خصائص اللغة العربية وخلودها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: خصائص اللغة العربية وخلودها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,001

    افتراضي خصائص اللغة العربية وخلودها

    خصائص اللغة العربية وخلودها (2/1)


    محمد مصطفي ناصيف([·])



    اللغة ظاهرة خاصة لأنها منطوق دال ذو مظهر حسي يكتنف أفكارا ومشاعر واستخدامات وإشارات قوامها البنية المحسة والمعني والمفهوم. وهي من أقدم وسائل الاتصال، وكذلك هي عبارة عن أصوات مركبة ذات مقاطع تتألف من كلمات وجمل ذات دلالة وضعية يعبر بها الإنسان تعبيرا مقصودا عما يجول بخاطره من معان، ويتفاهم بها مع أبناء جنسه، وقد اختص الإنسان من بين الفصائل الحيوانية جميعها بظاهرة اللغة.
    كما أن اللغة مجموعة من النظم أنتجها المجتمع والتزم بها علي مر العصور، لأنها حقيقة اجتماعية.
    واللغة كما يعرفها ذواق العربية ابن جني (ت 392هـ) بأنها: ((أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)) فهي النطق يعرب عن فكر، ووسيلة تخاطب جماعية، وأداة للاتصال والتواصل، كما أنها وسيلة للتعبير عن العواطف والمشاعر والرغبات.
    وهي تعني: الشخصية العربية ، والهوية القومية فضلاً عن كونها مستودع القيم والتجارب والعلوم التي انتقلت إلينا من أسلافنا وهي مختزن ثقافة الآباء والأجداد، وقبلها جميعاً أنها لغة ديننا الحنيف وقرآننا الكريم الخالد.
    واللغة هي الكلام، ولها صورتان:

    الصورة الصوتية: وهي الكلام المنطوق
    الصورة المكتوبة: وهي الكلام المرسوم.
    كما أن الكلام دلالة عن عبارات أو جمل تؤدي معني معينا ومفيدا علي الأقل، وكل جملة تتكون من كلمات، وكل كلمة تتكون من أصوات، أو وحدات صوتية وهي التي يعبر عنها بما يسمي ((الحروف الهجائية في كل اللغات.
    أسواق العرب التجارية قديما كانت أشبه ما تكون بمعارض للكلمة كمعارض الكتاب حاليا

    والكلمات كالأحياء لها مولد وحياة وموت وتبدل وتحول وتطور من معني إلي آخر واكتساب معني جديد.
    وكذلك فإن الحرف يدل علي صوت معين، أو وحدة صوتية، وتظهر الأصوات عن طريق الفراغ الفمي، ويشترك في إصدارها مخارج كثيرة منها:
    الجوف والحلق واللسان والشفة، وكل مخرج من هذه المخارج معد للوظيفة التي يؤديها، وتتشكل جميع اللغات العالمية من حرف، وكلمة، وجملة.. إلا اللغة العربية فإنها تمتاز عن باقي لغات العالم قاطبة بإضافة الصوت والمعني، وهاتان الصفتان افتقدتهما لغات العالم كافة سواها.
    ومن خصائص اللغة العربية وميزاتها الفريدة أنها لغة اشتقاق، وأن مشتقاتها المتعددة تعود في أصولها إلي جذر لغوي تتفرع عنه فروع عدة، استطاع العلماء بها تتبع رحلة المعاني والدلالات الواسعة بين العديد من المفردات، وأن يجتهدوا فيما تستفهم به المصادر والمعجمات.
    وقبل الإسلام عاشت اللغة العربية ردحاً طويلاً من الزمن في بيئات منفصلة جغرافيا، بحكم إقامة أهلها في مواقع موغلة في قلب الصحراء، فكانت تصدر عنهم جافة، قاسية، صلبة، مفخمة الألفاظ والنبرات، تلفها ملامح تلك الحياة الصحراوية القاسية المنعزلة، تمثلت بذلك كل ما يختلج في صدر ذلك الإنسان، وقديماً قبل: ((الإنسان ابن بيئته)). وهذه من خصوصيات اللغة.
    وقد تواضع العرب علي أسواق عامة يحملون إليها تجارتهم وآدابهم وسيرهم القبلية والذاتية، ومن أشهر أسواقهم: عكاظ والمجنة والمربد، والتي كانت معارض للكلمة لديهم، كمعرض الكتاب هذه الأيام، وأهمها أثراً في اللغة ((سوق عكاظ)) حيث كان لهذه السوق العظيمة تأثير كبير في تهذيب اللغة لعربية في ((قبيلة قريش)) التي كان لقرب السوق منها أسبق القبائل لالتقاط كل معني حسن، ولفظ جزل وعبارة بليغة، كما تجاوزت تلك الأسواق حدود التجارة إذ كانت ميداناً رحبا لجميع الأغراض والشؤون الاجتماعية، فكانت سوق عكاظ، مثلا، مسرحاً عاماً يخطب فيها كل خطيب مصقع، ويلقي فيها كل شاعر مميز متفرد، حيث كان الشعر ديوانهم، وكان رواد هذه السوق يعودون إلي أماكن إقامتهم ببضائع ابتضعوها ومشاهدات دفعتهم إلي محاكاتها أثناء رحلاتهم، من ألفاظ لغوية، ومصطلحات وأساليب طبعت العربية بطابع المرونة والحياة فجاء علي ألسنتهم ما ترقي من الألفاظ، وتأهل للدخول إلي حضرة اللغة الرسمية الجميلة في أدائها وألفاظها، والغنية بكلماتها ومفرداته وتراكيبها، والعميقة في مدلولاتها ومعانيها، المرنة في صياغتها واشتقاقها، الأنيقة في رسمها وأشكالها، هذا وقد كان للعرب في زمن الجاهلية لهجات وطرق في النطق تختلف بين قبيلة وأخرى ويسمونها لغات فيقولون مثلاً: لغة قريش، ولغة هذيل، ولغة تميم.
    وقد كان لسان رسول البشرية ومعلمها الخير صلي الله عليه وسلم هو العربية، والعربية لغة، ولهجة قريش من أهل مكة المكرمة خاص، لذا فالراجح أن يكون القرآن قد أنزل بلسان قريش، وفي قوله تعالي كتابه الخالد: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُوَ الَعَزِيزُ الحَكِيمُ) (إبراهيم: 4) ما يؤيد هذا الترجيح ويؤكده، وكذلك جاء في مسند أبي داود أ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلي عبد الله بن مسعود وهو في الكوفة: ((أما بعد: فإن الله أنزل القرآن بلغة قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل)) وأفصح الناس قريش لأنهم قوم ارتفعوا عن رتة أهل العراق، وتياسروا عن كشكشة بكر، وتيامنوا عن شنشنة تغلب، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير لخلو لغتهم مما ذكر، ولقريش درج تنزلق عنها أقدام الرجال وأفعال تخضع لها رقاب الأموال، والسنة تكل عنها الشفار المشحوذة.
    كما كان للقبائل الأخرى لغاتها (لهجاتها) ومن الطبيعي أن يوجد ((تباين لغوي في أمور معينة بين تلك اللهجات، وهو تباين لا يطغي علي وجوه الاتفاق والتقارب بين اللهجات العربية، ولا يحول دون تفاهم أفراد تلك القبائل)) (في اللهجات العربية ص 16 للدكتور إبراهيم أنيس))) فأراد الله – برحمته ولطفه – أن يجعل متسعاً في اللغات، ومتصرفاً في الحركات. (تأويل مشكل إعراب القرآن ص 28).
    وفيما يلي توضيح لبعض اللهجات العربية ومسمياتها:

    الاستنطاء: وهي لهجة أهل اليمن، تقوم علي إبدال العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء، فمثلاً: ((أعطي)) يلفظونها: ((أنطي)).

    الإمالة: وهي لهجة قبيلتين من قبائل العرب:

    الأولي: لهجة قبيلة ((تغلب)) حيث يبدلون الألف واواً، فمثلاً كلمة ((باب)) تصبح عندهم ((بوب))، ولهذا السبب عرفنا سبب كتابة كلمتين هما:

    ((الصلاة والزكاة)) في المصحف العثماني بالواو: ((الصلوة والزكوة)).
    والثانية لهجة قبيلة ((تميم)) حيث يبدلون الألف ياءً، ففي قوله تعالي: ((وَالضُّحَى (1) واللَّيْلِ إذَا سَجَى)) يقرأونها: (والضحي. والليل إذا سجي).
    التسكين: وهي لهجة قبيلة ((ربيعة)).

    تقوم هذه اللهجة علي تسكين آخر كلمة في الجملة، ففي قولنا: ((كتبت خطابا)) ينطقونها: ((كتبت خطاب)) وهذا مصداق قول علماء اللغة:
    ((العرب لا تبدأ بساكن، ولا تقف علي متحرك، ولا تجمع بين ساكنين)).
    التسهيل: لهجة أهل الحجاز.

    تقوم هذه اللهجة علي تغيير الهمزة بحرف يناسب الحرف الذي قبله، فكلمة ((فأس)) يلفظونها ((فأس)).
    وكلمة ((بئر)) يلفظونها ((بير)). وكلمة ((رؤوس)) يلفظونها ((روس)).
    الحذف: وهي لهجة قبيلتين من قبائل اليمن، وهما: قبيلة خثعم، وقبيلة زبيد.

    تقوم هذه اللهجة علي حذف نون ((من)) إذا وليها ساكن، مثل ((خرجت من المجسد. يلفظونها: خرجت ملمسجد. وكلمة ((بيضاء)) تصبح: ((بيضا)). وكلمة ((حمراء)) تصبح: ((حمراء)) وكلمة ((السماء)) تصبح ((السماء)).
    أما قبيلة بلحارث فتقوم علي حذف الألف واللام من بعد ((علي)) الجارة.
    مثل: ركبت علي الصحان. يلفظونها: ركبت علحصان.
    الشنشنة: وهي لهجة اليمن.

    تقوم هذه اللهجة علي قلب الكاف مطلقاً إلي شين، فمثلاًك ((لبيك اللهم)) تصبح: ((لبيك اللهم)).
    الطمطمانية: وهي لهجة قبائل الأزد وحمير ويافع.

    تقوم هذه اللهجة علي إبدال لام التعريف ميماً. مثل: ((الهواء)) تصبح: ((الهواء)). وكلمة ((الجو)) تصبح ((الجو)) وكذلك إجابة صلي الله عليه وسلم لسائل من أصحاب هذه اللغة: ((ليس من أمير امصيام في السفر)) أي ((ليس من البر الصيام في السفر)).
    العجعجة: وهي لهجة قبائل قضاعة، وبعض قبائل حضرموت، وبعض قبائل بادية الحجاز.

    تقوم هذه اللهجة علي قلب الياء جيماً، فمثلاً كلمة ((الراعي)) تصبح: ((الراعج)).
    العنعنة: وهي لهجة قبائل: كلاب وهذيل وتميم وقضاعة.

    تقوم هذه اللهجة علي تحويل همزة ((أن)) إلي عين. فمثلاً قولنا: قد علمت أني تصبح: قد علمت عني.
    الفحفحة: وهي لهجة قبيلة ((هذيل)).

    تقوم هذه اللهجة علي قلب الحاء عيناً مثل ((حتى)) تصبح: ((عتي)).
    القلب: وهي لهجة قبيلة مزان.
    تقوم هذه اللهجة علي قلب الحرف إلي حرف آخر، مثل: ((برطع الولد)) أصلها: ((سرطع)). ((وبعزق)) أصلها: ((بعثق)) و((جرم اللحم)) أصلها: ((جلم)).
    الكسكسة: وهي لهجة قبيلة بكر وقبيلة ربيعة وقبيلة تميم.

    تقوم هذه اللهجة علي جعل السين مكان كاف المخاطب، فمثلاً: ((أبوك وأمك)) تصبح: ((أبوس وأمس)).
    الكشكشة: وهي لهجة قبيلة سعد وسكان حضرموت وتميم.

    تقوم هذه اللهجة علي تبديل كاف الخطاب شيئاً، ففي قولنا: ((أكرمتك وعليك)) تصبح: أكرمتش وعليش.
    اللخلخانية: وهي لهجة أعراب الشحر وعمان.

    تقوم هذه اللهجة علي اختصار الهمزة كقولهم: ((ما شاء الله)). تصبح: مشاء الله.
    الوتم: وهي لهجة قبيلة حمير.

    تقوم هذه اللهجة علي إبدال السين تاء، مثل: الناس بالناس، تصبح: النات بالنات.
    وهذا من فضل رسول البشرية ومعلمها الخير محمد صلي الله عليه وسلم في الارتقاء حضاريا بمستوي العرب بعد عصور الظلام في أوروبا وعهود الجهل في الجزيرة العربية من العمق وبعد الأثر لا يحصره زمان أو يحده مكان، عاشته أمة الإسلام ومازالت وسيظل خالداً باقياً.
    قال الشاعر في وصفه ((صلي الله عليه وسلم)):
    بليغ علم الدنيا بوحي ولم يقرأ بلوح أو دواة
    قال عنه الباحث قسطاكي حمصي – من أدباء نصاري حلب – (1858م – 1941م):
    ((كان سيد قريش نبي المسلمين ومؤسس دينهم، وهو أيضاً نبي العرب ومؤسس حياتهم، وجامعتهم القومية، وإنه من الحمق والمكابرة أن ننكر ما لسيد قريش من بعيد الأثر من توحيد اللهجات العربية، وقتل العصبيات الفرعية في نفوس القبائل)).
    هي أم اللغات لا يذكر الدهر صباها وما تزال كعابا
    بين أثر كل من اللغة العربية، والأوروبيين في الحياة اللغوية الإفريقية، حيث أكد أن اللغة العربي أثرت بشكل كبير في.



    [·] عضو رابطة الأدب الإسلامي


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,001

    افتراضي رد: خصائص اللغة العربية وخلودها


    خصائص اللغة العربية وخلودها (2/2)


    محمد مصطفي ناصيف([·])

    لقد كان وراء تحضر قريش أسباب جوهرية ترفعها إلى مستوى الصدارة في الحضارة وفي اللغة، وهذه الأسباب تفرضها القبائل العربية التي كانت في الجاهلية تفد إلى مكة قاصدة الحج والأسواق والمجامع الأخرى، مما حمل القرشيين على الاختلاط بهذه القبائل، واقتباس أجزل الألفاظ وأفصح التعبيرات، ومع مرور الزمن تأصلت الفصاحة المكتسبة من كل اللهجات، فنمت فيهم مع نمو المجتمع القرشي، فصارت بذلك جامعة لجميع اللهجات، وقريبة في آن واحد من أي لهجة منها، لأن بعض عناصر هذه اللهجة موجودة فيها.
    وبما أن اللغة تؤخذ اعتياداً على مر الأوقات، كما تؤخذ تلقناً من ملقن، وكذلك تؤخذ سماعاً من الرواة، واصطنع العرب لغة قريش للتفنن في القول، والإبانة في التعبير، فدل استصفاؤهم على أنها اختارت من كلام العرب أبينه، وراعت أرشقه، واعتمدت أصفاه، إذ امتازت اللغة العربية بقدرتها الذاتية على التعبير، وعلى التمثل والتوليد، وعلى التخير والانتقاء حتى باتت أنموذجاً صالحاً للاقتباس في حالتي الإقامة والتجوال، وإغناء العربية بما يحتاج إليه أبناؤها من مفردات لوازمهم وحاجاتهم المعيشية والتطورية، كما كانت أنموذجاً مميزاً من سائر اللغات العالمية والسامية، بتكاملها مع إنسانها وتلازمها مع دقائق حياة وخصائص العربي. وقد أجمع الرواة أن أفصح العرب:
    "عليا هوازن، وسفلى تميم" وعليا هوازن هم قبائل: "سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف" وأفصحها: سعد بن بكر لقول سيد العرب والعجم، رسول البشرية ومعلمها الخير صلى الله عليه وسلم: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر".
    وبإشراق رسالة الإسلام وبعد الانقلاب العظيم الذي أصاب اللغة العربية عقب
    اللغة انعكاس طبيعى لما عليه حال القوم لأنها أداة الحاضر وصورة التاريخ

    ظهور الإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من العربية ألفاظ من موضع لآخر، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، إذ كان لظهور الإسلام أثر كبير في ظهور حركة لغوية كبيرة، وكان للقرآن الخالد العظيم أثره الأكبر في حركة التدوين للغة وتفسير معانيها، وبات الاهتمام بها شديداً، فجمعوها من مظانها الصحيحة لتسجيلها ورصد معانيها ورسم أوزانها، ووضع القواعد الضابطة لنطقها وجميع لوازمها.
    فقال عز وجل في كتابه الخالد: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (يوسف: 2)، وقوله عز من قائل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195)، ووصفه سبحانه وتعالى بقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت: 3).
    واللغة العربية- باعتبارها إحدى اللغات الحية- تحتاج دائماً إلى التطوير والتهذيب وللتنمية المستمرة لمسايرة ومواكبة العصر الذي تعيش فيه- وهو دور مجامع اللغة العربية- كما أن المجد اللغوي لا يقل أهميةً عن المجد السياسي للأمة العربية الناهضة، ولابد للمسؤولين وأصحاب القرار العمل على تقوية اللغة الفصيحة التي هي لغة فنية راقية فوق اللهجات، والعمل على ضبط الكتب وجميع المطبوعات بالشكل التام حتى تصبح اللغة ملكة وسليقة لدى جميع القراء، ومن لم ينشأ على حب تلك اللغة فقد استخف بتراث أمته واستهان بخصائص قومه، والمثقف الذي لم يتقن معرفة لغته ليس ناقص الثقافة فحسب بل في رجولته نقص كبير ومهين أيضاً.
    واللغة كالكائن الحي تنمو وتستعمل، وتنتقل من جيل إلى آخر لتعبر عن أفكارهم وحياتهم، وبانتقالها تؤثر وتتأثر، فتموت ألفاظ وتحيا أخرى، وتضيق ألفاظ وتتسع أخرى بدلالاتها وهذه صفات اللغة الحية، فاللغة لم تخلق لتدفن في بطون الكتب المغلقة، ولا في خزائن العرض.. وإنما للاستعمال.
    فقد انقلبت اللغة العربية إلى لغة عالمية تتكلم بها شعوب كثيرة جداً فكلما اتسعت حضارة الأمة كثرت حاجاتها ومرافق حياتها، ورقي تفكيرها، وتهذبت اتجاهاتها النفسية، ونهضت لغتها، وسمت أساليبها، وتعددت فيها فنون القول، ودخلت فيها مفردات أخرى عن طريق الوضع والاشتقاق والاقتباس والنحت والقلب والإبدال والتعريب والدخيل والمولد، للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة، عندها تكون قد تكاملت لديها وسائل النمو والمدنية والتطور.
    واللغة انعكاس طبيعي لما عليه حال القوم، لأنها أداة الحاضر، وصورة التاريخ، منها تقتبس الألوان الحضارية والاجتماعية. واللغة العربية هي واحدة من اللغات التي اتسعت ونمت- وما تزال قادرة على الاتساع والنمو ومحاكاة الأمور- وأقامت لنا من تاريخها شاهداً حياً على طواعيتها وصدقيتها، على عكس باقي اللغات التي درستها ماكينة "العولمة" المزخرفة الحديثة حيث ذابت بهذه الدعوة عشرات اللغات، ومئات اللهجات. ولحفظ الله لرسالته وكتابه الذي قال سبحانه وتعالى فيه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجرات: 9).
    هي الضاد لن يذوي على الدهر عودها وقد خصها الذكر المقدس بالخلد

    لذا سادت لغة قريش لكونها اللغة الجامعة المعروفة المميزة على غيرها لعوامل سبق ذكرها وبقيت آثارها.. لغات (لهجات) أخرى نراها واضحة في القراءات الصحيحة المتعددة. كما نراها في وجود أكثر من اسم للشيء الواحد، وهذا راجع لاختلاف التسميات بين قبيلة وأخرى لأنه كما ورد في الأثر أنه أنزل على سبعة أحرف، وسنذكر هنا بعض المفردات القرآنية الكريمة من لغات (لهجات) القبائل العربية بياناً لبعض جوانب اللغة العربية المضيئة الخالدة بخلود قرآنها الخالد الذي جعله الله معجزة نبيه المختار الخاتم ورسوله للبشرية جمعاء إلى يوم القيامة، بيد أنه تم حذف ما ذكره من لغة قريش، لأنها اللغة الأساس التي نزل بها القرآن الكريم الخالد ثم أنه من الحمق والمكابرة إنكار ما لرسول البشرية ومعلمها الخير صلى الله عليه وسلم وسيد قريش من فضل كبير في توحيد اللهجات العربية، وقتل العصبيات الفرعية في نفوس القبائل.
    فيما يلي بيان وأمثلة لبعض لغات القبائل العربية الواردة في القرآن الكريم:

    سورة البقرة قوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}.
    السفيه: الجاهل في لغة كنانة.
    رغداً: الخصب في لغة طيء.
    رجزاً: العذاب بلغة طيء.
    خاسئين: صاغرين بلغة كنانة.
    تعضلوهن: تحبسوهن بلغة أزد شنوءة.
    "لأعنتكم" هنا، و"ما عنتم" بآل عمران و"العنت منكم" بالنساء، و"ما عنتم" بالتوبة، و"لعنتم" بالحجرات: العنت الإثم بلغة هذيل.
    الطور: الجبل وافقت لغة العرب في هذا الحرف لغة السريانية.
    لا شية: لا وضح بلغة أزد شنوءة.
    بغياً: حسداً بلغة تميم.
    فباءوا بغضب استوجبوا بلغة جرهم.
    في شقاق بعيد: في ضلال بعيد بلغة جرهم.
    لا رفث: لا جماع بلغة مذحج.
    أفيضوا: انفروا بلغة خزاعة.
    سورة آل عمران:


    كدأب آل فرعون: كأشباه بلغة جرهم.
    سيداً وحصوراً: السيد: الحكيم بلغة حمير.
    والحصور: الذي لا حاجة له في النساء بلغة كنانة.
    لا خلاق :لا نصيب بلغة كنانة.
    إصري: عهدي وافقت لغة النبطية.
    آناء الليل: ساعات بلغة هذيل.
    لا يألونكم خبالاً: غياً بلغة عمان.
    تفشلا: تجبنا بلغة حمير.
    فورهم: وجوههم بلغة هذيل وقيس عيلان وكنانة.
    قرح: بالفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم.
    ربيون: رجال بلغة حضرموت.
    سورة النساء:


    تعولوا: تميلوا بلغة جرهم.
    نحلة: فريضة بلغة قيس عيلان.
    أفضي: الإفضاء الجماع بلغة خزاعة.
    تميلوا ميلاً عظيماً: تخطئوا خطأ بيناً بلغة سبأ.
    كفل: نصيب وافقت لغة النبطية.
    مقيتاً: مقتدراً بلغة مذحج.
    حصرت: ضاقت بلغة أهل اليمامة.
    مراغماً: منفسحاً بلغة هذيل.
    أن يفتنكم الذين كفروا: يضللكم بلغة هوزان.
    واللغة العربية أكبر لغات المجموعة السامية من حيث عدد المتحدثين، وهي إحدى أكثر اللغات انتشاراً في العالم يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم "الوطن العربي".
    ارتفعت مكانة اللغة العربية وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي تظللت بالإسلام، وأثرت تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي كالتركية والفارسية والأوردية والألبانية وبعض اللغات الأوروبية والإفريقية.
    واللغة العربية هي حاملة الرسالة السماوية، ومبلغة الوحي الإلهي، وناشرة الدين الحنيف، وسفيرته إلى العالمين، وفاتحة دعوته، ولسان شعائره وجامعة الأمة، وآصرة الملة، محفوظة حفظ الوحي المنزل بها.
    واللغة العربية هي مبدعة الحضارة العربية، وراويتها بين الأجيال وذاكرتها على مر العصور، وهي لغة الإبداع الأدبي قبل الإسلام، ولغة الإعجاز الإلهي بعده فقد حملها الإسلام رسالته العالمية إلى البشرية كافة، كما نالت اهتمام وعناية السلف وشعوره بالمسؤولية الواجبة نحوها فبذلوا جهوداً مضنيةً في تأصيلها ووضع قواعدها، وحفظها من شوائب اللحن والخطأ الذي يذهب بجمالها ورونقها وبهائها، وحرصوا على سلامتها وحفظها من الرطانة العجمية واللكنة العامية.
    وكان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يعتبر تعليم اللغة العربية والتعمق في علومها
    حفظ اللغة العربية والاهنمام بها فهم دقيق وعميق لرسالة الإسلام الخالدة
    مثل التعمق والتفقه في الدين فيقول: "أما بعد فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في اللغة العربية فإنها من دينكم".
    وقال أيضاً: تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة. كما كان يرى أن الخطأ في الرمي أهون من الخطأ في اللغة فيقول: والله لخطؤهم في رميهم أهون على خطئهم في لسانهم.
    وقد سبق عمر رضي الله عنه بقرون طويلة ما دعا إليه أحد أعضاء مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) حيث قال: إننا نضع القوانين لمعاقبة المجرمين الذين يسرقون ويقتلون، فلماذا لا نضع القوانين لمعاقبة الذين يفسدون اللغة؟
    كما فرضت فرنسا غرامةً قدرها ألفا فرنك فرنسي على كل من يستخدم كلمة أجنبية واحدة يوجد لها مقابل بالفرنسية.
    ولمكانة اللغة العربية فقد حدد يوم 18 ديسمبر من كل عام يوما عالمياً للاحتفاء باللغة العربية.
    وكان الأقدمون يعيبون اللحن ويستهجنونه، ويعتبرونه عاراً للكريم ومسبةً للشريف.
    كما كان اللحن عند أهل البادية ذنباً شنيعاً يستحق صاحبه حرمان الرزق. فمما يؤثر على أحد البدو العرب أنه توجه من الصحراء إلى سوق البصرة، فرأى الناس يلحنون، فصرخ في وجوههم، عجباً كيف تلحنون وترزقون؟
    وكذلك أثر عن أبي الريحان البيروني قوله: لأن أشتم بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية. وكان السلف الصالح يعدون تلك العربية وخدمتها وحبها من الدين، ويدل على ذلك ما قاله الإمام أبو منصور الثعالبي: "من أحب الله، أحب رسوله، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها وصرف همته عليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرةٍ اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد.
    وهكذا.. امتازت اللغة العربية المباركة وتميزت لأنها غنية بكلماتها ومفرداتها، جميلة في أدائها وألفاظها، عميقة في مدلولاتها ومعانيها، رائعة في مادتها وتراكيبها، مرنة في صياغتها واشتقاقاتها، أنيقة في رسمها وأشكالها- حرفاً وكلمةً وجملةً- لذلك هي عند العرب مادة للأدب، وفن للقول، ولغة للعاطفة، وترجمة للعقل.. عبرت عن أدق خلجات نفوسهم، ونبضات قلوبهم صورت أعمق درجات تفكيرهم ونجوى ضمائرهم، وصاغت شخصياتهم وحياتهم ودنياهم.. رسمت مناحي حياتهم ، ورصدت مثلهم، وقيمت إنسانيتهم، تشرفت بأنها لغة القرآن الخالد، ومعجزة نبيها الأكرم صلى الله عليه وسلم وجعل من قرآنها العظيم الخالد لغة تحد إلى يوم القيامة، فبات من حقها علينا وإلزاماً لنا أن نكشف عظمتها، ونعرض روعتها، ونبين قيمتها، ونجعلها لسان نطقنا، ونخدمها بأفضل ما نستطيع، ونقف ضد من يحاول إبعادها وعولمتها، فحفظ اللغة العربية، وإيلاؤها جل العناية والرعاية والاهتمام فهم دقيق وعميق لرسالة الإسلام الخالدة.

    [(*)] عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •