ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4
2اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى
  • 1 Post By أبو مالك المديني

الموضوع: ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,746

    افتراضي ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم

    ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم(1)

    قاسم عبدالواحد






    الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

    فللعلماء فيما يعتبر محظورًا على المحرِم من الطيب ضوابط, كما أن لهم ضوابط فيما لا يعتبر منه محظورًا؛ ومن تلك الضّوابط ما وقع فيها الاتفاق بين أهل العلم رحمهم الله تعالى, ومنها ما وقع بينهم فيها الخلاف, فنبدأ حديثنا في هذه الحلقة بالضّوابط التي هي محلّ وفاق بين أهل العلم؛ ثمّ نتبعها بالتي فيها خلاف بينهم رحمهم الله تعالى, فنقول وبالله التوفيق:

    أوّلاً: الضّوابط التي وقع في اعتبارها الاتفاق بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    الأوّل:اتّفق أهل العلم على أن للمحرم شمّ واستعمال ما ينبته الإنسان ممّا لا يقصد للطيب, ولا يتّخذ منه الطّيب؛ وذلك كالفواكه التي لها روائح طيّبة, أو ما يطلب للأكل أو للتداوي؛ كالقرنفل, والفلفل, والدارصيني, والهيل.

    الثّاني:واتفقوا على أنّ للمحرم شمّ واستعمال نبات الصّحراء؛ التي لها روائح زكيّة كالإذخر, والخزامى, والقيصوم, والشيح, ونحو ذلك.

    الثّالث:واتفقوا على حرمة استعمال ما كان معظم الغرض منه الطيب, ويتخذ منه الطيب؛ وعلى وجوب الفدية باستعماله؛ وذلك مثل المسك, والكافور, والعنبر, والزعفران, والعود, والصندل[1].

    قال النووي رحمه الله تعالى: يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه الطيب واتخاذ الطيب منه, أو يظهر فيه هذا الغرض هذا ضابطه؛ ثم فصلوه فقالوا: الأصل في الطيب المسك والعنبر والكافور والعود والصندل والدريرة ونحو ذلك, وهذا كله لا خلاف فيه, والكافور صمغ شجر معروف.

    وأما النبات الذي له رائحة فأنواع: منها ما يطلب للتطييب واتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين والخيري والزعفران والورس ونحوها فكل هذا طيب.

    ومنها: ما يطلب للاكل أو للتداوي غالبا كالقرنفل والدارسينى والفلفل والمصطكى والسنبل وسائر الفواكه, كل هذا وشبهه ليس بطيب, فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به, ولا فدية فيه؛ سواء قليله وكثيره, ولا خلاف في شيء من هذا.

    ومنها: ما ينبت بنفسه ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح والمشمش والكمثرى والسفرجل وكالشبح والعيصوم وشقائق النعمان والادخر والخزامى[2].

    وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: والنبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب: أحدها: ما لا ينبت للطيب، ولا يتخذ منه، كنبات الصحراء، من الشيح والقيصوم والخزامى، والفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيره، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب، كالحناء والعصفر، فمباح شمه، ولا فدية فيه.

    والثاني: ما ينبته الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي، والمرزجوش والنرجس، والبرم، ففيه وجهان.

    والثالث: ما ينبت للطيب، ويتخذ منه طيب، كالورد والبنفسج والياسمين والخيري، فهذا إذا استعمله وشمه، ففيه الفدية؛ لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذلك في أصله[3].

    ثانيًا: الضّوابط التي وقع في اعتبارها الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    الأوّل:شم المحرم واستعماله ما ينبته الآدميون للطيب, ولا يتخذ منه الطيب كالرياحين, والنرجس, والريحان الفارسي, وسائر الرياحين؛ فهل في ذلك فدية أم لا؟.

    نقول وبالله التوفيق: اختلف أهل العلم في إيجاب الفدية في شم المحرم ما ينبته الآدميون للطيب, ولا يتخذ منه الطيب, ولهم في ذلك قولان مشهوران:

    القول الأوّل: أنه لا فدية على المحرم في شم الرياحين. وهذا مذهب الحنفيّة, والمالكيّة, والشافعية في قول, وهو المذهب عند الحنابلة[4].

    في البدائع: ويكره للمحرم أن يشم الريحان, كذا روي عن ابن عمر وجابر - رضي الله عنهما - أنهما كرها شم الريحان للمحرم؛ ولو شمه لا شيء عليه عندنا[5].

    وفي المدونة: كان مالك يكره للمحرم شم الرياحين، وهذا كله من الرياحين ويقول من فعله فلا فدية عليه فيه[6].

    وقال ابن قدامة: الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي، والمرزجوش والنرجس، والبرم، ففيه وجهان؛ أحدهما، يباح بغير فدية[7].

    الأدلة:

    الدّليل الأوّل: ما أخرجه البخاري صحيحه تعليقًا؛ أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: «يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت، والسمن»[8].

    ونوقش: بأنه خالفه في ذلك غيره من الصحابة كجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما, كما سيأتي ذلك عند ذكر أدلة أصحاب القول الثَّاني.

    الدّليل الثَّاني: ما أخرجه ابن المقرئ في معجمه؛ أن عثمان بن عفان – رضي الله عنه - سئل عن المحرم يدخل البستان قال: «نعم، ويشم الريحان»[9].

    نوقش:بأنه ضعيف, قال النووي: وأما الأثر المذكور عن عثمان فغريب[10]. وقال ابن عبد الهادي: فهذا حديث موضوع, وإسناده مصنوع عند من له أدنى بصيرة في هذا الشأن, وصنعه بعض المجاهيل بلا ريب[11].

    الدليل الثالث: أن الرياحين نبات يزرع, ولا يسمى طيبا, ولا يتخذ منه طيب, فوجب أن لا يوجب شمه الفدية كالشيح والقيصوم والفاكهة[12].

    نوقش:بأن كونه نباتا لا يخرجه من أن يكون طيبا, بدليل الورس والزعفران.

    أجيب: بأن الرياحين لا يتطيب منها بنفسها, وإنما يتطيب بما يتخذ منه بخلاف الزعفران, فإنه يتطيب منه بنفسه, ولا يلزم من كون فرعه طيبًا أن يكون طيبًا[13].

    ونوقش: بأن شمه فيه من الاستمتاع والترفه ما قد يزيد على شم الزعفران والورس[14].

    القول الثَّاني في المسألة:وجوب الفدية على المحرم بشم الرياحين. وهذا هو المعتمد عند الشّافعية, وهو رواية عند الحنابلة[15].

    قال النووي: ومنها ما يتطيب به ولا يتخذ منه الطيب كالنرجس والمرزنجوش والريحان الفارسي والآس وسائر الرياحين ففيها طريقان حكاهما البندنيجي؛ أصحهما عنده: أنها طيب قولا واحدا, والطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما, الصحيح الجديد أنها طيب موجبة للفدية[16].

    الأدلة:

    الدّليل الأوّل: ما أخرجه البيهقي في الكبرى؛ أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه سئل عن الريحان أيشمه المحرم والطيب والدهن؟ فقال: لا[17].

    نوقش: بأن المروي عنه - رضي الله عنه – معارض للمروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما, وليس أحدهما بأولى من الآخر.

    أجيب:بأن أثر جابر بن عبد الله - رضي الله عنه – موافق للأصل؛ وهو أن الطيب إنما منع منه تركًا للترفه به, وهذا الترفه الممنوع يحصل بشم الريحان[18].

    الدليل الثَّاني:أن الرياحين نبت للطيب, فوجب أن تكون طيبًا كالورد والبنفسج.

    نوقش:بأنه وإن كان طيب الرائحة, فإنه لا يتخذ طيبًا؛ فلذا لا يوجب شمه الفدية[19].

    أجيب: بأن القصد من الطيب رائحته دون عينه, فإذا استعملت عينه وجبت الفدية بوجود الرائحة لا بعينه؛ ألا ترى أنه إذا استعمل ماء الورد وقد ذهبت رائحته لم تلزمه الفدية[20].

    الدليل الثالث:أن الأصل في منع المحرم من محظورات الإحرام هو ترك الترفه ومن ضمنه الطيب, والترفه حاصل بشم الريحان؛ بل الترفه الحاصل بشمه أكثر من الحاصل بشم الزعفران والورس ونحوهما, مما حصل الاتفاق على منع المحرم منه[21].


    نوقش:بأن ما حصل الاتفاق على منعه في الزعفران والورس إنما هو استعماله في البدن والتلطخ به, وأما شمه فليس فيه اتفاق.

    وأجيب: بأن الاستمتاع بالطيب، يكون تارة بالشم، وتارة بالاستعمال في البشرة ثم شمه فكان بالفدية أولى؛ لأنه يستعمله ليشمه[22].

    التّرجيح:بعد عرض القولين في المسألة وأدلتهما تبيّن لنا – والله تعالى أعلم – أن القولين قويّان؛ لأن لهما سلفا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم, إلا أن القول بإيجاب الفدية في شم الرياحين أقوى؛ لأنه مبني على الاحتياط, ولأن الأخذ به فيه خروج من هذا الخلاف.

    غير أنه يحسن تقييد القول بوجوب الفدية بشم الرياحين بأن يكون هذا الشم مقصودا, وأن يكون للاستمتاع برائحة ذلك المشموم؛ بحيث لا تجب الفدية إذا كان الشم بقصد التعرف أو الاختبار؛ وذلك لأن مقصد التّرفه لا يحصل إلا بهذا القيد؛ إذ هو سبب التحريم في محظورات الإحرام والله تعالى أعلم[23].

    وفي الحلقة القادمة نذكر – بإذن الله تعالى – الموضع الثّاني الذي وقع فيه الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ وهو إيجاب الفدية من شمّ الطيب, وإلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المراجع

    [1] ينظر: بدائع الصنائع 2/191, المجموع 7/277, المغني 3/293, النّوازل في الحج للشلعان ص: 198.

    [2] المجموع 7/277.

    [3] المغني 3/293-294.

    [4] بدائع الصنائع 2/191, المدونة 1/459, الذخيرة 3/311, المجموع 7/278, المغني 3/293-294.

    [5] بدائع الصنائع 2/191.

    [6] المدونة 1/459.

    [7] المغني 3/293-294.

    [8] صحيح البخاري 2/136 كتاب الحج/ باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم، ويترجل ويدهن.

    [9] المعجم لابن المقرئ ص: 338 برقم 1108.

    [10] المجموع 7/276.

    [11] تنقيح أحاديث التعليق 2/436.

    [12] النوازل في الحج ص: 200.

    [13] النوازل في الحج ص: 200.

    [14] شرح العمدة 2/92.

    [15] المجموع 7/278, المغني 3/294.

    [16] المجموع 7/278.

    [17] السنن الكبرى 5/92 برقم 9105.

    [18] ينظر: النوازل في الحج ص: 201.

    [19] ينظر: الإشراف 1/473.

    [20] ينظر: النوازل في الحج ص: 201.

    [21] ينظر: كشاف القناع 2/424, شرح العمدة 2/92, النوازل في الحج ص: 202.

    [22] ينظر: الحاوي الكبير 4/111.

    [23] ينظر: النوازل في الحج ص: 202.










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,746

    افتراضي رد: ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم

    ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم(2)

    قاسم عبدالواحد





    الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:
    فلقد قدّمنا في الحلقة الماضية الضّوابط التي وقع في اعتبارها – في الطّيب المحرَّم وغير المحرَّم على المحرِم - الاتفاق بين أهل العلم رحمهم الله تعالى, كما تكلّمنا بأن هناك ضوابط وقع في اعتبارها الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ وقد ذكرنا الأوّل منها؛ وهو إيجاب الفدية في شمّ المحرم ما ينبته الآدميون للطيب, ولا يتخذ منه الطيب كالرياحين, والنرجس, والريحان الفارسي, وسائر الرياحين؛ وختمنا المسألة بأن القول بإيجاب الفدية في شم الرياحين هو الأقوى؛ لأنه مبني على الاحتياط, ولأنّ الأخذ به فيه خروج من الخلاف, كما بيّنا بأن ذلك مقيَّد بأن يكون هذا الشم مقصودا, وأن يكون للاستمتاع برائحة ذلك المشموم؛ بحيث لا تجب الفدية إذا كان الشمّ بقصد التعرف أو الاختبار؛ وذلك لأن مقصد التّرفه لا يحصل إلا بهذا القيد؛ إذ هو سبب التحريم في محظورات الإحرام.
    وفي هذه الحلقة نتكلّم عن الضَّابط الثّاني الذي وقع في اعتباره خلاف بين أهل العلم؛ وهو تقييد شمّ أنواعٍ من الطّيب المتفق على تحريمه على المحرِم كالمسك والكافور والعنبر ونحوها بأن يكون قصدًا؛ بحيث لا يوجب شمّها الفدية إذا كان بغير قصدٍ.
    نقول وبالله التَّوفيق: لا خلاف بين أهل العلم في سقوط الفدية عن المحرم الذي شمّ جميع أنواع الطيب المتفق على تحريمه على المحرِم كالمسك والكافور والعنبر ونحوها؛ إذا كان الشمّ بغير قصد[1].
    قال ابن قدامة: فأما شمّه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته، وداخل السوق، أو داخل الكعبة للتبرك بها، ومن يشتري طيبا لنفسه وللتجارة ولا يمسه، فغير ممنوع منه؛ لأنه لا يمكن التحرز من هذا، فعفي عنه[2].
    وقال العلامة ابن العثيمين: وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
    الحالة الأولى:أن يشمه بلا قصد.
    الحال الثانية:أن يقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به، بل ليختبره، هل هو جيد أو رديء؟
    الحال الثالثة:أن يقصد شمه للتلذذ به، فالقول بتحريم الثالثة وجيه، وهذه فيها خلاف. أما الأولى فلا تحرم، قولا واحدا، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف فإنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس يصبون الطيب صبا على جدار الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن لا يؤثر على المحرم[3].
    واختلفوا في وجوب الفدية على من شمّها بقصد, ولهم في ذلك قولان مشهوران:
    القول الأوّل: أنّ شم الطّيب موجب للفدية. وهو قول عند المالكيّة, والشّافعيّة في الأصحّ, والحنابلة في المذهب[4].
    قال الإمام الماوردي: ما كان طيبا ويتخذ بعد يبسه طيبا، مثل الزعفران، والورس، والكافور، والعود، والورد، والياسمين، والنرجس، والخيري، والزنبق، والكاذي، فهذا كل طيب متى استعمله المحرم بشم، أو غيره فعليه الفدية[5].
    وقال في موضع آخر: إذا أكل المحرم طيبا افتدى، إلا أن يكون عودا فلا يفتدي بأكله؛ لأنه لا يكون متطيبا به، إلا أن يتخير به وما سواه من الطيب يكون متطيبا به بملاقاة بشره, وكذلك لو استعاط الطيب، أو احتقن به، أو اقتصر على شمه افتدى[6].
    وقال المرداوي: وإن جلس عند العطار، أو في موضع ليشم الطيب فشمه, مثل من قصد الكعبة حال تجميرها فعليه الفدية، وإلا فمتى قصد شم الطيب حرم عليه، وعليه الفدية إذا شم, وهذا المذهب نص عليه، وعليه الأصحاب[7].
    الأدلّة:
    الدّليل الأوّل:استدلوا بالأحاديث الواردة في تحريم استعمال الطيب للمحرِم, ومن هذه الأحاديث ما يلي:
    الحديث الأوّل: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سئل النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - ما يلبس المحرم؟ قال: «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران...»[8].
    الحديث الثَّاني: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا»[9].
    وجه الدلالة من الحديثين: قالوا هاذان الحديثان يدلان على منع المحرم حيًّا وميتًا من استعمال الطيب؛ والاستمتاع به, والشّم نوع من الاستمتاع.
    نوقش: بأن الوارد في الأحاديث الاستعمال, والشم ليس حراما، ولا شيء فيه؛ لأنه ليس استعمالا؛ إذ لا يؤثر في الثوب ولا البدن[10].
    أجيب: بأن القصد شمه لا مباشرته، بدليل ما لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده لم يكن عليه شيء، ولو رفعه بخرقة وشمه لوجبت عليه الفدية، ولو لم يباشره[11].
    الدّليل الثَّاني:ما أخرجه البيهقي في الكبرى؛ أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه سئل عن الريحان أيشمه المحرم والطيب والدهن؟ فقال: لا[12].
    وجه الدلالة: أن في الأثر إشارة واضحة إلى منع المحرم من شم الريحان والطيب؛ وذلك يدل على وجوب الفدية عليه.
    نوقش:بأن في إيجاب الفدية من شم الريحان خلاف بين الصحابة رضوان الله عليه؛ وليس قول بعضهم بأولى من بعض.
    الدليل الثّالث:أن القصد بالمنع ترك الترفه والتلذذ بالطيب كسائر المحظورات, والتلذذ بالطيب تارة يكون بالشم, وتارة يكون بالاستعمال بالبرة ثم شمه, فكان الاستعمال كالشم, بل الاستعمال يراد به الشم[13].
    الدّليل الرّابع:أن المقصود من التطيب وجود رائحة الطيب، فإذا تعمد الشم فقد أتى بمقصود المحظور، بل اشتمامه للطيب أبلغ في الاستمتاع والترفه من حمل طيب لا يجد ريحه بأن يكون ميتا أو نائما، أو أخشم لا يشم البتة [14].
    القول الثّاني في المسألة: أن شمّ الطّيب لا يوجب الفدية مطلقًا. وهذا مذهب الحنفيّة, والمالكيّة في الأظهر, والشّافعيّة في قول, والحنابلة في رواية[15].
    في البدائع: ويكره للمحرم أن يشم الطيب والريحان, ولو شمه لا شيء عليه عندنا.
    الأدلّة:
    الدّليل الأوّل: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد اللهبن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا»[16].
    وجه الدلالة: أن المقصود بالمنع ليس الشم, بل المس أو الوضع في الثوب والبدن؛ إذ لو كان المقصود الشمّ لما منع منه الميّت؛ إذ الميت بلا شك لا يشم[17].
    أجيب بجوابين:
    الجواب الأول: أن المقصود منه الترفه بالطيب, وهو يحصل للحي بالشم والمس والوضع في الثوب والبدن, ويحصل للميت بالوضع في الثوب والبدن.
    الجواب الثاني: أن المقصود بالمنع إذا بعث الميت أنه سيكون على هيئة المحرم, وإلا فالميت لا يترفه بتغطية رأسه, ومع ذلك فهو ممنوع منها؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا, ومعلوم أنه عندما يبعث فهو يتمتع بجميع الحواس ومنها الشم[18].
    الدّليل الثَّاني: أن شم الطيب لا يوجب الفدية قياسا على ما لو جلس , أو اجتاز سوق العطارين, إذ لا فدية عليه في الجلوس والاجتياز؛ فكذلك في الشم؛ بل لم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, أنهم كان ينهون المحرم عن المرور أو الجلوس إليهم[19].
    نوقش من وجهين:
    الوجه الأول: لو سلّمنا أن للمحرم أن يشم الطيب في الأماكن المذكورة, فإنه سيشمها من غيره, والشم من الغير ليس استمتاعا كاملا، ولا يسمى به متطيبا فافترقا[20].
    الوجه الثاني: أن الشام لا يخلوا من أن يكون غير قاصد للشم, وهذا غير داخل في محل الخلاف, أو أن يكون قاصدا للشم؛ فإن كان قاصدا للشم فلا يخلوا من أن يريد بشمه التجربة ومعرفة الجودة دون الاستمتاع فهذا ينبغي أن لا يكون داخلا في محل الخلاف أيضا ويكون جائزا, أو أن يريد بشمه الاستمتاع بالطيب فهذا من موضع الخلاف, فلا يستدل بموضع الخلاف[21].
    التَّرجيح:يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان القول بإيجاب الفدية على المحرم الذي تعمّد شم الطيب؛ إذا قصد بذلك الاستمتاع, وأما إذا قصد بشمه التجربة والاختبار هل هو جيد أم رديء, فلا فدية عليه, وعلى هذا التفصيل العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى[22].
    المراجع
    [1] ينظر: المغني 3/299, النوازل في الحج للشلعان ص: 202.
    [2] المغني 3/299.
    [3] الشرح الممتع 7/139-140.
    [4] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/59-60, شرح زروق على متن الرسالة 1/550, الحاوي الكبير 4/108, المغني 3/294, الكافي 1/491, الإنصاف 3/473.
    [5] الحاوي الكبير 4/108.
    [6] المصدر السابق 4/111.
    [7] الإنصاف 3/473.
    [8] صحيح البخاري 1/39 برقم 134 كتاب العلم/ باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله. صحيح مسلم 2/835 برقم 1177 كتاب الحج/ باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه.
    [9] صحيح البخاري 2/76 برقم 1267 كتاب الجنائز/ باب: كيف يكفن المحرم؟. صحيح مسلم 2/866 برقم 1206 كتاب الحج/ باب ما يفعل بالمحرم إذا مات.
    [10] الشرح الممتع 7/140.
    [11] المغني 3/299.
    [12] السنن الكبرى 5/92 برقم 9105.
    [13] ينظر: الحاوي الكبير 4/111.
    [14] ينظر: شرح العمدة 2/88.
    [15] المبسوط 4/123, بدائع الصنائع 2/191, حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/59-60, شرح زروق على متن الرسالة 1/550, الحاوي الكبير 4/108, الإنصاف 3/473.
    [16] سبق تخريجه.
    [17] النوازل في الحج للشلعان ص: 205.
    [18] المصدر السَّابق.
    [19] ينظر: المبسوط 4/123, بدائع الصنائع 2/191, النوازل في الحج ص: 206.
    [20] ينظر: الحاوي الكبير 4/111.
    [21] ينظر: النوازل في الحج ص: 206.
    [22] الشرح الممتع 7/139-140.






    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم

    بارك الله فيك وفي نقلك.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو وليد البحيرى

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,746

    افتراضي رد: ضوابط الطّيب المحرَّم على المحرِم

    وفيكم بارك
    احسن الله اليكم

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •