الفهم الخاطئ للنص وأسبابه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الفهم الخاطئ للنص وأسبابه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,311

    افتراضي الفهم الخاطئ للنص وأسبابه

    الفهم الخاطئ للنص وأسبابه
    د.أيمن محمد هاروش




    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مما ميز الله تعالى به الإنسان عن الحيوان العلم المكتسب، وهو الذي يتوصل إليه الإنسان بالنظر والاستدلال سواء كان هذا العلم تجريبياً أم فكرياً أم إخبارياً، والقاسم المشترك بين كل هذه العلوم- والذي يسير عليه العقلاء و يضعونه منهجاً في اكتساب علومهم- هو أن أي معلومة أو فكرة أو نظرية، لا يمكن أن تقبل، ولا أن تودع في حيز الفكر إلا بالدليل، وكأن العقل البشري فطره الله تعالى، على عدم السماح لأي فكرة أن تدخل حدوده وساحته، إلا إذا كانت تحمل جواز سفر، وجواز سفرها هو الدليل، ولذا لم أسمع ولم أقرأ عن أحد ادعى فكراً، أو ارتأى رأياً، إلا وبرهن عليه بدليل، وإذا ما اتفق أن وجد أناس يقبلون الفكر والمعلومة بغير دليل، بل بمجرد الطرح، فأظن أن هذا شذوذ فكري وانسلاخ من الطبيعة البشرية الآدمية.
    ولكن هل يكفي أن يقوم شخص ما بطرح فكرة أو ادعاء رأي، ثم يبرهن عليه ويدلل بما يحلو له؟ أليس من الممكن أن يكون صاحب الدليل متلاعباً في الدليل ماهراً في تحريف الكلم عن مواضعه؟ وبعبارة أخرى، هل يسمح العقل السليم الصحيح لكل فكرة تحمل جواز سفر أن تدخل حدوه و بلاده؟ أليس من الممــــكن أن يكـــون جواز السفر هذا مزيفاً ومزوراً؟ إنه من البديهي أن أقول: إن التحقق من صحة الدليل أمر مهم، وإن معرفة انسجام الدليل مع الفكرة والنظرية مطلب خطير، وليس إلا الساذج البسيط الذي يقبل بأي دليل، ويسمح له بعبور حدود عقله، فيعبث له بعلومه ومعارفه، كما هو حال قوم فرعون الذين ضربهم الله مثلاً للسذاجة والسخافة، قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}(الزخرف:51-53)، لقد ادعى فرعون الألوهية والربوبية على قومه، وبرهن على صحة دعواه بدليلين وهما: له ملك مصر، والأنهار تجري من تحته، ثم برهن على بطلان دعوة موسى بأربعة أدلة: وهي: أن موسى ضعيف، وليس فصيحاً، وليس لديه ذهب، وليس معه جند، ولكن هل هذه الأدلة صحيحة في الدلالة على الدعوى؟ إنها أوهى من بيت العنكبوت، ولكن قوم موسى صدقوا لحمقهم وسذاجتهم وما أجمله من تعبير ووصف، ساقه ربنا في نهاية الآيات فقال: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} (الزخرف:54)، إذاً لا بد من صحة الدليل لقبول الدعوى، والدليل الصحيح في دائرة الأحكام الشرعية ما كان من الوحي، سواء من القرآن أم السنة الصحية، وليت شعري هل استدل مسلم في دعوى ادعاها، أو فكرة تبناها، بالتوراة أو الإنجيل؟! قط، بل كل صاحب دعوى يسرد من القرآن والسنة الصحيحة أدلة كثيرة يبرهن فيها على دعواه، فهل يقبل منه ما ادعاه و يسلم له فيما أراد، لو ذكر آية أو حديثاً صحيحاً يدلل فيه على مذهبه؟ لو قلتُ: نعم لمنحت الشرعية والصحة لكل الفرق والملل المنتسبة للأمة، و لكن الأمر ليس كذلك، فماذا بعدُ إذن؟ إنه الأمر الأهم، والمرحلة الخطيرة، فهم الدليل! أجل فهم الدليل، هل الدليل يعطي ويستخرج منه المعنى الذي يريده صاحبه، ويؤكد الفكرة التي يدعيها؟ هل الفهم الذي فهمه به تسعفه اللغة وتصححه أدواتها؟ أم أنه تحريف للكلم وليٌّ لعنق النص وتطاول على اللغة وقواعدها؟ وبعبارة مختصرة موجزة، هل وجه الاستدلال صحيح؟
    إنني أجزم أن هذا المفرق وهذا المنعطف، هو الذي تشعبت عنه الأمة إلى ملل ونحل، وأجزم أن الذي سلك شُعْبَ الفهم القائم على قواعد لغة القرآن، وذوق الراسخين في العلم، اهتدى وهدى، ومن حاد عنه إلى غيره من الشعب، ضل و أضل، ولعل تلك المناظرة التي عقدها حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج، أكبر دليل على ما أقول، يقول رضي الله عنهما قال:"لما اعتزلت الخوارج دخلوا داراً وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب، فكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، فيقول: دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون، فلما كان ذات يوم أتيته صلاة الظهر، فقلت له: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم، فقال: إني أخاف عليك فقلت كلا، وكنت رجلاً حسن الخلق لا أؤذي أحداً، فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر([1])، فسلمت عليهم فقالوا: مرحباً بابن عباس ما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار، ومن عند صهر رسول الله، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشاً، فإن الله عز وجل يقول:{بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}(الزخرف:58)، فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه، فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهو أعلمبتأويله، قالوا: ثلاثاً، قلت: هاتوا، قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقد قال الله عز وجل:{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ}(الأنعام: 57)، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم، ولم يحل لنا سبيهم؟ قلت: وما الثالثة؟ قالوا: فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين، فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين، قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا، قلت لهم: أما قولكم حَكَّمَ الرجالَ في أمر الله، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا، فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب، وتلا هذه الآية{لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم}( المائدة: 95 ) إلى آخر الآية، و في المرأة وزوجها{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا}(النساء:35) إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم، وفي حقن دمائهم أفضل، أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة، فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه، قلت: خرجت من هذه قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها، فوالله لئن قلتم: ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم: لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، لأن الله عز وجل قال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين َ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}(الأحزاب: 6)، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم: محا عن نفسه أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن النبي يوم الحديبية صالح المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو فقال لعلي رضي الله عنه: أكتب لهم كتاباً، فكتب لهم علي هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه، قال: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقتلوا " ([2]).

    إن الخوارج لم يصدورا في رأي من آرائهم مما قالوه، إلا عن دليل قرآني، فدليلهم صحيح الثبوت، لكن العاهة في فهمهم للدليل، و لهذا لما جاء حبر الأمة والراسخ في العلم، فند مفاهيمهم السقيمة، وأظهر لهم الفهم الصحيح، ومما يؤكد ما جزمت به ما قاله ابن أبي العز الحنفي: "و لا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص،وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة؟ وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد؟"([3]).
    و لعل الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فطن لهذا المعنى و أراده، عندما عنون في كتاب العلم من صحيحه لبابين فقال في الأول: باب العلم قبل القول والعمل، ثم راح يسرد الآيات التي تحث على العلم، وكأنهيقصد النقطة الأولى من هذا المطلب، وهي لا يقبل قول أو عمل إلا بدليل، والدليل يأتي بالعلم، وقال في الثاني: باب الفهم في العلم، وكأنه يقصد النقطة الثانية في هذا المطلب، وهي أنه لا بد من الفهم الصحيح للدليل ولذا لا يكفي أن يقال: دليل صحيح، لا بد من فهم صحيح للدليل.
    فإذا اتضحت الصورة وظهر المقصود، فالسؤال هنا: ما هي أسباب الفهم الخاطئ للنص؟
    لا شك أن الفهم الخاطئ للنص له أسبابه و علله التي تولد عنها، تماماً كالذي ينحرف عن جادة الطريق، فإما لجهل معالمه أو قلة درايته بالقيادة أو ما شاكلها من الأسباب، والصورة هنا مطابقة للمثال، فالذي يزل به الفهم ويبعد عن الطريق الصحيح، لم يكن ضلاله عبثاً، ولعل بيان الله تعالى قد وضح شيئاً من هذه الأسباب حيث قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}(آل عمران: 7)، فيمكن أن يلاحظ من الآية أن الله تعالى وصف الذين يبتغون التأويل الفاسد بوصفين: أولهما زيغ القلب، وهو واضح في الآية، والثاني: الجهل وذلك من وصفه لمن فهم الحق بقوله:{والراسخون في العلم}، فدل أن الفريق الأول ليسوا راسخين في العلم، فبينت الآية أن الجهل وخبث النية سبب للفهم الخاطئ، ويؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلمَ من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"([4])، فيمدح النبي صلى الله عليه وسلم أهل العلم الثقات، مصابيح الدجى ومنارات الهداية، بأنهم يتصدون بعلمهم لثلاثة أصناف من المخربين في جسد الأمة وبنيان دينها، وأولهم: الجاهل وهو الذي فقد أدوات العلم والفهم، فراح يفسر النصوص بهواه، وثانيهم: الغالي: الذي فقد الوسطية والاعتدال، وإذا ما صادمته النصوص الصريحة المعاندة لغلوه، راح يحرف الكلم عن مواضعه، و ثالثهم: المبطل: الذي أضمر الخبث والشر في قلبه للإسلام وأهله فيتصيد في الماء العكر، ويقلب النصوص بما يخدم هواه، ويحقق غايته، إذاً فالجهل والغلو والمكر، أسباب تدفع بصاحبها لتغيير معاني النصوص، ومن خلال الآية والحديث السابقين يمكن أن أقول: إن الذي يسبب الفهمالخاطئ للنص واحد من الأسباب التالية:
    أولا ً: الجهل:
    لست أعلم ديناً من الأديان، ولا مذهباً من المذاهب الفكرية و العلمية، قدر العلم ورفع من شأنه كدين الإسلام وليس ذلك إلا لأن العلم هو السياج الذي يصون العقل من الزلل، وهو السفينة التي إذا ركب فيها العبد نجا من بحار الشبهات والفتن، فإذا كان العقل محل الفهم، فالعلم أداته، ولا ينفع المحل بلا أداة، والجهل ما تسلح به امرؤ إلا خذله، ولا ركب في مركبه إنسان إلا غرق، وقالوا قديماً: الجاهل يفعل بنفسه ما لا ما يفعله العدو بعدوه، ولذا حذر القرآن والسنة من خطر الجهل، وبينا مساوئه الرذيلة، والنصوص كثيرة، ومنها:
    – من القرآن:
    أ – الجهل ما نع من الإيمان، وحائل بين صاحبه والقناعة، ودليله قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}( الأنعام: 111).
    ب – الجهل يزين لصاحبه الخطأ، ويفتنه بالضلال، ودليله قوله تعالى:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }(الأعراف: 138).
    ج – الجهل يحرف صاحبه عن الفطرة السليمة، ويدفعه للشذوذ في تفكيره وأخلاقه، قال تعالى حكاية عن سيدنا لوط عليه السلام في خطابه لقومه:{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}( النمل: 55 ).
    د – الجهل يجعل صاحبه لا يميز بين الخير والشر، بل ربما دعا على نفسه بهلاكها، قال تعالى حكاية عن عاد:{َقالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}(الأحقاف: 22-23 ).
    – من السنة:
    1 - عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا" ([5]).
    2 – عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج"، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده، فحرفها كأنهيريد القتل([6]).
    إن هذين الحديثين يتحدثان عن أسوأ مرحلة من مراحل البشرية، وأظلم فترة من فترات التاريخ، وهي آخر الزمن حيث هذا الفساد وهذا الانحطاط في الخلق والدين، ولكن ما سببه؟ إنه الجهل؟! الجهل هو الرحم السوء الخبيثة، التي تفرخ الزنا و الخمر والهرج، وهل هرج أيامنا إلا من الجهل؟.
    3 – حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"([7])، فليس أصرح من هذا الحديث في الدلالة على ما أريد التعبير عنه، فعندما تندرس معالم العلم، ويذهب أربابه وأهلوه، ويصبح الراسخون في العلم أندر من الكبريت الأحمر، عندها يتصدر الجهال، ويتكلم الرويبضة([8])، ويتبوأ مقاعد الفتيا من لم يمسك من العلم بزمام، وما يلم به حق الإلمام، وربما خطأ أبا حنيفة ومالك، ولم يدر أنه هالك، أو تطاول على الشافعي وأحمد، وظن نفسه الإمام الأوحد، وهو في الحقيقة لإبليس خير شريك، وأنصف من سماه بيضة الديك.
    وهناك يقال: رحم الله القائل:
    تصدر للتدريس كل مهوس تسمى مجازاً بالفقيه المدرس
    فحق لأهـل العلـم أن يتــمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس
    لقد هـزلت حـتى بدا مـن هـزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس


    وحسبي ما ذكرته من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، في التحذير من الجهل وبيان مساوئه، ولكن الجهل الذي أفسد الدين هو كالأخطبوط، تدخل أياديه في كل شعب من شعاب العلم، فهناك الجهل بالحديث رواية وبالحديث دراية، أي بمصطلح الحديث، والجهل بمقاصد الشريعة،والجهل بتاريخ التشريع، والجهل بالأحكام.... الخ، والذي يهمنا هنا هو الجهل في فهم النص، وهذا الجهل ينبع من الجهل بأدوات الفهم، وأدوات الفهم قواعد اللغة العربية، لأن النصوص الشرعية عربية اللسان وكما هي عربية اللسان هي عربية الفهم والتفسير، فمن لم يترسخ قدمه في علوم العربية لا يستقيم فهمه لنصوص الشريعة، ولهذا يقول الشاطبي: "فعلى الناظر في الشريعة، والمتكلم فيها، أصولاً وفروعاً، أمران:
    أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيا ً، أو كالعربي في كونه عارفاً بلسان العرب، بالغا ً فيه مبالغ العرب أو مبالغ الأئمة المتقدمين، كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم وداناهم، و ليس المراد أنيكون حافظاً كحفظهم وجامعاً كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربياً في الجملة.
    وثانيهما: إذا أشكل عليه في الكتاب أو السنة لفظ أو معنى، فلا يقدم على القول فيه، دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية"([9])، ولهذا كان السلف رحمهم الله تعالى يحذرون كل الحذر، من تفسير نص ليس لهم به علم، خشية أن يكون فهمهم خاطئاً، مع أنهم أهل العربية وأبناء بجدتها، يقول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه:" أي أرض تقلني وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"([10])، وقرأ عمر على المنبر {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}(عبس31 ) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما هو الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: هذا هو التكلف يا عمر([11]).
    وقد ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة عن بعض الفهوم للنصوص، والتي خرج بها أصحابها عن مدلول اللغة العربية لجهلهم بها، ولعلي أنقل شيئاً من كلامه الذي ذكر فيه هذه الأمثلة، يقول رحمه الله تعالى: "ومن أرباب الكلام من ادعى جواز نكاح الرجل منا تسع نسوة حرائر، مستدلاً على ذلك بقوله تعالى:{ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}(النساء:3)، ولا يقول مثل هذا من فهم وضع العرب في مثنى وثلاث ورباع، ومنهم من يرى شحم الخنزير وجلده حلالاً، لأن الله قال:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}(المائدة: 3)، فلم يحرم شيئاً غير لحمه، ولفظ اللحم يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس، ومنهم من فسر الكرسي في قوله:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة 255)، بالعلم مستدلين ببيت لا يعرف وهو (ولا بكرسئ علم الله مخلوق) كأنه عندهم ولا يعلم علمه، وبكرسئ مهموز، والكرسي غير مهموز، ومنهم من فسر غوى في قوله تعالى:{ َفعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى }(طه: 121)، أنه تخم من أكل الشجرة، من قول العرب: غَوِيَ الفصيلُ يغوِي غوىً، إذا بشم من شرب اللبن، وهو فاسد، لأن غوي الفصيل فَعِلَ، والذي في القرآن على وزن فَعَلَ، ومنهم من قال في قوله:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ}( الأعراف:179) أي ألقينا فيها، كأنه عندهم من قول الناس: ذرته الريح، وذرأ مهموز، وذرا غير مهموز، وفي قوله:{وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}(النساء:125)، أي فقيراً إلى رحمته، من الخَلة بفتح الخاء، محتجين على ذلك بقول زهير: ( وإن أتاه خليل يوم مسألة)، قال ابن قتيبة: أي فضيلة لإبراهيم في هذا القول، أما يعلمون أن الناس فقراء إلى الله، وهل إبراهيم في لفظ خليل الله، إلا كما قيل: موسى كليم الله وعيسى روح الله؟ "([12]).
    والخلاصة: إن الجهل بلغة العرب، وهي لغة النص الشرعي، أكبر مدخل وأخطره للفهم الخاطئ للنص.
    ثانياً: الغلو والعصبية:
    من أسباب الفهم الخاطئ للنص، الغلو في الفكر الذي يدين به الشخص، والتعصب للرأي الذي يقتنع به، فهو لا يرى على الحق إلا نفسه، و ليس الصواب إلا حليفه، وإذا ما اصطدم بنص شرعي، يخالف معناه مذهبه ويناقض رأيه، فإن لم يستطع إنكاره، من تضعيفه ورده، فسرعان ما يبحث عن تأويل وتفسير، فيخرج عن قواعد العربية، ويتكلف في استنطاق النص بالذي يريده، فيقع في فهم خاطئ، بل ويرد النص من حيث لا يدري، يذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى كلاماً جميلاً في معرض تفسيره للنهي الوارد عن القول بالقرآن بالرأي فيقول:"وإنما النهي يحمل على أحد وجهين،أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنْ ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عند ذلك الوجه، وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى:{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}( طه:24)، ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة، تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع، وهو ممنوع لأنه قياس في اللغة وذلك غير جائز، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنها غير مرادة، فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي"([13]).
    وواضح من كلام القرطبي رحمه الله تعالى أن منهم من يكون قصده حسناً كالوعاظ، ومنهم من يكون خبيثاً، لكنْ كلاهما ساقه الهوى لفهمه، فخرج بالنص عن حقيقة مدلوله ومعناه، فصحيح النية وخبيثها سواء، ولا تشفع النية الحسنة لصاحبها، إذا ضل وزل عن طريق العلم الصحيح، بل هذا سبيل من في قلبه زيغ كما قال تعالى:{ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ}(آل عمران: 7)، وكأني أنظر إلى صاحب الزيغ والهوى، يسير خلف النصوص متلهفاً متشوقاً لأن يرى مدخلاً في نص أو ملجأ في عبارة يتكئ عليها لنصرة مذهبه ورأيه، ولو لم تسعفه اللغة في ذلك، فهو كمن يسير على مبدأ (اقتنع ثم ابحث عن الدليل)، يقول الشاطبي رحمه الله تعالى معلقاً على الآية السابقة: "وكذلك ذكر في أهل الزيغ أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، فهم يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة، فليس في نظرهم إذاً في الدليل نظر المستبصر، حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نَـظَـرُ من حكم بالهوى ثم أتى بالدليل كالشاهد له، ولم يذكر مثل ذلك في الراسخين، فهم إذن بضد هؤلاء، حيث وقفوا في المتشابه فلم يحكموا فيه ولا عليه سوى التسليم، وهذا المعنى خاص بمن طلب الحق من الأدلة، لا يدخل فيه من طلب في الأدلة ما يصحح هواه السابق" ([14])، وهل يدفع الإنسان ليطلب في الأدلة ما يصحح هواه كما يقول الشاطبي، إلا تعصبه لرأيه وغلوه في مذهبه، فيجعله يلجأ للتحريف، كما عبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث السابق: "تحريف الغالين"، ولعله يلمح بشكل واضح في القرآن تلازم الغلو مع التحريف، فلقد وصف الله تعالى اليهود والنصارى بالغلو في ما يعتقدون، فقال تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}(النساء:171)، أي إن اعتقادكم بعيسى أنه الإله غلو فيه ومجاوزة للحد المشروع ووصفهم في آية أخرى بقوله:{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} (المائدة: 13)، فقد جمعوا التحريف والغلو، ولعله لولا غلوهم ما حرفوا، وليس هذا من بعض المسلمين ببعيد، فمن أهل القبلة من يرى رأياً أو يعتقد اعتقاداً، ويغالي به إلى درجة إسباغ العصمة عليه، وقد يوالي ويخاصم عليه، ويسعى جاهداً لينطق كل نص بدعواه، ويستنبط منه مدعاه، فيقع في شرك التحريف والفهم الخاطئ، كما يروى أن قدرياً قيل له: كيف تقول: ما خلق الله شراً، وهو سبحانه يقول:{مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}(الفلق:2)، فقال: لست أقرؤها هكذا، قيل له: فكيف تقرؤها؟ فقال: من شرٍ ما خلق، فينون شراً ويجعل ما نفياً([15])، فيا لله ما ذا يفعل التعصب والغلو بأهله، وليس بأحسن حالاً من هذا القدري، ذلك المعتزلي الذي قال لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة -: أريد أن تقرأ:{وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}( النساء:164) بنصب لفظ الجلالة، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا فكيف تصنع بقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}( الأعراف:143)؟! فبهت المعتزلي([16])، و الذي أدين به لله أن معنى الإيمان بألوهية الله ونبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو قبول ما جاء عن الله وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المعنى الذي يدل عليه النص، بما اتفق عليه أهل اللغة وأساطينها، وبما تتحمله قواعد تفسير النصوص، وأن تحريف النصوص، وحملها على معانٍ لا تتصل باللغة بأواصر قربى، ولا تنتسب إليها نسبة شرعية، هو تأليه للهوى والرأي، ويصدق عليه قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}(الجاثية:23)، ولا شك أن التحرر من الهوى، ونبذ الغلو والعصبية، هو السبيل الوحيد لفهم الوحي فهماً صحيحاً، ولجمع شتات الأمة ووحدتها، والله تعالى أعلم.

    ثالثاً: الكيد للإسلام:
    إن هذا السبب شر الثلاثة، وجامع مساوئها، فصاحبه جمع بين الجهل الذي جعله يتأول النص على خلاف الحقيقة، وبين التعصب لملـته ونحلته الذي جعله يحمل على الإسلام، و بين الحقد والكراهية للإسلام الذي جعله يسعى لفساد بنيانه، وتغيير أحكامه ومبادئه من خلال التلاعب في تفسير نصوصه، ويعود تاريخ نشوء هذه الظاهرة في الأمة إلى زمن الفتوحات الإسلامية، بعد أن أعز الله المسلمين، وعلت راية الدين في كثير من الأصقاع والبلاد، فأوغر صدر كثير من أهلها ما وصل إليه الإسلام والمسلمين من عز، فعجزوا عن قهره بقوة السلاح فراحوا يدبرون له الخراب من الداخل، ولأدع الحديث لأبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان سبب وتاريخ نشأة هذه الظاهرة، يقول رحمه الله تعالى:"ما تطابق عليه نقلة المقالات قاطبة، أن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسب إلى ملة، ولا معتقد لنحلة معتضد بنبوة، فإن مساقها ينقاد إلى الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين، ولكن تشاور جماعة من المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر، وزعموا أنا بعد أن عرفنا أن الأنبياء كلهم ممخرقون ومنمسون، فإنهم يستعبدون الخلق بما يخيلونه إليهم فنون الشعوذة والزرق، وقد تفاقم أمر محمد صلى الله عليه وسلم، واستطارت في الأقطار دعوته، واتسعت ولايته، واتسقت أسبابه وشوكته حتى استولوا على ملك أسلافنا، وانهمكوا في التنعم في الولايات مستحقرين عقولنا، وقد طبقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عما أصروا عليه إلا بمكر واحتيال، ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا من الإصغاء إلينا، فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، هم أركهم عقولاً، و أسخفهم رأياً، وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات، وهم الروافض، ونتحصن بالانتساب إليهم والاعتزاء إلى أهل البيت عن شرهم، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم، من ذكر ما تم على سلفهم من الظلم العظيم، والذل الهائل ونتباكى لهم على ما حل بآل محمد صلى الله عليه وسلم، ونتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم حتى إذا قبحنا أحوالهم في أعينهم، وما ينقل إليهم شرعهم بنقلهم وروايتهم اشتد عليهم باب الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، وإن بقي عندهم معتصم من ظواهر القرآن ومتواتر الأخبار، أوهمنا عندهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث فيهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن، ثم إذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج سائر الفرق، بعد التحيز إلى هؤلاء والتظاهر بنصرهم"([17]).

    ومنذ أن تعاهدوا على هذا الضلال إلى يومنا هذا، تقلبوا في الأسماء و المصطلحات، لكنهم متشابهون في المنهج والمقصد، ولا تنطلي شبههم إلا على جاهل غارق في جهله، أو حاقد محترق في حقده، أو طامع يلهث خلف شهوته، وهذه بعض الأفكار التي تدل على سذاجة عقولهم وعقول من يتبعهم، فقالوا: الجنابة هي إفشاء السر، والغسل هو التوبة منه، والطهر هو التبرؤ من كل مذهب سوى مذهبهم، وعصا موسى حجته التي تلقفت شبه السحرة، وانفلاق البحر افتراق علم موسى عليه السلام فيهم، وجن سليمان باطنية تلك الأيام، وشياطينه هم الظاهرية([18])، إلى غير هذا من السخافات التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولا علاقة لها بلغة و علوم.

    و لعل من الكيد بالإسلام نشأت تلك الدعوات المعاصرة، التي جاءت بتفاسير للقرآن والسنة، وهي مع تنوع أسمائها، واختلاف رجالاتها، لا تختلف كثيراً عن تفاسير من سبقهم من المذاهب، ممن دفعهم الجهل أو التعصب أو الكيد إلى قولها.
    و الخلاصة: إن الفهم الخاطئ للنص مهما كان سببه أو الدافع إليه، فإن سبيله واحد، وهو الخروج بالنص عن قواعد العربية و فنونها.
    وفي الختام إنني لا أدعو بهذا الكلام إلى القعود عن حركة الاجتهاد في فهم النص، والتسليم لفهوم قديمة قد تكون فقدت صلاحيتها في أيامنا هذه، فالركود هذا لا يقل خطورة عن المنهج السابق، بل أعتقد جازماً أن الخلاف في فهم النص أمر محتمل وواقع، لأن العقول متفاوتة في مداركها، والنصوص ظنية في دلالتها في معظمها، وأي فهم يخرج من فكر ليس معصوماً، بل هو قابل للحوار، ففهم القرآن ليس قرآناً، وفهم السنة ليس سنة، وبيان مراد المعصوم ليس معصوماً، وبمعنى آخر فهم النص ليس نصاً، ولكني أدعو من تصدر لمهمة الفهم للنص، أن يتسلح بأدوات الفهم الصحيح، وهي قواعد اللغة العربية المعتمدة في تفسير النصوص، فإذا كان التصدي لمعالجة الجسد لا يسمح به إلا لمن درس قواعد الطب، وتخطيط بناء سكني لا يسمح به إلا لمن درس قواعد الهندسة، كذلك تفسير النصوص التي تعالج النفوس والمجتمعات، وتبني الإنسان والأمم، ليس مسموحاً به إلا لمن ملك الوسائل التي تؤهله لذلك.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



    [1][1]- ثَفِنُ الإبل: ركبته، وقيل: كل ما يلمس الأرض منه إذا قعد، و قمص مرحضة: مغسولة، ومسهمة وجوههم: متغيرة. لسان العرب 13/78، 7/153 12/314

    [2]- سنن النسائي الكبرى (8575 ) كتاب الخصائص، باب ذكر مناظرة ابن عباس الحرورية، تلبيس إبليس ص:(112).

    [3]- شرح العقيدة الطحاوية ص:(188).

    [4]- أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم(599)، والبيهقي في السنن في الكبرى رقم (20700)، بلفظ يرث هذا العلم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ص:(1/359):" رواه البزار وفيه عمرو بن خالد القرشي، كذبه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع " و كلامه يشعر بضعف الحديث، غير أني لم أجد في رجال الطبراني والبيهقي عمرو بن خالد هذا.

    [5]- أخرجه البخاري رقم (80) كتاب العلم - باب رفع العلم وظهور الجهل، ومسلم رقم (2671)- كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان.

    [6]- أخرجه البخاري رقم (85) كتاب العلم - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد و الرأس

    [7]- أخرجه البخاري رقم(100)- كتاب العلم - باب كيف يقبض العلم، و مسلم رقم ( 2673)- كتاب العلم - باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان

    [8]- الرويبضة: الرجل التافه الحقير. انظر لسان العرب مادة (ربض).

    [9]- الاعتصام ص: (498).

    [10]- تفسير ابن كثير ص: (1/6).

    [11]- المرجع السابق.

    [12]- الموافقات ص: (3/234-235).

    [13]- تفسير القرطبي ص: (1/26).

    [14]- الاعتصام ص: (158).


    [15]- حز الغلاصم في إفهام المخاصم ص: (108).

    [16]- شرح العقيدة الطحاوية ص: (168).

    [17]- فضائح الباطنية ص: ( 18-19)، ومثله في تلبيس إبليس ص: (128).

    [18]- الموافقات ص: (3/336)، الاعتصام ص: (179)، تلبيس إبليس ص: (130).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    85

    افتراضي رد: الفهم الخاطئ للنص وأسبابه

    أهم أسباب الفهم غير الصحيح للنص هو قلة العلم بالعربية.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •