مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 5 من 5
5اعجابات
  • 1 Post By محمد عبدالعظيم
  • 1 Post By محمد عبدالعظيم
  • 1 Post By محمد عبدالعظيم
  • 1 Post By محمد عبدالعظيم
  • 1 Post By محمد عبدالعظيم

الموضوع: مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    261

    افتراضي مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

    د اسامة سليمان
    مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام (1)
    وجه كون إبراهيم عليه السلام أُمة
    أما فضائله: فقد أثنى الله عليه، فقال الله في سورة النحل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ} [النحل:120 - 122].
    فقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) قال بعض المفسرين: أي إماماً وقدوة، هذا المعنى الأول لكلمة (أمة).
    وقال بعضهم أيضاً: إنه رجل جمع صفات أمة كاملة، فهو رجل بأمة.
    وانظر كيف تكون إذا كان الحق معك، فإنك تكون قوياً ولو كنت وحدك، فإبراهيم كان وحيداً لكنه كان أمة، ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً))، أي: خاشعاً مطيعاً لله، {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120]، فلم يكن مشركاً أبداً.
    براءة إبراهيم عليه السلام من الشرك
    بعض الذين لا يفقهون في دين رب العالمين يتطاولون على إبراهيم بسوء فهم وعدم قصد أو بعمد، فهم يقولون: إن إبراهيم كان يعبد الكواكب، ويستدلون بقول الله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام:76]، وهم لا يفهمون أن قول إبراهيم: (هذا ربي) للتهكم ولتوبيخ من يعبد الكواكب من دون الله عز وجل، فما كان إبراهيم مشركاً يوماً ما، وكيف يكون مشركاً وهو خليل الرحمن؟! ونحن في كل صباح نعلنها: أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين.
    يقول الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: وكلمة: (وما كان من المشركين) تنصرف إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فلا يفهم أحد أن إبراهيم كان يعبد النجوم، حاشاه.
    وقد قال تعالى في ختام قصة إبراهيم في سورة الأنعام: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:78 - 79]، وقال هنا: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120].
    وإذا كنا ننزه الأنبياء عن كبائر الذنوب قبل البعثة وبعدها فمن باب أولى أن ننزه خليل الرحمن عن الشرك، كما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120].
    ثم قال تعالى: {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} [النحل:121]، أي: اصطفاه، {وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل:121 - 122]، وحسنة الدنيا هي الذكر الجميل بعد موته، وهذا مطلب الصالحين، فبعد أن يموت الإنسان فإما أن يذكره الناس بخير، وإما أن يذكروه بشر، فإبراهيم إذا ذكرناه قلنا: عليه السلام، وإذا ذكرنا خالد بن الوليد قلنا: رضي الله عنه، وإذا ذكرنا الوليد بن المغيرة قلنا: عليه لعنة الله، فالابن نترضى عنه ووالده نلعنه، وأنت إن أردت أن تخلد ذكرك في الحياة فاترك صدقة جارية أو علماً ينتفع به أو ولداً صالحاً يدعو لك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فالعلماء أعمالهم لا تنقطع بعد موتهم، ونحن إذا ذكرنا -مثلاً- البخاري ومسلماً ترضينا عليهما ودعونا لهما بالرحمة، وعلمهما لا يزال بيننا.
    وأما من ترك لنا فسقاً وفجوراً وغناءً وزوراً فكلما رأينا ما تركوا لعناهم بلعنة الله لهم.
    جعل النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم عليه السلام
    وكذلك من فضائله: أن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب، فما من نبي أتى بعد إبراهيم إلا وينتهي نسبه إما إلى إبراهيم، وإما إلى نوح عليه السلام، يقول الله في ذلك: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد:26]، فرزق إبراهيم بإسماعيل من هاجر، وبإسحاق من سارة، ومن فرع إسحاق جاء يعقوب الذي هو إسرائيل، ومن فرع يعقوب جاءت أنبياء بني إسرائيل جميعاً، ومن فرع إسماعيل لم يكن إلا خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب، ولأن أهل الكتاب يحسدوننا أرادوا أن يكون الذبيح هو إسحاق، ولكن الذبيح هو إسماعيل، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم


    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    261

    افتراضي رد: مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

    فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71]، فكيف يبشر بولد، ثم بولد لهذا الولد ويؤمر بذبحه؟ هذا يستحيل، فالمأمور بذبحه هو إسماعيل عليه السلام كما يقول العلماء، ولكن اليهود أرادوا أن ينسبوا هذا الشرف لهم، فقالوا: إن الذبيح هو إسحاق وهذا كلام باطل لا دليل عليه.
    كون إبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل
    ومن فضائله كذلك أنه أحد أولي العزم من الرسل، وأولو العزم من الرسل ذكرهم الله في كتابه، يقول ابن كثير: وذكر الخاص بعد العام إشارة إلى منزلة الخاص، {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} [الأحزاب:7]، صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر النبيين إجمالاً ذكر أولي العزم من الرسل الخمسة، النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم جميعاً الصلاة والسلام، فهو أحد أولي العزم من الرسل.
    أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام
    رابعاً: ومن فضائله أيضاً: ما جاء عند البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً غير مختونين {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]، ثم أول من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام)، فهذه منقبة لإبراهيم.
    يقول الحافظ ابن حجر: وليس معنى أنه أول من يكسى أنه أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس معنى تقدم المفضول على الفاضل في أمر أن يكون المفضول أفضل في المجموع.
    فإبراهيم أول من يكسى يوم القيامة من عريه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهو لما بذل جسده للنيران في الدنيا بلا ذنب إلا أنه يدعو إلى توحيد الله، فقد كان أمة في التوحيد وفي الصبر على البلاء وإقامة الحجة على الناس؛ أراد الله عز وجل أن يجازيه من جنس عمله، فكان أول من يكسى يوم القيامة.
    وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، الذي هو كعبة الملائكة، لأنه هو الذي بنى الكعبة الأرضية فاستحق أن يكون عند البيت المعمور كعبة الملائكة، فالجزاء من جنس العمل.
    اتخاذ الله لإبراهيم عليه السلام خليلاً
    ومن فضائله عليه السلام: أن الله اتخذه خليلاً، وأنه كما جاء في البخاري: (لم يكذب إلا ثلاث كذبات)، وهذا الحديث -في الحقيقة- يحتاج إلى وقفة، فهذه الكذبات في الله، يقول النووي في شرح مسلم: الكذب مذموم، وأحياناً يكون واجباً باتفاق الفقهاء.
    فلو أن ظالماً جاء إلى بيتك يطلب رجلاً بريئاً وقد توارى هذا الرجل عندك في البيت، فسألك الظالم: هل عندك فلان؟ فالواجب عليك أن تكذب، حتى تنقذ هذا الرجل من يد ذلك الظالم.
    ولو جاء إليك ظالم يطلب وديعة ليأخذها بغير حق وسألك عن مكان وجودها فإن أخبرته بالصدق فقد ارتكبت إثماً، يقول شيخ الإسلام: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرَّين.
    فكذبات إبراهيم عليه السلام لا تعني أنه كذب بالمعنى المراد عندنا، وإنما كان في الله، وعلى سبيل المعاريض، فهو لما قال عن زوجته: إنها أخته لم يكذب، بل عرَّض، فهي أخته في الدين، والمعاريض معناها أن يفهم المستمع معنى وتريد أنت معنى آخر، فإبراهيم عليه السلام كذب في الله عز وجل، وليس المقصود بالكذب الكذب المذموم.
    ويروي القرطبي في تفسيره قصة عجيبة تؤيد هذا المعنى، وهي أن عالماً كان يدرس العلم لتلامذته، فقام أحد الحضور وسب ولي الأمر؛ لخسته وطيشه، وعدم اتزانه، وعدم مراعاته للمصلحة، وهذه المجالس لا تخلو بالتأكيد من أذن تسمع لتبلغ، فذهب أحدهم إلى ولي الأمر وقال له: سبك فلان في مجلس العالم فلان، فأرسل ولي الأمر إلى العالم يقول له: أسب في مجلسك ولا تدافع عني؟ قال: ما سببت، ومن الذي أخبرك أنك سببت؟ قال: فلان، فقال: ما سببت، قال: تقسم بالله أني ما سببت، فأقسم العالم، فلما أقسم العالم جاء ولي الأمر بذلك الرجل الذي بلغه من بطانته وضربه ضرباً شديداً، فخرج إلى العالم يقول له: تكذب أيها العالم؟! فقال: يا رجل! لقد كذبت حتى أنجي الرجل من القتل؛ لأني لو قلت له: إن فلاناً سبه، لأرسل إليه وقتله في الحال، فاختار العالم أقل المفاسد.
    ولما مر ابن تيمية على جنود التتار وهم يشربون الخمر أراد أحد تلامذته أن ينهاهم، فقال: دعهم يشربون، فقال: الخمر حرام! فقال: يا بني! إن الله نهانا عن شرب الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، أما هؤلاء فإنهم إن شربوا الخمر أخذت برءوسهم، فانشغلوا بشربها عن قتل المسلمين وسبي نسائهم، وأيهما أولى عندك: أن يتفرغوا لقتالنا، أو يشربوا الخمر؟ ويقول العلماء: إن غلب على ظنك وتأكدت أنك إن نهيت رجلاً عن لعب الشطرنج فانتقل من لعبه إلى لعب الطاولة فاتركه يلعب الشطرنج؛ لأن الشطرنج فيه خلاف، وإن كان الراجح الحرمة، وأما الطاولة ففيها إجماع على الحرمة، فأنت بهذا تنقله من أمر فيه خلاف إلى أمر مجمع عليه، فأيهما أولى؟ ففقه الأولويات فقه هام، وبعض الأخوات المسلمات -بارك الله فيهن- يسترن وجوههن ولكن إذا نظرت إلى أسفل تجد جزءاً من أقدامهن ظاهرة، فيظهرن ما أجمع العلماء على وجوب ستره، ويخفين أمراً مختلفاً فيه، فالقدم أحرى بالستر من الوجه.
    كون إبراهيم عليه السلام خير البرية
    ومن فضائل إبراهيم عليه السلام: أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير البرية) صلى الله عليه وسلم.
    وفي فضائله جاءت الآيات الكثيرة.
    دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه
    دعوة الأب مهمة؛ لأنه أولى الناس بالخير الذي عندك وأقرب الناس إليك، وقد قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214].
    فابدأ أولاً بأهلك: أبيك وأمك وزوجتك وأبنائك وأعمامك وهكذا، فابدأ بمن تعول أو بمن له قرابة منك.
    فإبراهيم عليه السلام بدأ أولاً بأبيه، وانظروا إلى حواره مع أبيه كما أتى في سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} [مريم:42 - 45].
    يقول المفسرون: انظر إلى تلطفه، فقد استخدم لفظ: (يا أبت) أربع مرات؛ ليستثير عند الأب عاطفة الأبوة، فبدأ أولاً بإقامة الحجة عليه، ولم يسفه الأصنام، وإنما قال له: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ}، فالإله الذي يعبد -يا أبت- ينبغي أن يسمع، فمن الذي يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء إلا رب الأرض والسماء، فنقول لمن ينادي الأموات في أضرحتهم: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر:14].
    فإبراهيم يقول لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ} [مريم:42]، فالله يعلم السر وأخفى سبحانه.
    وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين جاءت المرأة المجادلة خولة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحدثه في أمر زوجها أوس بن الصامت الذي ظاهر منها، تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة واحدة فكنت أسمع بعض الحديث ولا أسمع البعض الآخر، فأنزل سبحانه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة:1].
    ويقول ابن القيم: والسمع في القرآن يأتي على معان ثلاثة: سمع بمعنى إدراك الصوت، وسمع بمعنى الإجابة، كقولك: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله لمن حمده، وسمع بمعنى الفهم، يقول ربنا سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:23].
    وعندما يقول أصحاب النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10].
    فالمقصود: أنهم ينفون عن أنفسهم سمع الإجابة، وإلا فهم قد سمعوا الصوت، ومنهم من سمع الدعوة وأعرض، فهم قد سمعوا ولكنهم ما أجابوا، فكأنهم لم يسمعوا، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10 - 11].
    {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} [مريم:42]، فالإله الذي يعبد لا بد أن يسمع ويبصر، ويملك لك جلب النفع ودفع الضر، ولا يملك لك جلب النفع ودفع الضر إلا الله، والمشرك لا عقل له، فالذي يدعو غير الله منزوع العقل.
    وقد روى الدارمي في مقدمة سننه: أن رجلاً من المشركين أرسل ولده ليقدم زبداً ولبناً لصنمه الذي يعبده، فحمل الولد الزبدة واللبن، ثم جاء إلى الصنم ووضع اللبن والزبدة بين يديه، يقول الولد: وقد اشتقت إلى أكل الزبدة واللبن، ولكني خفت أن يصيبني الصنم بأذى، وجلست أنظر إلى الصنم ماذا يصنع؟ فجاء كلب لا عقل له، فأكل الزبدة وشرب اللبن ثم بال على الصنم، فعلمت أن الكلب أعقل مني.
    فأين عقولكم يا من تدعون غير الله، وتطوفون بأضرحة من تزعمون أنهم من الصالحين وهم لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً؟ ويقول ربنا تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاع إِذَا دَعَان} [البقرة:186]؛ فهم كما قال قائلهم لبعض الذين يترددون عليه: عند دخولك من الباب على شيخك اخلع عقلك كما تخلع حذاءك فهم قد يخلعون عقولهم حينما يدعون غير الله ويطلبون المدد من غيره سبحانه.
    ثم قال إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} [مريم:43]، فانظروا إلى الحكمة والتلطف والأدب في الحوار مع الأب مع أنه مشرك،
    دروس من قصة إبراهيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
    وبعد: في دعوة إبراهيم لأبيه دروس: الدرس الأول: البدء بالأقارب عند الدعوة إلى الله.
    الدرس الثاني: التلطف في الدعوة إلى الله عز وجل.
    الدرس الثالث: مقابلة الإساءة بالحسنى.
    الدرس الرابع والأخير: أنه لا قيمة للأرحام يوم العرض على الله عز وجل، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101].
    وفي معنى الحديث: أن إبراهيم عليه السلام يلاقي أباه آزر يوم القيامة وجهاً لوجه، فيقول له: يا أبت! ألم أقل لك: اتبعني وأطعني، فيقول: يا إبراهيم! أما اليوم فأتبعك؛ لأنه عاين ورأى، فيقول إبراهيم لربه: يا رب! لقد وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 - 89]، وهذا أبي! فيقول الله: يا إبراهيم! إن الجنة حرام على الكافرين، ولا شفاعة للمشركين، فينظر إبراهيم تحت قدمه فيرى أباه قد تحول إلى حيوان -ضبع- يتلطخ بدمه.
    يقول ابن حجر: ومسخ آزر من صورة بشرية إلى صورة حيوانية لسببين: السبب الأول: رحمة بإبراهيم؛ لأن آزر إذا دخل النار على صفته التي يعرفها إبراهيم تأذى إبراهيم كلما نظر جهة النار ورأى أباه، فأراد الله أن يرحم إبراهيم بمسخ صورة أبيه.
    السبب الثاني: أن آزر رأى الآيات الدالة على وحدانية الله، وأقيمت عليه الحجة فأبى إلا الشرك، ولذلك فالجزاء من جنس العمل، فمسخ إلى ضبع غبي؛ لأنه اتصف بالغباء، ورفض دعوة التوحيد، ومن ثم مسخ على هذه الهيئة.
    أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا أنساب يوم العرض على الله إلا التقوى والعمل الصالح، فلا تقل: أنا من قبيلة فلان، أو من أهل البيت، بل لا بد أن تكون على الجادة.
    وإني أعجب من أقوام يأتون بشجرة العائلة ينتهي فيها نسبهم إلى السلالة الطاهرة، ولم يقدموا شيئاً، وقد قال الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة:197].
    هجم العلمانيين على الحجاب
    أحبتي الكرام! وقبل أن ننتهي من هذه الخطبة المباركة ننبه على مقال خطير، ويبدو أننا الآن في ظل حرية الكفر وليس حرية الفكر، ففي جريدة يكتب كاتب مشهور في الأخبار ومعروف -ولا داعي لذكر اسمه- أن امرأة أرسلت إليه تشتكي من قهر زوجها، ومن الإرهاب الديني التطرفي، وهذا الإرهاب الديني الذي ذكره في هذا المقال: أولاً: أنه فرض عليها أن تلبس النقاب، وهذا إرهاب.
    ثانياً: أنه منع الغناء في البيت، وهذا أيضاً إرهاب.
    ثالثاً: أنه منعها من مصافحة الرجال، وهذا إرهاب.
    رابعاً: أنه منعها من أن تجالس الرجال في الصالة مع الأقارب، وهذا إرهاب.
    إلى غير ذلك مما ذكره من الأمور التي طلبها الزوج.
    يقول الكاتب: أنقذوا المرأة من إرهاب المتطرفين الذين فتحت لهم الصحف ليكتبوا.
    ثم يقول: وأفضل شيء -والحمد لله- أن هذا المقال سيتحول إلى إنقاذ للمرأة من الإرهاب الديني التطرفي.
    وأما كيفية إنقاذها: فلا بد أن تخلع النقاب، وأن تصافح الرجال وتجالسهم، وأن تسمع الغناء، بدلاً من أن تعود إلى عصور الظلام.
    وأذكر هنا قول الله تعالى: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56].
    فقد أصبحت الطهارة عند هؤلاء تطرفاً يحتاج إلى مقاومة، فالكاتب يقول: هبوا لإنقاذ المرأة المصرية، والأخذ بيدها من هذا الاستغلال والنفوذ والتطرف الفكري.
    أسأل الله عز وجل أن يزلزل قدميك.
    فمن المتطرف؟ الذي يدعو إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال أم من يدعو إلى سترها؟ فنحن نقول للمرأة: استري جسدك، ولا تخالطي الرجال ولا تجالسيهم، وأما أنت فأنا أعرفك، تعرض عرضك من أول ليلة في العرس، فتدخل زوجتك إلى الكوافير، والديوث يجلس ينتظر على باب الكوافير، والأسرة كلها تنتظر، والكوافير يقلبها يميناً ويساراً في صدرها وفي شعرها وفي نحرها، فإن أراد الزوج البطل أن ينظر إلى عرضه قيل له: قف؛ لم ننته بعد! إنا لله وإنا إليه راجعون! وبعد ذلك تخرج في منظر شبه عار؛ لتتصور مع زوجها صورة فوتوغرافية، ثم توضع هذه الصورة في الصالون حتى ينظر إلى عورة المرأة كل من دخل، ويقول: ما هذا الجمال؟ فأين الرجولة؟ فهل تريدون لنا أن نكون مثلكم لا كرامة عندنا، ولا نغار على أعراضنا؟! كبرت كلمة تخرج من أفواهكم إن تقولون إلا كذباً.
    ثم يقول كلمة كفر والذي نفسي بيده، يقول: إن الزوجة تقول: إن زوجي قد فرض علي أن ألبس الخيمة، فيسمي الحجاب والنقاب خيمة! أسأل الله تبارك وتعالى أن يزلزل العلمانية زلزالاً شديداً؛ فإن عفنها قد عاد يطل برأسه، فيقول عن الحجاب: خيمة، ويهزأ بكتاب الله، ورب العالمين يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]، ويهزأ بزوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كن يلبس خيمة على حد تعبيره.
    وأنا أقول له: اطمئن، فإن الأمة ستتخلص منك ومن عفن فكرك وفكر أمثالك إن شاء الله، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة:32]، ففي كل يوم تتوب ممثلة وتندم على ما صنعت، وتعلن توبتها، وترتدي النقاب؛ لتزلزل أقدام العلمانية، ولتطعنهم في المقتل، ولتقول لهم: لم أجد الطمأنينة والاستقرار والراحة إلا في ذكر الله وفي طاعته.
    أسأل الله سبحانه أن ينصر دينه.
    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم حجب نساءنا، واستر عوراتنا، وعليك بأعدائنا، ولا تخيب فيك رجاءنا.
    اللهم إن ليل المسلمين قد طال فاجعل له فجراً، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ربنا إنا مظلومون فانتصر، ومغلوبون فانتقم



    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    261

    افتراضي رد: مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

    .مع خليل الرحمن إبراهيم [2]
    تضمنت قصة إبراهيم الخليل المبثوثة في كتاب الله تعالى أدلة عظيمة من أدلة البعث وإحياء الله تعالى الموتى، كما تضمنت جملة عظيمة من دعوات إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حال رفعهما قواعد البيت، وتلك الدعوات مما ينبغي للمسلم المتبع ملة إبراهيم أن يواظب على دعاء الله تعالى بها، ويسأل الله تعالى حصول الإسلام له والتسليم، ويسأله تعالى قبول الأعمال والإثابة عليها.
    دعاء إبراهيم عليه السلام أثناء رفع القواعد من البيت
    الحمد لله رب العالمين، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة:7 - 9].
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم.
    يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
    مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد.
    فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
    وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
    وقد قال لأصحابه يوم حجة الوداع وهم يزيدون على المائة ألف: (إنكم ستسألون عني يوم القيامة فماذا أنتم قائلون؟ فارتفعت الأصوات تقول: نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله! فرفع السبابة إلى السماء ونكتها إلى الأرض قائلاً: اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد، اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد).
    ونحن نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله.
    ثم أما بعد: أحبتي الكرام! نواصل الحديث مع قصة حبيب الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
    إن إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت دعا بثلاث دعوات: الدعوة الأولى: قال: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127].
    الدعوة الثانية: قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:128].
    الدعوة الثالثة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129].
    يقول صلى الله عليه وسلم: (أنا دعوة أخي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورأت أمي حين ولدتني نوراً أضاء لها قصور الشام).
    الأدلة القرآنية على البعث
    وقصة إبراهيم عليه السلام وقضية البعث نقف عندها قليلاً؛ لنبين بالأدلة القاطعة موقف القرآن من البعث والنشور، وهي من أهم قضايا العقيدة، يقول ربنا سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260].
    والقرآن الكريم حينما تناول قضية البعث تناولها بأدلة قاطعة بينة تدلل وتثبت أن الذي خلق العباد أول مرة هو الذي يبعثهم بعد الموت، وهي أدلة خمسة:
    دليل الخلق الأول
    الدليل الأول: دليل الخلق الأول من عدم والنشأة الأولى، وهذا كثير في القرآن، فلننتبه إليه، مثل قول الله تعالى في سورة مريم: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} [مريم:66]،
    و
    الجواب
    { أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم:67]، فربط بين قضيتين.
    ومما استدل به القرآن على قضية البعث من القبور بقضية الخلق من عدم قوله تعالى في سورة يس: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78 - 79].
    وفي سورة القيامة ربط أيضاً بين القضيتين: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36]، أي: هملاً، {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:37 - 40].
    بلى يا رب! أنت قادر.
    وفي سورة الطارق ربط بين الخلق والبعث، يقول ربنا سبحانه: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق:5]، فتأمل وتدبر وتفكر في الخلق أول مرة؛ لتعرف من الذي سيبعثك بعد الموت.
    وإن كنت عاجزاً فانظر، {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق:5 - 8].
    إحياء الأرض بعد موتها
    الدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها، وهذا يسميه العلماء القياس العقلي، والقياس عند علمائنا من مصادر التشريع المعتبرة، والنبي عليه الصلاة والسلام استخدم القياس في أكثر من موضع، فلما جاءه رجل وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولداً أسود)، فالرجل كان أبيض والزوجة بيضاء وولدهما أسود، وقد أراد الرجل أن يلاعن الزوجة وكأنها انحرفت، ومن شابه أباه فما ظلم، أي: ما ظلم أمه، واليوم يعلمون أبناءنا في الدراسة الثانوية أنه إذا جامع الرجل زوجته فهناك احتمالات للإنجاب، ونقول لهم: ليس هناك حتمية علمية على الله عز وجل، بل {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]، ولو أخذنا هذه المسألة وقلنا لهم: أعطونا احتمالات الإنجاب فسيستبعدون السواد تماماً، وأما في الشرع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: (أعندك إبل؟ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق -يعني: أفيها واحد يخالف لونه لون سائرها؟ - قال: نعم يا رسول الله! قال: ما تقول فيه؟ قال: لعله نزعه عرق -وكما يقولون: العرق يمد إلى سابع جد- فقال: فلعل ولدك نزعه عرق).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يقرب للرجل هذا المعنى بالقياس، وربنا عز وجل أبطل قضية أن عيسى ابن الله بالقياس، فقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59].
    أي: فإن كنتم تتعجبون من أن عيسى خلق من أم بلا أب وبسبب ذلك نسبتموه إلى الله وقلتم: إنه ابن الله؛ فخلق آدم أشد في الإعجاز من خلق عيسى، فهو بلا أب ولا أم، فأيهما أولى بالإعجاز إذاً؟ وقد ناظر رجل من أهل السنة رجلاً من أهل الظاهر ينكر القياس، فقال له: إن الله يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]، فما تقول فيمن يعمل نصف مثقال ذرة؟ فالقرآن ليس فيه نصف، وإنما فيه ذرة، وبدون قياس لن يستطيع الإجابة، فقال له الرجل: أبلعني ريقي حتى أستطيع الإجابة، قال: أبلعتك دجلة، أي: اشرب نهر دجلة، وليس الريق فقط، قال: أمهلني ساعة، قال: أمهلتك إلى قيام الساعة، فلن تستطيع أن تجيب إلا إذا استخدمت القياس، وهذا قياس الأولى.
    وقد استخدم قياس الأولى هرقل الداهية لما سأل أبا سفيان -كما في صحيح البخاري -: أتتهمونه بالكذب؟ قال: لا، فقال هرقل مستنبطاً بقياس الأولى: ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله، فهذا يستحيل.
    وهذا هو قياس الأولى.
    فالدليل الثاني في القرآن: القياس العقلي، مثل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت:39]، وفي الحديث: أن الله عز وجل يرسل ماءً على الأرض قبل البعث فتنبت الأجساد من القبور كما ينبت النبات، وهذا أيضاً للتقريب إلى العقول.
    وقال تعالى في سورة الأعراف: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف:57]، أي: كما يخرج النبات من الأرض فكذلك يخرج العباد من قبورهم، وبعثهم ليس بكثير على رب الأرض والسماء.
    الاستيقاظ من النوم
    الدليل الثالث: الاستيقاظ بعد النوم، فالنوم موت، ولكنه موت أصغر، ولذلك كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم عند استيقاظه من النوم: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، فبين الحديث أن النوم موت، وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42]، فالوفاة قسمان: وفاة بالموت، ووفاة بالنوم.
    وإذا استيقظ العبد من نومه ردت إليه الروح، وإن لم تفارق الجسد، فالنوم موتة صغرى والاستيقاظ من النوم بعث، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها لجنة أبداً، أو لنار أبداً).
    ويقول لقمان لولده: إن كنت لا تؤمن بالموت فلا تنم، وإن كنت لا تؤمن بالبعث فلا تستيقظ.
    فالذي أيقظك من نومك هو الذي يبعثك بعد موتك.
    والنوم نقص، ولله صفات الكمال، ولذلك فهو سبحانه {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة:255]، لأن النائم يحتاج لمن يدبر أمره وهو نائم، فمثلاً أنت عندما تنام فإن نبضات قلبك تعمل ولا تتوقف، ولا يقوم على أمرها إلا القيوم الذي يقوم على أمر خلقه، فهو لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
    خلق السماوات والأرض
    الدليل الرابع: خلق السماوات والأرض، قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر:57].
    وقال: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات:27 - 28] ((وَأَغْطَشَ)) أي: أظلم، {لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُم ْ} [النازعات:29 - 33].
    فخلق السماوات والأرض دليل على أن الله يبعث العباد بعد موتهم سبحانه وتعالى.
    القصص القرآني
    الدليل الخامس: القصص القرآني، كما في قصة إبراهيم حينما قال لربه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260]، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: (نحن أولى بالشك من إبراهيم)، فيستحيل على إبراهيم أن يشك في قدرة الله على البعث، ولكنه أراد أن يزداد إيماناً مع إيمانه، ومن فقه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان في صحيحه أن وضع عنواناً (باب زيادة الإيمان ونقصانه)، أي: أن الإيمان يزيد وينقص، واستدل بهذه الآية: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، أي: لأزداد إيماناً مع إيماني، فأنا أريد أن أرى كيفية البعث ليزداد يقيني، مع أني مؤمن بالبعث لا شك في ذلك.
    القصص الواردة في سورة البقرة الدالة على البعث
    وقد جاءت في سورة البقرة -كما قال الحافظ ابن كثير - خمس قصص تدل على البعث.
    قصة بقرة بني إسرائيل
    الأولى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة:67]، في قصة بقرة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم اليهود، وذلك لما قتل أحدهم عمه وحمل جسده وألقاه في قرية مجاورة؛ ليلصق التهمة بأهل تلك القرية، فاليهود يقتلون، ويحاولون أن يتملصوا من القتل، ويتهمون الآخرين، فهم ليل نهار في دك، وقتل للأطفال، ونسف وهدم لبيوت الموحدين، ويقولون: نحن نسعى إلى السلام، وأيديهم تقطر بالدم، فهذا استسلام وليس سلام، فهم يقتلون ويرفعون شعار السلام، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف:5].
    ثم إن القاتل جاء إلى موسى وقال له: يا كليم الله! عمي قتل، فمن قتله؟ فقال الله لموسى عليه السلام: مرهم أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً))، فقال هؤلاء السفهاء: ((أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً))؟ أتهزأ بنا يا موسى؟ {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة:67 - 68]، وهذا من سوء أدبهم، لم يقولوا: ادع لنا ربنا، وإنما قالوا: ((ادْعُ لَنَا رَبَّكَ))، فكأنه رب موسى وليس ربهم هم، فهذا من سوء أدبهم مع أنبيائهم، وهم قتلة الأنبياء في كل الأزمنة والعصور، وناقضوا العهود والمواثيق، {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء:78]، فاليهود ليس لهم عهد ولا ميثاق.
    {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، أي: وسطاً، وخير الأمور الوسط.
    {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة:68 - 70]، فشددوا فشدد الله عليهم، {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ}، أي: سالمة من العيوب، {لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}، الآن! وكأنه قبل ذلك جاء بالباطل! {الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة:71].
    فلما ذبحوها أمرهم الله أن يأخذوا جزءاً منها ويضربوا القتيل به، فأخذوا جزءاً منها وضربوا به القتيل فأحياه الحي الذي لا يموت، فقام القتيل فسأله موسى: من الذي قتلك؟ فأخبره عمن قتله.
    قال سبحانه: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} فقلوب اليهود أقسى من الحجارة، فهي لا تعرف الرحمة، وإن عرفت الحجارة الرحمة فقلوب اليهود لا تعرفها، وإن أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى ذلك الغلام الصغير الذي خرج خلف أبيه ليشتري له أشياء، وهو محمد الدرة، فقد أخجل الضمير العربي يوم أن قتله اليهود وهو يستغيث بهم، فهو طفل لا يملك شيئاً، ولكن قلوب اليهود لا تعرف الرحمة، فهم لا يفرقون بين صغير ولا كبير، وإنما شعارهم {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج:8].
    قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.
    و (أو) هنا بمعنى: بل، يعني: بل {أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74]، فقلوبكم أقسى من الحجارة.
    قصة العزير
    القصة الثانية في سورة البقرة: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة:259]، وهو العزير مر على بيت المقدس، {قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}، بعد أن وجدها قرية محطمة ليس فيها حركة، فوقف يقول: {قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}، أي: لم يتغير، {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}، فالحمار الذي بجواره كان قد تحلل عظاماً نخرة، وأصبح رماداً وتراباً، {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً}.
    فقام الحمار بقدرة الحي الذي لا يموت بين يدي العزير بعد أن أحياه الله عز وجل.
    {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:259].
    قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت
    القصة الثالثة في سورة البقرة أيضاً: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243].
    قصة الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة
    القصة الرابعة في سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55]، فهم لا يؤمنون إلا بالملموس، كشأن العلمانية عندنا، وسنفرد للعلمانية لقاء؛ لأنها بدأت الآن تطل برأسها من جديد ليل نهار، وتطعن في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل باب من أبواب الدين، فهي تلحد في العقيدة وفي الشريعة، وقد فتحت لهم الصحف ليعبروا عن عقائدهم الفاسدة.
    والحرب على الإسلام في هذه الأيام واضحة المعالم، فقد أغلقت بعض الجامعات في باكستان، وجففت المنابع، وأراد قائدها العلماني أن يغير مفهوم الجهاد من جهاد الشرك والكفر إلى جهاد الفقر والجوع والمرض، ويحارب السلفية بكل معانيها.
    فدينك دينك، فهو لحمك ودمك، فعض عليه بالنواجذ؛ لأنك في زمن الغربة، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، فلا بد من تمحيص للصف، ومن البلاء والاختبار، ودين الله عز وجل قادم لا شك في ذلك، وهو سبحانه القائل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]، ولو كره الكافرون والعلمانيون فسيظهر الله عز وجل دينه بنا أو بغيرنا، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38].
    قصة سؤال إبراهيم ربه أن يريه إحياء الموتى
    القصة الخامسة: قصة إبراهيم، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى} [البقرة:260].
    كل هذه أدلة تدل على أن الله قادر سبحانه على أن يبعث العباد بعد موتهم، وصدق سبحانه: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن:7].
    وقال في سورة الإسراء: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} [الإسراء:50]، أي: حتى إن أصبحتم حجارة أو حديداً، {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء:51]، فعند ذلك ستلتوي الرءوس ويقرون أن الله عز وجل هو القادر سبحانه.
    أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.
    دعوات إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام
    دعوتهما بحصول إسلامهما لله رب العالمين
    والدعوة الثانية: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة:128]، فالإسلام دين الأنبياء جميعاً، وفي الأسبوع الماضي قالت امرأة طبيبة: قد لوثوا أفكارنا، عندما وضعوا في عقولنا أن الإسلام هو الحق وليس غيره.
    والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً، وليس هذا تلويثاً، واسمعي إلى قول الله تعالى عن يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف:101].
    وقال إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة:128]، وعيسى عليه السلام يقول للحواريين: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّون َ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:52].
    وقالت ملكة سبأ: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]، فالإسلام هو دين الله المقبول، وقد تتعدد الأديان، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، ويقول تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19].
    وفي الصين واليابان ودول أوروبا يخترعون كل يوم ديناً كما يخترعون الأجهزة الكهربائية، حتى الحشرة يريدون أن يعملوا لها ديناً، والهندوس عباد البقر يقول زعيمهم الأسبق غاندي: إن أمي البقرة أفضل عندي من أمي التي ولدتني؛ لأن البقرة تعطيني لبناً طوال عمرها ولا تحتاج مني إلى بر، وأما أمي فترضعني حولين وتحتاج مني إلى بر.
    فانظروا إلى هذه العقول! ولذلك في الهند إذا دخلت البقرة متجراً فإن صاحب المتجر يعظمها ويبجلها، فإذا حطمت البضائع ازداد سروراً وغبطة، ويزداد سروراً أكثر إذا تفضلت عليه وتغوطت؛ حتى يتبرك ببرازها، فأي عقول هذه؟! فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43]، وكفى به نعمة.
    قال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة:128]، أي: أرشدنا لشرائع حجنا، وعلمنا المناسك، وأرشدنا إليها، وشرائع الحج وأعماله تسمى مناسك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، والذبح أيضاً يسمى نسكاً، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي}، يعني: ذبحي، {وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163].وقالت ملكة سبأ: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]، فالإسلام هو دين الله المقبول، وقد تتعدد الأديان، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، ويقول تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19].
    وفي الصين واليابان ودول أوروبا يخترعون كل يوم ديناً كما يخترعون الأجهزة الكهربائية، حتى الحشرة يريدون أن يعملوا لها ديناً، والهندوس عباد البقر يقول زعيمهم الأسبق غاندي: إن أمي البقرة أفضل عندي من أمي التي ولدتني؛ لأن البقرة تعطيني لبناً طوال عمرها ولا تحتاج مني إلى بر، وأما أمي فترضعني حولين وتحتاج مني إلى بر.
    فانظروا إلى هذه العقول! ولذلك في الهند إذا دخلت البقرة متجراً فإن صاحب المتجر يعظمها ويبجلها، فإذا حطمت البضائع ازداد سروراً وغبطة، ويزداد سروراً أكثر إذا تفضلت عليه وتغوطت؛ حتى يتبرك ببرازها، فأي عقول هذه؟! فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43]، وكفى به نعمة.
    قال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة:128]، أي: أرشدنا لشرائع حجنا، وعلمنا المناسك، وأرشدنا إليها، وشرائع الحج وأعماله تسمى مناسك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، والذبح أيضاً يسمى نسكاً، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي}، يعني: ذبحي، {وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163].دعوتهما ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم من ذريتهما
    والدعوة الثالثة: دعاها إبراهيم وهو يرفع القواعد ويقول: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} [البقرة:129]، أي: من ذرية إسماعيل، وهو الحبيب عليه الصلاة والسلام، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد دعوة إبراهيم بآلاف السنين؛ فلا تتعجل الإجابة، فإذا دعونا في القنوت على اليهود والأمريكان فلا نستبطئ الإجابة، فقد أجاب الله دعوة إبراهيم ببعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بعد آلاف السنين، ولذلك جاء في الأثر: إن العبد يدعو ويقول: يا رب! يا رب! فيقول الله لملائكته: أجلوا مسألة عبدي، فتقول الملائكة: لم يا رب؟! فيقول الله: إني أحب أن أسمع صوته.
    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
    اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا وثبتنا على الإسلام دائماً يا رب العالمين!
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    261

    افتراضي رد: مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

    مع خليل الرحمن إبراهيم [3]
    ابتلي إبراهيم عليه السلام بلاءً شديداً في الله تعالى في مراحل حياته المختلفة، فقد ابتلي بعباد الأصنام، وبكفر أبيه، ثم بذبح ابنه، والابتلاء سنة من سنن الله عز وجل لأهل الإيمان؛ لتمحيصهم ورفع درجاتهم.
    طريق الدعوة هو طريق البلاء
    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
    خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43].
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
    مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
    فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك.
    وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1].
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70 - 71].
    ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث مع إبراهيم خليل الرحمن جل وعلا، الذي جاء ربه بقلب سليم، والذي آتاه الله كمال الحجة، فأقام البراهين والأدلة على عباد الأصنام والكواكب والنجوم، وحطم الشرك في عصره، وترك ولده الرضيع امتثالاً لأمر ربه بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وهو الذي وفى، وأول من أكرم الضيف، ولبس السراويل واختتن، وبذل ماله للضيفان، وجسده للنيران، وولده للقربان فاستحق أن يكسى عند الواحد الديَّان، وقد قال الله في حقه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل:120].
    ولقاؤنا اليوم مع (إبراهيم والبلاء).
    لا بد أن نعلم ابتداءً أن طريق الدعوة إلى الله هو طريق البلاء، ورب العالمين تبارك وتعالى بين في كتابه أنه {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2].
    وقال سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف:7].
    وقال جل شأنه: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2]، فكأن العلة من وجود الخلق في هذه الحياة البلاء، ومن ثم يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، ولن تجد داعية ولا عالماً من سلف الأمة لم يبتل، فلا بد من البلاء.
    وحدث عن فتنة الإمام مالك ولا حرج، فلما بايع بعض من كان في المدينة الأمير مكرهاً جاء إلى مالك في درس علمه وقال له: يا مالك! بيعة المكره تقع؟ فقال مالك: لا تقع، فقال له: يا مالك! قل: تقع، قال: لا؛ فإن زلة العالِم زلة عالَم.
    فهؤلاء الرجال ما باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، فأبى مالك أن يقولها فأُمِر بجلده، فجلد رحمه الله حتى شلت يداه بجواره.
    وامتحن الإمام أحمد في القول بخلق القرآن، وحاول بعض خلفاء الدولة العباسية قهره على أن يقول: إن القرآن مخلوق، فقال: من قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق؛ إذ المخلوق يحتاج إلى خالق، وكلمات الله صفة من صفاته، وصفات الله أزلية، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، أي: أنه كان يستعيذ بغير المخلوق من المخلوق.
    فلن تجد عالماً من علماء الأمة ولا أحداً من سلفنا الصالح إلا وقد ابتلي في الله عز وجل، وطريق الدعوة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره)، فيا من تريد الجنة! طريقها المكاره، وستؤذى في نفسك وفي بصبر إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه
    صبر إبراهيم عليه السلام على البلاء، وقد كان أمة في الصبر على البلاء، فبعد أن دعا أباه -كما بينا في اللقاء الأول- قام يدعو القوم من عباد الأصنام ويناظر عباد النجوم والكواكب، ويناظر ذلك الملك الظالم، وقد ذكر الله تعالى مناظرته لعباد الأصنام في قوله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:69 - 70]، وإبراهيم كان يعلم أنهم يعبدون الأصنام، وإنما سألهم عما يعبدون توبيخاً وتقريعاً، وليبين لهم أن الذي يعبدونه لا يستحق العبادة، فكان جوابهم في منتهى الكبر والغرور والعجرفة والثبات على الباطل، {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71].
    يقول السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن): وحال السؤال مع الجواب في القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحياناً يأتي الجواب في القرآن على قدر السؤال.
    وأحياناً يأتي الجواب أطول من السؤال.
    وأحياناً يأتي الجواب بخلاف السؤال.
    ومثال ما أتى فيه الجواب أطول من السؤال قول الله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18]، فالجواب جاء أطول بكثير من السؤال، وقد قال علماؤنا: وإنما قال موسى: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) طمعاً في أن يسأله الله ما هي المآرب الأخرى، حتى يطيل اللقاء مع الله عز وجل.
    وأما ما أتى فيه الجواب أقصر من السؤال فكما في قول الله تعالى لما قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ))، فقد طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو أن يبدله، فكان الجواب {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس:15]، فأجاب عن التبديل ولم يجب عن أن يأتي بقرآن غيره؛ لأنه إن كان عاجزاً عن أن يبدل فمن باب أولى أنه سيكون عاجزاً عن أن يأتي بغيره، فالجواب هنا كان أقل من السؤال.
    ومما أتى فيه الجواب أطول من السؤال حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر: (إنا نركب البحر، أفنتوضأ بماء البحر يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وهو لم يسأل عن الميتة وإنما سئل عن الوضوء، فأجاب عن الميتة لأنه يعلم أن حاجة السائل للميتة أشد من حاجته للوضوء، وهذه إجابة حكيم، ومَن الحكيم إن لم يكن هو سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟!
    ابتلاء إبراهيم عليه السلام بإلقائه في النار
    وشأن الطغاة في كل الأزمنة والعصور أنهم لا يملكون حواراً ولا حجة ولا بياناً ولا أدلة، وإنما قالوا: {أَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات:97].
    فكان قرارهم هو الحكم بإعدام إبراهيم حرقاً، كما قال فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [غافر:26].
    فالقتل والتنكيل والبطش والتعذيب لغة الطغاة في كل الأزمنة مع أصحاب دعوة التوحيد.
    فجمعوا له حطباً ووصلت النار إلى عنان السماء من شدة اشتعالها، وجاء في بعض الآثار أنه كانت المرأة منهم إن أصابها مرض تقول: لئن شفيت من مرضي لأجمعن حطباً لنار إبراهيم فالكل اجتمع عليه.
    ولكن متى كان يعرف الحق بكثرة أتباعه؟! قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116].
    فجاءوا بإبراهيم، ومع شدة البلاء إلا أنه لم يتزعزع، ولم يتراجع أو يتباطأ، بل وثق بربه، وتوكل على خالقه.
    قال ابن عباس: (حسبنا الله ونعم الوكيل كلمة قالها إبراهيم حينما ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما قالوا لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]).
    دخل إبراهيم النار، والنار تحرق -ولا زالت تحرق إلى يومنا- فأتت على كل الحطب فأحرقته، ولكن للنار خالق، وهو الله رب العالمين سبحانه، يقول الشنقيطي في أضواء البيان: فالأسباب قد لا تأتي بمسبباتها؛ لأن الأسباب والمسببات لها خالق وهو الله عز وجل، فقال الله عز وجل: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:69 - 70]، وفي الآية الأخرى: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ} [الصافات:98].
    فخرج من النار مرفوع الرأس، فلم يعتبروا أو يتعظوا بنجاة إبراهيم، فقد أصاب عقولهم وبصائرهم العمى والظلام.
    وخرج إبراهيم من النار ليقيم الحجة على عباد الكواكب أيضاً، فأتى إلى ذلك الملك الظالم، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ} أي: الظالم، {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    261

    افتراضي رد: مع خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام

    مناظرة إبراهيم عليه السلام للنمرود
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
    وبعد: ثبت عن مجاهد أنه قال: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران.
    أما المؤمنان فهما سليمان بن داود عليهما السلام وذو القرنين.
    وأما الكافران فهما بختنصر والنمرود بن كنعان الذي آتاه الله الملك وحاج إبراهيم في ربه.
    وإلى كل ظالم أقول: ذلك الملك آتاه الله الملك، ولأن الله آتاه الملك حاج إبراهيم في ربه، فصاحب البلاء يتواضع، ولكن الذي آتاه الله الملك قد يتكبر، ولذلك فرعون قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، فأجرى الله الأنهار من فوقه، فالجزاء من جنس العمل، والله لا يغفل سبحانه وتعالى.
    فـ النمرود بن كنعان قال لإبراهيم: من ربك يا إبراهيم؟! قال: ((رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)).
    ففهم النمرود إبراهيم خطأً؛ لأنه فهم أنه يملك الإحياء، أي: أنه يصدر حكماً بالعفو عمن حكم عليه بالإعدام فيكون قد أحياه، ويأتي برجل لا ذنب له ويقتله فيكون قد أماته، وهذا ليس إحياء ولا إماتة، وحتى لا يفهم بعض الحضور خطأً هذه الحجة الواهية من الملك انتقل إبراهيم عليه السلام من أمر يقبل الجدل إلى أمر لا يقبل الجدل، {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ}، فعند ذلك {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
    المدرسة العقلية وموقفها من النصوص
    أحبتي الكرام! هناك مدرسة تطل برأسها علينا في هذا الزمن تسمى بالمدرسة العقلانية، وهذه المدرسة تحكم العقل في النص، فإن قبل العقل ذلك النص قبلوه، وإن أبى العقل ذلك ردوا النص حتى وإن ثبت في صحيح البخاري أو مسلم أو صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في غيرهما.
    وهذه المدرسة قديمة، وأول روادها المعتزلة الذين قدموا العقل على النقل.
    ونقول لهؤلاء: إن العقل يجتهد في فهم النص، وأما أن يرد النصوص فهذا أبداً لا يكون؛ لأن الله تعالى قال عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:3 - 5].
    وإذا اصطدم عندك بعض النصوص مع بعضها فعليك أن تتبع طريق العلماء في النصوص المتعارضة، وهي كالتالي: أن تحاول أن توفق وتجمع بين النصوص والأدلة، وقد لا أستطيع أنا وأنت التوفيق، ولكن هناك من العلماء من يقدر على هذا، فلا نهمل نصاً على حساب نص آخر، فطالما أن النصين ثابتين فنحاول أن نجمع ونوفق بينهما، ومن أمثلة ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره فليتوضأ)، فهذا نص على الوضوء من مس الذكر، ثم قال في حديث آخر لما سئل عن مس الذكر: (إنما هو بضعة منك)، فهذا النص يتعارض مع ذاك، ولا نستطيع رد أحد النصين، وقد جمع بينهما الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، فقال: من مس ذكره بشهوة فليتوضأ، ومن مسه بغير شهوة فلا وضوء عليه.
    فجعل أحدهما مقيداً بالشهوة والآخر بدون شهوة، فأعملهما معاً ولم يرد أيّاً منهما.
    فإن تعذر التوفيق والجمع فلننظر في الناسخ والمنسوخ، فلعل نصاً نسخ الآخر، فإن لم نجد نسخاً فلنحاول أن نرجح نصاً على نص، وطرق الترجيح لها أكثر من مائة طريق: فيرجح ما ثبت في الصحيحين على ما انفرد به البخاري.
    ثم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم.
    ثم الدليل القولي على الدليل العملي.
    ثم قول المثبت على قول النافي.
    إلى غير ذلك من المرجحات.
    ونرى الآن من يطعن في أئمة العلم؛ لأنهم صححوا حديثاً لا يستقيم عند من يطعن فيهم مع ما يفهمه من بعض الأدلة الأخرى.
    فاتق الله يا من تطعن في سنة رسول الله! واتهم عقلك بعدم الفهم، والقصور في الإدراك بدلاً من أن تطعن في البخاري تارة، وفي مسلم تارة، وماذا يبقى للأمة إن طعنا في الصحيحين؟ أيها الإخوة الكرام! يقول صلى الله عليه وسلم: (يوشك رجل شبعان)، وكلمة شبعان تشير إلى أنه من أهل الترف، يعني: لم يرتحل لطلب العلم، وإنما ظل في قصره وبرجه العاجي، (شبعان، متكئ على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، فيقول: ما وجدنا هذا في كتاب الله).
    يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).
    أسأل الله تبارك وتعالى بفضله وكرمه أن ينصر الإسلام، وأن يعز المسلمين.
    وقع في يدي كتاب لا داعي لذكر اسم مؤلفه، والكتاب كله من أوله إلى آخره طعن في الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، والكاتب يظن أنه يحسن صنعاً، فهو يقول: الشيخ صحح حديث كذا، وهذا الحديث يصطدم مع نص كذا، ومع آية كذا.
    وكان الواجب عليه قبل أن يطعن في الشيخ أن يحاول أن يوفق بين النصوص، وينظر إلى أقوال أهل العلم في التوفيق والجمع؛ لأن مسألة الجمع بين النصوص مسألة مهمة جداً، وقد ألف الشيخ الشنقيطي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، جمع فيه الآيات التي ظاهرها التعارض مع آيات أخرى
    الكتاب: دروس الشيخ أسامة سليمان
    المؤلف: أسامة علي محمد سليمان
    مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •