​النوازل



لعظيم شأن الفتوى في النوازل المعاصرة، وتقريبا للعلم والاستفادة منه؛ استحدثت هذه الصفحة المباركة - في كل عدد - من أجل عرض نازلة معينة، بالوقوف على مصادرها، ومظانها المختلفة، وتجلية صورها، وبيان أحكامها، وأدلتها.


إعداد: د. محمود محمد الكبش



عضو هيئة تدريس


جامعة أم القرى - مكة المكرمة


عقود المقاولة والصيانة



الخلاصة الحكمية



1- عقد المقاولة: عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئا، أو يؤدي عملا مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر، وهو عقد جائز.


2- المقاولة نوعان؛ تقديم المقاول العمل والمادة، وهو المسمى عند الفقهاء بـ «الاستصناع»، أو تقديم العمل فقط، وهو المسمى عند الفقهاء بـ «الإجارة على العمل»؛ وكلاهما جائز.


3- إذا شرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه؛ فلا يجوز له أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن.


4- عقد الصيانة: هو عقد مستحدث مستقل تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود. ويختلف تكييفه وحكمه باختلاف صوره.


5- عقود الصيانة التي يحدد فيها المقابل، ويكون العمل حسب محل العقد (وهو الأجهزة المراد صيانتها) جائزة شرعا، وإن كان العمل قد يقل وقد يكثر؛ ما لم يؤد إلى تنازع.


<القرارات، والتوصيات، والبحوث الصادرة من المجامع واللجان الفقهية، والهيئات الشرعية بخصوص هذا الموضوع:


< أولا: قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي؛ رقم 129 (3/14) المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الرابعة عشرة بالدوحة (دولة قطر) (8 - 13 ذو القعدة 1423هـ)، الموافق (11 – 16 كانون الثاني (يناير) 2003م).


بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «عقد المقاولة والتعمير: حقيقته، تكييفه، صوره»، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لأدلة الشرع وقواعده ومقاصده، ورعاية للمصالح العامة في العقود والتصرفات.


ونظرا لما لأهمية عقد المقاولة ودوره الكبير في تنشـيط الصناعة، وفتح مجالات واسـعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسـلامي.


قرر ما يلي:



1- عقد المقاولة: عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئا، أو يؤدي عملا مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر -وهو عقد جائز- سواء قدم المقاول العمل والمادة، وهو المسمى عند الفقهاء بالاستصناع، أو قدم المقاول العمل، وهو المسمى عند الفقهاء بالإجارة على العمل.


2- إذا قدم المقاول المادة والعمل فينطبق على العقد قرار المجمع رقم 65 (3/7) بشأن موضوع الاستصناع.


3- إذا قدم المقاول العمل فقط؛ فيجب أن يكون الأجر معلوما.


4- يجوز الاتفاق على تحديد الثمن بالطرق الآتية:


أ- الاتفاق على ثمن بمبلغ إجمالي على أساس وثائق العطاءات، والمخططات، والمواصفات المحددة بدقة.


ب- الاتفاق على تحديد الثمن على أساس وحدة قياسية يحدد فيها ثمن الوحدة، والكمية، وطبقا للرسومات والتصميمات المتفق عليها.


ج- الاتفاق على تحديد الثمن على أساس سعر التكلفة الحقيقية، ونسبة ربح مئوية. ويلزم في هذه الحال أن يقدم المقاول بيانات وقوائم مالية دقيقة ومفصلة، وبمواصفات محددة بالتكاليف يرفعها للجهة المحددة في العقد ويستحق حينئذ التكلفة بالإضافة للنسبة المتفق عليها.


5- يجوز أن يتضمن عقد المقاولة شرطا جزائيا، بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم يكن هناك ظروف قاهرة. ويطبق في هذه الحال قرار المجمع في الشرط الجزائي رقم (109 (3/12).


6- يجوز في عقد المقاولة تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط لآجال معلومة، أو حسب مراحل إنجاز العمل المتفق عليها.


7- يجوز الاتفاق على التعديلات والإضافات.


8- إذا أجرى المقاول تعديلات، أو إضافات بإذن رب العمل دون الاتفاق على أجرة، فللمقاول عوض مثله.


9- إذا أجرى المقاول تعديلات، أو إضافات دون اتفاق عليها؛ فلا يستحق عوضا زائدا على المسمى، ولا يستحق عوضا عن التعديلات، أو الإضافات.


10- يضمن المقاول إذا تعدى، أو فرط، أو خالف شروط العقد، كما يضمن العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها. ولا يضمن ما كان بسبب من رب العمل، أو بقوة قاهرة.


11- إذا شرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه؛ فلا يجوز له أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن.


12- إذا لم يشرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه جاز له أن يتفق مع مقاول من الباطن، ما لم يكن العمل بعينه مقصودا أداؤه من المقاول نفسه لوصف مميز فيه مما يختلف باختلاف الأجراء.


13- المقاول مسؤول عن عمل مقاوليه من الباطن، وتظل مسؤولية المقاول الأصلي تجاه رب العمل قائمة وفق العقد.


14- لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول.


15- يجوز اشتراط الضمان لفترة محددة.


16- لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد.


توصيات:



يوصي المجمع بدراسة بعض صيغ عقود المقاولات من مثل ما يسمى (bot) أي بناء وتملك وإدارة ونقل ملكية، والله أعلم.


انتهى القرار.



< ثانيا: قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 94 (6/11) المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من (25-30 رجب 1419هـ) الموافق (14-19 نوفمبر 1998).


بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع «عقد الصيانة»، واستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.


قرر ما يلي:



أولا: عقد الصيانة هو عقد مستحدث مستقل تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود. ويختلف تكييفه وحكمه باختلاف صوره، وهو في حقيقته عقد معاوضة يترتب عليه التزام طرف بفحص وإصلاح ما تحتاجه آلة، أو أي شيء آخر من إصلاحات دورية، أو طارئة لمدة معلومة في مقابل عوض معلوم. وقد يلتزم فيه الصائن بالعمل وحده أو بالعمل والمواد.


ثانيا: عقد الصيانة له صور كثيرة، منها ما تبين حكمه، وهي:


1. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر يلتزم فيه الصائن بتقديم العمل فقط، أو مع تقديم مواد يسيرة لا يعتبر العاقدان لها حسابا في العادة.


هذا العقد يكيف على أنه عقد إجارة على عمل، وهو عقد جائز شرعا، بشرط أن يكون العمل معلوما والأجر معلوما.


2. عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر يلتزم فيه الصائن تقديم العمل، ويلتزم المالك بتقديم المواد.


تكييف هذه الصورة وحكمها كالصورة الأولى.


3. الصيانة المشروطة في عقد البيع على البائع لمدة معلومة.


هذا عقد اجتمع فيه بيع وشرط، وهو جائز سواء أكانت الصيانة من غير تقديم المواد أم مع تقديمها.


4. الصيانة المشروطة في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر.


هذا عقد اجتمع فيه إجارة وشرط، وحكم هذه الصورة أن الصيانة إذا كانت من النوع الذي يتوقف عليه استيفاء المنفعة فإنها تلزم مالك العين المؤجرة من غير شرط، ولا يجوز اشتراطها على المستأجر، أما الصيانة التي لا يتوقف عليها استيفاء المنفعة، فيجوز اشتراطها على أي من المؤجر أو المستأجر إذا عينت تعينا نافيا للجهالة.


وهناك صور أخرى يرى المجمع إرجاءها لمزيد من البحث والدراسة.


ثالثا: يشترط في جميع الصور أن تعين الصيانة تعيينا نافيا للجهالة المؤدية إلى النزاع، وكذلك تبيين المواد إذا كانت على الصائن، كما يشترط تحديد الأجرة في جميع الحالات.



وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



< ثالثا: عرض على لجنة الفتوى الكويتية (ج4/ص156/ف1158)؛ في موضوع «عقد الإجارة مع شركات الصيانة»؛ ما نصه:


عقود صيانة أجهزة تكييف ومصاعد سلالم... حيث يقوم الشخص بالاتفاق مع الشركة على مبلغ محدد كأن يدفع 100 دينار للسنة الواحدة بحيث تقوم هذه الشركة بصيانة الجهاز، سواء ما يتعلق بتشغيل الجهاز أو ما يتعلق باستبدال القطع إذا ما لزم ذلك ويلاحظ أن هذا المبلغ ربما لا يستغرق جميع تكلفة الصيانة وإن كان يستغرق جزءا منه، وربما أحيانا تدفع الشركة أضعاف هذا المبلغ عند وجود خلل كبير، فما هو الحكم وما هو تكييفه الشرعي؟ وجزاكم الله خيرا.



فأجابت اللجنة بأن:



عقود الصيانة التي يحدد فيها المقابل، ويكون العمل حسب محل العقد (وهو الأجهزة المراد صيانتها) جائزة شرعا، وإن كان العمل قد يقل وقد يكثر، شريطة أن تكون العقود واضحة بحيث لا تؤدي إلى تنازع، بتحديد الشروط ومراعاة العرف المستقر.


والوصف الشرعي لهذه العقود (أي تكييفها)؛ هو أنها: عقود «جعالة»؛ وهي جائزة يحدد فيها الأجر دون العمل، وقد ذهب إلى جوازها جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة).



واستدلوا بقوله تعالى: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (يوسف:72)؛ فقد حدد الأجر، وهو حمل بعير مع أن مقدار العمل مجهول، ومنه الجعل على رد الآبق، وقد أجمع على جوازه بالنص الوارد فيه. والله أعلم.