شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 31

الموضوع: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - تعريف الصيام في اللغة والشرع وحكمه

    للشيخ : ( أحمد حطيبة )



    (1)


    لقد حكم الله على عباده بوجوب صوم رمضان، وبين لهم أن الصيام سبب للتقوى، وأخبرهم بأن الصوم كان مفروضاً على الذين من قبلهم من القرون الماضية، والأمم السالفة، وقد بين العلماءمعنى الصيام وحكمه وأحكامه، فعلى كل مسلم أن يتعلم أحكام الصيام ولو بالجملة؛ ليعبد الله على علم وبصيرة، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
    تعريف الصوم في اللغة والغاية العظمى منه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.نبدأ من هذه الليلة إن شاء الله في شرح كتاب الصيام وأعمال شهر رمضان، فإننا نحتاج إلى معرفة هذه الأحكام فنقول: لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام، وجعله ركناً من أركان الإسلام، وذكر الله عز وجل في كتابه أحكاماً تفصيلية للصيام في خمس آيات من سورة البقرة، من قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، إلى قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ [البقرة:187]، فالصيام فريضة فرضها الله عز وجل علينا، وفرضها على الأمم من قبلنا، فهو تهذيب للنفوس، وشعور يجعل المؤمن يشعر بحاجة الفقير والمسكين إلى الطعام والشراب، فالصوم يهذب نفسه، ويجعله يرحم غيره من الخلق، ويقربه من الله سبحانه وتعالى، ويعينه على العبادة، فالمسلمون في هذه العبادة يصومون في شهر واحد، ويقومون في هذا الشهر في صلاة التراويح معاً، ويتعاونون على البر والتقوى، وعندما يأتي وقت زكاة الفطر يخرجون الزكاة معاً في وقت محدد من أواخر هذا الشهر قبل يوم العيد، فالمسلمون في هذا الشهر يجتمعون على أنواع من الطاعات والقربات، من صيام وصلاة وقيام وإطعام للفقراء وإخراج للزكاة، وهذا يؤلف بين قلوب الجميع من الفقراء والأغنياء، والكبراء والمتواضعين، وغير ذلك من الحكم الظاهرة من وراء هذا الصيام العظيم.والأصل في الصيام معناه اللغوي، وقد جاءت الشريعة بالصيام على معناه اللغوي، ثم أعطت له معنى شرعياً لا يخرج عن معناه اللغوي، فقيدته بقيود، فالصيام لغةً: الإمساك، فإن أمسك عند الطعام والشراب سمي صائماً، وإن أمسك عن الحركة أو الكلام سمي صائماً، لكن الشريعة قيدت المعنى اللغوي للصيام بالمعنى الشرعي. إذاً: الصوم في اللغة بمعنى: الإمساك، فكل إمساك يطلق عليه صيام، فيقال: صام إذا سكت، وصامت الخيل إذا وقفت ولم تتحرك، قال الله عز وجل لمريم عليها السلام: فَإِمَّا تَرَيِنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26]، ما هو هذا الصوم؟ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، فهو صوم عن الكلام، قال ابن عباس : معنى قوله تعالى: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] أي: سكوتاً وصمتاً. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : كل ممسك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم. وقال النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فصائمة أي: لا تتحرك، وتحت العجاج أي: تحت التراب والغبار، تعلك اللجما أي: تحرك أفواهها وكأنها تنظر إلى اللجام المعقود عليها. وقال الخليل : الصيام: قيام بلا عمل، والصوم: الإمساك عن الطعام، وصام الفرس أي: قام على غير اعتلاف، وصام النهار أي: إذا قام قائم الظهيرة واعتدل، يعني: بأن توسطت الشمس في كبد السماء واستقامت، والصوم أيضاً: ركود الريح، يقال: صامت الريح: إذا ركدت ولم تتحرك.


    ويطلق الصيام كذلك على السياحة، والسياحة: أن يسافر الإنسان من بلد إلى بلد آخر بحثاً عن مكان يتعبد الله فيه، فيسمى الصائم سائحاً، وقد تتبع العلماء النصوص فيجدوا أن الله عز وجل إذا ذكر الصيام لم يذكر السياحة، وإذا ذكر السياحة لم يذكر الصوم، وذلك في معرض الحديث عن العبادات، قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، فذكر الصوم ولم يذكر السياحة، وقال سبحانه: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة:112]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وكأنه أبدل الصوم بكلمة السائحين، وقد قال أهل التفسير: السياحة هنا بمعنى: الصيام، فهو داخل في عموم المعنى اللغوي للسياحة: وهو السفر من بلد إلى آخر بحثاً عن مكان يتعبد الله فيه. وقال في سورة التحريم لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وهذا دليل على أن السياحة هنا بمعنى: الصيام، يقول الزجاج : السائحون في قول أَهل التفسير واللغة جميعاً: الصائمون. وإنما قيل للصائم: سائح؛ لأن المتعبد يسيح في الأرض ولا زاد معه، فهو لا يهتم كثيراً بطعام أو شراب، فتراه لا يطعم إلا إذا وجد الزاد، وكذلك الصائم فهو لا يطعم أيضاً، فلشبهه بالسائح سمي سائحاً، هذا تعريف الصيام في اللغة.


    تعريف الصيام في الشرع
    الصيام في الشرع: هو الإمساك عما منعه الله عز وجل منه، وكان مباحاً له في الأصل، فيمسك عن شهوتي البطن والفرج، فشهوة البطن في الطعام والشراب، وشهوة الفرج في الجماع. ويصح الصوم من مسلم مميز، والمميز: من كان عمره سبع سنوات أو ثماني سنوات، فهو يميز بين الصواب والخطأ، ويفهم الأشياء وإن كان ليس فهماً كاملاً. إذاً: الصوم: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز، وإذا كان هذا الحكم في المميز فالمكلف من باب أولى. والفرق بين المميز والمكلف: أن المميز: هو الذي يعقل وإن لم يصل إلى درجة البلوغ، والمكلف هو البالغ العاقل، وهذا الأمر ينطبق كذلك على المرأة، فلابد أن تمسك عن شهوتي البطن والفرج إذا كانت مميزة، ونضيف لها شرطاً آخر إذا كانت بالغة مكلفة، وهو طهارتها من الحيض أو النفاس إذا كانت متزوجة، فإذا صامت المرأة المكلفة الحائض أو النفساء لم يصح منها الصوم، وكذلك المميزة إذا كانت حائضاً؛ وذلك لوجود مانع من موانع قبول هذا الصوم وهو: الحيض أو النفاس. إذاً: الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز أو مكلف، أو مسلمة مميزة أو مكلفة، بشرط أن تكون المكلفة طاهرة من الحيض أو النفاس، ويكون هذا الإمساك من طلوع الشمس إلى غروبها بنية التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].وقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، إلى أن قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فلك أن تأكل طوال الليل إلى أن يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فإذا ظهر الفجر حرم عليك الطعام والشراب إلى الليل، أي: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الصوم بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.


    حكم صوم رمضان
    صوم رمضان فرض واجب وركن من أركان الإسلام، والأصل في وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:183-185].إذاً: فقد فرض الله عز وجل صيام هذه الأيام في البداية، فجعل لهم شدة من وجه وتخفيفاً من وجه آخر، ثم بعد ذلك يسر الله سبحانه وفرض صوم رمضان على النحو الذي جاءت به الآية، يقول الحافظ ابن حجر في قول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]: (كتب) أي: فرض عليكم الصيام، والمراد بالمكتوب في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أي: مكتوب في اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، فقد كتب في اللوح المحفوظ أن عليكم صيام رمضان، قال: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].وقد اختلفوا في التشبيه الذي تدل عليه الكاف هنا، وما المقصود به؟ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، فإذا حملنا التشبيه هنا على الحقيقة فسيكون معناه: أن الصيام كان شهراً كاملاً على الذين من قبلنا، مثلما وجب علينا صيام شهر رمضان وإن تسمى باسم آخر، وإلا فالمقصود: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] أي: كصيامهم، فقد كتب عليهم الصيام، وهذا أيضاً محتمل، وإن كان الكثيرون من أهل العلم يرجحون فرضيته على السابقين شهراً كما فرض علينا، فإذا بهم يزيدون فيه وينقصون منه، وإذا بهم يأكلون ويشربون، ويزيدون في مدة الصيام بدعوى التعويض عن الفوائت، فإذا جاءهم شهر رمضان في أيام الحر مثلاً أخروه إلى وقت معين وعوضوا ما فاتهم منه، مع زيادة عشرة أيام مقابل هذا التأخير. قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، ثم ذكر لنا العلة فقال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، وكأن هذه العلة تشير إلى أنه كتب على الذين من قبلنا على سبيل الإصرار والتشديد عليهم، وقد قال جماعة من أهل العلم منهم معاذ وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الصيام لم يزل مشروعاً منذ عهد نوح. فالصوم عبادة لله عز وجل، وهو من ضمن العبادات التي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].إذاً: فكل من كانوا قبلنا كان مكتوباً عليهم الصوم بحسب ما فرض الله عز وجل عليهم، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184].


    بيان أن الصوم ركن من أركان الإسلام
    قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، الأيام المعدودات هي: أيام شهر رمضان، فمن شهد هذا الشهر بأن كان حياً مكلفاً قادراً لزمه صومه، وقد دلت السنة على فرضية صيام هذا الشهر، فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان). فهذه أركان الإسلام: فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي التوحيد والشهادة بالرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الركن هو أهم أركان الإسلام، أما الركن الثاني فهو أهمها بعد التوحيد، وهو إقام الصلاة، وقد أمر الله عز وجل به، أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً لما وجهه إلى اليمن أن يأمرهم بهذه الصلاة العظيمة بعد كلمة التوحيد، ثم يأتي بعد ذلك: إيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان. وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما: (أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئاً، فقال الرجل: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً، ثم أخبره عن شرائع الإسلام، فقال الرجل: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)، أو قال: (دخل الجنة إن صدق)، فعبر صلى الله عليه وسلم بـ (إن) الدالة على أنه قد يحدث الخبر، بخلاف ما لو أخبر بلو، فإنه حرف امتناع لامتناع، أي: يمتنع وقوع الجواب لامتناع الشرط، ولكن قال: (أفلح إن صدق)، ولكن أنى يكون للإنسان الصدق في ذلك؟! فإن كان للبعض فلن يكون للباقين؛ لأن الإنسان قد لا يأتي بالفريضة على الوجه الذي يرضى الله عز وجل عنه بها، فكل إنسان يعتريه في صلاة الفريضة السهو والخطأ، وقد يتأخر عنها وما إلى ذلك، أما أن يأتي بها كاملة فهذا بعيد، وعلى كل فقد أفلح من أتى بهذه الفرائض من غير النوافل إن صدق في إتيانها. وهذا دليل كذلك: على أنه لا فرض في الصوم غير فرض رمضان، إلا أن يكون بسبب آخر، كنذر ينذره الإنسان، أو كفارة من الكفارات التي لا تكون إلا بالصيام، فهذه فروض في الصوم بسبب آخر غير الأصل وهو صيام شهر رمضان.


    شرح حديث وفد عبد القيس
    في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله! نحن من ربيعة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا)، وكأن هذا الحي لم يزل على كفره إلى أن وفد وفد عبد القيس هذا، فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) يعني: آمركم بالإيمان بالله، قال: (وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد بيده) أي: أنه أشار بيده وكأنه يقول: فهذه واحدة، قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، فهذه الخصال الأربع التي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها. وقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) دليل على ما بعدها، وهي شهادة أن محمداً رسول الله، ويطلق على هاتين الشهادتين مسمى: كلمة التوحيد، ولم يذكر الحج في الحديث مع أنهم جاءوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فرض الحج؛ لأنهم لم يكونوا مستطيعين الحج، وإنما يجب الحج على من استطاع إليه سبيلاً. ثم زادهم فرضاً خامساً فقال: (وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم) فإذا جاهدتم في سبيل الله عز وجل وغنمتم فعليكم الخمس المذكور في سورة الأنفال في قوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، وهذا الخمس الخاص بالله سبحانه وتعالى يخرج قبل توزيع الغنائم، ثم يأخذ المجاهدون أربعة أخماس من المغنم فيما بينهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمقير أو المزفت)، وهذه أربعة أشياء يكون التخمر والفساد فيها سريعاً فنهاهم عنها، وإن كان بعد ذلك قد رخص لهم الشرب في جميع الأواني إلا أن يكون محرماً. قال: (أنهاكم عن الدباء)، الدباء: هو القرع، سواء كان القرع العسلي أو اليابس، فيعمد إلى هذا القرع فيفتح فيه فتحة بسيطة ويأخذ ما بداخله، فيصير كهيئة الإناء، فيطرح فيه النبيذ، والنبيذ: هو الشراب الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب، والنبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو الشيء المنبوذ الملقى بداخله، فإذا وضع التمر أو الزبيب داخل هذه القرعة أخذ في التخمر والتحول بسرعة كبيرة، فيصير خمراً، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: (والحنتم)، وهو: نوع من أنواع الجرار لها فم في جانبها، وكان لون هذه الجرار أخضر، والحنتم أو الحنتمة شيء واحد، يستعملونها كالأواني فيشربون فيها الخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك سداً للذريعة، ولئلا توسوس لهم أنفسهم بعد ذلك فيشربون الخمر. ونهاهم كذلك عن: (النقير)، والنقير: مأخوذ من النقرة، وهو أن يأخذ جذعاً ملقى على الأرض فينقر فيه نقرة فيجعله مجوفاً، فيضع فيه النبيذ ويغطيه، فيتخمر سريعاً فيشربه، فنهاهم عن ذلك أيضاً. ونهاهم كذلك عن: (المزفت أو المقير)، وهو الإناء المطلي بالقار أو الزفت، فعندما يوضع فيه النبيذ يسخن إلى أن يتخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أيضاً. فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم -أي: أسقية الجلود، وهذه الأسقية تأكلها الجرذان- فقال صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان). وهذا كان في البداية، حتى يمتنع الناس عن الخمر بتاتاً، فلما تعودوا على التحريم بعد ذلك أخبرهم أن الآنية لا تحل شيئاً ولا تحرمه، فاشربوا فيما شئتم غير ألا تشربوا مسكراً، فأصبح النهي عن هذه الآنية منسوخاً بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أنه قال: (كنت نهيكم عن الانتباذ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً).ففي البداية حرم النبي صلى الله عليه وسلم الانتباذ في الأسقية هذه سداً للذريعة؛ لأن الإنسان قد تستهويه نفسه فتجعله يشرب الخمر بعد أن كان نبيذاً، ثم لما تعود الناس على هذا الحكم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الآنية لا تحرم شيئاً ولا تحله، فنسخ الحكم السابق القاضي بالنهي فأجازها.


    الإجماع على وجوب صوم رمضان
    أجمع أهل العلم على وجوب صيام شهر رمضان، وقلنا: إن الصوم المشروع: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق المستطير إلى غروب الشمس، قال الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فلك أن تأكل في الليل وتشرب حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والمقصود بذلك: بياض النهار من سواد الليل، فإذا تبين ذلك فلا يجوز لك أن تأكل أو تشرب.قال ابن عبد البر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، وفي هذا الحديث دلالة على أن للفجر أذانين، أذان يؤذنه بلال ، وأذان يؤذنه ابن أم مكتوم ، وفي الحديث دليل على أن الخيط الأبيض: هو الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، فلا يوجد هناك سحور بعد الفجر، وهذا بدلالة الأحاديث والآيات، وكأنه يشير هنا إلى الخلاف الواقع في هذه المسألة، ولذلك سينقل لنا الإجماع بعد ذلك على أن الطعام والشراب وغيرهما مفطرات إذا طلع الفجر، ثم قال: إلا الأعمش وحده فقد شذ ولم يعرج أحد على قوله، وكأن الأعمش وحده يرى جواز الأكل والشرب حتى تطلع الشمس، أي: يرى جوازه في وقت الإسفار بين الفجر وطلوع الشمس!ثم قال: والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هو الذي دلت عليه الآية، قال ابن عبد البر: هذا قول جماعة علماء المسلمين.


    بيان الفجر الصادق والكاذب
    روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره)، والسحور: طعام السحور، وهو فعل الأكل، أي: الأكل في وقت السحر، قال: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم)، فقوله: (ليرجع)، هذا فعل لازم ومتعد، فيجوز أن ينصب (قائمكم) على المفعولية، أو يرفعه فيكون فاعلاً له، ولفظ الحديث بالنصب، قال: (ولينبه نائمكم، وليس له أن يقول الفجر أو الصبح، وقال بأصابعه هكذا، فرفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا)، وكأنه يريد أن يقول: إن الفجر الكاذب: ما كان ضوءً عمودياً من أعلى إلى أسفل، وأن الفجر الصادق ما كان أفقياً مستطيلاً في السماء. (ثم قال بسبابتيه إحداهما على الأخرى ثم مدها عن يمينه وشماله)، وإذا نظرت إلى هذا الفجر وجدته يبدأ نوراً أفقياً من المشرق إلى المغرب، ثم يبتدأ هذا الخيط من النور في الظهور شيئاً فشيئاً إلى أن تتغير السماء من الظلمة إلى اللون الأزرق أو اللبني، وهذا هو الإسفار، إذاً: فالفجر الصادق: هو النور المستطيل في السماء المبتدئ من المشرق إلى المغرب. وفي رواية: (وليس أن يقول الفجر أو الصبح -وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا بسبابتي إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله).وروى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير هكذا)، فلا تغتر بهذا البياض أو النور في السماء، بل البياض المعتمد في الفجر هو ما كان على امتداد الأفق، والأفق هو المكان البعيد الذي ينقطع إليه بصرك. فيقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح)، والعمود: هو الشيء النازل من أعلى إلى أسفل. يقول: (حتى يستطير) أي: حتى ينفرد عن الأفق كخيط أمامك، ولذلك قال الله عنه: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ [البقرة:187]. ولـأبي داود والترمذي من حديث طلق بن علي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم) أي: لا يزعجنكم، قال: (ولا يهيدنكم الساطع المصعد) يعني: الضوء الصاعد أو النازل بشكل طولي من السماء، قال صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)، وهو الخيط الأفقي الممتد من المشرق إلى المغرب، وليس الأحمر لوناً له، لكنه يكون محمراً عند أول ظهوره، ثم يصير خطاً ذهبياً أمام ناظريك، وهذا هو الخيط الأبيض المعبر عنه في القرآن الكريم. ولـابن أبي شيبة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفجر فجران: فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه ولكن المستطير)، وذنب السرحان: هو ذيل الثعلب، فهذا لا يحل شيئاً ولا يحرم شيئاً، بل الضوء المستطير الأفقي هو الذي يحرم الأكل والشرب، وهو الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب شيئاً، هذا إذا تبين لك الفجر الصادق، وإذا لم يتبين فالأكل والشرب والجماع مباح لك؛ لأن الله تعالى أباح الوطء أو الأكل أو الشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، فقال تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فلو تبين لك الفجر فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب أو تجامع، ولو كان في فمك ماء أو طعام لزمك أن تلفظه، وحرم عليك بلعه، قال الله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].


    جواز الأكل والشرب ما لم يتبين بزوغ الفجر الصادق
    روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)، فمنطوق الحديث يدل على جواز الأكل والشرب إلى أن ينادي ابن أم مكتوم ، ومفهوم المخالفة في الحديث يدل على عدم جواز الأكل والشرب بعد أذانه رضي الله عنه. قال: (وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت). يعني: طلع الصبح أو الفجر. وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، قلت: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، يعني: أنه فهم الآية على ظاهرها، فكان يأكل ويشرب حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود له، إذا أصابهما الضوء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض -أي: ضخم- إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، وهذا لفظ الإمام مسلم ، وفيه دلالة لما سبق، وأن من شك في طلوع الفجر فله أن يأكل ويشرب إلى أن يستيقن من طلوعه، ثم بعد ذلك يمسك، وقال ابن عباس: كل ما شككت حتى لا تشك، فتأخذ من هذه القاعدة أن كل ما جاء عن الصحابة في الأكل مع وجود الضوء محمول على أنهم شكوا في طلوع الفجر، فأكلوا حتى استيقنوا من طلوع الفجر، وهذا كان في عصرهم، أما الآن فقد توافرت لدينا الساعات، فإذا جاء وقت صلاة الفجر وجب علينا الإمساك عن جميع المفطرات. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أي: أطيلوا الصلاة في الفجر، حتى يرى بعضكم بعضاً بعد الصلاة، فهذا أول وقت الأسفار، وهو الوقت الذي تتلون فيه الشمس باللون الأزرق بعد أن كانت سوداء مظلمة، نتيجة لبداية ظهور الشمس على هذا الجزء من الأرض، فإذا ارتفعت الشمس عن الأرض قدر رمح لم يجز لك أن تصلي في هذا الوقت، وهذا التقدير تقريبي؛ وقد حرمت الصلاة في هذا الوقت لأن الشمس تشرق فيه على قرني شيطان، فتكون العبادة في هذه الساعة مصروفة للشيطان لا لله جل وعلا.


    حكم السحور بعد الأذان الثاني للفجر
    جاء عند أبي داود وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)، زاد أحمد: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر)، وقد قررتم فيما سبق أن من الواجب على الإنسان إذا سمع النداء وفي فمه شيء أن يلقيه ولا يبلعه، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ الجواب: قد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على جواز أكل ما في اليد والمؤذن يؤذن، والحديث محتمل لهذا المعنى، وقد ذكر ابن حزم رحمه الله هذا الحديث مع أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرى كثيرة ثم حمل هذا الحديث على الشك، فكأنه يجوز للمتشكك في طلوع الفجر أن يأكل ما بيده والمؤذن يؤذن، ونحن نخاف من أن نقول بهذا الحديث؛ لورود الاحتمالات عليه؛ ولأن الله عز وجل يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187] ولم يقل: حتى يتبين للمؤذن فقط، فكأنه يقول: يجب على الناس كلهم أن يستيقنوا بزوغ الفجر ودخول وقته، ما لم فليأكلوا ما بأيديهم حتى يستيقنوا من ذلك. أيضاً: جاء حديث عند النسائي وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السحور: (يا أنس ! إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً) أي: يريد أن يصوم تطوعاً صلى الله عليه وسلم قال: (يا أنس ! أطعمني شيئاً، قال: فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعدما أذن بلال)، وبلال كان يؤذن الأذان الأول، فقال: (يا أنس ! انظر رجلاً يأكل معي)، ولاحظ أنه كان بين الأذانين وقت قصير جداً، وقد ذكر: أنه ما كان بينهما من الوقت إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يتسحر لوحده، بل يريد أن يتسحر مع رجل آخر، قال: (فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إني قد شربت شربة سويق -وهو الشعير المخلوط بالماء- قال: وأنا أريد الصيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة)، فكأن زيداً تبين له الفجر فلم يأكل، ولم يتبين للنبي صلى الله عليه وسلم فأكل، ثم امتنع عن الأكل لما تبين له طلوع الفجر بعد ذلك، فهذا الحديث قد يوهم أنه أكل بعد الأذان الثاني وليس كذلك؛ لأنه قد نص في الحديث على أن مؤذن هذا الأذان هو بلال رضي الله عنه، وهو الذي كان يؤذن الأذان الأول، فاندفع الوهم، وارتفع الإشكال. قال ابن حزم في المحلى بعدما ذكر آثاراً كثيرة جداً عن الصحابة في هذا الشيء: وهذا كله محمول على أنه لم يكن تبين لهم الفجر بعد، وبهذا تتفق السنن مع القرآن. وقد كان ابن عباس في آخر حياته بعد أن عمي يسأل عن الفجر هل طلع أم لا؟ فإن قال أحدهم: نعم، والآخر: لا، قال: شككتما، ثم يأكل حتى يستيقن، وهذا هو رأي جمهور أهل العلم، والله تعالى أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (2)



    دين الإسلام دين يسر وسهولة، ليس فيه حرج، وقد فرض الإسلام الصيام خلال مراحل حسب ما تقتضيه قدرة الإنسان وطاقته، تخفيفاً وتيسيراً منه سبحانه وتعالى.ووعد الله على الصيام بالأجر الكثير، وجعل فيه فضائل كثيرة في الدنيا والآخرة، وجعل صوم رمضان من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه.
    تعريف الصيام


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا في الحديث السابق عن الصيام، وأنه ركن من أركان الإسلام، وأن الصيام لغة: بمعنى الإمساك.
    وشرعاً: بمعنى الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله، من مسلم مميز أو بالغ مكلف، أو من مسلمة مميزة أو بالغة مكلفة طاهرة من الحيض والنفاس.

    عدم وجوب صوم غير رمضان إلا ما كان بنذر أو كفارة أو غيره
    صوم رمضان هو الفريضة التي فرضها الله عز وجل، ولا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بإجماع أهل العلم، ولكن قد يجب صوم غير رمضان بنذر أو بكفارة أو بجزاء صيد، وهنا وجوبه لسبب من الأسباب التي يتسبب فيها صاحبها، أما بأصل الشرع فلا يجب صوم غير صوم رمضان.دليل الإجماع على أنه لا يجب صيام إلا صيام رمضان الحديث الذي في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه (لما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام الذي هو فرض عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تتطوع).فصوم رمضان هو الصوم الوحيد الذي أوجبه الله عز وجل، قال لنا ربنا سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وقال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].حديث النبي صلى الله عليه وسلم بين أن غير رمضان يكون تطوعاً، إلا لسبب من الأسباب كما قدمنا.

    مراحل وأحوال تشريع الصيام


    الصيام أول ما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم كان على هيئة معينة، ولذلك نقول: إن للصيام أحوالاً ومراحل تم فيها تشريع الصيام، فقد كان الإسلام يحرم على الصائم الطعام والشراب والجماع منذ أن ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولاً حصل به التحريم، فلو أن شخصاً نام في وقت غروب الشمس، فلم يجز له أن يأكل، أو أنه كان مستيقظاً فأكل إلى أن أذن العشاء فلا يجوز له أن يأكل إلى فجر اليوم الثاني، وكان وقت الطعام والشراب والجماع ما بين المغرب والعشاء، بقيد آخر وهو ألا يكون نائماً في هذا الوقت.فنسخ هذا الحكم الصعب بحكم آخر أسهل منه وهو الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما سبق في التعريف، وهذه أحوال الصيام.وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وهذا الأمر فيه صعوبة شديدة، والله سبحانه وتعالى يقول لنا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220]، لشدد عليكم، ولألزمكم العنت والمشقة بالتكاليف الشرعية، ولكن رحمة الله عز وجل خففت على المؤمن من فضل الله سبحانه وتعالى، والحكمة من كونه يشرع لنا حكماً ثم ينسخه؛ حتى نذوق صعوبة هذا الشيء الذي لو شاء الله لأدامه، فلما فرضه فترة ثم رفعه يعرف المسلم مدى رحمة الله عز وجل وسعة فضله وبيان رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى.ولذلك ربنا سبحانه وتعالى في البداية أمرهم بصوم طويل صعب ثم خفف بعد ذلك رحمة بعباده. يقول البراء : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى

    إلى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.جاء وقت غروب الشمس يسأل عن طعام في البيت فلم يجد، فذهبت المرأة تحضر له طعام وكأن الطعام الموجود في البيت هو التمر، ولذلك في بعض الروايات أنه قال: لقد أحرق التمر بطني، أي: من كثر أكل التمر لقد احترقت بطني، فكأنه يسأل عن طعام غير التمر، فذهبت تبحث عن طحين لكي تعجن له شيئاً يأكله، ثم رجعت فوجدته نائماً رضي الله عنه، فقالت: خيبة لك! فنام ولم يأكل شيئاً حتى اليوم الثاني وهذا صيام طويل، قال: (فأصبح صائماً، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً، قال: ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبح حين أصبحت صائماً)، فكأن الرجل عند غروب الشمس صلى ثم نام، واستيقظ عند العشاء، وليس له أن يطعم، فصلى العشاء ونام وأصبح على هذه الحال.وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية له أو من حرة بعد أن نام وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وهذه من الأسباب التي نسخت الحكم فذكر الله عز وجل:
    عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ [البقرة:187]، وتختانون من الخيانة، وما قال: تخونون، والفرق بينهما أن الإنسان الذي يخون يخون وهو يعلم أنه خائن، أما الذي يختان فيقع في الخيانة ولكن مع الشك هل الأمر الذي يعمله خطأ أم لا.فـعمر رضي الله عنه ذهب إلى البيت عند غروب الشمس فاستلقى، والجارية أو المرأة رأته نائماً، وهو كان يظن أنه ليس بنائم، فقد كانت الجارية تقول له: أنت نمت، وهو يقول: لم أنم، فأتى هذه الجارية ثم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وحكى له هذا الأمر، فأنزل الله عز وجل رحمة بعبادة قوله سبحانه وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، هذه من رحمة رب العالمين سبحانه.فمعنى أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] أي: أنكم تقعون في الخطأ ثم تتأولون لأنفسكم، قال تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فما أعظم رحمة الله سبحانه وتعالى!وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187]، وما قال: حتى يطلع الفجر رحمة منه.فنزلت هذه الآية الكريمة: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، ففرحوا بها فرحاً شديداً، فهم نفذوا ما أمر الله عز وجل به، فلما نزل التخفيف من الله سبحانه فرحوا.ونزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ولكن رحمة الله سبحانه واضحة أنه لما فرض هذا الصوم الشاق جعله على التخيير، إما أن تصوم بهذه الصورة من العشاء إلى مغرب ثاني يوم، أو أن تطعم مكان كل يوم مسكيناً، فجعله مخيراً رحمة الله عز وجل في كل شيء حتى في الحكم الصعب يجعل له تيسيراً آخر.فقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، منسوخ بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:183-184]، ومعنى يطيقونه أي: يستطيع أن يصوم ولكنه يشعر بالمشقة في ذلك، فكانت رخصة للجميع، فكان الذي يشق عليه يطعم بكل يوم مسكيناً، وبعد أن نسخت هذه الآية بقيت الرخصة على الذين لا يستطيع الصوم، فبقيت للمرأة الحامل، وللمرأة المرضع، وللمرأة العجوز، وللشيخ الكبير الضعيف، فهؤلاء إذا صاموا ستكون عليهم مشقة شديدة جداً وقد لا يطيقون ذلك، فجعل الرخصة لهؤلاء فقط، أما باقي الناس الذين يطيقون الصوم يلزمه الصيام لقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فصار الجميع يلزمهم الصوم، واستثنى المرضع والحامل والعجوز والشيخ.
    شرح حديث معاذ في أحوال تشريع الصيام


    روى أبو داود وأحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال)، والمقصد من الحديث هنا أحوال الصيام.فالصلاة فرضها الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم فكان في مكة يصلي صلوات الله وسلامه عليه أول النهار وآخر النهار، فيصلي ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخر النهار، إلى أن عرج به إلى السماء وفرضت الصلوات الخمس المعروفة، فجاء جبريل وعلم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فصلى وقتاً ثم هاجر إلى المدينة، وهم في المدينة أرادوا أن يجتمعوا على الصلاة، فتناقشوا فيما بينهم كيف نصلي الصلوات الخمس؟ وكيف ننادي إلى هذه الصلاة؟ فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكل منهم أدلى برأيه، فمنهم من قال: نوقد ناراً -عند وقت الصلاة فيراها الناس فيأتون للصلاة، ومنهم من قال: نصنع ناقوساً مثل ناقوس النصارى فإذا جاء وقت الصلاة ضربنا الناقوس فاجتمع الناس للصلاة، فلما كادوا يصنعون ذلك، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه رؤيا فيها الأذان، فجاء وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورأى مثلها أيضاً عمر رضي الله عنه فسبقه عبد الله بن زيد بن عبد ربه فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالأذان، فكان ينادى على الناس بالصلاة فيصلون.وأحوال الصيام، قال معاذ بن جبل : (فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فصام سبعة عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان من كل شهر ثلاثة أيام)، فلما هاجر ولم يفرض الصوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم، وكان قبل ذلك يصوم بعض الأيام وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، فكان يصوم عاشوراء في مكة، ولما قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء فصام معهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان يصوم قبل ذلك، كما سيأتي في صوم عاشوراء.فقال هنا: (وصام يوم عاشوراء) وكان فرضاً عليهم في العام الثاني من الهجرة، ولذلك سيأتي في صوم عاشوراء أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح وقال لهم: (من أصبح صائماً فليتم صومه، ومن لم يصبح صائماً فليصم)، فكان في العام الثاني الذي فرض فيه صيام رمضان ثم نسخ عاشوراء بصيام رمضان.فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
    آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] إلى قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال: فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه، وهذه حالة من أحوال الصيام.فصاموا عاشورا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام تطوعاً، ثم فرض عاشورا لسنة واحدة فقط، ونسخ بعد ذلك، ثم فرض صيام رمضان، فإما تصوم من العشاء إلى غروب شمس اليوم الثاني، أو لك الخيار أن تطعم مسكيناً مكان كل يوم، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184].قال معاذ : (ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فأثبت الله عز وجل صيامه على المقيم الصحيح).فصام تسعة عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان وهي الأشهر التي صامها النبي صلى الله عليه وسلم في كل شهر ثلاثة أيام وهذا ما جاء في رواية يزيد قال: (فصام تسعة عشر شهراً من ربيع الأول) والرواية الأولى: (صام سبعة عشر شهراً) صلوات الله وسلامه عليه.وقد فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة فصامه إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم في أول السنة الحادية عشرة، فصام صلى الله عليه وسلم رمضان لتسع سنين؛ لأنه فرض رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية من هجرته صلى الله عليه وسلم، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته عليه الصلاة والسلام.
    شرح حديث سلمة بن الأكوع في أحوال تشريع الصيام


    في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال رضي الله عنه: (لما نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها).فيبين إن الآية الثانية نسخت الآية الأولى، والآية الثانية هي: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].وفي لفظ لـمسلم : (كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]).
    فضل الصيام
    كلنا يعرف فضل الصيام وفضل صيام رمضان، ولكن نذكره للتذكرة، فكلما تذكرت فضيلة شيء فعلته، فيتشجع الإنسان على العمل ويتذكر الثواب المترتب على فعله، فإن كل مؤمن يحب أن يصوم ولكن عندما يتذكر فضل الصيام ومقدار الثواب عند الله عز وجل عليه، يحثه هذا الأمر على أن يصوم ويجتهد في ذلك.

    الأحاديث الواردة في فضل الصيام


    روى الجماعة -وهم السبعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد- وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، وكأن ابن آدم عرف الثواب المترتب على بقية الأعمال إلا الصيام فقد ادخرت ثوابه عندي ولم أخبرك بهذا الثواب، فالثواب أعظم من أن تتخيله.قال: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، فالأعمال كلها لله سبحانه لكن الصيام وكأنه سر بين العبد وبين الرب، ومن سيعرف أنك صائم أو مفطر؟! ويخفي العبد ذلك فيؤجر عليه الأجر العظيم من الله سبحانه.قال صلى الله عليه وسلم: (والصيام جنة) أي: وقاية يستجن به الإنسان، فيحمي به نفسه من النار ومن عذاب الجبار سبحانه.قال عليه الصلاة والسلام: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب)، الرفث الكلام الفاحش، فينهاك عن أن تتكلم بكلام فاحش وخاصة ما يتعلق بالجماع والنساء ومقدمات ذلك.قال: (فلا يرفث ولا يصخب)، والصخب من الجهل وهو رفع الصوت والصراخ والمشاجرة مع الناس.قال عليه الصلاة والسلام: (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، إذا سابه أحد أي: تعرض له بالشتم من أجل أن يتعارك معه، فليقل له: إني صائم قال: (فليقل: إني امرؤ صائم)، وكأنه يذكر نفسه، ويقول للآخر: إني صائم لن أرد عليك بهذا الشيء؛ لأن الصوم يمنعني من ذلك، فالصوم يدفع المؤمن إلى الالتزام بالخلق الحسن، وليس من حسن الخلق أن أتشاجر أو أسب أو أرد على إنسان.قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده!)، يقسم بالله سبحانه (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، قوله: (لخلوف فم الصائم) أي: تغير رائحة فم الصائم بسبب صومه، (أطيب عند الله من ريح المسك)، فربنا سبحانه يجعل هذه الرائحة عنده حين يرى العبد الثواب يوم القيامة، وحين يقابل ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة، فالريح الذي كان يصدر من فمه وهي رائحة كريهة متغيرة يجعله الله عز وجل أطيب عنده من رائحة المسك، كما يجعل دم الشهيد، والدم الأصل فيه أنه نجس، ولكن الشهيد يجعل الله عز وجل دمه اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فيفضله ويكرمه ويجزيه بسبب استشهاده أن يغير الله عز وجل رائحة دمه من رائحة دم إلى رائحة المسك.قال عليه الصلاة والسلام: (للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر)، فالصائم يظل طوال اليوم جائعاً عطشان فما أن يأتي وقت الإفطار فيفطر فيفرح بذلك، وهذا فرحه بالدنيا، وإذا لقي ربه سبحانه فرح بالأجر والثواب، قال: (وإذا لقي ربه فرح بصومه).والحديث لفظه في لـمسلم: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، فكأنه يبين أن كل عملك لك، يعني: الله عز وجل أعطاك وأعلمك أن الحسنة بعشر أمثالها، أو الحسنة بسبعمائة ضعف أو بما شاء الله سبحانه، إلا الصوم لم يذكر لك، فكأنه يقول: إن أعظم من ذلك الذي ادخرت لك من الأجر ليوم القيامة فسأخبرك به يوم القيامة.قال: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وهذا الجزء من الحديث هام في مسائلنا الفقهية بعد ذلك، (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فالصيام إمساك بقصد التقرب إلى الله عز وجل، فإذا وجد الصوم مع القصد فصاحبه مأجور على صومه، حين تجيء في مسألة الإنسان الذي تصيبه حالة صرع فيذهب عقله، فإذا كان وقت صرعه صائماً ممسكاً، ووجدت منه النية قبل ذلك، فالأصل أن هذا الصوم ينفعه حتى ولو كان يصرع ويفيق في اليوم أكثر من مرة، كذلك الإنسان الذي يغمى عليه وقد أفاق في فترة من الصوم في أول النهار أو في آخر النهار، فإذا وجد منه الإمساك ووجدت منه نية والتقرب لله عز وجل، فيؤخذ من هذا الحديث أنه ترك مع القصد، فإذا وجد هذان في النهار


    فصاحبها صائم.يقول: (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وفي لفظ للبخاري قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل)، ثم ذكر: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها.وروى الإمام النسائي من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال)، وكلمة الجن مأخوذة من الاستتار، فالجن خفي مستتر، وكذلك الصيام فهو جنة، مأخوذ من المجن، والمجن هو الدرع الذي يختفي خلفه المقاتل حتى لا يصيبه سيف أو سهم من العدو.وكذلك الصوم فهو درع وهو مجن تستجن وراءه، فالصيام يحميك من غضب الله سبحانه وتعالى، ويسترك من النار، ويبعد عنك غضب الله سبحانه وتعالى.قال أحمد : الصيام جنة وحصن حصين من النار. فمن تحصن بالصوم كان له حصناً حصيناً من النار، ولم يعذب بالنار.روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً).وهذا من ثواب الصوم، وليس كله فقد قال: (الصيام لي وأنا أجزي به)، جزاؤك عندي، ولكن من ضمن هذا الجزاء أنه يبعدك عن النار سبعين سنة، فبالمقياس الدنيوي نبدأ نقيس المسافة بالمتر، ثم بالكيلو متر، ثم بالميل، وكلما ازدادت المسافة زدنا في وحدة القياس، وعندما تطول المسافة تقاس بالسنين.فنقول: بعد النجم الفلاني عن الأرض أربعة ونصف مليون سنة ضوئية، وهذه مسافة بعيدة جداً جداً، فإذا قال لنا هنا: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عز وجل وجهه عن النار)، ولا أحد يعلم هل مسافة السبعين سنة هذه ونحن نجري أو نطير أم سرعة الصاروخ؟ فالله أعلم بهذا الشيء.جاء عن عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة)، وهذا أيضاً من ضمن الثواب المترتب على الصيام، فالصيام لله عز وجل وهو يجزي به، والصيام يباعدك عن النار سبعين خريفاً، والصيام يشفع لك، وذلك بأن يمثله الله كما يشاء سبحانه، فيتكلم ويجادل عنك عند الله عز وجل.وكذلك ثواب حفظك القرآن فإن الله عز وجل يمثله بصورة رجل شاحب يدافع عنك ويحامي عنك يوم القيامة عند الله سبحانه.قال عليه الصلاة والسلام: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه)، يقول القرآن: يا رب! أنا منعته طعامه وشرابه فشفعني فيه، (والقرآن يقول: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان) أي أن ربنا سبحانه وتعالى يقبل شفاعة صومك وشفاعة قراءتك للقرآن، ويمنعك من النار سبحانه وتعالى.وجاء في مسند الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال: (أسندت النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري فقال: من قال: لا إله إلا الله! ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء


    وجه الله وختم له به دخل الجنة) أي: من مات وهو صائم، أو أفطر وقت الإفطار ومات، أو مات قبل أن يفطر، المهم أن الصيام آخر عمل عمله في هذا اليوم، دخل الجنة.فليس شرطاً أن يموت وهو صائم، أو يموت وهو يفطر عند غروب الشمس، لكن آخر عمل صالح قام به في يومه هو الصيام، فيدخل الجنة، حتى لو مات قبل الفجر قبل أن يأتي يوم آخر، فكنت في آخر أيام حياتك صائم فيه، من ختم له بذلك استحق الجنة.قال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة)، أعطى للفقير صدقة وختم له بذلك دخل الجنة، وليست
    هذه الأعمال فقط، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة -الصلاة المكتوبة- لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، والمعنى أن لو كان آخر عمل عمله الإنسان ومات بعدها دخل الجنة، وقس على ذلك إذا قرأ قرآناً، وختم له بذلك فاستحق فضل الله عز وجل ورحمته سبحانه، نسأله سبحانه أن يختم لنا بالأعمال الصالحة.وروى النسائي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، وكأن غيره من الأعمال من الممكن أن أي أحد يعملها، فقد يصلي الإنسان ركعتين نافلة وهذا أمر سهل، (فالصلاة نور)، لكن الصوم مشقة وتعب، فالصلاة قد يصلي المرء دقيقة أو دقيقتين أو عشر دقائق، أو يصلي نصف ساعة، لكن الصوم فإنه سيصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا صعب على الإنسان ولذلك قال: (الصوم لا مثل).أيضاً روى الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض)، وجاء في الحديث السابق: (باعد بينه وبين النار سبعين خريفاً)، فقد يكون هذا الحديث مفسراً للحديث السابق فإن السبعين سنة مدتها ما بين السماء والأرض، والله أعلم.وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: (كنا في البحر)، وهذا أثر لـأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، حين كانوا مهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة، يقول: (بينا نحن نسير وقد رفعنا الشراع إذ سمعنا منادياً ينادي عليهم، -وهي ليلة مظلمة وهم في البحر-: يا أهل السفينة: قفوا فقمنا ننظر فلم نر شيئاً فنادى سبعاً) أي: سبع مرات وهو ينادي عليهم بهذا الصوت في البحر.قال: (فلما كانت السابعة قمت فقلت: يا هذا! أخبرنا ما تريد أن تخبرنا به فإنك ترى حالنا، ولا نستطيع أن نقف عليها) أي: على السفينة فهي تجري بهم في البحر، قال: (ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ أيما عبد أظمأ نفسه في سبيل الله في يوم حار أرواه الله يوم القيامة)، فالموقف عظيم يوم القيامة وبين يدي الله عز وجل، فالشمس تدنو من الرءوس، ويغرق الناس في عرقهم والمؤمن الذي يصوم يمن الله عليه ويسقيه، نسأل الله عز وجل أن يروينا من فضله سبحانه يوم القيامة.فسمع أبو موسى ذلك، فكان يصوم في الصيف وفي اليوم شديد الحر، واليوم الطويل من أيام الصيف.


    فضل صيام رمضان
    هذا كان في فضل الصوم، أما صوم رمضان فهو أعظم، فهو فرض فرضه الله، وجعله ركناً من أركان الإسلام الخمسة، وفيه ثواب عظيم عند الله سبحانه. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فصيام رمضان إيماناً واحتساباً يغفر لك ما تقدم من ذنبك، وإذا قمت ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر لك ما تقدم من ذنبك.وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً).فعندم ا تصوم وتقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وتقوم ليلة القدر إيماناً واحتساباً ففضل الله عظيم، فقد جعل للعبد ما يكفر الله عز وجل به عن ذنوبه وسيئاته ومنها رمضان، والعمرة إلى العمرة، ومنها الحج، ومنها الصلاة إلى الصلاة، ومنها الجمعة إلى الجمعة، ففضل الله على عباده عظيم، فقد جعل للعبد مكفرات عظيمة تكفر عنه بها من سيئاته.في هذا الحديث العظيم الجليل ذكر لنا الإيمان والاحتساب، فالإيمان أن تؤمن بفرضية صيام رمضان، وأن الله فرض صيام رمضان إيماناً، وأن تؤمن أي: أن تصدق وأن تستيقن بذلك، وأنه جعل ذلك نافلة، وأن تؤمن بأن ليلة القدر ليلة عظيمة، يقول الله عز وجل فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وصدقت بما قاله الله سبحانه وتعالى.والاحتسا : أن تفعل ذلك طالباً الأجر من الله وحده، فلا تصوم وتنتظر ثناء الناس ومديحهم، ولا تنتظر الأجر من الناس، أو الأجرين من الله ومن الناس، لكن ترجو الأجر من الله سبحانه وحده.لذلك يقول الحافظ ابن حجر : المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله تبارك وتعالى.وقال الخطابي : احتساباً أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقلاً لصيامه ولا مستطيلاً لأيامه. فالإنسان الذي يصوم ولا يستثقل الصيام، ويستشعر رحمة الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، فيتمنى المؤمن لو أن عامه كله كان رمضان حينها يكون محتسباً.يقول الإمام النووي: معنى إيماناً: أي تصديقاً بأنه حق، مصدقاً بفضيلته، ومعنى الاحتساب: أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.فيقوم رمضان إيماناً واحتساباً مصدقاً بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن له في ذلك الأجر، والقيام المقصود هو أن يصلي صلاة التراويح.روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا قيد، فالذي يكفر عنه سيئاته اجتنابه للكبائر، فيبتعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى من الكبائر، فيكفر الله عز وجل بذلك عنه سيئاته.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضل الصيام ومن يجب عليه الصوم والقضاء
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (3)



    جعل الله للصائمين شهر رمضان إيماناً واحتساباً أجراً عظيماً، وغفر لهم بذلك ما تقدم من ذنوبهم، ورهب المفطرين فيه عمداً وعدواناً، وتوعدهم بالعقاب الأليم؛ إذ قد هيأ لهم وللناس جميعاً أسباب القرب من الرحمن والبعد من الشيطان، ففتح أبواب الجنان، وأغلق أبواب النيران، وسلسل الشياطين، ولذلك استحق من بغى وتجبر في ذلك الشهر، العذاب الأليم. ومن رحمته سبحانه أنه لم يوجب الصيام على الجميع في كل حال، بل قد عذر أصحاب العذر، ولهم أحكام خاصة في الصيام.


    فضل صوم رمضان إيماناً واحتساباً

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الصوم عموماً، وأحاديث أخرى في فضل صوم رمضان خاصة، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي حديث آخر: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).وذكرنا أن إيماناً معناها: أنه مصدق بأن هذا الصوم حق وفريضة فرضها الله سبحانه وتعالى، وأن يكون صومه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى قاصداً فضيلة هذا الصوم. واحتساباً: أي: محتسباً الأجر عند الله، فيرجو الثواب من الله لا من غيره سبحانه وتعالى، ولا يقصد تسمية ولا يقصد أن يُري الناس أنه صائم، إذ لا رياء ولا سمعة في ذلك.ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)، فهذه مكفرات جعلها الله عز وجل من فضله ورحمته تكفيراً لسيئات العبد، فجعل له مكفرات في اليوم، وفي الليلة، وفي العام، وغير ذلك من المكفرات.ومن ذلك الصلوات الخمس في اليوم، فمن الصلاة إلى الصلاة تكون صلاته التي صلاها كفارة لما وقع في مصائب وذنوب قبلها. وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، فكل هذه من المكفرات لذنوب الإنسان المؤمن إذا أتى بهذه الأعمال على الوجه الذي يرضي به ربه سبحانه وتعالى.

    الترهيب من عدم الإخلاص في صوم رمضان

    جاء في مستدرك الحاكم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احضروا المنبر) يعني: احضروا عند المنبر، قال: (فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين).وكانت درجات منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات. يقول: (فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد)، ومعناه: هلك هذا الإنسان وابتعد عن رحمة الله واستحق العذاب، (بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له! فقلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك! فقلت: آمين -عليه الصلاة والسلام-، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة! فقلت: آمين)، فجبريل دعا على الإنسان الذي يصنع هذه الأشياء الممنوع منها، أو يترك الأشياء التي تقربه من الله سبحانه وتعالى المذكورة في الحديث، ومنها: من أدرك رمضان ولم يغفر الله عز وجل له، إما لكونه كان يفطر في رمضان، أو يفعل في رمضان ما يجعل صومه معدوماً من الأجر كما سيأتي في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، فمثل هذا يصوم رمضان ولكنه يؤذي الخلق، ويستحق العقوبة، إذ لم يمنعه صومه ولا صلاته عن الفحشاء والمنكر فاستحق عقوبة الله سبحانه.فقوله: (بَعُد) أي: هلك واستحق العذاب، (من أدرك رمضان فلم يغفر له)، فلقد دعا جبريل وأمن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. والدرجة الثانية قال فيها: (بَعُد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك)، والنبي صلى الله عليه وسلم يرقى على المنبر وجبريل يقول ذلك فيدعو ويؤمن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم. يقول: (قال: فقلت: آمين، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما) يعني: أدرك الكبر أبويه أو أحد أبويه: (فلم يدخلاه الجنة)، وهذا يدل على أن بر الوالدين يدخل العبد الجنة فضلاً عما يكون له من بركة في الدنيا ببر الوالدين في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة، فيعجل له الخير في الدنيا بصلة الرحم وبر الوالدين، ثم يكونان سبباً في دخوله الجنة عند الله عز وجل.


    بيان ما يحدث عند دخول شهر رمضان

    روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، وكأنه احتفال في السماء لدخول شهر رمضان، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فتحت أبواب السماء)، وكأنها تفتح للمباهاة بالصائمين عند الملائكة، وكأن الله يقول لهم: انظروا إلى عبادي يصلون ويصومون ويقومون.ويري الله عز وجل الملائكة رحمته في عباده. ونحن لا نرى أبواب السماء، ولكن إذا فتحت فإنه إما ينزل منها ملائكة وإما يعرج إليها ملائكة، وذلك بنزول وعروج أعمال صالحة للعباد إلى السماء، فالله عز وجل يفتح أبواب السماء ليتلقى من عباده الأعمال الصالحة، ويزين السماء فيباهي بعباده الملائكة. قال: (فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، فقوله: (غلقت أبواب جهنم)؛ وذلك ليري ربنا سبحانه عباده وملائكته سبحانه وتعالى أنه يغفر لعباده بسبب صيامهم وقيامهم في هذا الشهر فيغلق أبواب جهنم.وقوله: (وسلسلت الشياطين)، وفي حديث آخر: (سلسلت أو صفدت مردة الشياطين)، والحديث رواه الترمذي وفيه: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين) فصفدت أي: غلت بالأغلال وأوثقت بالأغلال.قال: (وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل) أي: يا من يريد أن يهتدي! لتقبل على الطاعة وعلى العبادة في هذا الشهر العظيم حتى تعتاد عليها في باقي العام وباقي العمر، قال: (ويا باغي الشر! أقصر) أي: كف عن شرك، وكف عن مؤاذاة خلق الله، واكتف بذلك، وإلا كانت نهايتك النار والعياذ بالله. (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، وهذا فضل الله العظيم. أيضاً روى هذا الحديث الإمام النسائي وفيه زيادة: (أتاكم رمضان شهر مبارك -شهر فيه البركة-، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم)، وهذه الليلة هي ليلة القدر، فهي ليلة خير من ألف شهر ليس فيها شهر رمضان ولا ليلة القدر. يقول الحليمي فيما ينقله الحافظ ابن حجر : (يحتمل في الحديث أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم) يعني: يريد أن يجمع بين أنه تغل الشياطين وتسلسل وتصفد، وبين أنه يحصل في رمضان معاصي كثيرة، فيقول: بأن الذي يغل ويصفد ويسلسل هم مردة الشياطين أو جنس منهم وهم من يسترقون السمع من السماء، يقول: (وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه)، يريد أن يقول: أنهم يسلسلون في الليل دون نهار رمضان، قال: (لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ.ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام) يعني: أن الشر الذي يكون في غير رمضان قد يكون شراً بدرجة عظيمة جداً، فإذا غلت الشياطين يقل الشر، وليس معناه أنه يزول وإنما يقل. فالإنسان الذي يصوم ويحسن صومه، ويتقي الله، فهو وإن كان فيه شر، إلا أن هذا الشر كبت بسبب أن الله غل عنه الشياطين أو بعض الشياطين وهذا معنى حسن.يقول: (لاشتغال الصائمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر) وقال غيره المراد بالشياطين أي: بعض الشياطين، يقول هذا من أجل أن يجمع بين كون الناس يعصون ربنا سبحانه وتعالى في رمضان في نهاره وليلة،
    والمقصد أن بعض الشياطين يصفدون، وهم الذين يؤذون المؤمنين ويوسوسون لهم، فالله يغلهم بفضل صيام هؤلاء وقيامهم وطاعتهم لله سبحانه وتعالى.قوله: (صفدت الشياطين) بمعنى: شدت بالأصفاد، والأصفاد: الأغلال، والأغلال: القيود التي تربط الأيدي بالأعناق، وهذا معنى سلسلت أيضاً. يقول القاضي عياض : يحتمل الحديث أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أيضاً في المعنى أنه إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين، ولا مانع من أن يُحمل على حقيقته. يقول الطيبي : (فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين) أي: أن الله عز وجل يري الملائكة أنه يحمد للصائمين هذا الذي يصنعونه، ويشكر لهم عبادتهم، ويثيبهم بهذا الذي يريهم إياه. قال: (وأنه من الله بمنزلة عظيمة -يعني: الصوم أو الصائم-، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق صلوات الله وسلامه عليه ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية). يقول القرطبي : (فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرة فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟) يعني: كأنه يقول: هذا سؤال متوقع من الآخرين. يقول: (والجواب أنها إنما تغل -يعني: تصفد- الشياطين الذين يريدون إغواء الصائمين، فمن كان منهم كذلك حيث صام الصائم وأراد أن يغويه فإن الله سبحانه وتعالى يمنع هذا الشيطان من الوسوسة لهذا الصائم أو التمكن منه بتصفيد الشيطان وسلسلته). كأن مردة الشياطين أو البعض من الشياطين الذين يغوون المؤمنين، يقول: (إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه) بمعنى: أنه ليس أي صوم تغل فيه الشياطين، بل لا تغل إلا في الصوم الصحيح المتقن، بأن يصوم ابتغاء وجه الله سبحانه، فلا يرائي بصيامه ولا يسمع به، ويكون محافظاً على آداب الصيام، أما الصائم الذي يكون في صومه متعصباً غضبان، يريد أن يتعارك مع الناس بسبب أنه صائم، فليس هذا بالصوم الذي تصفد عن مثله الشياطين، وإنما يكون عن الإنسان المؤمن الذي يصوم صوماً يرضي به ربه سبحانه وتعالى، صوماً قد حوفظ فيه على شروطه وروعيت آدابه.قال: (أو المصفد بعض الشياطين كما في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور).وقال غير القرطبي : في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر مكلف، كأنه يقال له: قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم) يعني: الصيام يزيدك من البركة، ويزيدك من القرب من الله عز وجل، فعندما تقع في معصية لا تتعلل وتقول: الشيطان هو الذي أغواني، وإن كان الإنسان إذا تاب يقول كما قال تعالى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف:63].فالإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل تاب الله عليه، أما أنه يقع في المعاصي ويترك الصيام ويقول: الشيطان أغواني. فإن الله عز وجل يقول له: قد غلت عنك الشياطين، وقدرة الشيطان عليك في رمضان ضعيفة، ولكن شهوتك وأذاك في الخلق هو الذي جعلك تصنع ذلك، والله أعلم.


    ذكر بعض أسباب دخول الجنة والعتق من النار

    روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة) أي: عتقاء يعتقهم الله عز وجل من النار، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عتقائه من النار.وروى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبة، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة؟)، أي: أن الفرائض التي فرضها الله عز وجل لو أن العبد أتى بها على الوجه الذي ينبغي فهل يمكن أن يدخل الجنة بالفرائض فقط من غير نوافل معها؟ يقول: (أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات) أي: صليت الخمس الصلوات وواظبت عليها كما أمر الله سبحانه، (وصمت رمضان) أي: على الوجه الذي يرضي به الله سبحانه وتعالى، (وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً) يعني: ما قال عنه الله: حرام بعدت عنه، وما قال عنه: حلال فعلته، فهل بإتيان الفرائض وترك الحرام ندخل الجنة؟ (قال: نعم، قال الرجل: والله لا أزيد على ذلك شيئاً).وفي الحديث الآخر وهو حديث جميل وعظيم، وقد رواه ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته)، ويلاحظ هنا أنه ذكر أربعة أركان من أركان الإسلام، وكأن الرجل لم يبلغه فريضة الحج، أو أن الحج ليس على كل إنسان، وإنما على القادر فقط، فذكر في كلامه هذا أربعة أركان هي قوله: (أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله)، الركن الأول، والثاني قوله: (صليت الصلوات الخمس)، والثالث: (أديت الزكاة)، والرابع: (وصمت رمضان وقمته) وقوله: قمته أي: صليت التراويح فيه، قال: (فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء)، وهذا فضل واسع، وكرم عظيم من الله سبحانه وتعالى أن يجعل العبد بتأديته الفرائض من الصديقين والشهداء، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم.


    جزاء المفطرين عمداً في رمضان

    روى النسائي في السنن الكبرى التي اختصرها في المجتبي وهو ما يسمى بالسنن الصغرى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً) أي: أخذا بذراعي النبي صلى الله عليه وسلم وخرجا به عليه الصلاة والسلام، قال: (وأتيا بي جبلاً وعراً -أي: صعب المرتقى- فقالا لي: اصعد فقلت: إني لا أطيقه)؛ لأنه جبل صعب جداً. قال: (فقالا: إنا سنسهله لك، قال: فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟!) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صراخاً وهو على الجبل، وكان هذا في رؤيا منامية رآها صلى الله عليه وسلم، قال: (فقالا: هذا عواء أهل النار) أي: عواء كعواء الذئاب والكلاب والعياذ بالله.(قال: ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً)، وهؤلاء أناس معلقون بأرجلهم من عراقيبهم، شفاههم مشققة الأشداق، (تسيل أشداقهم دماً) أي: يسيل الدم من أفواههم، قال: (قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) أي: هذا حال الذين يفطرون في رمضان قبل غروب الشمس، لا لعلة أو عذر، بل لهوى متبع، واستخفافاً بحرمة ذلك اليوم، فأمثال هؤلاء يكون حالهم يوم القيامة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً)، وأيضاً يعوون وهم في نار جهنم والعياذ بالله.

    بيان من يجب عليهم الصوم والقضاء

    يجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، والمسلمة كذلك مع شرط الطهارة من الحيض والنفاس. والصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله. فأما الكافر فإنه إن كان أصلياً لم يطالب به، لوجود المانع من القبول وهو: الكفر، ولأن من شروط قبول الصيام توافر الشروط وانتفاء الموانع، فمن موانعه الكفر، ومن شروطه وهو أهمها أن يأتي الصائم بركن الإسلام وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38].إذاً: هذا الإنسان إذا كان كافراً ومكث عمراً من عمره على ذلك، ثم أسلم فإن الله عز وجل يغفر له ما قد سلف، ولا يطالب بقضاء الأيام والشهور التي فاتته، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيراً عن الإسلام، وهذه علة صحيحة، وحكمة عظيمة، فلو أن كافراً يبلغ من العمر خمسين سنة وأسلم، فعلى القول بإيجاب القضاء عليه سنطالبه بخمسة وثلاثين أو ستة وثلاثين شهراً وهذا صعب جداً.ولو قيل لإنسان ذلك لنفر عن الدين، ولكن الله عز وجل برحمته العظيمة الواسعة قال له: إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، والإسلام يجب ما قبله. والأصل أن العبادة التي يأتي بها في حال كفره لا تقبل منه، ولكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء في الصدقة والعتق، حيث من تصدق بشيء وأسلم، فقد أسلم على ما أسلف من خير، وتكتب له حسنات هذا الذي أنفق، أما الصيام فهو عبادة بدنية يشترط لقبوله أن يكون الصائم مسلماً، وكذلك باقي العبادات. روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أرأيت أشياء كنت أتحنث -أي: أتعبد- بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟)، فهذا حكيم بن حزام يصل الرحم، ويعطيهم الهدايا، وينفق عليهم، وكان يتعبد بذلك في جاهليته، وكان في ذلك الوقت كافراً، إذ كان إسلامه متأخراً، قال: (أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير) يعني: من هذه النفقات، فالصدقة نفقة، وعتق العبيد بأن تجعلهم أحراراً وصلة رحم بالإنفاق عليهم وغيره صدقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، فهذا هو الحال في الكافر الأصلي.أما المرتد -وهو من كان مسلماً ثم ارتد وكفر- فإنه إذا رجع للإسلام بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما فاته في ذلك؟ الراجح أنه لا يلزمه ذلك، وإن كان الأولى أن يقضيه؛ لأن العلة هي التي ذكرناها في الكافر الأصلي، إذ لعل هذا المرتد تمر عليه سنون وهو في ردته كعشر سنوات أو عشرين سنة ثم يسلم بعد ذلك، فلو قيل له صم عشرين
    شهراً! لكان هذا الأمر صعباً عليه، ولعله ينفر ولا يرجع إلى الإسلام بسبب ذلك، ولذلك نقول: الإسلام يهدم ما قبله، وأمره إلى الله عز وجل.وعليه فالمرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء الصوم، ولا يطالب بأدائه في حال ردته؛ لأنه لو صام وهو مرتد لم يقبل منه.وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ، وقال الشافعي : يلزمه قضاؤه، ويناقش هذه المسألة ابن العربي في أحكام القرآن فيقول: (إذا أسلم المرتد وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات)، والصلوات حق لله، والجنايات حق للآدمي، قال: (فإن الشافعي قال: يلزمه كل حق لله وللآدمي)، ووجهة نظر الإمام الشافعي أنه طالما ستلزمه بعض الحقوق فإذاً يلزمه جميع الحقوق، فيلزمه إذا أتلف لآدمي شيئاً وهو في حال ردته إصلاح ما أفسد، أو دفع ثمن ما أتلفه على الآدمي، فطالما أننا نلزم المرتد بذلك فنلزمه أيضاً بحقوق الله عز وجل كالصيام وغيره. وقال أبو حنيفة : (ما كان لله يسقط وما كان للآدمي يلزمه)، يعني: يفرق بين حق الله وبين حق الآدمي، فإن الآدمي لا يتنازل عن حقه بل يطلبه، أما الله عز وجل فإنه هو الغفور الرحيم سبحانه وتعالى، يقول ابن العربي : (وبه قال علماؤنا) يعني: المالكية. قلنا: وكذلك هو مذهب أحمد رحمه الله تعالى.يقول: (ودليلهم عموم قول الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يهدم ما كان قبله)، هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو عام في الحقوق التي تتعلق بالله كلها.فإن قيل: المراد بذلك الكفر الأصلي) يعني: يريد أن يقول في المناقشة مع الإمام الشافعي رحمه الله، إذا قال قائل منهم: هذا في الكفر الأصلي وليس في المرتد، بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد، يعني: كأنه يفرق بين الكافر الأصلي إذا كان مع الكفار وهاجموا المسلمين، ثم أتلفوا في المسلمين، وبعد ذلك تاب ودخل في دين الله عز وجل فلا يطالب بشيء، أما المرتد، فإن أتلف ثم رجع إلى الإسلام طولب بضمان هذه الأشياء التي أتلفها. يقول: (بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد ولا تلزم الإنسان الكافر الأصلي، فوجب أن تلزم المرتد حقوق الله تبارك وتعالى، فالجواب: أنه لا يجوز اعتبار حقوق الآدميين بحقوق الله)، أي: لا يجوز قياس الآدمي على ربه سبحانه وتعالى، ولا اعتبار حق الآدمي بحق الله عز وجل، ولا حقوق الله بحقوق الآدميين في الإيجاب والإسقاط، يقول: (لأن حق الله يستغني عنه) أي: أن الله يستغني عن حقه سبحانه ويعفو ويتجاوز سبحانه، والإسلام يهدم ما قبله، أما حق الآدمي فهو مفتقر إلى حقه، ويطالب به. يقول: (ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبي) وهذا قياس آخر أجمل وأقوى، حيث إن الصبي لا تجب عليه حقوق الله سبحانه وتعالى، فلو تكلم بما يوقع الكبير في الكفر فإنه لا يطالب بحق الله عز وجل في ذلك، أما حقوق الآدمي فتلزمه، فلو أن هذا الصبي الصغير أتلف مالاً لآدمي لزمه حق هذا في ماله أو مما عنده من مال. يقول: (فرق بين حق الله وحق الآدمي، فإن الله عز وجل يعفو ويتجاوز، والآدمي يطلب حقه).


    حكم صوم الصبي

    الصبي لا يجب عليه صوم رمضان ولا قضاء ما فات قبل البلوغ، لكن المميز وهو الذي بلغ سبع سنوات، أو كان يميز ويدرك الصواب من الخطأ ويميز العورات، فهذا إذا صام يؤجر على هذا الصيام، وإذا لم يصم فليس عليه إثم في ذلك؛ لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) فإذاً: قلم التكليف وهو كتابة الإثم على العبد أنه آثم أو أنه يعاقب على كذا قد رفع عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، فالإنسان النائم لو تكلم في نومه بكلام هذا الكلام لو تكلم به وهو يقظ لأثم، أما وهو نائم فلا شيء عليه، وكذلك إذا جاء وقت الصلاة على الإنسان وهو نائم فلم يسمع أذاناً، ولم ينتبه من نومه، فخرج وقت الصلاة فلا شيء عليه، فإذا استيقظ من نومه لزمه أن يصلي، أما ما ضاع من وقت نومه فلا يأثم على تضييعه طالما أنه ليس مفرطاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس في النوم تفريط).قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: وعن الصبي حتى يبلغ.قال: (وعن المجنون حتى يعقل) أي: لا إثم على هؤلاء، لكن إذا أصبح الصبي والصبية مميزان وهما عند الحنابلة من جاوزا السبع سنوات أو ثمان سنوات، وعند الشافعية من كان يُدرك الصواب من الخطأ ويفرق بين العورات، ومن إذا سئل عن شيء أجاب، فهو يفهم السؤال ويفطن لرد الجواب. فهذان المميزان على الولي أن يأمرهما بالصوم لسبع، ويضربهما على تركه لعشر قياساً على الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك في الصلاة، وقال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فقوله: (مروا) أي: بالكلام، (واضربوهم عليها لعشر)، ولكن لاحظ أنه لم يقل ذلك في الصوم، ولذلك ينظر في الصوم إذا كان الصبي قد أفاق بأن كان مميزاً يطيق الصوم، فهذا يؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر قياساً على الصلاة، أما إذا كان لا يطيق الصوم فيؤمر ولو بعضاً من الوقت؛ ليتمرن عليه، حتى لو وصل سنه إلى عشر سنوات وهو أيضاً لا يطيق، فإذا كان الكبير قد جعل الله عز وجل له عذراً فالصبي من باب أولى، وعلى ذلك لا يضرب على الصوم من كان سنه في العشر سنوات طالما أنه لا يقدر أو يشق عليه. ويلاحظ هنا أن الأمر في الصلاة أشد حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فالصلاة سهلة إذ سيصلي الصبي صلاة الظهر أربع ركعات وهذا أمر سهل عليه، أما الصوم فهو الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس وهذا صعب. قال النووي في المجموع: (الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب، ويحسن رد الجواب، ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص، بل يختلف باختلاف الأفهام) وهذا قيد جميل أيضاً، فهو يريد أن يقول: إذا كان سن صبي تسع سنوات مثلاً وهو لا يفهم كأن تقول له: الصلاة، فلا يفهم الصلاة، فهذا غير مميز، إذ ليس القيد بالسن، فإذا جاوز هذا السن وهو لا يفهم ما صلاة وما صوم فعنده تخلف في الإدراك عن غيره ممن هم في سنه، وعند ذلك يصبر عليه حتى يفهم. قال ابن قدامة: (واعتباره بالعشر الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن؛ لقرب إحدى العبادتين من الأخرى، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة) وهذا كلام جيد، حيث قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، فمن عنده عشر سنوات قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم. إذاً: عند الجمهور أنه يقاس على الصلاة وإن كان الخلاف في المميز وغير المميز، أما عند المالكية فإن الصوم لا يجب على الصبيان، بل ولا يستحب! وهذا فيه نظر، إذ كيف لا يستحب وقد جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يمرنون أولادهم على الصيام، ففي الصحيحين عن رُبيع بنت معوذ
    رضي الله عنها قالت: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم)، فقوله: (من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه) أي: بالصوم وليس بالفطر. قالت الرُّبيع رضي الله عنها: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا. فهذا يدل على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يفعلون ذلك، ويستحيل عليهم فعل شيء ثم نقول نحن: لا يستحب ذلك، فهم فعلوا ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ممنوعاً لنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فتقول رضي الله عنها: (ونجعل لهم اللعبة من العهن) يعني: نعمل لهم لعباً من العهن: وهو الصوف المصبوغ، تقول: (فإذا بكى أحدهم على الطعام) أي: لا نأتي له باللعبة من أول النهار، بل نحبس عنه اللعبة حتى يجوع ويبكي ثم نعطيه اللعبة يتسلى بها عن جوعه.قالت رضي الله عنها: (حتى إذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)، وفي لفظ لـمسلم : (ونصنع له اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)، فهذا تمرين جميل، وفيه المكافأة على الشيء الحسن الذي يفعله الصبي.


    حكم صوم المجنون

    لا يلزم المجنون الصوم في الحال. والمجنون يدخل تحته أصناف كثيرة منها: من يجن حيناً ويفيق حيناً، بأن تكون به نوبة صرع، والمجنون فاقد العقل، وغيرهما. وعليه فإن المجنون لا يلزمه الصوم في الحال؛ لحديث علي الذي تقدم وفيه: (وعن المجنون حتى يفيق) وهذا مجمع عليه.وإذا أفاق المجنون لم يلزمه قضاء ما فاته بالجنون. وذلك المجنون إذا كانت أياماً تامة كاملة، وسواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه، كأن جن شخص من بداية شهر رمضان إلى يوم عشرة رمضان، ثم بعد ذلك أفاق، فنقول: هو الآن مكلف، وكان في خلال العشرة الأيام الأولى ليس مكلفاً فلا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مكلف؛ ولأنه صوم فات في حال سقط فيه التكليف؛ لنقص في الأهلية، فلم يجب قضاؤه كما لو فات في حال الصغر.الصورة الثانية: إذا وجد الجنون في جزء من النهار كمن نوى من الليل وأصبح بالنهار صائماً، ثم بين الظهر والعصر ذهب عقله، بأن حدث له صرع أو ما شابه، وسواء كان الصرع الذي جاء له أوقعه على الأرض وأغمى عليه ثم ذهب بعقله، أو أن عقله ذاهب وهو مفيق، فتراه يتكلم ولكنه في غياب عن الوعي والإدراك، حتى وإن كان جالساً، وهذا يحدث عند البعض وخاصة كبار السن، حيث تراه يجلس ثم يذهب في غيبوبة ولا يدري بشيء أبداً، ويأتي عليه وقت الصلاة فينبه لها فلا يفهم شيئاً، ويمكن أن يرفع يده ويكبر ثم يذهب ولا يدري بشيء، فهذا عقله ذاهب الآن، وهو غير مكلف في هذه الحالة، ولكن يستمر ساعة أو ساعتين ثم يرجع له عقله مرة ثانية.فمثل هذه الصورة نقول فيها: هذا الجزء الذي ذهب فيه عقله لم يكن مكلفاً فيه فلا ينقض صومه، بل لا زال صائماً، حتى لو كان في هذا الجزء أكل أو شرب أو فعل شيئاً مما ينقض صيام غيره؛ لأنه ذاهب العقل غير مكلف في هذا الجزء. ومثله في الحكم من جن وذهب عقله فجاء إنسان ووضع له دواءً في فمه؛ ليفيق من جنونه. فهذا الرجل مكره على هذا الشيء وهو ذاهب عقله فلا شيء عليه، وإذا أفاق فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك. ولذلك نقول: إذا وجد الجنون في جزء من النهار لم يفسد الصوم، أما إذا وجد في جميع النهار فلا ينفع الصوم هنا، وذلك كمن جن من الفجر حتى غروب الشمس، فلا يصح صومه، وليس عليه القضاء. قال الشافعي رحمه الله: (إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم؛ لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض)، وهذه هي وجهة نظر الشافعي حيث قاس الصوم على الحيض، فالمرأة إذا كانت صائمة ثم نزل عليها الحيض فسد صومها ولزمها القضاء، والجنون مثلها أيضاً في الإفساد. يقول ابن قدامة راداً على ذلك: لنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم قياساً على الإغماء، أي: هناك فرق كبير بين الجنون وبين الحيض، فالمرأة الحائض إنسانة مفيقة عاقلة، أما المجنون فقد ذهب عقله، وأقرب أصل لهذا هو المغمى
    عليه، والمغمى عليه أجمعوا على أن صومه صحيح، إن كان الإغماء في بعض النهار لا كله، فنقيس المجنون على المغمى عليه في صحة الصوم بالشرط المذكور. يقول: (لم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم، ويفارق الحيض، فإن الحيض لا يمنع الوجوب) يعني: أن الحيض لم يمنع وجوب الصوم، بل يجب عليها الصوم، ولكن لا يصح منها لوجود المانع، ولذلك فهي ملزمة بقضاء أيام حيضها. فإن الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم، ويحرم فعله، ويوجب الغسل، ويحرم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطء، فلا يصح قياس الجنون عليه؛ لوجود فروق كثيرة بين هذا وذاك؛ لذلك فهذا قياس مع الفارق.يقول: (وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوب قضائه وهو الصواب)، أي: وهو الصواب أنه لا يجب قضاء من جن في بعض اليوم؛ لأنه غير مكلف في هذا الجزء، بل مكلف في الباقي، واجتمعت النية مع الإمساك في باقي اليوم فصيامه صحيح. يقول: (وإن سلمنا، فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة) يقول: بفرض التنزل، فالذي نقوله: إن المجنون في بعض اليوم فاقد للإدراك، لكنه قد أدرك بعض وقت العبادة فيلزمه القضاء كالصبي إذا بلغ.والصواب أن الصبي إذا بلغ لا يلزمه القضاء طالما أنه أمسك باقي الجزء من اليوم الذي بلغ فيه، وكذلك الكافر إذا أسلم في بعض النهار، وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة، فهذا يذكره ابن قدامة تنزلاً منه.


    حكم صوم المغمى عليه ووجوب القضاء عليه

    يقول: (متى أغمي على الصائم جميع النهار فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه)، إذاً: هنا الإغماء كان جميع النهار، ونحن نقول: الصيام عبارة عن إمساك مع نية، إذ لابد ولو في جزء من النهار أن يكون ممسكاً ويحس، فالنائم مثلاً يستشعر الجوع، ولو أيقظه أحد لاستيقظ، أما المغمى عليه فإنه وإن ضرب فلا يحس بشيء، فإذا كان الإغماء من أول الفجر حتى غروب الشمس فإنه وإن كان ممسكاً، إلا أنه لا نية عنده، فهو لم يفق بحيث يستشعر هذا الجوع؛ ولأنه لا يحس بشيء فيها، فعلى ذلك إذا أغمي عليه بعض النهار أو أكثره وأفاق في بعضه فصومه صحيح، أما لو أغمي عليه جميع النهار فلا يصح منه هذا الصوم. يقول لنا: (فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يصح)، وكأن أبا حنيفة يقيس ذلك على النوم، وإن كان هنا فارق بين النوم وبين الإغماء، فالنائم يستشعر الجوع وهو نائم، وكذلك النائم لو أيقظته استيقظ، لكن المغمى عليه لا يستشعر بجوع ولا بشيء، ولو أيقظته لم يستيقظ، إذ لو كان يستيقظ لنفعه صوم بعض النهار فصح باقيه.قال أبو حنيفة : (يصح؛ لأن النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم)، وكأنه يريد أن يكتفي بالنية إذا صحت بالليل. قال مالك : (إن كان أغمي عليه من أول النهار إلى الليل رأيت أن يقضي يوماً مكانه، وإن أغمي عليه وقد قضى أكثر النهار أجزأه ذلك)، يريد أن يقول: إن الإغماء إذا كان له أكثر النهار فعليه أن يقضي يوماً مكانه، أما إذا كان الإغماء أقل النهار فلا قضاء عليه، وكأنه يفرق بين القليل والكثير. والراجح فيه أنه إذا أفاق بعض النهار وكان قد جمع بين النية مع الإمساك فصومه صحيح ولا يلزمه القضاء، أما إذا أغمي عليه النهار كله فهذا يبطل صومه ويلزمه القضاء؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
    [البقرة:184].والإغماء يلحق بالمرض وليس بالجنون، فالمجنون إنسان ذاهب العقل غير مكلف، والمغمى عليه مريض، فعلى ذلك يلزمه أنه يقضي يوماً مكانه.فالجنون نقص في الأهلية، أما هذا فهو مريض، ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ويجوز عليهم الإغماء. والدليل على ما رجحناه قول الله عز وجل في الحديث: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي)، فهذا الجزء من الحديث فيه الشاهد على أن الواجب في الصيام هو الترك مع النية، ولو كان الترك كأن أغمي عليه في الباقي فيصح منه ذلك، أما إذا أغمي عليه اليوم كله فلا يضاف الإمساك إليه. أما النوم فلا يؤثر في الصوم سواء وجد في جميع النهار أو بعضه؛ لأن النوم عادة يجري على جميع الخلق، ولا يزيل إحساس الإنسان بالكلية، ومتى نبه النائم استيقظ، أما الإغماء فعارض يزيل العقل فأشبه الجنون.ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة فهو ملحق بالجنون في حكمه، كأن أصابه صرع أو ما شابه، أما من كان مريضاً فأغمي عليه بسبب المرض كمن أصابته حمى فأغمي عليه في الحمى، فهذا مريض الآن، وحكمه حكم المريض، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] أي: عليه قضاء تلك الأيام التي أفطر فيها. إذاً: نفرق بين من حالته الجنون فهو غير مكلف في هذا الوقت، وفيه التفصيل الذي تقدم، وبين من كان في مرض فأغمي عليه بسبب المرض، كأن يكون مريضاً بالحمى أو أغمي عليه بسبب أنه مريض الكبد أو الكلى أو غير ذلك، فيلزم هذا الإنسان قضاء الصوم دون الصلاة؛ لمشقة التكليف بقضاء الصلاة دون الصوم. وهو غير آثم لترك الصيام في تلك الأيام؛ لأن زوال عقله كان بعذر صحيح، أما إذا زال عقله بمحرم، كأن يشرب مسكراً، من حشيش، وخمر، وغيرهما، فهذا يلزمه القضاء، وهو آثم بالترك في هذه الحال.


    حكم من بلغ أو أسلم في نهار رمضان


    إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار أتم صومه ولا قضاء عليه، وكان أول صومه نافلة وآخره فريضة. ولا يلزمه القضاء على الراجح في ذلك؛ لأن نية الصوم حصلت لهذا الإنسان ليلاً فيجزئه كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نافلة وباقيه فرضاً كما لو شرع في صوم يوم تطوعاً ثم نذر إتمامه، وصورة هذا النذر أن يكون أول النهار صائماً بنية النفل، ثم قال: اليوم الذي سيقدم فيه فلان لله علي نذر أني أصومه، فقدم صاحبه في نفس اليوم، فيصير اليوم الذي بدأه بصوم النافلة فريضة عليه بسبب نذرهن أما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه.وإذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل، فيلزمه صوم بقية الشهر، أما اليوم الذي أسلم فيه فإنه إن كان إسلامه عند صلاة الظهر فقد وجب عليه الصوم في ذلك الوقت، فإن صام من ذلك الوقت فالراجح أن صومه هذا يكفيه كصوم عاشورا من قبل الصحابة، حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإمساك بقية اليوم، ولا يلزمه شيء أكثر من ذلك، فإن صام يوماً مكان هذا اليوم فهو أفضل احتياطاً للخلاف الذي في هذه المسألة.وهذا قول الإمام أحمد ، وبه قال إسحاق ، لكن قال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا قضاء عليه، ولو لم يصم ذلك اليوم أيضاً فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يدرك يوماً كاملاً في إسلامه.وهذا مروي أيضاً عن أحمد رحمه الله.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - النية في الصيام
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (4)


    النية شرط في جميع العبادات ومنها الصوم، فإذا كان الصوم فرضاً فلا بد من الجزم بالنية من الليل، وإذا كان نافلة فلا بأس أن ينويه في النهار ما لم يطعم، ولو نوى في صيام الفرض من الليل ثم أكل بعد أن نوى ذلك في الليل فلا يضره إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر.ومن لم يعلم بدخول رمضان إلا في النهار فإنه ينوي ويمسك من وقت علمه بذلك، ولا قضاء عليه على الراجح.


    وجوب النية في الصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا في الحديث السابق أن صوم رمضان فريضة افترضها الله عز وجل على عباده، وهو ركن من أركان الإسلام، فصوم رمضان هو الفريضة، وغيره من الصيام إما أن يكون تطوعاً، وإما يكون واجباً إذا أوجبه الإنسان على نفسه لسبب من الأسباب، لكن لا توجد فريضة صيام بأصل الشريعة إلا صوم رمضان.وهذه الفريضة كما ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم لابد فيها من نية، فجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له).أي: بالنية، وقال: (إنما الأعمال بالنيات) فكل عمل من الأعمال لابد فيه من نية، كالصلاة والصيام، وكل عبادة من العبادات لابد فيها من نية، وكل عمل يعمله الإنسان إذا نوى فيه نية حسنة فالله عز وجل يأجره عليه، (وإنما الأعمال بالنيات) أي: إنما الأعمال الصالحة بالنوايا الخالصة، فإذا كانت النية خالصة لله عز وجل والعمل صالحاً، تقبل الله عز وجل هذا العمل، نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا صيام شهر رمضان، وأن يعيننا عليه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ويرضى إنه ربنا سبحانه على كل شيء قدير.إذاً فلا يصح صوم رمضان إلا بنية، ولابد في الصوم الواجب أن تكون النية من الليل؛ والصوم الواجب: صوم رمضان وصوم الكفارة، وصيام قضاء رمضان، وصيام كفارات قتل الصيد للمحرم ونحو ذلك.إذاً: فلا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب والمندوب إلا بالنية؛ للحديث الذي في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).وعن ابن عمر عن حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)، فلا بد لصحة الصيام أن تكون النية قد بيتها صاحبها، والبيات يكون بالليل، فيبيت من الليل لنية أنه غداً صائم، هذا لغير المعذور.وأما المعذور كأن يريد أن ينام وهو لم يتبين له أن غداً من رمضان أو ليس من رمضان، فينوي: لو كان غداً من رمضان فإني صائم، فتصح له هذه النية، إذاً: لابد في النية من أن تكون جازمة أنه سيصوم رمضان إلا لمن كان معذوراً كهذا، فله أن ينوي النية على التردد: إن كان غداً من رمضان فإني صائم.

    محل النية هو القلب

    محل النية القلب في كل العبادات، فلا يحتاج أن يتلفظ بها بلسانه؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نويت أن أصوم، أو قال: نويت أن أصلي، إلا في الحج والعمرة، فإنه يهل بهما، ويرفع صوته فيقول: لبيك حجة، لبيك عمرة، لبيك حجة وعمرة.وأما غيرها فلا؛ لأن الذي قال: لبيك حجة لم يقل: نويت أن أصلي، صلوات الله وسلامه عليه، فيؤخذ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فما قاله قلناه، وما سكت عنه سكتنا عنه.ومعنى النية العزم والقصد إلى فعل الشيء، فلا يكفي اللسان عن نية القلب، ولو أن الإنسان تكلم وقال: أنا غداً صائم ثم لم يكن هذا الكلام بقصد النية فلا ينفع، بل لا بد أن يكون القلب موافقاً لهذا اللسان.


    هل ينوي لكل يوم من رمضان أم تكفي النية في أول يوم

    النية في رمضان تجدد في كل ليله على الراجح، وبعض أهل العلم يرى أن نية واحدة في أول الشهر تغني عن الشهر كله، ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، وأن أيام رمضان لا يتعلق يوم فيها بيوم آخر، فإن ذلك يدل على أنه لا بد من النية لكل يوم، فأيام رمضان لا ارتباط فيما بينهما من حيث الصيام، فالذي يفطر يوماً لا نقول له: كأنك أفطرت الشهر كله، وهناك فرق بين صيام رمضان والصيام في كفارة القتل، وفي كفارة الظهار، فكفارة الظهار عليه أن يصوم فيها شهرين متتابعين، والصيام فيها متعلق بعضه ببعض، فليس له أن يفطر، قال تعالى: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، فلا بد من التتابع، فلو انقطع هذا الصيام بغير عذر فإنه يلزمه أن يعيد الشهرين المتتابعين من جديد وكذلك في قتل الخطأ أو الخطأ شبه العمد، فالكفارة في ذلك صيام شهرين متتابعين، إذاً: فيلزمه التتابع، وفي مثل ذلك يقال: إن نية واحدة تكفي؛ لأن التتابع شرط والصيام مرتبط بعضه ببعض.وليس كذلك في شهر رمضان، فلو أنه أفطر يوماً أو عدة أيام فهذه الأيام التي أفطرها لا تؤثر في الأيام التي صامها، فعلى ذلك يبيت النية أنه غداً صائم كل ليلة في صيام رمضان.وتبييت النية أمر سهل، فأنوي في قلبي أني غداً صائم، وكوني أتسحر بالليل هذه نية الصيام في الغد، وعلى ذلك الإنسان الذي يستحضر أنه غداً صائم، هذه هي النية، إذاً: تجب النية في كل صوم واجب سواء في رمضان أو في غير رمضان، فغير رمضان مثل صيام كفارة اليمين ثلاثة أيام، فيلزمه نية لكل ليلة، وخاصة إذا قلنا: إنها ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع.وأما في صيام الكفارتين: كفارة الظهار والقتل شهرين متتابعين فتكفي بنية بواحدة من البداية على الراجح، ولكن الأولى أن ينوي في كل ليلة أنه غداً صائم.

    الفرق بين النية في صيام الفرض وصيام التطوع

    هناك فرق بين صيام الفريضة وصيام التطوع من حيث النية، فالتطوع يجوز فيه أن تكون النية من النهار، لكن الفريضة لابد من تبييت النية من الليل، والذي فرق بين الاثنين هو النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا صام رمضان بيت النية من الليل، وأخبرنا عن ذلك فقال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، هو صلى الله عليه وسلم صام تطوعاً بنية من النهار، فقد كان ناوياً أن يفطر ثم صام ونوى التطوع من أثناء النهار.إذاً: لو نوى الصوم بعد الفجر لم ينعقد عن رمضان طالما أنه متمكن من النية بالليل، وهذا في النذر وغيره، إلا إذا كان النذر في النهار، والنذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم إذا قدم فلان، فإذا كان صائماً تطوعاً فقدم فلان انقلب الصوم إلى فريضة؛ لأنه نذر بذلك، فكانت نية الفريضة من أثناء النهار، وكانت النية قبل ذلك تطوعاً.

    تصح نية صيام الفرض في جميع الليل وحكم الأكل بعد النية قبل الفجر

    تصح النية في جميع الليل، فإذا نوى بعد غروب الشمس أنه غداً صائم تنفع هذه النية، ولا يشترط أنها تكون قبل الفجر مباشرة، ولكن في أي وقت من الليل من الغروب إلى قبيل الفجر يجوز له النية فيه.وإذا نوى الصوم بالليل ثم أكل أو شرب فهذا لا ينقض نيته، فبالليل نوى أنه غداً صائم، وبعدما نوى أكل أو شرب فلا شيء عليه، ولا تنقتض هذه النية بشيء.وكذلك لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر فأكل فلا شيء عليه، وتكفيه تلك النية.
    جواز النية من النهار في صوم النفل


    يصح صوم النفل بنية من النهار، وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا عائشة ! هل عندكم شيء؟) يعني: من طعام، فهو يريد أن يأكل صلى الله عليه وسلم، وقوله هذا يدل على أنه كان مفطراً، (فقالت: يا رسول الله! ما عندنا شيء، قال: فإني صائم)، فالنية الآن من النهار، فقد كان في البداية ناوياً أن يفطر، فلم يلق طعاماً فصام صلوات الله وسلامه عليه، فدل ذلك على أنه يجوز لك أن تصبح وأنت تريد الإفطار، فإن لم تجد إفطاراً حولت النية إلى الصوم فتصير صائماً وتؤجر عليه.إذاً: ففي صيام التطوع الله عز وجل يرخص لعباده في أشياء حتى يحببهم في التطوع في العبادة، ولذلك في صلاة النافلة يجوز لك أن تصلي وأنت قاعد حتى ولو لم تكن مريضاً، ولكن الأجر على نصف القائم، وأما الفريضة فلا يجوز لك أن تصلي قاعداً إلا إذا لم تستطع القيام، إذاً لماذا في النافلة يجوز أن تصلي وأنت قاعد؟ يجوز ذلك للتحبيب في النافلة، فالإنسان طبيعته فيها الكسل، فتوسوس له نفسه بأني متعب ولا أستطيع أن أقوم وأصلي، فنقول له: ممكن تصلي وأنت قاعد، فإذا صلى وهو قاعد، تعود على النافلة مع الزمن، فيقوم بعد ذلك يصلي وهو قائم، ويقول: لماذا آخذ نصف الأجر وأنا أقدر أن آخذ الأجر كاملاً؟! إذاً: أصلي وأنا قائم.فكذلك في الصيام يخفف الله عز وجل تيسيراً على العبد، وتحبيباً له في التطوع، فإذا أصبح وليس عنده طعام، فيجوز له أن ينشئ نية الصيام من النهار، إلا أن يكون في أيام يكره فيها الصيام أو يحرم فيها الصيام، كيوم العيد مثلاً، ويوم الجمعة يكره الصيام فيه منفرداً إلا أن يكون يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. ففي الحديث السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإني صائم، قالت عائشة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله! أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قالت: قلت: حيس، قال: هاتيه، قالت: فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً).وهذا الحديث كأنه جمع يومين مع بعض وليس يوماً واحد، ففي أحد الأيام كما في أحاديث أخرى عن عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها أنه كان أصبح مفطراً ولكن لم يأكل، فلما لم يجد طعاماً نوى الصيام وصام، وفي يوم آخر أصبح وقد نوى الصيام صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك أتته السيدة عائشة فقالت: أهدي لنا هدية، فقال: ما هي الهدية؟ قالت: حيس، وهو طعام حلو يتخذ من التمر والسمن، فأكل منه وأفطر صلى الله عليه وسلم.وهذا من رحمته بأمته صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن الصائم أمير نفسه، فإن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطر، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك لكان كل إنسان صائم عليه أن يستمر فيه، ولشق عليه صوم التطوع، لكن كون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك دل على أنه يجوز أن تصبح وأنت صائم، ثم يبدو لك أن تفطر لعذر من الأعذار أو لغير عذر فلك ذلك؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت رواية في هذا المعنى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (إذاً أفطر اليوم وقد فرضت الصوم)، قوله: (فرضت) هنا ليس معناها أنها فريضة، بل معناه: كنت نويت الصوم، ثم أفطر صلى الله عليه وسلم.وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (إنما مثل صوم المتطوع كمثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها)، وهذا يعطي لنا حكماً آخر وهو: أن المتطوع بالصوم كالمتطوع بالصدقة، وليس هو كالمتطوع بالصلاة؛ لأن الصلاة إذا أحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فالصلاة تكون تطوعاً إذا أنت لم تدخل، فإذا أردت أن تصلي فصل وإذا لم ترد أن تصلي فلا تصل، لكن إذا دخلت في الصلاة فأحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فهي إذاً غير الصوم وغير الصدقة، فالصدقة في جيبك، فإذا نويت أن تعطي فلاناً صدقة، ثم بدا لك ألا تفعل فإنك تؤجر على أنك نويت أن تفعل الصدقة، وهذا من كرم الله العظيم سبحانه، والصيام كذلك، فإذا نوى إنسان أن يصوم وأصبح صائماً، ثم بدا له أن يفطر بعد ذلك أفطر، فهذا الصائم تطوعاً كالذي يريد أن يتصدق بالصدقة، فكلاهما أمير نفسه إن شاء أمضى ذلك وإن شاء لم يفعل.وفي أي وقت من النهار نوى صيام التطوع أجزأه، سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده، فمثلاً في صوم التطوع إذا بقي إلى وقت الظهر وما أكل، فجاء عند وقت الظهر فقال: أكمل صومي، فالراجح أن له ذلك.ومثل إنسان كان نائماً لم ينو صوماً، ثم استيقظ من النوم قبيل المغرب فالراجح أنه يجوز له ذلك، تحبيباً للمسلم في الصوم، وهذا في التطوع وليس في رمضان وليس في فريضة. والشرط في ذلك ألا يكون قد طعم قبله، فلا يكون قد أكل وشرب وبعد ذلك يقول: سنصوم لا، بل يشترط ألا يكون قد أكل أو شرب بعد الفجر.ويؤجر على صيام يوم كامل، وهذا مثل أن يتصدق الإنسان بصدقة ويؤجر عليها عشر حسنات، وآخر يتصدق ويؤجر مائة، فلن يستوي هذا مع إنسان كان ناوياً للصيام من قبل الفجر، غداً صائم، لكن من حيث الأجر فيكون له أجر صيام يوم كامل، وأما المضاعفة فأمرها إلى الله عز وجل، فيضاعف لمن يشاء.


    تعيين النية في الصيام

    يشترط تعيين النية في صوم القضاء والكفارة، يعني: طالما أنه صيام واجب فلابد من تحديد النية، فمثلاً أنوي أني اليوم صائم صوم رمضان فيكفي، وإذا كان علي صيام من رمضان فأنوي أني صائم غداً عن اليوم الذي كان في رمضان، ولا ينفع أن أقول: سأصوم وبعد ذلك أنوي كفارة يمين أو كفارة عن كذا، أو ظهار، أو لرمضان. إذاً: لا بد من نية في الليل أنه صائم غداً صيام الفريضة.ولا يشترط تعيين سبب الكفارة، ولو عين وأخطأ لم تجزئ الكفارة، كتعيين كفارة يمين، أو كفارة ظهار، أو كفارة قتل خطأ، فإذا نوى أنه يصوم غداً صيام عن هذه الكفارة فأطلق وقال: أنا علي كفارات وسأبدأ الصيام من غداً وما حدد، جاز له أن يبدأ الصيام ويصرفه لأي نوع من هذه الكفارات، إلا إذا نوى من الليل وقال: غداً أصوم عن كفارة قتل الصيد مثلاً، فأصبح بالنهار وقال: أنا أحول النية وأجعلها للكفارة أخرى، فهنا لا تتحول النية، ولكن تظل على هذا الشيء، إذاً لو عين النية وأخطأ لم يجزئها في مسألة أخرى. ولو عين النية وأخطأ مثل أن يقول: علي يوم من رمضان وغداً سأقضي هذا، فلما صام هذا اليوم تبين له أنه لا يوجد عليه قضاء من رمضان، وإنما كان عليه كفارة يمين، فلا تنفع هذه مكان هذه؛ لأنه صامه قضاء لرمضان، فيكون صومه نافلة، ولا ينقلب إلى شيء آخر من الكفارة.


    حكم صيام التطوع بنية مطلقة

    يصح صيام التطوع بنية مطلقة كما تصح الصلاة بنية مطلقة، ولكن الأفضل هو تعيين النية في الصوم المرتب، فمثلاً ينوي أن غداً يوم الإثنين سأصوم؛ لأن يوم الإثنين يوم ترفع فيه الأعمال، ولو أنه صام بنية مطلقة، لأجزأ ورفعت فيه الأعمال أيضاً، ولكن الأفضل أنه ينوي اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصوم الإثنين والخميس.وكذلك في صوم عاشوراء إذا صام بنية مطلقة، فإنه مأجور عليها، لكن الأفضل أن ينوي أن هذا صوم عاشوراء، وكذلك في يوم عرفة ينبغي أنه ينوي أن هذا صيام عرفة؛ بحيث يؤجر على أنه اختار أن يصوم في اليوم الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه تلك الفضيلة العظيمة، ولو صامه بنية مطلقة فإنه يؤجر عليه أيضاً بما جاء في الكفارة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
    حكم الجزم بالنية في الصيام

    ينبغي أن تكون النية جازمة في الصيام فلا يبقى متردداً في التطوع، أنا صائم أو غير صائم، وإذا أصبح يتردد أصوم أو لا أصوم، ويظل على ذلك إلى أن تغرب الشمس، فلا يعد صياماً؛ لأنه لابد من الجزم بالنية.وفي صوم الفريضة لابد بالجزم بالنية بالليل كما قدمنا.
    حكم صوم الفرض بنية من النهار

    يصح صوم الفرض بنية من النهار في العذر الشديد جداً، مثل أن يصبح الناس فجاء إنسان وقال: رأينا الهلال بالأمس، وهذا إذا كانت رؤيا عين.ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم أصبحوا صائمين في يوم الثلاثين من رمضان، فجاء بعض الأعراب وقالوا: رأينا الهلال ونحن في الطريق، وأهل المدينة كانوا صائمين، وأخبروا بذلك بعد الظهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإفطار، وخرجوا إلى العيد في اليوم الثاني مع أن يوم العيد هو هذا اليوم الذي كانوا فيه، ولكن هذا اليوم قد انتهى فسيخرجون إلى العيد من اليوم الثاني.وكذلك يكون الأمر إذا لم يروا الهلال وأصبحوا مفطرين، ثم جاءهم من يقول: رأينا الهلال، وأخذ بكلام هذا الإنسان وقبلت شهادته، فيجوز لمن لم يكن قد أكل أن ينوي نية من النهار وأن يصوم، وإن كان الأحوط في هذه الحالة أن يقضي ذلك اليوم، والراجح من حيث الدليل أنه يجزئه، كصيام عاشوراء حين كان فريضة، ثم نسخ، فقد كان صيامه فريضة والنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصوموا من النهار، ففي مثل هذه الحالة يجوز.


    حكم التردد في الصيام في آخر يوم من رمضان

    إذا كان في آخر رمضان فقال في ليلة الثلاثين من رمضان: أصوم غداً إن كان من رمضان، وفعلاً كان من رمضان، فهنا يجوز صومه ذلك، وإن كان من العيد أفطر.ولو كان عليه قضاء فقال: أصوم غداً قضاء أو تطوعاً، فهذا لا ينفع هنا، وهو ينفع في رمضان على الراجح، والفرق أن رمضان لن يقدر أن يستدرك هذا الشيء فيه، فإذا قال بالليل: لو كان غدا رمضان فأنا صائم عن رمضان، وإن كان غير رمضان فأنا صائم تطوع، فأصبح فكان من رمضان، فتنفع هذه النية.لكن لو أن إنساناً تردد في النية، وقال: أنا غداً صائم قضاء أو تطوعاً، ولم يجزم بأحدهما، فنقول له: لا بد من الجزم؛ لأن هذا الأمر بيدك فتستطيع أن تقضي غداً أو في أي وقت آخر، فلك الخيار إما أن تنوي قضاء أو تنوي تطوعاً، فالتطوع لك الخيار فيه، فعلى ذلك إذا قال: إني غداً صائم إما قضاء عن يوم من رمضان، أو تطوعاً، وأصبح الصبح على هذه النية المترددة، فإن الصيام يكون تطوعاً ولا يجزئ أن يكون فريضة في هذه الحالة والله أعلم.نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

    - مسائل في النية وبداية ونهاية الصوم
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (5)


    لا بد من تبييت النية من الليل للصوم، وهناك مسائل تتعلق بالنية في الصوم، فمن نوى الصوم ثم نوى قطعه جازماً فقد أفطر وإن لم يأكل، ومن نوى قطعه متردداً فلا شيء عليه وصومه صحيح، ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إلا أن يكون معذوراً بنوم أو نسيان، والصيام يبدأ من أول الفجر الصادق حتى غروب الشمس يقيناً.

    مسائل تتعلق بالنية في الصوم

    حكم من نوى قطع الصوم جازماً أو متردداً
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا في الحديث السابق عن النية في الصوم وأن صوم الفريضة لا يصح إلا بنية، ولابد أن يبيت النية من الليل كما قدمنا، ولو دخل إنسان في صوم ثم نوى قطعه جازماً بنية الخروج فهذه من المسائل التي تتعلق بالنية، فإذا نوى مسلم من الليل أنه غداً صائم وأصبح بالنهار وهو على هذه النية عازماً على الصوم ثم بدا له أن يقطع هذه النية فإما أن يكون متردداً، أو أن يكون جازماً بقطع النية، يعني: كأن يقول: أنا الآن مفطر إذا وجدت طعاماً سآكل، فإذا عزم على الخروج خرج في الحال ولو لم يأكل، فإذا تردد في الخروج كإنسان مريض تردد وقال: أفطر لأنني معذور بالمرض ولا أكمل الصوم؛ فإنَّ التردد لا شيء فيه، والصوم صحيح، لكن الجزم بأنه خرج من الصوم كأنه نفى النية وألغاها، فعلى ذلك الآن هو مفطر؛ لأننا ذكرنا أن الصيام هو إمساك مع نية، فلا بد من الاثنين، فإذا وجد الإمساك والنية نسيها الإنسان فلا شيء، ولو تردد فيها وقال: أكمل أو أفطر؟ فلا شيء، لكن إذا عزم وجزم بأنه لا نية للصوم وقال: أنا مفطر الآن، فقد بطل صومه. ولو كان صائماً عن نذر فنوى قَلْبَهُ إلى كفارة أو عكس ذلك، أي لو أنه صائم عن نذر، كأن يكون نذر أن يصوم يوم الاثنين القادم -في غير رمضان- وجاء يوم الإثنين وأصبح وهو صائم بهذه النية، ثم تذكر أن عليه كفارة يمين الآن وهو بالنهار، فأراد أن يقلب نيته إلى كفارة يمين، فإنه لا يصلح ذلك، والراجح أن صومه صحيح وهو عن النذر وليس عن الكفارة، ولا ينقلب الصوم لشيء آخر بخلاف من نوى من الليل -فقال: أنا غداً صائم، إما قضاء رمضان وإما عن النذر، ولم يجزم بواحدة حتى طلع عليه الصبح فصام، فصومه الآن صوم نافلة وليس فريضة، لأنه لابد ليكون قضاءً من عزم في نيته على أن هذا صوم قضاء، وإذا كان عن كفارة لا بد من عزم، وإذا كان عن نذر لا بد من عزم كذلك، فإذا أصبح عليه الصبح ولم يجزم، ولكنها مجرد نية أنه يصوم ولم يحدد عن أي شيء، فلا يصلح أن يحدد بعد أول نهار ويكون صومه هذا نافلة.

    حكم الحائض إذا نوت الصوم قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل


    من المسائل التي تتعلق بنية الصوم: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل، فهنا لا يشترط في وقت النية أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، ولكن العادة قد تكون معروفة عندها، فهي تعرف أنها في يوم كذا في نهار رمضان أنها حائض، وأن هذا آخر يوم لها في دورتها، ومنتظرة خلال الليل أن تنقطع تماماً، وتعلم أنه قبل الفجر ستكون قد قطعت الدورة، فلو أنها نوت في أثناء حيضها وهي تعلم انقطاعه في الليل فالنية صحيحة وتجزئها، فإذا أصبحت وكانت طاهرة فصيامها صحيح.

    أي فعل يدل على الصوم في الليل يكفي في نية الصوم

    الإنسان لو تسحر ليتقوى على الصوم أو عزم في أول الليل أن يتسحر في آخره، أو قال: أتسحر للصوم أو أشرب لدفع العطش، هذا كله يصلح نية للصوم؛ لأنه فعل ذلك بقصد الصوم، فعلى ذلك فهذه نية تجزئ في الصوم، ولا يشترط أن يقول: أنا غداً صائم، بل أي فعل فعله من أجل الصوم كالسحور ونحو ذلك، فهو نية تجزئه.

    حكم تعقيب الصائم النية بقوله: إن شاء الله

    لو عقب النية بقوله: إن شاء الله أنا غداً صائم، فهذه الكلمة تقال على وجهين، إما أن يقصد التبرك بهذه الكلمة وتأكيد العزم فيما يقول، فهذا لا يؤثر في صومه وصومه صحيح، أو يقصد بها التعليق، مثال ذلك: إنسان يقول لك: ائتني بالليل، فتقول له: إن شاء الله، فأنت تركت الأمر للقدر، وإذا شاء الله ذهبت إليك، فأنت لست عازماً أصلاً أنك تأتيه، وتركت الأمر للظروف، إذا شاء الله عز وجل ذهبت إليك، هذا هو التعليق على المشيئة، والتعليق على المشيئة لا يصلح في نية الصوم، بخلاف من يقول: أنا صائم غداً إن شاء الله ويقصد بهذه الكلمة التبرك بها والعزم.


    حكم من نسي نية الصوم في رمضان حتى مطلع الفجر


    لو أن إنساناً جاء عليه الليل ونسي النية حتى الفجر، أو أنه نام قبل المغرب وقام بعد الفجر، ومعلوم أنَّ النية تكون بكل ليلة، لكن هذا لم يبيت النية لأنه نام أو نسي. قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فالقياس الصحيح هنا أن يقال: نية الصوم تكون إذا استيقظ ولم يأكل، فقد نوى أنه يصوم فتجزئ، وخاصة أن مسألة النية في النهار للعلماء فيها قولان: فمذهب الإمام أبي حنيفة أن النية مجزئة لأي صائم، وفي أي صوم فريضة أو نافلة، فله أن ينوي من النهار، ومذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد أنه لابد من تبييت النية إلا مع العذر وهذا هو الصحيح، إذاً: لابد من النية إلا أن يوجد عذر، وسبب الاستثناء في العذر ما جاء في عاشوراء أنه فرض عليهم صومه في عام واحد وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في النهار أن يصوموه، فأجزأت هذه النية، فعلى ذلك لو أن الإنسان نام قبل غروب الشمس فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهذا معذور بالنوم، وإذا كان يعذر في الصلاة فليعذر هنا، فلينو إذا استيقظ من نومه، ويصوم هذا اليوم، وإذا نسي طول الليل كأن يقرأ القرآن أو كان يصلي، ولم يستحضر في قلبه أن يوم غدٍ من أيام رمضان حتى طلع الفجر، فإننا نقول: يجزئه الآن أن ينوي من النهار، وهذا مذهب أبي حنيفة ومذهب ابن حزم في هذه المسألة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، فهذا معذور ولا يقاس على المعذور غيره، إذاً: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، إلا أن يكون معذوراً بنوم أو بنسيان.

    حكم النية في الليل ثم قطع النية قبل الفجر

    لو نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، نحن نقول: الصيام لابد فيه من إمساك مع نية ولو حكماً؛ لأنه ليس من الممكن أبداً أن نقول للصائم: اذكر طول النهار من الفجر حتى المغرب نية الصوم، هذا بعيد؛ لأن الإنسان ينسى ويأكل ناسياً ويسهو وهكذا، فصعبٌ أن يتذكر النية طول النهار، إنما نقول: تعتبر له النية حكماً حتى يقطع هذه النية، فلو أنه نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، أي: نوى عند العشاء الصوم وجاء قبل الفجر وقال: لا، إنني مسافر غداً لن أصوم، فعلى ذلك فهو مفطر؛ لأنه قطع النية قبل الفجر، ولا تجزئه النية التي كانت في الليل، فإن لم يسافر هذا الذي قطع النية فإنه يلزمه الإمساك، ولا يجزئه عن رمضان، بل عليه القضاء بعد ذلك.

    حكم من علم أن عليه صوماً واجباً لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة

    لو علم أن عليه صوماً واجباً ولا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة؟ نقول: هنا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، صُم ثلاثة أيام بنية الصوم الذي وجب عليك، أي: بنية الصوم الواجب ولا يلزم التحديد الآن؛ لأنه يشق عليك، والله سبحانه يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] .

    مسائل تتعلق ببداية ونهاية الصوم


    إنَّ الصيام يبدأ من أول الفجر حتى غروب الشمس، إذاً: ينقضي الصوم ويتم بغروب الشمس، وهذا من رحمة الله سبحانه، إذْ خفف علينا بعدما كان الصوم يبدأ من العشاء حتى غروب شمس اليوم الثاني، فيصام ثلاثاً وعشرين ساعة في اليوم! فالله خفف وجعل الليل للأكل والشرب والجماع، قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] إذاً: من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس. وهذا بإجماع المسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم أن الليل آتٍ من هنا، والشمس تتحرك من المشرق إلى المغرب، وكلما تتحرك من مكان تخلف خلفها مكاناً للظلِّ ومكاناً للَّيل، فالظلمة تبدأ يسيراً شيئاً فشيئاً حتى تعمَّ الظلمة جميع المكان، فيكون هذا الليل بغروب الشمس، إذاً: إذا جاء الليل من هاهنا وغرب النهار من هاهنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأدبر النهار)، وقال: (وغربت الشمس) لأنه ليس ضرورياً إذا أدبر النهار أن تكون قد غربت الشمس، ولكن قد يكون هذا في تخيلك أنت وفي نظرك، فقد يُدبر النهار بسحابات انتشرت في السماء، ولم تغرب الشمس، فعلى ذلك لا بد من غروب الشمس، والذي يقف عند البحر، أو في أفق واسع أمامه في صحراء أو نحوها يرى الشمس وهي تغرب، تنزل رويداً رويداً حتى تنزل تحت الأفق.قال العلماء: الأحوط أن يمسك جزءاً يسيراً بعد الغروب؛ لأن الذي يرى الشمس وهي تغرب، يجد أن الشمس حين تنزل تحت الأفق يكون فوقها شعاع يسمى الشفق الأحمر، وكأن هذا الشفق يخبر الإنسان أن الشمس لم تنزل بالكامل تحت الأفق، ولذلك لا بد من الاحتياط.والدخو في الصوم يكون بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وذكرنا أن الفجر الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفجر الكاذب هو ضوء يكون في السماء مستطيلاً، والفجر الصادق يكون ضوءاً أو خيطاً مستعرضاً في الأفق من المشرق إلى المغرب. روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ، فـعدي بن حاتم أخطأ في هذا الشيء، وأخذ بمقتضى ما يفهم هو من اللغة، أنه خيط أبيض وخيط أسود، فأخذ حبلين، حبلاً أبيض وحبلاً أسود، ووضعهما تحت وسادته ليتبين هذا من ذاك، فبيَّن له النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطأ وأن قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة:187] يقصد به: بياض النهار، وسواد الليل. أيضاً جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم من سحوركم) أي: من أكل السحور (أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطيل هكذا) إذا كان الأفق أمامكم بطول السماء، فليس هو الفجر، لكن الفجر الذي يكون خيطه مستعرضاً آتياً من المشرق إلى المغرب وتراه أمامك.

    جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني

    يجوز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني أي: الفجر الصادق، لقوله سبحانه: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ولو أن إنساناً يقف وينظر إلى الفجر وينظر إلى الأفق أمامه بين المشرق والمغرب حتى يتبين له الفجر وما زال يشك، هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ فطالما أنه يشك فله أن يأكل حتى يتبين له ذلك، وهذا قد يختلف باحتمال النظر، فمن الناس من نظره قوي، وهذا نظره أضعف منه، فإذا تبين طلوع الفجر لك وجب عليك الصوم، لكن الآن لدينا الساعة ونعرف طلوع الوقت الصادق عن طريقها، فإذا تأكدْنا أنَّ هذا وقت الفجر فلا يجوز لنا أن نأكل أو نشرب، بل من كان في فمه طعام فليقذف هذا الطعام على ما قدمنا في بحث قبل ذلك. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، وكان ذلك بعد ما عمي رضي الله عنه، ففي آخر حياته صار ضريراً رضي الله عنه، فكان يرسل من ينظر في الفجر، فأرسل رجلين فقال الأول: أصبحت، وقال الثاني: لا، فقال: اختلفتما، أرني طعامي أو أرني شرابي فشرب رضي الله عنه؛ لأنه ذكر في الآية التبين، والآن لم يتبين، ولكن يختلف أنظار الناس، فمن تبين له بالنظر أن الفجر طلع لم يجُزْ له أن يأكل ولا أن يشرب، ومن عرف بالساعة أن الآن وقت الفجر الصادق فعلى ذلك لا يجوز له أن يأكل أو يشرب بعد طلوع الفجر.

    عدم الأكل والشرب إلا بعد التيقن من غروب الشمس

    ينبغي ألا يأكل حتى يتيقن الغروب، فتستيقن بساعتك إذا كانت مضبوطة، أو إذا كانت متأخرة فاصبر حتى تسمع الأذان في المسجد أو في المذياع فتعرف أن الوقت قد جاء، أو إذا كنت في صحراء أو عند البحر وترى الشمس وهي تغرب، فانتظر حتى تستيقن أن الشمس قد غربت.

    حكم من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعة أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً


    من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعةً أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً، فأحياناً الإنسان يضبط المنبه ليتسحر على الساعة كذا، ثمَّ يقوم للسحور ويأكل ويشرب وبعد ذلك يتبين أنَّ المنبه كان واقفاً، وأن الفجر قد طلع قبل فترة، فعلى ذلك أكل بعد طلوع الشمس، والعكس كذلك عند غروب الشمس يكون قبل الغروب يرى الدنيا قد أظلمت، ويظن أن الشمس غربت فيأكل وبعد ذلك يتبين له أنَّ المؤذن ما زال يؤذن، فالأول أكل بعد طلوع الفجر، والآخر أكل قبل غروب الشمس، فالاثنان لو أنهما اقتحما هذا العمل من غير تحرٍّ ومن غير سؤال، واندفعا إليه يلزمهما القضاء يوماً مكان هذا اليوم الذي ضيعاه، لكن إذا كان الأمر مشتبهاً، فالراجح في هذه الصورة: أنه عمل ما عليه، فالأمارات تدله على أن الشمس غربت الآن فهو أفطر بناءً على ذلك، فالراجح: أن هذا لا شيء عليه، لا يلزمه القضاء، وصومه صحيح، وبمجرد أنه عرف أنه أخطأ فعليه أن يمسك. إذاً: حكمه حكم الناسي والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وإذا كان الناسي في وسط النهار أكل حتى شبع وشرب حتى ارتوى وبعد ذلك تذكر أنه صائم، فقول: أطعمك الله وسقاك، ولا شيء عليك فليكن الحكم كذلك في المخطئ، إذا كان هذا المخطئ قد أخذ بالأسباب. لكن إنسان لم يأخذ بالأسباب أصلاً، قام من النوم فرأى الليل مظلماً ولم يكلف نفسه أن ينظر في ساعة، وأحياناً الإنسان يختان نفسه في ذلك، فيأكل ويشرب، ثم ينظر في الساعة، فرأى أن الوقت وقت الظهر، فإننا نقول له: أفطرت ويلزمك الإمساك وعليك القضاء، فنفرق بين إنسان تحرى فأخطأ ولا شيء عليه، وإنسان لم يتحرَ في ذلك فيلزمه القضاء. وهذا الذي ذكرناه جاء في حديث مرفوع في صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: (أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء ولو أمرهم لذكرت: قضينا هذا اليوم، ولكن لم تذكر شيئاً، فدل على أنه لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، لكن راوي هذا الحديث عن أسماء رضي الله عنها هو عروة بن الزبير ، وابنه هشام بن عروة يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ، قيل لـهشام بن عروة: فأمروا بالقضاء؟ فقال هشام من عند نفسه رضي الله عنه: لابد من قضاء، ولم يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا ذكره عن أسماء رضي الله عنه، بل أبوه عروة بن الزبير كان يرى أنه لا يلزم القضاء في ذلك، فقول عروة أولى من قول ابنه، فهذا عروة من فقهاء التابعين رضي الله عنه وهو أقرب للصحابة من هشام ، وهشام أبعد رضي الله عنه. وحدث نفس الشيء في عهد عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه وأنهم أفطروا، يقول زيد بن وهب : كنت جالساً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأوتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة ، يعني: أخرجت السيدة حفصة رضي الله عنها أقداحاً كبيرة فيها تمر وماء ونحو ذلك للصائمين يفطرون عليها، وهذا من كرمها رضي الله عنها، قال: فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طلعت، إذاً: الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حصل في عهد عمر رضي الله عنه، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يوماً مكانه، فقال عمر : والله لا نقضي ما تجانفنا بإثم، فعلى ذلك الإنسان إذا أخطأ وظنَّ أن الشمس غربت وبان له بأمارات أنها غربت من سماع مؤذن أو من نظر في ساعة فتبين أنه أخطأ فالراجح: أنه يلزمه الإمساك ولا شيء عليه، بخلاف من لم يتبين له بأمارة، إنسان نظر فوجد السماء غائمة وقال: الليل قد جاء، ولم يكلف نفسه أن يتحرى أو ينظر في الساعة ولم يسأل ولم يسمع مؤذناً فأكل فتبين أن الليل لم يأت؛ فهذا يلزمه القضاء، فنفرق بين الاثنين، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - مسائل في النية وما يحرم على الصائم وما يباح له
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (6)


    جاء الشارع الحكيم ببيان ما يحل للصائم وما يحرم، ابتداءً بنية الصيام وانتهاءً بالإفطار، وبين العلماء حكم استعمال الصائم للبخاخ والحقن الشرجية والعضلية والوريدية وأطقم الأسنان وغير ذلك، فينبغي للمسلم أن يعلم الأحكام المتعلقة بدينه، بحيث يجتنب ما يبطله ويفسده.
    جواز صوم الحائض والنفساء يدركهما الفجر قبل أن يغتسلا


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.من مسائل النية في الصوم ما ذكرنا وأشرنا إليه قبل ذلك، لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد صح صومهما، سواء اغتسلتا أو لم تغتسلا، فلا تعلق للصيام بالاغتسال، إنما الصلاة هي التي لها تعلق بالاغتسال، فلو أن المرأة طهرت من حيضها أو من نفاسها بالليل ونوت الصيام ونامت وهي على هذا الحال، وأصبحت بعد الفجر فالصوم صحيح، وإن كان التي طهرت من الليل يلزمها أن تغتسل لتصلي ما عليها من صلاة الوقت.قال الله عز وجل: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فذكر الله عز وجل المباشرة وأنها تكون حتى يتبين الفجر، فإذا جازت المباشرة وهي الجماع إلى قبيل الفجر، فمعناه: أن هذا الإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة سيطلع عليه الفجر وهو على جنابة من الجماع، ومع ذلك إذا صام فصومه صحيح، طالما أنه نوى من الليل.فإذا كان يجوز الجماع إلى قبيل الفجر،
    فطلع الفجر ولم يغتسل ونوى الصوم صومه صحيح، فيقاس على ذلك الحيض والنفاس.وفي الصحيحين من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: (كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة رضي الله عنها، فقالت: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم) يعني: أنه كان يأتي أهله صلى الله عليه وسلم فيؤذن المؤذن الفجر وهو لم يغتسل بعد من الجنابة، فيصبح جنباً ثم يصوم عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على أن الصوم لا تعلق له بالاغتسال.كذلك جاء في صحيح مسلم عن عائشة : (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه فقال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟) يعني: يكون نائماً على جنابة حتى أذان الفجر، فتدركه صلاة الفجر وهو على جنابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم)، هنا القياس، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أتقى خلق الله صلوات الله وسلامه عليه يفعل ذلك، فدل هذا على أنه جائز، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال صلى الله عليه وسلم: والله إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) يعني: الأمر ليس أن الله غفر له، فإن له أن يفعل ما يشاء، لا، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقد كان أشد اجتهاداً في العبادة يقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) صلوات الله وسلامه عليه.


    حكم الصائم يشك في طلوع الفجر وعنده طعام وشراب
    من المسائل التي أشرنا إليها قبل ذلك أنه إذا طلع الفجر وتبين له وفي فمه طعام فليلفظه، أما من لم يتبين له الفجر، بل ما زال شاكاً، فهذا إذا كان أشكل عليه هل طلع الفجر أو لم يطلع ومعه طعام أو ماء فليشرب وليأكل، وعلى هذا يتنزل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، لكن إذا كان قد تبين له فعلم يقيناً بطلوع الفجر فالآية أخبرت أنه لا بد من الصوم الآن، قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ [البقرة:187] يعني: ابدأ صومك من طلوع الفجر الصادق، والأحاديث الكثيرة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أن الفجر فجران: فجر يحل الطعام والشراب، وفجر يحرمه، فالفجر الصادق يحرم الطعام والشراب، سواء كان الطعام أو الشراب على فيك أو ليس على فيك، أما حديث: (إذا أذن المؤذن والإناء على يد أحدكم فلا يضعه حتى يشرب) فهو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، لكن معناه: إذا كان أحدكم سمع المؤذن ولم يتبين طلوع الفجر وما زال في شك، فهو لا يدري هل المؤذن أذن في الوقت أو قبله؟ فهذا له أن يشرب كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، أحدهما قال: طلع الفجر، والآخر قال: لم يطلع، قال: شككتما، وكان ابن عباس قد أضر في آخر حياته في بصره، فقال: اختلفتما، ناولني شرابي.إذاً: طالما أنه شك حتى ولو أذن المؤذن فله أن يشرب هذا إذا كان يرى أن المؤذن أذن قبل الفجر، أما إذا استيقن أن الفجر قد طلع فليس له أن يشرب، بل إذا كان الطعام في فمه لزمه أن يلفظه، وإذا كان مجامعاً أهله لزمه أن ينزع وإلا يلزمه القضاء.



    بيان ما يحرم على الصائم من حيث الإجمال

    يحرم على الصائم ما ورد في الحديث أن الله تبارك وتعالى يقول: (يدع طعامه وشرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي) أي: يحرم عليه الطعام والشراب والشهوة.وقال الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة:187]، هذا بالليل، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] يعني: يمتنع الصائم عن الطعام والشراب في النهار إلى الليل.فإذا أكل أو شرب في النهار وهو ذاكر للصوم عالم بالتحريم، فيلزمه أن يمسك بقية ذلك اليوم ويلزمه القضاء ويأثم بذلك؛ لأنه أبطل صومه متعمداً.ويحرم عليه مع الطعام والشراب ما يلحق بهما مثل السجائر، فلو شربها يحرم عليه ويفطر بها؛ لأن الدخان يتجمع في جوفه فيفطر بذلك، كذلك إذا كان يتعاطى المخدرات والعياذ بالله يشمها أو يأكلها أو يجعلها في جسده، يحرم عليه هذا كله، والمسكرات بأشكالها كل هذا إذا وصل إلى جوف الإنسان أو أدخله إلى جسده يحرم عليه؛ لأنه يذهب عقله الذي أمر أن يحافظ عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من شرب الخمر ولم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافراً) والخمر هو ما خامر العقل وخالطه، سواء سميناه خمراً أو مخدرات أو حشيشاً أو أفيوناً، أو غيرها من الأسماء، كلما خامر العقل وخالطه فهو خمر.فالذي يشرب شيئاً من ذلك قليلاً أو كثيراً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه) يعني: إذا وصل الخمر إلى جوفه، فإنه يحتاج إلى أيام حتى يخرج؛ لأنه قد امتزج بطعامه وشرابه ودمه وعروقه، فخلال هذه المدة لا يقبل الله له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافراً، إن كان مستحلاً لها، مات كافراً كفراً أكبر، وإن كان مرتكباً للمعصية متعمداً لذلك فهو من أفعال الكفر، كفر العمل.الصورة الأولى: أنه لم يذهب عقله، ولم ينتش.أما إذا انتشى وذهب عقله بشرب الخمر والمخدرات واختلط فقال: (وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، وإن مات مات كافراً)، والعياذ بالله.

    حكم الاكتحال وقطرة العين للصائم

    لا يفطر الصائم بالاكتحال، لو وضع كحلاً في عينيه لا يفطر بها وإن كان الأولى أن يجتنبه؛ لأنه قد يحس بطعمه في فمه، لكن فرضنا أنه وضع وأحس بطعمه في حلقه فيلزمه أن يتفله ويزيل ما في حلقه من أثر الكحل.قس على ذلك القطرة التي تجعل في العين، فلو وضع قطرة أثناء الصيام فإن القطرة لا تفطر صاحبها، وإذا نزلت القطرة إلى حلق الإنسان وطعم مرارة القطرة فيلزمه أن يتفل القطرة، بحيث إنه لا يبقى أثرها في فمه، لكن لو تعمد أن يبتلع القطرة فإنه يفطر.


    حكم الحقن الشرجية والعضلية والوريدية وحقن التغذية للصائم

    لا يفطر الصائم بالحقنة الشرجية التي تدخل إلى معدة الإنسان وإلى جوف الإنسان، والحقنة الشرجية المقصود منها شيء إخراج ما يدخل في شرج الإنسان وأمعائه، أما إذا كانت الحقن الشرجية ستدخل وتمكث بداخل الأمعاء لتمتص منها الأمعاء وتتغدى، ففي هذه الحالة يفطر بها، لكن الحقنة الشرجية العادية المعروفة التي تستخدم لإخراج الفضلات من جوف الإنسان لا تفطر ولا يفطر الصائم من مداوة إحليله أو فرجه، ولا يفطر بمداوة المأمومة والجائفة، وهو قول بعض أهل العلم وهو الراجح أيضاً، والمأمومة هي شجة تكون في دماغ الإنسان تصل إلى الغشاء المحيط بالمخ، وسميت مأمومة؛ لأنها وصلت إلى أم الدماغ، فالمأمومة إذا وضع الصائم لها دواء، ودخل الدواء إليها فالراجح أنه لا يفطر بذلك؛ لأن هذا ليس طعاماً ولا شراباً، وليس من مجاري الطعام والشراب.كذلك الجائفة، يعني: إنسان بطنه مفتوحة ومخيطة، فجعل أدوية فيها فإنه لا يفطر بذلك.أيضاً الحقنة في العضل أو في الوريد وكذلك الأقماع المهبلية هذه كلها لا تفطر؛ لأنها ليست طعاماً ولا شراباً وإنما يتداوى بها وتدخل من غير مجاري الطعام والشراب.أما حقن التغذية، إذا كان الشخص يعيش على حقن التغذية بحيث تصير حياته عادية ويحس بشبع فهذا يفطر بذلك.إذاً: هناك فرق بين الحقنة للتداوي والعلاج التي ليس فيها تغذية، وبين أن تكون الحقنة فيها مكونات من محلول السكر أو غيره من الأمور المغذية، فإذا كان الإنسان يأخذ الحقن للعلاج وليس للتغذية فالراجح أن هذه الحقن لا تفطر، أما الحقن المغذية فهي تفطر.

    حكم نقل الدم وتغسيل الكلى والبخاخ أثناء الصوم

    نقل الدم للمريض الراجح أنه ليس فيه مادة للتغذية للإنسان، وإنما هو كعضو من الأعضاء التي تنقل إلى الإنسان، هذا الدم في الإنسان ناقل للأغذية وناقل للأملاح وناقل للأشياء من مكان إلى مكان في الإنسان، ولا يعيش بدونه، فيحتاج إليه، فإذا نقل إليه دم فهذا ليس غذاء وليس يجري مجرى الطعام والشراب، فالراجح أنه أيضاً لا يفطره.وقس على ذلك أيضاً إذا كان إنسان يعمل غسيل كلى بالنهار، إذا كان مجرد ما يخرج الدم يتفلتر ويرجع إلى الإنسان، أو يوضع عليه بعض أملاح ونحو ذلك مما يحتاج إليه إلى (اكترونيات) الدم ونحو ذلك، فالراجح أن هذا لا يفطر، لكن إذا وضعت له مواد تغذية معها محلول للتغذية بحيث إنه يعيش على هذا المحلول ويقوم مقام الطعام والشراب، فهنا نرجع إلى مسألة التفرقة بين التغذية وبين غيرها.كذلك يباح للمريض الذي عنده أزمة كمريض القلب مثلاً الذي يستعمل البخاخ المحتوى على غاز يستنشقه بحيث إنه ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، ولا ينزل على المريء وعلى المعدة، وإنما ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، والأفضل أن يجتنب ذلك، لكن لو احتاج إليه استخدمه؛ وذلك بأن يطرأ له المرض في وسط النهار فله أن يستخدم ذلك، ولا يفطره في النهار هذا الغاز، أما إذا كانت بودرة، فأخذها وجعل يستنشقها بحيث تنزل على لسانه ويبتلعها وهذا يفطر بها، لكن إذا كان مجرد غاز يستنشقه وينزل على القصبة الهوائية فالراجح أن هذا لا يفطره.

    حكم استخدام الأقراص الدوائية في نهار رمضان

    الأقراص الدوائية لا يجوز أن تبتلع في نهار رمضان، ولكن أحياناً مريض القلب يأخذ قرصاً ويجعله تحت اللسان، فإذا كانت الأقراص تمتصها العروق التي تحت اللسان، ولا يبتلع منها شيئاً، فالراجح أنه لا يفطره، أما إذا كانت تذوب في الريق ويبلعه فإنه يفطر بذلك.لذلك هذه المسألة تكون عند الضرورة فقط ولا يبتلع منها شيئاً، وإنما يتركها تذوب تحت اللسان بحيث إنها تمتص من الأغشية المخاطية الموجودة في اللسان، فلا تفطر في هذه الصورة.



    حكم استعمال الطيب للصائم وابتلاع ما لا يؤكل في العادة

    يجوز للصائم أن يضع طيباً ويشمه، ولا يوجد دليل على المنع من ذلك.ويفطر الصائم بأكله الطعام والشراب ذاكراً ومتعمداً، وكذلك لو أكل شيئاً غير معتاد أكله، كأن أخذ حبة تراب فأكلها، فإنه يفطر بذلك، كذلك لو ابتلع خمسة ريالات، فهذا شيء لا يؤكل، ولكن لو حدث متعمداً فإنه يفطر بذلك، أما لو أنه حصل عن غير قصد فلا شيء عليه.

    حكم ابتلاع الصائم للطعام المتبقي بين أسنانه

    إذا بقي بين الأسنان طعام، فنقول: يستحب للصائم أن يتسوك، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء -أو عند كل وضوء- وعند كل صلاة) نقول: استخدم السواك، وقال صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمر به، ويخاف أنه يلزم به فيشق على الأمة، فيستحب بعد السحور أن تستخدم السواك، وتزيل ما بقي من الطعام بين الأسنان، لكن لو فرضنا أنه بقي بعض من الطعام في خلل الأسنان، وفي النهار ابتلعته دون قصد فلا شيء عليك، وصيامك صحيح، لكن لو أن إنساناً وجد طعاماً بين أسنانه وابتلعه وهو متعمد لذلك وذاكر لصومه، فإنه يبطل صومه بذلك.

    حكم ابتلاع الريق

    ابتلاع الريق لا يفطر، فلو أن الإنسان ابتلع ريقه، سواء كان قليلاً أو كثيراً لا يفطر الإنسان به، كذلك لو جمع ريقه وبلعه فإن صومه صحيح؛ لأن الريق شيء مخلوق بداخله.أما لو اختلط ريقه بما يمكن التحرز منه بتفله فإنه يفطر بابتلاعه، مثل الإنسان الذي يتوضأ ويتمضمض فيبقى الماء في فمه فيبتلعه؛ فإنه يفطر بذلك، لكن إذا تفل مرة واحدة فلا يلزمه أن يستمر في التفل كما يفعل البعض، وتأتي له حالة وسوسة، حتى إن بعضهم يقول: أحاول أن أحافظ على وضوئي من أجل ما أتوضأ وأنا صائم؛ لأني حين آتي إلى المضمضة ما أتمضمض، خشية أن أفطر بسبب ذلك! فهذه وسوسة من الشيطان، ليس هذا الشيء مطلوباً، وإنما تتمضمض كما تتمضمض وتتفل مرة واحدة وليس أكثر من ذلك، وبعد ذلك الماء الذي كان موجوداً في فمك يبقى له رطوبة، وأثر برودة في ريقك، وتظنه أنه ماء، ولا يلزمك أن تتفله.


    حكم ابتلاع الدم الخارج بسبب قلع السن أو الضرس

    لو قلع سناً في نهار رمضان ونزف جرحه فليس له أن يبتلع الدم، ولكن يضع قطناً عليه ويعض عليه بقوة بحيث إن الدم لا ينزل ويتوقف، فلو أنه تعمد أن يبتلع الدم، فإنه يفطر بذلك؛ لأنه ليس له أن يبتلعه، إلا إذا غلبه أمر الدم، فنزل إلى جوفه غصباً عنه، فلا شيء عليه في ذلك.بعض الصائمين قد يخلع ضرسه في نهار رمضان ويظل يتمضمض من أجل أن يوقف الدم، نقول: لن يقف الدم، بل سيزيد خروج الدم، وتشق على نفسك بذلك، لكن ضع عليه قطنة وعض عليها بقوة حتى يقف الدم بذلك.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - ما يحرم على الصائم وما يباح له [1]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (7)


    الصوم ركن من أركان الإسلام وفريضة فرضها الله على المسلمين، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى.وللصوم أحكام كثيرة ومسائل مهمة ينبغي لكل مسلم أن يعلمها ولا يتجاهلها من أجل أن يؤدي فريضة الصيام على أكمل وجه.
    الصيام وأحكامه

    تعريف الصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد:الصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله سبحانه تبارك وتعالى. ويجب على كل مسلم بالغ عاقل، أما المرأة فيزاد عليها أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس.والمفطر ت هي: الطعام أو الشراب أو الجماع في نهار رمضان.


    حكم من تقيأ في نهار رمضان

    من المفطرات تعمد القيء في نهار رمضان كأن يضع أصبعه في حلقه من أجل أن يخرج ما في بطنه، أما لو غلبه القيء فلا يفطر، لحديث: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه)، وذرعه القيء معناه: غلبه القيء، لكن إذا تعمد أن يجعل أصبعه في جوفه أو أن يضغط على بطنه من أجل أن يخرج ما فيها فإنه يفطر بذلك.والدليل على ذلك ما رواه أبو داود أو الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض)، ومن ذرعه القيء أيْ: غلبه فليس عليه قضاء، فالذي يخرج من بطنه شيء ثم يرجع إلى جوفه بدون تعمد منه فهو معذور فيه ولا شيء عليه، لكن إن تعمد ابتلاعه فإنه يفطر بذلك.

    حكم وضع قطرة الأنف للصائم

    لو استنشق شيئاً كالسعوط فوصل إلى حلقه أفطر بذلك، والسعوط شيء يضعه المريض في الأنف ويستنشقه ويصل إلى حلقه، فما وصل إلى الحلق ثم إلى الجوف فإنه مفطر.إذاً: وضع القطرة في الأنف تفطر إذا وصلت إلى الحلق، لكن لو أن الإنسان أتى بقطنه مبلولة بشيء من نقط الأنف التي تسمى (روزلين) أو غيرها ومسح بها داخل أنفه ولم ينزل شيء إلى حلقه ولم يستنشق شيء منه فهذا لا يفطر، وهذا حكمه مثل حكم المضمضة ومن ثم يتفل ولم ينزل شيء إلى حلقه لأن مجرى الأنف يتصل بالحلق وينزل فيه.


    حكم المبالغة في الاستنشاق للصائم

    لو أنه بالغ في الاستنشاق متعمداً فإنه يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال للقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا من النظافة العظيمة في هذا الدين القيم، فالوضوء فيه مضمضة وهي: تطهير الفم وهذا تطهير ظاهر، وأيضاً تطهير باطن أن ذنوب الفم تنزل في أثناء المضمضمة، وكذلك الاستنشاق فهو تطهير لما في الأنف من أتربة وجراثيم ما زالت على الشعيرات الأنفية ونحو ذلك فتخرج هذه الأشياء مع الاستنشاق.فأمرن النبي صلى الله عليه وسلم بمبالغة الاستنشاق، وهو أنْ تجعل الماء في أنفك وتستنشقه بقوة بحيث يصل إلى داخل الأنف ثم تخرجه لكي ينظف مجرى النفس في أنفك، فقال صلى الله عليه وسلم: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الصائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الأنف له مجرى إلى الحلق وإلى الجوف، فإذا كنت صائماً فلا تفعل ذلك، أما من استنشق ولم يبالغ فيه فسبقه الماء إلى جوفه فالراجح أنه لا شيء عليه إذا كان كذلك؛ لأنه معذور أو أنه نسي في ذلك، أمَّا لو تعمد الاستنشاق وعلم أنه صائم وأنه لا يجوز له أن يبالغ في الاستنشاق وعلم أنه لو بالغ فيه فإنه سينزل إلى حلقه فإنه يفطر بذلك، فإذا لم يقصد الفطر أو ظن أنه يحبسها بحيث لا تصل إلى حلقه فالراجح في هذه الصورة الثانية أنه لا يفطر بذلك.


    حكم من جامع زوجته في نهار رمضان

    الصائم يمسك عن الطعام وعن الشراب وعن الشهوة، وقد أجمعت الأمة على تحريم الجماع على الصائم سواء كان هذا في القبل أو في الدبر أو بأي صورة من صور الإتيان. قال الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، فيباح للرجل أن يأتي أهله بالليل ويحرم عليه أن يأتيها في النهار، أما غير زوجته وأمته فيحرم عليه أن يأتيها في الليل أو في النهار.ثم ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى بعد ذلك فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، يعني: امتنعوا عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى تيقن غروب الشمس.وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)، والمعنى: أمسك عن الطعام والشراب والشهوة من أجل الله سبحانه تبارك وتعالى.وكذلك في الصحيحين (أن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، فقال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر). أي: زنبيل فيه تمر (فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها)، وفي رواية أنه قال: (احترقت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أحرقك؟! فذكر أنه أتى امرأته وهو صائم). فأعان النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل لفقره فهو لا يجد رقبة يعتقها، ولا يقدر أن يصوم شهرين متتابعين ولا يستطيع إطعام ستين مسكيناً، وهو أفقر رجل في المدينة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما بين لابتيها أفقر منا يا رسول الله). ولابتا المدينة هما الحرتان، واللابة أرض ذات حجارة سوداء، وأحجار المدينة بيضاء وكذا أرضها، ولذلك كانت تسمى بيثرب واليثرب الأرض البيضاء، وطرفا المدينة فيها حجارة سوداء، وتسمى اللابة أو اللوبة أو الحرة، فقال الرجل: ما بين طرفي المدينة من أدناها إلى أقصاها لا يوجد أحد أفقر مني وأهلي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه عليه الصلاة والسلام، ثم قال (أطعمه أهلك)، فهذا الرجل وقع في معصية وتاب إلى الله سبحانه تبارك وتعالى منها ولم يكن معه الكفارة فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ما يكفر به وهو إطعام ستين مسكيناً، وعذره النبي صلى الله عليه وسلم لفقره فقال: (أطعمه أهلك).والوقاع هو أن يجامع الرجل زوجته الحرة أو أمته في أي وقت ليل أو نهار إلا في وقت حيضها ونفاسها، فإذا كان في رمضان فيحرم عليه ذلك بالنهار، ومن صفات المؤمنين المفلحين أنهم يمسكون أنفسهم عن الوقوع في الزنا قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6]، وملك اليمين هي الأمة التي يشتريها الإنسان بماله ليتسرى بها، ويجوز له أن يأتيها فمثلها مثل الزوجة.ويحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها أو أن يقع في الزنا أو اللواط، فإذا فعل شيئاً من ذلك في نهار رمضان فقد أبطل صيامه ويأثم بذلك وعليه القضاء والكفارة.

    حكم القبلة والمباشرة للصائم

    القبلة للرجل هي أن يقبل امرأته في نهار رمضان أو المباشرة بمعنى مس بشرة الجلد بأن يضع يده على خدها أو على يدها، فهل يجوز له ذلك؟روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، فجاء شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم)، قال الراوي (فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه). فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يجيب الرجلين بإجابتين مختلفتين، فضروري أن يحصل عند الجالسين عنده شيء من اللبس، ولكن استحيوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا له: أنت نسيت أو أنت قلت الذي مضى، فنظر بعضهم إلى بعض فبادرهم صلى الله عليه وسلم قبل أن يقولوا ذلك فقال: (إن الشيخ يملك نفسه)، إذاً: العلة هي أن الشاب قد لا يملك نفسه، إذاً: القبلة نفسها ليست محرمة وحكمها حكم المضمضة بالماء، فالمضمضة لا تفطر الصائم إذا لم يبالغ فيها ويسبقه الماء إلى جوفه، فكذلك هذا الشاب إذا كان يملك نفسه يجوز له أن يقبل زوجته، أما الشيخ فالعادة أنه يملك نفسه فيجوز له.وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وكان أملككم لإربه) أي: كان أملككم لعضوه ولشهوته صلوات الله وسلامه عليه، فهو أملك الناس لشهوته عليه الصلاة والسلام.وأيضاً جاء في مسند الإمام أحمد أن الأسود قال: (قلت يا عائشة ! أيباشر الصائم؟ قالت: لا)، والمباشرة مس البشرة كالتقبيل وغيره ثم قال: (قلت: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه) أيْ: السيدة عائشة تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها رضي الله عنها، ولكن كأنها علمت من حال هذا وأمثاله أنهم لا يملكون أنفسهم إذا قبلوا، فقد يقعون في الجماع فيصبح عليهم القضاء والكفارة وقد لا يقدرون على ذلك، فالشاب يجوز له أن يقبل وهو صائم إذا كان يملك نفسه، وإذا كان لا يملك نفسه فلا يجوز له.وجاء في الحديث أن عمر رضي الله عنه قال: (هششت فقبلت وأنا صائم) أي: أصابه شيء من السعادة والفرح والحبور فقبل امرأته وهو صائم، ومن ثم تذكر أنه وقع في خطأ فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو مضمضت وأنت صائم؟!).هذا الحديث يدل على استخدام القياس الصحيح (لو مضمضت وأنت صائم؟ فقال: قلت: لا بأس به، فقال: فمه؟) أي: مثلك يفهم هذه المسألة من البداية طالما أنك لم تقع في
    الجماع فلا شيء عليك لفعلك ذلك.وجاء في صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وابن السيدة أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجها الأول أبو سلمة رضي الله عنه، فـعمر كان شاباً وليس شيخاً كبيراً فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أيقبل الصائم؟) أي: هل ممكن أن أقبل زوجتي وأنا صائم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (عن هذا اسأل أمك، فسألها فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له).فالحديث الأول فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم منع الشاب من القبلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه وأمثاله لا يملكون أنفسهم، وأنهم لو قبلوا قد يقعون في الجماع بعد ذلك فكأنه منعه من باب سد الذريعة.إذاً: إذا قبل الرجل امرأته وهو صائم فلا شيء عليه في ذلك إلا إذا كان لا يملك نفسه فيقع في الجماع حتى لا يفسد على نفسه الصوم.


    من جامع زوجته فنزع مع طلوع الفجر فأنزل

    إذا جامع الرجل زوجته قبل الفجر فسمع الأذان فنزع مع طلوع الفجر وأنزل أي: خرج منه المني فالراجح أن صومه صحيح؛ لأنه عمل بما في الآية قال الله سبحانه تبارك: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، فأحل الله الجماع في الليل إلى قبيل الفجر مباشرة فإذا جامع في الليل فقد أخذ بما ذكر الله سبحانه، ثم نزع قبيل الفجر بثوان أو أنه سمع النداء فنزع فخرج منه المني بعدما نزع فالراجح أنه لا شيء عليه ويصوم هذا اليوم.

    حكم نظر الصائم إلى المرأة

    لو أن الصائم نظر إلى زوجته أو إلى غيرها فلا شيء عليه، وسواء نظر لزوجته أو إلى غيرها مرة واحدة أو مرات ولم يحدث له شيء فلا شيء عليه، وكذلك لو أنه باشر أو قبل.لكن لو نظر إلى امرأته أو إلى أجنبية فاستثارت شهوته بهذه النظرة ثم أدام النظر فيها حتى خرج منه المني فقد بطل صومه بهذه الحالة؛ لأنه الذي استدعى هذا الفعل؛ ولأنه يعلم أنه بهذه الحالة يخرج منه المني فكأنه يستدعيه بهذا الشيء فيبطله، لكن لو نظر إلى امرأة نظرة واحدة ثم صرف بصره عنها فاستثارت نفسه لغلبة غلمته وشهوته فلم يتمالك أن خرج منه المني فلا شيء عليه.ونفرق بين من نظر فاستدام النظر حتى خرج منه المني فبطل صومه وبين من نظر مرة واحدة فلا شيء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما لك النظرة الأولى). ولو أن إنساناً ذهب فكره إلى بعيد فإذا به يقع في هذا الأمر فخرج منه المني فالراجح أنه لا شيء عليه، ولكن يصرف فكره ويتفكر فيما هو فيه من الصيام والامتناع عن الشهوة وغير ذلك.

    حكم الاستمناء باليد للصائم وغيره

    الجماع في نهار رمضان حرام، والوقوع في الزنا أو غيره كالاستمناء باليد حرام في رمضان وغير رمضان، فمن استمنى بيده في نهار رمضان فهذا حرام ويبطل صومه لذلك، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل وعليه أن يقضي يوماً مكانه، أما من جامع فعليه القضاء والكفارة.
    حكم من قبل زوجته فأمذى وهو صائم
    لو أن إنساناً قبل امرأته فخرج منه المذي أو تفكر في الجماع ومقدماته فأمذى، فالراجح أن خروج المذي لا يبطل الصيام بخلاف خروج المني فإنه يبطله، فمن نظر أو باشر أو قبل فخرج منه المني فعليه القضاء بسبب ذلك.

    حكم من أفطر ناسياً

    من أفطر ناسياً فالراجح والصواب أنه لا شيء عليه، وكذلك إذا كان جاهلاً في غير بلاد المسلمين، أما في بلاد المسلمين فلا يصدق أنه يجهل أن الطعام والشراب من مبطلات الصيام، فلا يقبل منه ذلك، والذي يقول أنه يجهل ذلك فهو كذاب، أما في بلاد الكفر فقد يعتاد الناس أن يصوموا عما فيه الروح، وما ليس فيه الروح يأكلونه، فمن دخل منهم في الإسلام فقد يتصور الصيام كذلك، فإذا به يصوم عن الأشياء الذي كان يصوم عنها قبل ذلك، فالراجح في ذلك أن هذا جاهل فيعلم ولا يلزم بالقضاء، فمن أخطأ فأفطر ناسياً أو جاهلاً وتذكر أنه كان صائماً يكمل صومه سواء كان في صوم فريضة أو في صوم نافلة، فلا فرق بين صوم الإثنين والخميس وصوم رمضان وصوم كفارة وصوم النذر وصوم كفارة الظهار ونحو
    ذلك.فإذا نسي فأكل أو شرب قليلاً أو كثيراً فلا شيء عليه طالما أنه ناسي، لكن لو أنه أكل وهو ناسي فتذكر أنه صائم ثم استمر في الأكل فقد صار مفطراً الآن.وكثير من الناس يظن أن الفطر ناسياً في صوم النافلة يبطله وهذا خطأ، ولا فرق بين النسيان في صوم الفريضة وصوم النافلة، فمن نسي في ذلك فلا شيء عليه، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه). (ورجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل وهو ناسي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الله أطعمك وسقاك)، وقال في رواية أخرى: (من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر)، فمن أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه، ولا يتمادى في الفطر وليتم صومه وليس عليه قضاء.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - ما يحرم على الصائم وما يباح له [2]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (8)



    نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم في بادئ الأمر ثم رخص فيها، ما لم يكن فيه ضررٌ على الصائم، ويكره مضغ العلك للصائم، ويجوز للصائم مضغ الطعام لولده إذا لم يحصل الاستغناء عن مضغه، والصائم ينزه صومه عن اللغو والرفث وقول الزور والسب والشتم والغيبة والنميمة، وهذه كلها من آداب الصوم وأحكامه، فلا بد للصائم أن يلتزمها.
    حكم الحجامة للصائم


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وصلنا في كتاب الصيام إلى مسألة الحجامة للصائم، والحجامة معروفة وصى بها الملائكة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبروا أن فيها شفاء، والحجامة سحب الدم بطريقة معينة ومن مواضع معينة في جسم الإنسان، وفيها شفاء من أمراض كثيرة بإذن الله سبحانه وتعالى، ولعل المسلمين كانوا هجروها فترة طويلة، حتى جاء العلم الحديث وأثبت أن الحجامة فيها بفضل الله عز وجل شفاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا إليها مرة ثانية.
    ذكر ما جاء من احتجام النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه عن الحجامة ثم ترخيصه فيها

    الحجامة: هي تشريط في جلد الإنسان في مواضع معينة يشفط بها الدم من هذا الموضع فيكون فيه شفاء لأمراض يعلمها الله سبحانه وتعالى، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم، وجاء عنه أنه نهى عن الحجامة، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة، وجملة الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحجامة: (مر برجلين أحدهما يحجم الآخر فقال: أفطر هذان؟)، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة صلى الله عليه وسلم، الرخصة تكون بعد العزيمة، فكأنه نهى عن الحجامة صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك رخص صلوات الله وسلامه عليه فيها، وإنما كرهت للصائم لأنه يضعف بسبب ذلك.ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)، فدليل الجواز: (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، صلى الله عليه وسلم، وجاء عنه أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وجمع العلماء بين هذا وبين كونه احتجم وبين كونه رخص صلى الله عليه وسلم: بأنه لعل هذا في وقت، ثم جاءت الرخصة بعد ذلك، أو أنه قال ذلك باعتبار ما يئول إليه، فقد يئول الأمر بالمحجوم أن يضعف، يخرج منه الدم فيضعف بسبب ذلك.والحاجم كان في الماضي يشفط الدم بفمه، وذلك بوضع أنبوبة في فمه ويشفط بها، وكان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجد أنابيب، إنما كان يأتي بقرن مجوف ويجعله على المكان الذي يشرطه، ومن ثم يشفط منه، فلعل الدم ينسحب إلى فمه ويقع في الفطر بسبب ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) .وجاء عن أنس رضي الله عنه قال: (أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم) لاحظ الحديث فيه ترتيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطر هذان ثم رخص) إذاً: هنا النهي كان عزيمة في الوقت، ثم جاءت الرخصة للخروج عن هذا النهي الذي هو عزيمة، فيحمل النهي على الكراهة فقط، ولذلك في سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أن رسول الله


    صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة)، وسيأتي الكلام عن المواصلة، قال: (ولم يحرمهما)، صحابي يقول ذلك، ففهم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحرم ذلك، قال: (إبقاء على أصحابه)، فلو أنهم احتجموا ونزل منهم كمية من الدم لضعفوا وما استطاعوا الصيام، فإبقاء عليهم حتى يقدروا على الصوم نهاهم عن الحجامة، (فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وسيأتي الكلام فيه. إذاً: هنا الحديث فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة)، وأنه (احتجم وهو صائم)، صلى الله عليه وسلم وأنه رخص في الحجامة، إذاً: جملة الأحاديث أن النهي كان في وقت، حين قال: (أفطر هذان)، إذاً: كان على التحريم، ثم بعد ذلك رخص النبي صلى الله عليه وسلم وثبتت الرخصة فتجوز الحجامة في أثناء الصيام.والحجامة: إخراج دم من الإنسان، ويقاس على ذلك التبرع بالدم في نهار رمضان، فلو أن إنساناً مريضاً يحتاج إلى الدم ويطلب متبرعين بالدم لهذا المريض واحتاجوا لذلك، فالراجح: أن هذا لا يفطر الصائم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الحجامة ، واحتجم وهو صائم صلوات الله وسلامه عليه، فلو أن إنساناً تبرع بالدم وهو صائم فصومه صحيح ولا يلزمه الإعادة، ولكن الإنسان إذا كان هذا يضعفه، ويئول أمره إلى أنه يفطر، فلا يتبرع بالدم في أثناء صومه إلا للضرورة.إذاً: حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) الراجح: أن هذا إما باعتبار ما يئول إليه أمرهما، أو أن هذا منسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك.
    حكم مضغ العلك للصائم


    يكره للصائم مضغ العلك، والعلك: اللبان، وهو نوع من اللبان قوي ليس له طعم ولا يتفتت في فم الإنسان، فهذا لا يحرم عليه وإنما يكره له؛ لأنه يجمع الريق ويورث العطش، وكانوا يحتاجون إلى ذلك أحياناً ليجروا به الريق، ولكن على قدر ما يجر الريق على قدر ما يورث العطش من بعده، فيكره ذلك.وأهل المدينة وأهل مكة وأهل الحجاز بلاد حارة جداً، والصوم يشق عليهم، لكن الآن يسهل عليهم الصوم؛ لوجود مراوح وتكييفات، وأشياء تيسر ذلك عليهم، ولكن تخيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الحرارة القاسية العالية جداً تتجاوز الخمسة والخمسين درجة مئوية، والصحابة يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حر الظهيرة وإنه يسجد ويطيل السجود على الأرض فقالوا: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الأرض فلم يشكنا) يعني: لم يرفع ولم يزل عنا شكوانا، صلى كما كان يصلي صلى الله عليه وسلم، ولم يرخص في شيء عليه الصلاة والسلام، فكانوا يصلون ويأتي أحدهم بكمه ويطيله حتى يضع كفه عليه من حرارة الأرض، فلو كنت أنت هناك في عمرة وحج، فجرب هل تستطيع أن تصلي في الشارع، فلو قُدِّرَ لك أنك تصلي في الشارع، وليس على بلاط الحرم، فإنك ستجد الأمر لو صليت على إسفلت الشارع تتسلخ منه، ولو حصل لك مرة وأنت في الحرم ما لقيت حذاءك وخرجت حافياً لتشتري حذاءً من السوق، فإن المسافة الذي تمشيها حافياً كافية لسلخ رجليك فيها، والصحابة كان منهم الحفاة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وكانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويشتكون إليه شدة الحر، ولكن هو الأمر على ما فرضه الله سبحانه وتعالى.إذاً يكره للصائم مضع اللبان، لكن لو أخذ لباناً فيه سكر ومضغه وهو صائم فيفطر بلا شك في ذلك؛ لأنه ابتلع السكر الذي فيه، وإذا مضغ شيئاً يتفتت في فمه وابتلعه يفطر بذلك، ولكن العلك نوع جيد قوي من اللبان لا طعم له.
    ما يكره للصائم


    يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، فلا يبق الإنسان شرهاً يمر على الحلة فيها إدام فيذوق ويتفل، فإن هذا ممنوع منه، فإذا ابتلعه أفطر بذلك، لكن يكره له ذلك، فإن كان الإنسان طباخاً أو يصنع أشربة للناس فإنه يجوز له أن يتذوق ويتفل بعده، إذاً: يذوق هذا الشيء هذا جائز لا يكره له؛ لأنه يطبخ للناس ويعد أشربة لهم، فهذا يجوز له، ولذلك ذكر أنه يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، لكن إن كان لعذر من أعذار كالمرأة تطبخ وتريد أن تذوقه لتعرف هل هو حلو أو مر أو غير ذلك فإنه يجوز لها ذلك، لكن تذوق وتتفل ولا تبتلع، فلو ابتلعت أفطرت.
    حكم الصائم إذا أراد مضغ الطعام لولده ولم يحصل الاستغناء عن مضغه

    إن احتاج الصائم إلى مضغ الطعام لولده أو غيره ولم يحصل الاستغناء عن مضغه، فالشريعة عظيمة كريمة ورحيمة، فإنه يمكن الآن أن تأخذ اللبن الصناعي وتضعه في الرضَّاعة وتعطيه للطفل الرضيع، ولكن في الماضي لا يُعرف هذا الشيء، ولعل المرأة تأتي وترضع ابنها وهي صائمة، ولا يوجد لبن في صدرها فتحتاج إلى أن تمضغ الطعام وتضعه في فم ابنها ، فيجوز لها ذلك بشرط أنها لا تبلع أثره. قال ابن عباس رضي الله عنه لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، ابن عباس يقول: لا حرج أن يتطعم القدر حتى يطبخ الطعام جيداً، أو المرأة تتذوق الطعام، وقال الحسن : لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، فالصائم يمضمض للوضوء أو يمضمض من شدة العطش؛ لأن الحر شديد جداً عليه، فاحتاج أن يضع ماء في فمه ليبرد فمه ويتفل بعد ذلك، فإن هذا جائز، هذا قول الحسن البصري ، يعني: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم أو دخول الحمام فيقف تحت الدش عند شدة الحر أو يغطس في البحر عند شدة الحر.
    ذكر ما يجب على الصائم أن ينزه به صومه

    يجب على الصائم أن ينزه صومه عن الشتم والتشاجر وسوء الخلق والهمز واللمز والفحش، فالصائم ليس صائماً عن طعام وشراب وشهوة فقط، بل الإنسان يمسك لسانه ويتأدب بآداب الإسلام في الصيام، ولا بد أن يوجد فرق بين يوم الصوم ويوم الإفطار، ففي يوم الصوم يزداد حسن الخلق عند المؤمن، فلا يؤذ أحداً من خلق الله عز وجل، ويتمرن على ذلك في رمضان حتى يستمر على الأخلاق الطيبة دائماً، فينتهي رمضان ويكون على نفس الأخلاق الطيبة عاماً بعد عام. قال الله عز وجل: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، والهمز واللمز: العيب، يهمز بالإشارة ويلمز باللسان، يهمز من أمامه ويلمز من خلفه، فهو هماز ولماز، فالهمزة: الإنسان الكثير الهمز في الخلق، والهمزة على وزن فُعَلة، كما يقال: فلان صُرعَة يعني: إنسان بطل وقوي، فلان هُمَزَة



    يعني: كثير الهمز في الناس، لُمَزَة يعني: لماز في الناس، يلمز فيهم ويعيب ويقدح فيهم. وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، فالإنسان المؤمن طيب الخلق لا يكذب إلا فيما رخص الله عز وجل فيه، في ثلاثة أشياء يجوز له أن يعرض، فإن لم يقدر على التعريض فله البوح في ذلك، في الحرب يكذب وفي الإصلاح بين الناس، كذلك إذا كان يحدث امرأته، وغير هذه الثلاثة الأشياء لا يجوز للإنسان أن يكذب، فالمؤمن صادق ولا يحتاج إلى أن يحلف، لأن الكاذب دائماً يؤكد كلامه بالحلف فيحلف كثيراً.ولذلك ذم الله عز وجل الحلاف وقال: حَلَّافٍ [القلم:10]، وذكر الإنسان الذي يهمز والمشاء بالنميم والكثير الحلف والمهين، فالإنسان الذي يحلف بالله عز وجل ويقسم كثيراً فكأنه يهين هذا اليمين العظيم، فلا تطع مثل هذا الإنسان الحلاف الكثير الحلف؛ لأنه يكذب في النهاية.أيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان)، الطعن في الناس أن يعيب في الناس ولا يعجبه أحد، فهذا الطعان هل يستحق أن يوصف بأنه مؤمن قريب من الله وعلى درجة عالية، وأنه على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؟! هذا الطعان في الخلق لا يستحق ذلك.قال:(ولا اللعان) أي: الكثير اللعن، يسب كثيراً، ويشتم الناس ويلعن في الناس. قال: (ولا الفاحش) أي: يتكلم بالفحش من القول، فإذا به يتكلم عن النساء، ويتكلم عن الجماع، ويتكلم بأشياء فيفحش، ويتكلم في غير موضع هذا الكلام، والبذيء: كثير الشتم بلسانه، إذا أغاظه أحد مباشرة يسب ويشتم، فليس المؤمن بهذه الأخلاق، والصائم كذلك؛ لأن الصائم إنسان مؤمن يتقرب إلى الله عز وجل بالصوم، والصوم فيه الصبر، والصبر يكون عن مثل هذه الأخلاق التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها.وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم)، مرتين، فقوله: (الصيام جنة) أي: وقاية وحماية للإنسان، فالصوم المقبول: الذي يحميك من نفسك، ويحمي الناس من شرك ويحميك من عذاب ومن غضبه الله سبحانه وتعالى، فاحذر أن ترفث أو أن تتكلم بالكلام الفاحش والبذيء، أو أن تتكلم بالكلام الذي لا يقال إلا في أوقات معينة، ككلام الرجل مع امرأته فيقول مثل هذا الكلام مع الخلق، فإن هذا لا يجوز. قال: (فلا يرفث ولا يجهل)، فالإنسان الجاهل الذي لا يعرف معلومة من المعلومات يتعلم، ولكن الجهل هنا جهل الأخلاق، أن يكون جاهلاً في خلقه عصبي كثير الغضب، كثير الشتم والمشادة مع الناس، لا يمسك نفسه وهو صائم. فالصائم عبد لله، يتواضع لله سبحانه وتعالى، ويصوم ويري من نفسه أنه عبد، وأنه ممسك عن الطعام والشراب والشهوة، ويري ربه من نفسه حسن الخلق، فهذا المؤمن لا يرفث ولا يجهل، ولو أن أحداً تعرض له بذلك وأراد أن يتعارك معه، لا يدخل معه في التعارك، ولكن يقول: إني صائم، ويبتعد عن ذلك، فيذكر نفسه ويذكر غيره أن الصيام لا ينبغي فيه ذلك، أي: إني صائم لا تجهل علي فإني لا أرد عليك بالجهل، أيضاً فيه زجر لمن يؤذي الصائم، فإن هذا صائم لله عز وجل لا يصوم لك أنت، صائم لله، فهل تظن أنك حين تؤذيه أن الله عز وجل يتركك؟ هذا ليس ممكناً أبداً، أن تؤذي إنساناً صائماً ويقول لك: أنا صائم لا أرد عليك، بل ترد عليك الملائكة، ويرد عليك ربك سبحانه وتعالى، ويجازيك ربك على ما تصنع، لذلك احذر من أن تؤذي الصائم.رأينا في حديث لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل يشتم أبا بكر رضي الله عنه فحلم أبو بكر رضي الله عنه وسكت، والرجل ما زال يشتم ويشتم ويشتم وأبو بكر ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، وفي النهاية حين الرجل زاد من الشتم رد عليه أبو بكر رضي الله عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وتعجب أبو بكر وقال: هو يشتمني يا رسول الله! وأنت موجود، فلما رددت عليه وانتصفت منه قمت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه كان هناك ملك يرد عنك)، ما قال شيئاً إلا ورده عليه الملك، الملك يرد عليه الذي يقول، وأنت لست أحق بهذا الوصف، فالله يكذب هذا الكذاب، ويصدق الملك بما يقول، فالملك يشهد على هذا الإنسان بأنه بذيء وأنه طويل اللسان، وأنه كذاب وكفى بهذه الشهادة ليعاقب عليه هذا الإنسان، فلما انتصف وانتصر أبو بكر رضي الله عنه حضر الشيطان ليوسوس لـأبي بكر قل له كذا، وقل له أيضاً، وقل له أيضاً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لم أكن لأقعد في مجلس فيه الشيطان).


    لذلك إذا
    إنسان عابك وأساء إليك فثق أن الله يدافع عنك سبحانه وتعالى، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]. ويحرم على الصائم الغيبة والنميمة وقول الزور ونحو ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، (من لم يدع قول الزور)، الزور: القول المزور، وأصله انحراف، زور: انحرف، فقول الزور: القول المنحرف عن الصواب والمائل عن الحق، فلا بد أن تدع قول الزور فلا تكذب في كلامك ولا تنافق ولا تراء ولا تشهد على إنسان زوراً، دع عنك كل ما هو انحراف عن دين الله سبحانه وتعالى.قال:(والع ل به) أي: العمل بمقتضى هذا الزور، يقول الكلام الكذب فيقنع به من أمامه أنه صادق وهو كذاب، ثم يعمل بمقتضى ذلك فيأخذ حق غيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر). إذاً: إذا تحاكم اثنان إلى القاضي، ولعل أحدهما يجيد الكلام ويتكلم بالزور ويكذب ويعمل بمقتضاه، والقاضي يحكم له فيأخذ حق غيره، إذاً: هذا قول الزور، وهذا العمل بمقتضى قول الزور. قال: (والجهل) أي: السخط وسوء الخلق (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى ذلك: أن صومه ليس مقبولاً، فهل نأمر هذا الإنسان أن يفطر؟ لا يقال له: افطر، ولكن يقال: إن الله لا يقبل مثل هذا الصوم، كما أنه لا يقبل الصلاة من إنسان يسرق أو يصلي ويزني ويفعل الفاحشة، فإن هذه الصلاة لم تنهك عن الفحشاء والمنكر، وربنا يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فهي صلاة غير مقبولة، لو كانت صلاة مقبولة لنهتك عن الفحشاء والمنكر، فإن كانت غير مقبولة لا نقول له: لا تصل، ولكن نأمر بالصلاة، والأمر لله عز وجل في القبول أو عدمه.أيضاً في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، رب صائم صام وأفطر على أعراض الناس وأفطر على الكذب وأفطر على إيذاء الناس، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وليس له أجر ولا ثواب، كذلك: (رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، قام يصلي حتى تعبت قدماه وأصبح يؤذي خلق الله، فهذا لا تقبل منه هذه الصلاة، ولو كانت صلاة مقبولة لنهته عن الفحشاء والمنكر.وقال في الحديث الآخر: (ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث)، أيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم)، يخمشون أظفارهم، قَلَبَها الله عز وجل نحاساً يخمش ويمزع بها وجهه ويمزع بها صدره، قال النبي صلى الله عليه وسلم (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) أي: يجلسون مع بعضهم يتكلمون في سيرة فلان وسيرة علان، يأكلون في لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من الربا، بل أربى الربا قال: (إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه بغير حق)، هذه بعض الأشياء التي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - رخص الفطر لأصحاب الأعذار
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (9)


    فرض الله عز وجل على عباده الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يكلفهم إلا بما يقدرون عليه، فرخص الفطر لأهل الأعذار وهم: الكبير العاجز عن الصيام، والمريض، والمسافر سفراً مباحاً أو سفر طاعة، وأوجب الفطر على الحائض والنفساء، وكل هذا يدل على رحمة الله بعباده، وأنه لم يكلفهم من العمل إلا ما يقدرون عليه.
    من أحكام الحائض والنفساء في الصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا في الحديث السابق بعض الأعذار التي يعذر فيها الإنسان في جواز الفطر، كمن يغمي عليه من أول النهار إلى آخر النهار، أو من الفجر إلى غروب الشمس، فلا يكون في هذه الحالة صائم، وإنما عليه أن يقضي مكان ذلك اليوم، أما إذا أغمي عليه في جزء من النهار -وكان قد نوى الصيام في الليل- وفاق باقي النهار، فسواء قل وقت الإغماء أو كثر فالراجح أن صومه يكون صحيحاً. من أصحاب الأعذار: الحائض والنفساء، فلهما العذر بسبب الحيض والنفاس، ويجوز لهما الإفطار، بل لا يجوز لهما أن يصوما في وقت الحيض أو النفاس، وهذا بإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم بسبب الحيض أو النفاس، وأنهما يفطران في رمضان أيام الحيض والنفاس، وأنهما إذا صاما لم يجزئهما الصيام. وليس معنى لزوم الإفطار أن تأكل وتشرب، ولكن المعنى أنه يحرم عليها أن تنوي الصوم، وإنما تنوي الإفطار.إذاً: الحائض أو النفساء إذا لم تأكل شيئاً في النهار فلا شيء عليها إن لم تنو الصيام، لكنها إذا أمسكت بنية التقرب والعبادة والصوم حرم عليها وأثمت على ذلك؛ لأنه وجد فيها المانع الذي يمنع من قبول هذا الصوم، لما روى مسلم عن معاذة رضي الله عنها قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة : أحرورية أنت؟ والحرورية: هم الخوارج، ولهم أشياء يتشددون فيها في الدين؛ بسبب جهلهم وشدة التزامهم ببعض العبادات وبصورة معينة، وكثيراً ما يكونون مخطئين في أقوالهم أو في فتواهم، وفي عدم رجوعهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأفاضل، حتى يتعلموا منهم، فكانوا يسيئون ويخطئون ويقعون في أشياء عظيمة وخطيرة، ومع ذلك يدعون أنهم على الحق والصواب!فكأن عائشة تقول لـمعاذة : أتريدين أن تصومي وأنت حائض أو نفساء تشبهاً بالحرورية الخوارج؟ فقالت معاذة : لست بحرورية ولكني أسأل، وكأنها تسأل عن دليل ذلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والمعنى أنه كان يصيبهن ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون المرأة حائضاً أو نفساء والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرها أن تقضي الصيام، ولا يأمرها بقضاء الصلاة. وكونه يأمرها بالقضاء فالأداء لا يجوز لها، وإلا لما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء.فالحائض تقضي الصيام، أما الصلاة فلا يجوز لها أن تؤديها أو تقضيها؛ لصعوبة ذلك عليها، فلذلك خفف الله سبحانه عنها في الصلاة، فلا تقضيها وإنما تقضي الصوم.والحديث رواه البخاري بلفظ: كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم -يعني في وقته وزمانه- فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله، فالذي لا يأمرهن بقضاء الصلاة، ويأمرهن بقضاء الصوم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه.وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها) وهذا في حديث طويل، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أضحى أو فطر -أي: في عيد أضحى، أو في عيد فطر- إلى المصلى -وهو مكان صلاة العيد- فمر على النساء فقال: يا معشر النساء! تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فسألن النبي صلى الله عليه وسلم وقلن: وبم يا رسول الله؟! فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، ومعنى أن النساء يكثرن اللعن أي: يكثرن الشتم، وكثيراً ما يكون اللعن على ألسنتهن. ثم قال: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل

    الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟! قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها -فجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد- فقال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها).والشاهد في الحديث: أن المرأة إذا حاضت ليس لها أن تصوم.والحائض والنفساء سواء، وإن كان الحديث نص على الحائض فإن النفساء مثلها، كدم الحيض، والحكم واحد.
    متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم

    إذا وجد الحيض في جزء من النهار -بعد أن نوت المرأة الصوم- فسد الصوم ولزم المرأة أن تفطر وعليها القضاء، سواء وجد الحيض في أول اليوم أو في آخره، حتى ولو قبل الغروب بدقيقة، فإذا وجد الحيض أو النفاس بطل الصوم.
    حكم صيام الحائض والنفساء
    متى نوت الحائض الصوم تعبداً لله وأمسكت مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها؛ لأنه لابد وأن تنتفي موانع الصيام، ولو أن إنساناً أراد أن يصلي وهو على غير وضوء، والماء موجود أمامه فهو آثم؛ لأنه استهان بأمر الصلاة، وأراد أن يقف بين يدي الله عز وجل على غير الحالة التي أمر أن يقف بها، فهو مأمور أن يتطهر، وأن يقف بين يدي الله عز وجل وهو طاهر، فلو أنه فعل ذلك لما قبلت منه هذه الصلاة ويأثم على ذلك؛ لأنه تقرب بما جعله الله عز وجل حراماً، بل لو دخل في الصلاة وأحدث لزمه أن يخرج منها، ولا يجوز له أن يكملها.وكذلك المرأة الحائض والنفساء إذا أرادت أن تتقرب لله عز وجل بالصيام وهي ممنوعة منه فلا يجوز لها ذلك وتأثم عليه.وكذلك الإنسان الذي يأتي في يوم العيد مثلاً ويقول: أتقرب إلى الله في هذا اليوم بالصوم، فهذا يأثم بذلك؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يتقرب إلى الله إلا بما أراده وبما يقبله منه، فلا يتقرب إليه بما يرده عليه، وبما نهاه عنه سبحانه.وأما لو أمسكت الحائض أو النفساء لا بنية الصوم لم تأثم بذلك، طالما أنها لم تنو التقرب إلى الله بالصيام، فربما تركت الأكل لأنها لا تريده لا لأنها صائمة، فالصوم إمساك مع نية، أما إذا وجد الإمساك ولم توجد النية فلا يكون ذلك صياماً.
    حكم الحائض إذا طهرت أثناء النهار
    إذا طهرت الحائض في أثناء النهار استحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وهذا هو الصواب، فالصيام يكون يوماً كاملاً لا نصف يوم، فإذا انقطع عنها الحيض عند الفجر أو قبله في الليل ولكنها مازالت تشك في نزوله إلى أن أتى وقت الظهر تأكدت أنه قد ارتفع فليس لها أن تنوي الصوم، ولا يجب عليها أن تصوم، ولكن استحب كثير من العلماء أن تتشبه بالصائم وتمسك بقية يومها، لكن لا يلزمها ذلك، وكأنهم قاسوا ذلك على يوم عاشوراء لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أفطر أن يصوم ويكمل يومه، ففي هذه الحالة إذا طهرت المرأة من الحيض في نصف النهار مثلاً يجوز لها أن تمسك الباقي، ولكن لا يلزمها ذلك؛ لأنه لا يحسب لها صوم.
    الكبير الذي لا يقدر على الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه


    الشيخ الذي يجهده الصوم والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء، ولكن يلزمهم البدل من الصوم؛ لأنه إذا لزمهم الصوم لزمهم القضاء بعد ذلك، والعذر الذي أفطروا من أجله غير مرتفع، فلا قدرة لهم على الصوم؛ لأن الشيخوخة مستمرة والمرض مستمر، ولا يلزم القضاء إلا إذا كان المريض يرجى برؤه، فإذا شفاه الله لزمه أن يصوم، فإذا تأكدنا أن هذا المرض مرض مزمن لا يزول، وليس له شفاء، فإن من أفطر في هذه الحالة عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً.إذاً: الشيخ الذي يجهده الصوم ويشق عليه بحيث لا يطيقه إلا بمشقة شديدة فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً. وكذلك المرأة العجوز لها نفس الحكم. والشيخ الكبير يطلق عليه شيخ، والمرأة الكبيرة يطلق عليها عجوز، ولا يطلق العجوز على الرجل إنما على المرأة.والمريض الذي لا يرجى برؤه، والذي أصيب بمرض مزمن، وأمره الأطباء بالإفطار؛ لأن الصيام سيضره ويزيد في مرضه أو يهلكه فلا صوم عليه؛ لقول الله عز وجل:
    وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك. هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء وإنما تلزمهم الفدية؛ لأن أعذارهم لا تزول، فيلزم كلاً منهم أن يفدي بأن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد .ومذهب مالك : أنه لا يلزمهم لا صوم ولا فدية، وهذا اختيار ابن المنذر وابن حزم ؛ لأنهم تركوا الصوم للعجز عنه فلم تجب عليهم الفدية، والفدية انتقال من شيء إلى شيء، والشيخ أو المريض عاجز أن ينتقل، فعلى ذلك لا شيء عليه، كما لو ترك الصوم لمرض اتصل به الموت، فلا يصام ولا يطعم عنه؛ لأنه اتصل مرضه بالموت، فقالوا: هذا أيضاً مريض اتصل مرضه بالموت.ودليل الجمهور القائلين بأنه لابد من الإطعام كما يقول ابن قدامة هو قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] والحديث بين أن هذه الآية كانت للذين يقدرون على الصوم مع المشقة، ثم صارت رخصة للذين يشق عليهم الصوم مشقة شديدة؛ بسبب كبر السن أو المرض الشديد الذي لا يرجى برؤه، فينتقل هؤلاء إلى الإطعام.يقول ابن عباس مفسراً لهذه الآية: نزلت رخصة للشيخ الكبير. ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، والمعنى: أن الأداء الذي يسقط إلى القضاء يسقط أيضاً إلى الكفارة.وقول الإمام مالك قول وجيه، ولكن طالما أن هناك حديثاً يفسر معنى الآية بأنها رخصة فيلزمنا العمل به.إلا أن الإمام مالك ومن أخذ بقوله كـابن حزم وغيره قالوا: إن هذا المريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه لو أنه اتصل به المرض إلى أن مات، فلا يلزم أحداً أن يصوم أو يطعم عنه، وذلك عند الجميع، إذاً: إذا كان بعد وفاته لا يلزمه ذلك ففي حياته أيضاً لا يلزمه صيام ولا يلزمه فدية.يقول ابن قدامة : المريض إذا مات لا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، والمعنى: أنه لا يجب على غيره الإطعام، بل يلزمه هو ثم ينتقل إلى غيره، كذلك الصيام من مات وعليه صوم صام عنه وليه، هذا إذا وجب عليه أنه يصوم وتمكن من ذلك ولم يفعل، فلو مات يأثم؛ لأنه تمكن ولم يفعل، فهذا يصوم عنه وليه، وهذا الذي اتصل مرضه الشديد بوفاته إذا قلنا: يلزمه الإطعام فكيف نلزم إنساناً لا أهلية له وهو ميت؟ فنقول: ابتداء يلزمه الإطعام حتى ينتقل إلى غيره، وهذا ميت فلا يلزمه وإنما يلزمه إذا تمكن من الصيام.وإذا رجعنا إلى الإمام مالك فالذي لا يلزمه الإطعام بعد وفاته؛ لأنه اتصل مرضه بالموت لا يلزمه كذلك في حياته، هذا بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعله؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة. وكأن ابن قدامة يريد أن يقول: إن هذا يلزمه في حياته أن يصوم، فإذا كان غير قادر فلينتقل إلى بدل هذا الصوم وهو أن يطعم عنه.والشيخ الهرم والعجوز والمريض مرضاً مزمناً كل هؤلاء لهم ذمة صحيحة، فإن كانوا عاجزين عن الصيام، وليسوا في مرض الموت وجب عليهم الإطعام، فإن عجزوا عن الإطعام فلا شيء عليهم؛ لقوله سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].إذاً: الحديث الذي جاء عن ابن عباس والذي يفيد الإطعام عن هؤلاء فيه حجة ملزمة.
    مقدار الفدية


    الفدية إطعام مسكين لكل يوم؛ لما روى البخاري عن عطاء : أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] وكأنه يقرؤها ويفسرها: بأنهم لا يطيقونه. ويطيق: يكلف بالصوم، فيكون فيه مشقة شديدة، فلا يطيقه ولا يقدر عليه. قال ابن عباس : ليس بمنسوخ، وإنما الشيخ والكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكين، كأنه يقول: الآية خصصت هؤلاء، وليست منسوخة ولا مرفوعة الحكم بالكلية، فجزء منها رفع حكمه، والجزء الآخر باق، فأول ما نزلت كان من يطيق الصوم يجوز له أن يفطر ويطعم، فـابن عباس يقول: ليست منسوخة بالكلية، فالنسخ بمعنى الرفع والإزالة للحكم كله، وهذه الآية خصصت بالبعض، وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، وكذلك المريض مرضاً مزمناً.وقال أيضاً البخاري في صحيحه: وأما الشيخ الكبير
    إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس -بعدما كبر- عاماً أو عامين، وذلك أنه لما كبر في السن وشق عليه أن يصوم أطعم رضي الله عنه، فكأن فعله فسر معنى الآية. فـابن عباس قال وأنس فعل رضي الله عنه، فأطعم عاماً أو عامين عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً، وأفطر رضي الله تعالى عنه، وفي هذا جواز إطعام الخبز في الفدية، وهذا الصواب، ولا يجب عليه أن يطعم الطعام الذي يجزئ في زكاة الفطر كالقمح أو الشعير، كما ذهب إليه بعض من أهل العلم، فالراجح أنه يجوز له أن يطعم خبزاً ولحماً، أو يطعم ما يأكل منه الناس.وروى أبو يعلى في مسنده عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فكأنه أتى بشربة ونحوها ووضع فيها الخبز واللحم، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم رضي الله عنه.ويجزئ في ذلك مد من طعام، والمد: ملء الكفين أو ربع الصاع، فصاع التمر قدر بكيلو ونصف تقريباً، وربعه هو الذي نسميه المد.كذلك المد إذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون حوالي نصف كيلو أو أكثر قليلاً، هذا إذا كان الإنسان سيطعم أقل ما عنده، فيجزئ عنه ذلك. ولكن العادة أن ذلك ليس بطعام أكثر الناس، فما كان طعاماً للإنسان فليعط مثله للفقير، والأفضل أن يطعم مسكيناً من أوسط ما يطعم أهله، والذي يأكل منه قياساً على كفارة اليمين، وهذا الأنفع للفقير.قال ابن قدامة في كتاب الكفارات: أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فقد نص أحمد على أنه يجزئ الدقيق والخبز، فلو أعطينا الفقير دقيقاً أو خبزاً أجزأ ذلك، وروي عنه: لا يجزئ الخبز، وهو قول مالك والشافعي ؛ لأنه خرج عن حالة الكمال، ولكن في مثل زماننا عندما نخير الفقير بين القمح والخبز فسوف يأخذ الخبز. إذاً: فالأفضل في الكفارات أن تكون مما يأخذه الفقير ويأكله مباشرة، ولذلك فإن الراجح أنه يجزئ الخبز.يقول ابن قدامة مرجحاً ذلك: قال الله عز وجل: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة:89] وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله فثبت أنه يجزئه.وروى الإمام أحمد في كتاب التفسير عن ابن عمر : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89] قال: الخبز واللبن. وفي رواية: الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن.وعن علي : الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز واللحم، وسبق أن أنس بن مالك أطعمهم العيش واللحم.يقول: وهذا يفارق الزكاة، فزكاة الحبوب والثمار تكون من الحبوب، ولا يصلح أن تكون من ثمن تلك الحبوب أو من أي شيء آخر.والواجب في الحبوب العشر أو نصف العشر منها، والثاني: أن دفع الزكاة يراد بها الاقتيات إذا كانت الزكاة من الحبوب والثمار فلا يجوز أن يصنع للفقير بدلها خبزاً؛ لأن الحبوب أنفع له، فسوف يدخره خلال السنة وينتفع به، أما الخبز فسوف ينتفع به يوماً أو يومين ثم ينتهي، ولذلك فإن الزكاة بأن تعطي للفقير ما يقتات عليه وينتفع به لفترة طويلة، وهذا هو الفرق بينهما وبين الكفارة، فالكفارة تعطى للفقير ليأكلها، والزكاة ليأكلها وليدخرها ويقتات عليها.يقول: الخبز أقرب؛ لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه.
    الفرق بين المريض مرضاً يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه
    هناك فرق بين المريض مرضاً لا يرجى زواله وبين المريض مرضاً يرجى زواله، فالمريض مرضاً يرجى زواله سوف يمرض أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً وبعد ذلك يشفى، والعادة في هذا المرض أنه يشفى بإذن الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت العادة أنه لا يشفى من مثل هذا المرض فهو مما لا يرجى برؤه، وقد ينعكس الأمر، والله على كل شيء قدير، وهذا حسب العادة والظاهر.فإذا مرض الإنسان مرضاً يرجى برؤه وزواله ولحقته مشقة ظاهرة في الصوم فلا يجب عليه الصيام، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ثم يقضي مكان هذه الأيام التي أفطرها.ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكن فيها الصوم، فإذا أصبح مريضاً غير قادر على أن يصوم، أو يمكن أن يصوم ولكن سيشق عليه مشقة شديدة، وعرف من مقدمات هذا المرض ذلك، فيباح له الفطر؛ لما لحقه بالصوم من مشقة يشق احتمالها.أما المرض اليسير الذي لا يلحق المريض به مشقة ظاهرة، وكانت العادة أن مثل ذلك المرض يستطيع معه أن يكمل الصوم فليس له أن يفطر.وإذا أصبح الصحيح صائماً قد نوى الصيام ثم مرض جاز له الفطر، ولا يجب عليه الصيام.
    حكم الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم
    المريض أو الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم إذا أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم جاء رمضان الذي بعده فإذا بالله عز وجل يمن عليه بصحة وعافية بحيث يكون قادراً على الصوم فلا يلزمه الصيام طالما أنه أطعم عن كل يوم مسكيناً، لكن لو فرضنا أنه في رمضان لم يقدر على الصوم وظن أن هذه الحالة سوف تستمر ولم يكن قد أطعم، وبعد شهرين أو ثلاثة شفي من مرضه وأصبح قادراً على الصوم فهذا يلزمه أن يقضي
    الصوم.والفرق بينهما أن الأول أطعم في وقت يجوز له ذلك، والثاني لم يفعل ذلك حتى شفي من مرضه، إذاً: إن شفي المريض قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن شفي بعد الفدية فلا يلزمه.
    حكم تعجيل الفدية قبل دخول رمضان

    لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، فإذا وجب الصوم ولم يقدر الإنسان عليه انتقل إلى الفدية، فتكون واجبة عليه بعد الفطر، فإذا علم قبل دخول رمضان أنه غير قادر على الصوم وأنه سيطعم عن كل يوم مسكيناً فلا يجوز له أن يطعم إلا بعد دخول رمضان وبعد أن يلزمه الصيام. ومثل ذلك من يقول: أنا أقدر الآن أن أطعم عشرة مساكين، وسوف أطعمهم كفارة لليمين الذي سوف أحلفه في المستقبل، فهذا لا ينفع ولا يقبل؛ لأنه واجب لسبب والسبب غير موجود، فإذا حلف اليمين فحنث فعليه الكفارة وإذا حلف ولم يحنث لا يجب عليه شيء.فوجوب الكفارة لا يكون إلا بعد أن يحلف ويحنث، أو حلف وأراد الحنث، كمن يحلف أنه لن يذهب إلى المكان الفلاني ثم أحب أن يذهب إلى هذا المكان؛ لأنه وجد أنه من الطاعة أن يذهب، فهذا يكفر عن يمينه، ولذلك في الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني والله لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، أو كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فدل على جواز الأمرين، سواء حلف
    وحنث، أو حلف ونوى الحنث.وهكذا في هذه المسألة فالذي لم يدخل عليه رمضان كيف علم أنه سيدخل عليه حتى يكفر؟ فلا يكفر إلا إذا دخل عليه رمضان ووجب عليه الصوم ولكنه أفطر لذلك العذر الدائم. ومن المعلوم أنه في آخر رمضان يجوز له أن يطعم، أو في انتهاء كل يوم، وكذلك إذا أخرج الفدية كل يوم عند الفجر فإنه يجوز له ذلك؛ لأنه في وقت الفجر وجب عليه الصوم وهو لا يقدر عليه، فيجوز له عند فجر كل يوم أن يطعم مسكيناً.وأما قبل الفجر فإنه لا يجوز؛ لأنه لزمته النية من الليل، فلم ينو؛ لأنه لا يقدر على الصوم، فلم يجز له في هذا الوقت أنه يطعم.
    المسافر في نهار رمضان


    يجوز للمسافر في نهار رمضان أن يفطر، فالعذر ثابت للمريض والمسافر؛ لقول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]؛ وفي هذه الآية محذوف تقديره: من كان مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي، وهذا نوع من أنواع الدلالات، وهي دلالة الاقتضاء، فالكلام فيه حذف أو شيء مضمر والمقام يقتضي أن نعبر عنه بذلك.إذاً من كان منكم مريضاً فأفطر أو على سفر فأفطر، لكن المريض الذي لم يفطر، أو المسافر الذي لم يفطر ليس عليهما عدة من أيام أخر، وهذه تسمى دلالة الاقتضاء: من كان منكم مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي مكان اليوم الذي أفطره.روى أصحاب السنن عن أنس بن مالك الكعبي -غير أنس بن مالك الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه- قال: (أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل -أي: يتناول
    طعام الإفطار في الصباح، والغداء في الغدو، ونحن نقول: الغداء أي: طعام الظهر، ولكن الغداء أصلاً معناه طعام الصبح وهو الإفطار- قال: فقلت: إني صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: ادن أحدثك عن الصوم، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة) أي: رخص الله عز وجل للمسافر أن يفطر وعليه أن يقضي، وطالما أنه سيصلي فليس عليه قضاء؛ لأنه قد أتى بشطر الصلاة. وهذا حديث حسن صحيح.فإن كان سفره فوق مسافة القصر على اختلاف بين العلماء في مسافة القصر فنقول: ابتداء إذا كان السفر مسافة قصر وليس سفر معصية فله الفطر في رمضان، والسفر قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، فللمسافر أن يفطر في ذلك، أما إذا كان سفر معصية فليس له أن يفطر فيه؛ لأن الإفطار في السفر إعانة على مشقة السفر، وهذا الذي يسافر ليعصي المفترض أن يمنع من السفر، كأن يسافر ليشتري خمراً، أو يزني، فالأصل أن يمنع، ولا يجوز له أن يفطر أو يقصر؛ لأنه بهذه الرخصة أعين على المعصية.إذاً: إذا كان سفره فوق مسافة القصر، وليس السفر في معصية فله الفطر في رمضان؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة، وأنواع السفر: سفر حج، وهذا قد يكون فريضة، وقد يكون مستحباً، وسفر جهاد وهذا قد يكون فرض عين أو كفاية أو قد يكون مستحباً، أو سفر تجارة فقد تكون مستحبة أو مباحة أو مكروهة، ونحو ذلك من الأسفار.ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر، فالأيسر عليه يفعله.وأما في الصلاة فقد استحب الجمهور قصرها في السفر، وذهب الأحناف إلى أنه يجب القصر. والمسافر تجب عليه الصلاة ولا يصح أن يقال له: إذا رجعت من السفر فاقضها كالصيام، ولكن له أن يصلي الرباعية ركعتين، لكن الصوم لا يقال له: صم نصف الصوم، فإما أن يصوم أو يفطر، وإذا أفطر لزمه القضاء وبقي متعلق بذمته، وإذا صام فليس عليه قضاء.
    اختلاف العلماء في أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر


    اختلف العلماء في أيهما أفضل: الصوم في السفر أو الإفطار؟ والراجح في ذلك: هو أن الأيسر عليه يفعله سواء الصوم أو الإفطار.روى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة)، والمعنى أن هذا الصوم كان فريضة في رمضان، فالذي كان صائماً هو النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة وبقية الصحابة كانوا مفطرين.وعن جابر كما في الصحيحين: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر)، وهذا الحديث لا يؤخذ الجزء الأخير منه من غير نظر إلى سببه، فلا يقال: إن قوله: ليس من البر الصوم في السفر تعتبر قاعدة عامة؛ لأنه إنما قال ذلك نتيجة سبب من الأسباب، فلا ينبغي أن يلغى السبب ويؤخذ بالنتيجة، فالنبي صلى الله عليه وسلم، صام في السفر، ولكنه رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً صائماً في السفر وحوله أناس مزدحمين كل يقدم له خدمة، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: صائم. إذاً: كان القوم مسافرين، والسفر قطعة من العذاب، وكل واحد مشغول بنفسه، وهذا الصائم شغلهم وضيق عليهم بحيث وصل إلى مشقة لا يقدر معها على الصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر)؛ لأنه ليس من التقرب إلى الله أن تشق على صاحبك وتجعل الناس يخدمونك.إذاً هذا الحديث فيما إذا كان الصائم سيشق على نفسه وعلى رفقته.وعن أنس -كما في الصحيحين- قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلا الصائم يعيب على المفطر، ولا المفطر يعيب على الصائم، فطالما الصائم لا يتعب غيره فلا بأس أن يصوم، قال الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فالأفضل هو الأيسر، والله يريد بنا اليسر. وأيضاً عن ابن عمر -كما في المسند مرفوعاً-: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)، فالله يكره من عبده أنه يأتي المعصية، كذلك يحب من عبده أن يأتي الرخصة.وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام -والمعنى أن الرجل كان كثير الصيام في غير رمضان، فلما جاء عليه شهر رمضان سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك- فخيره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)؛ لأنه إذا أفطر في رمضان لزمه القضاء بعد رمضان، كسائق السيارة من الإسكندرية إلى القاهرة فهو مسافر دائماً، فله أن يفطر في رمضان، وله أن يصوم، وإذا أفطر لزمه القضاء بعد رمضان، ولعله يكون مسافراً أيضاً، فالذي يتيسر له من الأمرين يفعله سواء كان الصوم أو الإفطار.كذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر صلى الله عليه وسلم)، فظل صائماً إلى أن وصل إلى عسفان، وبعد ذلك بلغه أن الناس شق عليهم الصوم، فأفطر صلى الله عليه وسلم أمام الناس. وكان ذلك في فتح مكة في رمضان.وفي رواية: (أن ذلك كان بعد العصر) .إذاً النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقتدي به الناس أفطر بعد العصر وإن كان الوقت قد قرب من المغرب، ولكنه وجد أن ذلك سيشق على الناس فأفطر صلوات الله وسلامه عليه حتى يفطر الناس، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر -يعني في السفر- فمن شاء صام ومن شاء أفطر.ويذكر الحافظ ابن حجر مذاهب العلماء في الصوم أو الإفطار في السفر، فأكثرهم كـمالك والشافعي وأبي حنيفة على أن الصوم أفضل لمن لم يشق عليه؛ لأنه إذا صام لا يتعلق بذمته. وقال كثير من العلماء: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، فإذا كان الإنسان لم يرفض الرخصة أصلاً ولكن خاف ألا يتمكن من القضاء، والأداء سهل عليه كان الصوم أفضل له.وقال آخرون: هو مخير بين الأمرين، وقال


    آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهذا الأرجح، فإذا تيسر الصوم صام، وإن شق الصوم أفطر، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه الأداء ويشق عليه القضاء بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وكثير من الناس يسهل عليهم الصيام، فإذا دخل رمضان اعتاد على الصيام، وصام مع الناس وارتاح من القضاء.وآخر يشق عليه وهو مسافر أن يصوم، فقد يمرض أو يعطش عطشاً شديداً لا يقدر معه على أن يقضي حاجته في سفره، فهذا الأفضل في حقه أن يفطر؛ حتى يتمكن من قضاء حاجاته، ثم يقضي بعد ذلك.فالفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به كما ذكرنا، كذلك من ظن أنه رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورفض الرخصة، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة التي رخصها الله عز وجل له.إذاً: الذي قبل الرخصة وصام له ذلك، والذي قبل الرخصة وأفطر له ذلك، لكن الذي رد الرخصة ورفضها فالأفضل في حقه أنه لا يعرض عن رخصة رخصها الله له ولو بالقول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من رغب عن سنتي فقد رغب عني، أو فليس مني).كذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء، فقد يكون مسافراً مع الناس، والكل مفطر فيخاف أن يصيبه العجب من كلام الناس، فالأفضل في حقه أنه يبتعد عن الرياء وأن يفطر، وغيره يجوز له أن يصوم ويجوز له الإفطار كما قدمنا.روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا).فالصائم ون في تلك الحالة فائدة صيامهم مقتصرة عليهم لا تتعدى إلى غيرهم، لكن الذين أفطروا قاموا وخدموا الجميع وأحضروا الطعام، وبعثوا الركاب، وامتهنوا أي: قاموا بالمهنة وبقضاء حوائج المسافرين، فكان نفعهم متعدياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) .فإذا كان الصائمون لهم أجر على قدر صيامهم، فالأجر العظيم أخذه المفطرون الذين قاموا بأمر السفر، ويسروا على غيرهم، وقاموا بما طلب منهم، فكان لهم الأجر العظيم، فكأنه إذا قورن أجر الصائم بأجر هؤلاء في تعبهم وامتهانهم لكان أجر الصائم قليلاً بالنسبة لأجر ذلك المفطر، وليس معنى ذلك أن الصائم ليس له أجر، بل له أجر عظيم، ولكن أجر أولئك الذين قاموا بالخدمة أعظم.أيضاً أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام -أي: في فتح مكة في رمضان- فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا -فكانت رخصة- فمنا من صام ومنا من أفطر).ومعنى (إنكم قد دنوتم) أي قربتم من العدو، فالفطر أقوى لكم؛ حتى تقدروا على قتال أعدائكم، فمنهم من صام ومنهم من أفطر، قال: (فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي: أن الصبح هو موعد القتال، وربما يصعب عليهم القتال وهم صائمون، فأمرهم بالإفطار صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفطر أقوى لهم. ففي المرة الأولى كانت رخصة؛ لأن العدو مازال بعيداً فلم يعزم عليهم، لكنهم لما أصبحوا لقتال العدو قال لهم: أفطروا، قال: (فأفطروا إلا قليلاً منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -لما سمع أن فلاناً وفلاناً ما أفطروا-: أولئك العصاة) وهذا دليل على أن أمره لهم كان عزيمة. فقد كانوا ذاهبين إلى مكة مكان الكفر ليحولوه إلى بلد للإسلام، وقد لا يقدرون مع الصوم على ذلك، فعليهم أن يفطروا، وإذا أفطر أحدهم وقاتل حتى قتل فإنه في هذه الحالة لم يتمكن من القضاء، فما عليك شيء، ولا يصوم عنه وليه، فكان الأفضل لهؤلاء أن يفطروا؛ لأنه أقوى لهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عمن لم يفطروا: (أولئك العصاة).ونسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم أن يفطروا؛ لأنهم مصبحوا العدو، فأصبحوا صائمين.وكذلك الحديث الذي رواه النسائي عن جابر بلفظ: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، فقال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوه) فقد قال هذا الكلام لسبب معين فما كان مثله كان كذلك.
    مسافة القصر


    الراجح في مقدار السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر أنه ما يسمى سفراً، وخرج فيه الإنسان من مكان إلى مكان آخر، أو من بلدة إلى أخرى فله أن يفطر وله أن يقصر من الصلاة فيه، فما سمي سفراً عرفاً سواء كان قصيراً أو طويلاً يجوز فيه القصر والفطر، بشرط ألا يقل السفر عن أقل مسافة قصر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فأقل المسافات التي قصر فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الحديث: (أنه كان يقصر صلى الله عليه وسلم إذا سافر ثلاث فراسخ أو ثلاثة أميال)، وفي هذه الرواية شك، وفي بعض الروايات: (ثلاثة أميال) بغير شك، فعلى ذلك يحطاط بثلاثة فراسخ، ومقدارها نحو ستة عشر كيلو من آخر عمران البلد، أي: بعد آخر البيوت التي يعيش فيها، فإذا كان بين قرية وأخرى مسافة ستة عشر كيلو فما فوقها فله أن يقصر وأن يفطر.قال يحيى بن يزيد الهنائي : (سألت أنساً عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين).لكن العلماء أخذوا بأطول من ذلك، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه مسيرة يومين على الإبل أو الأقدام، قالوا: وتقديرها بستة عشر فرسخاً أي: بمقدار واحد وثمانين كيلو متراً تقريباً.واختار البخاري أنها مسيرة يوم وليلة، وكأنه على النصف من ذلك، أي: بمقدار أربعين كيلو متراً.وقال أبو حنيفة : أنها مسيرة ثلاثة أيام، وبعض فقهاء الأحناف يقولوا: أنها تقدر بخمسة عشر فرسخاً، وذلك ست وسبعون كيلو متراً.إذاً من العلماء من يرى أنها ستة عشر فرسخاً، والبعض يرى أنها خمسة عشر فرسخاً، ولكن الحديث على أنها ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، فإذا احتطنا في الأخذ بالحديث تكون ثلاثة فراسخ، وتقدر بستة عشر كيلو، ويقيد ذلك بأن يسمى سفراً عرفاً.وقد يكون ما بين آخر العمران الذي بين بلد وآخر حوالي ستة عشر كيلو.يقول ابن تيمية رحمه الله: تنازع العلماء: هل يختص القصر والفطر بسفر دون سفر، أم يجوز في كل سفر؟ قال: وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر، قصيراً كان أو طويلاً، كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد، يعني: أربعة فراسخ، بما يقدر بواحد وعشرين كيلو متراً، والمعنى: أنه قصر أهل مكة وكانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات، ولم يأمرهم بإتمام الصلاة.يقول: ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم مسافة القصر بحد لا زمنه ولا مكانه، والأقوال مذكورة في ذلك ومتعارضة، وليس على شيء منها حجة، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك في جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر، والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفين، ومن قسم الأسفار إلى سفر طويل وقصير، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا فليس معه حجة يجب الرجوع إليها.هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله وهو كلام قوي متين، فالراجح: أنه إذا سمي السفر سفراً، أو سميت المسافة التي يقطعها الإنسان من بلد إلى أخرى سفراً فيجوز له أن يقصر من الصلاة، وأن يفطر، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلال
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (10)


    تحري هلال شهر رمضان وغيره من الأشهر المرتبطة بعبادات معينة من الأمور التي ندب إليها الشرع لضبط دخول الشهر وخروجه، وسائر هذه الشهور يلزم لإثبات دخولها وخروجها وجود شاهدي عدل إلا ما يكون به إثبات دخول رمضان فيكفي فيه شاهد عدل واحد، كما بين ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه.
    جواز الفطر لمن سافر أثناء يوم في رمضان بدأه بالصيام
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا في الحديث السابق أعذاراً ذكرها الله سبحانه تبارك تعالى في كتابه وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته فيمن يباح له أن يفطر في نهار رمضان، قال الله سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وذكرنا أن دلالة الاقتضاء هنا تعطي معنى أن من كان منكم مريضاً فأفطر في نهار رمضان فعليه عدة من أيام أخر، ومن كان منكم مسافراً فأفطر في نهار رمضان فعليه أن يصوم مكانها عدة من أيام أخر.وذكرنا أن المرض هو أي مرض يشق على
    الإنسان معه الصوم، فإذا كان المرض يسيراً لا يشق معه الصوم ولا يعتبره الكثيرون من الناس شيئاً من المرض كالجرح في اليد، أو خلع الضرس فهذا ليس من المرض الذي من أجله يفطر الإنسان، لكن إذا أصبح يشق عليه، ويحتاج إلى تداوي، أو أنه يرهقه ويتعبه في صيامه، فيكون هذا مرضاً معه يترخص بأن يفطر في نهار رمضان، وعليه عدة من أيام أخر. وإذا كان مسافراً والراجح أن السفر هو ما سمي سفراً عرفاً، فله أن يفطر فيه، ونقول: إن أقل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسافة سافرها وقصر فيها الصلاة أنه سافر ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال شك الراوي في العدد، والثلاثة الأميال تساوي ستة كيلو تقريباً، وثلاثة فراسخ تساوي حوالي ستة عشر كيلو تقريباً، فعلى ذلك الاحتياط فيها أن تكون أقل مسافة هي ثلاثة فراسخ. ويشترط أن يكون بين آخر العمران في بلده وبين البلدة التي يذهب إليها على الأقل مثل هذا القدر الذي هو ثلاثة فراسخ، فيجوز له أن يقصر من الصلاة، بل يستحب له ذلك، ويجوز له أن يفطر في السفر، وقد ذكرنا أن الراجح أن يعمل الأيسر عليه فالنبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر في السفر صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة كانوا يسافرون فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض، فيجوز للإنسان المسافر أن يتم صومه، ويجوز له أنه يفطر فما كان أيسر عليه فعله. إذا سافر أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه إذا ركب وخلف بلدته وراءه، وهنا بعض العلم يقول: قال الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وكثير من العلماء يقولون: إنه إذا أصبح صائماً فهذا شاهد ولزمه الصوم، فلو أنه سافر يلزمه أن يتم صيام اليوم، لكن الراجح في ذلك أنه حتى ولو أصبح صائماً فكما يجوز له إذا مرض أن يفطر فيجوز له إذا سافر أن يفطر أيضاً ويجوز أن يمسك، والدليل ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم -اسم مكان- فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شربه فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة)؛ لأنهم كانوا مثبطي عدوهم بعد ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعد العصر وهذا دليل على أن الإنسان قد يكون صائماً في أول اليوم ثم مع مشقة السفر يفطر في آخر اليوم، وهذا جائز له.فإذا سافر الصائم يجوز له بعد أن يدخل في حكم المسافر أن يترخص بالإفطار وله أن يتم صومه.
    الخلاف في جواز إفطار المسافر قبل سفره


    روى أبو داود وأحمد عن عبيد بن جبر قال: (كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان)، يذكر أنه كان مع أبي بصرة الغفاري وخرج من الفسطاط في سفينة.(فرفع) يعني: شراع السفينة. (ثم قرب غداه) أي: قدموا له الأكل ليأكل. (فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة) يعني: ركب السفينة ومضت بهم ولكنهم لم يزالوا يروا بيوتاً من ورائهم، فأصبحوا مسافرين فأفطر أبو بصرة رضي الله عنه.قال: (فقلت: ألست ترى البيوت؟!) أي: ألا ترى البيوت أمامك؟قال أبو بصرة : (أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فأكل.وفي رواية أخرى: (ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة) ، من الفسطاط في القاهرة
    حتى يصل إلى الإسكندرية، فالمسافة مسافة قصر ولكنه أفطر بعد أن ركب السفينة مباشرة، بمجرد أن ركب السفينة بدأ بالإفطار بعدما تحركت السفينة.وروى الترمذي عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة، قال: سنة؟ ثم ركب.وقصة أنس بن مالك رضي الله عنه توضح أن محمد بن كعب ذهب إليه وقد جهز نفسه للسفر، وقد كان في بيته أو قابله خارج المدينة، فكلا الأمرين محتمل، يُحتمل أنه كان في بيته وجهز له ركوبته وقبل أن يركب أفطر ثم انطلق، وهو متأكد أنه مسافر فانطلق، فيستدل به البعض أنه يجوز له أن يفطر في بيته ثم يخرج.والراجح: ليس له أن يفطر حتى وإن فعل أنس رضي الله تبارك وتعالى عنه ذلك؛ لأن العلماء قالوا: فعل أنس يحتمل التأويل، فيحتمل أن محمد بن كعب قابله وهو في بيته، ويحتمل أنه قابله وهو خارج المدينة، ولذلك يجوز عند جماهير العلماء أنه إذا ركب وخرج من المدينة وخلفها وراءه حتى لو أنه يرى بيوت المدينة وهو خارجها أن يفطر؛ لأنه عزم على السفر وتأكد أنه في سفر، فعلى ذلك فعل أنس بن مالك رضي الله عنه، فيحتمل أنه خرج من المدينة وقابله محمد بن كعب هنالك، ويحتمل أنه كان في المدينة أو كان في بيته، فالحديث محتمل، يقول: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته أي: جهزتها، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة؟! قال: سنة، ثم ركب.وأيضاً الاحتمال وارد في قوله: قلت له: سنة؟! كأنه يقول: سنة إذا كان يوم من رمضان وأنت شاهد الشهر وأردت الخروج فخرجت فلك أن تفطر، هل هذه سنة؟! فقال: سنة، ويحتمل: سنة أنك تأكل قبل أن تخرج؟! فيقول: إنها سنة، فلما كانت دلالة الحال يتطرقها الاحتمال فيبعد بها الاستدلال.وقد قلنا: إن كثيراً من العلماء يستدلون بالآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، أنه إذا كنت مقيماً في البلد وأصبحت صائماً ثم خرجت مسافراً ليس لك أن تفطر، فكأن أنساً هنا يقول: لا، سنة أن أفطر، وجاء بهذه السنة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سفره لفتح مكة عليه الصلاة والسلام، فقد أصبح صائماً وأفطر بعد العصر عليه الصلاة والسلام.إذاً: السنة إذا سافرت وأنت صائم لك أن تفطر وهذا ما يحتمله هذا الحديث.يقول الترمذي: ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن راهويه.ولكن جماهير العلماء لم يقولوا بذلك، وإنما قالوا: طالما أن اسمه مسافر فله أن يقصر وله أن يفطر، وإذا لم يسمَّ مسافراً ليس له أن يقصر أو أن يفطر، أما التفرقة بين القصر والإفطار أن له أن يقصر إذا خرج وليس له أن يقصر وهو موجود، حتى وإن كان ناوياً للسفر، وله أن يفطر وهو في بيته وليس له أن يقصر الصلاة، فهذه تفرقة بين متشابهين، لكن الأحوط في ذلك أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا خرج من البلد؛ لأنه إذا خرج من البلد الآن صار مسافراً، أما وهو في المدينة فلا يطلق عليه مسافر، فلو تخيلنا إنساناً في بيته وهو في نهار رمضان فأفطر فالعذر للمسافر وأنت لست مسافراً ما زلت في البلد، فقد تخرج لتركب القطار، وبعد أن تصل إلى محطة القطار تجد القطار قد فاتك، فإذاً أنت ما زلت مقيماً وأفطرت فكيف تفطر وأنت لم تتيقن من السفر؟! بخلاف من ركب القطار وتحرك به القطار فيكون الآن قد أيقن أنه مسافر فعلى ذلك له أن يفطر بعدما تحرك وخرج، وليس وهو في البلد فيحتمل أن يخرج ويحتمل ألا يخرج. فالجميع اتفقوا على أن المسافر إذا كان في البلد ليس له أن يقصر الصلاة، وهذه أسئلة يسألها البعض ويقول: أنا مسافر، والآن وقت صلاة الظهر وأنا على محطة القطار، وسنركب القطار وسنصل هناك بعد المغرب فهل لي أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم وأنا في هذا المكان؟! فليس له ذلك؛ لأنه مقيم وليس مسافراً، لكن لو خرج في الطريق وخرج به القطار من البلد، وصار يطلق عليه مسافراً، فلو نزل في محطة من المحطات فصلى الظهر والعصر فيجوز له أن يجمع ويقصر، فيقصر الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر؛ لأن وصفه الآن مسافر.إذاً: الأحوط والأرجح في الدليل أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا تيقن أنه صار مسافراً، فيكون بذلك خارج البلد.قال ابن قدامة في المغني: ولا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، أي: يجازوها.وقال الحسن : يفطر في بيته يوم يريد أن يخرج. ولعله أخذه من قول أنس : سنة.يقول ابن قدامة قول الحسن شاذ، وأول فعل أنس بقوله: فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجاً منه فأتاه محمد بن كعب في منزله، فلما كان فعل أنس يحتمل أنه قد يكون في منزله أو خارج من المنزل خارج البلد وأتاه محمد بن كعب هناك فبعد الاستدلال به، قال: ولنا قول الله عز وجل؛ لأن هذه القاعدة والأصل قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].إذاً: من كان شاهداً مقيماً يلزمه الصيام، والرخصة للمسافر وللمريض وهذا ليس واحداً من الاثنين فلا يوصف بكونه مسافراً إلا بعد خروجه من بلده.وإن أصبح صائماً فسافر جاز أن يفطر في اليوم الذي سافر فيه، وهذا هو الراجح من حيث الدليل، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان مسافراً وصائماً فأفطر في آخر النهار، ولكن البعض الذي يمنع يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مسافراً أصلاً من أول النهار، وقد نوى الصيام صلى الله عليه وسلم ولكنه كان مسافراً أياماً وليالي، وهذا اليوم الذي أفطر فيه من هذه الأيام كان بالليل مسافراً وبالنهار ليس مسافراً، وكلامنا ليس في هذا المجال، ولكن كلامنا فيمن أصبح وهو مقيم، فإذاً: على ذلك الآية تقول: فَمَنْ شَهِدَ [البقرة:185] وهذا شهد الشهر، هذا متعارض مع كونه في أول النهار كان شاهداً مقيماً وفي آخر النهار كان مسافراً فيلزمه أن يصومه، وهذا قول البعض.يقول ابن قدامة في إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه: هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة؛ فالمسألة السابقة كانت على اليوم الذي هو مسافر فيه فهل يفطر من البلد أو بعد أن يخرج من البلد؟ أما هذه المسألة إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائماً، فجاء وقت الظهر فبدا له أن يسافر فهل له أن يفطر؟ فالبعض يمنع، لأنه كان شاهداً حاضراً فلزمه حكم الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وليس مسافراً في أول النهار.البعض الآخر يقول: له أن يفطر، وهو قول: عمر بن شرحبيل والشاعري وإسحاق بن راهويه وداود بن علي الظاهري وابن المنذر ، وهذه رواية عن أحمد رحمه الله وهو الراجح من حيث الدليل، لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ذكر أنه سنة، وأبو بصرة كان في البلد بعدما ركب المركب وتحرك وهو يرى البيوت فأفطر، فلما سئل قال: سنة، فدل على أنه إذا أصبح صائماً وركب وتحرك به المركب أو القطار ونحوه له أن يفطر بعد ذلك؛ لأن أبا بصرة فعل ذلك وقال: سنة.وأيضاً أنس على أحد التأويلين فعل ذلك وقال: سنة.والدليل العقلي: أنه لو كان مسافراً بالليل واستمر سفره بالنهار يبيح له الفطر في ذلك، فإذا وجد في أثنائه أباحه، كالمرض فالإنسان إذا كان مريضاً بالليل وتوقع أن يصبح بالنهار والمرض ما زال به، فله أن ينوي الإفطار ويكون مفطراً بالليل وبالنهار، فكذلك في أمر المسافر، إذا كان مسافراً بالليل وهو يعلم أنه لن يصل قبل آخر النهار من اليوم التالي فله ألا ينوي الصيام وينوي الإفطار بالليل، ويكون بالنهار أيضاً مفطراً، فوجد العذر بالليل فله أن ينوي بالليل أنه سيفطر في يومه الثاني، لأنه مسافر فيه فإذا وجد هذا العذر بالنهار بالمرض فله أن يفطر، فليقِس عليه ذلك في الصيام.إذاً: المريض بالليل إذا نوى أنه سيفطر غداً؛ لأن المرض شديد ولن يعافى منه حتى النهار، فله أن يفطر، فإذا أصبح سليماً ومرض بالنهار فله أيضاً أن يفطر، فالمسافر قياساً عليه إذا كان بالليل مسافراً فنوى أنه غداً سيفطر لأنه في حالة سفر، فله ذلك، فإذا وجد السفر في أثناء النهار الذي صام فيه، فله أن يفطر قياساً على المرض؛ ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه أثناء النهار كالآخر.الرواية الثانية وهي التي عليها جمهور العلماء ومنهم: مكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي والرواية الثانية عن أحمد وقولهم هنا: لا يباح له؛ لأنه شاهد في أول النهار وهو مقيم يلزمه الصيام، وبعد ذلك سافر، فتكون هذه رخصة فكأنهم قالوا: وجد هنا تعارض؛ لأنه في أول النهار كان شاهداً وربنا يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فعلى ذلك لا نعارضه بالرخصة الآن، ويلزمه الصوم، لكن القول الأول أجمل وأولى، وقال هؤلاء: الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا غلب حكم الحضر كالصلاة، أي: إذا اجتمع السفر والحضر ويكون جزء منها في السفر وجزء منها في الحضر، فنغلب الحضر فهنا يلزمه أن يصوم لأنه شاهد.لكن القول الأول من ناحية الدليل في القياس على المرض قول قوي وأيضاً فعل أبي بصرة وفعل أنس بن مالك كلاهما قال: سنة.يقول ابن قدامة : والأول أصح للخبر؛ ولأن الصوم يفارق الصلاة فإن الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم، ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه، كالسائق المسافر من بلد إلى بلد، والتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام وغيره من السلع، وكالساعي الذي يسافر في مصالح المسلمين، وكذلك الملاّح الذي له مكان في البر يسكنه. ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يسافر كثيراً، طالما أن له مكاناً يأوي إليه فعندما يكون في المكان الذي يأوي إليه فحكمه حكم المقيم، ومثال ذلك: سواق له سيارة موجود في الإسكندرية، يخرج كل يوم من الإسكندرية إلى القاهرة، فطالما هو الإسكندرية فنقول: أنت مقيم، لكنه خارج للسفر وسوف يرجع في آخر النهار للبلد الذي هو فيه، فنقول: لك أن تفطر ولك أن تصوم، مثلما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان يكري الدواب، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر).
    حكم فطر من كانت السفينة مسكنه وأهل البادية في تنقلاتهم

    يقول ابن قدامة : فأما من كانت السفينة مسكنه ومعه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافراً، فهذا لا يقصر ولا يفطر. فلو تخيلنا مثل هذا، أن الإنسان عنده سفينة وهذه السفينة بمثابة بيته وهو مقيم بها دائماً يذهب ويأتي وهو فيها فيقول: هذا حكمه أنه مقيم بداخل هذه السفينة طالما أنه لا يخرج منها ومعه أهله ومعه عياله فيها، وهذا الشيء يتخيل فقط، لكنه حقيقة ليس موجوداً.وإذا كان الإنسان يسافر من بلد إلى بلد وفرضنا أن له بيتاً في كل بلد يسافر إليه، فعندما يصل إلى مسكنه في المكان الفلاني فحكمه حكم المقيم، لكن أثناء السفر في الطريق فله أن يفطر وله أن يجمع ويقصر، فهو في حكم المسافر وعلى ذلك سيجتمع حكم القصر في الطريق والإتمام في البيت؛ لوجود مكان يأوي إليه وله أهل فيه، لكن الصوم لا يصح فيه هذا الشيء، لأنه أثناء الطريق بالنهار له أن يصوم أو يفطر، وإذا جلس في البلد يوماً كاملاً فيلزمه أن يصوم.أما أهل البادية الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، وهذا معروف عنهم أنهم يشتون في المكان الذي فيه الكلأ والمرعى، ويصيفون في مكان آخر، فيتوجهون إلى المكان الذي فيه الكلأ والعشب لأغنامهم أو لبهيمة الأنعام، فأثناء طريقهم يكونون في حكم المسافر، وإذا وصلوا إلى مكان المشتى أو مكان المصيف يكونون في حكم المقيم.إذاً: في مشتاهم أو مصيفهم يتمون الصلاة ويلزمهم الصيام، وخلال المشي في الطريق لهم أن يقصروا ولهم أن يصوموا أو يفطروا.فحتى لو كان متنقلاً فعليه أن يصوم؛ لأنه مكانه، ولكن في الطريق من المشتى والعكس له أن يصوم وله أن يفطر.
    حكم المسافر إذا قدم من سفره في نهار رمضان

    (إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية) والمسافر يلزمه القضاء ولا يلزمه الفدية؛ لقوله سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].(أما إذا قدم المسافر في أثناء يوم قد ترخص فيه وأفطر أو برأ المريض وهو مفطر) مثلاً: لو أن إنساناً كان مسافراً ورجع من السفر في وقت الضحى، وهو مفطر، أو كان مريضاً وشفاه الله عز وجل في أول النهار وكان مفطراً، فالأولى والأفضل التشبه بالصائمين، لكن لا يلزمه أن يتم يومه، وليس من الممكن أن يجتمع حكمان أنه يجوز له في أول النهار أن يترخص ويفطر، ثم نلزمه وهو مفطر أنه يجب عليه الصيام، والبعض من أهل العلم أوجبوا عليه ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقول الأوزاعي والأظهر عند الحنابلة أنه يجب عليه الإمساك. أما عند الشافعي فهو مستحب، والأفضل أن يتشبه بالصائمين ويراعي حرمة اليوم، فيستحب له أن يكمل الصيام وهذه رواية عن أحمد ، أنه لا يجب عليه أن يصوم، فكيف يكون في أول اليوم مفطراً بعذر وله رخصة أن يفطر، ثم نقول: يجب عليك أن تصوم بقية اليوم؟! لا يجتمع في اليوم جواز الإفطار مع وجوب الصوم فيه. قال مالك: لا يجب ولا يستحب الإمساك. وهو قول قوي في هذه المسألة، وإن كانت المراعاة للصائمين ولحرمة اليوم أن يحتاط فيمسك بقية يومه استحباباً وليس وجوباً.ولا يأكلان - أي: المسافر والمريض - عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة، فالمسافر بعد أن نزل في مكان وهو نازل قد يعرفه البعض فله أن يأكل وقد لا يعرفه البعض، فيراعي ألا يتهمه الناس، فيقال: فلان مفطر وهم لا يعرفون أنه مسافر أو أنه مريض، فالإنسان يحافظ على نفسه ولا يأكل عند من لا يعرف عذره، فإذا أراد أن يأكل فعليه أن يخبر أنه مسافر أو يخبر أنه مريض، والإخبار هنا لينفي عن نفسه التهمة، ولكي لا يقتدي به إنسان فاسق فيقلده عندما يراه، وهو إنسان لا يصوم وهو يخفي على الناس أنه مفطر، وبمجرد أن يلقى هذا المسافر يأكل، فيقلده ويفطر مثله، فالأفضل: ألا يفطر إلا عند من لا يتهمه. (وإذا قدم المسافر أو برئ المريض وهما صائمان) فلو أن إنساناً أصبح وهو مريض مرضاً شديداً يشق معه الصوم، فصبر على مرضه وواصل صومه، فجاء وقت الظهر وقد شفاه الله عز وجل، فليس له رخصة أن يفطر.وكذلك لو كان إنسان مسافراً، وأصبح صائماً وهو مسافر فوصل إلى البلد المقيم فيه، فليس له رخصة أن يفطر.فمن كان صائماً في أول النهار سواء كان مريضاً أو مسافراً الصيام الشرعي الذي تصحبه النية من الليل، فعلى ذلك يلزمه أن يتم صيامه وليس له أن يقول: أنا أترخص؛ لأن حكمه حكم الصحيح وليس المريض، وحكمه الآن مقيم وليس مسافراً.ولو قدم المسافر ولم يكن قد نوى من الليل صوماً ولم يأكل في نهاره قبل قدومه، فله أن يفطر؛ لأن صومه غير شرعي، فصيام رمضان لا بد فيه من النية في الليل ومن الأفضل أن يمسك مراعاة لحرمة اليوم.
    حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان
    [ ولا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوم في رمضان عن غيره ] فلا يصح في رمضان الصيام لقضاء نذر أو كفارة، فصوم رمضان يلزمك نية لصيام رمضان الذي أنت فيه، وعندما ينتهي رمضان اقض ما عليك، سواء كان عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام أحدهما شيئاً من ذلك لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى له. فالمعنى: أن الإنسان إذا نوى من الليل أنه سيصوم قضاء للأيام التي أفطرها في السنة الماضية، فهو لم ينو صيام اليوم وإنما نوى صيام شيئاً آخر، فلا يصح أن يصوم في هذا اليوم غيره؛ لأن اليوم لا يستوعب إلا شيئاً واحداً، بخلاف وقت الصلاة فهو يستوعب صلوات كثيرة، فإذا جاء وقت صلاة الظهر فصلى فيه صلاة الظهر التي فاتته في اليوم السابق، ثم نوى صلاة الظهر لليوم الذي هو فيه أو ضاعت منه صلاة الصبح، فيصليها الآن في وقت صلاة الظهر، ويصح ذلك؛ لأن الوقت يستوعب صلوات كثيرة لكن وقت الصوم لا يستوعب إلا صوماً واحداً، والصائم يلزمه أمران: النية والإمساك، فهو ممسك ولكن النية ليست نية صحيحة، فقد نوى أن يصوم شيئاًً غير صيام رمضان، فلا تصح هذه النية، وعلى ذلك لا يصح هذا الصوم لا عن اليوم ولا عن الصوم الذي نواه.
    حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان

    [ إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برئت من مرض وهي مفطرة فجامعها فليس عليه كفارة؛ لأنه مفطر بعذر ] أي: كان مسافراً وقدم وهو مفطر، وامرأته كانت حائضاً وطهرت من حيضها، فلا يجب عليه الصوم وهي لا يجب عليها الصوم، فإذا اغتسلت فجامعها فلا شيء عليه ولا عليها إلا القضاء بالأصل؛ لأنه كان مفطراً في أول اليوم وهي كانت مفطرة بعذر.
    حكم الحامل والمرضع


    [الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أو على ولدهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض].المرأة الحامل قد تخاف على نفسها وقد تخاف على جنينها، والمرضع قد تخاف على نفسها وقد تخاف على ولدها، فعلى ذلك يجوز لها أنها إذا خافت على نفسها أو على ولدها الإفطار، ويلزمها القضاء عند الجميع، واختلف العلماء في وجوب الفدية من عدم وجوبها، ففي حديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) حديث حسنه الترمذي ، وقال الألباني : حديث حسن صحيح، وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم، أي: أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.وراوي الحديث هو أنس بن مالك الكعبي وهذا ليس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن خادم النبي صلى
    الله عليه وسلم اسمه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، فلو ذكر أنس بن مالك فقط، فسيكون خادم النبي صلى الله عليه وسلم الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، ولكن لا بد من بيانه لأن الإطلاق ينصرف إلى أنس بن مالك رضي الله عنه الصحابي الأنصاري خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فحديث أنس الكعبي : (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) الحامل: يطلق على المرأة الحامل الخائفة على نفسها أو الخائفة على ولدها، وهذا إطلاق، والتقييد يحتاج لدليل، والتقييد أن الحامل هي التي خافت على نفسها أو خافت على ولدها فيحتاج لدليل، وإذا وجدنا الدليل عملنا به، والمرضع مطلق فأي امرأة مرضع يجوز لها أن تفطر طالما أنها مرضع وأن هذه الرضاعة قد تؤثر عليها أو تؤثر على ولدها، فهذا الحديث فيه أن الله عز وجل وضع عن الحامل والمرضع الصوم.يقول الترمذي : قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وهذا قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد. سفيان من أهل الكوفة، ومالك في المدينة، والشافعي في الحجاز مكي، وأحمد رحمه الله، فهؤلاء الأربعة أجمعوا على ذلك، يقول: [ أكثر العلماء يقولون: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.وقال بعضهم: الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق ]، ولم يذكر قول أبي حنيفة فهو أوجب القضاء فقط وهو الراجح في هذه المسألة.قال البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184].وقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان.يذكر البخاري : باب قول الله تعالى:: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184]، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يكون مريضاً أو على سفر عليه عدة من أيام آخر. (وعلى الذين يطيقونه) أي: كبار السن ونحوه ممن لا يقدرون على الصوم إلا بمشقة شديدة تجهدهم، فعليهم فدية طعام مسكين، ولا صيام عليهم، والمسافر والمريض إذا أفطرا فعليهما الصيام.وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما. فكأنه يميل لهذا القول، أن المرضع سواء خافت على نفسها أو خافت على الجنين، والحامل سواء خافت على نفسها أو خافت على جنينها فإنهما تفطران ثم تقضيان فألحقهما بالمريض والمسافر.وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما عن كل يوم مسكين، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) الحديث رواه الإمام أبو داود ولكن اخترنا رواية البيهقي؛ لأنها طويلة وصحيحة، ورواية أبي داود صحيحة ولكنها مختصرة اختصاراً موهماً، ذكر ذلك الشيخ الألباني رحمه الله وقال: إنها مختصرة اختصاراً مخلاً، وسنرى الفرق بين الروايتين، فرواية البيهقي عن ابن عباس : (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكين ولا قضاء عليهما)، وهذا أول ما فرض الصيام، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، فإذا كانا يقدران على الصيام لهما أن يصوما ولهما أن يفطرا، وإذا أفطر فإنه يطعم مسكيناً ولا يقضي بعد ذلك ولا شيء عليه. (ثم نسخ ذلك بهذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم عليهما الإطعام) ، فالصوم يحتاج لمجهود شديد منهما وهما لا يطيقانه فلهما الإفطار وعليهما الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم.(والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) فهو يقول: أن الحبلى والمرضع تلحقان بالشيخ والشيخة إذا خافتا، ولم يقيد الخوف فيكون الخوف على الإطلاق، الخوف على النفس أو الخوف على الصبي أو الجنين.(أفطرتا وأطعمتا)، وهذا قول مطلق حتى إذا كانتا قادرتين على الصيام بعد ذلك، وهذا قول ابن عباس ومذهبه رضي الله عنه، وهو يرى أنه إذا أفطرت المرضع أو الحامل فعليها أن تطعم كل يوم مسكيناً، وكذلك ابن عمر قال ذلك، وإن كان الراجح في ذلك أن نفرق بين من أفطرت بسبب الرضاعة أو بسبب الحمل وتقدر على الصيام فبعد ذلك يلزمها؛ لأن حكمها حكم المريض، والمريض يلزمه أن يصوم قضاء، أو أنها لا تقدر لا على الصيام ولا تقدر بعد ذلك على القضاء بسبب الحمل والرضاعة المتكرر، فعلى ذلك تفطر وتطعم ولا شيء عليها أكثر من ذلك كما سيأتي.ولفظ الإمام أبي داود عن ابن عباس : (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما).فنلاحظ هنا أنه قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما)، ولم يذكر أنه بعد ذلك نسخ هذا الشيء، فكأن هذا الأمر باقٍ، بخلاف لفظ البيهقي فقد ذكر وزاد رواية ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فمن شهد منكم الشهر فليصمه وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان، لذلك ذكرنا أن لفظ البيهقي أوضح في هذه المسألة، ولفظ الإمام أبي داود أخصر، والاختصار يوهم أن الحكم القديم معمولٌ به.وروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً) أي: ومن يحتج بقول ابن عباس من الأئمة رضوان الله عليهم يقول: ابن عباس قال: تطعمان والآية تقول: إنهما تقضيان، فنجمع بين القضاء مع الإطعام.لكن ابن عباس هنا نص على أنهما تفطران وتطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا تقضيان صوماً.وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه رأى أم ولد له حاملاً، وأم الولد هي أمة كان يملكها ابن عباس واستولدها فصارت أم ولد له، وجدها حاملاً أو مرضعاً، قال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، فعليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك، وفي رواية أن هذا إذا خافت على نفسها، ورواه الدارقطني بلفظ: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء وليس عليك القضاء.وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن عمر قالا: الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي.وعن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي.وعن نافع قال: كانت بنت لـابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً.فهذه الآثار عن ابن عباس وعن ابن عمر فيها أنه لم يفرق بين إذا خافت على النفس أو خافت على الولد.إذاً: الحامل والمرضع تفطران فإذا قدرتا على القضاء يلزمهما ذلك، فليسا بأولى من الإنسان المريض والمسافر، فالمرأة الحامل بعد أن تضع وهي ترضع تقدر على الصيام فيلزمها قضاء رمضان، وكذلك المرأة المرضع إذا كانت في رمضان والصيام يمنع اللبن أن ينزل وستتعب تعباً شديداً بسبب ذلك، جاز لها أن تفطر في نهار رمضان وتقضي بعد ذلك، لكن إذا كان يشق عليها الصيام وأيضاً يشق عليها القضاء بسبب الحمل المتكرر والرضاعة المتكررة فعليها الإطعام ولا يلزمها أكثر من ذلك.ولو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فنقول: هذه المرأة المرضع سواء كانت ترضع ولدها أو ترضع غير ولدها، وهذا مشتهر عند العرب في الماضي أن المرأة كانت تلد وبعد ذلك يذهبوا بالولد لبعض الأعراب في البادية؛ لأن جو البادية صحي للطفل الصغير فترضعه امرأة من البادية، فكان يختار الرجل لابنه المرضعة التي تقدر على ذلك وترضعه، وهذه المرضعة ترضع غير ولدها ولها الرخصة أيضاً والعذر بأنها تفطر وتقضي يوماً مكانه إذا كانت تقدر على القضاء أو أنها تفطر وتطعم ولا يلزمها القضاء إذا كانت لا تقدر عليه.نقول: المرأة المستأجرة للإرضاع لترضع ولد غيرها يجوز لها الإفطار بل قد يجب عليها الإفطار إن تضرر الرضيع.
    تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر

    لخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الحامل والمرضع في كتابه المجموع على أربع مذاهب:المذهب الأول: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وهذا ذكرناه عن ابن عمر وعن ابن عباس وأيضاً سعيد بن جبير فيه، وهو أن المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها أو تخاف على الجنين إذا خافتا فأفطرتا فعليهما الإفطار والفدية، فتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، وليس عليها القضاء، وهذا هو القول الأول. المذهب الثاني وهو قول الإمام مالك : يفرق بين الحامل والمرضع، فالحامل تفطر وبعد ذلك عليها القضاء، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، فعلى المرضع كلا الأمرين.المذهب الثالث: قول مجاهد والشافعي وأحمد يفرقون بين أن تخاف المرأة الحامل أو المرضع على النفس أو تخاف على الولد، فإذا خافت على نفسها عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تقضي ولا فدية، وإذا خافت على الجنين أو على الولد، فتفطر وعليها القضاء مع الفدية.المذهب الرابع: قول عطاء بن أبي رباح والحسن والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي -يعني:
    الأحناف-: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية وحكمهما كالمريض وبه قال ابن المنذر، وهو أوجه الأقوال وأقواها، لكون المرأة الحامل أو المرضع مشبهة بالمريض، والمريض يلزمه أن يقضي، فهذه يلزمها القضاء، فإذا تعذر عليها القضاء، لها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمها القضاء، فإذا احتاطت المرأة بذلك وأخذت بقول الشافعي وأحمد ومن قبلهما مجاهد أنها إذا خافت على الجنين أو على الطفل أفطرت ثم قضت وأطعمت فهذا طيب؛ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، فيكون من باب التطوع أما أنه واجب، فالراجح أنه لا يجب إلا الصوم، وإذا تعذر ذلك فتطعم مكانه كل يوم مسكيناً.
    وجوب صيام رمضان برؤية الهلال

    لا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمي عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي لفظ مسلم : (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد).إذاً: إذا لم يظهر الهلال نتم شعبان، فإذا كنا في شهر شعبان ولم يظهر رمضان فنكمل شعبان ثلاثين يوماً، ولذلك جاء في رواية أخرى: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)، فالألفاظ: (غم)، (غبي)، (غمي)، كلها بمعنى واحد وهو عدم ظهور الهلال لسبب من الأسباب.وجاء في السنن عن ابن عباس رضي الله
    عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فلا تصم قبل رمضان احتياطاً. والذي ليس متعوداً على أن يصوم في شعبان ولا في غير شعبان ويأتي ليصوم يوم الشك، ويقول: سوف أصوم هذا اليوم فربما يكون من رمضان فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصم احتياطاً لرمضان ولكن إذا ثبتت الرؤيا فصم، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، وهذا الحديث فيه (فإن حالت دونه غياية -يعني: سحابة- فأكملوا ثلاثين يوماً) يعني: ليس مطلوباً أن نبحث ونفتش وراء السحاب عن الهلال، فإذا ظهر الهلال ثبت الشهر، وإذا لم يظهر الهلال فعلى ذلك (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته).وفي رواية للنسائي قال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها -أي تعبدوا-، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فيكون الأصل في الرؤيا أن يشهد شاهدان، وهذا في رؤية هلال رمضان أو في غيره، وسيأتي أنه في رمضان يجوز الشاهد الواحد؛ لفعل ابن عمر وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادته وحده رضي الله تبارك وتعالى عنه.وقوله: (صوموا لرؤيته) هذا يحتمل أن يكون ليلاً أو نهاراً، فإذا كان بالليل فيكون الصوم باليوم الذي يليه، وإذا كان بالنهار فيكون باليوم الذي يليه أيضاً.قال جمهور العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن غم عليكم، فاقدروا له) المعنى: احسبوا أول الشهر والرواية الأخرى توضحها (فأتموا عدة شعبان ثلاثين، واحتاطوا لشهر شعبان من أوله) ؛ لأنك ستبني صيام رمضان عليه إذا لم تر الهلال، فمعنى (اقدروا له) أي: انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين لقوله صلى الله عليه وسلم: (فأكملوا العدة ثلاثين).وروى أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان)، والمعنى أنه كان يهتم برؤية هلال أول شعبان؛ لأنه سيبني عليه رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين. (فإن غم عليه عد ثلاثين) أي: عد ثلاثين من شعبان ثم صام صلى الله عليه وسلم.
    النهي عن صيام يوم الشك

    روى النسائي عن سماك قال: (دخلت على عكرمة في يوم قد أشكل هل هو من رمضان أو من شعبان وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم).سماك يقول: (دخلت على عكرمة) وهو شيخه.(في يوم قد أشكل) أي: يوم الشك.قال: (وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم) أي: تعال كل. (فقلت: إني صائم) وكأن سماكاً قد احتاط فصام هذا اليوم فلعله يكون رمضان. (فقال: وحلف بالله لتفطرن) أي: فأقسم عليه أن أفطر.قال: (قلت: سبحان الله! مرتين، فلما رأيته يحلف لا يستثني) لا يستثني أي: لا يقول: إن شاء الله، أي: لم يقل له: والله! إن شاء الله افطر، ولكن قال: والله لتفطرن، أقسم عليه.قال: (تقدمت، فقلت: هات الآن ما عندك) أي: بعدما أكلت سألته: لماذا حلفت علي؟!قال: (سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حاله بينكم وبينه سحابة أو ظلمة فأكملوا عدة شعبان). إذاً: إذا لم تروا الهلال فأكملوا عدة شعبان. (ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً) أي: لا تقدموا قبل الشهر، وتقولوا: سوف نصوم يوماً قبله احتياطاً، وحين يأتي العيد تقولون: نصوم يوماً احتياطياً فتجعلون رمضان اثنين
    وثلاثين يوماً أو واحداً وثلاثين يوماً، ولكن لا تحتاط قبله ولا بعده.قال: (ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان).إذاً: على ذلك الشهر ينفصل عن غيره من الشهور.يقول ابن المنذر في كتاب الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجوز بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته.وقال الحافظ ابن حجر : هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، أي: الذي يعمل بالحساب أو بغير الحساب يكره عليه صيام هذا اليوم طالما أنه لم ير الهلال. فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله. والمقصود أنه ليس هناك فرق بين من يحسب وبين من لا يحسب، والحساب في الماضي كان حساباً ظنياً أما إذا كان الحساب مبنياً على المراصد وعلى تصوير الهلال في ليالي الهلال، وأنه في يوم كذا سوف يكون في مكان كذا، وغداً سيكون في مكان كذا، وإذا كان الاعتماد على هذه الآلات الدقيقة ففي هذه الحالة لن يصلح الهلال أن يكون أمارة لتصديق الشاهد أو لتكذيب الشاهد، فعلى ذلك لا يصح الاعتماد على الرؤية الفلكية أو الحساب الفلكي ولكن الأصل هي الرؤية البصرية فإذا جاء إنسان وقال: رأيت الهلال، والحساب والمراصد تقول: إنه يستحيل أن يرى، فعلى ذلك يقال: هذا الإنسان لم ير، فعلى هذا يصلح الحساب الفلكي من المراصد ونحوها لنفي قول صحة الشاهد، وربما أنه قد يكون رأى شيئاً آخر ولم ينتبه وكان على عينه شيء، وسوف نبين هذا الكلام.والحساب موجود في الماضي، فقد كان الناس يحسبون الشهور، وعلى عدد الأيام يوقتون لشهر رمضان، يقول الحافظ ابن حجر : لا يعتمد على مثل هذا الحساب.فإذا كان الحساب وصل إلى أمر قطعي وأنه معتمد على مراصد وغيرها فعلى ذلك نقول: الأصل الرؤية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا الحساب يصلح لتصديق شهادة الشاهد أو ردها.قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا) يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.قال ابن حجر : المراد بالحساب المنفي هنا حساب النجوم وتسييرها فلم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، أي أن الصحابة لم يكونوا يعرفون حساب النجوم ولا الحساب الفلكي، فلا يقيد الأمر بشيء لا يعرفونه.يقول ابن حجر الهيتمي : وقع تردد فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية وأنه مستحيل أن يرى الهلال هذه الليلة، فكيف رآه هذا الإنسان؟! يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي : والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.
    وقت بداية رؤية الهلال

    العلماء يقولون: إن الرؤية تبدأ وقت غروب الشمس وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، حيث يتوجه النظر إلى نقطة غروب الشمس؛ لأن الذي سيبحث عن الهلال لن يبحث عنه في السماء كلها، ولكن عندما تغرب الشمس فإنه سينظر في المكان الذي غربت منه الشمس لكي يرى الهلال هل هو موجود بعد الغروب أو غير موجود.وعلماء الفلك يقومون بتحديد مركز وهمي عند نقطة الغروب بمساحة خمس درجات فلكية يميناً وشمالاً، ويحسب ثمان درجات لأعلى وثمان درجات لأسفل، ولا تزيد فترة الرؤيا على نصف ساعة بعد الغروب، فيكون مع التحرز والرصد أصبح يقيناً عندهم أن الرؤية لهذا الهلال الذي هو لليوم الثاني إلا في خلال نصف ساعة بعد غروب الشمس، فإذا لم يظهر الهلال خلال نصف ساعة بعد الغروب يتم استكمال الشهر ثلاثين.
    حالات رؤية الهلال


    تنقسم رؤية الهلال إلى حالات منها: غروب القمر يوم التاسع والعشرين قبل غروب الشمس، فالمقصود أن الشمس تغرب والأرض تغرب، وكما نعلم أن الأرض تدور والقمر يدور حول الأرض، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، فالأرض تدور في مدار الشمس فعلى ذلك فإن القمر يدور حول الأرض، وعندما يأتي القمر بين الأرض وبين الشمس ستكون أشعة الشمس على جزء من القمر وهو الذي يراه الإنسان بحسب حركة القمر مع الشمس، فإذا تحرك فوقها فإنه يظهر على شكل حرف نون، وإذا تحرك وانزاح بجوارها فإنه يظهر على شكل حرف راء، فهنا يقولون لنا: إذا كان غروب القمر ليلة تسع وعشرين قبل غروب الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن رؤية أي جزء من القمر بعد الغروب وذلك يعني استكمال الشهر، وحساب المراصد يقول: إن القمر سيغرب هذه الليلة فسوف يغرب هذا النهار الساعة الرابعة والنصف، قبل غروب الشمس وإذا كان القمر على ذلك وجاء واحد وقال: أنا رأيت الهلال هذا النهار، نقول له: أنت كاذب فليس هذا من الممكن.فهذا مبني على أشياء يقينية عندهم، فالأمر ليس له علاقة بالحساب، وإنما من خلال الدراسة لسنين طويلة وصلوا إلى هذا الشيء مستعينين بالرصد والتصوير والكمبيوتر وغير ذلك بحيث يقول لك متى سيغرب الهلال هذه الليلة، فإذا غرب الهلال قبل الشمس، فعلى ذلك مستحيل أن يرى الهلال ويكون غداً المتمم لشهر شعبان.إذاً: الأصل يكون الاعتماد على الرؤية البصرية والمراصد تصدق هذا أو ترد شهادته.حالة أخرى: وهي ظهور الهلال بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين بفترة، وهذه مسألة
    حسابية، فمثلاً يقال: هذه الليلة ستغرب الشمس الساعة السادسة، والقمر من المفروض أن يغرب بعد الشمس بعدة ساعات، فمن المستحيل هنا أن يرى القمر؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثمان ساعات من ميلاده.فلو جاء إنسان في هذه الليلة وقال: أنا رأيته، فنقول له: يستحيل أن تراه، لأن فترة ولادته كان محجوباً بالشمس فليس من الممكن أن يرى، وعلى هذا فإن المراصد والحساب الفلكي هي أمارة على نفي ما أثبته الشاهد، لكن إذا جاء الشاهد وقال: أنا رأيته، والحساب يثبت أنه فعلاً يمكن أن يرى في هذه الليلة، فعلى ذلك يكون العمل على رؤية الهلال.أما مفهوم ولادة القمر أو الهلال فنقول: إن القمر أثناء دورانه حول الأرض يمر بوضعية ينطبق فيها ظاهرياً على الشمس، فإذا كان ينطبق ظاهرياً على الشمس فهذا يوافق المحاق، والمحاق هي الليالي التي لا يرى فيها القمر، فيكون منطبقاً على الشمس ويقع بينها وبين الأرض، فإذا انطبق في وقت الليل أمام الشمس فالشمس تجعله لا يظهر، وفي هذه الحالة يكون المحاق الذي يكون في آخر الشهر، فإذا علا التمر قليلاً عن الشمس، يكون الجزء الأسفل من القمر هو الذي يرى، وشعاع الشمس يسقط عليه فيظهر على شكل حرف نون، وهذا هو الهلال، لكن هذا لا يحدث إلا نادراً وذلك عندما تقع الأرض والقمر على استقامة واحدة والتي هي في حالة كسوف الشمس.أما في الحالة العامة فيكون القمر منزاحاً إلى أحد جانبي الشمس، فيكون إما يميناً وإما يساراً فيظهر على شكل حرف الراء، فإذا صار القمر أثناء دورانه على خط أفقي واحد مع الشمس فيكون في المحاق.[ بيد أن العين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات ]، فميلاد القمر معناه انزياح القمر عن الشمس في نظر الرائي، وفي هذه الحالة يكون القمر بين الشمس وبين الأرض، أما إذا انزاح عن الشمس يميناً أو إلى أعلى فهنا يقال: ولد، ووقت ميلاد القمر لا يرى القمر فالشمس تمنعك من رؤيته، وضوء الشمس العادي يمنع من ذلك، فإذا انزاح وبعد عن الشمس فيمكن أن تراه، ففي هذا الوقت يمكنك أن تراه بعد ميلاده بثمان ساعات، والعين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات؛ وذلك لشدة قربه من الشمس وتأثير ضوئها على وضوحه، ورؤية القمر لا تتم إلا إذا كان عمره قبل الغروب ثمان ساعات أو أكثر.
    اختلاف العلماء في حكم رؤية الهلال في بلد دون بلد آخر

    ظهور الهلال يكون برؤية شاهد أو شاهدين له، فإذا قبل القاضي أو مفتي البلد شهادتهما فعندها يصوم الناس، والآن يعتمدون في رؤية الهلال على المراصد، فعلى ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون) فالصوم يكون مع الجماعة.فإذا رؤي الهلال في بلد من البلدان وقرر مفتي البلد بأن هذه الرؤية رؤية صحيحة وألزم الناس بها فالراجح أنه يلزم الجميع أن يصوموا، وإذا كان هذا البلد يأخذ بتقرير المرصد فعلى ذلك يكون صيامنا مع أهل بلدنا، فالذي يلزم المفتي شرعاً أنه إذا تأكد من رؤية الهلال في منطقة يجتمع فيها مجموعة من البلدان في ليل واحد يلزمه أن يأخذ بهذه الرؤية، وأن يأمر الناس بالصيام، فعلى ذلك هذا الأمر أو الحكم متعلق بمن يفتي للناس، أما التأكد من أن الشاهد رأى أم لم ير فهذه ليست من اختصاصنا وليست من اختصاص آحاد الناس، وإنما اختصاص القاضي أو المفتي في هذا المكان، فالذي يلزمنا أننا نصوم مع الناس ونفطر مع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) فيكون صيام كل المسلمين معاً وإفطار كل المسلمين معاً أو على الأقل أهل البلد الواحد، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والجمهور على أنه إذا ظهر الهلال في بلد يلزم باقي البلدان أن يصوموا طالما أنهم صدقوا رؤية هذا الرائي.وذهب الشافعية إلى أنه لا يلزم أهل بلد رؤية بلد أخرى، وإنما يلزمهم رؤية بلدهم فقط، لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذا المعنى، يقول كريب فيما رواه مسلم : (أن أم الفضل بنت الحارث التي هي أم ابن عباس رضي الله عنهما بعثت كريباً إلى معاوية في الشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أي: يوم الخميس المغرب رأوا الهلال وكريب رأى الهلال مع من رآه.قال: (ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفيبرؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) فـابن عباس اجتهد في هذه المسألة على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يذكر ابن عباس ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، والواضح أن ابن عباس كان عمره في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة، وليس من الممكن أن يسمع ما لم يسمعه غيره خاصة في هذا، ولعله أخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فقال: هذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فنزله كفتوى منه في هذا الشيء، ولعله قصد أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً) فجعله محمولاً على رؤية أهل البلد، فلذلك قال: نصوم على رؤية المدينة ونفطر على رؤية المدينة ولا يلزمنا ما رآه معاوية ، حتى وإن كان كريب الذي يحدث ابن عباس قد رآه رضي لله عنهما، وقد أخذ بذلك الشافعية وقالوا: إنه يلزمنا رؤية البلد التي نحن فيها.يقول ابن تيمية في هذه المسألة: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا، يعني: مطلع الهلال على مجموعة من البلدان بامتداد الأفق قد يتفق وقد لا يتفق، فيمكن أن تراه هذه المجموعة كلها وقد يراه بعضها ولا يراه البعض الآخر، فإذا قلنا: إنه خلال نصف ساعة يظهر الهلال في هذا المكان والأرض تدور خلال هذه الفترة فيكون في هذا الوقت يظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، ويظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، وبهذا يطلع الهلال على مجموعة من البلاد في هذه الليلة.وعلى ذلك نقول: إذا طلع الهلال في بلد هنا الساعة الخامسة والربع، وفي الآخر الساعة الخامسة وستة عشر دقيقة، وفي الآخر الساعة الخامسة وثمانية عشر دقيقة، فنقول: اتفقت المطالع هنا.قال: فإذا اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا.وهذا قول الشافعية وقول في مذهب أحمد .وقال في مجموع الفتاوى: (مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها فيها اضطراب) يعني: أنه إذا ظهر في بلد فإنه يلزم الكرة الأرضية كلها الصيام، قال: هذا فيه اضطراب.قال: (فإنه قد حكى ابن عبد البر أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر) يعني: إذا رؤي في الليل وفي المكان الآخر ما زال الوقت نهاراً، فلا يلزم الآخرين هذه الرؤية ولن يصوموا معهم في هذا اليوم، هذا كلامه.ثم قال: (فالصواب في هذا ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) فإن شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم، والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد) هذا اختياره، يريد أن يقول: إن كريباً على مسافة كبيرة عن المدينة لما كان بالشام فهذه الرؤية التي رآها لن تفيدهم الآن، لكن الرؤية التي تكون في مكان بحيث تبلغ للبلدان الأخرى ويتفقون في مطلع واحد، فعلى ذلك يلزم أنهم يأخذون بذلك، فالمسألة مختلف فيها على أقوال للعلماء، فالجمهور على أن الرؤية في بلد تتفق في المطلع مع بلد أخرى أو مع بلدان أخرى إذا وثق فيها يلزم الصيام ويلزم الإفطار.فقول الشافعية: إن كل بلد إذا رأت الهلال يلزمها أن تصوم، وإذا لم تر الهلال فلا يلزمها الصيام برؤية غيرها إذا كانت بعيدة عنها، فعلى ذلك الراجح فيها: إذا أقر مفتي البلد بالرؤية فنصوم مع الناس ولا يكون البعض صائماً، والبعض مفطراً.ويقول في آخر بحثه رحمه الله: فتلخص أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك، ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع.الآن في البلدان لا يتركون لآحاد الأفراد أن يقول: رأيت الهلال فيلزمنا الصوم، وإنما يقومون بأخذ الإنسان الذي رآه وينظرون هل كلامه صواب أو غير صواب بناء على ما يحسبونه في هذه البلدة، هل يمكن أن يرى الهلال أو غير ممكن.
    نقصان الشهر لا يلزم منه نقصان الأجر سواء في رمضان أو ذي الحجة


    أجر الصائم تام عند الله سواء كان الشهر ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) حديث متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، فسواء نقص العدد أم لم ينقص العدد يكون الأجر كاملاً.قال صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً) سواء كان رمضان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً (غفر له ما تقدم من ذنبه).كذلك قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر) فالسنة ثلاثمائة وستون يوماً، فيكون رمضان ثلاثين ومعها ست من شوال والحسنة بعشر أمثالها، فيكون إجمالي ذلك ثلاثمائة وستين يوماً، ولو كان رمضان تسعاً وعشرين، فلا تحتسب بطريقة الحسنة بعشر أمثالها، بل أجر رمضان كامل والله عز وجل يغفر فيه الذنوب، سواء كان ثلاثين أو تسعاً وعشرين.قال: (شهرا عيد لا ينقصان)، فالأول هو شهر رمضان، لكن ما الذي سينقص في الشهر الآخر وهو ذو الحجة؟ أول هذا الشهر أيام العمل الصالح، وسواء كانت رؤية الهلال صحيحة، أو أنهم أخطئوا فيها فكان دخول الهلال قبل أو بعد، فعلى ذلك لا نقول: لو أنهم أخطئوا فينبغي أن نحتاط ونجعل الأيام أحد عشر يوماً، بل هي العشرة الأيام في شهر ذي الحجة سواء كانت الرؤية صواباً أو خطأً فلك الأجر فيها، وأنه ما من أيام عند الله عز وجل أعظم من هذه الأيام العشر، وهي من أول شهر ذي الحجة، والعبادة فيها أفضل عند الله عز وجل من غيرها من الأشهر كما عرفنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك سواء أخطئوا في رؤية الهلال أو أصابوا فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه المسلمون على عرفة، ولهم الأجر التام على ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (شهرا عيد لا ينقصان).فإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وقد أفطروا وهم يظنون أنه من شعبان ثم تبين: أنه من رمضان فإنه يلزمهم قضاء صومه مع الإمساك بقية ذلك.
    حكم النية المترددة لمن لم يتبين له دخول رمضان من ليلته


    إن بات المرء ليلة الثلاثين من شعبان وهو ينوي الصيام إن كان يوم غد من رمضان نفعته نيته إن تبين أنه من رمضان ولم يكن قد أكل وهذا الراجح.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (تصح النية المترددة) وهذا غاية ما يقدر عليه الإنسان، وهي أيضاً إحدى الروايات عن أحمد رحمه الله.والمعنى: لو كانت الليلة ليلة الثلاثين من شعبان وأردت أن تنام ولم تظهر الرؤية ويمكن أن تظهر بعد قليل، فلك أن تنوي أنه إذا كان يوم غد من رمضان فإنك صائم، فهذه النية تجزئ الإنسان، إذا ظهر أنه المتمم لشعبان فلا بد له أن يفطر.وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم) وهذا دليل على أن صوم عاشوراء كان واجباً في العام الثاني من الهجرة، ثم نسخ وجوبه بعد ذلك لتشريع رمضان في هذا العام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن الذي أصبح صائماً على أنه صوم تطوع فليتم، لأنه أخبرهم بالنهار، فقال لهم: الذي أصبح صائماً فليمسك وينوي الآن من النهار أنه صائم، طالما أنه لم يأكل، (من أصبح مفطراً فليمسك بقية يومه)، فعلى ذلك من كان بالليل ولم يدر هل يوم غد هو من رمضان أو هو المتمم لشعبان فله أن ينوي: إذا كان يوم غد من رمضان فإني صائم، ويصح منه الصوم على ذلك.وإن رأى الناس الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، فقد جاء في حديث شقيق بن سلمة قال: (أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين -اسم مكان في العراق قريب من بغداد - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) المعنى: أنه إذا رؤي الهلال بالنهار فهو لليوم المقبل وليس لليوم الذي هو فيه.
    حكم من سافر إلى بلد واختلف مع أهله في عدة أيام رمضان زيادة أو نقصاً

    لو شرع المرء في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول فاستكمل ثلاثين من حين صام، فالراجح أنه يفطر سراً) يعني: إنسان صام في هذا البلد وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول، فهو صام في البلد الأول بناء على رؤية الهلال، وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى ووصل في صيامه لليوم الثلاثين، وأهل هذه البلد الأخرى صاموا بعده بيوم، وسوف يكملون الصيام لعدم رؤية هلال شوال، فالراجح فيه أن هذا قد أكمل ثلاثين يوماً، فلا نقول له: صم واحداً وثلاثين يوماً؛ لأنه صام بناءً على رؤية شرعية في أول الشهر حتى أكمل الثلاثين، فله أن يفطر ولكن سراً ولا يجهر بالإفطار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا) فهذا أكمل ثلاثين فلا يلزمه أكثر من ذلك.ولو سافر من بلد لم يروا فيه الهلال فأكملوا شعبان حتى رأوا الهلال فيكون صيامه أقل منهم بيوم، فلو كان عندهم رمضان تسعة وعشرين يوماً فسيكون عنده ثمانية وعشرين يوماً فيلزمه أن يفطر طالما أنهم رأوا الهلال ويقضي يوماً مكانه.ولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيداً معهم ثم ركب طيارة وسافر إلى بلد آخر وكانوا ما زالوا صائمين فلا شيء عليه؛ لأنه أفطر إفطاراً صحيحاً بناءً على رؤية الهلال، فالآن يكمل إفطاره ولا شيء عليه.
    ثبوت دخول رمضان بشهادة عدل واحد واشتراط الشاهدين فيما سوى ذلك

    تثبت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل واحد من المسلمين، فقد جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود وهو حديث صحيح: (رأى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه) فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) ومن هذين الحديثين نفهم أنه في كل الشهور لا بد من شهادة اثنين إلا في أول رمضان فإنه يكفي شاهد واحد، ولا بد أن يكون عدلاً، أما الكافر أو الفاسق أو المغفل أو كثير الخطأ والذي لا ينتبه للفرق بين شيء وشيء، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، ويشترط العدالة الظاهرة فيمن نقبله في رؤية الهلال ولا نبحث عن باطنه.ومن رأى هلال رمضان وحده مثل أهل البادية فيلزمه الصوم؛ لأنه رأى وتيقن، وشهادة الواحد تقبل في إثبات أول رمضان.
    استحباب الدعاء عند رؤية الهلال

    إذا رؤي الهلال فيستحب عند رؤيته الدعاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه يدعو ويقول: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله) وهذا الحديث رواه الترمذي ، ورواه أحمد بنفس اللفظ، ورواه الدارمي بلفظ: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)، فهلال رمضان لو أن أحداً رآه وحده له أن يصوم، لكن هلال شوال لو رآه الواحد وحده فلا يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الإفطار بشهادة رجلين، ولذلك جاء في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وساءلتهم وإنهم حدثوني: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا له، فإن غم عليكم فأكملوا الثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا).فقلنا: في أول رمضان أجاز شهادة الواحد لكن في آخر رمضان لا يثبت خروجه إلا بشهادة الاثنين، وعلى ذلك فلو رآه واحد وحده فلا يصح أن يفطر.
    حكم صيام الأسير الذي لا يتبين له وقت دخول شهر الصوم

    لو أن إنساناً كان أسيراً محبوساً في سجن، فإن اشتبهت الشهور عليه لزمه أن يتحرى ويصوم، لأن المسلم حين يكون في سجون الكفار فالغالب أنهم لا يخبرونه بدخول الليل أو النهار أو الأيام والشهور، فإذا كان الإنسان في هذه الحالة فإنه يتحرى، ويحسب بقدر المستطاع بحيث إنه يصوم رمضان، فإذا تبين له بعد ذلك أنه صام رمضان أو ما بعده أجزأه، وإن تبين أنه صام ما قبله لم يجزئه، والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة


    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الفطر في رمضان ومن لا يرخص له فيه وأحكام الكفارة
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (11)



    يجب على المسلم أن يعرف أحكام العبادات التي يتعبد بها ويتقرب بها إلى ربه سبحانه وتعالى، حتى تكون هذه العبادات صحيحة فيقبلها رب العالمين، ومن أهم العبادات فريضة الصيام فهي الركن الرابع من أركان الإسلام، ومع أهمية الصيام ومكانته في دين الله، فإنك تجد كثيراً من الناس يجهل بعض أحكامه، فيجب علينا أن نتنبه لهذا الأمر.


    مسائل في الصيام

    حكم من أفطر ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.أما بعد: فإن الصائم إذا أفطر ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فإن صومه صحيح، وعليه أن يكمل صومه ذلك، والدليل على ذلك في النسيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نسي الصائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، وكذلك ما جاء في سنن ابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أخطأ الإنسان فأكل، أو نسي فأكل، أو أكره على ذلك فأكل مكرهاً، فإنه مجرد ما يرجع إلى حالته الأولى يلزمه أن يمسك ويتم صومه.فإذا كان جاهلاً بالصيام، وهذا لا يتصور في إنسان يعيش في بلد إسلامي، ولكن في بلاد الكفر قد يتُصور ذلك، فقد يصوم كما يصوم أهل الكتاب، فهذا جاهل، فلا يجب عليه إلا أن يمسك، والأحوط له أن يعيد ما أفطره، لكن إن لم يعد فلا شيء عليه؛ لأنه جاهل.كذلك المكره، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أكره إنسان من قبل قوم بأن جعلوا بداخل فمه ماء أو طعاماً أو أدخلوه في الماء بحيث أنه يضطر أن يشرب من هذا الماء، فهذا كله لا يبطل صومه، بل ويكمله بعد ذلك إن استطاع.أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وذرعه أي: غلبه القيء، فهذا إكراه من نفسه؛ لأن المعدة هاجت فأفرغت ما فيها، فمن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وإنما القضاء على من استقاء عمداً، وكذلك الحكم في الطعام والشراب ونحو ذلك، فإن الإنسان إذا أكره عليها ولا يد له في ذلك، أي: أكره إكراهاً ملجئاً بآلة أو سلاح أو نحوها، فلا شيء عليه وليكمل صومه.كذلك إذا أكره إنسان على الوطء، بأن قيل له: جامع في نهار رمضان وإلا قتلناك، لو حدث هذا الشيء وفعل المكره ما أكره عليه فالراجح أيضاً أنه لا يفطر ولا قضاء عليه في ذلك.

    حكم المضمضة والاستنشاق للصيام

    المضمضة والاستنشاق مشروعان للصائم باتفاق العلماء، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) ولم يقيد لغير رمضان فهو على إطلاقه، فهذا يعني: أنه إذا كان الإنسان في رمضان أو في غير رمضان وأراد الوضوء، فليجعل في أنفه ماءً أي: يدخل ماء في أنفه، ثم لينتثر، يعني: يخرج بقوة الزفير هذا الماء الذي دخل في أنفه.لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فهنا استثناء واحتراز وهو أنك إذا كنت صائماً فلا تبالغ في المضمضة أو الاستنشاق، فنهى عن المبالغة فيها، ولم ينه عنها بالكلية، وأما حكمها فقد قدمناه فيما مضى.
    حكم من أفطر بلا عذر في نهار رمضان

    لو أن إنساناً أفطر في نهار رمضان، بطعام أو بشراب أو بجماع وكان معذوراً مريضاً أو مسافراً، فعليه أن يقضي هذه الأيام ولا إثم عليه في ذلك؛ لأنها رخصة من الله سبحانه تبارك وتعالى، ولكن الذي يفطر بغير عذر فهذا إثمه عظيم جداً، وسمعنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم، فإنهم يعلقون كالذبيحة من أعقابهم في نار جهنم والعياذ بالله، منكوس، مشققة أشداقه تسيل دماً، والسبب هو أنه كان يفطر متعمداً في نهار رمضان بغير عذر، فإذا أفطر وجب عليه أن يتوب من هذا اليوم الذي أفطر فيه، ويجب عليه أن يمسك؛ لأنه ليس من حقه أن يفطر طالما أنه قادر على الصيام ولا رخصة له ولا عذر، ويجب عليه أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم، ولكن هل يجب عليه مع القضاء الكفارة؟ أي: هل يجب عليه مع هذا القضاء أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو بإطعام ستين مسكيناً؟الراجح أن الدليل خص حالة واحدة من حالات الإفطار وهي الإفطار بالجماع في نهار رمضان، ولا يلحق غيره به، فمن جامع في نهار رمضان فهذا الذي جاء فيه نص النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالقضاء مع الكفارة.فالذي تعمد الإفطار في نهار رمضان يلزمه أن يمسك بقية يومه، وإن كان إمساكه ليس صوماً، ولكن لمراعاة حرمة اليوم.
    حكم الجماع في نهار رمضان



    الذي يفطر بجماع، هذه الصورة الوحيدة التي يلزمه فيها القضاء والكفارة، سواء جامع أهله أو جامع غيرها، أي: وقع في الزنا أو في اللواط وإن كانا حراماً في رمضان وفي غيره لكن كلامنا هنا فيما يجب على من فعل ذلك، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يمسك بقية هذا اليوم، وعليه القضاء والكفارة أيضاً، والدليل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال صلى الله عليه وسلم: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، -بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الرقبة فدل على أن الكفارة على هذا الترتيب الذي ذكره صلى الله عليه وسلم- فقال للرجل: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال الرجل: لا، - لم يقل له: حاول لعلك تستطيع؛ لأن الشخص أدرى بنفسه إن كان يقدر أو لا يقدر - ثم قال صلى الله عليه وسلم: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم - أي: سكت وانتظر - فبينما نحن على ذلك، أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك).هنا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، ولم يذكر زوجة الرجل وما الحكم بالنسبة لها، ولذلك اختلف العلماء هل الكفارة خاصة بالرجل فقط أم أنها تجب على كل من الرجل والمرأة؟ فالبعض يقول: تجب على الاثنين؛ لأن الرجل سأل عن حكم نفسه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والمرأة تقاس على الرجل فيها، والبعض يقول: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بكفارةٍ واحدة، وقد علم أنه جامع أهله، ومع ذلك لم يذكر الكفارة على الزوجة، والراجح في هذه المسألة أن الشخص إذا أكره امرأته على ذلك فوافقته خوفاً منه، فيكون عليه القضاء والكفارة وهي عليها القضاء فقط، وإذا دعته هي إلى ذلك، فتكون هي مطيعة ومريدة للمعصية، فيلزم الاثنين القضاء والكفارة.فالرجل إن استطاع أن يعتق رقبة فليفعل وعليه مع ذلك أن يقضي يوماً مكان اليوم الذي جامع فيه، وإذا لم يقدر على عتق رقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، فإذا لم يكن يقدر على ذلك ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً، فإذا لم يقدر في الوقت الحاضر يصبر وينتظر حتى يقدر، وإذا لم يقدر فإنه مع العجز الدائم يسقط عنه ذلك.والمرأة إذا كانت تقدر على العتق لزمها، وإذا كانت لا تقدر على العتق وتقدر على الصيام لزمها، فلا تعلق لكفارة الرجل بكفارة المرأة، فقد يكون الرجل فقيراً والمرأة غنية؛ ولذلك جاز إذا كان الزوج فقيراً والمرأة غنية ولها مال أن تعطي زكاة مالها لزوجها، ولم يجز العكس، فالرجل إذا كان غنياً لا يجوز أن يعطي زكاة ماله لامرأته؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليها، فالمقصود أن الشخص يكفر عن نفسه، سواء أكان الرجل أم المرأة بما يقدر عليه، على الترتيب الذي ذكر في الحديث. وإذا كان الشخص متزوجاً أربع نسوة، ووطئ الأربع في نهار رمضان، فالراجح أن عليه كفارة واحدة مع القضاء، وعليه ذنب عظيم لانتهاك حرمة اليوم بذلك، والنساء فيهن التفصيل الذي ذكرناه آنفاً، وهو أن المطاوعة له في ذلك عليها القضاء والكفارة، أما المغلوبة على أمرها فإن عليها أن تقضي فقط.لكن لو أن المرأة قاومت ولم ترد هذا الشيء فأجبرها بالقوة، فنرجع إلى حكم الإكراه، وهو أنها إذا كانت مكرهة لا تقدر على الفكاك ولا المقاومة، فإنها تبقى على صيامها وليس عليها القضاء إلا أن تخاف منه فتمكنه، أي: إذا ألجأها لذلك فليس عليها شيء، ففرق بين أن تكره إكراهاً ملجئاً وبين أن لا تكون كذلك.
    حكم من طلع عليه الفجر وهو مجامع



    من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع مع العلم بذلك، فإن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه أفطر بجماع في يوم من أيام رمضان وهو يعلم بحرمة ذلك، أما إذا كان مجامعاً وأذن الفجر فنزع، فلا شيء عليه.
    الجهل عذر في عدم وجوب الكفارة

    من المهم أن نعلم أن الجهل يكون عذراً في عدم الكفارة، ومثال ذلك إذا أكل شخص في نهار رمضان ناسياً، وجهل أن الأكل ناسياً لا يبطل الصوم، فظن أنه قد أفطر بذلك، فذهب وجامع أهله، فهنا عليه القضاء فقط وليس عليه كفارة في هذه الحالة؛ لأنه يجهل أن النسيان لا يبطل الصوم.
    حكم من جهل تحريم الجماع في نهار رمضان

    إذا وطئ في نهار رمضان وقال: جهلت تحريمه، ففي هذه الحالة: نفرق بين إنسان في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين، ففي غير بلاد المسلمين قد يسمع عن الصيام بأنه الامتناع عن الأكل والشرب، ولم يسمع عن الجماع وحكمه في نهار رمضان، فأمسك عن الطعام والشراب وجامع في نهار رمضان، فالراجح أن هذا الإنسان ليس عليه شيء لجهله، ولكن الأحوط أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم، أما الكفارة فليس عليه شيء، أما في بلاد المسلمين فلا عذر بالجهل بذلك؛ لأنه معلوم واضح.
    ترتيب الكفارة وكيفيتها

    الكفارة على الترتيب، إما أن يعتق رقبة إذا وجدها وقدر عليها، فإذا لم يقدر على ذلك أو لم يجدها، فيصوم شهرين متتابعين، بحيث لا يفصل بينهما ولو بيوم، فإن فصل بينهما استأنف من جديد إلى أن يكمل الشهرين، فإذا بدأ من نصف الشهر فيكمل ستين يوماً، وإذا بدأ من أول شهر عربي فيكمل شهرين عربيين، سواء كان أحد الشهرين تسعة وعشرين يوماً والثاني ثلاثين يوماً أو كان كلاهما ثلاثين يوماً.فإذا لم يقدر على العتق ولا على الصيام، فيطعم ستين مسكيناً، والراجح أن الإطعام يكون وجبة لكل مسكين، فيعطي كل مسكين مداً، والمد يقدر بربع صاع إذا كان من تمر، ففي التمر يكون الصاع كيلو وربع الكيلو، إذاً فالمد من التمر سيكون أربعمائة جرام تقريباً، فإذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون أكثر من نصف كيلو بقليل، فإذا أعطى كل مسكين نصف كيلو من الأرز أو من القمح أو نحو ذلك، فالراجح أنه يجزئ عنه ذلك، وإن كان الأفضل أنه يعطي للمساكين من جنس الذي يأكل.
    حكم من جامع وهو صائم قضاءً عن رمضان

    لو أن إنساناً كان يصوم عن رمضان في أي شهر من الشهور، فأفطر بجماع، فهذا يأثم؛ لأنه انتهك حرمة صوم الواجب، والواجب عليه في مثل هذه الحالة قضاء الأصل؛ لأن صيام هذا اليوم قد فسد بالجماع، ولا يلزمه الكفارة؛ لأنها لحرمة رمضان.
    حكم النوم والإغماء والجنون في نهار رمضان


    لو أن إنساناً نام في نهار رمضان أو أغمي عليه أو جن، نقول: لو نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل أنه سيصوم غداً، فالراجح أن هذا صومه صحيح؛ لأن النائم يستشعر الجوع والعطش ويستشعر من حوله، ولو أيقظته استيقظ، فهو يختلف عن المغمى عليه، ومن باب أولى إذا نام بعض النهار، فإنه لا شيء عليه. فقد أجمع العلماء على أنه لو استيقظ لحظة من النهار -مهما كانت قليلة ولو دقيقة واحدة- ونام بقية يومه صح صومه، وأما إذا نام جميع النهار فهنا المسألة فيها خلاف باعتبار أنه لم يستيقظ وأن حكمه حكم المغمى عليه، ولكن الراجح -كما قلنا- إن هناك فرقاً بين المغمى عليه وبين النائم، فالمغمى عليه لا يشعر مهما عملت معه ومهما حاولت أن تصحيه إلا أن يشاء الله سبحانه تبارك وتعالى؛ لأنه فاقد العقل، أما الإنسان النائم فعقله موجود وإنما ذهبت بعض أحاسيسه فقط. فالمغمى عليه لو نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار، لم يصح منه صوم؛ لأنه لم يوجد منه إلا النية فقط، أما الشعور فلا يوجد؛ لأنه ذاهب العقل بسبب هذا الإغماء، فيقضي يوماً مكان هذا اليوم الذي أغمي عليه فيه.ولو أن إنساناً تصيبه نوبات من الجنون في النهار كالصرع ونحو ذلك، فالراجح أنه لو كان جزءاً من النهار فلا شيء عليه طالما أنه نوى بالليل الصيام وبعض النهار كان صائماً ممسكاً، وإنما عرض له الجنون في جزء من النهار، وكذلك الحكم بالنسبة للإغماء في جزء من النهار.أما من جن وذهب عقله النهار كله، فهذا ذاهب العقل غير مكلف، فلا يلزمه القضاء ولا يجب عليه، فنفرق بين هؤلاء الثلاثة: النائم اليوم كله، والمغمى عليه اليوم كله، والمجنون اليوم كله.فالنائم اليوم كله: صومه صحيح طالما نوى الصيام من الليل.والمغمى عليه اليوم كله: صومه باطل، ويلزمه القضاء؛ لأن حكمه حكم المريض.والمجنون اليوم كله: يعتبر فاقد أهلية التكليف؛ لعدم وجود العقل، فلا يخاطب وهو في حالة جنون، ولا يلزم بالقضاء، بخلاف ما إذا ذهب عقله في بعض اليوم فإن صومه في باقي اليوم صحيح.
    حكم المرأة إذا حاضت أو نفست في أثناء الصيام

    لو حاضت الصائمة في أثناء النهار أو نفست بطل صومها، ولو ولدت ولم تر دماً، وهذا نادر جداً، فصومها صحيح، فعليها أن تبقى صائمة ولا شيء عليها.
    حكم صيام من ارتد وهو صائم ثم تاب

    لو أن إنساناً صائماً ارتد، فقد أبطل عمله، فلذلك يبطل صومه وعليه القضاء إذا تاب وعاد إلى الإسلام، فإذا كان الطعام أو الشراب في نهار رمضان معصية يبطل بها الصوم، فكيف بالكفر بالله عز وجل؟! نسأل الله العافية والسلامة.
    حكم من ذهب عقله بفعل نفسه في نهار رمضان

    لو نوى الصوم من الليل ثم شرب دواءً فزال عقله نهاراً بسبب هذا الدواء، فهذا حكمه حكم المغمى عليه فيلزمه القضاء إذا ذهب عقله جميع النهار، أما إذا زال عقله بعض النهار فإنه يكمل صومه ولا قضاء عليه. ولو أن إنساناً شرب مسكراً بالليل وبقي سكره إلى النهار، فهذا لا يصح منه صيام ويلزمه التوبة إلى الله عز وجل والقضاء.
    جواز غطس الصائم في الماء

    يجوز للصائم أن ينزل إلى الماء يغطس فيه إذا احتاج إلى ذلك؛ لأن ذلك قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى أبو بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: (تقووا لعدوكم)، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج -مكان قرب مكة- يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر، فهذا يدل على أن الصائم له أن يغسل رأسه للتبرد أو لتقليل شدة العطش، وله كذلك أن ينزل في الماء ويغطس فيه، فلو أنه نزل في ماء ودخل بعض الماء -رغماً عنه- إلى أنفه أو إلى فمه، فالراجح أنه يلزمه إخراج هذا الماء، فإن لم يقدر فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك أو دخل وهو مخطئ غير متعمد، والله أعلم.نكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الوصال في الصيام
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (12)



    لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الوصال في الصوم؛ إبقاء عليهم، ورحمة بهم، ورخص لهم في ذلك إلى السحر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يواصل اليومين والثلاثة، فقد أعطاه الله قوة الطاعم والشارب.وقد جاءت الأحاديث الدالة على استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور، وذلك دليل على خيرية هذه الأمة، وظهورها على أعدائها.
    حكم الوصال في الصوم


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، فقال صلى الله عليه وسلم: إني لست مثلكم؟! إني أطعم وأسقى) وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: (وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وهذا عن أبي هريرة رضي الله عنه.ومعنى الوصال: أنه يظل صائماً يوماً مع الليل لا يفطر ويجمع إليه اليوم التالي، وهذا الفعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ونهى أصحابه أن يفعلوا ذلك؛ إبقاء عليهم وشفقة عليهم، ورحمة بهم، فهو بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون ما يفعله، فيريدون أن يقتدوا به في كل شيء، فبين لهم وقال: (إني لست مثلكم) فالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بهذا الشيء، فإنه عند ربه يطعمه ويسقيه، فالله عز وجل يجعل له طعاماً وشراباً محسوساً، وفي رواية ابن عمر قال: (إني أطعم وأسقى) وقال صلى الله عليه وسلم في رواية أبي هريرة في الصحيحين أيضاً: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، فالله عز وجل أعطاه قوة الإنسان الطاعم الساقي، فبعض العلماء قال: إن الله يطعمه ويسقيه حقيقة. فقوله صلى الله عليه وسلم: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) يعني: أن الله عز وجل يعطيه قوة الطاعم الشارب صلوات الله وسلامه عليه، ويعينه على ذلك عليه الصلاة والسلام، فهو يصوم ويجمع أياماً وليالي من غير أن يفطر، فالصحابة أحبوا أنهم يقلدون النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال) يعني: كان ذلك في آخر شهر رمضان. فأصحاب


    النبي صلى الله عليه وسلم لما وصلوا إلى آخر الشهر، وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام، فإذا بهم يريدون أن يواصلوا في آخر الشهر معه صلى الله عليه وسلم، ومن رحمة رب العالمين لهذه الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال، ولكن الظاهر أن النهي منه صلى الله عليه وسلم لم يكن للتحريم؛ لأنه لو كان على التحريم لفهموا ذلك، ولما صام الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ليله مع نهاره، ولكن كأنهم فهموا أنه نهاهم صلى الله عليه وسلم ولم يعزم عليهم، فأرادوا أن يواصلوا، فصام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فصاموا معه، فواصل بهم اليوم الذي يليه فرأوا الهلال، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا)، ولو كان ذلك معصية لقال لهم: إن هذه معصية، فيسلمون لذلك، ولكن لم يفعل صلى الله عليه وسلم وإنما واصل بهم يوماً ويوماً ويوماً فظهر الهلال رحمة من رب العالمين، فكان العيد فأفطروا رضوان الله تعالى عليهم. فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم ذلك عليهم، وإنما رحمهم وأشفق عليهم صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمرهم أن يصوموا ويفطروا كما أمر الله، وهذه الزيادة له صلى الله عليه وسلم، زيادة قربى إلى الله عز وجل. وهنا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة بهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). وفي الصحيحين عن أنس قال: (واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال لهم: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) يعني: لو زاد الشهر لكنا واصلنا وصالاً حتى يدع المتعمقون تعمقهم، ثم قال: (إنكم لستم مثلي أو فإني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)، ففيه الذي ذكرناه. إذاً: الوصال المنهي عنه: هو أن تواصل يوماً وليلة وتصبح صائماً، لكن الوصال الجائز: هو أنك تؤخر الإفطار إلى السحور، فذلك لك، وإن كان الأفضل أنك تفطر وقت الإفطار بعد غروب الشمس، لما سيأتي من حديث عنه صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، فقالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي طاعم يطعمني وساق يسقيني) يعني: الله عز وجل يجعل له قوة الطاعم الشارب، أو يجعل له من يطعمه، وهذا شيء معنوي له صلوات الله وسلامه عليه، وفي الحديث الآخر: (إني أظل) يعني: لو كان يطعم حقيقة من عند الله، لأفطر في نهار رمضان صلى الله عليه وسلم، ولكن جعل الله له قوة الطاعم الشارب عليه الصلاة والسلام.
    حكم السحور وبيان وقته وفضله


    السحور سنة، جاء في الصحيحين عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) والسحور: هو طعام السحور، وفي رواية لـأحمد عن أبي سعيد : (السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين)، لذلك جاز لك إذا أردت الوصال ألا تفطر، لكن تأكل عند السحر، فلا تضيع هذه الفضيلة، وهي أن الله يصلي ويسلم على المتسحرين. وفي سنن أبي داود عن العرباض بن سارية قال: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: هلم إلى الغداء المبارك)، وهنا واضح من قوله: (هلم إلى الغداء) أنه قرب الصلاة، فكان سحور النبي صلى الله عليه وسلم قرب الفجر، ولذلك كان يتسحر ويخرج إلى صلاة الفجر صلوات الله وسلامه عليه. كذلك حث عليه كما في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر).أما وقت السحور فقد ورد في الصحيحين عن أنس (أنهم تسحروا عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلى الصلاة، قال: انظر كم بينهما؟ قال: قدر قراءة خمسين أو ستين آية) إذاً: يستحب أن يكون السحور في آخر الليل.
    مشروعية اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر في رمضان

    جاء في الصحيحين: (أن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) يعني: أن بلالاً كان يؤذن الأذان الأول، وكان يقول فيه: الصلاة خير من النوم، وهو الذي كان يقيم الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم، فـبلال كان يؤذن بليل، فلكم أن تأكلوا وتشربوا، أما ابن أم مكتوم فكان إذا أذن امتنعوا عن الأكل والشرب. نقول لو أنك سمعت الأذان الأول أو سمعت الأذان الثاني وشككت هل المؤذن أذن قبل الوقت؟ فلك أن تشرب، لكن لو عرفت أن الفجر قد طلع فليس لك أن تأكل ولا أن تشرب. ثم قال: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) لم يكن الأذان من فوق المسجد، إنما كان من فوق بيت قريب من المسجد، وهذا البيت هو لامرأة من الأنصار، وكان بلال يصعد فوق هذا البيت ويؤذن، فإذا نزل بلال من فوق البيت صعد ابن أم مكتوم وأذن الأذان الثاني، وذهاب ابن أم مكتوم وصعوده على البيت يكون في حوالى ربع ساعة أو ثلث ساعة أو عشر دقائق، ولكن هذا قد يرجع في البلاد إلى حاجة الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد الوقت بينهما، وإنما يكون بحسب مصلحة الناس، ففي بعض البلاد مثل: السعودية الفرق بين الأذان الأول والثاني ساعة تقريباً، حتى يتجهز الناس لذلك لكن في بعض المساجد يكون الفرق بين الأذانين قدر ربع ساعة أو ثلث ساعة، وهذا بحسب حاجة الناس، فلا يقال: إن الساعة هي السنة؛ لأن الذي جاء في هذا الحديث أن الزمن ما بين الأذانين قليل، وهو أن ينزل هذا ويصعد هذا، فالسنة أن الوقت قليل.
    الحكمة من الأذان الأول والأذان الثاني

    حكمة الأذان الأول أنه كانت عادة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فكانوا يقومون فيصلون من الليل، إما في نصف الليل وإما في الثلث الأخير، وإذا صلى في أول الليل نام في آخر الليل، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوتر نائمكم) يعني: حتى يستيقظ النائم ليصلي صلاة الفجر في وقتها، والأذان الثاني هو الأذان لصلاة الفجر، وبعد الأذان الثاني لا يجوز أن تصلي أكثر من ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتي السنة فقط. وبعض الناس لعله يأتي إلى المسجد بعد الأذان الثاني فيصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ويطيل فيها، مع أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ركعتين فقط بعد أذان الفجر الثاني.أما الأذان الأول فله أن يصلي بعده ما شاء أو يجلس يدعو الله عز وجل، لكن الأذان الثاني لا يصلي إلا ركعتين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يطيل فيهما، وإنما كان يقرأ الفاتحة وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، والفاتحة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    استحباب تعجيل الفطر


    يستحب تعجيل الإفطار، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) فدليل خيرية هذه الأمة أنهم يعجلون الفطر، ورمضان شهر أحبه الله سبحانه وتعالى، فله أول وله آخر، فقبله يوم الشك وهو منهي عن صيامه، وبعده يوم العيد وهو منهي عن صيامه، ويوم رمضان بعده الليل فنهى عن مواصلة الصيام، وجاء في الحديث (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، والله يعجبه من عبده أن يفرح وقت فطره، فأنت صمت عما منعك الله عز وجل عليه، وأفطرت على ما أحل الله عز وجل لك عند وقت الإفطار، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي عطية قال: (دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني: ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل الإفطار، وأحياناً كان يواصل الصيام صلوات الله وسلامه عليه. وفي سنن النسائي هذا الحديث وفيه: فقال: (رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور، والآخر يؤخر الإفطار ويعجل السحور، فقالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويؤخر السحور؟ قال: قلت: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قالت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع) يعني: من سنن النبي صلى الله عليه وسلم تعجيل الإفطار وتأخير السحور، يعجل الإفطار حتى يتفرغ بعد ذلك لصلاة العشاء والعشاء وقيام الليل، ويؤخر السحور عليه الصلاة والسلام ليكون في النهار على الصيام وعلى العمل وعلى الدعوة إلى الله عز وجل. أيضاً يحث المؤمنين على تعجيل الإفطار بقوله: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون).
    استحباب الإفطار على رطب أو تمر

    إذا أفطرت فالمستحب أن تفطر على رطبات البلح الرطب، وفي حديث أنس (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس كان يفطر على رطبات، وهو البلح الأسود، فإذا كان البلح أو الرطب موجوداً أفطر عليه، فإذا لم يوجد فعلى تمرات، فإذا لم تكن حسا حسوات من ماء، والتمر أو الرطب فيه سعرات حرارية عالية، والصائم عند غروب الشمس تكون كمية السكر في مخه قليلة، والمخ يحتاج إلى سكر حتى يشتغل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، وفيها أعلى السعرات الحرارية، أو تمرات، فإذا لم يكن هذا أو ذاك أفطر على ماء.
    استحباب الإكثار من الدعاء للصائم والذكر عند الإفطار


    كان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) فيستحب للصائم بعدما يفطر أن يقول ذلك؛ لأن الله هو الذي أذهب عنه الظمأ، وبل له عروقه، وأعطاه الأجر إن شاء الله سبحانه. كذلك يستحب للصائم الإكثار من الدعاء؛ لأن الصائم دعوته مستجابة، فأكثروا من الدعاء، سواء بطلب حاجة، أو أنك تدعو بخيري الدنيا والآخرة، أكثر من الدعاء في وقت الرخاء حتى يستجاب لك في وقت البلاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) فيستحب للصائم أن يكثر من الدعاء، لعل الله عز وجل يستجيب له، ومن أفضل ما يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
    استحباب إطعام الصائم

    يستحب للمسلم أن يدعو أخاه المسلم ليفطر عنده؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)، فالصائم أجره كامل ومضاعف عند الله عز وجل لمن يشاء، والذي أطعم هذا الصائم يؤجر مثل هذا الذي كان صائماً، لذلك يستحب للإنسان أنه يعطي الصائمين طعاماً ليفطروا عليه، ويعطي للفقراء والمساكين، وأن يطعم إخوانه وأقرباءه، وأن يطعم من يحتاج إلى الطعام، فيؤجر على ذلك هذا الأجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام) ، فحض على إطعام الطعام.إذاً: على المؤمن في رمضان وفي غير رمضان أن يعود نفسه على أن يعطي المحتاجين، فإذا فطر صائماً أعطاه طعام الإفطار، أو دعاه ليأكل عنده، فهذا فيه أجر عظيم، فإن لك صومك ولك مثل أجر صوم من أطعمته. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الإنفاق في سبيله، وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - قضاء رمضان وحكم من مات وعليه صوم
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (13)


    إن دين الإسلام دين يسر وليس عسراً، ولذلك إذا كان الرجل معذوراً بسفر أو مرض ونحوه وكذلك المرأة فليس عليه صيام شهر رمضان، ولكن يقضي الأيام التي أفطر فيها قبل دخول رمضان الثاني، ويستحب في رمضان الإكثار من قراءة القرآن وقيام الليل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعبد ربه في هذا الشهر الكريم.
    أحكام قضاء من أفطر أياماً من رمضان


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. إذا أفطر المسلم في رمضان بعذر كسفر أو مرض، أو المرأة بعذر الحيض أو النفاس، فالواجب عليهم أن يأخذوا عدة من أيام أخر بعد شهر رمضان، ولا يشترط أن تكون هذه الأيام متواصلة أو متتابعة، وإنما يجوز أن يقضي الأيام متتابعة، ويجوز أن يفرقها بحسب ما يستطيع، فإذا كان هذا الذي أفطر في نهار رمضان بعذر من الأعذار، كالإنسان المريض واستمر مرضه بعد رمضان، فعلى ذلك عليه القضاء حين يشفيه الله سبحانه وتعالى، فإذا شفاه وجب عليه القضاء، فإذا استمر مرضه هذا حتى يموت فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء هذا الصوم، فليس عليه شيء ولا على أوليائه، فأولياؤه لا يطعمون عنه ولا يلزمهم ذلك، وإذا أطعموا فهذا خير لكن لا يجب عليهم، فلا يجب على المريض القضاء لأن العذر استمر به حتى لقي الله سبحانه وتعالى، ولكن إذا كان بعد رمضان قد شفاه الله سبحانه وتعالى وبعد ما شفاه الله كسل وترك ولم يقض، وبقيت فترة يستطيع فيها القضاء ولم يفعل، فهنا على أوليائه أن يخرجوا عنه عن كل يوم إطعام مسكين، يعني: كل يوم من ماله الذي تركه، أو لهم الخيار بأن يصوموا عنه عن كل يوم يوماً، فإما أنه يلزمه القضاء فلا يقضي وقد ذهب عليه ما كان عليه من مرض ثم بعد ذلك مات فإنه يلزم أولياءه أن يخرجوا عنه من ماله الدين الذي عليه وهو إطعام مسكين عن كل يوم، ولهم أيضاً أن يصوموا عنه كما سيأتي، عن كل يوم يصومون يوماً سواء صام عنه واحد أو مجموعة قسموا على أنفسهم الأيام التي كانت عليه، ولو أن هذا الإنسان المريض في رمضان صحا بعد رمضان ولم يقض حتى دخل عليه رمضان الذي يليه وهو لم يقض رمضان الماضي، فالأيام التي كان مريضاً وأفطرها بعذر يلزمه قضاؤها وهي معلقة بعنقه، ولكن هل يلزمه مع هذا القضاء أنه يطعم مسكيناً باعتبار أنه دخل عليه رمضان آخر، فقصر في خلال العام مع قدرته، ذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مع القضاء، أي: يقضي ويطعم مع كل يوم مسكيناً، لكن الراجح: أنه يلزمه أن يتوب إلى الله عز وجل ويقضي عن اليوم يومه، فإذا أطعم كان حسناً أن جمع بين الإطعام والصيام، لكن لا يلزمه وجوباً، وهذا هو الراجح لعدم الدليل على ذلك، وقلنا: لا يجب أن يكون فوراً ولا متتابعاً هذا الراجح.

    اختلاف العلماء في جواز صيام النافلة قبل القضاء

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان) هذا في الصحيحين، تذكر السيدة عائشة رضي الله عنها أنه كان يكون عليها القضاء من أيام من رمضان، فلا تقدر على القضاء حتى شعبان، فيمر عليها إحدى عشر شهراً حتى تقضي هذه الأيام، لكن خلال الإحدى عشر شهراً هل صامت تطوعاً، كصيام يوم عرفة وفيه ما فيه من الثواب العظيم، وصيام يوم عاشوراء وفيه ما فيه من الثواب العظيم؟ الراجح: أنها صامت التطوع ولكن هي تتكلم هنا عن قضاء رمضان، وهذه مسألة مختلف فيها بين العلماء. هل الذي عليه أيام رمضان يجب عليه أن يبدأ بها بحيث لا يصح منه نافلة حتى يأتي بالفريضة، هذا قاله بعض أهل العلم، وهذا فيه نظر، أي: لو كان الأمر على ذلك لما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تؤخر صوم رمضان إلى شعبان من العام الآتي، فصوم رمضان واجب وهي تذكر أن هذا بسبب انشغالها برسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدور على نسائه بالنهار وعلى جميع بيوته، وبالليل يبيت مع واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، فالسيدة عائشة كانت تنتظر لعله يأتيها النبي صلى الله عليه وسلم ولعله يطلبها، ولعله يريد حاجة الرجل من المرأة التي يدخل عليها، فلعله يأتيها بالنهار فيريد حاجته منها فهل تقول له: أنا صائمة صوم فريضة فلا يقدر أن يبطل عليها هذا الصوم، لكن صوم النافلة هو أمير نفسه كالذي يتصدق تطوعاً إن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطره، فإذا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار ولعله يسألها: هل من
    طعام؟ فتقول له: نعم، فتقدم له الطعام فيقول لها: تعالي كلي معي، فتقول: لا، أنا صائمة، فلعله يضايقه ذلك صلى الله عليه وسلم إذا كان فريضة، أما إذا كان تطوعاً فمن الممكن أنها تفطر وتأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.وشهر شعبان كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام فيه تطوعاً صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تستغل هذه الفرصة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان كان يصوم أكثره أو كله، فتقضي الأيام التي كانت عليها في دورة أيام الحيض الواجب على ذلك، أما القضاء على الفور فهذا غير واجب، ولكن الواجب أن يقضيه في خلال العام قبل رمضان الذي يأتيه، وتتابع الصوم أيضاً لا يجب أن يكون متتابعاً، فله أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويصوم يومين ويفطر أسبوعاً بحسب ما تيسر له حتى يقضي ما عليه من الصيام.
    حكم من مات وعليه قضاء من رمضان


    من مات وعليه قضاء رمضان أو بعض رمضان، ذكرنا أنه إما أن يكون متمكناً من الصوم فلم يصم، فهذا يلزم أولياؤه أن يخرجوا عنه إطعاماً من ماله إذا ترك مالاً، فإن هذا دين عليه لله عز وجل، فإن لم يترك مالاً فالورثة إما أن يخرجوا من عند أنفسهم اختياراً وليس وجوباً أو أنهم يصومون عنه أيضاً اختياراً واستحباباً وليس وجوباً، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] ولا يجني إنسان إلا على نفسه، لا يجني على ولده ولا على والده، بل هو الذي جنى على نفسه حين ترك الصوم وهو قادر عليه بعد رمضان فلم يفعل ذلك، فعلى ذلك الأولياء لهم الخيار إما أن يصوموا عنه هذه الأيام، وإما أن يطعموا عنه عن كل يوم مسكيناً. والدليل على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ولم يقل: فليصم عنه بحيث يكون الأمر وجوباً، ولكن قال: صام، فله الخيار إن شاء صام عنه، وإن شاء لم يصم، فهذه عبادة، ورخص النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك، ولا يجوز للذي يصوم عن المتوفى أن يصلي عنه أيضاً، بل لا أحد يصلي عنه؛ لأن الأصل في العبادة ألا يفعلها أحد عن أحد إلا لدليل، فثبت في الصدقة وثبت في الصوم وثبت في الحج وفي العمرة، فهذه الأشياء يجوز أن يفعلها إنسان عن الآخر بعد وفاته.أيضاً جاء في الحديث: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ أمه ماتت وعليها صيام شهر، ولعله شهر رمضان ولعلها نذرت، ولكن هنا في الحديث أن الرجل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عليها صوم شهر، وفي رواية أخرى قال: وعليها صوم نذر، ففي الرواية الأولى: قال: عليها صوم شهر أفأقضيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها) وهذا من أدلة القياس، وهو قياس علمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا مثله، فهل هي حين ماتت وعليها دين تقضي عنها هذا الدين؟ قال: (نعم، قال: فدين الله أحق)، وبذلك عرفنا أن الصوم دين لله سبحانه وتعالى، فإذا مات الإنسان وعليه دين يحاسبه الله عز وجل ويحبسه عن الجنة بسبب هذا الدين، فأولياء هذا المتوفى طالما أنهم يقضون عنهديون الآدميين، فدين الله أحق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فدين الله عز وجل أحق) وقال لامرأة سألته: (نعم، فصومي عن أمك).ولو فرضنا أن هذا المتوفى عليه صيام شهر رمضان؛ لأنه كان مسافراً مثلاً، ورجع فأقام ولم يقضه أو كان مريضاً وشفاه الله عز وجل ولم يقضه، وبعد ذلك توفي وفي عنقه هذا الصوم، فلأوليائه الخيار إما أن يصوموا عنه، أو لا يصومون، وأولياؤه هم أقرباؤه سواء القريب الأدنى أو القريب الأبعد، ويستوي فيه الابن والأخ والأب وابن العم وابن الخال وابن الخالة وأيضاً الغريب لو أراد ذلك، لذا من الممكن أنه لو كان عليه صوم شهر ثلاثين يوماً يقسم هذا الشهر عليهم، وكل واحد من أوليائه يصوم يومين أو ثلاثة أيام أو يوماً واحداً، يقسم عليهم ذلك فيجزئ عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد، فهو القريب وهو الحميم وهو الإنسان الذي يتولى أمره والمسئول عنه بعد وفاته أو في حياته، فيصوم عنه أولياؤه لذلك.
    حكم الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرأة العجوز

    هذا إنسان آخر في حياته وقلنا: إنه عاجز عن الصوم، ويلزمه الفدية، فالشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصوم كما في حديث ابن عباس رواه أبو داود والبيهقي ، وكذلك المرأة الحامل ويتكرر منها الحمل والرضاعة وهي ضعيفة لا تقدر على الصوم، قلنا: يلزمها أن تطعم، فهل من الممكن أن يقول إنسان: أنا أصوم عن زوجتي هذه الأيام؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه لم يثبت أن إنساناً يصوم عن إنسان حي، إنما المتوفى الذي عليه الصوم، فهو
    دين لله عز وجل، لأن الحي له البدل، البدل من ذلك أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ثم رحمة رب العالمين سبحانه إذا لم يقدر على الصوم ولا على الإطعام، فليس عليه شيء، فلو أن إنساناً كان عليه صوم رمضان، وكان كبيراً في السن ولا يطيق الصوم، وهو فقير ليس معه مال، ولا يرجى زوال هذه العلة التي فيه، ولا يرجى أن يكون معه مال، ولا أحد يعطيه شيئاً، فعلى ذلك لا شيء عليه، حتى لو مات فلا دين عليه؛ لأنه معذور، وهذا من رحمة رب العالمين بعباده سبحانه وتعالى.
    ما يستحب في شهر رمضان


    يستحب الجود والاجتهاد والإكثار من فعل الخير في شهر رمضان، فالصائم ينفق في رمضان، ويعتاد على الإنفاق في غير رمضان ويحب ذلك.لذلك جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة)، فهذا الشهر الكريم كان ينزل فيه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من السماء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يلقى جبريل، ومرة قال لجبريل عليه السلام: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) فجبريل عليه السلام ملك من أعظم ملائكة الله عز وجل ومن أقربهم لربهم سبحانه، يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) لكن نزول جبريل هو أمر من رب العالمين قال: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] سبحانه وتعالى، فنزول جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا بأمر الله عز وجل، وليس بهوى النبي صلى الله عليه وسلم ولا بطلبه، إنما الله عز وجل بحكمته ينزله في الوقت الذي يريده، فكان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويتدارس معه القرآن في رمضان، يقرأ جبريل ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الفرح بتلاوته كتاب ربه على جبريل، وبتلاوة جبريل عليه صلوات الله وسلامه عليه، فكان ينفق أكثر مما ينفق طوال العام صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلذلك يستحب مدارسة القرآن في ليالي رمضان، والسهر في مدارسته حفظاً وتسميعاً وفهماً لمعانيه وغير ذلك. قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) فالريح حين تهب تهب على الناس جميعاً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي كل من سأله ومن لم يسأله صلوات الله وسلامه عليه فجوده عظيم وكرمه واسع صلوات الله وسلامه عليه.أيضاً في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) هذه سنته صلى الله عليه وسلم، ففي أول رمضان يقوم ويجتهد عليه الصلاة والسلام، فإذا جاء العشر الأواخر يوقظ أهل بيته الذين كانوا ينامون، يوقظهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، فيتعاون الإنسان مع أهل بيته ومع إخوانه على طاعة الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام وفي هذه الليالي، قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره)، فالإنسان حين يقوم ليعمل عمله ويكون العمل عملاً مجهداً تراه يربط على بطنه حزامه ليستعين بذلك على القيام بهذا العمل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يشد مئزره، ويبتعد عن النساء؛ لأنه منشغل عنهن في هذه الأيام الأخيرة، شد مئزره فليس له في النساء حاجة الآن، ويجتهد بالعبادة ويقوم الليل أكثره أو كله صلوات الله وسلامه عليه. قالت: (وأحيا ليله وأيقظ أهله)، وفي رواية لـ مسلم : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)، ويلاحظ الإنسان أن هذا شهر الإحسان، فالإنسان يثاب على إحسانه عظيم الثواب في هذا الشهر، فيستغل ذلك حتى لا يضيع الشهر، فيندم على ما فرط فيه. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضل قيام الليل
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (14)



    إن أعمال البر التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار كثيرة، من هذه الأعمال قيام الليل، فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل، فهو مكفر للذنوب والسيئات ومنهاة للإثم، وقربة إلى الله عز وجل، ونور للعبد يوم القيامة، وأكثر ما يستحب قيام الليل في رمضان. كذلك من أعمال البر استعمال اللسان في طاعة الله، وشغلها بذكره سبحانه.
    الحث على قيام الليل وما جاء في فضله

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا عن أحكام الصيام وهذا شق مما يكون في رمضان؛ فرمضان صيام بالنهار وقيام بالليل, وقراءة للقرآن بالليل والنهار. روى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم, وهو قربة إلى ربكم, ومكفرة للسيئات, ومنهاة عن الإثم), قوله: (عليكم بقيام الليل) أي: الزموا قيام الليل. وقوله: (فإنه دأب الصالحين قبلكم) أي: عادة وسنة الصالحين قبلكم. وقوله: (وهو قربة إلى ربكم) أي: أنكم تتقربون به إلى الله عز وجل. والإنسان يحب أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنه.فقيام الليل عادة الصالحين دائماً، وكل الصالحين من عهد آدم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- عادتهم قيام الليل, وأن يصلوا لله عز وجل في الليل. قوله: (ومكفرة للسيئات) مكفرة مصدر كفَّر، يعني: يكفر الله عز وجل عنكم السيئات تكفيراً عظيماً, وكفر الشيء بمعنى ستره وغطاه, كأن الله عز وجل يمحو عنكم هذه السيئات, وذلك بأن غطاها وألغاها وسترها وجعلها هباءً. قوله: (ومنهاة عن الإثم) أي: ينهى نهياً عن الإثم, ومنهاة: مصدر نهى. إذاً من فضل قيام الليل أنه تشبه بالصالحين, ومن تشبه بقوم فهو منهم، وهو تقرب إلى الله عز وجل، وهو مكفر للسيئات، وهو سبب في البعد عن الآثام، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, أي: صلاة الفريضة الصحيحة الخالصة لله سبحانه، وزيادة على ذلك: قيام الليل فإنه ينهى عن الآثام. ومن الأحاديث الصحيحة أيضاً ما رواه الترمذي عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر), فالله قريب من عباده سبحانه, وهو مستوٍ على عرشه يقرب من العبد كما يشاء سبحانه وتعالى, فالله يقرب عبده إليه، وهو قريب من عبده؛ يسمعه ويبصره ويعطيه ويرحمه سبحانه وتعالى, فأقرب ساعة إجابة يستجيب الله عز وجل فيها الدعاء يكون معه بعونه وبركته ورحمته ومعيته سبحانه, قريب منه وهو يصلي له في جوف الليل الآخر. جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) وذكر الله أعم من أن تقوم للصلاة، فلعلك تقدر على الصلاة، ولعلك تكون مريضاً في هذا الوقت ونائماً على سريرك, ولك عادة أن تقوم الليل, فإذا بك وأنت على سريرك في هذه اللحظات تقوم من الليل ذاكراً الله عز وجل بلسانك, فالحديث هنا لم يخصص الصلاة ولا غيرها ولكنه عامٌّ يشمل ذكر الله وغيره، فذكر الله يكون في الصلاة, كذلك يكون بالاستغفار والدعاء، فأنت في هذه اللحظات في الثلث الأخير من الليل أقرب ما تكون من ربك، وأقرب ما يكون الله عز وجل منك في هذا الوقت، فاحرص عليه.

    الأسباب المعينة على قيام الليل



    هناك أسباب تعين على قيام الليل، منها أن تنام مبكراً, فلا تسهر في الليل, حتى يذهب نصف الليل، ونظم وقتك ولا تسهر بعد العشاء، ونم في رمضان بعد أن تصلي التراويح، فإن استطعت أنْ تقوم من آخر الليل ولو ساعة, أو نصف ساعة, أو أقل من ذلك أو أكثر فافعلْ.ومن الأخذ بالأسباب: أنْ تتواصى أنت وأهل بيتك أن من استيقظ في الليل يوقظ صاحبه, فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للرجل والمرأة اللذيْنِ يفعلان ذلك، فقال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى فأيقظ امرأته فصليا جميعاً, فإن أبت نضح في وجهها الماء, ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها, فإن أبى نضحت في وجهه الماء) فكل منهما يعين الآخر على أنه يقوم ويستيقظ؛ ليصلي لله عز وجل من الليل, فاستحق الاثنان أن يدعو لهما النبي صلى الله عليه وسلم برحمة الله سبحانه وتعالى.

    قيام النبي صلى الله عليه وسلم في الليل

    جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) أي: حتى تتشقق قدماه صلى الله عليه وسلم, وفي حديث آخر (حتى تتورم قدماه) واتفق الحديثان في المعنى، تشققت قدماه من طول القيام, وتورمت قدماه من طول القيام, ومعلوم أن الإنسان إذا وقف فترة طويلة فالدم ينزل من رجليه, وتنتفخان من طول قيامه, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويستعذبه صلوات الله وسلامه عليه, فهو القائل صلى الله عليه وسلم: (جعلت قرة عيني في الصلاة) قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) يعني: أنت لست محتاجاً إلى أن تقوم الليل، فربنا قد غفر لك الذي فات, والذي سيأتي كذلك مغفور, وحاشا له صلى الله عليه وسلم أن يقع في الذنوب؛ لأن ربنا سبحانه عصمه صلوات الله وسلامه عليه, ومع ذلك فإنه يقوم لهدف آخر, حتى وإنْ غفر الله له ذنوبه فهو يشكر ربه على الذي أعطاه، فقد قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) صلوات الله وسلامه عليه، هذا النبي صلى الله عليه وسلم يستحي من ربه, إذا كان لم يغفر الله له ذنبه فسيقوم إلى أن يغفر له, وإذا غفر له ذنبه فسيقوم حتى يرضى الله سبحانه وتعالى عنه, وحتى يوفي الحق بشكر الله على هذا الصنيع العظيم من ربه سبحانه.قالت: (فلما كثر لحمه صلى جالساً) ليس معناه: أنه سمن عليه الصلاة والسلام, ولكن المعنى: أنَّه كَبُر في السن وصار عظمه لا يقدر على أن يحمل
    جسمه, فهذا معنى قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (فلما كثر لحمه) فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سميناً، بل كان يذم السمن عليه الصلاة والسلام, إنما المعنى أنه ثقل جسده صلى الله عليه وسلم على عظمه, فلا يستطيع عظمه أن يحمل جسده في هذا القيام الطويل الذي كان يقومه, فقد كان يقوم الليل أحياناً بالسبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والأعراف والأنعام والأنفال وبراءة، فقد كان يقوم النبي صلى الله عليه وسلم ليلهُ لله عز وجل بهذه السور جميعها، قالت: (فلما كثر لحمه صلى جالساً عليه الصلاة والسلام, فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع) أي: كان يستمر ليلاً طويلاً قائماً, ثم يجلس ويصلي صلاة طويلة وهو جالس, فإذا بقي له أربعون أو ثلاثون آية, قام فقرأها وهو قائم, ونحن نقرأ في الصلاة ثلاثين آية أو أربعين آية ثم نتعب, والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي السبع الطوال يعني: كان يقرأ, ألف آية, ونحن إذا أردنا أن نصلي بألف آية نبدأ من (تبارك) إلى آخر المصحف؛ لأنَّ ذلك أسهل, وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يأخذ من أول القرآن إلى أن يصل إلى براءة والأنفال صلوات الله وسلامه عليه, فيقرأ قراءة متأنية ومرتَّلة, ويستمتع بها, ويتقرب بها إلى الله عز وجل, وإذا مر بآية رحمة وقف وسأل الله من رحمته, وإذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ بالله من عذابه.
    أعمالٌ تدخل الجنة وتباعد عن النار


    جاء عن معاذ رضي الله عنه -وهو حديث عظيم جميل طويل-: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، قال معاذ : فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، فهو لم يطلب شيئاً من الدنيا؛ لأن معاذ بن جبل عالم من العلماء رضي الله عنه وأرضاه, وهو سابق العلماء إلى طريق الجنة رضي الله عنه, سيسبقهم برمية حجر، فإذا دخل العلماء الجنة يكون معاذ في المقدمة رضي الله عنه, وكان عمره في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين سنة، وجميعُ العلماء الشيوخ ومن دونهم يأتون كلهم وراءه رضي الله عنه. فقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، أي: ما هو العمل الذي إذا عملته أدخلني الجنة, ونجاني من النار فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)، أي: تأتي بكلمة التوحيد وتأتي بحقها, فتقول: لا إله إلا الله بلسانك, ويصدق ذلك قلبك وعملك، إذا قلت: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله, فلا أتوجه بعبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له, ولن أتوسل إلى أحد بعمل سوى الله تعالى, ولن يكون دعائي إلا إلى الله عز وجل, ولن تكون عبادتي متوجهة إلا إلى الله, ولن أرائي ولن أشرك بالله ولن أوجه عملي لغير الله سبحانه, فتعبد الله بشرعه وبدينه، متابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ومقتدياً به، وتعمل صالحاً وتخلص لله سبحانه. ثمَّ خصص صلى الله عليه وسلم أشياء فقال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وهذه هي أركان الإسلام الخمسة، وكأنه قال: اعبد الله بما شرع وخاصة بأركان الإسلام. ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير -أي: بعد أن عرفت أركان الإسلام لا بد أن أدلك على أبواب الخير- قال: الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فتصدق، فإذا كانت عليك خطيئة, وكأن الخطيئة توقد على صاحبها النار, وليست أي نار وإنما هي نار جهنم والعياذ بالله, فكأنه أطفأ هذه النار بماء الصدقة. ثم قال: (وصلاة الرجل من جوف الليل، وتلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]) فلا تعلم نفوس الناس مهما حاولت أن تعرف قدر صلاة الليل وقدر هذا الثواب, فهو أعظم من أن تتخيله، وما يخفيه الله سبحانه أعظم.ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله -أي: أعظم شيء في هذا الدين- وعموده وذروة سنامه, قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام), فكل عبد في هذه الدنيا أعظم ما يتمسك به هو الإسلام, فهو رأس الأمر, (وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فكأنه يقول: أعظم ما يكون أنْ تتمسك بالإسلام شريعة وعملاً, وأن تأخذ بأعظم ما فيه وهو الصلاة, والجهاد في سبيل الله عز وجل. ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) أي: الذي يملك عليك هذا كله، فتستطيع أن تصلي صلاة صحيحة, وتجاهد جهاداً صحيحاً، وتفعل الخير بطريقة صحيحة، قال: (أمسك عليك هذا، قال: فأخذ بلسانه) كأن الإنسان إذا أراد أن يعمل طاعة ثم وقع في الإثم بسبب لسانه لا يستطيع أن يعمل تلك الطاعة, فلسان الإنسان قد يكون شؤماً على صاحبه؛ لأنه يتكلم في الحرام, ويتكلم في الزور والكذب، فكلما وقع في آفة من آفات اللسان فإن شؤمها يكون عليه, فيريد أنْ يقوم الليل فلا يستطيع, وبذلك يكون لسانه قد أخره عن أن يقوم لله عز وجل في الصلاة, ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولسانه يؤخره عن ذلك بما جره عليه من ويلات وما جره عليه من معاصٍ. إذاً: إذا أردت أن تصلي, وتجاهد جهاداً صحيحاً, وتصوم صياماً صحيحاً وأنْ يتقبل الله منك أعمالك فلا تفسد ذلك بآفات لسانك. قال: (فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ -يعني: أي شيء نقوله ربنا سيكتبه علينا؟- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ) والأم الثكلى: هي الأم التي فقدت ولدها، فهي تنوح وتبكي عليه, كأنه يقول: فقدتك أمك, وهذه الكلمة لا يقصد معناها, وإنما تقال على سبيل الترحم أو التودع لعدم فهمه, أي: ألم تفهم الذي أقصده والذي أقوله من هذا الكلام؟ ألا تعقل ذلك؟ثم قال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) حصائد اللسان هي الآفات التي توقع الإنسان في النار والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم ينصح أحد أصحابه ويقول: (أمسك عليك لسانك, وليسعك بيتك, وابك على خطيئتك) فأمسك عليك لسانك حتى تنتفع بعباداتك لله سبحانه وتعالى.
    معنى الحسد والغبطة والفرق بينهما وحكمهما


    جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا حسد إلا في اثنتين) فالحسد كله حرام, والذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم مشاكلة لفظية فقط، ولم يقصد المعنى الحقيقي للحسد, إنما المعنى هنا: أن تغبط إنساناً على ما آتاه الله، وفرق بين أن تغبط أحداً وبين أن تحسده, فمعنى أن تحسده: أن تتمنى زوال نعمته، وهذا حرام لا يجوز, ولم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أبداً. ومعنى الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك من نعمة، فتقول: بارك الله لك في نعمتك وأسأل الله أنْ يرزقني مثل ما رزقك، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة بهذا الوصف، فكونك تحسد إنساناً على شيء لا يجوز لك، ولكن في أمرين اثنين يجوز لك أن تغبطه, وهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل) أي: رجل آتاه الله القرآن بأن حفظه وقام يصلي به في الليل, وليس شرطاً أن يكون حفظ القرآن كله؛ لأن الدرجات يوم القيامة عظيمة وكثيرة، وحسب ما تحفظ يقال لك: (اقرأ وارتق) فتصل إلى مرتبة بحسب ما تحفظ, فإذا وجدت
    إنساناً يحفظ القرآن ويعمل به تقول في نفسك: يا ليتني أعمل مثل هذا الإنسان، ويا ليتني أحفظ مثله، فتتمنى أن تكون مثل هذا الإنسان وتأخذ بالأسباب, وقد تصل أو لا تصل، ولكن الله يعلم من نيتك أنك تريد ذلك فيعطيك؛ لأن الله كريم وعظيم سبحانه وتعالى, فالعبد الذي يتمنى الخير لا يحرمه الله الخير؛ لأن الله أكرم من أن يحرم عبداً من عبيده, فالغبطة هي أن تتمنى منزلة إنسان وتحبُّ أن يبقى على ما هو عليه من المنزلة، هذا الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (متى الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟) أي: ما هو الذي أعددته للساعة حتى تسأل عنها, فالرجل رجع على نفسه وشعر بشيء من الأسف على نفسه، فقال (والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة, ولكني أحب الله ورسوله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب، قال أنس راوي الحديث: فما فرحنا بشيء فرحنا بسؤال هذا الأعرابي أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب، قال: أنس: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأحب أبا بكر وعمر , وأرجو أن أكون معهم). فينبغي للمسلم أن يحب الصالحين؛ لعل الله أن يجعله معهم.ففي الحديث السابق: (رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل) فإذا رأيت هذا الإنسان فقد تعمل مثله, أو لعله يقوم بعملٍ أكثر منك فتحاول أنْ تفعل ما يفعله، فيعطيك الله الأجر على ذلك.أما الثاني: (ورجل آتاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار) أي: أنه يتصدقفي الليل والنهار، فإذا رأيته قلت: ليت الله يعطيني مالاً فأتصدق مثل هذا الإنسان, فلا حرج أن تتمنى على الله ذلك، ثم تحاول وتعمل, وليس مطلوباً منك أن تحقق هذه الأمنية؛ لأن النتيجة ليست عليك أبداً وإنما عليك السبب فقط, فقد تحاول أن تبحث عن عملٍ لعل الله يرزقك فتتصدق؛ فتذهب فلا تلقى عملاً فترجع، فنيتك هذه لن يضيعها الله عز وجل أبداً؛ لأنك نويت أن تعمل ثم تتصدق، فالله يحفظ ذلك لك وكأنك فعلت. وقد روى أبو داوود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ تكون له صلاة بليل ويغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة) فانظر إلى كرم الله عز وجل, فالمرء إذا كان دائماً يقوم يصلي في الليل فنام وما قام الليل، فإن الله يكتب له أجر صلاته كأنه قام الليل، ونومه عليه صدقة. إن الله كريم سبحانه, فاسألوه من فضله ومن رحمته, وأحسنوا الظن به, ومن أحسن الظن فليحسن العمل. نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكهما إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضل قيام الليل وصلاة التراويح
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (15)



    إن فضل قيام الليل وصلاة التراويح عظيم، وأجرها عند الله جسيم، فذلك دأب الصالحين من قبلنا، وهي كفارة لذنوبنا، ومطهرة لقلوبنا، ومنهاة لنا عن الوقوع في معصية ربنا، وهي شرف المؤمن وعزته في الدنيا والآخرة، فهنيئاً لمن قام الليل وصلى التراويح وحافظ على ذلك، فإنه سر السعادة، ومفتاح النصر والريادة.
    فضل قيام الليل


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.إن من أعمال رمضان العظيمة التي يحرص عليها المؤمن أن يقوم من الليل، وقيام الليل جاءت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، ومن أعظمها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم). وقد كان صلى الله عليه وسلم يحثهم عليه، وكان الصحابة يحرصون على ذلك فيصلون في بيوتهم، وإذا كان رمضان صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد صلاة الفريضة، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى في بيته ما شاء من النافلة، وهم يقومون بعضهم يقوم فيصلي وحده، وبعضهم يقوم ويصلي جماعة، فلم يكونوا يتركون قيام الليل.ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على ذلك قوله لـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم ترك).وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله، ويصوم النهار، فالنبي صلى الله عليه وسلم رده إلى ما لا يشق عليه، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن يقوم جزءاً من الليل، فيقسم القرآن على سبعة أيام، ووصل في النهاية إلى ثلاثة أيام، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: (لا تكن مثل فلان)، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فلاناً باسمه فلم يذكره رواة الحديث ستراً عليه، فيكون ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً لفلان هذا ألا يترك قيام الليل، أو أنه ذكره على الإبهام، فقال: لا تكن مثل فلان، فمن الخطأ أن يعتاد المؤمن على قيام الليل ثم بعد ذلك يتركه.إن الذي ينبغي على المؤمن كلما تقدم به العمر أن يزداد عبادة وطاعة لله سبحانه، وكلما ذاق طعم المناجاة في الليل ازداد حباً لها، وأما أنه يصلي من الليل ويقوم ويتهجد ثم بعد ذلك يتركه فهذا ليس بصواب، وإن كان قيام الليل ليس واجباً وإنما هو سنة، لكن الإنسان المؤمن كلما ازداد تقرباً ازداد استعذاباً لطعم العبادة، وازداد محاولة أن يكثر منها لا أن يتركها، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تكن مثل فلان) سينتشر بين الصحابة وسيصل إلى فلان هذا فيرجع ويصلي من الليل، وقال ذلك لـعبد الله بن عمرو وكأنه يريد: لا تشدد على نفسك ثم لا تستطيع عليه فتترك.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لكل عابد شرة، وإن لكل شرة فترة) فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فأحياناً تأخذ الإنسان الشدة أن يعمل كل شيء، فيريد أن يقوم من الليل، ولعله يقوم الليل كله، يوماً واثنين وثلاثة، ثم يدب إليه التعب والملل فيترك، فلا هو واظب على ما كان يفعله ولا هو فعل المشروع المسنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا بأن نأخذ من الأعمال ما نستطيع عليه، وما نواظب عليه، والله لا يمل حتى تملوا. وأيضاً من الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)، والليل يبتدئ من المغرب ويستمر إلى أن يطلع الفجر، وقد كان الصحابة يقومون ما بين المغرب والعشاء، وليس هذا هو المقصود بصلاة التراويح ولا بصلاة التهجد ولا بقيام الليل الذي في رمضان، والذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم


    والصحابة، وإن كان ما بين المغرب والعشاء يكتب من قيام الليل، فقد كانوا يقومونه وأنزل الله يمدحهم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] ، فكانوا يقومون هذا في غير رمضان، ولعله في رمضان أيضاً، ولكن الصلاة التي نتكلم عنها الآن هي صلاة التراويح والقيام التي تكون بعد صلاة العشاء، فيتهجدون لله عز وجل بعد ذلك في آخر الليل أو في أول الليل، وأفضله أن يكون في آخر الليل.وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي هريرة : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد)، فانظروا إذا ذهب الإنسان لينام فالشيطان يذهب وراءه، فلا يريده أن يقوم، ولا يريده أن يتعبد لله سبحانه، فيقف له على طريق العبادة؛ ليصده وليمنعه، فإذا نام جاء الشيطان إلى قفا الإنسان فيربط ثلاث عقد، وهذا كفعل السحرة، وقد تعلم السحرة ذلك من الشيطان، وكل عقدة يربطها يقول له فيها: عليك نوم طويل، أي: نم ولا تقم. قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة) فالسنة أول ما تقوم من النوم أن تذكر الله سبحانه بأي نوع من الذكر، مثل: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره، فتقول ما تحفظ من أذكار حين تقوم من الليل، وتعود نفسك على ذلك.وبعد ذلك إذا قمت فتوضأت قال صلى الله عليه وسلم: (فإن توضأ انحلت عقدة -وهذه العقدة الثانية- فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس)، فإذا توضأت وصليت من الليل فلا يلزمك أول ما تبدأ بقيام الليل أن تصلي صلاة طويلة، ولكن صل ولو ركعتين خفيفتين كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فتحل عقدة الشيطان الثالثة، وبعد هذا تجد استعذاباً لقيام الليل، وحلاوة للمناجاة.ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فأصبح نشيطاً طيب النفس)، إذاً: فقيام الليل يجعلك نشيطاً، وهذا عكس ما يفهمه البعض حيث يقولون: إذا نام الإنسان الليل يكون نشيطاً في الصبح!!والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: إذا صليت أصبحت طيب النفس، تتقبل الأعمال، وتجيد أداء أعمالك، ولم يقل: صل الليل كله، ولكن قم من الليل ولو أن تصلي ركعتين من آخره، فتصبح طيب النفس. وإن لم يكن ذلك قال: (وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، وإذا لم يصل الليل فلعله أيضاً يضيع عليه الفجر، فيصبح في الصبح وهو مكتئب متضايق مهموم.ولو أنك صليت من الليل لزالت عنك هذه الهموم، وكان الله عز وجل معك، وكانت ملائكة الله معك، وابتعد عنك الشيطان فأصبحت طيب النفس . وهناك حديث آخر يرويه أبو داود -وهو حديث صحيح- عن أبي سعيد أو أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أيقض الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات) ، وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35]، وهذه أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان، حيث يقول الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35]، فأعلى مرتبة يصل إليها الإنسان هي أن يكون من الذاكرين أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45].ولا يتخيل أبداً أن الذي يكثر ذكر الله لا يصلي، ومستحيل أن يكون ذلك، فكأنه وصل إلى هذه المرتبة بأدائه لأركان الإسلام، وبأدائه للفرائض التي عليه، وبأدائه للنوافل، فصار يستعذب ويستحلي ذكر الله سبحانه على لسانه، فوصل إلى هذه الدرجة: وهي درجة الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.فإذا أردت أن تكون من هؤلاء فعليك بقيام الليل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحث الرجل أن يوقظ امرأته وتوقظ المرأة زوجها، فيصليا جميعاً، أو يصلي كل واحد منهما ركعتين في جوف الليل، فبالمواظبة على ذلك يكتبا عند الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
    قيام الليل يمنع العبد من الفحشاء والمنكر

    وأيضاً من فضل قيام الليل: أن هذه الصلاة تمنع العبد من الفحشاء والمنكر إذا أجادها، فخير ما يستعين به العبد على ترك المعاصي: قيام الليل، فقم الليل فإنك بعد حين تجد نفسك تتدرج في ترك المعاصي، ولذلك كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سارقاً، وكان الناس يعرفونه، لكن لم يشهد عليه أحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كي تقطع يده، فهذا الرجل قام من الليل، فرآه بعض الناس يقوم الليل فتعجب كيف يسرق في النهار ويقوم في الليل! فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: فلان يقوم الليل ويسرق في النهار، قال: (سينهاه ما يقول) يعني: هذه الصلاة التي يصليها، وفعلاً انتهى الرجل عن السرقة بعد ذلك.فقد يكون في الإنسان أحياناً بعض الخصال السيئة التي يغضب بها ربه، ويحاول أن يبتعد عنها وأن يمتنع منها، كأن يكون فيه شيء من مد اليد إلى مال الغير، أو أنه يقع في بعض الكبائر، فلو أنه عمل صالحاً كقيام الليل، وواظب على الفرائض، فإن صلاته تنهاه عن هذا الذي هو فيه لو أنه كان مخلصاً لله سبحانه، تائباً إليه، راجياً من الله أن يغفر له، وأن يعينه على ترك هذا الذي هو فيه.

    صلاة التراويح تسميتها ووقتها وفضلها


    إن صلاة التراويح صلاة مخصوصة في رمضان، وسميت بصلاة التراويح من الاستراحة يعني: جاءت من الراحة، فقد كانوا يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، ثم يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، فسميت تراويح؛ لأنها صلاة فيها استراحة بين كل أربع ركعات. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، هذا في سنن أبي داود ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).فقوله: (قام رمضان) أي: كل رمضان، وفضل الله سبحانه عظيم، فمن فاته شيء فليستدرك الباقي، لكن من قام رمضان فإنه يغفر له، ومن قام رمضان فإنه سيوفق إلى ليلة القدر، ولا يمكن أبداً أن يقوم الإنسان كل ليلة لله عز وجل وتأتي ليلة القدر فيضرب الله عليه بالنوم فيها، فالله أعظم وأكرم من ذلك سبحانه، لذلك من قام رمضان وواظب على ذلك وفق لليلة القدر، فقام فيها فغفر الله له ما تقدم من ذنبه.ولعل الإنسان ينشغل أحياناً عن شيء من قيام رمضان فإذا قام ليلة القدر ووفق لها، فالله عز وجل يغفر له أيضاً ما تقدم من ذنبه، ولكن لا يستوي من قام رمضان كله بمن قام ليلة واحدة، فمن أتعب نفسه كان له كل يوم مغفرة من الله، وكان له كل يوم فضيلة، ويعتق من النار، ويرفع درجات بهذه الصلاة العظيمة، ويستجاب له في دعواته.إن قيام
    الليل عظيم جداً، فعلى المؤمن أن يحرص عليه، وأن يحرص على حضور التراويح مع الإمام في جماعة.جاء عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلْتنا قيام هذه الليلة).هذا الحديث رواه الإمام أبو داود في سننه وهو حديث صحيح، وفيه أنهم صاموا مع النبي صلوات الله وسلامه ولم يقم بهم إلى أن بقي سبع، يعني: مرت ثلاثة وعشرون يوماً ولم يقم بهم، وفي ليلة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين قام بهم.فلما كانت السادسة لم يقم بهم، فلما كانت الخامسة -كأن هذه الليلة هي ليلة خمس وعشرين أو ليلة ست وعشرين- قام بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب شطر الليل. (فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة) يعني: لو كنت أكملت بنا إلى فجر هذه الليلة، فقد استعذبوا الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأحبوا أن يقوم بهم إلى آخر الليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا هو موضع الشاهد-: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليل)، فانظر إلى فضل الله العظيم ، فإذا صليت مع الإمام إلى أن انتهى من الصلاة سواء كان انتهى من ربع الليل أو من سدس الليل أو من نصف الليل، فإنه يكتب لك قيام الليلة.ثم إذا انصرف الإمام جاز للمسلم أن يصلي ما شاء.قال: (فلما كانتالرابعة -يعني: من آخر الشهر، فإذا كان ثلاثين فستكون ليلة سبع وعشرين- لم يقم بنا -وإذا كان الشهر تسعاً وعشرين فستكون ليلة ست وعشرين- فلما كانت الثالثة -إما ليلة ثمان وعشرين، وإما ليلة سبع وعشرين- جمع أهله ونسائه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح) إذاً فهذه ليلة سبع وعشرين قامها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، وسماه الفلاح.فالنبي صلى الله عليه وسلم قام بهم ثلاث ليالٍ، ولم يقم بهم غيرها؛ لأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة التراويح، فهو صلى الله عليه وسلم بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فهو عليه الصلاة والسلام يخاف عليكم ألا تطيقوا هذه العبادة، مع أن الصحابة كانوا يريدون أن يقوم بهم، ووصل بهم الأمر إلى أنهم جاءوا يرمون على باب النبي صلى الله عليه وسلم بالحصى، حتى ينبهوه إلى أن يصلي بهم، فلم يخرج ولم يصل بهم، فلما قرب الفجر خرج وقال لهم: (إنه ما خفي علي مكانكم بالأمس، ولكن خشيت أن تفرض عليكم). فانظروا فهم ينادونه ويريدون منه أن يصلي بهم قيام الليل صلى الله عليه وسلم، وهو يخاف أن تفرض عليهم هذه الصلاة، فلم يخرج ولم يصل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك جاء في حديث أبي هريرة : (كان صلى الله عليه وسلم يرغِّب في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة) يعني: من غير أن يأمرهم أمراً واجباً، وإنما يرغبهم فقط صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب.
    مراعاة آداب المسجد عند صلاة الجماعة فيه


    إذا كان الإنسان يصلي الليل مع الجماعة فإنه يراعي آداب المسجد، فلا يؤذي أحداً من المسلمين، ولا يرفع صوته في القراءة إذا كان يقرأ، ولكن ليستمع للإمام، فإذا ترك له الإمام فرصة للقراءة فليقرأ في سره بفاتحة الكتاب. فإذا كان يصلي وحده: فإما أن يصلي وحده في المسجد، وإما أن يصلي وحده في البيت، فإذا كان يصلي وحده في المسجد ولا أحد في المسجد جاز له أن يرفع صوته، فإذا كان هناك أناس في المسجد فلا يزعج أحداً، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشوش بعض المصلين على البعض الآخر، وأن يؤذي بعضهم بعضاً في المسجد.وإذا كان وحده في البيت فله أن يرفع من صوته او يخفضه. وجاء في سنن أبي داود عن أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فإذا هو بـأبي بكر رضي الله عنه يصلي ويخفض صوته، ومر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بـعمر يصلي ويرفع صوته، ومر بالثالث وهو بلال رضي الله عنه، فقد كان يقرأ ويرفع صوته فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة من هنا وسورة من هنا وسورة من هنا، أو آيات من هذه السورة وآيات من هذه السورة بحسب ما يقرأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني قال لـأبي بكر: مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد أسمعتُ من
    ناجيتُ).فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان مظلماً بالليل، فإذا كان فيه إضاءة خافته فلن يرى بعضهم بعضاً فيها إلا الشيء اليسير، فإذا أبو بكر في مكان مظلم في المسجد ويصلي ويخفض من صوته، فكأنما خشي النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن ينام وهو يصلي بهذه الصورة، فلذلك قال له: (ارفع من صوتك شيئاً)، فإذا كان الأمر كذلك وأنت على هذه الهيئة فارفع صوتك شيئاً.وعمر بن الخطاب كان يرفع صوته، لكن كأنه رفعه زيادة على الحد المطلوب، فلو كان أحد بجواره فلعله يزعجه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (لماذا يرفع صوته؟ فكان جواب عمر رضي الله عنه: أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان) أي: أرفع صوتي من أجل أن أقيم النائم كي يصلي، وأطرد الشيطان، فقال له: (اخفض من صوتك شيئاً)، أي: ليس مطلوباً منك أن توقظ النائمين، ولكن من أراد أن يقوم للصلاة فليقم، ومن لا يريد أن يقوم فلا توقظه، لكن ارفع صوتك شيئاً من غير أن تزعج أحداً من الناس.وقال لـبلال : (رأيتك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السور -يعني لم تقرأ سورة بأكملها، وإنما قرأت آية من سورة، ثم قرأت آية من سورة أخرى- فقال بلال رضي الله عنه: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض)، يعني: أنا انتقى منه، فالأشياء التي أعرف أقرأها أستحلي قراءتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم قد أصاب) يعني: فيما صنعتم، ولكن افعلوا هذا الذي دللتكم عليه.
    مشروعية حضور النساء لصلاة التراويح



    وصلاة التراويح يشرع أن تحضرها النساء، وإن كانت الصلوات العادية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في مسجدها). إذاً: فصلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها مسجدها، لكن صلاة التراويح لعلها لا تصليها في بيتها كما لو صلتها في المسجد، فإذا كانت وحدها قد تنشغل بأمور البيت فلا تصليها، فيشرع للنساء أن يحضرن إلى المسجد فيصلين مع الجماعة، ولذلك جاء في حديث أبي ذر : (فلما كانت السادسة -ليلة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين- قال: جمع أهله ونساءه والناس)، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم بما فيهم نساءه؛ حتى يصلوا معه صلى الله عليه وسلم، قال: (فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح).وكان عمر رضي الله عنه يجعل للناس، إمامين: إماماً يصلي بالرجال، وإماماً آخر يصلي بالنساء، ونلاحظ أنه لم يجعل إماماً للنساء من النساء مع وجود نساء يحفظن القرآن، بل بعث لهن إماماً يصلي بهن، قال: وجعل عمر بن الخطاب للناس قارئين في رمضان، فكان أبي يصلي بالناس، وابن أبي حتم يصلي بالنساء. وكان علي بن أبي طالب أيضاً يأمر الناس بقيام رمضان، وكان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال: فأمرني علي فقمت إمام النساء. فيجوز للمسلم -طالما قلنا إن صلاة
    التراويح سنة وليست فريضة- يجوز أن يصليها في جماعة، ويجوز أن يصليها وحده إن كان في البيت أو في مكان آخر، ولكن الأفضل أن يصليها في جماعة. وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه جمع الناس على إمام، يقول عبد الرحمن بن عبد القاري : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون: يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل.وجمعهم على سيد القراء أبي بن كعب رضي الله تبارك وتعالى عنه، الذي قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقرأ القرآن بأمر جبريل، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر : نعمة البدعة هذه.وهذه ليست البدعة المذمومة، فنحن نقول: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، قصد بالسلوك عليها المبالغة في العبادة، وأما هذه فشرعية؛ فقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً فـعمر لا يقصد بالبدعة هنا البدعة الشرعية، وإنما يقصد المعنى اللغوي في ذلك، أي: نعم الأمر البديع هذا، فهذا أمر جميل أننا أرجعناهم إلى ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاث الليالي التي صلاها بهم.قال عمر : والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وهذا عائد إلى الصلاة يعني: أن الصلاة التي يناموا عنها أفضل من التي يقومون، ولكن لا يستطيع عمر أن يجمعهم في آخر الليل؛ ففي أول الليل الكل موجود وذلك في صلاة العشاء، بخلاف آخر الليل. فيكون مراده: لو كانت هذه الصلاة على هذا الوضع في آخر الليل لكانت أفضل من هذه؛ لأنهم إذا صلوا في أول الليل فإنهم سينامون في آخر الليل، فإذا صلى الإنسان مع الإمام كتب له قيام الليل كله، فإذا رجع إلى بيته فيستحب أن يقوم من آخر الليل قبل الفجر ما يقدر عليه، فيصلي ركعتين أو ما قدر الله عز وجل له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت)، فأفضل ما يكون من صلاة الليل والنهار ركعتان ركعتان، وإن جازت هيئات أخرى غير ذلك، فيجوز للمرء أن يصلي أربع ركعات متصلات في سنن النهار كصلاة الضحى، فيصلي أربع ركعات متصلات، لكن الأفضل أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين . وكذلك في السنة القبلية والسنة البعدية للظهر، والسنة القبلية للعصر، فيجوز أن يصلي أربع ركعات متصلات، ولكن الأفضل هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليه فقال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فصلاة الليل ركعتين ركعتين وتوتر بركعة واحدة، وإن كان هناك أحاديث جاءت في غير ذلك نذكرها فيما يأتي إن شاء الله.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة


    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - صفة صلاة التراويح
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (16)



    صلاة التراويح من النوافل التي جاء الحث عليها والندب إليها، وهي من قيام الليل، فعلى المسلم المحافظة عليها؛ لما فيها من الأجر العظيم، والثواب الجزيل.وصلاة التراويح اختلف العلماء في عدد ركعاتها، والراجح أنه لا حد فيها، فلا ينبغي أن ينكر أحد على أحد في هذا، وإن كان الأفضل هو العدد الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
    أسماء صلاة التراويح


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.أما بعد:فقد تكلمنا عن صلاة التراويح في رمضان، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على قيام رمضان، وكان يحثهم من غير عزيمة، يعني: لم يوجبه، بل كان يخاف صلى الله عليه وسلم أن يواظب عليها مع الناس فيكتب ويفرض عليهم، فلذلك كان يصليها في بيته صلوات الله وسلامه عليه، وخرج فصلى بالصحابة ثلاث ليال، كما ذكرنا في الحديث السابق.وهذه الصلاة تسمى بصلاة القيام، وتسمى بصلاة التراويح، وتسمى التهجد، وتسمى قيام الليل، وتسمى الوتر، وهي واحدة.
    عدد ركعات صلاة التراويح وذكر الخلاف في ذلك
    وكان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غير رمضان، وكان يواظب عليها سواء في رمضان أو في غير رمضان، ولكن في رمضان كان يحث عليها الناس.فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاته المعهودة في رمضان وفي غير رمضان، وما زاد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، صلوات الله وسلامه عليه.وثبت عنه صلى الله عليه

    وسلم أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، ولكن أكثر الأحاديث على أنه كان يواظب على إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غير رمضان، بل كان إذا فاتته صلاة الليل صلاها في وقت الضحى شفعاً، يعني: يصليها اثنتي عشرة ركعة في النهار في وقت الضحى، وأخبر أن من فاته قيام الليل فصلاه في وقت الضحى كتب له قيام الليل، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه وتعالى.فالمستحب في ذلك ما كان أسهل على الناس فيها، سواء صلى ثلاث عشرة ركعة أو صلى إحدى عشرة، أيضاً يجوز أن يصلي أكثر من ذلك، لكن أفضل الفعل هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصلي إحدى عشرة ركعة ويواظب عليها.ولكن لا إنكار على من يزيد على ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكثر من ذلك، وهذه مسألة هامة جداً، فبسببها يقع إشكال بين المسلمين كثيراً, بين الذين يرى عدم الزيادة على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وبين الذي يقول: الأمر واسع في الأمر، وهذا الصواب، فالصواب في هذا الشيء: أن الأمر واسع، فإذا صليت مع الناس إحدى عشرة ركعة، ورجعت إلى البيت وأحببت أن تصلي ما شئت، فلا يوجد إنكار في ذلك، فصل ما شئت؛ لأنه لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدد معين لا يجوز تجاوزه.ولذلك فجماهير العلماء على أنه يجوز أن تصلي ما شئت في قيام الليل، سواء إحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك أو أقل من ذلك؛ بحسب ما يتيسر لك.وقد ذكر الإمام النووي في المجموع مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح، والغرض منها بيان أن الأمر واسع، فلا يحتاج أننا نبقى في عراك مع بعضنا، فواحد يقول: صل إحدى عشرة، وآخر يقول: صل عشرين، وآخر يقول: إحدى وعشرين، وآخر يقول: ستاً وثلاثين، فلا يحتاج الأمر لهذا الشيء، وإنما أفضل ما يكون أن تصلي إحدى عشرة ركعة كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإذا كان يشق على الناس التطويل في الركعات جاز أن يقلل في القراءة ويزيد من عدد الركعات، وإذا صلى الإنسان في المسجد ورجع إلى بيته ورأى أن هناك وقتاً إلى الفجر، وفيه قوة أنه يقوم من الليل، فيجوز أن يصلي أكثر من ذلك، ولم يثبت المنع في ذلك.وأما قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما زاد رسول صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) فهذا فعل، والفعل لا يفيد التحديد، ولا يفيد أنه لايجوز إلا إحدى عشرة، وأن أكثر من ذلك يكون بدعة، أو أن أكثر من هذا يكون ضلالة، أو يكون حراماً، فإن هذا كله لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، وجماهير أهل العلم على أن الأمر واسع، ومن أجمل الكلام في ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .يقول النووي رحمه الله: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود أنها عشرون ركعة، يعني: أن هؤلاء أخذوا بأن عمر بن الخطاب جمع الناس على عشرين ركعة، فعلى ذلك قالوا: نفعل كما فعل عمر رضي الله عنه.والبعض يقول: الوارد عن عمر إسناده ضعيف، ولكن هناك روايات أخرى تعضد هذا الأثر، وهذا كان مشهوراً في عهد عمر رضي الله عنه أنه فعل ذلك.والراجح: أن الأمر واسع، فمن صلى عشرين أو صلى إحدى عشرة فكل ذلك جائز.لكن يا ترى هل الذي سيصلي عشرين الركعة سيقرأ فيها آية ويركع؟ إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل الهدي، فعليك أن تقرأ كما كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن قراءته كانت قراءة معتدلة بصلاة طويلة جميلة، وهذا أفضل من أن تصلي وتقرأ في كل ركعة آية وتركع، فهذه الصلاة تجعل الناس يلهثون وراء الإمام وهو يجري في هذه العشرين ركعة.لكن إذا صلى المرء ثمانِ ركعات يحسن فيها القيام، ويفهم الناس القرآن، ويختم فيهن كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، فهذا أفضل من أنه يصلي ركعات كثيرة، وتكون في النهاية المحصلة أنه قرأ ربعاً أو ربعين في خلال العشرين الركعة.يقول النووي : مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود -يعني: الظاهري - أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات: ركعتين ركعتين ركعتين ركعتين... وذلك خمس ترويحات.وسميت تراويح لأنهم كانوا يتروحون بين كل أربع ركعات، فيصلون أربع ركعات ومن ثم يأخذون راحة، ثم يصلون أربع ركعات ومن ثم يتروحون، يعني: يستريحون بعد الأربع ركعات.وجاء عن الأسود بن يزيد أنه كان يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بسبعركعات.وقال مالك : التراويح تسع ترويحات، وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج مالك على ذلك بأن أهل المدينة يفعلون ذلك.وقال نافع وهو مولى عبد الله بن عمر وشيخ مالك في الحديث أدرك التابعين وبقايا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: أدركت الناس في المدينة وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث.وهذا عدد كبير جداً، ولعلهم كانوا يصلون الليل كله، فهل يطيق المسلم ذلك؟ ولو قيل: إنهم كانوا يصلون ركعات كثيرة لكنهم يقرءون في كل ركعة آية أو آيتين، فالجواب: أنهم لم يكونوا يفعلون هذا الشيء، بل كانوا يصلون صلاة طويلة.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى: لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان عدداً معيناً، يعني: لم يحدد أنه لازم أن يكون كذا، فلم يقل: صل إحدى عشرة ركعة ولا تزد على ذلك، فتكون الزيادة على ذلك ممنوعة، كما قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين)، فيمنع أن تصلي بعد الفجر، فبعد أن يؤذن المؤذن للفجر الصادق لا يجوز لك أن تصلي أكثر من ركعتين، وهما سنة الفجر، فهذا توقيت وقته النبي صلى الله عليه وسلم.لكن في قيام الليل الأمر مفتوح، فلم يقل: لا تصل أكثر من كذا، فيجوز للإنسان أن يصلي ما

    شاء.يقول ابن تيمية رحمه الله: لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان عدداً معيناً، بل كان صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، وكان يستمتع بهذه الصلاة صلى الله عليه وسلم، فكان يقوم من النوم فيصلي ركعتين يطيل فيهما ما شاء الله سبحانه وتعالى، ثم ينام إلى أن يأخذ قسطاً من النوم، ثم يقوم مرة أخرى فيصلي ركعتين ويطيل ما شاء الله له أن يطيل.إذاً: فهو يقوم يصلي صلاة رغبة ورهبة، صلاة إقبال على الله وليست صلاة مستعجلة وكأنه يقول: متى ننتهي منها؟ ليس كذلك، بل كان يقول: (أرحنا بها يا بلال !)، وقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فهذه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.يقول ابن تيمية رحمه الله: فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ويوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة.يعني: فكأنه يعوض، فإذا كانت الإحدى عشرة
    ركعة ستأخذ ساعتين أو ثلاث ساعات، فيصلي العشرين في نفس المقدار، إذاً: فيقلل في عدد الآيات التي في كل ركعة، لكن في النهاية هو نفس الوقت الذي كان سيصلي فيه الإحدى عشرة ركعة.يقول ابن تيمية: وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من ركعات؛ لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كانت طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ.هذا كلام فقيه عظيم عالم، وقد جمع بين علم العقيدة وعلم الأصول وعلم الفقه وعلم الحديث، فتكلم كلام العلماء الراسخين، فقال: الأمر واسع في ذلك، ولكن أحب ما يكون هو فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، من غير تبديع لمن زاد على ذلك.قال: والأفضل في ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام -أي: يستطيعون أن يصلوا صلاة طويلة- فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنفسه في رمضان وغيره، وهو الأفضل على رواية؛ لأن الروايات المشهورة إحدى عشرة ركعة.وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين.قال في آخر كلامه: ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ.هذاكلام جميل جداً، وكلام طيب يجمع المسلمين ولا يجعل بينهم خلافاً، ولا يجعلهم يشتم بعضهم بعضاً، ويبدع بعضهم بعضاً، فالأمر واسع في ذلك، لكن أفضل ما يكون هو أن يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة، ويطيل فيها بما لا يشق على الناس، كما يفعل الكثيرون من أئمة المساجد الذين يقتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. هذا مختصر لكلام ابن تيمية رحمه الله.
    ذكر بعض الأحاديث الواردة في صفة قيام النبي صلى الله عليه وسلم في الليل

    ومما جاء في ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته -تعني: بالليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية)، والخمسون آية ممكن أن تكون ربعين في القرآن، هذا الغالب، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك.قالت: (قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر).هنا ذكرت أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالليل، وركعتين، فاحتمل أن تكون الركعتان هم اللتان قبل الفجر، سنة الفجر القبلية، واحتمل أن تكونا من ضمن قيامه، وأنه بعدما انتهى وأوتر صلى الله عليه وسلم كأنه قام بعد ذلك فركع ركعتين بعدها، وسيأتي الكلام على ذلك.لكن تقول هنا في الحديث توضح أنها سنة الفجر: (يركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة).فقام الليل بهذه الصفة التي السجدة فيها بقدر خمسين آية، وهذا يدل على أنها طويلة، فإذا كان سيسجد السجدات قدر خمسمائة آية فكم سيكون قدر الركوع؟ والقراءة نفسها كم ساعة ستكون؟إذاً: فهذه الصلاة الطويلة تحتاج إلى راحة، فكان


    صلى الله عليه وسلم يرتاح بعد هذه الصلاة، فلما أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين سنة الفجر.ثم يضطجع إلى أن يجتمع الناس إلى بيت الله عز وجل، وهذا الاضطجاع سنة في مثل هذه الحال.فـعائشة رضي الله عنها تحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام الليل قياماً طويلاً، وعند الفجر صلى صلى الله عليه وسلم سنة الفجر، ثم اضطجع قليلاً صلى الله عليه وسلم.وأحياناً كان يجد زوجته السيدة عائشة أو أم سلمة أو غيرهما من زوجاته قاعدة فكان يحدثهن، وأحياناً تكون هي أيضاً تنتظر صلاة الفجر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع ولا ينام، ولكن يضطجع ليستريح، وهذا معروف طبياً، فإن الإنسان إذا قام قياماً طويلاً ينسحب الدم من رأسه إلى أطرافه، فلا يصل إلى المخ، فيمكن أن يدوخ، فإذا نام على الأرض يصل الدم إلى المخ؛ لذلك إذا أغمي على إنسان فإنك تضعه على الأرض، فترفع رجليه من أجل أن الدم يصل إلى دماغه، وأما إذا وضعته على كرسي وجعلت تضرب فيه من أجل أن يصحو فلن يصحو؛ لأن الدم لن يصل إلى دماغه، فأول شيء أن تجعله ينام على الأرض، وترفع رجليه إلى الأعلى، فتجعل رجليه أعلى من دماغه؛ من أجل أن الدم يصل إلى الدماغ.فالإنسان إذا قام الليل وتعب فإنه ينام ويضطجع.إذاً: فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا كان الواحد حاله مثل حالتنا قد نام الليل كله، وقبل الفجر قام وصلى ركعتين فلا يضطجع؛ لأنه قد نام الليل كله، فلا ينم؛ فإن هذا وقت إجابة دعاء، ولذلك البعض يتشدد ويقول: هي سنة، وأما ابن حزم رحمة الله عليه فيقول: تجب هذه الضجعة.والصحيح أن هذه ضجعة استراحة، وليست عبادة، لكن ابن حزم يقول: هي واجبة، حتى إنك لو ذهبت للمسجد وكان الإمام في الصلاة فاضطجع، ثم قم وادخل في الصلاة، وهذا الكلام بعيد جداً عن الحقيقة وبعيد عن الواقع، ومن يقبل مثل هذا الشيء؟! إذ كيف أدخل وأجد الإمام في الصلاة فأذهب اضطجع وأقوم؟! فسيقول: فعلها بعض الصحابة، فنقول: وإن فعلها بعض الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم؛ فإنهم فعلوها بسبب الأعياء والتعب؛ لأنهم قاموا الليل كله، ولما وصلوا إلى المسجد وكان الواحد منهم مجهوداً اضطجع، أما إذا جئت والإمام في الصلاة وقد أمرك النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا)، ولم يقل: نم واضطجع قليلاً وقم وادخل معه، وإنما قال: (فاسجدوا)، مع أن السجدة ليست محسوبة، ولذا قال: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة).وهذا الحديث معناه: أنك أول ما تدخل المسجد افعل كما يفعل الإمام؛ بنص كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإن خالف بعض الصحابة فنقول: هو فهم هذا الشيء رضي الله عنه لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا الشيء، هو فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهذا الاضطجاع، وهو صلى الله عليه وسلم أمر من قام الليل أن يضطجع، كما قام النبي صلى الله عليه وسلم وتعب.وأما أن يأتي المسجد وهو قد بات نائماً في وقت أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء فيه مستجاب ويترك الدعاء من أجل أن يضطجع فلا، ولماذا يفعل هذا الشيء وهو غير تعبان؟فهنا الضجعة نحملها على ما فعله النبي، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها.ونحن نحكي هذا لأن في الاعتكاف تجد بعض الإخوة يعملون حاجات غريبة، ومن ثم يقولون: هي سنة، فنريد أن نقيم السنة، وتجد آخرين يردون عليهم، ويحصل خلاف بينهم، فنقول: ابعدوا عن الخلاف، فالخلاف كله شر.وأيام الاعتكاف أيام عبادة لله سبحانه وتعالى، وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا تشذ عن الناس بفعل تفعله، ولا تلفت إليك الناس بحيث تقول: الناس ينظرون إلي، والناس يعملون مثل ما أنا أعمل، فيخشى عليك من الرياء بفعلك الذي تفعل.وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)، ونلاحظ الفرق بين: (كان يفعل كذا)، فهذا دليل على الاستحباب، وبين: (لا تفعلوا كذا)، فهذا دليل على الأمر والنهي، فهنا كان يفعل، والتي تقول هذا هي السيدة عائشة وليس النبي صلى الله عليه وسلم.فالسيدة عائشة رضي الله عنها تقول: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) تعني: لا تسأل عن جمال هذه الصلاة التي يصليها، وعن حسن الصلاة التي يصليها النبي صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء:110]، فلا تجهر بصلاتك فتوقظ النائمين، ولا تخافت بها، فلعل أحداً يريد أن يسمعك وأنت تقرأ، فكان يقرأ قراءة لا يوقظ بها النائمين، فكانت تسمع له، ويعجبها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعجبها

    جمال صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: (لا تسأل) أي: لا يوجد بعد ذلك حسن؛ فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي يصليها بالليل وهو في بيته عليه الصلاة والسلام أحسن وأجمل صلاة.قالت: (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) تعني: يوتر بعد ذلك بركعتين ثم بواحدة، قالت: (فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟) كأنه كان يصلي أربع ركعات وينام، ثم يقوم، فيصلي أربع ركعات أخرى وينام، ثم يوتر، فهي تسأله وتقول: أنت تقوم من النوم فتصلي الوتر من غير أن تتوضأ؟ فقال: (يا عائشة ! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فقلبه صلوات الله وسلامه عليه لا ينام، بل قلبه معلق بالله سبحانه، فيستشعر بكل ما حوله، والعين تنام وتستريح، وأما القلب فلا، فهو يقظ ليلاً ونهاراً، فصلوات الله وسلامه عليه لا يغيب عن ربه سبحانه وتعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام يستشعر نفسه أنه أحدث أو لم يحدث، والعادة أنه لم يحدث في النوم فيصلي صلى الله عليه وسلم، فإن أحدث توضأ وصلى صلوات الله وسلامه عليه.وفي حديث آخر في صحيح مسلم أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر)، وكأنها هنا أجملت الحديث، وفي الحديث الأول ذكرت أنه كان يصلي أربعاً ثم أربعاً، تعني: يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم فيصلي ركعتين ويوتر عليه الصلاة والسلام، فهذا تفصيل: أربعاً وأربعاً وثلاثاً.وهنا قالت: (ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) أي: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، فيصلي ثمان ركعات ثم يوتر، وكأنها تقصد أنه يوتر بثلاث، فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، ثم يصلي ركعتين.قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح).وهذا الحديث محتمل أنه على هذا الظاهر، أي: أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات، لكن يحتمل أنه أوتر بواحدة، ويحتمل أنه أوتر بثلاث.فإن كان أوتر بواحدة فيكون صلى تسع ركعات، وبعدما صلى التسع ركعات صلى ركعتين وهو جالس عليه الصلاة والسلام.إذاً: نأخذ من هذا أنك إذا أوترت مع الإمام وأحببت أن تصلي في البيت فيجوز لك أن ترجع فتصلي شفعاً شفعاً، فليس لازماً أنك إذا كنت مع الإمام وأوتر وسلم أن تقوم وتأتي بركعة، بل من الممكن أنك أيضاً تسلم مع الإمام في الوتر، وإذا رجعت إلى بيتك وأحببت أن تصلي فصل، لكن صل شفعاً ولا توتر مرة ثانية بعد ذلك.وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لبيان الجواز، وصلى ثمان ركعات وأوتر بواحدة صلى الله عليه وسلم، فأصحبت تسعاً، ثم صلى ركعتين وهو جالس عليه الصلاة والسلام؛ وكأنه تعب، فأصبحت إحدى عشرة ركعة.قالت: (فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: صلى الركعتين وهو جالس وقرأ فيها ما شاء الله عز وجل أن يقرأ، فإذا أراد أن يركع قام وكمل القراءة وهو قائم، وركع عليه الصلاة والسلام من قيام، وهذا في الركعتين اللتين بعد الوتر وليس في الركعتين اللتين بعد أذان الفجر.قالت: (ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة)، فإذاً: الثلاث عشرة ركعة فيها ركعتا سنة الفجر القبلية. فعلى الحديث الأول يحتمل أنه صلى ركعتين من ضمن ركعات قيام الليل، وعلى هذا فيكون قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وإن كان الغالب من كلامها الاحتمال الثاني، وهو أنها قصدت سنة الفجر.وأيضاً جاء في حديث آخر رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه، فقالت: (كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس).وفي هذا الحديث فضيلة صلاة النافلة في البيت، فإذا أذن للظهر فمن الممكن إذا كان بيتك قريباً من المسجد أنك تصلي سنة الظهر في البيت، فتصلي أربع ركعات ثم تأتي إلى المسجد.قالت: (ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً)، فهنا ذكرت أنه صلى ركعتين سنة العشاء، وكان يصلي تسع ركعات بالوتر، والمجموع إحدى عشرة ركعة بسنة العشاء.فكأن الإحدى عشرة ركعة التي كان يصليها أول ركعتين منها هي سنة العشاء، والباقي من قيام الليل، كما في هذا الحديث.قالت: (وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين).
    جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح


    روى الإمام مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين.والمئين: السور التي تعدت المائة آية، وسور القرآن كانوا يقسمونها إلى: السبع الطوال، وهي أول سبع سور في القرآن، تليها المئون، وهي السور التي تجاوزت المائة آية كسورة يونس، وسورة هود، وسورة الكهف، وسورة الإسراء، وغيرها من السور التي تجاوزت المائة آية. يليها ما هي أقصر منها وهي: المثاني، وهي أقصر من ذلك، يليها المفصل التي في آخر القرآن، ويقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل، وأوساط المفصل، وقصار المفصل.فكان القارئ يقرأ بالمئين، يعني: بالسور التي عدت مائة آية، ونحن ربما
    صلينا بسورة الكهف في أربع ركعات، بينما كان القارئ في زمانهم يقرأها في ركعة، فيقرأ في ركعة بالمئين، يقرأ بسورة يونس، أو سورة هود، أو سورة الكهف، أو سورة الإسراء، يقرأها في ركعة واحدة.قال: حتى كنا نعتمد على العصي من التعب.يعني: يعتمد الواحد على العصا أو العكاز من التعب من طول القيام.قال: وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر.هذا في عهد عمر رضي الله عنه، فإذا جاء عن عمر أنه جعل التخفيف بأنه يصلي بهم عشرين ركعة فالمعنى أنهم كانوا يصلون الليل كله، ومعنى هذا أن هذه الصلاة طويلة جداً، فكان يأمر القارئ بأن يقرأ بالعشرين الآية والثلاثين آية كما سيأتي بعد ذلك في قول عمر رضي الله عنه، وأمر أنه يقرأ القارئ بالعشرين آية أو الثلاثين بحسب سرعة القارئ، وهذا هو الذي جعل عدد ركعات الصلاة أطول من أجل أن يعوض القيام الطويل، والله أعلم.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوت
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (17)



    إن صلاة الوتر من النوافل الرواتب، وفضلها عظيم، والأحاديث والآثار فيها كثيرة، فيجوز أن يصليها ركعة ويجوز أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع.فإذا أوتر بثلاث فإنه يقرأ فيها في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الكافرون، وفي الثالثة بسورة الإخلاص.
    استحباب صلاة الوتر


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا عن صلاة التراويح سابقاً وذكرنا أنها تسمى بصلاة التراويح، وتسمى بصلاة القيام، وهي نفسها صلاة الوتر، وإن إذا ذكرنا أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ركعتين ويوتر بواحدة فنقصد هنا بالواحدة الوتر، وهي آخر ما يصليها صلى الله عليه وسلم، أو الثلاث الوتر آخر ما يصليها صلى الله عليه وسلم، والوتر عكس الشفع. فصلاة التروايح وإن كانت إحدى عشرة ركعة أو ثنتي عشرة ركعة إلا أنها تسمى بصلاة الوتر لأنها تختم بالوتر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ثمان ركعات ويختم بثلاث وهي الوتر، وكان الغالب من حاله صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين ركعتين في صلاة القيام، ويوتر بركعة واحدة صلوات الله وسلامه عليه.روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدع الناس العتمة)، وهذا التفسير لأن البعض كان يسمي المغرب العشاء، ويسمي العشاء العتمة، وهؤلاء الأعراب، فكأنها أرادت أن تبين من أجل ألا يخطئ أحد فيظن أن العشاء هي المغرب، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ الناس من صلاة العشاء وهي التي يدع الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة).وقال: ابن عمر رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة، ويسمعناها).يجوز أن تقول: الوِتر والوَتر، ففيها لغتان، فله في صلاة أن يوتر بثلاث وخمس ولا يجلس ولا يسلم إلا في الأخيرة، وهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه


    وسلم: (الوتر حق)، وكأنه يقول: لا تتركها، ولكن لم يقل ذلك على وجه الإلزام فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأله الأعرابي وسأله غيره عن الصلوات المفروضات، فأخبر أنها خمس صلوات في اليوم والليلة.وذهب معاذ إلى اليمن في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إلا بعدما مات النبي صلى الله عليه وسلم، فكان آخر ما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم به أن يقول للناس: إن الواجب والفرض الذي عليكم هو الصلوات الخمس، فليس هناك فرض آخر إلا أن يكون بسبب كصلاة الجنازة مثلاً أو نحو ذلك، وأما صلاة النوافل كلها من رواتب وغير رواتب فهي نافلة، والوتر أيضاً من ضمن السنن، ولكن لا ينبغي أن تترك، وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها حضراً وسفراً، فكان وهو حاضر يصلي سنة الفجر والوتر، وكذلك وهو مسافر أيضاً، مع أن الرواتب الأخرى كان يسقطها ولا يصليها في السفر صلى الله عليه وسلم، لكن صلاة الليل، وسنة الفجر، وصلاة الوتر ما كان يتركها صلى الله عليه وسلم لا في السفر ولا في الحضر.قال صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق على كل مسلم)، لو جاء هذا الحديث فقط لكان الوتر لازماً على كل مسلم، ولكن يمنعنا من القول بالوجوب هنا -وإن كان الأحناف قد قالوا بالوجوب- أنه قد جاءت صوارف لهذا الوجوب كقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع)، فدل على أن غيرها تطوع، وهذا الوتر من التطوع الذي لا يلزم، وإنما يتأكد استحبابه.وأيضاً من الأدلة على عدم الوجوب قضاء الله سبحانه المبرم المحكم في ليلة المعراج، حيث قال: (هن خمس، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، إذاً فليس هناك زيادة على الخمس الصلوات التي فرضها الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم.فقوله هنا: (الوتر حق) مصروف عن الوجوب والإلزام إلى الاستحباب، وفيه تأكيد الاستحباب. ومما يدل على الاستحباب أيضاً قوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)، فدل على الاستحباب لأنه راجع إلى مشيئة العبد.
    عدد الركعات في صلاة الوتر
    يجوز أن يصلي المسلم الوتر ثلاث ركعات متصلات، أو خمس ركعات متصلات، أو ركعة واحدة فقط، فهذا كله جائز. روى النسائي عن ابن عباس عن أم سلمة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع أو خمس لا يفصل بينهن بتسليم).إذاً: كان صلى الله عليه وسلم إذا زاد على ثلاث كأن يصلي خمس أو سبع ركعات كان لا يفصل بينهن بتسليم، فكان يصلي
    النافلة بعد العشاء ثمان ركعات: ركعتين وركعتين وركعتين، ثم يوتر بخمس متصلات يجلس في الرابعة والخامسة، وكذلك إذا صلى سبع ركعات متصلات فإنه يجلس للتشهد في السادسة والسابعة، وإذا صلى تسع ركعات فإنه يجلس في الثامنة والتاسعة، وكان إذا صلى سبعاً متصلات أو تسعاً متصلات فإنه يصلي بعدهن ركعتين، لبيان جواز ذلك.ويجوز إذا أوتر بخمس ركعات متصلات ألا يجلس إلا في الخامسة فقط كما في حديث عائشة رضي الله عنها، ويجوز أن يجلس في الأخيرة وقبل الأخيرة، فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.روى النسائي عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وفي الركعة الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول - يعني: بعد التسليم -: سبحان الملك القدوس ثلاثاً)، فهذه سنة من سننه.وفي حديث آخر: كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، والأمر واسع.وأيضاً روى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب).هذا الحديث يؤخذ منه أن الأفضل ألا يوتر بثلاث ركعات متصلات، وهذا جائز، فقد جاء من فعله صلى الله عليه وسلم، فهنا يقول: لا تجعل الوتر مثل صلاة المغرب، فصلاة المغرب تجلس فيها بعد الركعة الثانية، ثم تقوم للثالثة، ثم تجلس في الثالثة، فهنا يقول: لا تشبه الوتر بصلاة المغرب، أي: لا تصلي ثلاث ركعات، ولكنه صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا.فالمعنى الآخر: أنك لا تجلس في الركعة الوسطى منها، ويجوز أن

    تجلس في الأخيرة والتي قبل الأخيرة في الخمس ركعات والسبع الركعات.وله أن يوتر بسبع وبتسع متصلات لا يجلس إلا في الأخيرتين، فقد جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها أخبرت بذلك، فقالت: (كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة)، وهذه الصلاة كان يصليها وحده صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يصليها بالناس. فإذا كنت إماماً للناس فلا يستحب لك ذلك، بل المستحب أن تصلي ركعتين ركعتين، ولو كان فعل هذا مستحباً بالناس لفعله النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، وإنما فعل هذا وحده، ولذلك أخبرت السيدة عائشة عن ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة طويلة، وأما مع الناس فيصلي تسع ركعات، فلعل الإنسان يحدث في الصلاة فإذا صلى الإمام ركعتين ركعتين يذهب المحدث ليتوضأ، ولو صلى الإمام أكثر فإن المأموم سيتحسر على ما فاته فيها، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) ، إذاً: فالمستحب أن تصلي هذه الصلاة في البيت، فيجلس الإنسان في الثامنة والتاسعة إذا كانت تسع ركعات، وإذا كانت سبع ركعات جلس في السادسة والسابعة، وسلم في الأخيرة.قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: إذا صلى تسع ركعات متصلات وقد تعب من التسع الركعات المتصلات، فإنه يقوم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا صلى سبع ركعات، قالت: (ولم يقرأ القرآن في ليلة قط) تعني: لم يقرأ القرآن كله في ليلة، لكن أقصاه أنه كان يقرأ بالسبع السور الطوال من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، يقرأ هذا كله في قيام الليل، أي: أنه يقرأ بأكثر من ألف آية عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يكن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره في ركعة كما جاء عن بعض أصحابه أنه فعل ذلك، كـعثمان وعبد الله بن عمرو ، فهو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك؛ حتى لا يشق على أمته صلوات الله وسلامه عليه.تقول عائشة رضي الله عنها: (ولم يصم شهراً يتمه غير رمضان)، فالشهر الوحيد الذي صامه تاماً هو رمضان، وهذا يشكل عليه ما جاء عنها هي: (أنه كان يصوم أكثر شعبان أو كان يصومه كله) فلم يكن يداوم كل سنة على صيام شعبان كله، فأحياناً كان يصوم شعبان كله وأحياناً كان يكثر من الصوم في شعبان، (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها)، (كان أحب العمل إليه أدومه وإن قل) صلى الله عليه وسلم، (وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).
    من نام عن صلاة الوتر أن نسيها

    كان صلى الله عليه وسلم إذا غلبته عيناه يعني: إذا تعب بالنهار في الإصلاح بين الناس، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في أمر من الأمور فتعب صلى الله عليه وسلم فجاء آخر الليل ولم يستطع أن يقوم فنام وغلبته عيناه، فهنا كان يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة مكان صلاة الليل وهي إحدى عشرة، فالنهار ليس فيه وتر إلا المغرب، فكان يصلي في وقت الضحى ثنتي عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه.وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الوتر قبل طلوع الصبح وقال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) ، رواه مسلم .وقال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ)، فإذا كان الإنسان متعوداً أن يصلي صلاة الوتر، ثم نسيه في مرة من المرات أو نام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه يستحب له إذا قام من الليل أن يصلي ركعة الوتر، سواء قام قبل الفجر أو بعد أن يؤذن الفجر، ثم يصلي سنة الصبح، ثم صلاة الصبح بعد ذلك.وروى ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل)، هذا ليبينله أن الأمر ليس بالتشهي، وكأن الرجل اعتاد أن يوتر كل يوم، وهذه المرة غلبته عيناه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، وقد صعب عليه هذا الذي وقع فيه فبعدما ألح الرجل في السؤال مرة واثنتين وثلاثاً وأربعاً قال له النبي: (فأوتر).وفي حديث آخر رواه ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)، فهذا الحديث مع الحديث الذي قبله فيهما تضييق في أمر الوتر، فإذا تركته عمداً إلى أن طلع الصبح، فقد انتهى وقته، ولا وتر بعد ذلك، لكن من كانت عادته أن يصلي الوتر فغلبته عيناه يوماً فهذا يأخذ بالحديث الذي فات على شيء من التضييق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن له إلا بعدما ألح الرجل ثلاث مرات أو أربع مرات، إذاً فالأصل هو عدم تضييع الوتر، فإذا أخرت الوتر متعمداً إلى أن طلع الفجر فقد انتهى وقته.
    القراءة في صلاة الوتر

    وقد ذكرنا سابقاً ما هو الذي يقرأه في الوتر، وأيضاً روى الترمذي عن عبد العزيز بن جريج قال: سألنا عائشة : (بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان يقرأ في الأولى بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وفي الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين).وكان أحياناً يوتر بغير ذلك، فروى النسائي عن أبي مجلز : (أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم).وأيضاً يجوز أن يقرأ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64]، في الثانية، ويقرأ في الركعة الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة:136].إذاً: فأمر الوتر واسع فسواء قرأ بآية في الأولى بعد الفاتحة وآية في الثانية بعد الفاتحة، وختم في الأخيرة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أو قرأ بآية واحدة من ذلك، أو قرأ بمائة آية من سورة النساء،

    وأفضل شيء أنه يقرأ بما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقرأ عليه الصلاة والسلام بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1].وجاء أن القراءة بـ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا [آل عمران:64]، وقوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136]، كان يقرأ بها في ركعتي الفجر، وكذلك: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] لأن هذه الآيات بالليل لها فضيلة، فقرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنة الفجر، وقرأ في الوتر بمائة من النساء، وقرأ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وبالمعوذتين.ويس حب لمن فاته قيام الليل أن يصلي بدله من النهار كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل). وملخص ما مضى في الوتر وفي سنة الفجر: أما الوتر فهو إحدى عشرة ركعة، وما جاء أنه صلى ثلاث عشرة فهو محمول على أنها سنة الفجر، أو أنهما ركعتان زائدتان كان يصليهما النبيصلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يصلي أكثر من ثلاث عشرة.والوتر يقرأ فيها بما شاء من القرآن، ولكن أفضل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقرأ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وهذا في الركعة الوحيدة للوتر، وإذا كان في الثلاث الركعات فيقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] في الأولى، والثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، والثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أو قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين يقرأهما. فإذا أطال في ركعة الوتر جاز أن يقرأ من سورة طويلة كأن يقرأ سورة النساء، وجاز أن يقرأ أقل من ذلك بما يتيسر له، لكن هذه سنته صلى الله عليه وسلم.وإذا كان في رغيبة الفجر، وهما الركعتان بعد الوتر، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، في الشفع وأيضاً في الوتر، وفي سنة الفجر كذلك: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران:64]، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة:136] وسنة الفجر تعتبر من صلاة الليل لأنها في الغلس.والقراءة في التراويح يقرأ بما شاء من القرآن، ولكن استحب جماهير العلماء أن يختم القرآن في صلاة التراويح ولو مرة في رمضان.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة الإسلام، بل إن من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن كله فيها كي يسمع المسلمون كلام الله إذا وهذا له نظير في السنة أن المسلم يسمع القرآن كله ولو مرة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذاكره جبريل القرآن كله فيه، وبعض الناس يقول: لماذا تقرأ القرآن كله ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بالمسلمين رمضان كله، ولو صلى بهم لعرف ذلك، فنقول: إن هذا ليس واجباً، لكن يستحب له أن يسمع الناس القرآن كله.يقول ابن تيمية رحمه الله: إن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.يقول: وقد ذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى أن السنة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح يسمع الناس جميع القرآن، قال الحنفية: السنة الختم مرة، فلا يترك الإمام الختم لكسل القوم.فإذا كان هذا الختم يشق على الناس فيقرأ بحسب ما يتيسر ولا يشق على الناس.روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: دعا عمر القراء في رمضان فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين أية، والوسط خمساً وعشرين، والبطيء عشرين آية.وروى مالك في الموطأ عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف.وكأنه زاد الركعات من أجل ألا يشق على الناس بالقراءة الطويلة، فيقرأ سورة البقرة في ثنتي عشرة ركعة فلا يشق عليهم.وروى مالك عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: أمر عمر بن الخطابأبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين.وسور المئين هي السورة التي تتعدى آياتها المئة آية، مثل: سورة الكهف، وسورة هود، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وغيرها.يقول: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. أي: قرب طلوع الفجر.
    حكم الصلاة في وقت الترويح


    إذا صلى الإمام ركعتين وجلس للاستراحة هل يقوم الناس ليصلوا ركعتين؟ الجواب: أن الإمام أحمد كره التطوع بين التراويح، فهذا الوقت وقت راحة من أجل أن تستعد وتنتبه لصلاتك بعد ذلك، فلا معنى أن تصلي بين الركعتين ركعتين أخريين، فإذا انتهى الإمام ورجعت إلى بيتك فصلي ما شئت، فإذا كنت في المسجد فأنت في صلاة سواء كنت تصلي الآن مع الإمام أو كنت جالساً. إذاً: فاجلس بين الركعتين واسترح حتى تهيئ نفسك للقيام بعد ذلك.فقد كره الإمام أحمد التطوع بين التراويح وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله
    عليه وسلم. يعني: ثلاثة من الصحابة منعوا من ذلك، وهم: عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر رضي الله عنهم، فقد منعوا من أن يقوم الإنسان بين التروايح ليصلي ركعتين، فإنما سميت التراويح لأنهم بين الركعات يجلسون ويستريحون حتى يقوموا بعد ذلك.
    استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف

    المستحب في قراءة القرآن في التراويح أن يقرأ القارئ من حفظه، فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه، ولكن مع وجود - أحياناً - الزحمة في المسجد والإمام قد يخطئ فيرد عليه عشرون أو ثلاثون ممن خلفه ويفتحون عليه، فربما لا يفهم مرادهم ولا يستطيع أن يكمل القراءة فبعض القراء يجعل أمامه مصحفاً؛ من أجل أن يراجع بدلاً من أن يفتح عليه شخص من خلفه فيضطرب.وهذا فعله ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها، ولم ينكر عليه أحد في ذلك، فيجوز للإمام أن يفتح المصحف لكن الأفضل ترك ذلك.وأما المأموم فلا معنى أن يفتح المصحف وهو يصلي، فبعض المأمومين يفعلون ذلك ويفتحون المصاحف أثناء الصلاة، فنقول لهم: لا تفعل ذلك، ولكن عود نفسك أن تسمع القرآن وتنتبه له، فالبعض يقول: عندما أسمع القرآن أسهو ويذهب فكري بعيداً، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، فعليك أن تحضر قلبك في الصلاة ولا تنشغل بشيء، لا بمصحف ولا بغيره، فهذا غير مطلوب من المأموم. وأما كون الإمام يخطئ في القراءة فو أمر عادي لا ضير فيه، فليفتح عليه من وراءه من الحفاظ فلنعود أنفسنا أنه إذا صلى الإمام وكان يقرأ من حفظه وأخطأ الإمام فليترك من خلفه هم الذين يردون عليه، والنبي صلى الله عليه
    وسلم يقول: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فيبقى الحفاظ للقرآن خلف الإمام، ويكفي أن يفتح عليه واحد ولا يكثر الفاتحون حتى لا يشوشوا عليه، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي تقرب إلى الله، فيكون فيها خشوع وإخبات.وننبه هنا أن مسألة فتح المصحف والقراءة منه يكون صلاة النافلة فقط، وأما الفريضة فلا يجوز أن تفتح المصحف وتقرأ منه، وليس هناك أحد من العلماء جوز ذلك، إنما جوزوا ذلك في صلاة التراويح أو صلاة الوتر، وهو قول بعض العلماء أخذاً بفعل ذكوان مولى عائشة حين كان يؤم بـعائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها.
    حكم القنوت في الوتر


    يستحب دعاء القنوت بعد الرفع من الركوع في الوتر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت قبل الركوع، والأمر واسع، لكن الأفضل حتى لا يضطرب الناس أن يكون بعد الركوع، فالناس قد تعودوا على ذلك.وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ودعاء القنوت ليس في رمضان فقط، بل في السنة
    كلها، يقول الحسن بن علي رضي الله عنه: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت).فيجوز الدعاء في رمضان وفي غير رمضان بهذا الدعاء وأن تزيد عليه، وإنما هذا والذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي أن يدعو به.وكان في عهد عمر رضي الله عنه يدعون فيلعنون الكفرة في النصف. يعني: كانوا يدعون، فإذا جاء نصف رمضان لعنوا الكفرة ودعوا على الكفرة، فيقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك.فهذا من دعاء الأئمة في عهد عمر ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من ذلك، وليس بنفس النص، ولم يكن في الوتر، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد بعدما حصلت الهزيمة للمسلمين، فوقف يثني على الله ويمدح الله وذكر قريباً من هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه، فيجوز أن تدعو بذلك.فهم كانوا يدعون في النصف، والآن المصائب عندنا كثيرة في بلاد المسلمين، ففي كل بلاد المسلمين مصائب، ففي كل يوم اليهود يعملون مصيبة في فلسطين، إذاً فليس هناك وجه لتخصيص النصف من رمضان بذلك، فيجوز أن تدعو وتلعن الكفار في جميع رمضان وفي غير رمضان، والصحابة لعلهم كان إخوانهم يخرجون للجهاد في هذه الأيام وهم يصلون، فكانوا يفعلون ذلك، وأما الآن فالمسلمون مبتلون في كل مكان، ومستضعفون، ومقتلون في الشرق وفي الغرب، فهنا تدعو للمسلمين أن ينصرهم الله عز وجل، وأن يكون معهم، في رمضان وفي غير رمضان.
    الدعاء بعد الوتر

    تقول بعدما تنتهي من صلاة الوتر وأنت جالس: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، وتدعوا الله عز وجل: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فيجوز أن تقوله وأنت ساجد في الصلاة، ويجوز أن تقوله بعدما تنتهي من صلاة الوتر، لكن الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس) .أسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة


    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - ليلة القدر وفضل قيامها
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (18)


    ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ففيها يقدر الله عز وجل على العباد ما يكون في السنة المقبلة. وتكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ولها علامات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.ويستحب للمسلم في هذه الليلة أن يدعو الله عز وجل ويسأله العفو والعافية.
    حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك
    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.مسألة: ما حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك؟ الجواب: من نذر اعتكافاً ومات قبل أن يوفيه فيستحب لأوليائه أن يعتكفوا عنه, لقول سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: إن أمي ماتت وعليها نذر، وكان نذرها صوماً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اقضه عنها) فيستحب لأولياء المتوفى أن يصوموا عنه ما وجب عليه ولم يفعله من نذر أو من فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى عليه من صيام أو حج مثلاً, فإذا نذر شيئاً من ذلك أو كان فرضاً عليه وكان قادراً عليه ولم يفعل ذلك في حياته فعله عنه أولياؤه وهذا استحباباً وليس فرضاً واجباً.
    فضل ليلة القدر


    ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة, والعبد المؤمن يستحب له أن يتحرى هذه الليلة قدر المستطاع، فهي ليلة واحدة في العام، فإذا أحياها كان له فضل قيام ألف شهر, وكأن الله سبحانه عوض هذه الأمة لقصر أعمارها بعبادات لها أجور كثيرة، وكانت الأمم التي قبلنا أعمارها طويلة, فقد عاش نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ألف سنة, فهذه الأمة فيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) فربنا عوض هذه الأمة بهذه الليلة, فمن أراد عبادة سنين طويلة لم يعشها فقد جعل الله له هذه الليلة العظيمة وحدها بعبادة ثلاث وثمانين سنة, تخيل لو أنك تعيش ثلاث وثمانين سنة هل تقدر أن تعبد الله عز وجل في الثلاث والثمانين سنة؟ هذا بعيد وصعب جداً, فالإنسان لا يقدر أن يعبد ربنا يوماً كاملاً ليل نهار، فكيف بألف شهر؟! والله جعل لك عبادة ثلاث وثمانين سنة أي: أجر ألف شهر كاملة، إذا قمت ليلة واحدة وهي ليلة القدر ولم يقل يوماً وليلة. لذلك على المؤمن أن يتحرى هذه الليلة بالعبادة لينال فيها عبادة ألف شهر خالصة, كما ذكر ربنا سبحانه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3].قال ابن عباس : (العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر بصيام نهارها وقيام ليلها) أي: خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
    سبب تسمية ليلة القدر بليلة القدر
    سميت ليلة القدر بليلة الحكم, لأن الله يحكم فيها بما يشاء, فهي ليلة قدر، قال الله فيها: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:4-6] فالله عز وجل يقدر في هذه الليلة بما في أيدي الملائكة من صحف ما قدره قبل أن يخلق الخلق, فينسخ من اللوح المحفوظ ما يكون من أعمال السنة, فتكتب الملائكة ما قدره الله عز وجل على العباد في خلال هذه السنة في ليلة القدر، قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] قال العلماء: معناه أن الله تعالى يأمر الملائكة فيها أن تكتب في تلك السنة، وما يكون فيها من الأرزاق والآجال وغير ذلك, ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك قد سبق في علم الله سبحانه وتقديره, فسميت ليلة القدر بليلة الأقدار. وليلة القدر هي الليلة العظيمة القدر التي لها شأن عظيم عند الله وعند خلق الله سبحانه وتعالى, قال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:1-2] أي: ما أعظم هذه الليلة، فهي ليلة

    عظيمة لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر:3-4] الملائكة تنزل من السماء, والروح هو جبريل فهو روح القدس، فينزلون جميعاً من السماء إلى الأرض, ويسلمون على المؤمنين كما ذكر في أثر عن ابن عباس أنه قال: (يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة -أو على كل مؤمن- إلا مدمن خمر أو مصراً على معصية أو كاهناً أو مشاحناً) فمن أصابه السلام غفر له ما تقدم من ذنبه. فالملائكة تنزل ونحن لا نراها، لكن نؤمن بما قاله ربنا سبحانه تبارك وتعالى.وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من قام ليلة القدر مؤمناً بأنها الليلة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، -والله ذكر كلاماً صدقاً يعلمنا ويحثنا على العبادة- فهو مؤمن بذلك ومصدق أن هناك ليلة قدر في رمضان, وهي ليلة من ليالي هذا الشهر العظيم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قامها مؤمناً بها، وأنها خير من ألف شهر محتسباً أجرها, أي: طالباً الأجر من الله, لم يقم رياء وسمعة, وإنما قام يطلب من الله أن يؤجره على ذلك, غفر الله له ذنوب السنين الماضية كلها. فرحمة الله عظيمة واسعة, فالصيام يكفر الله عز وجل به الذنوب, كصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين.وصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة, وقيام ليلة القدر يكفر الذنوب من ساعة ما يولد الإنسان حتى هذه الليلة, أي: ما تقدم من الذنوب، فمن قامها راجياً فضل الله سبحانه, تائباً إليه مؤمناً مصدقاً غفر له ما تقدم من ذنبه.
    متى تكون ليلة القدر
    وليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر، وجبريل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف من رمضان في أوله وفي وسطه فجاءه جبريل، وقال: أنت تطلب ليلة القدر وليست في الأول ولا في الوسط, إنما هي في آخر الشهر، فاعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الشهر، فعرف الصحابة أنها في ليلة من ليالي العشر الأخيرة من الشهر.
    علامات ليلة القدر


    هنالك علامات لهذه الليلة، فقد جاء ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم, هذه العلامات لا تعرف قبلها ولكن تعرف بعدها, فمنها: أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة, أي: أنها ليلة سهلة طيبة لا حارة شديدة الحرارة، ولا باردة عظيمة البرودة، ولكنها وسط بين الاثنين, والملائكة في تلك الليلة يكونون في الأرض مع العباد أكثر من عدد الحصى على الأرض, وتطلع الشمس صبيحة هذه الليلة بيضاء ليس لها كثير شعاع, أي: في وقت الشروق، فإنها تشرق قرصاً أبيضاً طالعاً أو قرصاً أحمراً طالعاً لا شعاع لها.ففي صحيح مسلم عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب رضي الله عنه وقيل له: (إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر -كأنه يحث الناس على قيام السنة كلها- فقالوا ذلك لـأبي بن كعب رضي الله عنه, فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان فهو يحلف ولم يستثن، وابن مسعود شدد قليلاً من أنها في العام كله, ثم قال: ووالله إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها). كأنه لم يسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هي ليلة سبع وعشرين) فهو أخذ بما أمرهم به النبي صلى
    الله عليه وسلم من قيام تلك الليلة إلى طلوع الفجر، فكانت ليلة سبع وعشرين, فظن أبي بن كعب أنها الليلة هذه فقط. والراجح في ذلك أنها ليلة متنقلة في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان) ففي ليلة أربع وعشرين أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، والكتب السماوية كصحف إبراهيم نزلت في أول رمضان، وتوراة موسى في ستة من رمضان, وإنجيل عيسى في ثلاثة عشر من رمضان, والقرآن العظيم نزل في أربع وعشرين من رمضان, وقول النبي صلى الله عليه وسلم أنها في ليلة أربع وعشرين، وفي ليلة سبع وعشرين فقط.والراجح في ذلك أنها تتنقل في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان, أما حديث أبي فواضح من كلامه أنه ليس نصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو ما فهمه من النبي صلى الله عليه وسلم لما حثهم على أن يقوموا هذه الليلة فقاموها كلهم، وفي الصبح عرفوا أنها كانت ليلة القدر، فكانت ليلة سبع وعشرين وهذا لا ينافي أن تكون غير هذه الليلة.قال أبي بن كعب رضي الله عنه: هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها: أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها, ولعل البعض من الناس يقوم في صبيحة سبع عشرين ويرى الشمس وهي طالعة وهو ليس متعود أن يرى الشمس قبل ذلك في وقت الشروق، فإذا به يرى الشمس طالعة شعاعها خفيف أو أن لونها أحمر، فيقول: كانت الليلة ليلة القدر, فلا يعرف هذا إلا بمقارنة صبيحة كل ليلة, أي: صبيحة ليلة واحد وعشرين واثنين وعشرين إلى آخر الشهر، فإذا أصبحت والشمس بيضاء وشعاعها أخف ما يكون، فاعلم أن هذه الليلة كانت ليلة القدر, فلعلك ترى الشمس طالعة بيضاء وهي ومحجوبة وراء سحابة خاصة في فصل الشتاء، فتقول: ليلة البارحة هي ليلة القدر، وتترك القيام بعد ذلك. فإذا فعلت ذلك فقد ضيعت على نفسك وفرطت في أمرك, وحتى لو عرفت أن ليلة القدر كانت هذه الليلة التي أنت فيها، هل يكفي أن تقومها وتترك قيام ما بعدها؟ لا، فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) فالمؤمن يتعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فلو أن الله أرانا ليلة القدر فقمنا فيها لكان ينبغي علينا أن نقوم بعد ذلك شاكرين الله على ما وفقنا له, لا أن نسهو ونترك ونغفل ونرجع إلى اللعب مرة أخرى.ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك، حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو في الطيالسي قال: (ليلة القدر ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) وفي رواية لـأبي داود : (تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع)، وفي حديث آخر قال: (إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين) أي: توقعوها ما بين ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان.والملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى, والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن القرآن نزل ليلة أربع وعشرين, وكأنه لما خاف أن الناس يتحروا هذه الليلة فقط, قام النبي صلى الله عليه وسلم الليالي الأخرى وحثهم على الاجتهاد فقد تكون ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين, وقد تكون آخر الشهر.
    ما يستحب في هذه الليلة
    الذي يقوم هذه الليلة يستحب له أن يدعو الله سبحانه كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بأن تقول: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)، ويستحب للإنسان أن يكون هذا الدعاء على لسانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على سؤال الله سبحانه العفو والعافية فقال: (سلوا الله العفو والعافية).
    الأحاديث التي فيها تحري ليلة القدر


    وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر, فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبروه بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ولو كان يعرف أي ليلة هي لأخبرهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه مرة رأى رؤيا منامية فلما أصبح ذهب ليخبرهم بها فنسيها. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاور في رمضان العشر التي في
    وسط الشهر, فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه) ومعنى يجاور: يعتكف، أي: كأنه كان يبقى معتكفاً, من يوم عشرة من الشهر إلى يوم عشرين, وليلة واحد وعشرين يكون في بيته عليه الصلاة والسلام، فكان يعتكف العشر الوسطى من الشهر, قال أبو سعيد الخدري : (وأنه أقام في شهر جاور الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس) أي: في ليلة واحد وعشرين كان يرجع إلى بيته إلا في هذه السنة فإنه اعتكف، فخطب بالناس فقال: (كنت أجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر -أي: العشر الأخيرة من رمضان- فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة) فالعلة في الاعتكاف من أجل ألا تضيع عليه ليلة القدر. وقال لأصحابه: (قد أريت هذه الليلة ثم نسيتها) أي: أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ليلة كذا هي ليلة القدر, فلما أصبح الصبح وهو ذاهب إلى أصحابه يحدثهم بها، فرأى اثنان يتعاركان فرفع عنه علم هذه الليلة في هذه السنة, ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فابتغوها في العشر الأواخر -أي: العشر الأواخر شفعاً ووتراً- وابتغوها في كل وتر -أي: أكثروا من العبادة خاصة في الليالي الوترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين) أي: أنه رأى في المنام أنه ساجد في هذه الليلة في ماء وطين صلى الله عليه وسلم، وكان قد أخبر عن هذه الليلة في هذا العام فلما خرج نسيها عليه الصلاة والسلام لأنه قال في رواية: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) أي: يتعارك كل واحد مع الآخر، فيقول الأول: هذا حقي، ويقول الثاني: هذا حقي, فاختصما أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء معهما الشيطان فنسي النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليلة في ذلك العام, ولكن ذكر في الرؤيا أن هذه الليلة سيقوم فيها من سجوده وعلى جبهته أثر ماء وطين, فاستهلت السماء ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان أي: أمطرت، (فبصرت عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظرت إليه -أي: بعدما انتهى من صلاة الصبح- ووجهه ممتلئ طيناً وماء) يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على أرض المسجد, وكان فيه حصى ولم يكن فيه سجاد ولا موكيت، فحولت السماء أرض المسجد من تراب إلى طين، فسجد النبي صلى


    الله عليه وسلم على الأرض, فانصرف من صلاته وعلى وجهه أثر الماء والطين فعرفوا أن البارحة كانت ليلة القدر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رأى في المنام أنه على جبهته في صبيحتها الماء والطين.وكانت هذه الليلة كما قال رضي الله عنه: (ليلة إحدى وعشرين)، والصواب من قول أهل العلم أنها ليلة متنقلة وليست ثابتة, فهي ليست ليلة سبع وعشرين فقط، بل هي ليلة متنقلة من ليلة إحدى وعشرين إلى آخر الشهر شفعاً ووتراً كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.وقال صلى الله عليه وسلم: (هي في تسع يمضين أو في سبع يبقين -يعني: ليلة القدر-).وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر من رمضان، في تاسعة تبقى, في سابعة تبقى, في خامسة تبقى) هذه الليالي يكون عدها من آخر الشهر إلى أول الشهر, فتاسعة تبقى إذا كان الشهر ثلاثين يوماً وستكون ليلة إحدى وعشرين, وإذا كان تسعة وعشرين يوماً ستكون ليلة عشرين, أو إذا كان الشهر ثلاثين يوماً ستكون ليلة اثنين وعشرين, والتاسعة الباقية منها، فكأنه جعلها بين الشفع والوتر, فمن تحري ليلة إحدى وعشرين، فليتحر معها ليلة اثنين وعشرين, وسابعة تبقى أي: يتحرى ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن تقام جميع الليالي الأخيرة ولا يفرط فيها لكي تدرك هذه الليلة.وقوله صلى الله عليه وسلم في التاسعة تبقى والسابعة والخامسة يكون العد فيها من أول العشر، أي: من واحد وعشرين، فتلتمس ليلة خمسة وعشرين وسبعة وعشرين وتسعة وعشرين, أو ليلة واحد وعشرين وثلاث وعشرين وخمسة وعشرين.وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: (فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) هذه ليلة القدر للمرة الثانية وكانت في سنة أخرى, وفي الحديث الذي مضى كانت في ليلة إحدى وعشرين, وفي هذا الحديث الذي في صحيح مسلم كانت في ليلة ثلاث وعشرين, وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أن نزول القرآن كان ليلة أربع وعشرين.نذكر هذا حتى لا يتحرى المتحري ليلة سبع وعشرين فقط فيضيع على نفسه خيراًً كثيراً، ولكن الحرص يكون على الليالي الأخيرة كلها بالصلاة لله عز وجل, سواء كان ذلك في المسجد أو في البيت.وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة) أي: أنهم كانوا يتذاكرون ليلة القدر بعد أن انتهى رمضان فقال لهم: إنها في الليلة التي طلع القمر فيها مثل شق الجفنة. وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر الأواخر لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس يبقين أو لثلاث أو آخر ليلة) أي: أنها تلتمس في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وليلة ثلاثين؛ فيمكن أن تكون هي ليلة القدر, ولأن المسلم قد يقول: رمضان انتهى فلماذا أقوم؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها قد تكون في آخر ليلة, فالمؤمن يحرص على أن يصلي هذه الليلة من أجل أن يصيبها، وليواظب على قيام العشر الأواخر من رمضان.وجاء عن بعض الصحابة وهو عبد الله بن أنيس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها -له إبل في البادية ولا يستطيع أن يتركها كل يوم ويقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم- فأخبرني عن ليلة آتي أصلي معكم في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم انزل ليلة ثلاث وعشرين) فكانت هذه الليلة في ذلك العام هي ليلة القدر، وواظب الرجل على هذه الليلة في كل عام. وقال غيره من الصحابة: إنه كان يجتهد في العشرين من رمضان، فإذا دخل العشر اجتهد، قال أبو بكرة رضي الله عنه: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في العشر الأواخر, أي: لن يلتمسها في أول رمضان بل في آخر رمضان, قال: فإني سمعته يقول: (التمسوها في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أو آخر ليلة) أي: سيكون حساب الشهر من ليلة واحد وعشرين إلى آخر ليلة، وكان أبو بكرة راوي هذا الحديث يصلي فيالعشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة, أي: أنهم كانوا متعودين على قيام الليل في السنة كلها, فإذا كان في العشر أو دخل العشر اجتهد فيها، وهذا هو ما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، (فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد المئزر) وهذا كناية عن اعتزاله النساء في هذه العشر الأواخر من رمضان.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - صيام التطوع
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (19)



    صيام التطوع من أفضل الطاعات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، ويكون سبباً لتحصيل محبة الله للعبد.وهنا لك أيام يستحب صيامها، فهي تزيد من الطاعات، وتكفر من المعاصي والسيئات، فمن هذه الأيام: الست من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض من كل شهر، ويوم الإثنين ويوم الخميس وثلاثة أيام من كل شهر سواءً في أوله أو في وسطه أو في آخره.
    فضيلة صيام التطوع


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. صوم الفريضة وهو الصوم الذي فرضه الله عز وجل على عباده كصوم رمضان، ويكون الصوم في غير رمضان نافلة إلا ما افترضه الإنسان على نفسه، كأن يكون عليه نذر أو كفارة أو قتل صيداً في الحرم، أو عليه هدي التمتع فإذا لم يجده فعليه أن يصوم وهكذا.وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن رب العزة سبحانه تبارك وتعالى أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه). فهذا الحديث العظيم فيه أن أحب الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل هي الفرائض التي فرضها الله سبحانه، فمن ذلك صلاة الفريضة، فمن تقرب إلى الله بصلاة الفريضة على النحو الذي يحبه الله، فإن صلاته تكون مقبولة عند الله فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على البر والتقوى، وعلى طريق الجنة، ويجعل الله عز وجل في قلبه نوراً بهذه الصلاة، ويجعل صلاته ذخراً له في الدنيا والآخرة، ثم الإكثار من صلاة النوافل فإن ذلك يقرب العبد إلى الله عز وجل، حتى يكون سبباً في حبه الله تعالى.كذلك مما فرض الله عز وجل صيام رمضان على النحو الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، بأن يمتنع الصائم عن الطعام، والشراب، والشهوة، ولا يؤذ أحداً من المسلمين بلسانه ولا بفعله، ولا يغضب ولا يسب إنساناً قد سبه، ولا يشتم، ولا يقع في إثم من الآثام، ليكون صومه صوماً مقبولاً، فلا يزال يتقرب إلى الله بالنوافل في الصوم حتى يحبه سبحانه وتعالى.وصوم التطوع له فضيلة عظيمة، ويكفي أن صيام ثلاثة أيام في كل شهر يذهب وحر الصدر وما فيه من غش وغل وحقد وحسد، فالصوم ينقي القلب ويجعله يحب الله يحب طاعته، ويذهب منه آفات القلوب وآثامها، فعلى المؤمن أن يتحرى ذلك ما استطاع. وصوم النبي صلى الله عليه وسلم للنافلة كثير، فما من يوم من أيام الأسبوع إلا وصامه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، ويصوم السبت والأحد والإثنين، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان يكثر من صوم الجمعة، فكان على مدار عمره يصوم أيام الأسبوع كلها صلوات الله وسلامه عليه.والذي يطيق أن يفعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضه فليأخذ بما لا يشق على نفسه وبما لا يجهد نفسه، وهذا الصوم الذي هو صوم التطوع ليس مطلوباً منا أن نصومه كله، فمن لم يصمه فلا شيء عليه، وأفضل صوم التطوع صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء.
    فضلة صوم الست من شوال


    ومن صيام التطوع صيام ستة أيام من شوال، وكثير من الناس يسمونها أيام البيض وهذا خطأ، فليست أيام البيض إنما اسمها الست من شوال، ويستحسن أن يكون صيامها بعد رمضان مباشرة حتى لا تنسى ولا تضيع، ولكن سواء كانت بعده مباشرة أو بعده بفترة فهي الستة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، أو ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)، أي: كأنه صام العمر، وهذا للمواظب عليها وعلى صيام رمضان، فإن الحسنة أقل ما
    يكون فيها بعشر أمثالها، فصيام رمضان يكون بعشرة شهور، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، وهذا كصيام العام كله، فمن واظب على ذلك كأنه صام الدهر كله أي: عمره كله، وهذه الست من شوال يجوز للمسلم أن يصومها بعد رمضان مباشرة حتى ولو كان عليه صوم من رمضان بأن كان مسافراً أو مريضاً فأفطر أو أفطرت المرأة بسبب حيضها أو نفاسها أو إرضاعها أو حملها ونحو ذلك، فإذا أرادت أنها تصوم الست من شوال ابتداء يجوز ذلك، ولا دليل على المنع، وإن كان بعض أهل العلم يقولون: إنه لا يقع صوم شوال حتى يقع صوم الفريضة، ولكن لا دليل عليه أصلاً، بل الدليل على خلافه، فالسيدة عائشة رضي الله عنها تقول: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، ويستحيل أن السيدة عائشة تعرف فضيلة يوم عاشوراء وفضيلة يوم عرفة وتضيع صيامها، ولا تصوم إلا في شعبان، فهي هنا تقصد بصيامها: الفريضة على ما فسرناه في الحديث السابق.وصيام ستة أيام من شوال يجوز أن تكون متتابعة ويجوز أن تكون متفرقة.
    فضلة صوم يوم عرفة

    ومن التطوع صوم يوم عرفة، فقد روى مسلم عن أبي قتادة: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية)، أي: السنة التي فاتت، وهي التي فيها يوم عرفة. والسنة الباقية التي ستأتي بعد السنة الماضية.إذاً: هي كفارة لذنوب قد وقعت ومغفرة لذنوب قد تقع، والمقصود بها صغائر الذنوب، وفي الصحيحين أيضاً عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها (أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم -هذا في حجة الوداع- فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم قالت: فأرسلت إليه بقدح فيه لبن وهو واقف على بعيره فشربه)، أرادت أن تعرف هل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصوم يوم عرفة سيصومه وهو في حجة الوداع؟ إذاً آخر عام من عمر النبي صلى الله عليه وسلم شهر فيه يوم عرفة ولم يصمه؛ لأنه كان حاجاً صلوات الله وسلامه عليه، فلا يستحب للحاج أن يصومه،
    والعمل الذي يقوم به في هذا اليوم أعظم من أجر صيام يوم عرفة، فإن صيامه يكفر ذنوب سنتين، ويوم عرفة يكفر ذنوب العمر كله، لأن الحج عرفة، فالحاج سيرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ليس عليه ذنوب. فإذا صام الحاج يوم عرفة من أجل تكفير ذنوب سنتين فإنه سيتعب فلعله لا يقدر أن يصلي وأن يدعو، فليس مطلوباً منه صيام هذا اليوم، فهذا اليوم يوم الدعاء بالمغفرة التي هي أعظم بكثير من صيام هذا اليوم، لذلك أفطر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً الحجاج في عرفة لا يستحب لهم الصوم، ولغيرهم يجوز إلا أن يكون هذا الحاج متمتعاً وعليه هدي التمتع وهو غير واجد للهدي أو لثمنه، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فهذه الثلاثة الأيام قد تكون يوم السابع أو الثامن أو التاسع من ذي الحجة، فإذا لم يقدر على ذلك فسيكون الثاني من أيام العيد والثالث والرابع هي الثلاثة الأيام التي في الحج، والسبعة الأيام إذا رجع.
    فضلة صيام يوم عاشوراء

    صيام يوم عاشوراء يستحب صيامه مع صيام يوم تاسوعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عاشوراء في مكة قبل الهجرة، فلما هاجر إلى المدينة صامه، ووجد اليهود يصومونه لأجل أن الله نجى فيه موسى، فقال: (نحن أولى بموسى منكم)، فصوم النبي صلى الله عليه وسلم له في المدينة لم يكن لأول مرة وإنما كان يصومه من قبل، وكانت قريش تصوم هذا اليوم أيضاً، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة صامه أيضاً، وهذا فيه نوع من التأليف لليهود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بموسى منهم)، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بصوم يوم عاشوراء في العام الثاني من الهجرة، ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، وفي هذا العام فرض فيه صيام رمضان، وفي يوم عاشوراء أصبح النبي صلى الله عليه وسلم صائماً، وأمر الناس بصيامه على أنه فريضة، فأمر من لم يكن قد طعم طعاماً أن يصوم، ومن طعم أيضاً أن يمسك، ثم نسخ بعد ذلك بشهر رمضان وثبت إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم.وفي صحيح مسلم : (وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية)، فصوم عاشوراء يكفر سنة كاملة،


    والله عظيم وكريم سبحانه وتعالى، فقد جعل المكفرات كثيرة، ولذلك من غلبت سيئاته حسناته فإنه يستحق دخول النار لأن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها ويعفو سبحانه وتعالى، والله جعل مكفرات للسيئات منها الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة، والحج يكفر ذنوب العمر كله، وجعل الله أياماً تكفر السيئات مثل: صوم يوم عرفة، فإنه يكفر ذنوب سنتين، وصوم يوم عاشوراء، فإنه يكفر ذنوب سنة، وهذا بالإجماع عند العلماء، وهو من فضل الله عز وجل، فإذا كان العبد يستكبر على ربه أن يعبده -وربنا بهذه الرحمة العظيمة الواسعة يكفر عنه ذنوبه- ثم تغلب سيئاته حسناته فإنه يستحق النار، فلا يهلك على الله إلا هالك، فالذي يهلك يوم القيامة ويدخل النار فإنه يستحقها.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، فهذا الكلام في آخر سنة من حياته صلوات الله وسلامه عليه، فإنه شهد حجة الوداع في ذي الحجة ثم بقي محرم وصفر وربيع وهو الشهر الذي مات فيه، أي أنه بقي من عمره أربعة أشهر بعد حجة الوداع، ثم توفي عليه الصلاة والسلام.وصام آخر محرم وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن تاسوعاء)، أي: يصوم تسعة وعشرة من محرم مخالفة لليهود الذين كانوا يصومون يوم عاشوراء، فأراد أن يخالفهم بأنه يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وتاسوعاء فيه فضيلة الصيام، وفضيلة مخالفة اليهود، لكن ليس معنى ذلك أنه يكفر ذنوب السنة، إنما يكفرها يوم عاشوراء كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، فمنها: ما رواه البخاري عن ابن عمر : (كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان قال النبي صلى الله عليه وسلم: من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).إذاً: كان أهل الجاهلية يصومونه والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كان يصومه كما قالت عائشة رضي الله عنه الله عنها كما في الصحيحين: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية -والنبي صلى الله عليه وسلم من قريش- ثم قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه).إذاً: صامه في مكة، فلما هاجر إلى المدينة صامه أيضاً، وفي رواية كما قالت عائشة :(كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة) إذاً كان أهل مكة يصومونه وكان عندهم يوم عيد ويوم عبادة، فكانوا يجملون فيه الكعبة ويسترونها فيضعون الكسوة عليها، فلما فرض الله رمضان كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليترك).أيضاً جاء في الصحيحين عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك -وكأن المسلمين سألوا اليهود: لماذا تصومون يوم عاشوراء؟- فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون)، فهو يوم النجاة لبني إسرائيل مع موسى عليه الصلاة والسلام وهم خارجين من مصر هاربين من فرعون أنجاهم الله عز وجل وأهلك فرعون في يوم عاشوراء. فصامه النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً له، وقال: (نحن أولى بموسى منكم)، ثم أمر بصومه صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب، ثم أمر به على وجه الوجوب في العام الثاني، ثم نسخ الوجوب بقوله: (فمن شاء صامه ومن شاء تركه).ولذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه صام يوم عاشوراء وكذلك المسلمون، ثم أخبر كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لما فرض رمضان: (من شاء صام) ففي هذا أنه كان واجباً في السنة الثانية ثم بعد ذلك رجع الأمر إلى ما كان عليه من الاستحباب في صومه.
    فضلة صيام أيام البيض

    ويستحب صيام أيام البيض، وهي أيام الليالي البيض أو الأيام ذوات الليالي البيض، وهي الأيام التي تكون لياليها بيضاء وهي الليالي القمرية، والليالي القمرية هي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر من كل شهر، فهذه الليالي البيض وأيامها أيام البيض، وهنا حذف تقديره: الأيام ذوات الليالي البيض.فيوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر يستحب صومها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها وأخبر عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر فقال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة
    عشر)، وفضل صوم ثلاثة أيام كصوم سنة كلها، فثلاثة أيام من كل شهر في إحدى عشر شهراً، والثلاثة الأيام بشهر، أي: بأجر صيامه كله، ثم يأتي شهر رمضان فيصير أعظم ما يكون من الأجر والثواب.
    فضل صيام يوم الإثنين والخميس

    ويستحب صوم يوم الإثنين والخميس، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن ذلك فقال: (إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)، أي: تعرضها الملائكة على الله سبحانه وتعالى، وإن كان الله أدرى وأعلم بأعمال العباد وما تكتبه الملائكة قبل أن


    ي
    خلق العباد، ولكن الله سجل على العباد بعد فعلهم حتى تكون شاهداً عليهم يوم القيامة، قال تعالى: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14].والكتاب هو ما كتبته الملائكة على بني آدم. وأيضاً في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين)، أي: في كل أسبوع مرتين، فإن الملائكة تعرض الأعمال وترفع بها إلى الله عز وجل في يوم الإثنين ويوم الخميس (فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء)، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل للمسلم في غضبه ومخاصمته لأخيه المسلم ثلاثة أيام فقط، فلا يزيد عليها، فإن بين الاثنين والخميس ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فلا تطول الخصومة بينهما، ويرتفع في يوم الاثنين والخميس العمل ولا يغفر للمتشاحنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(فيغفر لكل عبد مؤمن -يعني: في يوم الإثنين والخميس- إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا).هذا إذا كان الغضب على الدنيا أو مخاصمة بين إنسان وآخر على الدنيا، فإذا كان هذا يستحق الهجر في الله سبحانه وتعالى فإنه يهجر؛ كأن يكون ظالماً أكل حقك ولا يريد أن يعطيك حقك فيهجر على ذلك، أما إذا كان لأمر من أمور الدنيا فلا يهجر أكثر من ثلاثة أيام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).وأيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، هذا النبي صلى الله عليه وسلم وعمله كله خير صلوات الله وسلامه عليه ويريد أن تعرض أعماله في يوم الإثنين والخميس وهو صائم ويرفع عمله إلى الله سبحانه وتعالى. كذلك جاء عنه في يوم الإثنين قال: (ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت وأنزل علي فيه)، فقد ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين ولم يعمل ضجة بين الصحابة، وكذلك الصحابة لم يعملوا هذه الضجة فاحتفال النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اليوم شكراً لله سبحانه تبارك وتعالى أن جعله عبداً له وجعله رسولاً ومن عليه وأكرمه سبحانه، ورباه وأدبه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8]، فكان يحتفل بصيام اليوم الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه، لكن الناس تناسوا هذا الشيء وإذا بهم يحتفلون بيوم الميلاد ويعملون ضجة ليكسبوا ذنوباً، وليقلدوا الكفار في ذلك، نسأل الله العفو والعافية.وأيضاً يستحب صيام ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر، سواء كان في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر)، وأيضاً (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يصوم الدهر قال: وددت أنه لم يطعم الدهر)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر؛ لأن الدهر فيه خمسة أيام وهي: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى وثلاث أيام التشريق، وهذه الأيام يحرم الصوم فيها، فإذا صام الإنسان الدهر كله فإنه يأثم بذلك، (قالوا: فثلثيه -أي: ثلثي الدهر- فقال: أكثر -أي: هذا كثير قد يضعف العبد فيه نفسه ويتعبها- قالوا: فنصفه؟ قال: أكثر -يعني: إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولكن هذا كثير- ثم قال: ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر)، وهذا من رأفته بالأمة صلى الله عليه وسلم.وأيضاً جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر)، فأوصى أبا هريرة بصوم ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر. وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه -كما رواه الترمذي - (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة، -غرة الشهر أوله- كل شهر ثلاثة أيام)، فصيام الثلاثة الأول من كل شهر حسن، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة، فهذا بعض من صيام النبي صلى الله عليه وسلم.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    14,949

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة


    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - صيام التطوع وما لا يجوز صيامه من الأيام
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (20)



    الصيام فريضة مقدسة شرعت على كل أمة من الأمم السابقة على اختلاف كيفياته، وبجانب ذلك الفرض رغب الشارع في صيام أيام بعينها فتحاً لباب التنافس بين العباد في التقرب إلى الله، كصيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عرفة أو تسع ذي الحجة جميعها وخيرها صيام يوم وإفطار يوم، كما حرم الشارع صيام أيام كالعيدين وأيام التشريق وصوم الدهر، وكره صيام أيام كإفراد يوم الجمعة.
    الأيام التي يستحب صيامها


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا في الحديث السابق أن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يتقرب إليه بالنوافل، بعد أن يتقرب بأحب شيء إليه وهي الفرائض، فإذا تقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله تبارك وتعالى. فالصلاة مثلاً فيها الفريضة وفيها النافلة، وكذلك الصوم فيه الفريضة، وهو صوم رمضان الذي أوجبه الله سبحانه، وفيه صوم النافلة، فما استطعت منه بغير أن تشق على نفسك أو أن تضيق عليها تضييقاً لا يطاق فإذا استطعت أن تصوم يوماً في كل شهر فحسن، أو يومين أو ثلاثة فحسن أيضاً، وإذا صمت ثلاثة أيام من كل شهر فهذا صوم الدهر، ولكن واظب إن استطعت على ذلك، فذلك من أفضل ما تصوم، أي: أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر.وهناك صيام آخر، وهو صوم عرفة وصوم عاشوراء وتاسوعاء، وصيام ست من شوال، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس، ويذكر أن الله عز وجل يرفع فيها الأعمال إليه، فهذا من الصوم
    المستحب. كذلك يستحب الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم، وفيه يوم عاشوراء يكفر الله عز وجل به ذنوب سنة، ودليل استحباب الإكثار من الصوم في محرم ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).وكذا شهر ذي الحجة أي: في أوله عشرة أيام يستحب فيها العمل الصالح، ومن ذلك الصيام.إذاً: فكل شهر من الشهور يستحب ألا يغفل المسلم عن صيام فيه، ولو يوماً واحداً، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما يحث على صوم شهر محرم، كان كذلك يكثر من صوم شعبان، وشعبان بين رجب وهو شهر من الأشهر الحرم -وكانت العرب تعظمه كثيراً- وبين شهر رمضان، والمسلمون يعرفون فضله، بإنزال الله عز وجل فيه القرآن وغير ذلك، فبين هذين الشهرين شهر يغفل عنه الناس وهو شعبان، وهو شهر عجيب، ترفع فيه الأعمال إلى لله عز وجل، كما أن يوم الإثنين والخميس ترفع فيهما الأعمال، فكذلك هذا الشهر كأن أعمال العام ترفع فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصوم فيه.وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهراً أكثر من شعبان) فأحياناً كان يصوم شعبان كله.وعرفنا الحكمة والعلة من تأخير السيدة عائشة قضاء صوم رمضان إلى شبعان؛ وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله، فإذا أرادت أن تصوم الأيام الواجبة عليها، وهي مطمئنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يحتاج إليها في النهار، صامت في هذا الشهر، قالت: وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (خذوا من العمل ما تطيقون)، وإذا ذكرنا صيام النافلة هنا، فليس المعنى أن كل صيام النافلة ينبغي أن تفعله، بل خذ من العمل


    ما تطيقه: (وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فطالما أنك مواظب على شيء من صوم النافلة، كأن تواظب على صيام ستة من شوال في كل عام، أو على صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة أو مقيدة، فكل ذلك حسن، فما استطعت من الصوم من غير أن تشق على نفسك، فافعل اقتداء بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله أو يحث عليه على جهة الندب، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، قوله: فإن الله لا يمل حتى تملوا، أي: أن الإنسان إذا مل من العمل انقطع عنه الثواب، فقد يقول الإنسان: أنا تعبت، ولا ينبغي أن يقول: أنا مللت؛ لأن العبادات لا تورث الملل، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن عجز أو كسل، بالملل، فجعله كأنه مل، مع أن الإنسان لم يحصل له ملل، لأنه يحب العبادة، لكن لم يستطع أن يفعلها لمرض، أو شغل، أو غيره، فلذا يكون معنى قوله: تملوا في الحديث: انقطاع العمل بسبب أو بغير سبب، فيكون معنى الحديث: إذا انقطعت عن العمل، منع عنك الثواب، إذ الجزاء من جنس العمل، وقوله: (الله لا يمل حتى تملوا)، ليس معناها أن يثبت صفة الملل لله عز وجل، حاشاه سبحانه وتعالى، ولكن هذا من المشاكلة اللفظية، فالأسلوب أسلوب نفي، والمعنى: إذا انقطعت عن العمل انقطع عنك الثواب، أو إذا انقطعت عن العمل، فقد حرمت نفسك من الثواب. وقد كانت أحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دوم عليها، وإنما كانت الصلاة المداوم عليها حبيبة إليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنها أحب العمل إلى الله، فقد جاء في حديث آخر: (أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فما واظب عليه العبد أحبه الله، وفي الحديث دليل على أن الإنسان يحب العمل، ولذلك جاء في الحديث: (من أنفق زوجين نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير).وقوله: (أنفق زوجين)، كأنه من باب قول الإنسان: دخلوا مثنى مثنى، وليس المعنى اثنين واثنين فقط، فقوله: (زوجين) أي: كأنك تري من نفسك أنك تحب هذا العمل، أنفقته وكررته، فلما داومت عليه كان ذلك دليل على أنك تحب هذا العمل، حينها تناديك أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، ادخل من هذا الباب من أبواب الجنة، فإذا كنت من أصحاب الصدقة دخلت من باب الصدقة، وإذا كنت من أصحاب الصوم دخلت من باب الريان، وإذا كنت من أصحاب القرآن دخلت بفضل الله عز وجل ورحمته من باب القرآن. وجاء في الحديث: أن عائشة رضي الله عنها قالت: (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها صلى الله عليه وسلم)، وفي حديثها عن صومه صلى الله عليه وسلم ذكرت منه أنه كان يصوم شعبان، وفي رواية: (كان يصوم شعبان إلا قليلاً).
    صوم النبي صلى الله عليه وسلم

    روى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسردها حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة)، وفيه أنه كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم أياماً كثيرة حتى يظن من رآه أنه لا يفطر ويفطر بعد ذلك صلى الله عليه وسلم أياماً كثيرة إلا يومين في الأسبوع، فقد كان يواظب عليهما، وهما يومين الإثنين ويوم الخميس، قال أسامة رضي الله عنه فقلت: (يا رسول الله! إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، وذكر الإثنين والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين)، فكان عليه الصلاة والسلام يصوم الإثنين والخميس؛ لأن الأعمال تعرض على الله سبحانه في هذه الأيام، فيغفر للمؤمنين من عباده إلا المتشاحنين أو المتهاجرين، قال أسامة : (ولم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان -أي: تصوم من شعبان كثير- فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
    صوم عشر ذي الحجة


    يستحب أيضاً صيام أيام العشر، وحقيقة الصيام فيها تسعة أيام وليس عشرة؛ لأن أيام العشر تبدأ من أول يوم في ذي الحجة حتى العاشر منه، ويكون العاشر هو يوم العيد، والصيام في هذه الأيام ليس متأكداً كما هو متأكد في يوم عرفة، فإن شئت صمت يوم عرفة فقط، وإن شئت صمت التسعة الأيام كلها أو بعضها، وهذا كله من العمل الصالح. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام -يريد أيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خاطر أو خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)، أي أن العبادة من صلاة، وصوم، وإنفاق وغيرها، في هذه الأيام أفضل حتى من الجهاد، إلا من وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء، كأن الذي يساوي الأعمال المتعبد بها في هذه الأيام هو المجاهد الذي خرج يجاهد بماله، فأخذ منه ماله وقتل شهيداً، فدل ذلك على أنها أيام عظيمة جداً، وقد اختلف أيهما أفضل هذه الأيام أم العشر الأواخر من رمضان، والصحيح أن ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل الليالي وأن أيام العشر من ذي الحجة أفضل الأيام.روى أبو داود عن هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر أول إثنين من الشهر والخميس) .قولها:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسعة ذي الحجة) أي: التسعة الأيام التي في ذي الحجة، وقد تقصد بقولها: تسعة ذي الحجة يوم عرفة، فهو اليوم التاسع، ولكن ليست العادة أن يوم عرفة يسمى اليوم التاسع، أو يوم تسعة ذي الحجة؛ لأنه يوم مشهور بأنه يوم عرفة، وهو دائماً يذكر بما اشتهر به لا بما يخفى، فالظاهر أن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أرادت أنه كان يصوم الأيام التسعة من شهر ذي الحجة.
    استحباب مخالفة أيام الصيام من شهر إلى شهر

    يستحب أن يصوم المسلم السبت والأحد والإثنين من شهر، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر، فمعلوم أنه ما من يوم من أيام الأسبوع، إلا وقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن يصوم السنة كلها، إنما كان يحب أنه ما من يوم إلا ويأتي يوم القيامة يشهد له، فيأتي يوم السبت ويشهد له أنه صامه، وكذا يوم الأحد، ويوم الإثنين، وكل أيام الأسبوع، ولكنها تشهد له بنظام معين، وبطريقة شرعية، شرعها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يصوم مثلاً من شهر: السبت، والأحد، والإثنين، ويصوم من شهر آخر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وبذلك علم أنه كان يواظب ما استطاع أن يصوم الإثنين والخميس عليه الصلاة والسلام، كما كان صلى الله عليه وسلم قلما أن يفطر يوم الجمعة، وإذ كان يصوم الخميس ثم يتبعه الجمعة؛ وكان يكره أن يصوم يوم الجمعة وحده، وإنما استحب يوم الجمعة منفرداً لمن كان يصوم فوافق يوم الجمعة يوم صيامه.
    أفضل صيام التطوع


    إن أفضل صيام التطوع لمن استطاع هو صوم داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: (أن أفضل الصلاة، صلاة داود)، وهي صلاة التهجد أي: صلاة الليل. ووردت قصة في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه زوجه من امرأة من الفضليات من النساء، وذهب يسأل عن ابنه، فسأل امرأته، فذكرت فيه مدحاً هو في حقيقته ذم، فقالت: (إنه يقوم الليل ويصوم النهار)، ففهم عمرو بن العاص وكان ذكياً رضي الله عنه أنها تقدح ولا تمدح، فذهب إليه وأنبه وعنفه، ثم ذهب يشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي ..؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: صم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حقاً، وإن لنفسك وأهلك عليك حقاً، فقال عبد الله بن عمرو إني أطيق أكثر من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية: فصم صوم داود)، وفي رواية أخرى، قال: (وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن عبد الله بن عمرو يقرأ القرآن كل ليلة، وهذا صعب جداً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك، ومع ذلك فهو لا يحرم؛ لأن عبد الله بن عمرو فعله، ولم يأثمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن وجهه لما هو أرفق به، فقال: (بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، قال: فقلت: يا نبي الله! إني أطيق أكثر من ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فصم صوم داود). والإنسان ليس مخلوقاً للصوم فقط، ولا للصلاة فقط، بل هو مخلوق لإقامة شرع الله عز وجل كله، عاملاً على أداء كل الحقوق، كحقوق الله عز وجل، وحقوق خلقه من أهلٍ وأولاد وغيرهم.وقوله: (إن لزورك عليك حقاً)، أي: لضيفك عليك حقاً، من هنا عُلمَ أن الحقوق ينبغي أن تعطى لأصحابها، إذ لو أنك تصوم على الدوام، وتقوم على الدوام، فإنك لا شك ستتعب، وقد لا تستطيع أن تعمل، فتعجز عن أن تنفق على عيالك، أو من لزمتك نفقتهم، فتكون قد فرطت وقصرت، وهذا هو سر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله حيث وجهه بصيام ثلاثة أيام من الشهر، ولما أبى، وظل يراود النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أفضل الصوم صيام داود، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان لا يفر)، وكأنه يشير إلى أن هناك شيء مطلوب منكم أيضاً، وهو أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل، فإنك حين تكثر من الصيام ستكون ضعيفاً، وإذا قابلت أعداءك لعلك تفر من الزحف، ومعلوم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، كما أنك لو داومت على الصوم فإن نفعه مقتصر على نفسك، لكن الجهاد نفعه متعد إلى الأمة، فكيف تظل هزيلاً ضعيفاً وأنت ستقابل عدوك بالسيف لتقاتله؟ فنبه النبي صلى الله عليه وسلم أن داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولكن كان لا يفر، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.وبذلك علم أن من كان صيام النافلة يضعفه عن واجب من الواجبات، فلا داعي له، ولهذا السبب قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة الذين صاموا وهم مصبحين العدو، في يوم فتح مكة: (أولئك العصاة، أولئك العصاة)، وكأنه يقول لهم:الوقت الآن وقت جهاد في سبيل الله عز وجل، فلو أنك أفطرت الآن، فلك عذرك في الإفطار، وليس عليك قضاء، ولا يلزم أحد من أهلك القضاء، أو الإطعام عنك، فلماذا تشق على نفسك؟ فجاهد في سبيل الله، وقاتل


    أعداء الله، فذلك أولى من الصيام، إذ أن نفع الصوم لنفسك، ولكن نفع الجهاد للمؤمنين جميعهم ولدين الله عز وجل.ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمرو بن العاص: (اقرأ القرآن -في رواية- في أربعين يوماً، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: في شهر، قال: أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشرين، قال: يا نبي الله: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك)، فندبه أن يختم في أسبوع؛ لأن ذلك أفضل ما يكون عليه المرء من قراءة القرآن ثم قال: عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (فشد فشددت، فشدد عليّ)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال له: (إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمر)، يريد: إنك سوف تكبر وتصير شيخاً، فلا تستطيع على الذي تقوله، فيقول عبد الله بن عمرو : فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يتساءل القارئ لماذا لم يقبل عبد الله الرخصة بعدما ضعف؟ والجواب أن الصحابة رضوان الله عليهم يحبون أن يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة غير مبدلين، فكأنه عاهد النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ، فلا يستجيز لنفسه تركه حتى ولو كبر سنه، ولذلك ظل عبد الله بن عمرو يفعل ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله عز وجل.وقد روي عنه أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ذلك يشق عليه جداً وهو شيخ كبير، فكان يجمع أياماً يفطرها، ثم يعوض مكانها أياماً يصومها، فكان يتقوى بهذه على تلك ويقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي صلى الله عليه وسلم.وقد جاء في رواية أخرى أنه قال: إني أطيق أكثر من ذلك، عند مراجعته النبي له على قراءة القرآن -يريد أن يختم القرآن في أقل من سبعة أيام- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)، وليس في هذا دلالة على تحريم قراءة القرآن في أقل من ثلاث، ولكن أخبر أن العادة: أن الإنسان الذي يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، لن يفهم ما يقرأ، وإن كان له ثواب القراءة. وبذلك علم أن ثمة فرق بين من يقرأ ويفقه ما يقرؤه، وبين من يقرأ قراءة سريعة لا يفقه فيها ما يقرؤه، وإن كان هذا يثاب وهذا يثاب. فعلى ذلك تكون قراءة القرآن في سبعة أيام أفضل من قراءته في ثلاثة أيام، وإذا كان يطيق في ثلاثة أيام فذلك خير، ولكن لا يقل عن ذلك، فلو فعل فهو مثاب؛ لأنه إن ينشغل بقراءة القرآن، أفضل من أن ينشغل باللهو وغير ذلك، ولكن القراءة بتركيز وفهم، أفضل من القراءة السريعة التي لا فهم معها، وفي كل خير.
    الأيام التي حرم الشارع صومها


    يحرم صوم يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى)، وفي رواية: (نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى وقال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله).ولذلك لا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم الأضحى، ولا أيام التشريق، فهذه خمسة أيام في السنة يحرم صومها، أما بقية الأيام، فإنه إذا جاء فيها نهي فهو محمول على الكراهة، فالنهي عن صوم الدهر معناه حرمة الصيام في هذه الأيام، فإذا لم يصم هذه الأيام يبقى جاز له أن يصوم غيرها، وإن كان أفضل الصوم صيام يوم وإفطار يوم.أما المتمتع وهو الحاج الذي يعتمر في أشهر الحج، ثم ينتهي من عمرته ويتحلل، ثم يبدأ في أعمال الحج بعد ذلك في أيام المناسك، فإنه يلزمه هدي، فإذا لم يجد الهدي كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، والأفضل أن يصومها إذا بدأ إحرامه، ولو أنه قدم الإحرام شيئاً خرج من خلاف أهل العلم في ذلك، فيصوم يوم السابع والثامن والتاسع، وهذه ثلاثة أيام في الحج وهو متلبس بالمناسك، فإذا لم يقدر على ذلك جاز له أن يصوم في أيام التشريق،
    وكانت هذه بمثابة رخصة، وإن كان الأصل أن أيام التشريق يحرم صومها إلا في هذه الحالة فقط، يدل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيح، وحديث عائشة أيضاً: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي).
    النهي عن صوم الدهر

    نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر، وقال: (لا صام من صام الأبد)، وقال: (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا)، صيام الدهر معناه: أن يصوم طوال العمر، وهو حين يفعل ذلك لا شك أنه سيدخل فيها أياماً حرم الله صومها.فإذا كان الله قد أمرك أن تفرح في يوم العيد، ثم صمته، فإنك تعصي الله سبحانه؛ لأنك تخترع وتدعي أن العبادة التي تعملها أفضل مما أمر الله عز وجل بها، فاستحق من يفعل ذلك العقوبة، ولذا ينبغي على الإنسان أن يحافظ على نفسه في الدنيا وفي الآخرة، ويتعبد الله بما شرع ولا يخترع ولا يبتدع، ولا يفعل شيئاً نهي عنه.أما إذا لم يصم أيام الأعياد فجاز له أن يصوم السنة، وإن كان أفضل الصوم أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.وفي الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام).فالإنسان المؤمن يحرص على أن يكون له صوم نافلة في العام، ولو كان حتى صيام الست من شوال، أو زاد معها يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا كان له في كل شهر يوم أو يومان أو ثلاثة يصومها كان شيئاً حسناً، وكان مواظباً على الصوم، واستحق فضل الله عز وجل.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •