شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 31 من 31

الموضوع: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - ما جاء في صيام النذر والصيام الممنوع
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (21)


    إن الدنيا بكل ما فيها من نعم لا تساوي شيئاً أمام الجنة التي أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.إن من الصيام ما لم يوجبه الله، لكن الإنسان قد يوجبه على نفسه بنذر أو نحوه، فيجب عليه أن يفي به، وإذا لم يطقه أو كان في معصية فليكفر كفارة يمين، وإذا كانت المرأة مع زوجها فلا تصم تطوعاً إلا بإذنه، وإن الله لما شرع هذه العبادة العظيمة وهي الصيام، جعل لها ضوابط، فمنه كإفراد الجمعة بالصيام، وجعل فيها محرمات كصيام يوم الشك، ليتعبد العبد لله بفعل الحلال واجتناب الحرام.
    من فضائل الصيام
    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا أن في صيام النافلة ثواب عظيم جداً, وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى والناس نيام)، هذا الحديث الصحيح العظيم عن النبي صلى الله عليه وسلم يجعلنا نتذكر ونعتبر أن الإنسان مخلوق في هذه الدنيا لهدف عظيم وهو عبادة الله عز وجل، ولغاية عظيمة وهي أن يصل إلى جنة الله عز وجل, والحديث المذكور فيه تبشير للمؤمنين وتذكير لهم, ويجعل الإنسان كأنه بعقله وقلبه في جنة الله سبحانه تبارك وتعالى, يريد أن يصل إليها بأي عمل من الأعمال يرضي به ربه سبحانه, ويغتنم الأيام والليالي العظيمة التي في شهر رمضان وغيرها من الليالي والأيام التي يستحب فيها الإكثار من الخير.
    عظمة بناء الجنة وغرفها


    قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفة -وفي حديث آخر-: غرفاً) أي: ليست غرفة واحدة، فكلمة (غرفاً) اسم جنس، وهذه الغرف أعدها الله عز وجل للمؤمنين، ومعنى الغرفة: المنزلة العالية في الجنة, وهذه المنزلة العالية فيها القصور, وفيها البساتين, وفيها مالا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, وأعد الله عز وجل للمؤمن هذا النوع من أنواع الثواب: وهو الغرف العالية التي يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها, ولعلك وأنت تبني بيتاً تتمنى أن يكون هذا البيت بيتاً عظيماً، وتتمنى وأنت خارج هذا البيت أن ترى ما بداخله أنت وحدك فقط, فالجنة قصورها لبنة من ذهب ولبنة من فضة, وإذا نظرنا إلى الذهب والفضة في الدنيا فإنه شيء ثقيل كثيف يحجب ما وراءه, لكن في الجنة يكون البيت من لؤلؤة, بل يكون من ذهب أو فضة, ويجعل الله العبد المؤمن يرى ما بداخله وهو في خارجه, فيستمتع وهو في الخارج بالثمار والبساتين وبما يشاء، وإذا أراد أن ينظر إلى زوجته من الحور العين بداخل القصر ينظر إليها ويراها, وهذا نعيم مقيم عظيم وهو لمن كان من المؤمنين من الرجال أو من النساء الذين يفعلون ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم, حيث قال: (أعدها الله لمن أطعم الطعام)، أي: لمن يطعم الفقراء والمساكين، ويهدي لأصدقائه وأحبائه، ويصل أرحامه، ويطعم الصائمين فيفطرهم ويفعل الخير, وقوله: (وألان الكلام)، أي: وكان كلامه ليناً طيباً لا تنفير فيه, بل كلامه يحبب الخلق فيه, تراه منشغلاً بطاعة الله سبحانه وتعالى, وبذكر الله سبحانه وتعالى, فهو يكثر من الصيام, ويكثر من الصلاة. وقوله: (وتابع الصيام) بمعنى: صام نوافل كثيرة, وقوله: (وصلى والناس نيام)، أي: قام لله عز وجل مصلياً, وفي شهر رمضان قد تصلي مع الناس وترجع إلى بيتك, فانتهز الليل وصل فيه ركعات ولو خفيفات تصليها وحدك وأنت في جوف الليل لا يراك أحد, حتى تحصل على هذا الثواب وهذا الأجر, ولا تقل: أنا لست حافظاً للقرآن, بل اقرأ ولو بـ(قل هو الله أحد), فهذه سورة عظيمة وهي ثلث القرآن, فاقرأها مع الفاتحة, فهي سبع آيات، وهي المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أعظم سورة في كتاب الله عز وجل, أو اقرأ الفاتحة مع (قل يا أيها الكافرون), أو افتح المصحف واقرأ فيه إن شئت وأنت في صلاة الليل, فإذا فعلت ذلك فقد قمت بالليل والناس نيام، وحصلت على مثل هذا الأجر العظيم.فصلاة الليل صلاة عظيمة سواء صليت في أول الليل, أو في آخره, مع الناس أو والإنسان وحده، فهذا كله خير وحسن.
    تعظيم أماكن العبادة


    احرص على أن تستعين بالله على الطاعة وأن تعين غيرك, وإذا وقفت في الصلاة فلا تضايق الناس ولا تزاحمهم, ولا تجعل الناس يقفون في الصف وهم متضايقون منشغلون لا يستطيعون الصلاة، صل صلاة طيبة واجعل غيرك كذلك, ولا تأت بأولادك إلى بيت الله إلا إذا كانوا يفهمون الصلاة كأن يكونوا في سن ست أو سبع سنوات، ويعرفون كيف يصلون، وأدبهم بآداب الصلاة، وعلمهم أن إذا وقفوا أن يصلوا مع الناس, وإذا تعبوا قعدوا, ولا تحضر بهم من أجل أن يلعبوا, وعلى النساء إذا جئن للصلاة فليصلين، وإذا لم يأتين للصلاة فلا يأتين المسجد, فإن المسجد والمصلى لم يعد للكلام الذي لا فائدة منه، بل أعد لذكر الله, فاقعدي لذكر الله أو لقراءة القرآن، واقرئي مثلاً (قل هو الله أحد) عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة, أو قولي سبحان الله وبحمده مائة مرة تغفر لك ذنوبك ولو كانت مثل زبد البحر, وقولي سبحان الله وبحمده تغرس لك نخلة في الجنة, فإنما هي ساعة ونصف أو ساعتين تقعد بها في بيت الله عز وجل من أجل أن تأخذي أجراً لا أن ترجعي بوزر وآثام, فاتقي الله سبحانه وتعالى في نفسك وفي أولادك وفي أخواتك، واحذري من غضب الله سبحانه تبارك وتعالى.وقد جاء في الحديث أن هناك منزلة عظيمة في الجنة لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام, وستأتي فيما بعد إن شاء الله الأحاديث التي تتحدث عن صلاة التراويح وصلاة التهجد.
    صيام النذر

    أنواع النذر


    إن من أنواع الصيام المفروض ما يكون الإنسان هو الذي فرضه على نفسه بنذر أو نحوه, وصوم النذر: هو أن المسلم أو المسلمة قد ينذران لله سواء كان النذر لشيء يحدث، أو بدون تعليقه على شيء، وهو ما يسمى بنذر التبرر, وهو جائز، كأن يقول المرء: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، هذا هو النوع الأول من أنواع النذر.وهناك نذر آخر يكون على وجه كأن فيه معاوضة، فيقول الإنسان: يا رب لو شفيت لي مريضي صمت لك ثلاثة أيام, وهذا النذر من النذر المكروه الذي يستخرج به من البخيل, لكن على كل لو أن الإنسان نذر لزمه أن يصوم النذر الذي نذره, وإذا نذرت المرأة صوماً فإما أن تكون قد نذرت بإذن زوجها وإما أن تكون قد نذرت بغير إذن زوجها, فإذا نذرت بإذن زوجها فيلزمها الوفاء في الوقت الذي نذرت فيه, وإذا كان النذر بغير إذن زوجها فيلزمها الوفاء أيضاً، وتستأذنه في الوقت، فإذا أبى في هذا اليوم تأخرت إلى يوم آخر تؤدي فيه هذا النذر الذي نذرته.
    نذر ما لا يطيق


    إن نذر صوم الدهر شيء مكروه، ففيه مشقة على المسلم، فلو أن إنساناً نذر صوم الدهر, واستحال عليه هذا الشيء لمرضه وضعفه، فهو هنا قد نذر ما لا يطيق، فليكفر كفارة يمين, وإذا أطاقه فيلزمه ذلك, وله أن يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصوم, فهو أفضل من صوم الدهر كله. ولو أن المرأة نذرت هذا الشيء، فللزوج أن يمنعها؛ لأنه لم يتزوجها من أجل أن تصوم كل يوم, فإذا منعها فلا شيء عليها, فلو أن الزوج توفي لزمها الوفاء بهذا النذر, ولو كان الزوج حياً لكنه غير موجود بسبب سفر فيلزمها نذرها, وإذا طلقها الزوج رجع النذر مرة ثانية عليها, لكن إذا كان الإنسان لا يطيق النذر الذي نذره ولا يقدر عليه؛ لأنه مصاب بمرض في الكلى، أو مصاب بمرض السكر بحيث لا يقدر معه على الصوم, أو مريض بمرض في الكبد لا يقدر معه على الصوم، والأطباء منعوه من الصوم، فيلزمه كفارة يمين.وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (من نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليف به).وهذا الصيام الذي تكلمنا عنه هو صيام النذر الواجب الذي يلزم الوفاء به، ولابد فيه من إذن الزوج قبل النذر, فلو نذرت وأذن لها الزوج أن تصوم لزمها الوفاء, ولو أنها نذرت نذراً طويلاً كنذر صوم الدهر فللزوج أن يمنعها من الوفاء به.
    صيام التطوع للمرأة

    صوم التطوع لابد فيه من إذن الزوج, وله أن يأمر زجته بالإفطار، ولها أجر نيتها, فلو أذن لها الزوج فقال: صومي تطوعاً، ثم بعد ذلك قال لها: إني أريدك اليوم فأفطري فأفطرت فلها أجر نيتها، وإن كان الأفضل ألا يفعل ذلك. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه -وزوجها شاهد: أي: حاضر موجود- ولا تأذن في بيته إلا بإذنه, وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره)، أي: أن المرأة إذا أرادت أن تنفق من مال زوجها فلابد من إذنه ولو إذناً عاماً, والإذن العام مثل أن يقول: لو فاض عندك أكل فتصدقي به, فإذا أنفقت وتصدقت فهي تؤجر وزوجها أيضاً يؤجر, مع أن الزوج قد لا يذكر هذا الذي قاله، ولكن الله يأجره على ما نواه قبل ذلك.
    المتطوع إذا بدا له أن يفطر

    ومن دخل في صوم تطوع من رجل أو امرأة فيستحب له إتمامه، ويجوز له أن يأكل في هذا اليوم كما قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم (أصبح صائماً ثم قدمت له عائشة حيساً وقالت: هذا أهدي إلينا -والحيس: التمر المختلط بالسمن- فأكل النبي صلى الله عليه وسلم)، فيجوز للإنسان إذا كان صائماً صوم تطوع كصوم الإثنين والخميس, أو أي يوم من الأيام المستحبة، ثم بدا له أن يفطره أو كان مدعواً للذهاب عند إنسان ضيفاً فيجوز أن يفطر وله الأجر في ذلك, لأنه أكرم أخاه وأكل معه، وأجر على الصيام، ولكن يستحب ابتداء أن يقول : إني صائم, فإن رضي فليكمل صومه, وإذا كان قد تكلف من أجل حضور الضيف فليجبه إلى الطعام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي تكلف له الناس وقال إني صائم: (تكلف لك أخوك وتقول إني صائم)، فإذا تكلف لك فالأفضل أن تأكل عنده حتى لا يحزن، وهذا في صوم التطوع.
    أثر النية الصالحة على الأعمال المباحة


    وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي جحيفة يقول: (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء). كان أبو الدرداء رضي الله عنه فقيهاً، ولكن سلمان كان أفقه منه, وإن سلمان نزل ضيفاً عند أبي الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة أي: في ثياب مهنتها وغير متزينة لزوجها، وكان هذا قبل أن يؤمر بالحجاب, فقال لها: ما شأنك, فقالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجة في الدنيا, ولما جاء أبو الدرداء وصنع لـسلمان طعاماً، فقال له سلمان:كل, فقال: إني صائم, فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل, فلما أصر سلمان وهو ضيف إذا بـأبي الدرداء يفطر ويأكل مع سلمان , ثم جاء الليل فذهب أبو الدرداء من أول الليل يصلي، وكان من عباد الصحابة رضي الله عنه، فقال له سلمان: نم ليس هذا وقته, ثم ذهب ليصلي, فقال: نم ليس الآن, فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن فصل -وكان سلمان يقصد بهذا الشيء أن يقول له: إذا كنت صمت اليوم كله وقمت من أول الليل إلى آخره فمتى ستتفرغ لزوجتك؟ ثم قال: إن لربك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, فأعط كل ذي حق حقه، فأنت مخلوق لعبادة الله, وعبادة الله تكون بالصلاة وبالصوم, وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبإعطاء الحقوق لأصحابها, ومن ضمن الحقوق حقك أنت، فجسدك له عليك حق, وزوارك لهم عليك حق, وزوجتك وعيالك لهم عليك حق, فأعط كل ذي حق حقه, وكأن هذا الأمر ضاق منه أبو الدرداء فذهب يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (صدق سلمان , صدق سلمان)، أي: إن الذي قاله سلمان هو الصحيح, فالإنسان إذا أراد أن يتعبد فلا ينسى أن حياته كلها عبادة, كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، فحياتك كلها لله, فأنت وأنت في بيتك تعبد الله, وفي مسجدك تعبد الله, وفي عملك تعبد الله, وفي الشارع وفي الطريق تعبد الله, فالحياة كلها تصبح عبادةً لله سبحانه بنية الإنسان, فإذا كنت تمشي في الطريق وغيرك يمشي فيها كذلك، وأنت ناوٍ أنك كلما قابلت إنساناً مسلماً, ألقيت عليه السلام, تعرفه أو لا تعرفه, فهذه عبادة لله سبحانه وتؤجر على ذلك, أو في نيتك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتغض بصرك فهذه أيضاً عبادة لله سبحانه وتعالى, وأنت تمشي في الطريق وتراجع ما تحفظه من القرءان أو تسبح الله وتحمده سبحانه وتعالى لتأنس بالله سبحانه تبارك وتعالى فهذه عبادة لله, وإذا ذهبت إلى عملك لتقضي بين الناس وتنظر في مصالح الناس وتعينهم وتتقن عملك فهذه عبادة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) وإذا رجعت إلى بيتك تحمل الخضروات والخبز وأنت ناوٍ أن تطعم أهلك بها فتلك عبادة، (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك لك فيها أجر) وأنت تضحك مع أهلك ومع عيالك وتدخل السرور على قلوبهم, وتتبسم في وجه أخيك المسلم عبادة لله أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة). كذلك وأنت تأتي أهلك فأنت في عبادة, (قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إن جعلها في حلال كان له أجر) فأنت في الليل أو في النهار لك أجر من الله سبحانه لأنك تعبد الله, تنام حين تنام وأنت على وضوء، وتنام على جنبك الأيمن تذكر الله سبحانه والملك بجوارك، فإذا فزعت من النوم ذكرت الله سبحانه تبارك وتعالى ودعوت الله وأمن الملك على ما تدعو، فأنت في عبادة لله في الليل والنهار، وأنت قائم أو نائم أو في الطريق أو في عملك, حياتك كلها عبادة بفضل الله وبرحمته وبالنية الحسنة منك, لذلك اعبد ربك في كل مكان كما أمرك, وأعط الحقوق لأصحابها فهي عبادة تتعبد بها لله سبحانه وتعالى.
    الصيام الممنوع

    صيام يوم الشك


    إن من الصيام الممنوع: صيام يوم الشك, فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، فيحرم صيامه, فقد روى أبو داود عن عمار رضي الله عنه قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين, إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه).ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان, لأنه يُشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان, فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، والعلة في ذلك: أن رمضان لابد أن يتميز فقبله لا يوجد صيام وبعده يوم العيد لا يوجد صيام, فيوم العيد حاجز بينه وبين ما بعده، ويوم الشك حاجز بينه وبين ما قبله, ولكن من كانت له عادة في صيام يوم الإثنين والخميس، أو يوم السبت والأحد والإثنين, أو الثلاثاء والأربعاء والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً فجاء يوم الشك في هذا اليوم فله أن يصوم هذا اليوم, أو كان عليه يوم من رمضان السابق ونسيه فلم يذكره إلا هذا اليوم فله أن يصومه, أما من غير سبب فليس له أن يصوم هذا اليوم.
    صوم يوم الجمعة


    ويكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة, أما يوم الشك فيحرم إلا أن تكون هناك عادة للإنسان في صيامه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده)، فيكره صوم يوم الجمعة وحده، لكن لو أنك تصوم يوماً وتفطر يوماً فوافق يوم صومك يوم الجمعة فيجوز أن تصومه, وكذلك لو أنك تصوم الخميس مع الجمعة أو الجمعة مع السبت فيجوز لك ذلك, وجاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي, ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، فيوم الجمعة لا يخصص بصيام, وإن شئت صومه فصم معه يوماً قبله أو يوماً بعده, ولا مانع من ذلك, وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة فوجدها صائمة فقال: أصمت أمس، قالت: لا، فقال: تريدين أن تصومي غداً, فقالت: لا, فقال: فأفطري)، فأمرها أن تفطر؛ لأنها لم تصم يوم الخميس ولن تصوم يوم السبت, وجاز صيام يوم الجمعة بسبب من الأسباب كأن يكون قضاء، أو نذراً.وأما الحكمة في كراهية صيام يوم الجمعة فهي أن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وفيه أعمال قد يشغلك الصوم عنها إذا لم تكن معتاداً على الصوم, فيوم الجمعة تريد أن تذهب للمسجد مبكراً، ولعلك إن كنت صائماً ترغب أن تنام قليلاً فيضيع عليك التبكير إلى المسجد, والتبكير إلى المسجد فيه أجر عظيم جداً, وحضور صلاة الجمعة, وسماع الخطبة من الإمام تؤجر عليها، فيغفر لك ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة عشرة أيام, وفي ذهابك إلى صلاة الجمعة سواء كان المسجد قريباً أو بعيداً أجر عظيم كما في الحديث عن يوم الجمعة: (من بكر وابتكر, وغسل واغتسل, ومشي فلم يركب, وصلى ما كتب الله له إلا كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)، وهذا أجر عظيم جداً, فإذا خطوت ألف خطوة كتب لك أجر ألف سنة. وبعد أن تصلي صلاة الجمعة وترجع إلى بيتك وتقرأ سورة الكهف سواء قبلها أو بعدها، وتكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ويومها, ثم تأتي الساعة التي بعد صلاة العصر قبل المغرب وهي آخر ساعة من الجمعة, فهي ساعة إجابة للدعاء. إذاً: فيوم الجمعة فيه انشغال بطاعات أخرى فلعلك إن انشغلت بالصوم أن تضيع الكثير من هذه الطاعات, ولذلك كره النبي صلى الله عليه وسلم أن تصوم يوم الجمعة وحده, فإن شئت فصم يوماً قبله معه أو يوماً بعده معه, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ويكثر من صوم يوم الجمعة، وقلما يفطر فيها؛ لأنه كان يكثر من صوم يوم الخميس، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر, وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الحث على قراءة القرآن وتعاهده
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (22)


    لقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على تعاهد القرآن وحفظه وتدبره، فقام الصحابة الكرام بذلك خير قيام، فقد كانوا قرآناً يمشي على الأرض؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يحفظوها ويتدبروها ويعملوا بها، ومن اهتمامهم بالقرآن أن قام أبو بكر الصديق بمشورة عمر رضي الله عنهما بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، ثم جمعه بعد ذلك عثمان رضي الله عنه.
    نماذج من تعاهد الصحابة للقرآن وحفظهم له


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل)، رضي الله عنهما.وفي الصحيحين أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: (جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار، أبي ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد ، وزيد بن ثابت ، قال الراوي: قلت لـأنس : من أبو زيد ؟ قال: أحد عمومتي).هذه أحاديث من ضمن أحاديث كثيرة جاءت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يحفظون القرآن في عهده صلى الله عليه وسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستقراء القرآن من هؤلاء، قال: (استقرئوا القرآن من أربعة)، من هؤلاء الذين كانوا يحفظون القرآن حفظاً متقناً: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وسالم مولى أبي حذيفة ، وكان سالم ذا صوت حسن غاية في الجمال رضي الله تعالى عنه، سمعته السيدة عائشة مرة وهو يقرأ ودخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني سمعت رجلاً من أصحابك يقرأ القرآن فذكرت من قراءته، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم واستمع إليه ثم رجع وهو يذكر من جمال صوته، وأن قراءته قراءة حسنه، وكان هذا الرجل سالم مولى أبي حذيفة ، وكان يتقن حفظ القرآن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستقراء القرآن منه ومن عبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم.فهؤلاء كانوا يحفظون القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم كانوا يحفظون القرآن، ففي حديث أنس بن مالك قال: (جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار)، فهذه معرفة أنس رضي الله عنه، وهؤلاء الأربعة من الأنصار هم: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد واحد من أعمام أنس بن مالك، وزيد بن ثابت ، فهؤلاء أيضاً حفظوا القرآن كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والصحابة كلهم حافظوا على القرآن، فهذا يحفظ مجموعة من السور، وهذا يحفظ مجموعة أخرى من السور، وهذا يحفظ آيات، وهذا يحفظ، وهذا يكتب، فكان كل منهم يأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم فيحفظ، ومنهم من كتب في صحيفة عنده حتى يحفظه، ولذلك لما طُلِبَ من زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يجمع القرآن، جمع القرآن من صدور الرجال وهو يحفظه، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنا في الحديث أربعة يحفظون القرآن، وهم: ابن مسعود وسالم وأبي ومعاذ ، وأخبر أنس بن مالك أن ممن جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكانت له فضيلة أنه كان يكتب الوحي رضي الله تعالى عنه.
    عمل الصحابة بالقرآن وتناصحهم فيما بينهم على ذلك


    هؤلاء الذين حفظوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعوه في صدورهم، وكتبوا القرآن في ألواح وفي صحائف عندهم، كانوا يأخذون هذا القرآن ويقومون به بالليل ويقرءونه بالنهار، ويعملون به رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.فانظر مثلاً من هؤلاء معاذ بن جبل ، ومنهم أبو موسى الأشعري فقد كان ممن يحفظ القرآن، ففي الصحيحين عن أبي بردة قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن) أرسلهما باعتبارهما يحفظان القرآن ليعلما أهل اليمن، وكان حفظ الصحابة للقرآن غير حفظنا نحن، نحن نهتم بحفظ القرآن وبعد أن نتم حفظ القرآن ثم نتعلم المعاني التي فيه والفقه، أما الصحابة فكان حفظهم عجيباً جداً، كانوا يأخذون عشر آيات، ويتقنون هذه العشر الآيات حفظاً وتلاوة وعلماً وعملاً وفهماً، فحافظ القرآن منهم له شأن عظيم جداً؛ لأنه يحفظ القرآن بما فيه من معان، وبما فيه من فقه، وبما فيه من أحكام، ويعمل بهذا الذي حفظ، ولذلك كانت لهم منزلة وقدر عظيم.فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بهؤلاء القراء الذين يحفظون القرآن ليعلموا الناس، فأرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن حتى يعلما أهل اليمن، كل منهما كان على مخلاف، كأن تقول: هذه محافظة وهذه محافظة ثانية، أو هذه بلدة وهذه بلدة ثانية، فـمعاذ على مخلاف وأبو موسى الأشعري على مخلاف آخر، فقال معاذ : يا عبد الله بن قيس !


    كيف تقرأ القرآن؟ أبو موسى من قراء القرآن ومن أجمل الناس قراءة للقرآن، فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود).فقد كان صوته غاية في الجمال رضي الله عنه، وكان عمر بن الخطاب عندما يحب أن يسمع القرآن يقول: يا أبا موسى! ذكرنا، فيجلس أبو موسى ويذكرهم ويقرأ القرآن، فيبكي عمر ويبكي الحضور من قراءته ومن جمال قراءته ومن إتقانه وجمال صوته ونغمته رضي الله تعالى عنه، وهذا واحد ممن سمع أبا موسى يقول: فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا شيئاً أجمل من صوته، أي: كأنك تسمع صوت العود والآلات الموسيقية، وهم كانوا يصنعون منها ويعرفونها في الجاهلية، فلما جاء الإسلام منعهم من ذلك، فهذا يقول: ما سمعت صوتاً أجمل من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، لكن نقول: كان أجمل منه صوتاً وأخشع منه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أجمل الناس صوتاً وتلاوة، وهو الذي نزل عليه القرآن، وقال في الحديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه للنبي صلوات الله وسلامه عليه.يقول رجل: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو يقرأ سورة الطور، فما سمعت شيئاً أجمل من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ولا أخشع، حتى إني لأضطرب من الخوف) أي: حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ بسورة الطور.وهذا الرجل كان كافراً في ذلك الوقت، وبعد أن سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم خشع قلبه وأسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنه.الغرض: أن أبا موسى الأشعري التقى مع معاذ، فسألهمعاذ كيف تقرأ القرآن؟ كان أهم شيء عندهم هو الدين، فيقول أبو موسى: أتفوقه تفوقاً، أي: ألازم قراءته ليلاً ونهاراً شيئاً بعد شيء، والتفوق يقال: فواق الحلبة، أي: ما بين الحلبتين، فهو يقرأ القرآن باستمرار، فقال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: وأنت كيف تقرأ يا معاذ ؟ قال معاذ : أما أنا فأنام أول الليل، ثم أقوم جزءاً من النوم فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.فمعاذ رضي الله تعالى عنه كان يقرأ قراءة عظيمة، كان يتدبر القرآن ليتفقه في هذا القرآن العظيم، وكلاهما على خير، فقد كانا يقرأان القرآن كما أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه.فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتواصون فيما بينهم، ويسأل كل منهم الآخر عن دينه. هذه قراءة الصحابة وهذا حفظ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كانوا يحفظون القرآن حفظاً عظيماً، ويقرءونه ويكتبونه.
    قصة جمع أبي بكر للقرآن

    ورد في البخاري من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان ممن يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك كتب هذا القرآن العظيم في عهد أبي بكر ، قال: (أرسل إلي أبو بكر عام مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن). فهؤلاء القراء الذين كانوا يحفظون القرآن قاموا بهذا القرآن كما أمر الله سبحانه، فلما جاء وقت الجهاد ذهبوا كلهم ليجاهدوا؛ لأنهم يريدون الجنة، فذهبوا في قتال أهل اليمامة، فكان الكثير من حفاظ القرآن يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه، وكان مع مسيلمة كثير من الناس، وكان أشد قتال أتعب المسلمين قتال مسيلمة ومن معه، ومن كان معه يعرفون أنه كذاب، لكن كانوا يفتخرون أنه منهم من بني حنيفة من اليمامة، ولذلك كانوا يدافعون عنه، فقاتلوا قتالاً شديداً، وقتل الكثير من حفاظ القرآن الذي هم القراء، فلما حدث ذلك ذهب عمر إلى أبي بكر فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن يضيع حفاظ القرآن، وقبل أن يضيع القرآن، فكانت مشورة عظيمة وجميلة من سيدنا عمر رضي الله عنه لـأبي بكر ، فـأبو بكر تردد في البداية وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني: النبي صلى اللهعليه وسلم لم يكتب القرآن كله في كتاب واحد، ولم يجمعه في كتاب واحد، وكان أبو بكر شديد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فما زال عمر به حتى أدرك ما أدركه عمر ، واستجاب لما قاله عمر رضي الله عنه.وأرسلوا إلى زيد بن ثابت فقال زيد: كيف أفعل شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟! وكتابة القرآن يحتج بها العلماء في مسألة أصولية يسمونها: المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة مما دعا إليه الدين، ولم يأت بخصوصه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، لكنه مما دعا الدين إليه، قال ربنا سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فالقرآن حفظه الله وأمر بحفظه سبحانه وتعالى، وأمرنا بقراءة القرآن وتدبر القرآن، فقال عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ


    [النساء:82].فكيف يتدبره الناس وليس مكتوباً في أيديهم، وإنما كان في صحف متفرقة مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا معه قليل، وهذا معه قليل، فلو مات هؤلاء الناس فكيف سيحفظون القرآن؟! فكانت هذه مصلحة من المصالح المرسلة، يتعبدون لله عز وجل بأن جمعوا القرآن، فكم سيأخذ من الثواب عمر رضي الله عنه، وأبو بكر رضي الله عنه، وعثمان رضي الله عنه،
    وزيد بن ثابت ومن معه ممن كتبوا هذا القرآن العظيم في كتاب واحد في صحيفة واحدة! لقد كان القرآن مكتوباً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا نزلت عليه الآيات يدعو الكاتب فيكتب، وكان من الكتاب زيد بن ثابت، وكان منهم معاوية بن أبي سفيان وغيرهما.فكان يقول: ألحق هذه الآية بسورة كذا، فيلحقها في موضعها في السورة التي كتبها قبل ذلك. ولم يكن عندهم ورق مثل الذي عندنا الآن، يقول زيد : فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، كان يجمع القرآن من ذلك.فهو أخذ من عنده رقعة مكتوب فيها، ومن عنده كتف، فقد كان الواحد يأخذ كتف البعير أو غيره وبعدما ينظفه ويطهره يكتب عليه ليحفظه عنده في البيت، وكذلك كان يأخذ العسب المكتوب عليها القرآن، والعسب هي الجريدة العريضة من جريد النخل؛ ليكتب فيها القرآن، قال: ومن صدور الرجال وحفظ الرجال، فـزيد بن ثابت كان يكتب الوحي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وها هو الآن يجمع القرآن من هذه الأمور، فهو لم يعتمد على حفظه؛ لأن حفظ الإنسان قد يخونه، فلذلك جعلوا معه مجموعة من الرجال ليجمعوا القرآن، فكان معه ثلاثة من الرجال وهو رابعهم رضي الله عنهم أجمعين، قال: فقمت فتتبعت القرآن حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره.فهذا يبين أنه كان يعتمد في الجمع على المكتوب؛ لأنه وجد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة فقط، ليست مع غيره، وهذا لا يعني أنه لم يكن يحفظ هاتين الآيتين غير خزيمة ، وإلا فلن يكون القرآن متواتراً، ولكن المقصود أنه وجدها مكتوبة معه فقط، وإلا فـزيد يحفظهما، وحفاظ القرآن يحفظونهما، لكن أراد زيد أن يجدهما مكتوبتين، فوجدهما مكتوبتين مع خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، والآيتان هما قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:128-129].فقد تعب زيد ومن معه في تجميع القرآن العظيم، وهو ستة آلاف ومائتا آية! كل آية يبحث من الذي كتبها، ومع من؟ فجمعوا القرآن في مصحف واحد، وكان هذا المصحف غاية في الإعجاز والعجب، إعجاز؛ لأنه كلام الله سبحانه، وعجب في توفيق من كتبوا في القراءات كلها كيف كتبوها؟! وقد كان القرآن لا مشكولاً ولا منقوطاً، فمثلاً: كيف قرءوا قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] فبدون تشكيل ولا تنقيط تكون (مسوا)، فهل هي تبينوا أو تتبعوا أو تثبتوا؟!فقراءة حمزة والكسائي (فتثبتوا) وقراءة الجمهور (فَتَبَيَّنُوا)، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم بكذا وبكذا، فهم كتبوها حروفاً غير منقوطة، فلو كانت منقوطة لكانت قراءة واحدة فقط، ولكن كتبت غير منقوطة حتى تحتمل هذه القراءة وهذه القراءة، وقس على ذلك ما جاء في القرآن كله من قراءات، فقد جاءت في الآية الواحدة عدة قراءات، مثل: (غشاوة) و(غشوة) و(غدوة) و(غداة)، فهم كتبوها بغير نقاط ومن غير تشكيل ليجوز قراءتها على وجوه فيها، فالقراءات أخذوها من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهه، ومن بعدهم أخذ منهم .. وهكذا.
    قصة جمع عثمان للقرآن وسبب ذلك


    لما كان عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه اختلف الناس في القراءات، فإذا بـعثمان يأمر بإحضار المصحف الذي كان موجوداً عند أبي بكر، فلما توفي أبو بكر كان موجوداً عند عمر ، فلما توفي عمر كان موجوداً عند حفصة ، ففي عهد عثمان حصلت فتوحات كثيرة للمسلمين، وذهب أئمة الصحابة إلى البلدان، وكل منهم يقرأ بقراءة، فهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، فأهل هذا البلد أخذوا بقراءة هذا الذي ذهب إليهم يقرئهم, وأهل البلد الآخر أخذوا بقراءة غيره من القراء، فلما اجتمع بعض الناس الذين يحفظون القرآن وهم جنود في الجيوش، فهذا يقرأ، ويقوم الثاني فيقول له: أنت تقرأ خطأ، فيقول له: كيف وقد علمني فلان؟ فقد كفرت؛ لأنك تنكر شيئاً من القرآن، فهنا سيكفر
    بعضهم بعضاً، فإذا بهم يرسلون إلى عثمان : أدرك الناس قبل أن يكفر بعضهم بعضاً، فالناس مع عدم اطلاعهم على جميع ما في القرآن إذا بكل واحد منهم يتمسك بالذي حفظه فقط.فهنا يأتي عثمان رضي الله عنه بعمله الجليل فيأخذ المصحف من حفصة، حيث أرسل إليها رسولاً فقال: أرسلي إلينا بالمصحف وسنرده إليك، فأخذ منها المصحف، وأمر الكتاب فكتبوا ستة مصاحف من هذا المصحف الإمام، ووزعه على البلدان، وسمي: المصحف الإمام، أي: المصحف الذي أمر عثمان بنسخه، وعثمان ليس هو الذي كتبه، وإنما الذي كتبه في عهد أبي بكر زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فكانت الفضيلة لـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم الفضيلة لـزيد ، ثم الفضيلة لـعثمان ، ثم الفضيلة لمن حافظ على كتاب الله عز وجل بعد ذلك. فهذا القرآن العظيم الذي وصل إلينا سهلاً، الآن تجد المصحف مكتوباً: هذا مصحف بقراءة حفص عن عاصم، وهذا مصحف بقراءة قالون عن نافع، وهذا مصحف بقراءة أبي عمرو، والآن بدأ القراء أكرمهم الله يقرءون في الإذاعة وغيرها بالقراءات، هذا يقرأ بقراءة السوسي ، وهذا يقرأ بقراءة الدوري ، وهذا يقرأ بقراءة فلان، وهذا يقرأ بقراءة فلان. فهذا كله يدل على فضل هذا القرآن العظيم الذي نزل من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يسره الله عز وجل للذكر، فهو الكتاب الوحيد الذي تقرؤه سهلاً؛ لأن الذي يسره هو رب العالمين سبحانه، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17].نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعلمنا القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يهدينا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضائل القرآن الكريم [1]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (23)



    القرآن كتاب الله العظيم مخرج للأمة من الأزمات، وعلاج ناجع لكل الأمراض التي تعتور الأمة وتثقلها، ولما ضيعت الأمة هذا الكتاب وتركته وراء ظهرها حل بها ما قد رأيناه وعلمناه، ولن يعود للأمة مجدها وعزها إلا به، وأجره ونفعه وبركته وخيره في الدنيا معروف ظاهر، وفي الآخرة يكفي القارئ شرفاً أن تكون منزلته في الجنة عند آخر آية يقرؤها.
    فضل القرآن الكريم وتلاوته في رمضان وغيره


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
    نزول القرآن ومدارسة النبي صلى الله عليه وسلم له مع جبريل في رمضان
    يستحب تلاوة القرآن في أيام وليالي رمضان التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرس مع جبريل فيها القرآن، فكان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليالي يدارسه القرآن، ويقرأ مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن -الذي نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه- من أوله إلى آخره، وكان في كل سنة يقرأ مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، حتى جاء العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم فقرأ مع النبي صلى الله عليه وسلم وعرض القرآن مرتين، حتى تكون هذه آخر ختمة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويتعلم الناس من النبي صلى الله عليه وسلم آخر ما نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه على الترتيب الذي بين أيدينا من هذا الكتاب العظيم.روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من
    رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان)، هذا القرآن العظيم كما نزلت الكتب من قبله كصحف إبراهيم الذي نزلت صحفه في رمضان، ونزلت كلها مرة واحدة عليه، وكذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي أمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن يقتدي بمن قبله من الأنبياء، وهؤلاء من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، نزلت عليه التوراة لست مضين من رمضان. والإنجيل نزل على عيسى عليه الصلاة والسلام لثلاث عشرة خلت من رمضان، والقرآن نزل لأربع وعشرين، وهذه الكتب السابقة كلها نزلت مرة واحدة من السماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن القرآن نزل إلى السماء الدنيا ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك منجماً. جاء عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث يحث فيها على تلاوة القرآن، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) أي: يعرض جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ويعرض النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل هذا القرآن العظيم، قال (فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) فهذه فضيلة عظيمة أن ينزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان يراجع معه ما حفظ من هذا الكتاب العظيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشتاق لذلك، وكان يفرح لذلك جداً، فيتصدق بكل ما عنده صلوات الله وسلامه عليه، فهو أجود من الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه.
    شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة

    أيضاً جاء في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، هذا حث من النبي صلى الله عليه وسلم، و(اقرءوا) غالباً ما تكون بمعنى: احفظوا القرآن، ويخبر هنا أنه سيأتي يوم القيامة شفيعاً لصاحبه الذي كان يحفظه، والذي يقرأ القرآن بغير حفظ لا يعدم خيره، ولكن الأعظم أجراً الذي يحفظ كتاب الله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) وكانت عادة العرب أن كلمة اقرأ كذا بمعنى: احفظ كذا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) أي: أحفظكم لكتاب الله، فالذي يؤم القوم الأحفظ لكتاب الله سبحانه تبارك وتعالى. وعندما نقرأ ونسمع أنه استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، فالمقصود بقراء القرآن: حفاظه الذين حفظوه من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا من أشجع الناس، فكانوا يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فاستحر القتل بهم رضوان الله تبارك وتعالى عليهم. فكلمة (اقرأ القرآن) معناها: احفظ القرآن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، وقال: (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران)، الزهراء أي: المنيرة المضيئة، فقوله: (اقرءوا الزهراوين) يشعر بفضيلة قراءة وحفظ سورة البقرة وآل عمران، وإذا قلنا: الفضيلة في الحفظ فالذي يقرأ من غير حفظ له فضيلة أيضاً، ولا يعدم الإنسان خيراً من مجالسة القرآن، ولكن كلما كان الإنسان يتقرب إلى الله أكثر كلما حفظ من كتاب الله ما استطاع؛ لأنها مراتب يوم القيامة، فعلى حسب ما تحفظ من الآيات على قدر ما يرفعك الله عز وجل في الدرجات.
    فضل قراءة سورتي البقرة وآل عمران


    وقوله صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)، كلنا يعرف الفضيلة في هذه السور، وقد سمعنا قبل ذلك مراراً هذه الأحاديث، إنما المسلم يتذكر حين يسمع ذلك، ويقول: لماذا لا أحفظ القرآن؟ لماذا لا أحفظ ولو آيات؟ والله عز وجل إذا علم مني المحاولة والحرص على ذلك لعله يعطيني الأجر ولو لم أحفظه، والله كريم وعظيم، وكم من إنسان يؤجر على نيته من غير أن يعمل، يحاول أن يعمل ويحاول ويحاول فلا يصل، فالله عز وجل يعطيه على نيته هذه، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يرى عالماً من العلماء يتصدق فيقول: يا ليتني مثله، وهو لا
    مال عنده، ولا علم، ولكن تمنى وعلم الله صدق نيته فجعله مثله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهاتان السورتان تشفعان لأصحابهما يوم القيامة، ويجعل الله للعبد ما كان يقرؤه من هاتين السورتين على رأسه كغمامتين، فالبقرة وآل عمران تكونان غمامتان وسحابتان تظلان صاحبهما. وقد كان من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في حياته التي يراها الناس أنه كان يمشي في الشمس المحرقة وإذا بالله يرسل فوقه سحابة تظله، فكان الرهبان ينظرون ويقولون: هذا نبي، وعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبي حين رأوا سحابة تظله وهو يسير صلوات الله وسلامه عليه. والإنسان في الدنيا يمكن أن يجد شيئاً يظله كجدار مثلاً، أما يوم القيامة فأين يذهب من الشمس؟ وقد دنت الشمس من الرءوس فلا يقدر على الهرب منها، وقد حشر الناس في مكان لا يقدرون على الفكاك، ولا على الهرب من هذا المكان، فتأتي سورة البقرة وسورة آل عمران على هذه الهيئة كأنهما سحابتان أو غيايتان أو غمامتان في السماء، أو فرقان: أي مجموعتان عظيمتان من طير صواف. نقرأ في التاريخ أن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام كانت الطيور تقف فوق رأسه تظله بأجنحتها، وهذا في الدنيا، لكن يوم القيامة سورة البقرة وسورة آل عمران تكون على هذه الهيئة فوق رأس صاحبها يوم القيامة تظله، بل تمشي معه إلى ربها سبحانه تبارك وتعالى وتدافع وتحامي عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تحاجان عن صاحبهما)، وكل من يحفظ البقرة وآل عمران له هذه الفضيلة.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا) يحث على قراءة سورة البقرة، وهي مليئة بالأحكام، والمواعظ، وقصص السابقين، والإخبار عما يكون في يوم القيامة، وفيها كثير من مسائل العقيدة، والفقه، وغير ذلك، فهي سورة عظيمة فيها أعظم آية في كتاب الله عز وجل وهي آية الكرسي. فالمؤمن حين يعلم ذلك يحرص على أن يحفظ هذه السورة لتشفع له يوم القيامة عند الله سبحانه تبارك وتعالى. يقول صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة) فإذا حفظت هذه السورة صارت بركة بداخلك، وبركة في قلبك، وبركة في بيتك، وبركة في رزقك، وبركة في معاملاتك، وبركة في كل شيء، فهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أخذها بركة وتركها حسرة). والإنسان يتحسر يوم القيامة حين يرى أصحاب سورة البقرة وآل عمران تظلانهم، وهو ليس عنده ظل، وكان بإمكانه أن يحفظ فلم يفعل ذلك، وكان عنده وقت فضيع الوقت في اللعب واللهو، في التسالي، والسير في الطرقات.. ونحو ذلك وتناسى أن يحفظ كتاب الله عز وجل، أو شيئاً من كتاب الله ينتفع به يوم القيامة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تستطيعها البطلة)، أي: أن السحرة لا تستطيع أن تفعل شيئاً بصاحب سورة البقرة الذي يقرؤها ويحفظها، ويوقن بها، والذي يؤمن بربه سبحانه وتعالى، فما يقدرون على شيء من صاحب سورة البقرة، فاحفظ سورة البقرة تنجيك في الدنيا، وتنجيك في الآخرة، وعليك أن تحفظ هذه السورة مؤمناً بالله سبحانه وتعالى مصدقاً بالثواب العظيم المترتب على ذلك.
    وجوب الإخلاص في قراءة القرآن وحفظه وتعلمه
    ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه مما لم نذكره قبل ذلك: ما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعلموا القرآن وسلوا به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: تعلموا القرآن واطلبوا من الله عز وجل بهذا القرآن الجنة، فإذا
    قرأت القرآن فادع الله وسله سبحانه، والقرآن وسيلة تتوسل به إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، بحفظك له، وقراءتك له، وحبك له، وإيمانك به، وعملك به، فتتقرب إلى الله وتتوسل إلى الله عز وجل، وتسأل الله عز وجل بحبك وإيمانك بالقرآن أن يدخلك الجنة، نسأل الله عز وجل أن يدخلنا الجنة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: أن القرآن غنى لصاحبه، يغني قلب الإنسان المؤمن، وأنه قد يطلب به الدنيا، فيقول لنا: لا تكونوا طالبين للدنيا بالقرآن، إنما اطلبوا الآخرة بالقرآن قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: (فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به)، فالأول: يباهي به، أي: يحفظ القرآن ليرى أنه حافظ له وغيره لا يحفظ، وليرى أنه المتفرد وحده ولا أحد مثله، فهذا حفظ ليباهي به الناس، ولم يأخذ من حفظه القرآن إلا المباهاة، ولن ينتفع بذلك يوم القيامة، فاحذر أن تكون من هؤلاء، واحذر أن تتعلم القرآن لتكون نقاداً للآخرين، وتقول لغيرك: أنت لا تعرف تقرأ، وأنت قرأت كذا، والشيخ الفلاني يخطئ في كذا، وعنده: أن كل الناس يخطئ، ولا يسلم إلا هو المتفاخر المباهي، الذي ستكون مصيبته مصيبة يوم القيامة. والثاني: الذي يحفظ القرآن ليستأكل به، رضي من حفظه للقرآن أن يذهب يقرأللناس ويأخذ منهم مالاً، فهذا حظه منه، والثالث: رجل يقرأ لله عز وجل، يطلب الأجر من الله سبحانه وتعالى في حفظه لكتاب الله، وفي تعليمه لكتاب الله، وفي تلاوته لكتاب الله، يطلب وجه الله سبحانه وتعالى، وهذا أعظم الناس فيه.
    أجر قراءة القرآن

    قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة) ، السفرة الكرام البررة الذين جعلهم الله ملائكة من نور سفراء لله عز وجل بينه وبين أهل الأرض، وجبريل حفظ القرآن ونزل به من السماء سفيراً على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه، فحفظه منه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الإنسان الذي يحفظ منزلته مع هؤلاء، مع الملائكة السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ ويتعاهده ولكن حفظه ضعيف، يحفظ وينسى، يحفظ ويتعتع وهو عليه شديد فله أجران، فالإنسان الذي يحاول ويتعب نفسه لا يعدم خيراً من الله عز وجل، فهو يقول له: لك أجران، أجر على أنك قرأت القرآن، والأجر الثاني على أنك تتعتع فيه، وأنت لا تقدر على القراءة الصحيحة، فلك أجر على ذلك أيضاً، ولن يعدم الإنسان خيراً من هذا الكتاب العظيم. ومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)، انظر إلى هذا الفضل في قراءة القرآن العظيم، وفي كل حرف منه؛ فحرف واحد قال فيه صلى الله عليه وسلم: (لا أقول الم حرف)؛ لأنه عند
    العرب أحياناً يطلق الحرف على كلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يتوهم الناس أن الحرف بمعنى كلمة قال: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، والحرف بعشرة حسنات، فكم تنال من حسنات حين تقرأ آية أو آيتين، أو عشرين آية، أو مائة آية! فاقرأ تؤجر الأجر العظيم من الله، واحذر أن تمل من القرآن العظيم. ومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه -وقد ذكرناه قبل ذلك- قوله في الحديث: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فالإنسان الذي يسلك طريقاً يطلب فيه علم كتاب الله، وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسهل الله له طريقه يوم القيامة، ويزيل الحواجز والعقبات عنه وهو ذاهب إلى الجنة، فيمر فوق الصراط فإذا بالله يسهل له، فيا من كنت تسلك طريقاً تلتمس فيه علماً ستجد الناس يمرون فوق الصراط منهم من يمشي، ومنهم من يحبو، ومنهم من يقوم ويسقط، ومنهم من تلفحه النار، ومنهم من تأخذه خطاطيف جهنم، وتجد نفسك أنت يا حافظ القرآن تسرع فوق الصراط المستقيم كالبرق، وكالريح المرسلة، وكأجاويد الخيل، وكطرف العين، وهذا أسرع ما يكون، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً كذلك، فهذا فضل الله، والسبب في ذلك أنك تذهب لدروس العلم، وتذهب لتتعلم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتعلم دين الله، وتسلك الطريق تبتغي طلب العلم، فالله عز وجل يعطيك هذا الفضل يوم القيامة.
    مزايا مدارسة القرآن


    قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)، انظر إلى فضل الله عز وجل! فالمؤمن مطمئن بالله سبحانه، والكافر متحير، حتى وإن أظهر الطمأنينة، وإن أظهر راحة البال، فقلبه متحير، ولذلك تجد أعلى نسبة من الانتحار عند هؤلاء الكفار، والمسلمون أقل نسبة منهم، ومستحيل أن يوجد من المسلمين من هو متدين بدين الله عز وجل يعرف الكتاب
    ويعرف السنة ويفعل ذلك، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، أما البعيد الغافل عن ذكر الله فهذا قلبه مضطرب ومتحير، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: أن هؤلاء الذين يجتمعون في بيت الله، ويدرسون كتاب الله سبحانه، فتنزل عليهم السكينة والطمأنينة، ويجعل الله عز وجل قلوبهم مستريحة مطمئنة، قال صلى الله عليه وسلم: (وغشيتهم الرحمة) أي: يغشيهم الله سبحانه وتعالى بالرحمة، فرحمة الله تنزل عليهم وتغطيهم، قال: (وحفتهم الملائكة) أي: أحاطت بهم الملائكة، قال صلى الله عليه وسلم: (وذكرهم الله فيمن عنده)، وهذا فضل عظيم أن يذكرك الله سبحانه لكونك تحضر درس علم لكتاب الله، أو لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر إلى هذا الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)، فلابد أن نتعلم ترتيل القرآن، وتجويده، وتعلم التجويد والترتيل لا يكون من كتاب، ولكن اجلس إلى شيخ يعلمك كيف تتلو القرآن وتجوده، وكيف تقرأ الحروف وتخرجها من مخارجها، ولا تتكبر أن تتعلم، ولا تأنف أن تطلب العلم ولو ممن هو أصغر منك، وكم من إنسان صغير يجيد التلاوة بقراءة جميلة، وتلاوة صحيحة، وتجويد متقن، فاذهب وتعلم عنده، ولك الأجر عند الله عز وجل، وقوله صلى الله عليه وسلم: (كما كنت ترتل في الدنيا) أي: مثلما كان صوتك في الدنيا، وكيفما كانت قراءتك في الدنيا كذلك تكون يوم القيامة، فأنت لا ترتل على الناس، بل على رب الناس سبحانه تبارك وتعالى، وتقرأ بين يدي الله عز وجل، فيقول لك: اقرأ وارتق، وكل آية تصعد بها منزلة، وكل آية تطير بها لمنزلة أعلى، حتى تصل لآخر منزلة بما معك من القرآن، وبآخر آية أنت تحفظها وتقرؤها تكون منزلتك إليها، قال صلى الله عليه وسلم: (فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، ولذلك ينبغي على المسلم أن يحاول حفظ كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى ما استطاع.
    التحذير من نسيان القرآن


    والذي يحفظ القرآن عليه أن يحذر أن ينساه، فإنه من أشد الناس جرماً من نسي ما تعلمه من كتاب الله، أو هجر القرآن وراء ظهره، وهنا عندما نقول: أشد الناس جرماً، فالإنسان مع كبر السن يمكن أن ينسى، فليس هو المقصود، وكذلك من نسي بسبب شيء من المرض، أو حصل له بعض المصائب أذهبت شيئاً من تفكيره وقدرته، فليس هذا هو المقصود، ولكنه الذي يحفظ القرآن ثم يتركه وراءه ويذهب ليلعب، أو يذهب ويسمع الموسيقى ويترك القرآن ولا يراجع كتاب الله عز وجل، فهذا هو الذي هجر القرآن بعدما تعلمه، وهو الذي يشكوه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] أي: تركوه
    وراء ظهورهم ولم يتعلموه، ومن حفظه منهم نسيه وتركه، ولم يعملوا به، ولم يحكموه فيما بينهم، واتخذوا هذا القرآن مهجوراً.وكل الأحاديث التي سنذكرها صحيحة أو حسنة، وهذا حديث آخر رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يجيء القرآن يوم القيامة) أي: حفظك للقرآن، وعملك يكون ثواباً يوم القيامة، وكل إنسان يأتي يوم القيامة حفظه لكتاب الله بين يدي الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (فيدافع عن صاحبه ويقول: يا رب حله)، يقول القرآن لله عز وجل: يا رب! حلّ صاحبي هذا فإنه كان يحفظني، قال: (فيلبس تاج الكرامة)، فالله عز وجل يحلي هذا الإنسان ويجعل فوق رأسه تاج الكرامة، ثم يقول القرآن: (يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة)، أي: لباس الكرامة، إكرام من الله عز وجل، ويكون بذلك فوق خلق الله سبحانه تبارك وتعالى، ملك من الملوك، له تاج وحلة يوم القيامة ليدخل الجنة هكذا، قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يقول: يا رب! ارض عنه) الناس يوم القيامة حفاة عراة غرل، والقرآن يقول لله عز وجل: يا رب! حله، فيحلي الله عز وجل هذا من دون الخلق، ويلبس تاج الكرامة، وحلة الكرامة، ويقول القرآن: (يا رب! ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة)، اقرأ وارق، وكلما قرأت كلما ارتقيت، وكل درجة لك عليها حسنة من الله عز وجل، وهذا شيء عظيم من فضل الله سبحانه وتعالى. فالمؤمن يقوم من الليل بما تيسر له من قراءة القرآن، فإن قرأ سورة الفاتحة -وهي سبع آيات- قرأ معها شيئاً من السور، ولو أقل سورة في القرآن، وثلاث آيات أو عشر آيات يقوم بها، ولا يقوم الإنسان الليل بركعة واحدة بل سيقوم بركعتين، فإذا قرأ بها كانت عشرين آية قام بها.
    فضل القيام بالقرآن


    روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين) فإذا كانت لك عادة أنك كل ليلة تقوم وتصلي ركعتين بعشر آيات فأنت لست غافلاً، قال صلى الله عليه وسلم (ومن قام بمائة آية) أي: الذي يقوم الليل بقدر ما يقرأ مائة آية، قال صلى الله عليه وسلم: (كتب من القانتين)، الإنسان الداعي ربه، الخاشع لله عز وجل، المخبت بين يدي الله سبحانه، الذاكر لله سبحانه تبارك وتعالى، وهو مع مرتبة القانتين، قال صلى الله عليه وسلم:
    (ومن قام بألف آية) فمن قام بألف آية من كتاب الله وقرأها في صلاة الليل قال صلى الله عليه وسلم: (كتب من المقنطرين) لم يقل ألف آية في ركعة واحدة، ولكن من قام بألف آية في ثمان ركعات، أو في عشرين ركعة، بحسب ما يتيسر له، فإن قمت بألف آية كتبت من المقنطرين. وقد ذكرنا قبل ذلك أنه إذا كان من أول القرآن فالسبع الطول من أول المصحف تزيد على ألف آية، ومن أول القرآن حتى تصل لسورة براءة تزيد على ألف آية، فإذا أردت أقل من ذلك ففي آخر القرآن جزء تبارك إلى آخر المصحف ألف آية، فإذا قمت بألف آية كتبت من المقنطرين، أي: الآخذين من الثواب قناطير مقنطرة من عند الله عز وجل، ولم يقل لنا: إذا قمت من حفظك، بل إذا كنت لا تحفظ فافتح المصحف واقرأ، وقم بالليل وصل وافتح المصحف واقرأ فيه ألف آية، أو اقرأ مائة آية، أو ما تيسر لك، وهذا ثواب عظيم، وهذا الثواب للقارئ الذي يقرأ، وللسامع الذي يستمع، فإذا قمتم بالليل مع قارئكم يقرأ بكم وصلى بكم بألف آية كتب للجميع هذا الثواب العظيم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المقنطرين يوم القيامة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضائل القرآن الكريم [2]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (24)



    للقرآن فضائل عظيمة لا يدركها إلا من عمل بها، واجتهد في قراءة القرآن والعمل به، والتحاكم إليه، فأهل القرآن فضائلهم معلومة، ودرجاتهم عالية، ومقاصدهم سامية، فهم للأجر يطلبون، وعن الجنة يبحثون، وإلى العمل بالقرآن مسارعون.
    ما جاء في فضل قراءة القرآن


    شرح حديث: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ...)
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث في فضائل القرآن: ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين).وروى أبو داود في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك، فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).هذا القرآن العظيم تقوم من الليل لتصلي لله سبحانه وتعالى ولو بأقل ما تقدر عليه، فإذا قمت وقرأت عشر آيات لم تكتب من الغافلين، وإذا قمت من الليل وقرأت مائة آية كتبت عند الله من القانتين، وإذا قرأت ألف آية كتبت من المقنطرين.

    شرح حديث: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك ...)
    كذلك جاء عنه صلى الله عليه وسلم في فضل هذه القراءة -وخاصة بالليل- أنه قال: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك) فإذا قمت لصلاة الليل فتهيأ لها واستعد لهذه الصلاة العظيمة بأن تدعك أسنانك بالسواك أو الفرشاة والمعجون، حتى تكون رائحة فمك طيبة، وما الذي يكون وراء ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه)، انظر إلى هذا الجمال والجلال وإلى هذه الرحمة من الله عز وجل! هل تتخيل أن ملكاً يكون أمامك يكلمك مثلاً؟ فإنه يقف الملك من ورائك ثم يقرب منك حتى يضع فاه على فيك، فهذا الملك الذي خلق من نور وأنت الذي خلقت من تراب يشرفك الله عز وجل بأن يجعل الملك يتلقى كلام الله من فمك، وهذا شيء عظيم جداً من فضل الله سبحانه وتعالى، قال: (ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).القرآن عزيز وعظيم، ولذلك جعله الله عز وجل يخرج من فمك، وفمك طاهر، فيخرج من فمك إلى فم ملك من ملائكته سبحانه وتعالى.وفي رواية ثانية عن علي رضي الله عنه أنه قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليستك)، هذا من قول علي ولكن له حكم المرفوع؛ لأنه يوافق الحديث الذي قبله، فإن الرجل إذا قام من الليل فتسوك ثم توضأ ثم قام إلى الصلاة، جاءه الملك حتى يقوم خلفه يستمع إلى القرآن، ثم لا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا دخلت جوفه.وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حث على قيام الليل، وعلى القراءة في قيام الليل ما شاء الله عز وجل ولو كان شيئاً أنت تظنه قليلاً.
    شرح حديث: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ ..)
    وروى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن في
    ليلة؟) فالصحابة استكثروا أن يختم أحدهم القرآن في ثلاث ليال، فهذا صعب جداً، وقد كان منهم من يحفظ القرآن، ومنهم من لا يحفظ القرآن، فإذا كان ثلث القرآن كيف سيقوم وهو لا يحفظ ولا يجيد الكتابة والقراءة حتى يقوم بذلك؟! قال صلى الله عليه وسلم: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) هذه السورة القصيرة في عدد آياتها، العظيمة الكبيرة في فضلها وثوابها تعدل ثلث القرآن.فالقرآن جاء بالعقيدة والتوحيد، وجاء بصفات الله سبحانه وتعالى، وهذه عقيدة، وجاء بالتشريع والقصص والمواعظ والأخبار، فإذا نظرنا إلى هذه الثلاثة الأنواع وجدنا التوحيد ثلث القرآن، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فيها التوحيد، وفيها صفات الله العظيمة سبحانه وتعالى: الله، الواحد، الأحد سبحانه، الصمد، وهو السيد الذي عظم في سؤدده سبحانه، والذي تصمد إليه الخلائق، جميعهم يطلبون من فضله ورحمته، ويسألونه، وهو السيد الذي لا سيد سواه سبحانه وتعالى، الكامل الذي كمل في كل فضل، وفي جلاله وإكرامه وعلوه، فهو السيد الصمد سبحانه وتعالى، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4] ففي هذه السورة العظيمة صفات الله عز وجل فاستحقت أن تعدل ثلث القرآن، وأن يؤجر العبد عليها، فمن قرأها كأنه قرأ ثلث القرآن، فإذا قمت من الليل فقرأت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كأنك قمت بثلث القرآن.وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بثلث القرآن حقيقة، فيقرأ من أول القرآن حتى سورة براءة صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتف بأن يقوم بـ (قل هو الله أحد) وحدها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يهون على المؤمنين وييسر عليهم، فقد بعث بالحنيفية السمحة صلوات الله وسلامه عليه.وهذه السورة عددها أربع آيات، وفيها هذا الفضل كله، فلو أنك قرأتها وأنت جالس كأنك قرأت ثلث القرآن.وروى أحمد عن معاذ بن أنس الجهني صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة)، فابن لنفسك قصوراً في الجنة، واقرأ (قل هو الله أحد) وكرر واقرأها عشر مرات، فكلما قرأت (قل هو الله) أحد عشر مرات بني لك قصر في الجنة، فهذا ثمن تدفعه بفعل قليل ولكنه عند الله عظيم، فيكتب لك هذا الأجر والثواب عند الله سبحانه.
    شرح حديث: (من قرأ بمائة آية في ليلة ...)


    روى الإمام أحمد عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة)، القنوت: حسن القيام وطوله، والقنوت: الخشوع في الصلاة، والقنوت له صفات عظيمة جداً، فكلمة (قنت لله سبحانه) أي: خشع لله وأخبت وذل بين يدي الله سبحانه، وقام لله سبحانه، وصمت وأنصت لكلام الله سبحانه وتعالى، فيكتب لك قنوت ليلة إذا صليت هذه الليلة وقرأت قدر مائة آية، والمئون من القرآن كسورة الكهف فهي مائة آية وزيادة، وسورة الإسراء تزيد على المائة، وكذا سورة النحل ويونس وهود فإنها تتعدى المائة، فإذا قرأت هذه السور فلك هذا الأجر العظيم.وتقرأ سورة الصافات وعددها مائة وثلاثة وثمانون آية، وسورة الشعراء وعددها مائتان وسبعة وعشرون آية، فهذه آيات كثيرة وإن كانت قصيرة الألفاظ، وإذا قارنا سورة البقرة مع سورة الشعراء فإن عدد آيات سورة البقرة مائتان وستة وثمانون آية، فهي طويلة وتأخذ وقتاً طويلاً، وعدد آيات سورة الشعراء مائتان وسبعة وعشرون آية، فإذا قرأت هذا في قيام الليل فإنه يكون لك أجر عظيم كأنك قمت الليل كله.فهذا أجر الذي لم يقم الليل كله فكيف بمن يقوم بأكثر من ذلك؟ وكيف بمن يقوم الليل كله؟! فالأجر عظيم من الله، وهذه أيام المسابقة والمسارعة، فسابقوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، فهذه الليالي الباقية من هذا الشهر -عشر ليال أو تسع ليال- احذر أن تفرط فيها، واحذر أن تقول: أنام الليلة وغداً سأقوم، وبعده سأقوم ليلة سبع وعشرين، فالقيام بين يدي الله عز وجل له حلاوة بالتعود، والذي يقوم مرة ثم يترك ويجد الكسل، هذا لأنه ليس متعوداً على القيام، ولذلك ينبغي -حتى تقدر على حسن العبادة ليلة القدر- أن تكون قد اعتدت على ذلك، فعود نفسك، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن الذي يقرأ بمائة آية يكتب له قنوت ليلة.وانظر إلى أبي بكر رضي الله عنه كيف كان يقرأ القرآن؛ فقد روى البخاري عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين)، أول من عرض عليهم الإسلام من الرجال هو أبو بكر رضي الله عنه، فكان أول من أسلم، وأم عائشة هي أم رومان وكانت من أول من أسلم، بخلاف أم أسماء أخت عائشة رضي الله عنها، فقد كانت كافرة، وجاءتها متأخرة جداً راغبة وراهبة، لكن أم عائشة أسلمت مع أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنها أو أسلمت بعد ذلك حين تزوجها رضي الله عنه.والمقصود أنها قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشياً).فقد كان يذهب رسول الله إلى أبي بكر الصديق، وهذا فيه فضيلة لـأبي بكر الصديق أن يزوره النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم مرتين بالصبح والليل، أو في البكور والعشي أي: بعد الظهر.قالت: ثم بدا لـأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وأبو بكر الصديق من حبه للقرآن يريد مكاناً يعتكف فيه ليقرأ القرآن، فبنى وهو في مكة في فناء داره مسجداً، وقد كان له فناء -أي: كان له حوش كبير فيه عدد من البيوت- وكان يسكن معه أناس من المشركين في هذه الدار، فـأبو بكر بنى مسجداً في فناء داره، وكان يجلس ويقرأ القرآن.قالت عائشة رضي الله عنها: فكان يصلي فيه ويقرأ فيه، فيقف عليه نساء من المشركين وأبناؤهم فيعجبون منه وينظرون إليه، أي: لجمال قراءته بالقرآن، ولشدة خشوعه وبكائه وهو يقرأ القرآن.قالت عائشة : وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه، أي: إذا قرأ القرآن أو سمعه رضي الله عنه، قالت: فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، وحالهم: أبو بكر قد تتبعه نساؤنا وأبناؤنا ولا نعرف كيف نمنعهم، لأن خشوعه وصدقه في قراءة القرآن جلب هؤلاء ليسمعوا إليه، فشكوا أبا بكر رضي الله عنه في ذلك.
    شرح حديث: (من رأى منكم الليلة رؤيا؟ ..)


    كذلك من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه وقال: من رأى منكم الليلة رؤيا)، فكان يسألهم صلى الله عليه وسلم ويستبشر بالرؤيا الصالحة، وكان يخبر أنه إذا انقطع الوحي من السماء بقيت المبشرات، قالوا: (وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)، فكان يسأل أصحابه: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فكان أصحابه من رأى منهم رؤيا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم.وفي يوم من الأيام أصبح صلى الله عليه وسلم فسألهم كما كان يسألهم ولم يرد عليه أحد، فقال: (لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة) ، أخذا بيدي النبي صلى الله عليه وسلم وخرجا به إلى بيت المقدس أو الأرض المقدسة، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد) رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وسنعلم في آخر الحديث أنه عذاب البرزخ، يعذب الله عز وجل أناساً في قبورهم بهذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم، فهم معذبون في قبورهم، لم يعذبوا؟! وما الذي عملوه؟! لننظر في هذا الحديث، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، فيدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق).وهنا في هذه الصورة رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً جالساً على الأرض وآخر واقف عليه يعذبه، فهو ماسك بيده كلوباً من حديد، والكلوب: سيخ معقوف، شكله مثل الخطاف، فيجعل السيخ بداخل فمه فيشرشر شدقه حتى يبلغ إلى قفاه، ويفعل بالشدق الآخر مثل ذلك، فلا ينتهي من الثاني حتى يكون الأول قد التأم فيرجع ويفعل به كذلك، وهذا عذاب شديد جداً حيث يستمر يفعل به هذا إلى يوم القيامة، فيا ترى ماذا عمل هذا الإنسان؟! لا بد أنه كان يعمل شيئاً.قال صلى الله عليه وسلم: (فأتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه يتدهده الحجر فينطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، ويعود كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟، قالا: انطلق)، وهذا رجل آخر نائم مضطجع على قفاه في الأرض، ورجل قائم يعذبه، ومعه حجارة، فيمسك بالحجارة ويضرب هذا الإنسان في رأسه حتى يشقه، ويذهب ليحضر الحجر فلا يرجع حتى يلتئم مرة ثانية، ولا يزال هكذا في عذاب شديد، فلو أن إنساناً في الدنيا ضرب ضربة بالحجر في رأسه لجاء له ارتجاج في المخ وذهب شعوره فلا يحس مهما ضرب بعد ذلك، أما أن يضرب ويرجع حياً ليضرب مرة ثانية فهذا عذاب شديد، نسأل الله العفو والعافية، عذاب شديد جداً لا يزال يفعل بهذا الإنسان ذلك إلى يوم القيامة.ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد ناراً) فرن مثل الهرم، أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد ناراً، قال: (فإذا اقترب ارتفعوا) يعني: هذا الفرن فيه أناس تقرب منهم النار وترفعهم مثل القدر الذي فيه لحم عياذاً بالله! قال: (حتى يكادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) أي: بداخل هذا الفرن التنور رجال ونساء عراة، (فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق) لم يخبروه وسنعرف بعد ذلك.قال صلى الله عليه وسلم: (فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر،


    فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه الحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق)، وهذه صورة أخرى من صور العذاب، أي: عذاب البرزخ، فهذا إنسان يسبح في نهر من دم، حتى إذا وصل إلى شط النهر وأراد أن يخرج فيجد الذي ينتظره على شط النهر ومعه حجر، فيقذفه بالحجر في فمه، فيرجع مرة أخرى إلى مكانه، ولا يزال يسبح في هذا النهر هكذا، حتى إذا وصل بدلاً من أن يساعده يرميه بحجر فيرده كما كان والعياذ بالله!قال صلى الله عليه وسلم: (فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء) هذا كله في الرؤيا المنامية، ورؤيا الأنبياء حق، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم وصلوا إلى روضة، وهي بستان عظيم، فهي روضة عظيمة خضراء، قال: (فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان)، أي: تحت الشجرة شيخ كبير ومعه كثير من الصبيان، (وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، فقلت: طوفتما بي الليلة فأخبراني عما رأيت)، أي: أخبروني ما هذا الذي رأيته؟ (قالا: نعم، نخبرك بالذي رأيت، أما الذي رأيته يشرشر شدقه فهو الرجل كان يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق) يحدث الناس أنه حصل الشيء الفلاني، والناس يحدثون إشاعة بين الناس، وبعد ذلك يظهر أنه كذاب، فهذا الكذاب هذه حاله في البرزخ في عذاب القبر، حتى تقوم القيامة فيرى سبيله بين يدي الله عز وجل، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (فيصنع به إلى يوم القيامة) أي: هذا العذاب لا يرفع عنه حتى يوم القيامة.قالا: (والذي رأيته يشدخ رأسه رجل علمه الله القرآن) يقرأ القرآن ويحفظه لكنه ينام عنه بالليل، لا يقوم الليل أبداً، ويضيع صلاة الفجر، ويضيع صلاة العشاء، فليس على باله هذا الأمر، وقد حفظ القرآن ليقال: حافظ وعالم.قالا: (ولم يعمل فيه بالنهار)، فيكون ليله نائماً ونهاره لا يعمل بهذا القرآن، فهو ترك هذا القرآن وراءه ظهرياً، وليس معنى الحديث: أن الذي ينام الليل ولا يقومه آثم، ولكن هذا جمع الاثنين: فلا هو استفاد من القرآن ليرتفع به الدرجات يوم القيامة فقام من الليل، ولا هو واظب على صلاة الليل والعشاء وصلاة الفجر، فلم يفعل ذلك، فترك صلاة الجماعة، وترك المواظبة على الصلاة، وهو تارك للقرآن ليس له في أمر القرآن شيء، لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل هو موافق لأصحاب المنكر في منكراتهم، فيفعل به ذلك إلى يوم القيامة، فاحرص على أن تتعلم القرآن لله عز وجل، وتعمل به، وقم لله سبحانه ولو بـ (قل هو الله أحد).ثم قالا: (والذين رأيتهم في الثقب فهم الزناة) الذين رأيتهم في مثل التنور الذي أعلاه ضيق وأسفله واسع، وتأتي عليهم النار من تحت فترفعهم إلى فوق، وإذا خمدت نزلوا، فهؤلاء هم الذين يقعون في الزنا والعياذ بالله، والزنا من أخبث الخبائث، وأفحش الفواحش، فهذا عذاب أصحابه في قبورهم حتى تقوم الساعة فيكون مصيرهم إلى النار والعياذ بالله!ثم قالا له: (والذي رأيته في النهر فهو آكل الربا) الإنسان الذي يأكل الربا ويتعامل بالربا، فهذا حاله في قبره والعياذ بالله! فهو يعذب هذا العذاب، حيث يسبح في نهر من دم، ويقطع النهر كله حتى يتعب ويكاد أن يهلك، فهو ميت أصلاً، ولكن الله عز وجل يجعل له حياة يتذوق فيها العذاب، فإذا به يعذب عذاباً في البرزخ، وإذا أراد أن يخرج وجد هذا القائم على النهر فيلقمه في فمه حجراً فيرده مرة أخرى إلى النهر.ثم قالا: (والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- والصبيان


    حوله فأولاد الناس) وكلمة (الصبيان) هنا ليس معناها أنهم ذكور فقط، ولكن هذا من باب التغليب ومعناه: كل أولاد الناس، فكل من مات وهو لم يبلغ الحلم من أولاد الناس، ولم يقل: (المسلمين) بل كل أولاد الناس الذين لم يبلغوا الحلم وماتوا وهم أطفال صغار يكونون مع إبراهيم في هذا المكان.ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قريباً من الشجرة بين يديه نار يوقدها، وهذه نار جهنم يشعلها لأصحابها نسأل الله العفو والعافية، فقالا: (والذي يوقد النار مالك خازن النار) .والدار الأولى يقول صلى الله عليه وسلم (فصعدا بي الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها) صعدا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الشجرة، فرأى داراً لم ير أبداً داراً مثلها، وفيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان، قال: (فقلت: من هؤلاء؟ فقالا: إنها الجنة)، دار عامة للمؤمنين، ففيها هؤلاء جميعهم من رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان.ثم علا به الملك داراً هي أعلى من الأولى، قال: (فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب) ولم يذكر الصبيان، وهذه الدار الأولى كانت عامة للجميع، لكن هذه الأخرى هي لمن عمل أكثر واجتهد في عبادة الله سبحانه، لمن وصل إلى درجة عالية، ففيها شباب وفيها شيوخ، قال:(فقالا: وأما هذه الدار فدار الشهداء) الذي قتل شهيداً يكون فيها، فكأن هذه الدار الأغلب فيها الذين هم من الشيوخ والشباب المجاهدين في سبيل الله عز وجل.قال: (وقال الملكان: وأنا جبريل وهذا ميكائيل، وقالا لي: ارفع رأسك، قال: فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحابة) فقد رأى دار عامة المؤمنين، ودار الشهداء، وبعد ذلك رأى شيئاً مثل السحابة فوق الشجرة، فهي سحابة عالية جداً، فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم (ذاك منزلك) فالنبي صلى الله عليه وسلم في أعلى ما يكون من المنازل، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا رفقته في الجنة صلوات الله وسلامه عليه.قال: (قلت: فدعاني أدخل منزلي) يقول هذا في الرؤيا، قال: (فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله) أي: أنت لم تستكمل عمرك، فلو استكملت عمرك أتيت منزلك.فهذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بذلك. والشاهد من هذا الحديث: أنك تحرص على قراءة القرآن، وعلى حفظ ما استطعت منه، وعلى أن تقوم بالليل فتذكر الله عز وجل حتى تفلت من مساءلة الله عز وجل للعباد، وحتى تكون من أهل أعلى الديار في الجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته، وأن ينجينا من عذابه وناره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضائل القرآن وآداب قراءته
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (25)



    القرآن كتاب الله العظيم، وفضائله كثيرة لقارئه وحافظه، فهو شفاء لما في الصدور، وشفيع لأصحابه يوم القيامة، وظلال يستظل به القارئ يوم القيامة، وغير ذلك من الفضائل، وللقرآن آداب معروفة في الشرع لابد لقارئه أن يلتزم بها لينال الأجر العظيم من الله سبحانه.
    فضائل القرآن الكريم


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا شيئاً من الأحاديث التي جاءت في فضائل القرآن، وهذه أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل هذا القرآن العظيم، نقرأ هذه الأحاديث في هذه الليالي المباركة من شهر رمضان لنتذكر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ونهتم بحفظ القرآن، وقراءته ومراجعته وفهمه وتدبر معانيه. فمما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل). هذا الحديث العظيم فيه أنك إذا وجدت إنساناً خيراً منك فتغبطه على ما هو فيه، وتتمنى أن تكون مثله لعل الله عز وجل أن يجعلك مثله، فإن لم تكن مثله فيعطيك من الأجر ما يعطي بحبك له، وبتمنيك أن تصل إلى ما هو فيه، فهذا الحسد المقصود منه أن تغبط هذا الإنسان وأن تتمنى له هذه النعمة وأن يكون لك مثلها أيضاً، فاثنان يتنافس المؤمنون فيهما أعظم التنافس: القرآن العظيم، أي: تحفظ القرآن، فإذا حفظت القرآن وتعلمت معانيه وقمت به بالليل وبالنهار وعملت بما فيه صرت إنساناً قرآنياً تستحق فضل الله سبحانه، وتستحق أن يشفع لك القرآن عند الله سبحانه، وتستحق أن يعطيك الله الأجر العظيم الذي علمت منه والذي لم تعلم منه، وبكل حرف من القرآن تؤجر حسنة،


    فإذا كنت تقوم بالليل وبالنهار بهذا القرآن العظيم فلك عند الله الأجر العظيم.وإذا كان الأمر كذلك فلنغبط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ معاذاً وأبا موسى وزيداً وعبد الله بن مسعود وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يحفظون هذا القرآن العظيم، ويقرءونه آناء الليل وأطراف النهار ويعملون بما فيه، ويعلمون الخلق، فلنغبط عبد الله بن عباس رضي الله عنه الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله الكتاب والحكمة وأن يعلمه التأويل، حبر هذه الأمة وبحرها رضي الله تبارك وتعالى عنه. (فلا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن)، والفضل ينسب لصاحبه الذي علمك ما لم تكن تعلم وهو الله سبحانه وتعالى، وإن كان عن طريق أسباب فلا تنسى الأصل أن الله هو الذي علمك فتحمد الله سبحانه، وتعمل بهذا الذي تعلمته متواضعاً لله سبحانه، وتعلم أن الذي أعطاك قادر على أن يسلبك ما أعطاك، والذي أعطاك ذلك قادر على أن يعينك على أن تعمل بما فيه، إذاً: تتواضع لله سبحانه وتعالى، وتشكر ربك سبحانه، وتشكر من علمك كما أمرك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وتتمنى الخير لمن يعلمك كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تتمنى أن يزول ما عنده حتى تتفرد أنت بهذا الشيء، وقد كان الكثيرون من شيوخ العلماء يشتكون ذلك من تلاميذهم، يقولون: نعلمهم ثم يتمنون وفاتنا حتى ينفردوا بالرواية، وحتى ينفردوا بالتلاوة عمن تعلموا، ولكن المؤمن لا يكون كذلك أبداً، فإذا وجد إنساناً قد علمه ومنَّ الله عز وجل عليه بأن جعله يلقنه القرآن ويعلمه التجويد، فيصير معه إجازة بهذا القرآن أو بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ويصير بارعاً في ذلك، إذاً: يشكر من علمه ولا يتمنى أن يموت ليتفرد بين الناس بهذا الأمر، فهذا الحسد أنت ممنوع منه شرعاً، إنما الحسد الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم وقصد به: أن تغبط هذا الذي عنده علم وتتمنى أن تكون مثله.والثاني: الرجل الذي آتاه الله عز وجل المال فهو ينفقه فيما يرضي ربه سبحانه، قال: (فهو يهلكه في الحق)، وإهلاك المال بمعنى: صرف المال، فهو يعطي ليدخر عند الله سبحانه وتعالى، ولما رآه آخر قال: (ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان)، فيتمنى أن الله يعطيه مثلما أعطى فلاناً هذا، والله عز وجل يعطي من يشاء سبحانه.
    خير الناس من يتعلم القرآن ويعلمه

    من الأحاديث العظيمة ما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فأعظم العلوم وأشرف العلوم وأجل العلوم التي تملأ القلب بتقوى الله هو علم القرآن العظيم، وأي علم من علوم القرآن كلها فيها الخير، تتعلم وتحفظ القرآن، وتتعلم تجويد القرآن وتفسيره ولغته وأحكامه ومعجزاته، وعلوم القرآن كثيرة جداً، ومستحيل أن يحيط إنسان بها علماً، ولكن الله عز وجل هو الذي أحاط بكل شيء علماً، فمهما تعلمت من علم يتعلق بالقرآن فقد دخلت تحت هذا الحديث، إذا تعلمت وبذلت العلم وعلمت غيرك ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى. قال أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى هذا الحديث عن عثمان رضي الله عنه: (أنه أقرأ في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)، أي: من عهد عثمان رضي الله عنه إلى زمن الحجاج وأبو عبد الرحمن السلمي يقرئ القرآن وهو من العلماء وحفاظ القرآن، وقد جلس في المسجد للقرآن، قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا)، أي: الذي أقعده ليعلم الناس القرآن ويحفظ الناس القرآن هو هذا الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فالذي يتعلم القرآن من خير الناس، والذي يعلم القرآن من خير الناس، فاشترك في الخيرية المعلم والمتعلم.
    نجاة الناس وهدايتهم بتمسكهم بكتاب الله


    ومن الأحاديث العظيمة التي جاءت في فضل القرآن ما رواه البزار عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً)، ما هذا الجمال الذي في هذا الحديث! ما هذه البشارة التي في هذا الحديث! تخيل عندما تكون سفينة في البحر، وهناك حبل، وهم يريدون أن ينجوا بالسفينة، ويوضع الحبل على المرسى في الخارج على الشاطئ، والذي في السفينة يشد الحبل حتى يصل إلى هذا المرسى فيرسو عليه وينجو الإنسان الغريق؛ إذ يرمى له بحبل يتعلق به ويشد الغريق ويأخذه، وإذا كان هذا الحبل بيد الله سبحانه وتعالى فهل يمكن أن يفلت هذا الحبل من يد الله سبحانه وتعالى؟ لا. وحبل الله المتين هو هذا القرآن العظيم.فأبشروا يا من تحفظون كتاب الله، وتحفظون من كتاب الله سبحانه، فإنه حبل متين لا ينقطع أبداً، طرفه بيد الله سبحانه، والطرف الآخر بيد من يحفظ القرآن ويعمل به، فلن يفلت من يد الله أبداً إنما يفلت من يد هذا الإنسان، فعليه أن يمسك به حتى يأخذه ربه إلى جنته سبحانه، وإذا ترك ذلك وأفلت هو وترك القرآن وراء ظهره، فيشكوه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه أنه تعلم القرآن ونسيه وهجره ولم يعمل به. إذاً: إذا أردت أن تنجو فعليك بكتاب الله سبحانه، وعليك بسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قال عليه الصلاة والسلام: (فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً).
    ذكر ما يعطى صاحب القرآن ووالداه يوم القيامة

    من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث رواه الإمام أحمد وقد ذكرنا جزءاً من هذا الحديث في الصحيحين، ولكن رواية الإمام أحمد فيها زيادة عظيمة وجميلة، فالحديث رواه أحمد عن بريدة قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم
    فسمعته يقول: (تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة، قال: ثم مكث ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة)، الذي يحفظ القرآن ويعمل بالقرآن ويحب القرآن يلقاه القرآن حين ينشق قبره، ويخرج من قبره والقرآن ينتظره، قال: (يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟)، القرآن يسأل صاحبه الذي كان يحفظه ويعمل به، ويقوم به بالليل وبالنهار فيقول: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك)، هو خارج من قبره للموقف العظيم والقرآن يستقبله أول ما يخرج فيقول له: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك) أي بشارة أعظم من ذلك؟ وأي طمأنينة وأي رجاء يكون في قلب الإنسان الذي ينتظره القرآن وهو قائم من قبره ليأخذه على هيئة رجل شاحب؟ كما أنه في الدنيا أتعب نفسه يقابله على هذه الهيئة، فأنت قد تعبت في الدنيا فأنا الآن مثلك، فيأخذ صاحبه. قال: (أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر)، أي: أخذت مني الصيام فصمت لله عز وجل فظمئت بالهواجر، وتلوتني حتى جف لسانك من كثرة التلاوة والقراءة، قال: (وأسهرت ليلك)، قمت بالليل


    تستذكرني وقمت بالليل تقرؤني وتصلي لله عز وجل بي، قال: (وإن كل تاجر من وراء تجارته -أي: كل تاجر يحرس تجارته- وإنك اليوم من وراء كل تجارة)، أنت أعظم تاجر، فقد كنت تجارتك، وتجارتك كانت مع الله سبحانه، وكل تاجر من وراء تجارته يجمع تجارته من أجل ألا تضيع التجارة، فأنت أعظم التجار، فتعال إذاً وخذ رأس مالك، وخذ ربحك معك وهو القرآن؛ لتقدم على الله سبحانه وتعالى به.قال: (فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذه؟)، انظر للفضل العظيم! فاحفظ القرآن تنتفع وينتفع والداك أبوك وأمك، وينتفعان بحفظك أنت للقرآن، فحافظ القرآن يعطيه الله عز وجل الملك بيمينه فيصير من ملوك الجنة، والجنة فيها ملوك، قال: (والخلد بشماله)، والخلد أي: أنك مخلد في الجنة وأنت ملك من ملوك الجنة، قال: (ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين)، إذاً: ينعم الله عز وجل على أبيه وعلى أمه بأن يكسوهما حلتين من حلل الجنة (لا يقوم لهما أهل الدنيا)، أي: لو أنفق أهل الدنيا كل ما معهم من أجل أن يشتروا هاتين الحلتين ما استطاعوا. قال: (فيقولان: بم كسينا هذه؟)، أي: لم نعمل عملاً من أجل أن نأخذ عليه هذا الشيء (فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)، فإذا أردت أن تكرم أباك وأمك فاحفظ القرآن وراجعه واسترجعه، وإياك أن تنسى القرآن، فإن من أعظم ما تبر به والديك أن تحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى. وجاء في رواية عند الطبراني لهذا الحديث قال: (فيقولان: يا رب! أنى لنا هذا؟)، كيف وصلنا لهذه الدرجة وهذه الحلل العظيمة؟ (فيقال: بتعليم ولدكم القرآن)، لقد علمتما ولدكما القرآن، أدخلتماه مدرسة ليحفظ القرآن، وأرسلتماه إلى المسجد ليحفظ القرآن، وساهمتما في تحفيظه وشجعتماه على ذلك.يقول في الحديث: (ثم يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد)، وفي رواية: (اقرأ وارق في الدرجات)، وفي رواية: (في درجة الجنة وغرفها)، فهو في صعود ما دام يقرأ هذاً كان أو ترتيلاً، يقرأ بسرعة أو يقرأ ببطء، أو يقرأ مركزاً أو يقرأ مراجعة مع القراءة السريعة، فيقال (اقرأ وارق في الدرجات ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية معك)، قال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُو نَ [المطففين:26]، فتنافسوا في ذلك، تنافسوا في حب الله سبحانه وفي حب القرآن وقراءته والتمسك به، فاحفظ القرآن ولا تتركه ولا تهجره، اقرأ القرآن ليل نهار يحفظك القرآن العظيم بحفظك له.
    من أحسن الناس صوتاً من يقرأ القرآن وهو يخشى الله
    مما جاء في الأحاديث ما رواه ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)، فهو يخشى الله سبحانه، ليس شيئاً ظاهراً، ليس هو أمر تمثيل، وليس شخصاً يمثل أنه يحزن فيحزن الناس، فالأمر ليس تمثيلاً في قراءة القرآن، بل الأمر ما خرج من القلب ظهر على صاحبه، وما كان تمثيلاً يعجب الناس بالنغمة ولا يخشعون لما يقول. فمن أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله، إذا سمعته تحسبه يقرأ خشية، وهناك إنسان تسمعه وهو يغني، فهو يغني بالقراءة ويريد أن يقلد فلاناً، لكن الذي يقرأ القرآن بخشية تستشعر أنه خائف من الله عز وجل،
    وهذا الذي يريده الله عز وجل، وهذا أحسن الناس عند الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يعافينا من الرياء.
    استحباب قراءة القرآن آية آية


    من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته الجميلة ما رواه الترمذي وأحمد أن أم سلمة سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان يقطع قراءته آية آية: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )، فكان يقطع آية آية، فالأمر ليس أنه يقرأ الفاتحة كلها في نفس واحد، أو يقرأ في نفسين، بل يقف عند رأس كل آية، إلا إذا كانت الآية متصلة بما بعدها فله أن يصل حتى لا ينقطع المعنى، ولكن الأصل أن يقف في قراءته عند رأس كل آية.
    فضل قراءة القرآن على سائر الأذكار إلا في المواضع المخصصة للأذكار
    يقول الإمام النووي رحمه الله: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، ففي وقت الصباح أذكار الصباح تقولها بعد صلاة الفجر حتى وقت الشروق أو حسب ما يتيسر، وبعد صلاة العصر تقول أذكار المساء، إذاً: في هذه الأوقات الذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم في باقي الأوقات قراءة القرآن أعظم، فإذا كان عند نومك قلت ذكر النوم، واقرأ ما شئت من القرآن في كل وقت، في قيامك أو قعودك، وفي اضطجاعك، وأنت تسير، وأنت تركب، في أي وقت اقرأ القرآن فكله عظيم.فالأذكار أفضل في وقت الذكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على الأذكار بعد الفجر فيذكر الله سبحانه وبعد العصر، وإن كان الذكر لن يستوعب الوقت كله فاذكر الله عز وجل، واقرأ القرآن ما شئت في الوقت نفسه.
    آداب ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها أثناء القراءة

    قال النووي رحمه الله: ويستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فالذي يقرأ القرآن ويحب القرآن يستعد للقرآن، مثل الذي يقابل ضيفاً عزيزاً، أو إنساناً كبيراً من كبار القوم يأتي إليه، فإنه ينتظر ويستقبله في البيت ويحضر له المكان الذي يجلس فيه، ويلبس ويتزين له ويتنظف حتى يستقبل الضيف، وأعظم ضيوفك الذي تجلس معه هو القرآن العظيم، فتطهر لتجلس لقراءة القرآن واستقبل القبلة ونظف أسنانك حتى تكون رائحة فمك طيبة بالسواك أو فرشاة ومعجون ونحوها، وإذا جلست فاجلس وتوجه للقبلة إن كان ذلك يسيراً عليك، وتخشع في جلوسك وفي قراءتك، وإذا أردت القراءة فتعوذ واجهر بالقراءة، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، فإذا كنت في أول السورة فاقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، والتعوذ سنة وليس بواجب، وعلى المسلم أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سواء كان إماماً يقرأ في الصلاة أو كان يقرأ في غير الصلاة، فإذا كان إماماً فالسنة أن يخفيها وألا يجهر بها، وإن كان ورد في حديث أم سلمة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)، فلعل ذلك أحياناً حتى يعلم من خلفه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا يتركها صلوات الله وسلامه عليه.فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله عز وجل: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، فلنتدبر القرآن حين نتلوه وحين نسمعه لعل الله سبحانه وتعالى يعطينا الأجر العظيم من فضله، نسأل الله تعالى أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى العلم والعمل وعلى الإخلاص. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة


    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الاعتكاف وأحكامه [1]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (26)



    إن من أعظم السنن المؤكدة والتي كان النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يحرص عليها: الاعتكاف، ويحرص المسلم فيه خصوصاً على عكوف القلب والجوارح على طاعة الله جل في علاه، وللاعتكاف أحكام وآداب ينبغي على كل من أراد فعل هذه السنة العظيمة أن يتعلمها ليعمل بها.
    تعريف الاعتكاف وحكمه


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.الاعتكاف: هو اللبث والحبس والملازمة لبيت الله سبحانه وتعالى، يقول الإمام الشافعي الاعتكاف معناه: لزوم المرء شيئاً وحبس نفسه عليه براً كان أو إثماً.فهذا معناه اللغوي، فالإنسان إذا حبس نفسه على عمل معين والتزمه فهذا اسمه اعتكاف، عكف على كذا، أي التزمه.ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] أي: ملازمون لعبادتها، وحابسون أنفسكم عن غيرها.قال تعالى: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ [الأعراف:138] أي: ملازمون على عباده الأصنام من دون الله سبحانه وتعالى.وقال تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، إذا انعكف على الشيء، بمعنى: التزم الشيء وحبس نفسه عليه. وسمي الاعتكاف اعتكافاً؛ لأنك تحبس نفسك في بيت الله عز وجل، وتلازم بيت الله سبحانه للعبادة في وقت معين من السنة، أو في وقت معين من شهر رمضان.ويسمى الاعتكاف: اعتكافاً وجواراً، فيصح أن يقال: معتكف أو مجاور لبيت الله.وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا حائض فأرجله) أي: تغسل وتسرح شعره عليه الصلاة والسلام وهي حائض، وهذا فيه: بيان جواز أن تمس المرأة الحائض زوجها حتى وإن كان معتكفاً، فيجوز لها أن ترجل شعره، وقد كانت غرفة النبي صلى الله عليه وسلم بابها إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، فكان يقف على باب غرفته صلى الله عليه وسلم ويدني رأسه فتغسل له رأسه، وترجل شعره صلوات الله وسلامه عليه.ولعل في تسمية الاعتكاف مجاورة أنه: مجاورة لبيت الله سبحانه، وفيه معنى الجوار وهو الحماية، فأنت في بيت الله سبحانه وتعالى تنتظر فضل الله عليك سبحانه، وفي حمايته ملازم لبيته سبحانه وتعالى، فالذي يجاور يرجو من الله الحماية والرعاية والعناية والنصر والتأييد والفضل والكرم.المعنى الشرعي للاعتكاف: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص، بنية مخصوصة، واللبث: هو المكث في المسجد، من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل أو المميز، وإذا كانت مسلمة فتكون طاهرة من الحيض ومن النفاس.فهو الإنسان الطاهر الذي يلازم المسجد، وأما الجنب فلا يجوز أن يمكث في المسجد، وعليه أن يغتسل ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه.والاعتكا سنة، ولا يجب إلا بالنذر، فإذا نذر المسلم أن يعتكف وجب عليه، وأما إذا لم يوجد نذر فهو سنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالذي ينذر نذراً فيه طاعة لله فليفعل.ويستحب الإكثار من الاعتكاف، وليس في رمضان فقط بل يستحب في أي وقت من السنة، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ما يتيسر له، فكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، والغرض من الاعتكاف الحرص على ألا تفوته ليلة القدر.جاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية، والقضاعي في مسند الشهاب عن أبي عثمان قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء : يا أخي! عليك بالمسجد فالزمه فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسجد بيت كل تقي) أي: أن لزوم المسجد دليل على تقوى العبد، فالذي يلازم بيت الله سبحانه سواء في اعتكاف أو في غير اعتكاف، ويكثر من تواجده في بيت الله سبحانه، فيجلس ما بين الصلاة إلى الصلاة، ويحرص على حضور حلقات العلم، ويحضر مع الناس صلوات الجماعة والنافلة من تراويح ونحوها، فهذا من ضمن الأشياء التي يلتزم بها المسلم ليكون ملازماً لبيت الله.
    تأكد سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان


    جاء في لفظ لحديث عائشة في البخاري قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فيجوز الاعتكاف للرجال وللنساء.وقال في حديث عند أحمد : (التمسوها في العشر الأواخر) يعني: ليلة القدر.وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام) أي: يراجع القرآن كله من ساعة ما بعث إلى موته، فكل سنة في رمضان يراجع القرآن، ولهذا قلنا: إنه يستحب أن يختم القرآن مرة في صلاة التراويح في رمضان، ويستحب للمسلم أن يختم القرآن أكثر من مرة في رمضان بحسب قدرته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في رمضان، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن، والعرض: هو قراءة التلميذ على الشيخ، فيقرأ التلميذ والشيخ يسمع، فيصحح للتلميذ، والعكس فالشيخ يقرأ ليصحح للتلميذ فكان جبريل يعارض مع النبي صلى الله عليه وسلم، في كل سنة في رمضان إلى آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قبض فيه.وقرأ جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله على هذا الترتيب الحالي الذي بين أيدينا، فأتم الله عز وجل نوره، ولا يمنع ذلك أنه نزل بعد ذلك آيات كقوله تعالى:: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، فكان يقول له: ضعها في المكان الفلاني.وفي العام الأخير من حياته صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً، وكان كل سنة يعتكف عشرة أيام.
    استحباب قضاء الاعتكاف لمن فاته

    يستحب لمن فاته الاعتكاف أن يقضيه، فإذا فاته في رمضان يستحب أن يقضيه في شوال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرة، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة رضي الله عنها فأذن لها)، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنسائه أنه سيعتكف في الأيام الآتية من رمضان وهي العشر الأواخر، فاستأذنت عائشة رضي الله عنها أن تعتكف هي أيضاً فأذن لها، (وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها من غير إذن) والبناء: هي خيمة ينصبها المعتكف ليختلي بنفسه. وكأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يتسابقن إلى الطاعة والخير، وإلى حب النبي صلى الله عليه وسلم والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فكان إذا صلى بالناس صلاة ذهب إلى خيمته في المسجد، وكان يحجز له مكاناً ليصلي فيها في الليل صلى الله عليه وسلم، فكان يصلي الليل كله، ثم يصلي بالناس الفجر، ثم ينصرف إلى مكانه، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم إلى خبائه وجد عدداً من الأخبيه، فسأل عن أصحابها فقالوا: هذا بناء عائشة ، وحفصة ، وزينب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آلبر أردن؟ ما أنا بمعتكف).فلم يعتكف في هذا فرجع صلوات الله وسلامه عليه فأمر في بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف في العشر الأول من شوال، فعوض وقضى ذلك، وقد فعل ذلك لأنه خشي أن تتغير النية من اعتكاف زوجاته، وعلم بذلك أزواجه أمهات المؤمنين أن الأصل في الأمر العبادة.وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبية كلها فقوضت ولم يعتكف في رمضان، وعوض ذلك في العشر الأول من شوال، وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العيد ولم يصمه، وهذا فيه دلالة أن الاعتكاف في المسجد في غير رمضان لا يشترط فيه الصيام.فإذا كان الإنسان مريضاً في رمضان وهو معتكف وأراد أن يكمل اعتكافه، وأفطر في رمضان بسبب مرضه وهو معتكف، فيجوز له أن يواصل الاعتكاف، فلا تعلق للاعتكاف بكونه صائماً أو مفطراً.
    وقت الاعتكاف


    ومن أراد تمام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فعليه أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة أحدى وعشرين، ويبدأ الاعتكاف من أول العشر الآخرة، سواء كان رمضان تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، فهي تسمى العشر الأواخر.ولو فرضنا أنه تيسر للمعتكف الدخول ليلة أحدى وعشرين فدخل ليلة اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين، فلا يلزمه شيء وليس عليه شيء؛ فالاعتكاف كله سنة.والراجح من أقوال أهل العلم وهو قول الجمهور: أنه يجوز أن يعتكف الإنسان ساعة فإذا أتيت إلى المسجد بين الظهر والعصر بنية الاعتكاف فلك أجر الاعتكاف، وهذا الصحيح لعدم وجود الدليل على المنع، أو إبطال الاعتكاف في أقل من يوم أو ليلة.وقال بعض أهل العلم: إنه لا يصح ذلك، ودليلهم وإن كان ليس نصاً في المسألة وليس ظاهراً فيها، لكن لعل فيه إشارة إلى ذلك، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذنه عمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وكان ذلك نذراً عليه، له: (أوفِ بنذرك)، فاعتكف ليلة وما جاء أقل من ذلك، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منع من اعتكف أقل من ذلك.فالاعتكاف يرجع للمعنى اللغوي وهو: اللبث والمكث في المسجد، فمن مكث في المسجد ولو وقتاً يسيراً بنية الاعتكاف فله الاعتكاف.وأما كمال الاعتكاف فهو أن تعتكف العشر الأواخر من رمضان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتيسر ذلك، وأما إذا لم يتيسر لك ذلك بسبب ظروف خارجة عن إرادتك، وكانت نيتك أن تعتكف، فلك أجر النية ولا شيء عليك.وقد يكون بسبب أن المسجد لا يكفي الجميع إذا أراد عدد كبير من الناس الاعتكاف، فقد لا يسمح القائمون على المسجد لك بالاعتكاف؛ لأنهم لا يقدرون على خدمة عدد كبير من الناس مثلاً، فليس عليك شيء وأنت مأجور على نيتك.وفي هذه الأيام تحصل ضجة كبيرة جداً من إخواننا بسبب رغبة الكثير منهم في الاعتكاف في المسجد، رغم أن المسجد لا يمكن أن يستوعب، أعدادهم كبيرة ويمكن لمن أراد الاعتكاف أن يعتكف اعتكافاً مشروطاً، فيشترط أن يكون الأكل والشرب والنوم في بيته، ويأتي بقية يومه ليقضيه في المسجد، فهذا جائز، ويجدد نية الاعتكاف كلما أراد العودة إلى المسجد.ويقول العلماء: يخرج المعتكف من الاعتكاف بعد غروب الشمس ليلة العيد، وإن كان الكثير من العلماء يستحبون أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، لكنه لو خرج ليلة العيد فلا شيء عليه.
    شروط الاعتكاف


    لكي يصح الاعتكاف لا بد أن يكون المعتكف مسلماً، فلا يصح أن يعتكف كافر. وأن يكون عاقلاً، وهذا شرط لوجود أي إنسان في المسجد أن يكون عاقلاً، فلا نأتي بالمجانين من الطرق يصلوا في المسجد، وكذلك السكارى والذين يتعاطون المخدرات، قال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، فالذي يأتي المسجد لا بد أن يكون عاقلاً يعي ما يقول وما يفعل، لكي يصلي صلاة صحيحة تقبل منه.فلا يعقل أن آتي بإنسان ذاهب العقل بسكر أو جنون ثم أقول له ادخل المسجد لتصلي.ومن شروط الاعتكاف النقاء من الحدث الأكبر سواء كان الجنابة أو الحيض أو النفاس، فلا يصح اعتكاف الحائض ولا النفساء ولا الجنب.
    بعض أحكام الاعتكاف

    يصح اعتكاف الصغير المميز والمرأة، فلو أن صبياً مميزاً أراد الاعتكاف جاز أن يعتكف وإن كانت بعض المساجد تمنع ذلك؛ بسبب الأعداد الكبيرة التي تريد الاعتكاف من الكبار، وخوفاً عليهم من الفتن في المساجد، فالذي يعتكف في المسجد ويبيت في المسجد هم الرجال الكبار.ويحرم على المرأة المتزوجة الاعتكاف بغير إذن الزوج، فلو أن مسجداً فيه مكان للنساء يعتكفن فيه وأرادت امرأة أن تعتكف فمنعها زوجها، فلا يجوز لها أن تعتكف، فلا بد من إذن الزوج.ولو أنها نذرت أن تعتكف فينظر هل هذا النذر كان بإذن الزوج أم بغير إذن الزوج؟ فإذا لم تكن استأذنت منه فله أن يمنعها؛ لأن حقه عليها أن تكون في البيت.لكن إذا نذرت بإذن الزوج فيلزمه أن يسمح لها إذا كان اعتكافاً في وقت معين، أو مكان معين.الاعتكاف يكون في المساجد قال تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، واللام في كلمة (المساجد) للجنس، أي: كل المساجد، أو للعهد، أي: المساجد المعهودة لصلاة الجماعة، أو مساجد الجمعة، فهي لمساجد التي تصح فيه صلاة الجماعة وليس مسجد البيت، فلو أن إنساناً عمل غرفة داخل بيته وقال: هذا هو المسجد الذي أصلي فيه، فيسمى مسجداً ولكن ليس هو الذي يصح فيه
    الاعتكاف، بل لا بد أن يكون المسجد المعروف أو المعهود شرعاً.فالاعتكاف يكون في أي مسجد من المساجد طالما أنها تصلى فيه جماعة، فيصح الاعتكاف في كل مسجد جماعة، وهذا الصواب من أقوال أهل العلم، وإن ذهب البعض وهم ندرة قليلة جداً إلى أنه لا بد أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط.فهذا رأى بعض أهل العلم من الصحابة مثل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ولكن جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم على خلاف ذلك.فقد جاء عن حذيفة أنه أنكر على الناس في العراق أن يعتكفوا ما بين دار ابن مسعود وبين داره، فقال لـابن مسعود: ألا تعجب لأناس عاكفون ما بين دارك وبين كذا، وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؟ فقال في رواية: لقد علمت، أو أنه قال: وعلمي ذلك، أو أنه رفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى، وكل هذا بنفس الإسناد، فكأن الراوي شكك في هذا.وإذا جاء بعض أهل العلم وصحح هذه الرواية فلا يلزمنا التصحيح في ذلك؛ لأن القرآن يخبر وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ



    [البقرة:187].فالتخصيص يحتاج إلى دليل قوي، وليس دليلاً ظاهره الاحتمال، بل لا بد أن يكون دليلاً قوياً في ذلك، ولذلك لما قال حذيفة ذلك لـابن مسعود ، قال ابن مسعود يرد عليه: لعلهم أصابوا وأخطأت. يعني: لعلك أنت الذي نسيت أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة له فضيلة على بقية المساجد، وعلى فرض تصحيح الحديث، فيؤول الحديث على أنه يرجى فيها الفضل العظيم فتشد لها الرحال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).فإذا نظرنا إلى من قال ذلك سنجد حذيفة من الصحابة، فقد حكى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فقط: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبيت المقدس.وقال الزهري ، والحكم ، وحماد : إن الاعتكاف لا يصح إلا في الجامع، وكأنهم يفرقون بين المسجد الذي تصلي فيه الجمعة والذي لا تصلي فيه، فقالوا: لا يصح إلا في المسجد الذي يصلى فيه جمعة وجماعة.وقال أبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور يصح في كل مسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وهذا قول جمهور العلماء.وقال عطاء : لا يصح إلا في مسجد مكة والمدينة فقط، المسجد الحرام ومسجد المدينة.و سعيد بن المسيب يقول: لا يصح إلا في مسجد المدينة فقط، وستجد أقوالاً قالها الواحد أو الاثنان، وأما جماهير الأمة فقالوا: الآية تفيد أن الاعتكاف يصح في كل المساجد، ولا يوجد دليل على التخصيص، والدليل الذي توهمه بعض أهل العلم فليس نصاً في المسألة، بل إن الحديث جاء في روايتين مختلفتين، وقد أنكر عليه ابن مسعود رضي الله عنه.وقال العلماء وبفرض صحته فيكون معناه: لا اعتكاف أجمل ولا أكمل ولا أتم من أن يكون في المساجد الثلاثة، أما في غيرها من المساجد فالاعتكاف فيها جائز في أي مسجد من المساجد.وأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، وبعده المسجد النبوي، وبعده بيت المقدس، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فالمسجد الحرام الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، ولذلك كان الاعتكاف فيه أفضل؛ لأن الاعتكاف تكثر فيه الصلاة، والصلاة في المسجد الحرام فضلها وأجرها كبير كما سبق، وأنت على صلاة ما دمت على وضوء ولو لم تصلِ.والأفضل هو الاعتكاف في مسجد تصلى فيه الجمعة؛ لكي لا يضطر للخروج يوم الجمعة والصلاة في مسجد آخر، فالأفضل ألا يخرج من المعتكف، فيصلي في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى).وأما قوله: لا اعتكاف إلا مسجد جامع، فهذا ليس مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من قول عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها في ذلك.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الاعتكاف وأحكامه [2]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (27)



    الاعتكاف سنة مستحبة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون الاعتكاف إلا في المسجد، ويصح الاعتكاف ولو ساعة واحدة.والخروج من الاعتكاف بغير عذر يبطله.ويجوز الاشتراط في الاعتكاف بالخروج لقضاء حاجة أو لعمل أو غير ذلك، وللاعتكاف أحكام مبسوطة في الشريعة في حال النذر أو التنفل.
    أحكام الاعتكاف

    تعريف الاعتكاف

    الاعتكاف: هو المكث في المسجد من شخص مخصوص، في وقت مخصوص، بنية مخصوصة، وشرط هذا الذي يمكث في المسجد أن يكون مسلماً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون طاهراً من الحدث الأكبر، فإذا كان رجلاً فيكون طاهراً من الجنابة، أو امرأة فتكون طاهرة من الجنابة والحيض والنفاس.
    حكم الاعتكاف

    الاعتكاف سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون واجباً إلا بالنذر، أي: إذا نذر المسلم أو المسلمة الاعتكاف فإنه يلزمه الوفاء بنذره كما ذكرنا في الحديث السابق.
    مكان الاعتكاف


    إن المساجد التي يعتكف فيها هي كل المساجد التي يجوز الصلاة فيها، فإذا كان مسجداً يصلى فيه صلاة الجماعة، فإنه يجوز أن يعتكف في هذا المسجد، وجميع المساجد يجوز الاعتكاف فيها، وأما مسجد البيت كأن يجعل إنسان في بيته حجرة ويقول: هذا مسجد أصلي فيه في البيت، فهذا مسجد بيت وليس مسجداً جامعاً، فهو لا يصلح للاعتكاف.
    استواء المساجد في الفضيلة إلا ثلاثة مساجد
    إن المساجد تستوي في الفضيلة إلا الثلاثة المساجد فهي أعظمها فضيلة، وهي: المسجد الحرام، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، والصلاة فيه بألف صلاة، والمسجد الأقصى والصلاة فيه بعدد كثير، قيل بخمسمائة، وقيل بمائتين وخمسين صلاة، ثم تستوي كل المساجد بعد ذلك.

    حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة أو في أحدها

    فلو أن مسلماً نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة لزمه نذره، فإذا اختار الأفضل وفى بنذره بذلك، ولذلك جاء أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال: صل ههنا)، فبين له أن النذر لا يصح أن تفي به، هنا أفضل، أي: أنت في مكة ومكة أفضل، (صل ههنا)، (فالرجل أعاد عليه، فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً)، يعني: الأمر أنت تريد هناك، وهنا الفضيلة أعظم، وتريد أن تذهب إلى هنالك فيه فضيلة وشأنك إذاً، فيجوز أنك إذا نذرت أن تصلي في مسجد معين من المساجد الثلاثة فتفي بنذرك فيه، ويجوز أن تفي بما هو أعظم منه، فإذا نذرت في الأقصى جاز في المسجد النبوي وكذلك في المسجد الحرام، وإذا نذرت في المسجد النبوي جاز في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، وإذا نذرت في المسجد الحرام فلا تفي بنذرك إلا هناك في المسجد الحرام، سواء هذا النذر كان يوماً أو ليلة أو صلاة.. أو أي شيء، طالما أنه عبادة.
    مدة الاعتكاف وحكمه بصوم أو بغير صوم


    وفي الصحيحين: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام)، أي: أنه نذر في الجاهلية قبل أن يسلم، فملزم بهذا النذر بعدما أسلم؛ لأن النذر طاعة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فأوف بنذرك) يعني: اذهب واعتكف في المسجد الحرام، وهذا دليل على أن الاعتكاف لا يلزم معه الصوم، ولو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم لقال له: اعتكف يوماً وليلة، وليس ليلة فقط، فلابد من يوم مع هذه الليلة حتى تصوم هذا اليوم.فلما لم يقل له ذلك دل على أنه يجوز أن يعتكف في الليل، وهذا الحديث أخذ منه بعض أهل العلم: أنه لا يجوز الاعتكاف أقل من ليلة، قالوا: لأن هذا أقل شيء فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر قال ذلك، لكن لم يأت عن غير عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أقل من ذلك حتى نقول أن رسو الله صلى الله عليه وسلم رفض ذلاك أو وافقه، فالأصل في الاعتكاف أنه المكث في المسجد بنية اللبث فيه، وبنية العبادة، فطالما أن هذا مجرد فعل فالفعل لا يفيد للتخصيص.إذاً: يجوز أنه يعتكف في المسجد ولو ساعة؛ لعموم قوله تعالى: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].ولو عينوا مسجداً من المساجد غير هذه المساجد الثلاثة لم يتعين، يعني: لو قال: لله علي نذر أن أعتكف في مسجد نور الإسلام، فيجوز أن يفي بنذره ويجوز أنه يعتكف في مسجد آخر، لأن المساجد كلها تستوي فضيلتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وقدمنا أن معنى هذا الحديث: أنه لا يسافر الإنسان مرتحلاً إلى مسجد من المساجد زاعماً فضيلة لهذا المسجد، وإلا فالسفر جائز لطلب العلم، فيسافر من بلد لبلد، والمسجد الفلاني فيه درس علم، فلم يمنع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، إنما المنع أن يعتقد الإنسان أن لمسجد من المساجد فضيلة، مثلما يزعم بعض الناس أنه إذا سافر للسيد البدوي فإن هذا له فضل، فهذا كذب، فالمساجد كلها تستوي إلا الثلاثة المساجد التي ذكرها النبي صلوات الله وسلامه عليه.إذاً: يجوز الاعتكاف في كل المساجد، والأفضل أن يعتكف صائماً، حتى يخرج من خلاف أهل العلم الذين قالوا: إنه لابد من أن يكون صائماً.وقلنا: إن الراجح أنه يجوز أن يعتكف بغير صوم، وهذا مذهب الشافعية ومذهب إسحاق بن راهويه وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد .وبقية العلماء قالوا: إنه لابد من صوم، فيراعى ذلك، فمن أراد أن يعتكف فليصم مراعاة للخلاف بين أهل العلم، لكن الراجح: أنه لا يلزم الصوم.وإذا نذر أن يعتكف صائماً فلابد أن يفي بنذره، فإذا نذر أن يعتكف يومين ويصوم في اليومين، فعليه أن يصوم اليومين ويعتكف في هذين اليومين.ولو نذر أن يعتكف مصلياً لزمه الاعتكاف ولزمه الصلاة التي نذرها، فإذا أطلقها صلى ركعتين طالما أنه أطلقها طالما ولم ينو الاستيعاب، فإذا قال الإنسان: لله علي نذر أن أعتكف الليلة الفلانية وأقوم من أول الليل حتى الفجر، فإنه يلزمه الوفاء بنذره، لكن إذا نذر مطلقاً: أن أعتكف ليلة مصلياً، فإنه يجزيه لو صلى ركعتين؛ لأنه لم يرد ولم يحدد بنذره استيعاب الليل كله.ولو نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته فعليه أن يعتكف شهراً آخر، فيقضي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي العشر الأواخر من رمضان في شوال، وهي نافلة، والنذر يقاس على ذلك، فمن نذر أن يعتكف في رمضان لا نقول له: انتظر رمضان السنة القادمة؛ فلعله لا يعيش إليها، فيوف بنذره، فعلى ذلك غيره يغني، ولا يلزمه حين يقضي الاعتكاف الصوم وعلى الراجح والراجح: أنه لا تعلق للصوم بالاعتكاف.
    حكم نذر الاعتكاف مطلقاً من غير تحديد للوقت


    ذكرنا أنه يجوز أن يعتكف في أي وقت من الليل أو من النهار، وأفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، والأفضل أن يراعي خلاف من ذهب من أهل العلم أنه لا يقل عن يوم وليلة، وإن كنا نرى أن الراجح فيه: أنه يجوز أن تعتكف ولو ساعة على قول أكثر أهل العلم.ولو نذر اعتكافاً مطلقاً وقال: لله علي أن أعتكف
    في المسجد، فهو راجع لنية هذا الإنسان، ما هو الاعتكاف الذي يتخيله، فيلزمه ما تخيله، فإن كان مذهبه أن أقل اعتكاف يوم أو ليلة فيلزمه ذلك بنذره، فالنية والعلم الذي يعلمه يلزمه أن يعمل بهذا الشيء، وإذا كان يرى أنه يجوز ولو ساعة فليعتكف الساعة التي نواها بنذره.ولو نذر اعتكاف العشر الأخر من رمضان فإنه سيدخل في يوم عشرين المغرب حتى يستوعب الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، سواء كان الشهر تاماً ثلاثين أو تسعة وعشرين؛ لأن هذه هي التي تطلق عليها العشر الأواخر من الشهر.وفرق بين أن يقول: سأعتكف العشر الأخر من الشهر، وبين أن يقول: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام من رمضان، فإذا جاءت الأيام الأخيرة فكانت تسعة أيام بقي عليه يوم؛ لأنه قصد عشرة أيام.
    النية في الاعتكاف

    النية في الاعتكاف لابد منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل العبادات: (إنما الأعمال بالنيات)، وكل العمل الذي يتقرب به العبد إلى الله فلابد من النية فيه، ثم إذا نوى الاعتكاف وأطلقه كفاه ذلك وإن طال مكثه شهوراً أو سنين، يعني: إذا دخل المسجد وهو ينوي الاعتكاف فليس من اللازم أن يجدد النية كل وقت، فالنية الأولى تقضي على كل ما يأتي بعد ذلك، إلا أن يخرج فيرجع إلى المعتكف فعليه أن يجدد النية بذلك.وإذا عزم عند خروجه أن يقضي حاجته ثم يعود كانت هذه العزيمة تقوم مقام النية، كإنسان في المسجد وأراد قضاء الحاجة، وهو متعود على أن يقضي حاجته في بيته، حيث إن دورات الماء التي في المسجد لا توافقه، فيذهب إلى بيته ليقضي حاجته، وبهذا لا ينقطع الاعتكاف؛ لأن خروجه لقضاء الحاجة مع عزمه على العود دليل على نيته أنه ما زال معتكفاً.وإذا شرط في اعتكافه خروجه لعمل أو وظيفة فخرج لذلك ثم عاد لم يجب عليه تجديد النية، وهذه مسألة الاشتراط في الاعتكاف، وستأتي بعد قليل.ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، فطالما أنك جئت للمسجد تريد الاعتكاف فليس لك أن تخرج من المسجد إلا لعذر من الأعذار، وإذا نويت أو اشترطت أنه إذا جاءت جنازة تتبعها فلك ذلك، أو إذا مرض مريض ستخرج تعوده فلك ذلك، وإذا نويت فيها أنك تخرج لدروة الماء في بيتك أو تغتسل في بيتك فيجوز أيضاً ذلك، أو تنوي أنك تخرج من الاعتكاف من أجل أن تشتري طعامك أو شرابك فيجوز لك ذلك، وإذا كنت لا تقدر أن تأخذ إجازة من العمل فنويت أنك تخرج من الصبح حتى الظهر للعمل، وتعتكف الباقي أيضاً فيجوز ذلك.لكن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث العشر الأواخر كلها، فمن استطاع ذلك فهذا الأفضل، ومن لم يستطع ذلك، فبحسب ما يتيسر له، والاعتكاف كله سنة وليس فريضة.
    حكم من أراد الاعتكاف وأبواه يمنعانه

    ومن أحب أن يعتكف ورفض أبواه فطاعة الوالدين فرض، والاعتكاف سنة، فعليه أن يسمع كلام الوالدين ولا يعتكف، وليس له أن يقول: سأعصي الوالدين، إلا إذا كانا يعصيان الله ويأمرانه بمعصية الله سبحانه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.لكن إذا تعارضت نافلة مع فريضة، فهنا الفريضة أولى، ولو أن الوالدين قالا للابن: لا تصل في جماعة، فلا طاعة لمخلوق في ذلك؛ لأن صلاة الجماعة فريضة، فلابد من صلاة الجماعة.فإن قال أبواك: لا تعتكف، فعليك أن تطيع في ذلك، فلا تعتكف طاعة للوالدين في ذلك.
    حكم خروج المعتكف من المسجد لعذر أو لغير عذر


    لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان -وهذا الشاهد- لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً)، وبيت النبي صلى الله عليه وسلم كان بابه في المسجد، والغرفة النبوية هي الغرفة المدفون فيها الآن، وصارت بداخل مسجده صلوات الله وسلامه عليه الآن، لكن في الماضي كانت هذه الغرفة بابها إلى المسجد، فكان يقف على عتبة المسجد ويدني رأسه لتغسله، فالمدينة شديدة الحر، والإنسان يحتاج إلى أن يغسل رأسه غالباً أو كل يوم، فإذا أحب ذلك وقف على باب المسجد وغسلت عائشة رضي الله عنها رأسه، ولم يكن هناك دورات مياه في الماضي بداخل المسجد، وإذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم قضاء الحاجة يدخل بيته ليقضي حاجته.والمسلمون المعتكفون إذا أرادوا قضاء الحاجة خرجوا إلى بيوتهم فقضوا حاجتهم ثم رجعوا إلى المسجد، تقول عائشة : (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) يعني: يأكل أو يشرب أو يقضي حاجته صلى الله عليه وسلم، فالحاجة هي التي يريدها إذا كان معتكفاً صلوات الله وسلامه عليه.وإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه، والاعتكاف سنة وليس فرضاً، وإذا قلنا: بطل


    هذا الاعتكاف ليس معناه يأثم، فلا نقول: يأثم إلا إذا فرط في الواجب كالنذر، والغالب أن كل المعتكفين تقريباً لا أحد ينذر منهم، فلو أنه اعتكف ثم خرج من المعتكف لغير عذر، فهنا بطل اعتكافه لكن لا نقول له: أنت أثمت بذلك، ليس هناك ذنب في ذلك ولا إثم؛ لأن هذا تطوع، فإن شاء أكمل وإن شاء خرج.ويجوز أن يخرج رأسه أو رجله ولا يبطل اعتكافه، يعني: لو أنه أخرج رأسه من المسجد ليلكم شخصاً، فلا شيء عليه طالما أن رجليه داخل المسجد.وله الخروج لقضاء الحاجة: لبول أو لغائط، ولا يبطل اعتكافه بذلك، وكذلك يخرج ليغتسل في بيته، سواء كان يغتسل غسل جمعة أو يغتسل من الجنابة، فإذا وجد في المسجد مكان لذلك وهو لا يتحرج من ذلك، فيفعل ذلك في المسجد.وإذا كانت المرأة معتكفة في المسجد وجاء الحيض خرجت إلى بيتها، فإذا انتهت الدورة وكانت تعتكف اعتكافاً مسنوناً رجعت بعد ذلك إلى المسجد لتكمل اعتكافها، فإذا كان اعتكافاً منذوراً، فإنه بعد انتهاء وقت دورتها ترجع مرة ثانية لتكمل، ولا ينقطع الاعتكاف المتتابع بالخروج بسبب الحيض.وكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، كأن تشتري بضاعة من السوق، أو تشتري أشياء للمعتكفين في المسجد جاز لك.كذلك له الخروج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، فالاعتكاف سنة، فلو فرضنا أن المعتكفين في المسجد سمعوا حادثة خارج المسجد والناس يحتاجون إليهم، فعلى المعتكف أن يخرج ليفعل هذا الشيء وله أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، ويتعين عليه الخروج لإطفاء حريق، ولإنقاذ مصاب، والذهاب به إلى المستشفى، وله أجر عظيم على ذلك.فكل الأشياء التي يحتاج إليها المسلم جاز الله أن يخرج من أجلها، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، كذلك إن حدث شيء والناس يحتاجون إليه فخرج لإنقاذ من يمكن إنقاذه فلن ينقطع اعتكافه بذلك، وكذلك إذا تعينت عليه الشهادة في قضية حق لفلان وهو الشاهد في هذه القضية، ولم لم يذهب فإنه سيحكم على المظلوم، فعلى ذلك يجب عليه أن يخرج لأداء الشهادة، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، وبعد أن يشهد يرجع إلى المسجد.وكذلك لو أن المسجد فيه دورة مياه والإنسان يتحرج منها أو أنها لا تناسبه، وهو متعود على قاعدة معينة في بيته، كأن يكون عنده مرض أو مصاب بقولون عصبي محتد، فيذهب إلى الخلاء في بيته، ويستحيي من وجوده في المسجد، فيجوز له أيضاً، حتى ولو كان هناك دورة مياه في المسجد طالما أنها لا توافقه.وإذا خرج المعتكف لقضاء حاجة لا يلزمه أن يجري، بل يمشي على عادته، ويرجع على عادته، لكنإذا خرج لشيء ما فليس له أن يتحول عن حاجته إلى فعل آخر، فإذا خرج من المسجد لقضاء حاجته في بيته ليس له أن يذهب ليسلم على الجيران، ويدخل بيوتهم ويقعد، أو يذهب إلى السوق، لا ليس له ذلك، ولكن على قدر حاجته ثم يرجع إلى بيت الله سبحانه وتعالى.والاعتكا سيكون في المسجد كله طالما أن المسجد كله لله سبحانه وتعالى، فيكون في الطابق الأول، أو في الطابق الثاني، أو فوق سطح المسجد، طالما أن ذلك جزء من المسجد، فلو كان هناك حوش للمسجد تابع له والناس يصلون فيه، وهو من ملك المسجد، جاز الاعتكاف فيه، وأما إذا كان من الشارع ولا يصلى فيه فلا يصح الاعتكاف فيه.
    الاشتراط في الاعتكاف


    ذكر أن الاعتكاف يكون في العشرة الأيام كلها، لكن لو أنك اشترطت جاز الاشتراط، فإذا جاز الاشتراط في الحج وهو الفرض الواجب، فمن باب أولى أنه يجوز الاشتراط في المستحب كالاعتكاف، وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة)، أي: ترى نفسها مريضة، وتريد أن تحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: (حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني)، فإذا خرجت للحج وهي تنوي ذلك فاشترطت أنه في المكان الذي حبسها فيه المرض أو الخوف فتحل فيه، جاز لها ذلك، مع أن المحصر تلزمه الفدية، قال الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، لكن لو أن الحاج اشترط مثل هذا الشرط وأحصر في مكان بمرض أو عدوى أو نحو ذلك، فله أنه يتحلل ويرجع إلى بلده ولا شيء عليه، فإذا كان هذا في الحج، فالاعتكاف من باب أولى أنه يجوز فيه الاشتراط، فإذا اشترط المعتكف أن يخرج لعمله، أو اشترط أن يعتكف الليالي فقط، أو الأيام فقط، ونوى أنه إذا مرض يرجع إلى بيته، أو إذا مرض إنسان يذهب ليعوده، أو يشهد جنازة، أو يخرج لصلاة الجمعة في مسجد آخر، أو يخرج ليخطب في مسجد آخر، أو يخرج ليصلي التراويح بالناس في مكان آخر، طالما اشترط فله شرطه على أنه إذا قضى ذلك رجع إلى بيت الله عز وجل بعد ذلك.
    مبطلات الاعتكاف

    يبطل الاعتكاف بالخروج لغير حاجة، فلو أنه نوى الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وأنه لا يخرج، ثم جاءت جنازة لإنسان يحبه وعزيز عليه، فقال: سنخرج في هذه الجنازة، فخرج وهو لم يشترط في اعتكافه الخروج بطل اعتكافه، ويجوز له أن يرجع للاعتكاف مرة أخرى بنية جديدة، فيرجع مرة أخرى للمسجد وينوي من جديد، وله الأجر أيضاً على ذلك.إذاً: إذا خرج من الاعتكاف لغير حاجة إلا ما لابد منه بطل اعتكافه.ويبطل الاعتكاف بالجماع وبالإنزال، وليس معناه أن الإنسان يجامع في المسجد، لكن المقصود: لو فرضنا أنه في ليلة من ليالي رمضان خرج هذا في الليل إلى بيته ليقضي حاجته في هذا الوقت، فحكمه أنه معتكف، وما زال حكم الاعتكاف جارياً عليه، فوجد امرأته فجامعها في هذا الوقت؛ فهذا هو المقصد من قوله تعالى: َلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، فإن فعل ذلك بطل اعتكافه بذلك، إذاً: ويبطل الاعتكاف بالوطء، أي وطء كان. وكذلك بالسُّكْر إذا سكر المعتكف، وإذا ارتد والعياذ بالله، وهذا أفحش من الخروج، فالذي يخرج من المسجد لجنازة هذه طاعة، ولكنه بطل اعتكافه، فهل يعقل أن إنساناً يرتد ويكفر ثم نقول: اعتكافه صحيح؟! بل يبطل اعتكافه بذلك.ويبطل الاعتكاف بخروج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة إذا لم يشترط، فمن الممكن أن الذي يمرض يكون عزيزاً عليه، فإن المعتكف إذا خرج لزيارة المريض وهو لم يشترط ذلك يبطل اعتكافه، وإذا خرجت لزيارة فلان، أو
    لعيادة إنسان، فإذا كان هذا الاعتكاف اعتكافاً مستحباً فعلت ذلك، وإذا كان واجباً وقصدت ذلك في حال النذر قلت: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام في المسجد ولا أخرج إلا لما لابد لي منه، جاز لك ذلك حتى ولو كان الاعتكاف في النذر.لكن أحياناً لا ينوي المعتكف ذلك في الاعتكاف المنذور، ويتعين عليه أن يخرج، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان، واعتكف ثم مات أبوه أو ماتت أمه، فعلى ذلك تعين عليه أن يخرج إلى جنازة أبيه أو أمه، حتى وإن الاعتكاف نذراً، فعليه أن يخرج ثم يكمل اعتكافه؛ لأن خروجه متعين عليه الآن.وإذا تعين عليه الخروج لذلك وجب عليه الخروج ثم يرجع للاعتكاف، فإذا رجع للاعتكاف قضى ما فاته من أيام الاعتكاف، فلو فرضنا أنها عشرة أيام، وحصل فيها وفاة لفلان أو أنه احتاج إلى الذهاب إلى المستشفى، وليس هناك أحد يذهب معه إلى المستشفى إلا هو، فخرج معه لأنه تعين عليه ذلك، فقعد معه في المستشفى يومين، وهو قد نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة، فنقول له: اقض اليومين فقط، أي: أكمل اعتكافك وعوض يومين بعد ذلك مكان هذين اليومين.وإذا خرج لقضاء الحاجة فصلى في طريقه على جنازة، فإن وقف ينتظرها أو عدل عن طريقه إليها بطل اعتكافه.

    فلو
    أن مسلماً معتكفاً خرج إلى بيته لقضاء حاجته، فعرف أن فلاناً قد مات وهو لم يشترط أن يحضر جنازة أو غير ذلك، فقالوا: الجنازة ستأتي الآن، فإن وقف فصلى عليها في الطريق، فلا شيء عليه، فإن قال: سأذهب إلى بيت الجنازة، وأخرج معهم إلى القبر، ثم أرجع للاعتكاف يبطل اعتكافه بذلك، فإن بطل اعتكافه فليرجع ولينو أن يدخل في الاعتكاف من جديد؛ لأن الاعتكاف نافلة كما ذكرنا.إذا مرض الإنسان المعتكف: فإما أن يكون المرض يسيراً لا يشق عليه الإقامة في المسجد، فليكن في المسجد ولا يخرج، فإن خرج من المعتكف بطل اعتكافه، وهو أيضاً أمير نفسه، والاعتكاف تطوع، وإذا وجد أنه لا يستطيع أن يكمل وأنه سيتعِب من حوله فليخرج إلى بيته.وإذا كان المرض يشق معه الإقامة في المسجد فيباح له الخروج، فإذا خرج فلا ينقطع تتابعه، هذا إذا كان الاعتكاف منذوراً، وكان المرض مرضاً شديداً وهو معتكف، فيلزمه أن يخرج للعلاج، أو يذهب إلى بيته ليمرَّض هنالك، فليخرج وبعد الشفاء يرجع ويكمل الاعتكاف.ولو كان الإنسان يعتكف في المسجد وهو مريض مرضاً يخاف مع هذا المرض من تلويث المسجد، كأن ينذر أن يعتكف في المسجد، فجاءه إسهال شديد جداً لا يستطيع بسببه أن يمكث في مكانه؛ لأنه سيؤذي المصلين، وسيلوث المسجد، أو في كل لحظة يتقيأ، فهذا لا يجوز له أن يبقى في المسجد؛ لأنه يؤذي بيت الله سبحانه، ويؤذي المصلين بذلك، بل يلزمه أن يخرج إلى بيته، حتى وإن كان الاعتكاف نذراً؛ لأن اعتكافه ينافي مصلحة المسجد.إذاً: إذا كان الإنسان مريضاً فمرضه على نفسه ولا يتعدى إلى غيره، فليس هناك مانع من مجيئه إلى المسجد، وإذا كان مرضه سيتعدى ويؤذي غيره فلا يجوز له ذلك، بل يمكث في بيته أو في المستشفى حتى يصح، ثم يعتكف إذا أحب ذلك.وإذا أغمي على المعتكف في الاعتكاف، فإن لم يخرج من المسجد فيبقى اعتكافه باقياً على ما هو، وزمان الاعتكاف محسوب من الاعتكاف.وإذا أخرجه أهل المسجد حين أغمي عليه، وساروا به إلى المستشفى، فأخذ دواءً، ثم رجع ثانية إلى المعتكف، فأيضاً اعتكافه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنه معذور في ذلك.وكذا لو أن إنساناً تأتيه حالات صرع وهو معتكف في المسجد، فالأفضل ألا يعتكف؛ لأنه سيزعج من حوله، وسيشغل الناس عن عبادتهم به. إذاً: فأصحاب الأعذار لا يجب عليهم أن يكونوا موجودين في المعتكف في المسجد، فإذا كان صاحب عذر من ذلك، فليصل ولينصرف حتى لا يزعج الناس به.وهنا نتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في سفر ومعه مجموعة من أصحابه، ثم وجد إنساناً قد ظلل عليه، فكانوا منشغلين به، قال: (من هذا؟ قالوا: صائم، قال: ليس من البر الصوم في السفر).ومرة أخرى كان معه مجموعة صائمون، ومعه مجموعة مفطرون، فقام المفطرون وحضروا الطعام وحضروا والشراب، وقاموا بالعمل، والصائمون قاعدون متعبون في السفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، فانظروا إلى جمال الشريعة، فالنفع المتعدي أجمل، وصومك النافلة لنفسك، لكن ستتعب من حولك في أثناء الصيام، فإذا كنت مفطراً أعنت نفسك ولم تشغل غيرك، وكذلك الإنسان الذي يحب أن يحضر لصلاة الجماعة ولكن يعلم من عادته أنه في كل وقت تأتيه نوبة صرع، فإنه سيؤذي المصلين، أو قد يكون الإنسان مريضاً مرضاً شديداً يزعج الناس ويؤذيهم، كترجيع أو إسهال أو خروج دم من أنفه ورعاف وأذى للمسجد، فهنا لا داعي لحضوره، بل له عذر ألا يعتكف، وأنه يمكث في بيته حتى يشفيه الله سبحانه، أو يأخذ بالاحتياط، ولو فرضنا أنه سيخرج لصلاة الجماعة، ويأتيه رعاف بحيث يلوث المسجد بالدماء، فلابد أن يأخذا الدواء قبل وقت الصلاة؛ بحيث يمنع الرعاف في المسجد.وأحياناً بعض الناس يستهين بمثل ذلك، فيؤذي ويؤذي أذىً شديداً جداً، فتجده في المسجد الحرام وهو يطوف فيتبرز ابنه ويدوسه الطائفون، فيؤذيهم ويؤذي الملائكة، فلماذا لا يحتاط لابنه ويجعل ما يحفظه ويمنع خروج البراز؟! فلا تؤدِ الملائكة، ولا تلوث بيت الله سبحانه وتعالى، وخذ بالأسباب في ذلك حتى لا تطلب أجراً فيكون عليك إثماً بهذا الذي تصنعه، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - الاعتكاف وأحكامه [3]
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (28)



    إن الاعتكاف عبادة شرعها الله على لسان حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد، ولهذا الاعتكاف آداب ومستحبات ومكروهات ينبغي للمعتكف أن يعيها، ويتحلى بفعل المستحبات، وترك المكروهات؛ حتى تكون العبادة خالصة صافية نقية لله سبحانه وتعالى.
    مسائل في الاعتكاف

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
    الفرق بين اعتكاف النذر والنافلة


    إذا اعتكف المسلم فوقع في مبطل من مبطلات الاعتكاف: إما أن يتعمد ذلك، وإما أن يكره عليه، وإما أن يكون ناسياً، فإذا كان ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الله عز جل تجاوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، روى ابن ماجة عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) ، وكذلك عن ابن عباس عند ابن ماجة مرفوعاً (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فهذا من فضله سبحانه وتعالى: أن المؤمن إذا أكره على شيء أو نسي الشيء أو أراد الصواب فوقع في الخطأ فلا شيء عليه في ذلك، فالإنسان المعتكف إذا كان صائماً فأكل أو شرب نسياناً، أو أخطأ خطأً يعذر بمثله فلا شيء عليه، فكذلك في الاعتكاف لو أنه نسي فخرج من المعتكف فلا شيء عليه، ويرجع إلى المعتكف ويكمل الاعتكاف، وكذلك لو أكره على الخروج سواء حمل فأخرج، أو قبض عليه وأخرج ظلماً فلا شيء عليه، واعتكافه صحيح، فإذا رجع فليكمل اعتكافه الذي بدأ فيه. وذكرنا أن الاعتكاف إما أن يكون اعتكافاً منذوراً وهذا قليل، وإما أن يكون اعتكافاً نافلة، فالإنسان الذي انقطع عليه اعتكاف النافلة يرجع ويبدأ من جديد، أو يكمل هذا الاعتكاف الذي بدأه؛ لأنه لا حرج عليه ولا إثم في ذلك. وإذا خرج من اعتكاف النافلة متعمداً بطل التتابع، فلو رجع يكمل أياماً أخر، وهي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن فاتك التتابع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه. وإذا كان اعتكافاً منذوراً فينظر في هذا الذي وأخرج من الاعتكاف، إما أنه أخرج بحق أو بباطل، فإذا أخرج بباطل ظلماً وعدواناً فلا شيء عليه، وليرجع وليكمل اعتكافه وهو معذور في ذلك، وإذا أخرج بحق كأن يكون إنساناً ظالماً وعليه ديون لأناس فاختفى في المسجد حتى لا يقبض عليه، ثم أمسك من الاعتكاف وأخرج منه، فهذا يبطل اعتكافه؛ لأنه أخذ أموال الناس فأخرج وهو ظالم، فيفرق بين هذا وذاك.ولو خرج المعتكف لعذر من الأعذار كأن يخرج يشتري طعاماً للمعتكفين، أو خرجت مجموعة فطبخوا الطعام في مكان آخر، فلا شيء في ذلك، سواء نوى في أول الاعتكاف أو لم ينو؛ لأن هذه من احتياجات المسلم لأن يأكل ويشرب أو يغتسل، فهذه الأشياء لا ينقطع الاعتكاف بها. ولو أن المعتكِف خرج من المعتكَف ثم ذهب إلى بيته فباشر أهله بالمس، كأن سلم على زوجته فقبلها فلا شيء في ذلك، لكن لو وقع في الجماع فهنا قال الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، فلو أنه جامع أو أنه مس زوجته فنزل منه المني بطل اعتكافه، فإذا كان منذوراً متتابعاً انقطع التتابع، فيعيد من جديد، أو إذا كان الاعتكاف نافلة انقطع، فلينو وليدخل المعتكف من جديد بعد ذلك، ففرق بين النذر وبين النافلة. والمرأة المعتكفة إذا حاضت أو كانت حاملاً فجاءها المخاض فإنها تخرج من المعتكف إلى بيتها، وهي إما أن يكون اعتكافها نافلة وإما أن يكون نذراً، فإذا كان نافلة بطل الاعتكاف بخروجها؛ لأنها في حالة النفاس أو الحيض، وإذا كانت نذرت الاعتكاف متتابعاً لم ينقطع حتى تنتهي أيام الدورة، ثم ترجع إلى المعتكف وتكمل ما بقي عليها من النذر، وإذا لم يكن نذراً فالأمر واسع.
    ما يجوز للمعتكف فعله في المسجد وما لا يجوز

    الاعتكاف: هو ملازمة بيت الله سبحانه من شخص مخصوص، وهذا الشخص المخصوص قلنا: هو المسلم العاقل سواء كان مميزاً أو بالغاً، في مكان مخصوص- وهو بيت الله سبحانه-، في وقت مخصوص، وهو يحدد هذا الوقت وهو العشر الأواخر من رمضان، سواء اعتكف يوماً أو ليلة أو ساعة، فهذا هو الزمن المخصوص، فهذا المعتكف يلتزم بأمر العبادة بالصلاة، وبذكر الله عز وجل، وبقراءة القرآن.
    جواز الأكل ولبس أجمل الثياب في المسجد


    فمما يجوز للمعتكف فعله أن يأكل ويلبس رفيع الثياب وغير ذلك، وأن يتطيب في المعتكف، وبعض الناس يظن أنه لو تطيب أثناء الصيام بطل صيامه، وهذا خطأ، ولم يأت دليل يدل على الكراهة أو الحرمة، بل هو جائز، والمسلم يتطيب لبيت الله سبحانه، يقول الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] فالمعتكف يلبس الثياب الطيبة في بيت الله عز وجل، وخير ما يتزين له هو بيت الله، فإذا قمت إلى الصلاة فخذ زينتك في الصلاة، والبعض يقوم من النوم فيبقى لابس ملابس النوم وهو معتكف ويدخل على الصلاة بها، الصلاة صحيحة ولكن ليس هذا هو الأنسب، فالله يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف:31]، فتلبس الثياب الطيبة كما تفعل في بيتك عندما تقابل الضيوف، وخاصة كلما ارتفع قدر الضيف كنت متجملاً في استقباله أكثر، فبيت الله أولى، وملائكة الله
    أولى، وأنك تقف بين يدي الله عز وجل في صلاتك متزيناً فهذا أولى، فتتطيب وتتزين في صلاتك. قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].
    اجتناب أكل ما له رائحة في المسجد

    كذلك يجتنب المعتكف ما يؤذي الناس والملائكة في بيت الله، ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا)، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) فالملائكة مثل الإنسان عندما يشم رائحة شخص أكل ثوماً فإنه يتأذى منها، أو أكل بصلاً أو أكل كراثاً، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وفي رواية أخرى: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، وهذه الأشياء كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ما هو أشد من ذلك فليحذر المسلم أن يدخل المسجد ورائحة فمه نتنة يؤذي بها الملائكة، فيأكل طعاماً له رائحة خبيثة منتنة، ويأكل الثوم والبصل والكراث والأشياء التي لها رائحة يتأذى منها الخلق، أو يشرب السجائر ثم يدخل بيت الله عز وجل، فإذا كان على باب المسجد يرمي السيجارة ثم يدخل بيت الله عز وجل، ورائحة فمه يفر منها الإنسان فكيف بالملائكة؟! فجاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد من إنسان هذه الرائحة أمر بإخراجه من المسجد)، والآن لن نأخذ أحداً ونخرجه من المسجد، ولكن على الإنسان أن يستحي أن يكون في بيت الله ورائحة فمه تؤذي الملائكة، فلا داعي أن يأكل قبل الصلاة ثوماً أو بصلاً أو كراثاً طالما أنه سيأتي إلى بيت الله سبحانه وتعالى. وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال للناس: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين)، والخبث هنا ليس خلقة ولكن الرائحة هي الخبيثة، وإلا فيجوز أكل الثوم والبصل، قال: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) والبقيع خارج المسجد، فيأمر بإخراجه ليغسل فمه، ويبقى خارج المسجد ولا يقعد في المسجد ورائحة فمه فيها الثوم والكراث، قال عمر : فمن أكلهما فليمتهما طبخاً، فالبصل المطبوخ ليس فيه رائحة، وكذلك الثوم المطبوخ.
    الحفاظ على نظافة المسجد

    كذلك يستحب للمعتكف في المسجد أن يضع شيئاً بين طعامه وبين الأرض، فمن الممكن أن يكون الطعام الذي معه طبيخاً، فليضع سفرة بينه وبين الأرض، والسفرة: هي المفرشة التي توضع على الأرض، فيستحب للآكل أن يضع سفرة من ورق أو قماش؛ لأن الناس سيأتون للصلاة فيجدون رائحة الأرض فيها أثر من الطبيخ أو أي شيء يؤذيهم، فالملائكة تتأذى والمصلون يتأذون بذلك. وكذلك يحرم عليه توسيخ أرض المسجد وسجاده، فالبعض أحياناً يتهاون في ذلك، فيصيب اللبن أو غيره على فراش المسجد، واللبن ريحته قبيحة جداً عندما يمكث ساعتين أو ثلاث على الأرض، فإنه ينتن ويبعث رائحة مؤذية للمصلين، فليحذر الإنسان من أذية المصلين. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلي فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصيره. والحصيرة مفروشة ويدخل عليها برجله لابساً الحذاء فيدوس عليه الكبير والصغير، فيؤذي في بيت الله عز وجل، لاسيما إن كان وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات. هذا نقوله لإخواننا الذين يأتون بالصبيان الصغار إلى المسجد بدعوى أنه يعودهم على الصلاة، فيدخل ابنه لابساً الحذاء فيدوس بها على فراش المسجد، والأخوات اللائي يأتين بأولادهن كذلك، وإذا أنكر على إحداهن اشتاطت غضباً، فهذا يحرم، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: هذا من عظيم المنكرات. فتأملوا فيما يقوله الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    حكم النوم والاضطجاع والاستلقاء للمعتكف

    يباح للمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك؛ لأن المعتكف قاعد في المسجد طوال النهار، وينام فيه بالليل، فيفعل ما جرت عليه العادة أن يفعله مع الاحتشام والاحترام، فلا يضع رجلاً على رجل فوق الكرسي قدام الناس، فلا ينبغي هذا، يقول العلماء: للمعتكف النوم والاضطجاع، وله أن يمد رجليه وهو نائم، إذا احتاج إلى هذا الشيء. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثاً وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) ، عبد الله بن عمر كان يتمنى أن يرى رؤيا ليحكيها للنبي صلى الله عليه وسلم، وفعلاً رأى رؤيا في المنام أنه جاءه ملكان أخذاه وذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي كهيئة البئر المطوية وبداخلها أناس يعرفهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلك آخر فقال: لم ترع، يعني: لا تخاف أنت لست من أهلها، فقصها على حفصة ، فقصتها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (نعم الرجل عبد الله)، ونعم الرجل مدح، لكن يوجد تقصير عنده، قال : (لو كان يصلي من الليل) ، وابن عمر لم يكن يقوم كثيراً من الليل، فمن حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كان لا ينام من الليل إلا قليلاً. والمقصود: بيان أن ابن عمر كان يقول: كنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنه يجوز للإنسان المعتكف أن ينام في المسجد ولا شيء عليه، والمهم أنه يكون في وضع لا يؤذي فيه أحداً من الناس، وأيضاً لا يتكشف وهو على هذه الحالة.
    يجوز للمعتكف أن يزوج ويتزوج


    كذلك مما يجوز في المسجد: عقد الزواج، لو أن إنساناً خطب من إنسان ابنته أو أخته في المسجد جاز ذلك، فيجوز العقد في أثناء الاعتكاف، وأن تسوي الحفلة في المسجد، فهذا جائز، وهذا يذكره العلماء: أنه يجوز أن يتزوج الشخص وأن يزوج، وأما في الإحرام فلا يجوز ذلك، فقد يظن البعض أن حكم الاعتكاف كحكم الإحرام، فالإحرام فقط هو الذي لا يجوز له فيه ذلك، وأما في الاعتكاف فيجوز. فيستحب للمعتكف أن يشتغل بالطاعات من صلاة، وتسبيح وذكر، وقراءة قرآن، ومدارسة علم، فالإنسان يتعلم ويعلم غيره، ويطالع ويكتب ونحو ذلك، وينشغل بكل ما ينشغل به الإنسان في طلب العلم، فيجوز له ذلك، وله أن يقرأ القرآن ويقرئ القرآن غيره.
    جواز التجارة الخفيفة للمعتكف

    وكذلك التجارة، فيجوز أن يأمر بالشيء الخفيف، أما أنه يحول المعتكف إلى مكان للحسابات في الليل والنهار، ويتكلم بالهاتف المحمول: اعملوا كذا ولا تعملوا كذا، فالاعتكاف ليس لذلك، وأحياناً يكون في الهاتف المحمول نغمات موسيقية لا يحل للمسلم أن يضعها في بيت الله فيؤذي الملائكة بذلك، وإذا كانت الملائكة تتأذى بصوت الجرس مثل ناقوس النصارى فكيف بموسيقى فيها رقص وأغاني؟ وأحياناً يكون الناس في جنازة وشخص يدخل بمثل هذا الهاتف الذي فيه موسيقى، الناس يبكون على الميت وصاحبنا مشغول بالهاتف الذي عليه موسيقى راقصة داخل بيت الله تبارك وتعالى ولا يستحي! (فاستحيوا من الله حق الحياء) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وأحياناً نجد بعض الناس ينشغل بهاتفه في المسجد، فيشغل الناس والمصلين، فإنما بنيت المساجد لذكر الله، وللصلاة، وللعلم، وغير ذلك لا يصلح في المسجد، وأما أنك تدخل المسجد فتؤذي المصلين بالكلام في الهاتف فهذا لا ينبغي، بل اخرج من المسجد وتحدث براحتك في الشارع، وأما بيت الله عز وجل فليس لك أن ترفع صوتك فيه، إذا كان ليس لك الحق أن ترفع صوتك بالقرآن فمن باب أولى الكلام في الهاتف، والذين يفعلون هذا الشيء قليل جداً، ولكن بفعلهم هذا يؤذون الناس في بيت الله عز وجل بذلك. إذاً: فالمعتكف يجوز له أن يأمر بالشيء الخفيف في ماله إن احتاج إليه الناس، أو احتاج عياله أن يسألوه عن شيء.

    جواز الحديث مع الأهل للمعتكف
    كذلك له أن يتحدث بالحديث المباح مع أهله، كأن يأتي عياله ليزوروه في المسجد، فإذا كان في مكان لمثل ذلك جاز أن يتكلم معهم، وفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاءت السيدة صفية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم إليه وهو معتكف، فمكثت ساعة تتحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قامت تنقلب، فقام يقلبها -يوصلها- إلى بيتها صلوات الله وسلامه عليه، فمثل هذا جائز أن يوصل امرأته إلى بيتها وخاصة أن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت حول مسجده عليه الصلاة والسلام. وكذلك إن كان محتاجاً إلى شراء قوته وما لابد منه لم يكره البيع والشراء في المسجد، كأن يكون المعتكفون محتاجين إلى القوت في المسجد، فلا بأس أن يدفعوا الثمن إلى شخص ليشتروا منه وهم في المسجد، فمثل هذا يجوز في مثل هذا الوقت، وأما في غير الاعتكاف فلا يجوز البيع ولا الشراء بداخل المسجد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه الشعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. فلا بد أن نراعي آداب المسجد، والمحافظة على المسجد، وعلى أهل المسجد، وعلى الذاكرين الله عز وجل فيه، فلو تعود الناس على أن يساوموا التاجر في المسجد لأصبح المسجد سوقاً، وأقبح مكان يبغضه الله عز وجل هي الأسواق، فأبغض البقاع إلى الله الأسواق، وأحب البقاع إلى الله مساجده.
    النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وإنشاد الأشعار والتحلق قبل صلاة الجمعة

    كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنشد الضالة في المسجد وقال: (إذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فلو أنه ضاع منك شيء أو أنت لقيت شيئاً فقف على باب المسجد واسأل: من الذي ضاع منه هذا الشيء؟ أو اذهب إلى إدارة المسجد وضعها هناك. والذي ضاعت منه كذلك يتوجه إلى الغرفة فليسأل، فإذا كانت موجودة أخذها ولا يعلن في المسجد. ونهى أن ينشد في المسجد شعر من شعر الدنيا لغير هدف تعليم الشريعة والدين، وإلا فكان حسان بن ثابت ينشد في المسجد ويدافع عن دين الله عز وجل، ويؤيده جبريل في ذلك. ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة، فلو فرضنا أننا قلنا قبل صلاة الجمعة: يا جماعة عندنا درس علم وقعدنا، والتف الناس في حلقة قرآن أو حلقة حديث أو أي حلقة من الحلقات، فبهذه الحلقة ضيقنا على الناس المسجد، وكذلك الموعظة هي موعظة واحدة وهي خطبة الجمعة، فلا يصلح أن نعظ قبل الخطبة لا، فخطبة الجمعة تنفرد وحدها بالموعظة، وهذا فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك نهى عن التحلق قبل صلاة الجمعة؛ حتى لا يضيق المسجد على أهله، فهناك من يريد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وهناك من يريد أن يصلي الضحى، وهناك من يريد أن يذكر الله فيقرأ سورة الكهف وغيرها.
    جواز اشتغال المعتكف بالأمور اليسيرة


    وكذلك الجالس في المسجد له أن ينشغل بالشيء الخفيف، فيخيط ثوبه إذا كان الثوب له، كأن يكون انقطع فقعد يخيطه، فله ذلك، فيخيط الثوب الذي يحتاج إلى لبسه؛ لا أن يحترف ذلك فيجلس يخيط أثواب الناس في المسجد، فهذا لا يجوز، وهذا من الأشياء التي تفسد الاعتكاف. كذلك يكره فضول القول والعمل، كأن تكون قاعداً فارغاً فتقول لأحد المعتكفين: تعال نتكلم مع بعض، لا، فهذا اعتكاف لا بد أن تكون مشغولاً فيه بالله سبحانه، فعود نفسك أن تقعد ذاكراً لله، ومن لم يعتد ذلك يصعب عليه أن يقعد ساكتاً، فعود نفسك أنك تقعد ساكتاً إلا من ذكر الله وما تحتاج إليه، ولا نقول: اسكت عن الكلام، ولكن تكلم فيما تحتاج إليه، وتكلم فيما ينفعنا واترك الفضول والجدل، واترك الأسئلة الكثيرة التي ليس لها معنى ولا قيمة، وانشغل بذكر الله سبحانه وتعالى، وخفف عن نفسك كثرة الكلام، وانشغل بما فيه طاعة لله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال). فكثرة الكلام يكرهها الله عز وجل من الإنسان، فعود نفسك على أن تحترم أوقات غيرك، وأن تحترم صمت غيرك وانشغاله بذكر الله عز وجل، فلا تكن أنت مضيعاً على الناس أوقاتهم، فالذي في نفسك تحب تعمله وغيرك ليس بمهم ينام أو ما ينام، فاحرص على أن توفر على الناس أوقاتهم، وعلى أن تريح غيرك، وعلى أن تكون خادماً لغيرك، وليس غيرك الذي هو يخدمك ويقضي لك حاجاتك. ويكره رفع الصوت في المسجد ولو بالقراءة والذكر، فاقرأ بعينك وبلسانك ولا تسمع إلا أذنك فقط، ولا تتجاوز إلى صاحبك، ولذلك جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود : (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السترة، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه) فكل واحد يناجي ربه، والمناجاة حديث السر، (ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً) ، فرفْع الصوت بالقرآن يؤذي غيرك فلا يعرف كيف يقرأ، فأسمع نفسك فقط ولا تجهر فتسمع غيرك، (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة). فخل قراءتك بينك وبين الله عز وجل، وخف على نفسك من الرياء إن كنت تجيد القراءة، وإذا كنت لا تجيد القراءة فلا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فيضطر أن يقعد ليصلح لك أخطاءك ثم تنشغلون بالكلام. وكذلك في أثناء الاعتكاف يحرم على المعتكف أن يؤذي أحداً بشتم أو سباب، ويستحب إذا سبه إنسان ألا يجيبه، وإذا كان الإنسان صائماً فليقل: إني صائم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - زكاة الفطر
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (29)


    شرعت للمسلم بعض العبادات شكراً لله سبحانه بنوع من الشكر مغاير لما تعود عليه، ومن ذلك شرعية زكاة الفطر بعد صيام رمضان، ففيها شكر لله على نعمة الصيام، والتطهير من اللغو والرفث، والمواساة للفقراء، ولقد نظمها الإسلام فحدد من تجب عليه، ومتى تجب، وما مقدارها، ولمن تعطى، وهل تجوز الاستعاضة عنها بالقيمة، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.
    الأدلة على وجوب زكاة الفطر


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.زكاة الفطر تسمى: زكاة، ويسمونها: صدقة الفطر، ويسمونها: الفطرة، وهذا كله في كتب الفقهاء، والمقصد منها زكاة خلقة الإنسان، وكأن الفطرة: الخلقة، فهي زكاة على بدن هذا الإنسان في يوم العيد؛ حتى يطهر المسلم نفسه مما قد أصابه في خلال شهر رمضان من لغو ونحو ذلك.وزكاة الفطر فريضة، والعلماء كلهم على ذلك، فالجمهور على أن الفريضة هي الواجبة، وعند أبي الحنيفة أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب، بناءً على أصله أن الفرض ما ثبت بالدليل المتواتر، والواجب ما ثبت بسنة الآحاد، وزكاة الفطر ثبتت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يسميها واجبة، وإن كان عنده أنه إذا لم يخرجها الإنسان أثم، فاتفق الجميع على أنه إذا أخرجها فقد أخذ ثوابها، وإذا لم يخرجها مع علمه بوجوبها وقدرته عليها أثم على ذلك.ودليل وجوب زكاة الفطر ما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر -فسماها فريضة- صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).ففرضها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم طعاماً حتى يجد الفقير في يوم العيد ما يطعمه، وأعياد المسلمين أعياد عظيمة، فيها يفرح المسلم، وقد جعل الله عز وجل لنا عيدين في السنة، وفيهما ما فيهما من اللهو المباح.وأهم شيء أن الأعياد تبدأ بذكر الله سبحانه وتعالى، ويكون فيها الصدقات، ففي الفطر تكون زكاة الفطر، وفي الأضحى تكون الأضحية.فزكاة الفطر قبلها شهر رمضان فيكون العبد قد صام وتقرب إلى الله عز وجل بما استطاع من أعمال الخير في أعظم شهر في السنة، وفي الأضحى قبله العشر الأول من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة، فقبل العيد عبادة، وإذا أكمل المسلم هذه العبادة أخذ الأجر من الله عز وجل ففرح في يوم عيد الفطر، وفي يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام التشريق، فهذا فضل من الله يفرح به المسلمون وبالعبادة التي أدوها له سبحانه وتعالى.ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً منهما)، فهذه أعياد جاهلية أبدلهم الله بما هو خير منها: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما عيدان لأهل الإسلام. فصار العيد عند المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقبل عيد الأضحى عبادة، ثم يوم العيد يبدأ فيها بصلاة العيد، ثم يتقرب إلى الله بالهدي والأضحية ونحو ذلك.فهنا فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، وهذا كان قوتاً لأهل المدينة، ففي المدينة حدائق كثيرة فيها النخيل وأنواع التمور التي تزيد على الثلاثمائة نوع.فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض من الشيء الذي يجدونه والقوت الذي عندهم، وهو صاع من تمر أو شعير، والشعير لم يكونوا يزرعونه، وإنما كان يأتيهم من الشام، ويسمونه: درمك، فكان الرجل يعزله لنفسه، لأنه كان قليلاً ولم يكن كثيراً، وكان عيشهم غالباً هو عيش الشعير.فلم يكلفهم النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجدونه، ولكن أمرهم بإخراج ما هو موجود في أغلب البيوت، وهو التمر والشعير.قال: (على العبد والحر، والذكر والأنثى)، والعبد لا يخرج عن نفسه ولكن يخرج عنه سيده، وأما الحر فيخرج عن نفسه، إلا إذا كان غيره يلي أمره فيخرج عنه، وكذلك الأنثى والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
    متى فرضت زكاة الفطر


    فرضت الزكاة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في السنة الثانية قبل فرض رمضان، ثم فرضت زكاة الفطر في رمضان، وفرض الزكاة بعد فرض الصلاة، والزكاة كزكاة أموال فرضت في مكة، قال الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا [الأنعام:141].أي: حق المال، ولكن تحديد هذا الحق كمقدار ونصاب فإنه لم يحدد في مكة، وإنما كان ذلك في المدينة، فهذا فيه ربع العشر، وهذا فيه نصف العشر، وهذا فيه العشر، فحدد الله عز وجل الأنصبة في المدينة.والعلة في زكاة الفطر أنها تطهر المسلم من الرفث واللغو.
    شروط وجوب زكاة الفطر
    حتى تجب زكاة الفطر على العبد لا بد من ثلاثة شروط:الأول: الإسلام، الثاني: الحرية، الثالث: اليسار، فتؤدى عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين، ولا تؤدى عن غير المسلمين، فلو كان للمسلم أبوان كافران فلا يجب عليه أن يخرج عليهما، ولا على أبنائه وزوجته إذا كانوا غير مسلمين، ولو كان عنده عبيد غير مسلمين فلا يخرج عنهم كذلك، وإنما تخرج الزكاة عن المسلم.الحر فالذي يملك مالاً يلزمه أن يخرجها بشرط اليسار.واليسار: هو أن يجد المسلم ما يزيد عن قوت يومه وليلته، وأما زكاة المال فإنها لا تجب إلا إذا بلغ هذا المال نصاباً، ومر عليه الحول، فعندما يكون المسلم غنياً، والأنصبة حددتها الشريعة الحكيمة.فشرط زكاة الفطر ليس ملك النصاب، ففي يوم العيد لا بد أن تعم الفرحة جميع المسلمين، فلا يأكل أحد والثاني إلى جانبه جائع، فمن كان عنده في يوم العيد ما يزيد على قوت يومه وليلته فليخرج هذه الزيادة، وهذا من الرحمة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، ففي يوم العيد لا يبقى أحد فقيراً، فالكل يأكل، ولذلك كانت هذه الزكاة طعاماً، وهذه حكمة عظيمة، فقد لا يكون في البلد دكاكين يباع فيها الطعام يوم العيد، فيعطى الفقير طعاماً، ولا يعطى نقوداً؛ لأنه قد لا يجد من أين يشتري الطعام فيبقى جائعاً.فالاعتبا باليسار والإعسار حال الوجوب، فمن فضل عنه قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ولو صاع فهو موسر. والصاع مكيال يتسع حوالي كيلو ونصف تمراً، فلا هو قليل ولا كثير يشق على الناس.وفي ذلك رفق ومواساة، فهو رفق بالإنسان الذي يخرج المال فلا يخرج ماله كله، والمواساة للفقير، فيأكل كما تأكل الناس.فلو أن المسلم يملك صاعاً زائداً فيخرج عن نفسه ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن هذا هو الذي توفر عنده، فإذا كان لا يملك زيادة على قوت يومه وليلته لا يلزمه شيء، كما لا يجب عليه أن يستدين ليخرج زكاة الفطر، ولا تستقر في ذمته بعد ذلك؛ لأن وقت الوجوب قد انتهى، بخلاف من كان قادراً ولم يفعل فإنها تلزمه وتصير ديناً في عنقه.فاشترط العلماء أن يكون هذا المال الزائد زائداً على طعام يوم العيد وليلته، فائضاً عن حاجته، فقد يكون عنده مال ولكنه يحتاجه للعلاج مثلاً أو لإيجار المسكن أو غيره من حوائجه الأصلية، ففي هذه الحالة لا تجب عليه زكاة الفطر، فبعد أن يقضي هذه الحاجات يخرج الزكاة، ولو لم يبق معه فاضلاً عن حاجته إلا الشيء القليل أخرجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
    عمن يخرج المسلم زكاة الفطر



    حكم إعطاء الزكاة للمطلقة

    لو أن رجلاً طلق امرأته طلقة رجعية وهي مقيمة معه في البيت، فالمعلوم أن علاقتها لم تنفك بعدُ، فيلزمه النفقة عليها في فترة عدتها، ويلزمه كذلك الزكاة عنها، وأما إذا طلقها طلقة ثالثة وبانت منه فلا يلزمه الزكاة عنها، وفيما لو كانت المرأة حاملاً لا يلزمه أن يخرج عنها، وإنما يلزمه أن ينفق من أجل الجنين، والجنين ليس عليه زكاة فطر، وعلى ذلك لا يلزم أن يخرج عنه، ولا يلزمه أن يدفع عنها الزكاة في هذه الحالة.ولا تجب زكاة الفطر حتى تفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم (أبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا يقول: فبين يديه وعن يمينه وعن شماله) والمعنى: أخرج بحسب قدرتك، فأخرج عن نفسك وبعد ذلك عمن يلزمك: الأدنى فالأدنى.وفي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى
    الله عليه وسلم أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) أي: أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يعود نفسه على أن تكون يده هي اليد العليا، وصاحب اليد العليا هو المعطي، وصاحب اليد السفلى هو الآخذ، فليخرج ولينتظر من الله عز وجل السعة والبركة والرزق من وراء ذلك.وقال صلى الله عليه وسلم: (خير الصدقة عن ظهر غنى) أي: ما أبقى غنىً لصاحبه، فلا ينبغي أن يتصدق بماله كله ثم يظل مفلساً لا طعام له، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله.
    وقت وجوب زكاة الفطر

    أما متى تجب على الإنسان هذه الزكاة، أو ما هو الوقت الواجب بحيث إن من كان موجوداً في هذا الوقت: فعليه زكاة الفطر؟فالجواب: أنه قد صح عن ابن عمر أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس)، فيكون وقت الوجوب هو بعد فطر
    الصائم في آخر يوم من رمضان، فإذا غربت الشمس على الصائم وقد جمع بين اليوم وبين غروب الشمس لزمته هذه الزكاة، فلو أن إنساناً توفي قبل غروب شمس أخر يوم من رمضان فليس عليه زكاة، وأما إذا غربت عليه الشمس ثم مات بعد ذلك فيلزم إخراج هذه الزكاة عنه؛ لأنه كان حياً في وقت الوجوب.وهذه الزكاة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وقوله: طهرة للصائم، متعلقة بالصوم، فكأن الصائم إذا أفطر من رمضان ثم أخرج زكاة الفطر طهر صومه مما عسى أن يكون قد حدث فيه من لغو، أو رفث.قوله: (وطعمة للمساكين) إطعام للمساكين، (من أدها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).سبق أن ذكرنا أن غروب شمس أخر يوم من رمضان هو بدء وقت الوجوب، فلو ولد لرجل ولد، أو تزوج امرأة، أو ملك عبداً، أو أسلم الكافر بعد غروب الشمس، ولم يدرك شيئاً من رمضان فلا تلزمه زكاة الفطر، فلكي نقول عن فلان: إنه يلزمه إخراج زكاة الفطر لا بد أن يكون الذي يُخرَج عنه موجوداً في رمضان، وغربت عليه شمس أخر يوم من رمضان، فلو ولد له ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لزم من ينفق عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.
    حكم تعجيل زكاة الفطر


    عندما يتكلم العلماء على زكاة المال فإنهم يقولون: إن زكاة المال يجوز تعجيلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من العباس زكاة سنتين، فكأن فقراً شديداً ألم بالمسلمين فاحتاجوا للمال، فما وجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يبحث عمن عليه زكاة مال لم تجب بعد، فأخذ من العباس زكاة سنتين لا زكاة سنة واحدة، والسؤال هنا هل زكاة الفطر تلحق بزكاة المال؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى قياس زكاة الفطر على زكاة المال، فقال: طالما أن زكاة المال يجوز إخراجها من أول الحول، فلتكن زكاة الفطر كذلك، وهذا القول وإن كان قياساً لشيء على مثيله فإنه قياس مع الفارق، فصحيح أن كليهما زكاة، لكن العلة في زكاة الفطر أن تغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد، فهي طعمة للمساكين في هذا اليوم كما جاء في الحديث: (طهراً من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)، فكيف تؤدى قبل العيد أو قبل رمضان، كما أنها إن تقدمت قد تتعرض للتلف.وأما الإمام الشافعي رحمه الله فيقول: يجوز أن تخرج هذه الزكاة في رمضان كله، وما قيل في الرد على القول السابق يقال هنا أيضاً، فإذا أعطيت الزكاة في أول رمضان لمستحقها فقد يأكلها في أول رمضان، فإذا جاء يوم العيد لم يجد ما يغنيه، فنكون قد حرمناه من المال في يوم العيد، ولذلك فالراجح أن هذا لا يصلح أيضاً.وللحنابلة قولان في ذلك: الأول: يجوز أن نخرج من بعد نصف رمضان، وسيقال فيه ما قيل في الأقوال السابقة. والقول الثاني للحنابلة وهو قول الإمام مالك : أنها تخرج في ليلة العيد، أو عند الغدو إلى صلاة العيد، فاستحب الإمام مالك أنها تخرج عندما تغدو إلى صلاة العيد، وهذا ما اختاره ابن حزم أيضاً، وهو أن تخرجها وأنت خارج للصلاة، ولكن ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخرجها قبل العيد بيوم أو بيومين، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعطيها للذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، والحديث في صحيح البخاري وفيه أنه يجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه هو من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه فرض صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر، والمملوك، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير)، وعلى هذا فيجوز أن تخرج وتعطى لمستحقها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقديمها، وكلما تأخرت كان ذلك أفضل؛ لأجل أن ينتفع بها الفقير في العيد.وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، وقد أخذ من ذلك ابن حزم وغيره أن وقت الوجوب هو عند صلاة العيد أو بعد الفجر، فمن طلع عليه الفجر فهذا وقت الوجوب، وبنوا عليه كل المسائل التي ذكرناها قبل ذلك، لكن الراجح هو ما جاء في حديث: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان)، وهذا أوجه؛ إذ يقال إذا أفطرت من رمضان فإفطارك بغروب شمس أخر يوم من رمضان.
    حكم تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد

    لا يجوز تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس الذي رواه أبو دواد قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فلذلك لا يجوز تأخير الزكاة عن صلاة العيد إلا للضرورة، كما لو أن إنساناً كان قد أحضر الزكاة ليعطيها الفقراء قبل صلاة العيد فعاجله وقت صلاة العيد كأن لقى الناس قد شرعوا في الصلاة فالأولى في حقه أن يصلي أولاً، ثم يعطيها لمن يعطيها له بعد الصلاة؛ لأنه معذور.وكذا لو أن إنساناً أراد أن يعطيها لجاره فذهب إليه ليعطيه قبل العيد فلم يجده، فاحتفظ بها حتى حضر الظهر فلما رجع أعطاها له، فمثل هذين يجوز لهما أن يؤخرا إلى بعد الصلاة، وأما التأخير اختياراً إلى بعد صلاة العيد فإن صاحبها قد ضيع من فضيلتها من كونها زكاة فطر، بل صارت صدقة عادية من الصدقات.لذلك لا بد على الإخوة الذين يتلقون الزكاة لكي يخرجونها للفقراء أن يهتموا بأن يخرجوها قبل صلاة العيد، حتى لا تتأخر عن الفقراء.وقد يرد سؤالٌ هنا وهو: لو أن المرء وكل غيره بإخراج هذه الزكاة، فمتى يجوز له أن يعطيه أياها؟والجواب: يجوز له أن يعطيه إياها في أي وقت شاء سواءً قبل رمضان، أو في رمضان على ألا يؤخرها عن صلاة العيد، فكونك توكل الوكالة شيء والإخراج للفقير شيء آخر، فلو أن رجلاً أراد السفر ثم أتى إلى المسجد وأراد أن يعطي زكاة فطره لمن يأخذها ليعطيها الفقراء، فإنه بذلك قد وكل إنساناً يخرجها عنه، وصار من أخذها مؤتمناً عليها، فعليه أن يحفظها إلى أن يأتي وقتها، ثم يخرجها وينوي عن صاحبها.
    مقدار زكاة الفطر


    جاء في الحديث أنها صاع بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير).قوله: (صاعاً من طعام)، لعله قصد عموم الطعام، ثم فصل بعد ذلك، أو يقصد من طعام القمح إذ كان موجوداً عندهم القمح وكانوا يخرجون القمح أو الدقيق.قال: (أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب)، والملاحظ أن هذه الأشياء كلها مما يكال بالصاع، ولما لم يكن الصاع موجوداً في عصرنا، فقد حول هذا الصاع إلى وزن ومقداره حوالي: اثنين كيلو وربع من القمح، ويكون التمر حوالي: كيلو ونصف الكيلو، وإذا كان من الرز سيكون حوالي: اثنين كيلو ونصف الكيلو تقريباً، وإن كان الرز ليس مذكوراً في حديث أبي سعيد الخدري.والأقط: هو لبن الغنم أو الماعز يأتوا به الأعراب ويجففونه ثم يصنعون منه أقراصاً صغيرة، تحسباً أن تحصل مجاعة. أو انعدام زرع.وقد راعت الشريعة أن يخرج المسلم مما يتوفر عنده
    ويقدر عليه، فمن كان عنده زبيب فيخرج زبيباً، ومن كان عنده تمر فيخرج تمراً، وهكذا الذي عنده شعير والذي عنده قمح والذي عنده أقط، بحيث إن الفقير يجد أنك طالما تأكل شيئاً فعليك أن تعطيه مما تأكله، فإذا أعطيت للفقير ذلك فقد فعلت الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.قال أبو سعيد : (وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)، كأنه يقول: فرض علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج من الموجود عندنا، فهذا طعامنا الذي كنا نأكله، فقد كنا نخرج منه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك نعلم أن على الناس أن يخرجوا ما يناسب الناس وما هو أنفع لهم، وما يقتاتونه في زمنهم، إذ أن ما كان يقتات عليه في زمن أبي سعيد بعضه لا يناسب الناس اليوم كالإقط مثلاً، كذا لو خير أحد الناس اليوم بين أن يعطى أرزاً أو قمحاً لاختار الأرز، وهكذا ينبغي أن يقاس على هذه الأشياء ما كان قوتاً للناس، فيعطي للفقير من قوت أهل البلد؛ لأنه الأنفع للفقير، فتبرأ ذمة المعطى إذا أعطى أرزاً، أو فولاً، أو عدساً، أو تمراً، أو زبيباً، وبحمد الله قد رسمت جداول معلقة في المسجد بهذه الأشياء وقيمة هذه الأشياء، ولذا فإنه يجوز إخراج الحبوب والثمار التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألحق بها أيضاً والنظر في ذلك إلى العلة؛ إذ المراد أن يُغني الفقير في يوم العيد، فيجد الطعام الذي يأكله.ويجوز دفع الزكاة إلى فقير واحد، فلو كانت العائلة خمسة أفراد أو ستة أفراد فأخرج كل واحد صاعاً ثم أعطيت لفقير واحد جاز، كما يجوز أن يقسم الفرد الواحد زكاته على أكثر من فقير، ويشترط أن يكون من يعطاها مستحقاً، ولا ينبغي أن يعطى الزكاة من لا يستعين بها على طاعة الله، ولا من يعصي الله سبحانه وتعالى! كأن يكون إنساناً لا يصلي أو لا يصوم أو لا يحترم شعائر دين الله سبحانه وتعالى، وإنما تعطى الزكاة لمن يطيع الله سبحانه وتعالى، فتعطى لمن يصلي، وتعطى لمن يصوم، وأما الإنسان الذي يستهين بدين الله عز وجل فلا يستحق أن يأخذ هذه الزكاة.ولو انعدمت الأشياء التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في بلد ثم أخرجوا طعاماً آخر ليس هو الأنفع والأفضل من ذلك؛ فنص بعض الحنابلة منهم أبو عبد الله بن حامد على أنه إذا أخرج جبناً، أو لبناً، أو لحمة مع عدم وجود هذه الأشياء، أو مع وجودها، وكانت هذه أصلح وأنفع للفقير، فأعطى بمثل هذا القدر أجزأ ذلك عنه.وقد يتسائل البعض هل يجوز أن يخرج المرء قيمة هذه الأشياء المنصوص عليها؟ وهذه مسألة أختلف فيها الفقهاء على قولين، قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وداود بن علي وغيرهم على أن ذلك لا يجوز فلا يجوز، وإذا أخرجت لم يجزئ.وقول أخر وهو قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقول أبي حنيفة ، وقول الإمام البخاري ، وهو قول معاذ : أنه يجوز إخراج القيمة، وقد نظرو هنا إلى الأنفع للفقير، فما كان أنفع للفقير يجوز أن يعطيه إياه، والراجح في هذه المسألة أن الأمر واسع فيها، فيجوز أن تخرج الأشياء التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أخرجت مكانها قيمتها للفقير وكانت أنفع له أو احتاج إليها، أو هو طلبها مكان هذا الشيء، جاز أن تخرجها في ذلك، ولا يحتاج الأمر لكثير كلام فيها ولا كثير جدلٍ، فمن أخرج الأشياء المنصوصة فهذا حسن، وإذا وجد أن الفقير يحتاج إلى المال وهو أفيد له، كأن يكون لا يريد أن يأكل التمر أو القمح، بل يحتاج إلى أكل أخر غير هذا الشيء جاز أن يأخذ غيره، ولكن لا بد أن يكون بقيمة الأشياء المنصوصة، فمن وجد قيمة التمر أخرج قيمته، ومن وجد قيمة الزبيب وكان يريد أن يخرج قيمته جاز أن يخرج قيمته، وهكذا، وفي ذلك كلام جيد لـشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله يقول: إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل لا بأس بذلك، وضرب لها مثال فقال: كأن يكون المستحقون بالزكاة طلبوا منه أعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم أيها، فيقول: لو أن الفقراء قالوا: أنفع لنا أن تعطينا القيمة لا أن تعطينا ذلك، وكان هذا هو الأنفع لهم، أو أن الفقير سيعطى من القمح أو من غيره من الأشياء فيأخذها ثم يبعها فالأنسب أن الفقير يعطى المال، وله أن يشتري لنفسه ما يريد، وعلى ذلك فالأمر واسع في ذلك، فإذا أخرجت المنصوص عليها أجزأ عنك وكان أفضل لك، وإذا كان الأنفع للفقير بطلبه الآخر أعطيته الأخر، ولا نقول أنه لا يجزئ، والله أعلم.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

    - أحكام المساجد وآدابها وأحكام صلاة العيد
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (30)



    للمساجد آداب لا بد للمسلم أن يتحلى بها، فهي بيوت الله العامرة بالذكر والصلاة والعلم وغير ذلك، ويكره عند بنائها زخرفتها. ويحرم اتخاذ القبور مساجد، وحائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد. ويحرم الخروج من بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر، وبناء المساجد فضله عظيم عند الله سبحانه. وصلاة العيدين مشروعة، ولها آداب ومستحبات، والأحرى بالمسلم أن يلتزم بها
    تابع آداب المساجد


    صلاة تحية المسجد


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.مما ذكرنا في آداب المساجد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).ففيه أن المسجد له تحية، فإذا دخلنا المسجد صلينا تحية المسجد، وهذه التحية سنة على ما قال جماهير أهل العلم.وإذا دخلت في أي وقت من الأوقات المسجد صليت تحية المسجد حتى ولو كان الخطيب على المنبر يخطب، فلك أن تصلي ركعتين وتتجوز فيهما، ولا تتخطى الرقاب في دخولك المسجد، إلا في ثلاثة أوقات قليلة ضيقة، وهي أوقات حرم علينا النبي صلى الله عليه وسلم فيها صلاة النافلة وأن نؤخر الفريضة إليها اختياراً.
    الأوقات التي يحرم فيها صلاة النافلة وسجود التلاوة
    الأوقات التي تحرم النافلة فيها هي: وقت شروق الشمس إلى أن تطلع، وقبيل الغروب أيضاً، وقبيل صلاة الظهر.أي: عند طلوع الشمس حوالي ربع ساعة، وبعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة، ويحرم عليك فيها أن تسجد للتلاوة، أو تتنفل كتحية مسجد أو غيرها.كذلك قبيل صلاة الظهر بوقت قليل جداً بمقدار ركعة واحدة، هذا الوقت القليل الذي قبل صلاة الظهر اسمه وقت استقلال الظل بالرمح، وهو وقت تسجر فيه جهنم، ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها.كذلك قبل غروب الشمس، أي: في الوقت الذي بدأت فيه الشمس تنزل وتلامس الأفق، وستنزل تحت الأفق، وهذا الوقت يأخذ حوالي ثلث ساعة أو ربع ساعة، أيضاً تحرم فيه الصلاة.إذاً: فهذه ثلاثة أوقات تحرم فيها صلاة النافلة، فإذا دخلت المسجد فإما أن تجلس وإما أن تقف وتنتظر أذان الصلاة للفريضة.

    تحريم اتخاذ القبور مساجد
    أيضاً مما يحرم في المساجد أن يقبر فيها، أو يُتخذ على القبر مسجد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة متواترة عنه أن تبنى المساجد على القبور، أو أن تتخذ القبور مساجداً.من هذه الأحاديث: حديث السيدة عائشة في الصحيحين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وكانت السيدة أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما ممن هاجرن إلى الحبشة، فيذكران للنبي صلى الله عليه وسلم أنهما رأتا في الحبشة كنيسة، وفيها صور كعادة النصارى في وضع صور بداخل الكنائس.فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).لاحظ أنه لم يقل: يسجدون للرجل الصالح، ولم يقل: يعبدون الرجل الصالح، قال: إن الرجل الصالح إذا كاد أن يموت يضعونه في قبر، ويبنون مسجداً فوق القبر، فنهانا عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه.وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) وهذا قبل أن يموت بخمسة أيام صلوات الله وسلامه عليه.يقول: (فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، وما سمعنا أنهم عبدوا أنبياءهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، إلا ما فعل النصارى مع المسيح، قال: (يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك). فيحرم على المسلمين أن يبنوا المساجد على القبور أو أن يدخلوا قبور الصالحين بداخل المساجد.
    استثناء المسجد النبوي من سائر المساجد في دخول قبر النبي صلى الله عليه وسلم


    أما المسجد النبوي فلا يقاس ولا يلحق به غيره؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت صلى الله عليه وسلم، ومات في غرفته صلوات الله وسلامه عليه، وغسل فيها ودفن فيها حيث مات صلى الله عليه وسلم، فلما وسعوا المسجد صار القبر بداخل مسجده عليه الصلاة والسلام. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتحرون أن يكون القبر بعيداً عن مسجده صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل لا أحد يسجد إلى القبر، فبنوا سوراً بحيث يحرف عن القبر، فلا يسجد أحد إلى قبره صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك وسع المسجد على ما هو معروف عليه الآن، ومكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلحق به غيره، ويحرم أن يحول من مكانه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت.وهذا خاص به صلى الله عليه وسلم، وليست سنة كما يزعم بعض من يكذبون ويقولون: إن اتخاذ القبور على المساجد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعون على من يحرمون ذلك، ويقولون: أماتوا السنة أماتهم الله، ألا لعنة الله على الكذابين، ولعنة الله على من يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ويفتري عليه أن هذه من سنته، والله ما هي من سنته، وإنما حرم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: (إني أنهاكم عن ذلك) صلوات الله وسلامه عليه.فلا يحل لأحد أن يبني مسجداً على قبر لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.وروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أنه قال: (كان آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: أن أخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور على المساجد) والذين يفعلون ذلك، والذين يفتون للناس بذلك، والذين يوحون بذلك، والذين يكذبون وينسبون ذلك إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنها السنة، ألا لعنة الله على الكذابين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك ومنعه عليه الصلاة والسلام.
    الرد على من يحتج بما رواه موسى بن عقبة في جواز اتخاذ المساجد على القبور

    أما ما يتشدق به بعضهم ويقول: أين أنتم من الحديث الذي رواه موسى بن عقبة بإسناد صحيح أن أبا بصير لما مات بنى أبو جندل على قبره مسجداً.فقد كذبوا في ذلك، فلعنة الله على الكذابين، قالوا: بإسناد صحيح، ولا يوجد إسناد لهذا الحديث، بل هو أبعد من أن يرويه موسى بن عقبة عن الزهري ويذكر ذلك، ولم يشهد الزهري ذلك، ولم يشهد هذه القصة التي حدثت لـأبي جندل وأبي بصير ، هذه كانت في صلح الحديبية، وصلح الحديبية كان في ذي القعدة من سنة ست، ثم هاجر أبو جندل وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بصير ، فلما حدثت القصة المعروفة راح أبو جندل وأبو بصير عند مكان اسمه سيف البحر بين مكة وبين المدينة يقطعون الطريق على أهل مكة، فيذكر الإمام موسى بن عقبة عن الزهري : أن أبا بصير لما مات في هذا المكان دفنه أبو جندل وأقام عنده مسجداً، فـالزهري ذكر ذلك، لكن من أين أتى به؟ والزهري حين يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم هناك اثنان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.فهذا الحديث معضل، والمعضل من أنواع الحديث الضعيف، وهذا الحديث الذي يقولون عنه: بإسناد صحيح، ليس له إسناد إلا هذا، فـموسى بن عقبة يقول: قال الزهري كذا، فذكر عن الزهري وأطلقه هكذا مرسلاً.ثم لو فرضنا صحة ذلك، فهل فعل ذلك أبو جندل بإذن النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم هو عند سيف البحر خائفاً أن يأتي المدينة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع لأهل مكة، فلذلك كان بعيداً عند سيف البحر، وفعل ذلك بغير مشورة من النبي صلى الله عليه وسلم.هذا لو صح هذا الشيء. ولو فرضنا أنه كان مشروعاً في ذلك الحين فهو منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وقبل وفاته بخمسة أيام حرم ذلك ومنعه.وإذا رأيتم مثل هذا الحديث مع الأحاديث الصحيحة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يحرم فيها بناء المساجد على القبور ثم يخرج من

    يزعم للناس أن هؤلاء كذابون، وهؤلاء أماتوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مانع من اتخاذ الأضرحة في القبور، من أولى بهذه الدعوة؟ من قال خلاف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأفتى للناس بذلك، أم الذي يتابع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويحرم ما حرمه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي الحديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بناء المساجد فوق القبور).أما ما يتشدقون به ويقولون: أليس القرآن يقول: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]؟ فنقول: إنه لم يقل: قال الأنبياء، ولم يقل: قال الصالحون، بل قال: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ [الكهف:21] وهم الحكام، ومنذ متى كان الحكام لهم رأي في فقه أو في غير فقه، فهم لا يرجعون بعقولهم، فقد أحب الحاكم أن يبني عليه مسجداً ففعل هذا الشيء.ولو فرضنا أن هذا كان جائزاً في عصورهم فقد نسخ بشرعنا وبتحريم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فلا حجة لأحد أبداً أن يقول: يجوز اتخاذ الأضرحة واذهبوا إلى القبور وزوروها، ويذهب الناس لزيارة الأضرحة ويلفون حولها ويطوفون كما يطوفون بالكعبة ويسألونها من دون الله عز وجل، فهذا شرك وقد نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن الشرك فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].ففي الدعاء لا تدع ربك فقط، وليس لك أن تدعو غيره سبحانه وتعالى، وإذا أردت التوسل فتوسل إلى الله عز وجل بما هو مشروع في الدين، فتوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتوسل إليه بالعمل الصالح، ومن العمل الصالح حبك للأنبياء وللصالحين.وتوسل إلى الله عز وجل بدعوة الصالحين لك، أما أن تتوسل بأموات، أو بقبور، أو بمشاهد، فهذا ما أنزل الله به من سلطان، بل قد حرمه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث الصحيحة، ويقال لهذا الذي يقول: أين أخفيتم هذا الحديث: بل أنت أظهر لنا إسناده الذي تفتريه وتزعم أنه إسناد صحيح ولا حول ولاقوة إلا بالله.
    حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد

    ومن الأحكام التي يذكرها العلماء في المساجد: أن حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد، فكما أنه لا يجوز تقذير المسجد من الداخل فكذلك لا يجوز تقذيره من الخارج، فلا يجوز لأحد أن يوسخ المسجد من الخارج، فداخل الحائط وخارجه سواء، فينبغي أن يصان خارج المسجد كما يصان داخله عما يقذره.كذلك ينبغي إذا دخل أحد المسجد أن يتفقد نعليه، وهذا ذكرناه قبل ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) .هذا حين كان المسجد مفروشاً بالحصباء وبالحصى والتراب، أما الآن وهو مفروش بالحصير والسجاجيد والموكيت فلا يجوز أن تدخل عليه بالحذاء؛ لأنك تقذره، وقد ذكرنا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريم تقذير حصر المسجد.
    تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر

    أيضاً من أحكام المساجد: أنه يحرم الخروج منها بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر.فإذا كنت داخل المسجد وسمعت الأذان فلا يجوز لك أن تخرج منها إلا لعذر، فمثلاً: إنسان أحدث ويريد أن يذهب للبيت ليتوضأ، أو تذكر أنه على جنابة ويريد أن يذهب إلى البيت ليغتسل، أو أنه اضطر لأنه إذا دخل المسجد فإن صاحبه يفوته وهو مسافر، فله عذر في ذلك كله، فخروج الإنسان لعذر من الأعذار جائز، وخروجه لغير عذر يحرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدركه الأذان وهو في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) فالذي يدركه الأذان داخل المسجد ثم خرج لا ينوي الرجوع إلى المسجد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه منافق.
    ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه

    إن النبي صلى الله عليه وسلم كان خارجاً لصلاة الفجر في المسجد فدعا ربه سبحانه وقال: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً)، فينبغي لنا أن نسأل الله عز وجل ما سأله نبيه صلى الله عليه وسلم، ويستحب لك إذا أتيت المسجد أن تدعو بهذا الدعاء.كذلك كان إذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى ويقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم).فإذا دخل المسلم المسجد فالمستحب عند الدخول تقديم الرجل اليمنى، وعند الخروج تقديم اليسرى وليس اليمنى.وفي دخولك تقول: (رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وفي خروجك تقول: (رب اغفر لي أو تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)، وكلنا نحفظ هذه الأحاديث التي في دخول المسجد وفي الخروج من المسجد.
    استحباب بناء المساجد


    يسن بناء المساجد، وفيها فضل عظيم، وكذا المشاركة في بناء المسجد وتعهدها وإصلاحها، وإصلاح دورات المياه فيها وإصلاح صنابيرها وأبوابها ونوافذها وأرضها وغير ذلك، فإصلاح المسجد من عمارة بيت الله عز وجل، وفيه أجر عظيم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى مسجداً يبتغي فيه وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)، وفي حديث آخر: (من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعنى: مفحص قطاة أي: بيت حمامة، فمسجد مثل عش الحمامة من سيصلي فيه؟ وكأن المعنى: أنه شارك في بناء المسجد، فإذا كان المسجد فرضاً يكلف ألف جنيه مثلاً واشترك فيه ألف واحد وكل واحد دفع جنيهاً، أصبح لكل واحد نصيب من هذا البناء العظيم.فهذا الجزء القليل لا يضيعه الله عز وجل، ومهما صغر الجزء الذي أنت تبرعت به للمسجد فإن الله عز وجل قد يجعل لك خيراً منه في الجنة.
    جواز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة

    أيضاً من الأحكام: أنه يجوز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، يعني: كأن يبني الناس المسجد على مكان كان فيه مزبلة، أو كنيسة وهدمت وخربت وهجرها أهلها، فأخذوا المكان أو اشتروه، ونظفوا الأرض وبنوا مسجداً فهذا جائز ولا شيء فيه، ولا يضر أنه كان غير ذلك، المهم أنه الآن أصبح مسجداً.لذلك فإن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان خربة، كان قبل هجرته صلى الله عليه وسلم خربة لغلامين من الأنصار، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا). ومعنى: (ثامنوني) أي: أعطونا كي نشتري منكم هذا، وكان يحب أن يدفع ثمنه صلى الله عليه وسلم، فالأنصار قالوا: نحن نرضي الغلامين ولا نطلب أجراً إلا من الله. يعني: نحن سنشتريه من الغلامين ونطلب الأجر من الله، وليس من النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بنى معهم المسجد في القصة المعروفة.

    ما يكره في بناء المساجد

    تكره زخرفة المسجد، والأصل أن يهتم المسلمون بتلاوة القرآن فيه لا بزخرفته وعدم الصلاة فيه، فإذا كان الناس يهتمون بزخرفة المساجد فإن هذه ستكون غايتهم، فيزخرفون ثم لا يصلون، فهذا شيء مكروه، وقد يصل إلى التحريم إذا كانت الزخرفة بما يحرم، كالذين يجعلون فيها الصور مثلاً، وهذا لا يجوز مهما كانت العلة، كأن توضع في جدران المسجد صور جهاد في فلسطين أو في أفغانستان أو نحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يكون في بيت الله عز وجل، والبعض يرسم صوراً للجهاد بيده كاركاتير أو غيره، ويقول: لأجل أن نحمس الناس، فإن هذا غير مطلوب في المسجد بل هو ممنوع، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة، فليس لك أن تجعل في بيت الله ما يجعل الملائكة لا تدخل فيه.قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد).وكثيراً من المساجد فيها من الزخرفة والافتخار ما فيها، ولا تجد فيها من يصلي، ففي صلاة الفجر تجد المسجد فارغاً فيه ثلاثة أو أربعة فقط، فالتباهي بالمسجد كالزخرفة ليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب عمارة بيت الله سبحانه. بالذكر والصلاة والاعتكاف ودروس العلم، هذا الذي يكون إعمار المسجد به.قال صلى الله عليه وسلم: (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) أي: إذا كان هذا هو همكم، أي: تجميل المصاحف وتجميل المساجد ولا أحد يصلي فيها، وكأنه يقول: إذا نظرتم للقشور وتركتم الأصول، ونظرتم للزخارف وتركتم دين الله عز وجل وراءكم ظهرياً، فهنا في هذه الحالة الدمار عليكم، أي: فانتظروا الدمار من الله عز وجل.أيضاً مما ذكرناه قبل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها).فينبغي أن يصان المسجد عما يصنع في السوق من صخب وإزعاج ورفع صوت وبيع وشراء وغير ذلك، على ما ذكرناه قبل ذلك.

    جواز تسمية المسجد باسم شخص

    لا بأس أن يقال: مسجد فلان، ومسجد بني فلان، تقول: هذا مسجد الإمام البخاري، وهذا مسجد الإمام مسلم ، ومسجد شيخ الإسلام، ومسجد كذا، فلا مانع من ذلك، قال: في مساجد الأنصار، مسجد بني فلان ومسجد بني فلان، لا مانع؛ لأنهم كانوا يقولون ذلك، ففي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق)، فسمي مسجد في حياته صلى الله عليه وسلم بمسجد بني زريق، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث.
    جواز مكث الحائض والجنب في المصلى الذي ليس بمسجد


    المصلى المتخذ للعيد وغيره -الذي ليس بمسجد- لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض، فنقول: نصلي العيد في المسجد والجمع في المسجد، والصلاة في مصلى في الشارع ليس له حكم المسجد إلا في أن لهم ثواب الجماعة، ولهم ثواب الجمعة وثواب العيد.فلا يحرم على المرأة الجنب أو الحائض أو الرجل الجنب المكث في مصلى في الشارع؛ لأن هذا مهما كان حكمه فهو شارع وليس مسجداً فيفرق بين الاثنين، ففي الحديث الذي في الصحيحين قالت أم عطية : (إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى).فأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء الحيض أن يحضرن صلاة العيد مع الناس، ولا يصلين العيد لكن سيشهدن ويعتزلن المصلى، ولا تكون المرأة الحائض واقفة في وسط اللاتي يصلين فتقطع الصفوف عليهن، ولكن يعتزلن المصليات ويحضرن خطبة العيد ويشهدن الدعاء للمسلمين في ذلك.

    أحكام العيد

    معنى كلمة العيد


    معنى كلمة العيد: مشتقة من العود، أي: شيء يعود، فإما أنه يعود في كل سنة، أو لأنه يعود على المسلمين بالفرح، يعني: يفرحون كلما يأتيهم العيد، فيفرحون بطاعة الله سبحانه وتعالى وبعيد الفطر، ويفرحون أنهم صاموا رمضان، وجاء وقت إفطارهم، ويفرحون في عيد الأضحى بالحج وبالأضاحي وبغير ذلك.
    حكم صلاة العيد وأقوال العلماء في مشروعيتها

    صلاة العيد سنة عند جمهور أهل العلم.وعند الحنابلة هي فرض كفائي، ومعنى فرض كفائي أي: أنها ليست فرضاً عينياً، ولكن إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فهذا قول قريب.والأحناف لهم قولان في حكمها: فـأبو حنيفة قال: إنها واجبة، وباقي الأحناف قالوا: هي سنة، واختاروا ذلك مع قولهم: إنها من شعائر الدين، يعني: لو اجتمع المسلمون في مكان على أن يتركوها فيمنعون من ذلك، ويؤمرون بالصلاة حتى ولو قوتلوا على ذلك.وأجمع المسلمون على أن صلاة العيد مشروعة، وعلى أنها ليست فرضاً عينياً.وهذا نقله الإمام النووي في المجموع أي: أنها ليست فرضاً عينياً، فإذا جاء من يقول: إنها فرض عين، فيرد عليه بالإجماع، فالإجماع على أنها ليست فرضاً عينياً، وإنما الخلاف في هل هي سنة مؤكدة أم فرض كفائي؟ ففي الحالتين لم تكن واجبة على جميع الناس.والدليل على أنها ليست فرضاً عينياً: الحديث الذي في الصحيحين: (أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس ... إلا أن تطوع شيئاً)، وربنا فرض الصلوات الخمس، وسمى غيرها تطوعاً، فمن هذا الباب صلاة العيد، وفي نهاية الحديث قال: (أفلح إن صدق) يعني: لما قال: لا أزيد على ذلك.أما من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرنا) تقول أم عطية : (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور، فأما الحيض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزلن مصلاهم) فهذا لا حجة فيه، فقد ذهب البعض إلى أن هذا حجة قوية؛ لأن صلاة العيد فرض عين، وهذا ليس فيه حجة؛ لأن المرأة الحائض لا صلاة عليها أصلاً، فإذا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج فإنه لم يأمرها بصلاة العيد أصلاً، فهذه إذا أمرت فهو محمول على الندب، وليس على الوجوب؛ لأنها لم تصل أصلاً.
    وقت صلاة العيدين وما يستحب فيها


    لا يستحب تأخير صلاة العيد عن وقتها، وقتها: بارتفاع الشمس بعد طلوعها، يعني: إذا كان وقت الشروق على الساعة مثلاً ستة وثلث، إذاً: تكون صلاة العيد سبعة إلا ثلث.إذاً: فنترك قرابة ثلث ساعة بعد شروق الشمس، فوقت صلاة العيد ممدود، ويخرج وقتها بزوال الشمس.إذاً: عند وقت الزوال يخرج وقت صلاة العيد، والمستحب في صلاة عيد الفطر أن تؤخر شيئاً، خمس دقائق، أو عشر، بحيث يدرك الناس إخراج زكاة الفطر.والمستحب في عيد الأضحى أن تصلى في أول وقتها؛ ليدرك الناس فيها ذبح الأضاحي وتوزيعها على الناس.جاء في حديث رواه أبو داود عن يزيد بن خمير الرحبي قال: (خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام)، وكان إمام الصلاة متأخراً كثيراً فـعبد الله بن بسر وهو صحابي أنكر، وقال: (إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح) لأن الإمام تأخر جداً، فهو يخبر أننا كنا في هذا الوقت قد انتهينا من صلاة العيد وانصرفنا، يعني: في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه أنه لا يستحب التأخير جداً بل (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) ، وهذا فيه أنه قبل أن تخرج لصلاة عيد الفطر، فيستحب أن تأكل حتى تميز بين يوم الصيام ويوم العيد الذي فيه الفطر، فيستحب أن تأكل تمراً أو شيئاً وتخرج لصلاة العيد.وكلما بكرت كان أفضل، لكن الإمام يحضر في وقت الصلاة، فبمجرد حضوره يصلي بالناس صلاة العيد.والسنة: أن تصلى صلاة العيد في المصلى، وكلمة مصلى معناها: الفراغ الواسع الذي يسع العدد الكبير من الناس، إذا وجد مثل ذلك فتلك السنة، أي: أن يخرج الناس إلى الصحراء، كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما في الحديث: (كنا نخرج إلى الجبان) فالجبان معناها: الصحراء، فلكونهم يدفنون الناس في الصحراء أطلق الجبان على المقابر، لكن الأصل أن الجبان معناها: الصحراء، فكانوا يخرجون لصلاة العيد في الصحراء التي تسع كل الناس ويترك مسجده صلوات الله وسلامه عليه.والآن صعب أننا نأتي بصحراء في هذه الأماكن أو نخرج إليها، فعلى ذلك إذا وجد مسجد يتسع للناس فهذا أحسن، ويكون المسجد في الشارع، وهذا خير بحسب ما يتيسر للناس.ويستحب خروج النساء؛ لقول أم عطية : (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض) والحيض قلنا: يعتزلن المصلى.والأولى: أن يخص استحباب خروج النساء بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، يعني: المفترض أن المرأة لما تخرج لصلاة العيد أو لأي صلاة في الجماعة أن لا تكون ذات فتنة، فلا تتبرج، ولا تتزين، ولا تضع رائحة؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل).لكن الغرض: أنه إذا خرجت المرأة غير متطيبة، وغير متزينة، وخرجت للصلاة فلا مانع من ذلك، بل هو مستحب، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.ويستحب الغسل للعيدين، ولا يوجد حديث صحيح بالغسل للعيدين وإنما قياساً على الجمعة، فالجمعة يجتمع فيها عدد كبير من الناس، والعيد أكبر عدداً، إذاً: فالغسل في العيد أولى، ولكن لا يوجد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك، وليس إلا القياس على الجمعة، وفعل الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه.ومن السنة: أن يلبس أحسن الثياب لصلاة العيد، وفي ذلك حديث طويل وفيه: (أن عمر وجد حلة تباع فاشتراها للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يلبسها في الوفد وفي العيدين) يعني: يتجمل للوفود ويتجمل في العيدين، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، إنما أنكر عليه لأنه اشترى حريراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـعمر : (إنما هذه لباس من لا خلاق له) يعني: التزين هذا لا بأس به، أما أن تأتيني بحرير ألبسه فهذا لباس من لا نصيب له في الآخرة.وأفضل ألوان الثياب التي تلبس للتجمل وللمسجد وللعيد وللجمعة البياض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم).فإذا كان الثوب الأبيض غير نظيف، فيلبس أي ثوب، المهم أن يكون نظيفاً وحسناً ومشروعاً للصلاة.أما النساء: فإذا أردن الحضور فيتنظفن بالماء ولا يتطيبن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) إذاً: فتخرج للمسجد وللصلاة، (ولكن ليخرجن وهن تفلات) يعني: غير متطيبات، والإنسان التفل: الذي لم يضع طيباً، ولم يستعد بطيب أو بتجمل للخروج.وذكرنا أن المشروع للمسلم أن يبكر لصلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على ذلك فكانوا يخرجون لصلاة العيد.ويقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة). إذاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم إمامهم أول ما يخرج للصلاة في الحال عليه الصلاة والسلام: (فيقوم مقابل الناس وهم جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف صلوات الله وسلامه عليه).ومن السنة: أنك إذا ذهبت للمسجد من طريق أن ترجع من طريق آخر، هذا إذا تيسر لك في طريقك إلى بيتك، أما إذا كان بيتك قريباً من صلاة العيد فلا شيء عليك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج لصلاة العيد من طريق ويرجع من طريق، ليسلم على أكبر عدد من المسلمين في طريقه عليه الصلاة والسلام، لذلك السنة: التسليم، فيسلم المسلمون بعضهم على بعض ويدعو بعضهم لبعض.فإن قيل: هل من سنة العيد أن يقبل بعضنا بعضاً بعد صلاة؟ الجواب: الراجح: لا، ولم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما الالتزام والتقبيل هذا كانوا يفعلونه في القدوم من السفر، فإذا قدم إنسان من سفر، كان يفعل ذلك، فيعتنق النبي صلى الله عليه وسلم ويعتنقه، كما فعل بـجعفر بن أبي طالب أو بـأسامة أو بـزيد بن حارثة ، لكن إذا كان يلقى بعضنا بعضاً كل يوم فليس التقبيل أو العناق من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإنما التسليم باليد فقط والدعاء.وفي الحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق) يعني: ذهب من طريق ورجع من آخر، وكأنه للتكثير من التسليم على المسلمين، والدعاء لهم، وشهادة الأرض له، وحين يكون ذاهباً يكبر، وحين يرجع أيضاً يكبر.وصلاة العيد لا أذان فيها ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، فكل هذا لم يرد، وإنما عند مجرد حضور الإمام يقوم الناس ويصلون معه؛ لقول جابر : (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) لم يكن هناك أذان على ذلك، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد حضوره يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,710

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - أحكام صلاة العيد
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (31)



    صلاة العيد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، تتميز عن غيرها بما يصاحبها من سنن غير معهودة في الفرائض العادية، فشأنها أن تؤدى خارج المصر إن أمكن؛ ليجتمع كثير من الناس فيها، ولا صلاة قبلها ولا بعدها، ويسن فيها تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام على اختلاف في عددها، وخطبة بعدها، تذكر الناس بنعم ربهم وتنبه غافلهم، وتمتلئ بالشكر للكريم المتعال.
    المشروع في صفة صلاة العيد


    إن أيام عيد الفطر وعيد الأضحى أيام جعلها الله عز وجل أفراحاً للمسلمين، فهم يلعبون ويبتهجون فيهما، وإنما يفرحون فيهما بالعبادة التي سبقتهما، فيفرحون بالصوم في عيد الفطر وبالحج في عيد الأضحى. وقد جعل الله عز وجل عيدين للمسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ويبدأ فيها بالصلاة، وصفتها: ركعتان، وروى النسائي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)، فصلاة العيد ركعتان، يكبر في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات، وهذا هو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن حدث خلاف بين الصحابة في العدد، أي: هل هو سبع تكبيرات في الأولى بتكبيرة الإحرام أم بغير تكبيرة الإحرام؟ فالجمهور على أنها سبع بتكبيرة الإحرام، واختار الشافعي أنها من غير تكبيرة الإحرام، والأمر سهل في ذلك، وذهب بعض الصحابة إلى أن التكبيرات في الأولى أربع بعد تكبيرة الإحرام؛ ليكون مجموعها خمساً، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى رضي الله تبارك وتعالى عنهم. وقد روى أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً سوى تكبيرتي الركوع، تريد أنه كان يكبر في قيامه سبع تكبيرات فإذا أرد أن يركع كبر تكبيرة الركوع. وإنما ذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه لحديث آخر عن عائشة وهو قولها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح، وهذا لو صح كان حجة للشافعي في أن يكبر ثمان تكبيرات مع تكبيرة الإحرام، ولكن الحديث ضعفه الحافظ ابن حجر، فالحديث ضعيف. وعلى ذلك فالأرجح فيها أنها سبع تكبيرات في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وخمس في الركعة الثانية من غير تكبيرة القيام، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما). فهذا يقطع النزاع في ذلك وإن كان الأمر ميسوراً؛ لأن هذه التكبيرات كلها سنة إلا تكبيرة الإحرام، فهي ركن من أركان الصلاة.

    حكم الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها

    ومما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد: (أنه كبر ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة، ولم يصل قبلها ولا بعدها)، فدل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها في مكان الصلاة، أي: في المصلى، لكن إذا رجع إلى البيت فالسنة أن يصلي ركعتين هما صلاة الضحى، فقد كان إذا رجع إلى بيته صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين.
    هيئة التكبيرات والذكر بينها


    ويلتزم المأموم في هيئة التكبير بما يفعله الإمام، فإن كبر الإمام وسكت كان للمأموم أن يذكر الله عز وجل بذكر مشروع، فإذا لم يسكت وتابع الإمام التكبيرات تابعه المأموم فيما يقول. وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الوليد بن عقبة سأله عن الذكر بين التكبيرتين كيف هو؟ فذكر له أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وهذا الذي ذكره ابن مسعود قد ورد عنه في حديث فقال: تكبر وتحمد ربك، وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو وتكبر، وفيه مشروعية السكتة بين كل تكبيرتين. قال العلماء: جاء عن الصحابة أشياء مختلفة فيها فإذا شئت قلت: سبحان الله والحمد لله والله أكبر وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ما يسكت الإمام. والسؤال هل قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ الجواب: لم يقل ذلك، ولكنه جاء من قول الصحابة ولعل مرجعهم يكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى ذلك إذا سكت الإمام بين التكبيرتين سكتة تكفي استحب للمأموم أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وصل على النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يسكت كان عليه أن يلتزم بما يقوله الإمام. أما هيئة التكبيرات: فإن شاء رفع يديه مع كل تكبيرة كصلاة الجنازة، وإن شاء لم يرفع إلا في الأولى فقط، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع اليدين، إلا في تكبيرة الإحرام ولذلك حصل الخلاف بين العلماء في ذلك. فالجمهور على أنه يرفع في كل تكبيرة وذهب البعض منهم مالك وأبو حنيفة أو بعض الأحناف وغيرهم أنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام فقط؛ لأنه لا ينتقل من هيئة إلى هيئة أخرى، والأمر واسع في ذلك. ولا يقال: إن من يرفع في كل تكبيرة قد ابتدع، فإن شئت رفعت سواء رفع الإمام أم لم يرفع، وإن شئت لم ترفع، سواء في صلاة العيد، أو في صلاة الجنازة. ومن السنة أن يضع اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام وبين كل تكبيرتين.
    إذا شك الإمام في عدد التكبيرات

    يشرع للمسلم بعد التكبيرة السابعة أن يتعوذ ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر بعد ذلك، ولو شك الإمام في عدد التكبيرات بنى على الأقل، فلو شك هل كبر ستاً أم سبعاً اعتبرها ستاً وأتم باقي التكبيرات، على أنه لو زاد أو نقص فلا شيء عليه، والأولى أن يستيقن فيبني على اليقين، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ونسي بقية التكبيرات فلا شيء عليه، كما أنه بعد أن انتقل إلى ركن وهو قراءة الفاتحة فلا يرجع إليها مرة أخرى؛ لأن وقتها قد انتهى ولا يلزمه سجود السهو؛ لأنها سنة من السنن وليست فريضة من الفرائض. وعلى ذلك فإذا كبر التكبيرات كلها فقد أتى بالسنة، وإذا نسي التكبيرات وكبر تكبيرة الإحرام فقط فلا شيء عليه.
    الجهر بالتكبيرات والقراءة في صلاة العيد


    أجمعت الأمة على أن الإمام يجهر بالقراءة والتكبيرات، أما المأموم فلم يثبت أن الصحابة كانوا يجهرون كما يفعل بعض الناس، إلا إذا كان الصوت لن يصل إلا بهذه الطريقة جاز أن يجهر حينها من يوصل الصوت إلى من لا يصله. ولو أن الإنسان أدرك الإمام في الصلاة وهو يقرأ، كان عليه أن يكبر تكبيرة واحدة فقط، ثم يستمع لقراءة الإمام.

    القراءة في صلاة العيد

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة العيد بسورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] في الأولى ويقرأ بسورة الغاشية بعد الفاتحة في الركعة الثانية، يقول النعمان بن بشير فيما رواه مسلم عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد صلى العيد وقرأ بهاتين السورتين -أي: الأعلى والغاشية- وصلى الجمعة وقرأ بهما أيضاً. ومن سنته أنه كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] في الركعة الأولى ويقرأ في الثانية بسورة القمر، وهذا إذا قدر الناس على ذلك، أما إذا كان الأمر يشق عليهم فيقرأ بما لا يشق في صلاة العيد.
    خطبة العيد

    السنة أن تكون بعد الصلاة وليس لهم أن يخطبوا قبلها، فقد جاء عن ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (شهدت الصلاة صلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطبوا بعد، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يُجلس الرجالَ بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقرأ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة:12])، وبعد أن تلاها على النساء صلى الله عليه وسلم قال لهن: (أنتن على ذلك؟)، أي: أنا سآخذ عليكن البيعة على هذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها وكأنها المندوبة على النساء وليس كل النساء قلن: نعم نحن على ذلك، بل هن أأدب من ذلك، فواحدة فقط من النساء قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (نعم يا رسول الله! قال: فتصدقن)، فأمرهن بالصدقة وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين بالفتخ -وهي نوع من الحلق- والخواتيم في ثوب بلال.

    موقف الخطيب


    يجوز للخطيب أن يقف على الأرض حين يخطب العيد، ويجوز أن يقف على منبر مرتفع، فقد جاء عن جابر أنه قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل)، فدل ذلك على أنه كان على شيء مرتفع ونزل صلوات الله وسلامه عليه. قال رضي الله عنه: (فأتى النساء فذكرهن)، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيد في المصلى، فكان يخرج إلى الصحراء وتسمى المصلى كما تسمى الجبانة، وإنما يفعل ذلك ليصلي بكل المسلمين فإذا وجد مثل ذلك فهو الأفضل، وإلا فيصلون فيما يتيسر من ساحات أو مساجد واسعة كبيرة، وإن امتلأت المساجد صلى الناس في الطرقات حولها.

    خطبة العيد

    إن شاء الإمام خطب خطبة واحدة، وإن شاء خطب خطبتين، لكن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام وخطب خطبة للرجال، ثم خطبة أخرى للنساء، فكأن الرجال ما سمعوا إلا واحدة والنساء ما سمعن إلا واحدة. وليس فيها أنه خطب خطبتين للرجال، ولذا فيجوز للخطيب أن يخطب خطبة واحدة، وهذا أولى ويجوز أن يخطب خطبتين، فالذين قالوا: خطبتين قاسوها على الجمعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه في حديث أنه خطب خطبتين، ولذلك يقول صاحب عون المعبود: وكل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر سوى خطبة واحدة للرجال وأخرى للنساء. ومن السنة أن يفتتح الخطيب الخطبة بالحمد فيحمد الله سبحانه، وإن كان البعض يفضل أن يبتدئ الخطيب الخطبة بالتكبير، إلا أن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يروى عنه أنه بدأ أي خطبة من خطبه صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وإنما يجوز أن يكبر في أثناء الخطبة.
    استماع الخطبة

    ويستحب للناس استماع الخطبة ولا يجب عليهم، فمن شاء أن يجلس جلس فسمع ومن شاء أن ينصرف فله ذلك، ولكن ليس لهم أن يقطعوا الخطبة بالكلام أو بالضحك أو برفع الأصوات، فهذا غير جائز لا في الجمعة ولا في العيد ولا في أي مجلس من مجالس ذكر الله سبحانه، وذلك كما لا يجوز أن يرفع الناس أصواتهم على صوت الذي يقرأ القرآن والذي يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويحدث أن بعض الناس في أثناء خطبة العيد يهتم أن يسلم على فلان ويصافح فلاناً، وقد لا يدرك أنه بذلك يعرض عن ذكر الله سبحانه، إذ الخطيب في خطبته يقول: قال الله، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو متشاغل عن هذا الذكر بالمصافحة وغيرها، وهذا لا ينبغي، بل إن أردت أن تجلس لتسمع فاجلس، وإن أردت أن تنصرف فانصرف، ولك إذا انصرفت إلى بيتك أو في الطريق أن تسلم على من أحببت، أما إذا جلست فليس لك أن تتشاغل بغير الخطبة، قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب)، ولا يجوز للحاضرين أن يشوشوا على الخطيب بكلام، أو ضحك، أو نحو ذلك، أو يشوشوا على المستمعين، ولكن إن شاءوا سمعوا وإلا انصرفوا.

    حكم من فاتته صلاة العيد


    لو أن إنساناً فاتته صلاة العيد -كأن يأتي والخطيب يخطب- فإن المشروع في حقه إن كان خارج المسجد أن يجلس ليسمع الخطبة، وإن كان في المسجد فليصلي تحية المسجد، وله إذا صلى تحية المسجد أن يقرن بينها وبين صلاة العيد فيجمع النيتين، فينوي صلاة العيد مع تحية المسجد ويصلي. أما إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام فلم يدرك الخطبة، أو أدركها في المصلى فعليه أن يصليها في بيته إذا رجع؛ لأن وقتها موسع إلى قبل صلاة الظهر، أما لو فاتت الناس صلاة العيد؛ لأنهم لم يروا الهلال أو لعارض آخر حتى حضرت صلاة الظهر فجاء أناس وأخبروا أنهم رأوا الهلال البارحة، فقد حدث مثل هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ غم عليهم الهلال فأصبحوا يوم ثلاثين من رمضان صائمين واستمروا في الصيام إلى بعد صلاة الظهر، فجاء أناس من الأعراب فقالوا: نحن رأينا الهلال بالأمس، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بالإفطار وبالخروج في اليوم الثاني لصلاة العيد؛ لأن وقت صلاة العيد كان قد انتهى، فصلوا العيد في اليوم الثاني.

    التكبير في العيدين

    يشرع ويسن ويستحب التكبير في العيدين، فيكبر المسلم في عيد الفطر من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام ليصلي بالناس، وعلى ذلك جمهور أهل العلم، وإن ذهب بعض العلماء كالإمام الشافعي إلى أن التكبير يكون من غروب شمس آخر يوم في رمضان، واحتج بقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185]، والمعنى كأنه يقول: إذا كملت العدة لرمضان فابدأ بالتكبير، إلا أن الإمام النووي وهو شافعي رحمه الله يقول: هذا الاستدلال لا يصح إلا على مذهب من يقول الواو تقتضي الترتيب، يريد المذهب اللغوي القائل: إن الواو تقتضي الترتيب والتعقيب، والصواب: أن الواو تقتضي مطلق التعاطف فقط، ولا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً. وعلى ذلك فالراجح فيها: أن التكبير في عيد الفطر يكون من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام على الناس، أما التكبير في عيد الأضحى فيكون من فجر عرفة إلى عصر ثالث أيام التشريق أو قبل غروب الشمس في آخر أيام التشريق.
    صيغة التكبير

    الذي صح من الصيغ في التكبير قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فقد جاء عن ابن مسعود فيما روى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر والله أكبر ولله الحمد، وهذا الذي قاله ابن مسعود روي بإسنادين في أحدهما شفع التكبير كما تقدم وهذا الأشهر، وفي الآخر بتثليث التكبير فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ولكن الأول أقوى من الثاني وكله جائز والأولى الأول. وقد جاءت صيغة أخرى للتكبير فذكر الحافظ ابن حجر عن سلمان أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، وهذا الذي ذكره الحافظ بهذه الصيغة لم نجده عن سلمان وإنما وجدناه بصيغة أخرى أطول من ذلك، وهي خلاف هذه. وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً: أن الناس قد جاءوا بصيغة أخرى زادوا فيها أشياء لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكرها الصحابة، فقال: وقد أحدث الناس في هذا الزمان زيادة لا أصل لها، فالصيغة الطويلة التي يقولها الناس في ذلك، لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وإن ثبت بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير العيدين، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وقف على الصفا أو على المروة في الحج أو العمرة يكبر ثلاثاً: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو صلى الله عليه وسلم. فهذه الصيغة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في غير العيد، فقالها وهو على الصفا وعلى المروة صلوات الله وسلامه عليه، وعلى ذلك يقال الذكر في موضعه وفي مكانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •