ضوابط الاجتهاد في النوازل

رجاء بنت صالح باسودان*

لا شكّ أنّه ينبغي على الناظر في النازلة أن يتأكد من وقوعها قبل أن يجهد نفسه بالبحث عن حكمها ، وخاصة إذا كانت من الأمور التي لا يتوقع حدوثها . ويؤيد ذلك ما أُثر عن الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد جاء رجل إلى "ابن عمر"[1]– رضي الله عنهما - فسأله عن شيء ، فقال له "ابن عمر" : "لا تسأل عمّا لم يكن فإنّي سمعت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- يلعن من سأل عمّا لم يكن"[2].ويقول ابن عبّاس – رضي الله عنهما - في الصحابة : "ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم ، وما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلّهن في القرآن ، وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم"[3]
فإذا تأكدّ من وقوع النازلة ، فإنّه يجب عليه أن يستند إلى دليل شرعي معتبر حتى لا يقع في القول على الله بدون علم . يقول الإمام الغزالي : " إنّا نعلم قطعاً إجماع الأمة قبلهم على أنّ العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة "[4]
ومن أهم ضوابط الاجتهاد في النوازل :
1 - أن يكون الناظر من أهل الاجتهاد
ذكر الإمام الشوكاني أنه : "لا بد للناظر من أهل الاجتهاد أن يكون بالغاً عاقلاً ، قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مآخذها"[5]،وإنما يتمكن من ذلك بشروط:
الأول : معرفة كتاب الله ، وسنة رسوله ، فكتاب الله هو الأصل ؛ لذا ينبغي معرفة ما يتعلق بآيات الأحكام منه ، وكذلك السنة ، فإنه لابد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام .
الثاني : معرفة مسائل الإجماع ؛ حتى لا يفتي بخلاف ما وقع عليه الإجماع .
الثالث : أن يكون عالماً بلسان العرب ، بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة .
الرابع : أن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ ؛ مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ .
الخامس : أن يكون عالماً بأصول الفقه ؛ كي يتمكن من استنباط الأحكام من الأدلة ، وأن يبذل جهده في البحث والنظر غير غافل مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام[6]
وذكر الإمام الشاطبي – رحمه الله - في معرض حديثه عن منزلة المجتهد بقوله : "إنه قائم في الأمة مقام النبي صلّى الله عليه وسلم ، والدليل على ذلك أمور :
أحدها : النقل الشرعي في الحديث : "إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنّما ورثوا العلم"[7].وقال تعالى في كتابه الكريم في العلماء : {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُو اْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[8].
الثاني : أنّه نائب عنه في تبليغ الأحكام ، لقوله: "ألا ليُبلّغ الشاهد منكم الغائب"[9].
الثالث : أن المفتي شارع من وجه ؛ لأنّ ما يبلغه من الشريعة إمّا منقول عن صاحبها ، وإمّا مستنبط من المنقول ، فالأول يكون فيه مبلّغاً ، والثاني يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام ، وإنشاء الأحكام إنّما هو للشارع . وعلى الجملة : فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي"[10].
2 - فهم الواقع
لا يكون الحكم مقبولاً وقابلاً للتطبيق من الناس إلا إذا كان المجتهد قد عرف واقعهم، وفهم ظروفهم وأحوالهم ومشكلاتهم[11]يعرّف الإمام "ابن القيم" الفقيه بوصفه فيقول : " الفقيه من يطبّق بين الواجب والواقع ، وينفّذ الواجب بحسب استطاعته ، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع ، فلكلّ زمان حكم ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم "[12].
ويشترط الدكتور "القرضاوي" ثقافة المفتي بما يدور حوله بقوله : " لا يجوز أن يفتي الناس من يعيش في صومعة حسّية أو معنوية ، لا يعي واقع الناس ، ولا يحس بمشاكلهم" ...ثم يضيف... " ينبغي أن تكون الفتوى : يزدوج فيها فقه الدين وفقه الحياة ، وبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ، ومشكلات عيشهم ، يقع المفتي في متاهات ، أو يهوم في خيالات، ويظلّ في واد والناس في واد ، فهو لا يعرف إلا ما يجب أن يكون دون ما هو كائن ، مع أن الواجب شيء والواقع شيء آخر "[13].
3 - النظر إلى العادات والأعراف
يعتمد الفقهاء على العرف في كثير من الأحكام ، ويعتبرونه أصلاً يرجع إليه . ووسّع الشرع في أشياء لم يحدّدها ويفصّل فيها ، بل تركها لما تعارف الناس عليه واعتادوه من الأعراف الصالحة غير المنافية للشرع ، كقوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّق اتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ... }[14].ومن القواعد الفقهية الكبرى : " العادة محكّمة "[15].وقال بعض الناظمين في الفقه :
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار[16]
والأحكام المبنية على العرف تتغيّر بتغيّره مكاناً وزماناً ، فالأعراف والعادات نتاج مجتمع ، فإذا تغيّرت وجب النظر إليها ، واعتبارها عند الحكم ، وما يعتبر عرفاً في بلد أو منطقة معيّنة قد لا يعتبر في مكان آخر ، وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي عند ذكره لعادة كشف الرأس ، حيث قال : " فإنه – كشف الرأس - يختلف بحسب البقاع ، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية ، وغير قبيح في البلاد المغربية ، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة ، وعند أهل المغرب غير قادح "[17]
فالفقيه عندما يُستفتى في مسألة فقهية يجيب بما يجسد القيم السائدة ترسيخاً لما هو صالح من هذه القيم ، وتصحيحاً لما هو فاسد منها ، ومجتمعات الحضارة ليست كمجتمعات البداوة ، ولهذا يختلف الفقه النوازلي بحسب الزمان والمكان[18]
4 - تغير الظروف والأحوال
يجب عند الحكم على النازلة النظر إلى تغيّر أخلاق الناس وفساد أهل الزمان وما قد تواجهه الأمة من ظروف توجب عليها رعاية المصالح ودفع الأذى والمفاسد بما لا يتعارض مع قواعد الشريعة ومبادئها ومقاصدها[19]يقول العلامة ابن عابدين في هذا الأمر : "فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله ، أو لحدوث ضرورة ، أو لفساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزِم منه المشقّة بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ، ودفع الضرر والفساد ، لبقاء العالم على أتمّ نظام ، وأحسن إحكام"[20]. فقد تقتضي المصلحة العمل باتجاه معيّن مغاير لِمقتضى مصلحة كانت تنسجم مع الماضي . ومنه : مراعاة تجدد الأوضاع التنظيمية التي تحقّق المقصود من الحكم الشرعي الذي قرّره الفقهاء في الماضي ، كأنظمة السجل العقاري المحقّق للقبض ، والاكتفاء بذكر رقم المحضر في البيع بدلاً من ذكر حدوده الأربعة[21].وهناك مثال آخر لفساد الأحوال ، وتغير الزمان : إفتاء المتأخرين بجواز أخذ الأجرة لمعلّم القرآن[22].فقد كان بعض العلماء السابقين يرون عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، ومن هؤلاء : الحنفيّة[23]والحنابلة ، غير أنّ الحنابلة أجازوا أخذ جُعالة أو مال بلا شرط أو رزق[24]. وقد رأى المتأخّرون من الحنفيّة جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للضرورة ، قال "ابن عابدين" : " ولو اشتغل المعلّمون بالتعليم بلا أجر يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين "[25].
5 - ذكر البديل المباح عند وجوده
إنّ من أهداف الشريعة الإسلامية التيسير ورفع الحرج عن الناس ، فإذا أُقفل باب المحظور عليهم فإنّه ينبغي على الفقيه أن يوضّح لهم سبب الحظر ، ويرشدهم إلى المباح خاصّةً في المجتمعات الحاضرة التي يحاول بعض المنتمين إليها الحفاظ على قيمهم ، وثوابتهم الإسلامية ، وهذا ما قرّره الإمام ابن القيم حيث قال : "من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه ، وكانت حاجته تدعوه إليه ، وأن يدلّه على ما هو عوض له منه ، فيسدّ عليه باب المحظور ، ويفتح له باب المباح ، وهذا لا يتأتّى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه ، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطّباء يحمي العليل عما يضرّه ، ويصف له ما ينفعه ، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان"[26].
******

باحثة سعودية متخصصة في الفقه وأصوله.
المراجع والهوامش



[1]عبد الله بن عمر الخطاب العدوي ،أبو عبد الرحمن ، من السابقين إلى الإسلام ، أسلم مع أبيه ، كان كثير الاتباع لاثار رسول الله ، شهد بدراً ، ومولده ووفاته بمكة ، روى علماً نافعا ًعن النبي ، توفي سنة 73هـ . (انظر : أسد الغابة 3/340- الإصابة 4/155)

[2] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ، 2/ 1067

[3] المرجع السابق ، 2/ 1065

[4] المستصفى ، 1/ 275

[5] إرشاد الفحول ، ص 371

[6] انظر : المستصفى ، 2/ 350-352 - إرشاد الفحول ، ص 371-374

[7] أخرجه أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء، كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم ، ص 551 ، 3641 - وابن ماجه في سننه ، المقدمة ، كتاب السنة ، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ، 1/81 ، 223 - والدارمي في سننه، كتاب العلم ، باب في فضل العلم والعلماء، 1/73 ، 347 - و صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ، 1/ 92 ، 183- علّق الحافظ ابن حجر عليه : "طرف من حديث أخرجه أبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححاً من حديث أبي الدرداء وحسنه حمزة الكناني ، وضعفه عندهم باضطراب في سنده ، لكن له شواهد يتقوى بها " ، 1/219

[8] التوبة ، آية (122)

[9] أخرجه البخاري في صحيحه مع فتح الباري بلفظ : " ليبلغ الشاهد الغائب " ، كتاب العلم ، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ، 1/269 104 – وأخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الحج ، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام ، ص 334 ، 1354

[10] الموافقات ، 4/ 595 – 597 باختصار

[11] انظر : النوازل وكيف يحب التعامل معها ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، ص 328

[12] إعلام الموقعين ، 4/ 220

[13] الفتوى بين الانضباط والتسيب ، ص 28 ، 37

[14] البقرة ، آية (241)

[15] أي : أن العادة تجعل حكماً لإثبات حكم شرعي ( الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ، محمد صدقي البورنو ، ص 276)

[16] رسائل ابن عابدين ، 1/ 44

[17] الموافقات ، 2/ 571

[18] أثر الفتاوى والنوازل في إثراء الفقه الإسلامي ، د. محمد فاروق نبهان ، ص 23

[19] انظر : النوازل وكيف يجب التعامل معها ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، ص 326


[20] رسائل ابن عابدين ، 2/ 125

[21] انظر : سبل الاستتفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي ، د.وهبة الزحيلي ، ص 27 ، 60

[22] المرجع السابق ، ص 23 - رسائل ابن عابدين ، 1/ 44

[23] رسائل ابن عابدين ، 1/44 ، 1/13 ، 2/126

[24] كشاف القناع للبهوتي ، 4/12

[25] رسائل ابن عابدين ، 2/126 - 1/13-14

[26] إعلام الموقعين ، 4/ 159