دراسة علم السّيرة النبويّة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 19 من 19

الموضوع: دراسة علم السّيرة النبويّة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة
    عبد الحليم توميات
    (1) المقدّمة






    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    مدخل إلى دراسة علم السّيرة النبويّة.


    1- التّعريف بالسّيرة:

    لغة: السّيرة من سار يسير سيرا، والسَّيْرة المرّة الواحدة، والسِّيرة الضرب من السير، قال ابن منظور: السّيرة: الطريقة، يقال سار بهم سيرة حسنة، والسّيرة الهيئة، وفي التّنزيل العزيز:{ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى }.


    فما سار عليه المرء في حياته يُسمّى سيرة، لذلك قالوا: السّيرة تقابل الصّورة، أي: السّيرة في السّلوك، والصّورة في الجسد.






    قال الجرجاني رحمه الله في "التّعريفات":" السِّيَر: جمع سيرة، وهي الطّريقة سواء كانت خيرا أو شرّا، يقال: فلان محمود السّيرة، وفلان مذموم السّيرة ".

    وفي الاصطلاح الشّرعي:

    السّيرة هي: العلم بحياة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم من قبل ولادته إلى وفاته، وما يتعلّق بدعوته من الحوادث.

    حتّى إنّه عند الإطلاق لا ينصرف لفظ السّيرة إلاّ إلى حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

    2- أهمّية دراسة السّيرة:

    لا ريب أنّ دراسة السّيرة لها مكانتها من بين العلوم، ويظهر لنا ذلك جليّا من خلال ما يلي:

    1- صحيح أنّ السّيرة تتحدّث عن حياة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّها في الحقيقة تتحدّث عن الإسلام، لأنّها تعتني بدعوته ودلائل نبوّته لذلك أطلق عليها السّيرة النبويّة أي: باعتبار أنّه نبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

    2- ثمّ إنّ من شروط الإيمان بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حبّه وتقديمه على النّفس والأهل والولد، فقد روى الشّيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

    (( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )).

    وفيهما أيضا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

    (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).

    والمتمعّن في سيـرته، ليخرج منها بأكبر نصيب من هذا الحبّ تجاه نبيّه صلّى الله عليه وسلّم .

    3- ثمّ يأتي بعد ذلك أصل من أصول الإيمان، ألا وهو: حبّ أصحابه رضي الله عنهم:

    وكيف خالط الإيمان تلك القلوب فرفعهم إلى أرقى المنازل، حتّى نالوا شهادة لا تزال تتلى على مرّ السّنين:{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100]

    فكانوا - وإن مشوا على الأرض - على اتّصال دائم بالله والملأ الأعلى، فهذا يهتزّ عرش الرّحمن من أجله، وآخر تشيّع الملائكة جنازته، وثالث تغسله الملائكة، ورابع تسمع ترنّمه بالتّلاوة، وخامس يقرئه ربّه السّلام، وسادس يسلّم عليه الملك، وجيش يقاتل معه مدد من السّماء الثّالثة .. الخ

    4- العبرة من دراسة السّيرة النبويّة فهم جزء كبير من كتاب الله عزّ وجلّ، وسنّة المصطفى ذاتها، قال تعالى:{ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24].

    فما من لحظة من لحظات حياته صلّى الله عليه وسلّم إلاّ وهي مكلّلة بوحي نازل من السّماء يستقي منه المسلم ما يعينه على تخطّي هذه الحياة فقها وسلوكا وإيمانا ودعوة ..

    لذلك كان أفقه النّاس بالقرآن والسنّة هم أصحابه الذين عايشوا مراحل حياته صلّى الله عليه وسلّم.

    5- جُبِلت النّفوس على حبّ الاقتداء، والزجاجة إن لم تملأها بالماء ملئت بالهواء.

    فدراسة حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تجعل المؤمن لا يرغب إلاّ في اتّباع منهجه في الحياة، مصداقا وامتثالا لأمر الله تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب:21 ].

    فلمّا أراد الله ذلك، هيّأه لذلك:

    فجاءت سيرته شاملة شمول دين الإسلام، وكاملة كمال شريعته:

    فيجد فيه الحاكم قدوته في سياسة دولته.

    والأب يجد فيه قدوته في تربية أولاده.

    والزّوج تعامله مع زوجته.

    والمعلّم براعة الطريقة في تعليمه.

    والتّلميذ حسن تأدّبه مع شيخه.

    والزّاهد يجد صدق زهده.

    والتّاجر صدق تعامله.

    والعامل أمانة عمله.

    والغنيّ قمّة في شكر ربّه.

    والفقير غاية في صبره.

    واليتيم صورة لتوكّله على ربّه.

    والدّاعي نبراسا لدعوته ..

    فنبيّ مثل نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم جدير على كلّ مسلم أن لا تلفظ أنفاسه ولا تكون حركاته إلاّ بهديه.

    هذا فيما يخصّ عموم المسلمين.

    أمّا حملة الرّسالة، والمحاربون للجهالة، فإنّهم يلجون من خلال دراسة السّيرة النبويّة إلى عالم مخيف، قبل ظهور المنار المنيف ..

    عالم الجاهليّة الأولى، تجد فيه طفلا طهورا كالبَرَد، وُلِد يتيما، واستمرّ اليُتم يلاحقه، ويلاحق طفولته في طرقات مكّة ودروبها .. يذيقه مرارة تقلّب العشيرة والأصحاب، ويُفْجِعه بفقد الأهل والأحباب، ويكبر ،وتكبر غربته، ويكتشف في دروب الحياة يُتما أكبر من يتمه، وهمّا أعظم من همّه، فالأرض كلّها يُتم، والعالم كلّه همّ وغمّ ..

    ما عساه أن يفعل أمامها ؟ وماذا بيديه حيالها ؟..

    في تلكم الحال، ينزل عليه وحي الكبير المتعال: اُدع إلى ربّ البريّة .. وأصلح البشريّة .. وأزل هذه الجاهليّة .. فنطق بها، فأتته الإجابة على غير ما تمنّى ..

    سياط من التّكذيب وهو الذي كان بالأمس الصّادق الحبيب ..

    وفي الأخير كانت الإجابة بعد سيرة حياة كاملة، سيرته تلك تمثّل واقع هذه الصّحوة التي تهزّ أركان الأرض كلّها.

    6- تعدّ سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم السّيرة الوحيدة من بين سير الأنبياء الكاملة في التّأريخ، والمترابطة الحلقات، والواضحة الأطوار، تجمع لنا جميع أطوار حياته بدقّة متناهية.

    بخلاف غيره من الأنبياء، فإنّ حياتهم يكتنف كثيرا من جوانبها الغموض، بل إنّ من الأنبياء ما لا نعرف عنه شيئا { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } [النساء: من الآية 164].

    أمّا من ذكر في القرآن فمنهم من لا نعرف عنه إلاّ اسمه، والآخر لا نعرف عنه إلاّ حواره مع قومه، وأولو العزم من الرّسل نجهل كثيرا من أطوار حياتهم .

    وقد أجبرت هذه الميزة الكبيرة لسيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم غير المسلمين - على حقدهم - على الاعتراف بها.

    فقال جون ديون بورت في مقدّمة كتابه عن السّيرة " الاعتذار من محمّد والقرآن ":

    " لا ريب أنّه لا يوجد في الفاتحين والمُشرّعين والذين سنّوا السّنن من يعرف النّاس حياته وأحواله بما هو أكثر تفصيلا وأشمل بيانا من سيرة محمّد وأحواله ".

    ويقول الانكليزي باسورت سميث:

    " .. لا شكّ أنّ في الوجود شخصيّات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبيّن حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة.

    بيد أنّ التّاريخ الخارجيّ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم نعلم جميع تفاصيله، من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالنّاس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أوّل تفكيره، وتطوّره، وارتقاءه التّدريجيّ، ثمّ نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخليّ بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته.." [الرّسالة المحمّدية (98 و121)].

    * ومن الأمور التي تبيّن أهمّية دراسة السّيرة: تعظيم دين الله.

    وأنّه ما جاء على طبق من فضّة وقطعة من حرير، ولكنّه جاء بعد عناء طويل، وجهاد متواصل، وصبر كبير ..

    فعلى المؤمن أن يعيش تلك الأيّام ليكون له حافزا على أن ينفض غبار الكسل والفشل من على نفسه، ويحذر أن يكون ممّن قال فيهم الله تعالى:

    { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [الأعراف: من الآية: 169 ].

    لذلك أكثر العلماء من التّأليف في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت قبل ذلك مبثوثة في كتب السنّة لأنّ تدوينها سابق لها، وأوّل من اهتمّ بكتابة السّيرة النبويّة هو عروة بن الزّبير (تـ:92)، ثمّ أبان بن عثمان (105)، ثمّ وهب بن منبه (110)، ثمّ شرحبيل بن سعد (123)، ثمّ ابن شهاب الزّهري (124).

    فكانت كتبهم طليعة هذا العمل العلميّ العظيم، ولكنّه لم يكن على النّسق المعروف اليوم، ولم يصلنا منها شيء، ولم يبق منها إلاّ أجزاء متناثرة يروي لنا بعضها الطّبري .. حتّى جاء عصر التّدوين الشّامل.

    ( يتبع إن شاء الله )




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي

    السّيرة النّبويّة
    عبد الحليم توميات



    دروس وعبر (2) مصادر السّيرة





    مصادر السّيرة.
    فإنّ لكلّ علم من العلوم أو فنّ من الفنون مصادره الّتي تُستمدّ منها مادّته، وأهمّ مصادر السّيرة النّبويّة:
    1- القرآن الكريم، حيث ورد فيه جزء كبير من سيرته صلّى الله عليه وسلّم، وخاصّة أطوار دعوته وتعامله مع الكفّار والمنافقين.
    2- ثمّ صحيح السنّة، فقد جمع العلماء أغلب الأحاديث في ذلك، ودوّنت بطريقة فريدة من نوعها، ثمّ إنّ هناك كتبا أفردت في المغازي، وكتبا أفردت في الشّمائل، وأخرى أفردت في الخصائص.
    لذلك وجب على طالب السّيرة النّبويّة التثبّت من أمرين اثنين:

    - الأمر الأوّل: التّفسير الصّحيح لآي القرآن الكريم الّتي تتناول جوانب من سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولن يجد أصحّ ولا أسلم من تفاسير أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن تبعهم بإحسان.
    - الأمر الثّاني: لا بدّ من التثبّت من الأحاديث الّتي تتناول السّيرة، وفي الصّحيح غنية عن الضّعيف كما هو مقرّر، ولا يقولنّ قائل إنّ مبنى السّير على التّسامح ! فإنّ قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) عامّ يشمل جميع ما يتعلّق به صلّى الله عليه وسلّم.
    ثمّ إنّ هناك ضلالات عقديّة، وبدعا عمليّة، وأخطاء علميّة، ما طفت على سطح أمّة الإسلام إلاّ من جرّاء جزئيّات تذكر في حادث من حوادث السّيرة بسند ضعيف، وسُوقُ النّاس هذه الأيّام مبنيّ على شعار: ضلالات اليوم صواب الغد !
    ولنضْرب على ذلك أمثلة:
    - روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: ( أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُون َ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ).
    زاد بعضهم أنّ سبب سجودهم معه أنّه قرأ:{ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} وأنّ الشّيطان ألقى على لسانه: ( تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتَجى ) ! وكثير من كتب التّفسير لا تخلو من ذكر هذه الزّيادة.
    ولا ريب أنّ هذا من أبطل الباطل، إذ كيف يمكن أن يلقِي الشّيطان شيئا في تلاوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد جعل الله تعالى تلك التّلاوة مقيمة للحجّة ؟! وسنعقد فصلا إن شاء الله لبيان بطلان هذه القصّة.
    - كثيرا ما نسمع روايات في السّيرة تتضمّن الطّعن في بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا ريب أنّ حفظ جناب الصّحابة رضي الله عنهمجميعا من واجبات الدّين.
    - قصّة إسلام عمر رضي الله عنه، ذكرها ابن الجوزي في " سيرة عمر "، وأنّهم خرجوا يهتفون بالحقّ يومئذ، وهذا لا أصل له، وكثيرا ما نسمع من ينتصر للقول بجواز المسيرات يستدلّ بهذه الحادثة.
    - وذكروا في قصّة إسلام عمر أيضا أنّه عندما أراد تناول الصّحيفة أمرته أخته فاطمة بالغسل، ممّا جعل بعضهم يعتمد ذلك في مسألة وجوب الطّهارة لمسّ القرآن. فوجوب الوضوء لمسّه يُستنبط من أدلّة أخرى لا من هذه القصّة.
    وغير ذلك ممّا تقع عليه عين المتصفّح للسّيرة النبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم.
    فليحذر المسلم ثلاثة أبواب من العلم - كما قال الإمام أحمد -:" السّير، والمغازي، والتّفسير ".
    وإن الكتب التي اعتدت عليها في هذه الدّروس كثيرة جدّا، وفي مقدّمتها:
    1- كتاب الله تعالى وتفاسيره؟
    2- كتب الحديث، مع كتب التّخريج، لا سيّما كتب الشّيخين: الألباني والوادعي رحمهما الله,
    3- كتب السّيرة: كسيرة ابن هشام، والرّحيق المختوم، وفقه السّيرة ، والّذي اعتمدته كثيرا في الرّبط بين الأحداث، واقتبست منه جلّ هذه المادّة، هو كتاب:" قراءة جديدة في السّيرة النّبويّة " للصّويان، فلا أظنّ أحدا أحسن صوغ السّيرة النّبويّة مثله.
    4- كتب التّاريخ، والأطلس في السّيرة النّبويّة.
    5- كتب ابن القيّم لا سيّما " زاد المعاد ".
    6- شروح الحديث: لا سيّما " فتح الباري ".
    7- الكتب والمقالات العاّمة الّتي تعالج موضوعات خاصّة من حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
    وغيرها من الكتب.

    والله الموفّق لا ربّ سواه.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (3) لماذا كانت جزيرة العرب مهبطا لآخر الرسالات ؟
    الكاتب: عبد الحليم توميات

    لماذا كانت جزيرة العرب مهبطا لآخر الرسالات ؟

    فلا بدّ قبل الشّروع في دراسة السّيرة النبويّة أن نلقي نظرة على العالم قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ففي ذلك الزّمن حدثت فترة من الرّسالة كما قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:19] وقال:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].
    فكان يسود العالم دولتان عظيمتان: فارس والرّوم، ومن ورائهما اليونان والهند.
    أمّا فارس: فقد كانت حقلا لوساوس دينيّة فلسفيّة، شاع فيها مذهب زرادشت ومزدك وغيرهما، ممّا جعلها تتخبّط في صراعات دينيّة ما لها من زوال.


    الزرادشتية: ديانة من فلسفتها تفضيل زواج الرّجل من محارمه، حتّى إنّ يزدجرد الثّاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوّج بابنته، ناهيك عن الانحرافات الخلقيّة الأخرى.

    والمزدكيّة: ديانة قائمة على حلّ النّساء والأموال، وأنّ النّاس شركاء فيها كما يشتركون في الماء والنّار والكلأ ! وقد حظيت هذه الدّعوة بالقبول من أهل الرّعونات وأصحاب الشّهوات.

    وأمّا الرّومان: فقد كانت تسيطر عليهم الرّوح الاستعماريّة، وكانت منهمكة في خلاف عريض بين نصارى الشّام ونصارى مصر، وسادها الانحلال الخلقيّ والظّلم من جرّاء الإتاوات ومضاعفة الضّرائب.
    أمّا اليونان: فكانت غارقة في هوس عريض، وخرافات وأساطير كلاميّة لم تجنِ منها الشرّ المستطير، والانحراف العقديّ الكبير.
    أمّا الهند: فقد أجمع المؤرّخون أنّها كانت في أحطّ أدوارها دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا.


    والقدر المشترك بين هذه الدّول هو أنّها كانت تتزعّم الحضارة المدنيّة القائمة على أسس مادّية لا تمتّ إلى القيم الأخلاقيّة بصلة.

    وفي بقعة من العالم كانت هنالك الجزيرة العربيّة .. كانت متّصفة بالهدوء أكثر من غيرها، بل كانت منعزلة عن العالم وعن مظاهر الاضطرابات التي سادت فيه.

    لم يكن لديهم من التّرف ما يجعلهم يُفتنون لإيجاد طرق الانحلال الخلقيّ.

    ولم يكن لديهم من الفلسفات التي انتشرت في أغلب بقاع العالم.

    ولم يكن لديهم من الطّغيان العسكري ما يفتح لهم شهيّة الاعتداء والاستبداد بغيرهم، حتّى إنّ كثيرا من القبائل كانت منقادةً لفارس والرّوم.

    وكانوا خاضعين إلى نوع من الفطرة، وتتّجه نفوسهم إلى بعض المبادئ والأخلاق: كالجود، والوفاء، والنّجدة، والإباء، والعفّة، وغير ذلك .. لكنّهم كانوا في حاجة إلى توجيه هذه القِيم إلى الاعتدال، فمنهم من كان يئد البنات خوفا – زعموا - من تلطّخ العِرض، ومنهم من كان يتلف الأموال بدافع الكرم، ومنهم من كان حريصا على الثّأر بدافع الإباء، ويثير الحروب بدافع النّجدة.

    إذن يمكن أن نقول إنّه كان هناك استعداد تامّ لأن تكون جزيرة العرب هي مهبط الرّسالة لعدّة نواح:

    1- صفاء أذهانهم: وما على الدّارس إلاّ أن يدرس أشعارهم – والشّعر ديوان العرب – فيلمس هذه الخصلة لمس اليد، فما علِقت بأذهانهم أفكار الأمم الفلسفيّة ومذاهبهم الفكريّة. ولا شكّ أنّ الخليّ من ذلك أقرب إلى الاستجابة إلى الحقّ من غيره.

    2- سلامة البيئة من الاضطرابات: نعم، لقد نشبت حروب بين بعض القبائل، ولكن لم يكن ذلك هو السّمة الغالبة عليهم كما هو الشّأن عند الأمم الأخرى. بدليل أنّ تلك الحروب تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، ولا تتعدّى إلى جميع بقاع الجزيرة، بخلاف تلك الحروب الطّاحنة لدى الفرس والرّوم واليونان، فإنّها كانت تأتي على الأخضر واليابس.

    أمّا أهل مكّة وحدود الحرم، فقد عمّهم الأمن، وقال الله تعالى مبيّنا حالهم:{ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا }.

    والدّعوة لا تحتاج إلى شيء لانتشارها حاجتها إلى الأمن.

    3- كونهم أمّة أمّية: وهذا يدفع كلّ شكّ بأنّ الّذي يأتي به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو من جملة الحضارات الشّائعة، كما قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48].

    4- كونهم وسط حضارتين علميّا وموقعا، فيسهل أن تنتشر الدّعوة إلى كامل بقاع العالم، ولو كانت في أقصى الشّرق أو الغرب لتعذّر وصولها.

    5- كونها مكان البيت الذي بناه إمام الحنفاء، والشّيء من معدنه لا يُستغرب، فكانت الأنظار كلّها متّجهة إلى تلك البقعة المباركة، قال تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: من الآية 125].

    6- بهذه الأرض وُجِد أعزّ نسب على ظهر الأرض، ألا وهو نسب محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

    ولكنّ العرب كانوا يتخبّطون في ضلال عقديّ مبين تدعو الفطرة نفسها إلى نبذه وطرحه، وهم الذين كانوا يعلنون فخرا انتسابهم إلى إبراهيم عليه السّلام ؟!

    بداية الانحلال العقديّ..

    سبق أن ذكرنا أنّ دراسة السّيرة تعني دراسة رسالة الله إلى العباد، ومن أهمّ وظائف الرّسل الدّعوة إلى تزكية النّفوس ممّا علق بها من الشّرك وفساد الخلق، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2].

    والفطرة تحتاج إلى الشّرعة، إمّا لتثبيتها، أو لتقويمها، روى مسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُم ْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ )).

    وبقي النّاس على الفطرة، منذ أن خلق الله آدم إلى عهد نوح عليه السّلام.

    فكيف بدأ الشّرك في الأرض ؟

    روى ابن جرير الطّبري بسنده عن محمّد بن قيس – وأصل الحديث عن ابن عبّاس في صحيح البخاري-:

    أنّ يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلمّا ماتوا قال أصحابهم الّذين كانوا يقتدون بهم:" لو صوّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة "، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنّما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.

    وروى بسنده عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلّهم على الإسلام.

    فأين صارت هذه الأصنام بعد الطّوفان ؟

    جاء الطّوفان كما هو معلوم، وطُهّرت الأرض من الشّرك والمشركين، حتّى طال عليهم الأمد مرّة أخرى فأحيوا أمر هؤلاء. ولكن هذه المرّة إلى جانب الشّرك الأرضي ظهر نوع آخر من الشّرك وهو عبادة الكواكب، فأرسل الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ومَن بعدهم حتّى انتشر دين إبراهيم، وكان يُعظّم في الجزيرة العربيّة بشدّة.

    وعاد الشّرك إلى الظّهور مرّة أخرى، فأوّل ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السّلام – كا في " سيرة ابن إسحاق"- أنّه كان لا يظعن [أي: يسافر] من مكّة ظاعنٌ منهم إلاّ حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتّى وصل ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة.

    ثمّ خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضّلالات.. بل إنّ بعضهم أحيا أمر أولئك الصّالحين الخمسة:

    روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: ( صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ:

    أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

    وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ.

    وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبإٍ.

    وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ.

    وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ ).

    وكلّ ذلك حدث بالشّام..

    وجاء دور عمرو بن عامر بن لحيّ: الّذي جلب الأصنام من الشّام إلى مكّة.


    خرج عمرو بن عامر من اليمن فسار مع من تبعه من قومه حتّى نزلوا الشّام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السّراة بالسّراة، ونزلت أزد عمان بعمان. وفيهم سار المثل المعروف:" تفرّقوا أيدي سبأ ".

    ثمّ إنّ عمرو بن لحيّ قدم البلقاء، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق – رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه ؟

    فأعطوه صنما يقال له هُبَل فقدم به مكّة، فنصبه وأمر النّاس بعبادته وتعظيمه. وحرّم ما أحلّ الّه من الإبل السّوائب والبحائر.


    روى البخاري ومسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ )).

    وفي رواية لهما عن عائشة: (( رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ )).


    الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ.

    وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ.

    وهنالك انتشر الشّرك في مكّة وما حواليها، وبقي فيهم تعظيم البيت، والطواف به، والحجّ، والعمرة، والوقوف على عرفة، والمزدلفة، وهدي البُدْن، والإهلال بالحجّ والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا:" لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك ". فيوحّدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده.

    يقول الله تبارك وتعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106] أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي.

    عندئذ كان لا بدّ أن يُصلح أمر هؤلاء، وفي علم الله تعالى أنّه لم يبق من أمر الدّنيا مقدار ما مضى منها، فشاء أن يأذن ببعثة سيّد البشر أجمعين، وإمام المرسلين محمّد صلّى الله عليه وسلّم..





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر(4) وقفات مع نَسَبِ النَبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم
    عبد الحليم توميات


    جاء في سيرة ابن هشام رحمه الله:" ذكر سرد النّسب الزكيّ من محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى آدم عليه السّلام ".
    قال:" هذا كتاب سيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب [واسم عبد المطلب شيبة] بن هاشم [واسم هاشم عمرو] بن عبد مناف [واسم عبد مناف المغيرة] بن قصيّ [واسم قصيّ زيد] بن كِلاب بن مُرّة بنِ كعب بنِ لؤيّ بنِ غالب بنِ فِهر بنِ مالك بن النّضر بن كنانة بنِ خزيمة بنِ مدركة [واسم مدركة عامر] بنِ إلياس بنِ مضر بنِ نِزار بنِ معدّ بنِ عدنان.."

    وساق رحمه الله بقيّة النّسب إلى آدم عليه السّلام.
    ولنا وقفات أمام النّسب الشّريف:
    - الوقفة الأولى: اعلم أنّه لا يصحّ النّسب فوق عدنان، وذلك لقول الله تعالى:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} [إبراهيم: من الآية9]. لذلك روى ابن جرير الطّبري عن ابن مسعود وعمرو بن ميمون أنّهما كانا إذا قرءا هذه الآية قالا: ( كذب النسّابون ).
    أمّا ما رواه ابن سعد في "طبقاته" (1/1/28)، وابن عساكر عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نَسَبِهِ مَعَدّ بْنَ عَدْنَانَ بْنَ أُدَدٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: (( كَذَبَ النَسَّابُونَ ))، فهو حديث موضوع مرفوعا، والصّحيح أنّه موقوف، ومقطوع.
    [انظر "سلسلة الأحاديث الضّعيفة" (رقم111)].
    لذلك قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى:{لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ}:
    " أي لا يحصي عددهم إلاّ الله، ولا يَعرف نسبهم إلاّ الله، والنسّابون – وإن نسبوا إلى آدم – [لا يريدون(1)]إحصاء جميع الأمم، وإنّما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض،[ثمّ ذكر ما يروى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبيّنا وضعه، ثمّ قال:]وقد روي عن عروة بن الزّبير أنّه قال: ما وجدنا أحدا يعرف مابين عدنان وإسماعيل ".
    - الوقفة الثّانية: ولكنّنا نجزم أنّه من ذرّية إسماعيل عليه السّلام، وذلك للحديث الذي رواه مسلم عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ )).
    والاصطفاء من التّصفية، فإنّ الله انتقاه من العباد انتقاءً، وجعل نسبه أطهر الأنساب، وحسبه أشرف الأحساب، لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: (( خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ ولَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ، لَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ )).[" الإرواء " (1914)].

    - الوقفة الثّالثة: تسمية عبد المطّلب بهذا الاسم ليس حجّة في جواز التّعبيد لغير الله تعالى، لوجوه:
    أ) فقد حكى ابن حزم رحمه الله في " مراتب الإجماع " إجماع العلماء على تحريم كلّ اسم معبّد لغير الله تعالى، واستثنوا عبد المطّلب لما فيه من الخلاف، ومنشأ الخلاف قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين: (( أنا ابن عبد المطّلب )) [علّقه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود موصولا].
    ب) قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذا لا يفيد الجواز أبدا، لأنّه حكاية نسب مضى، فهو من باب الإخبار لا من باب الإنشاء.
    ج)قال أبو سليمان الخطّابي رحمه الله:
    " وقد يقع الغلط كثيرا في باب التّسمية، وأعرف رجلا من الفقهاء كان سمّى ولده " عبد المطّلب "، فهو يُدعى به اليوم، وذلك أنّه سمع بعبد المطّلب جدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجرى في التّسمية به على التّقليد، ولم يشعر أنّ جدّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إنّما دُعِي به، لأنّ هاشما أباه كان تزوّج أمّه بالمدينة، وهي امرأة من بني النجّار، فولدت له هذا الغلام، وسمّاه شيبة، ومات عنه وهو طفل، فخرج عمّه المطّلب بن عبد مناف أخو هاشم في طلبه إلى المدينة فحمله إلى مكّة فدخلها وأردفه خلفه، فقيل له: من هذا الغلام ؟ فقال: هذا عبدي، وذلك لأنّه لم يكن قد كساه ولا نظّفه، فاستحيا أن يقول: ابن أخي، فدُعِي بعبد المطّلب باقي عمره ".
    د) وقال أيضا:" على أنّه لا اعتبار بمذاهب أهل الجاهليّة في هذا فقد تسمّوا بعبد مناف، وعبد الدّار، ونحوهما من الأسامي " اهـ.
    وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في " الفتاوى " (1/375، 378)، وابن القيّم في " تحفة المودود " (113)، وصاحب " تيسير العزيز الحميد " (563،566) في بيان أنّه لا يجوز التّعبيد لغير أسماء الله، ونظيره تسمية النّصارى بعبد المسيح.
    هـ) ثمّ إنّه لا يليق أن نعارض بهذا الحديث ما جرى عليه عمل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه قد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه غيّر أسماء كثير من الصّحابة لأجل كونها مُعبَّدةً لغير الله تعالى، كما في:
    ترجمة عبد الرّحمن بن سمرة، وكان اسمه عبد كلال، فسمّاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عبد الرّحمن.
    وكذا في ترجمة كلّ من: عبد الله بن حكيم الضبّي، وعبد الله بن منقر القيسي، وعبد الحارث بن أنس الحارثي، وعبد الرّحمن بن أنس الحارثي، وعبد الرّحمن بن عبد الله البلوي، وعبد الله بن الحارث بن زيد الضبّي، وغيرها من التّراجم ممّا لا يمكن إحصاؤه.

    والله تعالى أعلم.


    (1) زيادة منّي يقتضيها السّياق.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر(5) حفر بئر زمزم


    الكاتب: عبد الحليم توميات


    دلائل وإرهاصات النبوّة ( حفر بئر زمزم )


    روى التّرمذي وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ ؟ قَالَ: (( وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ )).

    هذا هو شأن نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ..


    ولم يزل يتقلّب في أعفّ الأرحام، وأشرف الأنساب، حتّى أوجب الله على جميع الأنبياء والرّسل اتّباعه، قال الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81].



    ثمّ جاءت دعوة إبراهيم وبشارة عيسى .. فإبراهيم نادى ربّه قائلا:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129]..
    وعيسى نادى قومه قائلا:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصّف:من الآية6]..

    وبعد دعاء الخليل الذي ردّده الرّهبان، ونداء عيسى الذي مشى به الرّكبان، أصبح النّاس يترقّبون ظهور خاتم النبيّين، ويتشوّقون لاتّباع إمام المرسلين .. حتّى قوم اليهود الماكرين كانوا{يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: من الآية89]..

    كان الرّاهب من النّصارى لا يموت حتّى يشهد أتباعه أنّه إذا ظهر أحمد بفاران، أن يكونوا له من المتّبعين ..كما حدث لسلمان الفارسيّ رضي الله عنه عندما أشرف آخر راهب عاش معه على الموت، قال له سلمان: وَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ:

    ( أَيْ بُنَيَّ ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ، أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ ).

    وكان أشراف العرب يطمعون في أن تكون النبوّة فيهم، والرّسالة في ذويهم، والله تعالى يقول:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68]..وقال:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} [الأنعام:من الآية124]..

    أنت تريد، والله يريد، ولا يكون إلاّ ما يريد (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ))..

    فما كان من أشراف العرب إلاّ أن{قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} يقصدون الوليد بن المغيرة بمكّة، وحبيب بن عمرو بالطّائف، فردّ الله عليهم قولهم:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (32)} أي: كما أنّه فضّل بعضكم على بعض في الرّزق، فهو يفضّل بعضكم على بعض في النّبوّة..

    ولا بدّ لكلّ بداية من إرهاصات..ومقدّما ت..

    حفر بئرزمزم:

    فقد كانت زمزم عينا يشرب منها النّاس، وكانت العرب تعظّمها لأنّها من شعائر دين إبراهيم الخليل عليه السّلام، ولكنّ عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ كان قد دفن زمزم قبل أن تخرج جرهم من مكّة، فجهل النّاس مكانها، وانطمست معالمها.

    وأراد الله عزّ وجلّ أن يجعل حفرَ بئر زمزم على يد عبد المطّلب جدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ليشير إلى أنّ ملّة إبراهيم ستقام وتحيا من جديد على يد واحد من سلالة بني هاشم.

    قد روى ابن إسحاق والبيهقي في " دلائل النبوّة " عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حدّث حديث زمزم حين أمر عبد المطّلب بحفرها قال: قال عبد المطلب:

    ( إنّي لنائم في الحجر، إذ أتاني آت فقال:

    احفر طيبة ! قال: قلت: وما طيبة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني، فقال:

    احفر برّة ! قال: فقلت: وما برّة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني، فقال:

    احفر المضنونة[1] ! فقال: فقلت: وما المضنونة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه فجاءني فقال:

    احفر زمزم ! قال: قلت: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذمّ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدمّ، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النّمل.

    فلمّا بيّن له شأنها ودُلّ على موضعها، وعرف أنّه قد صُدِق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلمّا بدا لعبد المطّلب الطيّ كبّر.

    فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطّلب ! إنّها بئر أبينا إسماعيل، وإنّ لنا فيها حقّا، فأشركنا معك فيها !

    قال: ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خُصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم.

    فقالوا له: فأنصفنا، فإنّا غير تاركيك حتّى نخاصمَك فيها !

    قال: فأجملوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه.

    قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم.

    قال: نعم !.

    وكانت – أي: الكاهنة – بأشراف الشّام، فركب عبد المطّلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كلّ قبيلة من قريش نفرٌ، والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا.

    حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشّام فَنِي ماء عبد المطّلب وأصحابه، فظمئوا، حتّى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم، وقالوا: إنّا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلمّا رأى عبد المطّلب ما صنع القوم، وما يتخوّف على نفسه وأصحابه، قال: ما ترون ؟ قالوا: ما رأيُنا إلاّ تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت.

    قال: فإنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة، فكلّما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثمّ واروه حتّى يكون آخركم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا.

    قالوا: نعم ! ما أمرت به.

    فقام كلّ واحد منهم فحفر حفرته، ثمّ قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثمّ إنّ عبد المطلب قال لأصحابه:

    والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لعجزٌ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا !

    وقبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ؟ فتقدّم عبد المطلب إلى راحلته، فركبها.

    فلمّا انبعثت به، انفجرت من تحت خفّها عين ماء عذب! فكبّر عبد المطّلب، وكبّر أصحابه، ثمّ نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقوا حتّى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا !

    ثمّ قالوا: قد- والله - قضى لك علينا يا عبد المطّلب ! والله لا نخاصمك في زمزم أبدا ! إنّ الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.

    فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها ).

    - الشّاهد: أنّ الله تعالى قد اصطفى بني هاشم بهذا الفضل المبين، الذي فيه إحياء لأمر من شعائر النّبيّين، وما كان ذلك إلاّ مقدّمة لاصطفاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ هذه الحادثة وتخصيص بيت عبد المطّلب بهذا الشّرف أصبح على لسان كلّ عربيّ، فإذا بُعِث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه ينبغي أن يجهر الجميع قائلين: الشّيء من معدنه لا يُستغرب.

    والحمد لله ربّ العالمين





    [1]/ ( المضنونة ): الغالية، يطلق على زمزم لنفاسته، وعلى ضرب من الطّيب، أي التي يضنّ بها لنفاستها وعزّتها، قال في لسان العرب: "وقيل للخلوق والطّيب المضنونة لأنّه يضنّ بهما ".




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (6) هل قِصَّةُ أَصْحَابِ الفِيلِ من دلائل النبوّة ؟


    الكاتب: عبد الحليم توميات


    حادثة من أعظم حوادث الزّمان، عادت على أهل مكّة بالأمن والأمان، وقطعت شأفة أهل الخزي والحرمان، حادثة لا تزال تخلّد في التّنزيل، تلكم هي حادثة الفيل ..

    ومبدأ القصّة أنّ أبرهة – وكان واليا على اليمن للنّجاشيّ – أراد أن يتقرّب إلى سيّده بعد ذنب اقترفه.. فماذا فعل ؟

    قال أهل السّير:



    "بنى أيرهة القُليس بصنعاء، كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثمّ كتب إلى النّجاشي أنّي قد بنيت لك أيّها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك ! ولست بمنتهٍ حتّى أصرف إليها حجّ العرب ".

    وقفة: انظر، ما من حركة ولا حرب إلاّ ومن ورائها كنيسة، فالحروب الصّليبيّة أقدم بكثير ممّا يتصوّره المؤرّخون، كما هو الشّأن في زماننا هذا، يقف جنرال سفّاح على أرض كوسوفو ويقول: ها قد عادت الحروب الصّليبيّة !.. ويطلع علينا غزاة الأفغان والعراق من الكنيسة مفتخرين بإحياء الحروب الصّليبيّة !

    قال أهل السّير:

    " فلمّا تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النّجاشيّ، غضب رجل من النَّسَأَة أحد بني فُقَيم بن عديّ.. فخرج حتّى أتى القُلَّيس فأحدث فيها، ثمّ خرج فلحق بأرضه !".

    وقفة: إنّه مشرك بالله ربّ الأنام، من النّسأة الذين بدّلوا وغيّروا الأيّام، حتّى اختلط الحلال بالحرام، ولكنّ المروءة لا تزال تجري في عروقه.

    إنّ نصرة المؤمنين المضطهدين إن لم يحرّكها الدّين، فإنّها من لوازم الرّجولة، ومقوّمات الفحولة.

    ويوم أحدٍ حين تولّى ابن سلول ومن معه من المنافقين بثلث الجيش، نادى عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه –وهو والد جابر-، ناداهم بهذا الشّعار فقال:" اتّقوا الله ! ولا تتركوا نبيّكم ! وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ".

    {تَعَالَوْا قَاتِلُوا } أعداء الله { فِي سَبِيلِ اللهِ } فعلى ذلك بايعتم، ولأجل ذلك أسلمتم، فإن أبيتم القتال في سبيل الله، فعلى الأقلّ:{ادْفَعُوا} أي: قاتلوا للدّفاع عن الأهل والعشيرة.

    قال أهل السّير:

    " فأُخبِر بذلك أبرهة، فقال: مَنْ صَنَع هذا ؟ فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة لمّا سمع قولك: أصرف إليها حجّ العرب، غضب فجاء فقعد فيها ! أي: إنهّا ليست لذلك بأهل.

    فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتّى يهدمه، ثمّ أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثمّ سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به ورأوا قتاله حقّا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام.

    فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه، فأجابه إلى ذلك من أجابه، ثمّ عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه ".

    وقفة: لا شكّ أنّه أدّى الّذي عليه، فكذلك المسلم، عليه أن يتيقّن بأنّه غير مطالب بالنّصر، قال تعالى:{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }، ولكنّه مطالب بالغزو والدّفع.

    قال أهل السّير:

    " ثمّ مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتّى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتين: خثعم وناهس، وتبعه بعض القبائل، فقاتله فهزمه أبرهة..

    حتّى إذا مرّ بالطّائف خرج إليه مسعود بن مُعْتِب بقبيلة ثقيف، فقالوا له: أيّها الملك ! إنّما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنّما تريد البيت الّذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم - واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة - ".

    وقفة: وانظر أخي الكريم أنّ الغزاة لن يصلوا إلى المسلمين لولا خذلان الأقربين .. وكلّنا سمع الرّافضة يترضّون على الغزاة للعراق، ويعلنون لهم الولاء بالعِناق .. فعاد ابن العلقميّ من جديد !!.. ابن العلقميّ الّذي لولاه ما قدر التّتار على غزو بغداد قديما، ولولا أحفاده ما قدروا على غزوها حديثا ..


    قال أهل السّير:

    " فلمّا نزل أبرهة المغمس، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتىّ انتهى إلى مكّة، فأخذ شيئا من أموالهم وإبلهم، وكان منها مائتا بعير لعبد المطّلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثمّ عرفوا أنّهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك ...

    فانطلق عبد المطّلب ومعه بعض بنيه، حتّى أتى عسكر أبرهة، وكان عبد المطّلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلمّا رآه أبرهة أجلّه وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثمّ قال لترجمانه:

    قل له حاجتك. فقال له ذلك الترجمان فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي.

    فلمّا قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه:" قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثمّ زهدت فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه ؟!".

    قال له عبد المطّلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه.

    قال: ما كان ليمتنع منّي.

    قال: أنت وذاك.

    وقفة: كثير منّا يبكي على واقع الإسلام – ولا تثريب على الباكي العامل - ويهتمّ لشأنه، مع أنّ الله حافظه، ولا يبكي على واقعه، ويهتمّ بشأنه وشأن أهله، فهلاّ تفطّن أنّه هو ربّ أسرته، وللإسلام ربّ يمنعه ويحميه ؟ يقول تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمّد: 7]. فعلى المسلم أن يُصلح نفسه من العيوب، ويطهّرها من الذّنوب، فذلك نصرةٌ لعلاّم الغيوب ..


    كذلك بعض من يرتكب المحرّمات، ويعطّل الواجبات بحجّة مصلحة الدّعوة ! فليعْلم أنّ عليه أن يحمِي نفسه من عذاب الله ومقته وغضبه، وأنّ للدّعوة ربّا يحميها.

    قال أهل السّير:

    " فلمّا انصرفوا عنه، انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكّة، والتحرّز في شعف الجبال والشعاب تخوّفا عليهم من معرّة الجيش، ثمّ قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

    اللّهم إنّ العبـد يـمـــنـع رحلــه فامــنـع حِلالـــك[1]

    لا يغلبــــنّ صليـــبـهــم ومحـالهم غـدوا محالك [2]

    إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمــــرٌ مــــا بـــدا لــــك

    وقفة: وفي هذا بيانٌ لفضل الدّعاء، والتضرّع لربّ السّماء، فمن دعا ربّ العالمين فهو من المحسنين، قال صلّى الله عليه وسلّم:

    (( أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ )) [" السّلسلة الصّحيحة " (601)].

    قال أهل السّير:

    " وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها ؟

    فلمّا أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكّة، وهيّأ فيله، وعبّى جيشه، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلمّا وجّهوا الفيل إلى مكّة، وضربوا الفيل ليقوم أبى، فضربوا في رأسه ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه[3] بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشّام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك !

    عندئذ أرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف مع كلّ طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلاّ هلك، وليس كلّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطّريق الذي منه جاءوا:

    أيـن المفـرّ والإلـه الطّـالب والأشـرم المغلـوب ليس الغـالـب

    فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون بكلّ مهلك، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلّما سقطت أنملة تمكث قيحا ودما، حتّى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطّائر، فما مات حتّى انصدع صدره عن قلبه..

    فلمّا بعث الله تعالى محمّدا صلّى الله عليه وسلّم كان ممّا يعدّ الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة، فقال الله تبارك وتعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}، وَقَالَ:{ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } "اهـ.

    وقفات:

    - كان ابن عبّاس لا يفصل بين سورة الفيل وسورة قريش، فهما كالسّورة الواحدة، لأنّ الله بعدها يذكر سبب نصرته لقريش، وأنّه ما فعل ذلك إلاّ ليعبدوه سبحانه، لذلك قال:{لِإِيلافِ قُرَيْشٍ

    - إنّ الله تعالى حفظ أهل مكّة مع كونهم مشركين، والأحباش من النّصارى، فهم أحسن حالا من أهل مكّة، ولكنّ الله تعالى له الأمر من قبل ومن بعد، وذلك لأسباب:

    1-أعظمها: لأنّ الأمر يمسّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه كان سيولد بعد أيّام، في عام الفيل؛ ولو مُكِّن لأبرهة لقيل بعد ذلك: كيف يكون نبيّا وقد هُدِم البيت الحرام عام مولده ؟ والعرب كانت مختصّة في التّشاؤم.

    ومن هنا ندرك سبب ذكر أهل العلم لهذه الحادثة في دلائل نوبّته صلّى الله عليه وسلّم.


    2- كذلك صارت مكّة وما أظهره الله من تأييد لها على لسان كلّ متحدّث، فإذا بُعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستغرب النّاس بعثته.

    3- ومنها: أنّ الأمر يتعلّق ببيت الله الحرام، البيت العتيق الذي لا يقصده كافر إلا قصمه الله.

    4-ومنها: أنّ المظلوم إذا دعا ربّه فإنّه ينصره، ولو كان كافرا، فما بال أيدي الكفّار اليوم تصل إلى المظلومين من المسلمين ؟ أهانوا على الله أكثر من هوان المشركين ؟ أم أنّهم تكبّروا عن دعاء الله تعالى، والتضرّع إليه، والافتقار بين يديه ؟




    [1] الحلال: جمع حِلّة بالكسر، وهم القوم المجتمعون.

    [2] المِحال: الشدّة والقوّة، ومنه قول الله تعالى:{ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ }.

    [3] (المِحْجَن):عصا معوجّة يجعل فيها حديد. (المِراق): أسفل البطن. (بزغوه): أدمـوه.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (7) مولد الحبيب صلّى الله عليه وسلّم
    عبد الحليم توميات

    ونتكلّم حول أمور أربعة:
    تحقيق عام مولده - بيان نسبه صلّى الله عليه وسلّم - تحقيق شهر ويوم مولده - ثمّ بيان ما صحّ من حوادث زمن مولده.
    فمولد محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم حدث ما زال يهزّ الدّنيا، فهو بُشرى للقلوب، وفرحة للأرواح، وبداية لإنقاذ البشريّة من رمضاء التّيه والضّلال المهلكة، وتحويل النّاس إلى النّبع الصّافي والمورد الكافي ..{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) } [المائدة].{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء:107]..

    * عام ولادته صلّى الله عليه وسلّم.
    أمّا عام ولادته صلّى الله عليه وسلّم: فقد ولد عام الفيل، وقد سبق أن ذكرنا أنّ حادثة الفيل حدثت قبيل ولادته صلّى الله عليه وسلّم بأيّام، أو بشهر، أو شهرين، وهذا ما ذهب إليه أئمّة الإسلام.
    قال ابن إسحاق:" وكان مولده صلّى الله عليه وسلّم عام الفيل، وهذا هو المشهور عن الجمهور، قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: وهو الذي لا يشكّ فيه أحد من علمائنا أنّه صلّى الله عليه وسلّم وُلِد عام الفيل، وبُعِث على رأس أربعين سنة من الفيل "اهـ.
    وليس معتمدهم في ذلك ما رواه التّرمذي وأحمد عن قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم عَامَ الْفِيلِ.
    فإنّه ضعيف، ولكنّ العمدة في ذلك أمران اثنان:
    1- الأوّل: ما رواه البيهقي بسند حسن عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: وُلِدَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفيل.
    2-الثّاني: بتتبّع أحداث التّاريخ، فقد قال ابن إسحاق وهو يسرد علينا حادثة حرب الفجّار: وكان رسول الله عام عكاظ [يقصد حاثة حرب الفجّار] ابن عشرين سنة.
    وقد قال هو وغيره: إنّ الفجّار كانت بعد الفيل بعشرين سنة. فدلّ ذلك على أنّه ولِد عام الفيل.
    * نسبه صلّى الله عليه وسلّم والحكمة منه.
    سبق أن ذكرنا نسب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من جهة أبيه، وأنّه ينتمي إلى أشرف الأنساب، وأعرق الأحساب.
    أمّا أمّه فهي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة.
    فنسبه من جهة أبيه وأمّه يرجع إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام، فهو في أعلى درجات الأصالة والشّرف كما مرّ في حديث مسلم: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ))..
    وفي هذا حِكَمٌ بالغة منها:
    أ*) أنّ ذلك من عوامل نجاح الدّعوة في أوّل أمرها، إذ يصعب على الكفّار قتله، لما كان من انتشار للعصبيّة القبليّة يومئذ، ولا يخفى على أحدٍ عناية أبي طالب له، ولم يجرؤ أحد على المساس به من أجل ذلك.
    ب*) كما أنّ في شرف هذا النّسب ردّا على ما يمكن أن يزعمه مكابر أو مجادل بأنّ دعوته جاءت ردّ فعل لإصلاح واقع اجتماعيّ، كما هو الشّأن في الدّعوات المادّية، فلو كان وضيعا لقالوا إنّما جاء بما جاء تمرّدا على واقعه.
    ت*) وكان معروفا لدى أهل الكتاب أنّ النبيّ لا بدّ أن يكون شريف النّسب، كما قال هرقل لأبي سفيان:" سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا " [رواه البخاري].
    وغير ذلك من الحكم.
    ففي عام الفيل وذلك الحدث الجليل، كانت آمنة تحمل في بطنها أشرف الخلق وأكرمهم على الله تعالى وهي لا تدري من ذلك شيئا ..
    ولكنّها ما حملت به حتّى تُوُفّي والده عبد الله .. ولم يُقدّر لهذا المولود أن يرى والده الذي أرسله عبد المطّلب في مَهمّة إلى المدينة.
    وليس ذلك من قبيل المصادفة .. وخاصّة أنّه سيفقد أمّه وجدّه أيضا بعد أعوام ..
    لقد اختار الله هذه النّشأة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحكم باهرة، ولعلّ أعظمها أمران:
    1- تربية التوكّل على الله في قلبه، وأنّ عناية الله فوق كلّ عناية.
    2- ألاّ يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الرّيبة في القلوب، وإيهام النّاس أنّه مسيّر من أبيه، وخاصّة جدّه الذي كان سيّدا في قريش، فقد كانت فيه الرِّفادة والسّقاية[1]، بل المتأمّل ليُدرك أنّ عمّه الذي عاش معه وحماه لم يتّبع دعوته، فلا سبيل لأن يُقال إنّ له يدا في ذلك.
    ثمّ بعد موت والده، جاءت ولادته صلّى الله عليه وسلّم.
    * تحقيق شهر ويوم مولده صلّى الله عليه وسلّم.
    - اتّفق علماء الإسلام على أنّه صلّى الله عليه وسلّم ولد يوم الإثنين؛ لما رواه مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ؟ قَالَ: (( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ )).
    - أمّا الشّهر فالجمهور على أنّ ذلك كان في ربيع الأوّل، وخالف الجمهور الزّبير بنُ بكَّار، حيث زعم أنّ ذلك كان في رمضان، بناء على أنّ أوّل نزول الوحي كان في رمضان بلا خلاف، وكان ذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان.
    لكنّ الصّواب ما ذهب إليه الجمهور، فقد جاء في ذلك آثار تدلّ بمجموعها على ذلك. [انظر " السّيرة النّبويّة " لابن كثير (1/199)].
    - أمّا تحديد اليوم، ففيه أقوال كثيرة:
    1- فقيل: ولد في اليوم الثّاني من ربيع الأوّل، وهو قول ابن عبد البرّ.
    2- وقيل: ولد في الثّامن من ربيع الأوّل، وهو قول ابن حزم في " جوامع السّيرة " له (ص 7).
    واستدلّ رحمه الله على ذلك برواية مالك عن محمّد بن جبير بن مطعم، وهي صحيحة.
    بل نقل ابن عبد البر في " الاستيعاب " تصحيح أهل الزَّيج[2] له، وهو الّذي قطع به عند الحافظ الكبير محمّد بن موسى الخوارزمي، ورجّحه الحافظ أبو الخطّاب ابن دحية.
    3- وقيل: ولد في العاشر من ربيع الأوّل، وهو قول الشّعبي، وأبي جعفر محمّد الباقر.
    4- وقيل: ولد في الثّاني عشر من ربيع الأوّل، نصّ عليه ابن إسحاق، وفيه رواية ابن أبي شيبة عن ابن عبّاس وجابر، وهو المشهور عند الجمهور.
    5- وقيل: ولد في السّابع عشر من ربيع الأوّل.
    هذه خلاصة الأقوال التي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (2/242-243).
    وليس المقصود التحقّق في يوم مولده صلّى الله عليه وسلّم، وإنّما الإشارة إلى أنّ العلماء لم يتّفقوا على أنّ مولده كان في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل.
    إلاّ أنّ القول بأنّه صلّى الله عليه وسلّم ولِد في اليوم الثّامن من ربيع الأوّل أقوى وأرجح لعدَّة أمور:
    - أنّه هذا هو ما نقله الإمام مالك، وعقيل، ويونس بن يزيد -وهم من هم - عن الزّهري، عن محمد بن جبير بن مطعم.
    - أنّ هذا القول رجَّحه جمع من أهل العلم المحقّقون منهم: ابن حزم، والحافظ محمّد بن موسى الخوارزمي، والحافظ ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير "، وهو أوّل كتاب صُنِّف في " استحباب المولد ".
    * بيان ما صحّ من حوادث زمن ولادته.
    فإنّنا نجزم أنّ مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان ولا يزال أعظم حدث غيّر الله به البشريّة جمعاء، ولكنّ ذلك لا يعني أبدا أن تتتشقّق هذه المحبّة في القلوب عن أساطير ما لها من زمام ولا خطام !.
    فإنّ ولادته صلّى الله عليه وسلّم قد أحاطها الوضّاعون - وتبعهم العامّة - بجملة من الأكاذيب والخرافات، ولقد أعمى الحبُّ كثيرا من النّاس، فصاروا يسقون حدث ولادته بأمطار ممّا لا يصحّ من أخبار، فنشأت حول هذا الحدث العظيم كثير من الأساطير.
    من جملة هذه الأكاذيب:
    - دنوّ النّجوم من الأرض.
    - وأنّه كان هناك لوح من ذهب كتبت عليه الأشعار يوم ولادته عند رأس أمّه.
    - ومنها أنّ إيوان كسرى قد ارتجّ، وأنّ ناره التي يعبدون انطفأت لأوّل مرّة.
    - وأنّه لم تشعر أمّه بألم ولادته.
    - وأنّه ولد مختونا، وغير ذلك.
    فلم يصحّ شيء من ذلك إلاّ ما جاء موزونا بميزان أهل الحديث، ومصحوبا بأحكام عباقرة السنّة، وذلك:
    ما رواه الإمام أحمد والدّارمي عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ ؟ قَالَ: (( دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ الشَّامِ ))[3]. كناية عن انتشار دينه وملّته صلّى الله عليه وسلّم.

    والله أعلم وأعزّ وأكرم.


    [1]- الرّفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهليّة، فيجمعون المال الوفير لشراء الطّعام في موسم الحجّ، والسّقاية هي الاعتناء بسقيهم.
    [2]- أهل الزّيج: يعني أصحاب الفلك، ووقع في بعض طبعات البداية والنهاية: (أصحاب التاريخ) وهو خطأ، انظر الطبعة التي بتحقيق التركي (3/373)].
    [3]- وهذا قد ذكره إبراهيم العليّ في "صحيح السّيرة النبويّة".
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (8) نشأة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم
    عبد الحليم توميات


    فقد رأينا في الحلقة السّابقة مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت لنا وقفات أمام هذا الحدث العظيم، والمولود الكريم، إلاّ أنّه صلّى الله عليه وسلّم قُدّر له أن يُولَد يتيما، وكان من وراء ذلك – كما سبق بيانه – من الحكم البالغة ما لا يخفى.

    وإنّنا اليوم - إن شاء الله - نتطرّق إلى نشأة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: تسميته ثمّ ورضاعته وحضانته صلّى الله عليه وسلّم.



    تسميته صلّى الله عليه وسلّم.

    فما أن وضعت آمنة بنت وهب نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، حتّى أرسلت إلى جدّه عبد المطّلب: أنّه قد وُلِد لك غلام، فأتِه فانظر إليه.

    ولقد كان جدّه عبد المطّلب خيرَ مُعينٍ لأمّه صلّى الله عليه وسلّم، فاحتفى بمولده احتفاء عظيما ..

    وهل هو من سمّاه ( محمّد ) أو أمّه ؟ لا دليل يُثبت أحدَهما .. المهمّ أنّ الاسم الّذي كان يتردّد على ألسنة الأنبياء، وتحنّ إليه أعين الأتقياء، صار من عالم الشّهادة ...

    وحين سمعت العرب بذكر مبعث آخر رسول وأنّ اسمه أحمد ومحمّد، وأنّه يُبعث من أرض الحجاز، طمع الكثيرون أن يكونوا هم أصحاب هذا الشّرف العظيم، فسمّوا أولادهم بمحمّد، من هؤلاء: محمّد بن مجاشع – وهو جدّ جدّ الفرزدق الشّاعر -، ومحمّد بن أحيحة بن الجلاّح، ومحمّد بن حمران بن ربيعة.

    وفي هذا ردّ على المتصوّفة الّذين ادَّعوا أنّه لم يتسمّ قبله باسمه أحدٌ ! ولماذا قالوا ذلك ؟

    قالوا: لأنّه صلّى الله عليه وسلّم أفضل من نبيّ الله يحيَى عليه السّلام، فهو أولى بقوله تعالى:{ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } !

    ولا يُستبْعد من أمثال هؤلاء أن يتفوّهوا بمثل هذه الترّهات .. فقد قالوا أكثر من ذلك .. ومن عجيب ما سمعته أذناي استدلال أحدهم على استحباب الاحتفال بمولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقول أهل السّّير المذكور آنفا عن عبد المطّلب:فاحتفى بمولده احتفاء عظيما !!


    فيستدلّون بعمل عبد المطّلب وهم أنفسهم يقرؤون عنه - على جلالة قدره ومكانته - أنّه كان لا يزال يذهب إلى الكاهن و ويعظّم الأوثان وغير ذلك !!

    ثمّ إنّ عبد المطّلب احتفل بمولد حفيده، فمن ذا الّذي يمانع من أن يحتفل المسلم بمولد ابنه أو حفيده ؟!


    وهكذا إذا ضلّت العقول فليس لضلالها حدّ معقول.

    دعونا – معاشر القرّاء – من هذا الخرف والهراء، لنعود إلى بيت آمنة .. فإنّه بعد تسمية الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، حان وقت التماس المراضع.

    رضاعته وحضانته صلّى الله عليه وسلّم.

    فكانت أمّه آمنة أوّل من أرضعت ابنها اليتيم، تشاركها امرأة أخرى، تُدعى:

    أمّ أيمن، واسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو.

    وامرأة ثالثة هي: أمةٌ لعمّه أبي لهب واسمها: ثويبة، وهي الّتي أرضعت معه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي –كما في الصّحيحين-.

    ثمّ جاء دور استرضاع الأولاد من نساء أهل البادية، فكانت تلك عادتهم طمعا في نجابة الأولاد، فجاء المرضعات يلتمسن الرّزق بذلك .. وكانت أقدامهنّ تتزاحم على كلّ باب سُمِع أنّ به مولودا جديدا .. وندع المرضعة حليمة بنت أبي ذؤيب السّعديّة من قبيلة بني سعد بن بكر تروي لنا قصّتها في ذلك:

    تحدّثت: ( أنّها خرجت من بلدها مع زوجها، وابنٍ لها صغيرٍ ترضعه[1]، في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرّضعاء.

    قالت: وذلك في سنة شهباء[2]، لم تُبقِ لنا شيئا، فخرجْتُ على أتان لي قمراء معنا شارف لنا، والله ما تبضّ بقطرة[3]، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الّذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغدّيه، ولكنّا كنّا نرجو الغيث والفرج.

    فخرجت على أتاني تلك، فلقد أَدَمْت[4] بالرّكب، حتىّ شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا [العجف: الهزال]. حتّى قدمنا مكّة نلتمس الرّضعاء، فما منّا امرأة إلاّ وقد عُرِض عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، وذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصبيّ، فكنّا نقول: يتيمٌ وما عسى أن تصنع أمه وجدّه، فكنّا نكرهه لذلك.

    فما بقيت امرأة قدِمت معي إلاّ أخذت رضيعا غيري، فلمّا أجمعنا الانطلاق، قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم، فلآخذنّه ! قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعلَ لنا فيه بركةً.

    قالت: فذهبت إليه، فأخذتُه، وما حملني على أخذه إلاّ أنّي لم أجد غيرَه.

    فلمّا أخذتُه، رجعتُ به إلى رحلي، فلمّا وضعتُه في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرِب حتّى رَوِيَ، وشرب معه أخوه حتَى روي، ثمّ ناما وما كنّا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنّها لحافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه، حتّى انتهينا ريًّا وشِبَعاً، فبتنا بخير ليلة.

    قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي - والله - يا حليمة، لقد أخذتِ نسمةً مباركةً. قالت: والله إنّي لأرجو ذلك.

    قالت: ثمّ خرجنا، وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالرّكب ما يقدِر عليها شيءٌ من حُمُرِهم، حتّى إنّ صواحبي ليَقُلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب ! ويحك اِربَعِي علينا ! أليست هذه أتانُك الّتي كنتِ خرجتِ عليها ؟ فأقول لهنّ: بلى والله إنّها لهي هي ! فيقلن: والله إنّ لها لشأنا.

    قالت: ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدبَ منها، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شِباعًا لُبَّناً، فنحلُب ونشرَب، وما يحلُب إنسان قطرةَ لبنٍ، ولا يجدُها في ضِرعٍ حتَّى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرُعيانهم: ويلَكم ! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب !

    فتروح أغنامُهم جِياعًا ما تبِضّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لُبَّنًا.

    فلم نزل نتعرّف من الله الزّيادة والخير، حتّى مضت سنتاه، وفصلتُه، وكان يشِبُّ شبابا لا يشبِه الغِلمان، فلم يبلغ سنتيه حتّى كان غلاما جَفْرًا[5].

    قالت: فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيءٍ على مُكثِه فينا، لما كنّا نرى من بركته، فكلّمْنَا أمَّه، وقلت لها:

    لو تركتِ بُنَيَّ عندي حتّى يغلَظ، فإنّي أخشى عليه وبأَ مكّة [تقصد: الطّاعون] ! قالت: فلم نزل بها حتّى ردّته معنا ..."اهـ

    وقبل أن ندع السيّدة حليمة السّعدية تواصل سرد ما لديها من نشأة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حجرها، فإنّه لا بدّ من أن نستخلص بعض العبر من ذلك:

    * الحكمة البالغة من وراء هذه النّشأة المباركة:

    نلحظ أنّ مبدأ نشأة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان في رعيِه للغنم في بادية بني سعد، ولا ريب أنّ رعي الغنم سنّة الأنبياء، فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ )).

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في " فتح الباري ":

    قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوّة:

    - أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلّفونه من القيام بأمر أمّتهم.

    - ولأنّ في مخالطتها ما يُحصِّلُ لهم الحلمَ والشّفقةَ، لأنّهم إذا صبروا على رعيِها، وجمعِها بعد تفرّقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوّها من سبُع وغيره كالسّارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدّة تفرّقها، مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصّبر على الأمّة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التّعاهد لها، فيكون تحمّلهم لمشقّة ذلك أسهلَ ممّا لو كُلِّفوا القيام بذلك من أوّل وهلة، لما يحصل لهم من التّدريج على ذلك برعي الغنم.

    - وخُصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأنّ تفرّقها أكثر من تفرّق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرّبط دونها في العادة المألوفة " اهـ.

    - وهناك حكمة أخرى لم يذكرها رحمه الله، وهي أنّ الرّحمة والسّكينة في أهل الغنم.

    فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِين َ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ))[6].

    ولكن حدث أمر عظيم هو أيضا من دلائل نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، نتطرّق إليه - إن شاء الله – وإلى بعض الدّروس منه في الحلقة القابلة.



    [1]- واسمه: عبد الله بن الحارث بن عبد العزّى.

    [2]- المجدبة البيضاء التي لا يُرى فيها خُضرة.

    [3]- الأتان: أنثى الحمار، والقمراء البيضاء فيها كدرة نحو الرّمادي. والشّارف: النّاقة المسنّة. تبض: أي: ترشح العرق.

    [4]- أطلت عليهم السّير، لأنّهم ينتظرونها.

    [5]- الغليظ الشّديد.

    [6]- الفدّادون: هم أهل البقر التي تستعمل للحرث، وقيل: رعاة البقر الّذين لهم فديد وهو الصّراخ.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (9) حادثة شقّ الصّدر الأولى


    الكاتب: عبد الحليم توميات

    فقد توقّف بنا الحديث في الحلقة السّابقة في بيت آمنة، وهي تحضن ولدها الحبيب صلّى الله عليه وسلّم بعد أن غاب عنها مدّة رضاعه ببادية بني سعد .. ولكنّ مرضعته رأت من البركة الّتي حلّت عليها، والخيرات الّتي أقبلت إليها ما جعلها تقول:

    " فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيءٍ على مُكثِه فينا، لما كنّا نرى من بركته، فكلّمْنَا أمَّه، وقلت لها: لو تركتِ بُنَيَّ عندي حتّى يغلَظ، فإنّي أخشى عليه وبأَ (الطّاعون) مكّة ! قالت: فلم نزل بها حتّى ردّته معنا "اهـ.

    فكانت في تلك الأيّام:



    حادثة شقّ الصّدر الأولى.

    - ولا بدّ أن نعلم أوّلا أنّ حادثة شقّ الصّدر هي أيضا من الإرهاصات التي تقدّمت نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، ويدخل ضمن خوارق العادات التي حدثت له صلّى الله عليه وسلّم بمرأى من الغلمان.

    - وإنّ العلماء قد اختلفوا في عدد مرّات شقّ صدره صلّى الله عليه وسلّم:

    فأكثر ما قيل: إنّ ذلك خمس مرّات.

    وأقلّ ما قيل: مرّة واحدة.

    والصّواب – إن شاء الله –: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شُقّ صدره مرّتين اثنتين، ولا دليل على أخرى، فالأولى كانت في صغره، والثّانية كانت ليلة الإسراء كما في الصّحيحين عن أنس رضي الله عنه، وسيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله.

    تقول حليمة كما في (1/301) من " السّيرة النبويّة " لابن هشام:

    " فرجعنا به، فوالله إنّه بعد مقدمنا بشهر مع أخيه لفي بَهْمٍ[1] لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتدّ، فقال لي ولأبيه:

    ذَاكَ أَخِي القُرَشِيّ ! قَدْ أَخَذَهُ رَجُلاَنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ[2] ".

    قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوَه، فوجدناه قائماً منتقعا وجهُه، فالتزمتُه والتزمه أبوه، فقلنا له:

    - ما لك يا بُنَيَّ ؟!

    - قال: جَاءَنِي رَجُلاَنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وَشَقَّا بَطْنِي، فَالْتَمَسِا شَيْئًا لاَ أَدْرِي مَا هُوَ ؟

    قالت: فرجعنا إلى خبائنا، وقال لي أبوه:

    - يا حليمة ! لقد خشِيتُ أن يكون هذا الغلام قد أصِيب، فألحِقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به.

    فاحتملناه، فقدمنا به على أمّه، فقالت:

    - ما أقدمك به يا ظئرُ ؟ [والظّئر: هي المرضعة المستأجرة]، وقد كنت حريصة عليه، وعلى مكثه عندك ؟!

    - فقلت: فقد بلغ الله بابنِي، وقضيت الّذي عليّ، وتخوّفت الأحداثَ عليه، فأدّيته إليكِ كما تحبّين.

    - قالت: ما هذا شأنك ! فاصدُقيني خبرَك.

    فلم تدعْنِي حتّى أخبرتها [3]".

    كان عمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حينها ثلاث سنوات كما في " سيرة ابن إسحاق "، ولكن ..

    كيف بقِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحده، وقد كان أخوه من الرّضاعة معه ؟

    فاعلم أنّ الله إذا أراد شيئا هيّأ له أسبابه.

    فما هو إلاّ أن استيقظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأخوه من الرّضاعة فخرجا من الخباء خلف أغنامهما، لم يتذكّر أحدٌ منهما أنّهما من غير زاد، وتفصيل ذلك في الرّواية الآتي ذكرها:

    روى الإمام أحمد[4] عن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:

    (( كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا، فَقُلْتُ:

    - يَا أَخِي ! اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا.

    فَانْطَلَقَ أَخِي، وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَقْبَلَ رَجُلاَنِ أَبْيَضَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:

    - أَهُوَ هُوَ ؟

    - قَالَ: نَعَمْ !

    فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي، فَأَخَذَانِي، فَبَطَحَانِي إِلَى الْقَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:

    - ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ.

    فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي وقَلْبِي.

    ثُمَّ انْطَلَقَا وَتَرَكَانِي، وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُهُ، فَأَشْفَقَتْ عَلَيَّ أَنْ يَكُونَ أُلْبِسَ بِي، قَالَتْ:

    - أُعِيذُكَ بِاللَّهِ ! فَرَحَلَتْ بَعِيرًا لَهَا، فَجَعَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ، وَرَكِبَتْ خَلْفِي، حَتَّى بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي ".

    وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

    أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السّلام وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ:" هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ".

    ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ! فَاسْتَقْبَلُوه ُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ.

    قَالَ أَنَسٌ:" وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ ".

    * ورواية أنس هذه تبيّن بيانا شافيا أنّ هذه الحادثة كانت حِسًّا، وتمّت بما هو فوق طاقة البشر، وإلاّ لو كانت مناما - كما هو موقف ضِعاف الإيمان - لما رأى أنسٌ أثر المِخْيط، ولما رأى الغلمان الملكين، ولا خافت عليه حليمة السّعدية لأجل رؤيا رآها.

    * العبر من هذه الحادثة:

    - كما سبق، فهي من دلائل نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، ومن الإرهاصات والمقدّمات لبعثته.

    - فيه إعداد للعصمة من الشرّ ومن عبادة غير الله:

    فلا يحلّ في قلبه شيء إلاّ التّوحيد، وقد دلّت أحداث صباه على تحقّق ذلك، فلم يركب الآثام، ولم يعبد الأصنام من صغره.

    فقد كان هناك طائفةً من العرب بقيت على ملّة إبراهيم، وعُرِفوا بالحنفاء، ومن أشهرهم زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد رضي الله عنه أحدِ العشرة المبشّرين بالجنّة.

    إنّه زيد الّذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - فيما رواه أحمد والطبراني عن سعيد زيد -: (( إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً )).

    ومنهم قُسّ بن ساعدة الإيادي الذي كان يصعد على ظهر الكعبة ويدعو النّاس إلى التّوحيد.

    ولكنّ هؤلاء جميعهم عبدوا في صغرهم ومرحلة شبابهم الأصنام. أمّا سيّد الأنام، محمّد عليه الصّلاة والسّلام، ما سجد لصنم قط، وما عبد صنما قط.

    روى الإمام أحمد عَنْ الزّبير بن العوّام قَالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: (( أَيْ خَدِيجَةُ ! وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ! وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ أَبَدًا ! )).

    - وإنّ الله كان يربّيه على مكارم الأخلاق، فقد روى البخاري ومسلم عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

    أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي ! لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ ! قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صلّى الله عليه وسلّم.

    بل عُرِف صلّى الله عليه وسلّم بين النّاس بالصّادق الأمين.

    - أراد الله الكمال لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم:

    فإنّ الإسلام لمّا كان هو الدّين الكامل الشّامل، المهيمن على ما قبله أراد الله أن يكون مبلّغه كاملا.

    نقول ذلك؛ لأنّه لم يحدُث لنبيّ ما حدث له من نزع حظّ الشّيطان من قلبه. بل إنّ الله خصّه بأن أسلم له قرينه من الشّياطين، فقد روى مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

    (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ )) قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (( وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ )).

    وقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( فَأَسْلَم ))، روي بضمّ الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان.

    فأمّا على رواية الضمّ، فمعناه: أسلمُ أنا من شرّه وفتنته، واختاره الخطّابي وابن تيمية رحمهما الله كما في "مجموع الفتاوى" (17/523).

    وأمّا على رواية الفتح، فمعناه: إنّ القرين أسلم – من الإسلام –، ورجّحه القاضي عياض رحمه الله، وقال النّوويّ: وهذا هو الظّاهر.

    وذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم مبيّنا أثر إسلامه: (( فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ )).

    ثمّ إن الإسلام يستلزم الاستسلام ولا عكس.

    - والحاصل: هو وجوب الإيمان بعصمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في تبليغ الشّريعة، قال القاضي عياض رحمه الله:" واعلم أنّ الأمّة مجتمعة على عصمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الشّيطان في جسمه وخاطره ولسانه "اهـ.

    والله الموفّق لا ربّ سواه.



    [1] البهم: الصّغار من الغنم.

    [2] يسوطانه: يضربان بعضه ببعض، ويُحرّكانه.

    [3] إلى هنا فالرّواية صحيحة، أمّا أنّ آمنة أمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت لها:" والله ما للشّيطان عليه من سبيل ! وإنّ لبُنَيَّ لشأنا، أفلا أخبرك خبره ؟ قالت: بلى. قالت: رأيت حين حملْتُ به أنّه خرج منّي نورٌ أضاء قصورَ بُصرى من أرض الشّام ثمّ حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخفّ ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنّه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السّماء ! دعيه عنك وانطلقي راشدة " فهذه الزّيادة عدا إخبارها بالرّؤيا ضعيفة.

    [4] وفي بعض ألفاظه ضعف لا يشهد له شيءٌ لذلك حذفناه.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (10) وفاة أمّه صلّى الله عليه وسلّم.


    الكاتب: عبد الحليم توميات
    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

    فقد تطرّقنا في الحلقة السّابقة إلى حادثة شقّ الصّدر الأولى.

    وكما كانت تلك الحادثة العظيمة من دلائل نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، فإنّها كانت كذلك سببا في خوف حليمة السّعديّة عليه صلّى الله عليه وسلّم، ممّا جعلها تعيده إلى أمّه.

    وظلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أمّه آمنة بنت وهب، وجدّه عبد المطّلب بن هاشم في كِلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته.




    قال الله تعالى ممتنّا على نبيّه بهذه النّعمة:{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى }.

    لقد عاد محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى أحضان أمّه، ترعاه وتحنو عليه، شأنه شأن كلّ صبيّ، وشأنها شأن كلّ أمّ: تحدّثه ويحدّثها، تلاعبه ويلاعبها، تملأ عليه دنياه، ويملأ عليها دنياها.

    وإذا كان كلّ طفل على وجه الأرض يُنعت بالبراءة، فكيف حال طفل غُسِل بماء الثّلج الطّاهر ؟!

    ولمّا بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستّ سنين، أخذته أمّه معها متّجهة إلى ( يثرب ) عند أخواله من بني عديّ بن النجّار[1].


    هناك قضى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقتا يملأ صدره بنسيمها، ويركض في أرجائها، وهو لا يعلم أنّ تلك الجدران والأشجار والأحجار لو أُذِن لها بالكلام لقالت:

    موعدنا بعد خمسين سنة، لتضع عليّ تاج أوّل عاصمة إسلاميّة في الوجود.

    المـأسـاة ...

    وفي طريق عودتها، مع صغيرها، وفي مكان يقال له ( الأبواء ) - بين مكّة والمدينة - توقّفت القافلة ! فما الّذي حدث ؟

    الجميع ينظر إلى آمنة تنزل من على الرّاحلة ! والصبيّ ينظر إليها تئنّ وتتوجّع، وهو لا يستطيع أن يُمدّها بشيء ٍ..

    ولم تلبث إلاّ لحظات حتّى خرجت روحها ..

    فقد تُوُفِّيت أمّه آمنة بنت وهب بذلك المكان البعيد عن مكّة .. البعيد عن عبد المطّلب .. البعيد عن أعمامه ..

    ويرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم – وهو في قمّة البراءة، وأمسّ الحاجة إلى صدر أمّه الحنون – يراها تؤخذ منه وتوارى التّراب ..

    وللقارئ أن يتخيّل حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ...

    ما عسانا أن نقول ونحن نعلم أنّه الآن يعود صلّى الله عليه وسلّم إلى مكّة وحيدا ؟

    لا أحد يعلم بآلامه إلاّ الله ..

    تراه الآن يعود فاقدا أمّه بعد فقد أبيه .. يعود إلى ذلك البيت الصّغير .. يجول ببصره في أركانه الصّامتة ..

    كيف كان يشعر صلّى الله عليه وسلّم وهو ينظر إلى أرجاء ذلك البيت الصّغير ؟

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم وهو ينظر إلى المكان الّذي كانت أمّه تنام عليه، فإذا به يراه خاويا ؟!

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم إذا حان وقت الطّعام وقد اعتاد أن يرى أمّه تعدّه له في رفق وحنان، وشفقة وإحسان ؟!

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم وهو يُبصر تلك الأمكنة الّتي كانت تلاعبه فيها وتضاحكه، فإذا به لا يراها ولا يسمع ضحكاتها ؟!

    لقد أصبحت جدران ذلك البيت في حداد .. فلم يعد هناك أمّ .. ولم يعد هناك صوت .. فما أعظم اللّوعة .. وما أشدّ الحسرة !

    كيف كان حاله إذا انتبه ليلاً فلم يجدها بقربه ؟

    ما جواب جدّه وأعمامه إذا سألهم عنها ؟

    خاصّة وأنّ للطّفل أسئلة كثيرة ملِحّة: إلى أين ذهبت ؟ متى ستعود ؟ ألا يمكن أن أذهب إليها ؟..

    أسئلة كلّها حزن وأسًى، متى ما ألقيت عليك لم تجد أمامك إلاّ أن تخفض رأسك وتخفي وجهك باكيا ..

    والّذي يطالع سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يجده صلّى الله عليه وسلّم قد تعلّق بها كثيرا رُغم أنّه لم يعِش بقربها إلاّ سنوات قليلة ..

    لقد ظلّ ذلك المشهد وهو يراها تُوارى التّراب في مخيّلته .. وممّا يدلّنا على ذلك أنّه مرّ ذات يوم على قبرها، فبكى صلّى الله عليه وسلّم بكاء شديدا ..

    روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ:

    (( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ هُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ )).

    وعند البيهقي رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال:

    " انتهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى رسم قبرٍ فجلس، وجلس النّاس حوله، فجعل يُحرّك رأسه كالمخاطِب، ثمّ بكى، فاستقبله عمر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله ! ما يُبكِيك ؟ فقال:

    (( هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربّي في أن أزور قبرها، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فأبى عليها، وأدركتني رِقّتُها فبكيت )).

    قال بريدة: فما رأيت ساعة أكثر باكيا من تلك السّاعة "[2].

    في كنف عبد المطّلب.

    فبعد رحيل آمنة بنت وهب، امتدّت اليد الحانية إليه، وأقبل القلب الرّحيم عليه ..

    عاش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كنف جدّه عبد المطّلب بن هاشم .. تربّى على ساعد رجل كريم الطّباع، صاحب الشّرف وسقاية الحجيج ..

    ولقد كان يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظلِّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك، حتّى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له.

    ولكنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأتي وهو غلام جَفْرٌ، حتّى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منهم:

    دعوا ابني ! فوالله إنّ له لشأنا !

    ثمّ يُجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع.

    وممّا يدلّ على عظم حبّه له أنّ عبد المطّلب كان لا يُرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن سبع أو ثمان سنين في شيء إلاّ جاء به، ولا في حاجة إلاّ قضاها، ولم يتأخّر عنه قطّ.

    إلاّ مرّة واحدة ..

    مرّة واحدة أرسله جدّه ليسوق الإبل، فتأخّر ! وكان الموسم موسم حجّ، وليس من السّهل أبدا البحث عن طفل صغير وسط ذلك الزّحام الكبير.

    ولم ينشغل ذهن عبد المطّلب بشيء ذلك اليوم .. لا بالحجيج .. ولا برفادتهم ولا بسقايتهم ..

    لا يشغله السّاعةَ إلاّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

    فلم يجد إلاّ أن اقترب من الكعبة ورفع يديه قائلا:

    ( ربّي ردّ إلـيّ محمّدا ربّ واصطنع عندي يدا )

    روى البيهقي بسند حسن (2/20) عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنّ رجلا من الحجيج شاهده فسأل:

    - من هذا ؟ فقالوا:

    - عبد المطّلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنِه في طلبها، ولم يُرسله في حاجة قط إلاّ جاء بها، وقد احتبس عليه.

    قال: فما برحْتُ حتّى جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بالإبل، فقال عبد المطّلب له: " يا بُنَيّ ! لقد حزنت عليك حزنا، لا تفارِقْني أبدا ".

    وحبّ عبد المطّلب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم له وزنه عند قريش، فقد كان يُلقّب بشيبة الحمد.

    لكنّ السّعادة لم تدُم طويلا، فبعد سنتين من وفاة أمّه، نرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على موعد جديد مع الحزن ..

    نراه يبكي خلف سرير عبد المطّلب بحُرقة ومرارة ... فقد مات الجدّ الرّحيم، والسيّد الكريم.





    [1]/ وهم أخوال جدّه عبد المطّلب، فأمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو النجّاريّة.

    [2]/ انظر سند القصّة في "سيرة ابن كثير" (1/236).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (11) في بـيـت أبـي طـالـب

    الكاتب: عبد الحليم توميات



    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

    فقد عشنا في اللّقاء الأخير مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو على موعد مع الأحزان، رأيناه يفقد سندين من سند الحياة: أمّه آمنة، وجدّه عيد المطّلب.

    فامتدّت إليه حينئذ يد عمّه أبي طالب بن عبد المطّلب ..




    هذا العمّ الّذي حنّ على هذا الصبيّ الحزين خلف سرير جدّه، ورقّ لحاله، فحمله إلى بيته، ورعاه كأنّه من صلبه، يُنسِيه وحدته ويُتمه بمعاملة تذوب رحمة وحنانا ..

    وكان أبو طالب قليل المال كثير العِيال، ومع ذلك أكمل الله به نعمته على نبيّه المخلّدة:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} [الضّحى:6] ..

    فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتولّى رعاية الغنم لأهل مكّة، لئلاّ يبقى عالة على عمّه.

    وقد مرّ معنا الحديث الّذي رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ )) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: (( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ )).

    وكان يأخذه معه إلى حيث ذهب، لا يفارقه أبدا ..

    ثمّ جاء اليوم الّّذي همّ فيه أبو طالب أن يخرج في رَكْب تاجرا إلى الشّام، فهل سيأخذه معه ؟

    لمّا تهيّأ العمّ للرّحيل ، وأجمع المسير، صبّ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرقّ له، وقال: والله لأخرجنّ به، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا.

    كان الموسم موسمَ صيف حارّ .. تحركت فيه الرّكاب نحو الشّام، وخرج أبو طالب في أشياخ من قريش..

    وهناك حدث ما لم يكن في حسبان أحدٍ من الرّكب..

    روى التّرمذي عن أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ:

    ( خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ، هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ.

    قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، جَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقَالَ:

    هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ ! هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ! يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ !

    فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ ؟ فَقَالَ:

    إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ، لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ.

    ثُمَّ رَجَعَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قَالَ:

    أَرْسِلُوا إِلَيْهِ !

    فَأَقْبَلَ، وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْقَوْمِ، وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ:

    انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ ! مَالَ عَلَيْهِ.

    قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرُّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُ مْ، فَقَالَ:

    - مَا جَاءَ بِكُمْ ؟

    - قَالُوا: جِئْنَا، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ، بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ:

    - هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ:

    - أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ رَدَّهُ ؟ قَالُوا: لَا !

    قَالَ أبو موسى: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ:

    - أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ! أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ ).

    هذه قصّة بَحِّيرى(1) الرّاهب، ويقال إنّ اسمه جرجيس من عبد القيس.

    موقف العلماء من هذه القصّة.

    هذه القصّة صحّحها جمهور المحدّثين، وأنكرها الإمام الذّهبي رحمه الله في "ميزان الاعتدال"، و"تلخيص المستدرك"، و"تاريخ الإسلام"، وذلك بسبب زيادة في آخر الحديث وهي قوله: ( وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنْ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ ) !! قال الذّهبي: " وبلال لم يكن يومئذ خُلق، وأبو بكر كان صبيّا ".

    والصّواب أنّها صحيحة، ويمكننا أن نجيب عن اعتراض الإمام الذّهبي بجوابين:

    1- معارضته بتصحيح من صحّحه كالتّرمذي والحاكم وابن سيّد النّاس والجزري وابن كثير وابن حجر والسّيوطي، رحمهم الله أجمعين.

    2- لا يلزم من خطأ النّاقل في جملة الحديث أن يكون الحديث كلّه منكرا أو موضوعا، لأنّ الوضع إنّما يثبت بكون الرّاوي وضّاعا كذّابا، وهذا منفيّ هنا قطعا.

    العبر والعظات من قصّة بَحِّيرى الرّاهب:

    1- تعتبر حادثة الرّاهب من أعظم دلائل نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} [هود: من الآية17] وقال:{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ} [الشعراء:197] وقال:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146]

    سأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عبد الله بن سلام وقد كان كتابيّا فأسلم:" أتعرف محمّدا كما تعرف ابنَك ؟ "

    قال:" نعم، وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، أمّا ابني فلا أدري ما الّذي قد كان من أمّه ؟ ".

    2- أنّه كما قال تعالى بحقّ:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ}[القصص:56] وأنّ المؤمن الذي يريد الهداية لنفسه عليه أن يتبرّأ من الكبر، وما يسمّيه بالأنفة.

    إذ نلحظ كيف أنّ أبا طالب سمع شهادة أهل الكتاب بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك رضي بأن يبقى على دين آبائه، مع أنّه كان يُعدّ من حلماء القوم وعقلائهم ولكن:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:39].


    والله تعالى نسأل أن يرزقنا علما نافعا، ويقينا صادقا، وعملا متقبّلا.





    (1) بَحِّيرى-بفتح الموحّدة وكسر الحاء المهملة وسكون المثنّاة التّحتية آخره راء مقصورة وقيل ممدودة- [نقلا عن "السّيرة النبويّة"]لابن هشام (ص191) بتحقيق إبراهيم الأبياري وآخرين.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (12) النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شابّا

    الكاتب: عبد الحليم توميات

    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
    فاليوم نودّع حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في أيّام صِباه، لنعيش معه أيّاما من شبابه صلّى الله عليه وسلّم.
    وما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد حادثة الرّاهب أن يباشر التّجارة مع عمّه، وذلك خشية أن يراه نصارى الشّام فيعرفوه بنعته.
    وفي الوقت نفسه ما كان صلّى الله عليه وسلّم شابّا خاملا تتعثّر به الحياة، فيقتات من نسبه، ويستطعم من شرفه ..

    وما كان صلّى الله عليه وسلّم يرضى أن يكون عالة على عمّه ..
    وهكذا ينبغي أن يكون الشّباب .. قلب الأمّة النّابض، وشريانها المتدفّق دما، يدفع بها إلى أعلى القمم ..
    فمن العيب كلّ العيب أن يكون الشابّ عالةً على غيره .. حتّى إنّ كثيرا من الأدباء عدّوا أهجى بيتٍ قالته العرب هو قول الحطيئة يهجو الزّبرقان بن بدر:
    ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي )
    أي: المطعوم الّذي يُطعمه غيره، والمكسوّ الّذي يكسوه غيره.[1]
    والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو المروءة كلّها .. فقد رضي أن يلجأ إلى أشقى المهن وأهونها في نظر النّاس على أن يكون عالة على غيره ..
    ولك أن تتخيّله – أخي القارئ – وهو يسير طوال النّهار وسط صحراء خلف الغنم الّتي استرعاه النّاس إيّاها يبحث عن العشب والكلأ الّذي تقوم به، وعن الماء الذي ترتوي منه ..
    وإلاّ حُرِم من أجره إن بدا على الغنم الهزال.
    وكانت الغلّة آخر النّهار: ( قراريط ) معدودة.
    فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ )) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: (( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ )).
    وزيادة على وجوب توفير أخصب المراعي، وأطيب العشب، فإنّها مهنة تتطلّب الحماية التامّة للقطيع من أعدائه ومفترسيه ..
    بل إنّها تتطلّب الحلم الكامل على اختلاف طبائع البهائم، فمنها الشّارد، ومنها ما يتعثّر، ومنها ما يضل عن القطيع ..
    إنّ الرّعي بقدر ما يولّد قساوة الحياة وخشونة العيش، فإنّه يورث القلب عطفا وحنانا، وهذا ما يحتاج إليه كلّ راع لرعيّته، ولذلك اختار الله للأنبياء هذه المهنة ..
    وبعيدا عن هذه المهنة .. فإنّه لا بدّ أن نجول في رحاب حياته صلّى الله عليه وسلّم تلك الأيّام ..
    فهو شابّ .. يُخالط أمثاله من الشّباب ويعيش بينهم .. ويعلم علم اليقين أنّ هؤلاء لهم عكوف على كهوف البِغاء، وموائد الخمر والغناء ..
    إنّه يعيش وسط قوم تعلوهم الغرائز، وتلوي أعناقهم الشّهوات، فيجهدون للحصول عليها ولا يُوقفهم نداء ناصح، ولا صيحة زاجر .. يبذلون الأموال، والسّاعات الطّوال، حتّى يظفروا بلهو لحظات وخيمة العواقب ..
    أمّا نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم الذي أنبته ربّه نباتا حسنا، ما كان يهمّ بشيء من ذلك.
    لقد كان حيّ الجسد والرّوح .. سليم الفطرة والجبلّة ..
    كان يعلم أنّ حياته أغلى من أن يصرفها في لهو ولعب .. إنّه يشق طريقه بذراع مفتول، وجبين مرفوع.
    تعاملت معه قريش كلّها فما ضاع لهم مال ولا بهيمة، حتّى صاحوا صيحة رجل واحد يوم دخل عليهم دار ندوتهم:" أتاكم الأمين ".
    وكان معروفا بالفتوّة، والشّجاعة، وقد شهد حرب الفجّار.
    * حرب الفجّار:
    حرب الفجّار هذه هي الأخيرة، وكان قبلها حربان أخريان كلّ منهما سمّي بحرب ( الفجّار ):
    الأولى: كانت بين كنانة وهوازن.
    والثّانية: بين قريش وهوازن.
    وهذه هي الثّالثة، كانت بين كنانة وهوازن أيضا. وهي المعروفة بفجّار البُراض، نسبةً إلى رجل من كنانة، قتل عُروة الرحّال من هوازن.
    وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم هاجت الحرب ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة.
    وكانت قريش حلفاء لكنانة، فكان لزاما عليهم أن يؤازروهم، وكانوا في الشّهر الحرام، فسمِّي ذلك اليوم بيوم الفجّار لأنّهم استحلّوا فيه المحارم.
    وشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعض أيّامهم، فقد طالت الحرب، وبلغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سنّ العشرين، فأخرجه أعمامُه معهم، وقد رآه حكيم بن حزام حاضرا يومها، وكان صلّى الله عليه وسلّم ينبل على أعمامه، أي: يردّ عنهم نبل عدوّهم إذا رموهم بها.
    قال ابن اسحاق وابن سعد: هاجت حرب الفجّار ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن عشرين سنة.
    ثمّ وضعت الحرب أوزارها، وأدّت قريش دية قتلى الحرب.
    * حلف الفضول.
    ثمّ شهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِلف الفضول، وهو حِلف عقدته قبائل قريش فيما بينها، حيث تعاهدوا فيه على ألاّ يجدوا مظلوما في مكّة من أهلها أو من غيرهم إلاّ كانوا معه على من ظلمه حتّى يرُدُّوا له حقّه.
    روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ ))[2].
    وهذا يدلّ على أنّ حياته صلّى الله عليه وسلّم كان يغشاها الجدّ والحزم، لا اللّهو واللّعب ..

    ولكنّه أتعبته هموم العمل، وأهلكه التّعب ..
    تشقّقت قدماه من أشواك الصّحاري .. وأدمتها صخور الجبال، فأمسى مكدود البال، مُنهك القُوى، يبحث عن ساعة يتنفّس فيها راحة ومرحا ..
    وكأيّ شابّ سويّ، فهو ليس بحاجة إلاّ إلى فتاة تملأ بيته وحياته بالحبّ والعفاف، وتمسح عن جبينه هموما تقذفها أيّام مكّة .. ولكنّه لم يجد تلك الفتاة .. بل وجد خديجة رضي الله عنها ..
    وهذا ما سنتطرّق إليه إن شاء الله لاحقا.


    [1] قال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي إلاّ أن آكل وألبس ! فسأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الشّعراء فأخبروه أنّه هجاء مذقع، فأمر به عمر فجعل في نقيرٍ في بئر ثم ألقي عليه شيء، فقال الحطيئة حينها مستعطفا:
    ماذا تقول لأفراخٍ بذي مـرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
    ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر عليك سلام الله يا عمـر
    فعفا عنه عمر رضي الله عنه على ألاّ يعود إلى الهجاء. [انظر " طبقات فحول الشّعراء "، و" نهاية الأرب في فنون الأدب " وغيرها].
    [2] " سلسلة الأحاديث الصّحيحة " (4/542).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السيرة النبوية(13) زواجه صلّى الله عليه وسلّم من خديجة
    الكاتب: عبد الحليم توميات


    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
    فقد برز في مجتمع العرب عددٌ من النّساء، اشتهر بعضهنّ بالحكمة ورجاحة العقل، وبعضهنّ اشتهر بالمتاجرة ووفرة المال ..
    أمّا خديجة رضي الله عنها فقد جمعت ذلك كلّه.
    خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ .. اسمٌ صار أشهر من نار على علمٍ في رحاب الحسب والنّسب والجمال ..
    وانضاف إليها كثرة ووفرة المال ..
    عُرفت في الجاهليّة بـ ( الطّاهرة )، حتّى كان الأشراف يتزاحمون على بابها، والجميع يتشرّف بأن يكون من خُطّابها ..
    ولكنّها كانت ذات همّة عالية، ونفس غالية ..
    كانت لا تبحث عن الرّجولة في الصّورة، بل كانت تبحث عن الرّجولة في العقل والرّوح ..
    في تلك الأيّام، كانت تستأجر بعض من لهم خبرة بالتّجارة لتُثمّر مالها ..
    ومن طبيعة النّساء أن يسألن عن سادات الرّجال وكرمائهم، فتسمع أخبارهم وفي كلّ مرّة إذا حدّثوها عن شخصٍ ما تراها وكأنّها تقول:{فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ } [يوسف: من الآية60]..
    ولكن ..
    لفت انتباهها حديث النّاس عن محمّد صلّى الله عليه وسلّم .. فشدّتها سيرته ..
    وعليك – أخي القارئ – أن تلحظ كيف يكسب المرءُ النّاسَ بأخلاقه، وحسن معاملته ..
    كان قد أخذ جلّ فكرها .. فلا بدّ من التّجربة ..
    فعرضت عليه صلّى الله عليه وسلّم أن يُتاجر بمالها إلى الشّام، وتُعطيه ما كانت تعطي غيره من الرّجال ..
    حُلْمُ كلّ شابّ في ذلك الزّمان .. أن يتخلّص من أشواك الصّحاري وصخور الجبال ..
    زِد على ذلك أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان بين قوم يُعظّمون التّجّار، ويحتقرون رُعاة الغنم ..
    فقبِل صلّى الله عليه وسلّم عرضَها وخرج ليتاجر بمالها، يُرافقُه غلام خديجة ( ميسَرة ).
    فعاد إليها غلامها بالرّبح وزيادة .. جاءها بما تصبو إليه، وتبكي عليه ..
    جاءها بأوصاف تأخذ بالألباب، وتفتح إلى السّعادة كلّ باب ..
    حدّثها عن كرم أخلاقه، وصدقه وأمانته، ونُبله وعفّته .. ولا شكّ - وهي المرأة الرّاجحة العقل - تعلم أنّ مثل هذه الأخلاق لا ينالها ابن بيئته، ولا تنتِجُها مثل حياته في اليُتم، ورعي الغنم، والفقر .. فأشرِب قلبها حبَّه ..
    فأرسلت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قائلة: يا ابن عمّ ! إنّي قد رغبت فيك لقرابتك وسِطتك في قومك.
    فقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الزّواج منها، وهي تكبره سنّا.
    وهنا لا بدّ أن نعلم:
    - أنّه قد اشتهر أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان حينئذ ابنَ خمسٍ وعشرين سنةً، وأنّها كانت بنت أربعين:
    وهذا لا دليل عليه مع شهرته، وخاصّة إذا تذكّرنا أنّها كانت ولودا إلى ما بعد البعثة، أي: ستلد له بعد خمس عشرة سنة أخرى، وهو سنّ يبعد فيه ذلك ..
    والصّواب: أن يقال: إنّها كانت أكبر منه دون تعيين لسنّها.
    - كما أنّه شاع أنّ الذي خطبها له هو عمّه حمزة رضي الله عنه من أبيها وأنّه قبل، وهذا باطل.
    لأنّ أباها كان معارضا لزواجها من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّها بحبّها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبذكائها استطاعت أن تصل إلى مرادها.
    وأصحّ ما جاء في زواجه صلّى الله عليه وسلّم منها هو ما رواه الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه:
    أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ أَبُوهَا يَرْغَبُ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَصَنَعَتْ طَعَامًا وَشَرَابًا، فَدَعَتْ أَبَاهَا وَزُمَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَطَعِمُوا وَشَرِبُوا، حَتَّى ثَمِلُوا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِأَبِيهَا:
    إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْطُبُنِي، فَزَوِّجْنِي إِيَّاهُ ! فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ.
    فَخَلَعَتْهُ وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً - وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالْآبَاءِ - فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ سُكْرُهُ، نَظَرَ فَإِذَا هُوَ مُخَلَّقٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَقَالَ:
    مَا شَأْنِي ؟ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ: زَوَّجْتَنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
    قَالَ: أَنَا أُزَوِّجُ يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ لَا لَعَمْرِي.
    فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: أَمَا تَسْتَحِي، تُرِيدُ أَنْ تُسَفِّهَ نَفْسَكَ عِنْدَ قُرَيْشٍ، تُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّكَ كُنْتَ سَكْرَانَ !
    فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ.
    وكتب الله تعالى أن تكون خديجة أوّل امرأة عرفها سيّد ولد آدم .. خديجة التي كتب الله لها أن تكون أوّل امرأة أسلمت .. حتّى إنّ الله كان يرسل إليها السّلام.
    روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جاء جبريل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.
    وكتب لها أن تكون سيّدة من سيّدات العالمين، وجنّات ربّ العالمين، فقد روى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ:
    (( أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ )).
    وروى البخاري ومسلم عن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ:
    (( خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ )).
    فممّا اختصّت به سبقها نساء هذه الأمّة إلى الإيمان، فسنّت ذلك لكلّ من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهنّ، لما ثبت " أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجرها وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ".
    وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل.
    وكتب لها أن تكونأوّل من واسى رسول اللهصلّى الله عليه وسلّم، وأيّده وصدّقه ..
    وكتب الله أن تلد لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم ولده كلّه إلاّ إبراهيم[1].
    والمتفق عليه أنّها ولدت له:
    1- ( القاسم )، وبه يُكنّى صلّى الله عليه وسلّم، وقد مات صغيرا قبل المبعث أو بعده بقليل.
    2- و( عبد الله )، ويُلقّب بالطّاهر والطيّب، ولد بعد المبعث، أي بعد خمسة عشرة سنة على الأقلّ.
    وبناته الأربع:
    3- زينب.
    4- ثمّ رقيّة.
    5- ثمّ أمّ كلثوم.
    6- ثمّ فاطمة.
    وكلّهنّ أسلمن، وهاجرن معه، وتوُفِّين في حياته إلاّ فاطمة رضي الله عنها، ماتت بعده.
    وممّا كافأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم به خديجة في الدّنيا أنّه لم يتزوّج في حياتها غيرها، فقد روى مسلم عن عائشة قالت:

    " لمَْ يتَزَوَّجْ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ ".
    فصان قلبها من الغيرة ومن نكد الضّرائر، وتلك خصلة لم يشاركها فيها غيرها.


    [1] فأمّه مارية القبطيّة، من صعيد مصر، أهداها إليه المُقوقس عظيم القِبط.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (14) النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبناء الكعبة
    الكاتب: عبد الحليم توميات


    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

    فقد عشنا في لقائنا الأخير مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم زوجا لخديجة رضي الله عنها، حيث وجد الدّفء والرّعاية اللّذين فقدهما منذ أمد بعيد ..

    ورأيناه أبا، فذكرنا أولادَه وبناتِه جميعا.

    اليوم نعيش مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين بلغ صلّى الله عليه وسلّم الخامسة والثّلاثين ...
    كانت الكعبة يومها على هيئة تحتاج إلى ترميم وإصلاح، فقد كانت مبنيّة بالرّضم - وهي الحجارة يُجعل بعضها على بعض - ليس فيها مدر.
    وكانت غير مسقوفة، وإنّما يوضع عليها السّتر ويسدل عليها.
    أمّا ارتفاعها فقد كانت فوق القامة.
    وحدث أنّ نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وجرت عادتهم أنْ جعلوا ذلك الكنز في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وُجد عنده الكنز رجلا من خزاعة.
    فمن أجل ذلك عزموا على أن يسقّفوها ويرفعوها، وهم يهابون هدمها.
    ومن محاسن الصّدف أنْ كان البحر قد رمى بسفينة لرجل من تجّار الرّوم، فتحطّمت فأخذوا خشبها فأعدّوه لتسقيفها، ووجدوا روميّا نجّارا، اتّفقوا معه على أن يُصلح لهم سقف الكعبة.
    فلمّا أرادوا هدم الكعبة حدث ما تناقلته الألسنة تلك الأيّام، وردّدته على مرّ الأعوام ..
    فقد فوجئوا بحيّة تخرج من بئر الكعبة، سوداء الظّهر بيضاء البطن ! فجعلت كلّما دنا منها أحدهم من البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته سعت إليه فاتحةً فاها.
    فاجتمعت قريش عند الحرم، فعجّوا إلى الله، وقالوا: اللهمّ ربّنا أردنا تشريف بيتك، فإن أردت ذلك، وإلاّ فما بدا لك فافعل.
    عندئذ سمعوا خوارا في السّماء ! فإذا هم بطائر أعظم من النّسر، أسود الظّهر أبيض البطن والرّجلين، فغرز مخالبه في قفا الحيّة، ثمّ انطلق يجرّها.
    حينئذ قال أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد عمران بن مخزوم:" لا تُدْخلوا في بنائها من كسبكم إلاّ طيّبا، لا يُدخل فيها مهر بغيّ ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من النّاس ".
    [انظر " مصنّف عبد الرزّاق " (5/102)، فالسّند صحيح كما قال الذّهبي في " سيرته "(20)].
    وهنا عبرة لكلّ معتبِر، وهو أنّهم على جاهليّتهم وبعدهم عن تعاليم الدّين الحنيف إلاّ أنّهم صانوا بيوت الله من أن تُبنَى بالمال الخبيث، فحريّ بالمسلم أن يكون أولى بذلك.
    وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السّماء عشرين ذراعا.
    وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُشاركهم بناءَها، وينقل الحجارة على كتفيه الكريمتين، وحدث له ما يثير الانتباه ..
    أمر حدث بمرأى عمّه العبّاس رضي الله عنه، وظلّ كاتما له حتّى أسلم وأخبر به ابنه عبد الله رضي الله عنه ..
    فقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليه نَمِرة – وهو كساء فيه خطوط بيض وسود -، فضاقت عليه النّمرة، فأشار عليه العبّاس رضي الله عنه بأمر، فما هو ؟
    ذكر الإمام الذّهبي في " سيرته "، وعزاه السّيوطي في " الجامع الصّغير " إلى الطّبراني عن ابن عبّاس عن أبيه العبّاس رضي الله عنهما قال:
    " كنت أنا وابن أخي محمّد صلّى الله عليه وسلّم ننقل الحجارة على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس ائتزرنا، فبينا هو أمامي خرّ على وجهه منبطحا، فجئت أسعى إليه، وألقيت حجري - وهو ينظر إلى السّماء - فقلت: ما شأنك ؟ فقام وأخذ إزاره، وقال: (( نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْياَناً ))، قال العبّاس رضي الله عنه: فكنت أكتمها مخافة أن يقولوا مجنون ".
    [قال الشّيخ الألباني في " صحيح الجامع "(11729):" صحيح "].
    وقد روى البخاري ومسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:
    كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي ! لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ !
    قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صلّى الله عليه وسلّم.
    وهذا كلّه من عناية الله بنبيّه صلّى الله عليه وسلّم الّذي أنبته نباتا حسنا.
    وارتفعت الكعبة من جديد .. وشمخ صرح التّوحيد.
    ولم يبق سوى وضع الحجر الأسود مكانه، ووضعه في زاوية الكعبة ..
    فمن سيُعيده ..؟ ومن سيضعه ؟.. ومن أحقّ وأولى النّاس به ..
    إنّه ممّا تتنافس عليه القبائل جميعها ..
    فاختلفوا، وحُقّ لهم أن يختلفوا بتلك العقول التي تُعظّم الأوثان .. وتقوم فيه الحروب الطّويلة لأجل سنام بعير أو ظهر فرس ..
    ولكنْ هذا بيت الله، لا يليق أن تُلطّخ لأجله الدّماء ..
    لا يليق أن تبني قريش بيت ربّها بدماء أبنائها .. فما المخرج من هذه الفتنة التي ستطلّ من موضع حجر ؟!
    فوفّقهم الله إلى كان قرار حكيم: أن يُحكّموا أوّل داخل عليهم إلى المسجد ..
    روى أبو نعيم في " دلائل النبوّة " قال:
    "وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوّل من خرج عليهم، فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط، ثم يرفعه جميع القبائل كلّها.
    ثم وضعه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في مكانه.
    وفي رواية عبد الله بن السائب: أنّ قريشا اختلفوا في الحجر حيث أرادوا أن يضعوه، حتّى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف فقالوا:
    اجعلوا أوّل رجل يدخل من الباب !
    فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا يسمّونه في الجاهلية الأمين فقالوا:" قد جاء الأمين !".
    فقالوا: يا محمّد ! قد رضينا بك.
    فدعا بثوب، فبسطه، ثم وضع الحجر فيه، ثم قال: (( ليأخذ رجل من كل بطن منكم بناحية من الثّوب، فيرفعوه )).
    وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه ".
    فكان بيده الشّريفة قد أوقف حربا لا يعلم مداها إلاّ الله.
    وكلّ هذا من الأمور تعتبر من الممهّدات للبعثة العظمى، فما من حدث يتعلّق بالدّيانة الّتي تعظّمها العرب وقريش خاصّة إلاّ كانت بصمات بيت بني هاشم عليها: حادثة الفيل وكيف كان موقف عبد المطّلب فيها ؟ وحادثة حفر بئر زمزم، ثمّ حادثة بناء الكعبة.
    وبذلك أضافت قريش وساما آخر على كتفي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .. فبعد أن اشتهر بالعفّة والصّدق والأمانة، اشتُهِر بينهم بالحكمة والحلم ..
    حكمة العلماء وحلم القادة الكبراء .. ممّا حبّبه للنّاس، وهذا ما نرى مظاهره لاحقا إن شاء الله.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة (15) بوادر البعثة
    الكاتب: عبد الحليم توميات



    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
    فقد كبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكبرت أمانته، فأكرمه الله تعالى بعد زواجه من خديجة رضي الله عنها بأن ترك رعي الأغنام، ليأكل من باب طيّب آخر، ألا وهو باب التّجارة.
    بذلك يكون صلّى الله عليه وسلّم قد عمِل عمَل الأنبياء، وأكل من عمل يده وكدّه، وخير الكسب عمل اليد.
    فقد روى البخاري ومسلم عَنْ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عليه السّلام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ )).
    وحتّى لا نفوّت على أنفسنا بعض الرّسائل التّربويّة الّتي يرسل بها إلينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وراء أحاديثه، فإنّنا نقف أمام هذا التّوجيه النّبويّ.
    فإنّ الجميع يعلم أنّه ما من نبيّ إلاّ ورعى الغنم في بداية أمره، ثمّ انتقلوا إلى أن يكسبوا قوتهم بالعمل في غير ذلك:
    فموسى عليه السّلام وكثير من الأنبياء اشتغلوا بالزّراعة.
    وعيسى وزكريا ويحيى عليهم السّلام اشتغلوا بالنّجارة.
    وداود عليه السّلام كان يعمل بالحدادة، يصنع الدّروع ويبيعها.
    فما الحكمة في تخصيص داود عليه السّلام بالذّكر ؟
    الجواب: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر حُكما، وهو: أنّ أفضل الكسب ما كان من عمل اليد.
    وهذا الحكم يحتاج إلى دليل، فذكر أنّ نبيّ الله داود عليه السّلام كان يأكل من عمل يده.
    ووجه الدّلالة: أنّ داود عليه السّلام كان خليفةً ممكّنا له في الأرض كما أخبر الله تعالى في كتابه، فلم يكن بحاجة إلى أن يعمل لتحصيل قوته، ولكنّه ابتغى الأكل من أفضل طريق، وأكرم سبيل، وهو عمل اليد.
    ونعود إلى رحاب مكّة حيث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ..
    * محبّة الخلق للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
    - فتراه يشتغل بالبيع والشّراء، فكسب قلوب جميع النّاس بحسن معاملته، فكان نعم الزّوج لزوجه، ونعم الوالد لأولاده، ونعم الصّاحب لصاحبه، ونعم التّاجر في تجارته ..
    فسماحته في بيعه وشرائه بلغت الآفاق، وأراد أحدهم أن يستولي عليه بدلا من أبي بكر رضي الله عنه، ألا وهو السّائب بن أبي السّائب، فلم يجد بابا يصل به إلى قرب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ: أن يُشاركه في تجارته، ولكنّه لم يحظ بالقرب منه كقرب أبي بكر.
    روى أبو داود وأحمد وغيرهما عَنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُشَارِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ الْإِسْلَامِ فِي التِّجَارَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ جَاءَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي، كَانَ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي )).
    عندئذ نما مال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشترى عبدا اسمه زيد بن حارثة، فعامله معاملة أولاده، حتّى إنّ زيدا عندما حضر أهله ليأخذوه آثر البقاء مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فعندئذ تبنّاه، وصار يُعرف بزيد بن محمّد صلّى الله عليه وسلّم..
    - ولم يقتصر هذا الحبّ على احتلال القلوب، بل سرى في كلّ اتّجاه حتّى أحبته الأشجار والأحجار.
    نعم، تلك الحجارة الصمّاء الّتي يضرب بها المثل في الصّلابة والقساوة، كانت تسلّم على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا مرّ بها.
    فقد روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ )).
    إنّه الكون الذي أخبرنا الله عنه أنّ له تسابيح وتراتيل:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء:44]..
    لم تزل تراتيل هذا الكون تحدّث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو لا يجد لها تفسيرا.
    فكان يلجأ إلى سكينته وزروجه خديجة، يقصّ عليها ذلك.
    ففي مسند الإمام أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ لِخَدِيجَةَ:
    (( إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ )) قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ !.
    وكيف لا يحبّه الخلق كلّهم وقد أحبّه ربّه وربّهم ؟!.. ولكنّه أمام:
    * واقع مرير بحاجة إلى تغيير.
    - كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منذ عقل يعلم تفاهة الطّقوس التي عليها قومه.
    فقد روى أحمد عن عروة بن الزّبير قال: حَدَّثَنِي جَارٌ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: (( أَيْ خَدِيجَةُ ! وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ الْعُزَّى أَبَدًا ))..
    وفي في "دلائل النبوة" للبيهقي عن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال:
    كان صنمٌ من نحاس يقال له ( إساف ) أو ( نائلة ) يتمسّح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وطفت معه، فلمّا مررت مسحت به، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (( لاَ تَمَسَّهُ )).
    قال: فقلت في نفسي: لأمسّنّه حتّى أنظر ما يكون، فمسحته !
    فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أَلَمْ تُنْهَ ؟! )).
    قال: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتّى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه.
    - بل إنّك ترى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحجّ يخالف كثيرا ما كان أهل الجاهليّة من قومه يفعلونه، وخاصّة يوم عرفة.
    فقد ادّعت قريش لنفسها منزلة ليست لغيرهم، فكانوا يقفون بالمزدلفة يوم عرفة، لأنّهم من الحمس[1].
    ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقف بعرفة يوم عرفة دون سائر قومه.
    روى ابن إسحاق بسند صحيح عن جبير بن مُطعم قال:" لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وهو على دين قومه - وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه، حتّى يدفع معهم توفيقا من الله عزّ وجلّ ".
    - ويقول جبير بن مطعم كما في الصّحيحين:" أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيّ َصلّى الله عليه وسلّم وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا ؟!".
    كلّ ذلك كان مقدّمات وإرهاصات: علامات استفهام .. وأسرار.. وتساؤلات ..
    وفي الوقت نفسه ترى نفوسا أخرى تهيّأت لقبول الحقّ إذا جاء، كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل؛ وذلك لئلاّ يشعر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالغربة بعد مبعثه صلّى الله عليه وسلّم.
    أمّا زيد بن عمرو بن نفيل فقد كان أمّة وحده، على دين إبراهيم، روى ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي كبر قالت:" لقد رأيت زيدا مسنِدا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش ! والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثمّ يقول: اللهمّ لو أعلم أحبّ الوجوه إليك عبدتك به، ولكنّي لا أعلم "..
    ثمّ يسجد على راحته، ويُصلّي إلى الكعبة ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم ". وقد خرج إلى الشّام يسأل عن الدّين الحقّ، فأرشده أحد الرّهبان إلى قرب مخرج نبيّ آخر الزّمان في أرض الحجاز..
    أمّا روقة بن نوفل، فقد كانت خديجة تحدّثه عمّا يتساءل عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من رؤية النّور وسماع الأصوات، فيُطمئنها قائلا: ( إِنْ يَكُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى، فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ فَسَأُعَزِّزُهُ وَأَنْصُرُهُ وَأُومِنُ بِهِ ).
    وفِعلا، فقد بدأ نسيم الوحي يلامس فؤاده كهواء البحر المنعش يبشّره بحياة جديدة:
    فالأرض تضرع للسّما تهفو إلى أسمى لقا
    بشراك أحمد واستلم قبس النبــوّة مشرقـا




    [1] الحمس جمع أحمسي وحمسي، سمّوا بذلك لتشدّدهم في دينهم، حتّى إنّهم كانوا لا يستظلّون أيّام منى، وكانوا لئلاّ يحول بينهم وبين السّماء شيء دخلوا من السّقف، فنزل قوله تعالى:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: من الآية189].





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2019
    المشاركات
    5

    افتراضي جزاكم الله خيرا

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو وليد البحيرى مشاهدة المشاركة
    السّيرة النّبويّة (10) وفاة أمّه صلّى الله عليه وسلّم.


    الكاتب: عبد الحليم توميات
    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

    فقد تطرّقنا في الحلقة السّابقة إلى حادثة شقّ الصّدر الأولى.

    وكما كانت تلك الحادثة العظيمة من دلائل نبوّته صلّى الله عليه وسلّم، فإنّها كانت كذلك سببا في خوف حليمة السّعديّة عليه صلّى الله عليه وسلّم، ممّا جعلها تعيده إلى أمّه.

    وظلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أمّه آمنة بنت وهب، وجدّه عبد المطّلب بن هاشم في كِلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته.




    قال الله تعالى ممتنّا على نبيّه بهذه النّعمة:{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى }.

    لقد عاد محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى أحضان أمّه، ترعاه وتحنو عليه، شأنه شأن كلّ صبيّ، وشأنها شأن كلّ أمّ: تحدّثه ويحدّثها، تلاعبه ويلاعبها، تملأ عليه دنياه، ويملأ عليها دنياها.

    وإذا كان كلّ طفل على وجه الأرض يُنعت بالبراءة، فكيف حال طفل غُسِل بماء الثّلج الطّاهر ؟!

    ولمّا بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستّ سنين، أخذته أمّه معها متّجهة إلى ( يثرب ) عند أخواله من بني عديّ بن النجّار[1].


    هناك قضى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقتا يملأ صدره بنسيمها، ويركض في أرجائها، وهو لا يعلم أنّ تلك الجدران والأشجار والأحجار لو أُذِن لها بالكلام لقالت:

    موعدنا بعد خمسين سنة، لتضع عليّ تاج أوّل عاصمة إسلاميّة في الوجود.

    المـأسـاة ...

    وفي طريق عودتها، مع صغيرها، وفي مكان يقال له ( الأبواء ) - بين مكّة والمدينة - توقّفت القافلة ! فما الّذي حدث ؟

    الجميع ينظر إلى آمنة تنزل من على الرّاحلة ! والصبيّ ينظر إليها تئنّ وتتوجّع، وهو لا يستطيع أن يُمدّها بشيء ٍ..

    ولم تلبث إلاّ لحظات حتّى خرجت روحها ..

    فقد تُوُفِّيت أمّه آمنة بنت وهب بذلك المكان البعيد عن مكّة .. البعيد عن عبد المطّلب .. البعيد عن أعمامه ..

    ويرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم – وهو في قمّة البراءة، وأمسّ الحاجة إلى صدر أمّه الحنون – يراها تؤخذ منه وتوارى التّراب ..

    وللقارئ أن يتخيّل حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ...

    ما عسانا أن نقول ونحن نعلم أنّه الآن يعود صلّى الله عليه وسلّم إلى مكّة وحيدا ؟

    لا أحد يعلم بآلامه إلاّ الله ..

    تراه الآن يعود فاقدا أمّه بعد فقد أبيه .. يعود إلى ذلك البيت الصّغير .. يجول ببصره في أركانه الصّامتة ..

    كيف كان يشعر صلّى الله عليه وسلّم وهو ينظر إلى أرجاء ذلك البيت الصّغير ؟

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم وهو ينظر إلى المكان الّذي كانت أمّه تنام عليه، فإذا به يراه خاويا ؟!

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم إذا حان وقت الطّعام وقد اعتاد أن يرى أمّه تعدّه له في رفق وحنان، وشفقة وإحسان ؟!

    كيف كان حاله صلّى الله عليه وسلّم وهو يُبصر تلك الأمكنة الّتي كانت تلاعبه فيها وتضاحكه، فإذا به لا يراها ولا يسمع ضحكاتها ؟!

    لقد أصبحت جدران ذلك البيت في حداد .. فلم يعد هناك أمّ .. ولم يعد هناك صوت .. فما أعظم اللّوعة .. وما أشدّ الحسرة !

    كيف كان حاله إذا انتبه ليلاً فلم يجدها بقربه ؟

    ما جواب جدّه وأعمامه إذا سألهم عنها ؟

    خاصّة وأنّ للطّفل أسئلة كثيرة ملِحّة: إلى أين ذهبت ؟ متى ستعود ؟ ألا يمكن أن أذهب إليها ؟..

    أسئلة كلّها حزن وأسًى، متى ما ألقيت عليك لم تجد أمامك إلاّ أن تخفض رأسك وتخفي وجهك باكيا ..

    والّذي يطالع سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يجده صلّى الله عليه وسلّم قد تعلّق بها كثيرا رُغم أنّه لم يعِش بقربها إلاّ سنوات قليلة ..

    لقد ظلّ ذلك المشهد وهو يراها تُوارى التّراب في مخيّلته .. وممّا يدلّنا على ذلك أنّه مرّ ذات يوم على قبرها، فبكى صلّى الله عليه وسلّم بكاء شديدا ..

    روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ:

    (( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ هُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ )).

    وعند البيهقي رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال:

    " انتهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى رسم قبرٍ فجلس، وجلس النّاس حوله، فجعل يُحرّك رأسه كالمخاطِب، ثمّ بكى، فاستقبله عمر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله ! ما يُبكِيك ؟ فقال:

    (( هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربّي في أن أزور قبرها، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فأبى عليها، وأدركتني رِقّتُها فبكيت )).

    قال بريدة: فما رأيت ساعة أكثر باكيا من تلك السّاعة "[2].

    في كنف عبد المطّلب.

    فبعد رحيل آمنة بنت وهب، امتدّت اليد الحانية إليه، وأقبل القلب الرّحيم عليه ..

    عاش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كنف جدّه عبد المطّلب بن هاشم .. تربّى على ساعد رجل كريم الطّباع، صاحب الشّرف وسقاية الحجيج ..

    ولقد كان يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظلِّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك، حتّى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له.

    ولكنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأتي وهو غلام جَفْرٌ، حتّى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منهم:

    دعوا ابني ! فوالله إنّ له لشأنا !

    ثمّ يُجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع.

    وممّا يدلّ على عظم حبّه له أنّ عبد المطّلب كان لا يُرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن سبع أو ثمان سنين في شيء إلاّ جاء به، ولا في حاجة إلاّ قضاها، ولم يتأخّر عنه قطّ.

    إلاّ مرّة واحدة ..

    مرّة واحدة أرسله جدّه ليسوق الإبل، فتأخّر ! وكان الموسم موسم حجّ، وليس من السّهل أبدا البحث عن طفل صغير وسط ذلك الزّحام الكبير.

    ولم ينشغل ذهن عبد المطّلب بشيء ذلك اليوم .. لا بالحجيج .. ولا برفادتهم ولا بسقايتهم ..

    لا يشغله السّاعةَ إلاّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

    فلم يجد إلاّ أن اقترب من الكعبة ورفع يديه قائلا:

    ( ربّي ردّ إلـيّ محمّدا ربّ واصطنع عندي يدا )

    روى البيهقي بسند حسن (2/20) عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنّ رجلا من الحجيج شاهده فسأل:

    - من هذا ؟ فقالوا:

    - عبد المطّلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنِه في طلبها، ولم يُرسله في حاجة قط إلاّ جاء بها، وقد احتبس عليه.

    قال: فما برحْتُ حتّى جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بالإبل، فقال عبد المطّلب له: " يا بُنَيّ ! لقد حزنت عليك حزنا، لا تفارِقْني أبدا ".

    وحبّ عبد المطّلب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم له وزنه عند قريش، فقد كان يُلقّب بشيبة الحمد.

    لكنّ السّعادة لم تدُم طويلا، فبعد سنتين من وفاة أمّه، نرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على موعد جديد مع الحزن ..

    نراه يبكي خلف سرير عبد المطّلب بحُرقة ومرارة ... فقد مات الجدّ الرّحيم، والسيّد الكريم.





    [1]/ وهم أخوال جدّه عبد المطّلب، فأمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو النجّاريّة.

    [2]/ انظر سند القصّة في "سيرة ابن كثير" (1/236).


    جزاكم الله خيرا





  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: جزاكم الله خيرا

    وإياكم اخى الفاضل
    بارك الله فيكم

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: جزاكم الله خيرا



    - السّيرة النّبويّة (16) بـدء الوحــي


    الكاتب: عبد الحليم توميات


    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:
    فقد بدئ الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالرّؤيا الصّادقة.
    فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصّبح في الوضوح والقرب، كما في حديث عائشة الطّويل في " بدء الوحي ".
    ثمّ حُبّب إليه الخلاء والعزلة والتعبّد، وخاصّة في غار حراء عند جبل النّور - الذي يستغرق الصّعود إليه أكثر من ساعة -.
    فكان يتحنّث اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ثمّ يتزوّد لمثل ذلك، ويرجع ..
    ولم يكن يقتصر في ذلك على مجرّد العبادة والتّأمّل، بل كان يُطعم من جاءه من المساكين، ويُواسي المعوِز الحزين ..
    فإذا قضى أيّامه كان أوّل ما يبدأ به الصّلاة [أي: الدّعاء والتضرّع إلى الله] عند الكعبة.
    فنلحظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتزوّد لخوته، لا كما يفعله المتصوّفة الّذين يتعبّدون ! منتظرين فتات النّاس يُتصدَّق به عليهم ..
    كما نلحظ أن اعتزال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم النّاس للعبادة لم يُعارِض به إعانة النّاس، وإغاثة الملهوف.
    ونعود إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في تلك الأيّام ..
    فقد كتب الله له مرّة أن يخرج في شهر رمضان، فتزوّد كما كان يتزوّد .. وبينما هو في خلوته تلك .. إذ حدث ما حدث ..
    إذا به يسمع صوتا لم يكن قط بمثل الوضوح الذي هو عليه ..
    وندع أمّ المؤمنين عائشة تحدّثنا عن بدء الوحي .. وذلك فيما رواه البخاري ومسلم أَنَّهَا قَالَتْ:
    أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ[1].
    ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ ،وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ.
    ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ:
    - اقْرَأْ.
    - قال: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ؟
    قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي.
    - فَقَالَ: اقْرَأْ.
    - قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ.
    فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي.
    - فَقَالَ: اقْرَأْ.
    - فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ؟
    فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي.
    - فَقَالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}.
    فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ.
    [وفي رواية قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي وَسْطِ الجَبَلِ، سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ:
    يَا مُحَمَّدُ ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ.
    قال: فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ، وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجِهي عَنْه فِي آفَاقِ السَّمَاء، فَما أَنْظُر فِي نَاحيَة مِنْها إِلاَّ رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ.
    فَما زِلْت وَاقفاً مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي وَما أَتأخَّر خَلْفي حَتّى بَعَثَتْ خَدِيجَة رُسُلَهَا فِي طَلَبِي ))].
    فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ:
    - زَمِّلُونِي ! زَمِّلُونِي !
    فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ:
    - لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَتْ خَدِيجَةُ:
    - كَلَّا ! وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
    فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِي َّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ.
    - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ ! اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ !
    - فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى ؟
    فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم خَبَرَ مَا رَأَى.
    - فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا[2]، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ !
    - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟)).
    - قَالَ: (( نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا )).
    ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ.
    وهكذا كانت هذه أوّل ليلة قرآنيّة .. تتّصل الأرض فيها بالسّماء بعد فترة دامت ما يقارب ستّة قرون.
    وعندها أسلمت خديجة بنت خويلد، فكانت أوّل من آمن من النّساء.
    وأسلم أبو بكر فكان أوّل من أسلم من الرّجال.
    وأسلم عليّ بن أبي طالب فكان أوّل من أسلم من الفتيان.
    وأسلم زيد بنُ حارثة فكان أوّل من أسلم من الموالي.
    وأسلم ورقة بن نوفل فكان أوّل من أسلم من أهل الكتابين.
    من الفوائد والعبر في هذه الحادثة.
    - أوّلا: لا يحصّل العلم إلاّ بالمشقّة والتعب:
    فهذا أحسن ما يعتبر به من هذه الحادثة: أنّه لا بدّ من الحرص الشّديد على معرفة الحقّ، وبذل أسباب معرفته، والسّعي إليه.
    فإنّ الله قادرٌ على أن يبعثه وهو في مضجعه، ولكنّه يعلّمنا أنّه لا بدّ من المشقّة في طلب العلم وأيّ علم: إنّـه العم بالوحـي !!.
    لذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسعى أيّاما وليالي وشهورا إلى غار حراء، ولم ينتظر الحقّ ليدقّ له بابه.
    ثمّ تأمّل لماذا كان جبريل عليه السّلام يأخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويغطّيه حتّى يبلغ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الجهد ؟
    ذلك فيه إعلام أنّه لا بدّ من المشقّة والتّعب الشّديدين لأخذ العلم.
    - ثانيا: صنائع المعروف تقي مصارع السّوء:
    فانظر كيف استدلّت خديجة رضي الله عنها على أنّ الله تعالى ناصرٌ نبيّه ومؤيّدُه بحُسن أخلاقه ومعاملته للنّاس، فحريّ بالمسلم أن يستيقِن أنّ عوامل النّصر تكمن أوّل ما تكمن في إصلاح النّفس مع الخالق والخلق.
    - ثالثا: الرّؤيا الصّادقة من الوحي:
    وذلك ظاهر من قول عائشة رضي الله عنها: ( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ ).
    ويؤيّد ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّمقال: (( رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ )) [متّفق عليه].
    وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال رَسُولُ الله ِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّهُ لَمْ يَـبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ )) [رواه مسلم].
    رابعا: من أجل ذلك فينبغي الحذر كلّ الحذر من ادّعاء الرّؤيا !
    قال الطّبري رحمه الله:
    " إنّما اشتدّ فيه الوعيد لأنّ الكذب في المنام كذبٌ على الله أنّه أَرَاه ما لم يره، والكذب على الله أشدّ من الكذب على المخلوقين لقوله تعالى:{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [هود:18] الآية..
    وإنما كان الكذب في المنام كذبا على الله لحديث (( الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ )) وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى " اهـ.
    وقد روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ )).
    - قوله: ( مَنْ تَحَلَّمَ ) أي: من تكلّف الحلم.
    - وقوله ( كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ) في رواية عند أحمد: " عُذِّب حتّى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدا ".
    - قال ابن أبي جمرة رحمه الله:" ومعنى العقد بين الشعيرتين أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة ".
    - وقال:" ومناسبة الجمع بين الكاذب في منامه والمصوّر: أنّ الرؤيا خلق من خلق الله وهي صورة معنوية، فأدخل بكذبه صورة لم تقع، كما أدخل المصوّر في الوجود صورة ليست بحقيقية، لأنّ الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح ...".
    - وقال:" والحكمة في هذا الوعيد الشّديد أنّ الأوّل كذب على جنس النبوّة، وأنّ الثاني نازع الخالق في قدرته ".
    - ومن اللّطائف ما قاله بعض أهل العلم:" إنّ اختصاص الشّعير بذلك، لما في المنام من الشعور بما دل عليه فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق " [انظر " فتح الباري "].


    [1] في بعض الرّوايات في غير الصّحيحين أنّ رؤياه دامت ستّة أشهر.
    [2] أي: شابا، فهو يتمنّى الشّباب للكدح لا للمتعة، للبذل والتّضحية لا للّهو والتّسلية، للعطاء والفداء، لا للّعب والسّمر والغناء..لرسالة جديدة ونبيّ يُتربّص به خلف أشجار مكّة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,132

    افتراضي رد: جزاكم الله خيرا

    السّيرة النّبويّة (17) الأيّام الأولى من البعثة

    عبد الحليم توميات



    الحمد لله وكفى، والصّلاة والسّلام على النبيّ المصطفى، وعلى آله وصحبه الكرام الشّرفا، أمّا بعد:
    فقد تناولنا في الحلقة السّابقة الأيّام - بل قل السّاعات - الأولى من بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
    عِشنا سويّا الحدث الّذي سيغيّر الأرض بإذن الله ..
    فقد كانت بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إعلانا لرجم شياطين البشر في الأرض الّذين طغوا وبغوا في الأرض بغير الحقّ .. الّذين فصلوا حياتهم عن وحي السّماء، فكانوا أضلّ من البهيمة العجماء.
    فكان الحكم للغالب، سواء كان هذا الغالب عادة أو إنسانا أو شهوة..
    ثمّ أذن الله للأرض أن تستقي بماء السّماء، وأن تستضيء بنورها:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشّورى:52]..
    أمّا في السّماء، فقد حدث الإذن لرجم شياطين الجنّ..
    فعندما نزل الوحي اشتعلت أرجاء السّماء حمما وشررا يفتك برؤوس الشّرك، ومصانع الخرافة والضّلالة ..
    شياطين الجنّ الّذين أرهقوا كثيرا من البشر ودحرجوهم إلى الحضيض كما قال تعالى:{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سـبأ:20].. فزادوا العباد رهقا وتخويفا، وسخّروهم لأنواع من الشّعوذة والسّحر والشّرك بالله تعالى..
    روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ:
    انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا:
    مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا:
    مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ !.
    فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ.
    فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا - وَالله - الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.

    فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ! إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وسلّم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ} وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ.
    وفي رواية لابن أبي شيبة[1] عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه:
    لم تكن قبيلة من الجنّ إلاّ ولهم مقاعد للسّمع، فكان إذا نزل الوحيُ سمعت الملائكة صوتًا كصوتِ الحديدةِ ألقيتَها على الصّفا، فإذا سمعته الملائكة خرّوا سُجَّدًا، فلم يرفعوا رؤوسهم حتّى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟..
    فإن كان ممّا يكون في السّماء قالوا: الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ.
    وإن كان ممّا يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شيء ممّا يكون في الأرض تكلّموا به، فقالوا: يكون كذا كذا .. فتسمعه الشّياطين، فيُنْزِلونه على أوليائهم.
    فلمّا بعث الله محمّدا صلّى الله عليه وسلّم دُحِرُوا بالنّجوم.
    فكان أوّل من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كلّ يوم شاة، وذو الإبل ينحر كلّ يوم بعيرا، فأسرع النّاس في أموالهم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا ! فإن كانت النّجوم الّتي يُهتدى بها، وإلاّ فإنّه أمرٌ حدث.
    فنظروا، فإذا النّجوم الّتي يُهتدى بها كما هي ! لم يُرْمَ منها بشيءٍ، فكفّوا، وصرف الله الجِنَّ فسمعوا القرآنَ، فلمّا حضروه قالوا: أَنْصِتُوا ! وانطلقت الشّياطين إلى إبليس، فأخبروه، فقال: هَذَا حَدَثٌ حَدَثَ في الأرض، فأْتُونِي من كلّ أرضٍ بتربة، فلمّا أتوه بتربة تهامة قال: هَا هُنَا الحَدَثُ !..
    وهذه قصّة أخرى في صحيح البخاري، يرويها لنا رمز من رموز قريش: عمر بن الخطّاب رضي الله عنه..
    فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا، إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ.
    بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ[2] فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ[3]، عَلَيَّ الرَّجُلَ !
    فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ![4]
    قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي ! قَالَ:
    كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.[5] قَالَ:
    فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ ؟ قَالَ:
    بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ، جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ، فَقَالَتْ:
    أَلَمْ تَـرَ الْجِـنَّ وَإِبْلَاسَـهَا
    وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنـْكَاسِـهَا
    وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا[6]
    قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ ! بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ، فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: ( يَا جَلِيحْ ! أَمْرٌ نَجِيحْ ! رَجُلٌ فَصِيحْ ! يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )[7].
    فَوَثَبَ الْقَوْمُ، قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: ( يَا جَلِيحْ ! أَمْرٌ نَجِيحْ ! رَجُلٌ فَصِيحْ ! يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ). فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِيٌّ.
    * من فوائد هذا الحدث:
    1- تعظيم أمر بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، حيث حدث أمر ما كان يحدث من قبل، إيذانا بأنّه صلّى الله عليه وسلّم آخر الرّسل وكتابه آخر الكتب.
    2- أثر القرآن على الشّيطان والجانّ، ليعلم المسلم أنّه ليس بينه وبين الشّفاء من الأمراض والأسقام ما أصاب منها الرّوح أو الأبدان إلاّ إلاّ الإكثار من تلاوة القرآن.
    3- ولعلّه من أجل هذا الحدث، كانت الشّياطين تصفّد في شهر رمضان، لأنّهم أوّل ما صفِّدوا كان بسبب القرآن الّذي نزل في شهر رمضان.
    قال ابن اسحاق رحمه الله:" فابتدىء رسولُ الله بالتّنزيل في شهر رمضان، يقول الله عزّ وجل:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: من الآية185].
    وقال الله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)}.
    وقال الله تعالى:{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)} [الدّخان].
    وقال تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: من الآية41]، وذلك ملتقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمشركين ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان "اهـ.
    والله تعالى أعلم وأعزّ وأكرم، وهو الهادي إلى الّتي أقوم.



    [1] وابن سعد (1/167)، والبيهقي، بإسناد حسن، ويؤيّده ما ذكرناه قبل في البخاري.
    [2] هو سواد بن قارب رضي الله عنه.
    [3] قوله: ( لقد أخطأ ظني ) في رواية عند البيهقي: " لقد كنت ذا فراسة، وليس لي الآن رأيٌ إن لم يكن هذا الرّجل ينظر في الكهانة ".
    قوله: ( أو على دين قومه في الجاهلية ) أي مستمر على عبادة ما كانوا يعبدون. ( أو لقد كان كاهنهم ) أي كان كاهن قومه.
    وحاصله أنّ عمر ظنّ شيئا متردِّدا بين شيئين، كأنه قال: هذا الظنّ إمّا خطأ أو صواب، فإن كان صوابا فهذا الآن إمّا باق على كفره وإمّا كان كاهنا. وقد أظهر الحال القسم الأخير.
    [4] قوله: ( مَا رَأيت كاليوم استُقبِل به رجلٌ مسلمٌ ) الضّمير في قوله " به " يعود على الكلام الّذي قاله عمر، ويدل عليه السياق. وبيّنه البيهقي في رواية مرسلة " قد جاء الله بالإسلام، فما لنا ولذكر الجاهليّة ؟ ".
    [5] الكاهن: هو الّذي يتعاطى الخبر من الأمور المغيّبة، وكانوا في الجاهلية كثيرا، فمعظمهم كان يعتمد على تابعة من الجنّ.
    وبعضهم كان يدّعي معرفة ذلك بمقدّمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، وهذا الأخير يسمّى العرّاف.
    فسواد بن قارب يخبر بآخر شيء وقع له لما تضمّن من الإعلام بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وكان سببا في إسلامه.
    [6] (الإبلاس): هو اليأس ضدّ الرّجاء، وفي رواية " عجبت للجن وإبلاسها " وهو أشبه بإعراب بقيّة الشّعر.
    (ويأسها من بعد إنكاسها) قال ابن فارس: معناه أنّها يئست من استراق السّمع بعد أن كانت قد ألفته، فانقلبت عن الاستراق قد يئست من السمع.
    وفي رواية أنّ الجنّي عاوده ثلاث ليال ينشده هذه الأبيات، في آخرها: اِلحق به ترشد !..
    قوله: ( ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ) القلاص: بكسر القاف: جمع قلص بضمتين، وهو جمع قلوص وهي الفتيّة من النياق.
    والأحلاس جمع حلس بكسر أوله وسكون ثانيه وبالمهملتين وهو ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل.
    [7] قوله: ( يا جَلِيح ) الوقح المكافح بالعداوة، قال ابن التين: يحتمل أن يكون نادى رجلا بعينه، ويحتمل أن يكون أراد من كان بتلك الصّفة.
    والذي يظهر أنّ ذلك كان من أثر منع الجنّ من استراق السّمع، وأنّ هذه القصّة كانت سبب إسلام عمر رضي الله عنه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •