التأصيل العلمي
عائض بن عبد اللّه القرني




يمتاز الشافعي بتأصيله العلمي، ومعرفته بالكليات والمقاصد، إنك تجد غيره من المحدثين أكثر حفظاً منه، ولم يبلغوا مد نبوغه ولا نصيفه؛ لأنهم اهتموا بالوسائل على حساب المقاصد، وبالجزئيات على حساب الكليات، ولقد كان للشافعي ذهن وقاد، وملكة حرة منتجة، ومنجم بكر من الفهم، فأعطى النصوص حقها من التفقه، والتأصيل والنظر العام لمجمل الشريعة، فسبر غورها، وقعد قواعدها.
ومزية هذا المنهج الذي نهجه الشافعي أنه يضبط الفروع بأصول، والجزئيات بكليات، حتى إذا فات العالم بعض جزئيات الأدلة وفروع الشريعة، عرفه من القواعد الممهدة لديه، والأصول المحفوظة عنده، وهذا المنهج مريح للعالم؛ لأنه يعفيه من كثرة تتبع الدقائق، وملاحقة الفرعيات، وكذلك قد تجد الشافعي يستغني بالأصول عن كثير من الفروع، فيعيد كل مسألة إلى قاعدتها، وما ذاك إلا لجودة ذهنه، وبراعة عقله، وغزارة فهمه.
والشافعي وسط بين طريقتين: طريقة أهل الرأي الذين ولدوا المسائل، وأكثروا من توقعات الفروع والقياس وأوغلوا في النظر.
وطريقة المحدثين الذين جدوا في علم الرواية، وتتبع الطرق، والجرح والتعديل، وجمع الروايات، فعمد الشافعي إلى النقل، فأخذ منه أصولاً عامة، واهتم بالمقاصد والمعاني والحقائق، وأخذ من النظر جودة الاستنباط وحسن المنزع، فكان أجمل شيء كلامه وفقهه مع ما رزق من فصاحة وبيان، وإلمام باللغة، وإدراك لأسرار الكلام، ومرامي الألفاظ، وفوق ذاك عقل راجح، وصيانة وديانة، وقيام بحق الملة، ونبل مشهود، وسجايا حميدة، وخلال كريمة، فهنيئاً له