كيف تتعاملين مع همومك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5
1اعجابات
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة

الموضوع: كيف تتعاملين مع همومك

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,805

    افتراضي كيف تتعاملين مع همومك

    كيف تتعاملين مع همومك[1]


    بلقيس صالح الغامدي



    إن من طبيعة هذه الدنيا التي نعيش فيها أنها دار أدواء وشدائد وضنك، فلا يوجد عليها أي مرتاح راحة تامة من غير ضيق كما لا يوجد من هو سعيد سعادة دائمة لا يعكر صفوها معكر منذ وجوده حتى مماته.. و جميعاً يعلم أن ما في الجنة من نعيم أنه نعيم كامل ؛ لهذا لم يجعل الله في هذه الحياة الدنيا راحة تامة بلا هموم ، ليبتلي بالهموم و الأكدار عباده فيكافئهم بدارٍ لا فيها نصب و لا همّ و لا كدر ، يقول ربنا عز وجل واصفاً حال أهل الجنة في الجنة:{لا يَمَسُّهُمْ فيها نَصَبٌ ومَا هُمْ عَنْهَا بمُخرَجين} ( الحجر/48)
    كما أنها حكمة إلهية ليتعرف السعيد والهانئ في دنياه بمعنى هذه الراحة، إذ لا يستطيع الغني فَهْمَ نعمة المال إلا بعد أن يذوق مرارة الحرمان و الفقر. فذلك الأمر نفسه بالنسبة لعبدٍ أهمَّه ربه بِهمّ ٍ.
    إن السُنة الربانية لحالة العبد في هذه الحياة الدنيا قد قررها الله عز وجل فقال سبحانه :{لقَد خَلَقنَا الإنسَانَ فِي كَبَد} ( البلد/4) أي في مشقة وعناء وتعب في دنياه. وقال سبحانه :{والقَمَرِ إذا اَتسَق لتَركَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَق} ( الانشقاق/18) أي حالة بعد حالة ،سعادة بعد شقاء أو شقاء بعد سعادة. فأصبح هذا معلوم لدينا بالضرورة جميعاً كمؤمنين بأن حقيقة الحياة الدنيا هي تقلُّب الأوضاع وتغير الأحوال .ثم إنَّ أيَّ أمر مكروه قد يحلّ بالقلب، إما أنْ يكون من أمر ماضٍ فيُحْدِث حزناً أو من أمر حاضرٍ فيُحدِث غمّاً أو من أمر مستقبلٍ فيُحدِث همَّاً.
    ولعلي هنا أورد لك معنى الهموم باعتبارها المحور الرئيس لحديثنا هذا :
    الهموم في اللغة :
    جمع همّ،ويقال:أهمَّ الأمر فلاناً : أقلقه وأحزنه . يقال:"أهمَّه الأمر حتى همَّهُ" أي أحزنه حتى أذابه.[المنجد في اللغة والأعلام]
    عندما يكبر الإنسان..تكبر همومه..تتزايد المسؤوليات..تتصا عد..تتراكم..وقد يصبح تارة مسرور وتارة منهزم وتارة بل تارات مهموم محزون ..وقد يكون الهمّ شعوراً يلازم الإنسان لفترات وفترات.. نتيجة أسباب عديدة..
    وإن الهموم قد تكون نتيجة صراعات مختلفة ومواقف عديدة تُنتج ما يسمى في نهايته [همّ] ولقد يصبح الهمّ في لحظة وسادة يتوسد عليها الإنسان حتى يحكم على نفسه بالمهموم..
    والقلوب تختلف وتتفاوت في نصيبها من الهموم والأحزان و الغموم بحسب إيمانها وصلاحها.
    كما أنها تختلف في طرق توجيهها للهموم ، وكيفية التعامل معها بحسب إدراكها لحقيقة الهموم وفَهمها لهذا الشعور.فلْنتعرف على طرق التعامل مع الهموم ، لعلنا نقطع شوطاً من مشوار حياتنا ونحن على بصيرة بهذا الشعور والتعامل معه بشكل صحيح.

    كيف تتعاملين مع همومك ؟!

    1_الرضا بقضاء الله وقدره :

    قال تعالى:{إنَّا كُلَّ شَئٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمرُنا إِلاَّ وَاحِدَةًٌ كَلَمحٍ بِالبَصَرِ} (القمر/49)
    اعلمي رحمني الله وإياك.."أن العبد على الحقيقة من إذا أصابه قدرٌ وَجَدَ مِن قلبه ناطقاً يقول :أنا عبدك ومسكينك وفقيرك،وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين،وأنت ربي العزيز الرحيم،لا صبر بي إن لم تصبِّرني، ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوِّني ، لا ملجأ لي منك إلا إليك ، و لا مستعان لي إلا بك، ولا انصراف لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكليته عليه فإن أصابه بما يكره،قال:رحمة أَهْدَيتَ إليَّ أو دواءٌ نافع ٌ من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال:شراً صُرف عني.فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقاً إليه، وانفتح له معه باب يدخل منه عليه."[قاله ابن القيم بتصرف]
    واعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وهذه سياسة نبوية للتعامل مع همومك بالإيمان بالقضاء والقدر،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" ( رواه مسلم)
    فكل ما تمتلئ به الأيام من أحداث ، وكل ما يجري في الساعات من أحوال ، فلا ردّ للمؤمن عليه إلا بــــ((قدَّر الله وما شاء فعل)) فكل شئ بقدر ، وكل أمرٍ يحلّ بك فهو بأمرٍ من ربِّ البشر ،فاللهم لا اعتراض.
    وهنا يضرب لنا أحد الصالحين المؤمنين بالقضاء والقدر مثالاً رائعاً في مواجهة الهمّ الذي أهمه بعد تسليمه بقضاء ربه..قال أهل السير كان من الفقهاء[عروة بن الزبير] دعاه خليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك لزيارته في دمشق ؛ فلبَّى دعوته ، وصحب معه أكبر بنيه . ثم شاء الله أن ابن عروة دخل على اصطبل-مربط الخيل-الوليد ليتفرج على جياده الصافنات فرمحته-رفسته- دابة رمحة قاضية أودت بحياته.ولم يكدْ الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده ، حتى أصابت إحدى قدميه ((الآكلة))-داء يصيب العضو فيأتكل منه- فتورمت ساقه ، وجعل الورم يشتد ويمتد بسرعة مذهلة. فأجمع المعالجين على أنه لا مندوحة من بتر ساق عروة قبل أن يسري الورم إلى جسده كله، فعندما همُّوا بقطع ساقه قالوا: نسقيك جرعة من مُسْكِر لكيلا تشعر بآلام البتر المبرحة. فقال:هيهات ..لا أستعين بحرام على ما أرجوه من العافية.فقالوا: إذن نسقيك المُخَدِّر، لأنه لا يُسْكِنُ عقله عن الوعي إلا المخدر فقال:سبحان الله أأفقد عقلي بعد أن رزقني الله عقلاً؟! كلا ولكن اقطعوا رجلي فإني لن أشعر إن شاء الله..- وهنا استوقفني حال كثير من الناس ممن يسافر للخمر وينتقل من أجل المخدر ويضيع حياته من أجل المسكر وهذا يُعرض عليه المسكر في زمن لم يوجد به بنج ولا طب متقدم ، ولكن بمنشار تنشر قدمه كما تنشر الشجرة فلا يقبل به أبداً ولو َقِبلَ لجاز له ؛ لأن القاعدة الشرعية تقول:"الضرورات تبيح المحظورات".. فسبحان الله - فتوضأ ودخل في الصلاة وناجى الله ، فبدؤوا في قطع رجله لأنها كانت قد أصيبت بمرض خطير كما ذكرنا.. فلما زاره إخوانه فقالوا معزين له:أحسن الله عزاءك في رجلك يا عروة، إنها مصائب وهمّ وأحزان ولكن إيمان كالجبال- قال:((اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت وإن كنت ابتليت فقد عافيت..اللهم لك الحمد حتى ترضى و لك الحمد إذا رضيت و لك الحمد بعد الرضى ))[صور من حياة التابعين-بتصرف]

    2_التحرر من قيود المعاصي:

    اعلمي رحمني الله وإياك أن معصية واحدة كفيلة لأن تخسري بها راحة بالك وهناء خاطرك..فلا تتجرئي على ربك بمعصية ولا تصرّين على ذنب ، ولو لم تري أثر العقوبة أمام عينيك ، قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد:[يا من فعل المعصية ولم يرى أثرها أتظن أن الله ناسيها هي لك في الطريق لك بالمرصاد تنتظرك..}عِلمُهَا عِندَ رَبي لا يَضِلُّ رَبِي وَلا يَنسَى {
    قد تظن ظانّة بأنها عند معصيتها أنها سترى العقوبة ظاهرة أمامها بقطع يدها أو تحطيم بيتها أو ما إلى ذلك،لكن بالطبع لا فإن عذاب قلبك وتشتت فكرك واستيلاء همَّك عليك هو أثقل وأشدُّ من عذاب جوارحك ، فضنك وشقاء وضيق ونكد وكدر وهمّ وغمّ وانتكاسة وتعاسة والكثير من العقوبات المعنوية الأليمة .غير ما ينتظرها من بؤس في آخرتها ما لم تتب وترجع إلى ربها .
    قال ابن الجوزي في صيد الخاطر:"قال حبر من بني إسرائيل: يا رب كم أعصاك وأنت تمهلني ما عذبتني
    فأوحى الله إلى نبي من بني إسرائيل أن قل لذاك الحبر : لقد عاقبته بعقوبة لا يوجد أثقل منها ولكنه لا يدري..أما سلبته حلاوة مناجاتي ولذة طاعتي؟!"
    فكثيرٌ هُمْ المسلوبون للذة الطاعة وحلاوة القرب من الله فهؤلاء ظنَّوا بأن معاصيهم لا تضرهم هاهي المسرفة بالمعصية على نفسها نجدها تستأنس بالأغنية أو بالمجلة أو التلفاز أو بالرقص أو بالسمر والسهر أو فيما فيه خسران للوقت وفوات للعمر بلا فائدة..لكن ما حالها إذا دُعيت إلى درس ذكر تَحُفُّه ملائكة الجبَّار تشريفاً وتعظيماً للذاكرين أو جلسة يُذكر فيها اسم الله ، نجد صدرها ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ، قال سبحانه:{وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وحدَه اشمَأزّت قُلُوبُ الذِينَ َلا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الذِينَ مِن دُونِه إِذَا هُم يَستَبشِرُون} (الزمر/45) لقد حُرمت هذه وأمثالها لذة حلاوة الذكر فهي ضائقة الصدر ومحرومة من الأجر ،و غيرها تُرفع لها الحسنات وتستغفر لها الملائكة وتُغفر لها الذنوب وهي في ضلال وغفلة من معصية لأخرى ، فكلُ ضالٍّ بمعصيته لاشك أنه إنسان ضائق الصدر مهموم ، قال الله عز وجل:{وَمَنْ يُرِدِ اللهُ أن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيقاً حَرَجاً}.فيارب غفرانك..
    ومن يعش على هذا الحال فليعلم أن في المعصية قيد يقيِّد العبد فيصبح مكبَّلاً لا يهنأ بعيش و لا يستلذُّ بيوم لا يكاد ينشرح صدره إلا وسرعان ما يضيق ولا تكاد تبتسم شفتاه إلا وتسكن ولا تكاد قسمات وجهه تتهلل فرحاً وسروراً إلا وتنطفئ بالعبوس ،ففرحه كسحابة صيف وومضة طيف ولن يتحرر ذلك العبد من تلك القيود إلا بترك الذنوب ومحاولة التحرر منها بالتوبة والرجوع والصدق في التصحيح فيما بينه وبين ربه .
    قال ابن الجوزي رحمه الله:"ضاق بي أمر أوجب غماً لازماً دائماً ، أخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه ، فما رأيت طريقاً للخلاص فعرضت لي هذه الآية:{ومنْ يتقِ الله يَجْعَلْ له مَخْرَجاً } (الطلاق/2) فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.."اهـ

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,805

    افتراضي رد: كيف تتعاملين مع همومك


    كيف تتعاملين مع همومك[2]
    بلقيس صالح الغامدي



    ثالثاً/اذكري الله -عزّ وجلّ-:
    ما أروع أن أملك فنّ إدارة همومي، فأتوجّه إلى الله ربي في لحظة من الهمّ فأرفع كفّي إليه - سبحانه- داعيةً مبتهلةً ومستغفرةً..وتارة دامعة العين ساجدة..وأخرى قارئةً لكلام ربّي في كتابه المبارك الذي أنزله ليرفع همومنا به، ويزيل ضوائق صدورنا بقراءته ، قال سبحانه:{مَا أنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى}[1]
    فذكر الله طمأنينة تشرق على القلب وسعادة تفيض على العمر ونوراً يضيء به الوجه..
    قال جل وعلا :{أّلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوب}[2] ، قيل إنّ ذكر الله في الآية :هو القرآن، وقيل : بل مطلق الذكر، وهو الصحيح - إن شاء الله-.
    كثيرٌ هُمْ الذين صاحوا بالشكوى إلى الناس، وأحرقتهم دموع الهمِّ واليأس، ونَسوا ربَّ الجنّ والناس. فعليك بذكر مولاك قبل نزول الهموم والأحزان وبعد نزولها.
    فقبل الإصابة بالهموم لا بدّ من الذكر لأنّه يدفع الهمّ ويريح من الغمّ، ومعلوم أنّ الدفع أسهل من الرفع، فإليك هذا الدعاء المفيد لدفع الهموم قبل وقوعها.
    عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: "كنت أخدم رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- إذا نزل، فكنت أسمعه كثيراً يقول:"اللهم إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وقهر الرجال"[3]..
    أمّا بعد حلول الأحزان ونزولها فلقد أرشدنا رسولنا محمّد - صلّى الله عليه وسلّم- إلى كثير من الأدعية بشأن هذا الهمّ، ومنها ما رواه البخاريّ في الفتح عن ابن عباس أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- كان يقول عند الكرب:"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم"
    وقال:"دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلا أنت" [4]
    أين المهمومة من ربّ رحيم حكيم ؟..ما أهمّها إلا لتُقبل عليه فتناجيه، وتشكو همّها إليه ليرفع - سبحانه -كربها ..ويغفر ذنبها..أين المحزونة والمكروبة والمصابة و المألومة؟ ما بالنا لا نتمسّك بحبائل الوصال مع الله ؟!..كفانا جفاء!..
    عليك بالصلاة؛ فالصلاة نور .. وفيها تجتمع عبادة الدعاء، وعبادة قراءة القرآن، والاستغفار، والتكبير، والحمد، فكيف لا تكون بعد هذا نور وأمل لك في لحظتك هذه، بل في يومك، بل في حياتك..؟!
    ولتعلمي أنّ الهمَّ عقوبة للمعرضة عن ذكر ربّها، تحيط بها الهموم وتحرقها الغموم، وتؤزُها الشياطين، فيضيق الصدر، وتدمع العين، وتضيق عليها الأرض بما رحبت، وتضيق عليها نفسها بما حملت ..
    حالها:{كَأنَّما يَصَّعدُ في السَّماء} قال ربي وربكم - عزّ وجلّ-: {وَمَنْْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرحمنِ نُقَيّض له شيطاناً فَهُوَ لَه قرين}[5]

    وقد أوضح الله - سبحانه وتعالى- أنّ لكلّ معرض عن ذكره عقوبة الضنك في العيش، فهذا يعني أنّه لا راحة لمعرض عن ذكر الله، وأنّه لكلّ ذاكر لله – سبحانه- راحة في البال وهناء في الخاطر، قال - عزّ وجلّ-:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذَكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشةً ضَنْكَا ونحَْشُرُهُ يوم القيامة أعمى قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}[6]
    قال ابن كثير:"ضنكاً في الدنيا ، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيّق حَرِجٌ لضلاله، وإن تنعَّم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فهو في قلق وحيرة وشكّ، فلا يزال في ريبة يتردّد، فهذا من ضنك المعيشة"ا.هـ

    رابعاً/لا تستسلمي للهموم:
    إنَّ من علامة صحّة القلب أن يكون أشحَّ بوقته أن يذهب ضائعاً من أشدِّ الناس شحَّاً بماله.
    فإيّاك والاستسلام للهمّ، بل اقرأي، وصلي أقاربك، وتابعي دراستك، واكتبي، واعبدي ربّك.
    و لا تكوني حبيسةً لغرفة لا تزيد النار إلا حطباً. لأنّ الضعف أمام موقف من مواقف الحياة يكون طريقاً سهلاً لأن تقعي في شِباك الشيطان فيزيِّن لكِ أغنية أو يجرَّك إلى الغضب، أو إلى مهاتفة الجنس الآخر بهدف الشكوى والتخفيف من حدّة الشعور، أو اتخاذ مواقف معادية تجاه الناس إن كانوا سبباً فيما أصابك..
    فإيّاك أن توقفي عقلك وتفكيرك، وتلغي إيمانك، فتضعفين، وسرعان ما تهلكين،.
    بل حاولي أن تعبِّري عن وضعك بطرق صحيحة، فإن كانت الدموع وسيلة فلا بأس، ولكن لابدّ بعد هذا التعبير من موقف يزيل هذا الهمّ أو يقلّل من أثره، فمن الممكن أن تطلبي الاستشارة ممّن تثقين أنّها ستساعدك، وأنّها صاحبة عقل وصلاح وعلم، ولكن لا تنسي اللجوء أوّلاً إلى مسبب الأسباب، وقاضي الحاجات، الله - جلّ شأنه- . يقول الزبير ابن عدي : أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال:"اصبروا، فإنّه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتّى تلقوا ربّكم، سمعته من نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم"[7]




    [1] [طه/2].

    [2] [الرعد/28]

    [3] رواه البخاري في الفتح رقم (2893).


    [4] رواه أبو داوود في كتاب الأدب رقم (5090)وحسنه في صحيح الجامع(3388) وفي صحيح سنن أبي داوود رقم (4246).


    [5] [الزخرف/36].

    [6] [طه/124]

    [7] رواه البخاري /الفتح(7068).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,045

    افتراضي رد: كيف تتعاملين مع همومك

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو وليد البحيرى مشاهدة المشاركة
    :{لا يَمَسُّهُمْ فيها نَصَبٌ ومَا هُمْ عَنْهَا بمُخرَجين} ( الحجر/48)

    تصحيح
    {لا يَمَسُّهُمْ فيها نَصَبٌ ومَا هُمْ
    مِّنْهَا بمُخرَجين}
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو وليد البحيرى
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,805

    افتراضي رد: كيف تتعاملين مع همومك

    كيف تتعاملين مع همومك[3]
    بلقيس صالح الغامدي


    خامساً/لا تشتغلي بالتوافه:


    إن المتلفِّتة لكل كلمة تُقال لها ، أو لكل شبهة تُثار حولها ، فإنها بلا شك ستصاب بهمومٍ لا عِداد لها فإليكِ هذه الوصايا..

    1-لا تسمعي من حاقد ، ولا تهتمي لكلام كاذب أو فاسق أو جاهل ، ولكن حاولي أن تتعلمي القوة وأن تحسني الظن وتسامحي وتتجاوزي ، وتقبلي النقد البنَّاء والمفيد في الإصلاح ، أما كل نقد مغرض يدفعه التشفي والانتقاص أو الإساءة فارمي به عرض الحائط ، وحاولي أن تتجاهليه.

    2-لا تتحججي عن كثرة همومك بأن تصفي نفسك أنك ذات مشاعر مرهفة وعواطف جياشة وقلب حسَّاس ، ثقي أنه بالرغم من اختلاف طبائع البشر وأساليبهم في التعبير إلا أن الكل منِّا لديه مشاعره وأحاسيسه بل وكرامته ، ولا يرضى أن ُيهان بأي شكل ، ولكن هناك أمور لابد من التنازل عنها لأنها مقلقة ولاتجرّ إلا همّاً وغماً ، وتعلَّمي من عباد الرحمن صفتهم التي وصفهم بها ربهم من بين جملة صفات عديدة قال تعالى:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَاً} [الفرقان/ 63 ] قال ابن كثير في هذه الآية:"أي إذا سَفِهَ عليهم الجهَّال بالسيئ لم يقابلوهم عليه بمثله ، بل يعفون ويصفحون ، ولا يقولون إلا خيراً ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلماً ..."
    وقد أورد ابن كثير في تفسيره قصة عن النعمان بن مقرِّن المزني قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم –وسبَّ رجلٌ رجلاً عنده.قال:فجعل الرجل المسبوب يقول:عليك السلام-فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إن ملكا بينكما يَذُبُّ عنك ،كلما شتمك هذا ، قال له: بل أنتَ، وأنت أحق به، وإذا قلتَ له: وعليك السلام، قال: لا ، بل عليكَ،وأنت أحقُّ به"إسناده حسن ولم يُخرِّجوه.

    واحذري أن تكوني من الذين قال الله فيهم :{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنا بِاللهِ فَإذَا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ }[العنكبوت/10]
    ولكن تنبَّهي أن يصل بك التجاوز إلى حدٍّ ترضين به أن يُهان الدين أو شئ منه أو نبينا أو عرضك أو وطنك أو من لهم الفضل عليك بعد الله كالوالدين،ولكن سددي وقاربي.


    3-لا تسعى إلى ما يكون جالباً للهموم من أمور الحياة الدنيا كالنَّظر فيما بأيدي الناس بل تلَفَّتي إلى ما فضَّلك الله به عن كثير من الناس في رزق أو صحة أو ولد أو زوج ليزول عنك القلق والغمّ والهمّ ويزداد سرورك بنعم الله التي رزقك إياها وحرم منها منْ هُمْ فوقك في غيرها.
    فإليك ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انظروا إلى من هو أسفل منكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

    4-اسألي نفسك لماذا أنت مهمومة؟هل من أجل بلية ابتليت بها الأمة ؟أم من أجل محارم لله انتهكت ؟أم من أجل علماء وأولياء لله استهزئ بهم ؟أم من أجل ذنب أصبت به أم من أجل ماذا؟!
    هاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوة لكل إنسان لأنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده قيل عنه ساحر..ومجنون..وكا هن..وشاعر وهاهو يوضع فوق ظهره سلا الجزور وهو ساجد ، هاهو يرمى الشوك في طريقه.وهذا بلال لأنه وحَّد ربه وآمن به يُطرح على بطحاء مكة ويُؤمر بأن يرجع عن دينه فيقول: (أحد أحد .. ، وهذا الإمام أحمد بن حنبل يُسجن لأنه وضَّح الحق ودعا إليه..ويعقوب قال الله في وصفه لحالته: {وَابيَضّت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ فَهُوَ كَظيمٌ}[يوسف/84]
    هاهو الهمُّ والحزن عاشه خير العباد ممن كان قبلنا ولكن السؤال الفارق الفاصل هو.. بأي شئ أصابهم الهم؟

    سادساً/انظري إلى الهموم من منظور إيجابي إيماني:
    *اعلمي.. أنه بالهموم تكفر الخطايا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)رواه البخاري.
    واعلمي أن الله يربي على السراء والضراء عبده.. وعلى النعمة والبلاء.فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال..

    *لا تجعلي همومك دنيوية بل ارتقي بها لتكوني ممن حملت همّ آخرتها وتذكري العقوبات التي وردت في السنة المطهرة لصاحب همِّ الدنيا ما رواه أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرَّق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له))رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع.
    قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد:"إذا أصبح العبد وأمسى –ليس همه إلا الله وحده-تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه،وفرَّغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره،وجوارحه لطاعته،وإن أصبح وأمسى والدنيا همه-حمَّله الله همومها و غمومها و أنكادها ، ووكَّله إلى نفسه ، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق،ولسانه عن ذكره بذكرهم،وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم،فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره،فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته .."انتهى بتصرف.

    *تذكري أن الله إذا آيسك من عباده وأحزنك منهم فاعلمي أنه يريد أن يؤنسك به سبحانه فلا تحزني.

    *ترقبي الفرج بعد الكرب واليسر بعد العسر ولقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنه فقال له:"اعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً"رواه أحمد في السلسلة الصحيحة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,805

    افتراضي رد: كيف تتعاملين مع همومك

    كيف تتعاملين مع همومك[4]
    بلقيس صالح الغامدي


    سابعاً/التهيؤ النفسي:
    إن الحازمة من توطِّن نفسها في الأمور الحقيرة والعظيمة سواء..وإنه مما ينبغي توقعه في أي وقت استيلاء الهمّ على النفس وهذا كما بيَّنا مسبقاً أمراً قد كُتب على الخليقة جمعاء وقد أقسم ربنا بذلك فقال:{لتركبن طبقاً عن طبق}[ الانشقاق/18]
    فلا بد من تهيئة النفس وتوقع المصاب ، وفي ذات الوقت لابد من دوام سؤال الله السلامة والعافية و الرضى و السرور ،فإنْ وقع بعد ذلك مكروه فإنه ولا شك سيكون أخفُّ وَقْعَاً على تلك النفس لتوقعها وقوع ذلك من قبل.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله...

    ثامناً/تناول التلبينة:
    والتلبينة هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة، ويُجعل فيه عسل،وسُميت تلبينة لشبهها باللبن،وهي تُطبخ من الشعير المطحون.
    روى البخاري عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء ثم تفرقن إلاَّ أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطُبخت ثم صُنع ثريدٌ فصَبَّت التلبينة عليها ثم قالت:كُلْنَ منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"التلبينة مُجِمَّةٌ لفُؤاد المريض تُذهب ببعض الحُزْنِ".
    ومعنى مُجِمَّة:تريح وتزيل الهم.
    وهذا الأمر- إن استغربه بعض الناس-هو حق وصدق مادام قد ثبت من طريق الوحي المعصوم صلى الله عليه وسلم،والله خلق الأطعمة وهو أعلم بخصائصها ، وبالتالي فإن حساء الشعير المذكور هو من الأغذية المفرحة،والله أعلم.[يراجع زاد المعاد لابن القيم رحمه الله (5/120)].
    ولقد بيَّن ابن حجر العسقلاني رحمه الله طريقة طبخ هذا الحساء لمريض الجسد وحزين القلب فقال:(ولعل اللائق بالمريض ماء الشعير إذا طبخ صحيحاً،وبالحزين ماؤه إذا طبخ مطحوناً،والله أعلم)[انظر فتح الباري(147)]." [علاج الهموم-محمد المنجد(بتصرف)]



    وختاماً وفي نهاية سلسلتي هذه التي سعيت فيها أن أوجهك لمهارات إيمانية تربوية حول كيفية التعامل مع الهموم إليك هذه الهمسات:
    ..*حاولي إعانة المهمومة إن لم تكوني مهمومة وتذكري ما بشرنا به رسولنا صلوات ربي وسلامه عليه في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه قال- عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من نفَّس عنمؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة..."رواه مسلم.

    *تذكر ي ساعات الهم والحزن والضيق ، وساعات الراحة والرخاء..ستجدين حتما أنك تصابين بِالهموم لمدة أيام ، والرخاء والسعادة والراحة لمدة أشهر بل وسنوات..فلا تنكر ي نعمة الله عليك فاحمدي ربك واشكريه.

    *تذكري أنك مسلمة، واختارك الله لهدايتك لهذا الدين ، وثبت عقيدتك عليه ، وغيرك يتخبط في ظلمات الجاهلية والضلال ، والأديان المنحرفة ، فانتميت لهذا الدين الذي جعل الله راحة النفوس واستقرارها في ظله ، وأراحك من همجية الباطل وصراعات الأديان الأخرى .

    *لماذا الهمّ؟!ولديك كتاب ما أنزل إلا لترتاح...لماذا الهم؟!وأنت مسلمة؟

    *ترقبي يا مهمومة الفرج (إن بعد العسر يسرا).


    فعندما ينزل بساحتنا السخط والتذمر والسلبية والاعتراض فحينها لابد أن تصبح نفوسنا ضيقة حرجة فتقيدنا الهموم ، وتجرنا الأحزان ، وتحرقنا الدموع ، فلماذا؟؟! وماذا بعد هذا؟!.لا شئ بالطبع.
    فالحل في تسليم يريح الخواطر، و رضاً يذيب الهموم، واحتساب يرفع في الدرجات.
    أسأل الله أن يشرح صدورنا وييسر أمورنا وأن يكون معيننا..و أن يعاملنا بعفوه ورحمته، ونسأله عز وجل رحمة من عنده يحفظنا بها من كل سوء.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •