تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره على مكانة النص الشرعي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره على مكانة النص الشرعي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,192

    افتراضي تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره على مكانة النص الشرعي

    تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره


    على مكانة النص الشرعي




    د. عبد المهدي ((محمد سعيد)) أحمد العجلوني [(*)]


    ملخص البحث:


    يأتي هذا البحث ليثير قضية تتعلق بمكانة النص الشرعي في عملية تقنين الأحكام الشرعية، حيث بين مفهوم النص الشرعي، ومفهوم تقنين الأحكام الشرعية، وقد عرض محاذير التقنين التي تمس مكانة النص الشرعي، كما رد عليها، وهي تتلخص بأمرين:

    أحدهما: أن التقنين يؤدي إلى مفسدة تعطيل الشريعة وإحلال النظم الوضعية مكانها.
    الثاني أن التقنين يجعل النص القانوني محل اجتهاد، مع أن الاجتهاد المطلوب شرعا لاستنباط الحكم إنما يكون من خلال النظر في النص الشرعي.
    وقد خلص البحث إلى أن عملية التقنين لا تخرج عن دائرة الاحتكام للنصوص الشرعية من حيث هي إلزام بأحكام مستمدة من نصوص الشريعة حسب مناهج الاستنباط المقررة في علم الأصول، وهي تدخل في باب السياسة الشرعية باعتبارها إحدى التدابير التي تقوم بها الدولة الإسلامية لجلب المصالح ودرء المفاسد الواقعة أو المتوقعة، وعملية التقنين تحقق مصالح مهمة وضرورية، واعتبار المصالح مما دلت عليه النصوص الشرعية، كما أن طاعة ولي الأمر فيما لا يخالف النص الشرعي واجبة -أيضا -بنصوص الشريعة كذلك، وهذا يعني أن عملية التقنين بضوابطها وقيودها الشرعية رجوع للنصوص، وليست خروجا عنها.


    المقدمة:


    (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أن لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) (1، 2: الكهف)، والصلاة والسلام على خير قدوة وأسوة القائل: " تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم " ([1]) وبعد:

    يأتي هذا البحث الموسوم ب " تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره على مكانة النص الشرعي " ليثير قضية تتعلق بمكانة النص الشرعي في عملية تقنين الأحكام الشرعية، فلهذا الموضوع علاقة بالاحتكام للشريعة، وهو موضوع له اهميته وحساسيته، فهل تقنين الأحكام الشرعية يتعارض مع مبدأ العمل بالنص الشرعي، الأمر الذي يدعو لطرح تساؤل مهم: لمن المرجعية؟ هل هي للنص الشرعي، أم لهذا النص (القانوني) الذي تمت صياغته بما يتفق مع النصوص الشرعية؟ وأيهما تابع وأيهما متبوع؟
    كما أن لها علاقة من جهة أخري بالسياسة الشرعية، باعتبار أن التقنين أحد التدابير التي تقوم بها الدولة الإسلامية لجلب المصالح أو درء المفاسد الواقعة أو المتوقعة، ومدار السياسة الشرعية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهذه المصالح والمفاسد منها: ما هو منصوص عليه شرعا، ومنها: ما ليس منصوص عليه شرعا -كما هو معلوم في السياسة الشرعية، وعملية التقنين تحقق مصالح مهمة عند من يرى جواز التقنين -أو وجوبه -واعتبار المصالح مما دلت عليه النصوص الشرعية، كما أن طاعة ولي الأمر فيما لا يخالف النصوص الشرعية أمر دل عليه النص الشرعي كذلك، بالإضافة إلى أن عملية التقنين عند من يرى جوازها ما هي إلا إلزام بأحكام مستمدة من نصوص الشريعة، وهذا يعني أن كلا الفريقين يدور مع النص حيث دار، وهذا يقتضي -بالضرورة -بيان وجهتي نظر يقول بها العلماء المعتبرون:

    الأولى: رأي من يعارض تقنين الأحكام الشرعية، لما يرى فيه من افتئات على النص الشرعي الذي تعبدنا الله بتلاوته وفهمه وتدبره والعمل به، حيث يرى أن التقنين يحجر على المسلمين واسعا، فبدلا من أن يحتكم المسلمون لنصوص الشريعة الرحبة تجدهم يقيدون أنفسهم بنصوص مقيدة ضيقة وضعوها واحتكموا إليها، ولا يقل عن ذلك أهمية الاجتهاد المتعلق به لاستنباط الأحكام منه من خلال وجوه استنباط الأحكام، واستثمار جميع ما في النص من طاقات لا تحصر، واستبدال هذا النص الرباني بنص بشرى، حيث سيصبح -بعد التقنين -هو المرجع في استخراج الحكم وليس النص الشرعي، وسيكون جهد القاضي منصبا على استنباط الحكم من هذا النص وترك النص الشرعي، مع أن الاجتهاد المطلوب من القاضي هو اجتهاد في دائرة النص الشرعي، فما الحكم الشرعي في اجتهاد القاضي إذا كان منصبا على فهم هذا النص القانوني؟ وما الحكم إذا كان هذا الحكم مخالفا لقناعة القاضي المبنية على نظره في الأدلة الشرعية، مع أن القاضي مطالب بالحكم بالحق.

    الثانية: رأي من يبيح تقنين الأحكام الشرعية، بل يراه ضرورة ملحة، قد تصل للوجوب أحيانا؛ لأن ظروف الحياة قد تعقدت وتشعبت، وقد نشأت علاقات جديدة على المستوى الداخلي للدول، وعلى المستوى الخارجي أيضا-، وكان من ضرورات ذلك وضع اجتهادات فقهية ملزمة مستمدة من النصوص الشرعية، تصاغ على شكل مواد قانونية؛ لتعالج مختلف قضايا الحياة بتفاصيلها الدقيقة في هدي تلك النصوص، وهذه الأحكام ( المواد القانونية ) ليست خروجا على النص الشرعي، بل هي اجتهادات في دائرة النص الشرعي؛ لأن نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها هي المرجع لهذا التقنين، حيث أنها مستنبطة من النصوص الشرعية، ومن خلال مناهج الاستنباط المقررة في علم أصول الفقه، أو بمعنى أوسع استمداد الأحكام من خلال الرجوع لمبادئ الشريعة فيما فيه نص ومما لا نص فيه، فالنصوص الشرعية تمثل منارات لهذا التقنين لا يتجاوزها ولا يحيد عنها، فعملية التقنين لا تعدو عن كونها أحدى الإجراءات أو الوسائل أو التدابير التي تتخذها الدولة لجلب مصلحة شرعية تريد تحقيقها من هذا التقنين، أو درء مفسدة واقعة أو متوقعة، ويصبح التقنين في هذه الحالة إلزاما بأحكام شرعية تمت صياغتها بقالب قانوني؛- أي على شكل مواد قانونية -، إذ تكون عملية التقنين منسجمة مع نصوص الشريعة ومقاصدها، ابتداء من وضع هذه الأحكام، وانتهاء بالحكم بمقتضاها، أي أن هذه النصوص القانونية تابعة لنصوص الشريعة ومقاصدها، وليس العكس، وهي بالتالي لا تتعارض مع مبدأ السيادة للشرع لأن الشريعة هي مصدر تلك الأحكام، وهي تدخل في باب السياسة الشرعية، ومدار السياسة الشرعية على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فهذا الرأي يجيز تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المجالات وفي كل المسائل التي تعرض على القضاء، سواء أكان ذلك في المعاملات المالية أم في الأنكحة أم في العقوبات أم في غيرها ما دامت تتخذ من النص الشرعي هاديا ومرجعا.

    الدراسات السابقة:


    حظي موضوع التقنين باهتمام الباحثين والدارسين، وقد ظهرت حول هذا الموضوع دراسات عدة أفدت منها في دراستي هذه، وقد تعددت نتائج هذه الدراسات بين إجازة التقنين ومنعه، وقد تطرق أغلبها لمفهوم التقنين ولأدلة المجيزين وأدلة المانعين، كما تطرقت لمسألة حكم إلزام القاضي بمذهب معين لا يقضي إلا به، وهي مسألة محورية؛ لأن حكم التقنين تابع لحكم الإلزام، ومن أبرزها:

    " تقنين الفقه الإسلامي، المبدأ المنهج التطبيق" للدكتور محمد زكي عبد البر، وقد تكون من شقين: أحدهما نظري تعرض فيه لتعريف التقنين ومزاياه وعيوبه وحكمه ونطاقه، وفي الشق الثاني من الكتاب -وهو الجانب التطبيقي – تعرض لبعض نماذج التقنين التي كان له دور في وضعها، كتقنين أحكام الإثبات في المواد المدنية والتجارية، وقد خلص إلى إباحة التقنين.

    المدخل الفقهي العام / المجلد الأول للشيخ مصطفى الزرقا، وقد توسع في بحث موضوع التقنين، وبين كثيرا من التطبيقات المعاصرة لتقنين الشريعة، التي يرى أنها ضرورة في هذا العصر، وأنه لم يعد من الممكن في هذا الزمان الاعتماد على اجتهاد القاضي، ويرى أنه لا بد من تقييده بنصوص محددة وبطريقة محددة أيضا؛ لتفسير هذه النصوص مستمدة من قواعد أصول الفقه الإسلامي، حتى القاضي المجتهد ينبغي أن يكون اجتهاده في دائرة فهم هذه النصوص وتطبيقها.

    تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين" وهو بحث للدكتور عبد الرحمن بن أحمد الجرعي، وقد بين أن موضوع التقنين من القضايا التي يسوغ الخلاف فيها، بحيث لا ينكر طرف فيها على الآخر، وتطرق فيه لموضوع التقنين في المملكة العربية السعودية، وبين أن مانعي التقنين بمفهومه المعاصر لم يعترضوا على مبدأ إلزام القاضي بمذهب الإمام أحمد، بل بكتب معينه من كتب المذهب كما سيأتي، ولكنهم يعترضون على الإلزام من خلال التقنين، وقد خلص في نهاية البحث إلى جواز التقنين بضوابطه الشرعية.

    "التقنين والإلزام " للدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، وقد توسع في بحث هذا الموضوع بعد أن رأى أن الأبحاث التي كتبت فيه اختصرت مادته، كما أنها اتصفت -حسب رأيه -بضعف المادة العلمية فيها، وقد -تطرق بالإضافة لما سبق- للمصالح التي تدعو للتقنين وناقشها، وبين المضار التي تقوي جانب المنع، وقد خلص فيه إلى تحريم التقنين.

    "المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية في القضاء الشرعي" للدكتور عمر بن صالح بن عمر، وهو بحث علمي قدمه لمؤتمر "القضاء الشرعي في الوقت الحاضر بين الواقع والمأمول" في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة، حيث بين فيه المقاصد الشرعية للتقنين، وفند رأي القائلين بمنعه، ودلل على ذلك بما تيسر له من الأدلة الشرعية والعقلية.

    وهناك أبحاث أخري أفدت منها ومن غيرها في هذا البحث، وفي خدمة موضوعه الذي حاولت فيه تسليط الضوء على موقع النص الشرعي في عملية التقنين دون الانشغال بكثير من المسائل التي بحثها كثير من الباحثين في موضوع التقنين.
    خطة البحث

    جاء هذا البحث في مبحثين:

    أحدهما: المبحث التمهيدي، وقد جاء في ثلاثة مطالب، المطلب الأول منها في مفهوم النص الشرعي، والمطلب الثاني في مفهوم تقنين الأحكام الشرعية، أما المطلب الثالث فقد بين مفهوم السياسة الشرعية، باعتبار أن التقنين يجري عليه ما يجري على السياسة الشرعية من أحكام وضوابط، كما بين العلاقة بينها وبين المصلحة التي هي مقصود الشارع.

    ثانيهما: المبحث الأول، وقد عرض محاذير التقنين التي تمس مكانة النص الشرعي، وقد جاء في مطلبين، تطرق المطلب الأول منهما لدعوى مانعي التقنين بأنه يؤدي إلى مفسدة تعطيل الشريعة وإحلال النظم الوضعية مكانها، وتطرق المطلب الثاني لدعوى مانعي التقنين بأن الاجتهاد في استنباط الحكم يكون من خلال النظر في النص الشرعي والتقنين يجعل النص القانوني محل الاجتهاد.

    تحرير محل النزاع :


    ليس موضوع الخلاف في هذه القضية تدوين الأحكام على طريقة أهل القانون: أي صياغة الأحكام الشرعية المستمدة من نصوص الشريعة ومبادئها على شكل مواد قانونية، فهو شكل معاصر من أشكال تدوين الفقه الإسلامي لم يقل أحد بتحريمه.

    وليس موضوع الخلاف -أيضا -في أن يأتي عالم أو مجموعة علماء، يرجحون في مسائل معينة ما يرونه بالدليل، ويقولون: هذا هو الراجح حسب رأينا واجتهادنا ونوجب العمل به، فهذا مما لا خلاف في جوازه، بل هو الأمر الذي سار عليه علماء الإسلام في مختلف العصور، حيث يبحث كل واحد منهم المسألة ويصل من خلال بحثه لرأى راجح ملزم له شرعا؛ ولمن يقلده ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
    وليس موضوع الخلاف - أيضا -سن القوانين التي تتعارض مع النصوص الشرعية، كما هو الحال في القوانين الوضعية في الإثبات، أو العقوبات، أو، المعاملات المالية، أو غيرها من المجالات واستمدادها من مصادر غير شرعية، أو من مصادر متعددة، من ضمنها النصوص الشرعية، فهذا مما لا خلاف في حرمته، حتى وإن وافق في بعض مجالاته النصوص الشرعية؛ لأن وجوب الاحتكام لنصوص الكتاب والسنة محل إجماع بين المسلمين. ([2])

    كما أن هناك مساحة من التقنين مسموح بها باتفاق، ومثالها بعض الإجراءات التي تسير فيها الدعوى: كتحديد المدد الزمنية، وموضوع التبليغ، وما شابهها، فهذه أيضا لا تثريب في تدوينها والإلزام بها، فهذه الأمور مما لم ينص عليها شرعا، وتقتضي المصلحة ضبطها بنصوصه قانونية، فهناك فرق عند مانعي التقنين بين تقنين ما يتعلق بالإجراءات المتعلقة بالدعوى " فهي محل اتفاق، وبين تدوين ذات الأحكام التي سيحكم بها القاضي في المعاملات مثلا، أو الأنكحة، أو العقوبات، حيث منعوا من تقنينها.
    من خلال ما تقدم يتضح أن موضوع الخلاف هو: استمداد الأحكام من مصادرها الشرعية المعتبرة، وصياغتها على شكل مواد قانونية، واعتبار هذه المواد مرجعا للأحكام، وإلزام الإمام (الدولة) المكلفين بها، وإلزام القضاة بالحكم بموجبها وعدم مخالفتها، ونقض حكم القاضي أن خالفها.


    المبحث التمهيدي


    مفهوم النص ، التقنين ، السياسة الشرعية ، وعلاقتها بالمصلحة


    مما لا بد منه قبل الحديث عن علاقة التقنين بالنصوص الشرعية من بيان مفهوم النص الشرعي، ومفهوم تقنين الأحكام الشرعية، ومفهوم السياسة الشرعية، باعتبار أن التقنين يجري عليه ما يجري على السياسة الشرعية من أحكام وضوابط، وبيان العلاقة بينها وبين المصلحة التي هي مقصود الشارع.

    المطلب الأول


    مفهوم النص


    معنى النص لغة: للنص في اللغة معاني عدة، منها: رفع الشيء وإظهاره وإبرازه ليكون في غاية الوضوح والشهرة، ومنه الوضع على المنصة، وهي: ما تظهر عليه العروس لترى، ويعني -أيضا -التوقيف، والتعيين على شيء ما، وأصل النص: منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها. ([3])

    النص عند علماء الشريعة: المراد بالنص عند علماء الشريعة، هو: كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب والسنة ([4])، سواء أكانت دلالة هذا النص قطعية أم كانت ظنية، وهذا المعنى هو المراد بالنص في تقسيم الأصوليين للدلالات: عبارة النص، ودلالة النص، وإشارة النص، واقتضاء النص ([5])، وهذا الإطلاق للنص قديم، فقد أورده الإمام الشافعي في مقابل الاستنباط ([6])، فالنص عنده يقابل الاستنباط أو الاجتهاد ([7]). وعرف النص بأنه: خطاب يعلم ما أريد به من الحكم، سواء أكان مستقلا بنفسه، أم علم المراد به بغيره " ([8])، ومن هذا الإطلاق: ما يذكره العلماء من قولهم: أن الأدلة الشرعية هي: النص، والإجماع، والقياس و..... الخ، فالمراد به اللفظ أو الكلام الصادر عن المشرع لبيان التشريع، ويتمثل هذا في المصدرين الأساسين للتشريع الإسلامي، وهما: الكتاب، والسنة. ([9])

    علاقة النصوص الشرعية بالأحكام الشرعية: الحكم الشرعي هو ثمرة النص الشرعي حسب تعبير الإمام الغزالي الذي قسم مباحث علم أصول الفقه إلى أربعة: ثمرة، ومثمر، ومستثمر، وطريق استثمار، فالمثمر هو: النص الشرعي، وسماه بالدليل، والثمرة هي: الحكم الشرعي، والمستثمر هو: المجتهد الذي يقوم باستخراج الأحكام من أدلتها، وطريق الاستثمار هي مناهج الاستنباط التي يتبعها المجتهد في استخراج الحكم الشرعي من دليله. ([10])

    والقاضي أو المفتي حينما تعرض عليه واقعة تتطلب حكما فإن هاديه في ذلك نصوص الكتاب والسنة، فهي مرجع الأحكام، فهو يستمد الأحكام من نصوص الشريعة عند وجود النص، ومن قواعدها العامة، حيث لا يجد النص؛ ليصل إلى الحكم الذي هو ثمرة لعمله الاجتهادي، وما نحن بصدد الحديث عنه -وهو التقنين وعلاقته بالنص – أن تقنين الأحكام الشرعية لا يبقيها في درجتها من حيث هي حكم ناشئ عن عملي اجتهادي قابل للنظر من قبل من وضعه أو من غيره " لتصبح تلك الأحكام بمنزلة الأدلة التي يعتمد عليها القاضي في استنباط الأحكام؛ أي أنها تصبح نصا واجب التطبيق من قبل القاضي، ويكون حكمه معرضا للنقض عند مخالفته.

    النص في عرف القانونيين: تقدم أن تقنين الأحكام الشرعية يجعل تلك الأحكام بمنزلة الأدلة الشرعية التي يعتمد عليها القاضي في استنباط الأحكام، أي أنها تصبح واجبة التطبيق من قبل القاضي، ويكون حكمه معرضا للنقض عند مخالفته، وبالتقنين ننشئ نصوصا قانونية أمرة أي: واجبة التطبيق " ذلك أن القوانين كلها تأتي على شكل نصوص، وهذه النصوص تعتبر قوالب لغوية تقدم بها القواعد القانونية التي يريدها المشرع؛ ولما كانت النصوص هي الألفاظ المعبرة عن إرادة المشرع كان لابد أن تأتي هذه النصوص على نحو من الدقة يجعلها معبرة عن الإرادة الحقيقية للمشرع. ([11])

    المطلب الثاني


    تعريف تقنين الأحكام الشرعية


    تعريف التقنين لغة: تقدم أن المراد بالتقنين موضوع البحث هو وضع القوانين وسنها، وقد وردت كلمة التقنين وكلمة القانون في المعاجم اللغوية، وإن كانت كلمة " قانون " دخيلة، وليست بعربية، فالتقنين من الفعل قنن، والقوانين الأصول، الواحد قانون، وقانون كل شيء طريقه ومقياسه. ([12])

    التقنين اصطلاحا: أورد كثير من العلماء المعاصرين تعريفات عدة للتقنين، وسأبدأ بذكر تعريف التقنين بمعناه العام، ثم تعريف تقنين الأحكام الشرعية، ثم اذكر تعريفي للتقنين -موضوع البحث -:

    التقنين بمعناه العام: عرف الشيخ مصطفى الزرقا التقنين – بوجه عام – بأنه جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجال من مجالات العلاقات الاجتماعية، وتبويبها وترتيبها وصياغتها بعبارات آمرة موجزة واضحة في بنود تسمى (مواد) ذات أرقام متسلسلة، ثم إصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة، يلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس. ([13])

    تعريف تقنين ال أحكام الشرعية:


    عرف الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله -تقنين الفقه الإسلامي بأنه: تطبيق طريقة التقنين -الآنف الذكر -على الأحكام الفقهية المأخوذة من مذهب واحد. ([14])
    ويرى الدكتور شويش المحاميد أن التقنين: صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس، بعبارات آمرة يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيبا منطقيا بعيدا عن التكرار والتضارب. ([15])
    والتقنين عند الدكتور محمد خالد منصور: وضع قواعد متعلقة بقانون الأحوال الشخصية، أو القانون المدني، أو الجنائي، أو غيره، في مجموعة على شكل مواد فقهية مرتبة ومبوبة يرجع إليها القاضي عند التطبيق ([16]). كما عرف منصور التشريعات القضائية الشرعية بأنها: ما وضعه المقننون من مواد محددة على شكل قانون شرعي يتحاكم إليه الناس في موضوعات مخصوصة وإلزام القاضي والمتحاكمين إليه. ([17])

    ويرى الدكتور عبد الرحمن الحميضي التقنين أنه: اختيار القول الراجح في المذهب، أو اختيار أحد أقوال المذهب، أو اختيار أحد أقوال المذاهب الأخرى الذي يعتمد على الدليل الأقوى، أو اختيار القول الذي يحقق مقاصد الشريعة في تحقيق المصالح ودرء المفاسد ورفع الحرج والمشقة عن الناس، وتخفيف العبء عنهم، وتسهيل أعمالهم ومصالحهم، وجمع هذه الاختيارات ووضعها في قانون مدون مسطور مرتب. ([18])

    وقد عرف عبد الرحمن الشثري التقنين بأنه: صياغة الأحكام الشرعية في عبارات إلزامية، لأجل إلزام القضاة بالحكم بها. ([19])

    على ضوء ما سبق يتضح لنا أن تقنين الأحكام الشرعية يراعى فيه الجوانب التالية ([20]):

    ما يتعلق بالصياغة، حيث يصاغ بطريقة معينة على غرار المواد القانونية.
    الترتيب والترقيم والتبويب لهذه المواد، وهي تجعل الرجوع للأحكام سهلا.
    أنها ملزمة، وقد عبر بعضهم بأنها آمرة، وأن يكون هذا الإلزام من صاحب الولاية وهو الإمام أو من ينيبه (أي الدولة).
    أنها ذات موضوع الواحد، فقد تكون في أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية) أو المعاملات المالية أو العقوبات.

    ولا بد حتى يكون التقنين شرعيا أن يكون هذا التقنين مستمدا من النصوص الشرعية مباشرة، أو بالاستنباط، أو بعبارة أوسع من خلال مناهج الاجتهاد المقررة شرعا فيما فيه نص وفيما ليس فيه نص.

    تعريف الباحث لتقنين الأحكام الشرعية: من خلال ما تقدم يمكن تعريف تقنين الأحكام الشرعية بأنه: إلزام الإمام أو من ينيبه ممن هم تحت ولايته العامة بأحكام شرعية تتعلق بموضوع معين من إقعال المكلفين، مستمدة مع نصوص الشريعة ومقاصدها ومبادئها العامة، مدونة علي شكل مواد قانونية مرقمة ومرتبة ومبوبة.
    المطلب الثالث


    مفهوم السياسة الشرعية وعلاقته بالتقنين، وعلاقة كل منها بالمصلحة

    مفهوم السياسة الشرعية وعلاقته بالتقنين: التقنين -كما تقدم -داخل في باب السياسة الشرعية، وهي التدابير والإجراءات والأحكام التي تنظم بها مرافق الدولة وتدبر بها شؤون الأمة مع مراعاة أن تكون متفقة مع روح الشريعة نازلة على أصولها الكلية محققة لأغراضها الاجتماعية، ولو لم يدل عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنة ([21])، فهي تشمل جميع ما يقوم به الإمام من تدابير لتحقيق مصالح الناس، دون تقييده بمجال محدد من مجالات الحياة، سواء أكان مما ورد به نص أو مما لم يرد نص، فسياسة الرعية بمعنى القيام على تدبير شؤونهم بما يصلحها. ([22])

    وما يجري على السياسة الشرعية من أحكام وشروط وضوابط ومناهج يجري على التقنين؛ باعتباره أحد التدابير التي تقوم بها الدولة لتحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم، فالتقنين جزء من السياسة الشرعية، وهي مرتبطة بالنصوص الشرعية وبمقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق المصالح للأمة ودفع المضار عنها، حيث نتمكن من خلالها من مسايرة التطورات الاجتماعية، والوفاء بمطالب الحياة المتجددة، وذلك باستنباط الأحكام لما يجد من الحوادث والوقائع التي لا نجد لحكمها نصا أو إجماعا، وبتطبيق النصوص الشرعية - أيضا -على وجه يحقق مصلحة الأمة في جميع الأحوال والأزمان والأماكن، ويتفق والشريعة الإسلامية.

    ولابن القيم نظرته الفريدة في علاج هذا الموضوع، حيث تحدث عن السياسة الشرعية في معرض حديثه عن وسائل الإثبات التي يسعى القاضي من خلالها للوصول للعدل الذي هو مقصد الشارع، حيث عرف السياسة الشرعية بأنها " الأمارات والعلامات التي يظهر بها عدل الله " ([23])، وقد بين أهمية موضوع الاجتهاد في وضع الأحكام التي تحتاجها الدول في كل زمان، حيث جعل العلماء بين أحد أمرين: التوسع في وضع الأحكام من النصوص مباشرة، أو على هدي تلك النصوص عند عدم وجود النص من أجل تسيير أمور الدولة بهدي الإسلام، أو الجمود عند ما هو منصوص عليه، وهذا يعطي الذريعة لمن يريد إخراج الناس عن شرع الله سبحانه بأن كثيرا من الأحكام التي تحتاجها الدولة ليست موجودة في النصوص " مما يعطي ذريعة لتجاوز الشريعة والاحتكام لغيرها. ([24])

    ويلحظ من كلام ابن القيم ذلك الفهم العميق الواسع لعموم السياسة الشرعية وشمولها لكل ما يمكن من خلاله تحقيق مصالح العباد دون تجاوز للنصوص الشرعية، وتوسيع دائرة الاجتهاد لمواكبة المتغيرات؛ حتى لا يتخذ من يريد تجاوز الشريعة الذرائع لتجاوزها بحجة أنها لا تواكب حاجة الناس، واتهام الشريعة بالجمود والنقص، فالشريعة قد فتحت هذا الباب واسعا، وأعطت للحاكم مساحة واسعة جدا في الاجتهاد في كافة المجالات، دون أن يكون مصادما للشرع ومخالفا لأحكامه، ومن هذه المجالات موضوع التقنين.

    ويعلق الشيخ مصطفى الزرقا على قول ابن القيم رحمه الله: "....ذكر ذلك ابن القيم خلال بحثه عن السياسة الشرعية وما تقتضيه من إنشاء الأحكام للناس بحسب دواعي الحاجة والمصلحة، وما يكون من تلك الأحكام السياسية المحدثة نافعا موافقا لروح الشريعة أو مضرا مخالفا، وقد أتى رحمه الله في هذه المناسبة بكلام نفيس جدا عن مبدا وأسباب استحداث ما سماه " القوانين السياسية " أي الأحكام المسنونة بأوامر ولاة الأمر؛ بناء على دواعي السياسة الشرعية......، وقد دل تعبير ابن القيم بلفظ القوانين السياسية على أن اطلاق القوانين على معنى الأنظمة التشريعية الزمنية كان مستعملا في اصطلاح الفقهاء قبل ابن القيم. ([25])

    والالتزام بهذه القوانين والنظم التي وضعها الحاكم ملزمة، يجب طاعته فيها، كما يجب طاعته في غيرها، ما لم يأمر بمعصية، استدلالا بعموم الأدلة التي دلت على وجوب طاعة أولي الأمر. ([26])
    التقنين والمصلحة: يقصد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم (دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم)، فكل ما حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، أو بعبارة أخري هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق. ([27])

    ولا تخفى تلك العلاقة المتلازمة بين السياسة الشرعية وبين المصلحة، التي هي مقصد الشارع، فالمصلحة هي الغرض من السياسة، فبما أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس، فالسياسة الشرعية -كذلك -تتضمن المحافظة على تلك المصالح ورعايتها، وهذه المصالح منها: ما هو منصوص عليه، ومنها: ما ليس منصوصا عليه، وقد فتحت السياسة الشرعية الباب أمام الحاكم ليجتهد فيما شاء من إجراءات وقرارات تضمن تحقيق تلك المصالح ما لم تصادم نصا شرعيا بشكل قطعي، حتى ولو لم يرد في هذه القرارات والإجراءات نص شرعي، وقد توسع ابن القيم رحمه الله في كتابه " الطرق الحكمية " في ذكر الكثير من الأمثلة من حياة النبي وخلفائه من بعده تدل على العمل بالسياسة الشرعية لتحقيق المصلحة عند عدم وجود النص.
    فالإمام ملزم -بحكم ولايته العامة -بالعمل على جلب المنافع ودفع المفاسد، بناء على القاعدة الفقهية " التصرف على الرعية منوط بالمصلحة " ([28]) والمقصود بالمصلحة الأصلح، والمعنى "إن إنفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم شاءوا أم أبوا معلق على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه دينية كانت أم دنيوية " ([29]) كما أنه ملزم بدفع الضرر عن الناس، ومن القواعد المتعلقة بذلك قاعدة "الضرر يزال " ([30]) وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" ([31]) وقاعدة "الضرر يدفع بقدر الإمكان " ([32]) وعليه مراعاة حاجاتهم، وضرورات حياتهم، وهناك الكثير من النصوص والقواعد التي تضبط أفعاله في ذلك كقواعد "رعاية الضرورات مثل: قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات " ([33])، وقاعدة "ما ابيح للضرورة يقدر بقدرها" ([34])، وقاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة " ([35])، وقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين " ([36]).ومما ينبغي أن يشار إليه: أن التقنين ينبغي أن ينظر إليه من خلال هذه القواعد.

    المصالح التي يحققها التقنين: تقدم الحديث عن تلك العلاقة المتلازمة بين السياسة الشرعية وبين المصلحة التي هي مقصد الشارع، حيث أن المصلحة هي الغرض من السياسة، وتقدم الحديث -كذلك -عن علاقة التقنين بالسياسة الشرعية، وأن التقنين يدخل في جميع مجالات السياسة الشرعية ويجرى عليه ما يجري على السياسة الشرعية من أحكام، فهما كالشيء الواحد في هذه الأحكام، ومن هاتين المقدمتين يتضح لنا أن المصلحة هي الغرض الأساس من التقنين، فالمقصد الأساس من التقنين تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم، ومنها:

    تحقيق العدل: العدل من أهم الأسس والمرتكزات لنظام الحكم في الإسلام بشكل عام وللنظام القضائي بشكلي خاص، وهذا المقصد هو أهم ما يرتكز عليه دعاة التقنين، وهو المساواة في الأحكام المتماثلة في المسائل الاجتهادية، وضبط الأحكام القضائية بدقة أكبر، وهذا العدل هو من أهم؛ حكم إرسال الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90)، فالعدل امر فرض الله سبحانه على المسلمين السعي لإقامته في الأرض " وليكون من أبرز خصائصهم بين الأمم " لأن دينهم دين العدل. حتى قال عمر رضي الله عنه بأنه " لا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء"، وقال ابن تيمية بوجوبه على كل أحد وفي كل شيء. ([37])

    وللتقنين دور كبير في تحقيق العدل في مختلف المسائل، سواء ما تعلق منها بإجراءات التقاضي، أو العقوبات التعزيرية، أو غيرها من الأحكام التي لم ينص عليها في النصوص الشرعية، وبقي المجال فيها للاجتهاد، حيث يتم جمع الأحكام في مدونة واحدة تسهل عملية التعرف على الحكم الذي تسير عليه الدولة والمجتمع، كما ويسهل على ولاة الأمر مراقبة أعمال القضاة وتمييز الأحكام الصحيحة من الباطلة، كما يساعد على تحقيق المساواة والعدل بين الناس؛ للحكم بينهم بحكم واحب في القضايا المتشابهة، ويسير جميع الناس على حسب منهج واحد وإجراءات واحدة، ويؤكد هذا الأمر: الحرص على الدقة والنظام، وتحديد الأحكام والإجراءات مسبقا بالنسبة للقضاة والخصوم. ([38])

    ومقاصد القضاء: من إقامة العدل، وتحقيق مصالح العباد، ومنع التظالم، وفصل الخصومات ورد المظلمات، وإقامة الحدود، وردع الظالم، ونصرة المظلوم، قد يحول دونها كثرة اختلاف القضاة اليوم في القضايا المماثلة، مع ضعف القريحة، وقصر النظر وتسلط الهوى على ضعاف النفوس من القضاة ؛ مما أوجد الريبة في الأحكام والشك في القضاة، ومن هذا المنطلق يكون التقنين كفيلا إلى حد ما بتحقيق العدالة على جميع الناس دون تمييز بين كبير وصغير، غني وفقير، ومسلم وذمي وهو أدعى -كذلك -لتحقيق المساواة بين الناس، وطمأنة نفوسهم تجاه القضاة. ([39])

    ما استجد في هذا الوقت من توسع المحاكم وتعدد اختصاصاتها وكثرة قضاياها وتشعبها نظرا لتعقد نواحي الحياة، الأمر الذي تطلب تكثير القضاة وزيادة عددهم، وعدم وجود عدد كاف من المجتهدين نظرا لضعف الملكة العلمية بشكلي عام عند طلاب العلم في الكليات الشرعية التي تخرج القضاة بالإضافة إلى انفتاح المجتمعات الإسلامية على بعضها وعلى المجتمعات العالمية، وهذا الانفتاح نتجت عنه علاقات متعددة لابد من ضبطها بأحكام واضحة محددة، وأن غيرنا سيطالبنا بها، إذا أردنا أن نقاضيه إلى شرعنا، فلا يمكن أن نحيله إلى مجموعة من كتب الفقه المذهبي أو المقارن، فإن لم يوجد شيء مقنن ومرتب، فإما أن تفوت علينا مصالح لا نستغني عنها، وإما أن نتحاكم إلى قوانين ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية، فلا بد من وجود مرجع محدد يأخذون منه، يعرفون منه ما لهم وما عليهم، وهذا المرجع غير متوافر، فيكون المرجع اجتهاد القاضي، وهذا يؤدي لمشكلات كثيرة. ([40])

    كثرة الخلاف في الفقهيات، لا بين المذاهب فقط، بل حتى داخل المذهب نفسه، فيكون هناك مجال للحكم في قضية واحدة على أحد القولين أو الأقوال والحكم بقضية أخري على القول الثاني أو أحد الأقوال؛ ومعنى هذا أن الحكم قد يكون بالتشهي، وفي الإلزام بأحكام معينة دفع لذلك، وقد يكون قضيتان متماثلتين هذه عند قاضي بلد، والثانية عند قاضي بلد أخر، فيختلفان في الحكم فيها، فينتج عن هذا التباين تظلم ووقيعة في عرض القضاء والقاضي، وأنه يقع تجادب بين حاكم القضية ومدقق الحكم، لا من حيث واقع القضية، ولكن من حيث تطبيق الحكم الشرعي على واقعها، ففي هذا من الأضرار كما في سابقه. ([41])

    حاجة المستجدات إلى حكم شرعي يتم بالنص عليها في التقنين، وتركها لاجتهاد القضاة ليس من الحكمة " لكثرة مشاغلهم، وعدم تفرغهم للبحث والاستقصاء في كل مستجد، وخصوصا مع تطور الحياة، وكثرة المستجد فيها، ومن الأمثلة على ذلك: المعاملات المصرفية، ومسائل المقاولات، والمناقصات، وشروط الجزاء، ومشكلات الاستيراد والتصدير والتأمين بمختلف جوانبه، ونحو ذلك، مما لا قدرة لغالب القضاة على معرفة الحكم الذي يحكمون به في الخلاف حولها، مما كان سببا في إيجاد محاكم أخري، لها جهة إدارية مستقلة عن الجهة الإدارية للمحاكم الشرعية، و مما كان سببا في اشتمال هذه المحاكم على قضاة قانونيين يشتركون مع القضاة الشرعيين، وذلك كمحاكم فض المنازعات التجارية.([42])

    توحيد الكلمة وتحقيق الوحدة؛ إذ عدم التقنين يفسح المجال لاجتهاد كل قاض بما يراه؛ مما ينتج عنه اختلاف القضاة في المسألة الواحدة، وهذا قد يؤدي إلى التنازع والاختلاف. ومهما قيل: بأن التقنين لا يرفع الخلاف -كما يراه المانعون من التقنين -فإنه -ولا شك -يحد من الاختلاف، ويقرب بين وجهات النظر. ([43])

    يؤكد ذلك وقوع أحكام اجتهادية قضائية في قضايا مماثلة مع انعدام أحكام مقننة يفسح المجال لاجتهادات قد تكون مختلفة في مسألة واحدة. ([44])
    ومن أمثلته ما حصل من اختلاف وجهات النظر لدى محكمتي التمييز في الرياض ومكة المكرمة، فقد سبق أن قامت محكمة التمييز بالرياض بنقض حكم بالقسامة صادر من محكمة الرياض، لأنه كان مبنيا على قولي مرجوح في المذهب الحنبلي، بينما كانت محكمة التمييز في مكة المكرمة تشير إلى المحكمة الكبرى بمكة في قضية قتل بأن تحكم فيها بالقسامة بالقول المرجوح الذي قامت محكمة التمييز في الرياض بنقض الحكم المبني عليه. ([45])

    ومن أمثلة التقنيات التي وضعت لتحقيق تلك المصالح على سبيل المثال: وضع نظام للمرور، حيث يقول الدكتور عبد العزيز عمر: " مما استجد في هذا العصر وزاد حتى صار ضرورة الوقت: وسائل النقل -السيارات -إلا أن هذه الوسيلة – وهي نعمة كبرى -قد يساء استخدامها من قبل بعضهم، فكان لوازم ضرورياتها أن يوضع نظام يضبط استخدامها، ويحمل المسؤولية كلها لمستخدمها؛ إذ هي آلة في يده يتصرف بها كيف يشاء فانحصرت المسؤولية فيه أي في السائق، وقد أصبح وضع هذا النظام ضرورة تقوم عليها حياة الناس، بحيث تختل أمور حياتهم وتضطرب باختلاله، والذي يضع هذه النظم هو الحاكم ومن ينوب منابه؛ رعاية لمصالح الأمة وتدبيرا لشؤونها، وذلك من خصوصياته وواجبات الأمة عليه، وأساس ذلك: مراعاة المصلحة لهم، جلبا للمنفعة، ودفعا للمضرة والمفسدة " ([46])


    المبحث الأول


    محاذير التقنين التي تمس مكانة النص الشرعي


    يرى مانعو التقنين أن التقنين لا يخلو من محاذير تؤثر على مكانة النص الشرعي، حيث قالوا: أنه يمهد الطريق لترك نصوص الشريعة بالكلية، كما أنه يتناقض مع ما أوجبه الله تعالى على القاضي من الحكم بالحق، وذلك لا يتحقق إلا من خلال النظر في النصوص الشرعية لا في نصوص القانون، وقد تطرق هذا المبحث لهذين المحذورين في مطلبين منفصلين.

    المطلب الأول


    مفسدة تعطيل الشريعة و إحلال النظم الوضعية محلها وترك النصوص الشرعية واستبدالها بالنصوص القانونية


    يرى مانعو التقنين أن مسألة تقنين الشريعة لا تعدو عن كونها فخا يراد منه ألا يفاجئوا حملة الشريعة ودعاتها بالنظم الوضعية قبل سابق تمهيد، حيث يمهدون الطريق أمامها بالدعوة إلى قانون تستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية ([47])، ومقتضى هذا القول أن أعداء الشريعة يريدون طمس معالمها وتنكب طريقها، ولكنهم لا يستطيعون أن يجاهروا بذلك؛ لعظم وقعه على الأمة؛ لأن الاحتكام لنصوص الشريعة عندها ليس موضع مهادنة ونقاش، فيقولون لهم: نحن لا نريد ترك الشريعة، وإنما نريد إقرار أحكام مستمدة من الشريعة سهلة التطبيق تراعي العدالة بين المكلفين، هذه العدالة التي هي مقصد القضاء، فإذا استساغ المسلمون ذلك دخلوا عليهم بالقوانين الوضعية، وتركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، كما حصل في كثير من بلاد المسلمين، وإذا تنكب المسلمون طريق كتاب ربهم وسنة نبيهم ضلوا، ومصداق ذلك قول النبي عليه السلام: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به، كتاب الله " ([48])، وقوله عليه السلام: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي " ([49])، ولما كان التقنين يفتح المجال لابتعاد الأمة شيئا فشيئا عن كتاب ربها وسنة نبيها وطريقا لهجر الكتاب والسنة وترك العمل به، كان لا بد من منعه من باب سد الذرائع

    رأي الباحث في هذه المفسدة :


    لا بد قبل مناقشة هذا القول من البدء بما هو متفق عليه، وهو مسألة تطبيق الشريعة وعدم نبذها والاحتكام إليها، وهو أمر مفصلي يعتمد عليه مانعو التقنين:

    التقنين ومسألة تحكيم الشريعة :


    أن مسألة تحكيم الشريعة من المسائل المتفق عليها بين المسلمين، فهي فريضة شرعية امر الله تعالى بها المسلمين حكاما ومحكومين، وقد دل على ذلك قطعيات الشريعة ([50])، ويقتضي هذا المبدأ بالضرورة الإيمان بالتشريع المنزل من عند الله باعتباره منهجا واجب التطبيق في كافة شؤون الحياة، كما يتضمن القيام بذلك عمليا بالاحتكام لمنهج الله في كل صغيرة وكبيرة. ([51])

    وكلا الفريقين -مانعو التقنين ومجيزوه -متفقان على أن تحكيم شرع الله من اهم وسائل الإصلاح وطريق تحقيق العدل، فأحكام الكتاب والسنة هي الأحكام العادلة" لأنها أحكام صادرة من ربنا جل وعلا، وسواها أحكام ظالمة جائرة، مهما أراد واضعوها أن يوجدوا للخليقة أحكاما تعدل بينهم يصلح بها الخلق فلن يستطيعوا، فبالاحتكام لنصوص الشريعة يمكن تحقيق مصالح الناس الحقيقية، ويتحقق البعد عن المصالح الموهومة المزعومة: فالمصالح الحقيقية للإنسان هي: المصالح التي جاء بها الشارع الحكيم؛ لأنها من لدن لطيف خبير قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك :14)، والتشريعات البشرية التي أحلت الخمر والزنا والشذوذ والمجون وغيرها فأي مصلحة للبشرية فيها، فشرع الله كله خير، وقد قال النبي عليه السلام: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" ([52])، وقال عليه السلام: "تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي " ([53]) وقال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 179).

    وكلا الفريقين متفقان على أن الشريعة الإسلامية منهج حياة متكامل صالح لكل زمان ومكان: فالله تعالى حينما امرنا بأن نحتكم له وضع لنا شريعة محكمة – وهي الإسلام -، صالحة لكل زمان ومكان، بدليل قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: 3)، وقد نص الكتاب والسنة على كثير من الأحكام التفصيلية لتنظيمها كالأحكام المتعلقة بالأسرة والحدود، كما وضعت الشريعة القواعد العامة لاستنباط الأحكام فيما لم يرد فيه نص صريح، وقال الله تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) (123-124: طه)، والآية على عمومها في كل زمان وفي كل شأن، وقال صلي الله عليه وسلم في وصيته الجامعة في حجة الوداع: " تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم " ([54]) والاعتصام به لا يقتصر على جانب دون جانب بل بكل ما أمر به وكل ما نهى عنه.

    فمحل الاتفاق بين مانعي التقنين ومجيزيه هو: أن مرجعية الأحكام هو النص الشرعي الذي انزله الله سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم، وموضوع الخلاف في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وتدوينها على شكل مواد قانونية والإلزام بها ممن له سلطة الإلزام وهو الإمام أو من ينيبه.

    والسؤال المهم: هل يمكن أن تجري عملية التقنين دون مصادمة هذا المبدأ؟ بمعنى هل يمكن تقنين الأحكام الشرعية المستنبطة من القران والسنة مع بقاء أحكام هذه النصوص نافذة وقائمة وموجودة؟ وهذا يقتضي بيان طبيعة الأحكام التي يمكن تقنينها بحسب الأدلة التي دلت عليها، الأمر الذي قد يضيق من دائرة الخلاف.
    طبيعة النصوص الشرعية والتقنين:


    النصوص القطعية: معلوم أن نصوص الشريعة منها ما هو: قطعي في دلالته، وهذه النصوص لا تحتمل إلا وجها واحدا، فلا يجوز تقنين حكم مخالف لنص قطعي، ويجوز تدوين الحكم الذي نص عليه الدليل القطعي كمادة قانونية والإلزام بها، وتكون الحجية والقداسة لا لهذا النص القانوني وإنما للنص الشرعي الذي يعتبر الأصل في وضع هذا التقنين، وفي الوقت نفسه يبقى المجال مفتوحا لوضع مواد قانونية تتعلق بكيفية تطبيق هذا النص الشرعي القطعي، وهذا يدخل في باب السياسة الشرعية، وللإمام فيها مجال واسع، فله أن يضع ما يشاء من التدابير والإجراءات والتشريعات التي تضمن تحقيق مقاصد الشريعة التي دلت عليها النصوص القطعية، وتحقيق مصالح الناس بما يتفق مع تلك المقاصد، وينظر باحترام وتقدير لهذا التقنين باعتباره أحكاما شرعية مستنبطة من النص الشرعي، أو إجراءات وتدابير تضمن تطبيق النص الشرعي بما يحقق مقاصد الشارع، وفي هذه الحالة يكون الإلزام من الدولة بحكم مجمع عليه، فهذه القضية محل اتفاق في موضوع التقنين، فلو وضع قانون للعقوبات تضمن مادة قانونية تنص على قطع يد السارق، ووضع في هذا القانون أيضا ما يتعلق ببعض القضايا الإجرائية المتعلقة بهذا الحكم فهذا لا يدخل في دائرة الخلاف.

    النصوص الظنية:


    وعند وجود نص شرعي ظني، وهو ما يحتمل أكثر من معنى فيمكن استنباط حكم شرعي ظني من هذا النص الشرعي، ويمكن صياغة ما دل عليه في مادة قانونية على أن يكون هذا التقنين موافقا لوجه ما من الوجوه التي يحتملها معنى النص الشرعي بوجه من وجوه الدلالات المعتبرة في علم الأصول، ويجوز في هذه الحالة -عند من يجيز التقنين -الإلزام بها من قبل الدولة باعتبارها أحد التدابير التي قام بها الإمام لما يرى فيه من مصلحة ؛ لأن تصرف الإمام منوط بالمصلحة، كما يجوز -عندهم -أيضا وضع تقنين ما يحتاجه تطبيق هذا النص الشرعي من إجراءات وتدابير، وهذا يدخل في باب السياسة الشرعية، وتكون الحجية والقداسة في هذه الحالة للنص الشرعي، كما ينظر باحترام للتقنين باعتباره أحكاما شرعية مستنبطة من النص الشرعي، أو إجراءات وتدابير تساعد على تطبيق النص الشرعي بما يحقق مصالح الناس وبما يتفق مع مقاصد الشارع التي دل عليها النص الظني بوجه من وجوه الدلالات التي يحتملها النص المقررة في علم الأصول، وهذا موضع خلاف عند من لا يجيز الإلزام بحكم معين من الأحكام التي يدل عليها النص الشرعي ما دام يحتمل وجها آخر، وسيأتي مزيد نقاش لهذا القول أن شاء الله.

    عند عدم وجود نص شرعي :


    وعند عدم وجود نص شرعي في موضوع ما، فللدولة أن تضع ما شاءت من تشريعات وتدابير وإجراءات تسعى من خلالها إلى تحقيق مصالح الناس وجلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، بما لا يخالف نصوص الشريعة ومقاصدها، وهذا -أيضا -يدخل في باب السياسة الشرعية، وقد يكون مصدر التقنين في هذه الحالة مبادئ الشريعة العامة ومقاصدها والمصالح المرسلة والعرف وغيرها من مصادر التشريع، ولا يوجد ما يمنع من الاستفادة من أية تقنيات تتعلق بمختلف مجالات السياسة الشرعية الإسلامية، بغض النظر عن مصدرها، ما دامت لا تتعارض مع السياسة العامة للتشريع الإسلامي، ومن أمثلة ذلك: وضع نظام -قانون -للمرور، أو للعقوبات التعزيرية، أو ما يتعلق بكثير من المسائل المتعلقة بالإجراءات المتبعة في الدعوى، كالأحكام المتعلقة بالتبليغ، أو ما يتعلق بالمدد الزمنية المضروبة في كثير من القضايا التي تنظرها المحاكم، فهذه المسألة -أيضا -ليست محل خلاف. ([55])

    و جوب الاحتكام للشريعة في موضوع التقنين :

    لا بد من النظر للنصوص الشرعية في عملية التقنين على أنها واجبة التطبيق في كل حال، وعدم مخالفتها بأي حال من الأحوال، لأننا متعبدون بتلاوتها وتدبرها واستنباط الأحكام منها، والعمل بمقتضاها في كافة شؤون الحياة، كما يجب مراعاة مقاصد الشارع، أي تطبيق النصوص الشرعية بما يحقق تلك المقاصد، وجعل عملية التقنين خاضعة للنص، لا أن يكون النص خاضعا لها، فيجب أن يكون التقنين منضبطا بنصوص الشريعة ومبادئها العامة ومقاصدها، فالسيادة للشريعة لا للقانون، والحاكمية لله لا للمشرع -من وضع هذه القوانين -، كما يجب مراعاة القواعد الشرعية في التقنين والتطبيق في مختلف المجالات (التشريعات، والنظم، والحكم، والقضاء، والقرارات، والإجراءات، والعلاقات الداخلية والخارجية) كقاعدة الاستصحاب وما يتفرع عنها، وقاعدة "الأمور بمقاصدها" ([56])، وما يتفرع عنها، وقاعدة " لا ضرر ولا ضرار" ([57])، وما يتفرع عنها، وقاعدة " درء المفاسد أولى من جلب المصالح " ([58])، وما يتفرع عنها، وغيرها من القواعد الشرعية. ([59])

    الاحتكام للشريعة لا يلغي حق الإمام (أو واجبه) في التقنين:


    الاحتكام للشريعة لا يلغي حق الإمام في وضع الأنظمة المستنبطة من الشريعة، ولا يصادر حقه في اتخاذ القرارات والأنظمة التي لا بد منها لتسيير أمور الدولة، ذلك لأن نصوص الشريعة محدودة ومتناهية، وأما الحوادث وتطور الحياة والمسائل التي تواجه الأمة والدولة معا، فغير محدودة ولا متناهية، ولا بد للإمام واهل الحكم من مواجهة كل ذلك بما يرونه من أنظمة، ولكن هذا الحق ليس مطلقا، وإنما هو مقيد بما لا يخالف النصوص الشرعية، ولا يخرج على مبادئ الإسلام وقواعده العامة، وأن يكون ذلك لمصلحة الأمة الواجبة الرعاية، والتي لأجلها قامت الدولة، ولا يكون ذلك إلا
    بعد الرجوع إلى آهل الخبرة والاختصاص من الفقهاء وغيرهم. ([60])


    بل أن هناك من الباحثين من يرى أن التقنين طريق إقامة شرع الله وإحقاق الحق، بما ييسره التقنين من معرفة الأحكام الشرعية وسهولة الرجوع إليها، مع ضمانة الأحكام من التلاعب في زمن قل فيه الوازع الديني، وضعف التحصيل العلمي، مما يجعل لهوى النفس نصيبا في استصدار الأحكام القضائية. ([61])
    وخلاصة الأمر في هذا الموضوع: أن التقنين بالضوابط السابقة ليس خروجا عن الشريعة، بل هو احتكام إليها " لأن جميع الأحكام مستمدة منها، وفق مناهج الاستنباط المقررة في علم الأصول، وعلى هذا فإن التشريعات الصادرة حديثا التي لا تخالف الإسلام من قبل اللجان المشرعة لا تخالف قواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي. ([62])
    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,192

    افتراضي رد: تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره على مكانة النص الشرعي

    تقنين الأحكام الشرعية وتأثيره


    على مكانة النص الشرعي




    د. عبد المهدي ((محمد سعيد)) أحمد العجلوني [(*)]

    المطلب الثاني


    أن الاجتهاد في استنباط الحكم يكون من خلال النظر في النص الشرعي ، والتقن ين يجعل النص القانوني هو مجال الاجتهاد والنظر

    يرى مانعو التقنين أن تقنين الأحكام الشرعية في مواد معينة والإلزام بها يجعلها مرجعا للحكم، حيث يصبح القاضي ملزما بالحكم بها، كما أن حكمه معرض للنقض إن خالفها، أي أن التقنين يرفع درجة هذه الأحكام من أن تكون مجرد أحكام اجتهادية قابلة للنظر ممن وضعها ومن غيره من المجتهدين، إلى درجة أن تصبح هذه الأحكام نصوصا، أي أدلة ومرجعا للأحكام، وهذا فيه إخلال بعملية الاجتهاد المطلوبة من القاضي للوصول إلى الحكم، وهو الاجتهاد في طلب الحق من مظانه من الأدلة الشرعية ([63]).
    وخلاصة ما استدلوا به على هذا الأمر ما يأتي:

    النصوص التي امرت القاضي بالحكم بالحق، والحكم بالحق أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده، قال تعالى:( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) (ص:26)، والحق لا يتعين في رأي أو مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك، وإذا ظهر له الحق وجب عليه العمل به ([64])، وحكمه بغيره باطل، وقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) (المائدة: 42)، والقسط العدل، وهو الحكم بما يدين الله به من الحق، لا ما تلزمه به من تقنين قد يرى الحق بخلافه ([65])، قال ابن تيمية: " واجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقولي أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا " ([66]).
    ما رواه عمرو بن العاص -رضي الله عنه -أنه سمع رسول الله –صلي الله عليه وسلم -، يقول: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله اجر" ([67])، والاجتهاد الوارد في الحديث ما كان من خلال النظر في النصوص الشرعية لا في نصوص القانون.
    قول النبي صلي الله عليه وسلم قال: " القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل قضى بغير الحق، فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة " ([68])، فالناجي من هؤلاء من يقضي بالحق وهو ما كان عن اجتهاد ونظر في النصوص الشرعية، يؤكد ذلك حديث معاذ -رضي الله عنه -عندما بعثه النبي -صلي الله عليه وسلم -إلى اليمن، قال: أرأيت إن عرض لك قضاء، كيف تقضي ؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال: اجتهد رأيي، ولا آلو. قال: فضرب صدره، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. ([69])
    أن اشتراط الإمام على القاضي أن يحكم بحكم معين شرط ينافي مقتضى العقد، فيجعله باطلا، فإن العقد يقتضي أن يحكم بالحق عنده، وهذا الشرط قد حجره عليه، واقتضى أن يحكم بمذهب إمامه، وإن بان له الحق في سواه، وهذا مخالف لتلك الأدلة. ([70])
    أن الإلزام بها مخالف لما هو مقرر عند العلماء من أنه ليس لمن ولي امرأ من أمور المسلمين منع الناس من التعامل بما يسوغ فيه الاجتهاد. ([71])
    رأي الباحث:


    قبل بيان رأي الباحث فيما تقدم لا بد من الإشارة إلى أن ما قاله العلماء في مسألة الإلزام بحكم معين إنما هو في حق القاضي المجتهد، وهذا القاضي قد لا يكون موجودا، وإن وجد فلا يصل للعدد الكافي الذي يحتاجه الناس من القضاة، ولهذا نجد أن كثيرا من القضاة مقلدون، وهم بالتالي لا ينطبق عليهم الكلام المتقدم ([72])، فإلزامهم بالتقنين جائز على رأي من لا يجيز التقنين بحجة عدم جواز الإلزام، ولما كان أغلب القضاة على هذا النحو كان لزاما على مانعي التقنين أن يقولوا بجوازه ؛ لأن حجتهم في الإلزام سقطت بعدم وجود القاضي المجتهد أو ندرته، لأن الأحكام تبنى على الغالب، فما دام أغلب القضاة مقلدين فمعنى ذلك جواز إلزامهم بحكم معين ؛ الأمر الذي يعني جواز التقنين. ([73])
    أما استدلال مانعي التقنين بالآيات والأحاديث التي توجب الحكم بالحق فيمكن الجواب عنها بما يأتي:

    إن الذي يقضي بأحكام مقننة مستمدة من الشريعة الإسلامية ليس كمن تحاكم إلى القوانين الوضعية وترك أحكام الله سبحانه وتعالى، لأن دور القاضي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، ونبذ كل ما يخالفها، فجميع الأحكام المقننة تم استنباطها من أحكام الشريعة، وبالتالي هي اجتهاد ضمن دائرة النصوص الشرعية، وهي لا تخرج عن الحكم بالحق الذي دلت عليه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، "وفي تقنين الفقه أو التقنين منه عندما تتعدد الآراء والأقوال الفقهية في المسألة الواحدة يختار منها للتقنين ما هو الأصلح بحسب قوة الدليل الشرعي، ويسر التطبيق، والقرب من مقاصد الشريعة وعدالتها، وهذا الاختيار عمل اجتهادي يتطلب -فوق المعرفة الشرعية – بصيرة زمنية بأحوال الناس العملية وأنواع المشكلات التي يصادفونها والمخالفات التي يقعون فيها، وغالبا ما يعهد بهذا العمل الاجتهادي إلى مجموعة من الخبراء الثقات، وقلما يترك لرأي شخصي واحد، فهو اجتهاد جماعة وليس اجتهاد فرد". ([74])
    ثم من الذي يحكم بأن ما تم وضعه في التقنين هو خلاف الحق، وأن القول الثاني هو الحق. ([75])
    حتى في حق القاضي المجتهد فإن رأي الإمام يكون مرجحا لقول من الأقوال عند اختلاف العلماء، وأمره يرفع هذا الخلاف " لأن الله تعالى قد امر بطاعته، فإذا امر الإمام أن يقتل المسلم بالكافر فليس لحاكم أن يخالف هذا الأمر، وعليه أن ينفذه ولو خالف رأيه، فإن ما امر به الإمام واجب التنفيذ على الموافق والمخالف، وان أمره يرفع الخلاف مطلقا، أما حكم الحاكم أي قضاء القاضي، فيرفع الخلاف في القضية المعينة، ذلك بأن القضاة نواب للإمام ووكلاء له، فهم قضاة بإذنه، مقيدون بالتزام أوامره، فإذا رأى رايا مرجحا عملوا به، والتقنين لا يخرج عن كونه امرأ من أوامر الإمام لما ادن لمجموعة من العلماء أن يتخيروا من أقوال العلماء ما يتماشى وقواعد الشرع، ويناسب العصر، ويحقق للناس مصالحهم. ([76])
    من أدلة ذلك:

    عموم الأدلة التي امرت بطاعة الإمام، ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم) (النساء: 59)، وقوله صلي الله عليه وسلم (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). ([77])
    إن القاضي شرعا نائب عن الإمام، أي وكيله، والوكيل يجب عليه أن يتقيد بما يقيده به الموكل لأن الإرادة الأصلية للمنوب عنه، وقد تقدم.
    فعل السلف رضي الله عنهم: أن إلزام الإمام القاضي برأي من الآراء لا يلغي الآخر، فالراي الآخر يبقى موجودا، لكن الإمام بمقتضى نظره في تحقيق المصلحة العامة، قد يرى في مرحلة ما الإلزام براي من الآراء، وقد يلزم بالراي الأخر عندما تتغير المصلحة، وخاصة أن الرأيين صادران عن اجتهاد شرعي، ويساعد الإمام على تقدير تلك المصالح من يحيط به من علماء ومستشارين، والناظر في سيرة خير قادة الأمة بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم يتحقق من ذلك، فإنهم كانوا يلزمون بأحكام مختلف فيها، ومن أمثلة ذلك: اجتهادات عمر رضي الله عنه ([78]) في عدم توزيع ارض سواد العراق على الغانمين ([79])، وحجب سهم المؤلفة قلوبهم ([80])، ومنعه الزواج من الكتابيات ([81])، والزام المطلق ثلاثا بلفظ واحد بثلاث طلقات ([82]) وتوزيع المال بالتفاضل حسب القدم في الإسلام والحاجة وغيرها ([83])، فقد الزم عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الأحكام وهي مسائل اجتهادية، وقد خالف فيها من سبقه، فاتبعه في ذلك المسلمون، وحكم به القضاة والولاة، وهكذا سار جميع الخلفاء الراشدين على تبني الأحكام، وعلى إلزام الناس بترك اجتهادهم والالتزام بما تبناه الخليفة.
    فإن قال قائل إن هذه المسائل تتعلق بتصرفات الإمام، وهي خارج محل النزاع -فأمر الإمام يرفع الخلاف -فأقول أيضا: التقنين -وفق الضوابط الشرعية-امر خلافي يراه الإمام ويلزم به، وأمره به يرفع الخلاف، فما يقال فيما سبق، يقال أيضا في التقنين.
    4 -ما نقل من دعوى الإجماع على عدم إلزام الناس بقول واحد وحملهم عليه. يجاب عنه: بأن هذا الإجماع غير مسلم به، لأنه قد وجد من العلماء من قال بخلافه ([84])، فقد خالف الحنفية في هذه المسألة وقالوا بجواز الإلزام ([85])، كما خالف غيرهم من علماء المذاهب الأخرى، قال ابن فرحون: " واختلفوا هل للمجتهد أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من نظر واجتهد أم لا على ثلاثة أقوال، أحدها: أن ذلك له، والثاني: أن ذلك ليس له، والثالث: أن ذلك ليس له إلا أن يخاف فوات الحادثة، وأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد ففرضه المشورة والتقليد " ([86]).
    ثم أن الكثيرين ممن منعوا التقنين من علماء المملكة العربية السعودية قد أجازوا إلزام القاضي بالحكم بحكم معين، فقد جاء في قرار الهيئة القضائية السعودية اعتماد المذهب الحنبلي كمرجع ملزم للقاضي، والإلزام هو العائق الأساس في وجه التقنين، وهذا الإلزام موجود، مما يعني أن فكرة التقنين كانت موضع التنفيذ في صورة الإلزام بالحكم بمذهب إمام بعينه في أماكن كثيرة من البلاد الإسلامية، ولا يزال العمل بهذا جاريا في بعض البلاد. ومن ذلك: ما صدر به قرار الهيئة القضائية العليا في المملكة العربية السعودية، -والتي هي بمثابة المحكمة العليا في النظام القضائي الجديد-رقم (3) في17
    م1/1/1347ه المقترن بالتصديق العالي بتاريخ 24/3/1347 بما يأتي:

    أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتي به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل " نظرا لسهولة مراجعة كتبه والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله.
    إذا صار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتي به من المذهب المذكور ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقة ومخالفه لمصلحة العموم يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقضيه المصلحة ويقرر السير فيها على ذلك المذهب، مراعاة لما ذكر.
    يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب الآتية:
    1-شرح المنتهى. 2-شرح الإقناع. فما اتفقا عليه أو انفردا به أحدهما فهو المتبع، وما اختلفا فيه فالعمل على ما في المنتهي، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي الزاد أو الدليل إلى أن يحصل بها الشرحان وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح طلب نصها في كتب المذهب المذكور التي هي ابسط منها وقضى بالراجح. ([87])

    ويمكن أن يلاحظ -من النص السابق لقرار الهيئة -ما يأتي:

    أن الأصل هو الإلزام بالقضاء على وفق المذهب الحنبلي.
    إنه لا يصار إلى خلاف المذهب إلا عند وجود المشقة ومخالفة المصلحة العموم.
    إن مراجعة كتب الفقه الحنبلي سهلة، وهذا صحيح، لكن هذه الخصلة ليست خاصة بالمذهب الحنبلي، بل أن الصياغة القانونية للمواد تجعل مراجعة الأحكام أسهل من بقية كتب المذاهب الفقهية، وكذلك فإن ذكر الأدلة عقب المسائل ليست خاصة بالمذهب الحنبلي. ([88])

    الخاتمة وأهم النتائج:


    إذا أطلق النص في الشريعة فالمراد به نصوص القران والسنة، وهما مرجع الأحكام بإجماع المسلمين.

    الشريعة الإسلامية بما اشتملت عليه من نصوص جزئية وقواعد عامة، وبما فيها من مصادر تبعية: منهج حياة شامل متكامل، صالح لكل زمان ومكان.

    بين الله سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له.

    تقرير مبدا سيادة الشريعة لا يعني حرمان الإمام أو من ينيبه من حق اتخاذ القرارات ووضع الأنظمة التي لا بد منها لتسيير أمور الدولة، ذلك لأن نصوص الشريعة محدودة ومتناهية، وأما الحوادث وتطور الحياة والمسائل التي تواجه الأمة والدولة معا، فغير محدودة ولا متناهية.

    التقنين هو إلزام الإمام أو من ينيبه من هم تحت ولايته العامة بأحكام عملية مستمدة من نصوص الشريعة ومقاصدها ومبادئها العامة، مدونة على شكل مواد قانونية مرقمة ومرتبة ومبوبة.

    التقنين جزء من السياسة الشرعية، وهي مرتبطة بالنصوص الشرعية، وبمقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق المصالح للأمة ودفع المضار عنها، حيث نتمكن من خلالها من مسايرة التطورات الاجتماعية والوفاء بمطالب الحياة المتجددة، وذلك باستنباط الأحكام لما يجد من الحوادث والوقائع التي لا نجد لحكمها نصا أو إجماعا، على وجه يحقق مصلحة الأمة في جميع الأحوال والأزمان والأماكن، ويتفق والشريعة الإسلامية.

    علاقة التقنين بالنص الشرعي أن التقنين أحكام شرعية مستنبطة من نصوص الشريعة ومن مبادئها العامة، فهو ثمرة من ثمار النص الشرعي، تم استخلاصه حسب مناهج الاستنباط المعروفة في علم أصول الفقه.
    للتقنين المشروع ضوابط أساسية، منها: أن يكون مستنبطا من نصوص الشريعة أو مبادئها حسب مناهج الاستنباط المعروفة عند الأصوليين، وأن يكون من قبل الإمام أو من ينيبه، وأن يكون ملزما، وأن لا يعارض نصا قطعيا، وأن يوافق وجها من وجوه الاستنباط إذا كان من نص ظني، وأن يراعي مقاصد الشارع بتحقيق المصالح ودرء المفاسد الواقعة أو المتوقعة.

    هناك مساحة من التقنين مسموح بها بالاتفاق، كتقنين الإجراءات المتعلقة بالدعوى فهي محل اتفاق، وهذه تختلف عن تدوين ذات الأحكام التي سيحكم بها القاضي في المعاملات مثلا، أو الأنكحة أو العقوبات، فهي الأحكام التي منعوا من تقنينها، وموضع الخلاف في موضوع التقنين في إلزام الإمام القاضي بتقنين مستمد من نص شرعي ظني الدلالة، ولا يدخل في الخلاف إذا كان أصل المسألة ثابتا بنص قطعي أو المسائل التي لم يرد بحكمها نص، أو كان التقنين من غير أحكام الشريعة.

    من محاذير التقنين عند مانعيه مفسدة تعطيل الشريعة، وإحلال النظم الوضعية محلها، وترك النصوص الشرعية واستبدالها بالنصوص القانونية، حيث يجعل هذا النص المقنن هو المرجع للأحكام وليس النص الشرعي، ويجاب عنه بأن الاحتكام للشريعة جزء من عقيدة جميع المسلمين، والتقنين محل البحث ليس في التحاكم إلى القوانين الوضعية، وانما بتقنين الأحكام المستنبطة من النصوص الشرعية حسب مناهج الاستنباط الشرعية.

    من محاذير التقنين عند مانعيه: أن التقنين يجعل النص القانوني مجال الاجتهاد والنظر عند القاضي، أي يرفعه من درجة أن يكون حكما مستنبطا ليصبح دليلا، مع أن الاجتهاد المطلوب شرعا من القاضي في استنباط الحكم من خلال النظر في النص الشرعي، ويجاب عن ذلك بأن الحكم الذي يبنى على حال اغلب القضاة -وهم مقلدون -جواز إلزامه بالأحكام المدونة، وليس له الاجتهاد، فلا إشكال في التقنين له " لأن له أن يقلد في القضاء، وما كان قطعيا في دلالته، فهذا لا يمكن أن يحصل تعارض بين قناعة القاضي وبين التقنين، وكذلك ما ليس فيه نص شرعي فالقاضي ملزم فيه باتباع ما وضعه الإمام من تقنيات من باب طاعة ولي الأمر، وموضوع الخلاف في هذه القضية في المسائل التي تعتمد النصوص الظنية في دلالتها، حيث يلزم التقنين بحكم وتكون قناعة القاضي مخالفة لها، وهنا نجد جمهور الفقهاء يمنعون الزام القاضي ومذهب الحنفية على جواز الزام القاضي بما يراه الإمام، وهي قضية خلافية، ولا يمكن أن يحجر فيها احد على احد، ويترجح لدي فيها جانب التقنين، من باب طاعة ولي الأمر، وان أمره في ذلك يرفع الخلاف.


    المصادر والمراجع


    الحاكم، محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسأبوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ومع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1.1411-1990.
    الحميضي، عبد الرحمن، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة، مكة المكرمة، معهد البحوث العلمية وأحياء التراث الإسلامي، مركز بحوث الدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى.
    ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر بيروت، ط 1.
    الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفرابي، الصحاح.
    إبراهيم مصطفى. احمد الزيات. حامد عبد القادر. محمد النجار، المعجم الوسيط. دار النشر: دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.
    بدران، بدران أبو العينين، بيان النصوص التشريعية، طرقه وأنواعه، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.
    الحسن، خليفة بابكر تخصيص النصوص بالأدلة الاجتهادية عند الأصوليين، ط 1، القاهرة: مكتبة وهبة، 1413ه- 1993م.
    الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: احمد شاكر، دار الفكر، 1309 هـ.
    البروي، محمد بن محمد البروي الشافعي، المقترح في المصطلح، تحقيق: شريفة بنت علي بن سليمان الحوشاني، دار النير بين، دار الوراق، دمشق، بيروت، الرياض ،ط1، 1424ه-2004م.
    الشليخاني، عمر بن عبد العزيز، النقص من النص، الرياض، مكتبة أضواء السلف.
    الفضلي، عبد الهادي، الوسيط في قواعد فهم النصوص الشرعية، ط 1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي.
    الغزالي، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة الأولى، 1413.
    العجلوني، عبد المهدي، قواعد تفسير النصوص وتطبيقاتها في الاجتهاد القضائي الأردني، رسالة دكتوراه الجامعة الأردنية، 2005م.
    الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط1 ،1418ه-1998م.
    المحاميد، شويش، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر، دار عمار، عمان، الأردن.
    منصور، محمد خالد منصور، سبل النهوض بالتشريعات القضائية تقنينا وتطبيقا، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 4، 1427هـ ،2006 م.
    الشثري، عبد الرحمن، حكم تقنين الشريعة، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1428ه-2007 م.
    الجرعي، عبد الرحمن، تقنين الأحكام بين المانعين والمجوزين.
    المحاميد، شويش، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر، دار عمار -عمان -الأردن.
    الزحيلي، وهبة، جهود التقنين الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت.
    عبد البر، محمد زكي، تقنين الفقه الإسلامي المبدأ والنمهج والتطبيق، طبع على نفقة دار إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر، ط 2، 1407ه-1986 م.
    الأشقر، عمر، تاريخ الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمان، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثالثة، 1412ه-1991 م.
    الأشقر، عمر، الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني، دار النفائس، عمان، الطبعة الأولى ،1417 ه- 1997 م.
    الزحيلي، وهبة، الذرائع في السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، دار المكتبي، دمشق، ط1 ،1419ه-1999م.
    القرضاوي، يوسف، السياسة الشرعية في ضوء الكتاب والسنة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1421ه-2000م.

    ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت.
    المرداوي، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام احمد بن حنبل، دار إحياء التراث العربي بيروت -لبنان، ط 1، 1419 هـ.
    عمرو، تطبيقات السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية، 1994 م.
    ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق.
    ابن عابدين، محمد امجن بن عمر، رد المحتار على " الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، دار الفكر، بيروت.
    الزرقا، مصطفى احمد، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط1 ،1418ه-1998 م.
    العبد اللطيف، عبد الرحمن بن صالح، القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى ،1423ه -2003 م.
    البركتي، محمد عميم الإحسان المجددي، قواعد الفقه، الناشر: الصدف ببلشرز، كراتشي، 1407-1986.
    السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ،1403 هـ/1983 م، الطبعة الأولى.
    ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: 1400ه -1980م.
    السبكى، تاج الدين عبد الوهاب بن علي ابن عبد الكافي السبكي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1411 هـ-1991 م.
    الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، المصالح المرسلة، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1410هـ
    د. عمر بن صالح بن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية في القضاء الشرعي، مؤتمر القضاء الشرعي في الوقت الحاضر بين الواقع والمأمول، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة الشارقة.
    الجرعي، تقنين الأحكام، ص.10، بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد 33، ص 48، 49.
    الخطيب، عبد العزيز، مسؤولية سائق السيارة في ضوء الفقه الإسلامي، مجلة العدل، العدد 31، رجب 1427 هـ.
    مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي -بيروت.
    الحاكم، محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة الأولى، 1411-1990.
    الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، ت 450هـ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق د. احمد مبارك البغدادي، ط 1، 1409-1989، الناشر مكتبة دار قتيبة الكويت.
    ابن تيمية، الخلافة والملك، تحقيق: حماد سلامة ود. محمد عويضة، مكتبة المنار الزرقاء الأردن، ط2 ،1414-1994.
    د. صلاح الصاوي، الوجيز في فقه الخلافة، دار الأعلام الدولي.
    المحمود، عبد الرحمن بن صالح، الحكم بغير ما انزل الله أحواله وأحكامه، تقديم الشيخ صالح الفوزان، الرياض، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1420هـ- 1999م.
    الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق د. احمد مبارك البغدادي، ط 1، 1409 -1989، الناشر مكتبة دار قتيبة الكويت.
    ابن تيمية، الخلافة والملك، تحقيق: حماد سلامة ود. محمد عويضة، مكتبة المنار الزرقاء الأردن، ط 2، 1414-1994.
    الموسوعة الفقهية الكويتية، ج25، ص 301، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة -مصر.
    الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق، ط2، 1405 -1985 م.
    ابن قدامة، المغني، تحقيق: د. عبد الله التركي ود. عبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، الرياض، ط 3، 1417ه-1997 م.
    أبو زيد، بكر، فقه النوازل، قضايا فقهية معاصرة، بحث التقنين والإلزام، مؤسسة الرسالة.
    ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، الاختيارات الفقهية (مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى المجلد الرابع)، المحقق: علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة: 1397 هـ/1978 م.
    ابن فرحون، برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، وبهامشه كتاب العقد المنظم للحكام لأبن سلمون الكتاني، يطلب من عباس احمد الباز، المروة، مكة المكرمة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى بالمطبعة العامرة الشرفية بمصر المحمية 1301 هـ.
    الحصكفي، الدر المختار مع حاشية الطحطاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
    محمد رشيد رضا، الخلافة، الزهراء للأعلام العربي، مصر.
    أبو رخية، ماجد، القضاء الشرعي في مجال الأحوال الشخصية في الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة، من بحوث مؤتمر القضاء الشرعي بين الواقع والمأمول، كلية الشريعة، جامعة الشارقة.
    البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، دار الشعب -القاهرة، الطبعة: الأولى، 1407 -1987.
    الدريني، محمد فتحي، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالراي في التشريع الإسلامي، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، ط 2، 1405ه -1985م.
    يحيى بن ادم القرشي، كتاب الخراج، المكتبة العلمية -لاهور -باكستان، الطبعة: الأولى ،1974 .
    الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420ه-2000 م.
    الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القران للطبري، دار هجر، الطبعة: الأولى.
    رواه مسلم، صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، طبعة دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، بيروت.
    ابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي، شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد، الرياض، 1423ه-2003م، الطبعة: الثانية، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم.
    محمد، عبد الجواد محمد، التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1397ه -1977م.
    آل دريب، د. سعود بن سعد، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية في ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية، مطابع حنيفة للأوفست، الرياض، ط1، 1403ه-1983 م.

    [(*)] أستاذ مساعد بقسم الثقافة الإسلامية -كلية التربية -جامعة حائل -المملكة العربية السعودية.

    [1] الحاكم، محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ومع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1411-1990، كتاب العلم، ج1، ص 171.

    [2] الحميضي، عبد الرحمن، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة، مكة المكرمة، معهد البحوث العلمية واحياء التراث الإسلامي، مركز بحوث الدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، ص 85.

    [3] ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر - بيروت، ط 1، ج، ص 97، مادة نصص، الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفرابي، الصحاح، ج 3، ص 266-263، مادة نصص، إبراهيم مصطفى - أحمد الزيات - حامد عبد القادر - محمد النجار، المعجم الوسيط - دار النشر: دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.

    [4]العجلوني، عبد المهدي، قواعد تفسير النصوص وتطبيقاتها في الاجتهاد القضائي الأردني، رسالة دكتوراه في القضاء الشرعي، الجامعة الأردنية، 2005، ص 60.

    [5]بدران، بدران أبو العينين، بيان النصوص التشريعية، طرقه وأنواعه، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ص 30.

    [6] الحسن، خليفة بابكر تخصيص النصوص بالأدلة الاجتهادية عند الأصوليين، (ط1)، القاهرة: مكتبة وهبة 1413ه-1993،ص2

    [7] الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، دار الفكر 1309 هـ، ج 1، ص 21.

    [8] الحسن، تخصيص النصوص بالأدلة الاجتهادية عند الأصوليين، ص 2.

    [9] البروي، محمد بن محمد البروي الشافعي، المقترح في المصطلح، تحقيق: شريفة بنت علي بن سليمان الحوشاني، دار النير بين، دار الوراق، دمشق، بيروت، الرياض، ط 1، 1 م. 1424 هـ-2004 م، ص 125-128، الشليخاني، عمر بن عبد العزيز، النقص من النص، الرياض، مكتبة أضواء السلف، ص 13، الفضلي، عبد الهادي، (2001)، الوسيط في قواعد فهم النصوص الشرعية، ط 1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ص 113.

    [10] الغزالي، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة الأولى، 1413، ج 2، ص 7.

    [11] العجلوني، قواعد تفسير النصوص، ص 62.

    [12] ابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 348، الجوهري، الصحاح، ج 2، ص 98.

    [13] الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط 1، 1418ه-1998م، ج 1، ص 313.

    [14] المرجع السابق.

    [15] المحاميد، شويش، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر، دار عمار، عمان، الأردن، ص 437.

    [16] منصور، محمد خالد منصور، سبل النهوض بالتشريعات القضائية تقنينا وتطبيقا، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 4، 1427ه،2006 م، ص 3، نقلا عن د. عمر الأشقر، الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني.

    [17] منصور، سبل النهوض بالتشريعات القضائية، ص 3.

    [18] الحميضي، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة، ص 304، منصور، سبل النهوض بالتشريعات القضائية، ص 3.

    [19] الشثري، عبد الرحمن، حكم تقنين الشريعة، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى،1428ه-2007م، ص15.

    [20] الجرعي، عبد الرحمن، تقنين الأحكام بين المانعين والمجوزين، ص 2، المحاميد، شويش، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر، دار عمار -عمان -الأردن، ص 437، أما الدكتور وهبة الزحيلي: فقد عرف التقنين بانه: "صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهدة لها، جامعة لإطارها، في صورة مواد قانونية، يسهل الرجوع إليها. الزحيلي، وهبة، جهود التقنين الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 26. ويرى الدكتور محمد زكي عبد البر أن التقنين عبارة عن جمع القواعد الخاصة بفرع من فروع القانون بعد تبويبها وترتيبها وإزالة ما بينها من تناقض وفيها من غموض في مدونة واحدة ثم إصدارها في شكل قانون تفرضه الدولة عن طريق الهيئة التي تملك سلطة التشريع فيها بصرف النظر عما إذا كان مصدر هذه القواعد التشريع أو العرف أو العادة أو القضاء أو غير ذلك من مصادر القانون. عبد البر، محمد زكي، تقنين الفقه الإسلامي المبدأ والمنهج والتطبيق، طبع على نفقة دار إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر، ط2، 1407 هـ-1968م، ص 21. ويعرف الدكتور عمر الأشقر التقنين بانه: جمع القواعد القانونية المتعلقة بفرع معين من فروع القانون في شكل كتاب أو مدونة أو مجموعة واحدة، وذلك بعد مراجعة هذه القواعد وتنسيقها ورفع التناقض منها، وتبويبها بحسب الموضوعات التي تنظمها، والمجموعة تظهر في شكل مواد وتشمل مختلف النصوص المتعلقة بفرع من فروع القانون، فالمجموعة المدنية مثلا تتضمن القواعد القانونية التي تنظم روابط الأفراد فيما بينهم، والمجموعة التجارية تعرض لتنظيم الأعمال التجارية والعلاقات بين التجار. ويريد القانونيون بالتشريع وضع القواعد القانونية في صورة مكتوبة بواسطة السلطة المختصة بذلك، كما يطلق اصطلاح التشريع كذلك على القواعد القانونية ذاتها التي تضعها هذه السلطة. الأشقر، عمر، تاريخ الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمان، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثالثة ،1412 ه-1991 م، ص ،187-188، الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني، دار النفائس، عمان، الطبعة الأولى، 1417ه -1997م، ص 9، نقلا عن محاضرات في نظرية القانون محمد على أمام، ص 234.

    [21] الزحيلي، وهبة، الذرائع في السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، دار المكتبي، دمشق، ط،1، 1419 ه،1999م، ص10.

    [22] القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء الكتاب والسنة، ص 28-31، وقد عرف ابن عقيل السياسة الشرعية بانها " ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وان لم يضعه الرسول صلي الله عليه وسلم ولا نزل به وحي. ومن تعريفاتها كذلك: فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وان لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص13. المرداوي، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي، الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الأمام أحمد ابن حنبل، دار إحياء التراث العربي بيروت -لبنان، ط 1 ،1419هـ، ج 10، ص 189، عمرو، تطبيقات السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، ص 14. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 5، ص 76، ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، رد المحتار على "الدر المختار: شرح تنوير الأبصار))، ج 15، ص33.

    [23] ابن القيم، الطرق الحكمية، ص14.

    [24] ابن القيم، الطرق الحكمية، ص 13، 14

    [25] الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط 1، 1418ه-1998م، ج 1، ص311.

    [26] الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 6، ص 704، الخطيب، مسؤولية سائق السيارة، ص 150.

    [27] العبد اللطيف، عبد الرحمن بن صالح، القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1423هـ/2003 م، ج 1، ص 92، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 25، ص 296.

    [28] البركتي، محمد عميم الإحسان المجددي، قواعد الفقه، الناشر: الصدف ببلشرز، كراتشي ،1407-1986، ص 15، العبد اللطيف، عبد الرحمن بن صالح، القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير، ج 2، ص579

    [29] عطية عدلان، دور القواعد الكلية في ضبط السياسة الشرعية، ص 18.

    [30] السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403هـ/ 1983م، الطبعة: الأولى، ص 35. ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: 1400ه -1980م، ص 85.

    [31] السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 9. ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 85.

    [32]البركتي، قواعد الفقه، ص 19، عدلان، دور القواعد الكلية في ضبط السياسة الشرعية، ص 5 – 6

    [33]ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 85، السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي ابن عبد الكافي السبكي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1411ه 1991م، ج1، ص 59.

    [34] ابن نجيم، ص 86، السيوطي، ص 172.

    [35] ابن نجيم، ص 91، السيوطي، ص 179.

    [36] الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، المصالح المرسلة، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1410هـ، ص18.

    [37] د. عمر بن صالح بن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية في القضاء الشرعي، مؤتمر القضاء الشرعي في الوقت الحاضر بين الواقع والمأمول، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة الشارقة ص 3. الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 25، ص 301.

    [38] أبو زيد، التقنين والإلزام، ص 31، الحميضي ص 304-305، التنظيم القضائي الزحيلي 110-111، ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 11.

    [39] ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 12

    [40] عبد البر، تقنين الأحكام، ص 21-22، أبو زيد، التقنين والإلزام، ص 32، الجرعي، تقنين الأحكام بين المانعين والمجوزين، ص1.

    [41] أبو زيد، التقنين والإلزام، ص 32.

    [42] الجرعي، تقنين الأحكام، ص 10، بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد 33، ص 48، 49.


    [43] ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 4.

    [44] ومن أمثلة ذلك: صدور حكمين متناقضين بين محكمة دبي الشرعية وعجمان الشرعية في مسالة الطلاق في حال طهر جامعها فيه: وتتلخص في أن الزوج تقدم لمحكمة عجمان الشرعية بطلب إثبات وقوع طلاق حصل منه على زوجته، وهي في حال طهر جامعها فيه من عدمه، فتمت الكتابة لسماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية، فوردت فتواه بعدم الوقوع؛ لكونه طلاقا منكرا لاغيا، وأثناء انتظار فتوى سماحته رفعت الزوجة قضية بذات الموضوع لدى محكمة دبي الشرعية، وأثبت القاضي الطلاق على هذه الحال، وأمضاه على الزوجين، إلا أن القاضي بمحكمة عجمان الشرعية توقف عن نظر القضية في هذا الطلاق لكون قاضي محكمة دبي قد أصدر فيها حكما. ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 19،15.

    [45] ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 20.

    [46] الخطيب، عبد العزيز، مسؤولية سائق السيارة في ضوء الفقه الإسلامي، مجلة العدل، العدد 31، رجب 1427هـ، ص 149.

    [47] البسام، تقنين الشريعة أضراره ومفاسده، ص 3.

    [48] مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي -بيروت ج 2، ص 886.


    [49] الحاكم، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة الأولى، 1411-1990ج1، ص172.


    [50] الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، ت 450 هـ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق د. أحمد مبارك البغدادي، ط 1، 1409-1989، الناشر مكتبة دار قتيبة الكويت، ص 3، ابن تيمية، الخلافة والملك، تحقيق: حماد سلامة ود. محمد عويضة، مكتبة المنار الزرقاء الأردن، ط2 ،1414-1994، ص 10، د. صلاح الصاوي، الوجيز في فقه الخلافة، دار الأعلام الدولي، ص 18.

    [51] المحمود، عبد الرحمن بن صالح، الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، تقديم الشيخ صالح الفوزان، الرياض، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1420 هـ-1999 م، ص 46، الشريف، محمد بن شاكر، إن الاله هو الحكم، ص23. الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، ت 450 هـ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق د. أحمد مبارك البغدادي، ط 1، 1409 -1989، الناشر مكتبة دار قتيبة الكويت، ص 3، ابن تيمية، الخلافة والملك، تحقيق: حماد سلامة و د. محمد عويضة، مكتبة المنار الزرقاء الأردن، ط2 ،1414-1994 ص10، د. صلاح الصاوي، الوجيز في فقه الخلافة، دار الأعلام الدولي، ص18.

    [52] أخرجه مسلم في الأمارة (1844) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

    [53] تقدم تخريجه، ص 2.

    [54] الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 171.

    [55] يقول الشيخ مصطفى الزرقا: "إن قوانين المراسم ضرورة لابد منها؛ لأنها لا تستند إلى مبادئ الحقوق وقواعد العدل الثابتة، إنما هي تدابير تتصل بسياسة التشريع وتنظيم تطبيقه أكثر مما تتصل بتلك المبادئ والقواعد، وهذا التنظيم حق من حقوق أولياء الأمور العامة، ومن صلاحياتهم الزمنية، يحولون ويبدلون من مجاريه دائما على حسب ما يرون أنه أصلح وأضبط، فقد يوجبون اليوم طريقة في توثيق العقود أو تقديم الدعاوى إلى الحكام أو تسجيل الأحكام أو تنفيذها، ثم يرون غدا ما هو أسهل وأحوط وأفضل فيعدلون إليه، وقد يعينون مدة للتقادم (مرور الزمن ) ثم يرون المصلحة في زيادتها أو نقصها دون أن تتبدل أو تتغير المبادئ والنظريات الحقوقية التي تحكم أصل الحق، ولذلك لم يأت التشريع الإسلامي في أصله بشيء من أحكام المراسم إلا ما اعتبر فيه مصلحة ثابتة دائمة، كلزوم الأشهاد في عقد النكاح، وطريقة التلاعن بين الزوجين عندما يتهم الرجل امرأته بالزنى، وكالإرشاد العام إلى توثيق العقود بالكتابة أو الشهادة أو الرهن، وكأصول القضاء الأساسية من استماع الدعوى، وسؤال الخصم، وتكليف البينة أو اليمين "، الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص 231.

    [56] السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 35، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص27.

    [57] تقدم ذكرها.

    [58] السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 176، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 90.

    [59] عطية عدلان، دور القواعد الكلية في ضبط السياسة الشرعية.

    [60] الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 25، ص 301، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة
    الأولى، مطابع دار الصفوة -مصر.


    [61] ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 4.

    [62] الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق، ط 2، 1405 -1985م، ج 6، ص 659


    [63] البسام، تقنين الشريعة أضراره ومفاسده، ص 9، عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، ص 36.

    [64] ابن قدامة، المغني، تحقيق: د. عبد الله التركي ود. عبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، الرياض، ط 3، 1417 هـ-1997 م، ج 14، ص 91. أبو زيد، بكر، فقه النوازل، قضايا فقهية معاصرة، بحث التقنين والإلزام، مؤسسة الرسالة، ج 1، ص 73.

    [65] الشثري، تقنين الشريعة، ص 19

    [66] ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، الاختيارات الفقهية (مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى المجلد الرابع)، المحقق: علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة: 1397 هـ/ 1978 م، ص 624.

    [67] رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطا، ج 6، ص
    2676، رقم الحديث 6919.


    [68] تقدم تخريجه.

    [69] تقدم تخريجه.

    [70] ابن فرحون، برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، وبهامشه كتاب العقد المنظم للحكام لأبن سلمون الكتاني، يطلب من عباس احمد الباز، المروة، مكة المكرمة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى بالمطبعة العامرة الشرفية بمصر المحمية 1301هـ، ج1، ص 16-17.

    [71] الحصكفي، الدر المختار مع حاشية الطحطاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر -بيروت، ج 3، ص 198، وابن عابدين، رد المحتار، دار الفكر-بيروت، ج5، ص 408.

    [72] المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي ص 446.

    [73] قال الشيخ الزرقا: "في صدر الإسلام كان القضاة مجتهدين بحكم الضرورة، على خلاف الأصل، إذ لم تكن قد تكونت وتبلورت أراء ومذاهب اجتهادية في فهم النصوص الشرعية في الكتاب والسنة ليمكن الاختيار من بينها للقضاء، فكان ذلك حالة استثنائية (كتبدل اجتهاد محكمة التمييز اليوم ) تقبل ولا تستمر بصورة دائمة حرصا على مبدأ علنية النظام، !اذا كان القضاة في صدر الإسلام مجتهدين فقد كان ذلك حالة لا بد منها، ولا محيص عنها قبل أن تستقر قواعد الفقه وأصوله ومذاهبه، إذ كان الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين وتابعيهم متفرقين في الأمصار، وعند كل منهم علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره للقرآن ما ليس عند الآخر كما قال مالك رضي الله عنه للرشيد، أما بعد ذلك وقد استقر الفقه علي قواعده ومذاهبه، فلا يجوز أن يبقى القاضي حرا يختار للحكم في كل قضية ما يراه هو حقا وعدلا، ولو كان هو من العلم والفقه في رتبة الاجتهاد، بل يجب تقييده بنصوص معلنة للملأ لا يخرج عنها، وينحصر اجتهاده عندئذ في فهم النص وتفسيره وفقا لقواعد الفهم و التفسير في أصول الفقه كما سلفت الإشارة إليه حتى إن الرأي الاجتهادي للقاضي في فهم النص الموحد يجب - أيضا - أن يكون معروفا مسبقا للمكلفين ما أمكن إلى ذلك من سبيل ". الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج 1، ص 315.

    [74] الزرقا، المدخل الفقي العام، ج 1، ص314.

    [75] بحث تدوين الراجح من أقوال الفقهاء، العدد 32، ص 37.

    [76] ابن عمر، المقاصد المرعية من تقنين الأحكام القضائية، ص 17، محمد رشيد رضا، الخلافة، الزهراء للأعلام العربي، مصر، ص 87، أ.د. ماجد أبو رخية، القضاء الشرعي في مجال الأحوال الشخصية في الأردن ودولة الأمارات العربية المتحدة، من بحوث مؤتمر القضاء الشرعي بين الواقع والمأمول، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ص19، الشيخ علي جمعة، موقع الشيخ على جمعة مفتي مصر، alimamalallama.com/faqs.php?id=11 http: د. سعد بن عبد القادر القويعي، حكم الحاكم يرفع الخلاف، موقع الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. http://www.gph.gov sa/index.cfm?do= cms. conarticle&contented =3386&categoryid=10، مجلة جامعة الزيتونة، سؤال وجواب أمر الأمام يرفع الخلاف http://www.azeytouna.net/Cevabcevab_sual033.htm

    [77] رواه البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله، الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب: السمع والطاعة للأمام، البخاري مع الفتح، ج 9، ص 78، رقم الحديث 7144. حسب ترقيم فتح الباري، دار الشعب -القاهرة، الطبعة: الأولى، 1407-1987.

    [78] الدريني، محمد فتحي، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، ط 2، 1405 هـ-1985 م، ص 9-11.

    [79] يحيى بن ادم القرشي، كتاب الخراج، المكتبة العلمية -لاهور -باكستان، الطبعة: الأولى، 1974، ص 26. باب الغنيمة والفيء، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه، قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلي الله عليه وسلم خيبر. البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، رقم الحديث 4236، دار الشعب -القاهرة، الطبعة: الأولى،1407 -1987كتاب بدء الوحي ج 5، ص 176.

    [80] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ-2000 م، ج14، ص 60.

    [81] روى الطبري بإسناده عن عمر رضي الله عنه قال: " المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة" وقال: وإنما كره عمر لطلحة، وحذيفة، رحمه الله عليهم نكاح اليهودية، والنصرانية، حذرا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليهما" الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، دار هجر، الطبعة: الأولى، ج 3، ص716 .

    [82] رواه مسلم، صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، طبعة دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، بيروت، رقم الحديث 3746، ج 4، ص183.

    [83] ابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي، شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد، الرياض، 1423 هـ-2003 م، الطبعة: الثانية، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ج5، ص340.

    [84] يقول الشيخ الزرقا: "وأما الظن بان القاضي يجب شرعا أن يترك لاجتهاده يقضي بحسبه وأنه لا يجوز تقييده بقول شرعي واحد يلزم بالقضاء به فهذا ليس له سند متين من الفقه، وأن المصلحة توجب خلافه وتدعو إلى التمسك بعلنية الأحكام كما أسلفنا، ونصوص الفقهاء صريحة بان القضاء يتخصص بالزمان والمكان، وبنوع القضايا، وبالرأي المذهبي، فلو نصب قاض ليحكم بالمذهب الشافعي في أصح الأقوال فيه ليس له أن يقضي بسواه، ولو خالف مذهبه هو ذلك ؛ لأن القضاء في الأصل شرعا من حق الأمام الخليفة بعد أن كان لرسول الله في حياته، وأن للأمام أن ينيب عنه في القضاء إذا كثرت الأعباء العامة عليه، فالقاضي شرعا نائب عن الأمام أي وكيله، والوكيل يتقيد بما يقيده به الموكل لأن الإرادة الأصلية للمنوب عنه، فإذا رأى صاحب السلطة الشرعية في النظام اختيار رأي شرعي معتبر يلزم به الناس نظاما معلنا يطيعونه ويطبقونه، ويلزم نائبه القاضي أن يحكم به فهذا صحيح شرعا، ولزم للقاضي، وليس له تجاوزه والقضاء بسواه اجتهادا منه. الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج 1، ص 317.

    [85] الحصكفي: الدر المختار مع حاشية الطحطاوي، دار المعرفة، بيروت، ج 3 ص 198، ابن عابدين، رد المحتار، دار الفكر، بيروت، ج 5، ص 408، الحطاب، مواهب الجليل، ج 6 ص 98، الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، ص 130.

    [86] ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج1، ص45.

    [87] الجرعي، تقنين الأحكام، ص 9، محمد، عبد الجواد محمد، التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1397ه -1977 م، ص 82، آل دريب، د. سعود بن سعد، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية في ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية، مطابع حنيفة للأوفست، الرياض، ط 1 ،1403ه-1983 م، ص 313-314.


    [88] الجرعي، تقنين الأحكام، ص 8.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •