تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله - الصفحة 14
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 14 من 14 الأولىالأولى ... 4567891011121314
النتائج 261 إلى 271 من 271
1اعجابات

الموضوع: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

  1. #261
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (260)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(15) الى الأية(26)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر




    " ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين " (16)
    يقول تعالى - مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه: " ولقد جعلنا في السماء بروجا " أي: نجوما كالأبراج, والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر.
    " وزيناها للناظرين " , فإنه لولا النجوم, لما كان للسماء هذا المنظر البهي, والهيئة العجيبة.
    وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها, والنظر في معانيها, والاستدلال بها, على باريها.

    " وحفظناها من كل شيطان رجيم " (17)
    " وحفظناها من كل شيطان رجيم " إذا استرق السمع, أتبعته الشهب الثواقب, فبقيت السماء, ظاهرها, مجملا بالنوم النيرات, وباطنها, محروسا ممنوعا, من الآفات.
    " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " (18)
    " إلا من استرق السمع " أي: في بعض الأوقات, قد يسترق بعض الشياطين السمع, بخفية واختلاس.
    " فأتبعه شهاب مبين " أي: بين منير, يقتله, أو يخبله.
    فربما أدركه الشهاب, قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه, فينقطع خبر السماء عن الأرض.
    وربما ألقاها إلى وليه, قبل أن يدركه الشهاب, فيضهما ويكذب معها مائة كذبة.
    ويستدل بتلك الكلمة التي, سمعت من السماء.

    " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون " (19)
    " والأرض مددناها " أي وسعناها سعة, يتمكن الآدميون والحيوانات كلها, من الامتداد بأرجائها, والتناول من أرزاقها, والسكون في نواحيها.
    " وألقينا فيها رواسي " أي: جبالا عظاما, تحفظ الأرض بإذن الله, أن تميد, وتثبها أن تزول.
    " وأنبتنا فيها من كل شيء موزون " أي: نافع متقوم, يضطر إليه العباد والبلاد, ما بين نخيل, وأعناب, وأصناف الأشجار, وأنواع النبات, والمعادن.

    " وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " (20)
    " وجعلنا لكم فيها معايش " من الحرث, ومن الماشية, ومن أنواع المكاسب والحرف.
    " ومن لستم له برازقين " أي: أنعمنا عليكم بعبيد وإماء, وأنعام, لنفعكم, ومصالحكم, وليس عليكم رزقها, بل خولكم الله إياها, وتكفل بأرزاقها.

    " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم "(21)
    أي: جميع الأرزاق وأصناف الأقدار, لا يملكها أحد إلا الله.
    فخزائنها بيده, يعطي من يشاء, ويمنع من يشاء, بحسب حكمته ورحمته الواسعة.
    " وَمَا نُنَزِّلُهُ " أي: المقدر من كل شيء, من مطر وغيره.
    " إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ " فلا يزيد على ما قدره الله, ولا ينقص منه.

    " وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين " (22)
    أي: وسخرنا الرياح, رياح الرحمة, تلقح السحاب, كما يلقح الذكر الأنثى.
    فينشأ عن ذلك, الماء, بإذن الله, فيسقيه الله العباد, ومواشيهم, وأرضهم, ويبقى في الأرض مدخرا لحاجاتهم وضروراتهم, ما هو مقتضى قدرته ورحمته.
    " وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " أي: لا قدرة لكم على خزنه وادخاره.
    ولكن الله يخزنه لكم, ويسلكه ينابيع في الأرض, رحمة بكم, وإحسانا إليكم.

    " وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون " (23)
    أي: هو وحده, لا شريك له, الذي يحيي الخلق من العدم, بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ويميتهم لآجالهم, التي قدرها " وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ " كقوله: " إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ " .
    وليس ذلك بعزيز, ولا ممتنع على الله, فإنه تعالى يعلم المستقدمين من الخلق والمستأخرين منهم, ويعلم ما تنقص الأرض منهم, وما تفرق من أجزائهم.
    وهو الذي, قدرته لا يعجزها معجز, فيعيد عباده خلقا جديدا, ويحشرهم إليه.
    " إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " يضع الأشياء مواضعها, وينزلها منازلها, ويجازي كل عامل بعمله, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر.

    " ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون "(26)

    يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام, وما جرى من عدوه إبليس, وفي ضمن ذلك, التحذير لنا من شره وفتنته, فقال تعالى: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ " أي آدم عليه السلام " مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ " أي: من طين قد يبس, بعد ما خمر حتى صار له صلصلة وصوت, كصوت الفخار.
    والحمأ المسنون, الطين المتغير لونه وريحه, من طول مكثه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #262
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (261)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(27) الى الأية(42)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر



    " والجان خلقناه من قبل من نار السموم "(27)
    " وَالْجَانَّ " وهو: أبو الجن أي: إبليس " خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ " خلق آدم " مِنْ نَارِ السَّمُومِ " أي: من النار الشديدة الحرارة
    " وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون " (28)
    فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: " إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ " جسدا تاما " وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " فامتثلوا أمر ربهم
    " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " (30)
    " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ " .
    تأكيد بعد تأكيد, ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد, وذلك, تعظيما لأمر الله, وإكراما لآدم, حيث علم ما لم يعلموا.

    " إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين " (31)
    " إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ " وهذا أول عداوته لآدم وذريته.
    قال الله: " قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ "
    فاستكبر على أمر الله, وأبدى العداوة لآدم وذريته, وأعجب بعنصره وقال: أنا خير من آدم.

    قال فاخرج منها فإنك رجيم " (34)
    " قَالَ " الله - معاقبا له على كفره واستكباره - " فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ " .
    أي: مطرود ومبعد من كل خير.
    " وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ " أي: الذم, والعيب, والبعد عن رحمة الله " إِلَى يَوْمِ الدِّينِ " .
    ففيها, وما أشبهها, دليل على أنه سيستمر على كفره, وبعده من الخير.

    " قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " (36)
    " قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي " أي: أمهلني " إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ " .
    وليس إجابة الله لدعائه, كرامة في حقه, وإنما ذلك, امتحان وابتلاء من الله له وللعباد, ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه, ممن ليس كذلك.
    ولذلك حذرنا منه, غاية التحذير, وشرح لنا, ما يريده منا.

    " قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين " (39)
    " قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ " أي: أزين لهم الدنيا, وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى, حتى يكونوا منقادين لكل معصية.
    " إلا عبادك منهم المخلصين " (40)
    " وَلَأُغْوِيَنَّ هُمْ أَجْمَعِينَ " أي: أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم.
    " إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " أي: الذين أخلصتهم واجتبيتهم, لإخلاصهم, وإيمانهم, وتوكلهم.

    " قال هذا صراط علي مستقيم " (41)
    قال الله تعالى: " هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ " أي: معتدل موصل إلي, وإلى دار كرامتي.
    " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " (42)
    " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ " تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات, بسبب عبوديتهم لربهم, وانقيادهم لأوامره, أعانهم الله وعصمهم من الشيطان.
    " إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ " فرضي بولايتك وطاعتك, بدلا من طاعة الرحمن.
    " مِنَ الْغَاوِينَ " والغاوي: ضد الراشد, فهو: الذي عرف الحق وتركه.
    والضال: الذي تركه من غير علم منه به.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #263
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (262)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(43) الى الأية(55)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر

    " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " (43)
    " وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ " أي: إبليس وجنوده.
    " لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ " كل باب أسفل من الآخر.
    " لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ " أي: من أتباع إبليس " جُزْءٌ مَقْسُومٌ " بحسب أعمالهم.
    قال تعالى: " فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ " .
    ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه, أتباع إبليس, من النكال والعذاب الشديد, ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم, والنعيم المقيم فقال: " إِنَّ الْمُتَّقِينَ " إلى " هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ " .

    " إن المتقين في جنات وعيون " (45)
    يقول تعالى: " إِنَّ الْمُتَّقِينَ " الذين اتقوا طاعة الشيطان, وما يدعوهم إليه, من جميع الذنوب والعصيان " فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ " قد احتوت على جميع الأشجار, وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة, في جميع الأوقات.
    " ادخلوها بسلام آمنين " (46)
    ويقال لهم حال دخولها: " ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ " من الموت, والنوم والنصب, واللغوب, وانقطاع شيء من النعيم, الذي هم فيه أو نقصانه, ومن المرض, والحزن, والهم, وسائر المكدرات.
    " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ " فتبقى قلوبهم سالمة, من كل غل, وحسد, متصافية متحابة " إخوانا على سرر متقابلين " .
    دل ذلك على تزاورهم, واجتماعهم, وحسن أدبهم فيما بينهم, في كون كل منهم مقابلا للآخر, لا مستديرا له, متكئين على تلك السرر المزينة, بالفرش واللؤلؤ, وأنواع الجواهر.

    " لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين " (48)
    " لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ " لا ظاهر ولا باطن.
    وذلك, لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة, لا تقبل شيئا من الآفات.
    " وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " على سائر الأوقات.
    ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة, من مفعولات الله, من الجنة, والنار, ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال:

    " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم " (49)
    " نَبِّئْ عِبَادِي " أي: أخبرهم خبرا جازما, مؤيدا بالأدلة.
    " أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته, سعوا بالأسباب الموصلة لهم إلى رحمته, وأقلعوا عن الذنوب, وتابوا منها, لينالوا مغفرته.

    " وأن عذابي هو العذاب الأليم " (50)
    ومع هذا, فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال.
    فنبئهم " وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ " أي: لا عذاب في الحقيقة, إلا عذاب الله, الذي لا يقادر قدره, ولا يبلغ كنهه, نعوذ به من عذابه.
    فإنهم إذا عرفوا أنه " لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد " حذروا, وبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب.
    فالعبد, ينبغي أن يكون قلبه دائما, بين الخوف والرجاء, والرغبة والرهبة.
    فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته, وجوده وإحسانه, أحدث له ذلك الرجاء والرغبة.
    وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه, أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.

    " ونبئهم عن ضيف إبراهيم " (51)
    يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ " .
    أي: عن تلك القصة العجيبة, فإن في قصك عليهم أنباء الرسل, وما جرى لهم, ما يوجب لهم العبرة, والاقتداء بهم.
    خصوصا, إبراهيم الخليل, الذي أمرنا الله أن نتبع ملته.
    وضيفه هم: الملائكة الكرام, أكرمه الله بأن جعلهم أضيافه.
    " إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ "
    " إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا " أي: سلموا عليه, فرد عليهم " قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ " أي: خائفون.
    لأنه لما دخلوا عليه, وحسبهم ضيوفا, ذهب مسرعا إلى بيته, فأحضر لهم ضيافتهم, عجلا حنيذا فقدمه إليهم.
    فلما رأى أيديهم لا تصل إليه, خاف منهم أن يكونوا لصوصا أو نحوهم.

    " قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم " (53)
    " قَالُوا " له: " لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ " وهو: إسحق عليه الصلاة والسلام.
    تضمنت هذه البشارة, بأنه ذكر لا أنثى, عليم, أي: كثير العلم.
    وفي الآية الأخرى " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " .

    " قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشروني " (54)
    قال لهم متعجبا من هذه البشارة: " أَبَشَّرْتُمُون ِي " بالولد " عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ " وصار نوع إياس منه " فَبِمَ تُبَشِّرُونَ " أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟
    " قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين "(55)
    " قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ " الذي لا شك فيه, لأن الله على كل شيء قدير, وأنتم بالخصوص - يا أهل هذا البيت - رحمة الله وبركاته عليكم, فلا يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم.
    " فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ " الذين يستبعدون وجود الخير, بل لا تزال راجيا لفضل الله وإحسانه, وبره وامتنانه.
    فأجابهم إبراهيم بقوله:

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #264
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (263)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(56) الى الأية(70)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر


    " قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون " (56)
    " وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ " الذين لا علم لهم بربهم, وكمال اقتداره.
    وأما من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم, فلا سبيل إلى القنوط إليه, لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق, لرحمة الله, شيئا كثيرا.
    ثم لما بشروه بهذه البشارة, عرف أنهم مرسلون لأمر مهم.

    " قال فما خطبكم أيها المرسلون " (57)
    أي: " قَالَ " الخليل عليه السلام للملائكة " فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ " .
    أي: ما شأنكم, ولأي شيء أرسلتم؟

    " قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " (58)
    " قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ " أي: كثر فسادهم, وعظم شرهم, لنعذبهم ونعاقبهم.
    " إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ " أي: إلا لوطا, وأهله " إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ " أي: الباقين بالعذاب.
    وأما لوط, فلنخرجنه وأهله, وننجيهم منها: فجعل إبراهيم, يجادل الرسل في إهلاكهم, ويراجعهم.
    فقيل له: " يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " فذهبوا عنه.

    " فلما جاء آل لوط المرسلون " (61)
    " فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ " لهم لوط " إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ " أي: لا أعرفكم ولا أدري من أنتم.
    " قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون " (63)
    " قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ " أي: جئناك بعذابهم الذي كانوا يشكون فيه, ويكذبونك حين توعدهم به.
    " وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ " الذي ليس بالهزل " وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " فيما قلنا لك.

    " فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون " (65)
    " فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ " أي: في أثنائه حين تنام العيون, ولا يدري أحد عن مسراك.
    " وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ " أي: بادروا وأسرعوا.
    " وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ " كأن معهم دليلا يدلهم إلى أين يتوجهون.
    " وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ " أي: أخبرناه خبرا لا مثنوية فيه.

    " وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين " (66)
    " أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ " أي: سيصبحهم العذاب الذي يجتاحهم ويستأصلهم.
    " وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ " أي: المدينة التي فيها قوم لوط " يَسْتَبْشِرُونَ " أي.
    يبشر بعضهم بعضا, بأضياف لوط, وصباحة وجوههم واقتدارهم عليهم, وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم.
    فجاءوا حتى وصلوا إلى بيت لوط, فجعلوا يعالجون لوطا على أضيافه, ولوط يستعيذ منهم ويقول:

    " قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون " (68)
    " إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِي وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي " أي: راقبوا الله أول ذلك, وإن كان ليس فيكم خوف من الله, فلا تفضحون في أضيافي, وتنتهكوا منهم حرمتهم بفعل الأمر الشنيع.
    " قالوا أولم ننهك عن العالمين " (70)
    و " قَالُوا " له جوابا عن قوله ولا تخزون فقط: " أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ " أن تضيفهم, فنحن قد أنذرناك, ومن أنذر فقد أعذر.
    " قَالَ " لهم لوط من شدة الأمر الذي أصابه: " هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ " .
    فلم يبالوا بقوله, ولهذا قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم " لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ " وهذه السكرة, هي سكرة محبة الفاحشة, التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم.
    " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ "
    فلما بينت له الرسل حالهم, زال عن لوط ما كان يجده من الضيق والكرب.
    فامتثل أمر ربه وسرى بأهله ليلا, فنجوا.
    وأما أهل القرية " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ " أي: وقت شروق الشمس, حيث كانت العقوبة عليهم أشد.
    " فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا " أي: قلبنا عليهم مدينتهم.
    " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ " .
    تتبع فيها من شذ من البلد.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #265
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (264)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(71) الى الأية(87)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر


    " إن في ذلك لآيات للمتوسمين "(75)
    " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِ ينَ " أي: المتأملين المتفكرين, الذين لهم فكر وروية وفراسة, يفهمون بها ما أريد بذلك, من أن من تجرأ على معاصي الله, خصوصا هذه الفاحشة العظيمة, أن الله سيعاقبهم بأشنع العقوبات, كما تجرأوا على أشنع السيئات.
    " وإنها لبسبيل مقيم " (76)
    " وَإِنَّهَا " أي: مدينة قوم لوط " لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ " للسالكين, يعرفه كل من تردد في تلك الديار " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " .
    وفي هذه القصة من العبر: عنايته تعالى بخليله إبراهيم.
    فإن لوطا عليه السلام, من أتباعه, ومن آمن به فكأنه تلميذ له.
    فحين أراد الله إهلاك قوم لوط, حين استحقوا ذلك, أمر رسله أن يمروا على إبراهيم عليه السلام, كي يبشروه بالولد, ويخبروه بما بعثوا له, حتى إنه جادلهم عليه السلام في إهلاكهم, حتى أقنعوه, فطابت نفسه.
    وكذلك لوط عليه السلام, لما كانوا أهل وطنه, فربما أخذته الرقة عليهم والرأفة بهم, قدر الله من الأسباب, ما به يشتد غيظه وحنقه عليهم, حتى استبطأ إهلاكهم لما قيل له: " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب " .
    ومنها: أن الله تعالى, إذا أراد أن يهلك قرية, زاد شرهم وطغيانهم.
    فإذا انتهى, أوقع بهم من العقوبات ما يستحقونه.

    " وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين " (78)
    وهؤلاء قوم شعيب, نعتهم الله وأضافهم إلى الأيكة, وهو: البستان كثير الأشجار, ليذكر نعمته عليهم, وأنهم ما قاموا بها, بل جاءهم نبيهم شعيب, فدعاهم إلى التوحيد, وترك ظلم الناس في المكاييل والموازين, وعاجلهم على ذلك على أشد المعالجة, فاستمروا على ظلمهم في حق الخالق, وفي حق الخلق, ولهذا, وصفهم, هنا, بالظلم.
    " فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ " فأخذهم عذاب يوم الظلة, إنه كان عذاب يوم عظيم.
    " وَإِنَّهُمَا " أي: ديار قوم لوط, وأصحاب الأيكة " لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ " أي: لبطريق واضح, يمر بهم المسافرون كل وقت, فيبين من آثارهم ما هو مشاهد بالأبصار, فيعتبر بذلك أولوا الألباب.

    " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين " (80)
    يخبر تعالى عن أهل الحجر, وهم, قوم صالح, الذين كانوا يسكنون الحجر المعروف في أرض الحجاز, أنهم كذبوا المرسلين, أي: كذبوا صالحا.
    ومن كذب رسولا, فقد كذب سائر الرسل, لاتفاق دعوتهم.
    وليس تكذيب بعضهم لشخصه, بل لما جاء به من الحق الذي اشترك جميع الرسل بالإتيان به.
    " وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا " الدالة على صحة ما جاءهم به صالح من الحق, ومن جملتها: تلك الناقة, هي من آيات الله العظيمة.

    " وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين " (81)
    " فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ " كبرا وتجبرا على الله.
    " وَكَانُوا " - من كثرة إنعام الله عليهم - " يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ " من المخاوف مطمئنين في ديارهم.
    فلو شكروا النعمة, وصدقوا نبيهم صالحا, عليه السلام, لأدر الله عليهم الأرزاق, ولأكرمهم بأنواع من الثواب العاجل والآجل.
    ولكنهم - لما كذبوا, وعقروا الناقة, وعتوا عن أمر ربهم, وقالوا: " يا صالح ائتنا بما تعدنا, إن كنت من الصادقين " .

    " فأخذتهم الصيحة مصبحين " (83)
    " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ " .
    فتقطعت قلوبهم في أجوافهم, وأصبحوا في دارهم جاثمين هلكى, مع ما يتبع ذلك, من الخزي واللعنة المستمرة.
    " فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " لأن أمر الله إذا جاء, لا يرده كثرة جنود, ولا قوة أنصار, ولا غزارة أموال.

    " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل " (85)
    أي: ما خلقناهما عبثا باطلا, كما يظن أعداء الله.
    بل ما خلقناهما " إِلَّا بِالْحَقِّ " الذي منه, أن تكونا بما فيهما دالتين على كمال خالقهما, واقتداره, وسعة رحمته, وحكمته, وعلمه المحيط, وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له, وحده لا شريك له.
    " وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ " لا ريب فيها, لأن خلق السماوات والأرض ابتداء, أكبر من خلق الناس مرة أخرى.
    " فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ " وهو الصفح, الذي لا أذية فيه, بل قابل إساءة المسيء بالإحسان, وذنبه بالغفران, لتنال من ربك, جزيل الأجر والثواب, فإن كل ما هو آت فهو قريب.
    وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا.
    وهو: أن المأمور به, هو الصفح الجميل, أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد, والأذية القولية والفعلية.
    دون الصفح الذي ليس بجميل, وهو: الصفح في غير محله.
    فلا, يصفح, حيث اقتضى المقام العقوبة, كعقوبة المعتدين الظالمين, الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة, وهذا هو المعنى.

    " إن ربك هو الخلاق العليم " (86)
    " إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ " لكل مخلوق " الْعَلِيمُ " بكل شيء, فلا يعجزه أحد من جميع ما أحاط به علمه, وجرى عليه خلقه, وذلك: سائر الموجودات.
    " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم "(87)
    يقول تعالى ممتنا على رسوله: " ولقد آتيناك سبعا من المثاني " وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " " وآل عمران " , و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة " .
    أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات.
    فيكون عطف " والقرآن العظيم " على ذلك, من باب عطف العام على الخاص, لكثرة ما في المثاني من التوحيد, وعلوم الغيب, والأحكام الجليلة, وتثنيها فيها.
    وعلى القول, بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني, معناها: أنها سبع آيات, تثنى في كل ركعة.
    واذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني, كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون, وأعظم ما فرح به المؤمنون.
    " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " .
    ولذلك قال بعده:

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #266
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (265)
    تفسير السعدى
    سورة الحجر
    من الأية(88) الى الأية(99)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة الحجر


    " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين " (88)
    " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك, بشهوات الدنيا, التي تمتع بها المترفون, واغتر بها الجاهلون, واستغن بما آتاك الله, من المثاني والقرآن العظيم.
    " ولا تحزن عليهم " فإنهم لا خير فيهم يرجى, ولا نفع يرتقب.

    " وقل إني أنا النذير المبين " (89)
    فلك في المؤمنين عنهم, أحسن البدل, وأفضل العوض.
    " واخفض جناحك للمؤمنين " أي ألن لهم جانبك, وحسن لهم خلقك, محبة, وإكراما, وتوددا.
    " وقل إني أنا النذير المبين " أي: قم بما عليك من النذارة, وأداء الرسالة, والتبليغ للقريب والبعيد, والعدو, والصديق.
    فإنك إذا فعلت ذلك, فليس عليك من حسابهم من شيء, وما من حسابك عليهم من شيء.

    " كما أنزلنا على المقتسمين " (90)
    وقوله.
    " كما أنزلنا على المقتسمين " أي.
    كما أنزلنا العقوبة على بطلان ما جئت به, الساعين لصد الناس عن سبيل الله.

    " الذين جعلوا القرآن عضين " (91)
    " الذين جعلوا القرآن عضين " أي: أصنافا, وأعضاءا, وأجزاءا, يصرفونه بحسب ما يهوونه.
    فمنهم من يقول: سحر, ومنهم من يقول: كهانة ومنهم من يقول مفترى إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به, الذين جعلوا قدحهم فيه, ليصدوا الناس عن الهدى.

    " فوربك لنسألنهم أجمعين " (92)
    " فوربك لنسألنهم أجمعين " أي: جميع من قدح فيه وعابه, وحرفه وبدله " عما كانوا يعملون " .
    وفي هذا أعظم ترهيب, وزجر لهم عن الإقامة على ما كانوا يعملون.

    " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " (94)
    ثم أمر الله رسوله ان لا يبالي بهم, ولا بغيرهم, وأن يصدع بما أمر الله, ويعلن بذلك لكل أحد ولا يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال المتهوكين.
    " وأعرض عن المشركين " أي لا تبال بهم, واترك مشاتمتهم ومسابتهم, مقبلا على شأنك.
    " إنا كفيناك المستهزئين " بك وبما جئت به, وهذا وعد من الله لرسوله, أن لا يضره المستهزئون, وأن يكفيه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة.

    " الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون "(96)
    وقد فعل تعالى, فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, إلا أهلكه الله, وقتله شر قتلة.
    ثم ذكر وصفهم وأنهم كما يؤذونك يا رسول الله.
    فإنهم أيضا, يؤذون الله " الذين يجعلون مع الله إلها آخر " وهو ربهم وخالقهم, ومنه برهم " فسوف يعلمون " غب أفعالهم إذا وردوا القيامة.
    " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " لك من التكذيب والاستهزاء.
    فنحن قادرون على استئصالهم بالعذاب, والتعجيل لهم بما يستحقونه, ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم.

    " فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين " (98)
    " فـ " أنت يا محمد " سبح بحمد ربك وكن من الساجدين " أي: أكثر من ذكر الله, وتسبيحه, وتحميده, والصلاة, فإن ذلك يوسع الصدر, ويشرحه, ويعينك على أمورك.
    " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " (99)
    " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " أي: الموت, أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات.
    فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه, فلم يزل دائبا في العبادة, حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم, تسليما كثيرا

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #267
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (266)
    تفسير السعدى
    سورة النحل
    من الأية(1) الى الأية(13)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة النحل


    " أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون " (1)
    يقول تعالى - مقربا لما وعد به محققا لوقوعه - " أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ " .
    فإنه آت, وما هو آت, فإنه قريب.
    " سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " من نسبة الشريك, والولد, والصاحبة, والكفء, وغير ذلك, مما نسبه إليه المشركون, مما لا يليق بجلاله, أو ينافي كماله.
    ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه, ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه, مما يحب اتباعه, في ذكر ما ينسب لله, من صفات الكمال فقال:

    " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون " (2)
    " يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ " أي: بالوحي الذي به حياة الأرواح " عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " ممن يعلمه صالحا.
    لتحمل رسالته.
    وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها, على قوله: " أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا " .
    أي: على معرفة الله تعالى وتوحده, في صفات العظمة, التي هي صفات الألوهية, وعبادته وحده لا شريك له, فهي التي أنزل بها كتبه, وأرسل بها رسله, وجعل الشرائع كلها تدعو إليها, وتحث وتجاهد من حاربها, وقام بضدها.
    ثم ذ كر الأدلة والبراهين على ذلك فقال:

    " خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون " (3)
    " خَلْقِ السَّمَاوَاتِ " إلى " لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " .
    هذه السورة, تسمى سورة النعم, فإن الله ذكر في أولها, أصول النعم وقواعدها, وفي آخرها, متمماتها ومكملاتها.
    فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق, ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما, وما له من نعوت الكمال, ويعلموا أنه خلقهما سكنا لعباده الذين يعبدونه, بما يأمرهم به, في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله, ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: " تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " أي: تنزه وتعاظم عن شركهم, فإنه الإله حقا, الذي لا تنبغي العبادة, والحب, والذل, إلا له تعالى.
    ولما ذكر خلق السماوات والأرض, ذكر خلق ما فيهما.

    " خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين " (4)
    وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: " خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ " لم يزل يدبرها, ويربيها, وينميها, حتى صارت بشرا تاما, كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة.
    قد غمره بنعمه الغزيرة, حتى إذا استتم, فخر بنفسه وأعجب بها " فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ " .
    يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه, يكفر به, ويجادل رسله, ويكذب بآياته.
    ونسي خلقه الأول, وما أنعم الله عليه به, من النعم, فاستعان بها على معاصيه.
    ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة.
    ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور, حتى صار عاقلا متكلما, ذا ذهن ورأي, يخاصم ويجادل.
    فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال, التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها.

    " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون " (5)
    " وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ " أي لأجلكم, ولأجل منافعكم ومصالحكم.
    ومن جملة منافعها العظيمة " لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ " مما تتخذون من أصوافها وأوبارها, وأشعارها, وجلودها, من الثياب, والفرش, والبيوت.

    " ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون " (6)
    " وَ " لكم فيها " مَنَافِعُ " غير ذلك " وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ " .
    " وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ " أي: في وقت رواحها وسكونها, ووقت حركتها وسرحها.
    وذلك أن جمالها, لا يعود إليها منه شيء, فإنكم, أنتم الذين تتجملون بها, بثيابكم, وأولادكم, وأموالكم, وتعجبون بذلك.
    " وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ " من الأحمال الثقيلة, بل وتحملكم أنتم " إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ " ولكن الله, ذللها لكم.
    فمنها ما تركبونه, ومنها ما تحملون عليه ما تشاءون, من الأثقال, إلى البلدان البعيدة, والأقطار الشائعة.
    " إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " إنه سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه.
    فله الحمد, كما ينبغي لجلال وجهه, وعظيم سلطانه, وسعة جوده وبره.
    " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "
    " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ " سخرناها لكم " لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً " .
    أي: تارة تستعملونها للضرورة في الركوب, وتارة لأجل الجمال والزينة.
    ولم يذكر الأمر, لأن البغال والحمير, محرم أكلها.
    والخيل لا تستعمل - في الغالب - للأكل, بل ينهى عن ذبحها لأجل الأكل, خوفا من انقطاعها, وإلا فقد ثبت في الصحيحين, أن النبي صلى الله عليه وسلم, أذن في لحوم الخيل.
    " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء, التي يركبها الخلق في البر, والبحر, والجو, ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم فإنه لم يذكرها بأعيانها, لأن الله تعالى لم يذكر في كتابه, إلا ما يعرفه العباد, أو يعرفون نظيره.
    وأما ما ليس له نظير في زمانهم, فإنه لو ذكر لم يعرفوه, ولم يفهموا المراد به.
    فيذكر أصلا جامعا, يدخل فيه ما يعلمون, وما لا يعلمون.
    كما ذكر نعيم الجنة, وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره, كالنخل والأعناب والرمان.
    وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله " فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ " .
    فكذلك هنا, ذكر ما نعرفه, من المراكب, كالخيل, والبغال, والحمير, والإبل, والسفن.
    وأجمل الباقي في قوله " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " .
    ولما ذكر تعالى, الطريق الحسنى, وأن الله قد جعل للعباد, ما يقطعونه به من الإبل وغيرها, ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال:

    " وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين " (9)
    " وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ " أي: الصراط المستقيم, الذي هو أقرب الطرق وأخصرها, موصل إلى الله, وإلى كرامته.
    وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله, وهو: كل ما خالف الصراط المستقيم, فهو قاطع عن الله, موصل إلى دار الشقاء.
    فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم, وضل الغاوون عنه, وسلكوا الطرق الجائرة.
    " وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ولكنه هدى بعضا, كرما وفضلا, ولم يهد آخرين, حكمة منه وعدلا.

    " هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون " (10)
    ينبه الله تعالى بهذه الآية الإنسان على عظمة قدرته وحثهم على التفكر حيث ختمها بقوله " لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " على كل قدرة الله, الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف, ورحمته, حيث جعل فيه ماء غزيرا منه يشربون, وتشرب مواشيهم, ويسقون منه حروثهم, فتخرج لهم الثمرات الكثيرة, والنعم العزيزة
    " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " (12)
    أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم, وأنواع مصالحكم, بحيث لا تستغنون عنها أبدا.
    فبالليل تسكنون وتنامون, وتستريحون.
    وبالنهار تنتشرون في معايشكم, ومنافع دينكم ودنياكم.
    وبالشمس والقمر, من الضياء, والنور, والإشراق, وإصلاح الأشجار والثمار, والنبات, وتجفيف الرطوبات, وإزالة البرودة الضارة للأرض, وللأبدان, وغير ذلك من الضروريات والحاجيات, التابعة لوجود الشمس والقمر.
    وفيهما, وفي النجوم, من الزينة للسماء والهداية, في ظلمات البر والبحر, ومعرفة الأوقات, وحساب الأزمنة, ما تتنوع دلالاتها, وتتصرف آياتها.
    ولهذا جمعها في قوله " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر, فيما هي مهيأة له, مستعدة, تعقل ما تراه, وتسمعه.
    لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظرة, حظ البهائم, التي لا عقل لها.

    " وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون " (13)
    أي: فيما ذرأ الله ونشر للعباد, من كل ما على وجه الأرض, من حيوان, وأشجار, ونبات, وغير ذلك, مما تختلف ألوانه, وتختلف منافعه آية على كمال قدرة الله, وعميم إحسانه, وسعة بره, وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له, وحده لا شريك له.
    " لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ " أي: يستحضرون في ذاكرتهم, ما ينفعهم من العلم النافع, ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه, حتى يتذكروا بذلك, ما هو دليل عليه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #268
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (267)
    تفسير السعدى
    سورة النحل
    من الأية(14) الى الأية(27)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة النحل


    " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " (14)
    أي: هو وحده لا شريك له " الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ " وهيأه لمنافعكم المتنوعة.
    " لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا " وهو, السمك, والحوت, الذي تصطادونه منه.
    " وَتَسْتَخْرِجُو ا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا " فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم.
    " وَتَرَى الْفُلْكَ " أي: السفن والمراكب " مَوَاخِرَ فِيهِ " أي تمخر في البحر العجاج الهائل, بمقدمها, حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر, تحمل المسافرين وأرزاقهم, وأمتعتهم, وتجاراتهم, التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم.
    " وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها, وتثنون على الله الذي من بها.
    فلله تعالى الحمد والشكر, والثناء, حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم, فوق ما يطلبون, وأعلى ما يتمنون, وآتاهم من كل ما سألوه, لا نحصي ثناء عليه, بل هو كما أثنى على نفسه.

    " وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون " (15)
    أي: " وَأَلْقَى " الله تعالى لأجل عباده " فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ " وهي: الجبال العظام لئلا تميد بهم وتضطرب بالخلق, فيتمكنون من حرث الأرض والبناء, والسير علهيا.
    ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارا, يسوقها من أرض بعيدة, إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم, أنهارا على وجه الأرض, وأنهارا في بطنها يستخرجونها بحفرها, حتى يصلوا إليها فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها.
    ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلا أي: طرقا توصل إلى الديار المتنائية.
    " لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " السبيل إليها حتى إنك تجد أرضا مشتبكة بالجبال, مسلسلة فيها, وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين.

    " أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون " (17)
    لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة, وما أنعم به من النعم العميمة, ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له, فقال: " أَفَمَنْ يَخْلُقُ " جميع المخلوقات, وهو الفعال لما يريد " كَمَنْ لَا يَخْلُقُ " شيئا, لا قليلا, ولا كثيرا.
    " أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " فتعرفون أن المنفرد بالخلق, أحق بالعبادة كلها.
    فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره, فإنه واحد في إلهيته وتوحيده, وعبادته.

    " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم " (18)
    وكما أنه ليس له مشارك, إذ أنشأكم وأنشأ غيركم, فلا تجعلوا له أندادا في عبادته, بل أخلصوا له الدين.
    " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ " عددا مجردا عن الشكر " لَا تُحْصُوهَا " فضلا عن كونكم تشكرونها.
    فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد, بعدد الأنفاس واللحظات, من جميع أصناف النعم, مما يعرف العباد, ومما لا يعرفون, وما يدفع عنهم من النقم, فأكثر من أن تحصى.
    " إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " يرضى منكم باليسير من الشكر, مع إنعامه الكثير.

    " والله يعلم ما تسرون وما تعلنون " (19)
    وكما أن رحمته واسعة, وجوده عميم, ومغفرته شاملة للعباد, فعلمه محيط بهم.
    " يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ " بخلاف من عبد من دونه.
    فإنهم " لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا " قليلا ولا كثيرا " وَهُمْ يُخْلَقُونَ " .
    فكيف يخلقون شيئا مع افتقار في إيجادهم إلى الله تعالى؟!!

    " أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون " (21)
    ومع هذا, ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء, لا علم, ولا غيره.
    " أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ " فلا تسمع, ولا تبصر, ولا تعقل شيئا, أفنتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين.
    فتبا لعقول المشركين, ما أضلها, وأفسدها, حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا.
    وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال, ولا شيء من الأفعال, وبين الكمال من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال, وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها.
    فله العلم المحيط بكل الأشياء, والقدرة العامة, والرحمة الواسعة, التي ملأت جميع العوالم.
    والحمد والمجد والكبرياء والعظمة, التي لا يقدر أحد من الخلق, أن يحيط ببعض أوصافه ولهذا قال:

    " إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون " (22)
    " إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " وهو: الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا أحد.
    فأهل الإيمان والعقول, أحلته قلوبهم وعظمته, وأحبته حبا عظيما, وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية, وأعمال القلوب وأعمال الجوارح, وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى, وصفاته, وأفعاله المقدسة.
    " فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ " لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق, جهلا وعنادا, وهو: توحيد الله " وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ " عن عبادته.

    " لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين " (23)
    " لَا جَرَمَ " أي: حقا لا بد " أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ " من الأعمال القبيحة " إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِ ينَ " بل يبغضهم أشد البغض, وسيجازيهم من جنس عملهم " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " .
    " وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين " (24)
    يقول تعالى - مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات الله: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ " أي: إذا سألوا عن القرآن والوحي, الذي هو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد.
    فماذا قولكم به؟ وهل تشكرون هذه النعمة وتعترفون بها, أم تكفرون وتعاندون؟ فيكون جوابهم أقبح جواب وأسمجه, فيقولون عنه: إنه " أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ " أي: كذب اختلقه محمد على الله, وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس, جيلا بعد جيل, منها الصدق ومنها الكذب.
    فقالوا هذه المقالة, ودعوا أتباعهم إليها, وحملوا, وزرهم, ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة.
    وقوله: " وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ " أي: من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم, إلا ما دعو إليه, فيحملون إثم ما دعوهم إليه.
    وأما الذين يعلمون, فكل مستقل بجرمه, لأنه عرف ما عرفوا.
    " أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " أي: بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم, من وزرهم, ووزر من أضلوه.

    " قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون " (26)
    " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " برسلهم, واحتالوا بأنواع الحيل, على رد ما جاءوهم به, وبنوا من مكرهم, قصورا هائلة.
    " فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ " أي: جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها.
    " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ " فصار ما بنوه عذابا, عذبوا به.
    " وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ " وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم, ويقيهم العذاب, فصار عذابهم فيما بنوه وأصلوه.
    وهذا من أحسن الأمثال, في إبطال الله مكر أعدائه.
    فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم, وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل, يرجعون إليها, ويردون بها ما جاءت به الرسل.
    واحتالوا أيضا, على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم.
    فصار مكرهم وبالا عليهم, فصار تدبيرهم فيه تدميرهم.
    وذلك لأن مكرهم سيئ " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " .
    هذا في الدنيا, ولعذاب الآخرة أحرى, ولهذا قال: " ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ " أي يفضحهم على رءوس الخلائق, ويبين لهم كذبهم, وافتراءهم على الله.

    " ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين " (27)
    " وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ " أي: تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم, وتزعمون أنهم شركاء لله.
    فإذا سألهم هذا السؤال, لم يكن لهم جواب, إلا الإقرار بضلالهم, والاعتراف بعنادهم فيقولون " ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين " .
    " قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ " أي: العلماء الربانيون " إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ " أي: يوم القيامة " وَالسُّوءَ " أي: سوء العذاب " عَلَى الْكَافِرِينَ " .
    وفي هذا فضيلة أهل العلم, وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا, ويوم يقوم الأشهاد, وأن لقولهم, اعتبارا عند الله وعند خلقه.
    ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة, وفي القيامة فقال:

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #269
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (268)
    تفسير السعدى
    سورة النحل
    من الأية(28) الى الأية(37)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة النحل


    " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون " (28)
    " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " أي: تتوفاهم في هذه الحال, التي كثر فيها ظلمهم وغيهم, قد علم ما يلقى الظلمة في ذلك المقام, من أنواع العذاب والخزي والإهانة.
    " فَأَلْقَوُا السَّلَمَ " أي: استسلموا, وأنكروا ما كانوا يعبدون من دون الله وقالوا: " مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ " .
    فيقال لهم: " بَلَى " كنتم تعملون السوء, و " إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " فلا يفيدكم الجحود شيئا.
    وهذا في بعض مواقف القيامة, ينكرون ما كانوا عليه في الدنيا, ظنا منهم أنه ينفعهم.
    فإذا شهدت عليهم جوارحهم, وتبين ما كانوا عليه أقروا, واعترفوا.
    ولهذا لا يدخلون النار, حتى يعترفوا بذنوبهم.

    " فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين " (29)
    فإذا دخلوا أبواب جهنم, فكل أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم.
    " فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِي نَ " نار جهنم, فإنها مثوى الحسرة والندم, ومنزل الشقاء والألم, ومحل الهموم والغموم, وموضع السخط من الحي القيوم.
    لا يفتر عنهم من عذابها, ولا يرفع عنهم يوما من أليم عقابها, قد أعرض عنهم الرب الرحيم, وأذاقهم العذاب العظيم.

    " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين " (30)
    لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله, ذكر ما قاله المتقون, وأنهم اعترفوا وأقروا, بأن ما أنزل الله نعمة عظيمة, وخير عظيم امتن الله به على العباد, فقبلوا تلك النعمة, وتلقوها بالقبول والانقياد, وشكروا الله عليها, فعلموها, وعملوا بها.
    " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا " في عبادة الله تعالى, وأحسنوا إلى عباد الله, فلهم " فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً " رزق واسع, وعيشه هنية, وطمأنينة قلب, وأمن, وسرور.
    " وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ " من هذه الدار, وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات, فإن هذه, نعيمها قليل, محشو بالآفات, منقطع.
    بخلاف نعيم الآخرة, ولهذا قال: " وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

    " جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين "(31)
    جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ " أي: مهما تمنت أنفسهم, وتعلقت به إرادتهم, حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها.
    فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم, الذي فيه لذة القلوب, وسرور الأرواح, إلا وهو حاضر لديهم, ولهذا يعطي الله أهل الجنة, كل ما تمنوه عليه حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم, لم تخطر على قلوبهم.
    فتبارك الذي, لا نهاية لكرمه, ولا حد لجوده, الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته, وصفات أفعاله, وآثار تلك النعوت, وعظمة الملك والملكوت.
    " كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ " لسخط الله وعذابه, بأداء ما أوجبه عليهم, من الفروض, والواجبات, المتعلقة بالقلب, والبدن, واللسان, من حقه, وحق عباده, وترك ما نهاهم الله عنه.

    " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " (32)
    " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ " مستمرين على تقواهم " طَيِّبِينَ " أي: طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس, يتطرق إليهم, ويخل في إيمانهم.
    فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته, وألسنتهم بذكره, والثناء عليه, وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه.
    " يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ " التحية الكاملة, خاصة لكم, والسلامة من كل آفة.
    وقد سلمتم من كل ما تكرهون " ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " من الإيمان بالله, والانقياد لأمره.
    فإن العمل هو السبب والمادة, والأصل في دخول الجنة, والنجاة من النار.
    وذلك العمل, حصل لهم برحمة الله ومنته, لا بحولهم وقوتهم.

    " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " (33)
    يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين جاءتهم الآيات, فلم يؤمنوا, وذكروا, فلم يتذكروا.
    " إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ " لقبض أرواحهم " أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ " بالعذاب الذي سيحل بهم, فإنهم قد استحقوا وقوعه فيهم.
    " كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " كذبوا وكفروا, ثم لم يؤمنوا, حتى نزل بهم العذاب.
    " وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ " إذ عذبهم " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " فإنها مخلوقة لعبادة الله, ليكون مآلها إلى كرامة الله, فظلموها, وتركوا ما خلقت له, وعرضوها للإهانة الدائمة, والشقاء الملازم.

    " فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون " (34)
    " فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا " أي: عقوبات أعمالهم وآثارها.
    " وَحَاقَ بِهِمْ " أي: نزل " مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " فإنه كانوا إذا أنذرتهم رسلهم بالعذاب, استهزأوا به, وسخروا ممن أخبر به فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا منه.

    " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين " (35)
    أي: احتج المشركون على شركهم بمشيئة الله, وأن الله لو شاء, ما أشركوا, ولا حرموا شيئا من الأنعام, التي أحلها كالبحيرة, والوصيلة والحام, ونحوها, من دونه.
    وهذه حجة باطلة, فإنها لو كانت حقا, ما عاقب الله الذين من قبلهم, حيث أشركوا به, فعاقبهم أشد العقاب.
    فلو كان يحب ذلك منهم, لما عذبهم.
    وليس قصدهم بذلك, إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل, وإلا فعندهم علم, أنه لا حجة لهم على الله.
    فإن الله أمرهم ونهاهم, ومكنهم من القيام بما كلفهم, وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم.
    فاحتجاجهم بالقضاء والقدر, من أبطل الباطل.
    هذا, وكل أحد يعلم بالحس, قدرة الإنسان على كل فعل يريده, من غير أن ينازعه منازع.
    فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله, وتكذيب الأمور العقلية, والحسية.
    " فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " أي: البين, الظاهر, الذي يصل إلى القلوب, ولا يبقى لأحد على الله حجة.
    فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه, واحتجوا عليهم بالقدر, فليس للرسل من الأمر شيء, وإنما حسابهم على الله عز وجل.

    " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين " (36)
    يخبر تعالى, أن حجته قامت على جميع الأمم, وانه ما من أمة متقدمة أو متأخرة, إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة, ودين واحد, وهو: عبادة الله وحده لا شريك له " أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ " .
    فانقسمت الأمم, بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها, قسمين.
    " فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ " فاتبعوا المرسلين, علما, وعملا.
    " وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ " فاتبع سبيل الغي.
    " فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ " بأبدانكم وقلوبكم " فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " فإنكم سترون من ذلك, العجائب, فلا تجد مكذبا, إلا كان عاقبته الهلاك.

    " إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين " (37)
    " إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ " وتبذل جهدك في ذلك " فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ " ولو فعل كل سبب لم يهده إلا الله.
    " وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ " ينصرونهم من عذاب الله ويقونهم بأسه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #270
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (269)
    تفسير السعدى
    سورة النحل
    من الأية(38) الى الأية(51)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة النحل


    " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (38)
    يخبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله, أنهم " أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ " أي: حلفوا أيمانا مؤكدة مغلظة على تكذيب الله, وأنه لا يبعث الأموات, ولا يقدر على إحيائهم, بعد أن كانوا ترابا.
    قال تعالى مكذبا لهم: " بَلَى " سيبعثهم, ويجمعهم, ليوم لا ريب فيه " وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا " لا يخلفه ولا يغيره " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " ومن جهلم العظيم, إنكارهم البعث والجزاء.
    ثم ذكر الحكمة في الجزاء والبعث فقال: " لِيُبَيِّنَ لَهُمُالَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ " من المسائل الكبار والصغار, فيبين حقائقها ويوضحها.
    " وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ " حتى يروا أعمالهم حسرات عليهم.
    وما نفعتهم آلهتهم, التي يدعون مع الله من شيء, لما جاء أمر ربك وحين يرون ما يعبدون, حطبا لجهنم, وتكور الشمس والقمر, وتتناثر النجوم, ويتضح لمن يعبدها, أنها عبيد مسخرات, وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات, وليس ذلك على الله بصعب ولا شديد, فإنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون, من غير منازعة ولا امتناع, بل يكون على طبق ما أراده وشاءه.

    " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " (41)
    يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين " وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ " أي: في سبيله, وابتغاء مرضاته " مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا " بالأذية والمحنة من قومهم, الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك, فتركوا الأوطان والخلان, وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن.
    فذكر لهم ثوابين, ثوابا عاجلا في الدنيا, من الرزق الواسع, والعيش الهنيء, الذي رأوه عيانا, بعد ما هاجروا, وانتصروا على أعدائهم, وافتتحوا البلدان, وغنموا منها الغنائم العظيمة, فتمولوا, وآتاهم الله في الدنيا حسنة.
    " وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ " الذي وعدهم الله على لسان رسوله خير, و " أَكْبَرُ " من أجر الدنيا كما قال تعالى " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ " .
    وقوله: " لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله, لم يتخلف عن ذلك أحد.

    " الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون " (42)
    ثم ذكر وصف أوليائه فقال " الَّذِينَ صَبَرُوا " على أوامر الله وعن نواهيه, وعلى أقدار الله المؤلمة, وعلى الأذية فيه, والمحن " وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابه, لا على أنفسهم.
    وبذلك تنجح أمورهم, وتستقيم أحوالهم, فإن الصبر والتوكل, ملاك الأمور كلها.
    فما فات أحدا شيء من الخير, إلا لعدم صبره, وبذل جهده فيما أريد منه, أو لعدم توكله واعتماده على الله.

    " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (43)
    يقول تعالى لنبيه محمد, صلى الله عليه وسلم: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا " أي: لست ببدع من الرسل, فلم نرسل قبلك ملائكة, بل رجالا كاملين لا نساء.
    " نُوحِي إِلَيْهِمْ " من الشرائع والأحكام, ما هو من فضله وإحسانه على العبيد, من غير أن يأتوا بشيء من قبل أنفسهم.
    " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ " أي: الكتب السابقة " إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " نبأ الأولين, وشككتم: هل بعث الله رجالا؟ فاسألوا أهل العلم بذلك, الذين نزلت عليهم الزبر والبينات, فعملوها وفهموها.
    فإنهم كلهم, قد تقرر عندهم, أن الله ما بعث إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى.
    وعموم هذه الآية, فيها مدح أهل العلم, وأن أعلى أنواعه, العلم بكتاب الله المنزل.
    فإن الله أمر من لا يعلم, بالرجوع إليهم, في جميع الحوادت.
    وفي ضمنه, تعديل لأهل العلم, وتزكية لهم, حيث أمر بسؤالهم, وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة.
    فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله, وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم, والاتصاف بصفات الكمال.
    وأفضل أهل الذكر, أهل هذا القرآن العظيم فإنهم أهل الذكر على الحقيقة, وأولى من غيرهم بهذا الاسم, ولهذا قال تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ " أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد, من أمور دينهم ودنياهم, الظاهرة والباطنة.
    " لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " وهذا شامل لتبين ألفاظه, وتبيين معانيه.
    " وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " فيه, فيستخرجون من كنوزه وعلومه, بحسب استعدادهم, وإقبالهم عليه.

    " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون "(45)
    هذا تخويف من الله تعالى لأهل الكفر والتكذيب, وأنواع المعاصي, من أن يأخذهم بالعذاب على غرة, وهم لا يشعرون.
    إما أن يأخذهم العذاب من فوقهم, أو من أسفل منهم, بالخسف أو غيره وإما في حال تقلبهم وشغلهم, وعدم خطور العذاب ببالهم.
    وإما في حال تخوفهم من العذاب.
    فليسوا بمعجزين الله, في حالة من هذه الأحوال, بل هم تحت قبضته, ونواصيهم بيده.

    " أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم " (47)
    ولكنه رءوف رحيم, لا يعاجل العاصين بالعقوبة, بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه, ويؤذون أولياءه.
    ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة, ويدعوهم إلى الإقلاع عن السيئات, التي تضرهم, ويعدهم بذلك, أفضل الكرامات, ومغفرة ما صدر عنهم من الذنوب.
    فليستح المجرم من ربه, أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع الحالات, ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات.
    وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل, وأنه إذا أخذ العاصي, أخذه أخذ عزيز مقتدر.
    فليتب إليه, وليرجع في جميع أموره إليه, فإنه رءوف رحيم.
    فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة, وبره العميم, وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم, ألا, وهي تقواه, والعمل بما يحبه ويرضاه.

    " أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " (48)
    يقول تعالى: " أَوَلَمْ يَرَوْا " أي: الشاكون في توحيد ربهم وعظمته وكماله.
    " إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ " أي: إلى جميع مخلوقاته, وكيف تتفيأ أظلتها.
    " عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ " أي: كلها ساجدة لربها, خاضعة لعظمته وجلاله.
    " وَهُمْ دَاخِرُونَ " أي: ذليلون تحت التسخير والتدبير, والقهر.
    ما منهم أحد, إلا وناصيته بيد الله, وتدبيره عنده.

    " ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون " (49)
    " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ " من الحيوانات الناطقة والصامتة.
    " وَالْمَلَائِكَة ِ " الكرام, خصهم بعد العموم, لفضلهم, وشرفهم, وكثرة عبادتهم, ولهذا قال: " وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " أي: عن عبادته, على كثرتهم, وعظمة أخلاقهم وقوتهم, كما قال تعالى: " لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ " .

    " يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون " (50)
    " يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ " لما مدحهم بكثرة الطاعة, والخضوع لله, مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم بالذات والقهر, وكمال الأوصاف, فهم أذلاء تحت قهره.
    " وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " أي: مهما أمرهم الله تعالى, امتثلوا لأمره, طوعا واختيارا.
    وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار, ودلالة على ما له من صفات الكمال.
    وهذا عام لكل مخلوق, من مؤمن وكافر, وبر وفاجر, وحيوان ناطق وغيره.
    وسجود اختيار, يختص بأوليائه وعباده المؤمنين, الملائكة, وغيرهم من المخلوقات.

    " وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون " (51)
    يأمر تعالى, بعبادته وحده لا شريك له, ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم فقال: " لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ " أي: تجعلون له شريكا في إلهيته.
    وهو " إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ " متوحد في الأوصاف العظيمة, متفرد بالأفعال كلها.
    فكما أنه الواحد في ذاته, وأسمائه, ونعوته, وأفعاله, فلتوحدوه في عبادته.
    ولهذا قال: " فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " أي: خافوني, وامتثلوا أمري, واجتنبوا نهيي, من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات, فإنها كلها لله تعالى مملوكة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #271
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,419

    افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

    الحلقة (270)
    تفسير السعدى
    سورة النحل
    من الأية(52) الى الأية(63)
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    تفسير سورة النحل


    " وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون " (52)
    " وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا " أي: الدين, والعبادة, والذل في جميع الأوقات, لله وحده, على الخلق أن يخلصوه لله, وينصبغوا بعبوديته.
    " وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " (53)
    " أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ " من أهل الأرض أو أهل السماوات, فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا, والله المنفرد, بالعطاء والإحسان.
    " وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ " ظاهرة وباطنة " فَمِنَ اللَّهِ " لا أحد يشركه فيها.
    " ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ " من فقر, ومرض, وشدة " فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ " أي: تضجون بالدعاء والتضرع, لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو.
    فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون, وصرف ما تكرهون, هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده.
    ولكن كثيرا من الناس, يظلمون أنفسهم, ويحمدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة.
    فإذا صاروا في حال الرخاء, أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة, ولهذا قال:

    " ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون " (54)
    " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ " أي: أعطيناهم, حيث نجيناهم من الشدة, وخلصناهم من المشقة.
    " فَتَمَتَّعُوا " في دنياكم قليلا " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " عاقبة كفركم.

    " ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون " (56)
    يخبر تعالى, عن جهل المشركين, وظلمهم, وافترائهم على الله الكذب, وأنهم يجعلون لأصنامهم, التي لا تعلم, ولا تنفع, ولا تضر - نصيبا مما رزقهم الله, وأنعم به عليهم.
    فاستعانوا برزقه على الشرك به, وتقربوا به إلى أصنام منحوتة, كما قال تعالى: " وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ " الآية, وقال " تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ " .
    وقال: " ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة.

    " ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون "(57)
    " وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ " حيث قالوا عن الملائكة, العباد المقربين: إنهم بنات الله.
    " وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ " أي: لأنفسهم الذكور, حتى إنهم يكرهون البنات, كراهة شديدة.
    فكان أحدهم " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا " من الغم الذي أصابه " وَهُوَ كَظِيمٌ " أي: كاظم على الحزن والأسف, إذا بشر بأنثى, وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه, ويتوارى منهم من سوء ما بشر به.

    " يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون " (59)
    ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد, فيما يصنع بتلك البنت التي بشر بها " أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ " أي: يتركها من غير قتل على إهانة وذل؟ " أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ " أي: يدفنها وهي حية, وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين.
    " أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله, من نسبة الولد إليه.
    ثم لم يكفهم هذا, حتى نسبوا له أردأ القسمين, وهو: الإناث, اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها, ويكرهونها, فكيف ينسبونها لله تعالى؟! فبئس الحكم حكمهم.

    " للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم " (60)
    ولما كان هذا من أمثال السوء, التي نسبها إليه أعداؤه المشركون, قال تعالى: " لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ " أي: المثل الناقص والعيب التام.
    " وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " وهو كل صفة كمال, وكل كمال في الوجود, فالله أحق به, من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه من الوجوه.
    وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه, وهو: التعظيم والإجلال, والمحبة والإنابة والمعرفة.
    " وَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي قهر جميع الأشياء, وانقادت له المخلوقات بأسرها.
    " الْحَكِيمُ " الذي يضع الأشياء مواضعها, فلا يأمر, ولا يفعل, إلا ما يحمد عليه, ويثنى على كماله فيه.

    " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " (61)
    لما ذكر تعالى, ما افتراه الظالمون عليه, ذكر كمال حلمه وصبره فقال: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ " من غير زيادة ولا نقص.
    " مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ " أي: لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم, من أنواع الدواب والحيوانات, فإن شؤم المعاصي, يهلك به الحرث والنسل.
    " وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ " عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى, وهو يوم القيامة " فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " فليحذروا, ما داموا في وقت الإمهال, قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه.

    " ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون " (62)
    يخبر تعالى أن المشركين " وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ " من البنات, ومن الأوصاف القبيحة, وهو: الشرك, بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات, التي هي عبيد لله.
    فكما أنهم يكرهون, ولا يرضون أن يكون عبيدهم - وهم مخلوقون من جنسهم - شركاء لهم فيما رزقهم الله, فكيف يجعلون له شركاء من عبيده؟!!.

    " تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم " (63)
    " وَ " هم - مع هذه الإساءة العظيمة - " تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى " أي: أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة.
    فرد عليهم بقوله: " لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ " مقدمون إليها, ماكثون فيها, غير خارجين منها أبدا.
    بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم, أنه ليس هو أول رسول كذب فقال تعالى: " تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ " رسلا يدعونهم إلى التوحيد.
    " فَزَيَّنَ لَهُمُالشَّيْطَ انُ أَعْمَالَهُمْ " فكذبوا الرسل, وزعموا أن ما هم عليه, هو الحق المنجي من كل مكروه, وأن ما دعت إليه الرسل, فهو بخلاف ذلك.
    فلما زين لهم الشيطان أعمالهم.
    صار " وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ " في الدنيا, فأطاعوه, واتبعوه, وتولوه.
    " أَفَتَتَّخِذُون َهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا " .
    " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " في الآخرة, حيث تولوا, عن ولاية الرحمن, ورضوا بولاية الشيطان, فاستحقوا لذلك, عذاب الهوان.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 14 من 14 الأولىالأولى ... 4567891011121314

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •