من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,367

    افتراضي من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا

    لا يُنكِر أحد أن الغرب قد استفاد من مجهودات المسلمين في علم الجغرافيا عامة أيَّما استفادة.. إلا أن (أطلس الإسلام) أو الخرائط الإسلامية كانت في مقدمة مظاهر التأثير الإسلامي المباشر في الحضارة الغربية.
    حيثما تأملت في فروع علم الجغرافيا فسترى بصمات واضحة للعلماء المسلمين الذين سعدت الدنيا بإنجازات حضارتهم، واستقرت بديهيات العلوم المختلفة بحسن اعتمادهم على الله في توظيف طاقات العقول وإمكانات البحث والتجريب والمشاهدة..
    وستتوقف بنا السطور القادمة أمام بعض الإنجازات المبهرة التي سبق إليها المسلمون في الجغرافيا، والتي تُشكِّل معالم فارقة في مسيرة هذا العلم عبر التاريخ الإنساني القديم والحديث على حد سواء..
    خطوط الطول وخطوط العرض:
    يعدُّ المسلمون أول من وضع خطوط الطول وخطوط العرض على خريطة الكرة الأرضية وضعها العالم أبو علي المراكشي (ت 660هـ - 1262م) وذلك لكي يستدل المسلمون على الساعات المتساوية في بقاع الأرض المختلفة للصلاة..
    كما وضع البيروني قاعدة حسابية لتسطيح الكرة أي نقل الخطوط والخرائط من الكرة إلى سطح مسطح وبالعكس.. وبهذا سهل رسم الخرائط الجغرافية.
    قياس محيط الأرض:
    كان أول من قام بمحاولة قياس أبعاد الكرة الأرضية الخليفة العباسي العالم المأمون (ت: 218هـ- 833م)، فقد جاء بفريقين من علماء الفلك والجغرافيا فريق برئاسة: سند بن علي، وفريق بقيادة: علي بن عيسى الإسطرلابي -ويقال إن رئاسة أحد الفريقين كانت لبني موسى بن شاكر-، واتفق معهما أن يذهبا إلى بقعتين مختلفتين على الدائرة العظمى من محيط الأرض شرقًا وغربًا، ثم يقيسا درجة واحدة من المحيط.
    وقد اختار كل فريق بقعة واسعة مسطحة، وركز في مكانٍ منها وتدًا، واتخذ النجم القطبي نقطةً ثابتةً، ثم قاس الزاوية بين الوتر وبين النجم القطبي والأرض، ثم سار شمالاً على مكان زادت فيه تلك الزاوية، وقاس كل فريق المسافة بين الوتدين وكانوا يقيسون المسافات على الأرض بحبال يشدونها على الأوتاد..
    والعجيب أن النتائج جاءت دقيقة إلى حدٍّ بعيد؛ فقد توصَّل الفريق إلى أن محيط الأرض يساوي (66 ميلاً عربيًّا) وهو ما يعادل (47.356 كم) لمدار الأرض، وهي نتيجة مقارِبة جدًّا للطول الحقيقي لمدار الأرض والذي عُرِف حديثًا وهو حوالي (40.000 كم) تقريبًا!! أي أن نسبة الخطأ في هذا القياس العباسي لم تصل إلى (2%)..!! وهو أمر جدير بالتقدير.. ثم جاء (البيروني) فقام بتجربة جديدة على أساس مختلف.. بقياس الانخفاض الرأسي من قلل الجبال في الهند، فجاءت شبيهة بأرقام فلكيي المأمون فأثنى عليهم. ويقول المستشرق (نللينو) في كتابه (علم الفلك عند العرب): إن قياس العرب للكرة الأرضية هو أول قياس حقيقي أُجري كله مباشرة مع كل ما تقتضيه تلك المسافة الطويلة وهذا الفريق الكبير من العلماء والمساحين العرب فهو يعد من أعمال العرب المأثورة وأمجادهم العلمية.
    دوران الأرض حول نفسها:
    في الوقت الذي كان العالم لا يتخيل فيه أن الأرض كرة لم يكن هناك من يناقش مسألة دوران الكرة حول نفسها؛ ولكن ثلاثة من علماء المسلمين كانوا أول من ناقش فكرة دوران الأرض في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري) وهم: علي بن عمر الكاتبي، وقطب الدين الشيرازي من الأندلس، وأبو الفرج علي من سوريا.
    فقد كان هؤلاء الثلاثة أول من أشار في التاريخ الإنساني إلى احتمال دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة كل يوم وليلة، ويقول سارتون في كتابه (مقدمة في تاريخ العلم): إن أبحاث هؤلاء العلماء الثلاثة في القرن 13 لم تذهب سدى بل كانت أحد العوامل التي أثرت على أبحاث "كوبرنيكوس" في نظريته التي أعلنها سنة 1543م. علم الخرائط: لا يُنكِر أحد أن الغرب قد استفاد من مجهودات المسلمين في علم الجغرافيا عامة أيَّما استفادة.. إلا أن (أطلس الإسلام) أو الخرائط الإسلامية كانت في مقدمة مظاهر التأثير الإسلامي المباشر في الحضارة الغربية. فقد تخطَّف الغرب مؤلَّف الإدريسي (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، وقاموا بطباعته طبعات كثيرة ومختلفة، حتى ظل هذا الكتاب مصدرًا أساسيًّا لدارسي الجغرافيا الأوروبيين على مدار أكثر من أربعة قرون!!.. صمم الإدريسي خريطته على الطريقة العربية في ذلك الوقت، حيث بدأ بالجنوب في أعلى الخريطة, ثم انتقل إلى الشمال في أسفلها.. كما تتكون مخطوطة الخريطة من 70 ورقة (33×21سم) تصل إلى نحو خمسة أمتار مربعة. وقد قام العالم الألماني (كونراد ميلر) بنشر نسخة مُلَوَّنة منها سنة 1928م, بعد أن بذل مجهودًا خارقًا من أجل تجميع أجزائها المختلفة، وترجمة الأسماء العربية إلى الألمانية... ثم اهتمَّ المجمع العراقي بهذا الكتاب؛ فعمل باحثوه على مراجعة وتدقيق كل النسخ الموجودة في العالم، وأخرجوا خريطة الإدريسي وطبعوها سنة 1951م وهي بطول مترين وعرض متر واحد..
    تصحيح أخطاء السابقين:
    وبين يدينا الآن شهادة لمؤرخ غربي مشهور هو :جوستاف لوبون الذي ستؤكد كلماته ما سبق بخصوص تفوق المسلمين في مجال الخرائط، إلى جانب أنها ستضيف إلى عظمة إسهامات المسلمين في الجغرافيا بُعدًا جديدًا بالغ الأهمية. يقول جوستاف لوبون: "يكفي أن نشير إلى ما حققه العرب في الجغرافيا لإثبات قيمتهم العالية؛ فالعرب هم الذين عيَّنُوا بمعارفهم الفلكية مواقع الأماكن تعيينًا مضبوطًا في الخرائط، فصححوا بذلك أغاليط علماء اليونان، والعرب هم الذين نشروا رحلاتهم الممتعة عن بقاع العالم التي كان يشك الأوربيون في وجودها، والعرب هم الذين وضعوا الكتب الجغرافية التي جاءت ناسخة لما تقدمها، فاقتصرت أمم الغرب عليها وحدها قرونًا كثيرة..."
    فالروعة والإنجاز لا يتجسدان فقط في الجديد الذي قدَّمه الجغرافيون المسلمون للعالم؛ وإنما يتجسد الإنجاز وتتجلى الروعة كذلك في التصويب والتعديل الذي عاد به عباقرة الجغرافيين المسلمين على التراث الجغرافي اليوناني. لقد وقع بطليموس!!
    وعلى الرغم من براعته المعروفة في العديد من الأخطاء عند تحديد الأطوال والأعراض:
    خريطة بطليموس:
    من ذلك أنه بالغ كثيرًا في تحديد طول البحر المتوسط. وبالغ في تحديد امتداد الجزء المعمور من الأرض المعروف له.
    وجعل المحيط الهندي والهادي بحيرة!!! وذلك عندما وصل جنوبي آسيا بجنوبي أفريقيا.. وبالغ في تحديد حجم جزيرة "سيلان".. وأخطأ في وضع بحر قزوين والخليج العربي خطأً فاحشًا... صحح المسلمون كل هذه الأخطاء وغيرها، ولم يأخذ الغرب هذه التعديلات إلا عنهم.. ومن هنا يتجلى دور المسلمين في إنقاذ الدراسات الجغرافيَّة من التشوُّهات العلمية والمنهجيَّة.. كما رأينا من قبل دورهم في إنقاذها من بطش السلطة الكنسيَّة الغاشم.
    وقد بدأت تلك المسيرة التصحيحية منذ عهد الخليفة المأمون (ت: 218هـ - 833م)؛ فقد أسدت الخريطة المأمونية -التي أمر علماء عصره بتنفيذها- إلى الحضارة الغربية فضلاً عظيمًا رغم ضعف إمكانات المسلمين من حيث الأجهزةُ الجغرافيةُ في ذلك العصر، وقام المسلمون بإدخال الكثير من التعديلات الهامة على خريطة بطليموس، وحسنوها وأضافوا إليها الكثير من التصحيحات الجوهرية.
    الخريطة المأمونية:
    وقد أقبل الغرب على عطاء الجغرافيين المسلمين بشغف واهتمام بالغين؛ فلم يكن الأوروبيون حتى بداية القرن الخامس عشر يرجعون إلا إلى الجغرافيا الإسلامية كما يقرر (كراتشكوفسكي)، وقد ظلت الكارتوغرافيا الأوروبية (علم الخرائط) تعتمد على خارطة الإدريسي حتى قبيل القرن الخامس عشر الميلادي..
    خريطة الإدريسي:
    وإجمالاً فإنه منذ وقت الإدريسي 1150م إلى حوالي 1450م، استمدت الجغرافيا الأوروبية رأسًا من الجغرافيا الإسلامية، إلا أن تحوُّلاً عنصريًّا أصاب الفكر الأوروبي فيما بين 1450م إلى 1550م، فنهضت حملة ضد المسلمين لا أساس لها من العلم، وأسفرت عن تحول الجغرافيين الأوروبيين إلى جغرافيا بطليموس!!!..
    ولما كان استمرار هذا الأمر غير منطقي فقد اضطر العلماء ثانيةً إلى هجر بطليموس. الحق أن إسهامات المسلمين في الجغرافيا محيط واسع، ربما بقدر سعة الآماد المذهلة التي بلغتها رحلات علمائهم الاستكشافية برًّا وبحرًا... وهو الجانب الذي ستحاول الصفحات القادمة الوقوف بنا أمامه..

    رابط المادة:
    http://iswy.co/evr73
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,367

    افتراضي

    لماذا أبدع المسلمون في علم الجغرافيا؟

    أ.د. راغب السرجاني


    12:00-2009/01/14

    ملخص المقال

    مع أن المسلمين لم يكونوا أول من درس علم الجغرافيا إلا أنهم – بلا جدال - كانوا أول من أبدع فيه، فلماذا أبدع المسلمون في علم الجغرافيا؟



    [COLOR=#000000][FONT=ge_ss_two_light][CENTER]تتكوَّن كلمة (جغرافيا) يونانية الأصل من مقطعين هما: جيو (Geo) بمعنى: "أرض".. و: غرافيا (Grophia) التي تعني: "وصف".. ومن ثم جاء التعريف الاصطلاحي لعلم الجغرافيا معبرًا عن مقتضيات "وصف الأرض"؛ فهو: "علم يُتَعَرَّفُ منه أحوال الأقاليم (القارات) السبع الواقعة في الربع المسكون من كرة الأرض، وعروض البلدان الواقعة فيها، وأطوالها وعدد مدنها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها... إلى غير ذلك من أحوال الربع المعمور".
    وتعتبر كلمة الجغرافيا حديثة بعض الشيء في الاستخدام العربي؛ حيث كان العرب والمسلمون يستعملون بدلاً منها مصطلحات مثل: صورة الأرض، أو قطع الأرض، أو خريطة العالم والأقاليم، أو علم المسالك والممالك، أو علم تقويم البلدان أو علم الطرق.ومع أن المسلمين لم يكونوا أول من درس علم الجغرافيا إلا أنهم – بلا جدال - كانوا أول من أبدع فيه، وسنتعرض في مقالات قادمة إن شاء الله لحركة تطور علم الجغرافيا وإسهامات المسلمين فيه، كما سنتعرف أيضاً على بعض العلماء الأجلاء الذين أثروا ذلك العلم بما لا يتخيل من إبداعات، وبخاصة عند النظر إلى الإمكانيات الضئيلة التي كانت متاحة لهم في أزمانهم... ولكننا نريد في هذا المقال أن نضع أيدينا على الأهداف التي من أجلها اهتم المسلمون بعلم الجغرافيا إلى هذه الدرجة.لم يكن ظهور علم الجغرافيا لدى المسلمين وليد صدفة، وإنما كان هناك عوامل وأسباب عدة أسهمت في ظهوره ونمائه، نذكر منها ما يلي:
    1- انتشار الإسلام: فقد اقترن الفكر الجغرافي لدى المسلمين بانتشار الإسلام في أنحاء شتى من العالم القديم في قاراته الثلاث، وترتب على ذلك اختلاف خصائص البيئات التي سادها الدين الإسلامي؛ مما أوجد حاجة ماسة لمعرفة وجمع معلومات متخصصة عن تلك البيئات.
    2- التدبر في خلق الله: حيث جاء القرآن الكريم ببيان كثير من الظواهر التي أودعها الله في الأرض، قال تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}، وقوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ.. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}، وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُ مْ مَاءً فُرَاتًا} .. وهكذا. ولقد تدبر رواد الجغرافيا المسلمون هذه النصوص المحفزة على النظر في عظمة خلق الأرض ومكوِّناتها؛ مما كان له أكبر الأثر في إثراء الدراسات الجغرافية في الحضارة الإسلامية.
    3- المتطلبات الشرعية: فقد اعتمدت جل أركان الإسلام في أدائها على مواقيت زمنية ومكانية، وبما أن بقاع الأرض تختلف في مواقيتها الزمنية والمكانية فقد كانت هناك ضرورة لأن يهتم علماء كل ولاية إسلامية بتوضيح هذه الأمور لعامة الناس؛ فالصلاة تقام في أوقات زمنية محددة؛ ولذلك وضع علماء المسلمين في كل قطر إسلامي حدودًا زمنية لإقامة الصلاة، وما تزال الأدوات التي تقاس بها مواعيد الصلاة موجودة في بعض المساجد القديمة، وتسمى بالساعات الشمسية، وكان الاعتناء بذلك ناتجًا عن أن دخول الوقت شرط لإقامة الصلاة، كما أن الصلاة تستقبل فيها جهة محددة وهي الكعبة في مكة، ولذلك وجب معرفة الاتجاهات الجغرافية لتحدد قبلة الصلاة في كل مدينة أو قرية..ولم تختلف الحال كثيرًا في الصيام الذي حُدد أداؤه بحدود شهرية وحدود يومية.. وكذلك ارتبط الحج والعمرة بمواقيت مكانية للإحرام وهي مختلفة في أبعادها من مكة حسب الجهات التي يأتي منها المسلمون لأداء الفريضة، وكان ضروريًا معرفة تلك المواضع التي يتم إحرام الحجاج والمعتمرين منها حتى لا يترتب عند تجاوزها مخالفة شرعية تؤثر على صحة العبادة.. إلى جانب أن الحج يرتبط بميقات زمني محدد: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" وهي التي تتركز حول شهر ذي الحجة؛ لأن الحج مرتبط بالوقوف بعرفة في يوم التاسع من شهر ذي الحجة، فمن فاته الوقوف بعرفة - كما هو معلوم - فقد فاته الحج، وهكذا..
    4- تفسير ما ورد من نصوص شرعية: أسهمت بعض النصوص الشرعية التي وردت في السنة في تنشيط المعرفة الجغرافية في محاولة لتفسير تلك النصوص، من ذلك ما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا".. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه مالك في الموطأ: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"، وقوله الذي رواه البخاري عن ابن عباس: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"... فتلك النصوص وما شابهها أظهرت حاجة ملحة في بيان المقصود من ذلك؛ لتحقيق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أوجدت وجهات نظر جغرافية في التحديد، فالنصوص السابقة مثلا جعلت من تحديد جزيرة العرب محل اختلاف بين العلماء الجغرافيين، حتى إنه ورد فيه أربعة آراء، منها ما هو متسع كتحديد ابن حوقل والإصطخري، ومنها ما هو ضيق كتحديد المقدسي والجيهاني، وظهرت مصنفات هامة مثل (صفة جزيرة العرب) للهمداني، و(بلاد العرب) للحسن بن عبد الله الأصفهاني.
    5- الدعوة إلى الله وتعلم أمور الدين: بعد فتح البلاد الإسلامية أصبحت هناك حاجة ملحة لتعلم شرائع الدين، حيث قام عدد من التابعين بالسفر إلى البلاد المفتوحة لتعليم أبنائها أمور الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه قام أفراد من سكان تلك البلاد بطلب العلم من المنابع التي ظهر فيها الإسلام سواءً في مكة أو المدينة؛ لما تتمتع به المدينتان من وجود كبار الصحابة والتابعين، وكانت تلك الرحلات الدعوية أو العلمية تستلزم المعرفة بالمسالك المؤدية للمناطق المقصودة، كما أن أساليب الدعوة في بيئة ما لا يمكن أن تصلح في كل بيئة، ومما أسهم في تيسير الاتصال الدعوي الموقع الجغرافي لموطن الرسالة، فقد أثبتت الدراسات الجغرافية الحضارية لمنطقة الشرق العربي أن موقعها الجغرافي كان وما يزال متوسطًا في العلاقات الإقليمية والعالمية، ولذا أسهم بدور الوساطة التجارية من جانب وبدور الدعوة والبلاغ من جانب آخر.
    6- المتطلبات الإدارية والعسكرية: نمت الدولة الإسلامية وبلغت حدودها من الصين شرقًا حتى الأندلس (أسبانيا) غربًًا في غضون سبعين سنة تقريبًا، وكان هذا النمو حصيلة فتوحات في ثلاث خلافات إسلامية (الخلافة الراشدة، والخلافة الأموية، والخلافة العباسية). ويتطلب التوسع في الدولة مراعاة أمور ترتبط بهذا التوسع.. منها:
    أ- إدارة المناطق: فعندما أصبح الأمر في معظم أصقاع العالم القديم تحت إمرة الخلافة الإسلامية كان من الأولويات التي اهتُمَّ بها الكيفية التي تتم بها إدارة المناطق بما يتفق مع الإمكانات البيئية والخصائص الاجتماعية لكل قطر، وكان الأمر يتم بدراسة التقارير الوصفية (الجغرافية) الأولية من قِبل الفاتحين لتحديد الطريقة المثلى لإدارة تلك الأقطار، وتعد تلك التقارير بمثابة النواة الأولى لتطور اتجاهات الدراسات الإقليمية.
    ب- الالتزامات المالية: نظم الدين الإسلامي جباية المال عبر أبواب متعددة؛ فجباية الزكاة تتعين على الموسرين من المسلمين، ويقدر الخراج حسب مقدار غلة الأرض، وهو ما يختلف باختلاف البيئات التي بسط الإسلام تعاليمه السمحة عليها، بينما تؤخذ الجزية على أهل الذمة الداخلين في حمى الولاية الإسلامية، ومثال ذلك ما قام به المقدسي من تحديد للأقليات غير المسلمة في إطار الممالك الإسلامية.
    ج- تلبية احتياجات المناطق من المتطلبات المهمة: تقترن عمليات توفير الاحتياجات للمناطق بالمعرفة الجغرافية التي تحدد الأولوية في تقديم المتطلبات لسكان الولايات الإسلامية؛ فمثلا بناء الطرق وتسهيلها من المتطلبات العامة التي تكفلت بها الخلافة، ومما روي من الاهتمام بذلك ما أناط عمر بن الخطاب به نفسه بقوله: "لو أن بغلة عثرت في أرض العراق لكنت مسئولاً عنها: لِمَ لَمْ أسوِّ لها الطريق؟"، كما رغب معظم الخلفاء في معرفة الممالك التي أصبحت تحت إدارتهم من ذلك ما قام به الخليفة عمر بن عبد العزيز من الكتابة إلى واليه في الأندلس يطلب منه فيها موافاته بصفة الأندلس وأنهارها، وفي هذا بيان لأهمية الاتجاه الإقليمي للجغرافية في إدارة شؤون الدولة، والتعرف على أحوالها والتخطيط لمستقبلها.
    د- تحديد المناطق المثلى لإنشاء خطوط الدفاع عن الدولة الإسلامية: تميزت دولة الإسلام إبان نشأتها بالقوة والمنعة إلا أن ذلك لم يمنع من التفكير في الذود عن الأمة الإسلامية - التي يتربص بها أعداؤها حالة ضعفها، أو انشغال المسلمين عن الجهاد في سبيل الله - بإيجاد بعض النقاط التي تكون مراكز للدفاع عن الأراضي الإسلامية، وقد تم اختيار بعض المعابر الأرضية (الثغور) بين ممالك الإسلام والممالك غير المسلمة نصرانية كانت أم لا دينية؛ لتكون مصدات لهجوم الأعداء، وكان اختيار هذه المعابر يأتي عبر معرفة جغرافية دقيقة بطبوغرافية المكان. كما ابتكر القادة نقاط إمداد عسكرية شبه ثابتة - في حالة الحاجة إلى استنفار أكبر عدد ممكن من المسلمين للجهاد أو صد هجوم المعتدين- ببناء المدن الحربية في مواضع مختلفة.. وما البصرة والكوفة والقيروان إلا نماذج للمدن الحربية؛ فقد اختير موقع مدينة كالقيروان بعناية من قِبل القائد المسلم عقبة بن نافع في الجزء الهامشي من المنطقة الرطبة وعلى مقربة من المنطقة الجافة وعند ملتقى طرق تتجه في جميع الاتجاهات مع اهتمام بوجود ينابيع مائية تكفل نمو المدينة، وفي هذا بيان لأهمية الموقع الجغرافي في الاتجاه العلمي للمتطلبات التي تحتاجها الدولة الإسلامية.
    7- الدوافع الاقتصادية: حقق التبادل التجاري تنشيطًا للمعرفة الجغرافية عند المسلمين قدر ما حققه انتشار الإسلام في أرجاء واسعة من العالم؛ فالتجارة هي الحرفة الرئيسة للمجتمعات العربية حيث ارتبطت مدن الصحراء بالمناطق الزراعية، وكوَّن تجار المسلمين بعد انتشار الإسلام خلفية واسعة عن البلاد المحيطة بهم عبر علاقات تجارية، وجعلت التجارة المعطيات الجغرافية أعظم بكثير مما كانت لدى أسلافهم من الأمم الأخرى، ووضعتها تحت تصرفهم فوسعت أفق الجغرافيِّ؛ مما جعله يكتب عن مناطق لم يرها وإنما سمع عنها فقط من التجار، ولقد تعددت العلاقات التجارية التي كان من أبرزها تلك العلاقات مع الهند وجنوب شرق آسيا والصين وأفريقيا وأوربا، ولهذا العامل تأثير في بناء أساسيات الجغرافية التجارية لدى العلماء المختصين.كانت تلك هي أبرز الدوافع التي من أجلها اهتم المسلمون بعلم الجغرافيا، ومن الجدير بالذكر أن هذا الاهتمام كان على مستوى الخلفاء والعلماء على حد سواء؛ فبينما أنفق الخلفاء بسخاء على الحركة العلمية، وقاموا بإنشاء صروح علمية هائلة كبيت الحكمة في بغداد، وعملوا على تنشيط حركة الترجمة للاستفادة من جهود الأمم السابقة... كرَّس العلماء حياتهم وفكرهم ووقتهم ومالهم لخدمة هذا العلم الهام، فظهر ما يعرف في التاريخ بالرحلات. وهي الأسفار الطويلة والقصيرة التي قام بها العلماء في كل أرجاء المعمورة لدراسة أحوال الأرض، وأدت بنجاح إلى تفوق الجغرافيا الوصفية، كما أسهمت في تطور الجغرافية البلدانية (الإقليمية)، حيث كانت الرحلة هي المصدر العلمي لهذا النوع من الكتابات الجغرافية، وتمثل الرحلة الوجه المشرق للجغرافية الإسلامية، ففي بطونها معين لا ينضب من المعلومات التاريخية والاقتصادية والأنثروبولوجية لمعظم مناطق العالم الإسلامي، وقد اعتمد كبار الجغرافيين المسلمين على الرحلة في جمع معلوماتهم، أو التأكد مما سمعوه أو نقلوه، فزاروا معظم البلدان التي كتبوا عنها، وألفوا كتبًا تحدثوا فيها عن رحلاتهم؛ عرف الناس من خلالها أجزاء كثيرة من العالم كانت مجهولة من قبل.سنتعرف في المقال القادم بإذن الله على جانب من الإنجازات الهائلة التي حققها علماء المسلمين في الجغرافيا...ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُعزَّ الإسلام والمسلمين.
    [FONT=traditional arabic][SIZE=5][COLOR=#ff0000][video]https://islamstory.com/ar/artical/27721/لماذا_أبدع_المسل مون_في_علم_الجغر
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    867

    افتراضي

    ********
    بارك الله فيك أخى أبو البراء .. لهذا البيان عن علماء المسلمين وفضل علومهم على الشرق والغرب ..
    ونحن للأسف لم نستفد منها .. ولم نجلها ونعطها حقها ..
    ...
    " البيرونى " : هو المؤسس الأول لعلم الجيولوجيا وهو صاحب النظريات التى مرت بها الأرض خلال الأحقاب الجيولوجية وماحفظته طبقات الصخور من صفحات وسجلات .
    يعتبره الغرب هو أعظم عقلية فى التاريخ .. لإنجازاته المبهرة فى مختلف فروع العلم .. له تمثال فى دولة إيران . وفى المتحف الجيولوجى بجامعة موسكو .
    و " الإدريسى " : هو أول جغرافى قام برسم خريطة للعالم ..
    ...

    ولقد أخذ العالم " كوبرنيكس " علمه عن : " البيرونى والإدريسى " .. وأثبت صحة ما ذكره وبينه علماء الإسلام ..
    وقال بأن الأرض تدور حول نفسها ونتيجة الدوران يحدث تعاقب الليل والنهار وأن الشمس تدور حول الأرض كل عام ومن هذا الدوران تحدث الفصول الأربعة .. فقامت الكنيسة بمحاكمته وإحراق كتبه ..
    فلقد كان رجال الدين أو الكنيسة " ومازالوا " :

    يملون على الحكام بنفى أىٍ من العلماء إن أعلن أحد منهم فى أبحاثه تناقض واختلاف نصوص الإنجيل أو التوراة ..
    بل وقتلهم ووأْدهم إن أثبتوا فى كتبهم تعارض ماتم تحريفه مع الحقائق الكونية أو الدينية أو العلمية ..
    ولقد ابتدعوا باسم الدين وبدعوى التفويض الإلهى وأعطوا لأنفسهم
    الحق فى منح " صكوك الغفران " لشعوبهم فى دخولهم الجنة أو نجاتهم من النار ..
    وزعموا أنهم هم ظل الله فى أرضه وأنهم يملكون رضا الرب عنهم بالصفح
    أو الحرمان ..
    يقول المفكر الفرنسى روجيه جارودى :
    ( إن الفتوحات الإسلامية كانت حركة تحرير كبرى للإنسان والأوطان من الظلم والقهر ومن ممارسة الكنيسة على شعوبها وأنه لولا هذه الفتوحات ما كانت أوروبا لتنعم بأنوار الحضارة التى سطعت عليها ) .
    ****
    ولكم كل التحية والتقدير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,367

    افتراضي رد: من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السعيد شويل مشاهدة المشاركة
    ********
    بارك الله فيك أخى أبو البراء ..
    ولكم كل التحية والتقدير
    وفيكم بارك الله، آمين.
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,761

    افتراضي رد: من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا

    جزاكم الله خيرا استاذنا الفاضل
    اعتقد هذا الموضوع مكانه لوسمحتم هذا القسم

    مجلس السيرة النبوية والتاريخ والتراجم



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,367

    افتراضي رد: من إنجازات المسلمين في علم الجغرافيا

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو وليد البحيرى مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا استاذنا الفاضل
    اعتقد هذا الموضوع مكانه لوسمحتم هذا القسم

    مجلس السيرة النبوية والتاريخ والتراجم

    وجزاكم، آمين
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •