فتنة قرطبة .. بين محمد المهدي وسليمان المستعين


أ.د. راغب السرجاني


خلافة محمد المهدي

بعد خلع هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر (هشام المؤيد) وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، الذي تلقَّب بالمهدي، انفرط العقد تمامًا في الأندلس، فلم يكن يملك المهدي من لقبه إلاَّ رسمه، إذ كان فتى لا يُحسن قيادة الأمور، وليس له من فن الإدارة شيء، فكان من أول أعماله في الحُكم ما يلي:

أولاً: التنكيل بالعامريين

فقد ألقى القبض على كثير من العامريين ونفاهم إلى أطراف البلاد، وانتهك العامريين حتى بلغ في انتهاكهم وانتهاب أموالهم أن ترحَّم الناس على أيام العامريين، وهدم الزاهرة وأباح انتهابها، فنهض السفهاء يتسابقون حتى هُدمت الزاهرة وتُركت خرابًا كأن لم تغن بالأمس[1].

ثانيًا: فصل الجند

فقد فصل سبعة آلاف من الجند، وهو عدد كبير، فتغيرت عليه قلوب هؤلاء[2].
ثالثًا: الإساءة إلى البربر

فقد أساء إلى البربر حتى بدأ العامة يتطاولون عليهم، وقد كانوا في ذلك الوقت أولو قوة وعصبية، كما كانوا حديثي عهد بالسلطان، ثم إنهم كانوا قد انفضُّوا عن شنجول حينما رأوا سوء سياسته، وساعدوا خصومه، ولكن ورغم ذلك كله، لم تكن نفوس بني أمية قد صفت من ناحيتهم؛ إذ كانوا عماد الدولة العامرية التي أخذت منهم سلطانهم، فأساءوا إليهم، وكان المهدي يُظهر سخطه لهم ولا يُخفيه، حتى وصل به الحال إلى أن أعلن أن مَنْ قتل بربريًّا فسينال جائزة، فسارع أهل قرطبة إلى قتل البربر وهتك أعراضهم! وكان البربر قبل حدوث هذا يستعدُّون للثورة عليه؛ لما كان منه من عداوة، فلمَّا حدث ما حدث زاد حنقهم وغيظهم وحماستهم على الثورة عليه[3].

خلافة سليمان المستعين

أثار هذا الفعل غير الحصيف من قِبَل المهدي غضبًا عارمًا لدى البربر والعامريين، بل وعند الأمويين أنفسهم، الذين لم يعجبهم هذا القتل وذاك التشريد، وهذه الرعونة في التصرُّف، فبدأ يحدث سخط كبير من جميع الطوائف على المهدي، ولم يكن ليقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ فقد تجمَّع البربر وانطلقوا إلى الشمال، وهناك أتوا بسليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، فنصَّبُوه عليهم ولقَّبُوه بالمستعين أمير المؤمنين، وبدأ يحدث الصراع بين سليمان بن الحكم هذا ومِنْ ورائه البربر وبين المهدي في قُرْطُبَة، وكان البربر من قبل قد فكروا في مناصرة هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، فقبض المهدي عليه وعلى أخيه وقتلهما، ففر ابن أخيهما سليمان بن الحكم إلى البربر بظاهر قُرْطُبَة، فبايعوه ولقبوه المستعين بالله[4].

الفتنة بين محمد المهدي وسليمان المستعين

وجد سليمان بن الحكم ومَنْ معه من البربر أن قوتهم ضعيفة، ولن تقوى على مجابهة قوات المهدي، فقاموا بعمل لم يُعهد على الأمويين من قبلُ في بلاد الأندلس.. استعانوا بملك قشتالة.
وكانت مملكة قشتالة هذه هي أحد جزأي مملكة ليون في الشمال الغربي، بعد أن كان قد نشبت فيها (مملكة ليون) حرب داخلية، وانقسمت على نفسها في سنة (359هـ= 970م) إلى قسمين، فكان منها قسم غربي؛ وهو مملكة ليون نفسها، وقسم شرقي وهو مملكة قشتالة، وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستولَّة، وتعني -أيضًا- قلعة باللغة الإسبانية، فحُرِّفَتْ في العربية إلى قشتالة، وكانت قد بدأت تكبر نسبيًّا في أول عهد ملوك الطوائف؛ فاستعان بها سليمان بن الحكم المستعين والبربر على حرب المهدي.
وبين المهدي من ناحية وسليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى دارت موقعة كبيرة، هُزم فيها المهدي أو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وتولَّى سليمان المستعين أو سليمان بن الحكم مقاليد الحكم في بلاد الأندلس، وبالطبع كانت فرصة من السماء لملك قشتالة لضرب الأندلسيين بعضهم ببعض، ووضع قاعدة لجيشه وجنده في أرض الأندلس، تلك البلاد التي طالما دفعت الجزية كثيرًا للمسلمين من قبلُ[5].
وفي فترة مدتها اثنتان وعشرون سنة يتولَّى حكم المسلمين في الأندلس ثلاثة عشر خليفة متتاليين، بدأت هذه الفترة بهشام بن الحكم سنة (359هـ= 970م)، ثم المهدي، ثم سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الذي تولَّى الحُكم، (وكان قد استعان بملك قشتالة) وذلك في سنة (400هـ= 1010م).
الاستعانة بالنصارى
وتدور الأحداث بعد ذلك، حيث يفرُّ المهدي -الذي انهزم أمام سليمان بن الحكم أو المستعين بالله- إلى الشمال حيث طُرْطُوشة، وفي طُرْطُوشة -وحتى يرجع إلى الحُكم الذي انتزعه منه سليمان بن الحكم، والذي لم يبقَ فيه غير شهور قليلة- فكَّر المهدي في أن يتعاون مع أحد أولاد بني عامر الذين كانوا أعداءه منذ قليل.
كان المهدي قد قابل في طُرْطُوشة رجلاً من موالي بني عامر يُدْعَى الفتى واضح، وكان واضح قد بايع للمهدي بمجرَّد أن اعتلى كرسي الخلافة، ففر إليه المهدي في طليطلة، لمَّا خاف القتل في قُرْطُبَة.
وقد أقنع المهدي بأنه سيتعاون معه ليُعيده إلى المُلْكِ من جديد، ويبقى هو على الوزارة كما كان في عهد الدولة العامرية من قبل، وهذا ما وافق قبولاً لدى المهدي، فقَبِلَ عرض الفتى واضح، وبدءا يتعاونان معًا لتنفيذ مخطَّطِهما ذلك.
في بداية الأمر وجد الفتى واضح والمهدي أنهما لن يستطيعا أن يصمدا أمام قوة كبيرة مثل التي يملكها سليمان بن الحكم والبربر ومعهما ملك قشتالة، فهداهما تفكيرهما في الاستعانة بأمير بَرْشُلُونَة، وبَرْشُلُونَة هذه كانت ضمن مملكة أراجون، التي تقع في الشمال الشرقي للأندلس، والتي كان يدفع حاكمها الجزية لعبد الرحمن الناصر ولابنه وأيضًا للحاجب المنصور، فلما حدثت هذه الهزَّة في بلاد المسلمين انخلعت من هذه العباءة، وقامت من جديد، فكان أن استعان بجيشها المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة.
وقد وافق أمير بَرْشُلُونَة على أن يساعدهم؛ لكن على شروط؛ هي:
أولاً: مائة دينار ذهبية له عن كل يوم في القتال.
ثانيًا: دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال، وقد تطوَّع الكثير لحرب المسلمين، فكان عدد الجيش كبيرًا.
ثالثًا: أَخْذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر جيش بَرْشُلُونَة مع المهدي والفتى واضح.
رابعًا: أَخْذ مدينة سالم، التي تمثِّل الثغر الشمالي الذي طالما انطلق منه الجهاد ضد الممالك النصرانية.
وهي بلا شكٍّ شروط قبيحة ومخزية، ولا ندري كيف يُوافق مسلم على مثلها؟! حتى إن وصف ابن عذاري لما حدث يدلُّ على مدى قبحه، قال: ووافق الرومَ على إدخالهم مدينة سالم وتسليمها لهم، فأخلاها ممَّنْ كان فيها من المسلمين، وأنزلها الكافرين؛ ليُقاتلوا معه البربر حماية للفاجر ابن عبد الجبار، فدخل الإفرنج مدينة سالم قاعدة الثغر الأوسط وملكوها، فأول ما دخلوا من المدينة الجامع... وضربوا فيه الناقوس وحوَّلوا قبلته... ثم شرطوا على واضح أن يلتزم لكل رجل منهم دينارين في كل يوم، وما يقوم به من الشراب واللحم.. وغير ذلك، ويجري على القومس (الكونت) في كل يوم مائة دينار، وما يقوم به من الطعام والشراب.. وغير ذلك، وعلى أنَّ لهم كل ما حازوه من عسكر البربر من سلاح وكُراع[6] ومال، وأن نساء البربر ودماءهم وأموالهم حلال لهم، لا يحول أحد بينهم وبينهم، وشرطوا عليه شروطًا كثيرة غير هذه فالتزم ذلك كله لهم»[7].
وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدًّا في شمال قُرْطُبَة بين المهدي (محمد بن هشام بن عبد الجبار) ومعه الفتى واضح العامري ومعهم أمير بَرْشُلُونَة من جهة، وسليمان بن الحكم الخليفة الملقَّب بالمستعين بالله ومعه البربر من جهة أخرى، انتصر فيها المهدي ومَنْ معه، وانهزم سليمان بن الحكم، وفرَّ ومَنْ بقي معه من البربر، وسُلِّمَت مدينة سالم لأمير بَرْشُلُونَة، ومِثْلُها الغنائم، وتولَّى المهدي الحُكم من جديد في قُرْطُبَة[8].

خلافة هشام المؤيد مرة ثانية

لم يتراجع المهدي عن سياسته التي أشعلت الفتنة، وظلَّ على تتبُّعه للبربر وقتلهم وانتهاكهم بمساعدة الصليبيين، كذلك البربر لم يكن أمامهم إلاَّ أن يُقاوموا ويشنوا الغارات على قُرْطُبَة، حتى ضجَّ أهل قُرْطُبَة، وأغروا الفتى واضح العامري، وهو حاجب المهدي، بأن يقتله فإنه هو سبب ما نزل من الفتن، وأعان على ذلك أن المهدي كان -وسط هذه الأجواء- منشغلاً بملذاته.
ولا نستبعد أن واضحًا -أيضًا- لم تصفُ نفسه تجاه المهدي؛ فهو الذي شتَّت العامريين وأذهب دولتهم؛ ومن ثَمَّ فما هو إلا قليل حتى انقلب واضح على المهدي فقتله، وبدأ هو في تولِّي الأمور، كان الفتى واضح أذكى من عبد الرحمن بن المنصور، هذا الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك، فقد رفض أن يكون هو الخليفة؛ حيث اعتاد الناس أن يكون الخليفة أمويًّا وليس عامريًّا؛ ومن ثَمَّ فإذا فعل ذلك فسيضمن ألاَّ تحدث انقلابات عليه، وأيضًا يكون محلَّ قبول لدى جميع الطوائف.
ومن هنا فقد رأى الفتى واضح أن يُنَصِّب خليفة أمويًّا ويحكم هو من ورائه، وبالفعل وجد أن أفضل مَنْ يقوم بهذا الدور ويكون أفضل صورة لخليفة أموي هو هشام بن الحكم الخليفة المخلوع من قبل، هذا الذي ظلَّ مجرَّد اسم طيلة ثلاث وثلاثين سنة أيام المنصور بن أبي عامر، ثم عبد الملك بن المنصور، ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور على التوالي.
وعاد هشام بن الحكم -الذي كان ملقَّبًا بالمؤيد بالله- من جديد إلى الحُكم، لكن زمام الأمور كانت في يد الفتى واضح[9].


[1] ابن عذاري: البيان المغرب، 3/63، وما بعدها.

[2] ابن عذاري: البيان المغرب، 3/78.
[3] ابن عذاري: البيان المغرب، 3/75،80، وابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص113، وتاريخ ابن خلدون، 4/150.
[4] تاريخ ابن خلدون، 4/150.
[5] انظر: ابن عذاري: البيان المغرب، 3/91، وتاريخ ابن خلدون، 4/150، والمقري: نفح الطيب، 1/428.
[6] الكُرَاعُ: السلاح، وقيل: هو اسم يجمع الخيل والسلاح. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة كرع 8/306.

[7] انظر: ابن عذاري: البيان المغرب، 3/94.
[8] انظر: ابن عذاري: البيان المغرب، 3/95، وابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص115.
[9] ابن عذاري: البيان المغرب 3/97، وابن الخطيب: أعمال الأعلام ص114، وتاريخ ابن خلدون 4/151، والمقري: نفح الطيب 1/428.