السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,749

    افتراضي السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم

    السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم (1-3)
    د. كمال توفيق حطاب


    السلوك الاقتصادي الفردي للنبي صلى الله عليه وسلم[1]
    مارس النبي صلى الله عليه وسلم كافة أشكال العمل الاقتصادي، بدءا من رعي الغنم وانتهاء بكافة أشكال التجارة.. كما مارس الأعمال اليدوية الذاتية البيتية، وكان سلوكه وفعله صلى الله عليه وسلم يدعم أقواله وأوامره ونواهيه، وهذا ما سوف نلاحظه في الفقرات التالية:
    ففي مجال رعي الغنم:
    كان النبي صلى الله عليه وسلم يفاخر بذلك ويقول: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال: أصحابه وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة"([2]).
    ومن المعلوم ما تتطلبه هذه الوظيفة من مشقة وتعب، ولكن منهجه صلى الله عليه وسلم كان الاعتماد على النفس وأن يأكل من عمل يده، حيث قال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"([3]).
    وكان صلى الله عليه وسلم يسعى لكي يحقق لنفسه دخلا يغنيه عن أن يمد يده لأعمامه أو غيرهم.. بل إنه كان يشعر بضيق الحال لدى عمه أبي طالب، كثير العيال فربما كان عمله صلى الله عليه وسلم لمساعدة عمه الذي آواه وكفله بعد وفاة جده.. وقد قام صلى الله عليه وسلم بكفالة ابن عمه علي بن أبي طالب لاحقا.
    في مجال التجارة:
    تعلم النبي صلى الله عليه وسلم فنون التجارة في صغره، فقد نشأ في مجتمع تجاري، حيث كانت مكة ملتقى القوافل التجارية، وكان أهل مكة أكثر أهل الجزيرة تجارة وغنى، وقد كانت رحلته إلى الشام ومقابلة الراهب بحيرا وهو فتى لم يتجاوز الثانية عشرة.. ثم توالت هذه الرحلات، ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم حقق نجاحات تجارية كبيرة.. وذلك لصدقه وأمانته وأخلاقه العالية.. مما ذاع صيته.. ودفع خديجة رضي الله عنها إلى البحث عنه واستخدامه في تجارتها.. ونظرا لنجاحاته المتتالية، وأخلاقياته الرفيعة، فقد حرصت خديجة رضي الله عنها على الزواج به صلى الله عليه وسلم ([4])..
    في البيت:
    كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظف بيته ويخصف نعله ويخيط ثيابه، وما رؤي فارغا في بيته، بل كان دائما في حاجة أهله. روى هشام بن عروة عن أبيه قلت لعائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته قالت: "يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم"([5]).
    وبالإضافة إلى ما تقدم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة عليا ونموذجا بشريا فريدا في كل شيء، وفي المجال الاقتصادي بشكل خاص وفيما يتعلق بكسب المال وإنفاقه، قام النبي صلى الله عليه وسلم بما يلي:
    جعل من ماله ومال زوجته خديجة أول بيت مال للمسلمين، حيث كان يقوم بالإنفاق على المسلمين الأوائل، وكان ينفق منه على كافة شئون تبليغ الدعوة.. ثم توسع الأمر فدخلت أموال أبي بكر رضي الله عنه للإنفاق على تحرير العبيد الذين دخلوا في الإسلام، ويبدو أنه صلى الله عليه وسلم استمر في المرحلة المكية في ممارسة التجارة أو الإشراف عليها عن بعد، خاصة وأن زوجته خديجة كانت سيدة نساء قريش وصاحبة الأعمال والتجارة.
    كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مصرفا لحفظ الودائع وردها عند الطلب، ولم تذكر المصادر هل كانت هذه العملية بأجر أو بدون أجر.. ويبدو أنها لم تكن بأجر.. فالوديعة والكفالة والوكالة في الأصل عقود تبرعات لا معاوضات.. وحتى في الأوقات العصيبة التي أراد المشركون فيها قتل النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد كان يحفظ لهم ودائعهم.. والدليل إبقائه عليا رضي الله عنه لرد تلك الودائع إلى أصحابها.

    أ.د. كمال توفيق حطاب
    أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد والمصارف الإسلامية
    كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
    جامعة اليرموك






    [1] المقال يمثل المطلب الأول من المبحث الثاني من بحث الدكتور كمال حطاب بعنوان: "التعاليم الاقتصادية في السنة النبوية"
    [2] البخاري،محمد بن اسماعيل: صحيح البخاري،دار ابن كثير،بيروت،1987،ط 3 تحقيق مصطفى البغا،2/789
    [3] نفس المصدر،2/730
    [4] هارون،عبد السلام: تهذيب سيرة ابن هشام،دار الفكر،بيروت،د ت،39-43
    [5] ابن حجر،العسقلاني: فتح الباري: 10/461






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,749

    افتراضي رد: السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم

    السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم (2-3)
    د. كمال توفيق حطاب





    السلوك الاقتصادي العام للنبي صلى الله عليه وسلم[1]
    يمكن القول أن السلوك الاقتصادي العام للنبي صلى الله عليه وسلم قد تبلور بشكل قوي مع بداية تأسيس الدولة في المدينة:

    ففور وصوله المدينة، بدأ ببناء المسجد الجامع للناس.. ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الأغنياء والفقراء.. وما ترتب على ذلك من تقاسم الثروات.. ثم إقامة سوق للمسلمين.. ثم تحديد حدود الدولة وعلاقاتها مع الآخرين بعقد المعاهدات مع المتواجدين في المدينة من يهود وغيرهم.
    وبالإضافة إلى ذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم ضوابط وقواعد اقتصادية عامة، تضبط التعامل الاقتصادي في المجتمع، وتصلح للتطبيق في كل زمان ومكان مع عدم تحديد الكيفيات والأساليب وذلك تمكينا للمسلمين من الاجتهاد بما يتناسب مع ظروف العصر الذي يعيشون فيه، ومن أمثلة هذه القواعد والمبادئ العامة:
    أولا: لا ضرر ولا ضرار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه هذا". [2]
    فهذا الحديث يشكل قاعدة شرعية اقتصادية يمكن أن يندرج تحتها كل سلوك اقتصادي أو صيغة مستحدثة تؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، وبالتالي فالعلماء المجتهدون في كل زمان أولى بتقدير هذه الصيغ أو الأدوات أو الأساليب أو الأنشطة أو المشروعات التي يمكن أن تلحق الضرر بالمجتمع، وحتى لو اشتملت على بعض النفع، فدرء المفاسد أولى من جلب المنافع.
    ثانيا: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" [3] .
    فهذا الحديث يشتمل على تحريم كل أشكال أكل المال بالباطل، لأن الأصل حرمة مال المسلم، فأية طريقة أو أسلوب أو صيغة يتم من خلالها الاعتداء على مال المسلم تعتبر طريقة محرمة يجب منعها.
    ثالثا: كلكم راع ومسئول عن رعيته عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته. قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" [4] .
    رابعا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"[5]
    فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الإتقان الذي يؤدي إلى تحقيق وفر في الجهد والوقت والتكاليف مع مراعاة الجودة النوعية والكمية.
    ومن مستلزمات الإتقان الإخلاص والتفاني في العمل وعدم التأخر أو التغيب عن العمل ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وعدم إنتاج السلع الضارة.
    خامسا: قوله صلى الله عليه وسلم "من احتكر فهو خاطئ"[6] والاحتكار حبس السلع الأساسية من أجل رفع الأسعار بما يؤدي إلى الإضرار بالناس، ويخرج من هذا التعريف كافة السلع والخدمات غير الأساسية، الحاجية والتحسينية، إلا إذا ترتب على حبسها ضرر حقيقي.
    ولا يكون تخزين السلعة حبسا أو احتكارا في حالة وجودها في الأسواق بكثرة، وإنما في حالة اختفائها مع حاجة الناس إليها.
    ومن جهة أخرى فان الاحتكار يختلف باختلاف المجتمعات، ومدى تقدمها ورفاهيتها أو تخلفها وفقرها، فيكون ضرره قليلا في الحالة الأولى وقد يكون معدوما، أما الحالة الثانية فان ضرر الاحتكار يكون خطيرا مما يستوجب منعه ومقاومته.
    إن هذه الضوابط المتقدمة ليست على سبيل الحصر، كما أن ترتيبها ليس بالضرورة أن يكون وفقا لأهميتها.. وإنما حاولنا التركيز على أهم الضوابط العامة التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ومع صحابته، وحرص على أن تتمثلها أمته صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان.
    أ.د. كمال توفيق حطاب
    أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد والمصارف الإسلامية
    كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
    جامعة اليرموك











    [1] المقال يمثل المطلب الثاني من المبحث الثاني من بحث الدكتور كمال حطاب بعنوان: "التعاليم الاقتصادية في السنة النبوية"
    [2] حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، النيسابوري، محمد بن عبد الله: المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت،1990،ط1، رقم الحديث 2345.
    [3] مسلم، سبق تخريجه،4/1986.
    [4] صحيح البخاري: 2/848،صحيح مسلم: 3/1459
    [5] مجمع الزوائد،4/98. الهيثمي،علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد،دار الريان للتراث،القاهرة، 1407.
    [6] صحيح مسلم،3/1227.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,749

    افتراضي رد: السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم

    السلوك الاقتصادي للنبي صلى الله عليه وسلم (2-3)
    د. كمال توفيق حطاب





    أهم الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم[1]
    بعث النبي صلى الله عليه وسلم والناس في جاهلية وفوضى في كل شيء، فعمل صلى الله عليه وسلم جاهدا على سد المنافذ على الفساد في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وقد وجد بعض الفقهاء ومن خلال استقراء النصوص الشرعية، أن أسباب الفساد عامة، وفي المعاملات بشكل خاص، تنحصر في أربعة أمور ([2]) هي الربا والغرر والشروط الفاسدة التي ترجع إليهما والسلع والأنشطة المحرمة، وقد تشدد النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق إصلاحاته الاقتصادية بمنع واجتثاث هذه الأمور الأربعة، من خلال النهي والوعيد والترغيب والترهيب واتباع كافة الأساليب التي تراعي خصائص النفس الإنسانية، ويمكن بيان ذلك كما يلي:

    أولا: تحريم الربا:
    وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تنهى عن الربا، وتنذر باللعن والطرد من رحمة الله لآكلي الربا، ومن هذه الأحاديث:
    عن جابر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء. ([3]).
    بل إن بعض الأحاديث جعلت مقترف الربا كمن يقترف الفاحشة بأمه.
    جاء في مصنف ابن أبي شيبة "عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الربا سبعون حوبا أيسرها نكاح الرجل أمه وأربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه"([4]).
    هذا هو مصير المرابين في الدنيا، ذل وخزي وعار أبد الدهر، أما مصيرهم يوم القيامة:
    فقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، حيث رأى رجلا يسبح في بركة من دم وكلما أراد الخروج من البركة ألقم بالحجارة، فسأل النبي من هذا يا أخي يا جبريل، قال: آكل الربا.
    جاء في فتح الباري لابن حجر العسقلاني: قال ابن هبيرة: إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة لأن أصل الربا يجري في الذهب والذهب أحمر وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئا وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من وراءه يمحقه ([5]).
    إن الجزاء في الآخرة يكون من جنس العمل في الدنيا، فهؤلاء المرابون هم أشبه بمصاصي الدماء، يمتصون جهود الناس وعرقهم ودماءهم، ويستغلون ضعفهم، ويعملون على مضاعفة الأسعار باستمرار، وبالتالي فإن الجزاء المناسب لأكلة الربا، هو أن يكونوا في برك من دماء ضحاياهم لا يستطيعون الخروج منها، كما كانوا يحيطون بضحاياهم في الدنيا، ولا يسمحون لهم بالخلاص.
    إن الدماء مكانها الطبيعي داخل الجسم، تجري في الشرايين والأوردة لتنقل الأكسجين والمواد المغذية لكافة أعضاء الجسم، أما إذا كانت الدماء خارج الجسم فإنها دماء نجسة ملوثة فاسدة لا يصح الاقتراب منها، وبالتالي كانت هي الموضع المناسب لأكلة الربا لأنها تتناسب مع نجاسة عقولهم التي تربت على الجشع والاستغلال والبشاعة.
    ونظرا لهذه الخطورة البالغة، وتأكيدا وحرصا على سلامة التطبيق كان تأكيده صلى الله عليه وسلم على وضع ربا الجاهلية كله، وبدأ بأقرب الناس إليه وهو عمه العباس فقال صلى الله عليه وسلم: "..وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب" ([6])
    ثانيا: تحريم الغرر:
    الغرر في اللغة من الخطر([7]) ويأتي بمعنى الشك أو الخداع أو الجهالة، وهو في اصطلاح الفقهاء مستمد من الأصل اللغوي، ويعرفونه تارة بأنه ما كان مستور العاقبة، مثل بيع السمك في الماء أو الطائر في الهواء، وتارة أخرى بأنه ما كان ظاهره يغري المشتري وباطنه مجهول، وفي تعريف ثالث هو ما تردد بين شيئين.
    ولعل تعريف السرخسي في المبسوط للغرر بأنه ما يكون مستور العاقبة ([8])، يجمع بين التعريفات السابقة.
    وقد ورد عن عدد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر". رواه مسلم في صحيحه ([9]).
    ويستفاد من الحديث تحريم بيع الغرر، وفساد عقد بيع الغرر، بمعنى عدم ترتب أي أثر عليه على رأي جماهير العلماء. ([10])
    وليس هناك من شك في أن الغرر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان واضحا جليا في مجتمع الرسالة، وقد مثل الفقهاء له بأمثلة عديدة بعضها كان منتشرا لدى العرب في الجاهلية، وبعضها ربما كان وليد عصور لاحقة.. وقد بالغ بعض الفقهاء في إدخال صور عديدة من البيوع ضمن بيوع الغرر، ورعا منهم وحرصا على تجنب الحرام، ونعرض فيما يلي لأشهر الأمثلة القديمة التي ذكرها الفقهاء ضمن بيوع الغرر المحرمة ([11]):
    - بيع الحصاة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة ([12])، ويكون بقذف الحصاة فما وصلت إليه من مسافة كان منتهى مساحة الأرض المباعة أو ما وقعت عليه من سلع كان هو المبيع.
    - بيع المنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الآخر الثوب دون نظر أو تأمل، ويجب على المشتري قبوله. "عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة"([13]).
    - بيع الملامسة: بأن يتساوم الرجلان في سلعة، فإذا لمسها المشتري لزم البيع.
    - بيع النتاج: وهو العقد على نتاج الماشية، ومنه بيع ما في ضروعها من لبن دون أن تعرف كميته أو بيع ما في بطونها من أجنة أو ما في أصلاب الفحول.
    - بيع حبل الحبلة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة"([14])، وهو بيع نتاج النتاج، بأن تلد الناقة ما في بطنها ثم تحمل الوليدة.
    - المحاقلة: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة"([15]) وهو بيع البر في سنابله أو بيع الزرع بحب من جنسه.
    - المزابنة: بيع الثمر بالتمر، والكرم بالزبيب والزرع بالطعام كيلا.
    - بيعتان في بيعة: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"([16])، وذلك بأن يبيع السلعة بمئة نقدا وبمئة وعشرة إلى أجل ويقبل المشتري دون أن يحدد أحدهما أو أن يبيعه دارا على أن يشتري منه بستانا، وعند ابن القيم أن النهي عن بيعتين في بيعة مماثل لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع العينة، فهو أن يبيعه السلعة بمئة إلى أجل ثم يشتريها منه بثمانين حالة، قال ابن القيم وهذا هو المعنى الذي لا يصح سواه ([17])
    ويدخل الغرر في وقتنا الحاضر في الكثير من الصيغ والعقود الحديثة كعقد التأمين التجاري والعقود الآجلة والمستقبليات والخيارات.. الخ، على خلاف بين العلماء المعاصرين.
    ثالثا: الشروط الفاسدة:
    وترجع هذه الشروط في الجملة إلى الربا والغرر وما ينجم عنهما من ظلم وفساد واستغلال وما يترتب عليها من خصومة ونزاع ثم تفكك وانقسام يقود إلى ضعف وهوان، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على استئصال الربا والغرر وكل ما يمكن أن يؤدي إليهما من شروط، قال صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما"([18]).
    فهذا الحديث يشير بوضوح إلى أن الأصل في العقود والشروط الصحة والمشروعية، إلا ما كان منها يحل حراما أو يحرم حلالا، ويفهم منه أن النظام الاقتصادي الإسلامي لديه القابلية لمواكبة كافة التطورات والمستجدات العصرية في العقود والصيغ والمعاملات، ما دامت لا تحل حراما أو تحرم حلالا.
    رابعا: إهدار قيم السلع والأنشطة المحرمة:
    إن المحرمات والخبائث لا اعتبار لها شرعا في الإسلام، ويطلق عليها الأموال غير المتقومة، لأن قيمتها مهدرة شرعا.
    وبناء على ذلك فإن الناتج القومي الإجمالي من منظور إسلامي سوف يختلف عنه من منظور الاقتصاد الوضعي، حيث يتم حذف كل السلع والخدمات والأنشطة المحرمة في الناتج القومي الإجمالي الإسلامي.
    ومن هنا فإن هدر المحرمات من خمر وخنزير وميتة ودم ونجاسات وأنشطة وخدمات محرمة، وإن كان قد يلحق الضرر المادي بالبعض فإنه سوف يكسب المجتمع وفرا كبيرا.. فالميتة من الضأن والإبل على سبيل المثال قد يخسرها صاحبها، ولكن في هدرها نجاة للمجتمع من الأمراض والأوبئة التي قد تنجم عن طبخها وتناولها.. وكذلك الدم والخنزير والخمر وسائر النجاسات والمحرمات..
    ومن جهة أخرى فإن استبعاد هذه المحرمات المستقذرات من المجتمع سوف يكسب المجتمع صحة وعافية ونشاطا وقوة ويزيد في إنتاجيته وعطائه وتقدمه ماديا ومعنويا.
    خامسا: تحديد الأوزان والمكاييل:
    أقر النبي صلى الله عليه وسلم النقود الرومية والفارسية التي كانت مستخدمة عند العرب، وتعامل بها بالرغم مما وجد عليها من صور ونقوش تخالف عقيدة التوحيد، ولا يعني ذلك إقرارا لما جاء عليها من مخالفات([19])، وإنما كان التعامل بها اضطرارا، ونظرا لأن النقود السائدة كانت مضطربة الأوزان والأشكال والمقادير فقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم وزنا واحدا لكي يتعامل به الناس، وشكلا واحدا، وهو وزن أهل مكة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة" ([20]). وتعتبر هذه الخطوة من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم أول محاولة للتوحيد النقدي، وذلك من خلال توحيد أوزانها، فهذه الخطوة أشبه بإيجاد عملة حسابية، وبذلك استقر الأمر في الإسلام على أوزان شرعية محددة، وأجمع المسلمون على ثبوت هذه الأوزان وتحديد الفروض الشرعية من خلال هذه الأوزان، وكذلك الأمر بالنسبة للمكاييل التي كانت سائدة، فقد ألغيت جميعها باستثناء مكيال أهل المدينة.




    [1] المقال يمثل المطلب الثالث من المبحث الثاني من بحث الدكتور كمال حطاب بعنوان: "التعاليم الاقتصادية في السنة النبوية"
    [2]ابن رشد،أبو الوليد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد،دار الفكر،بيروت،د ت،2/94
    [3] صحيح مسلم: 3/1219.
    [4] مصنف ابن أبي شيبة: 4/448
    [5] فتح الباري،12/445.
    [6]صحيح مسلم: 2/889.
    [7] الجوهري: اسماعيل: الصحاح (طبعة حسن شربتلي،مكة،د ت ) 2/768
    [8] السرخسي،المبسوط ( دار المعرفة،بيروت،14 06) 13/68
    [9] النووي،يحيى بن شرف: صحيح مسلم بشرح النووي،القاهرة، مكتبة الأزهر،1349هـ،3/156.
    [10] الضرير،الصديق محمد الأمين: الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي،المعهد الإسلامي للتدريب والبحوث،جدة،1993، 10
    [11] شبير،مرجع سابق،1996،الضرير، الصديق محمد الأمين: الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي،مجموعة دلة البركة،جدة،1995.
    [12] الترمذي،3/532.
    [13] صحيح البخاري،2/754.
    [14] صحيح البخاري،2/753.
    [15] صحيح البخاري،2/839.
    [16] النسائي،7/295، والترمذي،3/533.
    [17] القرضاوي، بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الإسلامية،مكتبة وهبة،القاهرة،1987 ، ط2،73
    [18] سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب في الصلح،830.
    [19]لم يشأ الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن يجابه دولتي الفرس والروم والمسلمون ما يزالوا في بداية تكوينهم.كما أن اقتصاديات المجتمع كانت بسيطة جدا بحيث لا تحتمل إصدار نقود جديدة.
    [20]سنن أبي داود،3/246.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •