القراءة مصدر علم ونبوغ

عبدالعزيز بن صالح العسكر


كنت أسأل لمَ رأينا علماء صغارا في السن يبهرون الناس بسعة علمهم وتعدد معارفهم وقوة حفظهم وجمال منطقهم وحب الناس لهم وهم عدد كبير في القديم والحديث، ومنهم في زماننا الشيخ عبدالكريم الخضير وسعد الشثري وعدد كبير غيرهم كانوا منذ شبابهم يملكون علما غزيرا وفقها واسعا؟!

ولم أجد جوابا أكبر ولا أقوى من جواب واحد يسبق ما سواه؛ أتدرون معشر القرَّاء ما هو؟ إنه ما رأينا وسمعناه منهم، حفظهم الله.

لأنهم يقرأون

نعم قرأوا كثيرا ومازالوا.. وقد علمت وسمعت ذلك منهم، فمكتباتهم كبار فيها من كتب العلم والفقه الآلاف؛ في التفسير والعقيدة والنحو والتاريخ وعلوم كثيرة.. لا تكاد تجد كتابا إلا وفيه تعليقات وشروح مما يدل على أنّ الشيخ قرأه مرة أو مرارا.

جعلوا من القراءة زادا وسلوة وصديقا لا يفارقونه.

مجلدات كثيرة قرأوا فيها قراءة:

تَدبُّر، وتفقه، وشغف بما فيها.

لم يكن همهم أن يقلبوا الصفحات.

ولم يكن همهم أن يبلغوا نهاية الكتاب.

ولم يكن همهم أن يقولوا قرأنا أو يقال عنهم قرأوا.

كَلاَّ؛ فقد قرأوا حبَّا للعلم ورغبة في التَّزَوُّد منه، وغوصا في مسائله وفنونه.

ولذلك فإنا نطرب لحديثهم ونسعد بسماع أصواتهم ويملكون شغاف قلوبنا.

لقد رفع «الكتاب» أقواما عرفوا مكانته وأحبوه من قلوبهم وجعلوه أنيسهم وقرينهم، وزاد شوقهم له مع مرور الأيام، كبروا فما هجروه وحملوا الشهادات وما حالت بينهم وبين سعة البحث وشراء الكتب وقراءتها ونقدها،

فرأينا الشيخ محمد بن ناصر العبودي تبلغ مؤلفاته أكثر من مئة وخمسين كتابا في علوم كثيرة، ورأينا من علمائنا من يُسأل سؤالا في الفقه أو العقيدة فيقول لكاتبه اذهب إلى المكتبة وانظر الرف الرابع من اليمين وخذ كتاب كذا وافتح صفحة كذا واقرأ جواب السؤال.

أكرمهم الله تعالى بقدرة عالية على الحفظ وصبر وجلد على القراءة. وفي عصرنا كان الشيخ عبدالله الغديان قد وضع له فراشا في المكتبة، فإذا انتهى من القراءة ليلا نام فيها وعرف ذلك أهل بيته فلا يرونه إلا فجرا وقد حدثني بذلك ابنه الشيخ الدكتور محمد. وزار شيخ صديقا له في الخرج وبات عنده وطلب بعد العشاء كتابا يعلم أنه لا يجده عند غيره، ولما أتى صاحب البيت ليوقظه لصلاة الفجر وجده مستيقظا وقد أكمل قراءة الكتاب.

أحبتي القراء:

فتشبَّهُوا إن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالكرام فلاح

ويكفي القراءة شرفا أنها أول كلمة خوطب بها نبينا محمد " صلى الله عليه وسلم" .

فاقرأوا يا أيها الآباء والمربون والطلاب والباحثون اقرأوا كي تزدادوا علما وفقها، ففي القراءة علم وفقه ومتعة وغذاء للفكر والعقل.

وكما أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فكذلك لا يستوي طلبة علم يقرأون وطلبة لا يقرأون.

زادنا الله وإياكم علما وفقها وإيمانا.