"اللهــم أجعلــه خير"



هدى محمد نبيه



من منا لا يحلم؟، ولكن لماذا نحلم؟، وما هو الحلم؟، وهل يكون للأحلام تأثير على مجريات حياتنا اليومية؟

الأحلام بحر من الغموض وتفسيرها يشغل الكثير من الناس.. ولقد تحكمت الأحلام في تصرفات الكثيرين، وأثرت بشكل كبير على سلوكهم، حتى أن أحداثا تاريخية مهمة وصفت بأنها نتيجة لمنامات مزعجة..فزوجة يوليوس قيصر أصرت علية ألا يخرج من غرفته يوم مصرعه، وقالت أنها متشائمة من نتائج كابوس مزعج رأت فيه ثوب الإمبراطور مخضبا بالدماء..ولكنه لم يأبه بذلك وخرج ليموت!!

كما أستطاع اليهود استغلال الحلم كنذير إيحائي فوظفوا تفاسيره حسب مصالحهم، وذلك لأن أشهر الأحلام قد وردت في التوراة، وهى قصة سيدنا يوسف عليه السلام الذي اختاره فرعون مصر أمينا على المحاصيل الزراعية، وكان ذلك إثر حلم أوله له سيدنا يوسف الذي كان في السجن، ونحن نعرف قصة السبع بقرات السمان والسبع بقرات العجاف والسنابل الضعيفة التي أكلت السنابل القوية..وقد فسرها سيدنا يوسف لفرعون مصر على أنها سنوات القحط وسنوات الخير، فما كان من الفرعون إلا أن جازاه على تفسيره وجعله أمينا على خزائن مصر، وهنا أدرك اليهود قيمة الاشتغال بتفسير الأحلام لأنها تجعلهم يستأثرون بمصادر الرزق وثروات الأرض.

واعتقدت بعض الشعوب القديمة مثل الإغريق أن الأحلام عموما هبة من الآلهة لكشف معلومات للبشر وزرع رسالة معينة في عقل الشخص النائم، ولقد كان الهنود الحمر في أمريكا يقولون احترم أحلام أخيك.

واهتم العلماء العرب المسلمون بالأحلام وتفسيرها وأصبح ذلك علما بحد ذاته عند بعض المفسرين مثل "محمد بن سيرين"، كما اهتم به مفكرون مثل "محمد بن علي محي الدين بن عربي" (في كتابيه "الفصوص" و"الفتوحات المكية")، و"ابن خلدون "، وقد سعى ابن عربي وابن خلدون إلى تفسير الأحلام وتحليلها وتقسيم أنواعها ومعرفة أسبابها ومصادرها، بينما لم يبدأ اهتمام علماء الغرب بدراسة الأحلام إلا حديثا.

ولقد ورد عن نبي الإسلام محمد بن عبد الله أحاديث كثيرة عن الأحلام ومنها (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا صالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزينٌ من الشيطان، ورؤيا مما يحدّث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدثْ بها الناس).

فالنبي قسم الأحلام إلى ثلاثة أنواع، الرؤيا والحلم وأضغاث الأحلام، فالرؤيا هي مشاهدة النائم أمرا محبوبا، وهي من الله تعالى، وقد يراد بها تبشير بخير، أو تحذير من شر، ويسن حمد الله تعالى عليها، والحلم هو ما يراه النائم من مكروه، وهو من الشيطان، ويسن أن يتعوذ بالله منه ويبصق عن يساره ثلاثا، وأن لا يحدث به، وأضغاث الأحلام وهي عبارة عن رغبات ومخاوف مكبوتة في العقل الباطن.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا..لماذا يقضى بعضنا لياليه في عالم من الأحلام السعيدة بينما البعض الآخر يصحو من نومه وهو يتصبب عرقا وينتفض رعبا على أثر كوابيس مهولة؟!

ويفسر الدكتور " أرنست هاتمان" أستاذ علم النفس أن الأشخاص أصحاب الكوابيس قد يكونون إما:

1 - عاشوا وسط عائلات مضطربة أو مفككه.

2 - لديهم توترات نفسية.

3 – لديهم مشكلات عاطفية.

4 – التعرض للحرارة الشديدة أثناء النوم.

5 – تناول أطعمة دسمة قبل النوم مباشرة.

ولكن هل للأحلام مدلولات نفسية؟

يذكر لنا الدكتور" محمد يسرى عبد المحسن" أستاذ الطب النفسي بطب القاهرة، أن الأحلام لها مدلولات نفسية عميقة، فهي نتاج لتفاعل بين الخبرات المختزنة في العقل الباطن وبين الأحداث التي يمر بها الإنسان في يومه.

فالأحلام يمكن أن تعبر عن رغبات مكبوتة لا يمكن التعبير عنها أثناء اليقظة، وهى تنفيس عن مكنونات النفس، وهى تحقيق وهمي وخيالي لرغبات الإنسان وما يعجز عن تحقيقه من آمال وطموحات في حياته الواقعية وأثناء يقظته..

ماذا يحدث لو حرم الإنسان من الحلم؟

فالحرمان من الأحلام أثناء تجارب أجريت على متطوعين يؤدي إلى الإصابة بأمراض نفسية خطيرة...وصلت إلى حد الهلوسة البصرية والسمعية لمن تم إيقاظهم عند بداية الحلم من المتطوعين الذين خضعوا لهذه الأبحاث، لذلك فإن أكثر من ثلث ساعات النوم يقضيها الإنسان في الأحلام وإن كان عادة لا يتذكر سوى الحلم الذي استيقظ بعده مباشرة!!

ويتفاوت الناس في مدى تأثير الأحلام في حياتهم، فتجد من يتفاءلون بالأحلام، وآخرون تجدهم يخافون من الأحلام، وهناك من يتأثرون بالأحلام ويبحثون عن تفسيرها، وبعض الناس تمر عليهم الأحلام مرور الكرام ولا يهتمون بها، وبعض الأحلام تحفر في ذاكرة الإنسان وتبقى ذكراها طوال العمر، فحاول أن تنسى الأحلام والكوابيس الحزينة، وأجعل ذاكرتك دائما مليئة بالأحلام السعيدة.