نحنُ والمِحَن


عبير النحاس


لم أكن أمتلك غير الصمت لأواجه به وجه رنا الحزين وطرفها الدامع؛ فقد كانت محنة زميلتنا في المدرسة هي ما يشغل عامنا الدراسي, ويجعلها حديث اللقاءات والزيارات والهواتف أيضاً.
كانت رنا تعيش مع أهل زوجها في منزلهم الكبير، ولم يكن حال زوجها يسمح له بشراء منزل، وكان التزامه بمصاريف منزل العائلة يجعله في كل شهر يطلب من رنا أن تساعده بمبلغ من راتبها، ولم تكن لتضن عليه به.
وككل كنه وحماتها كانت الخلافات تشتعل بين الحين والحين بين المرأتين، ويتردد صداها في بيوت الجيران وبيوت الحي وفي مدرستنا, وكان الخلاف الأخير أو المشاجرة الأخيرة أكبر من أن يلملمها كلام الزوج وسعيه للإصلاح، فكان أن حَلفت الأم يميناً بأن لا تنام رنا في منزلها ليلة واحدة، وكان هذا في أول أيام العيد.
وخرجت رنا لتبقى في منزل أهلها أياماً، ثم لتعيش في بيت مستأجر مع عائلتها، وهي لا تملك من أثاث ومستلزمات البيت إلا ملابسها وملابس أطفالها.
وكعادة مجتمعاتنا تعاطف مع العائلة الكثير من الأحبة, وفي المدرسة قمنا -كعادة المدرِّسين- بعمل (جمعية) قدمنا الاسم الأول منها لرنا, فقامت بتأسيس منزلها, ولم تكن لتفكر في شراء أي شيء مما اشترته لو بقيت في البيت الكبير ولكنَّها ظلَّت تشعُّ حزناً؛ لأنها تسكن بيتاً مستأجراً، وتدمع عينها كلما تحدثت بالأمر.
انتهى العام الدراسي، ومرَّت عطلة الصيف مسرعة كعادتها، وعدنا إلى المدرسة لنلتقي بوجه رنا الباسم, وكان سِرُّ ابتسامتها عجيباً هذه المرة, فقد أخبرتنا أن قراراً من مجلس المدينة وصل إلى منزل العائلة الكبير يأمر بهدم المنزل وما يوازيه لصالح توسعة الطريق الملاصق له، مع صرف تعويض لكل السكَّان والمستأجرين في المنطقة، وتمكينهم من شراء منازل بأقساط بسيطة، ولمدة طويلة جداً, و سارع جَدُّ الأولاد لاسْتصدار عقد يثبت فيه استئجار ابنه لغرفتين من غرف المنزل، وتقديمه للَجْنةِ البلديَّة, وجاء أمر من المجلس بتمكين عائلة أهل الزوج من شراء منزل، وعائلة رنا من شراء منزل آخر، وتحققت دعوات رنا، وحصلت على بيت وأثاث جميل، وغادرت بيت العائلة، والبيت المستأجر؛ ليهدَأ بالها، وتنتهي أحاديثنا عنها.
حصل هذا في عام واحد، وامتلَكَت صديقتي منزلها الخاص والمؤسس بكل ما تحتاجه، وكان ظاهر الأمر محنة، وكنا جميعاً ننظر إليها كمأساة، ولكننا بتنا نبتسم كلما ذُكر الأمر، ونتعجب من عطاء الله، وتلك الطريقة العجيبة التي أوصلتها إلى حُلُمُ لم تكن تُفَكِّر في السعي إليه.
فمحنة لا ندرك نهايتها قد تكون مفتاح السرور، ومحنة نحتسبها قد تكون باباً للجنة، ومحنة نصبر عليها تجعلنا من سعداء الدارين.
والقضية تَكْمُن في طريقة نظرنا لهذه المحن، وطريقة تعايشنا معها؛ فالمؤمن مِنْ علاماته: الصبر والرضا، ثمَّ العمل والاحتساب، يقول صلى الله عليه وسلم: " عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر؛ فكان خيراً له ". رواه مسلم.
فأين نحن من حسن النظر إلى ما يؤلمنا، والعمل على الخروج من المِحَنِ بقلبٍ صلبٍ قويٍ شجاعٍ، وبرضا عن الله تعالى فيما أراده وقدَّره لنا، ولنا بهذا أجر الصبر وهدوء البال.
يقول شكسبير:
" لا يوجد هناك شيء ما جيد أو سيء.. لكنَّ التفكير يجعله يبدو أحدهما ".
وقد صدق؛ فمن يبحث بصمت ويقارن نفسه بغيره من البشر؛ سيرى للحياة وجهاً مشرقاً جميلاً، ونهاراً ساطعاً بديعاً، وسيحبُّ مولاه، وسيُقبل على طلب رضاه.
وهل هناك أجمل من هذه الحياة؟