بطاقات التخفيض: حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: بطاقات التخفيض: حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,906

    افتراضي بطاقات التخفيض: حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها


    بطاقات التخفيض


    حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها

    مقدمة:
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
    فإنَّ عظماء العرب والغرب قد أجمعوا على تميُّز النظام الإسلامي وأفضليَّته واستجابتِه لكافة متطلبات نظم الحياة البشرية، كما أنَّهم أشادوا بالرُّقي الحضاري الكبير الذي تُمثِّله قواعدُ ومبادئُ هذا النظام، وإن دل هذا الأمر على شيء، فإنما يدل على حاجةِ الإنسان الماسة إلى النَّهَل من مَعِين الوحي الرباني، ولا عجبَ؛ فشتَّان بين عِلم الكامل ومعرفة الناقص!
    وقد ظهرت خلال عصرنا الحالي أنماطٌ مختلفةٌ من أساليب الترويج للمؤسسات وللمنتَجات وكَسْبِ الزبائن، وهي غالبًا ما تكون على نمطِ تقليدِ الغرب، لكنْ بموجِب مبدأ أخذ الحسن ورد السيِّئِ؛ فقد تلقَّاها العلماء بعَين النقد والتمحيص، بِعَرْضِها على أحكام الشريعة الإسلامية وتحديدِ الموقف السليم منها؛ حتى يكون مَحْيَانَا ومماتُنا على بصيرة، ومن هذه الطرق الترويجُ لما يعرف بـ "بطاقات التخفيض".
    وسوف نحاول خلال هذا البحث، بإذن الله، التطرُّق لموضوع بطاقات التخفيض من وِجهة نظر شرعيةٍ بَحْتَةٍ، محاولين سَبْرَ غَوْرِ جوانب الموضوع الذي نشأ بخصوصه.
    1- أهمية دراسة الموضوع وأسباب اختياره:
    تتمثل أهمية دراسة هذا الموضوع - وهي في نفس الوقت غالبُ أسباب اختياره - في الأمور التالية:
    أ- شيوعُ عروضُ بطاقات التخفيض وكثرةُ إقبال الناس عليها؛ خدمةً للرغبة في الاستفادة من كُلِّ ما يخفف عبءَ تكاليف الحياة.
    ب- الغالبُ على الوسائل الترويجية الغربية احتواؤُها على محظورات وتحفُّظاتٍ من وجهة النظَر الإسلامية؛ فوجَب النظر في كل ما يَرِدُنا من طرَفهم.
    ج- تحقيق الاهتمام بعادات الناس في البيع والشراء تَأَسِّيًا بالشارع الحكيم؛ حيث إنَّ كُتب السُّنة حوت عشرات الأحاديث التي تتعلق بالمعاملات بين الناس، وحيث إنَّ علماء الإسلام خصصوا حيزًا كبيرًا من مؤلفاتهم لشرح واستنباط دروس وفوائد مما ورد في هذه الأمور.
    د- تعويد المجتمع الإسلامي الرجوعَ للمرجعيات العلمية قبل الخوض في كل أمور دينهم ودنياهم.
    2- أهداف البحث:
    يهدف هذا البحث إلى تحقيق مجموعة من الأمور:
    أ- التعرف على بطاقات التخفيض.
    ب- التعرف على الحكم الشرعي بخصوص الاستفادة من بطاقات التخفيض.
    ج- التعرف على وجهات نظر أهل الاجتهاد، وكذلك على الأدلة التي بَنَوْا أحكامهم عليها.
    د- فهم بؤرة الخلاف في الموضوع.
    3- تقسيمات البحث:
    سوف ينقسم هذا البحث إلى:
    • تمهيد:
    التعريف ببطاقة التخفيض واستخداماتها، وفيه مَبْحَثٌ بمطلَبين:
    المبحث الأول: نشأةُ بطاقة التخفيض، وفيه مَطْلَبان:
    • المطلب الأول: التعريف ببطاقة التخفيض.
    • المطلب الثاني: نشأة بطاقة التخفيض.
    • مبحثٌ ثانٍ بثلاثة مطالب:
    المبحث الثاني: خلاف العلماء حول حكم استخدام بطاقة التخفيض، وفيه أربعة مطالب:
    المطلب الأول: تحرير محل الخلاف.
    المطلب الثاني: القائلون بالجواز وأدلتُهم.
    المطلب الثالث: القائلون بالتحريم وأدلتُهم.
    المطلب الرابع: القول الراجح.
    • وخاتمة:
    أهم نتائج البحث.
    الفهارس.
    4- منهج البحث:
    سوف أعتمد، بإذن الله، خلال هذا البحث المنهجَ الاستقرائيَّ والوصفيَّ؛ حيث سأقوم بالحديث عن بطاقات التخفيض والتعريف بها، ثم استقراءِ آراء أهل العلم والاجتهاد المعتبَرِين حولها، ما بين المُجيزِين والمانعِين أو مَن يحكم عليها بتحفُّظات، وكذلك استقراء أدلتهم وإيراد ردودِ البعض عليها إن وجدت، ثم استنباط الراجحِ من هذه الآراء.
    5- الدراسات السابقة:
    تعددت الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع بتعدد الباحثين والمستجدات.
    فعلى مستوى البحوث العلمية والمؤلفات:
    • لا يخفى التنويه بمؤلَّف الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله والمعنون بـ: "بطاقات التخفيض: حقيقتها التجارية، وأحكامها الشرعية"، حيث فُصِّلَ للحديث عن بطاقة التعريف ضمن أكثر من عشرة فصول، مبيِّنًا حكم مختلف أهل العلم حولها مع الأدلة والبراهين، وتمحيصٍ لمنافعها ومضارِّها في حياة المسلم.
    • كما أصدر الشيخ دبيان محمد الدبيان كتابًا بعنوان "المعاملات المالية: أصالةٌ ومعاصَرةٌ"، ضَمَّنَهُ فصلًا عن حكم التعامل ببطاقات التخفيض؛ حيث أبرَز أنواعَ هذه البطاقات وأطرافَها، وبيَّنَ ترجيحَه في مسائل الخلاف المتعلقة بها، مع تفصيل في بيانِ أسباب حكمه بالجواز، وبيانِ الأدلة المعتمَدة في ذلك.
    • وهناك أيضًا مؤلَّف قيِّم للشيخ خالد المصلح، بعنوان "الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي" تطرَّق فيه للتعريف ببطاقة التخفيض، وبيانِ أنواعها وكل الصلاحيات التي تُخَوِّلُها للمسلم، كما ضَمَّنَه الحديثَ عن الضمانِ في التعامل معها وضوابطِ المسائل، في علاقة بمباحثِ اختلاف وتماثل الأجناس.
    تمهيد:
    التعريف ببطاقة التخفيض واستخداماتها:
    وفيه مبحث واحد بمطلبين:
    مبحث:
    نشأة بطاقة التخفيض، وفيه مطلبان:
    1- المطلب الأول:
    التعريف ببطاقة التخفيض:
    بطاقةُ التخفيض: هي قسيمةٌ تُخَوِّلُ الحصولَ على تخفيضٍ في سعر مُنْتَجٍ معين أو خدمةٍ معينة يحصلُ عليها المستهلك، إمَّا عن طريق التوزيع أو الإرسال، أو ببَتْرِها من جريدة أو مجلة، أو تكون مرافِقة لمنتَج معين، وفي هذه الحالة الأخيرة فالتخفيض يكون إما حالًا أو لدى شراء منتَج مماثِل في الأجَل.وهناك نوع آخر من بطاقات التخفيض، التي يحصل المستهلك عن طريقها على حق استرجاع جزء من المال المدفوع لشراء منتَج معين[1].ا.هـ.
    فتكونُ بطاقةُ التخفيض - بناءً على التعريف الاصطلاحي - امتيازًا يحظى به المستهلِك المعيَّن في معاملته بخصوص منتَج معين أو خدمة معينة، كما أن هذا الامتياز غالبًا ما يتأتَّى عند معاملة تجارية يكون فيها المستهلك أحد الطرفين، ولا يُستفاد من هذا الامتياز سوى مرةٍ واحدة؛ فهو إذًا مرتبط بأجَل محدد.ومن هنا، يمكننا استنباط تعريفٍ شرعيٍّ لبطاقة التخفيض؛ فنقول: إن بطاقة التخفيض هي "هبة مشروطَة بأجَل محدَّد على سلعة أو خدمة معينة".
    • فخرج بلفظ "الهبة": الشراءُ والبيعُ والتأجيرُ والرهنُ والجعالةُ والعطيةُ.
    • وخرج بـ "الأجل المحدد": ما كان مُؤَبَّدًا كالوقف والزكاة.
    • وخرج بـ "السلعة المعينة": ما كان غيرَ معيَّن، كالمجهول والمعدوم، والسمك في الماء، والطير في الهواء.
    2- المطلب الثاني:
    نشأة بطاقة التخفيض:
    لم تَتَّخِذْ بطاقةُ التخفيض طابعها التداوُلِيَّ الحالي سوى خلال العقود الأخيرة، لكن بالرجوع لصفحات التاريخ الغربي؛ فإننا نجد أن أوائل مراحلِ تداولها نشَأت خلال أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وبالتحديد سنة 1887؛ حيث عمد مؤسس شركة المشروب الغازي الشهير ب"كوكاكولا" وهو "أسا كاندلر"، إلى توزيع بطاقة مكتوبة بخط اليد على زبائنه، وُرَيْقَة صغيرة تُخَوِّلُ لهم حقَّ الحصول مجانًا على كأس من مشروب الكوكاكولا في أماكن ترويجه[2]، وقد حظيت فكرته بالإعجاب والانتشار والفاعلية؛ حيث تفيد إحصائيات تلك الفترة بأن تسعةً من عشرة أشخاص حَظُوا خلال فترة عشرين سنة بامتياز الحصول على كأسٍ مجانيٍّ من هذا المشروب، فكانت بذلك شركة كوكاكولا أولَ من بادر إلى إنشاء هذه البطاقة.ثم حذت حذوها شركاتٌ أخرى متخصصة في منتجات مختلفة، لكنَّ الملاحَظَ على عروضهم لتلك الفترة، كونُها كانت أحيانًا محددة زمانيًّا؛ إذْ كان الهدفُ من بعضها تشجيعَ المستهلكين على التعرُّف على المنتَج لضمان استمرار بيعه بعد انتهاء عروض البطاقات، كما أن المعاب على هذه المبادرات كونُها لم تكن تُيَسِّرُ الحصول على منتَجات رئيسة في لائحة احتياجات المواطنين، فلم تكن هناك بطاقات تخفيضٍ على مادة الحليب ولا البيض ولا السكر وغيرها مما لا يستغني عنه المستهلك خلال يومه، خصوصًا خلال مرحلة الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينِيَّات.بعد ذلك، تم تداول بطاقات التخفيض في أسواق الاتحاد السوفييتي سابقًا؛ حيث كان المواطنون يقفون في صفوف بأعداد كبيرة؛ للاستفادة من تخفيضات بضعة سنتيمات على محلات الملابس والإكسسوارات.وهكذا، فقد تطوَّرَ تداولُ البطاقات، وتطورت أيضًا طرُقُ ومجالاتُ استخدامها حتى صارت رقمية وإلكترونية خلال التسعينيات، مع بدء استخدام الشبكة العنكبوتية أو ما يسمى بـ"الإنترنت"، إلى أنْ صارت تُتَداوَل عبر الهواتف الذكية خلال العقد الحالي.
    مبحثٌ:
    خلافُ العلماء حول حكم استخدام بطاقة التخفيض:
    ويشمل أربعة مطالب:
    1- المطلَب الأول: تحرير محل الخلاف.
    2- المطلَب الثاني: القائلون بالجواز وأدلتهم.
    3- المطلَب الثالث: القائلون بالحرمة وأدلتهم.
    4- المطلَب الرابع: الرأي الراجح.
    1- المطلب الأول:
    تحرير محل الخلاف:
    اتَّفَقَ العلماء على جواز التعامل ببطاقة التخفيض وصِحَّة معاملتها، مقيَّدةً كانت أو مطْلَقةً، وحالَّةً كانت أو مؤجَّلةً؛ وذلك باعتبار إلحاقها بباب الهبة، حيث وردت نصوص ثابتةٌ بجواز وصحة معاملة الهبة.روى النعمان بن بشير، قال: أعطاني أبي عطية، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أعطيت ابني عطيةً، وإن أمَّه قالت: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فهل أَعْطَيْتَ كلَّ ولدك مثل ذلك؟))، قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم؛ أليس يسُرك أن يكونوا لك في البر سواءً؟))، قال: بلى، قال: ((فلا إذًا))[3] ا.هـ.
    فالشاهدُ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَحَّحَ معاملة الهبة.
    كما اتفق العلماء على نَفَاذِ عقد التخفيض بمجرد استلام المستهلك لبطاقة التخفيض، ما دامت المعاملة وَفْقَ ما اشتَرَطه صاحب العرض لنفاذه، كالأجل وتحديد البضاعة وتحديد الكم والسعر المعتبرَيْن لإنفاذ العقد وذلك في بعض الحالات.واتفقوا أيضًا على جواز التعامل ببطاقة التخفيض التي يتم الحصول عليها بدون دفع مقابل مالي، سواء كان هذا المقابل في صورة اقتطاعات شهرية أو بالتأثير على تسعير بعض منتَجات وخدمات المؤسسة المعنية والموجهة للزبون، لكنَّهم اختلفوا في صحة عقد بطاقة التخفيض التي يتم الحصول عليها بمقابل مالي أيًّا كانت صورته، فظَهَرَ قولان في المسألة؛ قولُ المجيزين وقولُ المانعين.
    2- المطلب الثاني:
    القائلون بالجواز وأدلتهم:
    وقد قال به جملةٌ من العلماء المعتبَرِين، منهم الشيخ دبيان محمد الدبيان والشيخ فهد بن سالم بَاهَمَّام، وكذلك الشيخ عبدالعزيز الطَّرِيفي، والشيخ خالد بن علي المشيقح، فهم يرون حِلَّها، ويعتبرون المبلغ المدفوع إزاءها أجرَ عمل في حقِّ مَن يُصدر هذه البطاقات، سواء كان البائعَ نفسَه أو الوسيطَ بين البائع والمستهلك، ويَخُصُّ الشيخ المشيقح الحكمَ بالجواز ببطاقات التخفيض الخاصة فقط؛ حيث تكون جهة التخفيض واحدة.هذا، وقد بنَوْا حكمهم بالجواز على أدلة عديدة، منها:
    أ- باعتبار القاعدة الفقهية التي تنص على أن الأصل في المعاملات الحل حتى يرد الدليل بخلاف ذلك.
    ب- أنَّ العقد المُبْرَم بين البائع والمستهلك في حالة بطاقة التخفيض هو عقدُ إجارة، فكما أنَّ المستأجر لبيت مثلًا لا يلزمه استخدامُه أو السكنُ فيه خلال فترة الاستئجار، فلا يلزم مَن اشترى هذه البطاقات استخدامُها بعد ذلك حتى يُعَدَّ العقد نافذًا وصحيحًا.
    وهناك من يرى كون المعاملة دائرةً بين السمسرة والجِعالة، في علاقة الشركة الراعية بالوسيط المُصْدِرِ لهذه البطاقات، قال الشيخ الدبيان: "الذي أميل إليه أنَّ العَلاقة بين جهة الإصدار وبين شركات التخفيض هي علاقة سمسرة"[4]، وقال أيضًا: "وقد يقال: إن العلاقة بينهما عقد جعالة، فكأَنَّ هذه المحلات قالت: مَن جاءنا بمن يشتري مِنَّا استَحق كذا وكذا، وعلى كلا التوصيفين لا يكون الغرر مؤثرًا في صحة العقد؛ لأن السمسرة والجعالة يُقْبَلُ فيهما الغَرر؛ لقيام الحاجة إلى هذه العقود، والله أعلم"[5].
    ج- أن الأجر المدفوع للحصول على البطاقة هو أجرُ عاملٍ ووسيطٍ، وهو بمثابة العِوَض، وقد جاء في "المُغْني" تجويزُ الإمام أحمد رحمه الله قولَ الرجل لآخر: اقترض لي من فلان مائةً ولك عشرة، فألْحَقُوا عِوض التخفيض بعِوض القرض، ولعله أولى بالجواز منه.
    د- أن الغرر في هذه المعاملة يسير مُغْتَفَر، لا تأثيرَ له على أطرافها.
    غيرَ أن هذا التجويز ليس على إطلاقه؛ إذ مِن العلماء المجيزين من يقيِّده بشروط؛ منها:
    أ- معرفة نسبة التخفيض؛ حتى لا يدخل المعاملةَ أيُّ غرر أو جهالة.ب- تحديد العين التي يقع عليها التخفيض، فإن كانت سلعةً وجب تسميتُها، وإن كانت خدمةً وجب تعيينُها؛ حتى نضمن تَماثُل الجنسين[6].
    3- المطلب الثالث:
    القائلون بالتحريم وأدلتهم:
    وقال به جمعٌ من العلماء، كالشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد العثيمين والشيخ عبدالله بن جبرين رحمهم الله والشيخ صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ خالد المصلح، وغيرهم، كما تضمَّنَتْهُ قرارات العديد من المجامع الفقهية والعلمية، كاللجنة الدائمة للإفتاء، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي.
    وأدلتهم في المسألة كثيرة، منها:
    أ- أنَّ هذه المعاملة قائمة على الغُرْمِ والغُنْمِ، ففي حالة انتفاع المستهلك بها؛ يتحقق الغنم بشراء منتَج، أو بالاستفادة من خدمة بسعر أرخص من السعر الاعتيادي، وفي حالة لَم يستخدمها فإنها خسارة في حقه؛ وفي هذه الحالة فإن فيها شَبَهًا بالميسر والقمار.
    ب- أنها معاملة يتخللها الجهالة والغرر؛ إذ إن المستهلك لا يدري ما نسبة التخفيض التي يستفيد منها، ولا عِلْمَ له عن طبيعة السلعة أو الخدمة التي تفيده البطاقة فيهما بالتحديد.
    ج- أنها معاملة تجر بالناس إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات على العديد من المستويات؛ فلا يمكن للشركات والمؤسسات أن تُلْزِمَ نقاط البيع والمتاجرَ بالتخفيضات التي تُخَوِّلُهَا البطاقة، كما أنَّ زيادة الرواج على بضائع مخفَّضة بالبطاقة يُسَبِّبُ كسادَ غيرها مما هو معروض بالأسعار الاعتيادية؛ فمفاسدُها أكثرُ من مصالحها.
    جاء في فتوى اللجنة الدائمة: "فتداوُل البطاقة المذكورة يجرُّ إلى إحداث العداوة والبغضاء بين أصحاب المحلات، المشتركين في التخفيض وغير المشتركين؛ حيث تَنْفُقُ سلع محلات التخفيض، وتكسد بضائع الذين لم يشتركوا في التخفيض"[7].
    د- أن هذه المعاملة تمثل أكلًا لأموال الناس بالباطل؛ إذ إن المستهلك يدفع مالًا مقابل ما قد لا يستفيد منه في المستقبل، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس يوم النحر، فقال: ((يا أيها الناس، أيُّ يوم هذا؟))، قالوا: "يومٌ حرام"، قال: ((فأي بلد هذا؟))، قالوا: "بلد حرام"، قال: ((فأي شهر هذا؟))، قالوا: "شهر حرام"، قال: ((فإنَّ دماءكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا))، فأعادها مرارًا[8]، قال الحافظ ابن حجر: "وإنما شَبَّهَ حرمة الدم والعِرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطَبِين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشدَّ العيب، وإنما قدَّم السؤال عنها تذكارًا لحرمتها، وتقريرًا لِمَا ثبت في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد"[9].
    4- المطلب الرابع:
    القول الراجح:
    انطلاقًا من بَسْطِ أقوالِ العلماء في المسألة وأدلتِهم عليها؛ نرى أنَّ أدلةَ المجيزين أقوى وأقربُ لتحقيق المقاصد المبتغاة من المعاملة، كما أنها أكثرُ تحقيقًا للعديد من القواعد الفقهية التي تهدف إلى تنظيم معاملات الناس؛ فاستخدام هذا النوع من البطاقات يُيَسِّرُ للمستفيد مصاعبَه الشرائية؛ حيث يُمَكِّنُه من اقتناء ما يحتاجه بأسعار أرخصَ، كما أنَّه يكفيه عناء انتظار فترات التخفيض السنوية، وفي ذلك اقتصاد في المال والوقت على المدى البعيد.كما أنَّ الحديث عن الغرر والجهالة لدى المانعين ينتفي عند مَن يرى الجواز بشرطَيْ تحديدِ نسبة التخفيض والمنتَج الذي يسري عليه هذا التخفيض، فيزول هنا الإشكال.يبقى إشكالُ جلب النزاعات والمشاحنات ونُفُوق السلع، وهنا لا يخفى كون الأمر نِسْبِيًّا وغيرَ متحقق الوقوع، بالإضافة إلى كَوْنِ الغالب على الشركات التزامُها بالعمل بتخفيضات البطاقات؛ حيث إنَّها خاضعةٌ لاتفاقيات بين المؤسسات الراعية للعروض، وعدم الالتزام بتخفيضات البطاقات يعتبر تَنَصُّلًا من الاتفاق، وبالتالي فهو خَرْقٌ يُوجِب تدخُّلَ الهيئات القانونية المناسبة، والأحكامُ إنما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم المعدوم[10]، كما قال ابن القيم رحمه الله.كما أن المشقة المعتبَرة في تجويز هذه البطاقات عامةٌ ومحققةٌ، وهو من ضوابط إعمال قاعدة "المشقة تجلب التيسير"، فقد جاء في المنثور: "هَذَا إذَا كَانَتِ المَشَقَّةُ (وَوُقُوعُهَا) عَامًّا، فَلَوْ كَانَ نَادِرًا، لَمْ تُرَاعَ المَشَقَّةُ فِيهِ"[11].
    الخاتمة:
    • أهم نتائج البحث:
    انطلاقًا من هذا الاستقراء للآراء في المسألة وللأدلة التي بنى أصحاب الأقوال عليها حكمهم؛ يَتبيَّن لنا الآتي:
    أ- أنَّ مقصدَ التيسير في الشريعة وإسقاطَه على الأحكام والفروع ليس على إطلاقه، بل له ضوابط قبل إعماله، ولا يجوز اللجوء للتيسير إلا بعد إعمالِ الشرع وتحكيمِه والتحقُّقِ من إمكانية تيسير التكليف، فبطاقات التخفيض مِن شأنها أنْ تيسِّرَ للناس أمورَ دنياهم فيما يبدو، لكنْ حينما نظرَ العلماء للمفاسد التي تترتب عن هذا التيسير، وُجد أنه في الحقيقة جالبٌ لمَضَرَّةٍ مُؤجَّلة، ولِخَسارةٍ على المدى البعيد، فكان لزامًا عليهم تقييدُ هذه المعاملة بما قد يمنع الضررَ على المكلَّف، مع الحفاظ على مَقصَد التيسير فيها.
    ب- نلحظ أيضًا أن تجويز هذه البطاقات بقيود يخدم طابع الوسطية والاعتدال اللذينِ تمتاز بهما الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع، ما بين تشدُّد اليهودية وتساهُل المسيحية، فقد حَرَّم اليهود جملةً مما أحل الله، وحَلَّلَ النصارى جملة مما حرم الله، والحكمة تقتضي الأخذَ بالطيب ودفعَ الخبيث، إلا ما غَلَب خبثُه، كالخمر والربا والميسر، وإن أمكن إصلاح الخبث أُصلِح، كما جاء في الخل والإهاب، وإلا تُرِكَ، كحال النجاسة العينية، فإنه لم يمكن أبدًا إصلاح ما قضى الله بفساده مطلقًا، والأخذ بهذه البطاقات مع الضوابط فيه نوعُ تحسينٍ لما خَبُثَ في المعاملة.
    هذا ما تيسر، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    المراجع:
    موقع أكاديمية العلوم التجارية الفرنسية الرسمي.
    • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.
    • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422.
    • زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1418.
    فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة، بيروت، 1379.
    المنثور في القواعد الفقهية، أبو عبدالله بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، 1405.

    [1] أكاديمية العلوم التجارية، 19 ديسمبر 2015.

    [2] تاريخ بطاقات التخفيض، كليمانس، 19 ديسمبر 2015.
    [3] رواه مسلم (1623).
    [4] الشيخ دبيان محمد الدبيان، بطاقات التخفيض، 19 ديسمبر 2015.
    [5] نفس المرجع السابق.
    [6] الشيخ خالد بن علي المشيقح، المعاملات المالية المعاصرة، 19 ديسمبر 2015.
    [7] فتاوى اللجنة الدائمة (10/ 14).
    [8] رواه البخاري (16/ 52).
    [9] فتح الباري (3/ 576).
    [10] زاد المعاد (5/ 421).
    [11] أبو عبدالله، بدر الدين، محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي المصري، دار الكتب العلمية، لبنان، 1421، الطبعة الأولى، المنثور في القواعد، الصفحة 172.
    http://www.alukah.net/sharia/0/100469/
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,906

    افتراضي رد: بطاقات التخفيض: حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها

    بطاقات التخفيض بين الإباحة والتحريم:
    بقلم:
    حسام الدين عفانه
    منذ 2013-04-24
    السؤال:
    تُصدرُ بعضُ المحلات التجارية الكبرى بطاقات تخفيض مقابل مبلغ مالي وتتيح الحصول على السلع بخصم معين، فما قولكم في حكمها؟
    الإجابة:
    بطاقات التخفيض أنواع متعددة، وهي بطاقات تمنح صاحبها حسمًا من أسعار السلع والخدمات لدى مجموعة من الشركات والمؤسسات، والمراكز التجارية، كالمستشفيات، والمستوصفات، والفنادق، والمطاعم، وأسواق المواد الاستهلاكية، والأغذية، ومعارض الألبسة، والمفروشات، والأجهزة الكهربائية، والسيارات، ومراكز الخدمات، والصيانة، والمدارس الأهلية، ومنتزهات الأطفال، ومكاتب السفر والسياحة، ومكاتب تأجير السيارات، وغيرها. وقد تكون هذه البطاقات خاصة ببعض الأنشطة التجارية، كالبطاقات الصحية التي تمنح حاملها حسمًا لدى المستشفيات، والمستوصفات، والعيادات التجارية، أو بطاقات السفر كالبطاقة الذهبية التي تمنح صحبها حسمًا لدى الفنادق وشركات تأجير السيارات.
    وهذه البطاقات تختلف من حيث نطاق الاستفادة منها، فقد تكون محليّة، وقد تكون دوليّة، وذلك حسب ثمن البطاقة، ومكانة الجهة المصدرة للبطاقة، وشهرتها.
    وهذا النوع من بطاقات التخفيض يتبنى إصداره شركات الدعاية والإعلان والتسويق، أو شركات السفر والسياحة، وقد يقوم بإصدار هذه البطاقات بعض الجهات والمؤسسات غير التجارية، كبطاقات التخفيض التي تصدرها بعض الجمعيات التعاونية، أو البطاقات التي تصدرها بعض الأندية الرياضية، أو البطاقات التي تصدرها الغرف التجارية، وغير ذلك، (الحوافز التجارية التسويقية للمصلح ص 185).
    وعُرفت بطاقة التخفيض أيضًا بأنها بطاقة تخول صاحبها الحصول على تخفيضٍ بنسبةٍ محددةٍ من أثمان السلع، أو الخدمات التي يشتريها من متاجر محددة، (انظر بطاقة التخفيض في ضوء قواعد المعاملات الشرعية، للسويلم ص2).
    وبطاقات التخفيض على أقسام:
    الأول:
    بطاقات تخفيض مجانية، وهي التي تمنحها بعض المحلات لزبائنها مجانًا، فإذا كانت البطاقاتُ مجانيةً، غير مدفوعة الثمن، يمنحها المتجر أو الشركة للزبون ليدخل في سحبٍ على الجوائز، أو ليُمنح بعض الخصومات: فلا بأس فيها ولا حرج، وهي بذلك تعتبر وعدًا بتخفيض الأسعار من قبل المتجر للمشتري، أو وعدًا بمنح الجوائز، والوعد بالخير جائزٌ لا حرج فيه، وقد دلت النصوص من الكتاب والسنة على الوفاء بالوعد كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].
    وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: آيةُ المنافق ثلاثٌ: "إذا حدَّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف" (رواه البخاري ومسلم)، وغير ذلك من النصوص. ولكن يشترط أن لا يزيد المُصْدرُ للبطاقة في أسعار السلع ليحتال على الخصومات المعلن عنها في تلك البطاقات.
    وهذه البطاقات وإن كان فيها نوعٌ من الغرر إلا أنه غررٌ معفوٌ عنه، لأن العقد هنا من عقود التبرع وليس من عقود المعاوضة، ومن المقرر عند الفقهاء أنه يغتفر الغرر في التبرعات ولا يغتفر في المعاوضات.
    الثاني: بطاقات تخفيض يتم الحصول عليها بمقابلٍ مادي عن طريق الاشتراك السنوي أو برسومٍ محددة، وهذا النوع محرمٌ لا يجوز التعامل به، وقد صدرت قراراتٌ وفتاوى بتحريمه، منها قرار (مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة سنة 1427هـ 2006م) حيث جاء فيه ما يلي:
    وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع، والمناقشات المستفيضة قرر:
    أولًا: عدم جواز إصدار بطاقات التخفيض المذكورة أو شرائها إذا كانت مقابل ثمن مقطوع أو اشتراك سنوي، لما فيها من الغرر، فإن مشتري البطاقة يدفع مالًا ولا يعرف ما سيحصل عليه مقابل ذلك، فالغرم فيها متحققٌ يقابله غنمٌ محتمل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه.
    ثانياً: إذا كانت بطاقات التخفيض تصدر بالمجان من غير مقابل، فإن إصدارها وقبولها جائزٌ شرعًا، لأنه من باب الوعد بالتبرع أو الهبة.
    ومنها قرار مجلس الإفتاء الأردني حيث ورد فيه:
    "بعد الدراسة والبحث ومداولة الرأي قرر المجلس ما يلي:
    حكم بطاقات التخفيض التي تصدرها المتاجر(المولات) بغرض تشجيع زبائنها على الشراء وكسب الجوائز، فيه تفصيلٌ:
    1- إذا كانت البطاقاتُ مجانيةً، غير مدفوعة الثمن، يمنحها المتجر أو الشركة للزبون ليدخل في سحب على الجوائز أو ليمنح بعض الخصومات: فلا بأس فيها ولا حرج، وهي بذلك تعتبر وعداً بتخفيض الأسعار من قبل المتجر للمشتري، أو وعدًا بمنح الجوائز، والوعدُ بالخير جائزٌ لا حرج فيه، بشرط أن لا يزيد المتجر في أسعار السلع ليحتال على الخصومات المعلن عنها في تلك البطاقات.
    2- أما إذا كانت البطاقات مدفوعة الثمن، يشتريها الزبون بمبلغٍ معينٍ من المال، وكان هذا المبلغ زائدًا على قدر تكاليف استخراج البطاقة وإصدارها، أو كانت مما تستخرج باشتراك سنوي، فلا شك في حرمة هذا النوع من البطاقات، لدخول محذور الميسر فيها، لأن المتجر يستربح بسبب بيع مثل هذه البطاقات، في حين أن الزبون يدخل في مقامرة، قد يكسب الجوائز والخصومات التي تمنحها له هذه البطاقة، وقد لا يكسب شيئًا لعدم وصوله إلى النقاط المطلوب تجميعها للحصول على مزايا تلك البطاقة، أو لعدم شرائه من ذلك المتجر المعين، وهذا الاحتمال الذي يعتمد على الحظ هو الميسر المحرم، وهو الغرر الذي جاءت الشريعة بتحريمه في عقود المعاوضات.
    3- أما إذا كانت البطاقات مدفوعة الثمن، يشتريها الزبون بمبلغ من المال، غير أن هذا المبلغ الذي يدفعه إنما هو لتغطية تكاليف استخراج البطاقة وإصدارها، من غير زيادة يربحها المتجر ببيع هذه البطاقات، فهذا محل شبهة ونظر، والأورع والأحوط الابتعاد عن جميع الشبهات.
    4- ومنها فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية حيث ورد في قرارها: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي: بطاقة التخفيض المذكورة لا يجوز التعامل بها، إصداراً، واشتراكاً. لأمور عدة، منها:
    أولًا: اشتمالها على الغرر والمخاطرة،لأن دفع المبلغ مقابل الحصول عليها: دفع بلا مقابل حقيقة، إذ قد تنتهي صلاحيتها ولم يستعملها حاملها، أو يكون استعماله لها لا يقابل ما دفعه من رسومها، وفي هذا غررٌ ومخاطرةٌ؛ والله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.
    ثانيًا: اشتمالها على الربا، لأن دفع مُصدِرِها نسبة التخفيض لحاملها (في حال امتناع صاحب المتجر عن التخفيض هو الربا المحرم)، والتخفيض هنا قد يتجاوز رسم إصدار البطاقة، وقد أثبتت الوقائع حصول هذا، فحصل غُرمٌ على مُصدرها.
    ثالثًا: أن لها آثارًا سالبة، ومنها: إثارة العداوة والبغضاء بين أصحاب المحلات المشتركين في التخفيض وغير المشتركين بنفاق السلعة المخَفَّضَة وكساد غيرها مِن بضائعِ الذين لم يشتركوا في دليل التخفيض.
    رابعًا: ومن آثارها أيضًا: دفع حاملها إلى الاسترسال في الشراء لقاء التباهي بحملها والاغترار بالدعاية من ورائها، وفي هذا تصفية لمدَّخَرَاته، وزيادةٌ في الاستهلاك والإسراف فيه، فالبطاقة في حقيقتها (تعود بتنامي المصاريف وزيادتها، لا بالتوفير وزيادة الادخار)، (فتاوى اللجنة الدائمة).
    ومن الأدلة التي تدل على حرمة بطاقات التخفيض المدفوعة الثمن:
    أولًا:
    أن هذا النوع من البطاقات التخفيضية فيه جهالةٌ وغررٌ كبيران في جميع أطرافها، إذ لا يعلم حصول المقصود من العقد، ولا تُعرف حقيقته ومقداره، فالمشاركون في برنامج هذا النوع من بطاقات التخفيض تدور حالهم بين الغرم والغنم الناشئين عن المخاطرة، والغرر المحض، فهي داخلة في الميسر المحرم المذكور في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون} وهي أيضًا داخلةٌ في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.
    ثانيًا: إن في هذه المعاملة أكلًا للمال بالباطل، فجهة الإصدار تتقاضى رسمًا أو اشتراكًا سنويًا من المستهلك، ومن جهة التخفيض في بعض الصور، دون أن تقوم بعمل في مقابل ذلك، والله تعالى قد نهى عن ذلك فقال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}. ثالثًا: إن هذه المعاملة كثيرًا ما يكون فيها تغريرٌ وخداعٌ، وفرصةٌ لابتزاز الأموال بدون حق، فالتخفيضات التي يُوعدُ بها المستهلك المشترك في برنامج التخفيضات غالبًا ما تكون تخفيضاتٍ وهميّةٍ غير حقيقية، ويتضح ذلك بما يلي:
    1- أن المستهلك الذي لم يشارك في برنامج التخفيض قد يحصل بمماكسته، وحذقه تخفيضًا مماثلًا أو يفوق ما يوعد به المشتركون في برنامج التخفيض.
    2- أن بإمكان جهة التخفيض أن تزيد في ثمن السلع والخدمات بقدر ما يخفّض للمستهلك المشارك في برنامج التخفيض، لاسيما في السلع والخدمات التي لها وكيل معتمد كالسيارات، وكثيرٌ من الأجهزة الكهربائية، وغيرهما من السلع.
    3- أن التخفيضات التي تعد بها جهات إصدار هذه البطاقات كثيرًا ما تكون مكذوبة لا صحة لها، (انظر الحوافز التجارية التسويقية للمصلح ص 212 فما بعدها،بطاقات التخفيض لمحمد عبد الرحيم ص19، بطاقات التخفيض لسعد الشثري ص6).
    وخلاصة الأمر:
    أن بطاقات التخفيض مختلفة الأنواع، فما كان منها مجانيًا فيجوز التعامل به، وما كان برسومٍ أو باشتراكاتٍ فيحرم التعامل به لاشتماله على الغرر المبطل للعقد. تاريخ الفتوى: الجمعة 18 فبراير 2011.

    رابط المادة: http://iswy.co/evdqb
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,906

    افتراضي رد: بطاقات التخفيض: حقيقتها وخلاف العلماء حول حكمها

    حكم بطاقات التخفيض


    يوزع هنا في دولة الكويت لطلاب الجامعات بطاقات خصومات تتراوح نسبته بين 5 إلى 25% وتكون على الكثير من الأماكن مثل المطاعم ـ محلات الألبسة- المكتبات ---إلخ لكن مع ملاحظة أن الحصول على هذه الخصومات يكون عن طريق شراء بطاقة لهذه الخصومات ثمنها 5 دنانير ، وهناك من قال إن هذا الثمن هو كمصروف دعاية أو نفقات للشركة التي تقوم بتوزيع هذه البطاقات ، فهل يجوز شراء هذه البطاقة واستعمالها ؟
    تم النشر بتاريخ: 2009-07-02

    الجواب :

    الحمد لله
    بطاقات التخفيض التي تصدرها شركات الدعاية والإعلان والتسويق ، أو شركات السياحة والسفر ، أو بعض المراكز التجارية ، وتمنح حاملها حسماً معيناً من أسعار السلع والخدمات لدى مجموعة من الشركات والمؤسسات وغيرها ، هذه البطاقات تنقسم إلى قسمين :

    الأول : بطاقات يتم الحصول عليها بمقابل مادي عن طريق الاشتراك السنوي .الثاني : بطاقات مجانية ، يتم الحصول عليها عن طريق الإهداء للمشتري تشجيعاً له على التعامل معهم ، وقد تُمنح مجاناً لمن بلغت مشترياته حداً معيناً .أمَّا البطاقات التي يتم الحصول عليها بمقابل مادي فهي محرمة ؛ لاشتمالها على عدد من المحاذير الشرعية ، ومن ذلك :
    1- الجهالة والغرر ، لأن المشتري يدفع مبلغاً من المال ثمناً للبطاقة ، بهدف الحصول على التخفيض ، وهذا التخفيض لا تُعرف حقيقته ومقداره ، فقد لا يستعمل البطاقة ، وقد يستعملها فيحصل على تخفيض أقل مما دفع أو أكثر ، وقد (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) . رواه مسلم (1513) ، وهو كل بيع فيه جهالة .
    2-أن هذه المعاملة قائمة على المخاطرة ، وتدور بين الغرم والغنم ، فيخاطر المشترى بالثمن الذي يدفعه مقابل الحصول على البطاقة ، ثم إما أن يكون غانماً إذا حصل على تخفيض أكثر مما يدفع ، وإما أن يكون خاسراً ، إذا كان التخفيض أقل مما دفع ، وهذه حقيقة الميسر الذي حرمته الشريعة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ). المائدة/90 .
    3- في هذه البطاقات تغريرٌ بالناس ، وخداعٌ لهم ، وابتزازٌ لأموالهم ؛ فأكثر هذه التخفيضات الموعود بها وهميّة غير حقيقية .
    وكثير من أصحاب هذه المحلات يرفعون الأسعار ، ثم يوهمون صاحب البطاقة أنهم قد حسموا له من الثمن ، وحقيقة الأمر أن الحسم تم على الزيادة التي رفعوها عن سائر المحلات.
    4-أن هذه البطاقات كثيراً ما تكون سبباً للنزاعات والمخاصمات ، لأن الجهة التي قامت على إصدار البطاقة لا تستطيع إلزام المراكز والشركات والمؤسسات بنسبة التخفيض المتفق عليها ، فيؤدي ذلك إلى نزاعات وخلافات .
    وما كان سبباً للخلاف والنزاع والبغضاء فإن الواجب منعه ، كما قال تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) . المائدة/915- في هذا النوع من بطاقات التخفيض إضرارٌ بالتجار الذين لم يشاركوا في برنامج التخفيض ." فتداول البطاقة المذكورة يجر إلى إحداث العداوة والبغضاء بين أصحاب المحلات ، المشتركين في التخفيض وغير المشتركين ، حيث تَنفُق سلع محلات التخفيض ، وتكسد بضائع الذين لم يشتركوا في التخفيض " . "فتاوى اللجنة الدائمة" (14/10).
    6-ما يدفعه المشترك من رسوم لهذه البطاقات ليس له مقابل حقيقي ، ولو أنه طلب من صاحب المحل تخفيض السعر له فقد يحصل على التخفيض الموعود به أصحاب البطاقات أو قريباً منه ، وبذلك يكون المال الذي دفعه ثمناً للبطاقة بدون مقابل ، وهو من أكل أموال الناس بالباطل ، وذلك منهي عنه بنص القرآن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).وقد صدر عن المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة قرار بتحريم التعامل بهذه البطاقات ، ومما جاء فيه : " بعد الاستماع إلى الأبْحاثِ المقدَّمة في الموضوع والمناقشات المستفيضة قرَّر : عدم جواز إصدار بطاقات التخفيض المذكورة أو شرائها ، إذا كانت مقابل ثمن مقطوع أو اشتراك سنوي ؛ لما فيها من الغرر ؛ فإن مشتري البطاقة يدفع مالاً ولا يعرف ما سيحصل عليه مقابل ذلك ؛ فالغرم فيها متحقق يقابله غنم مُحتمل " .وكذلك صدرت عن اللجنة الدائمة للإفتاء فتوى بتحريم التعامل بهذا النوع من بطاقات التخفيض ، وبه أفتى كل من الشيخين : ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى .
    ينظر : "فتاوى اللجنة الدائمة" (14/6) ، "فتاوى ابن باز" (19/58).
    وأما البطاقات المجانيّة التي تقدم للمشتري من غير مقابل ، فلا حرج في استعمالها والاستفادة منها ، لأن منح البطاقة مجاناً يجعلها من عقود التبرعات ، والغرر [الجهالة] في عقود التبرعات معفو عنه.والحاصل على البطاقة المجانية إن لم يستفد منها في التخفيض لم يخسر شيئاً .
    وبذلك صدر قرار المجمع الفقهي الذي جاء فيه : " إذا كانت بطاقات التخفيض تصدر بالمجان من غير مقابل، فإن إصدارها وقبولها جائز شرعاً؛ لأنه من باب الوعد بالتبرع أو الهبة " .
    وللاستزادة ينظر :"بطاقة التخفيض حقيقتها التجارية وأحكامها الشرعية" للشيخ بكر أبو زيد ."الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي" للدكتور خالد المصلح .
    والله أعلم .


    الإسلام سؤال وجواب
    https://islamqa.info/ar/121759
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •