوبة فرج المرأة، وهذا النصّ واضح في دلالته على نجاسة رطوبة فرج المرأة،
    ووجه الدلالة:
    أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بغسل الذكر مما أصابه، والذي أصابه أثناء الجماع إذا وقع بدون إنزال للمني إنما هو رطوبة الفرج، فدلّ هذا على نجاستها، ووجوب غسل ما أصابته.وأما دليل العقل؛
    فهو القياس:
    حيث إن رطوبة فرج المرأة تخرج عند شهوتها، فهي كالمذي في الرجل؛ فتكون نجسة.وإذا ثبت أن رطوبة فرج المرأة نجسة فإنه يرد الإشكال،
    والسؤال:
    بأنه قد تعم البلوى بهذه الرطوبة ومن النساء من تجلس ساعاتٍ مبتلاةً بهذه الرطوبة؛ فهل نحكم بالنجاسة أيضاً، وكيف تكون طهارتها؟
    نقول:
    إنها كالمستحاضة، فكما أن المرأة يصيبها دم الإستحاضة، ويستمر معها أحياناً شهوراً، والشريعة تحكم بكون هذا الدم نجساً، كما بين ذلك عليه الصلاة والسلام وذلك حينما أمر بغسله،
    ويكاد يكون بالإجماع:
    أن دم الإستحاضة نجس، ولم تَمْنَعْ كثرةُ دم الإستحاضة الحكمَ بنجاسته شرعاً؛ كذلك كثرةُ رطوبةِ الفرج لا تمنع الحكم بالأصل، لكن إذا كثرت على المرأة فإنّها تترخص برخص المستحاضة فيما تشبهها به، فتضع قطنة تشدُّ بها الموضع، فإن غلبها الدم فإنها تصلي على حالتها، وتتوضأ لدخول كل وقت، فالمرأة التي تغلبها الرطوبة، وتصل بها إلى درجة المشقة حكمها حكم الإستحاضة سواء بسواء على التفصيل الذي سنذكره فيها -بإذن الله تعالى- في كتاب الحيض، وهذا لا حرج فيه، ولا مشقة؛
    لأن القاعدة في الشريعة:
    " أَنَّ الأمرَ إِذَا ضاقَ إِتَّسَعَ "، فما دام أنه يضيق على المرأة، ويحرجها؛ فإنّها تتعبد الله -عز وجل- على قدر وسعها،
    وطاقتها كما قال سبحانه:
    {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (3).
    وقوله:
    [رُطُوبةُ]: فيه تخصيص، حيث دلّ على أن غير الرطوبة من فضلات بدن المرأة الأخرى تُعتبر طاهرة، ولا يُحكم بنجاستها مثل العرق والبصاق والريق واللعاب.
    قوله رحمه الله: [وسؤرُ الهِرّةِ، وما دُونَها فِي الخلْقَةِ طَاهِرٌ]: قوله: [وسؤرُ الهِرّةِ]: السؤر: الفضلة من الشراب، واحد الآسَار،
    وصورة المسألة:
    أن تشرب الهرة من إناء، ثم تُبْقِي فضلةً بعد شربها فهذه الفضلة باقية على الأصل، ولا يُحكم بنجاستها لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي قتادةَ رضي الله عنه أنه كانَ يتوضّأ من إناء، فجاءت هرة فَأصْغَى لها الاناءَ حتّى شربتْ، ثُمّ أتم وضُوءَه من سؤرها،
    وكبشةُ بنتُ كعبِ بنِ مالكٍ تنظرُ إليه فقال:
    أتَعْجبينَ يا إِبنَة أخي؟
    فقالت:
    نعمْ،
    فقال:
    إنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [إِنها ليستْ بِنَجسٍ إنها من الطّوافينَ عليكُمْ، والطَّوافاتِ]، فدلّ هذا الحديث على طهارة الهرة حيث صرّح عليه الصلاة والسلام بعدم نجاستها، وفي هذا الحكم تيسير، ورحمة بالناس؛ لأن الهرة تخالطهم، وتكون معهم، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-
    مشيراً إلى هذه العلّة:
    [إنها منَ الطوافينَ عَليْكُمْ، والطوافَاتِ] ومن أهل العلم من قال: هي نجسة، ولكن خُففَ في حكمها لمكان المشقة؛
    وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام:
    [إِنها منَ الطّوافينَ عَليكمْ، والطّوافَاتِ] قالوا: إذ لو كانت طاهرة في الأصل لقال: إنها طاهرة،
    لكن كونه يقول:
    [إنها من الطّوافينَ عليكمْ، والطّوافاتِ] كأنه يقول: إن فيها من الحرج،
    والمشقة ما يوجب التخفيف في نجاستها وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ولكنّ قوله عليه الصلاة والسلام:
    [إِنّها ليستْ بِنَجَسْ] صريح في الدلالة على نفي نجاسة الهرة، فترجّح به مذهب الجمهور رحمهم الله.
    قوله رحمه الله:
    [وما دُونها في الخِلْقَةِ] الضمير عائد إلى الهرة، ودون
    الشيء: أقلّ منه؛ ضدّ الأعلى،
    وظاهر كلام المصنف رحمه الله العموم أي:
    أن كل ما كان من السباع دون الهرة في الخِلْقَة فهو طاهر مثل: النِّمْسِ، والنّسْناسِ، والقُنْفذِ، وابنِ عُرْسٍ، والفَأرِ.وأما ما كان فوق الهرة في الخِلقة من السباع فنَجِسٌ،
    ومثاله:
    الأسدُ، والنّمرُ، والذِّئبُ، والفَهْدُ، والكَلْبُ،
    وكذلك سباع الطير مثل:
    النّسرِ، والصّقرِ، والبَازِ.ويدخل في ذلك ما لا يؤكل لحمه فيلتحق بالسباع كما نصَّ عليه بعض فقهاء الحنابلة رحمهم الله،
    ومثاله:
    الفيل، والحمار.وكذلك ما توالد من مأكول اللحم، وغيره كالسِّمع ولد الضَّبع من الذِّئب.فأصبح القدر المعتبر عندهم بالهرّة فما كان مثلها، أو زاد عليها من السباع، أو كان محرم الأكل فإنه نجس وسؤره كذلك، وما كان دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر، وهذا القول مرجوح لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إستثنى الهِرَّة من أصل عام، فبقي ما عداها على الأصل؛ لكننا لا نحكم بنجاسة سؤره إلا إذا تغيّر كما تقدم معنا في مسألة القُلّتين،
    والحنابلة إحتاجوا إلى هذا لأن مذهبهم:
    أن ما دون القُلّتين ينجُس بمباشرة النجاسة سواء تغيّر، أو لم يتغيّر، وأما الحكم بطهارة الحيوان، ونجاسته فهذا راجع إلى حِلِّ أكله، وحرمته على تفصيل سيأتي -بإذن الله تعالى- في محله في كتاب الأطعمة.وإذا تبيّن أن الهرة طاهرة، وأن سؤرها طاهر، فإن هنا مسألة ينبغي التّنبيه عليها، وتُعتبر مستثناةً من هذا الحكم،
    وهي:
    أن تراها قد أصابت نجاسة ورأيتها على فمها، فإن سؤرها نجس إذا تغيّر بذلك النجس.
    صورة ذلك: لو رأيتها إِغتذت بميتةٍ، فنهَشَتْ من لحمها، ورأيت فضلة اللحم الذي نهشته على فمها، وشَرِبَتْ من إِناءٍ بعد ذلك، وأفضلت السؤر متغيّراً لونه، أو طعمه، أو رائحته بتلك النجاسة؛ حكمنا بكون الماء متنجساً؛ لكن هذا في بعض الأحوال؛ لا في كلّها فيقتصر الحكم بنجاسة السؤر عليها، وعلى أمثالها من الصُّور مما يتغير فيها الماء بعد شرب الهِرّة منه، وهذا معنى قول الإمام خليل بن إسحاق في مختصره [وإِنْ رِيئَتْ على فَمِهِ عُمِل عَليْها] فقوله: [وإن رِيئَتْ] يعني: رُئيت النجاسة،
    وقوله:
    [على فَمِه] يعني فَمَ الهِرِّ عُمِل عليها يعني حُكِمَ بِحُكْمِها إن أثّرت في الماء فالماء نجس، وإن لم تؤثر فالماء طهور.
    قوله رحمه الله: [وسباعُ البهائمِ، والطّيرِ، والحمارُ الأهليُّ، والبغلُ مِنْه نجسة] أي: أن جميع هذه الحيوانات محكوم بنجاستها فيدخل في قوله: [سِباعُ البَهائمِ] الأسد، والنّمر، والفَهْد، والذِّئب، ونحوها،
    وقوله:
    [والطّيرِ] أي: سباعُ الطّير، وهي الطيور الجارحة كالصّقر، والبَاز، والنّسر، والعُقَاب، والشَّاهين، ونحوها كلُّها نجسة.
    وقوله: [والحمارُ الأهليُّ] أي: أنه نجس،
    ومفهوم قوله:
    [الأهْلِيُّ] أن الحكم خاص به، فلا يشمل حمار الوحش لأنه مباح الأكل طاهر، كما دلّت السّنة على ذلك في حديث أبي قتادة رضي الله عنه في الصحيح.
    وقوله:
    [والبَغْلُ] هو الحيوان المعروف، وهو متولد من طاهر مباح الأكل، وهو الخيل، ونجس محرم الأكل وهو الحمار الأهلي،
    ولذلك أشار إلى تولّده من الحمار الأهلي بقوله:
    [والبغلُ مِنْه] فالضمير عائد إلى الحمار، دون ما تولد من الخيل.أما الدليل على تحريم هذه الأشياء، ونجاستها فهو مبني على أنّ السنة دلّت على أن محرَّم الأكل نجسٌ في الأصل، وذلك لما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما نزلَ تحريم الحمُرِ الأهليّةِ أمر بإِكْفاءِ القدور،
    وإراقتها وقال: [إِنها رِجْسٌ]، وفي هذا دليل على أن المطعوم إذا صار حراماً حُكِمَ بنجاسته فصار كالميتة التي لا تَعْملُ فيها الذكاة، فلا يَطْهُر حياً، ولا ميتاً، وأما الدليل على تحريم أكل هذه الحيوانات فسيأتي بيانه بإذن الله تعالى في كتاب الأطعمة، وتفصيل أحكامه، والله تعالى أعلم.

    (1) التوبة، آية: 28.
    (2) البينة، آية: 1.
    (3) البقرة، آية: 286.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (44)

    صـــــ383 إلى صــ395



    [باب الحيض]
    قال الصنف رحمه الله: [باب الحيض]: الحيض باب عظيم، تتفرّع عليه مسائل مهمّة تتعلق بعبادات الناس، ومعاملاتهم، ولذلك إعتنى به المحدثون، والفقهاء -رحمة الله عليهم-، وما من كتاب يتكلم عن أحكام الشريعة في العبادات؛ إلا عقد له باباً خاصاً أورد فيه أحاديثه إن كان من كتب الحديث، أو أحكامه إن كان من كتب الفقه، وإتقانه ليس من السهولة بمكان بل هو عسير؛ إلا على من يسره الله عليه، ولذلك بين الإمام النووي -رحمه الله-: " أنه منْ عويصِ الأَبوابِ "، ولا شك أن الذي يتقنه يسدُّ ثغراً عظيماً من ثغور الإسلام.
    والسبب في ذلك أن المرأة تلتبس عليها صلاتها، وصيامها، وعمرتها، وحجها، وغير ذلك من عباداتها التي تشترط لها طهارتها، ويلتبس على الرجل إباحة جماعها، وجواز تطليقه لها، وانقضاء العدة، وعدم انقضائها، كل هذه المسائل تحتاج معرفة جوابها إلى الإلمام بالأحكام التي بينها العلماء رحمهم الله في باب الحيض.ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.وقد ألف العلماء -رحمة الله عليهم- فيه تآليف مفيدة، وجمعها الإمام الدارمي في كتاب مستقل، وتكلّم الإمام النووي -رحمه الله- على مسائله فيما لا يقل عن مائتي صفحة،
    وقال:
    (إنه لم يستوعب شتاتها)، والحيض حينما يبحث،
    يبحث من وجهين:
    الوجه الأول: أصول باب الحيض، وهي المسائل التي تنبني عليها أحكامه في الأصل؛ كما في مسائل أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره، وضوابط العادة، والتمييز، وعلامة الطهر، ونحوها من المسائل.
    والوجه الثاني:
    الفروع المتعلقة بهذه الأصول، ومسائلها مهمة جداً، وهي تنبني على مسائل الأصول فينبغي على طالب العلم أن يعتني بضبطها، وكيفية تخريجها، وبنائها على أصولها،
    قال بعض أئمة الحديث:
    (في الحيض ما يقرب من مائة حديث، ولهذه الأحاديث ما يقرب من مائة، وخمسين طريقاً)،
    ولذلك قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله:
    (هي مسائل تأكُلُ الكَبِدَ، وتُنْهِضُ الكَتِدَ، ولا يُتْقِنُها منكم أَحدٌ).
    ومن أوضح الدلائل على أهمية مسائل الحيض، وصعوبة ضبطها ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: (إنّه جلس فيه تسع سنوات حتى فهمه)،
    وللأسف نجد من يُثَرّب على العلماء ويقول: علماء الحيض والنفاس، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أمست امرأته حائضاً، وهو لا يعرف أحكام الحيض، والنفاس لما أحسن جوابها، ولعرف قدر علماء الحيض، والنفاس، ولو انتصب أمام مسائل الناس، وفتاويهم وما ينزل بهم في حيض نسائهم، ونفاسهم من مسائل العبادات، والمعاملات، وما يترتب عليها من أحكام شرعية لعرف فضل علماء الحيض، والنفاس، ولذلك لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهذا الباب، والاستخفاف بعلمائه يدل على مرض في قلب صاحبه، وهذه كلمة قد ينطق بها صاحبها، ولا يعلم مقدار خطرها عليه في دينه، وعند ربّه كما
    قال تعالى: {وَتَحْسَبونه هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (1)، ولذلك ما جاء الأمة البلاء إلا من الغلو، تجد العابد الصائم القائم يحتقر طلاب العلم، ويحسَّ أن الدين هو الصيام والقيام، وتجد طالب العلم يحتقر العابد، وهذا لا يجوز؛ وهو سبب الهلاك كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-[إنما أهلكَ منْ كانَ قبلكمْ الغُلُو] فلا يجوز الغلو في الدين، فالإنسان إذا فتح الله عليه في طاعة فعليه أن لا يحتقر غيره، فكل على ثغرة،
    والله يقول:
    {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (2) فأنبه على هذا؛ لأنها مسألة خطيرة جداً أن يُستهزئَ بالعلماء، وينبغي على طلاب العلم أن يتنبهوا لهذه الآفة من آفات اللسان -نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الهوى، والردى-، المقصود أن هذا الباب باب عظيم، وينبغي على طالب العلم أن يتهيأ لضبطه، وإتقانه.
    قوله رحمه الله: [باب الحيض]: الحيض في اللغة: السيلان.
    يقال: حاضَ الوادي: إذا سالَ ماؤُه،
    وحاضت السّمرةُ:
    -وهي نوع من الشجر-، إذا سال منها الصُمْغُ، والمرأة حائض، وحائضة، ونُوزع في الثاني، لأن الذي لا يشترك فيه الذكر، والأنثى لا يُؤنث بالتاء،
    فيقال:
    امرأة حائضٌ،
    كما يقال:
    امرأة طالقٌ؛ لأن الرجل لا يُطلق، وكذلك لا يحيض،
    ولا يقال:
    امرأة طالقة، أو حاملة.
    واختلفت تعاريف العلماء للحيض اصطلاحاً،
    منها قولهم:
    [دمٌ يُرخِيه رحمُ المرأةِ عادة لغيرِ مرضٍ وولادة].
    (يُرْخِيهِ)
    : أي يسيل منه،
    وقولهم:
    (رحم المرأة) الرَّحم بفتح الراء، وكسر الحاء، وبكسر الراء مع سكون الحاء، هو مكان منبت الولد، ووعاؤه.
    وقوله (رحم المرأة) قيد يخرج الدماء الخارجة من المواضع الأخرى من جسد المرأة.
    وقولهم (لغير مرض) قيد أيضاً يخرج الدماء الخارجة من فرج المرأة بسبب المرض كدم الإستحاضة.
    وقولهم (وولادة) أي لغير ولادة، وهو قيد أيضاً يخرج دم النفاس، فلا يسمى حيضاً؛ لأنه دم ولادة.أما بالنسبة للحيض فذكره المصنف -رحمه الله- في هذا الموضع لتعلقه بمباحث الطهارة.
    وأما بالنسبة لمناسبة ذكره بعد إزالة النجاسة:
    فدم الحيض دم نجس بالإجماع، وهو نوع من أنواع النجاسات،
    ومن باب الفائدة:
    فإنه لو أمكن لطالب العلم أن يقرأ كلام الأطباء في هذا الدم الذي يرخيه الرحم، وينظر إلى بديع صنع الله -عز وجل- وعظيم حكمته، وكمال علمه -سبحانه وتعالى-، فلو قرأت كلام الأطباء ونظرت إلى الحِكَم التي توجد في هذا الدم في كيفية خروجه، وكيف يتهيأ ذلك الرحم لإخراجه، وإفرازه، ثمّ كيف ينقبض بإذن الله -عز وجل- بعد الخروج، وكيف يتهيأ الحمل في الرحم، ثم كيف يتم إفرازه للهرمونات التي تعين على الحمل، حتى إذا شعر المبيض أنه ليست هناك ولادة إِمتنع من إفراز هرمون الحمل، فأخذت الأوعية تتقلّص، ثم أخذت تُفرز ذلك الدمَ، ثم يرسل الله -عز وجل- له كالخميرة تفكِّك هذا التَّجلُّطَ، سبحان الله! هذا كلُّه من الدلائل على عظمة الله -جل جلاله-.
    الحيض له أسماء ومنها: النفاس، والإكبار، والإعصار، والطمث، والضحك، والفراك، والدِّراس، والطمس، والعراك فهذه أسماء عشرة مع إسمه الأصلي.
    قال المصنف رحمه الله: [لا حيض قبل تسع سنين]: أي لا حيض للمرأة إذا كان عمرها دون تسع سنين، وهذه مسألة أقل سن تحيض فيه المرأة، ويستفاد منه أننا لا نحكم بكون الدم حيضاً إلا إذا بلغت هذا السن، فإذا جرى معها الدم، وهي أصغر منه؛ فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وأما إذا بلغت السن المعتبر للحيض، وهو تسع سنين، ثم جرى معها الدم حكمنا بكونه حيضاً، وبكون المرأة بالغة، لأن الحيض من علامات البلوغ الخاصة بالنساء.
    وإعتبار سن التسع هو أحد أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وقد تكلمنا عليها في شرح البلوغ، وهو الراجح في نظري، والعلم عند الله، وذلك لدلالة الشرع، والعادة،
    أما دليل الشرع:
    فما ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه عقَدَ على عائشة رضي الله عنها، وهي بنت ستّ سنين، ودخل عليها وهي بنت تسع سنين؛ فدلّ على أن الجارية في هذا السن تتأهل للبلوغ، والحيض، وأكد هذا دليل الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث نصّت على أن التسع سنين تتهيأ فيها الجارية للبلوغ، وأما دليل العادة، فإنه ثبت بالعادة،
    والتجربة أن هذه السن هي أقل ما وجد كما صرح بذلك الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال: " أعْجَلُ من رأيت في الحيضِ نساءَ تهامةَ رأيت جَدَّةً، وهي إِبنةُ إِحْدَى، وعِشْرينَ سَنةً " وهذا يدلّ على أن أقل ما وجد من سن تحيض فيه المرأة هو سن التسع، فصارت حدّاً معتبراً لأقل الحيض.
    إذا تقرر أن بداية الحيض بالتسع: يرد السؤال عن نهاية الحيض، والسبب الذي جعل العلماء يذكرون مسألة بداية الحيض،
    ونهايته: دلالة الكتاب، فإن الله -عز وجل-
    قال:
    {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (3) فأثبت أن الحيض لا يكون لكل صبية، وأن هناك من النساء من تحيض لأنها بلغت سن الحيض، ومنهن من لا تحيض لأنها لم تبلغ ذلك السن، فعلمنا أن للحيض بداية، وأنه لا يكون من كلّ صبية،
    ولما قال:
    {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} علمنا أيضاً أن هناك نهاية للحيض؛ ولذلك اعتنى العلماء رحمهم الله ببيان بداية الحيض، ونهايته، وقد بينا متى تكون البداية، أما النهاية فإنها تُسمّى عندهم بسنّ اليَأْسِ،
    وهي:
    السن التي إذا وصلت إليها المرأة يئست من جريان دم الحيض معها لكونه ينقطع في مثل تلك السن غالباً، وقد إختلف العلماء رحمهم الله في آخر سن ينقطع فيه دم الحيض،
    فقال بعضهم:
    هو خمسون عاماً على ما ذكر المصنف رحمه الله.
    وقال بعض أهل العلم: ستون،
    وقال بعضهم وهو القول الثالث وهو الأقوى والعلم عند الله:
    إن هذا يختلف باختلاف البيئات، والنساء، وطبيعة الأرض التي فيها المرأة، فالبلاد الحارّة تختلف عن البلاد الباردة في طبائع النساء؛ ولذلك لا يحد فيه سن معين ويرجع في تحديده إلى غالب حال النساء في كل موضع بحسبه.إذا تقرر أن آخر الحيض، أو نهاية سن الحيض هي الخمسون بناء على ما ذكر المصنف فإنه ينبني عليه أنها لو بلغت الخمسين، ودخلت في إحدى وخمسين ورئي معها الدّمُ؛ أنه استحاضة، فلا يُعطى حكمَ دم الحيض،
    ينبني عليه أيضاً أن تقول لها:
    إعتدِّي بالأشهر، ولا تعتدِّي بالحيض؛ لأن الدم الذي معها أُلغي، فهذه فائدة معرفة آخر زمن للحيض، أنك إذا أثبت أنه يتأقّت فببلوغ المرأة لهذا الأمد المؤقت يُحكم بكونها آيسةً منه فتعتدُّ بالأشهر، ولا يمنع دمُها ما يمنعه دمُ الحيض.
    قوله رحمه الله: [ولا مَعَ حَمْلٍ]: لأن الله جعل عدة الحوامل وضع الحمل،
    فإذا ولدت خرجت من عدتها كما نصّ على ذلك في قوله سبحانه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فلو كانت الحامل تحيض لجعل عدتها بالأقراء إعمالاً للأصل؛ ولذلك قال الإمام أحمد -رحمة الله عليه-: " إنما تَعرفُ النساءُ الحملَ بانقطاعِ الدّمِ ".
    أي: أن الحمل من طبيعته، ومن شأنه أنه يُعرفُ بانقطاع دم الحيض، فدلّ على أنه لا يجتمع الحيض، والحمل، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد هي المذهب رحمة الله على الجميع.
    وقال طائفة من العلماء: إنه يجتمع الحيض، والحمل، وهو مذهب بعض أهل العلم منهم المالكية، وعندهم تفصيل في ضوابط الحيض في الحمل، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع.
    فائدة الخلاف: أنه لو حملت المرأة، وجرى معها دم،
    فإن قلنا:
    إن الحامل تحيض، وجاء في أمد الحيض حكم بكونه دم حيض، ومُنعت من الصلاة، والصيام،
    وإن قلنا:
    إن الحامل لا تحيض؛ ففي هذه الحالة يُحكم بكونه دم فساد، وعلّة، وهي طاهرة.
    قال رحمه الله: [وأَقلّهُ]: أي: أقلّ الحيض [يومٌ، وليْلَةٌ] أي: أن أقل الحيض أن يستمر جريان الدم يوماً، وليلة، ويُستفاد منه أنه إذا جرى أقلّ من ذلك فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وهذا هو أحد أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة رحمة الله على الجميع.
    وهذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
    القول الأول: لا حدّ لأقلِّ الحيض كما هو مذهب المالكية، والظاهرية، واختيار شيخ الإسلام إِبن تيمية -رحمة الله على الجميع-.
    القول الثاني: أقلّه يوم، وليلة، وهو كما تقدم مذهب الشافعية، والحنابلة -رحمة الله على الجميع-.
    القول الثالث:
    أن أقلّه ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية رحمهم الله.
    فائدة هذا الخلاف: أنك إذا قلت: لا حدّ لأقلّ الحيض فإنك تقول: إذا رأت المرأة دم الحيض في زمان الحيض، وإمْكَانه، وجرى معها، ولو ساعةً من نهار؛ فإنها تحكم بكونها حائضاً.وإن قلت أقلّه يوم، وليلة؛
    فإنك تقول:
    إن جرى الدم مع المرأة ننظر إن إستمر يوماً كاملاً أربعاً، وعشرين ساعة؛ فهو دم حيض، وإن إستمر أقل من ذلك فهو دم استحاضة، لا يمنع صوماً، ولا صلاةً.
    وإن قلت: أقلّه ثلاثة أيام فكذلك.
    والذي يترجح في نظري،
    والعلم عند الله هو القول:
    بعدم التّحديدِ،
    أي:
    أن الحيض لا حدّ لأقله فما دام أنه جرى مع المرأة الدم في وقت الحيض، فهو حيض حتى ولو كان دفعة واحدة.وذلك لأن اليقين أنه حيض لأنه جاء في وقته، وفي أمده، وليس في الشرع دليل قوي يدلّ على التّحديد لأن ما استدلوا به عليه إما ضعيف لضعف سنده، أو دلالته كما بيّناه في شرح البلوغ، فبقينا على الأصل.
    قوله رحمه الله:
    [وأكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً]: إذاً الآن عرفنا من هي المرأة التي تحيض؟ وعرفنا ما هو أقل الدم الذي يمكن أن نحكم بكونه حيضاً، وأنّ الصحيح لا حدّ له.
    يرد سؤال بعد هذا وهو: هب أن هذه المرأة عمرها تسع سنوات، وجرى معها الدم، إن قلنا على مذهب من يقول جرى معها الدم، ولو دفعة جرى معها، واستمر، وإن قلنا على مذهب من يقول يوم وليلة جرى معها، واستمر أكثر من ثلاثة أيام، وحكمنا بأنها حائض على الأقوال كلها واستمر حتى بلغ أياماً،
    فهل نقول:
    إنه ما دام أننا حكمنا بكونها حائضاً تبقى حائضاً طيلة جريانه معها، أم أن دم الحيض مؤقّت، وما زاد عن تأقيته نعتبره إستحاضة؟
    الجواب: أن دم الحيض بالإجماع مؤّقت؛ بدليل أن الله أخبر في كتابه عن دم الحيض أنه ينقطع عند حدِّ معين،
    وهو طهر المرأة كما في قوله سبحانه:
    {وَيَسْأَلُونك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (4) فأخبر أن للحيض غاية، وكذلك بين عليه الصلاة والسلام أن للحيض أياماً مخصوصة،
    وذلك في قوله: [لتَنْظُره الأيامَ التي كَانت تَحيضُهُنَّ] فبين أن الحيض مختص بأيام، وليس بمستديم، بل له غاية ونهاية، مؤقت بها، وإذا ثبت أن له نهاية، وغاية؛
    فإنه يرد السؤال:
    ما هي هذه الغاية التي إذا بلغها الدم، وجاوزها حكمنا بكون المرأة قد إنتهى حيضها وأصبحت مستحاضة؟
    والجواب أنها: خمسة عشر يوماً؛ أي أن المرأة إذا جرى معها دم الحيض، واستمر معها لأكثر من خمسة عشر يوماً جزمنا بأن ما زاد على الخمسة عشر إستحاضة؛ لأنه لا حيض بعد خمسة عشر يوماً؛ ثم يرد السؤال هل كل الخمسة عشر يوماً حيض، أو بعضها؟ فيه تفصيل سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
    وهذا على قول الجمهور؛
    وفيه حديث:
    [تَمكُثُ إِحدَاكُنّ شَطرَ عُمْرِها لا تُصلّي]؛ ولكنه متكلّم في سنده، والعمل عند أهل العلم -رحمة الله عليهم- على أن ما جاوز الخمسة عشر ليس بحيض، وهو إجماع لأن الخمسة عشر لم يقل أحد بعدد أكثر منها فما زاد عليها متفق على عدم إعتباره حيضاً، والخلاف بين العلماء رحمهم الله في ما دون الخمسة عشر، وفوق الثلاثة عشر؛ فالجمهور رحمهم الله على التَّحديد بالخمسة عشر، والحنفية رحمهم الله على التَّحديد بثلاثة عشر يوماً لحديث ضعيف الإسناد،
    وفيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الحيض:
    [أقلّه ثلاثةَ أيامٍ، وأكثرُه ثلاثةَ عشرَ يوماً] وهو حديث ضعيف الإسناد عند المحدثين، فأصبح القول بخمسة عشر محل إتفاق فكان أرجح؛ لأن ما دونها إذا شُكَّ فيه بقي على الأصل، وهو كونه حيضاً.
    إذاً ففائدة معرفة أكثر الحيض: أنه إذا نزف معها الدم، واستمر حتى جاوز أكثر الحيض علمت أنها مستحاضة، هذا بالنسبة لمعرفة أكثر الحيض.
    لكن يرد السؤال: إذا علمنا أنه لا حدّ لأقل الحيض، وأن أكثره خمسة عشر يوماً؛ فما هو غالب حيض النساء؟
    فقال رحمه الله: [غالبُه ستٌ، أو سَبْعٌ]: والدليل على ذلك: قوله -عليه الصلاة والسلام-
    في حديث حمْنةَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنها:
    [تَحيّضي في علمِ اللهِ سِتاً، أو سَبْعاً] وقد حسّنه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي رحمهم الله، وقد دلّ على أن الغالب في المرأة أن يجري معها دم الحيض، وتكون عادتها ستة أيام، أو سبعة، و " أو " في قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [ستّاً، أو سبعاً] للتنويع في الغالب أي: أن من النساء من تحيض ستاً، ومنهم من تحيض سبعة أيام.
    قوله رحمه الله: [وأَقلّ طُهرٍ بَيْنَ حَيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً]: الطُّهر هو: النقاء من الدنس،
    وأصل الطهر:
    النظافة يقال: طَهُرَ الشيءُ إذا نظف، ومن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن هذا على الغالب، وتكون هناك علامة على إنقطاعه، وهي ما يُسَمَّى القَصّةَ البيضاءَ، وهي: ماء كالجِيرِ يخرج من الموضع، ويعرفه النساء،
    وعنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بقولها كما في صحيح البخاري:
    [إِنتظرْنَ لا تَعجَلِنّ حَتّى تَرينَّ القصةَ البيضاءَ] هذه علامة الطهر الأولى.
    وهناك علامة ثانية مختلف فيها وهي: الجُفوفُ، والجُفوفُ: أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقياً لا دم فيه، يعني يجفُّ الموضع،
    هذه مختلف فيها:
    هل هي علامة طهر، أو لا؟فمن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة، وهي الطهر، فتبقى طاهراً أمداً، هذا الأمد يقلّ، ويكثر، ولذلك يحتاج الفقيه، وطالب العلم أن يعرف ما هو أقلُّ الطُّهر بين الحيضة، والحيضة لكي يتمكن من الحُكم بدخول المرأة في الحيضة الثانية بعد مجاوزتها أقل الطهر إذا كان الدم مستمراً معها،
    أو عاودها بعد إنقطاعه فبيّنه المصنف رحمه الله بقوله هنا:
    [وأقلُّ طهرٍ بين حيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً].
    سبعاً] للتنويع في الغالب أي: أن من النساء من تحيض ستاً، ومنهم من تحيض سبعة أيام.
    قوله رحمه الله: [وأَقلّ طُهرٍ بَيْنَ حَيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً]: الطُّهر هو: النقاء من الدنس،
    وأصل الطهر:
    النظافة يقال: طَهُرَ الشيءُ إذا نظف، ومن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن هذا على الغالب، وتكون هناك علامة على إنقطاعه، وهي ما يُسَمَّى القَصّةَ البيضاءَ،
    وهي: ماء كالجِيرِ يخرج من الموضع، ويعرفه النساء،
    وعنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بقولها كما في صحيح البخاري:
    [إِنتظرْنَ لا تَعجَلِنّ حَتّى تَرينَّ القصةَ البيضاءَ] هذه علامة الطهر الأولى.
    وهناك علامة ثانية مختلف فيها وهي: الجُفوفُ،
    والجُفوفُ:
    أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقياً لا دم فيه، يعني يجفُّ الموضع،
    هذه مختلف فيها:
    هل هي علامة طهر، أو لا؟فمن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة، وهي الطهر، فتبقى طاهراً أمداً، هذا الأمد يقلّ، ويكثر، ولذلك يحتاج الفقيه، وطالب العلم أن يعرف ما هو أقلُّ الطُّهر بين الحيضة، والحيضة لكي يتمكن من الحُكم بدخول المرأة في الحيضة الثانية بعد مجاوزتها أقل الطهر إذا كان الدم مستمراً معها،
    أو عاودها بعد إنقطاعه فبيّنه المصنف رحمه الله بقوله هنا: [وأقلُّ طهرٍ بين حيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً].

    (1) النور، آية: 15.
    (2) البقرة، آية: 148.
    (3) الطلاق، آية: 4.
    (4) البقرة، آية: 222.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (45)

    صـــــ395 إلى صــ405


    قوله رحمه الله: [ولا يَصِحّانِ مِنْها، بلْ يَحرمانِ]: قوله: [ولا يصحان منها]:أي أن المرأة إذا حاضت فلا يجوز لها أن تصوم، وتصلي، فإذا صامت لم يصحّ صومها، وإذا كانت عالمة بالتحريم، وصامت؛ فهي آثمة شرعاً، لكن لو كانت لا تدري أن هذا الدم دم حيض فكانت تظنّه دمَ استحاضة، وصامت، أو صلّت ظانّة أنها طاهر، وتبيّن أن هذا الدم دم حيض؛ فإنه لا إثم عليها؛ لأنها لم تقصد المخالفة؛ ولا يحكم بصحة صومها، ولا صلاتها، فيلزمها أن تُعيد الصّوم، دون الصلاة.
    قوله رحمه الله: [ويحرمُ وطْؤُها في الفَرجِ]: أي: يحرم على الرجل أن يجامع امرأته الحائض في فرجها؛ والدليل على ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: {وَيَسْأَلُونك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ووجه الدلالة: في قوله سبحانه: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} فالمحيض: إِسم مكان كالمقيل، أي مكان الحيض.
    فقوله: {إعْتَزِلُوا} أمر بالإعتزال،
    وقيّد المعتزل بالمكان في قوله: {فِي الْمَحِيضِ} وهو: إِسم مكان للحيض كالمَقيلِ اسم مكانٍ للقيلولة، فدلّ على حُرمة الوطء في الفرج الذي هو مكان الحيض مدة الحيض، وخصّ الله التحريم بالوطء، وجعل الإعتزال منحصراً فيه، ومفهوم ذلك أنها لا تُعتزلُ في غيره، ومن هنا جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها على خلاف ما كان يفعله أهل الكتاب من اليهود، وغيرهم من عدم مؤاكلة الحائض ومجالستها حتى ينتهي حيضها، وثبتت السنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتحريم الوطء في الفرج بالنسبة للمرأة الحائض،
    كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
    [إصنَعُوا كل شيءٍ إلا النِّكاحَ]،
    فقوله:
    [إِلا النِّكاحَ]
    التقدير: فلا تصنعوه أي لا تفعلوه لأن ما بعد إلا مخالف لما قبلها في الحكم، كما هو مقرّر في علم الأصول.وكما دلّ دليل، الكتاب، والسنة على إعتبار هذا المانع، كذلك دلَّ دليل الإجماع، فقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم وطء الحائض كما نقله الإمام النووي رحمه الله، وغيره.
    إذاً فالحيض يمنع الوطء في الفرج، لكن هل يجوز للزوج أن يُستمتع منها بغير الفرج؟
    هذه المسألة خلافية عند العلماء:
    الأصل عندهم أنه يجوز له أن يستمتع بالمرأة إذا كانت حائضاً بغير الجماع، لكن يأمرها فتتّزر، فتلبس إزارها من ثوب، ونحوه ويُغَطّى الموضعُ المحرّم، وبعضهم يحدّده بما بين السُّرة، والركبة؛ " لأنّ ما قاربَ الشيءَ أَخذَ حُكْمَه "،
    وقد قال عليه الصلاة والسلام:
    [كالرّاعِي يرعَى حولَ الحِمى يُوشِكُ أَنْ يقع فيه]،
    وأكدوا ذلك بقولها:
    [كانَ يأمرُ إِحدَانا فَتتّزرَ فيباشِرُها، وهي حائضٌ] والوزرة: لا تكون إلا إذا غطّت هذا الموضع، فالإزار الغالب فيه أن يكون بهذا القدر.
    وقال بعض العلماء رحمهم الله:
    المحرّم عليه الفرجان،
    ولا مانع أن يستمتع بغير الفرجين:
    ولو كان بالمباشرة، يعني أن المراد بالاتزار أن تشدّ الموضع فقط، ثم لو لامس غير موضع الجماع،
    وإستمتع به لا حرج عليه على ظاهر القرآن في قوله سبحانه:
    {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}.
    وهذا المذهب الثاني أقوى من جهة النصِّ، وهو ظاهر القرآن، والسنة.
    والمذهب الأول أحوط، وأبعد عن الشّبهة في بقائه على الأصل الموجب لتحريم الوطء، وما قارب الفرج وسيلة للمحرم.وفرّق بعض العلماء -وهو قول ثالث- يفرق بين الذي يستطيع أن يضبط نفسه، والذي لا يستطيع أن يضبطها،
    فقالوا:
    يباشر بما دون الفرج قريباً من الفرج إذا كان يملك نفسه، والغالب عليه السلامة وإلا فلا، وهذا القول له أصل من السنة في قبلة الصائم كما سيأتي إن شاء الله، وهو مبني على القياس ومعارَضٌ بعموم الوارد هنا.
    حرم الله وطء الحائض رحمة بالعباد، حتى ذكر بعض الأطباء المعاصرين أنه في إحدى المؤتمرات الطبية،
    قالت طبيبة غربية متخصصة: إنها وصلت إلى أمر هام في الطب، وهو أن من يجامع المرأة، وهي حائض أنه تلتهب عنده البروستات، وهي الغُدّة المعروفة.
    فقال أحد الأطباء المسلمين:
    هذا الذي توصلت إليه اليوم عرفه المسلمون منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً؛ فإن الله -عز وجل-
    يقول:
    {وَيَسْأَلُونك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فأخبر أنه أذى، فهو يشمل أذى الحسِّ، والمعنى، فكان هذا من إعجاز القرآن، فالمسلمون يعرفون أن هذا الشيء يفضي إلى الضرر، ويستوي في ذلك عوامهم، وعلمائهم.
    فمن رحمة الله أنه حرم الجماع في هذا الوقت، وذكر بعض الأطباء أنه كما يؤدي إلى الضّرر بالرجل فإنه كذلك يؤدي إلى أضرار في نفسية المرأة.
    قوله رحمه الله: [فإِنْ فَعَل فعليهِ دينارٌ، أو نِصْفُه كفارةً]
    قوله: [فإن فَعل]: أي المكلف، فجاوز حدود الله عز وجل وجامع امرأته، وهي حائض.
    قوله رحمه الله: [فعَليْه دينارٌ، أو نِصْفُه]: الأصل في هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد اختلف في رفعه، ووقفه أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال في الذي يأتي إمرأته،
    وهي حائض:
    [يتصدّقُ بدينار، أو نصفِ دينارٍ] رواه الخمسة،
    وقال أبو داود:
    هكذا الرواية الصحيحة قال: [بدينار، أو نصفِ دينار] وحسنه غير واحد من أهل العلم؛
    قال الإمام أحمد:
    ما أحسنَ حديثَ عبد الحميدِ عن مِقْسم عن إبنِ عباسٍ، فقيل: تذهب إليه؟
    فقال:
    نعم، وقد صحّح هذا الحديث الحاكم، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وغيرهم، هذا الحديث أمر فيه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يتصدق من جامع الحائض بدينار، أو نصفِ دينار، ثم اُختلف في هذه الصدقة،
    فقال بعض العلماء:
    دينار، أو نصف دينار على التخيير، أي أنه مخيّرٌ، إن شاء تصدّق بدينار، وإن شاء تصدّق بنصفه، وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه-، واستشكل بعض العلماء كيف يؤمر بالأقل، والأكثر في كفّارة واحدة، وهذا ليس بإشكال؛ فإن الله -عز وجل- أمر من أفطر، وكان شيخاً كبيراً، أو لا يطيق الصوم بالفدية إطعام مسكين وهو الأقل،
    ثم قال:
    {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} (1) فبين أنّ له أن يزيد بأكثر، فدل على أنه قد ترد الكفارة بالجمع بين الأقل والأكثر،
    فنقول: لا مانع من أن الشرع يأمر بالدينار، ونصفه، ولا يتجه اعتراضهم بأنه جمع بين الكامل، ونصفه؛ لأنه جمع بين إِجْزاءٍ، وكمال، لا بين إجزاءين،
    وله نظائر منها:
    أن الله أباح قصر الصلاة في السفر، وثبت في السُّنة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الرباعية تقصر إلى ركعتين، ومع هذا فإن المسافر لو أتم صلاته فإنه لا حرج عليه، والأفضل القصر على السنة.وقال بعض السلف، وهو فتوى ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن هذا التخيير بين الدينار،
    ونصفه سببه:
    أن الجماع في الحيض يختلف، فإن كان في أول الحيض فعليه دينار، وإن كان في آخره فعليه نصفه.وقال بعضهم -وهو قول ثان لبعض السلف-
    أيضاً: دينار إن كان في أول الحيض، ونصفه إن كان في أوسط الحيض، أو آخره.
    وتقسيم الحيض إلى أوله، وأوسطه، وآخره يكون إما بالزمان، وإما بالتمييز،
    مثال ذلك بالزمان: مثاله أن تكون عادتها ستة أيام،
    فأوله:
    اليومان الأول والثاني،
    وأوسطه:
    الثالث والرابع،
    وآخره:
    الخامس والسادس.
    أما تأقيته بالصفات فكأن يجري معها دم حيض الأيام الأولَ، أحمر شديد الحمرة إلى قريب السواد، فيجري بهذه الصفة لمدة يومين مثلاً، ثم يجري معها أحمر شديد الحمرة في اليومين الأوسطين، ثم يجري معها أحمر أقلّ حمرة، أو قريباً إلى الصُّفرةِ في اليومين الأخيرين فيكون ترتيبه بأوله، وأوسطه، وآخره بصفات الدم، هذا بالنسبة للتأقيت بالزمان والصفة.
    فإذا وقع في زمان شدّة الدم، وحمرته في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصفه.
    والحقيقة فتوى ابن عباس تقوّي التفصيلَ: وهو إنه إن كان في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف ويقَوّيها النظر، فلا يبعد أن الشرع فرَّق بين من جامع في أول الحيض، وآخره من جهة كون المجامع في آخر الحيض تضرّر بالمنع من الجماع أكثر ممن هو في أوله، لأنه قريب العهد بوقت الحل، فناسب أن تكون العقوبة أقوى لمن جامع في أول الحيض بخلاف من جامع في آخره.
    ويكون تأقيت الأول، والآخر، بالزمان، وبالصفة في قوة الدم، وضعفه.
    أما بالنسبة لقدر الدينار فإن الدينار القديم في عهده عليه الصلاة والسلام، وعهد من بعده من الخلفاء الراشدين، وبني أمية لم يكن مضروباً من المسلمين وأول ما ضُرب الدينار في عهد عبد الملك بن مروان رحمه الله، وكان وزن القديم منه، والجديد واحداً، وهو المثقال فالدينار يعادل المثقال، وهو يعادل الغرامين وربع الغرام فإذا وجب الدينار نَظرَ إلى قيمة الغرام من الذهب بالريالات فأخرجها،
    فلو كان الغرام يساوي أربعين ريالاً فمعناه أن الدّينار:
    يساوي تسعين ريالاً،
    ونصفُه: يساوي خمسة وأربعين ريالاً وإن وجد ذهباً أخرج ما يعادل الغرامين، والنصف، أو نصفها وهو الغرام، والربع على التفصيل المتقدم.
    قوله رحمه الله: [ويَسْتَمْتِعُ مِنْها بِما دُونَه]:
    قوله رحمه الله: [ويستمتع] من المتعة، وهي اللّذة.
    قوله رحمه الله: [بما دُونَه]: أي بما دون الموضع الذي حرّم الله الجماع فيه،
    وظاهر كلام المصنف كما قلنا العموم أي: سواء وُجد حائل، أو لم يُوجد؛
    ودليله حديث عائشة رضي الله عنها أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [إِصْنعُوا كل شيءٍ إلا النكاحَ] فقوله: [كلَّ شيءٍ] عامّ، لأن [كل]
    كما يقول الأصوليون:
    من ألفاظ العموم، فله أن يستمتع بكل شيء، ما لم يصل إلى الحرام، وهو الوطء في الفرجين، وعمَّمَ حيث لم يذكر الحائل، والإزار،
    وظاهر فعله عليه الصلاة والسلام:
    أن تتزر المرأة.
    قوله رحمه الله: [وإِذَا انقطعَ الدّمُ، ولم تغتسلْ لم يُبَح غيَرُ الصِّيامِ، والطلاقِ]: للحيض طُهران:
    الأول: طُهرٌ للموضع بانقطاع الدم، وبدوّ علامة الطُّهر،
    والثاني:
    طهر للمرأة باغتسالها بعد ذلك، فالأول ليس بيدها، والثاني بيدها.
    فإذا طَهُرتْ المرأة بانقطاع دمها، ووجود علامة الطهر، وتَطهّرت بالاغتسال بعد ذلك فإنه بالإجماع ترتفع جميع موانع الحيض، ولا إشكال، لكن الإشكال لو طهرت من حيضها، ولم تُطَهِّر نفسها بالغسل، فهل يجوز له أن يجامعها، أو لا يجوز؟ وهل يجوز لها الصيام، وغيره من الموانع؟
    قال رحمه الله: [لم يُبَحْ]: أي أن موانع الحيض،
    ومنها: الجماع لا تُباح إلا بعد غُسلها،
    وقوله:
    [غَير الصّيامِ, والطّلاقِ] أي أنه يباح لها فعل الصّيام، والطّلاق فقط، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله.وقال الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمة الله عليه-: إذا إنقطع دم الحيض جاز للرجل أن يجامع امرأته، ولو لم تغتسل.
    فالإمام أبو حنيفة يقول:
    إن الغاية في التحريم في قوله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} هي الطُّهر، فإذا طهرت المرأة بانقطاع الدم عنها إِنتهى منع الجماع؛ فإذاً الجماع مؤقت بوجود الحيض، " وما شُرِعَ لعلّةٍ يبطل بزوالها "كما هي القاعدة في الأصول، فلما زال دم الحيض زال المانع؛ فجاز له أن يجامع.
    لكن الجمهور قالوا: إن في الآية غاية، وشرطاً،
    فالغاية في قوله:
    {حَتَّى يَطْهُرْنَ}،
    والشرط في قوله:
    {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}.
    قال الإمام أبو حنيفة: العبرة بالغاية؛
    لأن القاعدة في الأصول:
    " أنَّ ما بعدَ الغايةِ يُخالف مما قَبلَها في الحُكْمِ "، لأنه لو كان الذي بعد الغاية كالذي قبلها لم تكن هناك فائدة من ذكر الغاية، وهذا صحيح إذا كانت الغاية ليس معها شرط، أما إذا اقترنت بالشرط فلا بد من تحققه معها لإفادة الحكم وعليه؛ فإنه يترجح مذهب الجمهور رحمهم الله من إعتبارهما معاً،
    وقد جاءت في الشريعة نظائر لمسألتنا منها:
    قوله سبحانه وتعالى في بيان رفع الحجر عن اليتامى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (2) فقال: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} فهذه غاية،
    وهي:
    البلوغ،
    ثم قال سبحانه:
    {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم} وهذا شرط، فلا مانع أن تثبت الغاية مع ثبوت الشرط،
    فنقول:
    إن آية الحيض فيها غاية، وشرط،
    والقاعدة:
    " أنه إِذا تخلّف الشرطُ تخلّف المشروطُ، وإذا وجدَ الشرطُ حُكم بالمَشْروطِ ". فإذًا تقول: إذا وجد الاغتسال؛ جاز له أن يجامع، وإلا فلا.
    الدليل الثاني على رجحان مذهب الجمهور: أن الله عز وجل قال: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} ثم عقب بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فأسند الطهر لأنفسهن بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي: فعلن الطُّهر،
    وعلى هذه القراءة يكون الطهر الثاني هو: الغسل فالغاية الطهر الأول،
    والشرط: الطهر الثاني لأن الله نسبه إلى النساء فدلّ على أنه من فعلهن، فصار طُهراً زائداً على الطهر الأوّل لا نفسه،
    وهناك قراءة بالتشديد:
    {حَتَّى يَطَّهَرْنَ} بالتشديد، وهي تصلح أن تكون دليلاً لمذهب الجمهور كما أشار إليه غير واحد من أهل العلم، واختاره الإمام الماوردي في جوابه في الحاوي،
    فالمقصود أن أصحَّ القولين هنا:
    أنه لا بد في إباحة جماع المرأة بعد الحيض من أن تَطْهر، وتغتسل، فإذا طَهرتْ، ولم تغتسل لا تُجامَع، وإنما يتريث حتى يتحقق الشرط الذي أمر الله -عز وجل- به.
    قال رحمه الله:
    [لم يُبَح غيرُ الصِّيام، والطلاقِ] معناه: أنه يجوز لها فعل الصيام قبل أن تغتسل، فلو طهرت قبل أذان الفجر ولم تغتسل، ونوت الصيام ثم أذنَ، واغتسلت بعده صحّ صومُها، وأما الطلاق فإنه محرم، فلا يجوز طلاق الحائض؛ ولذلك غضب -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته، وهي حائض،
    وقال عليه الصلاة والسلام لأبيه عمر رضي الله عنه مبيّناً له طلاق السنة:
    [مُرهُ فليراجِعْها، ثمّ ليُمْسِكْها حتى تَطْهُر، ثم تَحيض، ثم تطهر، ثم إن شاءَ طلّق، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العدةُ التي أمرَ الله أن تطلق لها النساءُ]، فدلّ على تحريم طلاق المرأة الحائض،
    وأجمع على ذلك العلماء رحمهم الله وسمّوه طلاقاً بدعياً أي: أنه مخالف للشرع، فكلهم متفقون على أن الحيض يمنع الطلاق، وينتهي هذا المنع بطهر المرأة، ولا يُشترط إغتسالها كالجماع، بل يجوز أن يطلقها بعد الطهر مباشرة للحديث السابق حيث بين أن المنع من الطلاق حال الحيض ينتهي عند الطهر، ولم يشترط الإغتسال بعده،
    وقوله رحمه الله:
    [لم يُبَح غير الصيام، والطلاق] معناه أن بقية الموانع لا بد فيها من الطُّهرين: الطهر الأول بانقَطاع الدم، ورؤية علامة الطهر،
    والطّهر الثاني:
    بالغسل، فلا يباح لها أن تصلي، ولا أن تدخل المسجد، ولا أن تمسّ المصحفَ، ولا أن تقرأ القرآن، ولا غيرها من بقية الموانع إلا بعد حصول هذين الأمرين.
    قال رحمه الله: [والمبتدأةُ تَجلسُ أقله، ثم تَغتسلُ، وتصلّي] شرع المصنف -رحمه الله- بهذه العبارة في ذكر أحوال النساء،
    فالمرأة الحائض لا تخلو من ثلاثة أحوال:
    الحالة الأولى: أن تكون مُبتدأَةً، بمعنى أنها لأول مرة يأتيها دم الحيض.
    والحالة الثانية: أن تكون مُعتادةً، بمعنى أن دم الحيض عاودها حتى ثبتت لها فيه عادة معينة.
    والحالة الثالثة:
    أن تكون متحيِّرةً، بمعنى أنه لا يمكنها أن تعرف عادتها لأجل النسيان، سواء نسيت قدر العادة، أو مكانها من الشهر، هذه ثلاثة أحوال للمرأة.ومن عادة أهل العلم أنهم يبدأون بالنوع الأول، وهذا فيه مراعاة لأحوال النساء.
    يقولون:
    توصف بكونها مبتدأة إذا كان الحيض قد جاءها لأول مرة، هذا أول شرط للحكم بكونها مُبْتدأَةً.

    (1) البقرة، آية: 184.
    (2) النساء، آية: 6.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (46)

    صـــــ405 إلى صــ415


    والشرط الثاني:
    أن يكون سنُّها سنَّ المرأة التي تحيض، وهو التسع على أصحّ الأقوال كما قدمنا، فإذا كان سنها دون التسع؛ فإنه لا يُحكم بكون الدم الذي يجري منها دم حيض.فالمرأة التي جاءها دم الحيض لأول مرة لا تستطيع أن تقول أردها إلى عادتها؛ لأنه ليس لها عادة، فإذاً لا بد من أن يكون لها حكم خاص،
    والسؤال: ما هو هذا الحكم الخاص بها؟
    والجواب: أن هذه مسألة خلافية فمن أهل العلم من قال: المبتدأة حائض إذا جاءها الدم في زمان إمكان الحيض (أي بعد بلوغها تسع سنين) فنحكم بكونها حائضاً، وليس عندنا حد لأقل الدم، فإذا جرى معها الدم إمتنعت عما تمتنع عنه الحائض، فإن انقطع دون الخمسة عشر يوماً فهو حيض فتغتسل عند إنقطاعه فإن عاودها بنفس العدد ثلاثة أشهر متتابعة ثبتت عادتها، وهذا القول مبني على القول بعدم تحديد أقل الحيض.
    وقال بعض العلماء: كلُّ إِمرأة مُبتدأة أردّها إلى عادة أمهاتها، وأخواتها.
    وقال بعض العلماء: كل امرأة مُبتدأة أردها إلى عادة لِدَاتها، أو أتْرابها كما يُعبر العلماء، واللِّدةُ،
    والتِّرْب هي:
    التي تكون في سن المرأة.
    وقال بعض العلماء: المبتدأة تجلس أقل الحيض، وتحكم بكونها حائضاً ذلك القدر الذي هو أقل الحيض، ثم تغتسل، وتصوم، وتصلي حتى يعاودها الدم ثلاث مرات على وتيرة واحدة؛ فنحكم بإنتقالها إلى كونها معتادة.
    إذاً عندنا أربعة أقوال:
    الأول: يُحكم بكونها حائضاً، ولا حدَّ عنده لأقل الدم، وتنتقل لكونها معتادة بإنقطاعه دون الخمسة عشر يوماً بعدد يتكرر ثلاثة أشهر متتابعة.
    والقول الثاني، والثالث يقول: أردّها إلى أترابها، وقريباتها،
    فهذان القولان دليلهما واضح وهو:
    إن الشيء إذا شابه غيره أخذ حكمه،
    ولذلك يقول:
    أنا لا أقول إن هذه المبتدأة تجلس أقل الحيض،
    ولكن أقول:
    تنظر إلى أمثالها، فإن كانت عادة أمهاتها وأمثالها في سنها ستة أيام مثلاً فهي عادتها ستة أيام حتى تثبت لها عادة جديدة.
    يبقى عندنا القول الرابع:
    وهو قول من يقول للحيض حدٌ أقلي الذي هو يوم وليلة كما يقول الشافعية،
    والحنابلة أو ثلاثة أيام كما يقول الحنفية فأصحاب هذا القول يقولون: كلُّ مُبتدأة لا نحكم بكونها حائضاً إلا إذا جاوزت أقل الحيض، فالشافعية،
    والحنابلة يقولون:
    كلُّ إمرأة بلغت تسع سنوات، وجاءها الدم فإنها تجلس يوماً، وليلة حتى يثبت كونه حيضاً، فإن استمر هذا الدم معها يوماً، وليلة فهي حائض، وإن نقص عن اليوم، والليلة فهي مستحاضة، والدم دم فساد، ومرض، هذا المذهب الأول في تحديد أقل الحيض، وهو الذي درج عليه المصنف -رحمة الله عليه-.
    والمذهب الثاني مذهب الحنفية يقولون: ثلاثة أيام، فهذه المبتدأة إن استمر معها الدم ثلاثة أيام حينئذٍ أَنْظُرُ في كونها حائضاً، وأما إن نقص عن الثلاثة الأيام فإنني أعتبرها مستحاضة، والدم الذي معها دم فساد، وعلِّة، وليس بدم حيض. هذا بالنسبة لقضية أقل الحيض.
    الآن عرفنا مذاهب العلماء -رحمة الله عليهم- في مسألة المرأة المبتدأة.
    عندنا مسلكان:مسلك يقول: المرأة المبتدأة حائض، ولو كان الدم دفعة واحدة، وهو الذي رجحناه كما قدمنا في مسألة أقل الحيض،
    وقلنا:
    إنه مذهب المالكية، والظاهرية، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله على الجميع.
    والمسلك الثاني يقول: تجلس أقل الحيض، إما يوم وليلة على قول، أو ثلاثة أيام على القول الثاني.
    الآن يا ترى إذا استمر معها يوماً، وليلة، أو استمر معها ثلاثة أيام على القول بالتثليث، فلا يخلو إما أن ينقطع لأقل الحيض، وإما أن ينقطع على أكثر الحيض، أو ينقطع بعد أكثر الحيض.
    فإذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً فإنه على مذهب التحديد باليوم،
    والليلة يقولون: نعتبر اليوم، والليلة حيضاً، والزائد استحاضة، ثم نترك المرأة ثلاثة أشهر،
    فإذا انقطع في الثلاثة الأشهر بعدد واحد مثل:
    أن يستمر معها في الشهر الأول خمسة أيام، وينقطع، والشهر الثاني،
    والثالث كذلك قالوا:
    تثبت عادتها خمسة أيام بعد الشهر الثالث، ثم نطالبها بقضاء الأربعة الأيام من الشهر الأول، والثاني، والثالث؛ لأننا تيقنا أن الأربعة الباقية حيض، وليست باستحاضة، وعلى هذا المذهب تغتسل غسلان في الأشهر الثلاثة الأول منهما بعد اليوم، والليلة؛
    والثاني بعد إنقطاع الدم أي:
    بعد اليوم الخامس، وهو تمام العدد الذي يحتمل أن يكون عادة.
    لكن الذي يترجح كما تقدم بيانه أنه إذا انقطع دون أكثر الحيض، أنها تجلس القدر الذي جرى معها فيه الدم، فإذا إنقطع عنها لما دون خمسة عشر يوماً إغتسلت غسلاً واحداً.والمذهب الثاني الذي ذكره المصنف مذهب مرجوح.وعلى قول المصنف لو استمر معها الدم،
    وجاوز أكثر الحيض قال:
    عرفنا أنه دم فساد، وعلّة فتبقى على اليقين اليوم، والليلة أنها حائض، والزائد إِستحاضة حتى تثبت لها عادة بوتيرة معينة، أو تُميّز دمها، وسنبين كيف يكون التمييز.
    الآن عرفنا بالنسبة للمبتدأة أن الجميع متفقون على أنه إذا جرى معها الدم ثلاثة أيام بالإجماع أنها تعتبر حائضاً.ولكن الخلاف إذا جرى لأقل عند من يضع للحيض " حداً أقلياً، فإن جرى أقل من يوم، وليلة فالمالكية والظاهرية يعتبرونه حيضاً، وإن جرى يوماً، وليلة فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة يعتبرونه حيضاً، والحنفية لا يعتبرونه حيضاً حتى يبلغ ثلاثة أيام.إذاً يشترط فيها أول شيء أن يكون سنها سن حيض.
    وثانياً: أن تجاوز أقل الحيض عند من يقول للحيض حد أقلي، ولا يشترط ذلك عند من لا يرى تحديد أقل الحيض.
    قوله رحمه الله: [والمبتدأةُ تجلسُ أقلّه ثم تغتسلُ، وتصلّي] قوله: [أقلَّه]: الضمير عائد إلى الحيض، وأقله هو يوم وليلة على ما سار عليه المصنف رحمه الله ثم تغتسل، وتصلي،
    وقوله:
    [تجلس]: يعني تحكم بكونها حائضاً، كما قدمنا بيانه.
    قوله رحمه الله: [فإِنْ انقطَع لأكثرِهِ، فَما دونَ اغتسلتْ عنْدَ انقطاعِهِ]: هذه مسألة ثانية، نحن قررنا أن ما دون أكثر الحيض يُعتبر فيه اليوم، والليلة، لكن عندهم أيضاً أمر آخر،
    حيث قالوا:
    إذا جرى معها الدم لأول مرة، واستمر يوماً، وليلة حكمنا بكونها حائضاً، ثم تغتسل بعد اليوم، والليلة، وتصوم، وتصلي، فإن انقطع لأقل من أكثر الحيض فإنه يلزمها أن تغتسل غُسلاً ثانياً؛ لاحتمال أن يكون الكلُّ حيضاً، لأنها إلى الآن ما ثبتت لها عادة،
    فاحتاطوا في ذلك وقالوا: نرجع إلى اليقين أنها حائض في اليوم والليلة، فنأمرها بالاغتسال بعد اليوم والليلة؛ لأنه يقين أنه حيض، وما زاد عليه مشكوك فيه فنبقى على الأصل من كونها طاهراً فتغتسل، فإذا إِنقطع دون خمسة عشر يوماً فما الحكم؟
    قالوا: تغتسل غُسْلاً ثانياً، لإحتمال أن يكون عادتها، وهكذا في الشهر الثاني، والثالث حتى تثبت عادتها.
    قال رحمه الله: [فإنْ تَكَررَ ثلاثاً فحيضٌ، وتَقْضِي ما وَجَبَ فيه] قوله رحمه الله: [تكرر ثَلاثاً] أي: تكرر إتيان دم الحيض ثلاثة أشهر بعدد واحدٍ لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه،
    وقوله:
    [فحيض] أي أن عادتها في الحيض تكون ذلك العدد، وتعرف هذه المسألة عند العلماء بمسألة إثبات العادة، وقد إختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة في عدد الأشهر التي يُشترط تكرارها،
    وذلك على قولين:
    القول الأول: وهو مذهب الجمهور، وهم المالكية، والشافعية،
    والحنابلة رحمهم الله:
    أن العادة تثبت بثلاثة أشهر تكون بعدد واحد، فإذا تكرر دم الحيض ثلاثة أشهر متتابعة بعدد واحد حكمنا بكونها معتادة بعد الشهر الثالث.
    القول الثاني: أن العادة بشهرين، يتكرر فيهما الدم بعدد واحد لا يختلف، وهذا هو مذهب الحنفية رحمهم الله.ومذهب الجمهور رحمهم الله أحوط، ومذهب الحنفية أقوى لأن المعاودة تحصل بالمرتين، وقد مشى المصنف رحمه الله على مذهب الجمهور في إثبات العادة، وهو إِشتراط التكرار ثلاثة أشهر،
    فمحل الخلاف:
    في اشتراط الشهر الثالث، وإذا ثبتت العادة، وجب الرجوع إليها، وقد دلّ على ذلك قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [لِتنْظُر الأيامَ التي كانتْ تحيضهُنَّ قبلَ أنْ يُصيبَها الذي أَصابَها] فردّها عليه الصلاة والسلام إلى العادة، فدلّ على إعتبارها في الحيض، فلو أن امرأة سألتك،
    وقالت:
    إن الدم استمر معي عشرين يوماً فمتى أحكم بكوني طاهرة؟
    تقول:
    هل لك عادة؟
    فإن قالت: نعم كانت عادتي من قبل خمسة أيام،
    فتقول:
    اُمكثي خمسة أيام، ثم إذا مضت الخمسة الأيام فاغتسلي، وصلّي، وصومي.
    إذاً تردها إلى العادة، وهذه فائدة معرفة ضابط العادة، حتى يُحتكم إليها بعد إثباتها عند اختلال دم المرأة، فإذا اختل وضع المرأة إما لجراحة، أو لمرض، أو لولادة، أو غير ذلك فإننا نردها إلى العادة، وكما قلنا العادة بإجماع العلماء معتبرة.
    وقوله رحمه الله:
    [وتَقْضِي ما وجبَ فيه]: يعني في ذلك الأمد الذي ثبت أنه حيض بعد ثبوت العادة وهو الأيام الزائدة على اليوم، والليلة خلال الشهر الأول، والثاني، والثالث.
    فالمبتدأة على ما مشى عليه المصنف رحمه الله تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل، ثم تصوم، وتُصلي،
    فلو فرضنا: أن الدم كان يجري معها خمسة أيام، واستمر ثلاثة أشهر بذلك العدد، ثبتت عادتها بالخمسة، وتبين لنا بعد الشهر الثالث أن هذه المبتدأة مكثت يوماً من الشهر الأول، وأفطرت أربعة أيام، ثم مكثت يوماً من الشهر الثاني، وأفطرت أربعة أيام،
    ثم في الشهر الثالث كذلك تقول:
    تقضي ما وجب عليها فيه، ما الذي وجب؟ وجب عليها الصوم، أما الصلاة فإن الحائض لا يجب عليها أن تصلي،
    فتقول:
    الأربعة الأيام التي كانت تصومها ظانة أنها طاهر بعد اليوم والليلة خلال الثلاثة الأشهر يلزمها قضاؤها جميعها لأنه تبين أنها أيام حيض بعد ثبوت العادة،
    فهذا هو معنى قوله هنا:
    [وتقْضي ما وجب فيه] أي: تقضي الأيام الزائدة على اليوم، والليلة، والتي تبين أنها حيض بعد ثبوت العادة.
    قوله رحمه الله: [وإِنْ عبَر أكثرَه فمستحاضةٌ]: قوله: [وإنْ عَبَر أَكثَره]: يعني عبر الدم أكثرَ الحيض فالضمير عائد إلى الدم الذى يجري مع المرأة،
    وأكثره: هو خمسة عشر يوماً كما قدمنا،
    وقوله رحمه الله:
    [فمستحاضة]: أي: أنه يحكم بكونها مستحاضة بعد أكثر الحيض بالإجماع،
    وتوضيح ذلك: أن المرأة المبتدأة إما أن ينقطع الدم عنها دون خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً، أو بعد الخمسة عشر يوماً،
    قلنا:
    إذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً الحكم أنها تنظر في تكراره ثلاثة أشهر على وتيرة واحدة وتحتسب يقين الحيض، وهو اليوم، والليلة قبل ثبوت العادة ثم تقضيه على ما مشى عليه المصنف، وقلنا على القول الراجح أنها تمكث كل الذي دون الخمسة عشر يوماً لا تصوم فيه، ولا تُصلي على أنها حائض حتى تثبت لها العادة، وعلى القول الذي مشى عليه تغتسل غسلين، وعلى الراجح تغتسل غسلاً واحداً.
    وأما إن عبر أكثر الحيض فقد قال رحمه الله: [فمستحاضة]
    والسؤال: هل نحكم بكونها مستحاضة بمجرد مجاوزتها للخمسة عشر يوماً، أو مستحاضة بعد اليوم والليلة؟
    قال:
    مستحاضة بعد اليوم والليلة، فاليوم والليلة حيض، فلما استمر معها الدم أكثر من خمسة عشر يوما عرفنا أن هذا المستمر دم فساد وليس بدم حيض، إذاً نريد الآن أن نفهم كلام المصنف، ونفهم ما اخترناه على القول الراجح.
    فكلام المصنف ينبني على الآتي:أن المرأة المبتدأة إذا انقطع دمها في أقل من أكثر الحيض،
    أو مساوياً لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يوماً فحينئذٍ يقولون:
    تعتبر نفسها حائضاً يوماً وليلة، في الشهر الأول، والثاني، والثالث ثم بعده تحكم بكونها معتادة إذا جاءها على وتيرة واحدة، هذا بالنسبة لما مشى عليه المصنف -رحمه الله-، أما لو انقطع فوقه فالحكم أن الحيض يوم وليلة، وما زاد استحاضة.
    إذاً ما مشى عليه المصنف رحمه الله: أن الحيض يوم وليلة فتجلسه المبتدأة وتغتسل بانتهاء اليوم والليلة ولو جرى معها الدم، ثم إن انقطع الدم ثلاثة أشهر دون خمسة عشر يوماً فحينئذٍ تعتبر نفسها معتادة على ذلك القدر الذي جاءها على وتيرة واحدة، وتغتسل غُسلاً ثانياً عند انقطاعه خلال الثلاثة الأشهر، وإن جاوز أكثر الحيض الذي هو الخمسة عشر يوماً فحينئذٍ اليوم والليلة حيض والزائد استحاضة، ولا يلزمها غسل ثانٍ.
    وأما على قول من لا يقول بالتحديد،
    وهو القول الذي رجحناه:
    فإنه بمجرد أن يجري معها الدم تعتبر نفسها حائضاً، وتمتنع من الموانع؛ لأنه زمن حيض، وأمد حيض، ولا تقدير من الشرع فالأصل، واليقين أنها حائض، حتى ينقطع ذلك الدم، فإن كان دون الخمسة عشر فهو حيض كله من أول مرة، وتغتسل بعد إنقطاعه، وإن جاوز الخمسة عشر فالزائد إستحاضة، وتغتسل بعد تمام أكثره غسلاً واحداً.
    قوله رحمه الله:
    [فإن كانَ بعضُ دمِها أحمَر، وبعضُه أسودَ، ولمْ يعبرْ أكثَره، ولم يَنْقُصْ عن أقلهِ فهو حيضُها تجْلِسه في الشهر الثاني، والأحمرُ إستحاضة] هذا هو النوع الثالث من النساء: وهو المُمَيِّزةُ.
    والمُميّزَةُ مأخوذهَ: من التّمييزِ،
    وتميز الشيء:
    أن تكون له حِلْيةٌ، وأوصافٌ يتميّز بها عن غيره، وهذا النوع من النساء يعتبر في الحقيقة عند بعض العلماء أقوى من العادة، يعني المرأة التي تعرف طبيعة دمها أقوى عنده من رجوعها إلى العادة، فيردها إلى التمييز قبل أن يردّها إلى العادة، وإن كان الصحيح أن العادة أقوى من التمييز لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح لما سألتْ فاطمةُ بنتُ أبي حبيشٍ رضي الله عنها رسولَ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
    عن حيضها فقال:
    [لتنظرِ الأيّامَ] وقال في الحديث الآخر: [دعي الصّلاةَ أيامَ أقرائِك] فردّها إلى عادتها، فدلّ على أن العادَة أقوى من التَّمييزِ.
    وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه فضعّف التّمييزَ، والصحيح أن التّمييز حجةٌ، ومُعتبر.
    والدليل على أن التمييز يعتبرُ في الحيض قوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ دمَ الحيض دمٌ أسودُ يُعرفُ, فإذَا كانَ ذلِكِ فأمسِكي عنِ الصّلاةِ] فقوله: [إِنّ دمَ الحيضِ دَمٌ أسودُ يُعرفُ] فيه دليل على إعتبار التمييز في الحيض حيث ردّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى لونه الذي يتميّز به ,
    وألوان دم الحيض: أقواها الأسود، ثم الأحمر شديد الحمرة كما يقول العلماء،
    وهو:
    القاني، ويختلف هذا الأحمر على مراتب، ثم بعد الأحمر الأشقرُ، وألغاه بعضُ العلماء، ثمّ الأصفرُ، ثمّ الأكدر، ثم التُّربي، فهذه ستّة ألوانٍ،
    أما اللون الأسود:
    فهو أقواها، ثم يليه الأحمر، وهو الطّبيعي في دم النساء،
    ولكنهم قالوا: أحمر محتدم أي: شديد الحمرة حارقٌ تعرفه النساء بوصفه، ثمّ أخف منه المُشْرق،
    والذي يقول بعضهم: الأشقر، أو الأشيقر،
    وقيل:
    إن الأشقر هو الصفرة التي وردت في حديث أمِّ عطيةَ رضي الله عنها، وأثرِ عائشةَ رضي الله عنها، ثمّ يليه الأصفر ثم الأكدر،
    والأكْدَرُ: كالماء الكَدرِ المتعكِّر ضارباً إلى شيء من الخُضرة، ثمّ التُّربي هذا بالنسبة لألوان دم الحيض.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (47)

    صـــــ416 إلى صــ425


    وكما تميّز المرأةُ دَم الحيض باللّون، كذلك تميزه بالرّائحة، وبالكثرة، والقِلة وبالألم، وبالغِلَظِ والرِّقةِ، هذه ضوابط التمييز.فاللون تميّز المرأةُ به دم الحيض بأن تعتبر أشدّ ألوانه حيضاً،
    وما خفّ بعده إستحاضة على حسب الألوان فمثلاً:
    لو أن امرأة قالت: جرى معي دم الحيض ستة أيام أحمر شديد الحمرة، ثمّ أصبح بعدها أصفر،
    تقول:
    حيضك الستة الأيام، وما بعدها إستحاضة، وهكذا الحكم لو تخلّل الدمَ القويَّ ما هو أضعفُ،
    فلو قالت:
    إنه يجري معها ثلاثة أيام أسود، ثم ثلاثاً أحمر، ثم ثلاثاً أسود،
    تقول:
    الثلاثة الأُول: حيض،
    والثلاثة الحمراء:
    استحاضة،
    والتي بعدها:
    حيض، فأنت طاهر في الثلاث الوسطى، حائض في الأولى، والأخيرة، ويحكمُ بخروجك من الحيض في اليوم التاسع، بناء على أن عادتك ستة أيام.هذه مسألة التمييز باللون الأسود.وإما التمييز باللون الأحمر،
    فمثل أن تقول:
    جرى معي الدّم أحمرَ شديدَ الحُمرة لمدة يومين، ثم يومين آخرين خفيفَ الحُمرة، ثمّ يومين شديدَ الحُمرة، ثمّ يومين خفيفَ الحُمرة،
    تقول: اليومان الأولان حيض، واليوم الثالث، والرابع، وهما اليومان اللذان يليانها استحاضة، ثم الخامس، والسادس اللذان إِشتَدَّت فيهما حمرة الدم هما من الحيض، فتضيفين اليومين هذين إلى اليومين الأوليين، هذه أربع، ثمّ تحكمين بطهارتك بانقضاء اليوم الرابع، وتدخلين في الإستحاضة في اليوم الخامس، والسادس، ثمّ في اليوم السابع دخلت في اليوم الخامس من حيضك، واليوم الثامن هو اليوم السادس من الحيضة فيحكم بانتهاء حيضك في اليوم الثامن، وهكذا التمييز ببقية الألوان الأخرى، فالحكم فيها كما ذكرنا هنا في اللون الأحمر.هذا بالنسبة لمسألة اختلاف ألوان الدم التمييز لها، ولا يشترط تَخلّل اللونِ الضعيفِ بين اللونِ القويِّ كما ذكرنا في المثال بل العبرة بقوةِ اللّون بغضِّ النّظر عن مكانها.
    وأما بالنسبة للتّمييز بالرائحة: فإن دم الحيض له رائحة شديدة النّتن بخلافِ دمِ الإستحاضة فإنه أخفُّ منه، فإذا استطاعت أن تعرف دم حيضها برائحته،
    فقالت مثلاً:
    جاءني دم أحمر عشرين يوماً ولكن لاحظت أن لونه واحد، لاحظ في الحالة الأولى التمييز باللون لا بد أن تختلف الألوان، ولكن التمييز بالرائحة لا يختلف اللون، وإنما تختلف الرائحة،
    فتقول لك:
    جاءني عشرين يوماً دمٌ أحمر، فهل كلّه حيض؟
    تقول:
    لا، ليس بحيض، هل لك عادة؟
    قالت:
    ما لي عادة،
    تقول:
    إذاً هل تستطيعين أن تميزيه بالرائحة؟
    قالت:
    نعم رائحته في الستّة الأُول نتنةٌ شديدة، وفي الأربعة عشر الباقية ليست كذلك، فحينئذ تحكم بكونها حائضاً في الستة الأول، دون ما بقي.
    أو قالت: يومين برائحته، ثم أربعاً بدون، ثم يومين برائحته، ثم أربعاً بدون، ثم يومين برائحته. فما الحكم؟
    تقول: تلفقين، هذا يسمى مذهب التلفيق، اليومان اللذان فيهما رائحة دم الحيض حيضٌ، والأربع التي ليست فيها رائحة دم الحيض استحاضة، ثم بعدها دخلت في اليوم السابع وهو ثالث أيام الحيض، واليوم الثامن رابعه، وقس على هذا. هذا بالنسبة للتمييز بالرائحة.
    الضابط الثالث للتمييز: التمييز بالألم، حيث جرت العادة عند النساء في دم الحيض أنه أشد ألماً من دم الإستحاضة، وكل إمرأة تعرف طبيعة دمها في ذلك،
    فإذا قالت المرأة:
    جاءني عشرين يوماً، لكنه الستة الأيام الأول كان مؤلماً حارقاً،
    تقول:
    كونه في هذه الأيام بهذه الصفة فهو دم حيض، والأيام الباقية دم استحاضة.
    هذه ثلاث علامات للتّمييز: اللّونُ، والرّائحةُ، والألمُ.
    الضابط الرابع للتمييز: الكثرةُ، والقِلّة،
    قالوا:
    إن دم الإستحاضة يكون نازفاً بخلاف دم الحيض، فإنه أقل، ولذلك لما استحيضت حمنة رضي الله عنها،
    وسألتْ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت:
    [إنِّي أَثُجُّ ثَجَّاً] والثجُّ: السّيلانُ. وبعضهم يضع بدل الكثرة، والقِلّة علامة أخرى،
    وهي:
    الرِّقة، والغِلظة،
    فالغليظ: حيض،
    والرقيق:
    إستحاضة،
    فلو قالت مثلاً:
    جاءني دم الحيض عشرين يوماً لكن ألاحظ أن الستَّةَ الأُول كان الدّم فيها ثقيلاً غليظاً، والأربعة عشر يوماً الباقية كان رقيقاً،
    تقول: السّت: حيض،
    والباقي:
    استحاضة.
    هذه ضوابط التمييز: اللّونُ، والرِّيحُ، والأَلمُ، والكثْرةُ والقِلَّة، والغِلظُ والرِّقةُ.
    وقد جمعها بعض العلماء بقوله: باللّونِ والرِّيح وبِالتّألُمِ ... وَكثْرةٍ وقِلّةٍ مَيْزُ الدّمِ
    هذا على المذهب الذي يقول:
    الكثرة، والقلة، وبعضهم يرى الغلظ،
    والرقة فيقول في الشطر الثاني:
    وغِلَظٍ ورِقةٍ مَيْزُ الدّمِ
    قوله رحمه الله:
    [وإنْ لم يكنْ دَمُها مُتَمِّيزاً جَلستْ غَالبَ الحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ] هذا هو النوع الثالث: وهي المتحيّرة التي لا عادة لها، ولا تمييز، أو نسيت عادتها.
    وحكمها: إذا استمر معها الدم حتى جاوز أكثر الحيض نردُّها إلى غالب الحيض، يعنى غالب الأيام التي تجلسها النساء،
    والغالب:
    أن المرأة تحيض سِتّاً، أو سبعاً،
    ودليلنا على ذلك السنة:
    في قوله عليه الصلاة والسلام: [تَحيّضِي في علمِ اللهِ سِتاً أَوْ سَبْعاً] فردّها إلى الغالب،
    فقال العلماء:
    الستّ، والسّبع هي غالب حيض النساء، فالمرأة إذا التبس عليها، واستمر معها الدم، ولم تكن لها عادة، ولا تمييز تَردّها إلى غالب الحيض، وقد تأتيك المرأة معتادة، ولكن نسيت عادتها، ولا تستطيع أن تميّز تردُّها إلى غالب حيض النساء أيضاً على تفصيل في أحوال النسيان سيذكره المصنف رحمه الله.
    قوله رحمه الله: [والمستحاضةُ المعتادةُ، ولوْ مُميّزةً تجلسُ عادَتَها]: المستحاضة: إِستفعال من الحيض،
    يعني:
    استمر معها دم الحيض،
    فالمرأة إذا جرى معها الدم ثلاثين يوماً كما قررنا في المجلس الماضي فإنه بالإجماع لا يقال إن الشهر كله حيض بل نقول:
    بعضه حيض، وباقيه إستحاضة.والدليل على ذلك: قوله -عليه الصلاة والسلام
    - في الصحيح لما سألته فاطمةُ بنتُ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها فقالت له: -يا رسولَ الله
    - إني أُستحاضُ، فَلا أَطهُر، أَفأدعُ الصَّلاةَ؟،
    فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    [إِنما ذلِكِ عِرْق، ولَيْس بالحَيْضةِ] فبيّن لها عليه الصلاة والسلام أنّ الدم كله لا يعتبر حيضاً بل بعضه حيض، وباقيه إستحاضة،
    وهكذا لما سألته حمنة بنت جحش رضي الله عنها فقالت: [يا رسولَ الله إنّي أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً] لم يعتبر عليه الصلاة والسلام جميع دمها حيضاً بل قال لها عليه الصلاة والسلام: [إِنما هذه ركضةٌ من ركَضَاتِ الشّيطانِ فتحيّضِي سِتّة أيام، أو سَبعةً في علمِ اللهِ] فإذا ثبت هذا، وهو أن الدم ليس كله حيضاً بل بعضه حيض، وبعضه إستحاضة؛
    فإنه يرد السؤال:
    إذا كانت المرأة ترجع إلى عادتها، وتمييزها، كما دلت السنة على إعتبار الأمرين فهل تقدم عادَتها، أو تمييزَها؟
    فبيّن رحمه الله: أن العادة مُقدّمةٌ على التّمْييز،
    وذلك لحديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها في الصحيحين حيث رَدّها عليه الصلاة والسلام إلى عادتها في قوله:
    [دَعِي الصّلاةَ أيامَ أَقرائِكِ] ولم يستفصل، فلم يسألها هل لك تمييز، أو لا؟ بل ردّها إلى عادتها مباشرة، فدلّ على قوة العادة وأنها هي المعتبرة سواء وُجد تمييزٌ، أو لم يُوجدْ لأنّ
    القاعدة: [أَنّ تركَ الإستفصالِ في مقامِ الإحتمالِ ينزّلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ] فكأنه قال لها عليه الصلاة والسلام: إرجعي إلى عادتك؛ سواء كان لك تمييز، أو لم يكن.فهذا الحديث أصل في تقدم العادة على التمييز، ودلالته من هذا الوجه قويّة،
    ومما يُرجح هذا القول أيضاً:
    أن الحديث الذي دلّ على إعتبار العادة أقوى سنداً من الحديث الذي دلّ على إعتبار التّمييز بل ورد في إثبات العادة أكثر من حديث، وبعضها في الصحيحين بخلاف حديث التمييز إضافة إلى أن العادة مجمع على إعتبارها، بخلاف التمييز حيث لم يُجمع عليه، وبهذه الوجوه تكون العادة مقدّمةً على التمييز، والله أعلم.
    قوله رحمه الله: [وإن نسِيتْها عملَت بالتّمييزِ الصَّالح]: أي: نسيت عادتها،
    وقوله:
    [عملتْ بالتّمييزِ الصَّالح] أي أن التمييز محلّه أن لا تكون لها عادة مثل: المبتدأة، أو تكون لها عادة، ولكن نسيتها، فلا عمل بالتمييز مع العادة التي تتذكرها المرأة،
    وقوله:
    [الصَّالح] أي: الذي له أوصاف مؤثرة يصلح بها لتميز دم الحيض من دم الإستحاضة كما قدمنا في صفات التمييز المعتبرة.
    قوله رحمه الله: [فإِنْ لم يكُنْ لها تَمْييزٌ فَغالبُ الحيضِ]: أي: أن هذا النوع من النساء، إذا لم يكن له تمييز صالح، فإننا نردّه إلى غالب الحيض، وهو الستّ، والسبع كما تقدم بيانه، ودليله،
    فرتّب المصنف رحمه الله العمل بما تقدم على النحو التالي:
    أولاً: العادة، ثم يليها التمييز، ثم يليها الحكم بغالب الحيض.
    قوله رحمه الله: [كالعالم بموضعه الناسي لعدده]: إذا كانت المرأة ناسية لعدد عادتها،
    ولكنها تعلم موضع العادة من الشهر فإننا نقول لها:
    تحيّضي بغالب حيض النساء، وهو الست، والسبع كما قدمنا ولكن يلزمها أن تعتبر الموضع الذي كانت تأتيها عادتها فيه،
    وتوضيح ذلك:
    أن المرأة المعتادة إذا ثبتت عادتها إشتملت تلك العادة على أمرين:
    الأول: موضع العادة، وهو زمان وقوعها من الشهر، وهو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره.
    والثاني: قدر العادة، وهو عدد الأيام التي يأتيها فيها الحيض.فإذا كانت عادتها مثلاً ستّة أيام فإما أن تكون في أول الشهر، أو تكون في وسطه، أو تكون في آخره.
    فإذا نسيت عادتها فلا تخلو من ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن تنسى عدد العادة دون موضعها.
    الحالة الثانية: أن تنسى موضع العادة دون عددها، أي العكس.الحالة الثالثة: أن تنسى عدد العادة، وموضعها.
    فإذا نسيت العدد، وعلمت بالموضع فحينئذ يحدّد العدد لها بما ورد في السُّنة، وهو غالب حيض النساء ويصبح بديلاً عما نسيته من عادتها حتى تذكره، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردّ إلى هذا العدد لكونه غالب حيض النساء، ويلزمها أن تنظر إلى الموضع الذي كانت العادة تأتيها فيه؛ سواء كان في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره،
    فهذا هو مراد المصنف رحمه الله بقوله هنا:
    [كالعالم بِموضعِه النّاسِي لعدَدِه] ثم أشار إلى عكس هذه الصورة بقوله
    رحمه الله: [وإنْ عَلمتْ عدَدَه، ونَسِيتْ مَوْضِعَه مِنَ الشّهر، ولو في نِصْفِه جلستْ مِنْ أَوّله كمنْ لا عَادَة لَها] فبيّن أنها ترجع إلى أول الشهر، ولكن يلزمها أن تعتبر عدد عادتها،
    فلو قالت:
    عادتي ستة أيام، ولكني نسيت هل هي في أول الشهر، أو في نصفه،
    أو في آخره فحينئذ نقول لها:
    إعتدي بأوله، كالحال فيمن لا عادة لها إذا تحيضت بغالب حيض النساء مكثت الست، أو السبع من بداية الشهر.
    وقوله:
    [ولوْ فِى نِصْفِه] إشارة إلى خلاف مذهبي،
    وتوضيحه:
    أن النّاسية لموضع العادة لها حالتان:
    الحالة الأولى:
    أن تنسى موضع العادة نسياناً تاماً فلا تدري هل هي في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره، فليس عندها أي معرفة، ويقع هذا في بعض الحوادث كما في حال إغماء المرأة، وغيبوبتها ثم إفاقتها، وقد نسيت كل شيء من عادتها.وفي هذه الحالة لا إشكال في ردِّها إلى أَوّل الشهر.
    الحالة الثانية: أن تكون ذاكرة لموضعها، وهو نصف الشهر الأول مثلاً، ثم تنسى هل الستة الأيام عادتها في أول النصف الأول من الشهر، أو في آخره، أو تكون ذاكرة لموضعه، وهو نصفه الثاني، ثم تنسى هل هي في أوله، أو في آخره.
    وفي هذه الحالة إختلف العلماء رحمهم الله في حكمها على قولين:
    القول الأول: نُلزمها بأوّل النِّصفِ الذي تذكره.
    والقول الثاني: نُلزمها بأوّل الشّهر مطلقاً.
    ومحل الخلاف: إذا كان نسيانها لموضعه من النصف الثاني هل نردها إلى أول الشهر، أو إلى أول النصف الثاني؟
    والذي يترجح: أننا نُلْزِمُها بأوّل النصفِ الذي تذكره، لأننا على يقين بأن النصف الأول ليس فيه حيض فنلزمها بأول النصف الثاني كما ألزمناها بأول الشهر عند نسيان الموضع.والمصنف رحمه الله مشى على القول المرجوح فردّها إلى أول الشهر في جميع الأحوال.
    قوله رحمه الله: [ومَنْ زادتْ عادتُها، أو تَقدّمتْ، أو تأَخّرتْ، فما تكرّر ثلاثة حيض]: مراده رحمه الله أن العادة تتغير بالزيادة، والنقصان بشرط أن تتكرر ثلاثة أشهر بعدد واحد من الزيادة، أو النقصان، فلو كانت عادتها ستة أيام، ثم زادت إلى ثمانية، واستمرت ثلاثة أشهر متتابعة بهذه الزيادة حكمنا بإنتقالها إلى الثمانية، ولزمها قضاء اليومين السابع، والثامن من الأشهر الثلاثة لأنه تبيّن أنها حيض، وهكذا في نقص العادة لكن في حال النقص ليس عليها قضاء كما هو معلوم.
    قوله رحمه الله: [وما نَقصَ عَنِ العادَةِ طُهْر، وما عَادَ فِيها جَلسَتْه]: مراده رحمه الله: أنه إذا كان الإختلاف في العادة بالنقص فإنها تحكم بكونها طاهراً بمجرد إنقطاع الدم عنها، ولو عاد قبل إنتهاء أقلّ الطّهر حسبته حيضاً حتى يبلغ عادتها فلو كانت عادتها، مثلاً سبعة أيام، وانقطع الدم بعد خمسة أيام فإننا نحكم بكونها طاهراً بعد إنقطاعه ناقصاً،
    وهو معنى قوله هنا:
    [طُهْر] ثم لو عاودها بعد ثلاثة أيام فجرى معها يوماً، ثم إنقطع فإننا نحكم بكون هذا اليوم حيضاً،
    وهو معنى قوله:
    [وما عَادَ فِيها جَلستُه] فنضيفه إلى الخمسة السابقة، فلو عاودها يوماً آخر فإنها تضيفه إلى ما سبق فتكون حينئذ قد أتمت سِتّة أيام، وبقي لها يوم من عادتها، فإن عاودها قبل أقل الطهر أضفناه للستة فتمّت به عادتها، وإن لم يعاودها نظرنا في الشهر الثاني، والثالث، فإن عاودها بنفس العدد، وهو السِّتةُ حكمنا بنقصان عادتها، وانتقالها من سبعة أيام إلى سِتّةِ أيام.
    قوله رحمه الله:
    [والصُّفرةُ، والكُدْرةُ في زمنِ العادةِ حيضٌ]: قوله: [والصفرة، والكدرة]: الصفرةُ: مأخوذة من الصفار، وهو اللّون الأصفر، قال بعض العلماء -رحمة الله عليهم-: الصفرة التي تكون من المرأة: كلون القيح تخرج من الموضع، وقد إختلف العلماء رحمهم الله في حكمها،
    وذلك على ثلاثة أقوال:
    القول الأول: التّفصيل،
    وهو مذهب الجمهور:
    إن كانت الصفرة، والكدرة في زمان الحيض فهي حيض، وإن كانت بعد إنقضاء الحيض فليست بحيض.
    والقول الثاني: إلغاؤها مطلقاً كما هو مذهب الظاهرية، ومن وافقهم رحمهم الله.
    والقول الثالث: أنها حيض، ولو كانت بعد زمان الحيض، وهو قول للشافعي وأبي يوسف رحمهم الله>
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (48)

    صـــــ425 إلى صــ435


    وترجح مذهب الجمهور رحمهم الله بدليل السّنة فيما ثبت من حديث أمِّ عَطّية رضي الله عنها قالت: [كُنا لا نعدُّ الصُّفرةَ، والكدرةَ بعد الطُّهرِ شَيْئاً] ومفهومه: أنها في الحيض حيض، وكذلك صحّ أن أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها كُنَّ النساءُ كما في صحيح البخاري يَبْعثنَ لها بالدُّرجةِ فيها الصُّفرةُ، والكُدْرةُ من دم الحيض،
    فتقول:
    [انتظِرْنَ لا تَعْجَلِنّ حَتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضاءَ] " الدُرْجة " مثل: الخرقة " فيها الكرسف ": الذي هو القطن.
    فقولها رضي الله عنها:
    [انتظِرْنَ لا تَعجَلِنَّ حتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضَاء] واضح في الدلالة على أنها إعتبرته حيضاً، وأمرت بالإنتظار حتى ترى السائلةُ علامةَ الطُّهر، وهي القصة البيضاء فدلّ على أنّ الصُّفرة والكُدرة حيض في زمان الحيض.
    واستدل بعض العلماء رحمهم الله بظاهر القرآن في قوله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}وهو عام في طهرهنّ من الدم بلونه المعتاد، أو غيره كالصّفرة، والكُدرة.
    وأكدوا هذا بدليل النظر، وهو القياس على الدم، وأن الصُّفرة تنشأ من الدم كما في القيح، وتأخذ أحكامه كما في النجاسة.فهذا كلّه يدل على رجحان مذهب الجمهور رحمهم الله أن الصُّفرةَ، والكُدرة في وقت الحيض حيض، وما بعده ليست بحيض لأنها كدم الإستحاضة.
    قوله رحمه الله: [ومَنْ رَأتْ يَوماً دَماً، ويوماً نقاءً؛ فالدّمُ حَيضٌ، والنَّقاءُ طُهْرٌ]: تعرف هذه المسألة بمسألة التّلفيق، فإذا رأت المرأة يوماً دماً، ثمّ يوماً نقاءً، ثمّ يوماً دماً، ثمّ يوماً نقاءً؛
    فالحكم ما ذكره المصنف رحمه الله:
    يوم الدم يومُ حيض، ويومُ النّقاء يومُ طُهْرٍ، فتحسب عادتها في أيام الدّماء وحْدَها، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، ودليله ظاهر الكتاب، والسُّنة، وهو أن النّصوص فيهما دلّت على أن الحيض في زمانه مترتب على وجود الدم، فإذا وجد الدم حكمنا بكونها حائضاً، وإذا لم يوجد حكمنا بكونها طاهراً، فهذا هو الأصل.وعلى هذا المذهب فلو كانت عادتها خمسة أيام، وجاءها الدم يوماً كاملاً، ثم إنقطع يوماً كاملاً بعده واستمر بهذه الصورة، فإنه يحكم بخروجها من عادتها في تمام اليوم العاشر، فتلفّق أيام حيضها حتى تتم العدد.
    قال رحمه الله: [ويُستَحب غسلها لكُل صَلاة]: شرع المصنف -رحمه الله- بهذه العبارة في بيان أحكام المستحاضة،
    والمستحاضة:
    نوع من النساء تتعلق بها أحكام في صلاتها، وصيامها مفرّعة على الحكم بطهارتها.
    والإستحاضة: استفعال من الحيض،
    أي: أنّ الدم استمر معها، فالأصل أن دم الحيض يقف عند أمد معين كما قدمنا فلما استرسل دم حيضها، وزاد قيل لها إستحاضة.
    قال بعض العلماء في تعريفها: (إنها دمُ فسادٍ، وعِلّةٍ يُرخيه الرحمُ من أعلاهُ، لا منْ قَعْرِه) وهذا التعريف من أنسب التعاريف.
    أصلها عرق؛
    لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما سأَلتهُ فاطمةُ رضي الله عنها عن استحاضتها قال عليه الصلاة والسلام:
    [إِنما ذلِكِ عِرقٌ]، وقال عليه الصلاة والسلام لحمنة بنت جحش رضي الله عنها في إستحاضتها: [إِنها رَكْضةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشّيطانِ]
    قال بعض العلماء:
    ركضة حقيقية أي: أن الشيطان يركض، ويضرب هذا الموضع ضرباً حقيقياً كالرّكض الذي يكون من الفارس، أو من الرجل،
    وقال بعض العلماء:
    بل إنه ركض معنوي بمعنى: أن الشيطان يتذرّع بجريان الدم مع المرأة على هذه الصورة، فيلبّس عليها صلاتها، فيدخلها في متاهة، فلا تدري أهي حائض، فلا تصلي، ولا تصوم، أو ليست بحائض، فيجب عليها الصوم، والصلاة؟
    قالوا:
    فوصف النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإستحاضة بكونها رَكْضة لمكان هذا التلبيس الذي يكون من الشيطان هذا من جهة المعنى.
    أما بالنسبة لحقيقة هذا العرق فإنه وردت له أسماء: الأول: ورد في السنن، وهو العاذل،
    والثاني:
    ورد في رواية أشار إليها الإمام ابن الأثير رحمه الله: وفيها إسم العاذر،
    فالرواية الأولى: باللام العاذل والثانية: بالراء، وذكر الإمام الحافظ العيني -رحمه الله- أن هناك اسماً له، وهو العادل، بدالٍ بَدَل الذَّال.
    هذه ثلاثة أسماء، وهناك إسم رابع رواه الإمام أحمد في مسنده أنه العاند،
    فهذه أربعة أسماء: العاذل، والعاذر، والعادل، والعاند،
    قالوا:
    عاذلاً وصفاً له فليس هو عرق في الجسد إِسمه عاذل؛ والسبب في ذلك أن بعض الفقهاء سأل بعض الأطباء عن عرق اسمه العاذل فلم يعرفوه،
    والواقع أن العلماء قالوا:
    إن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصفه بكونه عاذلاً من العذل، واللّوم؛ لأنه يوجب عَذْلَ المرأة، ولومها.وأما تسميته بالعادل؛
    فالعادل عن الشيء هو:
    الجائر عنه، يقال عدل عن الطريق إذا مال، وجار عنه؛
    قالوا:
    لأنه بخروج المرأة عن عادتها بالحيض،ودخولها في الإستحاضة عدلت عن الدم الطبيعي لها،
    وهو دم الجِبلّة أي:
    دم الحيض، فعدلت عن الأصل؛ لأن الأصل في الدم أن يجري معها على الصّحة أيام عادتها وينقطع بعد ذلك بطهرها، فجرى معها على سبيل المرض، ولم ينقطع بعد تمام عادتها.
    وأما العاذر فقالوا: لأن المرأة تعذر بوجوده،
    وأما العاند:
    فلمكان استمراره مكان الدم؛ فكان كالممتنع، والصّعب على الإنسان وهي صفة الشيء العنيد. هذا بالنسبة لأسماء دم الإستحاضة.وهناك فوارق بين الحيض، والإستحاضة من جهة المكان فدم الحيض يخرج من قَعْر الرّحمِ،
    وأما دم الإستحاضة:
    فيخرج من أعلى الرَّحم، هذا بالنسبة لمكان الدمين.أما بالنسبة لأوصاف الدّمينِ؛ فإنّ دم الحيض أقوى لوناً من دم الإستحاضة، فإذا كان أسود كان دم الإستحاضة أحمر، وهكذا كما تقدم معنا عند بيان التمييز باللّون.
    أما بالنسبة للفارق الثالث: فوجود الألم، فإن دم الحيض تكون فيه حرارة، وألم للمرأة بخلاف دم الإستحاضة، فإنه يكون أخفَّ ألماً، أو ينعدم فيه الألم.
    وقد تقدم معنا بيان ضوابط التمييز التي هي: اللونُ، والرِّيحُ، والألمُ، والكثْرةُ، والقلّةُ، والغِلَظُ، والرِّقةُ، هذه بالنسبة للفوارق التي بين دم الحيض، والإستحاضة، والمصنف رحمه الله بعد أن بيّن لنا أقل الحيض، وأكثَره، وأقلَّ الطّهر، وأكثَره، وشرحنا خلاف العلماء -رحمة الله عليهم- في تلك المسائل بعد بيان ذلك فإنه يرد السؤال بعد أن عرفنا من هي المرأة الحائض، والمستحاضة، فما هي الأحكام المترتبة على إستحاضة المرأة، وما الذي يلزمها من جهة الطهارة، وكيفية أداء الصلوات، وما الذي يترتب على الحكم بكونها مستحاضة من جهة وطئها؟ وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة المستحاضة؛
    فشرع رحمه الله في بيان هذه الأحكام بقوله:
    [والمُستحَاضةُ] أي: المرأة إذا حُكِمَ بكونها مستحاضة.[ونحوها]: نحو الشيء مأخوذ من قولهم نَحا الشيءَ نَحْواً: إذا قصده، ومال إليه، وطلبه. وقد يُطلق بمعنى الجهة،
    تقول:
    وجّهت وجهي نحو القبلة أي: جهة القبلة.
    وقد يطلق النحو بمعنى:
    المثيل، والشّبيه؛ كما في الصحيحين عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث عثمانَ رضي الله عنه لما توضأ، وأسبغ الوضوء ثم رفع فعله إلى النبي -صلوات الله وسلامه عليه-،
    وأنه قال:
    [من توضّأَ نحو وضُوئِي هَذا] أي مثل وشبه وضوئي هذا فهذه إطلاقات النحو فمراد المصنف هنا بقوله [ونحوها] شبهها.
    أولاً: نريد أن نعرف ما هو حكم الشرع بالنّسبة للمستحاضة؟ ثم بعد ذلك نعرف من الذي يلتحق بها، ويُشْبِه حكْمُهُ حُكْمَهَا في الطهارة؟
    فالمستحاضة فيها أمور:
    أولاً: أجمع العلماء على أن المرأة إذا حكم بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة أنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا الحكم دلّ عليه ظاهر التنزيل، والنّصوص الصحيحة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال عليه الصلاة والسلام: [لتَنْظُرِ الأيامَ التي كَانتْ تَحيضُهُنّ قبلَ أَنْ يُصيبها الّذي أَصابَها فإِذا هِي خَلّفتْ ذَلِكَ فَلتغتسلْ ثُمّ لتُصَلِّ] فقوله عليه الصلاة والسلام: [فإِذَا هي خَلّفتْ ذَلِكَ] أي: خلفت أيام حيضها وهي أيام العادة، [فَلتَغْتَسِلْ]: وهو أمر بالغسل فدلّ على أن المستحاضة يجب عليها الغسل عند انتهاء أيام عادتها، مع جريان دم الإستحاضة معها، وهذا بالإجماع.
    ثانياً: يلزمها طهارة فرجها، وهو موضع الإستحاضة، أما لماذا تلزمها طهارة الموضع؛ فلأن دم الإستحاضة خارج نجس من الموضع المعتبر، فكما أن المرأة يجب عليها أن تغسل فرجها إذا خرج منه البول، فكذلك يجب عليها أن تغسل الفرج من دم الإستحاضة.
    وقال بعض العلماء:
    غسل هذا الموضع أوجبناه على المستحاضة بدليل النقل؛
    وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصّحيح لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش رضي الله عنها: [فإذا أقبلتِ الحِيضةُ فاتْركِي الصّلاةَ فإذا ذهبَ قَدْرُها فاغسِلي عَنْكَ الدم، وصَلِّي] أي: كلما أردت الصلاة؛ فاغسلي عنك هذا الدم الذي سألتِ عن حكمه، وهو دم الإستحاضة، فدلّ على نجاسته، ووجوب غسله كالبول، والغائط.
    ثم يرد السؤال: لو أنها غسلت الموضع، وخرج معها الدّم، فما الحكم؟والجواب: أن المستحاضة في الأصل لها حالتان:
    الحالة الأولى: إذا غسلت الموضع وسدَّت مكانه بقطن، أو بقماش إنحبس الدم، وإمتنع من الخروج، وهذه الحالة هي أخفُّ أحوال المستحاضة.
    الحالة الثانية: أن يكون دمها ثجّاجاً قوياً لا يستمسك بالقطن، ولا بغيره.
    فأما في الحالة الأولى فلا إشكال أنها تغسل الموضع، وتضع القطن لتمنع خروجه حال صلاتها، ولكي تبقى على طهارتها،
    وقد أشار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حَمْنةَ رضي الله عنها بذلك فقال لها:
    [أَنعتُ لَكِ الكُرسُفَ] أي: هل أصف لك القطن، ومراده آنها تضعه في الفرج؛ ليمنع خروج الدم، فدلّ على مشروعية سدّها للفرج بقطنة، ونحوها.
    وأما الحالة الثانية: أن يكون الدم شديداً، أو ثَجّاجَاً ففي هذه الحالة تغسل الموضع كما تقدم في النّصِ، ثم تضعُ القُطنَ، وتشدُّ الموضع، أو تشدُّ الموضع دون وجود حائل من قطن، أو قماش.وتشدُّ الموضع إما بجمع حافتي الفرج، أو وضع الحبل، أو الذي يُشدُّ على نفس الموضع على حسب ما ترى المرأة أنه يسدُّ، ويمنع خروج الدم،
    وهذا هو الذي عبّر عنه المصنف بقوله رحمه الله:
    [وتَعصُبُ الفَرْجَ]، والعَصْبُ،
    والعِصَابة مأخوذة من: الإحاطة، سُمّيت العِصَابَةُ عِصَابَة؛ لأنها تُحيط بالشيءِ، كما سُميّتْ عصبةُ الإنسان بذلك، وهم قرابته؛ لأنه إذا نزلت به ضائقة، أو شِدّة أحاطوا به بإذن الله -عز وجل- وكانوا معه، فالعصابة أصلها الإحاطة، وبناءً على هذا التعبير قالوا تشد طرفي الموضع.والدليل على أنه يلزمها هذا الشد ظاهر حديث حَمْنة رضي الله عنها فإنها لما قالت للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّي أُسْتَحَاض حَيضةً شديدةً، فلا أَطْهُر؟
    قال عليه الصلاة والسلام: [أنعتُ لَكِ الكُرْسُفَ؟] قالت: هو أكثر من ذلك؛
    فقال عليه الصلاة والسلام: [فاتّخِذي ثَوْباً] قالت: هو أكثر من ذلك،
    قال:
    [فتلجّمي] والتّلجم مأخوذ من: اللجام، واللجام في الأصل يكون حائلاً كما في لجام الدابة؛ لأنه يلجمها فيمنعها فهو حائل، ومانع،
    ولذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
    [تَلجّمي] معناه اُعصبي الفرج؛ لأن عصبه لجام، ومانع يَقِي من خروج الخارج، أو يحفظ الموضع من إخراج الخارج،
    وبناءً على ذلك أخذ العلماء رحمهم الله من قوله عليه الصلاة والسلام:
    [تَلجّمِي] أن السُّنة في المرأة المستحاضة أنها تَشدُّ الموضعَ إذا غَلبها الدمُ
    .هذا بالنسبة لأحوال المستحاضة إذا حُكِمَ بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة.
    وقول المصنف رحمه الله: [ونَحْوِها] يعنى: نحو المستحاضة،
    النحو:
    بمعنى المثل،
    والشبيه كما تقدم:
    إما أن يكون نحوها بمعنى شبيهاً للمستحاضة من كل وجه، وهذه حالة، أو يكون شبيهاً لها من بعض الوجوه دون بعضها، وهي الحالة الثانية.ونبدأ بالشّبيه الذي يشبه المستحاضة من كل الوجوه، وهو الذي معه سلس البول، فإذا نظرت إلى كون دم الإستحاضة دماً نجساً من خارج معتبر غلب بكثرة خروجه، فإن الأمر كذلك بالنسبة لمن كان معه سلس البول، فإن البول خارج يوجب انتقاض الوضوء كما توجبه الإستحاضة؛ وهو نجس، وخارج من الموضع المعتبر فهو كدم الإستحاضة سواء بسواء، إذاً من كان به سلس بول نُعْطِيه حكمَ الإستحاضة، وهكذا من به سلس المذي؛ لأن المذي نجس، وكذلك من به بواسير إذا نزفت، واستمر نزيف الدم كالإستحاضة، فإن هذه الأمثلة الثلاثة البول، والمذي، والبواسير كلّها ناقضة للوضوء، وهي نجسة وخارجة من الموضع فهي تشبه الإستحاضة في مسائلها، فإذا استرسلت كدم الإستحاضة أخذت حكمه، وتعرف مسألتهم بمسألة دائم الحدث.
    الحالة الثانية:
    أن يكون الشبيه للمستحاضة من بعض الوجوه، ومثاله من به نواسير، والنواسير تكون على فتحة الدبر، فهي ليست من الداخل كالبواسير بل من الخارج، ومن هنا لم تُشْبِه الإستحاضة في كونها ناقضة للطهارة، وموجبة للحدث الأصغر، وكذلك الرَّعاف، ونزيف الجروح كلّها تشبه الإستحاضة من بعض الوجوه لا من كلها فهي كالإستحاضة من جهة كونها نجسة، وقد تقدم بيان الأدلة على نجاسة الدم سواء خرج من الموضع، أو خرج من غيره، فأصبحت شبيهة بالإستحاضة من جهة الحكم بنجاستها، والتخفيف فيها إن غلبت، فإذا جرى الدم في النواسير، والرعاف ولم يرقأ فُصِّل في حكمه كالإستحاضة لكنه مخالف لها في كونه لا يوجب انتقاض طهارة الحدث على أصح قولي العلماء رحمهم الله كما قدمناه في النواقض، فتلخص أن هذه الثلاثة تأخذ حكم الإستحاضة في طهارة الخبث، دون طهارة الحدث، وهذا على القول بأنها لا تنقض الوضوء، وأما على القول بأنها ناقضة تكون كالبول، تشبه من كل الوجوه.ويكون الناسور، والرعاف، ونزيف الجروح كالإستحاضة إذا استمر جريان الدم فيه، أما لو كان قطرات تنقطع فإنه لا إشكال فيه فيغسل الموضع، ثم يصلي، فإذا شابه الإستحاضة فكان نزيفه مسترسلاً، أو قطراته لا تنقطع، ولو كانت قليلة، واستمرت وقت الصلاة، فحينئذ يفصّل فيه كالإستحاضة فإن أمكن حبسه بوضع القطن، ونحوه، أو شدّه؛ فإنه يشدّ، ويُحبس، وأما إذا كان لا ينحبس فحكمه حكم دم الإستحاضة إذا إِسترسل تتطهر المرأة لدخول وقت كل صلاة، وهكذا من به السلس، والناسور، والجروح، والقروح السيّالة ثم يصلي في وقته حتى ينتهي وقت الصلاة فيطهّر الموضع ثانية.والذى يُطْعن،
    أو يجرح فينزف جرحه له حالتان:
    الحالة الأولى: أن يمكن إيقاف النزف بأن يكون خفيفاً؛ بحيث لو وضع في الموضع قطنة سكن نزيفه؛ فحينئذ يجب إيقاف الدم بوضع حائل من قطن، أو قماش، أو نحوه، ولو بالشُّدِ.
    الحالة الثانية: أن يكون قوياً لا يرقأ، فإذا كان كذلك؛ صلى، ولو خرج معه ذلك الدم النجس، وتطهر لدخول وقت كل صلاة.
    والدليل على ذلك: أن عمر -رضي الله عنه- صلى بجراحته كما في صحيح البخاري، وكذلك -أيضاً- الصحابي رضي الله عنه لما أصابه السهم حينما كان حارساً على فَمِ الشّعبِ، ومع ذلك صلى، وجرحه ينزف دماً؛ لأن نزيف السهام نزيف قوي مستحكم، فمثله لا يرقأ؛ ولذلك تكون هاتان الحالتان مستثنيتين من الأصل الذي يوجب غسل الموضع النجس.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الطهارة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (49)

    صـــــ435 إلى صــ445


    قوله رحمه الله: [وتتوضأ لوقت كل صلاة]: ذكرنا الآن حكم الموضع وما يجب فيه من طهارة وهذا كله راجع إلى طهارة الخبث فبقي السؤال عن طهارة المستحاضة من الحدث،
    فبيّن رحمه الله: أنها تتوضأ لوقت كل صلاة أي عند دخول وقت كل صلاة، وهذا بعد إغتسالها عند إنتهاء عادتها،وهذا الغسل محل إجماع عند العلماء رحمهم الله، وهو غسل الحيض، وأما ما بعد الغسل مما ذكره المصنف رحمه الله من وضوئها لكل صلاة، فهو مسألة خلافية فيها ما يقرب من أربعة أقوال للسلف -رحمة الله عليهم-:
    القول الأول: يجب عليها أن تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء -رحمة الله عليهم- من الحنفية في المشهور، والشافعية، والحنابلة.
    القول الثاني: يستحب لها الوضوء عند كل صلاة، ولا يجب، وبهذا القول قال المالكية، والظاهرية، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، الذي يسمى ربيعة الرأي -رحمة الله على الجميع- قالوا لا يجب عليها، ولكن يستحب لها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة.
    القول الثالث: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهو أشدّ الأقوال، ومأثور عن بعض أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وإحدى الروايات عن علي -رضي الله عنه وأرضاه-، وأفتى به سعيد بن المسيب من فقهاء المدينة رحمه الله.
    القول الرابع: أنه يجب عليها أن تغتسل في اليوم مرة واحد دون تعيين، وهو قول علي -رضي الله عنه وأرضاه-.
    واستدل أصحاب القول الأول:
    بما ورد في صحيح البخاري في روايةٍ لحديث عائِشةَ رضي الله عنها في قصة فاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش رضي الله عنها،
    وفيها قوله:
    [وتَوضّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ] ومثله حديثها عند أحمد، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة.
    فقوله: [تَوضّئِي]: أمر يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة عند دخول وقت كل صلاة،
    وهو معنى قوله:
    [لِكلِّ صلاةٍ].
    وهذه هي أشهر الأقوال في المستحاضة.أما الذين قالوا بغسلها لكل صلاة؛ فالروايات ضعيفة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأمره للمستحاضة بالغسل، إلا ما ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
    أمرها أن تغتسل قال كما في الصحيح:
    [وكانتْ تَغتَسلُ لكل صَلاةٍ] قالوا: هذا يدل على وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة، وهو مذهب من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم؛ والصحيح أنه لا يجب، وأن اغتسال فاطمة -رضي الله عنها- كان اجتهاداً منها وليس بأمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
    لها لأنه عليه الصلاة والسلام:
    إنما أمرها أن تغتسل عند إنتهاء عادتها فقط كما هو ظاهر القرآن، والأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام.
    أما الذين قالوا: بأنه يجب عليها طُهرٌ في يوم واحد فهناك أحاديث ضعيفة، وآثار إستدلوا بها لا تقوى على إثبات ما ذكروه.
    والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر ما ذكرناه من حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها، عند أبي داود، والترمذي، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه غير واحد، وسئل الإمام البخاري -رحمه الله- عنه فحسّن إسناده.هذا حاصل ما يُقال في حكم المستحاضة من جهة طُهْرها.
    وقوله رحمه الله: [وتُصلّي فُروضاً، ونَوافلَ]: وتصلي الفروض في الوقت، فتصلي فرض العصر، والظهر، والمغرب، والعشاء، والفجر كُلاً بحسب وقته.فإذا توضأت لصلاة الفجر صلّت بهذا الوضوء الفرض، والنوافل، فابتدأت بركعتي الرّغيبةِ فصلّتهما، ثم ثَنّت بصلاة الفجر، ثم إذا توضأت لصلاة الظهر صَلّت الرّاتبة القبلية، والبعدية، وفرض الظّهر، والفروضَ المقْضِيّة، وسائر النوافل، والتطوع ما دام أن وقت الظهر لم ينته، وهكذا الحكم في بقية الصلوات.
    قوله رحمه الله: [ولا تُوطَأُ إِلا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ]: الجمهور على أنه لا حرج في وطء المرأة المستحاضة، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يرد دليلٌ في الكتاب، ولا في السّنة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمنع، أو التحريم، والله -عز وجل- حرّم وطء المرأة الحائض، ولم يحرم وطء المستحاضة.
    قالوا:
    إن الأصل في المرأة أن يَستمتع بها الزوج،
    وهذا على ظاهر التنزيل في قوله تعالى:
    {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (1) فإذا ثبت أن الأصل حل الوطء، وجاء عارضٌ، وهو دم الحيض، ونقلنا عن الأصل فإن هذا العارض الناقل يتقيّد بزمانِه، ومدة وجُودِه، فإذا زالَ، وانقطع رجعنا إلى الأصل الموجب لحلِّ الوطء، فهذا هو مسلك الجمهور أنه يجوز الوطء،
    وقال بعضهم: مع الكراهة.
    وذهب بعض العلماء إلى أنه: يحرم عليه أن يطأها إلا إذا خشي العنت،
    والعنت:
    هو الزنا، يعنى إذا خشي الوقوع في الزنا له أن يطأ الزوجة، ولا حرج عليه في ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختارها جمع من أصحابه رحم الله الجميع.
    واستدلوا بقوله تعالى:
    {وَيَسْأَلُونَك عنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} فقالوا: إن المراد بالأذى وجود الدم في الفرج فيؤذي الزوج، وأجيب بأن تخصيص الآية لدم الحيض، دون غيره دليلٌ على أن المراد التحريم حال وجود الحيض،
    دون غيره بدليل قوله:
    {حَتَّى يَطْهُرْنَ} فجعله أذى إلى غاية الطّهر، فلو كان دم الإستحاضة مثله لما قيّده بغاية الطهر لأن دم الإستحاضة يأتي بعد الطُّهر سواء كان الطُّهر حقيقة، أو كان حُكماً فصارت الآية دليلاً على الحلِّ؛ لا على التحريم.
    ومما يؤكد ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عن حكم دم الإستحاضة، فلم يأمرْ مستحاضةً أن يعتزلَها زوجُها، ولا يجوز تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، فلو كان وطؤها حراماً لا يجوز إلا عند خوف الزِّنا لبيّنه عليه الصلاة والسلام، فلما لم يأمر باجتناب المستحاضة دلّ على أنها قد حلّت لزوجها بطُهْرِها من الحيض كما يقول الجمهور رحمهم الله.
    قوله رحمه الله: [ويُسْتحبُّ غسلُها لِكُلّ صَلاةٍ]: يعني إذا دخل عليها وقت كل صلاة؛ فإنها يستحب لها أن تغتسل، أي تغسل البدن، ولا يجب عليها ذلك؛ لظاهر ما ذكرناه من فعل فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها-.
    قوله رحمه الله: [وأَكْثَرُ مُدّة النّفاسِ أَربعونَ يَوْماً]: شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في أحكام دم النفاس،
    والنفاس: مأخوذ من النَّفْسِ،
    وتطلق النَّفْسُ في اللغة بمعان فيقال: نَفْسُ الشيء بمعنى ذاته، ومنه قولهم: رأيت محمداً نَفْسَه أي: بذاته،
    وتطلق النَّفْسُ بمعنى:
    الرّوح على خلاف بين أهل العلم هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان،
    وتطلق النَّفْسُ بمعنى: الأخ، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (2)،
    وتطلق النَّفْسُ: على الدّم،
    ومنه ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لعائِشةَ رضي الله عنها لما حاضت بسرف:
    [مالكِ أنُفِسْتِ] أي هل أصابك دم الحيض؟ فلما كان الدَّمُ من أسمائه النّفْسُ؛ سُمّي النِّفاسُ نِفَاساً لذلك، من باب تسمية الشيء بسببه،
    والنفاس:
    هو (الدّم الذي يَخرجُ عَقيبَ الوِلادَةِ) فالمراد به دم الولادة، والفرق بينه، وبين دم الحيض أن دم الحيض دم مُعتاد، وهذا دم مخصوص بالولد يكون بعد خروجه من بطن أمه.
    قال رحمه الله: [أَكثرُ النّفاسِ أربعونَ يَوْماً]: هذه مسألة خلافية،
    وللعلماء فيها قولان مشهوران:
    القول الأول: الجمهور على أن أكثر النفاس أربعون يوماً، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وأم سلمة رضي الله عنهم؛
    وإستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:
    [كَانتِ النّفساءُ تَجْلِسُ عَلى عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَربعينَ يَوْماً] فدلّ على أنّ أكثَره أربعونَ يوماً.
    القول الثاني: أكثر النفاس ستون يوماً، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وقول عبد الرحمن الأوزاعي فقيه الشام -رحمة الله على الجميع-، وما جاوز الستين فهو استحاضة، وليس بدم نفاس.وعلى مذهب الجمهور تجلس أربعين يوماً، وما زاد فهو استحاضة، وليس بدم نفاس، وهو الراجح في نظري والعلم عند الله لورود السُّنة به، وليس لأقله حدُّ معين، فلو أن امرأة ولدت ثم جرى معها الدم لحظة واحدة، فأخرجت دفعة واحدة منه ثم انقطع عنها؛ حكمنا بكونها طاهرة؛ لأنه ليس لأقل النفاس حد معتبر.هذا بالنسبة لأقل النِّفاس، وأكثره.
    قوله رحمه الله:
    [ومتى طَهُرتْ قَبْلَه تَطَهرتْ، وصَلتْ]: قوله: [ومَتى طَهُرتْ قَبْلَهُ] يعني: قبل أكثر النفاس، فالضمير عائد إلى النّفاس، وقوله: [تَطهّرتْ، وصَلّتْ] أي: أننا نحكم بطُهْرِها،
    ومثال ذلك:
    امرأة ولدت في أول الشهر، واستمر معها دمُ النّفاس عشرين يوماً، ثم طَهُرت حكمنا بطهرها، فتغتسل، وتصلّي، وتصوم.
    وقوله رحمه الله: [طَهُرتْ]: يعني رأت علامات الطهر،
    وهي إحدى علامتين:
    الأولى: القَصّةُ البيضاء: وهي ماء أبيض كالجير تعرفه النساء،
    وهو الذي قصدته عائشة رضي الله عنها بقولها:
    [إِنْتَظِرْنَ لا تَعْجَلِنَّ حَتّى ترينَّ القَصّةَ البَيْضاءَ].
    والثانية: الجفوف، والمراد به جفوف الفرج بحيث لو وضعت قطنة خرجت نقيّة لا دم فيها.فإذا رأت إِحدى هاتين العلامتين قبل تمام الأربعين حكمنا بطهرها، فإذا رأت الدم كما قدمنا في المثال السابق عشرين يوماً، ثم رأت علامة الطهر حكمنا بطهرها، ثم إن لم يعاودها قبل تمام الأربعين يوماً فلا إشكال، وإن عاودها قبل تمام الأربعين فهي نفساء حتى تتم أكثر النفاس.
    قوله رحمه الله: [ويُكْرَهُ وطْؤُها قَبلَ الأَربعين بَعْد التَّطْهِيرِ]: قال بعض العلماء: المرأة النفساء إذا طَهُرت قبل الأربعين لا تُوطأ، وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه- إختارها جمع من أصحابه رحمهم الله.ومنهم من قال إنه محمول على الكراهية، والجمهور على الجواز.لكن ذكر بعض الأطباء فائدة، وهي أن الجماع قبل الأربعين يؤثر في الفرج، وأنه لا يرجع إلى طبيعته قبل الأربعين،
    ولذلك قال بعض الأطباء:
    الأفضل ألا يقع جماع، وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن العلّة هي خوف رجوع الدم، ويكون إِنقطاع الطهر عندها مؤقتاً بمعنى اليوم، واليومين، وهذا يحدث فإن المرأة تكون نفساء، ثم تطهر بعد عشرين يوم، وفي اليوم الحادي والعشرين لا ترى شيئاً، ثم في اليوم الثاني والعشرين يعود عليها الدم،
    ولذلك قالوا:
    لا نأمن أنها ما دامت داخل الأربعين أن الدم يعود إليها بعد أن إنقطع.والقول بالجواز أرجح؛ لأنه هو الأصل، ولم يرد دليل في الشرع بالتّحريم كما قدمنا في وطء المستحاضة،
    وقد نقل عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله:
    [إِذَا صَلّتْ حَلّتْ] وهو يدلّ على أنه إذا حلّت الصلاة للمرأة حلّ وطؤها سواء كانت نفساء، أو حائضاً.
    قوله رحمه الله:
    [فإِنْ عَاودَها الدّمُ فَمشكُوكٌ فيه]: يعني إذا عاود الدّمُ المرأة النفساء بعد أن طهرت وقبل تمام الأربعين فمشكوك فيه بمعنى: أنه يحتمل أنه: نِفَاسٌ إستصحاباً للأصل،
    ويحتمل أنه: إستحاضة، ومشى المصنف رحمه الله على كونه مشكوكاً فيه، والأصل يقتضى إلحاقه بالنفاس؛ لأنه في أمده، ووقته وهو الراجح، لكن يُعتذر للقول المرجوح بأنها رأت علامة الطهر قبله فتنازعه الأصلان؛ فهذا هو وجه إعتباره مشكوكاً فيه.
    قوله رحمه الله: [تَصُومُ، وتُصلّي، وتَقضِي الوَاجِبَ]: بناءً على الأصل، واليقين أنها طاهر، والدم مشكوك فيه فنلغي الشك، ونبقي على اليقين للقاعدة المشهورة [اليَقينُ لا يُزَالُ بِالشّك] فاليقين أنها مطالبة بفريضة الصلاة، والصيام، وشكَكْنا في سقوطهما؛ فبقينا على الأصل الموجب للمطالبة بهما، فهذا هو وجه مطالبتها بالصوم، والصلاة، وقد قدمنا أن الراجح أنه نفاس إن عاد قبل تمام أكثره.
    قوله رحمه الله: [وهو كالحيْضِ فِيمَا يَحِلُّ، ويَحرُمُ، ويَجِبُ]: قوله رحمه الله: [وهو] أي: النفاس،
    وقوله:
    [كالحيض فيما يحلُّ، ويَحرمُ، ويَجِبُ] أي: أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض، وقد تقدم بيان موانع الحيض، فالمرأة النفساء لا تصوم، ولا تصلي، ولا تدخل المسجد، ولا تلمس المصحف كما ذكرنا في الحائض، ويستثني من ذلك ما ذكره -رحمه الله-
    من قوله:
    قوله رحمه الله: [ويَسْقُط؛ غيرَ العدةِ، والبلوغِ]: قوله: [ويَسْقُطُ]؛
    أي:
    أن النفاس كالحيض يسقط التكليف بالصلاة، والصوم، وقد سمى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الحيض نفاساً؛ لكن يستثنى من مساواة النفاس بالحيض العدة، والبلوغ، فإنك لا تحكم بكون المرأة تعتد بدمِ النّفاس بخلاف دم الحيض؛ فإنها تعتد به،
    ولذلك قال تعالى:
    {وَالْمُطَلقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (3) فردّهن إلى الدم الذي هو دم الحيض،
    قيل:
    قروء أطهار وقيل: حيضات كما سنبينه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى، ولأن العدّة في الحامل تنتهي بوضع الحمل، لا بخروج دم النفاس،
    لقوله تعالى:
    {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. أما بالنسبهَ للبلوغ فقالوا: لا يثبت البلوغ بدم النفاس؛ لأنها بحملها يثبت البلوغ، ولذلك يرى العلماء أن الحمل دليل على البلوغ.
    قال النّاظم رحمه الله:
    وكلُّ تَكْليفٍ بِشَرْطِ العَقْلِ ... مَعَ البُلُوغِ بِدَم أَوْ حَمْلِأ
    و بمنيٍ أوْ بإنباتِ الشَّعَرْ ... أو بِثمَاني عَشرةٍ حَوْلاً ظَهَرْ
    وإن كان الصحيح أن خمسة عشر توجب البلوغ، لظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيح، كما سيأتي بيانه في علامات البلوغ.
    قوله رحمه الله:
    [وإِنْ ولَدتْ تَوأَمَينِ؛ فَأوّلُ النِّفَاسِ، وآخِرهُ مِنْ أَوّلِهمَا]: أي أننا نعتد في توقيت دم النفاس بأوّل الولدين،
    فعلى سبيل المثال:
    لو أنّ إِمرأة ولدت ولدين: الولد الأول ولدته في اليوم العاشر من الشهر، والثاني ولدته في الثاني عشر فإننا نعتد باليوم العاشر؛ فإذا أتمّت به الأربعين طهُرت على مذهب القائلين بالأربعين. وإعتبر الولد الأول هو مذهب الجمهور؛ لأنه الأصل في الولادة، والثاني تَبع له. وقال الظاهرية ومن وافقهم العبرة بالولد الثاني، فتبدأ إحتساب مدة النفاس من الولد الثاني فبيّن رحمه الله أن العبرة بأول الولدين لا بآخرهما، وهكذا الحكم عنده فيما لو كانت الولادة لتوائم أكثر، فالعبرة بالولد الأوّل لأنه حَمْل واحدٌ آخذ حكم البطن الواحد لا فرق بين أن تضع ولداً، أو أولاداً فكلّه بطنٌ واحد كما لو ولدت واحداً.
    وآخِر دَعْوانا أنِ الحمد لله رب العَاَلميْنَ وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    (1) البقرة، آية: 187.
    (2) النساء، آية: 29.
    (3) البقرة، آية: 228.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (50)

    صـــــ1 إلى صــ11


    مقدمة كتاب الصلاة

    لقد عظم الشرع من شأن الصلاة فجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام؛ بل هي عمود الدين، فلا يستقيم دين العبد إلا بها، وهي الفارق بين المسلم والكافر، ولأهميتها يجب على المسلم أن يتعلم أحكامها من شروط وواجبات وأركان، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالصلاة.
    من أحكام الصلاة
    تعريف الصلاة لغةً وشرعاً
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد:
    فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الصلاة].
    قوله: (كتاب) مراد العلماء رحمهم الله بكلمة (كتاب) التعبير بها للدلالة على عِظم المبحث وسعة مسائله، ولذلك يقسمونه إلى فصول، ويقسمون الفصول إلى مباحث ومسائل، وكل مذهب بحسبه.والصلاة في اللغة تستعمل بمعانٍ،
    أولها:
    الدعاء،
    ومنه قوله تعالى:
    {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] فقوله: (صلّ عليهم) أي: ادع لهم،
    ومنه قول الشاعر:
    تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا ومعنى البيت: أن هذا الشاعر لما أراد أن يسافر قالت بنته: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا فقال رداً عليها: عليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فقوله: (عليك مثل الذي صليت) أي: لك مثل ما دعوت لي من السلامة والعافية من البلاء.
    ومن معاني الصلاة: البركة،
    ومنه قوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري:
    (اللهم صل على آل أبي أوفى)،
    أي:
    بارك لهم فيما رزقتهم.
    وتطلق الصلاة بمعنى: الرحمة،
    ومنه قوله تعالى:
    {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] أي: إن صلاة الله على نبيه رحمته،
    ومنه قول الشاعر:
    صلى المليك على امرئٍ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها فهذه معاني الصلاة في اللغة.
    أما في اصطلاح العلماء فإنهم إذا قالوا: (الصلاة) فمرادهم بها أنها عبادةٌ مخصوصة مشتملة على أقوال وأفعال مفتتحةٌ بالتكبير ومختتمة بالتسليم،
    فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي:
    (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) أي: الصلاة.
    فقوله صلى الله عليه وسلم:
    (تحريمها التكبير) هي التكبيرة الأولى،
    ولذلك قالوا:
    إن التكبيرة الأولى تسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن المكلف بهذه التكبيرة يدخل في حرمات الصلاة، فلا يتكلم ولا يعبث ولا يفعل أي فعلٍ يعارض الصلاة أو يخالف مقصودها،
    ولذلك قالوا:
    مفتتحةٌ بالتكبير.
    وقالوا: (ومختتمة بالتسليم)؛ لأنه إذا أنهى صلاته خرج بالسلام، أي أن خاتمتها تكون بالسلام، ولذلك اعتبر من أركانها.وأما كونها (عبادةً مخصوصة) فقد أجمع العلماء على وصفها بكونها عبادة مشتملة على أقوال وأفعال؛
    فقوله صلى الله عليه وسلم:
    (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح وذكر الله وقراءة القرآن) كما في صحيح مسلم.فهذا التعريف الاصطلاحي نفهم منه أن الصلاة عند العلماء -أعني الفقهاء- لها معنىً مخصوص، وأن معناها في اللغة أعم من معناها في الاصطلاح، والسبب الذي جعل العلماء يجعلون تعريفاً لغوياً وتعريفاً شرعياً أن الحقائق الشرعية ربما أطلقت بمعنىً أخص من إطلاقها اللغوي، ولذلك تجد معنى الصلاة في اللغة أعمّ من معناها في الاصطلاح، ولذلك يعتنون بذكر التعاريف الاصطلاحية؛ لهذه الحقائق الشرعية المخصوصة.
    [أهمية الصلاة في القرآن والسنة]
    الصلاة عبادةٌ عظيمة مفروضة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادة،
    ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه لليمن قال له:
    (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة) أي أن الله أوجب عليهم هذه الصلوات الخمس، وفرضها عليهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بيان وجوب الصلاة تابعاً لفرضية الشهادتين،
    ولذلك قال العلماء رحمهم الله: إن أهم ما يعتنى بالدعوة إليه، وأمر الناس به، وحثهم عليه، وحضهم على فعله هو الصلاة بعد الشهادتين، فهي أهم المهمات بعدها،
    وآكد الفرائض والواجبات بعد قول: (لا إله إلا الله)، شهادة التوحيد، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عمود الإسلام، ومن المعلوم أن العمود إذا سَقط سقط ما بُني عليه، وهذا يدل دلالة عظيمة على فضل هذا الركن العظيم وعظيم شأنه.
    وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام:
    (أنها آخر ما يفقد الناس من دينهم) وأنه إذا فقدت الصلاة فقد ذهب الدين،
    وثبت في الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره:
    (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن صلحت نظر في بقية عمله، وإن كان لها مضيعاً فإنه لما سواها أضيع).فهذه الصلاة فرضها الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وورد ذكرها في القرآن في أكثر من موضع، يأمر الله بها تارة، وتارةً يرغب فيها، وتارةً يبين فضل أهلها ويثني عليهم، ويبين عواقبهم من دخول الجنة وحصول رضوان الله تعالى عليهم بفعلها.
    وقد أمر الله بها عموماً فقال تعالى:
    {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] وأمر بها خصوصاً فقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [العنكبوت:45].
    وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطابٌ لأمته، وأمر سبحانه أن تؤمر بها الذرية والأبناء والأهل والأزواج والزوجات،
    فقال تعالى:
    {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] وأخبر سبحانه وتعالى عن فضل أهلها الآمرين بها،
    فأثنى على نبيه إسماعيل فقال:
    {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:54 - 55] قال بعض العلماء في قوله تعالى: (وكان عند ربه مرضياً) أي: بأمره لأهله بالصلاة؛ لأنه أمرهم بأعظم شعائر الدين وأجلّها عند الله عز وجل.وأجمع المسلمون على وجوب الصلاة وفرضيتها، وأنها ركنٌ من أركان الإسلام؛
    لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة)، فأجمعوا على أنها ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه لو جحد إنسانٌ وجوبها كفر، إلا أن يكون جاهلاً فيعلم، كما سيأتي إن شاء الله بيانه للمصنف رحمه الله.
    ولما كان من عادة العلماء رحمهم الله أن يقولوا: (كتاب الصلاة)، والمقصود بهذا الكتاب بيان الأحكام والمسائل المتعلقة بعبادة الصلاة، استلزم ذلك بيان ما يشترط لصحة الصلاة من الوقت واستقبال القبلة، ففي المواقيت يتكلمون عن أفراد المواقيت،
    أعني: مواقيت الصلوات الخمس، وفي استقبال القبلة يتكلمون عن مسائل استقبال القبلة، ومتى يسقط هذا الواجب -كما هو الحال في السفر- ويقوم على الاجتهاد والظن؛ لثبوت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يتكلمون على ستر العورة وأخذ الزينة، وما يتبع ذلك من مباحث، كصلاة العراة ونحوهم.ثم يتكلمون في الصلاة على صفتها، ويتضمن ذلك بيان الأركان والواجبات والسنن التي هي من هيئات الصلاة، فيبدأون ببيان أركانها التي فرضها الله عز وجل، وإذا لم يقم المكلف بها فلا تصح صلاته.ثم بيان الواجبات التي إذا فعلها أثيب، وإذا تركها عوقب وأثم ولا يحكم ببطلان صلاته إلا إذا تركها متعمداً، فهي أخف مرتبةً من الأركان، ثم السنن التي يرغب في فعلها ولا حرج في تركها.ثم بعد ذلك يتكلمون على ما يطرأ على الصلاة، كما هو الحال في باب سجود السهو، فيتكلمون على حال المكلف إذا أخلّ بالأركان أو بالواجبات أو السنن، ثم يتكلمون على أفراد الصلاة الواجبة، ثم المسنونة التي لا تجب على الأعيان وقد تجب على الكفاية، فيتكلمون على صلاة الجمعة وصفتها وشروطها وما يلزم لها، ثم يتكلمون على الصلوات النوافل التي تشترط لها الجماعة، كصلاة التراويح وصلاة العيدين على القول بأنها سنة مؤكدة، وما يتبع ذلك من صلاة الاستسقاء ونحوها.
    ثم يتكلمون على مطلق النوافل بصلاة التطوع، فيذكرون المباحث المتعلقة بالسنن الراتبة والوتر -على القول بعدم وجوبه- فهذه المباحث كلها متشعبة ومتعددة، فمن العلماء من يختصر، ومنهم من يسهب،
    ونظراً إلى تعددها حتى في المختصرات فإن من عادة العلماء أن يقولوا:
    (كتاب الصلاة) دون قولهم: (باب الصلاة)؛ لسعة هذا المبحث، وكثرة مسائله، وتشعب أحكامه.وقد ذكر المصنف رحمه الله كتاب الصلاة عقب كتاب الطهارة، والمناسبة في هذا لطيفة، وهي أن الطهارة وسيلةٌ إلى الصلاة، وقد أمر الله عز وجل بالطهارة قبل الصلاة،
    فقال تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فمن المناسب أن يتكلم على الوسائل قبل الكلام على المقاصد، ولذلك أتبع المصنف رحمه الله كتاب الطهارة بكتاب الصلاة.
    [من تجب عليه الصلاة]
    قال المؤلف رحمه الله:
    [تجب على كل مسلم مكلف].
    الوجوب في أصل اللغة: السقوط،
    يقال:
    وجب الشيء، إذا سقط،
    ومنه قولهم:
    وجبت الشمس، إذا سقطت،
    ومنه قوله تعالى:
    {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: سقطت واستقرت على الأرض.ويطلق الواجب في لغة العرب بمعنى اللازم،
    ومنه قول الشاعر:
    أطاعت بنو عوفٍ أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب أي: أول لازمٍ عليهم أن يفعلوه.
    والواجب في الاصطلاح: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فالواجب أعلى مراتب الأوامر، والحنفية يجعلون أعلى مراتب الأوامر الفرض، ثم يليه الواجب، ويفرقون بين الفرض والواجب بأن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني سواءٌ في الدلالة أم في الثبوت، كما هو مفصل في مباحث الأصول.
    قوله رحمه الله: (تجب) أي: الصلاة.أراد المصنف بهذه العبارة أن يبين حكم الصلاة، ولذلك ينبغي على طلاب العلم والفقه أن يبتدئوا أولاً ببيان موقف الشريعة من العبادة،
    وعادةً إذا قال العلماء:
    (كتاب الزكاة)، أو (كتاب الصلاة)، أو (كتاب الصوم)،
    يقولون عقبه:
    (تجب الصلاة)، أو: (تجب الزكاة)، أو: (يجب الصوم)؛ لأن أول ما يحتاج إليه بيان حكم الشريعة في هذا المبحث من مباحث الفقه، ولذلك قال المصنف: (تجب)، أي: الصلاة، فالأصل فيها اللزوم والوجوب.
    قوله: [على كل مسلم].
    أي: تجب هذه الصلاة على كل مسلم، و (كل) من ألفاظ العموم عند الأصوليين إذا جاءت في صيغ الكتاب أو السنة، وقد درج العلماء على ذلك.فأول ما يخاطب به من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، ولذلك قدم شرط الإسلام؛ لأنه لا تصح الصلاة من كافر، فيطالب المسلم أولاً بالإتيان بالشهادتين، ثم بعد ذلك يتوجه عليه الخطاب بفعل الصلاة.فلابد من وجود الإسلام أولاً، ثم توجه الخطاب ثانياً،
    وهذا مفرع على حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
    (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات).
    فلا يخاطب أحد بالصلوات إلا بعد أن يحقق الشهادتين،
    ولذلك قال المصنف:
    (على كل مسلم)، وهذا الوجوب محل إجماع،
    إلا أنَّ بعض العلماء يقولون:
    الصلاة واجبة،
    وبعضهم يقول:
    الصلاة فرضٌ، والتعبير بهما على مسلك الجمهور واحد،
    ولكن الحنفية يقولون: إنها فريضة، ويرون أنها أعلى مراتب الوجوب، والخلاف بين الحنفية والجمهور في هذا عند بعض المحققين من أهل الأصول خلاف لفظي.
    فالحاصل من هذا أن العلماء رحمهم الله قالوا: إنها واجبة، ونستفيد من هذا أن تَرْكها إثمٌ، وأن فعلها قربة وطاعة.ولما كانت واجبة ويردq على من تجب؟
    قال:
    (على كل مسلم)،
    والمراد هنا:
    جنس المسلم، فيشمل الذكر والأنثى، ولا فرق بين ذكرٍ وأثنى في الأحكام إلا ما خص الدليل به الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال.
    وقوله:
    [مكلفٍ].
    التكليف:
    مأخوذٌ من الكلفة، والشيء الذي فيه كلفة هو الذي فيه مشقة وتعب وعناء، والعلماء رحمهم الله يعبرون عن أوامر الشرع ولوزامها بأنها تكاليف؛ لأنه لا بد في الشرع من ابتلاء،
    والدليل على ذلك قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فدل على أنه يكلف، لكنه يكلف بما في الوسع لا بما هو خارج عنه، والسبب في هذا أنه لو كانت الأوامر خاليةً من التكليف والمشقة لعريت عن الابتلاء، ولاستوى المطيع والعاصي؛ لأنه لا يظهر فرق بين المطيع والعاصي إلا بوجود الابتلاء،
    ولذلك قال تعالى:
    {لِيَبْلُوَكُمْ} [الملك:2] أي: ليختبركم.وهذا يدل على أن تكاليف الشرع فيها ابتلاء،
    ومن الأدلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
    (حفت الجنة بالمكاره)،
    والمكاره:
    ما يكون في التكاليف سواءٌ أكانت أوامر أم نواهي، فإن كانت أوامر فالمشقة في تحصيلها، وإن كانت نواهي فالمشقة في تركها والاجتناب عنها.
    والتكليف ينقسم إلى قسمين: إما تكليفٌ بمشقةٍ مقدور عليها، وإما تكليفٌ بمشقة غير مقدورٍ عليها، كان التكليف يتضمن مشقةً غير مقدور عليها فهذا لا يكلف به ولا يرد به التكليف؛ لأن النص في الكتاب دلّ على أنه لا يكلف بما فيه مشقة؛
    لقوله تعالى:
    {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]،
    وقوله:
    {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]،
    وقال صلى الله عليه وسلم:
    (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فدلّ هذا على أن تكاليف الشرع ليس فيها مشقةٌ غير مقدور عليها.
    وإن كان التكليف بالمشقة المقدور عليها، فهذه يكلف بها، ولكن هناك ضوابط عند العلماء؛ إذ قد يخفف على الإنسان، كالحال في مشقة الصوم في السفر، فأنت تقدر على الصوم في السفر ولكن بمشقة فيها حرج، فخيّرك الله عز وجل بين أن تصوم وبين أن تفطر.والتكليف يكون بالأمر والنهي.
    والتكلف في قوله: (على مسلمٍ مكلف) يتضمن شرطين،
    وقيل ثلاثة شروط:
    الشرط الأول: العقل،
    والشرط الثاني:
    البلوغ،
    كما قيل: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل فلا بد في التكليف أن يكون هناك عقلٌ، وأن يكون هناك بلوغ، فلا تكليف على مجنون، ولا على صبيّ دون البلوغ.
    وقال بعض العلماء: يضاف إليهما أمرٌ ثالث وهو الاختيار وعدم وجود الإكراه.
    لكن هذا في مسائل مخصوصة، فقد يسقط التكليف لعدم وجود الاختيار كما في المنهيات، فلو أن إنساناً اضطر إلى حرامٍ فإنه يسقط عنه التكليف ولا يكلف، ولذلك يقتصر بعض العلماء على الشرطين الأولين في ثبوت الأهلية، ويرون أن الشرط الثالث يتقيد بأحوال مخصوصة.
    أما الدليل على أنه لا يخاطب بالصلاة غير العاقل فهو ما جاء في حديث علي عند أبي داود وأحمد في المسند بسندٍ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون عن يفيق)، فدلّ على أن من كان مجنوناً لا يكلف،
    لقوله:
    (رفع القلم)، وفرّع العلماء عليه أن من شرط وجوب الصلاة أن يكون عاقلاً، وهذا بالإجماع، وأما بالنسبة لكونه بالغاً فللحديث نفسه، وأما أمره عليه الصلاة والسلام في حديث أحمد وأبي داود أن يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع، وأن يضربوا عليها لعشر، فهذا من باب التعويد والترويض، لا من باب التكليف.
    وعند العلماء خلاف فيما إذا أمر إنسانٌ أن يأمر غيره، فهل الأمر للأول أو للثاني؟ فعلى القول بأن الأمر للأول فإن هذا الحديث دلّ على أن لا تكليف أصلاً؛ لأن الخطاب لم يتوجه إلى صبي، وبناءً على هذا نأخذ من هذين الحديثين دليلاً على المسألتين، وهو أنه يشترط في إيجاب الصلاة البلوغ والعقل.وعند بعض العلماء الصّبي فيه تفصيل: فإذا بلغ العاشرة فإنه يؤمر بالصلاة ويلزم بها، ويعتبرونه نوع تكليف واستثناء من عموم الخطاب الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم برفع القلم عن الصّبي،
    حتى قال بعض العلماء:
    إنه يثاب ولا يعاقب لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم الصّبي،
    وقال:
    إن حديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) يدل على أنه يثاب ولا يعاقب، ويبقى الثواب معلقاً على بلوغه، فإذا بلغ جرى القلم بكسب ثوابه، وهذا مذهبٌ فيه تكلّف، وهو مذهب لبعض الأصوليين، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً، ولكن الصحيح أن ظاهر السنة عدم تكليفه، وأن الأمر متوجهٌ إلى الآباء من باب الترويض والتعويد، كما ثبت مثله في الصوم من أمر الصحابة أبناءهم بالصيام، كما في أثر أنس رضي الله عنه وأرضاه-، وإعطائهم اللعب والدمى من العهن يعبثون بها حتى ينشغلوا عن طلب الطعام والإخلال بصيامهم.
    قال رحمه الله: [لا حائضاً ونفساء].
    أي:
    لا تجب الصلاة على حائض ولا على نفساء،
    وقد يقال:
    إنها واجبة على كل مسلمٍ بالغٍ عاقل إلا أن يكون حائضاً أو نفساء.
    والمراد بالحائض والنفساء: من كانت متلبسةً بالحيض أو بالنفاس، وليس المراد به الوصف؛ لأن المرأة قد توصف بكونها حائضاً،
    كما تقول:
    تجب الصلاة على كل حائض،
    أي:
    على كل امرأة بلغت المحيض، أو يجب الستر على المرأة الحائض،
    والمراد:
    التي بلغت سن المحيض، والعرب تسمي الشيء بما يقارنه.
    فالمقصود أن قوله: (لا حائضاً) أي أن الحائض لا تجب عليها الصلاة أثناء الحيض،
    وللعلماء في هذه المسألة قولان:
    فبعض الأصوليين يقول: الخطاب متوجب على الحائض والنفساء، وسقط عنهما الفعل لمكان العذر في الصوم والصلاة، ثم إذا طهرتا فإنهما تقضيان صومهما، ولا تعتبران موديتين له.
    وبعضهم يقول:
    لا يتوجه عليهما الخطاب أصلاً إلا بعد طُهرهما، فيتوجه عليهما الخطاب بفعل الصوم دون فعل الصلاة، والفرق بين القولين في الأداء والقضاء،
    فإنك إذا قلت:
    إن الحائض والنفساء أثناء الحيض والنفاس يتوجه عليهما الخطاب فإنك تقول: تكلف الحائض والنفساء بالصلاة وسقطت عنهما بعذر، فالتكليف باقٍ أصلاً.
    إذا ثبت هذا فيصبح قوله: (لا حائض ونفساء) أي أنه لا يتوجه عليهما الخطاب، فهذا اختيار صاحب الزاد، وهو أيضاً اختيار صاحب المقنع نفسه الإمام ابن قدامة رحمة الله تعالى عليهما،
    وقد تكلم على هذه المسألة وبيّنها في كتابه النفيس:
    (روضة الناظر)، وأشار إلى مذاهب العلماء فيها من ناحية توجه الخطاب على الحائض والنفساء أو عدم توجهه عليهما.
    فإن قلنا: إنه لا يتوجه عليهما، ففي هذه الحالة بعد انتهاء أمد الحيض والنفاس يتوجه الخطاب بالصوم دون الصلاة،
    وهذا يعارضه حديث عائشة أنها قالت:
    (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر قضاء الصلاة).فقول
    من يجب عليهم قضاء الصلاة لعذر
    [من زال عقله بنوم]
    قال رحمه الله تعالى: [ويقضي من زال عقله بنوم].
    قوله هذا دلّ على أن النائم مكلف أثناء نومه، أي أن الخطاب متوجهٌ عليه أثناء النوم،
    واختلف العلماء:
    هل النائم والناسي والساهي والسكران مكلفون أثناء السكر والنسيان والنوم، ثم يطالبون بالفعل بعد الإفاقة، كالحال في مسألة الحائض والنفساء؟
    فقال بعض العلماء:
    النائم والناسي والساهي مكلفون، ولكن لا يؤاخذون وقت العذر، فإذا زال عنهم العذر فإنهم يطالبون بالفعل،
    وبناءً على هذا يقال:
    يؤمرون بالقضاء ويثبت عليهم؛ لأنه إذا تعذّر عليهم الأداء لعذرٍ فالقضاء مفرعٌ على وجود الأداء،
    وقالوا:
    إن النائم يؤمر بقضاء الصلاةِ، وهذا بالإجماع؛
    لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة له إلا ذلك)، فدل على أنه مطالبٌ بالقضاء، ودل على أن نومه وخروج الوقت عليه وهو نائم لا يوجب سقوط التكليف عنه، ولذلك يؤمر بقضاء هذه العبادة،
    والأصل:
    أن ذمته مشغولةٌ بفعل هذه العبادة حتى يدل الدليل على سقوطها، ولا دليل، فيبقى مطالباً بفعل الصلاة، فيؤمر بها بعد استيقاظه من النوم.
    لكن هنا مسألة: فقد قال بعض العلماء: من نام عن الصلاة وخرج وقتها، فإنه يؤمر بالفعل مباشرةً، وإن تأخر أثم؟
    وقال بعض العلماء:
    يؤمر بفعلها ما لم يدخل وقت الثانية التي بعدها، ويخرج وقت الصلاة التي هو فيها، وقالوا: يجوز له أن يؤخر.
    وتوضيح هذه المسألة ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما الثابت في الصحيح أنه قال:
    (عرّس النبي صلى الله عليه وسلم وسار إلى آخر الليل،
    قال: فوقعنا وقعةً ألذ ما تكون على المسافر -لأنهم كانوا يسيرون في الليل في مقدمهم من غزوة تبوك رضي الله عنهم وأرضاهم- فلما صار إلى آخر الليل وقرب وقت الفجر أعياهم المسير،
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال: اكلأ لنا الليلة -
    أي: يا بلال! ارقب لنا الفجر وانتبه له، حتى إذا تبين الصبح فأيقظنا للصلاة- فنام بلال، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحرِّ الشمس، فاستيقظ عمر وصاح في الناس، وصار يكبر، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    فلما نظر إلى القوم قال عليه الصلاة والسلام:
    يا بلال: ما شأنك؟
    -أي: ما الذي دعاك أن تضيع علينا الصلاة؟
    - فقال: يا رسول الله: أخذ بعيني الذي أخذ بعينك)
    أي: أنت متعب وأنا متعب، فكما نمتَ نمتُ، وهذا من لطف الصحابة رضي الله عنهم وحسن أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال:
    (ارتحلوا إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان.
    فارتحلوا عن الوادي، ثم توضأ عليه الصلاة والسلام، وتوضأ أصحابه فصلّى راتبة الفجر -كما في الصحيح في رواية أنس -، ثم أمر بلالاً فأقام فصلى الفجر).
    فالمسافة ما بين انتقاله من الوادي إلى الوادي فيها تأخيرٌ للصلاة،
    ولذلك قالوا:
    دلّ هذا على أنه إذا استيقظ لا يؤمر بالفعل مباشرة، وأنه لو أخّر ليسير الوقت فلا حرج،
    وقالوا: إنَّ له أن يؤخر إلى قرب الظهر،
    فهذا مذهب من يقول:
    إنه لا يطالب بالفعل مباشرةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الصلاة فانتقل من الوادي الذي هو فيه إلى واد آخر.وأجاب الأولون بأن فعله صلى الله عليه وسلم عذرٌ خاصٌ بهذه الصورة أو ما في حكمها، ويبقى الأصل بتوجه الخطاب عليه بالفعل؛
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصليها إذا ذكرها).
    فجعل الأمر عند الذكر، فدل على أنه مطالبٌ بالفعل فوراً،
    خاصةً على مذهب من يقول:
    إن الأمر يقتضي الفور، فهذا حاصل ما ذكره العلماء. والحقيقة أنَّ الأحوط أن الإنسان يبادر، ويفعل الصلاة بمجرد الاستيقاظ ما أمكنه.
    [من زال عقله بإغماء]
    قال رحمه الله:
    [أو إغماء].
    المغمى عليه إما مغمىً عليه باختياره كأن يتعاطى أمراً يفضي به إلى الإغماء، أو مغمى عليه بغير اختياره كمن به صرع أو نحو ذلك، فهذه أحوال المغمى عليه،
    فعمم المصنف فقال:
    (أو إغماء).
    فكل من أغمي عليه داخل في هذا العموم،
    والمغمى عليه للعلماء فيه قولان:

    قال بعض العلماء: كل من أغمي عليه فهو مكلف، ويبقى إلى أن يفيق فيطالب بقضاء الصلوات وقضاء الأيام التي فرض الله عليه فيها الصيام.والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه،
    وقال به بعض السلف رحمة الله عليهم:
    أنَّ المغمى عليه ليس بمكلف، وإذا زال إغماؤه لا يطالب بقضاءٍ ولا بأداء.
    وفائدة الخلاف:
    أن من أغمي عليه حتى فاتته الصلوات، أو أغمي عليه وفاته مع الصلاة الصيام، فعلى القول بأنه مكلف يطالب بالقضاء ولو طالت المدة، وعلى القول بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء،
    ويقولون: إنه كالمجنون.
    والحقيقة أنّ المغمى عليه فيه شبه بالمجنون، وفيه شبهٌ بالنائم، ففيه شبهٌ بالمجنون من جهة أنه إذا أوقظ لا يستيقظ، وفيه شبهٌ بالنائم من جهة أن الأصل فيه أنه مكلف، وأن الذي يعتريه من الإغماء إنما هو أشبه بالغطاء على عقله كالغطاء الذي على النائم فليس فيه زوال العقل بالكلية،
    ولذلك قال بعض العلماء:
    هو كالنائم،
    وقال بعضهم: هو كالمجنون،
    فمن يقول:
    إن المغمى عليه كالمجنون لا يطالبه بقضاء الصلوات،
    ويقول:
    هو كمن جنّ وأفاق،
    ومن يقول:
    إنه كالنائم يطالبه بالقضاء، وهذه المسألة يتفرع عليها ما يسمّى بالموت السريري عند الأطباء -أعاذنا الله وإياكم منه ولطف بنا وبكم في كل حال-، فهذا الموت السريري الذي يكون الإنسان فيه عديم الحركة حتى يشاء الله عز وجل بزوال المانع عنه، إما بجلطة أو بسبب آخر يؤدي إلى تعطله، فيصبح كالنائم في سبات، فإذا كلمه الإنسان لا يعي ولا يجيب، حتى يشاء الله له الإفاقة فيستيقظ بعد شهور، وقد يستمر الإغماء إلى سنوات.فعلى القول بأن المغمى عليه مكلف يصبح في هذه الحالة يطالب مثل هذا بالقضاء،
    وعلى القول:
    بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء.
    وعند النظر في المسألة من جهة الأصول يترجح القول الذي يقول:
    إنه كالنائم، والشبه فيه بالنائم أقوى من الشبه بالمجنون؛ فإن الإغماء لا يؤثر في عقل الإنسان من جهة الزوال، ولكنه أشبه بالنائم من جهة السبات والخدر، والنائم حقيقته أنه مخدر،
    أي: لا يستطيع أن يتكلم ولا يفهم الكلام، فالمغمى عليه أقرب إلى النائم منه إلى المجنون،
    والقاعدة عندنا في الأصول:
    (إذا تعارض القولان ينظر إلى أقربهما شبهاً بالأصل).
    فنحن نسلّم أن المغمى عليه فيه وجه شبه بالمجنون، وفيه وجه شبه بالنائم، فانظر رحمك الله أيهما أقرب إلى الأصل، فإذا نظرت إلى أن الأصل وجوب الصلاة عليه وتكليفه احتطت للشارع،
    وقلت:
    هو مكلف وأنا أشك في عذره هل يسقط التكليف أو لا، فيبقى على الأصل من كونه مكلفاً، وإن جئت تنظر إلى الأصل الآخر الذي يغلب فيه جانب الجنون فالأصل براءة الذمة.
    وعند النظر إلى الأصلين نجد أن أصل التكليف ألصق من أصل براءة الذمة؛ لأن توجه الخطاب عليه في الأصل قد ثبت، وأصل براءة الذمة إنما يقوى في المسائل التي لم يتوجه فيها خطاب،
    أي:
    لم يوجد فيها أصل يوجب توجه الخطاب،
    ولذلك يقوى قول من يقول: إنه يطالب بالقضاء.
    لكن السؤال هنا:
    لو قلنا: إنه يطالب بالقضاء فأغمي عليه شهرين أو ثلاثة أو أربعة، فكيف يقضي؟ قالوا: إن طالت المدة رتب الصلوات، فكل صلاةٍ مع فرضها، فلو كانت أربعة أشهر فإنه يبدأ من حين إفاقته، ويصلي كل فرض مع فرضه، ويبدأ بالمقضي أولاً ثم بالمؤداة، حتى تتم له أربعة أشهر بهذه الحالة.أما لو أغمي عليه ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام فإن هذا يطالب بالقضاء مباشرةً.
    وإسقاط التكليف عنه لمكان المشقة -كما يقوله بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه ليس بصحيح،
    فإنهم يسلمون أنه يطالب بالقضاء ثم يقولون:
    إن طالت المدة سقطت عنه.وهذا غير صحيح؛ لأن مشقة القضاء يمكن اغتفارها بمطالبته بتسلسل الأوقات بالفرض مع نظيره، وهذا أقوى، واعتبار الأصل فيه أبلغ من اعتبار براءة الذمة الذي سبقت الإشارة إليه.
    [من زال عقله بسكر]
    قال رحمه الله تعالى: [أو سكرٍ أو نحوه].
    السكر قد يكون بسببٍ مباح أو بسبب غير مباح، فالسكر بسبب مباح كأن يشرب خمراً يظنها ماءً، فهذا معذور، أو أكره على شرب الخمر عند من يرى أن الإكراه مسقط للتكليف، فهذا معذور، أو أعطي (البنج) لإجراء عملية جراحية فزال عقله، فهذا السكر يعذر العلماء صاحبه، ويخصونه بأحكام في مسائل العبادات والمعاملات.
    وأما السكر المحرم فالمراد به ما يزيل العقل سواءٌ أكان شراباً أم كان جامداً، وسواءٌ كان قديماً أم حديثاً، كما يوجد الآن في بعض المركبات كالمخدرات ونحوها، فكل ذلك يأخذ حكم السكر في باب الفقه.فإذا ثبت أن السكر يؤثر فإن السكران غير مكلف بالصلاة أثناء سكره، ويطالب بقضائها بعد الإفاقة؛
    لأن الله عز وجل قال:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، فدل على أنه أثناء السكر لا يطالب بالصلاة، وبناءً على ذلك فإذا أفاق فإنه يخاطب بفعلها، ويكون فعله لها قضاءً لا أداءً.
    وقوله:
    [أو نحوه].أو نحو السكر، كمثل ما يقع في بعض المخدرات والمركبات التي تكون في حكم السكر.
    [من تصح منه الصلاة ومن لا تصح منه]
    قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح من مجنون ولا كافر].
    أي: ولا تصح الصلاة من مجنونٍ؛
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (رفع القلم عن ثلاثة)، والصحة تستلزم وجود أو ثبوت الثواب، إلا على القول في الصبي في حده وصلاته.
    وقوله: [ولا كافر].
    أي: ولا تصح الصلاة من كافر؛ لأنه مخاطبٌ بالأصل، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يؤمر بالصلاة وتصح منه بعد الشهادتين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يرتب الصلاة على وجود الشهادتين يدل على أن الكافر لا تصح منه الصلاة قبل الشهادتين؛
    لأنه قال عليه الصلاة والسلام:
    (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ... ) الحديث، فدل على أن توجه الخطاب عليهم بالصلاة وصحتها منهم متوقفٌ على تحصيل الأصل وهو الشهادتان،
    فقد قال تعالى في الكفار:
    {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، فدل على أن الكافر لا تصح منه قربةٌ ولا طاعة،
    وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
    (إن الله يعجل للكافر دنياه بحسناته، حتى إذا وافى الله يوم القيامة وافاه وليست له حسنة واحدة)، فلذلك لا تصح منه صلاته ولا تقبل منه عبادته.
    قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى فمسلم حكماً].
    قوله: (فإن صلى) أي: هذا الكافر في الظاهر،
    وقوله:
    (فمسلم حكماً) يشير به إلى أنَّ عند العلماء ما يسمونه القضاء وما يسمونه الديانة،
    والقضاء يعبرون عنه أحياناً بقولهم:
    (حكماً)؛ لأنه يتصل بحكم الحاكم وهو القاضي، وهذا ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم، فالشريعة رتبت الأحكام على الظاهر، ولم ترتبها على السرائر في حكم القضاء،
    والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
    (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكلْ سرائرهم إلى الله)، والسبب في ذلك أنه لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة الشيء من الإنسان سواءٌ أكان في عبادةٍ أم معاملة، فلا يستطيع أن يعلم قصده ولا نيته،
    ولذلك أُمِر من زكى إنساناً أن يقول: أحسبه والله حسيبه.
    ولا يمكن أن تنكشف حقيقة الإنسان أو ينجلي صلاحه من عدمه إلا في يومٍ يبعثر فيه ما في القبور، ويحصل فيه ما في الصدور، وهذا هو الفصل في معرفة حقائق الناس، فلما كانت معرفة حقائق الناس متعذرة بالاطلاع على قلوبهم أخذ بالظاهر، فأحكام الشريعة مبنية على الظاهر، فلو أن إنساناً جاء وصلى مع الناس، وفعل الصلاة في الظاهر،
    فليس لأحدٍ أن يقول:
    هذا منافق؛ لأنه يحتاج إلى أن يطلع إلى حقيقة قلبه، ما لم تظهر منه أفعال المنافقين التي تدل على نفاقه، والأصل فيها أنه يحكم على ظاهره، وتوكل سريرته إلى الله عز وجل.فمن دخل المسجد وصلى مع المسلمين، واستقبل قبلتهم، وصلّى صلاتهم، وتأثر بكلامهم في ظاهره فهذا من المسلمين، وحكمه حكم المسلمين، والحقيقة ترد إلى الله سبحانه وتعالى.فعندنا شيء في الظاهر، وعندنا شيء في الباطن،
    فإن قالوا:
    (مسلمٌ حكماً) أي: في الظاهر، وأما حقيقته فأمرها إلى الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي معه المنافقون وهو يعلم أنهم منافقون، والقرآن ينزل عليه، وسمى المنافقين لـ حذيفة بن اليمان، وقال عمر لـ حذيفة: (أناشدك الله: أكنتُ فيمن سمى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً)، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون المنافق من المسلم إذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل، فإذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل علموا أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رأوا حذيفة اعتزل جنازة علموا أنه منافق وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه من خبره شيئاً.
    فالذي ينبغي على الحاكم أن يحكم على الظاهر، وهذا هو الأصل، لظاهر حديث مسلم الذي ذكرنا: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس)، وأما النيات والمقاصد فأمرها إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن قد توجد قرائن تدل على المقصد فيغلب على الظن، فهذا أمر آخر يحكم به في مسائل في القضاء.
    ومن أمثلة الديانة والحكم أو القضاء: لو أن إنساناً قال لامرأته: أنتِ طالق، ولم يدر في خلده أن يطلقها، وإنما كان قصده: أنت طالق من الوثاق،
    أي:
    أنك غير مربوطة، فإذا رفع إلى القضاء حكم بكونه مطلقاً زوجته، ولكن بينه وبين الله لا تطلق عليه زوجته؛
    لأن لفظ الطلاق في قوله:
    (أنت طالق) لا يقع ديانةً؛ لأنه لم يقصد الطلاق فيه أصلاً،
    وبناءً على ذلك قالوا:
    ينفذ الطلاق حكماً
    -أي: في ظاهر الأحكام- لا ديانةً.
    ولها نظائر أيضاً في المعاملات، فإن الإنسان قد يتلفظ بلفظٍ يكون فيه احتمال غالب يؤخذ بظاهره، وإن كان قصده أمراً آخر.لكن لو كان الأمر محتملاً لمعنيين على السواء فلا بد فيه من سؤاله عن قصده ونيته،
    فتجد الفقهاء يقولون: (ينوّى) أي: يسأل عن نيته، فلو قال لفظاً يحتمل الطلاق، ثم رفع إلى القاضي،
    فقال له القاضي: ما الذي نويت في هذا اللفظ المتردد بين المعنيين؟
    قال:
    نويت المعنى الذي لا طلاق فيه، وحلّفه القاضي فحلف، فحينئذٍ يحكم بكون الطلقة غير واقعة قضاءً، ولكن ديانةً بينه وبين الله قد طلقت عليه زوجته.ولو أن إنساناً ادعى مال إنسان أو اغتصب أرضه، وليس عند الشخص الذي أخذت منه الأرض الدليل، فإنه إذا حكم القاضي بكون الأرض للغاصب دون المغصوب منه بناءً على اليد ففي الباطن لا يحل له من ذلك المال شيءً، فالمال ماله قضاءً لا ديانةً.
    فهنا يقول المصنف رحمه الله:
    (فإن صلى) أي: هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فدخل المسجد وصلى مع المسلمين (فمسلمٌ حكماً) أي: أعطه حكم المسلمين بناءً على ظاهره، وأما سريرته فتوكل إلى الله عز وجل.
    [متى يؤمر الصبي بالصلاة ويضرب عليها]
    قال رحمه الله تعالى: [ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر].
    هذا هو ظاهر السنة للحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح:
    (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فاشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: أولها: أمرهم بالصلاة لسبع، ولا يضربون إذا تركوها ولم يصلوا،
    والثاني:
    إذا بلغوا العاشرة يؤمرون بالصلاة ويضربون عليها إن لم يصلوا.
    والثالث: التفريق بين الذكر والأنثى في المضجع، وكلام المصنف موافق لظاهر السنة.
    وقوله عليه الصلاة والسلام:
    (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) للعلماء وجهان في قوله: (لسبع) وقوله: (لعشر): قال بعض العلماء: يؤمر في السبع عند ابتدائها، ويؤمر بالضرب إن عصى في العشر عند ابتدائها.
    وقال بعضهم: يؤمر في السبع عند تمامها، ويؤمر ويضرب إن عصى في العشر عند تمامها.
    والفرق بين القولين أنه على القول بأنه يؤمر بالسبع عند ابتدائها يؤمر بعد السادسة ودخوله في أول السابعة، فلو بلغ ست سنوات يؤمر في اليوم الذي هو زائدٌ على الست؛ لأنه بهذا اليوم قد دخل في السابعة، وهكذا في العشر تضربه إذا بلغ تسعاً وزاد يوماً واحداً، فبدخوله اليوم الواحد يدخل في العشر.وعلى القول الثاني إنما يؤمر بعد تمام السبع أو يؤمر ويضرب إن عصى بعد تمام العشر، وهذا أقوى؛ لأن الأصل عدم أمره وعدم ضربه؛ لأنه غير مكلف في الأصل،
    فإذا شككنا فهذا ينبني على مسألة أصولية عند العلماء أو قاعدة فقهية لطيفة وهي:
    (هل العبرة بالابتداء، أو بالتمام والكمال)؟
    فإن قلت:
    العبرة بالابتداء تقول: لأول يومٍ من السبع ولأول يومٍ من العشر،
    وإن قلت:
    العبرة بالتمام والكمال تقول: إذا تمت له السبع أو تمت له العشر.
    قال رحمه الله تعالى: [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد].
    أي: إذا بلغ الصبي أثناء فعله للصلاة، كما لو أن صبياً دخل في الصلاة وأحرم بها الصلاة وهو غير بالغ، ثم بلغ وهو في أثناء وقت الصلاة، زالت الشمس وليست عليه أمارة بلوغه، ثم لما مضت ساعة أو ساعتان احتلم، فباحتلامه دخل في التكليف، فيؤمر بفعل الصلاة وإن كان عند دخول الوقت غير مكلف بها، وهكذا بالنسبة للمرأة الحائض والنفساء، فإنها لو طهرت قبل انتهاء الوقت ولو بركعة واحدة فإنها تؤمر بفعل الصلاة،
    وهذا مبنيٌ على حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) فدل على أن إدراك الوقت ولو بركعة واحدة يوجب الحكم والمطالبة بالفعل.فلو أن هذا الصبي صلى صلاة الظهر وهو صبي، ثم نام واحتلم قبل دخول وقت العصر، فحينئذٍ تأكدنا بلوغه بعد الاحتلام، فتكون صلاته الأولى غير مجزية، ويطالب بأداء الصلاة في وقتها؛ لأن الخطاب توجه عليه بعد البلوغ والاحتلام.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (51)

    صـــــ(12) إلى صــ(5)


    [حرمة تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر]
    قال رحمه الله تعالى: [ويحرم تأخيرها عن وقتها].
    قوله: (ويحرم) أي: يأثم من فعل ذلك، أعني التأخير عن وقتها، ووقت الصلاة سيأتي إن شاء الله في باب المواقيت، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يخصون المواقيت في باب مستقل، ويذكرون فيه مواقيت الصلوات الخمس.وإذا أخّر المكلف الصلاة عن وقتها فإما أن يكون معذوراً أو غير معذور،
    فالمصنف رحمه الله يقول:
    (ويحرم تأخيرها عن وقتها) أي: لا يجوز للإنسان أن يؤخرها عن وقتها، فإن كان هناك عذرٌ يسقط التكليف عنه -كما تقدم في النائم والمغمى عليه- فهذا لا إشكال فيه، وإن كان بعناء ومشقة لا يعذر بها كالقتال ونحوه، فإنه يطالب ولو كان على حال المقاتل، ودليل ذلك آية النساء،
    أعني آية المسايفة في قوله تعالى:
    {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239]، فأمر الله عز وجل بالصلاة ولو حال القتال، فدل على أن الصلاة لا تسقط بحال، وإن كان بعض الفقهاء رحمة الله عليهم -وهو مذهب بعض السلف- يجوز للإنسان إذا عظم عليه الخوف أن يؤخر الصلاة، واستدل بذلك لبعض الآثار عن الصحابة.والصحيح والأقوى أنه يصلي على حاله؛
    لأن الله قال:
    {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239] وعمم في الخوف، فدلّ على أن الأصل مطالبته بالفعل، ولذلك يبقى مكلفاً ولو دفن؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، فيقاتل ولو كان راكباً ولو كان ماشياً، كما يقع الآن في الحالات الشديدة التي تقع في القتال فإنه يصلي على حاله، ولو كان على جهاز، ولو كان على آلة أو على دبابة فليصل على حاله، وهذا من سماحة الإسلام، ومن عظم شأن الصلاة؛ لأنه لا يأمن الإنسان أن يقتل أو تزهق روحه، ولذلك يبرئ ذمته ويصلي على قدر استطاعته فيلقى الله عز وجل وقد أدى هذه الصلاة، ولا تسقط في شدة الخوف ولا بشدة ذهول، بناءً على الأصل من كونه مطالباً بفعلها مأموراً بأدائها.
    حالات جواز تأخير الصلاة عن وقتها
    [من نوى الجمع في السفر]
    قال رحمه الله تعالى:
    [إلا لناوي الجمع].
    هذا استثناء، والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فلما ذكر أن الأصل أنه مطالب استثني من ذلك من نوى الجمع،
    وصورة ذلك:
    لو أذّن عليك أذان الظهر وأنت في السفر فقلت: أؤخر الظهر إلى وقت العصر، جاز لك أن يخرج عليك وقت الظهر وأنت لم تصلها؛ لكونك معذوراً بنية الجمع، وهكذا لو أذن عليك أذان المغرب وأردت أن تجمع مع العشاء فلا حرج عليك، وبناءً على ذلك يعتبر هذا مستثنىً مما ذكرناه؛ لأن الجمع بين الصلاتين رخصة من رخص السفر فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هديه في ذلك ثابتاً عنه عليه الصلاة والسلام.
    [من اشتغل بشرط الصلاة عنها]
    قال رحمه الله تعالى: [ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً].
    مثال ذلك: شخص قام قبل طلوع الشمس بوقت يسير يريد أن يتوضأ فيه أو يغتسل من الجنابة،
    فقد قال بعض العلماء: يتيمم ويصلي،
    وقال بعضهم:
    يغتسل ويتوضأ ولو خرج الوقت، وعلى هذا القول الثاني درج المصنف، فهذه الحالة تستثنى من المنع من تأخير الصلاة إلى خروج الوقت،
    قالوا: يرخص لشخصين: أحدهما: من نوى الجمع،
    والثاني:
    من اشتغل بتحصيل شرط الصلاة، فإن الطهارة من الحدث من شروط صحة الصلاة، فلو أراد أن يسخن الماء، أو أراد أن يغتسل وليس عنده إلا قدر ما يصلي، فإنه يغتسل ولو خرج الوقت، وهو في حكم المصلي لاشتغاله بشرط صحة صلاته.
    حكم جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاوناً
    قال رحمه الله تعالى:
    [ومن جحد وجوبها كفر].
    من جحد وجوب الصلاة كفر إجماعاً؛ لأن الله أمر بها في كتابه،
    وإذا قال هو:
    ليست بواجبة: فإنه يكفر،
    ودليل كفره:
    أنه كذّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذّب الله ورسوله فقد كفر،
    فالله عز وجل يقول:
    {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43]،
    وهو يقول:
    لا تقيموا الصلاة، وليست بواجبة.لأن قول الله: (أقيموا) أمرٌ تضمن الوجوب والإلزام،
    وهو يكذّب الله فيقول:
    ليست بواجبة -والعياذ بالله-،
    ولذلك قال العلماء:
    من استحل ما حرم الله في كتابه وعلم بتحريمه سبحانه لذلك فإنه يكفر،
    فلو قال:
    الزنا حلال لا شيء فيه،
    أو:
    شُرْبُ الخمر حلال لا شيء فيه -والعياذ بالله- كفر؛ لأنه يستحل ما حرم الله، ويكون مكذباً لله عز وجل بالاستحلال.وكذا رد الواجبات، بشرط أن يكون على علمٍ بوجوبها،
    أي:
    أن تقام عليه الحجة، ومفهوم هذا الشرط أن يكون جاهلاً، فلو أن إنساناً -كما مثل العلماء-
    في بادية ولا يعلم بشرائع الإسلام قيل له:
    أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
    فلما أسلم جاءه رجل وقال له:
    صلّ،
    قال:
    ليس هناك صلاة! لكونه جاهلاً لا يعلم، فهذا لا يكفّر، وهي من المسائل التي يعذر فيها بالجهل الذي يدل على عدم وجود التكذيب؛ لأن الأصل في الحكم بكفره تكذيبه لله،
    ولذلك قالوا:
    شرطه أن يكون عالماً حتى يوجد فيه السبب الموجب للكفر، وقد تكلم في هذه المسألة الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام عند كلامه على مرتكب الكبيرة عند اعتقاده لكونها كبيرة أو عدم اعتقاده لكونها كبيرة، فليرجع إليه.
    قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً].من ترك الصلاة تهاوناً كفر،
    ولكن للعلماء تفصيلٌ في كفره:
    فمنهم من يقول: يكفر مطلقاً.
    ومنهم من يقول: يكفر إذا لم يصل أبداً، بمعنىً أنه يترك الصلاة بالكلية، وهذا ظاهر النص،
    واختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه جمعاً بينه وبين حديث عبادة رضي الله عنه:
    (خمس صلواتٍ كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظهن وحافظ عليهن كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، فإن تركها كليةً كفر، وإن صلى أحياناً وترك أحياناً لا يحكم بكفره جمعاً بين النصين،
    ولأن قوله:
    (فمن تركها) أي: ترك الصلاة، أي أنه لم يصل بالكلية،
    وفرقٌ بين قولك: ترك الصلاة،
    وبين قولك:
    ترك صلاةً، ولذلك اختار رحمه الله هذا، ولا شك أنه يوفق بين النصوص ويجمع بينها.
    قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً، ودعاه إمامه أو نائبه فأصر].
    هذا شرط عند من يقول: إن تارك الصلاة تهاوناً يكفّر.
    قالوا: بشرط أن يدعوه الإمام، وظاهر النصوص ليس فيها هذا الشرط، ولذلك اختار جمعٌ من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه عدم اشتراط دعوة الإمام، وقال الذين قالوا باشتراطها: إن ذلك أبلغ في وجود العذر حتى يحكم بكونه كافراً.
    قال رحمه الله تعالى: [وضاق وقت الثانية عنها].
    أي:
    أن يضيق وقت الثانية عن فعلها.
    قال رحمه الله تعالى: [ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما].
    أي: أننا إذا حكمنا بكونه كافراً بترك الصلاة فإنه لا ينفذ عليه حد القتل إلا إذا استتيب ثلاثاً،
    فجمهور العلماء: المالكية والشافعية والحنابلة على أن تارك الصلاة يُدعى إليها ثلاثاً ثم يقتل إذا أبى، وقرر شيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا دُعي إليها ثلاثة أيام وهو يصر على تركها أنه كافرٌ بإجماع المسلمين؛
    لأنه إذا قيل له:
    صلّ،
    وهو يقول:
    لا أصلي.ثلاثة أيامٍ، فإنه في هذه الحالة لا يحكم بكونه مسلماً،
    وقال:
    إنه في حكم من جحد، ويحكي الإجماع على ذلك في غير ما موضع من المجموع.فبعض العلماء على أنه يستتاب ثلاثاً، وهذا مبني على مسألة استتابة المرتد،
    واستتابة المرتد فيها قولان للعلماء رحمة الله عليهم:
    فمنهم من يوجب الاستتابة لأثر عمر رضي الله عنه، ولا مخالف له، وقد أمرنا بالأخذ بسنن الخلفاء الراشدين،
    وأثر عمر:
    هو (أن أبا موسى رضي الله عنه قدم عليه فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟ -أي: هل هناك خبرٌ غريب
    - قال: نعم يا أمير المؤمنين! رجلٌ ترك دين الإسلام ورجع إلى النصرانية أو اليهودية، فتهود أو تنصر فقتلناه،
    فقال عمر رضي الله عنه:
    هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً؟!! اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر، اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر)
    ، فبرئ رضي الله عنه من فعلهم،
    قالوا:
    ولا يبرأ إلا بضياع واجب أو ارتكاب محرم.
    فقوله:
    (هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً) دل عند من يقول بوجوب الاستتابة ثلاثاً على وجوبها.
    والذين يقولون بعدم الوجوب استدلوا بما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن امرأة وجدت مقتولةً ليلاً،
    فقال صلى الله عليه وسلم:
    أحرّج على رجل يعلم من خبر هذه إلا أخبرنا،
    فقام زوجها وهو أعمى وقال:
    يا رسول الله! إنها كانت تسبك وتشتمك وتسمعني فيك ما أكره، فما هو إلا أن عديت عليها البارحة بمعولي فقتلتها،
    فقال صلى الله عليه وسلم:
    ألا اشهدوا أن دمها هدر)
    قالوا: هذا يدل على عدم وجوب الاستتابة، فإن الرجل قتلها مباشرة دون أن يستتيبها.
    واستدلوا بحديث ابن عباس الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، فأمر بالقتل بوجود الشرط وهو تبديل الدين، فدل على عدم وجود وصفٍ زائد وهو الاستتابة.وبعض العلماء -وهو رواية عن الإمام أحمد
    - يجمع بين القولين فيقول: إن الكفر والارتداد يكون على أحوال: فتارة يحكم فيها بالكفر مطلقاً ويتفق فيها دلالة الظاهر والباطن كمن يستهزئ بالإسلام والدين، فهذا كفره لا شبهة فيه، بخلاف من يكون كفره دون ذلك أو ارتداده دون ذلك لشبهة أو نحوها فإنه يستتاب حتى يعذر إليه، وهذا جمعٌ لطيف لا شك أن فيه جمعاً بين الأخبار والنصوص، وسنفصل هذه المسألة أكثر إن شاء الله في باب الردة وأحكامها.وعند الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه وأصحابه أن من ترك الصلاة يسجن إلى أن يموت أو يصلي.والجمهور على أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.
    شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [1]
    الأذان شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، والغاية منه تعظيم الله، وتنبيه الناس بأوقات الصلاة، وللعلماء في شعيرة الأذان أقوال وتفاصيل في صفته وصيغته، وحكمه، ومن يقوم به، وشروط صحته، ومبطلاته، وحكم أخذ الأجرة عليه، وغير ذلك من الأحكام والمسائل المتعلقة به.
    أحكام الأذان والإقامة
    [تعريف الأذان والإقامة]
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
    سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين:
    أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة].
    الأذان في اللغة:
    الإعلام،
    ومنه قولهم:
    آذنه.إذا أعلمه،
    قال تعالى:
    {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27]، والمراد بذلك أعلِمهم به.
    وقال الشاعر: آذنتنا ببينها أسماءُ رب ثاوٍ يمل منه الثواء أي: أعلمتنا وأخبرتنا.
    فأصل الأذان:
    الإعلام،
    وأما في الاصطلاح:
    فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بلفظٍ مخصوص.
    فقولهم: (الإعلام بدخول وقت الصلاة) المراد به: الصلاة المفروضة،
    وقولهم:
    (بلفظٍ مخصوص): هو اللفظ الذي حدّده الشرع لهذه العباده وعيّنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقرّه كما في قصة عمر وعبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع.والأذان مشروعٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمة،
    شرعه الله في كتابه بقوله:
    {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:58]،
    أي:
    أذَّنتم بها وأعلنتم بها، وكذلك شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما أراد مالك بن الحويرث وصاحبه أن يسافرا إلى قومهما،
    وقال عليه الصلاة والسلام:
    (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا)،
    ووجه الدلالة في قوله:
    (فأذِّنا)؛ حيث دل على مشروعية الأذان بالسنة القولية، وكذلك أجمعت الأمة على مشروعية الأذان.
    والحكمة من مشروعية الأذان: تنبيه الناس وإعلامهم بفريضة الله عز وجل.ويكون بعد دخول الوقت، ولا يصح الأذان قبل دخول الوقت إلا أذان الصبح الذي يكون في السدس الأخير من الليل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من هذا الأذان؛ إذ إن المقصود به أن يرد القائم وينبه النائم،
    كما قال عليه الصلاة والسلام:
    (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أذان بلال بالسحر،
    وهو الأذان الأول يُقصد منه أن يرد القائم أي: أن الإنسان إذا كان في قيام الليل قد لا ينتبه لدخول الفجر، فربما استمر في قيامه وصلاته بالليل حتى يفاجأ بأذان الفجر وهو لم يوتر بعد، ولذلك شرع الله عز وجل هذا الأذان كما في الحديث السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما وصف وقت الأذان الأول بكونه في ليل دلَّ على أنه قبل وقت الصبح، فهذه هي الحالة التي يُشرع فيها أن يكون الأذان قبل دخول الوقت، وهي حالةٌ مخصوصة، ومن أهل العلم من قصره على رمضان بناءً على ورود الأخبار فيه من أجل الصيام.والمقصود أن حكمة مشروعية الأذان تنبيه الناس، كما أن فيه إعلاءً لذكر الله عز وجل،
    ولذلك قال بعض السلف في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]،
    قال:
    المراد بهذا المؤذن، فإنه يدعو إلى الله، ويعمل صالحاً بدعوته إلى الصلاة،
    ويقول: إنه من المسلمين؛
    لأنه يقول:
    أشهد أن لا إله إلا الله،
    ويقول:
    أشهد أن محمداً رسول الله، فهذا خيرٌ كثير للقائل، وخيرٌ للناس لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل.
    فقال العلماء:
    إن من حكمة مشروعية الأذان، إعلاء ذكر الله عز وجل،
    ووجود الشهادة لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) أي: حينما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فإن الله يُشهِد الحيوان والجامد على شهادتك تلك، وتكون خيراً للعبد بين يدي الله عز وجل.
    والإقامة: مصدر: أقام الشيء يقيمه، وإقامة الشيء المراد بها أن يؤدِّيه الإنسان على وجهه المعتبر، ولذلك أمر الله بإقام الصلاة، بمعنى أن يُؤديها المكلف على أتم وجوهها وأكمل صفاتها.
    والإقامة المراد بها:
    الإعلام بالقيام إلى الصلاة بلفظٍ مخصوص، وهو اللفظ الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله بيانه في موضعه.
    فكأن المصنف رحمه الله يقول:
    في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالأذان والإقامة، ومناسبة هذا الباب لما قبله أنه بعد أن فرغ من بيان حكم الصلاة شَرَع في بيان مشروعية الأذان، والسبب في هذا أن الفقهاء رحمهم الله، يبتدئون في كتاب الصلاة ببيان حكم الشرع في الصلاة، وعلى من تجب، ومن المخاطب بها.فبعد أن بين لك من الذي يخاطب بالصلاة، ومن الذي يؤمر بها، ومتى يؤمر، شرع في بيان ما ينبغي أن يكون قبل الصلاة من النداء لها، والإعلام بدخول وقتها،
    فقال رحمه الله:
    (باب الأذان والإقامة).
    [حكم الأذان والإقامة، ومن تلزمان ومحلهما من الصلاة]
    قال رحمه الله تعالى:
    [هما فرضا كفاية] قوله: (هما): أي: الأذان والإقامة فرض كفاية.فأول ما يعتني به الفقهاء -رحمهم الله- في الأبواب الفقهية أن يبينوا موقف الشارع من هذه العبادة،
    فيقولون:
    هل هذا الشيء شرعه الله أو لم يشرعه؟ ثم إذا شرعه فهل شرعه على سيبل اللزوم، أو على سبيل الاختيار، أو على سبيل الندب والاستحباب؟ وحكم الأذان والإقامة مسألة خلافية بين العلماء،
    قال بعضهم:
    الأذان واجب والإقامة واجبة، وهذا القول قال به فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم.
    والقول الثاني يقول: الأذان والإقامة فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهذا مذهب الحنابلة ويميل إليه بعض الحنفية وبعض الشافعية رحمة الله على الجميع.والقول الثالث -وينسب للجمهور- أن الأذان والإقامة كل منهما سنةٌ مؤكدة.وهناك قول رابع لبعض السلف وهو وجوب الأذان دون الإقامة.وقول خامس وهو وجوب الإقامة دون الأذان.وأقوى هذه الأقوال وأولاها بالصواب -والعلم عند الله- الوجوب، والدليل على ذلك أحاديث،
    منها: حديث مالك بن الحويرث، وهو حديث صحيح، وكان مالك بن الحويرث قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة الوفود، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، ومكث عنده سبع عشرة ليلة، أو تسع عشرة ليلة،
    قال رضي الله عنه وأرضاه:
    (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه،
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقاً فقال:
    ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم)
    وفي رواية: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وصلوا كما تروني أصلي).
    فالشاهد في قوله: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وليؤمكما أكبركم)، ووجه الدلالة أنه أمر، والأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على ما دونه،
    ولذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به أمر إلزام، وبناءً على هذا نبقى على هذا الأصل الذي دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقول بوجوب الأذان.
    وأكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام:
    (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت).
    وأما الفرق بين قولنا: إنه واجب وقولنا: إنه فرض كفاية فهو أن القول بالوجوب يجعل كل جماعة يلزمها التأذين إلا في المساجد العامة، وأما على القول بالفرضية على الكفاية فيسقط هذا الوجوب عند قيام بعض المصلين بهذا المأمور به، فهذا الفرق بين القول بالوجوب والقول بالكفاية، والقول بالوجوب أقوى لما ذكرناه من دلالة السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وفرض الكفاية عند العلماء رحمة الله عليهم معناه أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، كأن يقصد الشرع وجود هذا الشيء ولو من بعض الناس، كصلاة الجنازة، فإذا صلى على الجنازة من تحصل به الكفاية سقط الإثم عن الباقين، وكذا تغسيل الميت وتكفينه، وتعليم العلم، وغيره من الأمور التي تعتبر من أصول الشرع ولا تصل إلى حظ فرض العين، فتُعتبر من فروض الكفايات، فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
    قال رحمه الله تعالى: [على الرجال المقيمين].بعد أن بيَّن أن الأذان والإقامة كلٌ منهما فرض كفاية، يردq من الذي يُفرض عليه الأذان، وتُفرض عليه الإقامة؟
    فقال رحمه الله: (على الرجال).فأخرج النساء، والنساء لا يجب عليهن أذان ولا إقامة، ولا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، فإذا سقطت الجماعة سقط الأذان والنداء الموجب للجماعة.وأما لو أن نساءً اجتمعن وأراد رجلٌ أن يؤذن لجماعة النساء، ويصلي النساء جماعة فلا حرج، والدليل على ذلك حديث أم ورقة الثابت في سنن أبي داود، وكانت امرأة صالحة من نساء الأنصار رضي الله عنها وأرضاها، وهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن يدعو الله أن تكون شهيدة، فبشَّرها بالشهادة، فشاء الله عز وجل أنها مكثت إلى خلافة عثمان فأتاها عبدان كانا عندها، فمكرا بها وغطاها بقطيفةٍ حتى ماتت، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تسمى أم ورقة الشهيدة، وتوصف بهذا الاسم قبل وفاتها رضي الله عنها وأرضاها.فهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن تقيم الجماعة لأهل دارها،
    قال الراوي:
    فأذِن لها أن يؤذَّن لها وأن تصلي بهم.قال: فلقد رأيت مؤذنها قد سقط حاجباه من الكبر
    -أي: رجلٌ كبير كان يؤذِّن لها، فتجمع النساء وتصلي بهن في بيتها.
    فدل هذا الحديث على مسائل: منها: أولاً: مشروعية الأذان لجماعة النساء، لكن من الرجال لا من النساء.
    ثانياً:
    مشروعية الجماعة للنساء، أي أن تصلي النساء جماعة، وهو قول الحنابلة والشافعية، خلافاً للمالكية والحنفية رحمة الله على الجميع، حيث دلّ هذا على مشروعية الجماعة للنساء، ومَنَع منه من ذكرنا، والصحيح مشروعيته على ظاهر هذه السنة.
    ويؤخذ من مفهوم قول المصنف: (على الرجال) أن النساء لا يلزمهن الأذان، لكن لو أذن رجلٌ للنساء صح ذلك.وهل تؤذن المرأة؟a لا؛ لأن صوت المرأة عورة، وهذا أمر قد يُدرك دليله بالشرع، وقد يُدرك بالحس، فقد أُمِرَ النساء أن لا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فدل على وجود الفتنة في صوت المرأة، وأيضاً دليل الحس، فإن من الرجال من يتأثر بسماع صوت المرأة ولو لم تخضع بالقول، ولا مكابرة في دليل الحس، وقد يُستند حكم الشرع إلى دليل الحس إذا وجدت مفسدة يَنهى عنها الشرع، فالنساء لا يؤذِّنّ، ولا يُشرع لهن أذان بناءً على ما يكون من المفسدة المترتبة على ندائهن، ولأن النداء إنما شرع للجماعة ولا جماعة تلزمهن.
    وقوله: (المقيمين) مفهوم ذلك أنهم إذا كانوا في سفر فلا يجب عليهم الأذان، ولذلك رتبوا الفرضية على الأمصار دون حالة الأسفار،
    فقالوا:
    إذا سافر القوم لا يلزمهم أن يؤذنوا، وما ذكرناه من ظاهر النصوص يدل على أن الإنسان يؤذن ولو نزل في برية، وذلك أن مالك بن الحويرث وصاحبه أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤِّذنا،
    فقال:
    (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما)، وهذا إنما يكون في السفر؛
    لأنه لو كان المراد قدومهم على قومهم لقال لهم عليه الصلاة والسلام:
    إذا حضرت الصلاة فأذنوا بأهليكم.
    ولكن قال: (فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبر كما)، فدل على أنهما في السفر، وهذا يؤكِّد على أن الوجوب على الإطلاق سواءٌ في السفر أم الحضر.
    قال رحمه الله تعالى:
    [للصلوات الخمس المكتوبة].
    قوله: (للصلوات) اللام للاختصاص، أي أن الوجوب واللزوم والفرضية على الرجال المقيمين مختصة بالصلوات،
    فخصَّص المصنف رحمه الله الحكم بفرضية الكفاية على المكلَّفين فقال: (على الرجال المقيمين)،
    وخصه بالصلوات فقال:
    (للصلوات الخمس المكتوبة).وهذا هو الأصل المعروف، فالنداء بالأذان يختص بالصلوات الخمس، وهي التي يُشرع التجمع لها،
    وأما ما عداها من الصلوات فقد يُشرع النداء لها بلفظ مخصوص كقولهم: (الصلاة جامعة) في صلاة الخسوف ونحوها، وقد لا يشرع لها لا أذان ولا إقامة، كصلاة العيدين، فإن صلاة العيدين لا يشرع أن يؤذن ولا أن يُقام لهما.
    قال رحمه الله تعالى: [يقاتل أهل بلد تركوهما] أي: يُقاتل أهل بلدٍ تركوا الأذان والإقامة؛ لأن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام،
    ولذلك قال بعض العلماء:
    يُحكم على البلد بالإسلام إذا وُجِد فيه الأذان، وهذا يسمونه الحكم بالظاهر،
    والدليل على أنه من شعائر الإسلام وأن البلد الذي يُقام فيه الأذان لا يُقَاتل أهله ما ثبت في الحديث الصحيح:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم).
    وكما جاء في حديث أنس في الموطأ:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على أهل خيبر، وكان ذلك عند الفجر، انتظر عليه الصلاة والسلام إلى وقت الصلاة،
    وصبّح يهود وهم خارجون إلى الحرث والزراعة فصاحوا:
    محمدٌ والخميس.
    محمدٌ والخميس
    -أي: محمدٌ والجيش،
    والخميس:
    هو الجيش، فأصابهم الرعب
    - فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).، فقاتلهم صلوات الله وسلامه عليه.والشاهد أن من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا حضر وقت الصلاة انتظر، فإذا سمع النداء كف، وإن لم يسمعه قاتل أهل البلد.
    [حكم أخذ الأجرة على الأذان]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وتحرم أجرتهما] أي: تحرم أُجرة الأذان والإقامة،
    وللعلماء في هذه المسألة قولان:
    قال بعض أهل العلم: لا يجوز للمؤذن أن يأخذ أُجرة على الأذان أو الإقامة، واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الطائف أميراً على الطائف،
    قال: فكان آخر ما أوصاني به أن قال لي: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، وكذا استدلوا بهدي السلف الصالح رحمةُ الله عليهم،
    فإن ابن عمر رضي الله عنه لما قال له المؤذن:
    إني أحبك في الله.
    قال له أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر:
    وإني أبغضك في الله.قال: ولم؟
    قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً.فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.وأما الذين قالوا بجواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة فاستدلوا بما جاء في حديث أبي محذورة -وهو حديث حسن بمجموع طرقه
    - وفيه أنه قال: (ألقَى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة).ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان.والقول بالتحريم قول الحنفية والحنابلة، والقول بالجواز قول المالكية والشافعية، وأصح هذين القولين -والعلم عند الله
    - التفصيل: فإذا كانت الأجرة من بيت مال المسلمين فإنه لا حرج؛ لأن أبا محذورة أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من بيت مال المسلمين، وأما نهيه عليه الصلاة والسلام لـ عثمان، فالمراد به أن يستشرف الإنسان،
    كأن يقول: أنا لا أؤذن حتى تعطوني الأجرة، فأصبح أذانه للمال لا لله، وهكذا الإمامة، فلو كان الإمام يأخذ من بيت مال المسلمين فلا حرج ولا حرمة عليه،
    ولكن إذا قال: أنا لا أصلي ولا أؤم حتى تعطوني الأجرة فهذا هو المحرم،
    ولذلك لما سئل الإمام أحمد رحمة الله عليه عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا.قال: أعوذ بالله.مَن يصلي وراء هذا؟!
    أي:
    من يصلي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية.فأصح القولين -والعلم عند الله- أن نجمع بين النصوص،
    فنحمل حديث عثمان بن أبي العاص: (اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، على مَن يطلب،
    وأما حديث:
    (أعطاني صرة فيها شيء من فضة)؛ فإن أبا محذورة أذن، فلما أذن وفرغ أعطاه، فكان أشبه ما يكون بالرضخ، والرضخ والعطايا من بيت مال المسلمين، وهذا هو أنسب الأوجه.
    قال رحمه الله تعالى: [لا رزق من بيت المال لِعَدَمِ متطوع] استثنى المصنف رحمه الله الأجرة إذا كانت من بيت المال، وهو الذي ذكرناه،
    ولكنه اشترط أيضاً وقال:
    (لعدم متطوع)، فهناك شيء يسمى المذهب، وهناك شيء يسمى الفتوى المختلفة باختلاف العصر والزمان، فأما المذهب فحرمة الأجرة، وأما الفتوى بالجواز لاختلاف الزمان والمكان فهي مقيدة بالحاجة، ولهذا أمثلة،
    فهم في الأصل يقولون:
    يحرم أن يأخذ الأجرة، لكن لما قل المحتسبون، وقل من يوجد من يقوم بالأذان حسبة لخفة الدين عند كثير من الناس، خاصة في آخر الزمان -نسأل الله السلامة والعافية
    - قالوا: يجوز؛ لأننا لو لم نقل بهذا ما وجدنا أحداً يُقيم للناس أذاناً، ولذلك وجود المصالح العظيمة على إعطاء الأجرة بمثل هذا تخفف معها مفسدة ارتكاب المحظور باتخاذ المؤذن الذي يأخذ على أذانه الأجر.ومن هذا أيضاً أنك تجد فقهاء الحنفية والحنابلة يقولون بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لما ثبت في الحديث الصحيح أن أبياً حينما أهدى له الأنصاري قوساً وكان يعلمه القرآن،
    فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: (إن أردت أن يقلدك الله قوساً من نارٍ فخذها)،
    فقالوا:
    هذا يدل على التحريم، فمنع فقهاء الحنفية والحنابلة أخذ الأجرة على تعليم القرآن،
    قالوا:
    ولما فسد الزمان وخُشي على القرآن أن لا يُحفظ، وأن أبناء المسلمين سيضيعون القرآن، ولا يجدون من يحفظهم أفتوا بالجواز في العصور المتاخرة،
    وهذا يسمونه: (الاختلاف بالزمان لا بالحجة والبرهان)، فتجد صاحب القول المخالف يعدل عن قوله إلى قول من خالفه لا بأصل المسألة وهي الحجة والبرهان، ولكن باختلاف الزمان لوجود المفاسد، ولها نظائر في الفقه، وهذه المسألة معروفة؛ لكنها مقيدة بضوابط، وتحتاج إلى أصلٍ يُبنى عليه هذا،
    كما ذكرنا أنهم قالوا:
    إننا لو تركنا المساجد وليس لها مؤذنون يحفظون الأذان في الأوقات المعتبرة لضاع على الناس صيامهم، وضاعت عليهم صلاتهم،
    ولذلك قالوا:
    نُفتي بالجواز لعظيم المفسدة المترتبة على القول بالتحريم.
    ويُلاحظ قوله:
    (لا زرق من بيت المال)،
    أي:
    فإن لم يوجد المحتسب،
    فكأن المصنف يقول:
    نُجيز للمؤذن أن يأخذ الأجرة من بيت المال بشرط عدم وجود المحتسب، أما لو وُجد المحتسب فإنه لا يجوز أخذ الأجرة؛
    لأن القاعدة في الفقه تقول:
    (ما شرع لحاجة يبطل بزوالها)، فلما كان حكمهم بجواز الرَّزق من بيت المال مبنياً على وجود الحاجة، وهي عدم وجود المحتسب بطل بزوالها إذا وجد.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (52)

    صـــــ(6) إلى صــ(5)

    صفات المؤذن
    أن يكون صيتاً
    قال رحمه الله تعالى:
    [ويكون المؤذن صيتا أمينا].
    بعد أن فرغ رحمه الله من حكم الأذان، والذي يؤذن وهو المحتسب، وأن لا يكون صاحب أجرة شرع رحمه الله في الأوصاف التي ينبغي توفرها في المؤذن.
    فقال رحمه الله: (ويكون المؤذن صيتاً أميناً).
    قوله: (صيتاً) أي: قوي الصوت؛ لأن المقصود من الأذان الإعلام،
    والقاعدة في الشريعة:
    (الولايات العامة والخاصة يرشح لها المكلفون بحسب وجود مصالح الولاية).فإذا كانت الولاية تعليم الناس فإنه يرشح لها العالِم الفطن، وإذا كانت قضاءً يُرشح لها العالم -لأن القضاء يحتاج إلى علم- الحازم الذكي الذي يعرف ملابسات القضايا وكذب الخصوم وغشهم وتدليسهم، الداهية الذي يعرف الأمور بدلائلها، أو يتفرس في الخصمين بأقوالهما.فقد قرر العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية، وكذا شيخ الإسلام في غير ما موضع من المجموع أن كل ولاية شرعية يُنظر فيها إلى الصفات التي يتحقق بها مقصود الشرع،
    فلما كان المقصود من الأذان شرعاً إعلام الناس وحصول الإعلام قال المصنف:
    (ويكون المؤذن صيتاً)، فابتدأ بالصوت؛ لأنه هو المعول في إعلام الناس،
    فلم يقل:
    ذا صوت وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي أنه أرفع صوتاً من غيره، والشخص يكون ذا صوت على أحوال، فأعلاها وأسماها وأسناها رفعة الصوت مع النداوة والطراوة، وهو الذي يسمونه ندي الصوت؛ فإنه قد يكون صوته عالياً لكنه مؤذٍ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان صيتاً، مؤذياً بصوته فيُعدل عنه إلى من هو أندى صوتاً ولو كان أضعف صوتاً منه.والسبب في هذا أن المؤذن يؤذِّن والناس في ضجعتهم وفي نومهم وفي راحتهم، فإن كان مزعج الصوت آذاهم بهذا الأذان، وربما أزعج الضعفاء من الأطفال والصبية، فحينما يكون ندي الصوت يكون ذلك أدعى لذهاب هذه المفسدة، ويدل على هذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم،
    فإن عمر لما أُرِي الأذان قال له عليه الصلاة والسلام:
    (فألق على بلال ما رأيت فليؤذن فإنه أندى صوتاً)،
    أي:
    ألق ألفاظ الأذان على بلال، (فإنه أندى صوتاً)، والجملة تعليلية،
    أي:
    أمرتك بهذا لعلةٍ وهي كونه أندى صوتاً.فطراوة الصوت ونداوته مطلوبةٌ في الأذان؛ لأنه أرفق بالناس، خاصةً في أذان الفجر والعصر،
    فلذلك قالوا:
    يُشرع أن يكون صيتاً وفي صوته نداوة.
    وننبه على أمور: فلو كان المؤذن صوته ضعيفاً فوَّت مقصود الشرع؛ لأنه بضعف صوته لا يبلغ أذانه المبلغ، ولذلك ينبغي أن يعدل إلى من هو أقوى منه صوتاً، وقد يكون صوته رقيقاً مبالغاً في النداوة حتى يصل إلى رقة النساء، فيصرف عنه الأذان إلى غيره إجلالاً لهذا المنصب ورعايةً له؛ لأن الناس تجل هذه المناصب الشرعية بحسب أشخاصها، فإذا وضع في الأذان من هو أهل عظم الناس الأذان، والعكس بالعكس، ولذلك ينبغي أن يكون صوته بعيداً عن طراوة النساء ونداوتهن، وكذا بعيداً عن الخشونة المؤذية.
    أن يكون أميناً
    قوله:
    [أميناً].مأخوذ من الأمانة وهي الحفظ.
    والدليل على اشتراط أن يكون المؤذن أميناً ما ثبت في حديث أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)،
    فقوله:
    (المؤذن مؤتمن) خبرٌ بمعنى الإنشاء،
    أي:
    ينبغي أن يكون المؤذن أميناً.قال العلماء: وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن بكونه أميناً لأمور،
    منها: أنه يؤتمن على ركن من أركان الإسلام وهو الصلاة، وهو أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فإن المؤذن مؤتمن على دخول الوقت، فينبغي أن يكون أميناً حتى لا يغش ولا يكذب في أذانه، فإذا كان متساهلاً أو فاسقاً غير عدلٍ فإنك لا تأمن منه أن يبتدر بالأذان قبل الوقت فيفوت على الناس صلاتهم.كذلك المؤذن مؤتمن على ركنٍ ثانٍ وهو الصوم؛ لأن تأذينه في الفجر إعلامٌ بدخول وقت الإمساك، وتأذينه في المغرب إعلام بانتهاء الصيام، فلو كان إنساناً لا أمانة عنده، أو يتساهل ولا يحفظ هذا الأمر العظيم فإن ذلك يؤدي إلى ضياع صيام الناس، وهذا هو الواقع والحال، فإنك إذا وجدت المؤذن لا يتقي الله عز وجل فإنه يضيع على الناس صيامهم، فتجده يقوم في صلاة الفجر متأخراً، ويؤذن بعد دخول الوقت بوقت، ولربما أمسك على أذانه الناسُ، فيضيِّع عليهم صيامهم، ويحمل بين يدي الله وزرهم؛ لأن الناس تأتمنه، ولذلك في يوم الإثنين والخميس الواجب أن يكون أذانه عند أول بزوغ الفجر حتى يحفظ للناس صيامهم، وكذا في الأيام البيض، وينبغي أن يُنصح المؤذنون بهذا، وأن يُنبه ويُؤكد عليهم،
    بل قال بعض العلماء:
    الأصل في أذان الفجر أن يكون عند أول الوقت.كل ذلك حفظاً لفريضة الصيام؛ لأنه قد تكون هناك امرأةٌ تريد أن تقضي صيامها، وقد يكون هناك رجل يريد أن يقضي صيامه، فليس له من أمارة أو دليل أو علامة إلا أذان المؤذن، بل لو وُجِدت عنده الساعة فقد لا يعرف متى يكون الإمساك، فلذلك يبني على أذان المؤذن، فاشتراط المصنف رحمه الله للأمانة مبني على السنة،
    ولما ذكرناه من كون المؤذن مؤتمناً على ركنين من أركان الإسلام:
    الصلاة والصيام.
    قال بعض العلماء:
    اشتُرِطت الأمانة أيضاً في المؤذن لأنهم كانوا في القديم يؤذنون على ظهور المساجد، وربما بنوا المنائر فكان المؤذن يؤذن على المنارة،
    ولذلك قال بعض أئمة السلف لأحد المؤذنين:
    (يا بني: إنك ترقى على المسجد، فإذا رقيته فاتق الله في بصرك)؛ لأنه سيرقى على السطح فلربما اطلع على عورات المسلمين، ولربما رأى أموراً من عورات المسلمين،
    فقال له:
    احفظ بصرك.
    فقالوا: هذا من الأمانة،
    ولذلك قالوا:
    ينبغي أن لا يُختار لهذا الأمر إلا من كان معروفاً بالعدالة والاستقامة، ولذلك اختلفوا في أذان الفاسق وصحته واعتباره.
    أن يكون عالماً بالوقت
    قال رحمه الله:
    [عالماً بالوقت].ذلك لأن كل ولاية -كما قلنا- يشترط لها ما يحقق مقصودها، فلما كان الأذان إعلاماً بالوقت وجَب أن يكون المؤذن عالماً بالوقت، فيعرف وقت الزوال، ويعرف دلائل غروب الشمس، ويعرف متى يصير ظل كل شيء مثله، ومتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه، وكيف يضبط ذلك، ويعرف الفجر الصادق من الفجر الكاذب، حتى يكون ضابطاً لوقت الفجر، وقس على هذا بقية أوقات الصلاة.
    [تقديم الفاضل على المفضول في الأذان]
    قال رحمه الله تعالى: [فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما فيه].بعد أن بين لك من الذي يؤذن،
    وما هي الأوصاف التي ينبغي أن تكون في المؤذن قال:
    (فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما)، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يذكرون الأوصاف المعتبرة للشيء،
    ثم يذكرون ازدحام الناس فيه كأن يقولوا:
    من صفة القاضي كذا وكذا، فإن تشاح في ذلك اثنان كل منهما أهل للقضاء (قُدِّم أفضلهما)،
    والفضل في اللغة:
    الزيادة،
    والمراد به في الشرع: الزيادة في الطاعة والخير، ويُعرف فضل الإنسان باستمساكه بالأصل،
    أي:
    حفظه للواجبات وبعده عن المحرمات، فإذا حصلت منه المحافظة على فرائض الله، والتقوى عن محارم الله عز وجل كان له أصل الفضل، فإذا أرادت أن تصفه بزيادة الفضل وصفته بالمحافظة على الطاعات.فكذلك الأذان إن تشاحَّ فيه اثنان قُدِّم أفضلهما، فلو حفظ عن أحدهما أنه محافظ على التبكير للمسجد والثاني يتأخر قُدِّم الذي يبكر.ولو عُرِف أن أحدهما طالب علم والثاني مؤذن يعرف الأوقات وفيه أوصاف المؤذن، لكنه ليس بطالب علم، ولا يحرص على طلب العلم، يقدم طالب العلم؛ لأن طلب العلم زيادة فضلٍ ونبل في الإنسان تؤهله لشرف المرتبة، فيُقَدَّم على من هو دونه، ولا يُقدَّم من هو دونه عليه.وكذلك يكون الفضل بالمحافظة على الطاعات، كأن يُعرف أحدهما بصيام النوافل كصيام الإثنين والخميس، والثاني لا يصوم، فيقدم الذي يصوم على الذي لا يصوم، ويُنظر إلى الأوصاف الشرعية التي تدل على زيادة الخير في أحدهما؛ لأنهما إذا استويا في الأوصاف المعتبرة رُشِّح أحدهما على الآخر بزيادة الخير، فإن زيادة الخير تزيد في قدر الإنسان؛ والعكس بالعكس،
    كما قال الله تعالى:
    {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام:124]، فدل على أن أهل المعاصي في صغار.ومفهوم الآية أنه إذا كان أهل المعاصي يصيبهم الصغار، فأهل الطاعة يصيبهم العلو والفضل،
    كما قال تعالى:
    {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17].
    قال رحمه الله تعالى:
    [ثم أفضلهما في دينه وعقله].
    أي: أفضلهما من ناحية السمت والوقار، وأفضلهما من جهة الدين.فلو كانا طالبي علم، حافظين لكتاب الله، وكل واحد منهما محافظ على طاعته، وكلاهما على مرتبة واحدة في الدين، ولا يستطاع اختيار أحدهما ينظر إلى العقل، فإن من الناس من علمه أَكبر من عقله، ومنهم من عقله أكبر من علمه، ومنهم من علمه وعقله على كبر، فقد تجد العالم لكنه لا يتعقَّل في الأمور، ومنهم من عنده عقل وليس عنده علم، فتجد عقله أكبر من علمه، فإذا نزلت به النوازل، أو أحاطت به الكروب أحسن إدارتها، وأحسن التخلص منها، ومنهم من جمع الله له بين العقل والعلم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.ولذلك قالوا: من جُمِع له بين العقل والدين فقد أعطي النورين،
    كما قال تعالى:
    {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35].فالعقل نورٌ داخلي، والوحي نور خارجي، والإنسان يرى بنور داخلي ونور خارجي، فإذا كان الاثنان من ناحية الدين على مرتبة واحدة، ولكن أحدهما أعقل يتريث في الأمور ولا يتعجل، ويُعرف بسداد رأيه وصواب رشده، وأنه إنسان لا تستجره العواطف قُدّم؛ لأن العقل زيادة فضل، ويدل على حب الله للعبد، فإذا كمل عقله مع دينه فهذا نعمة من الله عز وجل تدل على إرادته الخير بهذا العبد، فيُقدَّم العاقل.
    قال رحمه الله تعالى:
    [ثم من يختاره الجيران].إذا كان كلاهما على دين وعقل، ولا تستطيع أن تفضل أحدهما من جهة الدين ولا من جهة العقل، فتقدم من يختاره الجيران؛ لأن الإنسان إذا كان محبوباً بين الناس في علمه أو أذانه أو ولايته الشرعية كان أدعى لقبول ذلك منه، فإذا كان الناس يحبونه ويختارونه ويرتاحون له، فهذه تزكية له،
    فلو قالوا:
    نحب فلاناً،
    فهذه تزكية خير كما في الحديث:
    (يا رسول الله! كيف أعلم أني محسن؟
    قال:
    سل جيرانك،
    فإن قالوا:
    إنك محسن فأنت محسن،
    وإن قالوا:
    إنك مسيء فأنت مسيء)
    .فالناس شهداء لله عز وجل في الأرض كما ثبت في حديث عمر في الصحيح،
    فإذا قال الجيران:
    نحب فلاناً ورشحوه قُدم، وتكون هذا تزكية زائدة على فضله ودينه وعقله.
    قال رحمه الله تعالى:
    [ثم قرعة].وهذا فعله بعض السلف من الصحابة رضوان الله عليهم، كما حكى بعض أهل العلم أن سعد بن أبي وقاص لما فتح إيوان كسرى تشاحّ الناس في الأذان كلٌ منهم يريد أن يؤذن، فأقرع بينهم سعد رضي الله عنهم وأرضاهم، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا محبين للخير، فكادوا أن يقتتلوا؛ إذ كلٌ منهم يريد أن يؤذن في ذلك المكان الذي أعز الله فيه الإسلام، فأحيا فيه الحنيفية وطمس فيه معالم الجاهلية، فتشاحّ الناس حتى كادوا أن يقتتلوا، فهدأهم سعد، ثم أقرع بينهم وأعطى الأذان لمن خرجت له القرعة.والقرعة حلٌ شرعي يصار إليه عند تعذر الترشيح، فلو اجتمعت الأوصاف في الأشخاص لإمامة أو قضاء أو فتوى أو تعليم، واستووا في الفضل والصفات الشرعية يُقرع بينهم.قالوا: والأصل في القرعة أنها اختيار من الله عز وجل، فلو كانوا كلُّهم في مرتبة واحدة وأُقرِع بينهم، فكأن الله اختار هذا الشخص؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون هذا الشخص دون غيره، مع أنهم كلهم في الفضل على سواء، فلا يضرنا أن تخرج القرعة على واحد منهم.
    ثم قالوا أيضاً: إن القرعة ثبت اعتبارها في أصل الشرع، كما في قصة يونس بن متى {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات:141] فهو لما كان في الفلك مع القوم، ولم تكن نجاتهم إلا بإلقاء واحدٍ منهم، فاقترعوا فخرجت على يونس من الله سبحانه وتعالى ابتلاءً ليونس، فدل على أن الله يختار، فوقع الخيار على يونس بالقرعة، ولذلك اعتبر العلماء القرعة من وسائل الإثبات في بعض المسائل، خاصة عند الازدحام، قد فعلها بعض السلف في الأذان فيُعتبر هذا أصلاً للفقهاء في التقديم بالقرعة، والقرعة تكون بوضع أوراق فيها أسماء هؤلاء المرشحين، ثم يختار الإمام أو يختار واحد من الحي ورقةً منها، فيخرج فيها اسم واحد منهم، فيقدم دون من شاحَّه من بقية المؤذنين.
    شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [2]
    لقد وردت ألفاظ الأذان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يزاد عليها أو ينقص منها أبداً، وهي خمس عشرة جملة، ويستحب أن يكون المؤذن متطهراً مستقبل القبلة، وأن يلتفت عند الحيعلتين،
    وأن يقول في أذان الصبح:
    (الصلاة خير من النوم).والفاظ الإقامة إحدى عشرة جملة، ويستحب أن يقيم من المكان الذي أذن فيه، وللأذان شروط لابد على المؤذن أن يعلمها، ويسن متابعة المؤذن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له بعد الأذان.
    [ألفاظ الأذان وأقوال أهل العلم فيها]
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
    سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين:
    أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وهو خمس عشرة جملة] أي: الأذان خمس عشرة جملة.
    قال رحمه الله تعالى:
    [يرتلها على علو] هذا أحد أقوال العلماء رحمة الله عليهم، وألفاظ الأذان فيها أقوال لأهل العلم،
    فمن العلماء من قال: الأذان أن يثنِّي التكبير ويربع الشهادتين، ويثني ما بعده إلا التهليل الذي هو الخاتمة فيفرد، وهذا القول هو قول فقهاء أهل المدينة رحمة الله عليهم، وعليه درج إمام دار الهجرة مالك بن أنس عليه رحمة الله، واختار أصحابه المتأخرون الترجيع في الأذان،
    والترجيع صفته أنه بعد أن يقول:
    (أشهد أن لا إله إلا الله) يرجع ويقول بصوت خافت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فيذكر الشهادتين سراً ثم يرجع إليهما جهراً، وهذا يسمى الترجيع.
    فهذا القول الأول في المسألة، وله أصل من حديث أبي محذورة (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان بمكة فرجّع في أذانه) أي: أمره أن يقول الشهادة سراً يُسمع نفسه، ثم يرجع ويُعلي بها صوته، وهذا هو الذي يسميه العلماء الترجيع في الأذان.
    القول الثاني: يربع التكبير الذي في أول الأذان، ويربع الشهادتين، ويثنى ما بعد ويفرد التهليل، وهذا مذهب أهل مكة من السلف رحمة الله عليهم، وبه قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ويرى أنه يرجِّع في الأذان، والفرق بين الأول والثاني، أن القول الأول يثني في التكبير،
    فيبدأ المالكي ويقول:
    الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت منخفض) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت مرتفع) إلى آخره.
    القول الثاني: يربع في التكبير (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، ثم يرجِّع في الشهادتين، فيجمع بين التربيع للأول وللشهادتين.وللق ل هذا أيضاً أصل من أذان أبي محذورة في مكة مثل ما ذكره المالكية، وهي رواية المالكية لكن فيه زيادة تكلم عليها بعض العلماء كما أشار إليها الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه.
    القول الثالث:
    أنه يربِّع في التكبير، ويثني في كل شهادة ولا يرجِّع، على الأذان المعروف الموجود، وهذا قال به أهل الكوفة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو أذان بلال رضي الله عنه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية.وهناك قول رابع لبعض السلف تختلف صورته يرى أنه يربع التبكير،
    ثم يثني الشهادتين حتى يبلغ:
    (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، فإذا انتهى من الحيعلتين رجع ثانيةً إلى الشهادتين، وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين من أئمة السلف، وفيه حديث ضعيف تكلَّم عليه العلماء، وأشار إلى ضعفه الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه.والذي يظهر والله أعلم أنه لا معارضة بين القول الأول والثاني والثالث، فلا حرج أن تؤذن بأذان الترجيع، ولا حرج أن تؤذن بأذان لا ترجيع فيه، فأذان الترجيع الذي لقَّنه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، والذي اعتمده العلماء نوع، وأذان بلال وعبد الله بن زيد هو الأصل،
    ولذلك بعض العلماء يقولون:
    أذان أبي محذورة ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم على أبي محذورة في مكة حينما فُتِحت، فيحتمل لقرب أبي محذورة من الجاهلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتشهد حتى لا يسبق لسانه إلى ما اعتاده في الجاهلية.وهذا الجواب ضعيف، والأفضل والأولى كما اختاره بعض المحققين وأشار إليه شيخ الإسلام في القواعد النورانية، وارتضاه الحافظ ابن عبد البر.أنه اختلاف تنوع، وليس باختلاف تضاد، فهذا نوعٌ من الأذان، وهذا نوعٌ من الأذان، ولا حرج أن تؤذن بهذا أو ذاك، ولا إنكار على من أذن بالترجيع، ولا إنكار على من أذن بغير ترجيع، وكلٌ على سنة وخير.
    [حكم التطهر واستقبال القبلة للمؤذن]
    قال رحمه الله تعالى: [متطهراً مستقبل القبلة] قوله: (متطهراً) هذا على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض،
    وقوله:
    (مستقبل القبلة)؛ لأن هذا هو المحفوظ من أذان بلال رضي الله عنه، ولم يحفظ أنه كان مستدبر القبلة أو منحرفاً عن القبلة، ولذلك يبقى هذا على الأصل، ولأنها أشرف الجهات في الطاعات.
    قال رحمه الله تعالى:
    [جاعلاً إصبعيه في أذنيه] لأنه أبلغ في قوة الصوت، وجاء فيه الحديث.
    [حكم الاستدارة والالتفات في الحيعلتين]
    قال رحمه الله تعالى:
    [غير مستدير ملتفتا في الحيعلة يميناً وشمالاً].
    أي: أنه لا يستدير بجذعه، ولكن يحرف وجهه يمنةً ويسرةً ولا حرج في ذلك، والدليل على أنه في الحيعلتين يلتفت يميناً وشمالاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه،
    قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم،
    فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح قال:
    وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الفلاح)
    .وفي هذا الالتفات وجوه،
    قال بعض العلماء:
    يلتفت عند بداية الحيعلة، ويختم الالتفات عند ختم الحيعلة يمنةً،
    مثال ذلك:
    أن يقول: (حي على الصلآة)، فينتهي من آخر اللفظ عند بلوغ كتفه ملتفتاً.فهذا وجه.
    والوجه الثاني: أن يقول: (حي على الصلاة) ويرجع إلى الاستقامة.والفر يين القول الأول والثاني زيادة الثاني بالرجوع إلى القبلة عند انتهاء الحيعلة.
    وأما في الالتفات فقال بعض العلماء: ينادي (حي على الصلاة) يميناً (حي على الصلاة) شمالاً، (حي على الفلاح) يميناً، (حي على الفلاح) شمالاً.وهذا اختيار بعض العلماء رحمة الله عليهم، وهناك قول ثانٍ أنه يحيعل على الصلاة يميناً، وعلى الفلاح شمالاً، وكلٌ منهما له وجه؛ لأن الحديث أطلق، وكلٌ على سنة سواءً، أفعل هذا أم هذا، ولكن الأقوى أن يجمع بين الاثنين؛ لأن المراد الإعلان.وشرع الالتفات مع الحيعلة ولو وجد المكبر؛ لأنها عبادة، والعبادة توقيفية لا يُنظر إلى إسقاطها عند اختلال المعنى، فلا يستطيع الإنسان أن يجزم أن المراد بذلك علة معينة، فيبقى على الأصل من كونه عبادة، فإذا كانت عبادة استوى في ذلك وجود مكبر الصوت وعدم وجود مكبر الصوت، فيلتفت على كل حال.
    قال رحمه الله تعالى:
    [قائلاً بعدهما في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم) مرتين] بعد الحيعلتين في أذان صلاة الصبح يقول: (الصلاة خيرٌ من النوم) وهو توجيه وإرشاد، وكلمةٌ عظيمة تشحذ الهمم تناسب الحال، فهي من المقال المناسب للحال؛ فإن الإنسان تعلوه سكرة النوم، فإذا سمع نداء الله عز وجل أن الصلاة خيرٌ من النوم تلهَّفت نفسه، واشتاقت لإيثار مرضاة الله عز وجل على هوى النفس، وقد جاء في مشروعيتها حديث سعيد بن المسيب في روايته عن بلال رضي الله عنه، وتكون بعد الحيعلتين.
    [أقوال العلماء في ألفاظ الإقامة]
    قال رحمه الله تعالى: [وهي إحدى عشرة يحدرها].
    كان المفروض أن يقول: (والإقامة إحدى عشرة)،
    ولكن لا مانع لأنَّه قال:
    (وهو) في الأول إشارة إلى المذكر منهما،
    فقوله:
    (وهي) إشارة إلى المؤنث، وهي مفهومة من السياق،
    إلا أنَّ الأولى التصريح: (والإقامة إحدى عشرة كلمة يحدُرها).وللعلماء في الإقامة عدة أوجه،
    قال بعض العلماء:
    تُشفَع ويوتر قوله: (قد قامت)، كما هو مذهب المالكية والحنفية.
    فيقول:
    (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
    القول الثاني: أنه يوتِر الألفاظ الأول فالتربيع يجعله مثنى، والمثنى يجعله واحدة، ويُشفَع قد قامت، كما ورد في الحديث،
    وعلى هذا تكون الإقامة المعروفة:
    (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وكلٌ على سنة، سواءٌ أوتَر أم شفَع، ولكن الأقوى من جهة النص الإيتار،
    والسبب في الخلاف قوله:
    (أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)،
    فقوله:
    (يوتر الإقامة)، فَهِم بعضهم عنه أنه يوتِر كلمة (قد قامت) ويبقى النداء على الأصل على نداء بلال وعبد الله الذي ذكرناه.
    ومنهم من يقول:
    (ويوتر الإقامة)،
    أي:
    في الألفاظ، فيكون الإيتار في الجميع،
    ويكون قوله:
    (قد قامت) باقٍ على المثنى كما في الرواية.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (53)

    صـــــ(6) إلى صــ(15)

    [استحباب الإقامة في المكان المؤذن فيه]
    قال رحمه الله تعالى: [ويُقِيم من أذن في مكانه إن سَهُل].كانوا في القديم يؤذنون خارج المسجد، وقد فعل ذلك بلال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أذَّن على سطح بيت الأنصارية، كما جاء في رواية السنن أنه كان يؤذن الفجر على بيت الأنصارية،
    وكان يؤذن على باب المسجد كما يدل عليه حديث:
    (لا تسبقني بآمين)،
    فقد قال بلال للنبي صلى الله عليه وسلم:
    (لا تسبقني بآمين)،
    قالوا: لأنه كان يؤذن ويقيم خارج المسجد، فإذا أذن وأقام داخل المسجد لم يُسمع أذانه ولم تُسمع إقامته،
    ولذلك قال: ويقيم من أذن في مكانه إن سهل).لكن إن عسُر عليه أن يُقيم في مكان الأذان أقام داخل المسجد، ولكن السنة أن يقيم في مكان الأذان كما ذكرنا في حديث بلال،
    ووجه دلالة حديث:
    (لا تسبقني بآمين) أنه كان يقيم خارج المسجد، فيكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، فلا يستطيع أن يدرك آمين في بعض الأحيان، وذلك للمكان الفاصل،
    خاصةً على القول أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند قوله:
    (قد قامت)، فلربما بلغ آخر الإقامة مع مشيه من موضع الإقامة إلى داخل المسجد وقد فاتته الفاتحة، وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مرتلة،
    ولذلك قال له:
    (لا تسبقني بآمين)، فإنه ربما فاته التأمين لفاصل المكان.ومن أذن فيقيم،
    قال بعض العلماء: لا يقيم إلا من أذَّن كما هو موجود في مذهب الحنابلة ودرج عليه المصنف،
    وقال بعضهم:
    يجوز أن يقيم غير المؤذن،
    وفي هذا حديث ابن ماجة:
    (أن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن أبي زياد الأفريقي.
    وقال بعض العلماء:
    إن الأمر واسع لو أراد أن يُقيم أحد غير المؤذن.وهذا فيه نظرٌ، فإن كان الذي أذَّن موجوداً فإنه أحق بالإقامة؛ لأنه تولى الأمر من بدايته، فليس من حق أحد أن يدخل عليه لكنهم استثنوا المؤذن الراتب إذا تأخر عن الأذان وحضر عند الإقامة بقي حقه في الإقامة، وإن كان قد سقط حقه في التأذين بسبب التأخير فيقيم، فهو أحق بالإقامة.
    شروط صحة الأذان
    [الترتيب والتوالي]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ولا يصح إلا مرتباً متواليا].شرع رحمه الله في شروط صحة الأذان.
    قوله: (ولا يصح) أي: الأذان.(إلا مرتباً) أي: مرتباً بترتيب الشرع؛ لأن القاعدة في الأذكار والألفاظ الشرعية أنه يُتقَيد فيها بالوارد، فكما أنها جاءت واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الترتيب يُرتبها على هذا الوجه.
    وقوله: (متوالياً) أي: دون وجود فاصل مؤثر، فلو فصل بينهما بفاصل مؤثر فإنه يستأنف الأذان، ولا يَبني على ما كان عليه.
    [العدالة في المؤذن]
    قال رحمه الله تعالى: [من عدلٍ ولو ملحنا أو ملحونا].
    قوله:
    (من عدلٍ) أي: من إنسان عدل، فهذا الأذان لا يصح إلا من عدل،
    قالوا:
    لأنه خبر وإعلام بدخول الوقت، ولا يُقبل خبر الفاسق؛ لأن الفاسق إذا أَخبر بدخول الوقت لا يُوثق بخبره،
    وقد قال الله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]،
    فقالوا:
    لا يصح أذان الفاسق والحنابلة رحمهم الله شددوا في الأذان وفي الإمامة فقالوا: لا يصح الأذان من فاسقٍ، ولا تصح إمامة الفاسق، ولذلك يرون إعادة الصلاة إذا صُلِّي وراء الفاسق، وإن كان الصحيح صحة إمامة الفاسق لدلالة السنة على ذلك كما سيأتي.
    وأما الأذان فقالوا: إنه خبر وقد أمر الله بالتثبت في أخبار الفساق، فكيف نقبل خبر هذا بدخول وقت الصلاة، وكيف نقبل خبره في انتهاء وقت الصيام، أو دخول وقت الصيام، فمثل هذا لا تقبل شهادته، فمن باب أولى في أمور الصلاة والعبادة أن لا يُقبل خبره.
    [حكم اللحن في الأذان]
    قال رحمه الله تعالى: [ولو ملحّنا أو ملحونا].
    اللحن: أن يكون الصوت فيه نداوة وطراوة، وإذا كان اللحن على وجه التغني الذي لا يخرج الألفاظ عن حقائقها فالأذان صحيح، أما لو كان يخرج الكلمات عن معانيها والألفاظ عن دلائلها فإنه يُبطل الأذان، واللحن في القراءة والأذان للعلماء فيه ضابط التأثير،
    فقالوا: إن أثَّر فأخرج اللفظ عن مدلوله فحينئذٍ يحكم بعدم اعتباره، وأما إذا لم يُخرج عن مدلوله فإنه لا يؤثر.وسُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجلٍ يتغنى في الأذان،
    فقال للسائل:
    ما اسمك؟ قال: محمد.قال: أترضى أن يُقال لك: (يا موحامد)؟
    قال:
    لا.
    قال: كيف ترضاه لنبيك؟ -صلوات الله وسلامه عليه-.فالمقصود أنه لا يصح الأذان إلا على هذا الوجه، وهو أن يؤدى بألفاظٍ صحيحة بعيدةٍِ عن الألحان المخرجة للألفاظ عن دلائلها.ومن اللحن المبالغة في المدود، فعلى الإنسان أن يكبر ويتشهد بعيداً عن التكلف؛ لأن الإسلام لا تكلف فيه، والتطريب والتمطيط في الأذان ليس من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم، ولذلك نص العلماء رحمة الله عليهم على اختلاف المذاهب على أنه بدعةٌ في الأذان، وإنما يؤذن الإنسان أذاناً لا يُخرِج ألفاظ الأذان عن مدلولاتها، بعيداً عن التكلف وإطالة المدود والترانيم ونحوها، فكل ذلك مما لا أصل له، فاللحن والصوت الجميل والتغني بالأذان والقراءة شرطه أن لا يخرج الألفاظ عن مدلولاتها،
    كما قيل:
    اقرأ بلحن العُرب إن تجوّد وأجز الألحان إن لم تعتد فمعنى: (أجز الألحان إن لم تعتدِ) أنه لا مانع أن يكون هناك لحن في الأذان أو في القراءة، لكن بشرط أن لا يعتدي القارئ أو المؤذن فيخرج الألفاظ عن مدلولاتها،
    فلا يجوز أن يقول:
    (أشهد أن موحامداً) فيمطها حتى يخرج اللفظ عن مدلوله،
    فإن قال:
    (موحامداً) أخرج لفظ الاسم الذي هو (محمد) عن وضعه في أصل اللغة، فإنه ليس بين الميم والحاء مد، وليس بين الميم والدال مد، ولأنه إذا مد أصبح اسماً آخر غير الاسم الذي شهد أنه نبي الله صلوات الله وسلامه عليه.
    وكذلك إذا كان اللحن بالإخلال بالحركات كأن يقول:
    أشهد أن (محمداً رسولَ الله) بفتح رسول، وهذا كثير وشائع في هذا الزمان، بل قال بعض العلماء ببطلان أذانه.ولذلك ينبغي أن يُنبَّه على ذلك بعض الجهال الذين لا يفرقون بين الضم والفتح في مثل هذا،
    فينبَّهون على أنه:
    (أشهد أن محمداً رسولُ الله) -بالضم-،
    ولا يجوز أن يقول: (أشهد أن محمداً رسولَ الله)؛ لأنه إخراج للشهادة عن مدلولها.فينبه على مثل هذا ونحوه من الألحان التي تخرج الألفاظ عن دلائلها، أو تفسد المعنى في التركيب اللغوي.
    [حكم أذان الصبي المميز]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ويجزئ من مميز] أي: يجزئ الأذان من صبيّ مميز.قالوا: كما صحّت صلاته صح أذانه، ولذلك إذا أذن الصبي المميز صح أذانه.
    وقال بعض العلماء:
    لا يصح أذان الصبي ولو كان مميزاً،
    وقالوا:
    لأنه خبر، والخبر شهادة ولا تصح من الصبي؛
    لقوله تعالى:
    {وَاسْتَشْهِدُو شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282]، فالشهادة لا تكون إلا من البالغ العاقل، والصبي ليس ببالغ ولا بعاقل، فلا يوثق بأذانه ولا يوثق بخبره.
    مبطلات الأذان والإقامة
    الفاصل الكبير والكلام المحرم وإن كان يسيراً
    قال رحمه الله تعالى: [ويبطلهما فصلٌ كثير ويسير محرم] أي: يبطل الأذان والإقامة فصلٌ كثيرٌ وكلامٌ محرَّم،
    كأن يشرع في الأذان فيقول: (اللهُ أكبر)، ثم يجلس وقتاً طويلاً، كما يحدث بعض الأحيان حين ينقطع جهاز الصوت فيحاول إصلاحه، وربما يأخذ منه خمس دقائق أو عشر دقائق، فهذا فاصل مؤثر، وحينئذٍ يستأنف ولا يبني لكن لو أنه كبر ثم انشغل يسيراً ثم رجع إلى أذانه فإنه يبني ولا يستأنف، فيصح أن يبني على الألفاظ الأُوَل إذا كان الفاصل غير كثير.وكذلك الكلام المحرم، كأن يؤذن ويتشهد ثم يسب رجلاً،
    فقالوا:
    يبطل أذانه؛ لأن السب ليس من الأذان، فحينئذٍ يُحكم ببطلان أذانه ويبتدئ من جديد.
    أما لو كان كلاماً مباحاً فقال بعض العلماء: لا يبطل، والاحتياط أن يعيد ويستأنف؛ لأنه أدخل في ألفاظ الأذان ما ليس منها.
    فقوله: (ويسير محرم) أي: وكلامٍ يسير محرم.
    [الأذان قبل دخول الوقت]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل] أي: ولا يجزئ الأذان قبل الوقت، إلا الفجر فيجوز أن يؤذن له قبل دخول الوقت لثبوت السنة بذلك، فيؤذن قبل دخول الوقت ولا حرج، ثم اختلف العلماء،
    فقال بعض العلماء:
    الأذان الأول لا يجاوز السدس الأخير من الليل، وهو ما يقارب ساعة ويختلف بالصيف والشتاء، فيؤذن الأذان الأول قبل الفجر بحدود ساعة أو تزيد، بحسب الصيف والشتاء، وبحسب طول الليل وقصره.
    وقال بعضهم:
    إنما يؤذن الأذان الأول بفاصلٍ يسير بينه وبين الأذان الثاني، بحيث أنه بمجرد ما ينتهي من الأذان الأول يدخل وقت الفجر فيؤذن الأذان الثاني،
    وهذا ارتضاه بعض فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم بناءً على حديث:
    (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)، ولكن هذه اللفظة عند بعض العلماء فيها نظر؛ لأن بلالاً كان عندما يؤذن يمتطي على ظهر بيت الأنصارية، حتى إذا قرب بزوغ الفجر صعد ابن أم مكتوم وأذن، وليس المراد به أنه ينزل ويطلع مباشرة، كما أفاده بعض العلماء رحمة الله عليهم.والمصنف أخذ بالقول الثالث، وهو أن يؤذن الأذان الأول من بعد نصف الليل، وهذا في الحقيقة محل نظر، والأقوى أن يؤذن في السدس الأخير،
    ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
    (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، فلما تُوقِظ النائم في نصف الليل فليس هناك مصلحة، وما دام أن الحديث جاءنا بعلة الأمر فنتقيد بالعلة الواردة؛ لأن العلل المنصوص عليها محكومٌ بها، فلما جاءنا الحديث أن العلة في الأذان الأول رد القائم وتنبيه النائم، فذلك أنسب ما يكون في حدود السدس الأخير، كما هو وجهٌ عند الشافعية وبعض العلماء رحمة الله عليهم.
    [استحباب صلاة ركعتين بعد أذان المغرب]
    قال رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان المغرب يسيرا] يسن ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين)،
    وفي رواية:
    (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب،
    ثم قال عند الثالثة:
    لمن شاء)
    ،
    قال أنس رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: (فلقد رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى إن الرجل لو دخل ظن أن الصلاة قد أقيمت) أي أنه إذا أذن وانتهى يصلون هذه الركعتين، ويبتدرون السواري يجعلونها سُتراً، وهذا يدل على حرصهم على هذه السنة.ووجه الشاهد أن كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة الركعتين بين الأذان والإقامة يدل على أن مِن السنة الفصل بين الأذان والإقامة، خلافاً لمن قال بالتعجيل، وهو موجود في بعض المذاهب، كما هو موجود في مذهب المالكية رحمة الله عليهم، فهم يرون سنية التعجيل؛ لأنهم لا يرون التنفل بين الأذان والإقامة، وهو وجهٌ أيضاً عند بعض الحنفية، والصحيح ما ذكرناه بدلالة السنة من حديث مسلم في صحيحه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي


    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (54)

    صـــــ(16) إلى صــ(5)

    [حكم الأذان في الجمع أو قضاء الفوائت]

    قال رحمه الله تعالى:
    [ومن جمع أو قضى فوائت أذّن للأولى ثم أقام لكل فريضة] هذا على حديث المزدلفة أنه عليه الصلاة والسلام أذن للأولى وأقام إقامتين: إقامة للأولى، وإقامة للثانية، فأصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم أن يؤذِّن الذي جَمَع جَمْع تقديم أو تأخير أذاناً واحداً ويقيم إقامتين.
    [استحباب متابعة المؤذن]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ويسن لسامعه متابعته سراً] من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمن سمع النداء أن يُتابع المؤذن سراً،
    أي:
    لا يرفع صوته، بل سراً بقدر ما يُسمع نفسه، وإن كان هناك عوام ويريد تعليمهم إن كان من العلماء والقضاة ونحوهم ممن يقتدى بهم فله أن يرفع صوته قليلاً حتى يتعلم الناس، فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه الصحابة كما في حديث معاوية، فيشرع الرفع قليلاً من باب التنبيه للناس والتعليم لهم، ولا حرج في ذلك.
    [الحوقلة في الحيعلتين]
    قال رحمه الله تعالى: [وحوقلته في الحيعلة] أي: يُسن لك إذا سمعت المؤذن يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    وللعلماء في ذلك أوجه:
    فمنهم من قال: تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله،
    ثم تقول:
    (حي على الصلاة).
    وتقول:
    (حي على الفلاح)،
    ثم تقول:
    (لا حول ولا قوة إلا بالله).
    ومنهم من قال:
    تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    ومنهم من قال: تقول مثل ما يقول المؤذن ولا تقول الحوقلة، فهذه ثلاثة أوجه للعلماء في المسألة.
    فمن قال: تقول الحوقلة ولا تحيعل اعتمد حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحيعلتين حوقل ولم يحيعل صلوات الله وسلامه عليه.
    والذين قالوا:
    يحيعل استدلوا بحديث أبي موسى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)،
    فقول:
    (فقولوا) أمر، فيشمل جميع أفراد الأذان،
    فيحيعل إذا قال:
    (حي على الصلاة)؛ لأنها مثل قول المؤذن، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم الحيعلتين بذكر، فتبقى على هذا العموم.
    والقول الثالث جمع بين القولين فقال: يقول: (حي على الصلاة) لحديث: (قولوا مثل ما يقول)، ويحوقل لحديث معاوية،
    وأصح القولين والعلم عند الله:
    أنه يقتصر على الحوقلة؛
    لأن قوله:
    (فقولوا مثل ما يقول) مجمل وحديث معاوية مبيِّن مفصِّل، والقاعدة أنه إذا تعارض المجمَل والمفسِّر المبيِّن، يُقدَّم المفسِّر المبيِّن، فإن معاوية حكى ترديد النبي صلى الله عليه وسلم لفظاً لفظاً،
    فيكون قوله عليه الصلاة والسلام:
    (قولوا مثل ما يقول) أي: في غالب ألفاظ الأذان،
    فلما بلغ الحيعلة قال:
    (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فأصح الأقوال أنه يُحوقِل ولا يُحيعِل.
    وأما مذهب من قال: يَجمع بينهما.فهو مبني على التعارض على النصين، وشرط التعارض قوة الدلالة منهما، وليست الدلالة منهما قوية، لِما ذكرنا من وجود الإجمال والبيان.وأما مناسبة قول لا حول ولا قوة إلا بالله عند الحيعلة،
    فقالوا:
    لأنه إذا قال: (حي على الصلاة) فإنهما تختص بالمؤذن.وهذا صحيح من جهة النظر؛ فإن المؤذن ينادي الناس،
    فأنت لا وجه لك أن تقول:
    (حي على الصلاة، حي على الفلاح)؛ لأنه ليس ثم إنسان تدعوه إلى الصلاة، فاختُصَّ المؤذن بالحيعلة، فبقيت أنت مستيعناً بالله،
    فقلت:
    لا حول ولا قوة إلا بالله، لأنه يُطْلَب منك الإجابة، ولا يُطْلَب منك المماثلة،
    فلذلك ناسب أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛
    قال بعض العلماء:
    لا حول في طلب خير، ولا قوة في دفع شر إلا بالله.وزيادة (العلي العظيم) لا ينبغي أن تُزاد؛ لأن السنة التقيد بالوارد، والألفاظ الواردة لا يزاد فيها.
    [استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة بعد الأذان]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته] هذه هي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ) على أن كثيراً من الناس ترك هذه السنة، وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان،
    فتجده مباشرة إذا قال المؤذن:
    (لا إله إلا الله)، يقول: (لا إله إلا الله، اللهم رب هذه الدعوة ... )، وهذا خلاف السنة.
    والسنة أنه إذا قال: (لا إله إلا الله)، أن يصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة الإبراهيمية، ثم بعد ذلك يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... ).
    قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عليه بعد الأذان لذكره في الأذان،
    ومنهم من قال:
    إنه أمر بالصلاة عليه لوجود الدعوة؛ لأنه يُسن أن يُبتدئ الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن فضائله -كما في أحاديث الترغيب- أن يكون في الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
    ويقول بعد انتهائه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... )، فهي دعوة تامة كاملة؛
    لأنها اشتملت على أمرين:
    أحدهما تعظيم الله، وثانيهما توحيده، ولذلك وصف الله صاحبها بأنه أحسن الناس قولاً،
    فقال تعالى:
    {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]؛ لأن المؤذن يصلي، وعمل صالحاً بدعوة الناس إلى الصلاة،
    فلذلك قالوا:
    هي دعوةٌ تامة، دعا إلى توحيد الله عز وجل بشهادته ثم دعا إلى إقام الصلاة التي هي من تعظيم الله عز وجل.(والصلاة القائمة) أي: التي ستقام، فيوصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، وهذا من بلاغة العرب، حيث يصفون الشيء بما كان عليه، ويصفونه بما يؤول إليه، ويصفونه بحاله،
    فيقولون:
    فلان يتيم بناءً على ما كان عليه،
    كما قالوا:
    محمد يتيم أبي طالب، باعتبار ما كان عليه،
    ومنه قوله تعالى:
    {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء:2] نهى عن إعطاء اليتيم ماله،
    لكن:
    آتوا اليتامى الذين بلغوا راشدين أموالهم، فوصفهم بكونهم يتامى بما كانوا عليه، وكذلك تصف العرب الشيء بما يؤول إليه،
    فيقولون:
    (فلانٌ مصلٍ).
    أي: سيصلي، ونحن مصلون،
    أي: سنصلي،
    فكذلك قوله هنا:
    الصلاة القائمة،
    أي:
    التي ستقام.
    والوسيلة هي كما فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم: (درجةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال: وأرجوا أن أكون أنا هو).ومن سأل للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة حلّت له الشفاعة يوم القيامة، فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبلغه الوسيلة، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.ثم ختمها بقوله عليه الصلاة والسلام (والفضيلة، والمقام المحمود الذي وعدته)،
    والفضيلة:
    من الفضل، والفضل: الزيادة.أي: الفضائل، وهي أعلى الدرجات، وإذا تفضَّل الله على العبد فقد بلَّغه أعالى المراتب وأكملها،
    كما قال تعالى في الخير:
    {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:54]،
    فالفضل:
    الخير العظيم،
    وقال تعالى:
    {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:105]، وزيادة (الدرجة العالية الرفيعة في الجنة) ضعيفة كما نبَّه عليها السخاوي في (المقاصد الحسنة)، وهي زيادة ضعيفة لا أصل لها.ومعنى (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) هو المقام الذي يحمِده عليه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة،
    قال تعالى:
    {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، وعسى في القرآن للحقيقة، وهو مقام الشفاعة.
    وزيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) فيها خلاف، وهي من رواية البيهقي، ومن العلماء من أثبتها، ومنهم من قال بعدم ثبوتها للشذوذ، ومن شرط الصحة عدم الشذوذ، ومن قالها فيتأول الصحة ولا حرج، ومن لم يقلها لا حرج عليه.سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.
    شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [1]
    للصلاة شروط مذكورة في الكتاب والسنة،
    وهي تنقسم إلى:
    شروط صحة، وشروط وجوب،
    ومنها:
    الطهارة من الحدث والخبث والنجس، ودخول الوقت، وينبني على ذلك معرفة وقت كل صلاة ابتداءً وانتهاءً، وأن الأفضل الصلاة في أول الوقت، ولا يجوز تأخيرها إلا لعذر شرعي.
    [شروط الصلاة]
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين،
    أما بعد:
    فيقول المصنف رحمه الله: [باب شروط الصلاة].هذا الباب المراد به بيان العلامات والأمارات التي نصّبها الشارع للحكم بوجوب الصلاة وصحتها من المكلف.وتنقسم الشروط عند العلماء رحمهم الله إلى شروط صحةٍ، وشروط وجوب، وأصل الشروط مبحث من مباحث الحكم الوضعي، بمعنى أن الشروط علامات وأماراتٌ من الشارع سبحانه وتعالى نصَّبها لكي تحكم بوجوب العبادة على المكلف، أو تحكم بصحتها، أو عدم صحتها إذا لم تكن مستوفيةً لهذه الشروط.إذاً لا بد في العبادة من النظر إلى هذه العلامات،
    وبواسطتها يستطيع طالب العلم أن يقول للمكلَّف:
    برئت ذمتك وأجزأتك الصلاة، إذا توفرت هذه الشروط المعتبرة لصحة الصلاة،
    ويستطيع أن يقول للمكلف:
    عليك إعادة الصلاة؛ لأن العلامة والأمارة التي نصَّبها الشارع للحكم بصحة صلاتك غير متوفرة.فلو أن إنساناً توضأ بعد دخول الوقت، وستر عورته، واستقبل القبلة، وفعل الصلاة بأركانها، فصلاته صحيحةٌ معتبرة.لكن لو أنه صلى قبل دخول الوقت صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو صلَّى ولم يستقبل القبلة عالماً بجهتها مخالفاً لناحيتها، أو صلَّى ولم يستر عورته مع القدرة،
    فحينئذٍ تقول له:
    صلاتك باطلةٌ، وتلزمك الإعادة؛ لأن الشارع جعل دخول الوقت علامةً على وجوبه، ولا تصح الصلاة قبل دخول الوقت.وجعل ستر العورة علامةً على صحة الصلاة واعتبارها، فما دمت لم تستر العورة أثناء صلاتك فصلاتك باطلة.فمبحث شروط الصلاة يحتاجه طالب العلم لكي ينظر إلى الأمارات التي نصَّبها الشارع سبحانه وتعالى،
    لكي يقول:
    هذه العبادة معتبرة، وبرئت ذمتك أيها المكلف، فلا تُطَالَب بالإعادة،
    أو يقول:
    هذه العبادة باطلةٌ ويلزمك إعادة الصلاة؛ لأن شروط الصحة والاعتبار غير متوفرة.
    والشروط: جمع شرط،
    والشرط في اللغة:
    العلامة، ومنه سميت الشَّرْطَة.وأما في الاصطلاح فهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.فالطهارة يلزم من عدمها عدم الصلاة، ودخول الوقت يلزم من عدمه عدم وجوب الصلاة.ولا يلزم من وجوده الوجود، فالإنسان قد يتوضأ، ويكون متطهراً، والشرط محققٌ فيه، ولكنه لا يصلي، فيلزم من عدم الشرط عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط.
    فقول العلماء:
    (باب شروط الصلاة) أي: العلامات والأمارات التي نصَّبها الشارع للحكم بوجوب الصلاة على المكلفين، أو العلامات والأمارات التي نصَّبَها الشارع للحكم بصحة صلاة المكلفين واعتبارها، فإن كانت الشروط شروط صحةٍ حكَمْتَ بالصحة أو بعدمها، وإن كانت الشروط شروطَ وجوبٍ حَكَمْتَ بوجوب العبادة أو عدم وجوبها.فشروط الصلاة تنقسم إلى شروط صحةٍ، وشروط وجوب.فشروط الوجوب منها الوقت، ولا تجب الصلاة قبل دخول الوقت، ومنها البلوغ، فلا تجب الصلاة على الصبي قبل بلوغه، ومنها العقل، فلا تجب الصلاة على المجنون حتى يفيق.
    وأما شروط الصحة فهي: الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة.فلا تصح صلاة غير المتطهر، ولا تصح صلاة من لم يستر عورته اختياراً، بمعنى أنه قادرٌ على سترها، أما إذا كان غير قادرٍ فسيأتي إن شاء الله الكلام عليه.ولا تصح صلاة من لم يستقبل القبلة اختياراً، أما إذا كان في حال الاضطرار -كما في السفر- ففيه تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
    وقوله: (باب شروط الصلاة) مناسبة هذا الباب أنه بعد أن بين لك حكم الصلاة، وعلى مَن تجب، وتكلَّم على مباحث الأذان والإقامة، ناسَبَ أن يتكلم عن الشروط؛ لأن من شروط الصلاة دخول الوقت، والأذان متعلق بالوقت، فلما ذكر الأذان ووجوبه ولزومه وصفته، يردq متى يؤذِّن المؤذن؟ وما هو الوقت المعتبر للصلاة؟ ولما كان مبحث الوقت متعلقاً بمبحث الشروط ناسب أن يذكر الشروط معه، فهذا وجه المناسبة.
    وهناك وجهٌ ثانٍ وهو أن تقول: بعد أن فرغ المصنِّف رحمه الله من بيان حكم الصلاة، والدعوة إليها بالأذان والإقامة ناسب أن يبين العلامات المعتبرة للإلزام بالصلاة، وهي الشروط، فأتبع ذلك شروط الصحة كما قلنا.
    [الشرط الأول: دخول الوقت]
    قال المصنف رحمه الله:
    [شروطها قبلها، منها الوقت].
    قوله: (شروطها قبلها) أي: قبل الصلاة،
    وقوله:
    (منها الوقت) (مِنْ) للتبعيض، والضمير في (منها) بمعنى: من شروط الصلاة، وهذا للتبعيض؛ لأن هناك شرط البلوغ والعقل لم يذكره المصنف، وترك لظهور العلم به؛ لأنه لا يقرأ قارئ ولا يبحث باحث في أبواب الفقه إلا وهو عالم أن أهلية التكليف تقوم على البلوغ والعقل.فلذلك تَرْكُ المعلوم بداهةً مألوفٌ عند العلماء رحمة الله عليهم.
    قوله:
    (منها الوقت) يقال: وقَّتَ الشيء يؤقته تأقيتاً.إذا حدده، ويكون ذلك بالزمان، ويكون بالمكان،
    فيقال: (وقَّتَ له ساعة مجيئه) للزمان، و (وقت له مكان لقائه) للمكان.
    فجاء التعبير بالتوقيت في الزمان في قوله تعالى:
    {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]،
    أي:
    بالزمان.وجاء التأقيت بالمكان،
    ومنه حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين:
    (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة)، وهو ميقات المكان لنسك الحج.والوقت معتبرٌ للصلاة،
    والأصل في هذا الشرط قول الحق تبارك وتعالى:
    {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] أي: مؤقتاً ومحدداً بزمانٍ معين، وقد بينت السنة إجمال القرآن، وقد جمع الله تبارك وتعالى هذا التأقيت للصلاة في آيةٍ واحدة،
    وذلك في قوله تعالى:
    {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، فهذه الآية جمعت مواقيت الصلاة كما ذكر غير واحدٍ من المفسرين، وهذا من بلاغة القرآن وحسن اختصاره،
    فإن قوله تعالى:
    (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي لزوالها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) فشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكون (غسق الليل) على أنه نصف الليل هو الأمد الذي هو آخر وقت العشاء الاختياري،
    ثم لما انفصل الفجر قال:
    {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} فأغنى باسم الفجر عن ذكر وقته؛ لأن الفجر من الانفجار والوضوح، ونظراً إلى أن اسمه يدل على وقته؛ لأنه عند انفجار الضوء وانتشاره أغنى التعبير باسمه عن التصريح بوقته، فهذه خمسة فروض وخمسة مواقيت، وكلتا الآيتين أصل في باب المواقيت عند العلماء رحمة الله عليهم.أما السنة فجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تصف وقت الصلاة، والأصل في هذا أن الله لما فرض على نبيه عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس اختار الله فريضتها أن تكون مباشرةً منه سبحانه وتعالى فوق السماوات العلا، ولذلك كان من دلائل فضل الصلاة وعظيم شأنها أن الله عز وجل لم يوح وجوبها إلى نبيه بواسطة، وإنما باشره بوجوبها والأمر بها تعظيماً لشأنها ودلالةً على عظيم مكانتها، فلما أوجب الله على نبيه الصلوات الخمس، وانتهى الأمر إلى الخمس، وكان يراجع ربه حتى استقرت إلى الخمس نزل عليه الصلاة والسلام، ولما أصبح صبيحة الإسراء وزالت الشمس لم يُفاجأ إلا بجبريل قد نزل عليه فأمَّه عند الكعبة، ولذلك كانت بداية المواقيت بحديث جبريل بمكة.فالأصل في السنة هذا الحديث، وهو أول المواقيت السنية، ولذلك يعتبره العلماء رحمة الله عليهم أصلاً، إلا ما دل الدليل على نسخه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.فأَمَّ جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يومين، صلَّى به اليوم الأول كل صلاةٍ عند أول وقتها، وصلى به اليوم الثاني كل صلاة في آخر وقتها،
    ثم قال له:
    (ما بين هذين وقت)، فحدَّد مواقيت الصلاة وبينها.ثم جاءت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وبقوله، فتارةً بالفعل يُبيِّن المواقيت، وتارةً بالقول يدل عليها صلوات الله وسلامه عليه.فشرط الوقت لا يُحكم بلزوم الصلاة على المكلف إلا بدخوله، فلا يطالب الرجل ولا المرأة بالصلاة إلا بعد دخول الوقت، ويتفرع على ذلك أنه إذا مات قبل دخول الوقت ولو بلحظة فهو غير آثمٍ ولا ملزمٍ بها، وكذلك لو جُنَّ أو حاضت المرأة قبل دخول الوقت ولو بلحظة فإنها لا تُطَالَب بها.فلا يتوجه الخطاب بالصلاة إلا بعد وجود هذه العلامة، فلما كان الوقت له هذه المنزلة وهي أنه لا يتوجه الخطاب من الشرع للمكلف أن يفعل العبادة إلا بعد وجود هذه العلامة.
    قيل:
    إنه شرط من هذا الوجه.
    [الشرط الثاني: الطهارة من الحدث والنجس]
    قال المصنف رحمه الله:
    [والطهارة من الحدث والنجس].
    قوله:
    (والطهارة من الحدث) تقدَّم تعريف الطهارة،
    وقلنا:
    إنها صفةٌ حكميةٌ توجب لموصوفها استباحة الصلاة، والطواف بالبيت، ونحوه مما تشترط له الطهارة.وأما الطهارة من النجس أو الخبث كما يُعبِّر العلماء فيشترط كذلك؛ لأن الطهارة طهارةٌ من الحدث بالوضوء أو الغسل أو التيمم بدلاً عنهما، وطهارةٌ من الخبث بإزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان.
    فأما طهارة الحدث فدليل وجوبها قوله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6]،
    ثم قال:
    {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6]، فأوجب وأمر وألزَمَ المكلف بهذه الطهارة، ثم حكم بعدم صحة الصلاة بالفقد،
    فقال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين كما في حديث أبي هريرة واللفظ لـ مسلم:
    (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذه طهارة الحدث ودليل اشتراطها لصحة الصلاة من الكتاب والسنة، لكن دليل السنة في الاشتراط أقوى من دليل الكتاب؛ لأن دليل الكتاب دلّ على الوجوب، وأما دليل السنة فقد دل على عدم الصحة والاعتبار إلا بعد وجود الطهارة، وهو أبلغ في الدلالة على الشرطية؛ لأن كون الشيء واجباً لا يدل على كونه شرطاً لصحة الشيء كما هو معلوم.وأما الطهارة من الخبث، وهي طهارة البدن والثوب والمكان من أجل الصلاة،
    كونها شرطاً لصحة الصلاة فيدل عليها: أولاً: إلزام المكلف بطهارة البدن،
    أصله قوله عليه الصلاة والسلام:
    (اغسلي عنك الدم ثم صلي)، وقوله: (دعي الصلاة أيام قروئك)،
    وفي الحديث الآخر: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا بلغت ذلك فلتغتسل ثم تستذفر بثوب ثم تصلي)، فأمرها بطهارة البدن.
    ثانياً: طهارة الثوب،
    والأصل فيها قوله تعالى يخاطب نبيه:
    {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:3 - 5]،
    فكبر:
    أي للصلاة، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]، وليس المقصود الترتيب، وإنما المقصود مجموع هذه الأمور،
    والمراد بقوله:
    {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]: أي طهارتها من النجس والقذر، فلا تصح الصلاة إلا بعد وجود طهارة الثوب.
    ثالثاً:
    طهارة المكان، فلا تصح الصلاة إلا بعد أن يكون مكان المصلِّي طاهراً،
    والأصل في ذلك حديثان:
    أحدهما حديث الأعرابي لما بال في المسجد،
    فقال عليه الصلاة والسلام:
    (أهريقوا على بوله سجلاً من ماء)، فأمر بتطهير المسجد،
    وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام من دخل المسجد بنعليه إن وجد فيهما أذى بقوله:
    (ليدلكهما في الأرض)، فجعل دلك الأرض طهارةً لها.والدليل الثاني حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، ثم خلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم،
    فلما سلَّم عليه الصلاة والسلام قال: (ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً،
    أو قال:
    أذى).ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع النعلين بعد العلم بنجاستهما؛ لأنهما ليستا بطاهرتين، فلما خلعهما بعد العلم بالنجاسة دل على أن المصلي لا يقف على موضعٍ نجس، ولذلك اعتُبِر حديث النعلين في خلعه عليه الصلاة والسلام لهما أصلاً في طهارة موضع المصلي الذي يصلي عليه.فمجموع هذه النصوص في الكتاب والسنة دلَّ على أنه ينبغي للمصلي أن يطهِّر ثوبه وبدنه ومكانه من أجل صلاته.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (55)

    صـــــ(6) إلى صــ(10)

    أوقات الصلاة
    [وقت صلاة الظهر]
    قال المصنف رحمه الله:
    [فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال] الفاء للتفريع،
    أي: إذا علمت أن الوقت شرطٌ لصحة الصلاة فاعلم أن وقت الظهر ما سيأتي.
    والظهر: هي الصلاة الأولى تسمى بالظهر، وهذا اسمها الغالب، وللعلماء في سبب تسميتها بالظهر خلاف،
    قال بعضهم: سُمِّيت بالظهر من الظهيرة، لوجود قائم الظهيرة فيها؛ لأن الشمس تقوم فيها، وهي تقع بعد زوال الشمس مباشرة، فنسبت إلى أقرب موصوفٍ لها.والظُّهر تسمى الأُوْلَى، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي أنه دخل عليه أبو المنهال سيار بن سلامة رحمه الله،
    فقال:
    دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي،
    فقال له أبي:
    (كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟
    قال:
    كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى)
    ، فوُصِفت بكونها هجيراً، وبكونها أُوْلى، وبكونها ظهراً، أما كونها هجيراً فلأنها تكون بالهاجرة، وهذا الوقت الذي تقع فيه صلاة الظهر، حيث تكون الشمس فيه شديدة الحرارة، ولذلك أمر بالإبراد عن أول الوقت في شدة الحر، فإذا اشتدت الحرارة هجر الناس الشمس، وصاروا إلى الظل، وهجروا أعمالهم من أجل شدة الحر والمئونة والمشقة، فسمِّيت الهجير من هذا، وسميت الظهر لما ذكرناه، وسميت الأولى لأنها أول صلاة تصلى.وهذا أصح أقوال العلماء أن الظهر هي أول الصلوات، والدليل على ذلك عدة أدلة،
    منها:
    أنه لما أراد الله أن يبين لنبيه عليه الصلاة والسلام مواقيت الصلاة نزل جبريل في وقت الظهر، فكان أول ما أعلمه بوقته هو الظهر، وكذلك الحال في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للصلوات المكتوبة وأوقاتها كلهم كان يبدأ بصلاة الظهر، وذلك مراعاة لأصل الشرع.
    وقال بعض العلماء:
    الأولى هي الفجر والثانية هي الظهر لأجل أن يقوى مذهبهم بأن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا مذهبٌ مرجوح،
    ويُجاب عنه من وجهين:
    أولاً مخالفته لظاهر السنة ولهدي الصحابة في قولهم: (كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى ... )، فدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها الأولى، وأما اعتذارهم بأن العصر لا تكون وسطى إلا إذا اعتبرنا الفجر الأولى فمحل نظر؛ لأنهم قالوا إن الفجر والظهر يجتمعان في كونهما صلاة نهارية، والمغرب والعشاء يجتمعان في كونهما صلاة ليلية، فيقع العصر بينهما، فتكون صلاةً وسطى من هذا الوجه.والجواب عن هذا يسير،
    وهو أن يُقال:
    إن الوصف بكونها وسطى -أعني العصر- إنما هو لانتصافها بين نهاريةٍ وليلية، لا بين نهاريتين وليليتين، وهم يراعون عدد الصلوات، ويمكن أن تراعى دلالة الحال، فإن صلاة العصر بين نهاريةٍ وهي الظهر، وليليةٍ وهي المغرب، وعلى هذا لا يرد ما ذكروه.
    فلصلاة الظهر وقتان:
    أول وآخر، فأما أول وقت صلاة الظهر فهو من الزوال إذا زالت الشمس، وأما آخر وقت الظهر فكما ذكر المصنف حين يصير ظل كل شيءٍ مثله، أي على قدر ظل الرجل إذا قام.أما بالنسبة لاعتبار الزوال أول وقت الظهر فدليله الكتاب والسنة،
    أما الكتاب فقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78]،
    ودلوكها:
    زوالها.أما السنة ففي الأحاديث الصحيحة، منها حديث ابن عمر في صلاة جبريل وإمامته بالنبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء.
    ومنها: حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين (كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس)، أي: زالت.
    ومنها: حديث أبي برزة: (كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس).وكذلك أيضاً حديث مسلم في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص.فهذه خمسة أحاديث كلها دلت على أن وقت صلاة الظهر يكون بدايته من زوال الشمس، وحُكِيَ الإجماع على أن وقت صلاة الظهر يبتدئ من الزوال، وهذا الإجماع مخالَف بما حُكِيَ عن ابن عباس أنه كان يجيز إيقاع صلاة الظهر قبل الزوال باليسير، وهو قولٌ محكيٌ عن مالك رحمة الله عليه إمام دار الهجرة، وقولٌ مرجوح لمخالفته لظاهر السنة، فحكاية الإجماع يُشكِل عليها ما أُثِر عن ابن عباس وعن مالك رحمة الله عليه.وإذا علمنا أن النصوص دلت على أن أول وقت الظهر الزوال، فما هو الزوال؟
    الزوال:
    مأخوذٌ من زال الشيء إذا تحرَّك، والمراد بالزوال زوال الشمس، والسبب في ذلك أن الشمس إذا طلعت يكون الظل في جهة المغرب، ثم تسير وينقبض ظلها حتى تنتصف في كبد السماء، فتقف عن مسيرها، وبالمناسبة في سير الشمس ينبغي إثباته، والقول بأن الشمس ثابتة باطل مخالفٌ لنص القرآن،
    ولذلك قال بعض العلماء: لا يجوز أن يعتقد المسلم أن الشمس ثابتة،
    وذلك لقوله تعالى:
    {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس:38]، فنص سبحانه على أنها تجري،
    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ أبي ذر:
    (يا أبا ذر! هل تدري أين تذهب هذه؟)، فنسب لها الذهاب والمجيء، وهذا يدل على الحركة بخلاف الثبوت، ولذلك يُعتقد جريانها،
    وقول بعض الفلاسفة: إنها ثابتة مخالفٌ لهذا النص الذي أنبأك به الخبير العليم سبحانه وتعالى خالق الشمس وخالق الكون وهو أعلم بما خلق.فالشمس تطلع من مشرقها فيكون الظل في جهة المغرب، على أقصى ما يكون عند ارتفاع شعاعها، ثم ترتفع قليلاً قليلاً فينقبض الظل من جهة المغرب قليلاً قليلاً حتى تنتصف في كبد السماء، فإذا انتصفت في كبد السماء وقف الظل عن الحركة فلا يزيد ولا ينقص،
    وهذا الانتصاف قال بعض الخبراء من أهل الفلك:
    إنه لحظة يسيرة،
    أي:
    قد يكون إلى دقائق معدودة جداً، وفي هذا الوقت وهو وقت انتصافها في كبد السماء تسجر جهنم -والعياذ بالله-، ولذلك نُهِي عن الصلاة فيه؛ لأنه لحظة عذاب، وليست بساعة رحمة،
    كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا اعتدلت على رأسك فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم).
    وثبت عن عقبة بن عامر أنه قال:
    (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)،
    فإذا قال العلماء:
    (قام قائم الظهيرة)،
    أو قالوا:
    (وقف الظل)، فمرادهم هذه الساعة، ولذلك تقف الشمس في كبد السماء فلا تتحرك، فإذا وقفت وقف الظل، وأحياناً يقف الشاخِص بدون ظل، وهذا في الأماكن التي تكون معادلة لمنتصف السماء،
    ولذلك يقولون:
    إنه في مكة في اليوم السابع من حزيران تكون الشمس لا ظل لها، بمعنى أنها في منتصف السماء، أو في كبد السماء كما ورد في الخبر، فإذا أخذت في هذه اللحظة التي هي لحظة الإمساك تبدأ بعد ذلك في الحركة إلى جهة المغرب، فإذا ابتدأت حركتها إلى جهة المغرب تحرّك الظل إلى جهة المشرق، على عكس ما كان عليه عند غروبها.وهذه اللحظة هي لحظة انتصاف النهار، وتكون في منتصف الوقت ما بين طلوع الشمس وغروبها بإذن الله عز وجل، فإذا انتصفت في كبد السماء وابتدأت بالمسير فحينئذٍ يبدأ وقت الظهر، فقبل مسيرها، وهي لحظة وقوف الظل لا يجوز إيقاع الصلاة -كما قلنا- في قول الجماهير، وانعقد عليه الإجماع، إلا ما جاء عن ابن عباس ومالك رحمه الله تعالى.
    فلذلك قالوا: يبدأ وقت الظهر من الزوال،
    أي:
    من حركة الشمس، فالسبب في تسمية هذا الوقت بالزوال أنّ الشمس تتحرك، فكأنها زالت عن مكانها الذي ثبتت فيه في كبد السماء، وهذا الوقت هو أول وقت الظهر.ثم كيفية معرفة هذا الوقت تختلف باختلاف الفصول، وباختلاف البلدان، ولكن الطريقة التي يمكن للإنسان أن يضبط بها المواقيت.أن يثبت شاخصاً على مكانٍ مستوٍ، ويعرف طول هذا الشاخص، ثم بعد ذلك ينظر في ظل الشاخص، فتبدأ الشمس طالعة من مشرقها فيراقب الظل في جهة المغرب، فكلما تقاصر الظل، خاصةً عند منتصف النهار يضع العلامة، خاصة إذا كان الشاخص على ورقة أو نحوها، فيضع علامة على الظل، حتى يقف الظل فيعلم أن هذه اللحظة التي وقف فيها الظل هي الساعة التي انتصف فيها النهار، بمعنى أنه بمجرد ما يبتدئ الظل بالزيادة والانحسار إلى جهة المشرق فاعلم أنها ساعة الزوال، وأن ما قبلها ساعة انتصاف النهار.و (من) في قوله: (من الزوال) ابتدائية،
    أي:
    يبتدئُ بزوال الشمس.
    وقوله:
    (إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال) الفيء: الرجوع،
    ومنه قوله تعالى:
    {فَإِنْ فَاءَتْ} [الحجرات:9] أي: رجعت،
    قالوا: سمي بذلك لأن الظل يَفِيء،
    بمعنى:
    يرجع، فبعد أن كان في جهة الغرب إذا به إلى جهة المشرق، وبتقاصُر الظل يكون الفيء، فالظل الذي تقف عليه الشمس عند انتصافها في كبد السماء لا يُحسب، وببداية تحركها إلى جهة المغرب، وزيادة قدر الظل في جهة المشرق يبدأ وقت الظهر كما قلنا، فيضع من هذه البداية علامة على الورقة، ثم بعد مسيرها ينظر إلى طول الظل حتى يساوي العود أو الشاخص الموضوع.والسبب في ذلك أن الزوال أحياناً يقف على قدر من الظل، بمعنى أنه يكون للشاخص ظل، فلو فُرِض أن ظله يختلف بالصيف والشتاء على حسب قرب الشمس من مسيرها الذي هو في منتصف القطب أو انحرافها في فصل الشتاء، فإذا كان الظل الذي وقفت عليه الشمس يعادل شبراً ونصف لشاخص طوله متر، فحينئذٍ يحسب من هذا الشبر والنصف أو القدم -كما يقولون-، ويُعتبر وصول الظل إلى القدم هو بداية وقت الظهر عند الزيادة، فتضع علامة على هذا القدر.وبعد زيادة الظل في جهة المشرق بقدر الشاخص الذي هو المتر، يكون وقت الظهر قد انتهى،
    وهذا هو معنى:
    إلى أن يصير فيء كل شيءٍ مثله بعد فيء الزوال.فلا بد في غالب الأحوال أن يكون للزوال ظل، ولذلك تجد في بعض التقاويمات أنَّ ظل الزوال قدم.بمعنى أن الشمس تنتصف
    [وقت صلاة العصر]
    قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت العصر].
    قوله: (ويليه) أي: يقع بعد وقت الظهر وقت العصر، والولاء بمعنى أنه بعد انتهاء وقت الظهر يدخل وقت العصر.
    وقال بعض العلماء: إن هناك وقتاً مشتركاً بين الظهر والعصر، وهو الأمد الفاصل بين الوقتين، وظاهر السنة ما ذكره ودرج عليه المصنف رحمه الله لظاهر حديث إمامة جبريل، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الوقتين في صحيح مسلم.والعصر في لغة العرب يُطلق بمعانٍ، فالعصر الدهر،
    وحملوا عليه قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} [العصر:1]، فأقسم الله عز وجل بالزمان كله.
    والعصر:
    اليوم والليلة،
    ومنه قول الشاعر:
    ولن يلبث العصران يومٌ وليلة.وكذلك يطلق على الوقت المحدد المعروف الذي يكون في عشي النهار، أي: في آخر النهار.
    قالوا:
    سُمِّي العصر عصراً لأن الإنسان إذا عصر الشيءَ لم يبق إلا آخره، بمعنى أن النهار ولَّى ولم يبق إلا آخره، وكان بمثابة العصارة الأخيرة في الشيء، فسُمي العصر عصراً من هذا.والعصر هو الوقت الثاني كما ذكرناه، وهو أفضل الصلوات؛
    لقوله تعالى:
    {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فإن الله عز وجل خصها بالذكر، وعطف الخاص على العام يقتضي تشريف الخاص وتميُّزه على العام بفضيلة،
    كما في قوله تعالى:
    {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر:4]،
    وقوله:
    {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة:98]، فذكر جبريل وميكال من باب التخصيص والتشريف، فالعرب تعطف الخاص على العام للدلالة على شرفه،
    فلما قال تعالى:
    {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] دل على فضل صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى.
    وأما الدليل على كونها صلاةً وسطى فما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام:
    (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر،
    ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو قال:
    حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً)
    ، وهذا في الصحيح، وهو نص على أن الصلاة الوسطى هي العصر، ووصِفت بكونها وسطى؛ لأنها تقع بين صلاة نهارية وهي الظهر، وصلاة ليلية وهي المغرب،
    ومما يدل على أنها هي المختصة بالفضل اختصاصها بالوعيد في قوله عليه الصلاة والسلام:
    (من فاتته صلاة العصرِ فكأنما وتر أهله)، بمعنى -والعياذ بالله- فقد أهله.فهذا يدل على عظيم شأنها، وأنها تتميز من بين الصلوات بهذا الفضل العظيم.
    قال بعض العلماء: خُصَّت العصر بهذه المزية لأنها تقع عند التجار في أوقات التجارة، فالناس الغالب أنهم في العصر يتبايعون ويشترون، فتكون ساعة غفلة، ولذلك خُصَّت بهذا الفضل.وكذلك الحال بالنسبة لأول النهار،
    فلما قال تعالى:
    {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25] قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الأوابين حين ترمض الفِصال) قالوا: خصَّ صلاة الضحى بهذا الوقت لأنها ساعة اشتغال الناس بالتجارة، فهذه في النافلة في أول النهار، والعصر فريضةٌ في آخر النهار، وجُعِلت فضيلتها في آخر النهار لأنه وقت الكلال والتعب والسآمة.
    ولذلك قالوا:
    إنها هي الوسطى، وهي أفضل الصلوات، ووقتها من صيرورة ظل كل شيءٍ مثله على ظاهر حديث جبريل وحديث ابن عمر في الصحيح، إلى أن يصير ظل كل شيءٍ مثليه، فهذا القول الأول.والقول الثاني أن وقت العصر ينتهي إلى اصفرار الشمس، وكلا القولين في وقت الاختيار.وأما وقت الاضطرار فيستمر من ظل كل شيءٍ مثليه إلى غروب الشمس، أو من صُفرة الشمس إلى غروب الشمس.
    فأما القول الأول الذي يقول: وقت العصر إلى أن يصير ظل كل شيءٍ مثليه، فتحسب ظل كل شيءٍ مثله، ثم بعد ذلك تحسب صيرورته إلى الضعف، فإذا بلغ الضعف من بعد ظل الزوال فقد انتهى وقت العصر الاختياري، فلا يحل تأخير الصلاة لقادرٍ على فعلها عن هذا الوقت، وهذا على القول الأول، ثم يبدأ الوقت الاضطراري، والوقت الاضطراري للحائض والنفساء إذا طَهُرت من حيضها ونفاسها، فلو أن امرأةً طهُرت من حيضها أو نفاسها في هذا الوقت الذي هو بعد أن صار ظل كل شيءٍ مثليه فحينئذٍ يُحكم بوجوب صلاة العصر عليها إذا طهرت قبل غروب الشمس بركعة، فإن طهرت قبل غروب الشمس بثلاث ركعات وهي مسافرة، أو بخمس ركعات وهي مقيمة، طُولِبت بصلاة الظهر والعصر لما بينهما من الاشتراك بدلالة الشرع، وسنبين هذا إن شاء الله في موضعه.
    وأما قول من قال: إن وقت العصر إلى أن تصفر الشمس فهو أقوى الأقوال؛
    وذلك لأن حديث مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام:
    (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) ثبت بالسنة المدنية؛ لأنه كان بالمدينة.وحديث إِمَامَة جبريل -وهو حديث ابن عمر - للنبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم، ولذلك لا تعارُض بين الحديثين، فيُعتبر حديث (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) نصاً في أن وقتها ينتهي عند اصفرار الشمس، والشمس إذا قربت من المغيب ذهب ضياؤها واصفرت، ثم بعد ذلك يبدأ عند الاصفرار وقت الاضطرار كما ذكرنا، ولا يجوز التأخير إليه إلا لمعذور.وإذا غابت الشمس انقطع وقت الاختيار ووقت الاضطرار.
    قوله: [إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال].هذا كما قلنا أحد قولي العلماء، والصحيح القول الثاني أن وقتها ينتهي عند اصفرار الشمس.وأما أول وقت العصر فعند الحنفية أوله إذا صار ظل كل شيءٍ مثليه، وقد بيّنا أن الصحيح أنه إذا صار ظل كل شيءٍ مثله، والدليل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ وقت العصر إذا صار ظل كل شيءٍ مثله، فالأحاديث الصحيحة التي من تأمَّلها نظر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقع العصر عند صيرورة ظل كل شيءٍ مثله.فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي المنهال حيث حدث يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم،
    فقال:
    (ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية)، ومعنى ذلك أنه كان يوقعها وقد صار ظل كل شيءٍ مثله، ولا يتأتى أن يُصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صار ظل كل شيءٍ مثليه، ثم يرجع الرجل إلى رحله والشمس حية، فهذا معروف، وغالباً من يعرف وقت المدينة يرى أن هذا بعيد، والغالب أنه صلَّى عند صيرورة ظل كل شيءٍ مثله، وانتهى وقت صلاته على ظاهر السنة ما لم تصفَر الشمس، واصفرارها -كما قلنا-: انطفاء نورها، بمعنى أنك تستطيع أن تنظر فيها، فإذا بها تصبح صفراء فتقوى على النظر إليها، ولكنها إذا كانت قريبة من الزوال يكون من الصعوبة أن تنظر إليها.
    قوله: [والضرورة إلى غروبها].أي: وقت الضرورة، إلى غروبها،
    فإن قال قائل:
    ما الدليل على تقسيم الضرورة والاختيار؟
    قلنا:
    أما دليلنا على الوقت المختار فقوله عليه الصلاة والسلام: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس).وأما الدليل على وقت الاضطرار الذي لا يجوز إلا لمعذور،
    فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
    (من أدرك ركعةً قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فدل هذا على أن من صلَّى في هذا الوقت، فقد أدرك العصر.
    وفي الحديث الآخر: (وقت العصر ما لم يغب الشفق)، فعلمنا أن هناك وقت اختيار وهناك وقت اضطرار، وأن وقت الاختيار ينتهي عند انطفاء الشمس وصيرورتها إلى الصفرة، ووقت الاضطرار من الصفرة إلى غروب الشمس.
    قوله:
    [ويسن تعجيلها] أي الأفضل والأكمل والأعظم أجر التعجيل بالعصر، لظاهر الحديث الذي ذكرناه في الظهر.
    [وقت صلاة المغرب]
    قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة].
    أي: ويلي وقت العصر المغرب، والمغرب هي الصلاة الثالثة، وتكون بعد غروب الشمس؛
    لما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه أنه لما ذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المكتوبة قال:
    (والمغرب إذا وجبت)،
    ومعنى:
    (وجبت): سقط قرص الشمس وغاب،
    فإن العرب تقول:
    وجب الشيء إذا سقط،
    ومنه قوله تعالى:
    {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36]،
    أي:
    سقطت الإبل واستقرت على الأرض.
    فقول جابر: (والمغرب إذا وجبت) أي: كان عليه الصلاة والسلام يصلي المغرب إذا وجبت الشمس، بمعنى غابت وذهب ضياؤها.
    وقوله:
    [إلى مغيب الحمرة] أجمع العلماء على أن وقت المغرب يبتدئ عند غروب الشمس، فهذا أول الوقت،
    إلا خلافاً لبعض أهل الأهواء الذين لا يُعتد بخلافهم الذين يقولون:
    إن المغرب يكون عند اشتباك النجوم، وكان قولاً لبعض السلف المتقدمين، ولكنه قولٌ لا يُعتد به؛ لمخالفته للسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يردq هل المغرب له وقت واحد أو وقتان؟
    قال بعض العلماء:
    المغرب وقتها بقدر ما تفعل، واستدلوا بحديث متكلَّمٍ على سنده.والقول الثاني أن المغرب لها وقتان، بمعنى أنه يبتدئ وقتها بعد غروب الشمس، وينتهي في وقتٍ غيره.
    فالأولون يقولون:
    المغرب لها وقتٌ واحد وهو قدر ما تؤديها بعد غروب الشمس، فلا يجوز التأخير فيها، وهذا أضيق المذاهب كما هو موجود في مذهب المالكية والشافعية.
    والقول الثاني وهو الصحيح أن للمغرب وقتين:
    الوقت الأول لبدايتها، والثاني لنهايتها، فأما بدايتها فبعد الغروب، وأما نهاية وقتها فيكون عند مغيب الشفق، فإذا غاب الشفق انتهى وقت المغرب،
    والشفق شفقان:
    شفقٌ أحمر وشفقٌ أبيض، فأجمع العلماء على أن الشفق إذا غاب انتهى وقت المغرب، ولكنهم اختلفوا في حد هذا الشفق.
    فقال بعض العلماء: العبرة بالشفق الأحمر،
    وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق)، فنص عليه الصلاة والسلام على أن وقت المغرب ينتهي عند مغيب الشفق، وسكت عليه الصلاة والسلام، فلم يقل شفقاً أحمر ولا شفقاً أبيض، فإذا غابت الشمس يأتي الشفق الأحمر وينتشر من جهة المغرب، فينتحي ناحية الشمس اليمنى وناحيتها اليسرى ويمتد في الأفق، وهذا يختلف باختلاف أزمنة الصيف والشتاء.وهذه الحمرة تستمر قرابة ساعة زمانية، وقل أن تزيد على ساعة.وبعد هذه الحمرة يأتي بياض في الأفق ليس بليلٍ ولا بنهار، وهذا البياض قدره ثلاث درجات فلكية، وكل درجة لها أربع دقائق،
    أي:
    اثنتا عشر دقيقة إلى ربع ساعة، فهذه الاثنتا عشرة دقيقة هي محل الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فإذا قدَّرت بعد غروب الشمس ساعةً كاملة فيغيب فيها الشفق غالباً.
    وبعد هذه الساعة الكاملة يبدأ الخلاف بين العلماء: هل انتهى وقت المغرب أو لم ينته؟ فمذهب بعض العلماء أنه ينتهي وقت المغرب بمجرد مغيب الشفق الأحمر، وهو أصح أقوال العلماء، والدليل على ذلك أن الشفق إذا أطلق فالمراد به الشفق الأحمر.وأيضاً فإنه إذا أُطلق فالعبرة في الاسم بمبتدئه؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الوصف، ولذلك يعتبر مبتدؤه احتياطاً لأمر الصلاة، وتبقى قد ربع ساعة كما قلنا لا يجوز تأخير المغرب إليها.وبناءً على ذلك إذا غاب الشفق الأحمر يبدأ البياض الذي تدخل به ظلمة الليل، أو ما يسمى في لغة العرب (العتمة)، وسميت بذلك لأن العرب يُعتِمون بالإبل، والسبب في ذلك أنهم كانوا يأتون بالإبل من الرعي، فمن كرمهم وجودهم لا يبادرون الإبل بالحلب خوف الضيف أن يأتي، ويتأخرون إلى قدر العتمة، فترجع إلى ديارهم ومنازلهم وإلى مراحها عند الغروب، فإذا غربت الشمس تركوها، أو تأتي بعد الغروب قليلاً فيتركونها، وإن كان ألذ وأطيب ما يكون عندهم أن يحتلبوها ساعة رجوعها، ولكنهم يؤخرونها خوف الضيف، فيتأخرون إلى (العتمة)، فلذلك يقولون لها العتمة،
    وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى:
    (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل)، فمعنى (اعتموا بالإبل) أي: أدخلوها إلى العتمة، بمعنى أخَّروا حلبها إلى عتمة الليل، وهي الظلمة التي تكون بعد الشفق الأبيض.
    قوله:
    [ويسن تعجيلها].
    أي:
    ويسن تعجيل المغرب، ويكون التعجيل نسبياً، فيترك قدر ما يُصلَّى ركعتين خلافاً للحنفية والمالكية رحمة الله عليهم، فتؤخر قدر صلاة ركعتين ثم يقيم، وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم،
    فقد ثبت في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب لمن شاء).
    وفي حديث أنس في الصحيح قال: (فلقد رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري -أي: يجعلونها سترة- حتى إن الرجل لو دخل ظن أن الصلاة قد أقيمت).فدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك قدراً بين الأذان والإقامة،
    خلافاً لمن قال من العلماء: إنه يؤذن ويقيم مباشرة، فهذا خلاف السنة، وليس المراد بالتعجيل هذا.فالأفضل في المساجد أن يُترك قدر ما تصلى به السنة، وهي ليست براتبة ولكنها مستحبة لمكان الندب إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
    قال رحمه الله تعالى: [إلا ليلة جمعٍ لمن قصدها محرماً].
    ليلة جمع المراد بها: مزدلفة، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها، والمراد بهذا ليلة النحر للحاج، فإن الحاج إذا دَفَع من عرفات لا يصلي المغرب في عرفات، وإن كان دَفْعُه بعد غروب الشمس، فاحتاط المصنف، والدليل على ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.ولو صلَّى الحاج بعد غروب الشمس بعرفة صحت صلاته ولكنها خلاف السنة، والأفضل أن يؤخر صلاة المغرب ليلة النحر إلى وصوله إلى مزدلفة، ولا يصلي حتى في الطريق،
    بل قال بعض العلماء:
    حتى ولو خرج وقت المغرب، فقد اشترك المغرب والعشاء اشتراك جمع، فيؤخرها ولو وصل قرب الفجر؛ لأنه يرى أن وقت الاضطرار يستمر إلى الفجر.واحتج الإمام أبو حنيفة على هذا القول -مع أنه يُضيق في التمسك بظاهر السنة
    - فإن أسامة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة! قال عليه الصلاة والسلام: (الصلاة أمامك) قال الإمام أبو حنيفة: قوله: (الصلاة أمامك) تحديدٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: ألاَّ تصلي إلا أمامك، يعني جَمْعَاً،
    ولذلك قال:
    لا تُصلَّى إلا في جمع، ولو وصلها بعد نصف الليل، وهذا من شدة تمسكه رحمة الله عليه بالسنة،
    وفي هذا رد على من يقول:
    إن الإمام أبا حنيفة يرد السنة ولا يقبلها، ولا يجوز اتهام هذا الإمام الجليل والعلم الفاضل من أئمة السلف رحمة الله عليه، بل هو غيورٌ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وإنما كان يخالف الأحاديث بسبب عدم علمه بها، ولكثرة الوضع بالبلد الذي كان بها
    -أي: العراق-، فقد كان الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم منتشراً في زمانه، فكان يحتاط في الأحاديث، ولذلك قلَّت عنده السنن.فالمقصود أن الحديث يدل على أن السنة للحاج أن يؤخِّر المغرب إلى بلوغه مزدلفة، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.لكن هنا مسألة وهي أن المعروف في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أنك لو ركبت الدابة أو البعير كما فعل عليه الصلاة والسلام، ودَفَعْت من عرفات إلى مزدلفة، فإنك ستقطع قرابة الساعة أو تزيد قليلاً، ومعنى ذلك دخول وقت العشاء،
    فقالوا:
    إن جمعه وقع جمع تأخير.فلو أن إنساناً بادر كما هو موجود الآن في السيارات، ودفع أول ما دفع الناس، فوصل في وقت المغرب، فهل يصليها في أول الوقت أو يتأخر؟ والذي يظهر أنه يصليها وقت بلوغه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق ذلك بالمكان لا بالزمان.
    [وقت صلاة العشاء]
    قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت العشاء].أي يلي وقت المغرب وقت العشاء، ووقت العشاء بعد مغيب الشفق، واختلف العلماء في آخره.
    قال رحمه الله تعالى: [إلى الفجر الثاني].
    وقت العشاء وقتان:
    الوقت الأول ينتهي عند منتصف الليل؛
    لقوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء:78]، وهو منتصفه، والمراد الإشارة إلى اختياره.وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام تأخير الصلاة إلى نصف الليل، كما في رواية.
    وقال بعض العلماء: ينتهي وقت العشاء عند الثلث.والأقوى في دلالة الكتاب والسنة ما ورد من كونه منتهياً عند منتصف الليل، أعني الاختياري، ثم يبقى الاضطراري، فإنه ينتهي بطلوع الفجر الصادق.
    قوله: [وهو البياض المعترض].
    الفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو الذي يكون كذنب السرحان، بياضٌ طويلٌ في أعلى الأفق، ولا يعترض،
    أي:
    لا ينتشر.
    قال عليه الصلاة والسلام: (الفجر أن يقول هكذا)،
    وقال: (ولا يهيدنكم الساطع المصَعَّد)، (ولكن الفجر أن يقول هكذا)،
    بمعنى:
    لا يروِّعكم، ولا يمنعكم من الأكل والشرب وجود ضياء الساطع المصَعَّد -الفجر الكاذب-، والفجر الكاذب يكون في السدس الأخير من الليل، وسرعان ما يتلاشى هذا الضياء، بمعنى أنه لا يثبت الضياء فيه.وأما الفجر الصادق فإنه ينتشر فيه الضياء، ولا يزال الإنسان يدخل في الوضوح والإصباح حتى تطلع الشمس، والمراد بهذا أن وقت الفجر المعتبر يكون بطلوع الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق انتهى وقت العشاء الاضطراري.
    قال رحمه الله تعالى: [وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سَهُل].هذا لما ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه،
    أنه قال:
    (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعِشاء فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان.
    فخرج ورأسه يقطر يقول:
    لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)، فدل على فضل تأخير العشاء.والسنة التفصيل، فإذا كان المسجد مسجد جماعة فإنه يُسنُّ للإمام أن ينظر إلى حال المأمومين، فإن كان المأمومون مجتمعين وكثيرين، فحينئذٍ يقيم الصلاة ويُبكر، وإن كانوا متأخرين يؤخر في العشاء إصابةً للسنة.
    والدليل على هذا التفصيل ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر أنه قال: (والعشاء أحياناً وأحياناً، فإذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر)، فدل على أن أمر مساجد الجماعة يُنظَر فيه إلى حال الناس.وأما بالنسبة للمنفرد والمرأة والرجل المعذور فإن الأفضل له أن يؤخِّر العِشاء؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فدل هذا على فضل تأخير العشاء.
    وقال العلماء: السبب في ذلك أنه لا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، ولأن الناس بعد العشاء يضطجعون، خاصة في القديم، والغالب فيهم أنهم بعد العشاء يرتاحون، فكون الإنسان لا يبادر إلى راحته ولا إلى نومه مع أنه قد تعب النهار، وينتظر تأخيرها أبلغ في طاعته لله، حتى يأتي عليه الوقت المتأخر للعشاء، وقل أن تجد أحداً يصلي معه، فيصيب فضلاً لا يصيبه غيره،
    ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
    (أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها)، (لم يصلها أحد ممن كان قبلكم)، فدل هذا على فضل التأخير من هذا الوجه؛ لأن الناس تغفل وتنام لمكان المشقة وعناء النهار، فلذلك فُضِّل تأخيرها من هذا الوجه، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النوم قبلها، لمكان تعب الناس، ولما فيه من غالب عنائهم بتحصيل مصالحهم في النهار.وأما كيف يعرف المكلف نصف الليل فإنه يحسب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، ثم يقسم ذلك على اثنين، ثم يضيف النصف الذي خرج من هذه القسمة إلى وقت الغروب، فلو كان غروب الشمس الساعة السادسة، وأذان الفجر الصادق الساعة الخامسة، فمعنى ذلك أن الليل يستمر من الساعة السادسة إلى الخامسة بمقدار إحدى عشرة ساعة، ونصفها خمس ساعات ونصف، فيضيفها إلى الساعة السادسة التي هي وقت الغروب، فتصبح الساعة الحادية عشرة والنصف هي منتصف الليل.وبناءً على ذلك لا بد أن يعلم ساعة الغروب وساعة طلوع الفجر الصادق، ثم يفعل ما ذكرنا.
    وقال بعض العلماء: إنه يَقْسِم ما بين طلوع الشمس وغروبها.وهذا مرجوح.
    [وقت صلاة الفجر]
    قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس].
    أي:
    يلي وقت العشاء الفجرُ، وسُمي فجراً لانفجارِ الضوء فيه وانتشاره، وهذه الصلاة هي الصلاة الخامسة، وقد أثنى الله عز وجل عليها، ووصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أثقل صلاة على المنافقين؛ لأن الإنسان يكون في نومه، ولا يقوم إلا بوازعٍ من الإيمان وخوفٍ من الله عز وجل،
    ولذلك أثنى الله على هذه الصلاة وخصها بالذكر وقال:
    {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78].
    قال بعض العلماء: {قُرْآنَ الْفَجْرِ} أي: صلاة الفجر، وهذا قول جمعٍ من المفسرين،
    وقوله تعالى:
    {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قالوا: يستمر نزول الله جل وعلا في الثلث الأخير من الليل إلى أن تنتهي صلاة الفجر،
    ولذلك قالوا:
    مشهوداً بالخير بهذا الفضل العظيم،
    فلا تزال ساعة الإجابة مرجوة لقوله عز وجل:
    (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟)، فدل على فضل هذه الصلاة من هذا الوجه،
    وقيل:
    (كَانَ مَشْهُودًا)؛ لأنه تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار؛
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار)، فملائكة الليل من صلاة العصر إلى صلاة الفجر، وملائكة النهار من صلاة الفجر إلى صلاة العصر.وإذا نظرت فقلَّ أن تجد وقت العصر يفارق وقت الفجر، فتجدهما متقاربين كأنهما النصف، فتجد بين العصر وبين الفجر توافقاً غالباً، ويكون الفرق بينهما أحياناً إلى نصف ساعة، وأحياناً إلى ساعة أو ساعتين، لكن الغالب أن يكون هناك توافق بين العصر وبين الفجر؛ لأنه في بعض الأحيان يُؤخَّر العصر عن وقته.فالمقصود أن هذه الصلاة مفضَّلة من هذا الوجه،
    وقال بعض السلف: إنها هي الصلاة الوسطى، والصحيح أن الوسطى العصر كما ذكرنا، ولكن لهذه الصلاة فضل،
    فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه:
    (من صلى العشاء في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعةٍ فكأنما قام الليل كله)، وأن (من صلى هذه الصلاة حيث ينادى لها مع الجماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي).ثم قال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح-: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)،
    أي: لا تتعرض لمسلم، فإذا تعرضت لإنسانٍ من أهل الفجر بأذية، فإنه في ذمة الله جل وعلا، ومن آذاه وتعرض لذمَّة الله أوشك أن يكبه الله على وجهه في النار -نسأل الله السلامة والعافية-، ولذلك خُصَّت هذه الصلاة بهذه الفضائل.وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن الفجر يجب أداؤها بعد تبيُّن الفجر الصادق، وأنها إذا وقعت قبل الفجر الصادق، فليست بصحيحةٍ ولا معتبرة، وعلى المكلف قضاؤها.وأما بالنسبة لانتهاء وقت الفجر فإنه ينتهي بطلوع الشمس،
    وقال حبر الأمة وترجمان القرآن:
    إنه ينتهي وقتها بصلاة الظهر، وهو قولٌ شاذٌ قال به بعض الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة، ويُحكى عن ابن القاسم من أصحاب الإمام مالك رحمة الله على الجميع، والصحيح أنه إذا طلعت الشمس فقد انتهى وقت الفجر،
    وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    (من أدرك ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)، ومفهومه أن من لم يدرك الركعة قبل طلوع الشمس، فصلاته صلاة قضاءٍ وليست بصلاة أداء.ولذلك ذهب جماهير السلف والخلف إلى أنه لا يجوز الفجر بعد طلوع الشمس، وإذا طلعت الشمس فقد انتهى وقتها على ما ذكرناه.
    قال رحمه الله تعالى: [وتعجيلها أفضل] أي: السنة تعجيل الفجر.
    وللعلماء في هذه المسألة قولان: قال بعض السلف رحمهم الله: السنة أن تبتدئ الفجر في أول وقتها، وهو الذي اصطلح العلماء على تسميته بوقت الغَلَس، وذلك لما ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنه كان يصليها بغَلَس.
    فقد قال جابر رضي الله عنه كما في الصحيح: (والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس).والغَلَس يكون في أول الفجر الصادق؛ لأنه مع تبيُّن الضوء في أعلى السماء، فإنه لا تزال ظلمة الليل بين الناس، أعني على البسيطة والأرض، فلا تزال هذه الظلمة تنكشف بحسب قوة الضياء، فالسنة في فعل هذه الصلاة أن تقع عند الغلس أو في الغلس.وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله -مخالفاً للجمهور- إلى أن السنة والأفضل في الفجر أن يُسْفر بها،
    وذلك لما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
    (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، والصحيح مذهب الجمهور أنّ الأفضل في صلاة الفجر أن تؤديها في أول وقتها، وذلك لما ثبت من حديث جابر في الصحيحين،
    ولما ثبت أيضاً في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
    (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس).
    ولا يعارض هذا قول أبي برزة:
    (وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه)، فهذا بالنسبة للقرب، فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يُوقِعها في الغلس، ولكن إذا سلّم من الصلاة عرف الإنسان جليسه، وذلك لمكان القرب وتأثير الضياء، أعني دخول الضياء على البسيطة فأقوى الأقوال أن الأفضل إيقاعها في أول الوقت،
    وأما دليل الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه:
    (أسفروا بالفجر).فللعلماء في هذا الحديث أوجه،
    فمنهم من قال:
    إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، التبيُّن والتثبت حتى يكون الإنسان موقعاً الصلاة في وقتها؛ لأن الفجر مشكلته أنه يعترض خاصةً في الأزمنة الماضية لم تكن فيها الساعات موجودة، وكان الناس يجدون مشقةً وعناء، خاصةً في الليالي البيض، فإن الليالي البيض يكون -كما هو معلوم- القمر فيها شديد الضياء، ولذلك يلتبس ضياء السماء مع ضياء الفجر، وتجد الناس ربما صلوا الفجر ثلاث مرات، أو أربع، يظنون أن الصبح قد طلع، والواقع أنه لم يطلع،
    قالوا:
    فقصَد النبي صلى الله عليه وسلم التبين والتحري.وقال بعض العلماء -والنفس تطمئن إليه-: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالإسفار بالفجر أن تبتدئ بها بغلس وتطيل القراءة فيها، حتى إذا سلَّمت أصبت الإسفار،
    وهذا في الحقيقة هو الأقوى لأمرين:

    الأمر الأول: أن فيه معنىً يؤكد زيادة الأجر، ووجه ذلك أنك إذا أطلت القراءة، فإنه يوجد موجب للحكم بزيادة الأجر.
    الأمر الثاني: تأكد هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقرأُ فيها من الستين إلى المائة آية -صلوات الله وسلامه عليه-، مع ما فيه من الترتيل والتحبير في قراءته صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان يُوقِع الصلاة في غَلَس، ويخرج منها حين يتبين الرجل جليسه، فلا شك أن هذا نوعٌ من الإسفار، فقُصِد من الإسفار أن الإنسان يطيل القراءة، بشرط ألا يشق على من وراءه، فهذا هو أعدل الأقوال، فالحديث لا يعارض الأصل، ونضيف إلى ذلك أن المعهود في الشريعة أن مواقيت الصلاة الأفضل فيها الإيقاع في أول الوقت،
    كما جاء في حديث ابن مسعود:
    أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله،
    قال:
    (الصلاة على وقتها)،
    وفي رواية ابن حبان وغيره:
    (على أول وقتها)،
    ولذلك يقوى القول بأن المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:
    (أسفروا بالفجر) التعجيل، وليس المراد به تأخر وقت الصبح إلى الإسفار.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (56)

    صـــــ(1) إلى صــ(6)

    شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [2]
    من شروط الصلاة: دخول الوقت،
    ومن المسائل المتعلقة بهذا الشرط: كيفية إدراك الصلاة في وقتها، وحكم أداء الصلاة قبل دخول الوقت، وما هو المعتبر في دخول الوقت، وحكم إذا أدرك المكلف وقت الصلاة ثم زال تكليفه ثم كلف وغيرها من المسائل.
    [كيفية إدراك الصلاة في وقتها]
    قال المصنف رحمه الله: [وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها] كأن المصنف يقول: إن المكلف إذا علم أوقات الصلاة، فعلمتَ وقت الفجر، ووقت الظهر، ووقت العصر والمغرب والعشاء، فحينئذٍ ينبغي أن تعلم أنك إن أوقعت الصلاة في هذه المواقيت التي وقَّتها الشرع وحددها لهذه الصلوات فإن صلاتك معتبرةٌ مجزئه.واصطلح العلماء رحمهم الله على أنك إذا أوقعت الصلاة في وقتها أنها صلاةٌ مؤدّاة، بمعنى أنها قد أُدِّيت في الوقت المعتبر، ثم إذا علمت أن الصلاة ينتهي وقتها بذهاب ذلك الزمن المحدد الذي سبقت الإشارة إليه فاعلم أنك إن خرجت عن هذا الوقت أنك قاضٍ ولست بمؤدٍ، ولو كنت معذوراً.فلو أن إنساناً نام عن صلاة الصبح حتى طلُعت الشمس فإنه بالإجماع إذا أراد أن يصلي عليه أن ينوي القضاء ولا ينوي الأداء؛ لأن الوقت الذي يُوقِع الصلاة فيه -بعد طلوع الشمس مثلاً- إنما هو وقت قضاءٍ وليس بوقت أداء.فثبت عندنا أن للصلاة وقتاً، وأنك إن أوقعت الصلاة خارج الوقت تكون قاضياً، وإن أوقعتها داخل الوقت تكون مؤدياً.لكن لو أن إنساناً أوقع جزءاً من الصلاة في الوقت المعتبر، وجزءاً منها في الوقت الخارج عن ذلك الوقت المحدد، فهل يوصف الكل بالقضاء؟ أو يوصف الكل بالأداء؟ أو يوصف بحسب الأَجزاء؟ فهذا يتردد من جهة النظر.و a قال رحمه الله: (وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها)،
    فقوله: (وتدرك الصلاة) أي: أداؤك لها (بتكبيرة الإحرام في وقتها) هذا أحد أقوال العلماء، وهو أن من كبر تكبيرة الإحرام قبل أن ينتهي وقت الصلاة فإنه مؤدٍ لها لا قاضٍ.
    مثال ذلك:
    لو أن إنساناً كبر تكبيرة الإحرام قبل أن تغرب الشمس، فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة العصر لا قاضياً لها، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام قبل أن يغيب الشفق الأحمر فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة المغرب لا قاضياً لها، وقس على هذا.فالعبرة في إدراك الصلوات الخمس على هذا القول إدراك تكبيرة الإحرام قبل انتهاء الأمد والزمان.وذهب طائفةٌ من العلماء وهو مذهب الجمهور إلى أن إدراك الصلاة إنما يكون بالركعة الواحدة فأكثر، فإن ركعت قبل أن يخرج وقت الفريضة فأنت مؤدٍ ولست بقاضٍ.
    مثال ذلك: لو أن إنساناً كبَّر لصلاة العصر، ثم قرأ، ثم ركع ووقع تكبيره للركوع قبل أن تغرب الشمس، فلما ركع ورفع من ركوعه غابت الشمس، أو لما ركع وقبل أن يرفع من الركوع غابت الشمس، فكل ذلك يُوصَف فيه بكونه مؤدياً للصلاة مدركاً لها، وهذا أصح القولين، فالعبرة في إدراك الفرائض إنما هو بالركعة الكاملة، فمن أدرك وقتاً يستطيع في مثله أن يؤدي ركعةً من الصلاة يُعتبر مؤدياً لها، لا قاضياً لها.
    ودليله ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر).
    ووجه الدلالة:
    أن النبي صلى الله عليه وسلم علّق إدراك الصلاتين -أعني الفجر والعصر- على كونه أوقع الركعة قبل أن ينتهي أمد الصلاة المعتبر.فإذاً أصح الأقوال أن العبرة بإدراك الركوع؛ لأن الركعة تدرك بالركوع، وهذا القول لا شك أنه أعدل لدلالة السنة عليه.
    ويتفرَّع على هذا فوائد:
    فلو قلت: إن العبرة بتكبيرة الإحرام، فلو أن المرأة أدركت لحظة في مثلها يمكن أن تكبر تكبيرة الإحرام، فطهُرت من حيضها، أو طهُرت من نفاسها وجب عليها قضاء العصر.
    وعلى القول الثاني: إن كانت قد أدركت هذا القدر الذي لا يمكن إدراك الركعة فيه فإنه لا يجب عليها قضاء صلاة العصر.فبناءً على هذا تنظر إلى قدر الزمان، فتكبيرة الإحرام لا تأخذ وقتاً كبيراً، فمن أدرك هذه اللحظات -عند أصحاب القول الأول- يجب عليه قضاء الصلاة، فلو أن مجنوناً أفاق من جنونه قبل أن تطلُع الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام،
    نقول:
    يلزمك أن تقضي صلاة الفجر،
    ولو أن حائضاً أو نفساء طهُرت نقول:
    يلزمكِ قضاء هذه الصلاة؛ لأنها قد طهرت في أمدٍ يمكنها أن تكبر فيه تكبيرة الإحرام، والصلاة مدركة بهذا الأمر.
    أما لو قلتَ: العبرة بالركعة فقَدِّر للركعة زماناً، فلو قلنا إن الركعة أقل ما يجزئ فيها أن يقرأ الفاتحة، ثم يركع، فيمكنه ذلك في حدود الدقيقتين أو ثلاث دقائق،
    فحينئذٍ تقول: هذا الأمد -أعني الثلاث الدقائق- إذا أدركه الإنسان قبل غروب الشمس، أو قبل طلوع الشمس فإني أحكُم بكونه مدركاً للفريضة على التفصيل الذي ذكرناه، ولكن لو أدرك دقيقةً فإنه على هذا القول لا يجب عليه القضاء، ولو أوقع الصلاة فيها فإنه قاضٍ وليس بمؤدٍ.
    [حكم أداء الصلاة قبل دخول الوقت]
    قال رحمه الله: [ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها] بعد أن بين لك رحمه الله أن للصلاة بدايةً، وللصلاة نهاية شرع في بيان الأحكام المترتبة على البداية والنهاية، فبيَّن لك أحكام النهاية، وشرع الآن في بيان أحكام البداية.فإذا علمت هذه المواقيت فإن أحكام بدايتها أنه لا يجوز للمكلف أن يُوقِع أي صلاةٍ قبل وقتها، إلا ما استثناه الشرع، كجمع التقديم في صلاة العصر مع الظهر، وجمع التقديم في صلاة العشاء مع المغرب، فإنك إذا نظرت إلى إيقاع صلاة العصر فقد وقعت في جمع التقديم قبل وقتها، وكذلك أيضاً إذا نظرت في صورة الجمع إلى صلاة العشاء مع المغرب فإنها قد وقعت صلاة العشاء قبل وقتها، لكن باستثناءٍ من الشرع، وبأصلٍ ودليلٍ دل على ذلك، وأنه لا حرج على المكلف في فعله.أما لو أن إنساناً ليس عنده عذر الجمع، فجاء فجمع أو أوقع الصلاة قبل وقتها لم تصح صلاته،
    مثال ذلك:
    لو أن إنساناً توضأ لصلاة الظهر، ثم صلى الظهر قبل أن تزول الشمس، فإنه بالإجماع تبطل صلاته ولا تصح منه ويُلزَم بالقضاء؛ لأن الله عز وجل أمره بالصلاة بعد زوال الشمس، فحدد الأمر بها، ووقَّت الزمان للإلزام بها بزوال الشمس، فالصلاة إذا أوقعها قبل زوال الشمس فهي صلاةٌ غير الصلاة التي أمره الله بها.فإذا زالت الشمس، فبعد انتهائه من الصلاة توجه عليه خطابٌ جديد يطالبه بفعل الصلاة؛ لأنه أثناء فعله لم يكن هناك خطابٌ شرعي بالفعل.
    ولذلك يقول العلماء:
    من أوقع الصلاة قبل وقتها غير معذور فإنه تلزمه إعادة تلك الصلاة، وصلاته السابقة صلاة نفل، سواءٌ أكان ذلك على سبيل الخطأ منه، أم كان على سبيل التعمد والعلم.
    فقوله: (ولا يصلي قبل غلبة ظنه)،
    فيه:
    أولاً: لا تجوز الصلاة قبل وقتها، وبيّنا هذا ودليله.
    ثانياً: يستفاد من هذه العبارة أنه إذا غلب على ظنك أن وقت الصلاة قد دخل جاز لك أن تصلي، فمن باب أولى إذا تيقَّنْتَ،
    وقد تقدَّم معنا أن مراتب العلم تنقسم إلى أربع مراتب:
    الوهم، والشك، والظن أو ما يُعبِّر عنه العلماء بغالب الظن، واليقين.
    فالمرتبة الأولى:
    الوهم، وهو أقل العلم وأضعفه، وتقديره من (1%) إلى (49%)، فما كان على هذه الأعداد يعتبر وهماً.
    والمرتبة الثانية:
    الشك، وتكون (50%)، فبعد الوهم الشك، فالوهم لا يُكلَّف به،
    أي:
    ما يرد بالظنون الفاسدة،
    وقد قرَّر ذلك الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه النفيس:
    قواعد الأحكام،
    فقال: إن الشريعة لا تعتبر الظنون الفاسدة.
    والمراد بالظنون الفاسدة:
    الضعيفة المرجوحة؛ لأن وجودها وعدمها على حدٍ سواء، ثم بعد ذلك الشك، وهو أن يستوي عندك الأمران، فأنت لا تدري أهو موجود أو غير موجود؟
    تقول:
    يحتمل أن يكون موجوداً، ويحتمل أن يكون غير موجود، وكلا الاحتمالين على مرتبة واحدة، فهذا تسميه شكاً.
    والمرتبة الثالثة: غالب الظن، أو الظن الراجح، وهذا يكون من (51%) إلى (99%)، بمعنى أن عندك احتمالين أحدهما أقوى من الآخر،
    فحينئذٍ تقول:
    أغلب ظني.فإذا كان غالب ظنك أن الوقت قد دخل فإنه يجوز لك أن تصلي الصلاة وتفعلها.
    والمرتبة الرابعة:
    اليقين، وتكون (100%)، كأن تتيقن أن الشمس زالت، وتعرف زوالها بالأمارة، أو ترى الشمس قد غابت، وتعرف مغيبها بالأمارة، فإذا رأيت الشمس غابت أمام عينيك، فأنت قد جزمت، وهنا تفعل الصلاة لوجود هذا اليقين.لكن لو أن إنساناً قدَّر مغيبها، ومن عادته أن ما بين العصر والمغرب يفعل فيه أشياء، وبمجرد أن ينتهي من هذه الأشياء ينتهي الوقت، وكانت والسماء مغيمة لا يستطيع أن يرى مغيب الشمس فيها، أو يكون في مكان لا يرى فيه الشمس، لكن يعلم أن مثل هذا القدر من الزمان الذي من عادته أن يجلسه أن الشمس تغيب في مثله، فهذا ظن غالب، لا قطع.وكذلك لو جلس من طلوع الشمس إلى زوالها، كرجل كفيف البصر من عادته أن يجلس ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، يصلي ما شاء الله له، ويقرأ من القرآن ما كتب الله له، ومن كثرة الإلف والعادة يعلم أنه إذا بلغ إلى القدر المعين أن الشمس تزول، وأن وقت الظهر يدخل، فهذا غالب ظنٍ معتبر.فهذه دلائل بالنسبة لشخص الإنسان، أو دلائل بالأمارات والعلامات يغلب بها ظن الإنسان أن وقت الصلاة قد دخل، فإذا حصَّل الإنسان غلبة الظن، أو حصَّل اليقين فحينئذٍ يتعبدُ الله ويصلي.أما لو كان الظن وهماً، أو كان شكاً، فإن الأصل عدم الصلاة.والدليل على أنه في غالب ظنه يصلي أن الشرع علَّق الأحكام على غلبة الظن، وقد قرر ذلك العلماء رحمة الله عليهم،
    ولذلك قالوا في القاعدة:
    (الغالب كالمحقق).
    أي: الشيء إذا غلب على ظنك، ووجِدت دلائله وأماراته التي لا تصل إلى القطع، لكنها ترفع الظنون، فإنه كأنك قد قطعت به،
    وقالوا في القاعدة:
    (النادر لا حكم له).فالحكم للغالب، فالشيء الغالب الذي يكون في الظنون أو غيرها مع الذي به يناط الحكم.وبناءً على هذا إذا غلب على ظنك أن الوقت قد دخل أو تحقق فصلِّ،
    لكن لو أن إنساناً قال:
    أنا أشك أن الشمس قد غابت، فاحتمال مغيبها واحتمال بقائها عندي بمرتبةٍ واحدة،
    أو قال:
    أتوهَّم أن الشمس قد غابت.فإنه لا يُصلي المغرب؛ لأن اليقين أن العصر باقٍ، واليقين أن النهار باقٍ، والقاعدة في الشريعة أن اليقين لا يزول بالشك، ولذلك تبقى على اليقين،
    والقاعدة المفرعة على القاعدة التي ذكرناها تقول:
    (الأصل بقاء ما كان على ما كان).فما دمت في النهار فالأصل أنك في النهار حتى تتحقق من مغيب الشمس، وما دمت أنك في المغرب ولم تتحقق من مغيب الشفق فالأصل أنك في المغرب حتى تتحقق من مغيب الشفق، فهذا بالنسبة إذا شككت واستوى عندك الاحتمالان.
    ولذلك قال العلماء: من شك هل طلع الفجر أو لم يطلع جاز له أن يأكل ويشرب إذا كان في الصيام.فلو أن إنساناً استيقظ من نومه، ولم يستطع أن يتبين هل طلع الفجر أو لم يطلع، فالأصل واليقين أنه في الليل،
    ونقول:
    كُل وأنت معذورٌ في أكلك، لكن لو كان مستطيعاً أن يتحرى وجب عليه التحري،
    للقاعدة: (القدرة على اليقين تمنع من الشك).ولا يجوز للإنسان أن يجتهد ما دام أنه بإمكانه أن يصل إلى اليقين.فهذا بالنسبة لحكم الوقت ابتداءً.
    فالإنسان له أربعة أحوال: إما أن يتوهم دخول الوقت، أو يشك، أو يغلب على ظنه، أو يستيقن.فإن توهم دخول الوقت أو شك لم يصلِّ، وإن غلب على ظنه أو قطع فإنه يصلي، وصلاته مجزِئة معتبرة.
    [المعتبر في دخول الوقت]
    قال رحمه الله تعالى: [بدخول وقتها إما باجتهادٍ، أو خبر ثقةٍ متيقن] اعتبار الإنسان بدخول الوقت وقد يكون باجتهاد؛ لأن غالب الظن ينبني على الاجتهاد، وغالب الظن يكون مبنياً على الإخبار؛ لأنه ربما كذب المخبر، لكنه رحمه الله عبر بغالب الظن، وإلا فيمكن في بعض الأحوال أن تستيقن، كما لو رأيت الشمس غابت، فحينئذٍ أنت على يقين، فاختار المصنف رحمه الله حالة غلبة الظن لكي نعلم أن اليقين من باب أولى وأحرى؛
    لأنه إذا حكم لك أنه في غلبة الظن تصلي فتعلم بداهةً أنه لا حاجة أن يقول لك:
    أو استيقنت؛ لأنه إذا غلب على ظنه فمن باب أولى إذا استيقن.فغالب الظن إما أن يكون باجتهاد أو بخبر ثقةٍ متيقِّنٍ، أو بالعلامات أو الأمارات أو الدلائل التي يتحرى الإنسان بها زوال الشمس، ويتحرى بها صيرورة ظل كل شيءٍ مثله أو مثليه، ومغيب الشمس، وكذلك أيضاً مغيب الشفق وانتصاف الليل وطلوع الفجر.فإنسانٌ يعلم دلائل الفجر الصادق من الفجر الكاذب ويستطيع أن يتحرى ويجتهد، فيعرف أن هذا الوقت هو وقت الفجر الصادق،
    نقول له: اجتهد، فإن غلب على ظنك أن الفجر قد طلع فصلِّ وصلاتك معتبرة.
    وحينئذٍ لا يخلو من أحوال:
    فإما أن يجتهد ويتبيَّن له صدق اجتهاده، فصلاته معتبرةٌ إجماعاً.وإما أن يجتهد ويتبيَّن له خطؤ اجتهاده، كأن يظن أن الفجر قد طلع، ثم تبيَّن أن الفجر لم يطلع،
    فحينئذٍ لا عبرة بالظن فالقاعدة:
    (لا عبرة بالظن البين خطؤه)،
    أي:
    لا عبرة بالظن الذي بان واتضح خطؤه، وبناءً على ذلك يطالب بإعادة الصلاة؛ لأن ظنه في غير موضعه، وقد توصَّل باليقين إلى خطئه فيلزمه أن يعيد.وإما ألا يتبين له هل صدق اجتهاده فأصاب الوقت، أو أن اجتهاده على خطأ،
    فحينئذٍ نقول:
    تعبَّدك الله بغلبة الظن، ولا عبرة بما وراء ذلك.والدليل على أن غالب الظن في مثل هذا يجزئ ويكفي تعبُّد الشريعة بغلبة الظن، بل إنها تحكم بسفك الدماء في حكم القاضي بالقتل بناءً على شهادة شاهدين، فإن شهد شاهدان أن فلاناً قتل فلاناً، فبالإجماع أنه يُقتص من القاتل؛ لأنه قتله عمداً وعدواناً، مع أنه يحتمل أن الشاهدين زورا أو أخطأا، ومع هذا فالغالب أنهما لم يخطئا، والغالب أنهما صادقان؛ لأننا لا نقبل شهادة إلا من الثقة العدل، فلما كان الشاهدان على ثقةٍ وعدالة حكمت الشريعة بغلبة الظن.ويُحكم به في الفروج،
    فتقول: فلانة امرأة فلان، ويحكم القاضي بذلك بناءً على شاهدين عدلين.وهكذا بالنسبة للأحكام الشرعية، حينما تأتي للمجتهد وتسأله عن مسألة اجتهادية فيُفتيك، فإنه يفتيك على غالب ظنه، وليس على يقينٍ وقطع إلا فيما دلَّت عليه النصوص القطعية،
    ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
    (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر).فاجتهاد القاضي على غلبة ظن، كما قال العلماء، وبناءً على هذا فهمنا أن الشريعة تنيط الأحكام على غلبة الظن، فإذا اجتهد الإنسان وغلب على ظنه أن الوقت قد دخل، ثم لم يتبين له خطأُ الاجتهاد، فاجتهاده معتبر، وعبادته مجزِئةٌ صحيحة.
    وقوله: [أو خبر ثقةٍ متيقِّن] أي: من غلبة الظن أن يخبرك ثقة، فخرج خبر الفاسق، فإن الفاسق أمرنا الله بالتبيُّن من خبره،
    كما قال سبحانه وتعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]،
    وفي قراءة:
    (فتثبتوا)، ولذلك أمر الله عز وجل في مثل هذا الخبر ألا نحكم به، ولكن نتبيَّن، فدلّ على أن خبره لا يُعتد به، إذ لو كان خبر الفاسق مُعتداً به لوجب الحكم به مباشرة، لكن كون الله عز وجل يأمرنا بالتثبت والأخذ من غيره والتبيُّن من صحته دَلّ على أن مثله لا يُعوَّل عليه،
    ولذلك قال تعالى:
    {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2]،
    وقال سبحانه وتعالى:
    {وَاسْتشهدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282] ثم قال بعد ذلك: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282].فلو أخبرك من لا يُرضَى دينه، ولا يُرضَى خلقه، فليس خبره بمعتدٍ به.
    قال العلماء: لأن الفاسق كما أنه اعتدى حدود الله بفسقه،
    فلا يُؤمَن أن يعتدي حدود الله فيكذب عليك ويقول:
    دخل الوقت، وهذا موجود، فإن بعض الفُسَّاق -والعياذ بالله- عنده استهتار بالدين، فلربما أراد أن يخدع المطيع عن ربه،
    فقال:
    دخل الوقت، ثم تركه يصلي، وكل ذلك إما قصداً للسخرية والاستهزاء، وإما تهكماً واستهتاراً واستخفافاً -والعياذ بالله- بحدود الله.فمثله لا يوثق بخبره، فلا بد أن يكون ثقة، وبعد ذلك أن يكون متيقناً.
    والثقة على حالتين: إما أن يكون مجتهداً، أو يكون متيقناً، فإن كان الثقة متيقناً فلا إشكال،
    فلو قال لك:
    رأيت الشمس قد غابت بعيني فحينئذٍ تصلي صلاة المغرب بلا إشكال؛ لأن خبر الواحد في الديانات مقبول،
    وأما لو قال لك اجتهاداً:
    يغلب على ظنِّي أن الفجر قد طلع، فإن من أماراته كذا وكذا، وذكر لك الأمارات؛
    أو:
    يغلب على ظني أن النهار قد انتصف، وزالت الشمس؛ لأن الأمارة كذا وكذا.
    فحينئذٍ لا ينفك المُخبَر عن حالتين: فإما أن تكون مجتهداً مثله، فهذا هو الذي عناه المصنف رحمه الله بمفهوم الوصف، فإن لم يتبيَّن لك الصبح،
    وجاءك وقال لك:
    قد تبين الصبح.فهل تترك الاجتهاد وتقلد؟ أو تبقى على الأصل ما دام عندك الآلة والملكة؟
    قال بعض العلماء:
    المجتهد لا يقلِّد، ويجب عليه أن يبقى حتى يتأكد أن الصبح قد طلع.
    وقال بعض العلماء: المجتهد إذا تعذَّرت عليه الآلة في نفسه وجب عليه أن يعمل بقول غيره؛ لأنه ترفَّع عن مستوى من يقلد بمكان الاجتهاد، فإذا أصبح الاجتهاد فيه متعذراً أو ممتنعاً انتقل إلى حال الأمي وحال المقلِّد، فنلزمه بالعمل بخبر هذا المجتهد.والقول الأول من القوة بمكان، وهو أن المجتهد إذا تعذرت عنده الآلة، ولم يستطع أن يتحرى، فإنه يَقْوَى أن يميل إلى قول غيره، ولكن الاحتياط والأفضل أن يُعمَل بما درج عليه المصنف رحمه الله.والعامِّي الذي لا يعرف الأوقات، ولا يعرف الدلائل لو جاءه إنسانٌ مجتهد يعرف الأوقات بدلائلها وهو ثقة، فلا يَدْخُل فيما سبق،
    فالعامي يلزمه أن يقلد من عنده علمٌ وبصيرة قال تعالى:
    {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فإذا أخبره ثقة أنه باجتهاده قد تبيَّن له أن الصبح قد طلع وجب عليه أن يعمل بقوله؛ لأنه لا آلة عنده، وهو تبعٌ لغيره، فيستوي حينئذٍ أن يكون مخبِرُه على غالب ظنه، أو على يقين.فالحاصل أن الشخص المجتهد لا يَحكُم بدخول الوقت إلا باجتهادٍ منه أو مخبر متيقِّن، أما لو أخبره بغالب الظن ففيه خلاف،
    وقلنا: الأحوط أن لا يعمل، وهذا على ما درج عليه المصنف.وأما إذا كان الإنسان عامياً أو غير مجتهد فحينئذٍ يعمل بقول من تيقَّن، وبقول من اجتهد ولو كان بغالب ظنه.
    [حكم من صلى قبل الوقت باجتهاده فأخطأ]
    قال رحمه الله تعالى: [فإن أحرم باجتهادٍ فبان قبله فنفلٌ وإلا ففرض] هذه مسألة من اجتهد وتبيَّن له الخطأ، فلو أنه أحرم بالصلاة على أن الوقت قد دخل، فظن أن المغرب قد وجب، وأن الشمس قد غابت فصلَّى، ثم في أثناء الصلاة أو بعد انتهاء الصلاة إذا بالشمس قد طلعت، فإن طلعت بعد انتهاء الصلاة فحينئذٍ لا إشكال أن الصلاة لا تُعتد فريضةً،
    أي:
    لا تقع فريضة، ويبطل الحكم بكونها فريضة والاعتداد بها، ويُلزم بفعل الفريضة بعد المغيب، ولكن تقع صلاته تلك نفلاً؛ لأنه إذا تعذَّرت نية الفرض انقلبت إلى النفل؛ لأنها عبادة،
    والله يقول:
    {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143].ولذلك أخبر الله أنه لا يضيع الإيمان،
    وبالإجماع على أن المراد بقول الله:
    {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143]، الصلاة؛ لأنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس،
    فقالوا:
    إخواننا قد ماتوا وقد صلوا إلى بيت المقدس، فأنزل الله عز وجل النفي الذي يدل على أنه ما كان ليضيع إيمانهم أي صلاتهم، فسمَّى الصلاة إيماناً.
    قالوا: إن الله عز وجل وعد بأنه لا يُضِيع صلاة المصلي، فإذا تعذر إيقاعها فريضةً وانقلبت إلى نافلة، بما دل عليه دليل الكتاب.
    وقال تعالى: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30]، والمصلي محسن ومطيعٌ لله عز وجل،
    وقد يقول قائل:
    ما الدليل على أن الفرائض تنقلب نوافل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات)؟
    فيقال له:
    الدليل على ذلك أنَّك لو حكمت، فإما أن تحكم ببطلان الصلاة، أو انقلابها نفلاً،
    فإن قلتَ:
    أحكُم بانقلابها نفلاً صح ذلك مع دليل الكتاب؛ لأنه ينبني عليه أن صلاته معتد بها، فإنه قصد القربة وقصد الطاعة والإخلاص لله عز وجل، وأوقَع الصلاة بصفاتها الشرعية، فلا وجه للإبطال، والله عز وجل لا يضيع عمل العامل، وهذا عمل،
    ولذلك نستثنيه من قوله صلى الله عليه وسلم:
    (وإنما لكل امرئٍ ما نوى)،
    فنقول: إذا تعذر الفرض انقلب إلى كونه نفلاً من هذا الوجه.
    [حكم المكلف إذا أدرك وقت الصلاة]
    قال المصنف رحمه الله: [وإن أدرك مكلفٌ من وقتها قدر التحريمه، ثم زال تكليفه أو حاضت، ثم كلف وطهرت قضوها] هذا مما ينبني على معرفة آخر الوقت.
    وتستفيد منه أنك إن قلت: العبرة بتكبيرة الإحرام فإن المجنون إذا أفاق قبل مغيب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه أن يقضي العصر، ولو أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه قضاء الفجر.كذلك أيضاً لو أن صبياً احتلم، فبلغ قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه فعلُ الصبح، وكذلك أيضاً لو أنه احتلم قبل غروب الشمس فإنه يُحكم بكونه مطالباً بصلاة العصر،
    وهذا إذا قُلنا: إنه يعتد بتكبيرة الإحرام.أما الراجح والصحيح -وهو مذهب الجمهور- أنه يُعتد بالركعة كاملة، فإذا أدرك الركوع قبل أن تغيب الشمس، أو قبل أن تطلع الشمس حُكِم بإدراكه لوقت الصلاة، وإلا فلا.
    وقوله: [أو حاضت، ثم كلف وطهرت قضوها].
    أي: أو حاضت المرأة، فيلزمها القضاء.
    قال رحمه الله تعالى: [ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته].
    قوله: [من صار أهلاً] يعني: من أهل التكليف بالصلاة، إذا صار أهلاً قبل أن يخرج الوقت [لزمته] أي: يلزمه أن يفعل هذه الصلاة، إذا كان قبل الخروج بقدر تكبيرة الإحرام.
    قوله: [وما يجمع إليها قبلها].الكلام متصل بما بعده، أي [لزمته الصلاة]، ولزمه [ما يُجمع قبلها]،
    وهذا يتأتى في أربع صلوات:
    الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء.
    فإن قال قائل: قد علمتُ أن من أَدرك من آخر الوقت قدر الركعة أنه يُعتبر مدرِكاً للصلاة، لكن لو أن إنساناً أدرك قبل نهاية الوقت في الصلاة التي تُجمع مع ما قبلها بقدر فعل الأخيرة والأولى، أو قدر فعل الأخيرة وركعة من الأولى، فهل يُلزَم بفعل الصلاتين؟ أو يلزم بفعل صلاةٍ واحدة؟و a لو أن مجنوناً أفاق، أو صبياً احتلم قبل غروب الشمس بقدر خمس ركعات، فالأربع للعصر والخامسة للظهر،
    فحينئذٍ إن قلتَ:
    إن وقت الظهر والعصر للضرورات وأهل الأعذار فيُعتبر بمثابة الوقت الواحد، وهو قضاء الصحابة ومفهوم الشرع، وأدلة الشرع تدل عليه من جهة المفاهيم،
    فإننا نقول:
    يَلزمه فعل الصلاتين.وهذا هو الصحيح، وأقوى قولي العلماء، فمن أدرك قبل غروب الشمس الصلاة الأخيرة وقدر ركعة من الصلاة التي قبلها يَلزَمه فعل الصلاتين، فيلزمه فعل الظهر والعصر إن أدرك قدر خمس ركعات قبل مغيب الشمس، ويلزمه فعل المغرب والعشاء إن أدرك قبل نصفِ الليل، أو قبل طلوع الفجر -على القولين في آخر وقت العشاء- قدر خمس ركعات.
    وإن كان مسافراً تقول:
    إن أدرك ثلاث ركعات؛ لأنه يقصرُ الصلاة، فركعتان للأخيرة وركعة للأولى.وهذا كما قلنا تدل عليه أدلة الشرع، فالصلاتان بمثابة الصلاة الواحدة لأهل الأعذار، فيُلزم بفعلهما معاً، سواءٌ أكان ذلك في الظهر مع العصر، أم المغرب مع العشاء.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (57)

    صـــــ(1) إلى صــ(13)

    شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [3]
    من فاتته صلاة أو صلوات فلم يدرك وقتها وجب عليه قضاؤها مرتبة، إلا إن نسي فيسقط عنه الترتيب، أو إذا خشي خروج وقت الصلاة الحاضرة، فيصليها ثم يقضي الفائت بعدها.
    [أحكام وأقوال العلماء في قضاء الفوائت]
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتباً].
    قوله:
    [يجب فوراً]: بمعنى أن تُبادر مباشرةً.
    وقوله: (قضاء الفوائت) معناه أنه قد خرج الوقت، فإذا خرج وقت الصلاة لمعذورٍ ثم زال عذره، كأن يكون نائماً فأفاق بعد طلوع الشمس يجب عليه فوراً أن يصلي الصبح،
    وهذه المسألة للعلماء فيها قولان:
    فقالت طائفةٌ من العلماء: إذا استيقظ الإنسان من نومه بعد خروج وقت الصبح، أو خروج وقت أي فريضةٍ، أو زال عذره، فإنه يجب عليه أن يبادر مباشرةً إلى فعل الفريضة، وإذا أخَّر وهو غير معذورٍ، كأن يكون استيقظ الساعة التاسعة صباحاً، وقد خرج وقت الفجر، فيلزمه مباشرةً أن يتوضأ، وأن يصلي الفجر.فلو جلس إلى العاشرة بدون عذرٍ،
    قالوا:
    يأثم،
    وهذا مذهب من يقول:
    إن القضاء على الفور لا على التراخي، ولا يجوز له أن يتراخى إلا من عذر، وهو قول الجمهور.
    وقال بعض العلماء: إنه إذا استيقظ الإنسان من نومه، أو كان معذوراً وزال عذره بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء فوراً، وإنما يصلي ما لم يدخل وقت الثانية، وهذا يتأتَّى في الصبح، فإنك إذا نظرت إلى الوقت فما بين طلوع الشمس وما بين زوال الشمس وقتٌ متسع،
    فعندما نقول:
    يلزمه الفور، أي: حين يستيقظ، ولكنه ينوي القضاء.وأما بالنسبة للقول الثاني فمن حقه أن يؤخِّر ما لم تَزُل الشمس، وهذا القول الثاني أحد الوجهين عند الشافعية رحمة الله عليهم،
    ودليله حديث حذيفة في الصحيحين:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم عرَّس -أي: سار إلى آخر الليل- قال: فوقعنا وقعةً ما ألذ منها على المسافر،
    فقال صلى الله عليه وسلم: يا بلال اكلأ لنا الليل)
    ، ومراده أنهم من شدة التعب والإعياء وقعوا -بمعنى ناموا- وقعةً ما ألذ منها على المسافر،
    أي:
    شعرنا بلذة النوم لمشقة السفر وعناء السهر،
    قال:
    فقام صلى الله عليه وسلم: (يا بلال اكلأ لنا الليل)،
    قال:
    فقام بلال فلم يشعر الصحابة، ثم طلعت الشمس، ثم استيقظ عمر رضي الله عنه -كما في الرواية- وجعل يكبِّر، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من حر الشمس صلوات الله وسلامه عليه -والتعبير بالحر يدل على أن الشمس قد ارتفعت-
    فلما استيقظ قال: (يا بلال ما شأنك؟
    فقال رضي الله عنه:
    (أخذ بعيني الذي أخذ بعينك يا رسول الله)
    أي: ما أنا إلا بشر ضعيف، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان أتى بلالاً حتى نام)،
    أي:
    ما زال يهدئه،
    ويقول له:
    الصبح باق، حتى نام رضي الله عنه وأرضاه،
    ثم قال عليه الصلاة والسلام:
    (ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)،
    أي:
    ارتحلوا فأمرهم أن يرتحلوا عن الوادي الذي ناموا فيه،
    وقال:
    (إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، ثم لما ارتحلوا حتى قطعوه أمر بلالاً فأذن، ثم توضأ فصلى رغيبة الفجر ثم صلى الفجر.ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ مباشرة، فما بين قيامهم من النوم وصلاتهم أمد الارتحال، ومعلوم أن الجيش إذا ارتحل يأخذ وقتاً، فإذا شدوا رِحالهم، ووضعوا الرَّحل، فهذا يحتاج إلى عناء ووقت، فليس هو باليسير، خاصة أنه كان هذا في غزاته الأخيرة عليه الصلاة والسلام في العسرة، فإن هذا يحتاج إلى وقت وعناء، وبناءً على ذلك معناه أنهم قد أخذوا وقتاً ليس باليسير.وبناءً عليه فكون النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر إلى هذا الوقت الذي هو ليس باليسير يدل على أنه يجوز أن يؤخِّر الإنسان، ولا حرج عليه ما لم يدخل وقت الظهر.والذين قالوا بأنه لا يجوز التأخير، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخَّر وقتاً يسيراً،
    والحقيقة أنَّ النفس تميل إلى أن قول من قال:
    إنه يجوز له التأخير أقوى؛ لأن التعليل بكونه منزل حضره الشيطان لا يدل على بطلان الصلاة فيه،
    بل العجيب أن بعض العلماء يقول:
    إنه مكانٌ كمَعَاطِن الإبل التي نُهِي عن الصلاة فيها،
    وقال:
    (حضرنا فيه الشيطان)، وهذا محل نظر؛
    لأن هناك فرقاً بين قوله:
    (منزل شيطانِ)، و (منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)،
    فإن قوله:
    (حضرنا فيه الشيطان) أي تسلط على بلال فنام حتى ذهب الصبح، وليس المراد أنه منزلٌ فيه الشياطين؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (حضرنا فيه الشيطان)، والكلمات دلائلها معتبرة في أخذ معانيها وما يُستنبط منها،
    فكونه عليه الصلاة والسلام يقول:
    (حضرنا فيه الشيطان)، ويعدل إنما هو على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الحتم والإيجاب، كأنه كرِه هذا المنزل الذي حصل فيه التفويت للصلاة، وهذا من كمال طاعته لله عز وجل، وهذا شأن كمال الطاعة لا شأن الإلزام،
    ولذلك لو قلنا:
    إنه كمعاطن الإبل لقال العلماء من نام في غرفةٍ وفاتته صلاة الفجر يجب عليه ألا يصلي فيها، ولا قائل بهذا.
    فبناءً على ذلك لا وجه أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع لعذرٍ؛ لأن هذا ليس بعذر، وإنما هو من باب الكمال، وإذا كان من باب الكمال والفضيلة، فإن تأخيره -لو كان القضاء على الفور- لا يتأتى أن يَتْرك الفورية الواجبة لفضيلةٍ غير لازمة.فمن هنا صح أخذ وجه الدلالة على أنه يجوز للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يؤخِّر، ولا حرج عليه، ولكن الأفضل والأكمل أن الإنسان يخرج من الخلاف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بادر بفعل الصلاة،
    ولذلك نقول:
    الأفضل والأكمل أنه يبادر بالصلاة، حتى يخرج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم.وأما لو أخَّر الساعة والساعتين ما لم يدخل وقت الظهر فإنه لا حرج عليه لدلالة السنة على هذا.
    [حكم الترتيب بين الفرائض]
    قال المصنف رحمه الله: [ويسقط الترتيب بنسيانه] أي: يجب على المكلف أن يرتِّب بين الصلوات،
    والدليل على ذلك قوله تعالى:
    {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] والمؤقت: المحدد،
    تقول:
    أَقَّت الشيء يُؤَقِّته تأقيتاً.إذا حدده زماناً أو مكاناً أو صفةً، فلا يصح أن تصلي الظهر ولم تصل الفجر، ولا يصح أن تصلي العصر ولم تصل الظهر، ومن أدلة الإلزام بالترتيب ما ثبت في الحديث الصحيح (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس،
    فقال:
    يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها.فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد أن غربت الشمس، ثم صلى المغرب).فكونه عليه الصلاة والسلام يراعي الترتيب مع أن الوقت وقت المغرب يدل على الإلزام،
    وقد قال:
    (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولذلك يدل هذا على أن الإلزام مُعتَبر، ومن هنا أخذ العلماء أنه لا يصح لك أن تصلي العصر قبل الظهر، وهذا صحيحٌ من جهة النظر، فإن المكلف إذا وجبت عليه صلاة الظهر فقد تعلقت ذمته بخطاب الظهر، ولا يُخاطب بالعصر إلا بعد أن تفرغ ذمته بفعل الظهر، ولذلك أصبح مُلزَماً بالترتيب من هذا الوجه، فلا يصح أن يصلي العشاء قبل المغرب.وبناءً عليه فمن كان في سفر، ودخل إلى مسجدٍ والقوم يصلون العشاء، فإنه يدخل وراءهم وينويها نافلة، ثم إذا انتهوا أقام للمغرب فصلاها، ثم صلى العشاء، فهذا مذهب من يقول بالترتيب.لكن لو دخل وهم يصلون العصر، وكان قد أخر الظهر يريد أن يجمع، فلما دخل على الناس وجدهم يصلون العصر، فينوي وراءهم الظهر، ولا حرج عليه؛ لأن صورة الصلاتين متحدة، ولا اختلاف في الأفعال.أما في المغرب والعشاء فستختلف الأفعال والأركان، ولذلك لا يتأتى إيقاع إحدى الصلاتين تلو الأخرى، وبناءً على ذلك يُلزم بالترتيب على ظاهر دليل التأقيت في الكتاب والسنة.فلو أن إنساناً صلى صلاة العصر قبل الظهرلم تصح صلاته، فتكون صلاة العصر منه نافلة، فيُلزَم بإعادة الظهر وإيقاع العصر بعدها.
    لكن لو نسي فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: من صلى العصر ناسياً الظهر، ثم تذكر بعد صلاة العصر يقيم للظهر ويصلي، ولا حرج عليه لمكان النسيان، واختاره المصنف وجمعٌ من أهل العلم،
    واحتجوا بظاهر قوله تعالى:
    {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
    وقال جمعٌ من أهل العلم الذين يقولون بوجوب الترتيب: يلزمه أن يعيد الظهر ثم العصر،
    وذلك لأن المؤاخذة في قوله تعالى:
    (لا تُؤَاخِذْنَا) لا تُسقِط الضمان بالحق، ولذلك الناسي يسقط عنه الإثم، ويبقى الأصل بالمطالبة،
    إذ لو أخذنا بظاهر قوله تعالى:
    (لا تُؤَاخِذْنَا) على أنه يدل على إسقاط الترتيب لدلّ على إسقاط الصلاة كلها؛ لأنه قد نسيها.وبناءً على ذلك يلزم بفعل الصلاة مع أنه ناسٍ ويلزمه قضاء الصلاة، وحينئذٍ يلزمه أيضاً أن يوقعها مرتبة،
    كما استثنيتم من قوله تعالى:
    (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) الصلاة نفسها، فبناءً على الدليل يلزمكم استثناء الترتيب بدليل الترتيب نفسه.فمن نسي الترتيب يُطالَب به، ويسقط عنه الإثم؛
    لأن قوله تعالى: (لا تُؤَاخِذْنَا) رفعٌ للمؤاخذة، والمؤاخذة: الإثم، وليس المراد بها رفع المطالبة،
    إذ لو أخذ بقوله تعالى:
    (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا) على أن المراد به عدم المطالبة حتى بالترتيب،
    نقول أيضاً:
    لا يُطالَب بالصلاة؛ لأنه نص عام على عدم المؤاخذة، فكما أنه طولِب بحق الله بفعل الصلاة، فحينئذٍ يُطَالَب بحق الله في إيقاعها مرتبة، وهذا أعدل الأقوال وأقواها.
    فالاستدلال بقوله تعالى:
    (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) وقوله عليه الصلاة والسلام: (رفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) مقيد بإسقاط الإثم دون إسقاط الضمان، ودليله واضح، ألا ترى الإنسان لو قتل إنساناً خطأً لوجب عليه الضمان لحق الله، فيُطَالب بالكفارة وهي عتق الرقبة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، مع أنه مخطئ،
    والله يقول:
    {لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، فدلّ على أن المؤاخذة المرفوعة في الآية مؤاخذة الإثم التي لا يفوت بها حق الله وحق المكلَّف.
    وهذا أعدل أقوال الأصوليين في هذه المسألة المشهورة وهي:
    هل المرفوع في قوله: (رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) الفعل والإثم، أو أحدهما وهو الإثم؟ فالمرفوع هو الإثم حتى يدل الدليل على رفع الاثنين معاً.
    [الترتيب بين الصلاتين في وقت لا يسع سوى الحاضرة]
    قال المصنف رحمه الله: [وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة].تقدم معنا أن من الفرائض ما له وقت اختيارٍ ووقت اضطرار، فلو أن إنساناً نام عن صلاته حتى استغرق نومه، فمرَّت عليه صلاة الظهر وصلاة العصر حتى بقي من وقت العصر قدر يسير ثم ينتهي وقت الاختيار، قالوا يبدأ بالعصر فيؤديها، ثم يقيم للظهر فيصليها.
    ووجه ذلك أنهم قالوا: إننا لو أمرناه بالترتيب لذهب وقت الاختيار للحاضرة،
    ولذلك نقول:
    سقط الترتيب تحصيلاً للصلاة الحاضرة، فيؤدي الصلاة الحاضرة في وقتها؛ لأنه إذا ازدحمت الفروض،
    فبعضهم يقول:
    يُراعَى صفة الفرض؛ إذ الحاضرة مزدحمة مع التي قبلها،
    فإذا قلت له:
    رتِّب الصلوات بناءً على الأصل الشرعي، فإن معنى ذلك أنه سيقضي الصلاتين، فتصبح صلاته للظهر موجبة لخروجه من وقت الاختيار إلى الاضطرار،
    فبناءً على ذلك قالوا:
    إنه يكون في حكم المفوِّت لوقت الاختيار، فيلزمه حينئذٍ أن يصلي الحاضرة في وقت الاختيار، ثم يصلي الفائتة.وهكذا قالوا لو لم يبق من وقت الحاضرة إلا قدر أدائها، كأن يستيقظ قبل طلوع الشمس بقدرٍ يصلي فيه الصبح، وكان قد نام عن العشاء والصبح،
    قالوا:
    فلو أمرناه بصلاة العشاء لفاتت عليه صلاة الصبح، فنأمره بصلاة الصبح حاضرة، ثم بعد طلوع الشمس يصلي العشاء الفائتة؛ لأن العشاء مقضية على كل حال، سواءٌ أصليت قبل الصبح أم بعده.وذهب طائفةٌ من العلماء إلى أنه يصلي العشاء أولاً مراعاةً لدليل الشرع،
    حيث قالوا:
    تأخر لعذر، وأخر الصلاة الحاضرة لعذر، فيصلي العشاء أولاً استناداً إلى أصول الشريعة التي لم تستثن ولم تفرق، فنأمره بصلاة العشاء حتى ولو خرج وقت الفجر، فإذا خرج وانتهى من قضاء العشاء أقام وصلى الفجر؛ لأنه كالشخص الذي قد خرج عليه الوقت.فهذا الوقت اليسير الذي لا يسع إلا للصبح هو -حكماً- بمثابة من استيقظ بعد خروج الوقت؛ لأنه ملغي بأمر الشرع بالترتيب، وهذا القول من ناحية الأصول أوفق.لكن هناك مخرجٌ لطيف لبعض العلماء،
    قال:
    يستحب له أن يصلي الفجر إدراكاً للوقت، ثم يقيم فيصلي العشاء ويعيد الفجر احتياطاً،
    قالوا:
    فيكون بهذا قد احتاط لأمره؛ لأنه سيكون قاضياً في كل الأحوال، فإن كان في القدر المتسع اليسير فضل يكون قد أدركه بالصلاة الأولى، وإن لم يكن له فضل يكون قد استبرأ ذمته بالاحتياط لواجب الشرع.
    الأسئلة
    [حكم من تعمد تأخير الصلاة حتى خرج وقتها]
    q إذا أخر رجلٌ الصلاة عن وقتها متعمداً حتى خرج الوقت، فهل يقضي الصلاة أم لا؟
    a باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء رحمة الله عليهم، فبعض أهل العلم يرى أن من أخَّر الصلاة حتى خرج وقتها وهو متعمد لا يطالب بالقضاء، خاصةً على مذهب من يرى أنه قد كفر بإخراج الصلاة عن وقتها.والقول الثاني أنه لا يكفر، ويُلزم بفعل الصلاة بعد خروج الوقت إن أخرها متعمداً، وهو الأقوى والصحيح إن شاء الله تعالى.
    والدليل على ذلك أنه إذا اختلف العلماء رحمهم الله:
    هل يطالب بالفعل أو لا يطالب بالفعل رُجِع إلى الأصل، فإن الأصل فيمن دخل عليه وقت الصلاة أنه مطالبٌ بها لتوجه خطاب الشرع عليه بالفعل، فكونه قد أخرها إلى أن خرج الوقت لا يوجب إسقاطها عنه إلا بدليل يدل على أن المتعمد لا يُطالب بفعل الصلاة بعد خروج الوقت، وليس هناك دليلٌ في الكتاب والسنة يدل صراحةً على أنه إذا خرج الوقت لا يطالب بفعل الصلاة،
    وغاية ما استدل به أصحاب هذا القول أنهم قالوا:
    إن الصلاة محددةٌ ببداية ونهاية، وإذا كانت محددة بالبداية والنهاية فإنه إذا خرج عن نهايتها لا يُطَالَب بفعلها وهذا محل نظر؛ ألا ترى النائم يطالب بفعلها بعد انتهاء وقتها؟! ألا ترى المعذور -وهذا بالإجماع- يُطَالَب بالفعل بعد انتهاء وقتها.فإذا كان هذا مقرَّراً، وهو أن المعذور مطالبٌ بالفعل بناءً على أصل دليل الخطاب، فإنه يدل على أنهم مسلِّمون بوجود الخطاب بعد انتهاء الوقت، وأصبح التأقيت يحتاج إلى دليلٍ من الكتاب والسنة يدل على عدم إلزام المكلف بالفعل بعد خروج الوقت، ولذلك الأقوى أنه يُطَالَب بالفعل، وقد ثبت بدليل السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نزَّل حقوق الله كحقوق العباد،
    فقال عليه الصلاة والسلام:
    (أرأيتِ لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟
    قالت:
    نعم،
    قال:
    فدين الله أحق أن يقضى)
    ، فجعل الصوم، وجعل الحج بتوجه الخطاب ديناً على المكلف؛ لأنه فريضة.
    يقول الجمهور: فالصلاة دينٌ على المكلف؛ لأنه مكلفٌ بها بتوجه الخطاب،
    كالصوم والحج إذا ثبت أنه دَيْن: (فإن دين الله أحق أن يقضى).وكما أن حقوق العباد يُطَالب الإنسان بقضائها حتى ولو أنكرها وجحدها وامتنع مِن الفعل وماطل فيها بعد وقتها وهو قادرٌ على السداد، كذلك حق الله يطالب بأدائه ولو خرج عن وقته؛ لأن السداد مأمورٌ به، وهو القيام بفعل الصلاة، فالذي تطمئن إليه النفس مطالبته بالفعل، والله تعالى أعلم.
    وقد قالوا في الحج: لو أخر مفرِّطاً فيجوز أن يحج عنه، فلو أن إنساناً غنياً ثرياً أخَّر الحج حتى مات وهو قادر على أن يحج،
    قالوا:
    يُطالَب بالحج عنه من ماله،
    بناءً على قوله عليه الصلاة والسلام:
    (أرأيتِ لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟
    قالت:
    نعم.

    قال:
    فدين الله أحق أن يقضى)، فجعل الحج في ذمة هذا الميت -مع أنه مفرِّط ومتعمدٌ للتأخير- ديناً في ذمته، مع أنه أخرجه عن الوقت المعتبر؛ لأنه بالإجماع على أنه إذا توجه الخطاب على الإنسان بالحج، وهو قادرٌ مستطيع أنَّه واجبٌ عليه، ولكن اختُلِف في مسألة التأخير وعدم التأخير،
    فقالوا:
    إنه يُطالَب بالفعل ويترتب على المطالبة إلزام الذمة.وبناءً على هذا فإن الصلاة أُلزِمت ذمته بفعلها، وليس عندنا دليل على أنه إذا أخَّر حتى خرج الوقت سقطت عنه، ثم جاء دليل النظر والقياس الصحيح، وهو ما يسمى عند العلماء: قياس الأولى، وقياس الأولى من أقوى الحجج،
    حتى إن بعض العلماء يقول:
    الخلاف بين الظاهرية والجمهور في الأقيسة لا يشمل قياس الأولى.
    فيقولون: إذا كان المعذور الذي عذر ونام حتى فاتت عنه الصلاة يُطالَب بالإعادة، فكيف بإنسانٍ متعمد؟! فإنه أحرى أن يُطالَب بالإعادة،
    وهذا يسمونه:
    قياس الأولى، فإذا كان صح هذا وهو أن المعذور يطالَب بالفعل مع كونه معذوراً، فمن باب أولى غير المعذور، ولذلك تميل النفس إلى المطالبة بالقضاء، والله تعالى أعلم.
    [حكم قضاء النوافل]q
    هل تقضى الفوائت من النوافل؟
    a أما قضاء الفوائت من النوافل فإنه سنة، ودل على ذلك حديث حذيفة في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه لراتبة الفجر.
    وقال العلماء:
    إن راتبة الفجر هي آكد الرواتب، وتقضى قولاً واحداً عند العلماء،
    وتأكُّد قضائها لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (لا تدعوها ولو طلبتكم الخيل).ولثبوت الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقضائها مع الصحابة، فإنه لما بات في الوادي الذي ذكرنا أمر بلالاً فأذَّن، ثم صلى ركعتين وهي رغيبة الفجر، ثم أمره فأقام فصلى الصبح.
    فدل قضاؤه لها على مسألتين: أما المسألة الأولى فسنِّيَّة قضاء الرواتب،
    والمسألة الثانية:
    هل يطالب بالقضاء على الفور أم على التراخي؟ ذلك أنه لو كان مطالباً بالفور لصلى الصبح أولاً، ثم صلى بعده الرغيبة، ولَمَا اشتغل بالنافلة قبل الفريضة، فهذا يؤكد ما ذكرناه مِن أن القضاء ليس على الفور؛ إذ لو كان على الفور لما قدَّم النافلة على الفرض.
    وبناءً على هذا فإنهم قالوا: إنه يُشرَع قضاء النوافل.
    ومن الأدلة حديث عائشة الصحيح: (يا رسول الله! رأيتك تصلي ركعتين لم أرك تصليهما من قبل؟
    قال:
    أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان)
    .
    وأما حديث أم سلمة أنها لما سألته فقالت: (أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا)، الذي رواه أحمد في مسنده فهو ضعيف، والصحيح أنه يُشرع قضاء الرواتب، وأنه سنة ولا حرج على الإنسان في فعله.
    وفي الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاته حِزبُه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة)، فقضى عليه الصلاة والسلام صلاة الليل مع أنها نافلة، فدل هذا على مشروعية القضاء.
    وفي الصحيح أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، وهذا يدل على سعة رحمة الله عز وجل، وعظيم فضله، خاصةً عند وجود العذر، والله تعالى أعلم.
    [وقت صلاة الضحى]q
    نرى بعض المصلين يصلون صلاة الضحى قبل الظهر بقرابة ربع ساعة، فهل نبيِّن لهم أن هذا وقت نهي؟ مع رجاء تحديد وقت النهي بالدقائق قبل أذان صلاة الظهر.
    a هذا فيه مسألتان: المسألة الأولى: تأخيرهم للضحى إلى هذا الوقت، فلو أن إنساناً أخَّر الضحى إلى ما قبل صلاة الظهر، سواءٌ إلى وقت انتصاف النهار المنهي عنه، أم إلى ما قبل وقت انتصاف النهار، فهل هذا من السنة؟
    الجواب: لا؛ لأن الضُّحى شيء، والضَّحَى شيء، فإذا أشرقت الشمس فهناك وقت يسمى الضُّحى، وهو أول النهار إلى اشتداد الشمس بحيث تقرُب من الهاجرة، ثم يأتي وقت قبل انتصاف النهار يُقارب الساعة إلى الساعة والنصف يختلف بحسب طول النهار وقصره صيفاً وشتاءً، ففي الصيف يكون أطول، وفي الشتاء يكون أقصر، فهذا الوقت الذي هو قبل أن تنتصف الشمس في كبد السماء يسمى الضَّحَى،
    وهو المراد بحديث البخاري:
    (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، ثم تكون القائلة).فهذا هو وقت القيلولة قبل الظهر بساعة ونصف إلى ساعة، فغالباً هذا الوقت الذي هو قبل الظهر يعين بإذن الله عز وجل على قيام السحر.
    وقالوا: هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، فكانت قيلولتهم قبل منتصف النهار، فهذا الوقت يسمى الضَّحَى بالفتح، والذي قبله ما بين طلوع الشمس قيد رمح إلى اشتداد النهار يسمى الضُّحَى،
    وهو الذي أقسم به الله عز وجل:
    {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى:1 - 2]،
    فانظر إلى قوله تعالى:
    (والليل إذا سجى) أي: جعل بداية الليل وإرخاء سدوله ما يكون عند وجود الشفق إلى سقوط الشفق بحيث يسجِّي الليل، مثل الشخص الذي تسجِّيه،
    أي:
    تُغَطِّيه.
    فقوله تعالى: (الليل إذا سجى) أي: غَطَّى بظلامه، فجعل الوقتان متقابلان.فصلاة الضُحى بداية وقتها بعد طلوع الشمس بقيد رمح، أما أثناء الطلوع إلى ارتفاع قيد رمح فهو داخل في المنهي عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخَّر صلاة العيد إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، فدل على أن ما قبله باقٍ على الأصل من النهي، وبناءً على هذا لا ينبغي تأخير صلاة الضُحى إلى هذا الوقت.وأفضل ما تقع صلاة الضُحى بعد ارتفاع النهار، فإذا ارتفعت الشمس قيد رمح بدأ وقت الجواز، فإذا اشتد النهار قليلاً بعد إشراق الشمس بقدر ساعة فهو أفضل؛ لأن الغفلة من الناس تكون في مثل هذا الوقت، وهو وقت طلب التجارة والكسب، فكون الإنسان يترك التجارة والكسب ويُقبِل على الله في مثل هذا الوقت فهذا فضل عظيم.
    وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)،
    والفصيل:
    ولد الناقة، و (ترمض الفصال) أي: يدركها حر الرمضاء، وهذا يدل على أن الشمس قد ارتفعت،
    وأن صلاة الأوابين هي الضُحى التي وعد الله أهلها بالمغفرة: {َإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25]، فالإضافة المراد بها مثل هؤلاء الذين أثني عليهم بالآية، قالوا: فلا تكون إلا بعد ارتفاع النهار بساعة إلى ساعة ونصف، وما قبل الظهر بساعة إلى ساعة ونصف، فهو أشبه ما يكون بقضاء الضُّحى، وليس بالضُّحى أداءً، وينبني على قضاء النوافل من حيث إنه سائغ أو غير سائغ.فإذا بدأ وقت الضَّحى إلى أن تنتصف الشمس في كبد السماء، فهذا وقت جواز يجوز للإنسان أن يُصلي فيه،
    وحملوا عليه قوله عليه الصلاة والسلام:
    (رحم الله امرأً صلى قبل الظهر أربعاً)، على أن المراد بقبل الظهر قبل وقتها، وليس المراد به الراتبة.
    قالوا: لقوله: (إنها ساعة رحمة تفتح فيها أبواب السماء)،
    ولما سئل عنها قال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، فهذا قبل انتصاف النهار.وبعض المؤذنين يحتاطون بقدر ربع ساعة ما بين زوال الشمس وصلاة الظهر،
    فيقولون:
    الوقت في الظهر داخل بقدر ربع ساعة.وبناءً على هذا فإذا أذن للظهر في الساعة الثانية عشر والنصف، فمعناه أن الزوال ابتدأ في الثانية عشر والربع، وبناءً على هذا فمن جاء يصلي في مثل هذا الوقت الذي تنتصف فيه الشمس في كبد السماء فإنه حينئذ لا يجوز له،
    لما ثبت في الحديث:
    (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن،
    أو أن نقبر فيهن موتانا:
    حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)
    .
    وقال عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (فإذا طلعت الشمس فصل، فإن الصلاة حاضرةٌ مشهودة، فإذا انتصفت -في كبد السماء- فأمسك، فإنها ساعةٌ تسجر فيها نار جهنم)(تسجر) أي: يشتد لهيبها، فهي ساعة عذاب وليست بساعة رحمة، ولذلك نُهِي فيها عن دفن الموتى، وعن صلاة النافلة، فمثل هذا الوقت لا تصلى فيه صلاة الضُحى،
    ولذلك قالوا:
    إن إيقاع النافلة في الأوقات المنهي عنها وجوده وعدمه على حدٍ سواء، إلا عند من يستثني ذوات الأسباب، والله تعالى أعلم.فينبغي تنبيه هؤلاء -الذين يصلون في هذه الأوقات المنهي عنها- على أمرين: أولاً: أن وقت الضُحى من بعد طلوع الشمس قيد رمح،
    أي:
    بما يقارب -احتياطاً- اثنتي عشرة دقيقة، فبعدها يغلب على الظن دخول وقت جواز صلاة النافلة، ووقت الفضيلة يبتدئ إذا كان طلوعها السادسة والربع إلى ما يقارب السابعة والنصف إلى الثامنة، وكلما تأخر قليلاً كان أفضل؛ لأنه تكون غفلة الناس باشتغالهم بالدنيا أكثر، والله تعالى أعلم.
    [حكم من لا يعرف عدد ما فاته من الصلوات]
    q فاتتني كثيرٌ من الصلوات بعد بلوغي، وصليت بعضها جنباً خجلا، وكل ذلك لجهل والدي عن تعليمي ما يجب عليَّ، وهي كثيرةٌ جداً ولا أحصي عددها، ولا أستطيع الاجتهاد في معرفتها، فماذا يلزمني تجاه ذلك؟
    a هذا السؤال فيه مسائل: أولاً: إذا تركت الصلاة في أمدٍ من بعد بلوغك ولم تكن تصلي -والعياذ بالله- بعد البلوغ إلى أن التزمت بطاعة الله وشريعة الله فلا يلزمك القضاء؛ لأن تركك على هذا الوجه آخذٌ حكم الترك الموجب للكفر،
    فمن ترك الصلاة والعياذ بالله ولم يصل ولم يركع فإنه يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
    (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).وإذا حكم بكفر تارك الصلاة على هذا الوجه فلا يُلزَم بقضاء،
    بقوله صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير)،
    وقال في الحديث الصحيح:
    (الإسلام يجُبُ ما قبله)، فتكون بالتزامك بالصلاة كأنك قد دخلت في حظيرة الإسلام بأدائها، وبناءً على ذلك لا تُطالب بقضاء ما مضى.
    ثانياً:
    أما لو كنت تصلي أحياناً وتترك أحياناً،
    فحديث عبادة في قوله عليه الصلاة والسلام:
    (ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) يدل على عدم الكفر، وبناءً على ذلك تجتهد، وتبني على غلبة الظن،
    وقولك:
    لا أستطيع الاجتهاد.غير وارد، فلو قدرت السنة التي التزمت فيها بشرع الله، وأصبحت محافظاً فيها على الصلاة بثلاث سنوات من الآن مثلاً ومن بلوغك إلى الآن لك قرابة سبع سنوات مثلاً،
    فحينئذٍ تقول:
    هي أربع سنوات.فأكثر في الصلوات، وصلِ مع كل صلاةٍ حتى تحتاط بقضاء هذا الأمد كاملاً.
    وأما الأمر الثالث في سؤالك فهو قولك: إنك كنت تصلي وأنت جنب.فلا يجوز هذا،
    ولذلك قال بعض العلماء:
    من صلى وهو على غير طهارته عالماً بحرمة ذلك مستخفاً بهذا التحريم فإنه يكفر -والعياذ بالله- وإن كان الصحيح أنه لا يكفر إلا إذا قصد الاستهزاء، ولكن انظر إلى تشدد العلماء رحمة الله عليهم من شدة تعظيمهم لأمر الصلاة، فينبغي حينئذٍ للإنسان أن يحتاط.ولو أن إنساناً دخل في صلاة الظهر، ثم تذكر أنه أجنب،
    وقال:
    لو خرجت الآن فإن الناس تراني أو صلى بهم وهو إمام،
    فقال: كيف أخرج من الصلاة؟! فينبغي أن تكون خشية الله في قلبك أعظم من خشية الناس، وأن تعلم أنه لا يغني عنك أحدٌ من الله شيئاً، وأنه لا يُجيرك من الله ومن سطوته ومن غضبه أحد، فقد يكون استخفافك بعظمة الله وهيبتك للناس أكثر من هيبتك لله سبباً في غضب الله عليك، فاتق الله عز وجل، فبمجرد ما تشعر أنك غير متوضئ فاخرج من الصلاة، ولتنعم عينك بطاعة الله عز وجل، ولك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة والتوسعة أن تمسك بأنفك وتخرج، فإن الذي أمرك بدخول المسجد أمرك أن تخرج من المسجد، ولا تبالِ بالصغير ولا بالكبير، ولا بالجليل ولا بالحقير، فلتتق الله عز وجل، ولتكن هيبة الله في قلبك أعظم وأجل وأكبر من أن تهاب غيره فتستخف بعظمة الله فتصلي بين يديه على غير طهارة.ولا يجوز للمسلم أن يصلي على غير طهارة، ولا يجوز له أن يستبيح الصلاة وهو جنُب، لما فيه من الاستخفاف بعظمة الله، ولو كان إماماً فإنه يَسحب من وراءه ويستخلف ويخرج، ولتنعم عينه بطاعة الله، فإن الله يثيبه، والله يبتلي، وقد مر هذا علينا، ومر على بعض العلماء من قبلنا، فالله يبتلي إيمان العبد؛ لأنه لا يمكن أن تخرج من هذه الدنيا حتى يظهر كمال إيمانك من نقصه، ومن الإيمان خشية الله، ولن تخرج من هذه الدنيا حتى تظهر خشيتك لله كاملةً أو ناقصة.فإذا جاءتك مثل هذه المواقف فاعلم أن الله يمتحنك، وأن الله يريد أن يبتليك بخشيته بالغيب، فإن الناس لا يعلمون أنك جُنُب، ولا يعلمون أنك على غير طهارة، ولكن الله وحده هو الذي يعلم، فهو علام الغيوب، فإذا جئت بإيمانٍ منك وصدق وخوف ويقين من الله سبحانه وتعالى تخرج أمام الناس لا تستحيي منهم ولا تهابهم ولا تخشاهم كان ذلك أصدق ما يكون في خشيتك لله سبحانه وتعالى، وهذا أمر شائع ذائع،
    فإن كثيراً من الناس يقول:
    صليت وأنا على غير طهارة، أو كنت على غير طهارة وأنا جالس في المسجد فاستحيت أن أخرج؛ وهذا لا يجوز، فينبغي أن تكون عظمة الله فوق كل شيء، قال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُ ْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:13]، فالله أحق أن يُخشى ويهاب، وأحق أن تكون له الرغبة والرهبة، فنسأل الله العظيم أن لا ينزع من قلوبنا خشيته، وأن يرزقنا الخوف منه وإجلاله وإعظامه على الوجه الذي يرضيه عنا، والله تعالى أعلم.
    [تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر]
    q إذا فاتت المسلم صلاة الظهر ولم يتذكرها إلا في آخر وقت العصر، والوقت لا يكفي إلا لصلاة العصر فحسب، فهل يلزمه الترتيب أم لا؟
    a هذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء -رحمة الله عليهم-
    يقول:
    إذا أدركت آخر وقت الثانية، بحيث لا يسع إلا بقدر أن تصلي الثانية حاضرة وأنت لم تصلِ الأولى، فعليك أن تراعي ترتيب الشرع، وتصلي الأُولى ولو خرج الوقت؛ لأن وقت الثانية ساقط عنك بانشغالك بفرض وهذا هو الأصل، وهو قولٌ مبني على اعتبار دليل الترتيب، وقال به جمع من العلماء رحمة الله عليهم.وقال بعضهم: يقدم الحاضرة على الفائتة، وذلك لأنه إذا صلَّى الفائتة كان قاضياً، فاستوى أن يؤديها في وقت الأولى، أو يؤديها في وقت الثانية وهذا القول محل نظر؛
    أولاً: لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث عمر: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق،
    وقال:
    يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها).
    فانظر رحمك الله إلى قوله: (ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب) بمعنى: صليتها فغربت الشمس مباشرة، حتى إنه لا يدري هل الصلاة سبقت أو الغروب، فمعنى ذلك أنه قد غابت الشمس، ثم احسب وقتاً لذكره لله عز وجل بعد أدائه للصلاة، ثم قيامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكى، فيحتمل أن الوقت إلى دخول وقت المغرب بقدر لمكان هذا الذي ذكرناه، فاحسب حساب كون عمر يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم،
    ثم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له:
    (والله ما صليتها)،
    ثم قال:
    (قوموا بنا إلى بطحان قال: فنزل فتوضأ فصلى العصر ثم المغرب والعشاء)،
    ووجه الدلالة أنهم قالوا:
    وقت المغرب ضيق وهذا الحديث يرده؛ لأنك لو حسبت تجد أن النبي ذهب إلى وادي بطحان، ثم نزل به ومعه الجيش، ثم توضأ، ثم صلى العصر، وهذا كله يأخذ وقتاً ليس بالقليل مع أن عمر قد جاءه بعد مغيب الشمس، فاحسب كلامه له بعد ذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد المغيب، ثم شكواه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجوابه، ثم أمره عليه الصلاة والسلام بالذهاب إلى بطحان، ثم وقت الوضوء، ثم القيام إلى الصلاة، فهذا وقت ليس باليسير، خاصة وأن عدد الناس معه لا يقلون عن ألف، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يصلون معه عليه الصلاة والسلام.فالغالب أن وقت المغرب خرج أو كاد يخرج، قالوا: فصلى العصر أولاً، ثم أتبعها بالمغرب، ثم صلى العشاء،
    ولذلك ما ورد في الحديث أنه انتظر إلى دخول العِشاء قالوا:
    هذا يؤكد على أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التقديم حتى على الأقل مع خوف خروج الوقت، وهذا يؤكد ما ذكرناه أنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة.
    والذين قالوا:
    إنه يبدأ بالحاضرة قبل الفائتة اضطرب قولهم، فهم يقولون بوجوب الترتيب،
    ثم يأتون في هذه المسألة ويقولون:
    لا يجب الترتيب، وإنما يلزم بفعل الحاضرة قبل الفائتة؛ لأنه إذا صلى الحاضرة أدَّى، وإذا صلى الفائتة قضى في كلتا الصلاتين.والذي تطمئن إليه النفس أنه يبدأ بالفائتة، ثم يتبعها بالحاضرة ولو خرج الوقت؛ لأن التأخير لعذرٍ شرعي، وهو أمر الشرع بفعل الصلاة،
    ألا ترى أنهم يقولون: إنه لا يصح أن يوقع صلاة العصر حتى يصلي الظهر،
    فكونه يقول:
    فائتة أو حاضرة لا تأثير له في الوصف الشرعي،
    أي:
    لا يقوى على الاستثناء من الأدلة التي دلت على وجوب الترتيب من التأقيت الذي ذكرناه من دليل الكتاب والسنة، وعلى هذا يقوى القول الذي يقول إنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة.لكن بعض العلماء ذكر مَخرجاً لطيفاً،
    فقال:
    الأفضل أن الإنسان يخرج من الخلاف، فيصلي الحاضرة في وقتها، ثم يقيم فيصلي الفائتة، ويصلي بعدها الحاضرة، قالوا لأنه إذا كان معذوراً بعدم مراعاة الترتيب فقد أوقع الصلاة في وقتها، فإن كانت معتبرة فقد أدرك الإجزاء والاعتبار، وإن كانت غير معتبرة فقد احتاط لدينه بإعادتها بعد الوقت، وهذا أفضل المخارج، والذي تميل إليه النفس أنه يحتاط، لكن الأصل والأرجح أنه يطالب بفعل الفائتة قبل الحاضرة.

    [آخر وقت سنة العشاء]
    Q ما هو آخر وقت سنة العشاء؟
    A تتأقت الراتبة البعدية بآخر وقت الفريضة نفسها التي رُتِّبت عليها، فإن كنت في الظهر فآخر وقت الظهر، وإن كنت في المغرب فآخر وقت المغرب، وإن كنت في العشاء فآخر وقت العشاء، فعلى القول بأن وقت العشاء إلى نصف الليل تتأقَّت الراتبة إلى نصف الليل، فتصلي الراتبة إلى منتصف الليل، وعلى القول بأنه إلى الفجر فلك أن تصلي راتبة العشاء ما لم يتبين الفجر الصادق.
    [حكم صلاة العاري إذا وجد الساتر قبل خروج الوقت]
    Q لو أن إنساناً صلى وهو عارٍ لانعدام السترة، ثم جاءت السترة قبل خروج الوقت، فهل يجب عليه الإعادة؟
    A إن صلى عارياً فقد مضت صلاته وصحَّت، لكن إذا غلب على ظنه أنه يجد السترة قبل خروج الوقت ينتظر، ومذهب طائفة من العلماء أنه يُستحب له أن يُعيد ولا يجب عليه وهذا أفضل.
    [حكم تشمير الثوب عند الهوي للسجود في الصلاة]
    Q هل من كف الثياب ما يفعله بعض المسلمين من رفع ثوبه عند الهوي للسجود؛ لأن ذلك يمكّن الإنسان من السجود بكماله؟
    A نعم.هذا يدخل فيه، فذكر بعض العلماء رحمهم الله أن هذا يعتبر من كف الثوب؛ لأنه إذا سجد يكون في حكم من كف طرف الثوب من أجل أن لا يتَّسخ،
    فيكون تشميره للثوب فيه إخلال من وجهين:
    أولاً: لأنه حركة زائدة في الصلاة؛ لأن رفعه للثوب ينافي خشوعه، فهذه الحركة في الصلاة زائدة عما قصده الشرع من الخشوع والسكون؛
    لقوله تعالى:
    {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] فقالوا: هذا لا يناسب القنوت.
    والأمر الثاني: كونه يأنف عن سجوده بهذا الثوب لله عز وجل، فأن يترك الثوب على حالته أبلغ لقربته لله عز وجل وطاعته، والله تعالى أعلم.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (58)

    صـــــ(1) إلى صــ(11)

    شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [4]
    إن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين بعبادته والإقامة على طاعته، وبين لهم كيفية الإتيان بهذه العبادات والطاعات في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم،
    ومن العبادات التي حرص الشرع على بيان أحكامها وشروطها:
    الصلاة، التي هي عمود الدين، فلا يتأتى للعبد أن يؤدي صلاته صحيحة إلا بمعرفة شروطها وأركانها وواجباتها،
    ومن الشروط الواجب توافرها لمن أراد أن يصلي صلاة صحيحة:
    أداء الصلوات في أوقاتها التي بينها الشرع، وستر العورة عند أداء الصلاة، مع الإحاطة بما يتفرع عن هذه الشروط من أحكام.
    ستر العورة
    تعريف ستر العورة لغةً واصطلاحاًبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومنها ستر العورة] أي: ومن شروط الصلاة التي يلزم بها المكلف لصحتها ستر العورة.
    والستر هو: التغطية،
    تقول:
    سترتُ الشيء.إذا غطيته.
    والعَوْرَة: أصلها من العَوَر وهو النقص،
    وقولهم:
    (ستر العَوْرَة) أي: تغطيتها.
    والمراد بالعورة في إطلاق العلماء رحمة الله عليهم أحد أمرين: فمنهم من يقول: القبل والدبر وهذا على الأصل،
    ومنهم من يقول: القبل والدبر وما أُمِر بستره؛ لأن المرء يؤمر بستر ما عدا القبل والدبر خاصةً مع الأجانب.
    [أدلة وجوب ستر العورة]
    وهذا الشرط أمر الله به في كتابه المبين، وكذلك في هدي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وأجمعت الأمة على أنه لازمٌ وواجب، لكن حُكِي عن مالك أنه يراه مستحباً ولا يراه واجباً، والصحيح وجوبه.
    ودليل وجوب ستر العورة للصلاة قول الحق تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31].ووجه الدلالة من الآية الكريمة أن الله أمر المكلف أن يأخذ الزينة عند كل مسجد، والمراد بقوله: (عند كل مسجدٍ) أي: عند كل صلاةٍ،
    فيكون قوله:
    (خُذُوا) أمراً، والأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه، ولا صارف له هنا.وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام بستر العورة وهديه صلوات الله وسلامه عليه فيها، حتى نهى الرجل أن يصلي وليس على عاتقيه من ثوبه شيء،
    ففي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام:
    (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
    وقالوا:
    إن النبي صلى الله عليه وسلم ستر عورته،
    وأمر بستر العورة في أحاديث منها حديث بهز بن حكيم رضي الله عنه عند أبي داود قال:
    (يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟
    قال:
    احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك.
    قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم في بعض؟
    قال:
    إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها.
    قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خالياً؟
    قال:
    الله أحق أن يستحيا منه).ولذلك ورد: (إن معكم من لا يفارقونكم فاستحيوا منهم)، وهم الكرام الكاتبون.
    وفي حديث أم سلمة أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام عن صلاة المرأة في درعٍ وخمار قال: (في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها)، والصحيح وقفه على أم سلمة رضي الله تعالى عنها.
    وكذلك حديث جرهد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغطي فخذه)، وحديث جرهد وحديث بهز بن حكيم فيهما كلام، وإن كان بعض أهل العلم يميل إلى التحسين بمجموع طرق هذه الأحاديث.وقد أجمع العلماء رحمهم الله على وجوب ستر العورة للصلاة، وأن المكلَّف لو صلى الصلاة وهو كاشفٌ عن عورته وقادرٌ على سترها فصلاته غير صحيحة، إلا ما ورد في رواية عن مالك رحمه الله أنه كان يستحب ذلك ولا يوجبه، وإن كان بعضهم يضعفها.
    [الشروط اللازم توافرها في الساتر]
    وأما من ناحية أحكام ستر العورة فيُعتبر ستر العورة من الشروط التي تتعلق بصحة الصلاة؛ لأننا قدمنا أن من الشروط ما يتعلق بالوجوب ومنها ما يتعلق بالصحة، وشرط الصحة -كما هو معلوم- فقده يُوجِب الحكم بعدم صحة الصلاة.وبناءً على ذلك لا يُحكم بصحة صلاة المكلف إلا إذا حَصَّل هذا الشرط، ومن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يتكلموا على ستر العورة، فيقررون وجوبها، ثم يقررون الضابط المعتبر لستر العورة، ثم يتكلمون بعد ذلك على المسائل المستثناة وأحكام الضرورة، كالعراة الذين لا يجدون ما يسترون به عوراتهم، ونحوها من الأحكام المتعلقة بالاستثناءات.
    والمصنف رحمه الله راعى ذلك في كلامه على الشروط هنا فقال رحمة الله عليه: [فيجب بما لا يصف بشرتها].
    الفاء: للتفريع،
    فبعد أن قال:
    (ومنها) أي: من شروط صحة الصلاة ستر العورة،
    قال: (فيجب) أي: فيلزم المكلف بسترها، والواجب يتفرع منه الحكم أن من صلَّى عارياً يحكم بإثمه إذا كان مختاراً دون اضطرار، وبعدم صحة صلاته، فالتعبير بالوجوب يتفرَّع منه الحكم بالإثم عند الترك في الاختيار، وزيادة شرطية الصحة يتعلق بها الحكم بالمطالبة بإعادة الصلاة.
    فقوله: [فيجب بما لا يصف بشرتها] أي: فيجب على المكلف أن يستر العورة بما لا يصف بشرتها.
    فستر العورة على حالتين: إما أن يكون ساتراً مانعاً من رؤية لون البشرة، فهذا لا إشكال في إجزائه واعتباره، كالثوب الثخين، وإما أن يكون الساتر رقيقاً يشف ما تحته،
    فهذا يقول العلماء:
    وجوده وعدمه على حدٍ سواء، كالقماش الرقيق الذي ترى معه لون البشرة، فإن وجوده وعدمه على حدٍ سواء.
    بل قال بعض العلماء: إن ما شفّ أعظم فتنةً مما كشف؛ لأنه يُغرِي، وتكون الفتنة بدعوته إلى النظر أكثر، بخلاف المتعري فإنه ربما اشمأزت النفوس من نظره، لكن لبس الشفاف أبلغ فتنةً وأعظم جُرأةً كما يقول بعض أهل العلم رحمة الله عليهم، فالشفاف وجوده وعدمه على حدٍ سواء.
    فانقسم الساتر إلى قسمين: ما كان غليظاً غير رقيقٍ يمنع من معرفة أو رؤية لون البشرة، وما كان رقيقاً تُرَى معه البشرة بحمرتها أو ببياضها أو غير ذلك.فبيَّن رحمه الله أنه لابد من الساتر الذي لا يشف، والكلام في الساتر يكون في جرمه، ويكون في صفة تغطيته.أما في الجِرم فيبحث العلماء فيه من حيث السماكة والرقة، وقد بيَّنا حكم السميك والرقيق.وأما بالنسبة لصفة تغطية الساتر،
    فإنه يكون على حالتين:
    الحالة الأولى: أن يكون فضفاضاً، بحيث لا يكون ضيقاً يُحدد تفاصيل الجسم، فهذا بالإجماع يُعتبر ساتراً، لكن كره بعض العلماء المبالغة في الفضفاض إلى درجةٍ قد يكشف العورة في بعض الحالات، كما ذكروه في السراويل، فإنها إذا كانت واسعةً، وكانت أكمامها التي تخرج منها الرجلين مبالغاً في سعتها، وكانت قريبةً من الركبتين فإنها طريقٌ للكشف، ولذلك يُعتبر لبسها سبيلاً أو سبباً لسهولة النظر إلى العورة، ومظنة أن يرفع ركبته فينكشف ما قارب السوءة أو السوءة نفسها.
    ولذلك قالوا:
    يُشدَّد فيما كان فضفاضاً واسعاً بحيث يبالَغ فيه إلى درجةٍ لا يُؤمَن معها انكشاف العورة.
    الحالة الثانية: أن يكون ضيقاً، وهو الذي يحدد جرم العضو، فإن كان من المرأة فإنه بالإجماع يَحرُم عليها لبسه، ولذلك شدَّد بعض العلماء في تفصيل المرأة للعباءة التي تكون فيها اليد منفصلة عن الجسم؛ لأنها إذا كانت على هذه الصفة استطاع الناظر أن يدرك تفاصيل جسمها، وهل هي طويلةٌ أو قصيرةٌ أو رقيقةٌ أو غير ذلك.
    ولذلك قالوا: تكون عباءتها، ويكون تفصيل يدها على حالٍ لو أنها حركت يدها لا يستطيع الإنسان أن يدرك طبيعة جسمها، أما لو كانت بهذه التفاصيل التي تستخدم عند بعض النساء اليوم بحيث إذا رأيت المرأة تستطيع أن تدرك تفاصيل جسمها، خاصةً في اليدين،
    وأعالي البدن فقالوا:
    مثل هذا يحرم عليها لبسه؛ لأنه يحدد تفاصيل جسمها.وبعض المحدد -كما يقول العلماء- أشد إغراء بالفتنة لأنها إذا حددت تفاصيل الجسم كانت مغرية بالنظر إليها، فتكون الفتنة فيها أشد، ولذلك ينبغي على المرأة أن تكون عباءتها مغطيةً لها، ولا يكون هناك تفصيل لأعضاء الجسم، حتى لا تشابه الرجال، ولا يستطيع الرجل أن يدرك جِرم جسمها.وكذلك الحال إذا كان سترها في أسفل البدن، كلبسها للسراويل، أو ما يسمى في عُرف اليوم (البنطال)، فهذا اللبس لا يجوز للمرأة مع وجود الرجل الأجنبي، وأما مع محارمها فأقل درجاته الكراهة؛ فإنه يُفصِّل تفاصيل الجسم، ومن أهل العلم من جزم بالتحريم حتى ولو مع وجود محرمها،
    وقال: لأنه لا يُعرَف في نساء المؤمنين، وإنما هو من باب التشبه، (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم)؛ إذ لا يعرف بين النساء المؤمنات أن المرأة تأتي بلباسٍ بهذه الصفة، وإنما هو شيءٌ واردٌ على المسلمين من غيرهم، ولذلك أنا أميل إلى هذا القول، وأرى أنه تشبُّه، وأرى أن المرأة لا يجوز لها أن تلبس البنطلون ولو كان أمام محارمها، إلا إذا اضطرت إلى ذلك فهذا أمرٌ آخر.فلا تلبس مثل هذا اللباس الضيق الذي يفصِّل تقاطيع الجسم في مواضع الفتنة، حتى ولو كان أمام محارمها.
    فإن الإمام أحمد رحمة الله عليه لما سُئِل عن كشف المرأة عن صدرها وساقيها لمحرمها كأخيها ونحوه قال: (أخشى عليه الفتنة)، وهو إمام في زمانٍ الخير فيه شائع، وفي قرنٍ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل، فكيف بنا اليوم؟! فلذلك ينبغي التحذير من هذا والنهي عنه، ويعتبر من التشبه الذي لا يجوز للمرأة أن تتعاطاه.وأما بالنسبة لحكمه في الصلاة لو صلَّت به، فإن المفصِّل لتقاطيع الجسم مع ستر العورة يُوجِب الحكم بالصحة، ولكنها آثمةٌ من جهة الإخلال بما ذكرناه.
    [حد عورة الرجل والأمة]
    قال المصنف رحمه الله:
    [وعورة رجلٍ وأمةٍ وأم ولدٍ ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة].هؤلاء كلهم عورتهم ما بين السرة إلى الركبة،
    وقد جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام:
    (ما بين السرة إلى الركبة عورة)،
    وقوله:
    (العورة ما بين السرة والركبة) بهذه الألفاظ،
    لكنه يأتي على وجهين:
    الوجه الأول: يأتي مقيداً بالصلاة، وهذا حسَّنه بعض أهل العلم.
    والوجه الثاني: أن يأتي مطلقاً، وقد تكلم العلماء رحمهم الله على سنده وضعفوه.
    وقال العلماء: أما بالنسبة للرجل فما بين السرة والركبة.
    وأما السرة نفسها فقول الجماهير: إنها ليست بعورة.والركبة نفسها عورةٌ في قول بعض العلماء، وليست بعورة في قول طائفة، وإن كان الأقوى أنها ليست بعورة؛ لأن التعبير بالبينية يُشعِر بأن الغاية خارجةٌ عن المغيا، كما هو معلوم في القواعد.
    وبناءً على ذلك قالوا:
    إن الركبة كشفها لا يؤثِّر.
    وقوله: (وأمة) أي: كذلك الأمة،
    قالوا:
    لمكان الغالبِ من انصراف النفوس عنها؛ لأن النفوس كانت تأنف من وطء الإماء والزنا بهن، وهذا في الغالب، وإنما كن يتبعن الحرائر، ولمكان تسخير الشَّرْع لهنّ بالرق لخدمة أسيادهن فخُفِّفَت عورتهن،
    ولذلك قالوا:
    إنها لا تستطيع القيام بحق أسيادها إلا إذا خرجت ودخلت في قضاء الحوائج والمصالح، فهي أشبه ما تكون بالرجل،
    فقالوا:
    عورتها عورة الرجل.ولكن من أهل العلم رحمة الله عليهم من فرَّق بين الأمة الفاتنة وغير الفاتنة لاختلاف النساء في ذلك،
    وقال:
    إنه إذا كانت غير فاتنة فالحاجة غير داعية إليها، كما نبه عليه الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني، ودرج على هذا القول، وهو قول الجماهير.
    وإن كانت فاتنة قالوا:
    إنه لا يجوز لها الكشف ولو كانت أمةً، فإن بعض الإماء أشد فتنةً من الحرائر، وليس في دين الله الحكم بجواز وشرعية الشيء الذي يُفضي إلى محارم الله عز وجل، والوقوع في حدوده إلا ما استثناه الشرع من الضرورات.
    وقوله: (ومُعتَقٌ بعضها) كالتي تكون نصفها حرة ونصفها أمة، فعورتها ما بين السرة إلى الركبة،
    قالوا:
    لأن الْمُعْتَق بعضها تُعتبر في حكم الرقيقة؛ لأن القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك،
    وفرعوا على هذه القاعدة قاعدة تقول:
    الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل أنها رقيقة، فإذا أُعتِق بعضها ترددت بين أن تُلحق بالحرة وبين أن تُلحق بالأمة، فروعي الأصل، ولأنه إذا تُرُدِّدَ بين الأضعف والأقوى فالأصل حمله على الأضعف حتى يدل الدليل على ما هو أقوى منه ولا دليل، فالْمُعْتَق بعضها تُنَزَّل منزلة الأمة، وليس منزلة الحرة.وهكذا المكاتَبَة، فقد أضاف بعض أهل العلم رحمة الله عليهم أن المكاتَبَة مُنَزَّلَة منزِلة المعتق بعضها.
    وقوله: [وأم ولدٍ] ذكر أم الولد لشائبة أنه طريقها إلى العتق.
    وأم الولد: هي الأمة التي يجامعها سيدها فتلد منه، فإن هذه تبقى أم ولد، فإن مات سيدها عتقت،
    وبناءً على ذلك يقولون:
    إنها آيلة إلى العتق، فهل ننزلها منزلة الحرة أو الأمة؟
    قالوا:
    تبقى على الأصل من كونها أمةً، فعورتها عورة من ذكرنا.
    [حد عورة الحرة]
    قال المصنف رحمه الله: [وكل الحرة عورةٌ إلا وجهها].هذا كلامه على الصلاة، فالحرة في الصلاة وجهها ليس بعورة، وهذا مذهب الحنابلة.
    وقال الشافعية والمالكية: إن الحرة وجهها وكفاها ليسا بعورة، وتكشف الوجه والكفين،
    وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
    وظاهر القدمين.فهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم رحمة الله عليهم، أصحُّها وأقواها ما اختاره المصنف من استثناء الوجه، وفيه آثار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.وبقيت اليدان والرجلان على الأصل،
    ويدل على ذلك أنه لما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن المرأة تصلي في درعٍ وخمار قال عليه الصلاة والسلام:
    (إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)،
    والسابغ:
    أصله في الساتر، فدل على أن أصل البدن يُستر، واستثني الوجه لما ذكرناه من الآثار.والصحيح في هذا -أعني حديث أم سلمة - وقفه، كما ذكر غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم.وإذا وُجِد الأجنبي؟ قال بعض العلماء تغطي وجهها؛ لأنه حق لله،
    وقال بعض العلماء:
    إنها تبقى على الأصل من كونها كاشفةً للوجه والإثم على من نظر.
    [حكم الصلاة في ثوبين]
    قال المصنف رحمه الله: [وتستحب صلاته في ثوبين] قوله: (وتستحب صلاته) الاستحباب يدل على أنه لا يلزمه؛ لأن المقصود أن تستر العورة، فلو أن إنساناً صلَّى بثوبٍ واحدٍ ساترٍ لعورته صحت صلاته، كالحال الآن فلو لبس الثوب المعروف دون أن يكون عليه ملابس داخلية، وهذا الثوب له لون غامق يمنع النظر إلى ما وراءه وصلَّى صحت صلاته، فهذا من ناحية الأصل؛ لأنه ثوبٌ ساتر، والعبرة بالستر.ولكنهم استحبوا أن يصلي في ثوبين،
    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    (أو كلكم يجد ثوبين؟)،
    لكن قال العلماء:
    إن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم خرج لمكان الضرورة والضيق على عهد الصحابة، أما بعد أن وسَّع الله عز وجل فإنه يستحب للإنسان أن يصلي في ثوبين؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى بالإزار والرداء صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أفضل وأكمل.والثوبان أعلاهما لأعلى البدن، وأسفلهما لأسفل البدن،
    فما يكون أسفل البدن كالفوط ونحوها يقولون:
    هذا إزار،
    وأما الذي يكون على الأعلى فيقولون عنه:
    رداء، وفي الإحرام تلبس الرداء الذي هو على الكتف، وتلبس الإزار الذي يكون على أسافل البدن.فقد يُصلي في ثوبين من غير الإزار والرداء، يصلي -مثلاً- بقميص وسروال، والقميص قد يكون إلى أنصاف العضد، أو إلى نصف الساعد، هذا بالنسبة لأعلاه، وأما بالنسبة للأسفل فقد يكون إلى الركب، وقد يكون إلى نصف الفخذ، فيكون السروال ساتراً لما هو أدنى منه.وقد يكون قميصاً مع الإزار، وقد كان لبس العرب للقميص في عهد النبي صلى الله عليه وسلم،
    لذلك قال:
    (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس).فكان من لباسهم السروال والقميص، فالقميص يكون لأعالي البدن غالباً، وقد يكون القميص طويلاً، وهذا يقع في لباس النساء في القديم، فيكون قميصها طويلاً كالثوب، ويكون ساتراً لجميع البدن إلا ظهور القدمين، إلا إذا كان سابغاً،
    فيقولون:
    إن هذا القميص يجوز للرجل أن يصلي به إذا كان معه سروال، أو ما يستر أسافل البدن.وفي الوقت الحاضر لو صلى بما يستر أعلى بدنه بما يسمى (الفنائل) وصلى بالسروال أجزأه ذلك وصح؛ لأنه ساتر وعلى عاتقه شيءٌ، ولكن لا يصلي بذلك في مجامع الناس، ولا في مساجدهم؛ لأن من فعل ذلك سقطت مروءته، ومن كمال المروءة أن يستر بدنه بما جرى به العرف،
    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
    (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) قالوا: والحياء ألا يلبس مثل هذه الملابس في مجامع الناس، ولذلك تصح صلاته ولكن تسقط مروءته وعدالته، إلا إذا كان مضطراً، أو كان عنده عمل، فلو أن إنساناً عنده عمل فصلى في السروال أو البنطلون أو في القميص فصلاته صحيحة ومجزئة؛ لأن تكليف الناس أن يخلعوا هذه الألبسة وأن يلبسوا ثيابهم فيه مشقة، وفيه حرج عليهم، فيجوز لهم أن يصلوا بمثل هذه الألبسة،
    لكن الأكمل والأفضل كما قال عليه الصلاة والسلام:
    (ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته).فيستحب لمثل هؤلاء الذين عندهم أعمال أو مهن أن يجعلوا ثوباً قريباً من العمل، فإذا جاء وقت الصلاة نزع ثياب العمل ولبس ثوبه، أو لبس الثوب النظيف على ثياب العمل حتى يكون أستر له وأكمل لمروءته.وهنا تنبيه، وهو أنه شاع في هذه الأزمنة أن بعض الناس -أصلحهم الله- يخرج إلى بيوت الله عز وجل خاصةً في صلاة الفجر والعصر بثياب النوم، وهذه الثياب لها أكمام قصيرة، وهذا لا شك أنه خلاف السنة؛ لأن السنة إبداء الزينة في المساجد، ومثل هذا لا مروءة عنده؛ لأن المروءة أن يلبس ما يستره، ويكون أكمل بصيانة ماء وجهه وهذا من الحياء، فالذي يستحيي لا يخرج بثياب نومه، وهل يليق أن يخرج إلى ملك الملوك وجبار السماوات والأرض الذي أطعمه وسقاه وكساه بهذا المنظر، وكأنه يستكثر أن يقف بين يديه بثيابٍ يتجمل بها لعبادته.فلا شك أنه من ضَعف الإيمان ونقص العقل أن يخرج الإنسان بثياب نومه أمام الناس لكي يصلي فيها، وهذا يدل على استخفافه بالصلاة، وإلا لو كان يُعظِّم الوقوف بين يدي الله لأحسن له عدته ولتجمَّل.ولو أن إنساناً -ولله المثل الأعلى- أراد أن يقف بين يدي عظيم من عظماء الدنيا لتجمَّل وتزين وطلب أحسن الملابس، مع أن الذي أطعمك وكساك ورزقك هو الله جل وعلا.أتستكثر أن تلبس من رزقه، وأن تحسن لباسك وزينتك للموقف بين يديه؟ فهذا ينبغي التنبيه عليه، وينبغي على الأئمة إذا رأوا أحداً بهذه الصفة أن ينبهوه، فإن المسلمين -خاصةً في هذه البلاد- يعظمون شعيرة الصلاة، فإحداث مثل هذه الأمور تُخِل بإكرام بيوت الله عز وجل، وإكرام شعائر الإسلام التي أَمَر الله بتعظيمها وإجلالها،
    وصدق الله إذ يقول:
    {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] أي: الذي يتقي الله، وكملت تقواه لله عز وجل يُعظِّم الموقف بين يديه، ويحسن التهيؤ لهذه الصلوات.فلذلك ينبغي التنبيه على مثل هذا الأمر، والنصح بلطف وإرشاد، إلا إذا كان الإنسان عنده حاجة أو ضرورة، كشخص نسي أو ذُهِل؛ لأن الناس قد يحصل منهم هذا، ولا ينبغي التعنيف والمبالغة في التقريع، بل ينبغي أخذ الناس بلطف؛ لأن ذلك أدعى لقبول الحق والرضا به.
    [ستر العاتقين في النافلة والفريضة]
    قال المصنف رحمه الله: [ويكفي ستر عورته في النفل ومع أحد عاتقيه في الفرض] الصلوات تنقسم إلى نافلة وإلى فريضة،
    والنفل:
    الزيادة.فالنفل أخف شأناً من الفريضة، بما عُهِد من أدلة الشرع، ولذلك يجوز أن تصلى النافلة في السفر على الدابة بخلاف الفريضة، فخُفِّف أمر النافلة أكثر من الفريضة، ومشى عليه الصلاة والسلام لفتح الباب في النافلة، ولم يمشِ في الفريضة.فالمقصد أن النافلة أخف من الفرض،
    وإذا كانت أخف قالوا:
    إنه إذا صلى النافلة ساتراً عورته أجزأه.
    وبناءً على ذلك: لو صلى في سروالٍ دون أن يستر أحد عاتقيه، أو في إزارٍ دون أن يستر أحد عاتقيه،
    قالوا: تجزيه.
    لكن عموم نهيه عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عمر في الصحيح أنه: (نهى أن يصلي الرجل بثوبٍ ليس على عاتقه منه شيء) يدل على العموم، ويشمل النافلة والفريضة، فالأقوى أنه يشمل الفرض والنفل، ولذلك يصلي الإنسان الفريضة والنافلة مع ستر العاتقين والعورة.
    [صفة ما يستر عورة المرأة]
    قال المصنف رحمه الله:
    [وصلاتها في درعٍ وخمارٍ وملحفةٍ، ويجزئ ستر عورتها].
    قوله:
    [وصلاتها] أي: المرأة، [في درعٍ وخمارٍ وملحفةٍ] الدرع الثوب الموجود لبعض النساء يكون كالثوب الموجود للرجل، وهو ما يسمى بالفساتين تقريباً، فهو على تفصيل الفساتين الموجودة في الوقت الحالي، لكن ليس بالتفصيل المعروف المبالغ به؛ لأن السلف ما كان عندهم هذه المبالغة، إنما كان عندهم أن يُفَصَّل كالثوب.
    قال بعض العلماء: إن الدرع كالقميص بالنسبة للرجل يكون إلى ساتراً لأعالي البدن، ويكون بعض الأحيان سابغاً بحيث يصل إلى ظهور القدمين، وأحياناً أرفع من أن يستر ظهور القدمين
    -أي: غير سابغ-، ويختلف بحسب بُعدِه، وقد يرتفع.
    وأما بالنسبة للخمار فهو مأخوذٌ من خمَّر الشيء يُخَمِّره تخميراً: إذا غطَّاه.
    فأصل التخمير: التغطية، ومنه سميت الخمر خمراً لأنها تغطي العقول -والعياذ بالله-، فالخمار يغطي الرأس وتضعه من تحت الحنك، فتغطي به شعرها، وتغطي به طرف الرأس من ناحية الأذنين.وأما بالنسبة للملحفة فهي الثوب الذي يكون على سبيل الغطاء من خارج، كما هو موجود الآن بما يسمى بالعباء، فيكون في حكم العباء، وإلا هو عادةً يكون من قطع القماش التي تأخذها المرأة وتلتحف بها، وهذا موجود إلى اليوم.وهذا على سبيل الاستحباب، لكن لو أنها سترت عورتها بما يستر أو يكفي للستر، فأخذت قماشاً فسترت به جميع العورة وبقي وجهها صحت صلاتها؛ إذ لا يُشترط تعيين الدرع، ولا يشترط تعيين الخمار، ولا يشترط تعيين الملحفة؛ لأن مقصود الشرع سترها، فإذا حصل الستر فقد حصل مقصود الشرع، فتصح صلاتها.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,209

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (كتاب الصلاة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (59)

    صـــــ(11) إلى صــ(19)

    [حكم صلاة من انكشف بعض عورته]
    قال المصنف رحمه الله: [ومن انكشف بعض عورته وفحش، أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه أو نجس أعاد].بعد أن بين المصنف رحمه الله وجوب ستر العورة، ثم بين حدود العورة، ثم بيَّن ما تستر به العورة شرع في المسائل الطارئة، فلو أن إنساناً صلَّى وانكشف منه بعض عورته،
    فقال رحمه الله:
    [ومن انكشف بعض عورته وفحش] انكشاف بعض العورة يكون بالاختيار، ويكون بالاضطرار، أما بالاختيار فقولاً واحداً يوجب بطلان صلاته، فإذا كشف عورته مختاراً، دون حاجةٍ ولا ضرورةٍ مع علمه، فإنه تبطل صلاته.وانكشافها بالاضطرار يتأتى في قصر اللباس، كما لو كان له لباسٌ أو ثوب واحد، فإذا سَجَد انكشفت عورته، وكان هذا موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا -كما في أبي داود - يصلون وهم عاقدو أُزرهم على عواتقهم رضوان الله عليهم، فإذا سجد الرجل منهم انكشفت عورته، من قلة اللباس.مصعب بن عمير رضي الله عنه كانت له شملة هي التي خرج بها من الدنيا، إن غطوا بها وجهه في الكفن بدت قدماه، وإن غطوا بها قدميه بدا وجهه، وهذا من ضيق الحالة التي كان عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم عاذراً لهم في ذلك، ولم ينزل الوحي بإلزامهم بشيء، أو تحميلهم تبعة ذلك، فدل على أن المضطر لا يكلف أكثر من قدرته.وإن كشفها ذاهلاً وناسياً دون إدراك منه،
    فقال بعض العلماء: إنه إذا كان ولم يعلم به، صحَّت صلاته إذا لم يفحش،
    واستدلوا على هذا بما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه أنه قال:
    (وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فأسلم الناس بعد فتح مكة،
    وقدم أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ولأصحابه:
    صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً،
    قال:
    فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم قرآناً فقدموني)
    .فذكر رضي الله عنه أنه كان له ثوبٌ إذا سجد بدت به عورته،
    فقال رضي الله عنه:
    (فقالت النساء: استروا عنا است قارئكم).
    ووجه الدلالة من هذا الحديث قول النساء: (استروا عنا است قارئكم)، فدل على انكشاف عورته، ومع هذا لم تبطل صلاته،
    ولذلك قالوا:
    من انكشفت عورته لذهول أو نسيان فإن صلاته تصح بشرط عدم الفحش كما ذكر المصنف رحمه الله.وكان الإمام أحمد رحمه الله يضعف متن هذا الحديث،
    فكان إذا ذُكِر له حديث عمرو بن سلمة يقول:
    أي شيءٍ هذا؟ أي شيءٍ هذا؟ دعه فإنه ليس ببيِّن وهذا من فقهه ودقة فهمه رحمة الله عليه.
    فإن حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه يقول: (رجعوا فنظروا) أي: اجتهدوا، وكان هؤلاء الصحابة -كما هو معلوم- أسلموا في عام الوفود حينما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى ذلك أن اجتهادهم رضوان الله عليهم مع حدث عهدٍ بجاهلية لا يُؤمَن معه وجود الخلل؛ لأن انكشاف عورة المصلي يوجب البطلان بالأصل، فكونهم يتركونه يصلي بهم والعورة منكشفة -مع إمكان سترها- من ناحية أصول الشرع لا يقتضي الصحة، فكأنه يرى أن هذا فعل صحابيٍ في زمان النبوة لا يستلزم الاحتجاج بمثله، فلو كان في المدينة وبمحضر من النبي صلى الله عليه وسلم وإقرارٍ منه لصح الاحتجاج،
    لكن كون عمرو نفسه يقول:
    (فنظروا) يؤكد أن هذا خرج منهم على سبيل الجهل رضي الله عنهم وأرضاهم،
    وكان كما جاء عنه في بعض الروايات أنه إذا قيل نفض يديه وقال: أي شيءٍ هذا؟ لأننا لو جئنا نقول بظاهره لأدى ذلك إلى بطلان أصل ستر العورة؛ لأنه بإمكانهم أن يستروه، وبإمكانهم أن يمنعوه من انكشاف عورته،
    ولذلك قال عمرو:
    (فنظروا).وهناك رواية عند عبد الرزاق في مصنفه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقره، ولكنها روايةٌ ضعيفة لم يصح سندها، ومثلها الرواية التي تفيد أن عمراً قدمَ مع أبيه، وهي رواية غير صحيحة، والصحيح أن عمراً كان عند أهله، وأنه كان يتلقى من قدم من المدينة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظ ما عنده من القرآن حتى كان أحفظ القوم، وكانوا حديثي عهدٍ بجاهلية، فرأوا أنه أحفظهم فقدموه.
    [حكم الصلاة في ثوب حرام أو نجس]
    قال المصنف رحمه الله:
    [أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه، أو نجسٍ أعاد].
    قوله: [أو صلى في ثوبٍ محرمٍ] كالثوب المغصوب، كأن يغتصب من إنسانٍ ثوبه ويصلى فيه،
    والصلاة في الثوب المغصوب للعلماء فيها قولان:
    قال الجمهور: من صلى في ثوبٍ مغصوبٍ فصلاته صحيحة، فلا يُطَالب بالإعادة، ولكنه آثمٌ بلبس هذا الثوب، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية رحمة الله على الجميع.
    وقال الحنابلة رحمهم الله: إن من صلى في ثوبٍ محرمٍ كالمغصوب والمسروق فصلاته باطلة، وتلزمه الإعادة، والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن النهي لم ينصب على ذات الصلاة، والنهي إذا لم ينصب على ذات الشيء لم يقتض الفساد؛ لأن النهي هنا عن خارجٍ ليس بمتصلٍ بذات الصلاة، فلو كان النهي عن متصلٍ بذات الصلاة لأوجب البطلان.وبناءً على ذلك قال الجمهور بانفكاك الجهة، فقالوا: نقول: هو آثمٌ بلبس الثوب مثابٌ بفعل الصلاة،
    وبناءً على ذلك نقول:
    إن صلاته صحيحة، ولبسه للثوب حرامٌ عليه وهذا أصح القولين لما ذكرناه من أن النهي إذا لم يرجع إلى ذات المنهي عنه لا يقتضي البطلان، ولا يقتضي الفساد، وأما إذا رجع إلى ذاته فإنه يقتضي البطلان والفساد.
    قوله: (أو نجسٍ) أي: أن صلى في ثوبٍ نجس تلزمه الإعادة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على الصلاة في الثوب النجس والمكان النجس، ولكن هنا إذا لم يكن مضطراً، أما لو اضطر وكان الثوب الذي يصلي فيه نجساً، ولم يوجد ما يطهر به هذا الثوب، كأن يكون في بريةٍ ونحوها،
    فقالوا:
    يصلي ولا تلزمه الإعادة.واستحب بعض العلماء أنه إذا اضطر وصلى في ثوبٍ نجس ثم وجد الطاهر قبل خروج الوقت أن يعيد استحباباً، وهذا مذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم.
    قال رحمه الله تعالى: [لا من حُبس في محل نجس].
    قوله: [حُبِس] بمعنى أنه ألجأه الوقت أن يصلي في مكانٍ غير طاهر،
    قالوا:
    في هذه الحالة يصلي؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلو كان في مكانٍ نجس ولا يستطيع أن يخرج عنه، فحينئذٍ يصلي وصلاته صحيحة.وهكذا لو استغرق امتناعه عن الخروج مدة وقت الصلاة، فيصلي ولا إعادة عليه؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذا ليس بوسعه أن يجد مكاناً طاهراً، فيصلي على حالته.
    [حكم عدم كفاية الساتر لستر العورة]
    يقول المصنف رحمه الله: [ومن وجد كفاية عورته سترها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدبر].بعد أن بيَّن المصنف رحمه الله وجوب ستر العورة للصلاة، وأنه ينبغي على كل مصلٍ أن يستر عورته، بيَّن أن من وجد هذا الساتر الذي أمر الله به فينبغي عليه أن يستتر، أما لو كان الإنسان غير واجدٍ للسُّترة التي أمر الله بها، كأن يكون خرج من غرق في البحر، ولا يجد ما يستر به عورته إلا شيئاً يسيراً من الثياب فيستر السوءتين وذلك هو الأصل في العورة، وما زاد على السوءتين إنما هو آخذٌ حكمها بحكم التَّبَع لا بحكم الأصل، فإذا تعارض عندنا ستر السوءة بنفسها
    -أعني: العورة- وستر ما جاورها قدم ستر العورة على ما جاورها، فيبتدئُ بستر الفرجين، فإذا كان هناك شيءٌ زائد على ما يستر به الفرجين ستره، وأما إذا كان القدر من الثياب الذي معه لا يكفي إلا للفرجين ستر الفرجين.
    وقوله: (فإن لم يكفهما فالدبر) للعلماء في تقديم أحدهما وجهان: فمنهم من قال: إن المكلف إذا فقد الساتر ولم يجد إلا ما يستر به أحد الفرجين ستر الدبر؛ لأنه أبلغ في الانكشاف خاصةً عند سجوده، ولإمكان ستر القبُل بالمواجهة، وبإنزال اليدين بمحاذاة الفرج دون مسٍ؛ لأن مس الفرج يؤدي إلى انتقاض طهارته وبطلان صلاته.
    قالوا: فخُفِّف في القبُل وشُدد في الدبر، ولأن القبل يستتر في حال السجود والدبر ينكشف، فأصبح أحد الموضعين أبلغ من الموضع الثاني في الانكشاف، وإذا كان أحد الموضعين أبلغ كان هذا مرجِّحاً لستره على غيره؛ لأن التضرر بانكشافه أبلغ.
    وقال بعض العلماء:
    إنه يستر القبُل ويترك الدبر؛ لأنه إذا وقف كان الانكشاف للقبل أبلغ من انكشاف الدبر.والحقيقة أن القول بستر الدبر أبلغ وأقوم،
    وذلك من وجوه:
    منها ما ذكروه، ولأن الإنسان يستر في صلاته قبله، ويضعف انكشاف القبل في حال القيام بضم الفخذين إليه، وبالركوع يكون أخف، وكذلك في حال السجود، فأصبح حال الفرجين مختلفاً من جهة الانكشاف، فرُجِّح تقديم الدبر على القبل للوجوه التي ذكرناها.
    [إعارة العادم السترة وحكم أخذه لها]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وإن أُعِير سُترةً لزمه قبولها] بعد أن بين رحمه الله أنه لا تصح الصلاة إلا بالسترة، وأن هناك أحكاماً تتعلق بالمضطر -وهو الشخص الذي لا يجد السترة- شَرَع بعد ذلك في حكم هذا الشخص الذي لا يجد سترة،
    فلو أن إنساناً قال له:
    خذ هذا الثوب عاريةً مني، أو هديةً، أو عطيةً، فإنه يجب عليه قبول هذا الساتر لستر العورة، وذلك لمكان الفرض الواجب عليه بالستر، وهذه من الصور التي يجب فيها قبول العارية والهبة، لا لذات العارية والهبة، ولكن لأنه مطالبٌ بستر عورته، فتوقَّف هذا الواجب -وهو ستر العورة- على قبول العارية والهدية، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
    فلذلك قالوا:
    يلزمه القبول، ولا يجوز له أن يمتنع.
    كيفية صلاة العاري منفرداً
    قال المصنف رحمه الله:
    [ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما].بعد أن بين الحالة الأولى، وهي التي تتعلق بالإنسان الذي لا يجد السترة من طَوْلِه ومن ماله ووجدها من الغير بين الحالة الثانية، وهي ألا يجد أحداً يتبرع له بالسترة، ولا يمكنه أيضاً ستر أحد الفرجين،
    فقال رحمه الله:
    (ويصلي العاري قاعداً)، فلو أن هذا الشخص الذي لا يجد السترة لم يجد من يعطيه سترة أو يعيره السترة،
    وليس عنده ما يستر به أحد الفرجين فللعلماء في الإنسان العاري إذا أراد أن يصلي وجهان:
    فمنهم من قال: يصلي قائماً،
    ومنهم من قال:
    يصلي قاعداً.
    وصورة المسألة: لو أن إنساناً غرق، أو جماعةً انكسرت بهم السفينة، فخرجوا وأصبحوا عراةً، أو نزلوا في موضعٍ احترقت عليهم ثيابهم، ولم يجدوا ما يستروا به عوراتهم،
    فأهل القول الأول قالوا:
    إذا اجتمعوا أو انفردوا فإنه يصلي الإنسان في هذه الحالة قاعداً،
    ووجه هذا القول أنهم قالوا:
    إنه إذا صلى قاعداً فات حق الله عز وجل في القيام، وإذا صلى قائماً فات حق العبد بانكشاف عورته وتضرر فتعارض الحقان، والقاعدة أن حقوق الله أوسع من حقوق العباد، فإذا تعارض الحقان قدم حق العبد على حق الله لا من جهة التفضيل، ولكن من جهة الرحمة واللطف، ولذلك من اضطر في سفر إلى مخمصة وأصابته المجاعة فإن حق الله ألا يأكل الميتة، وحق نفسه أن ينقذها، فقُدِّم حق النفس على حق الله من جهة الرحمة والتوسعة من الله على عباده.
    فيقولون: إن العاري لو قلنا له: صلِّ قائماً تضرر بحق نفسه بانكشاف عورته وبدو سوءته،
    وقد سمَّى الله العورة سوءة قال تعالى:
    {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121].فأخبر سبحانه وتعالى أن العورة سوءة،
    قالوا:
    سميت سوءةً؛ لأنها تسيء إلى صاحبها عند انكشافها.
    والقول الثاني: يصلي قائماً ولا يصلي قاعداً؛ لأن الله تعالى قال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]،
    وقال عليه الصلاة والسلام:
    (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)،
    وقال لـ عمران:
    (صل قائماً).فالأدلة ملزمةٌ بالقيام،
    قالوا:
    فإذا قلنا له: اجلس لمكان انكشاف العورة فإننا نقدم الشرط على الركن، والقاعدة أنه إذا ازدحم الشرط والركن قُدِّم الركن على الشرط، فإن القيام ركن، والجلوس من أجل ستر العورة تحصيل للشرط، والذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان إذا لم يجد ما يستر به عورته يصلي قائماً،
    لأمور:
    أولاً: للأدلة التي دلت على لزوم القيام.
    ثانياً: أن قولهم بأنه يجلس ولا يقوم إنما هو تقديمٌ للشرط على الركن، والقاعدة أن الأركان مقدمةٌ على الشروط، وهذا بدليل الشرع، فإن الأركان أَلْزَم؛ لأنها تعود إلى حقيقة الصلاة وماهيتها.
    ثالثاً: أن فقه المسألة أن الإنسان إذا صلى قائماً فإنه ليس بمخلٍ من نفسه؛ لأن الله كلَّفه أن يستر عورته عند القدرة، ولا قدرة له على الستر.فبقي نظر الغير إليه يتعلق إثمه بالناظر، فالله لم يكلفني نظر الغير؛ لأنني إذا لم أجد الطّول فغيري هو الآثم بالنظر، وأصبح التكليف بغض النظر متعلقاً بالغير لا بالمكلف، ولذلك يقوى القول بأنه يُصَلِّي قائماً، ولا يصح منه أن يصلي جالساً لما ذكرناه.
    وقوله: (استحباباً) أي: لا نوجب عليه ذلك، ومعناه أنه لو صلى قائماً صحت صلاته،
    وخلاصة القول:
    يصلي قائماً حتى نخرج من الخلاف؛
    لأن من قال:
    (يصلي قاعداً) لا يُوجِب القعود،
    وإنما قال:
    (استحباباً) أي: لا حتماً ولا إيجاباً.
    [كيفية صلاة العراة جماعة]
    قال المصنف رحمه الله:
    [ويكون إمامهم وسطهم].هذه مسألة من مسائل الإمامة،
    قالوا:
    الأصل في الإمام أن يتقدم؛ لأن الإمام مأخوذٌ من الأمام، كما قال ابن منظور في اللسان، والأمام هو الخط الذي يُخط في أول الدار.
    قالوا: فوصفه في الشرع بالإمامة يدل على تقديمه، فلو تأخر لم يكن إماماً شرعياً من هذا الوصف؛ لأنه يُؤتم به.
    وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (إنما جعل الإمام ليؤتم به) أي: من أجل أن يؤتم به، فلما أخبر أن الإمام مؤتمٌ به، فهذا مطلق يشمل الائتمام به في حال تقدمه والائتمام به في حال أدائه للصلاة، ولذلك ينبغي على الإمام أن يتقدم، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصلي بأصحابه متقدماً لا متأخراً، ولا مساوياً للصفوف إلا في حال الاضطرار، فهذا يستثنى لمكان الضرورة والحاجة.
    لكن لو أن عراةً اجتمعوا وأرادوا أن يصلوا قال: [ويكون إمامهم وسطهم]، وذلك مما يُغتفر فيه تقدم الإمام على المأمومين، لكن يُنبه على أن الإمام ينبغي عليه أن يتقدم على من بجواره قليلاً؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به)، فهذا يدل على تقدم الإمام ولو قليلاً، كما نبه العلماء رحمهم الله على ذلك، كما في حديث أنس، وهو أحد الوجهين عندهم كما نبه عليه فقهاء الشافعية وغيرهم.فيصلِّي وسطهم، لكنه يتقدم قليلاً، والسبب في هذا أنه إذا تقدم انكشفت عورته، وانكشاف العورة مخلٌ بالصلاة،
    قالوا:
    فيتأخر؛ لأن تقدم الإمام هنا أخف من المسألة التي معنا في القيام والقعود، فإن التقدم في الإمامة يغتفر لمكان دلالة النص على الستر، فإن دلالة النص على الستر في النصوص الواردة بالأمر بالستر وستر العورة أقوى من الأمر بتقدم الإمام،
    فلما أصبحت نصوص ستر العورة أقوى من نصوص تقدم الإمام قالوا:
    إن الإمام يصلي وسطهم، بمعنى أن يكون داخل الصف.فلو فرضنا أنهم ثلاثة عراة، فإنه يصلي وسطهم، ويكون أحدهم عن يمينه والثاني عن يساره.
    قالوا: وهذا يغتفر فيه مقامه عن اليسار، وهي من الصور التي يستثنى فيها وقوف المأموم عن يسار الإمام.لكن لو أنه أخره قليلاً فإنه أولى وأحرى، ولا شك أنه لو تأخر قليلاً لا يكون ثَمّ انكشاف كما لو تقدم تقدماً حقيقياً كما يفعله الأئمة.
    قال رحمه الله تعالى: [ويصلي كل نوعٍ وحده] أي: تصلي النساء على حدة، إذا كن عراةً، والرجال على حدة، تحقيقاً لمقصود الشرع من ستر العورة وعدم تعاطي أسباب انكشافها، فيصلي الرجال مع الرجال والنساء مع النساء؛ لأن اجتماع النساء مع الرجال في هذه الصور فيه الفتنة،
    وقال بعض العلماء:
    لا حرج أن يصلي النساء مع الرجال حتى في حال العري؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا سجدوا انكشفت عوراتهم؛ لأنهم لم يكن لهم ما يسترون به العورة من ضيق اللباس في زمانهم رضي الله عنهم وأرضاهم،
    قالوا:
    ففي هذه الحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر النساء بالتأخر في رفع رؤوسهن، وإقراره لصلاتهن مع الرجال على هذه الحالة يدل على التخفيف.لكن هذا محل نظر،
    وذلك من وجوه:
    أقواها وأولاها أن حال الصحابة رضوان الله عليهم يقع في صورةٍ يمكن تلافيها، وإمامة العراة صورة لا يمكن تلافيها؛ لأن انكشاف العورة من الرجال في عهد الصحابة كان في حال السجود فقط، وبناءً على ذلك يمكن تلافيه، فإن النساء إذا أخرن رفع رؤوسهن وبادرن بالسجود، فإنه يمكن تلافي الفتنة بالنظر، لكن كونهن يصلين والرجال أمامهن منكشفين فإن النساء يحتجن إلى رؤية الإمام ورؤية من يقتدي بالإمام قطعاً حتى يعلمن بالانتقال، خاصة عند كثرة العدد، وبناءً على ذلك فالفتنة غالبة،
    ولذلك يقوى قول من قال: إنه يصلي الرجال على حدة والنساء على حدة؛ لأن الجماعة متحققة بالنساء على انفرادهن، وبالرجال على انفرادهم.
    قال المصنف رحمه الله: [فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم عكسوا] قوله: [فإن شق] أي: إن شق أن يصلي هؤلاء على حدة، وأن يصلي هؤلاء على حدة، كما لو كانوا في سفينة، وليس معهم ثياب تستر بها العورات، فحينئذٍ يصلي الرجال أولاً والنساء مستدبرات للرجال، ثم تصلي النساء والرجال مستدبرون للنساء؛ لأن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فغض البصر عن النظر إلى العورة واجب، وتوقف في هذه الحالة على حالة الإستدبار، فأصبح الإستدبار لازماً على الرجال ولازماً على النساء.
    حكم من صلى عارياً ووجد ساتراً أثناء صلاته
    قال المصنف رحمه الله: [فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ] هذه القسمة العقلية،
    فالإنسان عقلاً لديه ثلاث حالات: إما أن يجد السترة، وإما ألا يجد السترة، وإما أن يجد بعض السترة.فإن وجد السترة لزمه قولاً واحداً أن يستتر، وهذا الأصل.وإن فقد السترة صلى عارياً، وقد بين المصنف حكمه جماعةً وفرادى.وإن وجد بعض السترة فهل يستر القُبُل أو الدبُر،
    وجهان:
    أصحهما أن يستر الدبر.ثم بعد هذا شرَع رحمه الله في الحالة الأخيرة، وهي أن من فقد السترة إما أن يفقدها حتى يصلي وينتهي من صلاته، وحينئذٍ الحكم ما تقدم، وإما أن يفقدها وتطرأ أثناء الصلاة،
    فقال رحمه الله:
    (فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة)،
    كأنه يقول:
    بيَّنت لك حكم من لم يجد السترة وصلى، هل يصلي قائماً أو قاعداً، وبقي أنها لو طرأت أثناء الصلاة، فحينئذٍ إذا طرأت أثناء الصلاة لَزِمه أخذها، والحركة لأخذ السترة جائزة ومغتفرة؛ لأنها تحصيل لواجب، والحركة لواجب مشروعة، وقد تحرك النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة الصلاة، ألا تُراه عليه الصلاة والسلام رقى منبره، ونزل من المنبر، وتحرك في الصلاة لمصالحها، وحرك أصحابه لمصالح الصلاة، فدفع جابراً وجباراً وراء ظهره، وأخذ بـ ابن عباس من ورائه فأداره عن يمينه، كل هذا يدل على جواز الحركة لمصلحة الصلاة.فلو فرض أنه وجدها أثناء الصلاة، فإنه إن كان العمل قليلاً فحينئذٍ لا إشكال، كما لو جاءه رجل بسترة وناوله وهو في الصلاة، فإن مناولة السترة ووضعها على العاتق قد تكون خفيفة يسيرة، والعمل لذلك يسير، لكن الإشكال لو احتيج إلى أن يتكلف في لبسها لطبيعتها إلى عملٍ كثير، ويمكنه أن يستر بعض الجسد بالعمل اليسير، فهل يقدم الستر للكل بالعمل الكثير أو يُقدم الستر للعورة بالعمل اليسير؟ صورة ذلك لو أعطاك ثوباً، فإن لُبسَ الثوب يقتضي حركةً أكثر مما لو احتزمت بالثوب، وفي حال إذا كان الثوب يحتاج إلى عمل كثير من إدخال اليدين فيه، وتعاطي أسباب اللبس، فحينئذٍ يكون هذا التحرك مدفوعاً بما هو أقل منه محصلاً لواجب الشرع، فإنك إذا ائتَزَرْت به، ووضعت أحد طرفيه على عاتقك حققت مقصود الشرع، وذلك بعملٍ يسير، فيلزمك فعل اليسير وترك الكثير؛ لأن ما جاز للحاجة يقدر بقدرها، فهو محتاجٌ لستر عورته، فالكمال أن يلبس الثوب بكامله، والإجزاءُ أن يلبسه على موضع عورته وقدر ما يجب عليه ستره، فيفعل الواجب عليه ستره.لكن هنا مسألة أشكل من هذه المسألة وأعظم، فلو أن إنساناً كان يصلي وهو قائم، وألزمنا القيام وهو عاري البدن، ثم سقط الثوب بجواره، فحينئذٍ لا يستطيع أن يأخذ الثوب في الغالب إلا بالانحناء، وإذا انحنى انتقل من ركنٍ إلى ركن، فإنه ينتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع أو ركن الجلوس، وحينئذٍ هذا الركن زائد في الصلاة، ولذلك أجمع العلماء على أنَّ تَعمُّدَ زيادة الركن في الصلاة يوجب بطلانها، ففي هذه الحالة ينبه بعض مشايخنا رحمة الله عليهم فقالو إنه يرفعه بقدمه ويتناوله ويلبسه ولا ينحني، فيحافظ على هيئات الصلاة ويلبس ثوبه، ويقتصر على أقل ما يتحقق به الواجب.
    وقوله: [قريبة] أي أن تكون هذه السترة قريبة، وفي هذه الحالة إذا كانت بعيدةً، أو لزمه عملٌ كثير لتعاطيها ولبسها، قالوا لا يجب عليه أن يشتغل بها، بل يتم صلاته.
    وقوله: [ستر وبنى وإلا ابتدأ].هذا بالنسبة لحال الإتمام،
    لكن لو صاح عليه صائح وقال:
    لك ثياب عند محمد أو زيد فيلزمه قطع الصلاة، ثم يذهب ويلبس ويصلي مستتر العورة.فلو طرأ أثناء الصلاة وجود سترة تحتاج إلى عملٍ كثير، أو ذهاب إلى موضع، ويمكنه ذلك قبل خروج الوقت يقطع ويذهب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإنما جاز له أن يصلي في حال الفقد، أما في حال الوَجْد فلا يصح منه أن يصلي في حال قدرته على ستر العورة على هذا الوجه.
    الأسئلة
    [حكم كشف الفخذ في غير الصلاة]
    q إن الأحاديث التي وردت بحد العورة مطلقة ضعفها أهل العلم، وحسنُوا المقيد بالصلاة، فهل يُفهم من ذلك أن الفخذ خارج الصلاة ليس بعورة؟
    a باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،
    أما بعد:
    فنحن ذكرنا أن الأحاديث المطلقة مضعَّفة، والأحاديث المقيدة بالصلاة محسَّنة وثابتة ويعمل بها، ولكن ليس معنى هذا أنه يجوز للإنسان أن يخرج وعورته مكشوفة.
    ولذلك قالوا: إن كشف بعض أعضاء البدن إذا جرى العرف بسترها مخلٌ بالمروءة.
    ويقولون:
    إن من خوارم المروءة أن يفعل الإنسان ما أبيح له سراً أمام الناس جهراً، ككشف بعض أعضاء الجسم إذا جرى العُرف بتغطيته كالرأس، قالوا إنه يعتبر مسقطاً للمروءة،
    كما قال القائل: وما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان فقالوا: إنه قد يكون الشيء في أصله جائزاً، لكنه من باب المروءة وتعاطي الكمال يجب ستره، وهذا فيما زاد عن حد العورة، كأعالي البدن، فلو أن إنساناً خرج في السوق كاشفاً عن صدره، أو لبس ما يُسمى (بالفنايل)، وجاء أمام الناس لابساً سرواله وفنيلته، فهذا خلاف العُرف، لكن لو كان صانعاً، أو صاحب صنعةٍ أو مهنة، ولبس هذا اللباس أثناء عمله ومهنته فلا حرج ولا عتب عليه، لكن إذا جاء إلى مجامع الناس بهذا اللبس فإنه تسقط مروءته وترد شهادته،
    قالوا: لأن هذا نقصٌ في العقل، وناقص العقل لا تقبل شهادته،
    ومن أهل العلم من استدل له بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام:
    (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
    قال الشاعر: يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فالإنسان إذا استحيا كملت مروءته،
    بل قالوا:
    إنه لا يستحيي إلا من كان كامل العقل، أعني الحياء المحمود الذي يحمل على مكارم الأخلاق.ومن مكارم الأخلاق ما ذكرناه من عدم تعاطي الألبسة، أو كشف الأمور التي لم يجر العرف بكشفها، ويستحب للإنسان أن يراعي هذا خاصةً في الأعراف، فيساير العرف الذي هو فيه إذا كان العرف على الكمال، أما لو كان العرف على النقص فلا يسايره، فلو كان العرف درج على لبسٍ يخل بالمروءة، أو على لبس متهتك يخالف شرع الله، فإنه لا يعتبر عرفاً.
    قال الناظم: وليس بالمفيد جري العيدِ بخلف أمر المبدئ المعيدِ والعرف إن خالف أمر الباري وجب أن ينبذ في البراري فلا قيمة للعرف ما دام أنه يعارض الشرع،
    ومثل العلماء لذلك فقالوا:
    لو جرى العرف بحلق اللحية لم يكن عرفاً معتبراً؛ لأنه يُصادم الشرع.فالمراد بالأعراف المعتبرة الأعراف التي توافق الشرع، وتوافق مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وجميل الطباع، فهذا هو العرف المعوَّل عليه، والله تعالى أعلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •