السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,001

    افتراضي السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)

    السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)


    د. سليمان علي عامر الشعيلي ([*])




    ملخص البحث:


    يعد السياق أهم معيار في تحديد المعنى المراد من اللفظ، وينبغي أن ينظر إليه بهذه الأهمية فيما يتعلق بالحكم على أسباب نزول القرآن.
    وهذا البحث محاولة في الأخذ بسياق كمعيار في الحكم على أسباب النزول.
    مهد الباحث مقدمة نظرية تحدثت عن أهمية السياق، وأقسامه، وأقوال العلماء فيه، وكونه معياراً لتحديد المعنى المراد من اللفظ، ثن استعرض في دراسة تطبيقية نماذج من أسباب نزول في القرآن الكريم، وناقش مدى توافقها مع السياق أو عدمه، وخلص إلى أن الراوية إن ثبتت فلا تتعارض مع السياق، بل تقويه، أو أنها وردت كشاهد على حدث مشابه، وليست هي ذاتها السبب الذي نزلت من أجله الآية، وإما أن تكون الراوية ضعيفة أصلاً وتخالف السياق، فلا يمكن قبولها سبباً للنزول، وإن وردت في كتب أهل الحديث والتفسير، والله أعلم.

    المقدمة:


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.
    فقد نالت (علوم القرآن) حظوة عند العلماء، ولقيت خدمة جليلة لكونها تخدم كتاب الله؛ ولعل من أكثرها فائدة، وأعظمها نفعاً: أسباب النزول؛ لأنها تشتمل على فوائد جمة، منها: "معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومنها: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب، ومنها: الوقوف على المعنى، قال أبو الفتح القشيري: بيان معرفة سبب النزول: طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، ومنها: دفع توهم الحصر، ومنها: إزالة الإشكال" ([1]).
    ونظراً لهذه الأهمية فقد كثر الحديث عنها في كتب علوم القرآن، وأكثر العلماء من نقل الروايات المثبتة لأسباب النزول، بيد أن الأخذ ببعض هذه الروايات يوقع في إشكالات كثيرة، أهمها: مخالفة سياق الآيات الذي هو معيار قوي لقبول الرواية أو رفضها. والذي يؤدي بدوره إلى ضعف المعنى واختلال النظم القرآني. ولم أر في الدراسات التي عنيت بالسياق على كثرتها دراسة أفردت هذا الجانب بخاصة؛ من أجل ذلك عنيت دراستي هذه ببيان أهمية السياق كمعيار في الحكم على سبب النزول، وجاءت في مقدمة وقسمين:
    فأما المقدمة: فتحدثت فيها عن أهمية أسباب النزول، وأسباب اختيار البحث باختصار، وقد مرت قريباً.
    وأما القسم الأول: (فهو نظري)، وتحدثت فيه عن تعريف السياق، وأقسامه، وأهميته، واهتمام العلماء به في المباحث التالية:
    المبحث الأول: تعريف السياق لغة واصطلاحاً.

    المبحث الثاني: أقسام السياق.
    المبحث الثالث: اعتبار السياق كمعيار لتوجيه المعنى.
    والقسم الثاني: جعلته تطبيقياً وخصصته لدراسة بعض الروايات الواردة في أسباب النزول.
    ثم الخاتمة ولخصت فيها النتائج التي توصلت إليها أثناء البحث.
    هذا، وقد اخترت نماذج من الروايات الواردة في أسباب النزول، وما كان للسياق فيه أثر ظاهر، أما ما كان مرفوضاً من قبل الرواية وحدها فلم أتعرض له، إذ تكلفت بذلك دراسات هي أقرب إلى نقد الحديث منها إلى التفسير.

    المبحث الأول


    تعريف السياق


    السياق لغة:

    السياق في اللغة: هو التتابع، جاء في لسان العرب: "السوق معروف، ساق الإبل وغيرها يسوقها سوقاطع وسياقاً. وقد انساقت وتساوقت الإبل إذا تتابعت، وكذلك تقاودت، فهي متقاودة ومتساوقة، وفي حديث أم معبد: فجاء يسوق أعنزاً ما تساوق، أي ما تتابع، والمساوقة: المتابعة، كأن بعضها يسوق بعضا"([2]).
    في أساس البلاغة: "وتساوقت الإبل: تتابعت، وهو يسوق الحديث أحسن سياق، وإليك يساق الحديث، وهذا الكلام على مساقة إلى كذا، وجئتك بالحديث على سوقه: على سرده" ([3]).
    السياق في الاصطلاح:

    السياق في اللغة – كما سبق بيانه – هو التتابع، وفي الحديث: سرده وتتابعه، ويستعمل هذا المصطلح في علم اللغة الحديث مقابلاً للمصطلح الإنجليزي (context) الذي يطلق ويراد به "المحيط اللغوي الذي تقع فيه الوحدة اللغوية، سواء أكانت كلمة، أم جملة، في إطار من العناصر اللغوية أو غير اللغوية" ([4]).
    وفي تعبير المفسرين، "يطلق السياق على الكلام الذي خرج مخرجاً واحداً، واشتمل على غرض واحد، هو المقصود الأصلي للمتكلم، وانتظمت أجزاؤه في نسق واحد، مع ملاحظة أن الغرض من الكلام أو المعاني المقصودة بالذات هو العنصر الأساس في مفهوم السياق" ([5]).
    وقال بعضهم: " أما السياق القرآني فإننا نقصد به: الأغراض والمقاصد الأساسية التي تدور عليها جميع معاني القرآن، إلى جانب النظم الإعجازي، والأسلوب البياني الذي يشيع في جميع تعبيراته" ([6]).
    ولا شك أن الكلام إذا كان لغرض واحد تتابع نظمه اللغوي وتساوق، ومن الأمثلة على ذلك ، في تفسير قوله تعالى ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) البقرة: 177، اختار العلامة ابن جرير أن الآية في اليهود والنصارى لأن سياق الآيات فيهم، قال ما نصه:
    "وأولى هذين القولين بتأويل الآية: القول الذي قاله قتادة، والربيع بن أنس، أن يكون عنى بقوله: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) اليهود والنصارى، لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولومهم والخبر عنهم وعما أعد لهم من أليم العذاب، وهذا في سياق ما قبلها، إذ كان الأمر كذلك، ليس البر أيها اليهود والنصارى أن يولى بعضكم وجهه قبل المشرق وبعضكم قبل المغرب، ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالْكِتَابِ) الآية ([7]). وسيأتي بيان إن شاء الله.

    المبحث الثاني


    أقسام السياق


    يمكننا القول: إن السياق في مجمله ينسم إلى قسمين.
    السياق اللغوي: هو السياق الداخلي الذي يعني باللفظ أو الجملة وما قبلها وما بعدها.
    وسياق آخر خارج عن اللفظ وهو ما يحيط به من ظروف وملابسات ويسمى بسياق الموقف.
    وعرفه د. محمد علي الخولي بأنه: "السياق الذي جرى في إطاره التفاهم بين شخصين، ويشمل ذلك زمن المحادثة ومكانها والعلاقة بين المتحادثين والقيم المشتركة بينهما والكلام السابق للمحادثة" ([8])، وسماه د. تمام حسان بسياق المقام، وعرفه بأنه:
    " الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال ([9]).
    مثال ذلك: ما ذكره العلامة ابن عاشور عند قوله – تعالى -: ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ) النحل: 101، (مكان آية) منصوب على الظرفية المكانية، بأن تأتي لآية في الدعوة والخطاب في مكان آية أخرى أتت في مثل تلك الدعوة، فالمكان – هنا – مجازي، وهو حالة الكلام والخطاب، كما يسمى ذلك مقاماً، فيقال: هذا مقام الغضب، فلا تأت فيه بالمزح. وليس المراد مكاناً من ألواح المصحف، ولا بإبدالها محوها منه" ([10]).
    أما السياق القرآني فقسمه د. الربيعة ([11]) إلى أربعة أقسام:


    سياق القرآن: ويقصد به المعاني الكلية للقرآن الكريم ومقاصده الأساسية.
    سياق السورة: ويقصد به البناء الكلي للسورة، ووحدتها الموضوعية.
    وسياق النص: وهو مقطع من السورة، يكون غرضه وموضوعه واحداً لكنه يتناسق مع غرض السورة العام.
    سياق الآية: وهو أن كل آية وإن ارتبطت بما قبلها وما بعدها من الآيات لكنها تحمل غرضاً مستقلاً ([12]).

    وفصل د. عبد الرحمن بودرع ([13]) السياق القرآني إلى:


    السياق المكاني: ويعني سياق الآية أو الآيات داخل السورة وموقعها بين السابق من الآيات واللاحق.
    السياق الزمني للآيات: أو سياق التنزيل، ويعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النزول.
    السياق الموضوعي: ومعناه دراسة الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد.
    السياق المقاصدي: ومعناه النظر إلى الآيات القرآنية من خلال مقاصد القرآن الكريم والرؤية القرآنية العامة للموضوع المعالج.
    السياق التاريخي: بمعنييه العام والخاص؛ فالعام: هو سياق الأحداث التاريخية القديمة التي حكاها القرآن الكريم والمعاصرة لزمن التنزيل، والخاص: هو أسباب ([14]).
    المبحث الثالث


    اعتبار السياق كمعيار لتوجيه المعنى


    لا خلاف بين العلماء على اعتبار دلالة السياق في مجاري كلام الله، وكلام العرب، وإن اختلفوا في تأثيرها في استنباط الأحكام، والذي يهمنا – هنا الأول، وعليه أدلة من السنة الشريفة، ومن أقوال أهل العلم، من ذلك:
    ما رواه الترمذي من حديث عائشة زوج النبي، قالت: سألت رسول الله عن هذه الآية (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون، قال: ( لا يا بنت الصديق؛ ولكنهم: الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم) ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ). قال الترمذي: صحيح ([15]).
    قال رجل لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) النساء :141، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون، قال له علي: أدنه، أدنه!، ثم قال (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) يوم القيامة" ([16]).
    عن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقل عمر: أنه من قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) النصر:1 فقال: بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ .فقلت: لا. فما تقول؟. قلت هو أجل رسول الله أعلمه له. قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
    وذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) النصر:3، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تقول" ([17]).
    ففي المثال الأول لمن تنظر السيدة عائشة رضي الله عنها إلى سياق الآية، وظنت أنها في الذين يقترفون كبائر الذنوب، فلفت النبي عليه السلام نظرها إلى الآية التي بعدها ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)، فنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم السياق في تصحيح المعنى التي فهمته السيدة عائشة من الآية، كما اعتمد عليه الإمام علي وابن عباس في تفسيرهما للآيتين الكريمتين.
    أما ما نقل عن السلف من اعتمادهم على السياق في فهم كتاب الله فأكثر من أن يحصى، من ذلك: ما روي عن مسلم بن يسار البصري قوله: "إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده" ([18]).
    وقول ابن عبد البر في رده على من يستدل بقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) الآية: 184، البقرة. على أن الفطر في رمضان للمسافر عزيمة، بأن السياق يدل على أنه رخصة وهو قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ([19]) الآية: 185 البقرة.
    وسيأتي المزيد من أقوال اللغة والتفسير في أهمية السياق وأثره في المعنى في المبحث التالي.


    المبحث الرابع


    أهمية السياق، واهتمام العلماء به


    يمكن القول: بأن أهمية السياق تتجلى في أنه هو الذي يحدد قيمة الكلمة ومعناها في الجملة، إذ الكلمات يختلف معناها باختلاف سياقها. وقد رد الإمام عبد القاهر الجرجاني على من زعم أن الفصاحة للألفاظ وحدها فقال: "وجملة الأمر: أنا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقاً معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة (اشتعل) من قوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا): إنها في أعلى المرتبة من الفصاحة، لم توجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولا بها الرأس، معرفاً بالألف واللام، ومقروناً إليها الشيب، منكراً منصوباً" ([20])
    ويقول في موضع آخر: فقد اتضح – إذن – اتضاحاً لا يدع للشك مجالاً أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ" ([21]).
    ومن فوائد السياق – أيضا -: ما ذكره الزركشي في البرهان" أنه يرشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة.
    وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهله غلط في نظره وغالط في مناظراته. وانظر إلى قوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) سورة الدخان: 49، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير"([22]).
    وقد اهتم العلماء بالسياق؛ لأنه يشكل حجر الزاوية في الوصول إلى المعنى، وأولاده المفسرون وعلماء القرآن عناية خاصة، فعلم المكي والمدني مثلاً، يضيف للنص بعداً زمنياً ومكانياً يمكن الإفادة منه في توجيه معنى النص، وتطبيقه في الأزمنة التي تناسب الحال الذي نزل فيها؛ لذا لم يقف الحذاق من المفسرين على تحديد معنى اللفظ، وإنما تجاوزوه إلى ربطه بالسابق واللاحق من الآيات، ومن هنا نشأ ما يعرف بعلم المناسبات، وفائدته كما ذكر الزركشي" جعل أجزاء الكلام بعضها آخذاً بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء" ([23]).
    وأشهر من اعتنى به البقاعي في كتابه نظم الدر في تناسب الآيات والسور، قال في التعريف به: هو علم تعرف به علل الترتيب، وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ماله بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب، فعلم مناسبات القرآن علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه وهو من سر البلاغة؛ لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال" ([24]).
    وفي السياق ذاته يأتي علم أسباب النزول ، فهو "طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز" ([25])، وأفرد له بعض العلماء كتباً خاصة، كالواحدي، والسيوطي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم. بيد أن الكثير من هذه (الأسباب) لا تخلو من اعتراض، ولعل أهم معيار يمكن به إثبات سبب النزول أو رفضه بعد ثبوته أو نفيه هو السياق. فقد يأتي سبب النزول متفقاً تماماً مع السياق، بالتالي يكون السياق مقوياً للرواية وداعماً لها، وقد لا يتفق السبب مع السياق وبالتالي يمكن النظر في الرواية بتأويلها إن أمكن أو عدم قبولها كسب للنزول، وبخاصة أن بعض الروايات تكون اجتهاداً من الصحابي، أو يقصد بها أن الآية نزلت في حكم كذا، فنقلت على أنها سبب للتنزيل، والله أعلم.
    هذا وقد اعتنى المفسرون بالسياق، ويأتي العلامة ابن جرير في مقدمة المفسرين الذين اعتمدوا على السياق في اختيار المعنى الأصح للآية، ويرى أنه من غير الجائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم به حجة، فأما الدعاوي فلا تتعذر على أحد، وقال أيضاً : "توجيه الكلام إلى ما كان نظيراً لما في سياق الآية، أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلاً عنه "([26])، وينقل ابن جرير عن علماء متقدمين اعتمادهم على السياق في تفسير الآيات، فنقل عن صالح بن كيسان ([27]) أن المراد بالنفس في قوله تعالى ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) إنما هو الكافر، ثم قال: اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك. ثم يرجح ابن جرير – معتمداً على السياق – أن المقصود بها البر والفاجر، لأن الله أتبع هذه الآيات قوله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ)" ([28]). وقد تبين في هذا النقل مدى اعتماد الأئمة المتقدمين على السياق في اختيارهم المعنى المناسب للآيات.
    ومن الذين أولوا هذا الباب عناية هامة: الراغب الأصفهاني، في كتابه المفردات، فقد ذكر في مقدمته أنه ألف كتاباً عن مناسبة الألفاظ، وآخر عن الترادف ([29])، وكلا الموضوعين يعتمد على السياق اعتماداً كبيراً وهو أمر برع فيه الراغب.
    قال الزركشي: "أن من القرآن ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالها، بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات) ، فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" ([30]).
    والزركشي نفسه يرى في السياق ما يراه الراغب من ذلك قوله: "ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز، ولهذا نرى صاحب الكشاف يجعل الذي سيق له الكلام معتمداً، حتى كأنه غيره مطروح" ([31]).
    ومن الأمثلة على اعتماد الزركشي على السياق :قوله في فصل : "قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره : لأنه أولى بذلك الاسم منه ، مثل قوله – عليه السلام – عن أهل الكسل " هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ([32]) قال: وسياق القرآن يدل على إرادة الأزواج وفيهن نزلت." ([33])
    ومن الذين نوهوا بأهمية السياق في التفسير: شيخ الإسلام ابن تميمة، ففي معرض حديثه في الرد على من حمل ألفاظ القرآن على معنى لا يسوغ، ومن اكتفى بتفسير الألفاظ دون النظر غلي السياق قاله ما نصه: "وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، فهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفا سير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفاً لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين.
    إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
    والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بغلة العرب، ومن غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به. فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالات والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يريده به عندهم العربي، من غير نظر ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام" ([34]).
    ومن أجلة علماء القرآن الذين أولوا السياق عناية كبرى وجعلوه أصلا مهما في تقرير أحكام الشريعة: الإمام أبو إسحاق الشاطبي، ومما جاء في كلامه عن السياق اللغوي: قوله: "كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزأة، ألا ترى إلى قولهم فلان أسد، أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط، وما لا ينحصر من الأمثلة ([35]). لو اعتبر اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول. فما ظنك بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟.
    وقال عن سياق المقام: إن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من المسمع والمتفهم والالتفات إلى أول الكلام و آخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها، فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق ببعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، و أوله على آخره وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه.." ([36]).
    وقد اتسع مفهوم السياق عند الشاطبي ليشمل سياق السورة كله،
    وذلك عن تفسير قوله تعالى (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) سورة الأنعام/ 82، قال: فإن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص، فإن السورة من أولها إلى آخرها مقررة لقواعد التوحيد، وهادمة لقواعد الشرك وما يليه، والذي تقدم قبل الآية قصة إبراهيم عليه السلام في محاجته لقومه بالأدلة التي أظهرها لهم في الكوكب والقمر والشمس، وكان قد تقدم قبل ذلك قوله (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ) سورة الأنعام 21 فبين أنه لا أحد أظلم ممن ارتكب هاتين الخليتين وظهر أنهما المعنى بهما في سورة الأنعام إبطالاً بالحجة، وتقريراً لمنزلتهما في المخالفة.." ([37]).
    هذا، وقد جعل الإمام عبد القاهر السياق أصلاً عظيماً في تجلية المعنى المراد فقال: "اعلم أن ها هنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف جانباً وينكر آخر، وهو أن لألفاظ التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفاسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها وهذا علم شريف وأصل عظيم" ([38]).
    السياق إذن: هو المحور الذي يدور عليه المعنى، وهو محط أنظار علماء اللغة عرباً كانوا أم غير عرب، واعتمدوا عليه في تحليل الخطاب، وفهم النص، وعليه يمكن للباحث أن يجعل السياق وبخاصة القسم الأول منه، وهو الغرض الذي من أجله ورد الكلام، ثم تساوق وتتابعها لخدمة هذا الغرض، معياراً في قبول سبب نزول الآية إذا توافق مع سياقها، أو رفضه إذا تعارض معه، هذا ما لم تثبت الرواية، فإن ثبتت وكانت صريحة في سبب النزول، فحينئذ لا يمكن معارضته بالسياق، وسيأتي بيان ذلك في الدراسة التطبيقية.
    ثانياً - القسم التطبيقي :

    بعد استعراض جملة من المباحث النظرية في السياق القرآني، يجدر بنا إيراد جملة من الأمثلة التطبيقية تجلي لنا الموضوع، وتزيده وضوحاً، وفيما يلي جملة من الآيات التي تدل على السياق القرآني على عدم صحة ما قيل أنه سبب لنزولها، ومن هذه الآيات:
    (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) البقرة: 119
    قرأ نافع ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام على أن لا ناهية، وقرأ جمهور العشرة بضم التاء ورفع الفعل بعدها ([39])، والذين تأولوا القراءة الأولى ذكروا أن سبب نزولها ما أخرجه عبد الرزاق عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليت شعري ما فعل أبواي) فنزلت (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) البقرة119. فما ذكرها حتى توفاه الله مرسل.
    وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، قال: أخبرني داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم (أين أبواي) فنزلت [مرسل] أيضاً ([40]).
    وهذه الرواية لا تصلح أن تكون سبباً لنزول الآية لوجوه:
    الأول: أن سياق الآيات يتحدث عن اليهود والنصارى وتنعتهم على الله، وأن كفار قريش يقومون بالدور ذاته (تشابهت قلوبهم)، فكان من تسلية الله لنبيه عليه السلام، أن واجبك يا محمد تبليغ الرسالة، وأنت غير مسئول عن كفر من كفر، وعلى هذا توجه قراءة الرقع. أما قراءة الجزم التي قرأ بها نافع ويعقوب، فيمكن توجيهها أن النبي عليه السلام نهى عن السؤال عن أحوال الكفار، إن كان النهي على الحقيقة، وإما أن يقال: إن النهي ليس على حقيقته، بل جاء على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول: "كيف حال فلان" إذا كان وقع فيه بليه، فيقال لك: "لا تسأل عنه" ([41]) ولم ير الإمام الطبري أي دلالة لقراءة الجزم، قال: والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية، وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، دون النهي عن المسألة عنهم، وأن النظم لا يساعد على هذه القراءة، ذلك أنه لو أراد النهي لوصل الآية بالفاء (فلا تسأل)، وترك الوصل بالفاء أوضح دلالة على أن الخبر (ولا تسأل) أولى من النهي، والرفع أولى من الجزم ([42]). ورد هذه القراءة الصحيحة، أمر غير مستساغ، خاصة وأنها منسجمة مع نظم الآية، وأنها – كما قال العلامة أبو السعود -: "إيذان بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويل لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدر المخبر على أجرائها على لسانه، أو لا يستطيع السامع أن يسمع خبرها، وحمله على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه مما لا يساعده النظم الكريم" ([43]).
    ويرى ابن عاشور أن الآية معترضة بين حكايات أحوال المشركين وأهل الكتاب، القصد منها – كما ذكرنا – تأنيس الرسول عليه الصلاة والسلام من أسفه على ما لقيه من أهل الكتاب مما يماثل ما لقيه من المشركين، وقد كان يود أن يؤمن به أهل الكتاب فيتأيد بهم الإسلام على المشركين فإذا هو يلقى منهم ما لقي من المشركين أو أشد" ([44]).
    ثالثاً: بالإضافة إلى السياق فإن هذه الرواية التي يجعلونها سبباً لتزول الآية ضعيفة واهية، فقد نقل الألوسي عن العراقي أنه لم يقف عليها.
    وقال السيوطي: إنه لم يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد فلا يعول عليه ([45])، قال الألوسي: "والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السباقة عليها والتالية لها لا في أبويه صلى الله عليه وسلم"([46]).
    بعد هذا نستطيع الجزم بأن هذه الرواية لا تصلح أن تكون سبباً لنزول الآية؛ لأن الغرض من سياق الآيات تأنيس الرسول عليه السلام لا إدخال الحزن عليهن بل إن الآية ليس لها نزول خاص وهي منسجمة تماماً مع سياقها المذكور، على القراءتين جميعاً، والله أعلم.
    (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّ هُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) آل عمران: 195
    سبب النزول:

    أخرج الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: "يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة فأنزل الله (فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض)"([47]).
    وقبل أن نناقش هذه الرواية يحسن بنا أن نذكر بالآيات التي قبل هذه الآية، يقول الله في سورة آل عمران:
    (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) آل عمران: 190 - 195
    عندما تقرأ هذه الآيات مجتمعة لا أظنه سيبقى في نفسك شك بأن الآية الأخيرة، جاءت جواباً للسؤال والتضرع والإلحاح من هؤلاء الداعين المخبئتين في الآيات قبلها. وأنها لا يمكن أن تكون بحال مقطوعة عن سياقها بأن تكون جوابا لسؤال أم سلمة رضي الله عنها أو غيرها من الصحابيات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نظم الآية يأبى هذه الرواية، فالفاء في قوله (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ) تعني سرعة الإجابة للمطلوب، وهذا العطف كما قال أبو السعود: مترتب على ما في حيزه من الأدعية" ([48])، ولولا هذه الرواية وأمثالها لم يكن هناك مساغ للقول بغير ما تقدم.
    قال الطبري: يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم خيراً، ذكراً كان العامل أو أنثى"([49]).
    وقد يعترض معترض، بأنه كان الأمر على ما قلتم، فما الحاجة إلى قوله (من ذكر أو أنثى)؟ والجواب عن ذلك – كما قال ابن عاشور -: أن الله أعقب هذه الاستجابة بتفصيل أفضل أعمالهم من الإيمان، والهجرة، والجهاد،
    ولما كان الجهاد أكثر تكرراً خيف أن يتوهم أن النساء لا حظ لهن في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله، فدفع هذا بأن للنساء حظهن في ذلك فهن في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهن لهن حظهن في ثواب الجهاد لأنهن يقمن على المرضى ويداوين الكلمى، ويسقين الجيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدو المؤمنين ([50]).
    على أن هذه الرواية لم تصح عن أم سلمة لجهالة الراوي عنها، ولم يثبت سماعه عن أم سلمة – رضي الله عنها ([51]). وعليه يمكن القول : إنه لا يمكن قبول هذه الرواية سبباً لنزول الآية؛ لعدم ثبوتها أولاً، ومخالفتها للسياق ثانياً، والله أعلم.
    (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) النساء: 48
    سبب النزول :

    أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام قال: (وما دينه) قال: يصلي، ويوحد لله. قال (استوهب منه دينه ([·])، فإن أبى فابتعه منه) ([((]) . فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وجدته شحيحاً على دينه فنزلت (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)([52]).
    قال الكلبي: نزلت في المشركين: وحشي ([53]) وأصحابه، وذلك أنه لما قتل حمزة وكان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد ندمنا على الذي صنعناه، وليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) الآيتان وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا فلولا هذه لاتبعناك فنزلت الآية: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) الفرقان: 70 الآيتين، فبعث بهما رسول الله إلى وحشي وأصحابه، فلما قرأهما كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية فنزلت: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ) الآية فبعث بها إليهم فقرؤوها فبعثوا إليه أنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئة فنزلت: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) الزمر: 53، فبعث بها إليهم فلما قرؤوها دخل هو وأصحابه في الإسلام ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منهم، ثم قال لوحشي: "أخبرني كيف قتلت حمزة" فلما أخبره قال: "ويحك غيب شخصك عني" فلحق وحشي بعد ذلك بالشام، وكان بها إلى أن مات"([54]).
    لمناقشة هذين السببين نقول ما يلي :
    أولاً: في سورة النساء آيتان متشابهتان في اللفظ مع اختلاف في الفاصلة, هذه الأولى منهما، والثانية: هي قوله تعالى:
    (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء: 116
    أما الأولى: فسياقها في أهل الكتاب، والآيات التي قبلها هي قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِم ْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) النساء: 44 – 47
    واستمر الحديث عن أهل الكتاب في الآيات التي بعدها
    (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) النساء 49 – 51.
    فالغرض الذي من أجله سيقت الآيات، كما هو ظاهرها، هو مناقشة أهل الكتاب، واليهود بصفة خاصة، في كفرهم بآيات الله وتحريفهم لكتابه، وطمعهم بعد ذلك في المغفرة، ذلك بزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، فالقرآن يدعوهم إلى الإيمان بالحق بالله وبرسله، وآخرهم النبي محمد عليه السلام الذي جاء مصدقاً لما معهم من الكتاب، وهذا الإيمان هو معيار قبول العمل، ومعيار قبول التوبة وحصول المغفرة، أما وهم على هذا الحال من الكفر بالله وبرسله، وتحريفهم لآيات الله، فلا مطمع والحال هذه في المغفرة.
    قال أبو السعود: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ببيان استحالة المغفرة بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة كما في قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) الأعراف الآية 169، أي على التحريف (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) الأعراف الآية 169، والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاماً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار ، ونزوله في حق اليهود – كما قال مقاتل – وهو الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه... وقال في تفسير قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) تعجيب من حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر والطغيان، والمراد بهم اليهود الذين يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه.."([55]).
    قال البقاعي "ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركاً بالله – كما قال سبحانه وتعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه) التوبة: 31، قال – معللاً لتحقيق وعيدهم، معلماً أن ما أشير إليه من تحريفهم أداهم إلى الشرك ( إن الله لا يغفر إن يشرك به..) ([56]).
    ثانياً: إن ظاهر الرواية المذكورة ظاهرها التشجيع على ارتكاب الكبائر، والفحشاء، إذ كيف يمكن لمثل هذا الرجل أن يمارس القبيح من المعاصي، (لا ينتهي عن الحرام) كما هو تعبير الرواية، ثم تأتي الآيات تؤيده على فعله، وتقول له: افعل ما شئت منها فإن الله يغفر ما دون الشرك، فهذا يتعارض مع غرض القرآن الكريم من إصلاح حال العباد، وتربيتهم على التقوى والفضيلة.
    ثالثاً: الإيمان الحق الصادق يمنع صاحبه من ارتكاب الحرام، نعم قد يقع المؤمن في المعصية، لكنه ما يلبث أن يتوب ويستغفر، ولا يصر عليها، وهذا (لا ينتهي عن الحرام)، فماذا بقى له من إيمان؟ !
    رابعاً: عجيب أن يأمر النبي عليه السلام من جاءه ( أن يستوهب منه دينه)، فهل هذا يمكن أن يكون معياراً للمغفرة؟ !
    وما ذكرته عن السياق يمكن أن يقال عن الرواية الثانية، بالإضافة إلى استهجان هذه الاشتراطات والمراجعات، وكأن هذا يمن على الله ورسوله بقبوله الدخول في الدين، وقد أنكر الله ذلك على الأعراب فقال ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) الحجرات: 17.
    قال الرازي: "وطعن القاضي في هذه الرواية وقال: إن من يريد الإيمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد؛ ولأن قوله ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) الزمر: 53، لو كان على إطلاقه لكان ذلك إغراء لهم بالثبات على ما هم عليه"([57]).
    على أن ورودها في أهل الكتاب لا يعني أنها لا تشمل غيرهم فالعبرة – كما قيل – بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الآية تشمل من فعل القبائح والآثام العظيمة في جاهليته وخشي أن لا تقبل له توبة فالآية تشير إلى أن الإيمان يجب ما قبله.
    أما الآية الأخرى فسياقها في المنافقين وقبلها قوله تعالى (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء : 114 -116
    وقد وردت الروايات في سبب نزول الأولى ولم ترد في الثانية، وعلى هذا يمكن أن يقال عنها ما قيل في الآية التي قبلها.
    قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء : 128

    سبب النزول :

    أخرج أبو داوود والترمذي عن عائشة قالت: "فرقت سودة أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسندت فقالت: يومي لعائشة، فأنزل الله ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) الآية وروي الترمذي مثله عن ابن عباس (ك)"([58]).
    وأخرج الحاكم في المستدرك، وابن جرير، عن رافع بن خديج أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فأثر البكر عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقر على ذلك فطلقها تطليقة حتى إذا بقى من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني أصبر على الأثرة، فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة فطلقها الأخرى ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) .
    قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"([59]) بالنسبة للرواية الأولى فيمكن مناقشتها كما يلي:
    أولاً : وردت هذه الآية في سياق أن كل إنسان محاسب على عمله خيراً كان أو شراً، ودخل في هذا حكم التزوج باليتامى، ثم تلاها الحديث عن نشوز الزوج. وعلى هذا فسياقها ليس فيه إشارة إلى النبي عليه السلام.
    وثانياً : فسر الإمام الطبري النشوز في الآية" بالاستعلاء بنفسه عنها إلى غيرها، أثره عليها، وارتفاعاً بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها"([60]). والإعراض: الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه، التي كانت لها منه.
    وكل هذا يجل عنه النبي عليه السلام، وسيرته عليه السلام شاهد على ذلك، فقد تزوج خديجة على كبر، ولم يكره منها كبر سن، بل كان أشد وفاء لها بعد وفاتها، فهل يمكن أن يحدث هذا مع غيرها؟ .. وأخلاق المؤمن أجل من أن يستمتع بالمرأة في شبابها ثم يتركها في كبرها، وعهد الزوجية في الإسلام أوثق من أن يتعرض للانحلال بهذه الصورة، نعم قد يرغب الإنسان في امرأة أخرى غير التي عنده خاصة إذا كبر سنها، ولكنه يبقي على وفائه للأولى، مؤدياً لحقها، وإن مالت نفسه للثانية في المعاشرة الزوجية، وهذا لا يسمى نشوزاً.
    ثالثاً: روي البخاري عن عائشة رضي الله عنها (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل؛ فنزلت الآية ([61]).
    وأخرجها – أيضاً – ابن جرير بهذه الصيغة، وليس في هذه الرواية ذكر النبي عليه السلام ولا سودة ورواية البخاري أصح. ومثله عن علي وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعبيدة ([62]) ، وقتادة ([63])، وآخرين ([64]).
    أما رواية رافع: فأنها لا تتعارض مع سياق الآيات لاسيما أنها هي التي طلبت الطلاق مرتين، ثم تطلب العودة. وعليه فإنه يمكن قبول رواية رافع بن خديج؛ إذ ليس فيها ما يتعارض مع السياق، ولا مع شيء من أصول الدين والأخلاق؛ ولعل هذه الحادثة وأمثالها كانت مجتمعة سبباً لنزول الآية، والله أعلم.
    (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة: 55.
    سبب النزول:

    أخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجاهيل عن عمار بن ياسر قال: وقف على علي بن أبي طالب سائل وهو راكع في تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فنزلت (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية ([65]). وأخرج ابن جرير عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل مثله، قال السيوطي: "فهذه شواهد يقوي بعضها بعضاً"([66]).
    عند النظر إلى هذه الآية نجد أنها جاءت في سياق النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ابتداء من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ) وحتى الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء) الآيات 51 – 57، وبين هذه الآيات جاء تعريف الولي الحق (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا) ثم وصف المؤمنين بأحسن أوصافهم أنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ثم أراد أن يبين حالهم وسلوكهم بأنهم يفعلون ذلك وهم خاشعون، متواضعون لله، ليسوا بأهل أشر أو تكبر أو عجرفة كما هو حال غيرهم ممن تقدم ذكرهم. فموقع (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حال من فاعل الفعلين (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) وليس للثاني منهما فحسب ([67]).
    فإذا كانت الآيات تنهى عن ولاية الأعداء ثم تقصر هذه الولاية على الله ورسوله والمؤمنين الذين عرفت حالهم، فيبعد جداً أن يكون المقصود بها إنسان بعينه، وإلا لم تحقق الغرض الذي سيقت من أجله.
    ثانياً: عندما تقترن الصلاة بالزكاة وبخاصة في موضع الثناء على المؤمنين فإنها تنصرف إلى الزكاة المعلومة التي حددها الشارع وأثنى على أصحابها، وفعل الإمام على هذا غير داخل فيه، وإنما هو صدقة، والثناء على أداء الواجب المفروض أولى في مثل هذا المقام.
    وعليه يكون المراد بجملة (وَهُمْ رَاكِعُونَ) مصلون، لا آتون بالجزء من الصلاة المسمى بالركوع، ووجه العطف – كما جزم ابن عاشور – إما بأن يكون المراد بالركوع، ركوع النوافل أي يقيمون الصلوات الخمس المفروضة، ويتقربون بالنوافل، وإما المراد به الدوام والاستمرار، أي يديمون إقامة الصلاة، وعقبه بأنهم يؤتون الزكاة مبادرة بالتنويه بالزكاة، كما هو دأب القرآن ([68]).

    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,001

    افتراضي رد: السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)

    السياق وأثره في الحكم على أسباب التنزيل ( دراسة نظرية وتطبيقية)


    د. سليمان علي عامر الشعيلي ([*])


    ثالثاً – الرواية:

    في معرض الرد على القول أن جملة (وَهُمْ رَاكِعُونَ) يمكن أن تكون حالاً من ضمير (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) وأنه لا معنى له؛ إذ لا تؤتي الزكاة في حالة الركوع، قال ابن عاشور: وركبوا هذا المعنى على خبر تعددت رواياته وكلها ضعيفة. قال ابن كثير: وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجاله ([69]). وقال ابن عطية: وفي هذا القول، أي الرواية، نظر" ([70]).
    ونقل القرطبي" أن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم سئل عن معنى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا) هل هو علي بن أبي طالب؟ فقال: علي من المؤمنين؛ يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بين؛ لأن "الذين" لجماعة ([71]). قلت – أي القرطبي – وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة، وأيضاً فإن قبله (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها، والمراد صلاة الفرض. ثم قال: (وَهُمْ رَاكِعُونَ) أي النفل. وقيل: أفرد الركوع بالذكر تشريفاً" ([72]).
    بعد هذا كله يتبين أن الرواية تتعارض مع الغرض الذي من أجله وردت الآية في سياقها، وعليه فإن القول: بأن للآية سبب نزول ليس عليه دليل صحيح، ولا يتفق مع السياق، والله أعلم.
    (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) الأنعام : 91.

    سبب النزول:

    أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف ([73])، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: (أنشدك بالذي انزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟) وكان حبراً سميناً فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء فقال أصحابه ويحك ولا على موسى! فأنزل الله (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) الآية مرسل ([74]).
    وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة، وأضاف أقوالاً أخرى هي: ([75]) أنها نزلت في فنحاص اليهودي ([76]).
    وقيل في جماعة من اليهود سألوا النبي عليه السلام آيات مثل آيات موسى.
    وقيل إنها في مشركي قريش.
    والحق أن سياق آيات الأنعام من أولها وحتى هذه الآية وما بعدها من الآيات – إلا قوله (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) آية: 20، - يتحدث عن كفار قريش، ولا يشير من قريب أو بعيد إلى أهل الكتاب، لكن وهما سرى إلى المفسرين في تفسيرهم للآية؛ إذ جعلوا قوله (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) هي من صفات اليهود، واستندوا إلى هذه الرواية التي لا تنسجم مع سياق الآيات.
    على أن وجود واو العطف في صدر هذه الجملة – كما قال ابن عاشور – ينادي على أنها نزلت متناسقة مع الجمل التي قبلها، وأنها وإياها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين، وعليه تكون الآية معطوفة على جملة (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ) الأنعام: 89 والضمير في قوله (قدروا) عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله : (هؤلاء)، ذلك أن المشركين لما استشعروا نهوض الحجة عليهم في نزول القرآن بأنه ليس بدعاً مما نزل على الرسل، ودحض قولهم (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) الفرقان: 7، توغلوا في المكابرة والجحود فقالوا (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السلام، وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه"([77]).
    بالإضافة إلى هذا فإن إنكار أن يكون الله تعالى أنزل على بشر من شيء، ليس مما تدين به اليهود، - كما يقرر الإمام الطبري، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وعقب الطبري على هذا الرأي بقوله: "وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان عليه من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عاقل" ([78])، وإلى هذا ذهب العلامة ابن كثير ([79]).
    أما قوله (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا) الآية، على القراءة بالفوقية ([80])، فيمكن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج ( أي الخروج من خطاب إلى غيره)، تعريضاً باليهود، وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين، من باب إياك اعني وأسمعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب، وأما أن يكون خطاباً للمشركين، ومعناه أنهم سألوا اليهود عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقرؤوا لهم ما في التوراة من التمسك بالست، وكتموا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يأتي بعد، فأسند الإخفاء والإبداء إلى المشركين مجازاً؛ لأنهم كانوا من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء ([81]).
    ويرى صاحب المنار أن يساق الآيات في المشركين؛ خلافاً لمن يرى غير ذلك، وأول قراءة الياء في الأفعال الثلاثة أن الله أنزل التوراة هدى ونوراً للناس حتى اتبع اليهود الأهواء فصاروا يبدون ما يتفق مع أهوائهم ويخفون الكثير مع أحكامها، قال : وكانت الآية تقرأ هكذا في مكة، وكذا بالمدينة، إلى أن أخفى اليهود الرجم والبشارة بالنبي عليه السلام، فنزلت القراءة بالتاء مع عدم نسخ الأولى" ([82]).
    بهذا يتبين لي أنه لا إشكال على قراءة الياء، أما القراءة بالتاء فيمكن توجيهها على الالتفات في الخطاب، بهذا ينجلي الإشكال الذي توهمه بعض المفسرين من أن الآية نزلت في اليهود والله أعلم.
    (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الحجر 23-25.
    سبب النزول :

    روى الترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عباس: قال "كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول؛ لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ) ([83]).

    وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح ([84]) أنه سأل سهل بن حنيف الأنصاري ([85]) (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ) أنزلت في سبيل الله؟ قال: ولكنها في صفوف الصلاة" ([86]).
    عند النظر إلى سياق الآيات نجد أن سورة الحجر من أولها تتحدث عن الأمم التي كذبت رسلها وما فعل الله بهم قال تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ )، وفي السياق نفسه تحدثت الآيات عن مظاهر قدرة الله وأنه رب الأرض والسماء، وأنه وحده المحي والمميت، ثم إليه مرجع الخلائق جميعاً (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الحجر: 4 -25، ولولا هذه الرواية التي ستعلم حالها لم يخطر ببال أي قارئ للآيات أنها في غير ما ذكرنا وليس لها صلة من قريب ولا بعيد بصفوف الصلاة.
    قال ابن عطية: "هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يجب توحيده وعبادته، فمعني هذه: وإنا لنحن نحي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عن البعث من مرقده ميتاً، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حياً (ونحن الوارثون)، أي لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه، لا رب غيره، ثم اخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، وبمن تأخر في الزمن، من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم، الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله على أتم غاياته التي قدرها وأرداها.
    قال القاضي أبو محمد بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين" وقال الحسن: معنى قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ) أي في الطاعة، والبدار إلى الإيمان والخيرات، و (المستأخرين) بالمعاصي. قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان ابن الحكم ([87]) وأبو الجوزاء ([88]): نزل قوله: (ولقد علمنا) الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم الآية من قوله: (ونحن الوارثون) وما تأخر من قوله: (وإن ربك هو يحشرهم)، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، وقد ذكر محمد بن كعب القرظي ([89]) لعون بن عبد الله ([90]) ([91]).
    وهذا الذي قرره ابن عطية هو القول الفصل في الآية، وإليه ذهب جمهور المفسرين – كما قال – واختاره الإمام الطبري، على أنه رويت للآية تأويلات أخرى ذكرها الطبري ([92]) وغيره، ولا حاجة لنا إلى ذكرها، فكلها لا ينسجم مع سياق الآية، والله أعلم.
    أما الرواية: فقد ذكر ابن كثير انها وردت عن الإمام أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، وأخرجها الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفهن فأخرج له مسلم وأهل السنن، قال: ابن كثير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرازق عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك وهو النكري: أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ) في الصفوف في الصلاة، و (لمستأخرين) فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس، والله أعلم، وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي مشعر، عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ) وأنها في صفوف الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ) الميت والمقتول (لمستأخرين) من يخلق بعد (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيراً ([93]).
    وقال عنها ابن عاشور: إنها خبر واه، لا يلاقي انتظام هذه الآيات، ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة ([94]).
    بهذا يتبين ضعف هذه الرواية، وأنها لا تصلح سبباً لنزول الآية، والله أعلم.
    (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) النحل 126- 128.
    سبب النزول:

    أخرج الحاكم ([95]) والبيهقي في الدلائل ([96]) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به، فقال: (لأمثلن بسبعين منهم مكانك) فنزل جبريل – والنبي صلى الله عليه وسلم واقف – بخواتيم سورة النحل (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إلى آخر السورة. فكيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد. وأخرج الترمذي ([97]) وحسنه والحاكم عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم: حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا) الآية، وظاهر هذا تأخر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولاً بمكة، ثم ثانيا بأحد، ثم ثالثاً يوم الفتح؛ تذكيراً من الله لعباده" ([98]).

    لمناقشة هذه الرواية لنا في الآيات وقفات:

    أولاً: وردت هذه الآية بعد قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) النحل 125- 126.
    وهذا توجيه من الله لنبيه الكريم وللمؤمنين من بعده إلى استكمال الحكمة والموعظة الحسنة في دعوتهم إلى الله ومجادلة خصومهم بالحسنى، فالناس ينفرون ممن يعاملهم بالشدة والقسوة، ويحبون الخلق الحسن ولين الجانب وهذا ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
    أما لو تعرض المسلم إلى عدوان أو ظلم فعندئذ يكون من حقه رد العدوان بمثله، ولا يجب عليه الإغضاء على الظلم والعدوان، ففي ذلك تجرؤ للظالم واستخفاف بالمعتدي عليه. على أن رد العدوان هذا لا ينبغي أن يتجاوز حد الاعتداء الأول؛ فينقلب إلى انتقام نهت عنه الآيات. وحمل الآية على قصة حمزة لا ينسجم مع سياق الآية، وهذا الذي قرره الإمام الرازي بعد ذكره للأقوال الواردة في الآية: قال:
    "وأقول: إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق بها قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى، وذلك يطرق الطعن إليه، وهو في غاية البعد، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة، وهي: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالطريق الأحسن، ثم تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، وبالإعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة، وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور، ويحمل أكثر المستمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة، وبالضرب ثانياً، وبالشتم ثالثاً، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات، وسمع تلك المشاغبات، لابد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء، تارة بالقتل، وتارة بالضرب، فعند هذا الأمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه" ([99]).
    وعليه تكون" هذه الآية متصلة بما قبلها أتم اتصال، وحسبك وجد العاطف فيها، وهذا تدرج في رتب المعاملة من معاملة الذين يدعون ويوعظون إلى معاملة الذين يجادلون، ثم إلى معاملة الذين يجازون على أفعالهم، وبذلك حصل حسن الترتيب في أسلوب الكلام ([100]).
    ثانياً: نحن نعلم أن السورة مكية – كما يقرر المفسرون – والقول بسبب النزول هذا يجعلها مكية إلا هاتين الآيتين، وهذا بعيد، وبخاصة مع اتساقها مع ما قبلها، والقول بمكية السورة كلها: هو قول الإمام جابر بن زيد، كما نقل ابن عاشور، وهو اختيار النحاس، وابن عطية ([101])، وفخر الدين الرازي ([102]).
    ثالثاً: الذين قالوا بسبب النزول هذا زعموا أن الآية منسوخة بما بعدها (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)، وأن الله عزم على نبيه بالصبر، وهذا يخالف ما كان عليه رسول الله وأصحابه بعد هجرتهم إلى المدينة من المبادرة إلى رد العدوان في مواطن كثيرة، وهو من السياسة والحكمة بمكان، لأن السكوت على الاعتداء إغراء بمثله، ولذا رد أكثر المفسرين – كالإمام الطبري وغيره – هذا القول ، ورأوا أن الآية محكمة وليست منسوخة.
    رابعاً: أما الرواية: فقد ذكر ابن عاشور أن قصة التمثيل بحمزة يوم أحد، مروي بحديث ضعيف للطبراني. ولعله اشتبه على الرواة تذكر النبي الآية حين توعد المشركين بأن يمثل بسبعين منهم إن أظفره الله بهم ([103]).
    ونقلها ابن كثير عن محمد بن إسحاق وقال عنه: وهذا مرسل، وفيه رجل مبهم، لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحي، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره ثم قال: وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحاً هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث ([104]).
    بعد هذا نستطيع القول: إن السورة كلها مكية، وإن الآيات متساوقة مع ما قبلها وإن الرواية بأن سبب نزولها قصة حمزة ضعيفة، ولو صحت تكون كما قال ابن عاشور: إن النبي عليه السلام تذكرها حين توعد المشركين، فاشتبه على الرواة، فظنوها سبباً للنزول والله أعلم.
    (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحج: 52.
    سبب النزول:

    ذكر في سبب نزول الآية ابن جرير عن سعيد بن جُبير، قال: "لما نزلت هذه الآية: أفرأيتم اللات والعزى) قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "تلك الغرانيق العلي، وإن شفاعتهن لترتجي". فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير؛ فسجد المشركون معه، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)([105])، والقصة أخرجها - أيضاً الطبراني في المعجم الكبير([106])، والضياء المقدسي في المختارة([107])، وآخرون، قال السيوطى: "وكلها إما ضعيفة أو منقطعة، سوى طريق سعيد بن جبير الأولى.
    قال الحافظ ابن حجر: لكن كثرة الطرق تدل على ان للقصة أصلاً مع أن لها طريقين صحيحين مرسلين أخرجهما ابن جرير: أحدهما من طريق الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام والآخر من طريق داود بن هند عن أبى العالية، ولا عبرة يقول ابن العربي وعياض: إن هذه الروايات باطلة لا أصل لها"([108]).
    لنقف على حقيقة هذه الرواية لابد لنا من النظر فيما يلى:
    أولاً: معنى (تمني)، و (أمنية)
    ذهب أكثر المفسرين استناداً إلى هذه الرواية إلى تفسير (تمني) بـــــ (تلا) وقرأ، و(والأمنية) بالقراءة([109]).
    قال الراغب (الأمنية) هي التلاوة المجردة عن المعرفة. من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الحج: 52، أي: في تلاوته، فقد تقدم أن التمني كما يكون عن تخمين وظن فقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ) طه: 114، و (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) القيامة: 16، سمى تلاوته على ذلك تمنياً، ونبه أن للشيطان تسلطاً على مثله في أمنيته، وذلك من حيث بين أن العجلة من الشيطان([110]).
    وقيل: إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها([111]).
    وهذا قول أكثر المفسرين، وقال الطبري هذا أشبه بتأويل الكلام([112]).
    هناك معنى آخر للتمني أقرب إلى وضع اللغة، وهو المعنى المستعمل عند العرب، وهو تقدير شيء في النفس وتصويره فيها. و(الأمنية) الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء([113]).
    ثانياً: وردت هذه الآية والتي بعدها في سياق الحديث عن تكذيب المشركين للنبي عليه الصلاة والسلام، من قوله تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ) الحج: 42، حتى قوله (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) الحج: 49-51. وهي تسلية للنبي عليه السلام، وجبر لخاطره؛ لما عساه أن يكون قد أصابه من هم وكدر بسبب إعراض قومه وتكذيبهم، فيقول له: أنهم ليسوا وحدهم من فعل ذلك، بل هذا شأن الأمم قبلهم، قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط. كل هؤلاء كذبوا رسلهم. وليس على الرسل إلا البلاغ. على أنه ما من رسول ولا نبي إلا ويحب الخير لقومه، وكلهم كانوا حريصين على هداية أقومهم، ويبذلون وسعهم في سبيل هذه الغاية، مصداق ذلك قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف: 6، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الشعراء: 3.
    لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فالشيطان لبني آدم بالمرصاد، ويستعمل كل ما مكنه الله منه من وسائل الغواية والصد عن سبيل الله، ويجد في أقوام الأنبياء أرضاً خصبة لأعماله هذه، وهذا ما يخالف أماني الأنبياء وحبهم الخير لأقوامهم، على أن سلطانه محدود، وكثير من فعله منسوخ مردود، فحكمة الله قاضية ببقاء الحق وثباته، ودحض الباطل وزواله.
    هذا هو المعنى التي أشارت إليه الآيات (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ...) والذي ينسجم تماماً مع سياق الآيات التي قبلها، وقرره أبو حيان أحسن تقرير فقال:
    "لما ذكر تعالى أنه يدفع عن الذين آمنوا، وأنه تعالى أذن للمؤمنين في القتال، وأنهم كانوا أخرجوا من ديارهم، وذكر مسلاة رسوله صلى الله عليه وسلم بتكذيب من تقدم من الأمم لأنبيائهم وما آل إليه أمرهم من الإهلاك إثر التكذيب وبعد الإمهال، وأمره أن ينادي الناس ويخبرهم أنه نذير لهم بعد أن استعجلوا بالعذاب، وأنه ليس له تقديم العذاب ولا تأخيره، ذكر له تعالى مسلاة ثانية باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء، وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم، متمنين لذلك، مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه وبث ذلك إليهم وإلقائه في نفوسهم، كما أنه صلى الله لعيه وسلم كان من أحرص الناس على هدي قومه، وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث([114]) يلقون لقومه وللوافدين عليه شبهاً يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية (الَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) الحج: 51، وسعيهم بإلقائه الشبه في قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو المغوي والمحرك شياطين الإنس للإغواء، كما قال (لَأُغْوِيَنَّه مْ)، ومعنى (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) أي يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس.. (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ) معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها..."([115])
    وممن ذهب إلى هذا التفسير: ابن عاشور، وقال: إن تقدير الكلام: أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد، والله تعالى يعيد الإرشاد ويكرر الهدى على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوء فعله بالبيان الواضح، كقوله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) الأعراف: 27، وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) فاطر: 6
    ورد ابن عاشور تفسير (التمني) و (الأمنية) بالتلاوة، وشكك في نسبة الشاهد الشعري إلى حسان، وقال: ولو قبلناه على سبيل الجدل فإن المعنى أن النبي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه ليهتدوا به ألقي الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس التكذيب والإعراض عن التدبر. فشبه تسويل الشيطان بوسوسته للكافرين عدم امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء لخلطه وإفساده.
    وهذا المعنى لا ينسجم مع سياق الآيات، وما نقلته إلا ليعلم القارئ أن ما ذكر من سبب نزول لا صلة له بالآية حتى على أضعف الأقوال.
    ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنى هدى قومه أو حرص على ذلك فلقى منهم العناد، وتمنى حصول هداهم؛ عسى أن يقصر النبي من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس، ولكن العصمة تعترضها، فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع، ويرسخ في نفوس الرسول ما كلّف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد. فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوحاً إلى قوله تعالى:
    (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) الأنعام: 35([116]).
    ثالثاً- الرواية:
    أما الرواية فقد ذكر غير واحد من المفسرين أنها لا تصح، قال ابن كثير: طرقها كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، وسئل عنها ابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقالا: هي من وضع الزنادقة، وقال البيهقي: غير ثابتة من جهة النقل، وأن رواتها مطعون عليهم، وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه، فوجب اطراحه، ونقل القرطبي عن القاضي عياض أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة؛ وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البراز:
    وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره؛ إلا ما رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيما أحسب، الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك الذي ذكرناه فيه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي: فما لا تجوز الرواية عنه، ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه؛ كما أشار إليه من البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "والنجم" بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس([117]).
    إذا عرفت هذا فاعلم أنه لا مساغ إلى قبول الرواية المذكورة، فهي مع ضعفها تخالف الغرض الذي من أجله وردت الآيات التي قبلها، وكلها متساوقة النظم والمعنى، والله أعلم.
    (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) يس: 12.
    سبب النزول:

    أخرج الترمذي، وحسنه والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة([118]) في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن آثاركم تكتب، فلا تنتقلوا([119]).
    وردت هذه الآية في سياق تهديد مشركي مكة وتيئيس النبي عليه السلام من إيمانهم، إذ الإنذار لا ينفع في مثل هذه القلوب القاسية الخالية من الخير، ولكنه يثمر في القلوب المتعطشة إلى الهدى، الباحثة عن الحق، المؤمنة بالله واليوم الآخر.
    في هذا السياق جاءت هذه الآية لترسم للفريقين المآل، وتوضح لهم نتيجة أعمالهم، التي يعملونها في الدنيا وآثار هذه الأعمال خيراً كانت أم شرا، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) أما القول: بأن الرواية المذكورة هي سبب نزول الآية فمردود؛ لما يلي:
    قد علمت فيما ذكرته لك أن سياق الآيات لا ينسجم مع الرواية، وإن كانت تحتمله من وجه، فالآية تفيد أن أعمال البشر مسجلة عليهم خيراً كانت أم شراً "أما الآثار: فهي آثار الأعمال، وليست عين الأعمال، بقرينة مقابلته بــــــ (مَا قَدَّمُوا) مثل ما يتركون من خير أو يثير بين الناس وفي النفوس... فالآثار مسببات أسباب عملوا بها. وليس المراد كتابة كل ما عملوه؛ لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء. فهذا وعد ووعيد كلُّ يأخذ بحظه منه([120]).
    قال أبو السعود:
    (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها (وَآَثَارَهُمْ) التي ألقوها من الحسنات، كعلم علموه، أو كتاب ألفوه، أو حبيس وقفوه، أو بناء بنوه، من المساجد، والرباطات، والقناطر وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان، وترتيب مبادئ الشر والفساد فيما بين العباد، وغيره ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها لمن بعدهم من المفسدين. وقيل هي آثار إلى المشائين إلى المساجد، ولعل المراد أنها من جملة الآثار([121]). ونقل الألوسي هذا الكلام بنصه ثم عقب على القول بأن المقصود بالآثار: الخطأ إلى المساجد، بقوله:
    "وأنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكر على أن الآثار هي الخطأ لا غير وقصارى ما يدل عليه أنها من الآثار، فلتحمل الآثار على ما يعمها وغيرها"([122]).
    ثانياً- الرواية:

    أخرج الإمام مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قرب المسجد وقالوا: البقاع خالية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"([123]) مرتين، وفى رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنه قرأ عليهم: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ) قال ابن عاشور: وتوهم راوي الحديد عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه([124]).
    وخلاصة ما في الرواية: أن النبي قد قرأ عليهم الآية، وجعل خطاهم من الآثار التي تكتب لهم وليس فيها ذكر أنها سبب النزول، ومما يقدح في سبب النزول أيضاً: أن سورة يس مكية، والرواية تشير إلى أن الحدث كان في المدينة، وهذا لا يتناسب مع القول بمكية السورة، اللهم إلا أن يقال: إن هذه الآية -وحدها- نزلت في المدينة وهذا لا يمكن قبوله أو التسليم به مع القول بمكية السورة إلا بدليل صحيح صريح ولا دليل في ذلك.
    وعليه نستطيع القولة إن الآيات مكية وإن النبي عليه السلام قرأها على بني سلمة حين بلغة عزمهم على الانتقال من بيوتهم، وعد خطاهم إلى المسجد من جملة الأثار التي تكتب، والله أعلم.
    (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) فصلت: 21-22.
    سبب النزول:

    أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: اختصم عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال أحدهم أترون الله يسمع ما نقول: فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) الآية([125])..

    لو نظرنا إلى الآيات ابتداء من قوله (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) إلى قوله (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...) فصلت 19-25، لوجدنا أن السياق في الحديث عن المشركين وإعراضهم عن الدين وفعلهم الفواحش، فهم ما كانوا يتركون ركوب الفواحش حذراً أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أصلاً، ولاعتقادهم السيئ أن الله لا يعلم ما يفعلون، فيفاجئهم يوم القيامة شهادة جوارحهم عليهم. قال الزمخشري: "والمعني: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم؛ لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً، ولكنكم إنما استترتم لظنكم (أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظن هو الذي أهلككم([126])"
    ولو أخذنا بالرواية لكان المقصود بها أناس معينين، فيكون موقعها -كما قال ابن عاشور- بين الآيات التي قبلها وبعدها غريباً([127]). وأيضاً لو سلمنا بما قيل، فإن القصة قد وقعت بعد فتح مكة، والسورة كلها مكية كما ذكر المفسرون، ولا مخرج إلا ما ذكره ابن عطية، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها، فإن ذلك يؤول قول ابن مسعود: فأنزل الله تعالى الآية"([128]).
    الخاتمة


    لخصت الدراسة أهمية السياق بأنواعه في تحديد معنى الألفاظ، أو الجمل، وناقشت عدداً من الروايات الواردة في أسباب النزول ومدى انسجامها مع سياق الآيات وخلصت إلى ما يلي:
    ورد الاعتماد على السياق في توجيه المعنى في السنة النبوية وفي تفسير الصحابة. وعند السلف الصالح.
    لا يجوز بتر الآيات عن سياقها بدعوى ما ورد في سبب نزولها ما لم يرد في ذلك حديث صحيح.
    اعتمدت الدراسة المعنى الذي ذهب إليه المفسرون في تعريف السياق كمعيار للحكم على أسباب التنزيل، وخرجت بالنتائج التالية:
    قد يرد السياق مقوياً للرواية الواردة في سبب نزول الآية، وقد يتفق مع بعض الروايات الواردة في الآية ذاتها، ويختلف مع بعضها الآخر.
    هناك من الروايات الصحيحة: ما عد في أسباب النزول، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية مستشهداً بها في الموقف المذكور، وإن وردت في سياق آخر كما في قوله تعالى (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ).
    هناك من الروايات ما لم يمكن قبولها كسبب للتنزيل وإن صحت في نفسها، ويكفي السياق وحده لردها، كما ورد في سبب نزول قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) آل عمران: 195.
    قد تدخل عوامل أخرى تعضد السياق في عدم قبول الرواية سبباً للتنزيل، كما ورد في سبب نزول قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) النساء: 48، فإن فيها السكوت على المعصية وإقرارها بغض النظر عما سيكون حال صاحبها في الآخرة. ومن ذلك -أيضاً، مخالفة المعهود، كما في قوله تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...) الآية، فإن اليهود لا ينكرون إنزال التوراة على موسى
    قد تكون الرواية من جميع طرقها ضعيفة، مثل رواية الغرانيق الواردة في سبب نزول آية الحج: 52، فإذا أضيف إليها السياق لم يكن من المقبول التماس الأعذار لتقوية الرواية، كما ذهب إليه العلامة ابن حجر العسقلاني.
    قد يرد عن الصحابي في تفسير الآية ما يخالف روايته في سبب نزولها، كما في قوله تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) النساء: 128، فقد ورد عن عائشة في الصحيح أنها في المرأة تكون مع الرجل غير مستكثر منها...الخ، وهذا ينقض روايتها أنها نزلت في سودة.


    المصادر والمراجع


    ابن الأثير، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، أسد الغابة، ت: عادل الرفاعي، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1417ه/1996م.

    أصبان، إبراهيم، السياق بين علماء الشريعة والمدارس اللغوية، مجلة الإحياء، العدد (25)، جمادي الثانية، 1428/ يوليو 2007م، المغرب.
    الأصفهاني، الراغب الأصفهاني، المفردات، ت: صفوان داوودي، ط1، دار القلم، دمشق، 1412ه/1992م.
    الألوسي، روح المعاني، ط4، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405ه/1985م.
    البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة، ت: عبد المعطي قلعجي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405ه.
    تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، عالم الكتب، بيروت، 1998.
    ابن تيمية، شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم، مقدمة في أصول التفسير، ط1، ت: أحمد حجازي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1391ه/1971م.
    الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تعليق، محمود محمد شاكر، ط2، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1410ه/1989م.
    الحاكم، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، ت: مصطفى عبد القادر عطا، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411ه/1990م.
    الحلبي، علي بن برهان الدين، السيرة الحلبية، دار المعرفة، بيروت.
    أبو حيان، البحر المحيط، ت: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413ه/1993م.
    بودرع، أثر السياق في فهم النص القرآني، بحث منشور في مجلة الإحياء، العدد (25)، جمادي الثانية، 1428/ يوليو 2007م، المغرب.
    الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، ت: مجموعة من المحققين بإشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.
    الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، التفسير الكبير، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411ه/1990م.
    الرازي، عبد الرحمن بن أبي حاتم، تفسير ابن أبي حاتم الرازي، ت: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، بيروت.
    رشيد رضا، تفسير المنار، ط2، دار الفكر، د.ت.
    الزركشي، محمد عبد الله، البرهان في علوم القرآن، ط1، ت: يوسف المرعشلي وزملائه، دار المعرفة، بيروت، 1410ه/1990م.
    الزكلي، خير الدين، الأعلام، ط10، دار العلم للملايين، 1992م.
    الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، ت: محمد مرسي عامر، ط2، دار المصحف، القاهرة، 1977.
    أبو السعود، محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.
    السيوطي، أسباب النزول، ت: حامد أحمد الطاهر، ط1، دار الفجر، القاهرة، 1423ه/2002م.
    السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411ه/1990م.
    السيوطي، طبقات الحفاظ، مكتبة المشكاة الإسلامية.
    الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي، الموافقات، قدم له: بكر أبو زيد، وعلق عليه: أبو عبيدة مشهو آل سلمان، ط1، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1417ه/1997م.
    الشتوي، فهد بن شتوي، دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي في قصة موسى عليه السلام، رسالة ماجستير قدمت إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى، 2005م.
    شريف محمد إبراهيم، اتجاهات التجديد في تفسير القرآن بمصر، ط1، دار التراث، القاهرة، 1402ه/1982م.
    صالح، محمد سالم، أصول النظرية السياقية الحديثة عند علماء العربية ودور هذه النظرية في التوصل إلى المعنى، موقع www.islamport.com
    الصنعاني، عبد الرازق، تفسير عبد الرازق، ت: مصطفى مسلم، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1410ه.
    الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1417ه/1997م.
    الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، ت: حمدي السلفي، ط2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 1404ه/1983م.
    الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، ت: طارق بن عوض الله، وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، 1415ه.
    الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1412ه/1992م.
    الطلحي، ردة الله بن ردة بن ضيف الله، دلالة السياق، ط1، معهد البحوث العلمية، جامعة أم القرى، 1424ه.
    ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، ط1، مؤسسة التاريخ، 1420ه/2000م.
    ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ت: محمد علي البجاوي، ط1، دار الجيل، بيروت، 1412ه.
    العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، العجاب في بيان الأسباب، ت: أبو عبد الرحمن فواز زمرلي، دار ابن حزم، بيروت، 1422ه/2002م.
    ابن عطية، أبي محمد عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق المجلس العلمي بتارودانت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، المغرب، 1409ه/1989م.
    العنزي، سعد بن مقبل، دلالة السياق عند الأصوليين، دراسة نظرية تطبيقية، رسالة ماجستير قدمت إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، 1427ه/1428.
    القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405ه/1985م.
    ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط2، دار الجيل، بيروت، 1410ه/1990م.
    محيسن، محمد سالم، المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة، ط2، دار الجيل، بيروت، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1408ه/1988م.
    المزي، جمال الدين يوسف، تهذيب الكمال، في أسماء الرجال، ت: د. بشار عواد، مؤسسة الرسالة، ط1، دمشق، 1413ه/1992م.
    المزيني، خالد بن سليمان، المحرر في أسباب النزول من خلال الكتب التسعة، ط1، دار ابن الجوزي، 1427ه.
    ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم الشاذلي، دار المعارف، المعارف، القاهرة، د.ت.
    الموسوعة الإلكترونية للتفسير وعلوم القرآن، موقع جامعة آل البيت، altafsir.com.
    موقع الإسلام، المملكة العربية السعودية، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف، al-islam.com
    النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، ت: عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411ه/1991م.

    [*]) أستاذ مساعد بقسم العلوم الإسلامية، كلية التربية، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عُمان.

    [1]الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/117

    [2]ابن منظور، لسان العرب، 3/ 2154

    [3]الزمخشري، أساس البلاغة، 1/ 848

    [4]الطلحي، ص51 نقلاً عن كونرد.

    [5]الطلحي، دلالة السياق، ص51

    [6]انظر، الشتوي، دلالة السياق، ص27، نقلا عن دلالة السياق منهج مأمون لتفسير القرآن الكريم، ص88

    [7] الطبري، جامع البيان، 2/ 100

    [8]محمد سالم صالح، النظرية الحديثة عند علماء العربية ودور هذه النظرية في التوصل إلى المعنى، ص5 ، نقلا عن معجم علم اللغة النظري، ص 259.

    [9]تمام حسان، اللغة العربية، معناها ومبناها، ص 337

    [10]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 13/ 228

    [11]أستاذ التفسير وعلوم القرآن، جامعة القصيم، المملكة العربية السعودية

    [12]د. محمد الربيعة، علم السياق القرآني، مقال منشور علي موقع ملتقى أهل التفسير، (http://tafsir.net/vb/showthread.php?=7414).

    [13]أستاذ في كلية الآداب، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان.

    [14]بودرع، أثر السياق في فهم النص القرآني، مجلة الإحياء، العدد 25، ص73.

    [15]الترمذي، سنن الترمذي، رقم الحديث 3157، ج5/ 327.

    [16]الطبري، جامع البيان، 5/ 331

    [17]أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ) حديث 497، الطبري، 12/ 730

    [18]انظر العنزي، دلالة السياق، ص 100، نقلاً عن فضائل القرآن أبي عبيد، ص 229

    [19]العنزي، ص 166، نقلاً عن ابن عبد البر، التمهيد، 2/ 169

    [20]عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 402

    [21]عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص46

    [22]الزركشي، البرهان، 2/235، ونقله بودرع، عن ابن القيم، انظر أثر السياق في فهم النص القرآني، مجلة الإحياء، ص 72

    [23]الزركشي، البرهان، 1/131

    [24]البقاعي، نظم الدرر، مقدمة الكتاب. 1/5

    [25]نسب هذا القول إلى القشيري، انظر الزركشي، البرهان، 1/117

    [26]الطبري، جامع البيان، 6/91 (نسخة أحمد شاكر)

    [27]صالح بن كيسان: المدني، الإمام الحافظ، الثقة، مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز، يقال مولى بني غفار، ويقال: مولى بني عامر ، ويقال : مولى آل معيقيب الدوسي، رأي عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، قال بن معين : وسمع منهما ، روى عنه عمرو بن دينار وموسى بن عقبة، كان جامعاً من الحديث والفقه والمروءة. انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10/ 60-61

    [28]انظر ابن جرير، جامع البيان، 11/419

    [29]اسم الكتاب الأول كما في مقدمة المفردات (تحقيق مناسبات الألفاظ) والآخر (الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينهما من فروق) انظر مقدمة المفردات، ص55

    [30]الزركشي، البرهان، 2/313، وفي المفردات أمثلة كثيرة على اعتماد الراغب على السياق في اختيار المعنى، كما في تفسيره لقوله تعالى (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) هود: 71، قال "وضحكها للتعجب بدليل قوله (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، ويدل على ذلك قوله (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) إلى قوله (عَجِيبٌ)، هود: 72، وقول من قال حاضت فليس ذلك تفسيراً لقوله (فَضَحِكَتْ) كما تصوره بعض المفسرين..." انظر المفردات، ص 502، مادة ضحك.

    [31]الزكرشي، البرهان، 1/ 427

    [32]أخرجه الترمذي، رقم الحديث، 3205، ج5، ص351، والحاكم في المستدرك، رقم الحديث 4705، ج3، ص158

    [33]انظر البرهان، 2/331

    [34]ابن تميمة، مقدمة في أصول التفسير، ص 71-72

    [35]هذه الألفاظ المجاز الذي يستخدمه العرب في كلامهم، فزيد أسد: يشبه زيد بالأسد في صفاته، فهو تشبيه بليغ ، ومثاله: فلان حمار، أي أن فلاناً يشبه الحمار في صفاته، وعظيم الرماد، كناية عن الشخص الكريم المضياف، وجبان الكلب، كناية عن الكرم أيضاً، لأن كلبه لا يؤذي الأضياف بصوته، وفلانة بعيدة مهوى القرط، كناية عن طول الرقبة، وهو أمر مستحسن في صفة النساء عند الرعب، انظر، مختصر المعاني، سعد الدين التفتازاني ، ص 450، 604- 605

    [36]الشاطبي، الموافقات، 4/ 266

    [37]الشاطبي، الموافقات،4 /27

    [38]عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 539

    [39]انظر محمد سالم محيسن، المغني في توجيه القراءات العشر، 1/ 183

    [40] انظر عبد الرازق، تفسير عبد الرازق، 1/59 الطبري، جامع البيان، 1/563، ابن حجر، العجاب في بيان الأسباب، ص 185، السيوطي، أسباب النزول، ص 38

    [41]انظر د. محمد سالم محيسن، المغني في توجيه القراءات العشر، 1/ 183

    [42]الطبري، جامع البيان، 1/ 564

    [43]أبو السعود، أرشاد العقل السليم، 1/ 152

    [44]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1/ 673

    [45]السيوطي، باب النقول، ص 38، وانظر الدر المنثور، 1/209

    [46]الألوسي، روح المعاني، 2/371

    [47]الترمذي، سنن الترمذي، في أبواب التفسير، باب (ومن سورة آل عمران)، رقم:3023، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (3: 1136)، والحاكم في المستدرك، (2: 300)

    [48]أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 2/ 133

    [49]الطبري، جامع البيان، 3/ 555

    [50]انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير، 3 /314

    [51]انظر د. خالد المزيني، المحرر في أسباب النزول، 1/ 351- 352

    [·](·)الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، والاستيهاب، سؤال الهبة. ابن منظور، لسان العرب، مادة (وهب)، 6/ 4929

    [((](··)البيع: ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضاً، وهو من الأضداد، والابتياع: الاشتراء، وابتاع الشيء: اشتراه. ابن منظور، لسان العرب، مادة (بيع)، 1 /401

    [52]انظر، أبو حاتم الرازي، تفسير ابي حاتم، رقم الحديث 5424، 4/ 971، والطبراني في الكبير، رقم الحديث (4063)، 4/177

    [53]وحشي بن حرب من سودان مكة، مولى لطعيمة بن عدي، ويقال: هو مولى لجبير ابن مطعم بن عدي، ويكنى أبا دسمة، وهو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وكان يومئذ كافراً، أسلم بعد ذلك، وشهد اليمامة، ورمي مسيلمة بحربته التي قتل بها حمزة، وزعم أنه أصابه. انظر، ابن عبد البر، الاستيعاب، 4/ 1564

    [54]انظر البغوي، معالم التنزيل، 2 /232، الرازي، مفاتيح الغيب، 10/101

    [55]أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 2/ 187

    [56]انظر البقاعي، نظم الدرر، تفسير الآية، موقع موسوعة التفسير وعلوم القرآن، مؤسسة آل البيت، الأردن .

    [57]الرازي، مفاتيح الغيب 10/ 101

    [58]السيوطي، أسباب النزول، ص 146، والحديث أخرجه أبو داوود ، في النكاح، رقم 2135، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب، ومن سور النساء، رقم 3040

    [59]الحاكم، المستدرك، رقم الحديث 3205، ابن جرير الطبري، جامع البيان ، 4 /307

    [60]الطبري، جامع البيان، 4 /304

    [61]البخاري، كتاب التفسير، قوله تعالى، وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا.. رقم 4235، موقع al-islam.com

    [62]هو: عبيدة بن عمرو، ويقال: عبد الله بن قيس بن عمرو السلماني، المرادي الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي عليه السلام بسنتين، ولم يلقه، مات سنة اثنتين وسبعين، أو ثلاث وسبعين. انظر، السيوطي، طبقات الحفاظ، ص5

    [63]قتادة بن دعامة السدوسي/ كان من أوعية العلم، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 9/323

    [64]الطبري، جامع البيان، 4/ 305

    [65]الطبراني، المعجم الأوسط، رقم الحديث 6232، ج6 /ص 218

    [66]الطبري، جامع البيان، 4/628، السيوطي، أسباب النزول، 165

    [67]أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 3/ 52، بتصرف

    [68]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 5/138، بتصرف

    [69]ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/68

    [70]ابن عاشور، التحرير والتنوير ، 5/138 بتصرف

    [71]النحاس، إعراب القرآن، 2/28

    [72]القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ، 6/221

    [73]مالك بن الصيف: رئيس من رؤساء اليهود في المدينة، انظر السيرة الحلبية، 2/226

    [74]أخرجه ابن أبي حاتم الرازي في تفسيره، رقم الحديث 7597، 4/1342 ، وانظر السيوطي، أسباب النزول، 182

    [75]انظر الطبري، جامع البيان، 5/ 262-264

    [76]فنحاص بن عازوراء : رئيس من رؤساء بني قينقاع، وحبر من أحبارهم، انفرد بالعلم والسيادة بعد إسلام عبد الله بن سلام، انظر السيرة الحلبية 2/ 143

    [77]انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير 6/210 شن وانظر أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 3/ 161

    [78]الطبري، جامع البيان، 5/264

    [79]انظر تفسير، ابن كثير (2/148) مؤسسة آل البيت

    [80]قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يجعلونه، يبدونها، ويخفون) الأفعال الثلاثة بالياء، وقرأ الباقون بتاء الخطاب. د.محمد سالم محيسن، المغني، 2/64

    [81]ابن عاشور، 6/213

    [82]رشيد رضا، المنار، 7/ 617-618، بتصرف

    [83]أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، رقم 3122، والنسائي في السنن الكبرى رقم الحديث 945

    [84]داود بن صالح بن دينار التمار المدني، مولى الأنصار، روى عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبيه صالح بن دينار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، قال احمد بن حنبل: لا اعلم به بأسا، وذكره بن حبان في الثقات" المزي، تهذيب الكمال، 8/402

    [85]سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عن النبي عليه السلام وعن زيد بن ثابت، وروى عنه ابنه أبو أمامة أسعد بن سهل وغيره. المزي، تهذيب الكمال، 12/184

    [86]السيوطي، أسباب النزول، ص 239 -240

    [87]مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل بأربع، ولم يصح له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، روي عن زيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وعلى ابن أبي طالب، وأبو هريرة، وروي عنه سعيد بن المسيب وآخرون، ولي إمرة المدينة لمعاوية، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد. المزي، تهذيب الكمال، 27 / 387-389

    [88]أبو الجوزاء، الربعي، اسمه: أوس بن عبد الله، روى عن عبد الله بن عباس، وغيره، روى له جماعة. المزي، تهذيب الكمال، 33/212

    [89]محمد بن كعب القرظي، يكني أبا حمزة، قيل: إنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. انظر ابن عبد البر، الاستيعاب، 3/1377

    [90]عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الهذلي، ابو عبد الله الزاهد، روى عن جماعة منهم سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وأبوه عتبه، وروى عن خلق كثير، قال يحي بن معين: ثقة. المزي، 22/ 455-456 بتصرف

    [91]ابن عطية، المحرر الوجيز، 10/122-123

    [92]انظر الطبري، جامع البيان، 7/ 508-512

    [93]ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/530

    [94]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 13/ 33

    [95]الحاكم، المستدرك، رقم الحديث 3368، 2/391

    [96]البيهقي ، دلائل النبوة، ص 286، 288، 289

    [97]الترمذي، كتاب التفسير، رقم 2139

    [98]السيوطي، أسباب النزول، ص248

    [99]الرازي، مفاتيح الغيب، 20/113

    [100]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 13/269

    [101]لم أجده في إعراب القرآن للنحاس، وذكره ابن عطية أنه اختيار النحاس، قال ابن عطية:" والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسناً؛ لأنها تتدرج الترب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازي على فعله، ولكن ما رواه الجمهور أثبت" انظر ابن عطية، المحرر الوجيز، 10/ 251-252

    [102]الرازي، مفاتيح الغيب، 20/113، وانظر ابن عاشور، التحرير والتنوير، 13/269

    [103]المرجع نفسه.

    [104]ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/573

    [105]الطبري، جامع البيان، 9/174-176.

    [106]الطبراني في الكبير عن عروة، رقم الحديث 8316، ج9/ص34.

    [107]الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، رقم الحديث، 84/247. ونسبها السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد، والبراز، وابن مردويه، وابن ابي حاتم، وابن المنذر وغيرهم، انظر الدر المنثور، 4/661.

    [108]السيوطي، أسباب النزول، ص 280.

    [109]انظر البغوي، معالم التنزيل، 5/394.

    [110]الأصفهاني، المفردات، 780.

    [111]الرازي، مفاتيح الغيب، 23/45.

    [112]الطبري، جامع البيان، 9/178.

    [113]الأصفهاني، المفردات، 780.

    [114]النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، من قريش، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها وشياطينها، وهو ابن خالة النبي عليه السلام، ولما ظهر الإسلام آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الزركلي، الإعلام، 8/33.

    [115]أبو حيان، البحر المحيط، 6/352.

    [116]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 17/215-217.

    [117]انظر، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/222. أبو حيان، البحر المحيط، 6/352، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 12/80.

    [118]هم بنو سلمة بن سعد، بطن من الخزرج، من القحطانية، منهم بعض الأنصار، الزركلي، الأعلام، 3/113، وانظر، أسد الغابة، 5/204.

    [119]أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، رقم 3226، والحاكم في المستدرك، رقم 3604، 2/465، وانظر الطبري، جامع البيان 10/429-430، والسيوطي، أسباب النزول، ص344.

    [120]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 22/204.

    [121]ابو السعود، إرشاد العقل السليم، 7/161.

    [122]الألوسي، روح المعاني، 22/218.

    [123]أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، فضل كثرة الخطأ إلى المساجد، رقم 1069.

    [124]ابن عاشور، التحرير والتنوير، 22/204.

    [125]أخرجه البخاري في كتاب التفسير، رقم 4817، ومسلم، في صفات المنافقين، رقم 2775، انظر، السيوطي، أسباب النزول، ص 356.


    [126]الزمخشري، الكشاف، 5/197.

    [127]ابن عاشور، 25/40.


    [128]ابن عطية، المحرر الوجيز، 14/177.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •