أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,548

    افتراضي أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا

    أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا




    أ.د. وليد بن محمد بن عبد الله العلي[(*) ]



    ملخص البحث:


    إنَّ النَّاظر في قصص الأنبياء والمُرسلين عليهم الصّلاة والسَّلام: يجد عظيم تخلُّقهم مع الرَّبَّ تعالى ومع النَّفس ومع سائر الأنام.

    وقد أودع الله تعالى في أنبيائه من الخِصَال الشَّريفة ما بوَّأهم في أُممهم رُتبة الأُسوة الحسنة، كما غرس حلَّ جلاله في رُسُله من الخِلال المنيفة ما جعلهم لمن بعدهم القُدوة المستحسنة، ومن تصفَّح ديوان النُّبوَّة نهل من معين الأخلاق الصَّافي؛ ومن تتبَّع قصصهم وجد في صريح سُؤْلِه الجواب الكافي.
    وبين أيدينا قصَّة نبيٍّ قد جعله الرَّبُّ سُبحانه من أكرم النَّاس، حيث تدثَّر من الأخلاق العظيمة والطِّباع الكريمة بخير لباسٍ.
    والمؤمن إنَّما يَكْرُم على الله تعالى بقدر ما يسير إليه سَيْر الحاثِّ، ويتخلَّق بالأخلاق الإسلاميَّة التي مردُّ جميعها للقواعد الثَّلاث: الأدب مع الله تعالى، والأدب النَّفس والأب مع عُموم البريَّة، فهذه الثَّلاثة هي أُصول الآداب الشَّرعيَّة، وقواعد الأخلاق المرعيَّة.
    وقد جُمعت هذه الأُصول الشَّرعيَّة الثَّلاثة الجامعة لآداب الإسلام: في وصيَّة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم التي هي من جوامع الكلام: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ).
    وقد انتظمت هذه الأخلاق الثَّلاثة أتمَّ انتظامٍ؛ في تفاصيل قصَّة يُوسف الصِّديق عليه السَّلام، فجمعها الله كُلَّها بجُملة واحدةٍ بأوجز الكلام، {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.
    وسأرفع في هذا البحث النِّقاب وأكتشف اللِّثام؛ عن أخلاق النَّبيِّ يُوسف الصَّدِّيق عليه السَّلام، حيث تجلَّت في سُورته الكريمة أخلاقه العظيمة حال البلاء؛ سواءٌ ما كان منها في الضَّرَّاء؛ أو ما كان منها في السَّرَّاء.

    المقدمة:


    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا؛ ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
    وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبده ورسوله.
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[2]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[3].
    أما بعد:
    فقد بعث الرَّبُّ سُبحانه في كُلِّ أُمَّةٍ من الأُمم الأنبياء المرسلين؛ وأيَّدهُم جلّ جلاله بالآيات البيِّنات، وأوحى إليهُم الكُتب المنزلة، فهدى بهم من الضَّلالة، وعلَّم بهم من الجهالة، وجمَّلهم بالأخلاق العظيمة التي تُبوِّؤهُم منزلة الأُسوة الحسنة، وكمَّلهم بالصِّفات الكريمة التي تُنزلهُم درجة القُدوة المستحسنة.
    وإنَّ النَّاظر في قصص الأنبياء والمرسلين عليهم الصَّلاة والسَّلام: يجد عظيم تخلُّفهم مع الرَّبِّ تعالى، ومع النَّفس، مع سائر الأنام.
    وسأرفع في هذا البحث النِّقاب وأكشف اللِّثام؛ عن أخلاق النَّبيِّ يُوسف الصِّدِّيق عليه السَّلام، حيث تجلَّت في سُورته الكريمة أخلاقه العظيمة حال البلاء؛ سواءٌ ما كان منها في الضَّرَّاء؛ أو ما كان منها في السَّرَّاء.
    وكُلُّ خُلُقٍ من أخلاق يُوسف الصِّدِّيق أنموذجٌ قويمٌ، وفيه من العبر والفوائد والحِكَم: ما يُعزِّز في نُفوس المتأمِّلين الثِّقة بدينهم الإسلامِّي، ويستنهض للتخلُّق بآدابه الهِمَم.
    ولازالت تستوقفني عبارةٌ يشعُّ منها النُّور والضِّياء؛ وهي قول الإمام ابن قيِّم الجوزَّية في قصَّة يُوسُف عليه السَّلام[4]: (وفي هذه القصَّة من العبر والفوائد والحِكَم: ما يزيد على ألف فائدةٍ، لعلَّنا إن وفَّق الله أن نُفردها في مُصنَّفٍ مُستقلٍّ)[5].
    كيف لا؛ وقد وُصف سُورة يُوسف في ألأوَّلها بأنَّها: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ}[6]، كما نُعتت قصته في آخر السُّورة بأنَّها: {عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[7].
    فوَصْفُها بأنَّها {أَحْسَنَ الْقَصَصِ}: (لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنةٍ إلى محنةٍ، ومن محنةٍ إلى محنةٍ ومنةٍ، ومن ذلٍّ إلى عزٍّ، ومن رقٍّ إلى ملكٍ، ومن فرقةٍ وشتاتٍ إلى اجتماع وائتلافٍ، ومن حزنٍ إلى سرورٍ، ومن رخاءٍ إلى جدبٍ، ومن جدبٍ إلى رخاءٍ، ومن ضيقٍ إلى سعةٍ، ومن إنكارٍ إلى إقرارٍ، فتبارك من قصها فأحسنها ووضحها وبينها)[8].
    ونعتها بأنها {عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}: (لما فيها من العبر والحكم والنُّكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من سير الملوك والمماليك والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد)[9].
    وقد قسمت البحث إلى: مقدمةٍ وتمهيدٍ وثلاثة مباحث وخاتمةٍ، وتفاصيل ذلك على النحو الآتي:

    أولاً: مُقدمة البحث، وتتناول: فاتحة البحث؛ وخُطّته.
    ثانيًا: التمهيد، ويتناول: أُصول الأخلاق الثلاثة التي تخلق بها يوسف عليه السلام.
    ثالثًا: المبحث الأول: (نماذج من تخلُّق يُوسف عليه السلام مع ربه تعالى)، وبيان هذا المبحث في المطالب الثلاثة الآتية:
    المطلب الأول: الإحسان في العبودية؛ والإخلاص لرب البرية.
    المطلب الثاني: الاستعانة بالله والالتجاء؛ والإلحاح عليه في الدعاء.
    المطلب الثالث: شُكر الله على أياديه؛ ونسبه الفضل لمبتديه.
    رابعًا: المبحث الثاني: (نماذج من تخلُّق يُوسف عليه السلام مع نفسه)، وبيان هذا المبحث في المطالب الثلاثة الآتية:
    المطلب الأول: الاستقامة في الصغر؛ والاستعصام في الكبر.
    المطلب الثاني: صدق البيان؛ وعفة اللسان.
    المطلب الثالث: ضبط النفس ساعة العتب؛ وكظم الغيظ عند الغضب.
    خامسًا: المبحث الثالث (نماذج من تخلُّق يُوسف عليه السلام مع الناس)، وبيان هذا المبحث في المطالب الثلاثة الآتية:
    المطلب الأول: التقدير للأبوين؛ والتوقير للوالدين.
    المطلب الثاني: الصفح عن الأخوة؛ وإن عظمت الهفوة.
    المطلب الثالث: التخلق مع جميع الناس؛ أبهى الحلل وأزهى اللباس.
    سادسًا: خاتمة البحث، وتتناول: أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، وملحقٌ بها: فهرس المراجع والمصادر العلمية التي تم الاستفادة منها، وفهرس الموضوعات.
    وقد التزمت في هذا البحث- الذي انتهجت فيه منهج البحث الاستقرائي الاستنباطي:- بعزو الآيات الكريمة؛ وتخريج الأحاديث الشريفة؛ وتوثيق النقول من مصادرها؛ وإحالة الاقتباسات إلى مراجعها، ونظرًا لشهرة من ورد ذكرهم من أئمة الإسلام: فإني لم ألتزم ببحثي بالترجمة والتعريف بالإعلام.
    وفي نهاية هذه المقدمة العامة؛ أقول: ألا ما أحوج هذه الأمة- لاسيما في وقتنا المعاصر- وقد غشيتها أمواج التغريب: أن تأخذ من هذه النماذج المباركة التي في هذه القصة أوفر الحظ والنصيب[10].
    والله سبحانه وتعالى أسأل؛ وبأسمائه الحُسنى أتوسل: أن يجعل أعمالنا كُلها صالحة، ولوجهه الكريم خالصة، وأن يجعل هذا البحث تعاونًا على البر والتقوى؛ وأن يجعل الدراسة تواصيًا بالحق وتواصيًا بالصبر.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه أجمعين.
    التمهيد:


    إن الله تعالى قد أودع في أنبيائه من الخصال الشريفة ما بوأهم في أممهم رتبة الأسوة الحسنة، كما غرس جل جلاله في رسله من الخلال المنيفة ما جعلهم لمن بعدهم القدوة المستحسنة، ومن تصفح ديوان النبوة نهل من معين الأخلاق الصافي؛ ومن تتبع قصصهم وجد في صريح سُؤله الجواب الكافي.
    وبين أيدينا قصة نبيٍّ قد جعله الرب سبحانه من أكرم الناس، حيث تدثر من الأخلاق العظيمة والطباع الكريمة بخير لباسٍ، مصداق ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قيل للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: من أكرم الناس؟ قال: أكرمهم أتقاهم قالوا: يا نبي الله؛ ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف؛ نبي الله؛ ابن نبي الله؛ ابن نبي الله؛ ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: أفعن معادن العرب تسألونني؟ قالوا: نعم. قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)[11].
    والمؤمن إنما يكرم على الله تعالى بقدر ما يسير إليه سير الحاث، ويتخلق بالأخلاق الإسلامية التي مرد جميعها للقواعد الثلاث: الأدب مع الله تعالى، والأدب مع النفس والأدب مع عموم البرية، فهذه الثلاثة هي أصول الآداب الشرعية وقواعد الأخلاق المرعية.
    وقد جمعت هذه الأصول الشرعية الثلاثة الجامعة لآداب الإسلام: في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي من جوامع الكلام، كما قال أبو ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ) أخرجه أحمد والترمذي[12].
    وقد انتظمت هذه الأخلاق الثلاثة أتم انتظامٍ؛ في تفاصيل قصة يُوسف الصديق عليه السلام، فجمعها الله كلها بجملة واحدةٍ بأوجز الكلام {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}[13].
    قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى مبينًا جملة ما تضمنه قول يوسف عليه السلام: (أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد عنه، ولأنه خيانةٌ في حق سيدي الذي أكرم مثواي فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلةٍ، وهذا من أعظم الظلم؛ والظالم لا يفلح.
    والحاصل: أنه جعل الموانع له من هذا الفعل: تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه)[14].
    فحسن يُوسف الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة عُرج به إلى السماوات الطباق: يتناول حسن الصديق عليه السلام في الباطن وفي الظاهر وحُسنه أيضًا في الخلق وفي الأخلاق، حيث قال: (فإذا أنا بيُوسف صلى الله عليه وسلم؛ إذا هو قد أُعطي شطر الحُسن، فرحب ودعا لي بخيرٍ)[15].
    ومصداق ذلك قول امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}[16]، (فوصف ظاهره بالجمال، وباطنه بالعفة، فوصفته بجمال الظاهر والباطن، فكأنها قالت هذا ظاهره، وباطنه أحسن من ظاهره)[17].
    ولما كانت أصول الأخلاق المرعية؛ لا يتوصل إليها إلا بالعلوم الشرعية: كان العلم (أفضل من الصورة الظاهرة؛ ولو بلغت في الحسن جمال يوسف، فإن يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العزُّ والرفعة والتمكين في الأرض، فإن كل خيرٍ في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته)[18].
    ومن تأمل قصة يوسف الصديق عليه السلام ثم تخلق بأخلاقه فقد تبوأ نزل الكرامة، ويرجى أن يأخذ بحظ وافرٍ من صفات الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة، فيوسف قد نشأ في شبابه بعبادة الله واستعصم من امرأة العزيز وعدل في الإمامة، (فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء؛ المذكورين في الصحيحين[19] عن خاتم الأنبياء؛ في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء)[20]: (سبعةٌ يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشابٌّ نشأ بعبادة الله، ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه).
    هذا ولأشرع الآن في ذكر نماذج من أخلاق يُوسف الصديق، مستلهمًا من الرب سبحانه وتعالى السداد والرشاد والتوفيق:
    المبحث الأول


    نماذج من تخلق يوسف عليه السلام مع ربه تعالى


    إن هذه السورة الكريمة قد تجلت في آياتها الحسان أخلاق يُوسف عليه السلام، وإن أرفع مقامات التخلق هو تخلق العبد مع ربه ومولاه الملك القدوس السلام، وبيان ذلك في المطالب الثلاثة الآتية:
    المطلب الأول


    الإحسان في العبودية؛ والإخلاص لرب البرية:


    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف الصديق عليه أفضل الصلاة والسلام: أن يعبد المرء كأنه يراه، وهي مرتبة الإحسان التي لا يبلغها إلا من اختصهم الله تعالى من الأنام، قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[21].
    فقد أخبر الله سبحانه (أنه يجزي المحسنين أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، وأخبر سُبحانه أنه يجزي على الإحسان بالعلم، وهذا يدل على أنه من أحسن الجزاء.
    أما المقام الأول: ففي قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}[22]. وهذا يتناول الجزاءين الدنيوي والأخروي.
    وأما المقام الثاني: ففي قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.
    قال الحسن: من أحسن عبادة الله في شبيبته لقاه الله في الحكمة في شيبته، وذلك قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[23].
    ومن هذا قول بعض العلماء: تقول الحكمة: من التمسني فلم يجدني فليعمل بأحسن ما يعلم؛ وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه؛ وإن لم يعرفني)[24].
    وقد تكرر وصف يوسف الصديق عليه السلام بالإحسان؛ في تضاعيف هذه السورة الكريمة في خمس آيات حسانٍ، هذه أولها.
    وثانيها في قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[25].
    وثالثها في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[26].
    ورابعها في قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[27].
    وخامسها في قوله تعالى: {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[28].
    فكان من آثار هذا الإحسان في عبادة رب العالمين: ظهور الإحسان في معاملته- كما سيأتي- للمخلوقين.
    ومن دلائل الإحسان في العمل: الإخلاص المنافي للزلل والخطل، فالعبد إنما يعصم- بفضل المولى سبحانه- من تزيين الشيطان؛ على قدر إخلاصه الوجه والعمل الذي هو دلالة الإحسان، فهو قد أيس من إغواء عباد الله المخلصين، إنما سلطانه على الذين يتولونه من الغاوين، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّ هُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}[29].
    والله تعالى، إنما صرف عن يوسف عليه السلام ما دعي إليه من الزنا ومقدماته بالإخلاص، فإذا تعرى العبد من ثوب الإخلاص وتعرض للسوء والفحشاء غوى ولات حين مناص؛ لأن (من دخل الإيمان قلبه؛ وكان مخلصًا لله في جميع أموره: فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه، لقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}[30], على قراءة من قرأها بكسر اللام.
    ومن قرأ بالفتح[31]: فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمنٌ لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله: أخلصه الله؛ وخلصه من السوء والفحشاء)[32].

    المطلب الثاني


    الاستعانة بالله والالتجاء؛ والإلحاح عليه في الدعاء:


    إن من النماذج الإخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: الاستعانة بالله سبحانه والالتجاء إليه والاعتقاد بأنه لدعاء السائلين مجيبٌ، وأنه هو السميع العليم، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[33].
    وقد تجلى الإلحاح في الدعاء؛ كما ظهر الصدق في الالتجاء، (فاختار السجن على الفاحشة، ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته، وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده لا من نفسه، فقال: {إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}[34].
    وهكذا ينبغي للعبد أن يلح في الدعاء، وأن يطرح على أعتاب الرب، و(أن يلتجئ إلى الله ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية[35]والذنب، (وهذا فزعٌ منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى، جريًا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم، ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني؛ وإلا هلكت)[36].
    فيوسف عليه السلام لما التجأ إلى الله تعالى: أجاب الرب سبحانه (له دعاءه، {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}، أي: أيده بالتأييد القدسي، فصرفه إلى جناب القدس، ودفع عنه بذلك كيدهن، {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: لدعاء المتضرعين إليه {الْعَلِيمُ} أي: بما يصلحهم[37].
    وهذا من تضرع يوسف عليه السلام لمولاه في الضراء، وقد جاء عنه كذلك الالتجاء إلى الله تعالى في السراء، ومن ثم فقد صدق في الدعاء في حال الشدة وحال الرخاء، فقال: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }[38].
    وهكذا (ينبغي للعبد أن يتملك إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة، وتمام النعمة)[39].
    وإن المتدبر في دعوة يوسف وتضرعه؛ والمتبصر في مناجاة الصديق وتضوعه: يجدها قد جمعت: (الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غير سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء)[40]، فما أجله من التجاءٍ؛ وما أعظمه من دعاءٍ.
    المطلب الثالث


    شكر الله على أياديه؛ ونسبة الفضل لمبتديه

    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: شكر مولاه تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة، والاعتراف بماله من الإنعام، فيقول بمعرض الثناء على آلائه؛ والشكر له على جميع نعمائه: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}[41]
    وقد نسب إلى الله تعالى نعمة التعليم؛ التي تحف المنعم بها بالتبجيل والتكريم، {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[42].
    كما نسب إلى الله تعالى ما أنعم عليه به سائر النعم الدنيوية، وشكر هذه النعم في أن يسخرها المنعم عليه في مرضاة رب البرية، {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[43].
    وقد جمع يوسف عليه السلام بين ذكر فضل الله عليه بالتعليم؛ وبين الاعتراف بما أسداه إليه الله تبارك وتعالى من الخير العميم، فقال: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }[44].
    فيوسف عليه السلام قد ناجى (ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا؛ والنعمة العظمى في الآخرة، فذكر ثلاث نعمٍ: اثنتان دنيويتان وهما: نعم الولاية على الأرض، ونعمة العلم، والثالثة أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام)[45].
    فقول يوسف عليه السلام: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}[46] فيه دلالة على (أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمةٍ بعد شدةٍ وفقرٍ وسوء حالٍ أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها)[47].
    وفي ختام هذا المبحث الأول؛ وعن محتويات مطالبه أقول: هذه نماذج من تخلق يوسف الصديق عليه السلام مع ربه ومولاه، وأرفع ذلك تخلقه مع الله بالإحسان وهو عبادته تعالى كأنه يراه.

    المبحث الثاني


    نماذج من تخلق يوسف عليه السلام مع نفسه

    إن هذه السورة الكريمة قد تجلت في آياتها الحسان أخلاق يوسف الصديق، وإن من مقامات التخلق هو: تخلق العبد مع نفسه ومجاهدتها على التحقيق، وبيان ذلك في المطالب الثلاثة الآتية:

    المطلب الأول


    الاستقامة في الصغر؛ والاستعصام في الكبر


    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: هو نشأته المقترنة بعبادة الله سبحانه فان ممن آمن بربه تبارك وتعالى ثم استقام، قال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)[48].
    وإذا نشأ الشاب محاطاً بكنف شرع الله المصون: فهو ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[49].
    ولما كان الله تعالى قد جعل الجزاء من جنس العمل: كان حفظ هذه الأعضاء من أثر حفظها من الزلل، فإذا حفظ العبد مولاه في صباه وفتوته: فإن الله يحفظه إذا استعرت نار شهوته، كما أخرج أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام؛ إني أعلمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت: فاسأل الله، وإذا استعنت: فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ: لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ: لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام؛ وجفت الصحف)[50].
    (فكل من أحسن في عمله أحسن الله جزاءه، وجعل عاقبة الخير من جملة ما يجزيه به)[51]، وقد تجلى ذلك حين أدخل يوسف الصديق عليه السلام في كير المراودة فخرج ذهبًا أحمر، وقد انقشعت عنه دجم الفتن- ظلامها-، وظلم المحن وهو بفضل مولاه تعالى أقدر على دفعها وأصبر، يصدق ذلك قول امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}[52].
    قالت {فَاسْتَعْصَمَ}، والزيادة في المبنى: للزيادة في المعنى، فزيادة السين والتاء؛ لزيادة التمنع والإباء، فاللفظ (يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمةٍ وهو يجتهد في الاستزادة منها)[53].
    نعم؛ لقد عصم الله تعالى يوسف من الضلال؛ فاستعصم بلسان المقال ولسان الحال:
    أما عن الاستعصام بلسان لمقال؛ فيتجلى في قوله تعالى عن الصديق: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ}[54].
    وأما عن الاستعصام بلسان الحال؛ فيتجلى في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ}[55].
    وبهذا يكون يوسف عليه السلام قد اختار العقوبة الدنيوية؛ وآثرها بصبره واستعصامه على العقوبة الأخروية[56]، {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}[57].
    وهكذا (ينبغي للعبد إذا ابتلى بين أمرين- إما فعل معصيةٍ، وإما عقوبةٌ دنيويةٌ- أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة[58]، وهذا مقام تذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته لذا فهو يصبر صبر اختيار، لأنه يكره أن يجترح السيئات ويغشى الكبائر كما يكره أن يلقى في النار، كما أخرج البخاري ومسلمٌ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحل عبدًا لا يحبه إلا الله، ومن يكره أن يعود في الكفر- بعد إذ أنقذ الله-، كما يكره أن يلقي في النار)[59].
    لذا؛ فإن البلاء (بمخالفة دواعي النفس والطبع: من أشد البلاء، فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون، وأما البلاء الذي يجري على العبد بغير اختياره؛ كالمرض والجوع والعطش ونحوها: فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان، بل يصبر عليه البر والفاجر، ولاسيما إذا علم أنه لا معول له إلا الصبر، فإنه إن لم يصبر اختيارًا: صبر اضطرارًا.
    ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم لما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه؛ وابتلائه بمراودة المرأة وهو شابٌّ عزبٌ غريبٌ بمنزلة العبد لها، وهو الداعية له إلى ذلك: فرقٌ عظيمٌ؛ لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء.
    فإن الشباب داعٍ إلى الشهوة، والشاب قد يستحي بين أهله ومعارفه من قضاء وطره؛ فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزبًا كان أشد لشهوته، وذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد، وإذا كانت جميلة كان أعظم، فإن كانت ذات منصب كان أقوى من الشهوة، فإن كان ذلك في دارها وتحت حُكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضًا للطلب، فإن كان الرجل مملوكها وهي الحاكمة عليه الآمرة الناهية كان أبلغ في الداعي، فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبة فهذا الابتلاء الذي لا يصبر معه إلا مثل الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين.
    ولا ريب أن هذا الابتلاء: أعظم من الابتلاء الأول، بل هو من جنس ابتلاء الخليل صلى الله عليه وسلم بذبح ولده، إذ كلاهما ابتلاءٌ بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم الطبع جملة، وهذا بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون صلوات الله وسلامه عليه، والتي أصابت أيوب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)[60].

    المطلب الثاني


    صدق البيان؛ وعفة اللسان

    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: ما اجتباه به ربه تبارك وتعالى وهداه للصدق في الحديث والعفة في الكلام.
    فأما صدق الحديث فقد شهدت به امرأة العزيز، وإنما كان الحق ما شهدت به الأعداء لأنه عزيزٌ، فقالت: {الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}[61].
    والصدق طمأنية للقلب وقرةٌ للعين، كما أنه منجاةٌ لصاحبة في الدارين، {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[62].
    وقال كعب بن مالكٍ رضي الله عنه: (يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله؛ ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبله الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله؛ ما تعمدت كذبه منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي) أخرجه البخاري ومسلمٌ[63].
    ومع صدق يوسف في البيان: فقد كان أيضًا عفيف اللسان، فهو يتنزه عن ذكر تفاصيل ما يستفحش وما يسوء من الكلام الذميم، إذا لم يذكر للعزيز تفاصيل مراودة امرأته وما كادته من الكيد العظيم، وإنما {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}[64].
    فجرى يوسف عليه السلام عند ذكرها (على سجايا الكرام، بأن سكت سترًا عليها وتنزهًا عن ذكر الفحشاء)[65] والحرام.
    وهذا خلق المصطفين الأخيار، وهدى عباد الله تعالى الأبرار، قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) أخرجه البخاري ومسلمٌ[66].

    المطلب الثالث


    ضبط النفس ساعة العتب؛ وكظم الغيظ عند الغضب

    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: أن يتخلى المرء بإزار الحلم ورداء الأناة في المواطن التي هي مظنة الخصام، لاسيما في زمن تغير الأمور ووقت تبدل الأحوال وساعة تداول الأيام، قال تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}[67].
    فلم يعاجل يوسف عليه السلام إخوته وقد عرفهم بالعتاب، وإنما تملكه الحلم والأناة واستدرجهم لمراده بألطف الأسباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج- أشج عبد القيس-: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) أخرجه مسلمٌ من حديث عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما[68].
    ولقد أعطي يوسف (عليه السلام من الحلم والصبر والأناة ما تضيق الأذهان عن تصوره، ولهذا ثبت في الصحيح[69] من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي): يعني: الرسول الذي جاء يدعوه إلى الملك[70].
    فثوب الصبر الذي كسا به يوسف الصديق النفس؛ بعد طول لبثها في السجن ومدة مكثها في الحبس: (دليلٌ على أن السعي في براءة العرض حسنٌ؛ بل واجبٌ)[71]، فيوسف عليه السلام أبي (أن يخرج إلا أن تصح براءته عند الملك مما قذف به؛ وأنه حبس بلا جرم)[72]، وقال لرسول الملك: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}[73].
    فهذه من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: وهو أن يجتهد المرء في طهارة عرضه فيرفع عن نفسه الريبة ويدفع عنها الاتهام.
    ومن دلائل صبر يوسف عليه السلام: أن إخوته لما وجهوا إليه سهام الاتهام؛ حلم ورفق بهم، ولم يعاجلهم بالانتقام، وذلك حين {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}[74].
    فحل عليهم وتأنى بهم ولم يفصح عن المقال؛ وذلك (للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال)[75].
    وعن معاذ بن أنسٍ الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه: دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق؛ حتى يخيره من أي الحور شاء) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه[76].
    فهذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن يتجمل بها الإنسان؛ إلا وقد اختصه الله سبحانه بالتقوى والصبر والإحسان، كما قال يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[77].
    وإنما قدم التقوى والصبر لأنه لابد (للإنسان من شيئين: طاعته بفعل المأمور وترك المحظور، وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور، فالأول: هو التقوى، والثاني: هو الصبر)[78]، وفي ذلك دلالةٌ على (فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خيرٍ في الدنيا والآخرة فمن آثاره التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلها أحسن العواقب)[79].
    وإنما أخر الإحسان بعد ذكرهما؛ ثم أتى به في السياق على إثرهما: للتنبيه (على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان)[80].
    وفي ختام هذا المبحث الثاني؛ وعن محتويات مطالبه أقول: هذه نماذج من تخلق يوسف الصديق عليه السلام مع نفسه الكريمة، حيث تجلت في قصته- التي هي أحسن القصص- أخلاقه العظيمة.

    المبحث الثالث


    نماذج من تخلق يوسف عليه السلام مع الناس

    إن هذه السورة الكريمة قد تجلت في آياتها الحسان أخلاق يوسف عليه السلام، فقد تضمنت محاسن خلقه مع الوالدين وتخلقه مع إخوته وتخلقه مع سائر الأنام، وبيان ذلك في المطالب الثلاثة الآتية:
    المطلب الأول


    التقرير للأبوين؛ والتوقير للوالدين

    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: توقير الابن لأبويه عند مخاطبتهما والتلطف في النداء والأدب في الكلام، مصداق ذلك قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}[81]، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}[82].
    فإن مخاطبة الابن لأبيه بنظير هذه المخاطبة اللطيفة هي من موروثات التعليم؛ التي ورثها يوسف عن إبراهيم وإسماعيل عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}[83]. وقال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين}[84].
    وهذه الآداب الرفيعة إنما يتوارثها الأبناء عن الآباء؛ أو يتلقاها الطلاب عن أساتذتهم بالإتباع والاقتداء، وهي من خفض جناح الذل للأبوين المقرون بالدعاء، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[85].
    ومما يدل في القصة على رحمة يوسف بأبيه وشفقته؛ قول يوسف عليه السلام في آخر مشاهدها لإخوته: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا}[86].
    وهذا من بر الصديق بأبيه؛ ليفرج عنه كربه، لعلمه أنه بهذه (المدة لم يفارق الحزن قلبه، وهو دائم البكاء، حتى ابيضت عيناه من الحزن وفقد بصره، وهو صابرٌ لأمر الله، محتسب الثواب عند الله)[87].
    وترشد الآيات الكريمات إلى خفض يوسف عليه السلام جناح الذل لوالديه، وهذا المشهد يتجلى ساعة دخولهما مصر حين آواهما ثم رفع على العرش أبويه، قال تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}[88].
    وفي تقديم يوسف عليه السلام؛ الشمس على القمر في الكلام؛ فائدةٌ جليلةٌ تضاف لهذا المقام، فإن قوله لأبيه: {لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}[89]: فيه دلالةٌ على تقديم حقِّ الأم على حق الأب، وأنه يصرف لها القدر الزائد من التقدير والحب، فقد (قال المفسرون: {الْقَمَرَ} تأويله: الأب، و{الشَّمْسَ} تأويلها: الأم، فانتزع بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب[90].
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) أخرجه البخاري ومسلمٌ[91].

    المطلب الثاني


    الصفح عن الإخوة؛ وإن عظمت الهفوة

    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: حسن تخلقه مع إخوته فلم يزل مستمسكًا بعروة الرحم التي ليس لها انفصام، فقد حظي إخوة يوسف عليه السلام ساعة قدومهم عليه بالحفاوة والإكرام، حيث اختص إخوته بنوعين من الإكرام وهما الإكرام الخاص والإكرام العام.
    أولاً: الإكرام العام لهم جميعًا، قال تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}[92].
    فمعنى قول يوسف عليه السلام لإخوته: {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}: أي: المضيفين، وقول ذلك تحريضٌ لهم على الإتيان به، لا امتنان)[93]، وفيه دلالةٌ على (مشروعية الضيافة؛ وأنها من سنن المرسلين)[94].
    ثانيًا: الإكرام الخاص بأخيه، قال تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[95].
    وفي كلا الإكرامين: فقد أدخل يوسف عليه السلام إخوته (دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والإلطاف والإحسان)[96].
    ولئن كان يوسف عليه السلام قد أحسن إلى إخوته بالإكرام؛ فقد فاق ذلك الإحسان وتجاوزه إحسانه إليهم في الكلام، إذ شنف آذانهم بالتلطف في العتاب، ولم يصم أسماعهم بالعنف في الخطاب، فقال لهم: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}[97].
    ولم يكتف بذلك حتى طهر بماء العفو، ما أصاب ثوب الأخوة من دنس الهفو، حين {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[98].
    فتجاوز يوسف عليه السلام (عن ذنب إخوته؛ وبقاؤه عليهم؛ ومصافاته لهم: تعلمنا أن نغفر لمن يسئ إلينا، ونحسن إليه، ونصفي له الود، وأن نغضي عن كل إهانة تلحق بنا، فيسبغ الله تعالى إذ ذاك علينا نعمة وخيراته في هذا الدنيا؛ كما أوسع على يوسف، ويورثنا السعادة الأخروية.
    وأما إذا أضمرنا السوء للمسيئين إلينا؛ ونقمنا منهم: فينتقم الله منا، ويوردنا مورد الثبور، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا)[99].
    ويتصف يوسف الصديق عليه السلام بخلق الصفح الجميل تحققًا؛ فلا يظهر العتب الشديد في هذا المشهد الأخير من قصته لا تصريحًا ولا تلميحًا ولا تلويحًا تأدبًا معهم وتخلقًا[100]، فيقول {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}[101].
    فلم يقل يوسف عليه السلام: (أخرجي من الجب، حفظًا للأدب مع إخوته؛ وتفتيتًا عليهم أن لا يخجلهم بما جرى في الجب.
    وقال: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ}، ولم يقل: رفع عنكم جهد الجوع والحاجة، أدبًا معهم.
    وأضاف ما جرى إلى السبب؛ ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه. فقال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}.
    فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه، ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم)[102].

    المطلب الثالث


    التخلق مع جميع الناس؛ أبهى الحلل وأزهى اللباس


    إن من النماذج الأخلاقية المستوحاة من قصة نبي الله يوسف صلوات الله وسلامه عليه: هو تخلق المرء مع عموم خلق الله ممن يعرفه أو لا يعرفه وممن أحسن إليه أو أساء إليه، وقد تجلى هذا الهدي القويم في مواضع من هذه السورة الكريمة، فبان حسن خلق يوسف في مواطن من هذه القصة العظيمة.
    فمن ناحية ما خص به يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن من بذل النصيحة، فلئن كانت الهدية من حسن الخلق فإن أحسن ما يهدي تعليم العقيدة الصحيحة، فقال لهما: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[103].
    فمن النصح للسائل إذا كان (في حاجة أشد لغير ما سأل عنه: أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف لما سأل الفتيان عن الرؤيا: قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له)[104].
    وهذا من حسن خلق يوسف عليه السلام في دعوته؛ أنه جعل (ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله.
    وهذه طريقةٌ على كل ذي علمٍ أن يسلكها مع الجهال والفسقة؛ إذ استفتاه واحدٌ منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه، ثم يفتيه بعد ذلك)[105].
    مع التأسي بيوسف عليه السلام في تقريب خطابه (مع أفهام العامة، إذ فرض لهما إلهًا واحدًا متفردًا بالإلهية- كما هو حال ملته التي أخبرهم بها-؛ وفرض لهما آلهة متفرقين كل إلهٍ منهم إنما يتصرف في أشياء معينةٍ من أنواع الموجودات تحت سلطانه لا يعدوها إلى ما هو من نطاق سلطان غيره منهم- وذلك حال ملة القبط- ثم فرض لهما مفاضلة بين مجموع الحالين: حال الإله المنفرد بالإلهية؛ والأحوال المتفرقة للآلهة المتعددين؛ ليصل بذلك إقناعهما بأن حال المنفرد بالإلهية أعظم وأغنى، فيرجعان عن اعتقاد تعدد الآلهة)[106].
    وهذا يدل علي (أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء: فعليه عبوديةٌ له في الشدة، فيوسف عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته؛ حيث ظنا فيه الظن الحسن قالا {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[107]؛ وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده: رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولاً أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم: إيمانه وتوحيده؛ وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بلسان الحال، ثم دعاهما بالمقال؟، وبين فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه)[108].
    وإن من أخلاق يوسف الصديق عليه السلام: أنه لم يواجه صاحب السجن بالعتاب والملام، حين قال له: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}[109].
    ثم لما رأى الملك الرؤيا و(بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، وجاء سائلاً مستفتيا عن تلك الرؤيا، فلم يعنفه يوسف ولا وبخه لتركه ذكره، بل أجابه عن سؤاله جوابًا تامًّا من كل وجهٍ)[110]، {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}[111].
    وهكذا (ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمرٍ ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته وحسن إرشاده، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دلهم مع ذلك على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع وكثرة جبايته)[112].
    وفي القصة ما يدل على حسن خلق يوسف الصديق عليه السلام؛ إذ لم يذكر لرسول الملك تفاصيل مراودة النسوة له عن نفسه بالحرام، وإنما آثر الستر عليهم في الجواب مع الاكتفاء بذكر مجمل الكلام، فقال له: مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ[113].
    فيوسف عليه السلام قد (ذكر النساء جملة؛ ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح، حتى لا يقع عليها تصريحٌ، وذلك حسن عشرةٍ وأدبٍ)[114].
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوه القيامة) أخرجه مسلمٌ[115].
    وتدثر يوسف الصديق عليه السلام بحسن الخلق مع الآخرين كان في جميع أحواله على السواء، فلئن كان ما سلف منه قد وقع في حال الشدة فإن ما سيأتي لاحقًا جرى منه في حال الرخاء، حيث كان يباشر حوائج الناس بنفسه ويقضيها لهم ولم يكن ممن يحتجب عنه حاجة الضعفاء، قال تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ}[116].
    فدخول إخوة يوسف عليه السلام عليه (يدل على أنه كان يراقب أمر بيع الطعام بحضوره، ويأذن به في مجلسه؛ خشية إضاعة الأقوات؛ لأن بها حياة الأمة)[117].
    وعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ولي من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن أولي الضعفة والحاجة: احتجب الله عنه يوم القيامة) أخرجه أحمد[118].
    وبعد؛ فهذه نماذج مما (من الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به وتمم ذلك بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به، ثم بره العظيم بأبويه وإحسانه لإخوته بل لعموم الخلق)[119].
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,548

    افتراضي رد: أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا

    أصول الأخلاق الإسلامية قصة يوسف عليه السلام أنموذجا




    أ.د. وليد بن محمد بن عبد الله العلي[(*) ]


    الخاتمة


    إنَّ مجموع ما في هذه الورقات؛ وما اندرج تحتها من كلماتٍ: ما هي إلا ومضاتٌ وإشاراتٌ؛ ووراءها ما وراءها من العبارات، ولكنا حسبنا أن نُوجز في خاتمة هذا البحث الذي موضوعه: (أُصُولُ الأَخْلاقِ الإِسْلامِيَّةِ : قِصَّةُ يُوسُفَ عَلِيْهِ السّلامُ أُنْمُوذَجًا) أبرز النَّتائج المستفادة من البحث، إذ كُلُّ (من أمعن النَّظر في قصَّة يُوسف عليه السلام علم يقينًا أن التقى الأمين لا يضيع الله سعيه، بل يُحسن عاقبته، ويُعلي منزلته في الدنيا والآخرة، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه، ولا يخاف صروفه ونوائبه، فإن الله يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار، فإن يوسف عليه السلام لما لم يخش للنوائب وعيدًا؛ ولا للتجارب تهديدًا، ولم يخف للسجن ظلما وشرا ولا للتنكيل به ألما وضرًا، بل ألقى توكله على الرب؛ وصبرا إزاء تلك البلية ثابت القلب: نال بطهارته وتقواه تاج الفخر؛ ولسان الصدق طول أيام الدهر، وها إن فضيلته لم يُعف جميل ذكراها مرور الأيام؛ ولم يعبث بنضارتها مرور الأعوام، بل ادخرت لنا مثالاً نفتقى أثره عند طروء التجارب، وملاذًا نعوذ به في المحن والمصائب، ومقتدى نتدرب به على التثبت في مواقف العثار، وننهج مناهجه في التقوى وطيب الإزار، فننال في الدنيا سمة المجد؛ ونفور في الآخرة بدار الخلد)[120].

    فأبرز هذه النتائج المستفادة من البحث هي:

    قد تجلت في سُورة يُوسف أخلاقه العظيمة حال البلاء؛ سواءٌ ما كان منها من الضراء؛ أو ما كان منها في السراء.
    كل خلق من أخلاق يُوسف الصديق أنموذجٌ قويمٌ وفيه من العبر والفوائد والحِكَم: ما يُعزز في نُفوس المتأملين الثقة بدينهم الإسلامي ويستنهض للتخلق بآدابه الهمم.
    ما أحوج هذه الأُمة- لاسيما في وقتنا المعاصر- وقد غشيتهما أمواج التغريب: أن تأخذ من أخلاق يُوسف التي في هذه القصة أوفر الحظ والنصيب.
    إن الله تعالى قد أودع في أنبيائه من الخصال الشريفة ما بوأهم في أممهم رتبة الأسوة الحسنة، كما غرس جل جلاله في رسله من الخلال المنيفة ما جعلهم لمن بعدهم القدوة المستحسنة.
    المؤمن إنما يَكْرُم على الله تعالى يقدر ما يسير إليه سير الحاث، ويتخلق بالأخلاق الإسلامية التي مرد جميعها للقواعد الثلاث: الأدب مع الله تعالى، والأدب مع النفس، والأدب مع عموم البرية، فهذه الثلاثة هي أصول الآداب الشرعية وقواعد الأخلاق المرعية.
    قد انتظمت الأخلاق الشرعية الثلاثة أتم انتظامٍ؛ في تفاصيل قصة يوسف الصديق عليه السلام.
    من دلائل الإحسان في العمل: الإخلاص المنافي للزلل والخطل، فالعبد إنما يعصم- بفضل المولى سبحانه- من تزيين الشيطان؛ على قدر إخلاصه الوجه والعمل الذي هو دلالة الإحسان، لأن الشيطان قد أيس من إغواء عباد الله المخلصين، وأدرك أن سلطانه على الذين يتولونه من الغاوين.
    تجلى في قصة يوسف الإلحاح في الدعاء؛ كما ظهر في محنته الصدق في الالتجاء.
    قد جمع يوسف عليه السلام بين ذكر فضل الله عليه بالتعليم؛ وبين الاعتراف بما أسداه إليه تبارك وتعالى من الخير العميم.
    إذا نشأ الشاب محاطًا بكنف شرع الله المصون: فهو ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
    الصدق طمأنية للقلب وقرة للعين، كما أنه منجاةٌ لصاحبه في الدارين.
    وجوب تحلي المرء بإزار الحلم ورداء الأناة في المواطن التي هي مظنة الخصام، لاسيما في زمن تغير الأمور ووقت تبدل الأحوال وساعة تداول الأيام.
    آداب الخطاب الرفيعة إنما يتوارثها الأبناء عن الآباء؛ أو يتلقاها الطلاب عن أساتذتهم بالإتباع والاقتداء، وهي من خفض جناح الذل للأبوين المقرون بالدعاء.
    حسن تخلق يوسف مع إخوته فلم يزل مستمسكًا بعروة الرحم التي ليس لها انفصام، فقد حظي إخوة يوسف عليه السلام ساعة قدومهم عليه بالحفاوة والضيافة والإكرام.
    قد اتصف يوسف الصديق عليه السلام بخلق الصفح الجميل تحققًا؛ فلم يظهر العتب الشديد في هذا المشهد الأخير من قصته لا تصريحًا ولا تلميحًا ولا تلويحًا تأدبًا وتخلقًا.
    تدثر يوسف الصديق عليه السلام بحسن الخلق مع الآخرين كان في جميع أحواله على السواء، حيث كان يباشر حوائج الناس بنفسه ويقضيها لهم، ولم يكن ممن يحتجب عن حاجة الضعفاء.
    ألا ما أعظم (لُطف الله العظيم بيوسف، حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن، ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات)[121].
    والحمد لله أولاً وآخرًا؛ وظاهرًا وباطناً.
    المصادر والمراجع


    - القرآن الكريم.

    ابن حنبلٍ؛ أحمد بن مُحمَّدٍ الشَّيبانيُّ: مُسند الإمام أحمد بن حنبلٍ- حقَّقه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: مجموعةُ من المحقِّقين؛ بإشراف: شُعيب الأرنؤوط- مُؤسَّسة الرِّسالة (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الأُولى (1413ه- 1993م).
    ابن عاشور؛ مُحمَّد الطَّاهر: التَّحرير والتَّنوير- الدَّار التُونسية للنَّشر (تُونس/ الجُمهوريَّة التُونسيَّة)- (1984م).
    ابن عطيَّة؛ عبد الحقِّ الأندلسيُّ: المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز- تحقيق وتعليق: الرَّحالة الفاروق؛ عبد الله بن إبراهيم الأنصاريٌّ؛ السَّيِّد عبد العال السَّيِّد إبراهيم؛ مُحمَّد الشَّافعُّي الصادق العنانيُّ- مطبوعات وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة (الدَّوحة/ دولة قطر)- الطَّبعة الثَّانية (1428ه- 2007م).
    ابن قاسم؛ عبد الرَّحمن بن مُحمَّد وساعده ابنه مُحمَّد: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميَّة- مُجمَّع الملِك فهد لطباعة المصحف الشَّريف (المدينة المنوَّرة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- (1416ه- 1995م).
    ابن قيِّم الجوزيِّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين- قرأه وقدَّم له وعلَّق عله وخرَّج أحاديثه وآثاره: مشهور بن حسن آل سلمان- دار ابن الجوزيِّ (الدَّمَّام/ المملكة العربيَّة السُّعودَّة)- الطَّبعة الأُولى (1423ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: بدائع الفوائد- تحقيق: عليُّ بن مُحمَّد العمران- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الرَّاجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1425ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: التِّبيان في أَيْمَان القُرآن- تحقيق: عبد الله بن سالم البُطاطيِّ- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الرَّاجحيّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1429ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: الدَّاء والدَّواء- حقَّقه: مُحمَّد أجمل الإصلاحيُّ- خرجَّ أحاديثه: زائد بن أحمد النشيريُّ- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الَّراجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1429ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: روضة المحبين – تحقيق: محمد عزيز شمس - تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الَّراجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1429ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: طريق الهجرتيْن وباب السَّعادتيْن- حقَّقه: مُحمَّد أجمل الإصلاحيُّ- خرَّج أحاديثه: زائد بن أحمد النَّشيريُّ- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الراجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأولى (1431ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: الفوائد- تحقيق: مُحمَّد عُزَيْز شمس- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الرَّاجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1429ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: مدارج السَّالكين بين منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين- تحقيق: عبد العزيز بن ناصر الجُلِّيل- دار طيبة (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1423ه).
    ابن قيِّم الجوزيَّة؛ مُحمَّد بن أبي بكر بن أيُّوب: مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة- تحقيق: عبد الرَّحمن بن حسن بن قائد- تمويل مُؤسَّسة سُليمان بن عبد العزيز الرَّاجحيِّ الخيريَّة- دار عالم الفوائد للنَّشر والتَّوزيع (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1432ه).
    ابن كثيرٍ؛ إسماعيل بن عُمر الدِّمشقيُّ: البداية والنِّهاية- تحقيق الدُّكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التُّركيِّ- دار هجر (الجيزة/ جُمهورية مصر العربيَّة)- الطَّبعة الأُولى (1417ه- 1997م).
    ابن كثيرٍ؛ إسماعيل بن عُمر الدِّمشقيُّ: تفسير القرآن العظيم- تحقيق : سامي بن مُحمَّد السَّلامة- دار طيبة (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1418ه- 1997م).
    ابن ماجه؛ مُحمَّد بن يزيد القزوينيُّ: سنن ابن ماجه- حكم على أحاديثه وآثاره: مُحمِّد ناصر الذِّين الألبانيُّ- اعتنى به: مشهور بن حسن آل سلمان- مكتبة المعارف (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)_ الطَّبعة الأُولى.
    ابن مهران؛ أحمد النِّيسابوريُّ: المبسوط في القراءات العشر:- تحقيق: سبيع حمزة حاكمي- دار القبلة للثَّقافية الإسلاميَّة (جدَّة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)؛ ومُؤسَّسة عُلوم القُرآن (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الثَّانية (1408ه- 1988م).
    أبو داود؛ سُليمان بن الأشعت السَّجستانيُّ: سُنن أبي داود- حكم على أحاديثه وآثاره: مُحمَّد ناصر الدَّين الألبانيُّ- اعتنى به: مشهور بن حسن آل سلمان- مكتبة المعارف (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى.
    أبو السُّعُود؛ مُحمَّد بن مُحمَّد العمادي: تفسير أبي السُّعُود المسمِّى إرشاد العقل السَّليم إلى مزايا القرآن الكريم- دار إحياء التُراث العربيِّ (بيروت لبنان).
    البُخاريُّ؛ مُحمَّد بن أحمد: صحيح البُخاريِّ- تحقيق: مُحمَّد على القُطب- المكتبة العصرَّية (بيروت/ لبنان)- (1411ه- 1991م).
    البغوُّي؛ الحُسين بن مسعودٍ: معامل التَّنزيل- حقَّقه وخرَّج أحاديثه: مُحمَّد عبد الله النِّمر؛ عُثمان جُمعة ضميريَّة؛ سُليمان مسلم الحرش- دار طيبة (الرِّياض/ المملكة العربية السعودية)- (1411ه).
    البقاعيُّ؛ إبراهيم بن عُمر: نظم الدُّرر في تناسب الآيات والسُّور- دار الكتاب الإسلاميِّ (القاهرة/ جُمهوريَّة مصر العربيَّة)- الطَّبعة الثَّانية (1413ه- 1992م).
    التِّرمذيُّ؛ مُحمَّد بن عيسى: سُنن التِّرمذيِّ- حكم على أحاديثه وآثاره: مُحمَّد ناصر الدِّين الألبانيُّ- اعتنى به: مشهور بن حسن آل سلمان: مكتبة المعارف (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديِّة)- الطَّبعة الأُولى.
    الدَّينوريُّ؛ أحمد بن مروان: المجالسة وجواهر العلم- خرَّج أحاديث وآثاره ووثَّق نُصوصه وعلَّق عليه: مشهور بن حسن آل سلمان- جمعيَّة التَّربية الإسلاميَّة (أمِّ الحصم/ مملكة البحرين)؛ دار ابن حزم (بيروت/ لبنان)- الطبعة الأُولى (1419ه- 1998م).
    الزَّمخشريُّ؛ محمود بن عُمر: الكشَّاف عن حقائق غوامض التَّنزيل وعُيون الأقاويل في وُجوه التَّأويل- رتَّبه وضبطه وصحَّحه: مُصطفى حسين أحمد- دار الرَّيَّان (القاهرة/ جمهوريَّة مصر العربيَّة)؛ دار الكتاب العربيِّ (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الثَّالثة (1407ه- 1987م).
    السَّعديُّ؛ عبد الرَّحمن بن ناصر: تيسير الكريم الرَّحمن في تفسير كلام المنَّان- عناية: عبد الرَّحمن بن مُعلا اللُّويحق- مُؤسَّسة الرِّسالة (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الثّالثة (1417ه- 1997م).
    السَّعديُّ؛ عبد الرَّحمن بن ناصر: فوائد مُستنبطةٌ من قصَّة يُوسف عليه السَّلام- تحقيق: عبد العزيز فتحي السَّيِّد- دار القاسم (الرِّياض/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)- الطَّبعة الأُولى (1418ه).
    الشَّوكانيُّ؛ مُحمَّد بن عليٍّ: فتح القدير الجامع بين فنَّي الرِّواية والدِّراية من علم التَّفسير- عالم الكُتب.
    القاسميُّ؛ مُحمَّد جمال الدِّين: محاسن التَّأويل- وقف على طبعه وتصحيحه: مُحمدِّ فؤاد عبد الباقي- دار الفكر (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الثَّانية (1398ه- 1978م).
    القُرطبيُّ؛ مُحمَّد بن أحمد الأنصاريُّ: الجامع لأحكام القُرآن- دار الكُتب العلميَّة (بيروت/ لبنان)- الطَّبعة الأُولى (1408ه/ 1988م).
    مُسلمٌ؛ ابن الحجَّاج القُشيريُّ: صحيح مُسلم- حقَّق نُصوصه وصحَّحه ورقَّمه: مُحمَّد فُؤاد عبد الباقي- المكتبة الفيصليَّةً (مكَّة المكرَّمة/ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)


    [(*) ] الأستاذ في قسم العقيدة والدَّعوة بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويت.

    [1] سُورة آل عمران: الآية 102.

    [2] سُورة النِّساء: الآية1.

    [3] سُورة الأحزاب: الآيتان 70- 71.

    [4] الداء والدواء لابن قيم الجوزية ص487.

    [5] قد تتبعت العبر والفوائد والحكم التي استنبطها هذا الإمام؛ من القصة الحسنة التي جرت للصديق يوسف عليه السلام؛ فزادت على مائة فائدةٍ، وقد جمعتها ونشرتها في أعداد مجلة أمتي بعنوان: (الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق- أكثر من 100 فائدةٍ استنبطها الإمام ابن قيم الجوزية-).

    [6] سورة يوسف: الآية3.

    [7] سورة يوسف: الآية 111.

    [8] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص362.

    [9] معالم التنزيل للبغوي 4/212.

    [10] من عوائد هذا البحث النافع؛ ومن فوائد هذا التنقيب الماتع: التعرف على جملة من المصنفات؛ والوقوف على كوكبةٍ من المؤلفات، والتي تناولت قصة نبي الله يوسف الصديق عليه السلام بالبحث والدراسة؛ محللة ما فيها من جوانب الشرع واللغة والتربية والاقتصاد والقانون والسياسة، منها- مرتبة على حروف الهجاء-: الإعجاز البلاغي في قصة يوسف عليه السلام: على الطاهر عبد السلام، أنموذج الشاب المسلم في قصة يوسف عليه السلام للدكتور/ محمود شاكر سعيد، آياتٌ للسائلين- تفسيرٌ تحليليٌّ موضوعيٌّ لسورة يوسف- للدكتور/ ناصر بن سليمان العمر، إتحاف الألف بذكر الفوائد الألف والنيف من سورة يوسف عليه السلام لمحمد بن موسى نصر؛ وسليم بن عيد الهلالي، انتصار يوسف عليه السلام لغريب محمد أبو عارف، تأملات إيمانيةٌ في سورة يوسف عليه السلام لياسر برهامي، تفاحة القلب- وقفاتٌ تربويةٌ من سورة يوسف- لنصرة سعيد المحرزي، تفسير سورة يوسف لمحمد البهي جماليات النظم القرآني في قصة المرادوة في سورة يوسف للدكتور / عويض بن حمود العطوي، حياة يوسف لمحمود شلبي، دروس من سورة يوسف لعبد العزيز كامل، الدلالة الإعجازية في رحاب يوسف عليه السلام للدكتور/ عمر محمد عمر باحاذق، زهر الكمام في قصة يوسف عليه السلام لعمر بن إبراهيم الإنصاري الأوسي، سورة يوسف- دراسةٌ تحليليةٌ- لأحمد نوفل، سورة يوسف- فوائد وفرائد- لمحمد بن خالد الخضير، ساحة إيمانيةٌ في سورة يوسف للدكتور/ محمود ماضي، عاشقة يوسف لمحمد كامل حسن المحامي، عبرٌ ودلالاتٌ من سورة يوسف للدكتور/ عبد الله بن علي بصفر، غرر البيان من سورة يوسف عليه السلام في القرآن لأحمد محمود الشوابكة، فقد الدعوة في قصة نبي الله يوسف عليه السلام في ضوء القرآن الكريم للدكتورة / لمياء بنت الطويل فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، في التذوق الجمالي لسورة يوسف عليه السلام لمحمد علي أبو حمدة، قراءةٌ قانونيةٌ في سورة يوسف لمحمد محروس المدرس الأعظمي، قصة نبي الله يوسف عليه السلام لسيف الدين الكاتب، قصة يوسف عليه السلام- تفسيرٌ؛ فوائد، عبرٌ؛ مواعظ؛ أكثر من 120 فائدة- لجمال بن إبراهيم القرش، قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم- دراسة أدبيةٌ- لمحمد رشدي عبيد، القول المنصف في تفسير سورة يوسف لمحمد طه الباليساني، لطائف البيان في سورة يوسف لمحمد بكر إسماعيل، لطائف التفسير من سورة يوسف للدكتور/ فؤاد العريش، 100 فائدة من سورة يوسف لمحمد بن صالح المنجد، مؤتمر تفسير سورة يوسف لعبد الله العلمي، المسعف في لغة وإعراب سورة يوسف للدكتور/ ف. عبد الرحيم، المنهج الاقتصادي في التخطيط لنبي الله يوسف عليه السلام للدكتور/ نواف بن صالح الحليلي، موسوعة تفسير سورة يوسف عليه السلام لعليش متولي بدوي البني، نظرات في أحسن القصص للدكتور/ محمد السيد الوكيل، الوحدة الموضوعية في سورة يوسف عليه السلام للدكتور/ حسن محمد با جودة، الوحي والنبوة والعلم في سورة يوسف لعبد الحميد محمود طهماز، يعقوب ويوسف صلى الله عليهما وسلم من وحي القرآن للأستاذ الدكتور/ عقيل حسين عقيل، يوسف الأحلام لمحمود المصري، يوسف السجين المظلوم لزهير مصطفى يازجي، يوسف أيها الصديق لغريب محمد أبو عارف، يوسف بن يعقوب عليهما السلام لأحمد عز الدين عبد الله خلف الله، يوسف عليه السلام- القصة الكاملة- لعبد العزيز القباني، يوسف عليه السلام وامرأة العزيز لمحمد علي قطب، يوسف عليه السلام بين مكر الأخوة وكيد النسوة لمحمد علي أبو العباس، يوسف في القرآن والتوراة لزاهية الدجاني.

    [11] صحيح البخاري [كتاب أحاديث الأنبياء/ باب {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} إلى قوله : (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) - الحديث رقم (3374)- 2/ 1042- 1043].

    [12] مُسند أحمد [الحديث رقم (21354)- 35/ 284]، وسُنن الترمذي [كتاب البر والصلة/ باب ما جاء في مُعاشر الناس- الحديث رقم (1987)- ص451].

    [13] سورة يوسف: الآية 23.

    [14] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص351- 352.

    [15] أخرجه مُسلمٌ في صحيحه [كتاب الإيمان/ باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات- الحديث رقم (162)-146] من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه.

    [16] سورة يُوسف: الآية 32.

    [17] التبيان لابن قيم الجوزية ص298.

    [18] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص265.

    [19] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأذان/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد- الحديث رقم (660)-1/209]، ومُسلمٌ في صحيحه [كتاب الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة- الحديث رقم (1031)- 2/715] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    [20] البداية والنهاية لابن كثيرٍ 1/469.

    [21] سورة يُوسف: الآية 22.

    [22] سورة الزمر: الآيات 33-35.

    [23] أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم [رقم (315)- 2/190-191].

    [24] مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية /477.

    [25] سورة يوسف: الآية 36.

    [26] سورة يوسف: الآية 56.

    [27] سورة يوسف: الآية 78.

    [28] سورة يوسف: الآية 90.

    [29] سورة الحجر: الآيات 39- 42.

    [30] سورة يُوسف: الآية 24.

    [31] قرأ بن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب {الْمُخْلِصِينَ} بكسر اللام، وقرأ الباقون: {الْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام، كما في المبسوط في القراءات العشر لابن مهران ص209، وتوجيه قراءة الكسر: الذين أخلصوا طاعة الله، وتوجيه قراءة الفتح: الذين أخلصهم الله لرسالته، قال القرطبي في [الجامع لأحكام القرآن 9/112]: (وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلصًا في طاعة الله تعالى، مستخلصا لرسالة الله تعالى).

    [32] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص364.

    [33] سورة يوسف: الآية 33-34.

    [34] روضة المحبين لابن قيم الجوزية ص617.

    [35] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص364.

    [36] إرشاد العقل السليم لأبي السعود 4/274.

    [37] محاسن التأويل للقاسمي 9/221.

    [38] سورة يوسف: الآية 101.

    [39] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص366.

    [40] الفوائد لابن قيم الجوزية ص292.

    [41] سورة يوسف: الآية 38.

    [42] سورة يوسف: الآية 37.

    [43] سورة يوسف: الآية 90.

    [44] سورة يوسف: الآية 101.

    [45] التحرير والتنوير لابن عاشور 7/59.

    [46] سورة يوسف: الآية 100.

    [47] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص366.

    [48] سورة يوسف: الآية 22.

    [49] سورة الأحقاف: الآية 13.

    [50] مسند أحمد [الحديث رقم (2669)- 4/409- 410]، سنن الترمذي [كتاب صفة القيامة والرقائق والوراع/ باب (59)- الحديث رقم (2516)- ص566- 567].

    [51] فتح القدير للشوكاني 3/14.

    [52] سورة يوسف: الآية 32.

    [53] الكشاف للزمشخري 2/467.

    [54] سورة يوسف: الآية 23.

    [55] سورة يوسف: الآية 25.

    [56] قال ابن قيم الجوزية في [مدارج السالكين 2/427]: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمورٌ جرت عليه بغير اختياره؛ لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلةٌ غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيارٍ ورضي ومحاربةٍ للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة).

    [57] سورة يوسف: الآية 33.

    [58] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص364.

    [59] صحيح البخاري [كتاب الإيمان/ باب من كره أن يعود في الكفر كما كره أن يلقي في النار من الإيمان- الحديث رقم (21)- 1/31]، وصحيح مسلم [كتاب الإيمان/ باب بيان خصالٍ من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان- الحديث رقم (43)- 1/66].

    [60] طريق الهجرتين بن قيم الجوزية 2/495- 497.

    [61] سورة يوسف: الآية 51.

    [62] سورة المائدة: الآية 119.

    [63] صحيح البخاري [كتاب المغازي/ باب حديث كعب بن مالكٍ وقول الله عز وجل: { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا }- الحديث رقم (4418)- 3/1333]، وصحيح مسلمٍ [كتابة التوبة/ باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه- الحديث رقم (2769)- 482127].

    [64] سورة يوسف: الآية 26.

    [65] نظم الدرر للبقاعي 10/67.

    [66] صحيح البخاري [كتاب المناقب/ باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم- الحديث رقم (3559)- 3/ 1101- 1102]، وصحيح مسلمٍ [كتاب الفضائل/ باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم- الحديث رقم (2321)- 4/1810].

    [67] سورة يوسف: الآيتان 58- 59.

    [68] صحيح مسلم [كتاب الإيمان/ باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله الله صلى عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عند وحفظه وتبليغه من لم يبلغه- الحديث رقم (17)- 1/48].

    [69] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير/ باب قوله {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ}- الحديث رقم (4696- 3/1446)، ومسلمٌ في صحيحه [كتاب الإيمان/ باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة- الحديث رقم (151)- 1/133] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    [70] فتح القدير للشوكاني 3/33.

    [71] نظم الدرر للبقاعي 10/116.

    [72] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/135.

    [73] سورة يوسف الآية 50.

    [74] سورة يوسف: الآية 77.

    [75] إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 3/88.

    [76] مسند أحمد [الحديث رقم (15637)- 24/398]، وسنن أبي داود [كتاب الأدب/ باب من كظم غيظًا- الحديث رقم (4777)- ص718]، وسنن الترمذي [كتاب البر والصلة/ باب في كظم الغيظ - الحديث رقم (2021)- ص457]، وسنن ابن ماجه [كتاب الزهد/ باب الحلم- الحديث رقم (4186)- ص695].

    [77] سورة يوسف: الآية 90.

    [78] مسألة في الهجر الجميل والصفح الجميل وأقسام التقوى والصبر (رسالةٌ مودعةٌ في مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) 10/667.

    [79] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص366.

    [80] إرشاد العقل السليم لأبي السعود 4/304.

    [81] سورة يوسف: الآية 4.

    [82] سورة يوسف: الآية 100.

    [83] سورة مريم: الآيات 41-45.

    [84] سورة الصافات: الآيات 100- 102.

    [85] سورة الإسراء: الآيتان 23- 24.

    [86] سورة يوسف: الآية 93.

    [87] فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام للسعدي ص55.

    [88] سورة يوسف: الآيتان 99- 100.

    [89] سورة يوسف: الآية 4.

    [90] المحرر الوجيز لابن عطية 5/41.

    [91] صحيح البخاري [كتاب الأدب/ باب من أحق الناس بحسن الصحبة- الحديث رقم (5971)- 4/1892]، وصحيح مسلم [كتاب البر والصلة والأدب/ باب بر الوالدين وأنهما أحق به- الحديث رقم (2548)- 4/1974].

    [92] سورة يوسف: الآية 59.

    [93] محاسن التأويل للقاسمي 9/246.

    [94] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص366.

    [95] سورة يوسف: الآية 69.

    [96] تفسير القرآن العظيم لابن كثيرٍ 4/400.

    [97] سورة يوسف: الآية 89.

    [98] سورة يوسف: الآيتان 91- 92.

    [99] محاسن التأويل للقاسمي 9/273.

    [100] قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في [بدائع الفوائد 3/1027]: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية مرارًا يقول: ذكر الله الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فالصبر الجميل: الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه).

    [101] سورة يوسف: الآية 100.

    [102] مدارج السالكين لابن قيم الجوزية 3/195.

    [103] سورة يوسف: الآيتان 39- 40.

    [104] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص365.

    [105] الكشاف للزمخشري 2/ 470.

    [106] التحرير والتنوير لابن عاشور 6/274- 275.

    [107] سورة يوسف: الآية 36.

    [108] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص265.

    [109] سورة يوسف: الآية 42.

    [110] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص365.

    [111] سورة يوسف: الآيات 47-49.

    [112] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص365.

    [113] سورة يوسف: الآية 50.

    [114] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/136.

    [115] صحيح مسلم [كتاب البر والصلة والأدب/ بشارة من ستر الله تعالى عيبه في الدنيا بأن يستر عليه في الآخرة- الحديث رقم (6760)- 1/66].

    [116] سورة يوسف: الآيتان 58-59.

    [117] التحرير والتنوير لابن عاشور 7/12.

    [118] مسند أحمد [الحديث رقم (22076) -36/394].

    [119] تيسير الكريم الرحمن السعدي ص364.

    [120] محاسن التَّأويل للقاسميِّ 9/242.

    [121] تيسير الكريم الرَّحمن للسَّعديِّ ص266.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •