شبابنا والخروج من التيه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: شبابنا والخروج من التيه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (1) القــــدوة



    مصطفى دياب




    إن بناء الشباب أهم من بناء الجسور، وتعبيد الطرق وتشييد العمارات الشاهقة، وعلى الرغم من ذلك نجد أن الأمة منصرفة عن هموم ومشكلات شبابها؛ لا يكاد يهتم بها إلا الصحوة الإسلامية المباركة، وحتى هذا الاهتمام لا يعدو في معظم أحيانه من أن يكون اهتماماً إجمالياً، لا يمس المشكلات الحقيقية للشباب، ويجتهد في وضع الحلول المناسبة لها، حتى أصبح الجيل الحالي من الشباب يمثل جيل الغربة.

    والكل يرصد ظاهرة تغير الشباب، لا نقول عن هدي سلفه الصالح فحسب؛ بل تغيره عن جيل آبائه وأجداده الذين كانوا أقرب في أخلاقهم وسلوكهم إلى أخلاق وسلوكيات الإسلام.

    تغير شبابنا في كل شيء، في ملابسه، في هيئته، في تسريحة شعره، في سلوكه، في ألفاظه، في أفكاره، في أهدافه، في همومه، في تطلعاته، في اهتماماته، والحسرة تملأ قلوب الأمهات، والأباء، والمعلمين، والمهتمين بالتربية. والكل يتساءل:

    (1) أين الأيمان؟


    (2) أين الأخلاق؟

    (3) أين الحماس؟

    (4) أين العمل الدؤوب لدين الله؟

    (5) أين العزيمة والقوة؟

    (6) أين الشباب والفتوة؟

    لماذا انتشرت المخدرات بين الشباب فضلاً عن الدخان؟!

    لماذا الاختلاط المريب بين الشباب والفتيات تحت شعار الحرية والصداقة البريئة؟!

    لماذا تقليد الغرب الكافر في كل شيء؛ في ثوبه وهيئته وفكره وكلامه وسلوكه؟!

    إن شبابنا يعيش في «حالة تيه» كبيرة، إنه شباب حائر تائه، تتقاذفه أمواج الشهوات، وتعصف به رياح الشبهات؛ فيبقى معها حائرا،ً لا يدري ماذا يصنع؟ وينبغي على الدعاة إلى الله -عز وجل- متى أرادوا إصلاحاً ألا يكتفوا برصد الظاهرة، بل الواجب عليهم بذل الواسع في معرفة أسبابها، ومدافعة هذه الأسباب بما تيسر لدينا من أسباب دفعها، مستعينين في ذلك بالله -عز وجل-، ومسترشدين بنور القرآن وهدي السنة النبوية المباركة، وسيرة السلف رضي الله عنهم.

    والمتأمل في هذه الظاهرة لا يمكن أن تخطئ عينه هذا السبب الجوهري من أسبابها؛ ألا وهو غياب القدوة، ولما كان الإنسان في أمس الحاجة إلى من يقتدي به؛ فقد أرسل الله رسله قدوة للناس يهدوهم بالقول والعمل.

    قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله -تعالى-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}(الممتح نة:4)، الأسوة كالقدوة وهي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة».

    لا بد للناس من أمثلة واقعية ونماذج قوية؛ فلا يتم كسر القيود إلا برؤية مثل، ورؤية نماذج من البشر تقدم للناس أمثلة رائعة.

    وللقدوة أصول ثلاثة وهي:

    الأصل الأول: الصلاح وأركانه: (الإيمان- العبادة - الأخلاق).


    الأصل الثاني: حسن الخلق.

    الأصل الثالث: موافقة القول العمل.


    فالنبي صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأعلى في القدوة؛ فهو إمام الأئمة، ثم أصحابه الكرام -رضي الله عنهم-، وكذلك العلماء العاملون على مر الزمان، ونستكمل إن شاء الله «بمن يقتدي الشباب» فانتظرونا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (2) بمن يقتدي الشباب؟


    مصطفى دياب


    القدوة لا بد أن تكون حية، والقدوة الحية هي أصل التربية والسلوك، فأين القدوة في المنزل؟ الأب مثلاً قد يبدو كذَّاباً أو سارقاً، أو قوله يخالف فكره وعمله. أين القدوة في الإعلام؟ والإعلام يقدم الفنان على أنه قدوة، أو يقدم اللاعب على أنه قدوة، أو الوجيه والثري على أنه قدوة؛ أو شخصية عامة ثم تقع المفاجأة!!


    فالفنان متورط في أعمال ضد الدين، وضد الآداب العامة، واللاعب تراه على الشاشات الفضائية وهو يسب ويلعن الجهاز الفني بالنادي، ويقوم بأعمال مخالفة للأخلاق والدين، وينقل للشباب قصات الشعر الغربية التي تعلق قلوبهم بالكفار، والوجيه الثري، والشخصية العامة قد تراها قابعة خلف القضبان، بتهمة الفساد والاختلاس والرشوة.

    والصديق قد يخون صديقه؛ ويسلك طريق الانحراف، والمخدرات، والنساء والشهوات، والمعلم قد يصبح ماديا،ً حريصاً على الدروس الخصوصية، والتجارة فيها، ويفقد أخلاقه وتوجيهه، والناصح والواعظ ينصح ويعظ ويخالف قوله فعله و..و..

    والنتيجة فراغ الساحة من القدوة لدى الشباب، فكل هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يكونوا قدوة حسنة، وغاب عن حبيبنا الشاب هؤلاء الرجال الأفذاذ ألا وهم الصالحون، وعلى رأسهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فعاش هذا الشاب وحيداً شريداً يسلك في التيه طريقاً، لكنه لو قلب صفحات التاريخ المشرقة لوجد القدوة الحقة محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه، ولكن أخي الشاب قد يكون معذوراً؛ لأن أعداء الإسلام يحاولون قطع الطريق إلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحاولون تحطيم القدوات في حياة الشباب.

    ومناهج التعليم لا تخدم الشاب ليتعرف على رسوله صلىالله عليه وسلم وأصحابه، تلك النماذج الفريدة.

    إن الشباب إذا فتحوا أعينهم على سنة نبيهم، وحاولوا الاقتداء به، فسوف يتحول حالهم إلى أحسن الأحوال، وتكبر عقولهم، فالعقول الكبيرة لها أهداف، والعقول الصغيرة لها رغبات صغيرة.

    سترى جيلاً جديداً ليس به صفات العجز والهوان، لا يكتفي من الإسلام بصلاة وصيام وحوقلة واسترجاع، بل يغلي صدره على المقدسات، ويذوب قلبه أسى على كل دقيقة مرت عليه بعيداً عن الحبيب صلى الله عليه وسلم .

    سترى جيلاً لا يضيع عمره هباء، بل يتحول إلى قوة دافعة للعمل في سبيل رفعة دين الله.

    سترى جيلاً لا يستسلم للضعف والعجز؛ بل يعمل على التكامل والشمول في طلبه للعلم، والقرب من الرب.

    سترى جيلاً يسعى إلى غرس القيم، والاعتدال والتوازن في الحياة البشرية.

    جيل صاحب إيجابية وبناء وثقة بالله، جيل صاحب تميز واستعلاء على الشهوات، جيل يؤمن بأن التقدم ليس في سرعة الحركة، وإنما في اتجاه تلك الحركة،

    جيل يؤمن أن خير اتجاه لحركة البشر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم (الزم غرزه).

    قال -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}(الأحزا ب:21).

    عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك، ما قبلتك». رواه البخاري.

    قال مجاهد في قوله -تعالى-: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}(الفرقا ن:74)، قال: «أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا».

    قال ابن القيم -رحمه الله-: «العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه».

    قال بعضهم في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم :

    إذا نحن أدلجنــــا وأنت إمامـنـــــا


    كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا


    وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد

    دليــــلاً كفانا نور وجهك هـاديـا


    وإلى اللقاء مع سبب آخر من أسباب تيه الشباب إن شاء الله - تعالى-.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه(3)

    - الوازع الإيماني



    مصطفى دياب




    إن شبابنا يعيش أزمة مراقبة الله -عز وجل-، يفتقد الوازع الداخلي الذي يجعله يقبل على الخير طواعية لله -تعالى-، ويعزف عن الشر طواعية لله -جل وعلا-.


    قال صلى الله عليه وسلم : «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيما،ً وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع، يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا،ً ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله عز وجل، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم(رواه الترمذي والإمام أحمد وصححه الألباني).

    هذا ما يفتقده الشباب: واعظ الله في قلب كل مسلم، لا يشعر به الشاب؛ لأنه يغرق في تلك الأبواب التي نهانا الشرع أن نفتحها، «ويحك لا تفتحه إنك إن تفتحه تلجه»، أين هذا الواعظ؟ أين هذا الصوت في قلب الشباب؟!

    هذه هي الأزمة التي يعيشها الشباب؛ اختفاء هذا الصوت، ولكنه موجود، وعلى الشباب البحث عنه، والوصول إليه بأسرع ما يمكن؛ لأنه صمام الأمان للشباب ولكل مسلم «ويحك لا تفتحه إنك إن تفتحه تلجه».

    تذكر دوماً -أخي الشاب- هذا النداء -هذا الصوت- الذي يأتيك من الأعماق، من القلب، من النفس اللوامة، من الفطرة، من جوف الصراط، ولا تفتح على نفسك أبواب الفتن والشهوات، «كتب الله على ابن أدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظرـ والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» (رواه البخاري ومسلم).

    أخي الحبيب:


    ما صغَّر النفس مثل معصية الله، وما كبرها مثل طاعة الله، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهت ذلك، أغلق أبواب الفتن، واترك النظر للنساء والصور، واترك سماع الأغاني والموسيقى، وكبائر الذنوب، وجاهد نفسك، وأكرهها على الطاعة حتى تألفها.


    أخي الحبيب:


    أكره نفسك حتى تدخل الجنة، وتكون من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، ومنهم: شاب نشأ في طاعة الله، لماذا لا تكون أنت ذلك الشاب ولماذا لا تكون أنت الرجل: دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله؟ أو ذاك الذي: ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه؟.

    أخي الشاب، الخلاص... الخلاص.


    لا تقل: «أنا كثير الذنوب» فقط، ولكن قلها وتب إلى الله، قال صلى الله عليه وسلم : «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم..» (رواه مسلم).

    وقال صلى الله عليه وسلم : «ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مُفتَّنا تواباً نسيَّا إذا ذُكِّرَ ذَكرَ» (رواه الطبراني وصححه الألباني).


    أخي الحبيب المجاهَدة... المجاهَدة.


    فالمؤمن ليس بمعصوم عن الخطأ، فهو قد يقع في الذنب، ولكن يتوب فلا يتمادى، بل يعود ويرجع، ويقوم من ذنب، ويقع في ذنب، ولكنه رجَّاع إلى ربه، تواب، إذا وقع منه الذنب أسرع إلى التوبة والإنابة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (4)

    - امشِ .. ولا تلتفت



    مصطفى دياب



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ»، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلا يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا»، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ وَلاَ تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ»، قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟»، قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (متفق عليه).
    أخي الحبيب..
    - تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : «امْشِ وَلاَ تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ».
    فما أحوجنا -أبناء الصحوة- اليوم إلى إدراك هذا المعنى، الذي يُقصد منه الانتباه للأهداف العظيمة، والسعي لتحقيقها، والحذر من كيد الأعداء، وحرصهم على إبعادنا عن سلوك السبيل المؤدية لتحقيق الأهداف، فتمر بنا الأيام ولا نصل إلى شيء، ويحققون هم كل شيء، فما أحوجنا إلى وضوح الأهداف قبل السير، وأثناء السير، حتى نصل إلى أهدافنا.
    - «حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ»: إن الدعوة التي بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم في بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير؛ بل كانت إنشاءً جديدًا لأجيال وأمم تتوارث الحق، وتندفع به في رحاب المعمورة، قال صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» (رواه مسلم)، فتعبيد الناس لله -عز وجل- وإقامة شرعه مهمة العلماء والدعاة الربانيين.
    فالعلماء -مثلاً- وهم الذين يقيسون الأمور، ويضبطونها بالضوابط الشرعية، ويدلوننا على مواطن الخيرات؛ تجدهم حاملين للرسالة وهمها دومًا، سائرين إلى الأمام حتى يفتح الله لهم، ومتى التفت الداعية وتشتت عن هدفه، وانخرط في الأحداث؛ فتَّ ذلك في عضده، وما تأخر مَن تأخر إلا لهذا الالتفات، فسير الداعية بلا التفات للوراء، فطريقته واضحة، ورسالته عظيمة، قال -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران:110)، وقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104).
    فمهمة الدعاة إلى الله واضحة، ومن أبرز أمثلتها ربعي بن عامر في حديثه مع رستم؛ إذ قال له: «إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
    إذن فهمتنا وهدفنا تعبيد الناس لله -عز وجل-، وإيجاد الطائفة المؤمنة التي تعبد الله، وتقيم شرعه حتى تكون خلافة على منهاج النبوة، مهمتنا إيجاد الجيل السلفي الرباني المتميز، «وَلأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (رواه البخاري)، وهداية الخلق أحب إلينا مِن قتالهم، ولزوال الدنيا أهون على الله مِن قتل امرئٍ مسلم؛ ولذا يجب ألا تستغرقنا الأحداث، ومهما كانت الأمور عظيمة فلابد أن تستمر المسيرة.
    فقد قتل الملكُ الظالمُ الراهبَ العابدَ، وحزن الغلام، ومع ذلك استمر الغلام في دعوته، وقُتل جليس الملك، واستمر الغلام في دعوته، وتعرض الغلام لمحاولة القتل ثلاث مرات، وهو مستمر في دعوته، حتى لفظ أنفاسه، وقد آمنت البلدة بأسرها، وحقق هدفه.
    فالأحداث لا تصرف عن الأهداف.
    ووضع الخليل إبراهيم -عليه السلام- زوجه هاجر وابنه اسماعيل في واد لا زرع فيه ولا أنيس، وانصرف، فنادته هاجر: «يا ابراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي لا أُنس فيه ولا شيء؟»، فلم يرد عليها، ولم يلتفت إليها حتى قالت له: «أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَتْ: «إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا» (رواه البخاري).
    إن إبراهيم -عليه السلام- ينشغل ويهتم بتنفيذ أمر الله -عز وجل-، وهو صاحب القلب الذي ينبض، والمشاعر التي تتأثر، لكنه لا يلتفت عن هدفه الأساسي، ويعطي للحديث حقه، فيتوارى عنهما؛ حيث لا تراه هاجر داعيًا لهما: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم:37).
    أخي الحبيب.. لقد سجد الحبيب صلى الله عليه وسلم في مكة، وأَلقى عليه الشقيُّ سلا الجزور، وصناديد قريش يضحكون، وظل الحبيب -صلى الله عليه وسلم - ساجدًا لا يرفع رأسه، ولما رفع رأسه قال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» (متفق عليه)، فلم ينصرف صلى الله عليه وسلم عن عبادته وصلاته لأذى المشركين، ولما أراد أن ينصرف دعا على قريش. فلا تحركه الأحداث ولا توجهه؛ وإنما يتحرك عندما تكون الحركة طاعة، وبالطريقة التي يراها، فلما رأت قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يصرفه عن دعوته شيء؛ فكروا مرة أخرى لقمع الدعوة بأساليب جديدة؛ منها تشويه تعاليمه، وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، والتعذيب والإيذاء، والمقاطعة والحصار، والمساومة.
    ولكن هذا كله لم يفت في عضده؛ إذ كان هدفه واضحًا: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر؛ ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» كما روي في السير.
    ولما يأتيه خباب متألمًا من شدة العذاب قائلاً: «أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا؟»، فلا يدعو لهم؛ بل يوضح له طبيعة الطريق قائلاً: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ»، ثم قال صلى الله عليه وسلم : «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ » (رواه البخاري).
    وتأمل في «وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ»، لا يلتفت عن هدفه وطريقه وعبادته وواجبه مهما اشتد العذاب، أو تعالت الأصوات الناعقة، فلا يضرنا نباح الكلاب.
    لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا


    لأصبح الصخـر مثقالاً بـديـنار

    أخي الحبيب.. يجب علينا أن ننشغل بتعبيد الخلق للخالق، وتعليمهم، وتربيتهم، وإرشادهم إلى الحق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والحفاظ على عقيدتنا ومنهجنا وثوابت ديننا، فزلزلة الثوابت أخطر على المسلمين مما عداها من البلايا، ولذا يجب أن نفوِّت على أعدائنا محاولة إقحامنا في أمور بعيدة عن أهدافنا وغاياتنا.
    ولنتذكر قوله -تعالى- لنبيه لوط -عليه السلام-: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} (الحجر:65).
    أخي الحبيب.. إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة. سنتفاعل مع الأحداث، ونتألم لمصاب المسلمين في كل مكان من بلادنا وفي غيرها، ومن سقط منا نرجو أن يكون شهيدًا، ونهتم ونغتم، ولكننا لن نتوقف، ولن ننحرف عن طريقنا وهدفنا إن شاء الله، وشعارنا دومًا: {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}.
    لقد كان مصاب الأمة في نبيها أعظم مصاب، لقد أذهل عمر، وأخرس عثمان، واضطرب الأمر حتى جاء الصِّدِّيق، فأسكت عمر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وتلا قوله -تعالى-: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144).
    إن الحدث جلل، والأمر عظيم، ولكن فقدان الدين أعظم؛ فشمَّر الصديق لتحمل المسؤولية قبل دفن الحبيب -صلى الله عليه وسلم -؛ لتستمر المسيرة، فهذه الدعوة لا تموت بموت رائدها. {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}.
    أخي الحبيب.. أنت -بحمد الله- صاحب المنهج السديد، والمسلمون هم الذين يملكون المنهج الوحيد لإنقاذ البشرية وإحداث التغيير، ولذا فالعالم بأسره يشعر بخطر انقراض الباطل وانتشار الحق وسرعة زحفه، فلا تدع المعوِّقات المصطنعة تلفتك عن هدفك الأسمى أو تفت في عضدك؛ فالعالم بأسره ينتظرك {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}.
    عارٌ على الدعاة والمعلمين أن يسبقهم ملحدٌ أو زنديق أو مشرك أو كافر أو منفذ للخطط الصهيونية، فاللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.
    أخي الحبيب،لا تقنع بالدون؛ فالقانع قابع والتوَّاق سباق، و{اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُو (الأعراف:128)، وابنِ قلاعًا ولا تحفر قبورًا، وحافظ على لحوم العلماء، والزم غرزهم، وانشغل بطاعة ربك بكل حماس؛ فكلما شُغل العبد بالطاعة والعبادة، تكفل الله له برزقه.
    أخي الحبيب.. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99} (الحجر:97-99).
    ولا تظن -أخي الحبيب- أن طريقك سهلة ممهدة؛ بل هي وعرة مخضبة.
    أخي فامضٍ لا تلتفت للـوراء


    طريقك قـد خضبتـه الدمـاء


    ولا تـلـتـفــت هـنـا أو هـنـاك

    ولا تـتـطلـع لغيـر السـمـاء

    امشِ ولا تلتفت..
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (5)

    الحــافـــز



    مصطفى دياب

    الحافز: هو ذلك الشيء المعنوي أو المادي الذي يشجع الإنسان على العمل والبذل، والعطاء والإنتاج الأفضل، ويفجر الطاقات الكامنة، ويحسن الأداء، ولكن إذا سألت شاباً اليوم، ما هو هدفك بعد الانتهاء من المراحل التعليمية الجامعية مثلاً؟ تجد المفاجأة، ويكون الرد كالصاعقة، عندما تسمعه يقول: لا أدرى، أو لا أعرف. إنه تعلم، وتخرج، وبعد سنوات طوال، ونفقات عظام، وتألم الوالدين، «لا أعرف»!!


    إنها طاقة بلا هدف، وإنه صاروخ بلا موجه، إنها كارثة.

    هل بعد هذا النجاح والتخرج، لا يرى الشاب لهذا الجهد قيمة ولا جدوى؟! لماذا؟! لماذا؟!

    لأنه يفتقد الحافز، وأين الحافز؟ ولا حافز للعلماء والمبدعين، ولا للمربين، والمدرسين، والمجتهدين، ولا حافز للمخترعين والباحثين، ولا حافز لأي صاحب موهبة، لا حافز يدعو للعمل، ولا للتضحية ولا للبذل.

    كيف لا؟ وأنت ترى أن أقدام اللاعبين أعز وأغلى عند الناس من رؤوس العلماء والمخترعين!!

    كيف لا؟ وأنت ترى أن الفنانين والممثلين هم نجوم المجتمع، وعليهم عقدت الأمة الآمال!!

    إن الأب اليوم يتمنى أن لو كان ابنه لاعب كرة محترفاً، ولا يتمنى أن يكون عالم ذرة مخترعاً، إن الشباب يشعر للأسف أنه في واقع لا يميز بين المبدع والخامل؛ ولذا يقول بلسان الحال أو المقال: لماذا أتعب وأجتهد؟! ويا ليت الأمر قد انتهى، لكنه يشعر بالكبت والانطواء، والعزلة عن هذا المجتمع.

    وليس هذا فحسب، بل يتوجه لمحاربة هذا المجتمع، بمزيد من الكراهية والبغضاء لأفراده، وما هذا إلا لأنه يعجز أن يكون لاعباً، أو ممثلاً، أو مطرباً، فينحرف ويتجه إلى المخدرات والمحرمات ليدخل التيه، لقد رأى أن التقدير والحوافز تصرف لمن لا يستحق التقدير، وأن الأضواء تسلط على من يأخذون بأيدي المجتمع إلى السقوط في الهاوية، ومن يستحقون أن يكونوا في مزبلة التاريخ.

    نظرة من فضلك:

    والشباب معذورون في ذلك، لكنه لو نظر نظرة واحدة إلى دينه الحنيف، لتبددت ظلمات اليأس إلى أنوار الرجاء.

    كيف لا؟ والشريعة الغراء تميز أفراد المجتمع، كلٌ حسب عطائه {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿7﴾وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزلزلة:7-8).

    وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين َ-مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(القلم:35-36).

    أخي الشاب بالتزامك تحقق نجاحك، وتثبت ذاتك.

    لو رآك لأحبك:

    كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إذا رأى الربيع بن خثيم -رضي الله عنه- رآه حسن الخُلق، لين الكلام، رائق الحديث، جميل المعاشرة، وأن أخلاقه أخلاق الأنبياء، فكان يقول له: «يا أبا يزيد والله لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، ولأوسع لك إلى جنبه، وما رأيتُك إلا ذكرتُ المخبتين».

    الله أكبر! ما أقوى هذا الحافز من صحابي مربٍّ جليل! لتابعي في بواكير الشباب، لم ير الرسول صلى الله عليه وسلم ، كم تصنع هذه الكلمات في ثبات وبناء شخصية الربيع بن خثيم -رضي الله عنه-؟ إنها كلمات لصناعة الأجيال.

    هذا وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحفيز لأصحابه -رضي الله عنهم-، فها هو صلى الله عليه وسلم يحفزهم لنشر الدعوة وحفظ العلم فيقول صلى الله عليه وسلم داعياً لهم: «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع»(رواه الترمذي وصححه الألباني)، ما أعظم هذا الحافز!! دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه وبهائه، لمن سمع العلم فبلغه، وقال صلى الله عليه وسلم : «نعم الرجلُ عبدُ الله لو كان يصلي من الليل» (رواه البخاري).

    تخيل نفسك لا تصلي الليل، ثم تسمع خبراً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنك نعم الرجل، لو كنت تفعل ذلك -قيام الليل- ماذا كنت ستفعل؟! فما ترك عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قيام الليل؛ وتلك عبادة ومجاهدة.

    وموقف آخر:

    قال صلى الله عليه وسلم : «نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله»(رواه الترمذي وصححه الألباني).

    ماذا تفعل إذا كنت أنت خالد؟! هل تضع سيفك ولا تجاهد؟!!

    بل ماذا كنت تفعل إذا سمعت صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: «يا سعد ارم فداك أبي وأمي»؟ (متفق عليه).

    أرأيت أخي الحبيب: كيف يكون للحافز أثره في بناء الجيل؟ وكيف ضل من ضل من المجتمع، عندما انحرف عن تعاليم وقيم وأهداف وربانية هذا الدين؟

    ولذلك نقول للشباب: نظرة عميقة للأمام، نخترق بها أربعة عشر قرناً من الزمان؛ لنصل إلى ذلك الجيل الرائد.. السلف الصالح, ثم إلى المربى القائد, إلى الحبيب محمدصلى الله عليه وسلم ، وهناك الزم غرزه، واقتفِ أثره، {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}(الأنع ام:90). وصلِ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (6)
    - وجاء الشتاء




    مصطفى دياب

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده.


    يُقلب الله -تبارك وتعالى- الليل والنهار والشمس تجري بقدر، ويقلبُ الله فصول الزمان، وللمؤمن فى كل الأحوال طاعات وعبادات ولله على عباده مننٌ لا تُحصى فإذا دخل الشتاء زادت حاجة الناس إلى التستر و الدفء ودفع البرد {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}(قريش: 3)، الذي ألهم الناس وسائل الدفء والوقاية من البرد {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا}(الأعرا ف: 74)، ومن منن الله كذلك، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} (النحل: 81)، بيوتاً وأشجاراً وسُقفاً {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا }(النحل: 81)، فأصبح أحدُنا يسكن في المباني والأبراج التي تقي الإنسان الحر والبرد وقديماً كانوا يستترون بالكهوف في الجبال.

    {َجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } (النحل: 81)، ومن كرمه وجوده أن جعل لكم تلك الملابس والقُمُص التى تستر أبدانكم وتقيكم الحر والبرد {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}(النح ل: 81)، وقمصان واقية، ليس من الحر والبرد فحسب، بل من رماح العدو هذه المرة؛ وكل ذلك لنعقل و نشكر و نُسِلمَ لله {كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}(الن حل: 81).

    والمسلم في الشتاء له شأن مع نفسه و مع غيره فإذا نزل المطر كان الدعاء: «اللهم صَيِّبًا نافعًا»، وإذا هبت الرياح سأل الله من خيرها، واستعاذ بالله من شرها، ويأتى الصيام (فالصوم فى الشتاء الغنيمة الباردة) فيا غنيمة الصائمين القائمين، إن الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقام وقصُر نهاره فصام.

    فيا أيها الصائم شَمِّر، ويا أيها القائم قم وتفكر، قال بن عباس: «رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ، خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ سَاهٍ» .

    وفريقٌ آخر -للأسف- سيطر عليه الكسل، وبال الشيطان فى أذنه وكثيرٌ ماهم، فمع برد الشتاء تضيع صلاة الفجر، وتتأخر الصلوات بحجة برودة الماء: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.

    نعم الدفء ينجي من البرد، ولكن كما أن الدفء ينجي الرجل من برد الشتاء فكذلك العمل الصالح ينجي العبد يوم القيامة من الهلاك؛ فلا يرى شمساً محرقة ولا برداً مهلكاً {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}(ال إنسان: 13) .

    أيها القارئ الحبيب:

    إن شدة البرد من نَفَسِ جهنم (زَمْهَرِيرًها) وشدة الحر من نَفَسِ جهنم (سمومها)، كيف لا؟ وقد حدثت الشكوى.

    قال صلى الله عليه وسلم : «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا, وَقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ: نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ، فَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الشِّتَاءِ فَزَمْهَرِيرٌ، وَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الصَّيْفِ فَسَمُومٌ»، فأشد ما نجد من البرد هو مجرد نَفَسٍ من زمهرير جهنم.اللهم نجنا من حر جهنم وبردها.
    أخى الحبيب :


    ومع إقبال الشتاء يستعد الناس لدفع البرد بجمع الدثار و الثياب و الأغطية و كأنهم مهاجرون . نعم, إذا أقبل برد الشتاء؛ فهناك إنسان يتأثر بالبرد، ويحتاج إلى الثوب والغطاء، ولا يجد منها شيئاً. فيا من تكاثرت وتزاحمت لديه الملابس والأغطية هل تذكر من يحتاج إلى الدفء؟ إلى الثوب والغطاء؟

    أخي الحبيب: قف أمام ملابسك الشتوية و تدبر كم هى كثيرة ؟! كم هي متكررة و متنوعة؟! وغيرك وربما أقرب إخوانك إليك لا يجد شيئاً.

    ألا ترى أن من شكر نعمة الله عليك أن تتصدق ببعض ما منّ الله به عليك ؟!

    أخي الحبيب: ما رأيك في مشروع (كِسوة بكسوة)، ففي الحديث «مَنْ كَسَا مُسْلِمًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ».

    يا ابن آدم، قال تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن ادم استكسيتُك فلم تكسُني, قال: كيف أكسوك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان استكساك فما كسيته؟ أما علمت أنك لو كسيته وجدت ذلك عندى؟».

    أخى الحبيب: كلنا ذاك العاري قال تعالى في الحديث القدسي:

    «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ»؛ فلا تبخل أخي الحبيب على إخوانك وأصدقائك وجيرانك فالكاسي لي ولك هو الله.

    ماذا لو ؟!:

    ماذا لو وقف كل واحدٍ منّا أمام مخزن ملابسه، واستبقى عنده ما يكفيه، ثم أخرج الباقي لأصدقائه وإخوانه على صورة هدية مغلفة معطرة؟!
    ماذا لو ؟!: اشترى الوالد لولده القميص الشتوي، أو (السويتر الجلد) بدل القطعة قطعتين واحدة لولده وواحدة لصديق ولده الذى يراه محتاجاً وكأنها هدية؟!



    كنز الأموال

    إن أموالنا وملابسنا الغالية ليست باقية، فإن أي قطعة قماش نمسح بها الأرض أو نزيل بها الأتربة والقاذورات، أو ندوسها بأقدامنا كانت في يومٍ ما ثوباً جديدا قيماً.

    قال عبد الله بن المبارك: مَرَّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة فناداه, ياراهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما مُعتبَر, كنزُ الرجالِ وكنزُ الأموال.

    وصدق الرجل فإن كل الناس إلى القبور(كنز الرجال)، وكل الأموال إلى المزبلة ثوبك الجديد اليوم محله غداً في المزبلة.

    فاحفظه عند ربك فلعلك تنال الأجر ما دام ثوبك على جسد صاحبك.

    أخي الحبيب: بادر و انصح غيرك أن يصنع مثلك، قم واجمع لآخرتك من ثوبك ومالك قبل أن يبلى، وحافظ على الصلاة والصيام والقيام وإسباغ الوضوء على المكاره؛ ففي الربيع تتغير الأرض, والشتاء ربيع المؤمن فلتكن بداية التغيير مع الرياح الباردة.

    وصلِ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه و سلم ..




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,444

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه

    شبابنا والخروج من التيه (7) ثقافة التسويغ


    مصطفى دياب



    التفكير التسويغي تهرب من المسؤولية عن التقصير في أداء واجب أو عمل
    إن إدمان التسويغ أمر خطير وسلوك مشين يحرم صاحبه من التبصر بحقيقة أفعاله ومراجعة أخطائة
    الشجاعة والجرأة في الانتقال من التسويغ إلى التفسير والاعتذار وتحديد مواطن الخلل
    لاتتستر على أخطائك وتقصيرك فتقع في الفشل الدائم والشعور بالدونية واحتقار الذات

    فى أزمنة الوهن والانكسار تظهر بين الأفراد والمجتمعات والدول ظاهرة خطيرة وهى ظاهرة (التسويغ) والتسويغ أصبح داءً تتوارثه الأجيال، والتسويغ ببساطة هو تفسير الإنسان لسلوك أو موقف بأسباب معقولة مقبولة في ظاهرها، ولكنها ليست الأسباب الحقيقية وراء هذا السلوك؛ فإخوة يوسف قالوا: «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم»، ثم سوغوا لأنفسهم هذا القتل وهذا السلوك بأنهم سيكونون أفضل: «وتكونوا من بعده قومًا صالحين» فالدافع للقتل ليس الوصول إلى الصلاح، ولكن الدافع كان الحسد ليوسف عليه السلام.

    وهذا الشاب الذي يدخل على المواقع الهابطة يرتكب العادات السيئة يسوغ لنفسه ذلك بأن الزواج صعب، وأنه يكاد يقع في الزنا إن لم يفعل تلك العادات السيئة، وهذه المتبرجة تستمر في تبرجها، وتقول أنتظر هداية ربي.. وهذا الداعي يخفق في أدائه ولا يحقق أهدافه ويقول: إنها المؤامرة على التيار الإسلامي، وهذا الذي يعمل في مؤسسته الدعوية لا يؤدي ما يُطلب إليه ثم يسوغ ذلك بضيق الوقت، وهذا الذي يتعامل بالربا يقول: العلماء يقولون لا حرج، وهذا الطالب الفاشل في دراسته يقول: المناهج صعبة، والدروس طويلة، والمدرسة غير مريحة. وهذا الوالد الذي انحرف ولده بين عينيه يقول: الشارع.. البيئة.. المدرسة.. الأصدقاء.. حتى طفل الرابعة يبحث عن مسوغ ليثبت براءته من شيء لا يعرفون فاعله.

    عدم الوقوف على الأخطاء

    المهم أن أحدًا لا يذكر دوره وتأثيره الشخصي في هذه النتائج، وأن أحدًا لا يحب أن يقف على أخطائه ليصوبها. إن إدمان التسويغ أمرٌ خطير وسلوك مشين يحرم صاحبه من التَبَصُّر بحقيقة أفعاله ومراجعة أخطائه؛ فيعود على صاحبه بمرض القلب وسوء الخُلق وتشويه السيرة.

    التسويغ مدخل إلى ثقافة التخلف

    وإذا أدمنا الدفاع عن السلوكيات السلبية في ذواتنا وإيجاد التفسيرات غير الحقيقية لها فلا تقدم ولا إبداع ولا إصلاح؛ فإن العقلية التي تعجز عن تغيير الواقع ومواجهة الأخطاء بجرأة هي من تتفنن في التسويغ وفي ثقافة التخلف. إن الذي يبحث عن مسوغ لموقف أو سلوك إنما يبحث عن عذر ليلقي بالمسؤولية على غيره ولا يبحث عن حل وقد ينجح في الوصول إلى المسوغات، لكنه لن يقدم حلولًا لمشكلات واقعه.

    التسويغ تهرب من المسؤولية

    التسويغ هو فن إيجاد الأعذار؛ فاجعل وقت التسويغ وقتًا للتفكير في الحلول والعمل الجاد.

    يقول الدكتور عبد الكريم بكار: «لا يُثبتُ العقل قدرته وكفاءته على العمل في مجال كما يثبتها في مجال التعليل والتسويغ لأفعالنا ومواقفنا، والهدف من وراء التفكير التسويغي يتمثل على نحو أساسي في التهرب من المسؤولية عن التقصير في أداء واجب أو في التهرب من المسؤولية عن عملٍ ما ينبغي القيام به».

    خداع النفس بالتسويغ

    لا تكن كأصحاب الجنة {إذ أقسموا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصبحين. ولا يستثنون}(القلم: 17-18)؛ فلما أتوا عليها مصبحين وقد تغيرت تمامًا أصاب بعضهم داء بكتريا التسويغ لدرجة طمأنة أنفسهم وخداعها بأن شيئًا لم يحدث وأنها ليست حديقتهم {فلما رأوها قالوا إنا لضالون}(القلم: 26)، بل إنهم ضلوا الطريق لكنهم لما تأكدوا أنها هي، كان تسويغا آخر يلقي اللوم على الأقدار والظروف {بل نحن محرومون} (القلم: 27).

    قف على الأسباب

    كن مثل أوسطهم، وابحث عن الحل، وواجه الخطأ، وضع يدك على مكمن الخطر وسبب الاضطراب والانهيار أو الضعف، ولا تستمر في التسويغ، وقف على الأسباب الحقيقية لقصورك وإخفاقك: {ألم أقل لكم لولا تسبحون}(القلم: 28). إن المشكلة فينا وليست خارجة عنا، وإياك أن ترتكب حماقة التسويغ للبقاء على الخطأ؛ بل قم بتصحيح المسار فورًا: {إنا كنا ظالمين}.. {إنا كنا طاغين}.. {إنا إلى ربنا راغبون} ولا تتستر على أخطائك وتقصيرك بدعوى عدم التشهير بك أو بمؤسستك؛ فتقع في الفشل الدائم والشعور بالدونية واحتقار الذات.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •