شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح ) - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 82
2اعجابات

الموضوع: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [9]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (41)



    يجوز دفع الزكاة للأقارب غير الأصول والفروع على الراجح، ولا يجوز دفع الزكاة للكافر، أما صدقة التطوع فبابها واسع، ولهذا يجوز دفعها لمن لا يجوز دفع الزكاة إليه، والأولى بالغني أن يفرق زكاته بنفسه فإن وكّل غيره جاز.
    تابع من لا يجوز صرف الزكاة إليه
    تقدم لنا في الدرس السابق بقية أهل الزكاة، وذكرنا من أهل الزكاة الغارمين، وأن الغرم ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: غارم لنفسه.والقسم الثاني: غارم لإصلاح ذات البين. وذكرنا ما يدخل تحت كل قسم من هذه الأقسام من صور وما يستدل لكل قسم.ثم بعد ذلك تطرقنا إلى قول المؤلف رحمه الله، (السابع: في سبيل الله)، وما المراد في سبيل الله، وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك، وذكرنا أن المراد به كل ما يتعلق بأمر الجهاد من رزق الجند الذين لا ديوان لهم، ومما يتعلق بآلات الجهاد، وكل ما يعين عليه. وكذلك أيضاً: ابن السبيل، وأن المراد به: المسافر الذي انقطع به سفره، وهل المنشئ الذي يريد سفراً يعطى من الزكاة أو لا يعطى؟ ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، ثم بعد ذلك شرعنا في باب من لا يجوز دفع الزكاة له، وذكرنا أن الصدقة لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب. بعد ذلك تكلمنا على قول المؤلف رحمه الله: [ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم، ومواليهم]. ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس )، وذكرنا أن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم له أربعة أولاد: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس ، وأن الهاشميين لا يأخذون من الزكاة، ويأخذون من خمس الخمس، وأما بالنسبة للمطلبيين فذكرنا الصواب أنهم يأخذون من الزكاة، وأيضاً يأخذون من خمس الخمس، وأما بالنسبة للنوفليين فهم يأخذون من الزكاة، ولا يأخذون من خمس الخمس، وكذلك أيضاً العبشميون يأخذون من الزكاة ولا يأخذون من خمس الخمس. وأيضاً تكلمنا هل للهاشميين أن يأخذوا من الزكاة إذا منعوا من خمس الغنيمة أو ليس لهم أن يأخذوا منها؟ ذكرنا في ذلك رأيين: الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم، أنهم ليس لهم أن يأخذوا؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما هي أوساخ الناس ). والرأي الثاني: رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الهاشميين إذا منعوا من خمس الخمس أنهم يأخذون الزكاة؛ لأن هذا موضع حاجة وضرورة.وأيضاً تكلمنا على مسألة وهي هل لهم أن يأخذوا الزكاة بعضهم من بعض أو ليس لهم ذلك؟ذكرنا فيها قولين:الرأي الأول: جمهور أهل العلم أنه ليس للهاشمي أن يأخذ زكاة هاشمي آخر. والرأي الثاني: أن الهاشمي له أن يأخذ زكاة هاشمي آخر، فالرأي الأول: هو قول جمهور أهل العلم، والرأي الثاني: هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكذلك أيضاً بالنسبة للمطلبيين هل لهم أن يأخذوا الزكاة، أو ليس لهم أن يأخذوا الزكاة؟ كلام المؤلف رحمه الله أن المطلبيين يأخذون من الزكاة، وإنما الذي يمنع من الزكاة هم بنو هاشم، وأما بالنسبة لبني المطلب فإنهم لا يمنعون من الزكاة، وهذا قول جمهور أهل العلم أن بني المطلب أنهم يأخذون من الزكاة، لعموم قول الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60]، فيدخل في ذلك المطلبيون.الرأي الثاني: رأي الشافعي أن المطلبيين ليس لهم أن يأخذوا من الزكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما ثبت ذلك في الصحيح-: ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد )، وقلنا: إن العلماء أجابوا عن هذا الحديث بأن المراد أنهم شيء واحد في النصرة، والمعاضدة؛ لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم لما تعاقدت قريش على حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ، لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يعاقدوهم... إلى آخره، فدخل بنو المطلب مع بني هاشم في هذه المناصرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد )، وهذا هو الصواب، أن بني المطلب يأخذون من الزكاة، وعلى هذا بنو المطلب يجمعون بين أمرين، يأخذون من الزكاة، وكذلك أيضاً يأخذون من خمس الخمس. قال المؤلف رحمه الله: [ ومواليهم ].يعني: الذين أعتقهم بنو هاشم، فالذين أعتقهم بنو هاشم لا يأخذون من الزكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مولى القوم منهم ).
    حكم الزكاة على الأقارب
    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علو، ولا إلى الولد وإن سفل).لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين ولا للأولاد، وبالنسبة لدفع الزكاة للحواشي، وهم الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، لأهل العلم في ذلك رأيان:الرأي الأول: إذا كان يجب على الشخص أن ينفق عليهم، فلا يجوز له أن يدفع الزكاة لهم، ومتى يجب عليه أن ينفق عليهم؟ يجب عليه أن ينفق عليهم إذا كان وارثاً لهم، فإذا كان وارثاً لأخيه وهو غني وأخوه فقير، فيجب عليه أن ينفق عليه، وإذا وجب عليه أن ينفق عليه، فإنه لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة؛ لأنه حينئذٍ يكون مستغنياً بإنفاقه عليه، هذا هو الرأي الأول، أنه إذا كان الشخص يجب عليه أن ينفق على شخص، فإنه لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة، ومتى يجب عليه أن ينفق عليه؟ إذا كان وارثاً له، مثال ذلك: أخوان زيد وعمرو، زيد هذا غني، وعمرو هذا فقير، عمرو هذا ليس له أولاد، وأيضاً ليس له أب، الأب ليس موجوداً والأولاد ليسوا موجودين بحيث يحجبون أخاه عن الميراث، فزيد هذا يرث عمرو، زيد هذا غني، وعمرو فقير، عمرو ليس له أولاد، وأبوه أيضاً ليس موجوداً، فزيد يرث عمراً، فيجب على زيد أن ينفق على عمرو، فإذا وجب عليه أن ينفق عليه، فإنه لا يجب له أن يعطيه الزكاة؛ لأنه حينئذٍ يكون مستغنياً للنفقة عن الزكاة. مثال آخر: زيد غني، وعمرو فقير، وعمرو له ابن، زيد هنا لا يرث عمراً؛ لأنه محجوب بابنه، عمرو له ابن يحجب زيداً عن الميراث، لو مات عمرو حينئذٍ لا يرث عمراً، فإذا كان زيد لا يرث عمراً، فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليه، فحينئذٍ يجب أن يعطيه من الزكاة.مثال ثالث: زيد وعمرو، زيد غني وعمرو فقير، عمرو أخ زيد فقير، وأبوهما موجود، زيد الآن هل يرث عمرا أو لا يرثه؟ لا يرثه؛ لأن زيداً محجوب بالأب، وإذا كان كذلك فزيد لا يجب عليه أن ينفق على عمرو؛ لأنه محجوب بالأب؛ لكونه لا يرثه للحجب، وحينئذٍ يجوز أن يعطيه من الزكاة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. بالنسبة للحواشي يقولون: إذا كان يرثه، فإنه يجب عليه أن ينفق عليه، وحينئذٍ لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة، وإذا كان لا يرثه لا يجب عليه أن ينفق عليه، وحينئذٍ يجوز له أن يعطيه من الزكاة، هذا هو الرأي الأول.الرأي الثاني: أنه يجوز للأخ أن يعطي أخاه. وعموماً يجوز أن تعطي الحواشي من الزكاة بدون تفصيل، يعني: سواء كان وارثاً لهم أو غير وارث، فإذا كان أخوك فقيراً يجوز لك أن تعطيه من الزكاة، كذلك أيضاً إذا كان ابن أخيك، إذا كان عمك... إلى آخره فقيراً، فإنه يجوز لك أن تعطيه من الزكاة، وهذا هو الرأي الثاني في هذه المسألة، والرأي الأول إذا سلكه الإنسان فهو أحوط وأبرأ للذمة، وإذا قلنا: بأن الأخ يعطي أخاه من الزكاة، فإنه يشترط أن لا يكون هناك من ينفق عليه؛ لأنه قد يوجد الأب ينفق على هذا الأخ، ما يجوز أن تعطيه من الزكاة، أو مثلاً: زوجها ينفق عليها، أو أبوها قادر على الإنفاق، حتى ولو كانت متزوجة؛ لأنه يجب على الوالد أن ينفق على ولده، وإذا كان كذلك فإنه يكون مستغنياً بالنفقة عن الزكاة.
    دفع الزكاة للزوجة
    قال المؤلف رحمه الله: (ولا من تلزمه مئونته).يدخل في ذلك الزوجة، فلا يجوز للزوج أن يدفع زكاته إلى زوجته؛ لأنها مستغنية بنفقته، الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز له أن يعطيها من الزكاة، وهذا باتفاق الأئمة، ولأنه إذا أعطاها الزكاة يكون حمى ماله، وأسقط الواجب عليه الذي هو النفقة؛ لكن نستثني من ذلك صوراً: الصورة الأولى: أن يعطي زوجته ما تقضي به ديناً عليها، فهذا لا بأس؛ لأن الزوج لا يجب عليه أن يقضي الدين عن زوجته؛ لكن لو كان الزوج يمنعها النفقة، الطعام، والشراب، واللباس، ثم تستدين، هل يعطيها من الزكاة لكي يسدد الدين الذي عليه؟ نقول: هذا لا يجوز، يجب على الزوج أن يعطيها النفقة، وإذا اقترضت يجب عليه أن يعطيها ما تسدد به هذه القرض؛ لأن سببه النفقة، فالقرض إذا كان سببه النفقة لا يجوز للزوج أن يوفيه من الزكاة؛ لأنه يجب عليه أن ينفق على زوجته، هذه الصورة الأولى، نقول: الصورة الأولى: أن يقضي ديناً على زوجته ليس سببه النفقة.الصورة الثانية: أن يعطيها الزكاة لكي تنفق على أولادها من غيره، فقد يكون لهذه الزوجة أولاد من غيره، فيعطيها الزكاة لكي تنفق عليهم، فنقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأنه لا يجب عليه أن ينفق عليهم، فإذا كانت الزوجة فقيرة لا تستطيع أن تنفق على هؤلاء الأولاد، فيجوز لزوجها أن يعطيها الزكاة لكي تنفق على أولادها من غيره، استثنينا هاتين الصورتين، وقلنا: بأنه اتفاق الأئمة، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً على أن الزوج لا يجوز له أن يعطي زوجته الزكاة؛ لأنها مستغنية بإنفاقه.
    دفع الزكاة للزوج
    هل للزوجة أن تعطي زوجها الزكاة أو ليس لها ذلك؟ للعلماء في ذلك قولان: الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم، قالوا: الزوجة لا يجوز لها أن تعطي الزكاة لزوجها؛ لأنها إذا أعطت الزكاة لزوجها فإن هذه الزكاة ترجع إليها، فإن الزوج سينفق هذه الزكاة على زوجته، وحينئذٍ قالوا: لا يجوز أن تعطي الزوجة زكاتها لزوجها.الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ). والأقرب في هذه المسألة أن يقال بالتفصيل: أنا أقول: يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها في صور: الصورة الأولى: إذا كان سيقضي ديناً عليه، فنقول: بأن هذا لا بأس به؛ لأن الزوجة لا يجب عليها أن تقضي دين زوجها.الصورة الثانية: إذا كان سينفق هذه الزكاة على أولاده من غيرها، فإن هذا جائز ولا بأس به.الصورة الثالثة: إذا كان سينفق هذه الزكاة في أموره الخاصة، مثلاً: سيشتري له ملابس خاصة به، سيصلح مركوبه، سيشتري له آلات كتابية خاصة به، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.الصورة الرابعة: إذا كان سينفق هذه الزكاة على الزوجة، أو على أولاده منها، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان سينفقها عليها فقد رجعت إليها الزكاة، وإذا كان سينفقها على أولاده منها فإنها حينئذٍ تكون أسقطت واجباًعنها، فإن الأم إذا لم يستطع الأب أن ينفق على الأولاد، فإن الأم يجب عليها أن تنفق عليهم.
    دفع الزكاة إلى الكافر
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا إلى كافر ].لا يجوز دفع الزكاة إلى الكافر، والدليل على هذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في بعث معاذ إلى اليمن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ) فدل ذلك على أنه لا يجوز دفعها إلى الكافر، وأيضاً قول الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60]... إلى آخره، فخص الله عز وجل الزكاة بهؤلاء الأصناف الثمانية؛ لكن يستثنى من ذلك المؤلف قلبه كما تقدم لنا، فإذا كان هناك شخص قريب عهد بالإسلام، وإذا أعطيناه من الزكاة، فإن ذلك يدفعه إلى الإسلام، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس أن نعطيه من الزكاة، فنقول: نستثني من هذه المسألة إذا كان (مؤلفاً)، فالمؤلف يجوز أن تدفع له الزكاة حتى ولو كان كافراً. أما بالنسبة لصدقة التطوع فإنه يجوز أن تدفع إلى الكافر، ويدل لهذا قول الله عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، وأيضاً حديث أسماء رضي الله تعالى عنها: ( أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي أتت وهي راغبة أفأصلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صليها )، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلها وهي كافرة، وصفية رضي الله تعالى عنها حبست على أخ لها يهودي، وعمر رضي الله تعالى عنه كسا أخاً له مشركاً، فالصدقة على الكافر لا بأس بها، وبهذا نعلم أن باب صدقة التطوع أوسع من الصدقة المفروضة، فصدقة التطوع يجوز أن تعطيها الكافر، ويجوز أن تعطيها الغني وغير ذلك، هذا كله جائز ولا بأس به، ويجوز أن تعطيها لأبيك، ولأمك، ولإخوانك، فباب صدقة التطوع أوسع من باب الصدقة المفروضة؛ لكن لو أن شخصاً أعطاك صدقة تطوعاً، ودل الدليل اللفظي أو الدليل العرفي على أنها تدفع للفقراء، فإنه لا يجوز أن تعطى الأغنياء، يعني: أعراف الناس اليوم إذا أعطاك صدقة تتصدق بها فإنك تدفعها للفقراء، ما تعطيها للأغنياء، أو قال لك: أعطها للفقراء، فلا تعطه للأغنياء.
    مصارف صدقة التطوع
    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء، وإلى غيرهم ].يعني: صدقة التطوع يجوز أن تدفعها إلى بني هاشم، ويجوز أن تدفعها إلى والديك، وإلى أولادك، إذا أردت أن تتصدق، هذا كله جائز ولا بأس به، ويجوز أن تدفعها للكافر وغير ذلك. واعلم أن بني هاشم بالنسبة لصدقة التطوع ينقسمون إلى قسمين، أما الصدقة المفروضة فتقدم أن بني هاشم ليس لهم أن يأخذوا من الصدقة المفروضة مطلقاً، أما صدقة التطوع، فهم ينقسمون إلى قسمين:القسم الأول: النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن يأخذ من الصدقة شيئاً، لا من الصدقة المفروضة، ولا من صدقة التطوع.القسم الثاني: بقية بني هاشم يجوز لهم أن يأخذوا من صدقة التطوع، وأما بالنسبة للصدقة المفروضة، فتقدم حكمهم.
    النية في دفع الزكاة
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام قهراً ].لا يجوز دفع الزكاة إلا بنية؛ لأن الزكاة عبادة من العبادات، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) فهي عبادة من العبادات، لا بد لها من نية القربة، وأيضاً هذه القربة تختلف، فمن القربة ما يكون فرضاً، ومن القربة ما يكون تطوعاً، فلا بد من النية التي تميز بين الفرض وبين التطوع.قال المؤلف: ( إلا أن يأخذها الإمام قهراً ).يعني: لو أن أحداً منع الزكاة، فإن الإمام يأخذها قهراً، ولا حاجة إلى النية؛ لكن هل تجزئه؟ نقول: أما ظاهراً فتجزئه، بمعنى أنه لا يطالب بها مرة أخرى، فإذا أخذها منه الإمام قهراً، فإنها تجزئه، ولا يطالبه بها الإمام مرة أخرى، وأما باطناً يعني: بينه وبين الله عز وجل، فإنها لا تجزئه، بحيث إن الإنسان لا يثاب عليها، ويأثم على منع هذه الصدقة.
    الخطأ في دفع الزكاة لمن لا يستحقها
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزه إلا الغني إذا ظنه فقيراً ].فلو دفعها إلى رجل يظنه ابن سبيل منقطع، فتبين أنه ليس ابن سبيل، أو دفعها إلى رجل يظنه مجاهداً، فتبين أنه ليس مجاهداً، أو دفعها إلى رجل يظنه ليس من بني هاشم، فتبين أنه من بني هاشم، يقول المؤلف رحمه الله: (لم يجزه)؛ لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، واستثنى المؤلف رحمه الله قال: (إلا الغني إذا ظنه فقيراً) يعني: هذا الرجل ظنه فقيراً فدفع الزكاة إليه، فتبين أن هذا الرجل غني، فيقول المؤلف رحمه الله: هذا يجزه، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين اللذين طلبا الصدقة فرآهما جلدين: ( إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ).والصواب في هذه المسألة أنه لا فرق، وأن الإنسان إذا تحرى واجتهد في طلب من يستحق الزكاة، ثم وضعها في يد غير مستحقها أنه لا بأس بذلك، وأنها تجزئه عند الله عز وجل، فمثلاً كان يظنه مسلماً فتبين أنه كافر، أو يظنه فقيراً فتبين أنه غني، أو يظنه ابن سبيل، فتبين أنه ليس ابن سبيل... إلى آخره، نقول: بأنه يجزئه ذلك، إذا احتاط واجتهد؛ لكن إذا فرط الإنسان ولم يحتط، ولم يجتهد، ثم بعد ذلك دفعها إلى غير أهل، فنقول: بأنها لا تجزئه، وعليه ضمانها.
    تفريق الغني زكاته بنفسه
    الأولى بالإنسان أن يفرق الزكاة بنفسه، هذا هو الأولى، وهذا إذا كان يعرف المستحق، ولا تشغله عما هو أهم، وهذا يترتب عليه فوائد:الفائدة الأولى: أنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفرق الصدقة بنفسه، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أهدى مائة بدنة في حجة الوداع، ونحر بنفسه ثلاثاً وستين بدنة، هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: أن هذا التفريق عبادة، تؤجر عليه عند الله عز وجل.الأمر الثالث: أن الإنسان يطمئن إلى إخراجها، ويطمئن أنها وضعت في مواضعها الشرعية؛ لكن إذا كان الإنسان لا يعرف المستحق، أو هو مشغول بما هو أهم، وأعظم من تفريق الصدقات، فنقول: يوكل وينيب من يقوم بإخراج هذه الصدقة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصيام [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (42)


    صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، وتاركه جحداً بوجوبه كافر، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويجب بإكمال شعبان، وبرؤية الهلال، وبشهادة عدل.
    الصيام
    قال رحمه الله: [كتاب الصيام].يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الصيام). لما أتم الكلام عن أحكام الزكاة شرع في أحكام الصيام، إذ إن الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام, كما في حديث ابن عباس وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).فالصيام يأتي في المرتبة الرابعة بعد الزكاة، والصيام كان مشروعاً على الأمم السابقة، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
    مراحل تشريع الصوم
    وقد شُرِع في هذه الأمة على مراحل:المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء، فإن صيام يوم عاشوراء كان واجباً في أول الأمر، (وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي: من أصبح صائماً فليتم صومه، ومن أصبح مفطراً فليصم بقية يومه، فإن اليوم يوم عاشوراء).المرحلة الثانية: نُسخ وجوب صيام يوم عاشوراء، وشُرِع صيام رمضان على التخيير, بمعنى: أن من كان أهلاً للصيام فإنه مخير بين أن يصوم رمضان، وبين أن يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].ثم بعد ذلك المرحلة الثالثة -وعليها استقر تشريع الصيام- أن من كان أهلاً للوجوب فإنه يجب عليه أن يصوم رمضان على التعيين وليس على التأخير؛ لقوله سبحانه وتعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].
    تعريف الصوم وحكمه
    والصيام في اللغة: الإمساك والكف.وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والأدلة على فرضيته: القرآن والسنة والإجماع، والقرآن كما تقدم في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، والسنة كما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والإجماع قائم على ذلك. ومن ترك الصيام فإنه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يتركه جحداً لوجوبه، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.الحالة الثانية: أن يتركه تهاوناً وكسلاً، فجمهور أهل العلم أنه لا يكفر؛ لحديث أبي هريرة في مانع الزكاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يري سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، وهذا في مانع الزكاة وهي أشد تأكداً من الصيام، فقال: (ثم يري سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، فلو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة.
    من يجب عليه الصيام
    يقول المؤلف رحمه الله: [ويجب صيام رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر على الصوم]. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط من يجب عليه الصيام.الصيام كما سلف فرض، لكنه ليس فرضاً على كل أحد, فالشرط الأول لمن يجب عليه الصيام: الإسلام أن يكون مسلماً، الإسلام وعلى هذا فالكافر لا يجب عليه أن يصوم، بمعنى: أنه لا يجب عليه وجوب أداء؛ لأن عندنا وجوبين: وجوب الأداء, ووجوب التكليف، ووجوب الأداء ليس واجباً على الكافر، بمعنى: أنه لو أفطر ثم بعد ذلك أسلم فإننا لا نطالبه بالقضاء؛ لأنه لا يجب عليه أن يؤدي، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54]، فالنفقات مع أن نفعها متعد لم تُقبل من الكافر لكونه كفر بالله ورسوله، فالصيام من باب أولى إذا هو عبادة بدنية محضة.وأما وجوب التكليف فالكافر مكلف, بمعنى: أنه يُعذب على ترك الصيام، ويدل لهذا قول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45], فترك الصلاة وترك الإطعام والخوض، هذه من أسباب دخول النار.قال المؤلف رحمه الله: (بالغ).هذا هو الشرط الثاني من شروط الوجوب، أن يكون بالغاً, وعلى هذا إذا كان غير بالغ فإن الصيام لا يجب عليه، ويدل لهذا حديث علي وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم عن الصبي حتى يبلغ)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وإسناده حسن.قال المؤلف رحمه الله: (عاقل)، هذا الشرط الثالث, وعلى هذا فالمجنون، لا يجب عليه الصيام؛ لأن القلم مرفوع عنه كما في حديث علي وعائشة : (رُفع القلم عن ثلاثة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم المجنون حتى يُفيق).قال المؤلف رحمه الله: (قادر على الصوم).هذا الشرط الرابع: أن يكون قادراً على الصوم، وعلى هذا إذا كان عاجزاً عن الصيام فإن الوجوب يسقط عنه، والعجز إما أن يكون لمرض لا يُرجى برؤه أو لكبر، فإن كان عاجزاً لكبر أو مرض لا يُرجى زواله وذهابه فإنه لا يجب عليه أن يصوم ويسقط عنه الصيام ويُطعم عن كل يوم مسكيناً كما سيأتينا إن شاء الله.هذه أربعة شروط ذكرها المؤلف: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، قادر على الصوم.وبقي شرط خامس: أن يكون مقيماً, وعلى هذا إذا كان مسافراً فإن وجوب الأداء يسقط عنه, بمعنى: أنه لا يجب عليه أن يصوم، لكن يجب عليه القضاء، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184], يعني: أفطر فيجب عليه عدة من أيام أخر.كذلك أيضاً: لابد من انتفاء المانع من حيض ونفاس، فالمرأة الحائض أو النفساء لا يجب عليهما الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، لكن يجب عليهما القضاء بالإجماع. قال المؤلف رحمه الله: [ويؤمر به الصبي إذا أطاقه].يعني: مستحب لولي الصبي إذا أطاق الصيام أن يأمره به، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: الصيام كالصلاة يؤمر بها الصبي لسبعٍ ويُضرب عليها لعشر, يعني: يؤمر به بالصيام لسبع سنوات ويُضرب على ذلك لعشر إذا كان يطيق الصيام، فإذا كان يُطيق الصيام وهو له سبع فأكثر فإنه يؤمر به، وإذا كان يطيقه وله عشر سنوات فأكثر فإنه يُضرب عليه كالصلاة، كما في حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعٍ واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر), وفي الحديث: (كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يصومون صبيانهم يوم عاشوراء لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه، وإذا بكى الصبي منهم أعطوه اللعبة من العِهن يتلهى بها). رواه البخاري.
    ثبوت شهر رمضان
    قال المؤلف رحمه الله: [ويجب صوم رمضان بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان]. هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى متى يجب الشروع في الصيام: الأمر الأول: كمال شعبان، فإذا لم يُرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإننا نصبح مُفطرين، ويكون الصيام من الغد، ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، وهذا في الصحيحين.قال المؤلف رحمه الله: [ورؤية هلال رمضان]. هذا الأمر الثاني مما يجب به الصيام: رؤية هلال رمضان، ويدل له قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وأيضاً ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين).قال المؤلف رحمه الله: [ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه]. ليلة الثلاثين من شعبان لا تخلو من حالتين:الحالة الأولى: أن تكون السماء صحواً ليس هناك غيم ولا قتر، فهنا نصبح مفطرين كما تقدم في حديث أبي هريرة : (أكملوا عدة شعبان ثلاثين), ويكون الصيام من الغد.الحالة الثانية: أن تكون ليلة الثلاثين من شعبان غيماً أو فيها قتر، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر في السماء فإنه يجب الصيام من الغد احتياطاً للعبادة.وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وألفوا في هذا مؤلفات مستقلة، كما ألف أبو يعلى القاضي وهو من الحنابلة في ذلك رسالة مستقلة اسمها:إيجاب الصيام ليلة الغمام، ومثله أيضاً ابن المبرد ألف في ذلك رسالة مستقلة.. إلى آخره. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فاقدروا له)، قالوا: بأن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن غُم عليكم فاقدروا له)، يعني ضيقوا عليه، أي: ضيقوا شعبان، مأخوذ من قول الله عز وجل: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7]، يعني: ضُيق عليه رزقه, وذلك بأن نجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، فإذا كان ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، إذا كانت هذه الليلة فيها غيم أو قتر فإننا نصبح يوم الثلاثين من شعبان صياماً.ودليل ذلك كما أسلفنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (فإن غُم عليكم فاقدروا له)، يعني: ضيقوا عليه، ومنه قول الله عز وجل: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].الرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب الصيام, إذا كان هناك غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، ودليل ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) حديث صريح.وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن غُم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، وهذا القول هو الصواب.و الخطيب البغدادي رحمه الله له رسالة في هذه المسألة في عدم وجوب الصيام ليلة الغمام رد بها على رسالة أبي يعلى القاضي ، والنووي رحمه الله في كتابه المجموع شرح المهذب جمع الرسالتين رسالة أبي يعلى في إيجاب الصيام ورسالة الخطيب في عدم وجوب الصيام، والراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.
    صوم من رأى الهلال وحده
    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا رأى الهلال وحده صام].إذا رأى الهلال وحده فإنه يصوم؛ لقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185], ولما تقدم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته), وهذا رآه, فإذا رآه وحده يجب أن يصوم.ولو أن رجلاً رأى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ورُدت شهادته ولم يقبلها القاضي، فما العمل؟ يقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يصوم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185], وأيضا كما سلف في حديث أبي هريرة وابن عمر : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).والرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه أن يصوم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يفطر الناس)، وهذا الحديث رواه الترمذي والبغوي ، وحسنه جمع من أهل العلم، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رسالة اسمها (رسالة الهلال)، وذكر رحمه الله بأن الهلال ليس ما يظهر في السماء، وأن الهلال ما يستهل به الناس، فإذا رأى هذا الرجل الهلال ورُدت شهادته فإن الناس لم يستهلوا حتى الآن, فالهلال يقول لك: بأن الهلال ما يستهل به الناس.ودليل ذلك ما سلف من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يُفطر الناس)، وعلى هذا من رأى الهلال ثم رُدت شهادته، فإنه لا يجب عليه أن يصوم وإنما يجب عليه أن يصوم مع سائر الناس، لكن إذا كان منفرداً ليس هناك أحد, يعني: ليس عنده أحد كما لو كان في صحراء أو نحو ذلك، كان مقيماً في صحراء ونحو ذلك, ثم رأى الهلال فهو الآن لا يخالف الناس، فالذي يظهر والله أعلم أنه يصوم كما ذكر المؤلف رحمه الله.
    شروط من يصوم برؤيته الهلال
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان عدلاً صام الناس بقوله].في هذه العبارة بيان شرط من يُصام الناس برؤيته. أي: من هو الذي يُصام الناس برؤيته؟فيؤخذ من قول المؤلف رحمه الله تعالى: (عدلاً) أن من يؤخذ برؤيته يُشترط أن يكون عدلاً، وعلى هذا إذا كان فاسقاً كأن يكون مرتكباً لكبيرة ولم يتب، أو كان مصراً على صغيرة ولم يتب، فإن شهادته لا تُقبل، ورؤيته لا تُعتبر؛ لأنه قال لك: (عدلاً) فلابد أن يكون عدلاً في دينه.والصواب في ذلك أن العدالة ليست شرطاً؛ لأن هذا من قبيل الخبر الديني، والذي نشترطه في الأخبار: أن يكون ثقة في خبره بحيث لا يجرب عليه الكذب والتساهل, فإذا كان ثقة في خبره حتى وإن كان فاسقاً بحيث لا يُعرف بالكذب أو يعرف بالتساهل أو احتمال الغلط، كما لو كان ضعيف البصر أو نحو ذلك، فإذا كان كذلك فإننا نقبل رؤيته، والمهم أن يكون ثقة في خبره, فإن كان غير ثقة إما لمعرفته بالكذب أو بالتساهل أو باحتمال الخطأ، لكونه ضعيف البصر ونحو ذلك، فهنا لا نقبل رؤيته، وإذا لم يكن شيئاً من ذلك، وكان ثقة، فإننا نقبل خبره.إذاً: الشرط الأول: أن يكون عدلاً.الشرط الثاني: العدد.يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يُشترط العدد، وأننا نكتفي برؤية واحد؛ لقوله: (فإن كان عدلاً). يؤخذ من ذلك أنه يُكتفى برؤية واحد فقط. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي ، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (تراءى الناس الهلال، فرأيته وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه), وهذا الحديث رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وغيرهم، وإسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والحنفية يقولون: يُقبل خبر الواحد أو تُقبل رؤية الواحد إن كان في السماء عِلة, فإن كانت السماء صحواً ليس فيها علة فإننا لا نقبل رؤيته، ولابد من التعدد. والصواب في ذلك أننا نقبل رؤية الواحد كما دل لذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.الشرط الثالث: قوله: (عدلاً) يُفهم منه أنه لا فرق بين الحر والرقيق، فنقبل شهادة الحر ونقبل أيضاً شهادة الرقيق، فلا فرق بين الحر والرقيق، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ لعموم الأدلة السالفة: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذا يشمل رؤية الرقيق كما أنه يشمل رؤية الحر، وهذا خلافاً لما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى، كما أنه لا فرق أيضا بين رؤية الذكر ورؤية الأنثى؛ لأن الأصل تساوي الذكور والإناث في الأحكام الشرعية إلا بدليل.الشرط الرابع: أن يكون بالغاً, وهذا ما عليه جماهير أهل العلم، خلافاً لما ذهب إليه بعض الحنابلة إلى أن إلى أنه إذا كان صبياً مميزاً فإننا نقبل رؤيته، الصواب أنه يشترط أن يكون بالغاً.
    اشترط شهادة عدلين لخروج رمضان
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُفطرون إلا بشهادة عدلين]. يعني: دخول رمضان يُكتفى فيه برؤية واحد، وأما خروج رمضان، وكذلك أيضاً بقية الأشهر لابد من رؤية اثنين.وقول المؤلف: (ولا يُفطرون إلا بشهادة عدلين). هذا حُكي الإجماع عليه، حُكي الإجماع على أن شهر شوال لا يثبت إلا برؤية شاهدين، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)، فقال: (وأفطروا)، وهذا يدل على اعتبار الشاهدين.وكما ذكرنا أنه حُكي الإجماع على ذلك، وإن كان ابن حزم رحمه الله يرى أنه يُكتفى برؤية واحد في خروج رمضان ودخول شوال.
    حكم إفطار من رأى هلال شوال وحده
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُفطر إذا رآه وحده].يعني: لو أنه رأى هلال شوال وحده فإنه لا يُفطر، ودليل ذلك ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يفطر الناس)، وكذلك أيضا أن الحجة الشرعية التي يثبت بها خروج رمضان ودخول شوال لم تثبت, يعني لابد من رؤية شاهدين فإذا رأى هلال شوال وحده فإنه لا يُفطر لحديث عائشة أولاً، وثانياً: أن الحُجة شرعية التي يثبت بها خروج رمضان ودخول شوال لم تثبت, ولا تثبت إلا برؤية شاهدين, وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (فليُفطر إذا أفطر الناس), وهذا رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه.
    إفطار المسلمين إذا صاموا رمضان ثلاثين يوماً بشهادة عدلين
    قال: [وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا].إذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا؛ لأن رمضان يخرج بإكمال عدته.وقد تقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) وعلى هذا إذا صمنا برؤية شاهدين ثلاثين يوماً فإننا نُفطر أولاً لأننا أكملنا كما سلف, وثانياً لما ذكرنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة].ويقول المؤلف رحمه الله أنه إذا دخل رمضان برؤية شاهدين ثم صمنا، ولم نر الهلال وأكملنا ثلاثين يوماً نفطر لأننا أتممنا العدة.الصورة الثانية: إذا صمنا برؤية واحد ثلاثين يوماً, يعني هل نُفطر بعد أن صمنا ثلاثين يوماً أو لا نُفطر؟ يقول لك المؤلف: لا نفطر.فيقول لك المؤلف رحمه الله: إذا ثبت دخول رمضان برؤية واحد، ثم بعد ذلك صمنا ثلاثين يوماً لا نفطر. لماذا لا نفطر؟ قال لك: لأن الشهر -شهر شوال- لا يثبت دخوله إلا برؤية شاهدين، وإذا أفطرنا يلزم من ذلك أن نكون أدخلنا شوال برؤية واحد. يعني: الآن الصورة: دخل رمضان. برؤية واحد، وما رأينا الهلال، وصمنا ثلاثين يوماً هل نُفطر بعد الثلاثين أو لا نُفطر؟ يقول لك المؤلف رحمه الله: لا نُفطر. لماذا لا نُفطر؟ قال: لو قلنا: بأننا نُفطر لزم من ذلك أننا نُفطر برؤية واحد، والإفطار إنما يكون برؤية اثنين. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.الرأي الثاني وهو رأي الشافعية: أننا نُفطر؛ لأننا أفطرنا ليس برؤية واحد، وإنما أفطرنا لكوننا أكملنا العدة، فنحن الآن صمنا ثلاثين يوماً، أتممنا العِدة, وإتمام العِدة مبني على أمر مأذون فيه وهو الصيام برؤية واحد، وما ترتب على المأذون فإنه ليس مضموناً، فنحن لم نعتمد على رؤية الواحد، وإنما اعتمدنا على إكمال العِدة وهي أننا صمنا ثلاثين يوماً.وكذلك أيضا عندنا قاعدة أخرى وهي: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فإذا قلنا: بأننا اعتمدنا على رؤية واحد، نقول: الاعتماد هنا جاء على وجه التبع وليس على وجه الاستقلال، والقاعدة أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصيام [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (43)


    من الأحكام المتعلقة برمضان معرفة دخوله وخروجه، وما يتعلق برؤية هلاله، ومن الأحكام معرفة المعذورين الذين لا يجب عليهم صيام رمضان، ومن لا يصح صومهم من أهل الأعذار.
    تابع ثبوت شهر رمضان
    تقدم لنا شيء من أحكام الصيام، فذكرنا من ذلك تعريف الصيام في اللغة والاصطلاح، وكذلك أيضاً ما يتعلق بشروط وجوبه، وأيضاً متى يجب الصيام، والمراحل التي شُرع عليها الصيام. ‏
    ثبوت دخول شهر رمضان برؤية ثقتين
    ثم بعد ذلك قال المؤلف: (وإن صاموا بشهادة مثلين ثلاثين يوماً أفطروا، وإن كان بغيم أو قول واحد لم يُفطروا إلا أن يروه أو يُكملوا العِدة).قول المؤلف رحمه الله تعالى: (إن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا). وهذا ظاهر، وصورة ذلك: إذا ثبت دخول شهر رمضان برؤية ثقتين فصمنا ثلاثين يوماً برؤية هذين الثقتين ولم نر الهلال، فنقول: نُفطر؛ لأننا أكملنا عِدة رمضان ثلاثين يوماً. الصورة الثانية: أن يثبت دخول شهر رمضان برؤية واحد -وكما سلف أن رمضان يثبت برؤية واحد ثقة- فصمنا ثلاثين يوماً بناء على رؤية هذا الثقة، ولم نر الهلال، فيقول المؤلف رحمه الله: إذا صمنا ثلاثين يوماً برؤية واحد لا نُفطر، بل يجب أن نصوم اليوم الحادي والثلاثين، بمعنى أن اليوم الأول الذي ثبت به دخول الشهر برؤية هذا الواحد ليس معتبراً، فلابد أن نصوم واحداً وثلاثين يوماً، وهذا هو المشهور من المذهب. ودليلهم على ذلك: قالوا: بأننا لو قلنا: بالفِطر بعد صيام ثلاثين يوماً، الذي بُني على رؤية واحد للزم من ذلك أن نُفطر برؤية واحد، وشهر شوال لا يثبت إلا برؤية اثنين.وذكرنا الرأي الثاني في هذه المسألة وهو رأي الشافعية، وأننا إذا صمنا ثلاثين يوماً برؤية واحد أننا نُفطر، والفِطر هنا ليس اعتماداً على رؤية الواحد، وإنما هو اعتماد على الحُجة الشرعية، والحُجة الشرعية أننا أكملنا العِدة ثلاثين يوماً، إذ إن الشهر الهلالي إما ثلاثون يوماً، وإما تسعة وعشرون يوماً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنا أمةٌ أُمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)، يعني ثلاثون يوماً، أو (هكذا وهكذا وهكذا)، وعقد إبهامه بالثالثة. وأيضاً لما ذكرنا من أن قول الثقة هنا جاء اعتباره تبعاً، والقاعدة الفقهية: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. الصورة الثالثة التي ذكرها المؤلف رحمه الله: إذا صمنا لأجل غيم، وكما سلف أنهم يقولون: إذا كان على ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر فإننا نصوم اليوم الثلاثين من شعبان احتياطاً للعبادة، فإذا صمنا ثلاثين يوماً ولم نر الهلال مع أننا صمنا يوم الثلاثين من شعبان الذي حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر لا نُفطر.ولا نعتبر اليوم الأول الذي هو يوم الثلاثين من شعبان، هذه المسألة مبينة على ما سبق من أنه يجب صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون مطلع الهلال في تلك الليلة غيم أو قتر، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أنه أصلاً لا يجب الصيام، فعلى الراجح هذه المسألة غير واردة، فنقول: أصلاً لا يجب الصيام، وعلى هذا لا نكون صمنا إلا تسعة وعشرين يوماً، ونضيف يوماً لنُكمل العِدة ثلاثين يوماً، فإما أن نرى الهلال أو نُكمل عِدة رمضان ثلاثين يوماً.
    حالات صيام الأسير
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه]. الأسير: هو المسلم المحبوس عند الكفار، وهذا المسلم الذي حبسه الكفار قد تخفى عليه الأشهر، وقد يشتبه عليه شهر رمضان ولا يدري متى رمضان، فعلى هذا نقول: بأن هذا الأسير يتحرى ويصوم، ولا يترك الصيام.وعلى هذا إذا صام فله ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن يوافق رمضان، فنقول: بأن صيامه صحيح، لأنه أدى العبادة في وقتها. الحالة الثانية: أن يوافق ما بعد رمضان، يعني يصوم في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة.. إلى آخره، المهم صيامه وافق ما بعد رمضان، فنقول أيضاً هنا: صيامه صحيح، لأن رمضان فاته، وهذا الصيام الذي أداه بمنزلة القضاء، فقد قضى الآن الصيام الذي عليه. الحالة الثالثة: أن يوافق ما قبل رمضان، سواء كان لكل الشهر أو لبعض الشهر، المهم أنه صام قبل رمضان، سواء صام جميع الشهر، كما لو صام في رجب أو صام في شعبان ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله: (وإن وافق قبله لم يجزئه)، إذا وافق ما قبل رمضان لم يجزئه. لماذا؟ لأنه أدى العبادة قبل وقتها، فنقول: بأن عمله هذا لا يجزئه، وعلى هذا يكون صيامه تطوعاً، والعلماء يقولون في كتاب الصلاة: إذا أحرم بالفريضة قبل دخول الصلاة قبل دخول الوقت ولو بلحظة واحدة، فإن صلاته تنقلب نفلاً.وقبل أن ننتقل إلى باب أحكام المفطرين هناك مسائل نأخذها على عجل تتعلق بالرؤية، من هذه المسائل: حكم ترائي الهلال: وحكم ترائي الهلال مستحب، ويدل لذلك ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تراءى الناس الهلال فرأيته وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام)، فقوله: (تراءى الناس)، هذا يدل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتراءون الهلال.العلماء رحمهم الله يقولون: بأن العلم بوقت العبادة من باب فروض الكفايات. ما هو وقت ترائي الهلال؟وقت ترائي الهلال من بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من آخر الشهر، فإذا أردنا أن نتراءى هلال رمضان فإنه يكون بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وإذا أردنا أن نتراءى هلال شوال فإنه يكون من بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان.
    وقت رؤية الهلال
    أيضاً مسألة أخرى وهي رؤية الهلال نهاراً، هل هي معتبرة أو ليست معتبرة؟جماهير العلماء أن رؤية الهلال نهاراً غير معتبرة. فلو رُأي الهلال نهاراً سواء كان في نهار التاسع والعشرين أو كان في نهار الثلاثين فإنها غير معتبرة؛ لأننا لو قلنا: بأنها معتبرة، للزم من ذلك أن يكون الشهر ثمان وعشرين، وأما إذا رُأي في نهار الثلاثين فلا نُفطر. أي: لا يجب أن نُفطر ولا يجب أن نصوم، فمثلاً: لو رأينا هلال رمضان في اليوم الثلاثين من شعبان نقول: لا يجب أن نصوم، وإنما يكون لليلة المقبلة، كذلك أيضاً لو رأينا هلال شوال في الثلاثين من رمضان، لا يجوز أن نُفطر. وقد ورد عن الصحابة أن الرؤية المعتبرة للهلال إنما تكون ليلاً بعد غروب الشمس، وممن ورد هذا عنهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأنس .. إلى آخره.
    لزوم الصيام في سائر البلدان إذا رؤي الهلال في بلد
    إذا رُؤي الهلال في بلد هل يجب الصيام على جميع الناس أو نقول: لكل بلد مطلعها الخاص؟هذه مسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله كثيراً، وملخص الأقوال في ذلك: أن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله -وعليه كثير من العلماء- أن الهلال إذا رُؤي في بلدٍ فإنه يجب على الناس الصيام جميعاً في جميع بلاد الدنيا، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما سلف في حديث أبي هريرة : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، قالوا: وهذا خطاب الجماعة، فإذا رآه شخص وجب الصيام على الجميع.والرأي الثاني وهو رأي الشافعي رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن العِبرة باختلاف المطالع، فإذا رُؤي في بلدٍ فإنه يجب الصيام على البلدان التي توافق بلد الرؤية في مطلع الهلال، ومعرفة البلاد التي تتوافق في مطالع الرؤيا هذا يبحثه أهل الهيئة، فالفلكيون يعرفون ذلك من خلال معرفة خطوط الطول والعرض.. إلى آخره والشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله له رسالة اسمها: (تبيان الأدلة في إثبات الأهلة)، ورجح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى، وذكر أمثلة كثيرة في كتابه هذا، من أمثلة أهل الهيئة في البلد أن البلد الفلاني يوافق البلد الفلاني في الرؤيا، إذا رُؤي في هذا البلد ممكن أن يُرى في هذا البلد .. إلى آخره.فرأي الشافعي إذا رُؤي في بلد وجب الصيام على كل بلد يوافق بلد الرؤيا في مطلع الهلال، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما, أو ما ورد عن كريب ، أن أم الفضل بعثته إلى الشام، قال: فقدمت الشام، فرؤي الهلال ليلة الجمعة فصام معاوية وأمر الناس بالصيام، فلما قدم إلى المدينة سأله ابن عباس : متى رأيتم الهلال؟ فقال: رأيناه ليلة الجمعة. فقال ابن عباس : لكنا رأيناه ليلة السبت. فقال كريب : ألا تقتدي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.والرأي الثالث في المسألة: ذهب إليه بعض المالكية، كـابن الماجشون من المالكية، وهو أن أنه يُنظر إلى الإمام الأعظم، فإذا ثبتت رؤيته عند الإمام الأعظم وأمر بالصيام وجب، وهذا هو المعمول به الآن في البلاد الإسلامية، تجد أن الحكومات في البلاد الإسلامية تتراءى الهلال، كل بلدٍ له رؤيته، والمسلمون في هذا البلد يكونون تابعين لإمامهم الأعظم.هناك قول أخير أيضاً للشيخ أحمد شاكر رحمه الله، والشيخ أحمد شاكر رحمه الله يرى أن العِبرة برؤية أهل مكة، فإذا رُؤي في مكة وجب على كل الناس الصيام. والذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله واختاره شيخ الإسلام هو الصواب في هذه المسألة، لكن الآن كما ذكرنا ما يذهب إليه بعض المالكية أن العِبرة برؤية الإمام الأعظم, وعلى هذا الناس تبع لإمامهم في مثل هذه المسائل، والصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يفطر الناس، وكما ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأن الهلال ليس يطلع في السماء وإنما الهلال ما يستهل به الناس.
    أحكام المفطرين
    قال المؤلف رحمه الله: [باب أحكام المفطرين].
    المريض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويُباح الفِطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به]. المريض لا يخلو من ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن يضره الصوم، فهذا يجب عليه أن يفطر؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].مثلاً: إنسان مريض بالكلى يحتاج إلى أن يشرب ماء، ولو أنه لو لم يشرب الماء لأضره ذلك، فنقول: هذا يجب عليه يفطر؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[البقرة:195]، ومن قواعد الشريعة قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) كما في الحديث.الحالة الثانية: أن يشق عليه الصيام لكن لا يضره، فهل الأفضل أن يصوم أو الأفضل أن يفطر؟ نقول: الأفضل أن يُفطر؛ فإن الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى محارمه.الحالة الثالثة: ألا يلحقه ضرر ولا مشقة، كما لو كان فيه صداع يسير، أو كان فيه كسر في رجله، أو كان فيه زكام ونحو ذلك من الأشياء اليسيرة، بحيث إنه إذا صام لا يتضرر ولا يشق عليه الصيام, فهذا نقول: يجب عليه أن يصوم، ولا يجوز له أن يفطر، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم خلافاً لما ذهب إليه بعض السلف رحمهم الله.
    المسافر
    قال: [والمسافر الذي له القصر فالفطر لهما أفضل].المسافر أيضاً له حالات: الحالة الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا نقول: يجب عليه أن يفطر.ويظهر من الحديث أن الصيام محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر لما رأى رجلاً سقط من شدة الصيام وظُلل عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البِر الصيام في الصيام في السفر) ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح في رمضان، وقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وهم ينظرون ما تصنع دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فشرب بعد العصر، فذُكر له أن أُناساً لم يُفطروا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولئك العصاة أولئك العصاة)، والمعصية تدل على وقوع ذنب.الحالة الثانية: أن يكون المرض يشق عليه لكنها مشقة محتملة، فهذا نقول: الأفضل له أن يفطر إذا كان فيه مشقة.الحالة الثالثة: أن يستوي الأمران عنده فيقول لك المؤلف رحمه الله: السنة أن يفطر، الأفضل أن يُفطر، وعند جمهور العلماء السنة أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر.والصواب في ذلك: أنه إذا لم يكن هناك مشقة لا شديدة ولا يسيرة محتملة، وإنما استوى عنده الأمران، فنقول: الأفضل أن يصوم؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فالنبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر، وعبد الله بن رواحة صام في السفر، ولأنه إذا صام في السفر فقد أبرأ لذمته، وهو أنشط له أن يصوم مع الناس. قال المؤلف رحمه الله: [وعليهما القضاء]. يعني: يجب على المريض إذا أفطر كما سلف أن يقضي، والمسافر إذا أفطر أيضاً يجب عليه أن يقضي؛ لقول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]. قال المؤلف رحمه الله: [وإن صاما أجزئهما].وإن صاما أجزئهما، يعني لو أن المريض صام أجزأه الصيام، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، والمسافر أيضاً لو صام أجزأه الصيام، خلافاً لـابن حزم حيث يرى أنه لو صام ما يجزؤه الصيام خلافاً لجمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]. لكن الصواب أن التقدير: فأفطر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وابن حزم يأخذ بظاهر الآية، لكن الجمهور يقولون: هذه الآية تفسرها السنة، هذا حمزة بن عمرو الأسلمي سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر؟ فقال: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)، والنبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر، وعبد الله بن رواحة صام في السفر، والصحابة أفطروا ... إلى آخره.والصحيح أنه لو صام ولو كان السفر يشق عليه مشقة شديدة، خلاص الصيام صحيح ويجزئه، ولو صام المريض ولو كان الصيام يشق عليه أو يضره، فنقول: بأنه لا شيء عليه، الحديث يعني كحكم وضعي مجزئ، لكن هناك حكم تكليفي نعم هو اللي نقول: بأنه إذا كان يضره يأثم إذا صام وهو مريض، أو إذا كان يشق عليه مشقة شديدة، إذا كان مسافر، نقول يأثم كحكم تكليفي، لكن كحكم وضعي نقول: يجزؤه، فرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
    الحائض والنفساء
    قال المؤلف رحمه الله: [الثاني: الحائض والنفساء تُفطران وتقضيان].وهذا بالإجماع في الحائض والنفساء، فإذا حاضت المرأة فإنها تُفطر وتقضي، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، وحديث عائشة : (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، فالحائض والنفساء تفطران وتقضيان، فيجب عليهما الفطر ويجب عليهما القضاء.ولو أن المرأة حاضت قبل غروب الشمس بلحظة واحدة بطل صومها.ولو أنها لم تطهر إلا بعد طلوع الفجر بلحظة واحدة لم يصح صومها.ولو أنها طهرت قبل الفجر ونوت الصيام ولم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فنقول: بأن صيامها صحيح.ولو أنها استيقظت من نومها ووجدت أنها طاهر لكن لا تدري هل طهرت قبل الفجر أو بعد الفجر فنقول: الأصل بقاء الحيض، وأن صومها لا يصح، ولو أن الدم انتقل معها لكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس، فإن صيامها صحيح.قال المؤلف رحمه الله: [وإن صامتا لم يجزئهما]، يعني: لو أن الحائض والنفساء صامتا، نقول: بأنه لا يجزئهما هذا الصيام، وتقدم حديث عائشة قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). بل لا يجوز لهما أن يصوما.
    الحامل والمرضع
    قال المؤلف رحمه الله: [الثالث, الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً]. الحامل والمرضع لهما ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن تخافا على نفسيهما فحكمهما حكم المريض، يرخص لهما في الإفطار ويجب عليهما القضاء إذا خافتا على نفسيهما، والله عز وجل يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].الحالة الثانية: أن تخافا على نفسيهما وولديهما فحكم هذه الحالة كحكم الحالة السابقة.الحالة الثالثة: أن تخافا على ولديهما فقط. هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله.الرأي الأول: كما قال المؤلف: أفطرتا، وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً, وهذا ما عليه جمهور العلماء: أنهما تفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً، والإطعام يجب على ولي الطفل، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.واستدلوا على ذلك بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال ابن عباس : أُثبتت للحبلى والمرضع. يعني الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما تفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً.وأيضاً ورد ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح. الرأي الثاني: أنه لا يجب عليهما الإطعام، وإنما يجب عليهما القضاء، تُفطر وتقضي كالقسمين السابقين، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع نصف الصلاة والصوم عن المسافر، وعن المرضع والحبلى الصوم)، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإطعام، وبهذا قال الأوزاعي والزهري.الرأي الثالث: ذهب بعض السلف إلى أنها إذا خافت على ولدها أنها مخيرة بين أن تطعم وبين أن تقضي وهذا الرأي قال به إسحاق. والرأي الرابع: أنها مخيرة بين الإطعام والقضاء. وهذا قال به إسحاق.والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وأنها إذا خافت على ولدها تفطر.. يرخص لها بالفطر، ويجب عليها القضاء، بدليل القضاء، وتطعم لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ذكرنا عن ابن عباس وابن عمر بأسانيد صحيحة.قال: [وإن صامتا أجزأهما]. يعني: لو أن المرضع والحامل صامت أجزأهما كحكم وضعي يجزئهما.
    العاجز عن الصيام
    قال المؤلف رحمه الله: [الرابع: العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه فإنه يُطعم عن كل يوم مسكيناً].إذا كان عاجزاً عن الصيام لمرض لا يُرجى برؤه، يعني: لا يُرجى زواله. بعض الأمراض عافانا الله وإياكم تكون مستعصية لا يرجى زوالها، مثل مرض السرطان أو نحو ذلك من الأمراض التي لم يتوصل المخلوق إلى علاجها؛ فإذا أفطر من أجل هذا المرض فإنه يُطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه؛ لأنه لا يمكن أن يقضي، لأنه مريض ولا يتمكن من ذلك.قوله: (لكِبر)، الكبر ماذا يعني؟ الهرم وليس له علاج، فإذا كان لا يستطيع أن يصوم لكبر فإنه يُطعم عن كل يوم مسكيناً، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184], قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكيناً.
    ما يجب على من أفطر في رمضان
    وما كيفية الإطعام؟ وما زمن الإطعام؟ وما جنس الطعام.. إلى آخره؟هذه مسائل تكلم عليها العلماء رحمهم الله، أما بالنسبة لكيفية الطعام فله كيفيتان على الصحيح: الكيفية الأولى: أن يملكهم حباً من غالب قوت البلد، وكما قال الله عز وجل في كفارة اليمين: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]، يُملكهم حباً، يُملك كل مسكين ما يشبعه من الحب، ولو أعطى كل واحد كيلو مثلاً من الرز إذا كان في بلد يأكلون الرز أو من البُر.. إلى آخره، فإن هذا يجزئ.الكيفية الثانية: أن يصنع طعاماً، وأن يدعو المساكين إليه، كما فعل أنس رضي الله عنه لما كبر أفطر، وكان يصنع طعاماً ويدعو ثلاثين مسكيناً يُطعمهم الخبز واللحم.فهاتان كيفيتان، إما أن يُملكهم حباً، وإما أن يصنع طعاماً ويدعو المساكين إليه.
    زمن الإطعام عن العاجز عن الصيام
    ما هو زمن الإطعام؟زمن الإطعام هو كل يوم بيومه، أو أنه يؤخر الإطعام إلى آخر الشهر؛ لأنه لو قدمه في أول الشهر يكون قدم العبادة على سببها، فينتظر إما أن يُطعم كل يوم بيومه، أو أنه يؤخر الإطعام إلى آخر الشهر.وما جنس الطعام؟ وما قدره؟هذا كله لم يرد تقديره في الشرع.وجنس الطعام هل هو من التمر، من البُر، من الرز؟ هذه لم تُقدر شرعاً، وإنما هي مقدرة عُرفاً, فنقول: قدره نعطيهم من الحب الذي يشبع المسكين، وجنس الطعام هو ما يقتاته أهل البلد.. إلى آخره، وهذا يختلف باختلاف الزمان، ويختلف أيضا باختلاف المكان.وهل يجب أن يكون المساكين بعدد الأيام؟ أنه إذا أفطر ثلاثين يوماً يجب أن يطعم ثلاثين مسكيناً، إذا فعل ذلك فهذا أحوط، ولو أنه لم يفعل ذلك وردد طعام عشرة أيام على ثلاثة مساكين أو أربعة مساكين فهذا يجزئ إن شاء الله.قال المؤلف رحمه الله: ]وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير[. يعني: إذا أفطر الإنسان فإن عليه أن يقضي؛ لأن الله عز وجل هذا الذي أوجبه، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، يجب عليه أن يقضي ولا يجب عليه سوى ذلك.
    ما يجب على من أفطر بجماع
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا من أفطر بجماع في الفرج فإنه يقضي ويُعتق رقبةً، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت].يعني الجماع أغلظ المفطرات وأشدها وآكدها حرمة، ولهذا وجبت فيه الكفارة المغلظة، فإذا جامع المسلم زوجته وهو ذاكر, عالم, مختار, ذاكر, جامع زوجته أو أمته، نقول: وجبت عليه الكفارة المغلظة مع القضاء.ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي وطء أهله في نهار رمضان، فأوجب عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعتق رقبة، قال: لا أجد، فأوجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فذكر أنه لا يستطيع، ثم بعد ذلك أوجب عليه أن يُطعم ستين مسكيناً، المهم من جامع فإنه تجب عليه الكفارة المغلظة. لكن يُشترط -كما سيأتينا إن شاء الله في المفطرات- أن يكون ذاكراً, عالماً, مختاراً, فإن كان جاهلاً فلا تجب عليه الكفارة ولا يبطل صيامه، وإن كان مكرهاً كما لو أكره الزوج زوجته أيضاً لا تجب الكفارة ولا يبطل الصيام. ‏
    تكرير الجماع قبل التكفير عن السابق
    قال: [فإن جامع ولم يُكَفِر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة].صورة المسألة: جامع زوجته في أول النهار ولم يُكَفِر، ثم جامعها مرة أخرى في آخر النهار، فتجب عليه كفارة واحدة. وهذا كما ذكر صاحب الشرح الكبير أنه مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وهذا بناء على تداخل الكفارات، فإذا جامع ولم يُكَفِر حتى جامع مرة أخرى فإنه تجب عليه كفارة واحدة، ولا تتعدد الكفارة بتعدد الجماع. الصورة الثانية قال: [وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية]، جامع ثم كفر، كما لو أعتق رقبة، ثم جامع في نفس اليوم، تجب عليه كفارة ثانية.وذهب بعض أهل العلم أنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة، لكن يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من أنه تجب كفارة ثانية هو الأقرب؛ لأنه لا يجوز له أن يجامع، وكونه أفطر بالجماع السابق فهذا فطر محرم يجب عليه أن يمسك، ولا يجوز له أن يجامع مرة أخرى.الصورة الثالثة: إذا جامع في يومين أو ثلاثة أيام. يعني: مثلاً جامع في اليوم وجامع في اليوم الخامس وفي اليوم السابع.. إلى آخره, فجمهور العلماء أنه تتعدد عليه الكفارات، فلو جامع في عشرة أيام وجب عليه عشر كفارات وهكذا، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة بنفسها.والرأي الثاني في هذه المسألة: رأي الحنفية رحمهم الله، أنه تجب عليه كفارة واحدة فقط؛ لأنهم يعتبرون رمضان كعبادة واحدة، ومادام أنه لم يكفر تتداخل الكفارات. والله أعلم.
    ضابط من تجب عليه كفارة الجماع
    قال المؤلف رحمه الله: [وكل من لزمه الإمساك في رمضان فجامع فعليه كفارة].كل من لزمه الإمساك في نهار رمضان إذا جامع فعليه كفارة.مثال ذلك: رجل أفطر متعمداً في نهار رمضان بالأكل والشرب، يجب عليه إنه يمسك حتى وإن أفطر، لأن هذا الفطر غير مأذون فيه، وعلى هذا لو جامع نقول: بأنه تجب عليه الكفارة؛ لأنه يجب عليه أن يمسك، فلو أنه أفطر متعمداً ثم بعد ذلك جامع، نقول: تجب عليه الكفارة.لكن لو أن المسافر قدم في رمضان وقد أفطر في السفر فهل يجب عليه أن يمسك أو لا يجب عليه أن يمسك؟هذا موضع خلاف، والصواب أنه لا يجب عليه أن يمسك.ومثله أيضاً: لو أن المرأة طهرت في أثناء النهار لا يجب عليها أن تمسك.
    تأخير قضاء رمضان حتى إدراك رمضان آخر
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غيره، وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً].قضاء رمضان يجب على التراخي؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان يكون عليّ الصيام من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لكن يتراخى إلى أن يبقى من رمضان الثاني قدر ما عليه من رمضان الأول، فإذا كان عليه خمسة أيام مثلاً من رمضان الأول فله أن يؤخر إلى أن يبقى خمسة أيام من رمضان التالي، ولا يجوز له أن يتعدى ذلك.طيب! لو أنه أخر القضاء حتى جاء رمضان التالي، فيجب عليه أولاً أنه يتوب إلى الله عز وجل، إذا كان لغير عذر؛ لأنه لا يجوز أن يؤخر العبادة حتى تأتي العبادة الأخرى، فيجب عليه أن يتوب، ويجب عليه أن يقضي إذا خرج رمضان التالي.وهل يجب عليه أن يُطعم عن كل يوم مسكيناً؟قال لك المؤلف: (إن كان لعذر)، كأن يكون مريضاً استمر به المرض حتى جاء رمضان التالي، أو استمر به سفر حتى جاء رمضان التالي، إذا كان لعذر، فإنه لا يجب عليه فدية كفارة، وإن كان لغير عذر وإنما فرط، فجمهور العلماء أنه يجب عليه أن يقضي الصيام وأن يُطعم عن كل يوم مسكيناً.وهذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم: ابن عباس ، وابن عمر ، وأيضا ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وغيرهم عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.وعند أبي حنيفة أنه لا يجب عليه أن يطعم، وإنما فقط يقضي؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فأوجب الله عز وجل عدة ولم يوجب غير هذه العدة.
    من مات وعليه صوم
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أُطعم عنه لكل يوم مسكين].يعني هذا الرجل الذي عليه صيام من رمضان ولم يقض هذا الصيام لو أنه استمر به العذر، كرجل مرض في رمضان واستمر مريضاً حتى دخل شوال، ثم مات في العاشر من شوال وهو مريض فهذا لا شيء عليه، لأن الله عز وجل أوجب عليه عدة من أيام أخر، وهذا ما أدرك حتى الآن عدة من أيام أخر؛ لأنه لا يزال مريضاً، إلا إذا كان المرض لا يُرجى بُرؤه فإن الواجب الإطعام، يُطعم عنه، فإذا كان المرض يُرجى بُرؤه أو كان مسافراً سافر في آخر رمضان في الخامس والعشرين من رمضان، واستمر مسافراً حتى دخل شوال، ثم مات في الخامس من شوال وهو لا يزال مسافراً فهذا لا شيء عليه، لأن الله سبحانه وتعالى أوجب عليه أن يقضي عدة من أيام أخر، وهو الآن ما أدرك عدة من أيام أخر، فلا يجب عليه.وإن كان لغير عذر، أفطر خمسة أيام في رمضان، وأدرك عدة من أيام أخر لكنه ما قضى، وتوفي في اليوم العاشر، فيقول المؤلف رحمه الله: ] أُطعم عنه لكل يوم مسكين[، يعني: يُطعم عنه لكل يوم مسكين.وهل يُصام عنه أو لا يُصام عنه؟والصواب أن الولي مخير بين الصيام وبين الإطعام؛ لحديث عائشة وحديث ابن عباس : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، ونقول للولي: أنت مخير إما أن تُطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ترك تركة، وإلا تصوم عن الميت.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصيام [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (44)


    للصيام مفسدات من ارتكبها فقد بطل صومه، ومنها ما يوجب القضاء مع التوبة، ومنها ما يوجب القضاء مع الكفارة، ومن أكل أو شرب ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً فصومه صحيح، وهذا من يسر الشريعة الإسلامية السمحة.
    تابع ما يجب على من أفطر في رمضان
    قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام: [وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكيناً إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه، وكذلك كل نذر طاعة].تكلمنا بالأمس عن شيء من أحكام الرؤية، وذكرنا من هذه الأحكام: إذا رؤي الهلال في بلد فهل يجب على جميع الناس الصيام أو أنه لا يجب عليهم كلهم، ويجب على البلد الذي يوافق بلد الرؤية في مطلع الهلال؟ وتكلمنا على هذه المسألة، وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله، وأيضاً تكلمنا عن حكم رؤية الهلال نهاراً وأنه لا عبرة بها، وكذلك أيضاً ما يتعلق بصيام المريض والمسافر والحامل والمرضع والحائض والنفساء ... إلى آخره.قال المؤلف رحمه الله: (من ترك القضاء...) إلخ.من مات من عليه صيام لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون الصيام وجب بالنذر، كما لو نذر أن يصوم يوماً أو يومين وتمكن من الصيام ولم يصم، فإنه يُشرع لوليه أن يقضيه عنه كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، وقد روى البخاري (أن امرأةً سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها وأنها ماتت وعليها صوم نذر، قالت: أفأقضيه عنها؟ قال: نعم, فديْن الله أحق أن يُقضى).الأمر الثاني: أن يكون الصيام الذي وجب على الميت وجب بأصل الشرع كصيام رمضان، وجب عليه صيام رمضان وأفطر لعذر، ثم بعد ذلك تمكن من القضاء ولم يصم حتى مات، هل يقضى عنه أو لا يقضى عنه؟ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يقضى عنه، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، وأن ما وجب بأصل الشرع لا يقضى. والرأي الثاني: وهو قول الظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، أنه يقضى عنه؛ لعموم حديث ابن عباس وعائشة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صامَ عنه وليه).ونبهنا بالأمس إلى أن من أفطر في رمضان لعذر لا يرجى زواله، ثم بعد ذلك مات فهذا لا إشكال بأنه يطعم عنه؛ لأن الواجب عليه هو الإطعام، وإن أحب وليه أن يصوم عنه أيضاً يصوم لعموم الأحاديث، لكن إذا كان الفطر لعذر يرجى زواله، وتمكن من القضاء فمات ولم يقض، وخلَّف تركة، فعند أكثر أهل العلم أنه لا يصام عنه، بل يطعم عنه. والرأي الثاني: أن لوليه أن يصوم عنه؛ لما ذكرنا من عموم حديث ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما.قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكذلك كل نذر طاعة)، يقول المؤلف: كل نذر طاعة نذرها المسلم ومات ولم يوفها فإنه يستحب لوليه أن يقضيها، فمثلاً لو نذر أن يصلي ركعتين، وقبل أن يصلي هاتين الركعتين مات، وقد تمكن من الصلاة، فنقول: يستحب لوليه أن يقضي عنه هاتين الركعتين.كذلك أيضاً لو نذر أن يحج أو يعتمر أو يقرأ القرآن أو يتصدق ونحو ذلك, فإذا مات قبل أن يفعل هذه الأشياء، وقد تمكن منها، فإنه يستحب لوليه أن يقضيها عنه؛ لأن هذا النذر أصبح دينا في الذمة، والنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في صحيح البخاري يقول: (فديْن الله أحق بالوفاء).إذا نذر صدقة فإن كان خلف تركة يجب أن تخرج هذه الصدقة من التركة، لكن إذا ما خلف تركة يستحب لوليه أن يقضي هذه الصدقة عنه؛ لأنها أصبحت ديناً ولا يجب عليه.
    مفسدات الصوم

    الأكل والشرب وما يقوم مقامهما
    قال المؤلف رحمه الله: [باب ما يفسد الصوم]. لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الصوم, وعلى من يجب عليه الصوم, وعن أقسام الناس في الصوم, وعن شروط صحة الصيام, ومتى يجب الصيام... إلى آخره، شرع المؤلف رحمه الله في بيان مفسدات الصيام، أي: مفطرات الصيام.قال المؤلف رحمه الله: [ومن أكل أو شرب].الأول من المفطرات: الأكل، وقد قال العلماء رحمه الله في ضابطه الأكل هو إيصال جامد إلى الجوف، والأكل مفطر بالإجماع، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:60] . ومن السنة حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)، فعذره بالنسيان دليل على أنه لا يُعذر بغير النسيان.قال: (أو شرب)، أيضاً الشرب هذا المفطر الثاني، إذا شرب فإنه ينتقض صيامه، وقد دل عليه القرآن والسنة والإجماع كما سلف، والشرب يقول العلماء: هو إيصال مائع إلى الجوف.الثالث من المفطرات: ما يقوم مقام الأكل مما استجد اليوم من الحقن، فنقول: ما يقوم مقام الأكل ويغني عن الأكل والشرب مما استجد من الحقن الغذائية تنقض الصيام، وعلى هذا نفهم أن الإبر والحقن التي يأخذها الصائم أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: حقن مغذية يكتفي بها الجسم عن الطعام والشراب، فهذه تفسد الصيام.والقسم الثاني: حقن غير مغذية لا يستغني الصائم فيها عن الطعام والشراب، فنقول: هذه لا تفسد الصيام.
    السعوط
    قال المؤلف رحمه الله: [أو استعط].السعوط هو صبُّ الدواء في الأنف؛ لأن الأنف طريق إلى المعدة، فإذا صب الدواء في أنفه فيقول لك المؤلف رحمه الله: بأنه مفطر، وهذا هو المفطر الرابع، ويدل لذلك حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يبالغ في الاستنشاق؛ لأن هذه المبالغة تؤدي إلى أن يدخل شيء من الماء إلى الجوف، مما يدل على أن الأنف طريق إلى المعدة، وعلى هذا نقول: بأن الصائم لا يستعمل قطرة الأنف، لا يستعمل قطرة الأنف.وأما ما يتعلق بقطرة الأذن أو قطرة العين فهذه الأشياء لا تضر؛ لأن العين ليست منفذاً معتاداً إلى الجوف، وكذلك أيضاً الأذن، لكن الأطباء يقولون بالنسبة للأذن: إذا كانت الطبلة قد خرقت فإن الأذن تكون منفذاً إلى الجوف، أما إذا لم يحصل شيء من ذلك فإنها لا تكون منفذاً إلى الجوف، والمقصود بالجوف هنا هو المعدة.
    وصول شيء إلى المعدة
    قال المؤلف رحمه الله: [أو وصل إلى جوفه شيء من أي موضع كان].هذا المفطر الخامس, وما المقصود بالجوف؟قصدهم بالجوف كل مجوف في البدن، وليس المقصود المعدة:فلو وصل إلى معدته شيء، هذا مجوف يُفطر.إذا وصل إلى دماغه شيء، هذا مجوف يفطر.إذا وصل إلى حلقه شيء يفطر؛ لأنهم يرون أن الجوف أعم من المعدة. والصواب في ذلك أن المناط هو المعدة، وأنه إذا وصلت هذه الأشياء إلى المعدة يفطر؛ لأن المعدة هي التي تطبخ هذه الأشياء وتستحيل إلى دم يتقوى به البدن، فنقول: الصواب في ذلك أن المناط هو المعدة، وعلى هذا إذا وصل إلى مجوف في البدن ولم يصل إلى المعدة فإنه لا يضر.فعندنا المفطر الخامس: إيصال شيء إلى المعدة، إذا ما وصل إلى المعدة فإنه لا عبرة به، وبهذا نفهم حكم ما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى لو قطر في إحليله, لو قطر في إحليله فإن المسالك البولية ليست طريقاً إلى المعدة، وعلى هذا ما يؤخذ من التحاليل ونحو ذلك عن طريق الفرج لا تضر، أو القسطرة التي تكون عن طريق الفرج لا تضر؛ لأن المرأة قد تحتاج إلى قسطرة، وكذلك الرجل عن طريق الذكر قد يحتاج إلى قسطرة, فنقول: مثل هذه الأشياء لا تضر، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالقسطرة التي تؤخذ عن طريق الفم، وتصل إلى المعدة، وقد يحتاج الطبيب إلى أن يدخل مثل هذه الآلات إلى المعدة لكي يأخذ منها شيئاً للتحليل، أو لكي يصور المعدة هل فيها شيء من القروح ونحو ذلك؟ فإذا وصلت مثل هذه الآلات إلى المعدة، فإن كان فيها شيء تطبخه المعدة كدهونات ونحو ذلك، ويستحيل دماً، فإنه يفطر، وإن لم يكن شيء من ذلك فإنه لا يفطر.كذلك أيضاً ما يتعلق بالحقن التي تؤخذ عن طريق الدبر لا تضر إن شاء الله، كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن هذا ليس طريقا معتاداً إلى المعدة.
    القيء عمداً
    قال المؤلف رحمه الله: [أو استقاء فقاء].يعني: تعمد إخراج ما في بطنه من الطعام، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: هذا مفطر، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، وقد استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض)، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم، ولكن قال البخاري رحمه الله: ليس محفوظاً، هذا الحديث منكر، ولكنه ثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن القيء مفطر.الرأي الثاني: أن القيء ليس مفطراً، وقال به بعض السلف مثل عكرمة وربيعة ، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى, وقد جاء عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـأبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، والأصل هو بقاء الصيام وصحته.لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: بأن استقراء النصوص يدل على أن ما فيه استفراغ مفطر، وعلى هذا نقول: الأحوط إذا تعمد القيء -إخراج ما في البطن- أنه يقضي، هذا الأحوط.
    الاستمناء
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو استمنى].يعني: استدعى خروج المني، فإذا استمنى فإنه يفطر، وهذا هو المفطر السابع، وسواء كان الاستمناء بجسمه، أو باشر زوجته حتى أخرج المني، فنقول: بأنه يفطر، ويدل لذلك الحديث القدسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، وإخراج المني هو تمام الشهوة، فقال: (وشهوته من أجلي)، وعلى هذا إذا حصل من الصائم الاستمناء فإنه ينتقض عليه صومه.قال المؤلف رحمه الله: [أو قبل أو لمس فأمنى].هذا المفطر السابع, إذا قبل أو لمس، يعني: إذا باشر زوجته، يجوز للزوج أن يباشر زوجته؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه)، يعني لحاجته، وقال بعض العلماء: لعضوه، فنقول: بأن الانسان إذا باشر زوجته حتى خرج منه المني فإنه ينتقض عليه صيامه؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة : (وشهوته من أجلى). وعلى هذا نفهم أن مباشرة الزوجة في حال الصيام جائز إلا إذا كان الزوج يظن أنه إذا باشر زوجته سيؤدي به ذلك إلى الجماع، أو إلى خروج المني، فنقول: بأن هذا لا يجوز؛ لأن مثل ذلك محرم؛ لأنه نقض لهذه العبادة الواجبة، وما كان وسيلة إلى محرم فإنه يكون محرماً.
    الإمذاء
    قال المؤلف رحمه الله: [أو أمذى].هذا المفطر الثامن, يعني: إذا باشر زوجته حتى أمذى، فيقول المؤلف: يفسد عليه صومه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والرأي الثاني: أن خروج المذي لا يفطر؛ لأن الأصل صحة الصيام، وهذا القول هو الصواب، وأما قوله: (وشهوته). فإن خروج المذي لا يحصل به تمام الشهوة، وإن كان يحصل به شيء من الشهوة فإن مجرد المباشرة فيها شهوة، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها، فخروج المذي وإن كان يحصل فيه شيء من الشهوة، لكنه لا يحصل به تمام الشهوة، وعلى هذا فلا ينقض الصيام.
    خروج المني بسبب تكرير النظر
    قال المؤلف رحمه الله: [أو كرر النظر حتى أنزل].إذا كرر النظر حتى أنزل, يعني: نظر إلى زوجته وكرر النظر حتى خرج منه المني، فهذا داخل فيما تقدم من قول الله عز وجل: (وشهوته من أجلى)، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لو حصل منه إنزال بنظرة واحدة لا يفسد عليه صومه؛ لأن الإنسان له الأولى وليست له الآخرة، فنقول: إذا كرر النظر حتى أنزل انتقض صيامه، لو أنه أنزل بنظرة فإن صيامه لا ينتقض عليه، وهذا هو المفطر التاسع.لو أنه أنزل في حال الاحتلام في حال النوم، نقول: هذا لا يضر؛ لأن النائم قد رفع عنه القلم.كذلك أيضا: لو أنه أنزل بالتفكر في أمور الجماع، يعني: فكر في أمر الجماع حتى أنزل فنقول أيضاً: هذا لا يضره؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).
    الحجامة
    قال المؤلف رحمه الله: [أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد].هذا العاشر من المفطرات، وهي الحجامة، إذا احتجم أخرج الدم بالحجامة، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه يفسد عليه صومه, وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، ودليل ذلك حديث شداد وحديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطر الحاجم والمحجوم).بالنسب ة للمحجوم واضح أنه يفطر من أجل الضعف الذي يلحقه، لكن بالنسبة للحاجم كيف يكون فطره مع أنه ما خرج منه دم؟ شيخ الإسلام قال: بأن الحاجم أفطر لأنهم كانوا في الزمن السابق إذا أراد أن يحجم فإنه يضع المحاجم في مكان الحجامة، ثم يقوم الحاجم بالمص، في أثناء المص قد يتطاير إلى حلقه شيء من الدم فيفطر بهذا الدم.على كل حال المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الحجامة مفطرة, ويفطر الحاجم والمحجوم، أما الحاجم فكما تقدم من كونه يقوم بمص الدم، وأما المحجوم فلكونه أخرج الدم الذي هو خلاصة الطعام والشراب، فيلحقه الضعف، فنقول: كُل واشرب.الحنابلة يقولون: العلة تعبدية، لكن إذا أخذنا بالعلة التي ذكرها شيخ الإسلام وأن إفطار الحاجم لكونه يقوم بمص الدم، فإذا كانت الحجامة -كما في وقتنا الآن- تكون عن طريق الآلات فإن الحاجم لا يفطر، وإنما يكون الفطر للمحجوم.الرأي الثاني في هذه المسألة، وهو ما عليه جماهير أهل العلم: أن الحجامة لا تفطر، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بأدلة، من هذه الأدلة أن أنساً رضي الله تعالى عنه سئل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:لا، إلا من أجل الضعف.وأجاب الذين قالوا: بأن الحجامة مفطرة عن ذلك بأن قوله: لا تكره أي إذا احتاج إليها، يعني من اعتاد هذه الحجامة إذا زاد عنده الدم يحتاج إلى إخراج الدم, ويكون بقاء الدم فيه عليه ضرر، فإذا احتاج إليها فإنه يكون في حكم المريض، ويأخذها، وإذا لحقه الضعف فإنه يفطر.والجمهور الذين قالوا: بأن الحجامة ليست مفطرة، أجابوا عن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بأنه لا يثبت، حديث ثوبان وشداد وغيرهما وله شواهد كثيرة.على كل حال الخلاصة في هذه المسألة: أن عندنا رأيين:الرأي الأول: ما يتعلق برأي الحنابلة، وهو ما مشى عليه المؤلف، أن الحجامة مفطرة، والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم، أن الحجامة ليست مفطرة.ويمكن أن يقال: الراجح وسط بين القولين، يقال: يُنظر إلى حال المحجوم، المحجوم إذا لحقه ضعف، بسبب خروج الدم، إذا أحس بشيء من الضعف ونحو ذلك فنقول: أفطر الآن، وإن لم يحس بشيء من ذلك إلى آخره، فيظهر -والله أعلم- أن الأصل صحة الصيام. أما ما يتعلق بخروج الدم كما لو حصل له جرح فخرج دمه أو شيء من الرعاف أو انقلع سنه أو أخذ منه شيء للتحليل ونحو ذلك فمثل هذه الدماء اليسيرة نقول: بأنها لا تضر.
    الإفطار نسياناً أو إكراهاً
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه].هذه قاعدة في سائر المنهيات، ومنها مفسدات الصيام، سائر المنهيات في الشريعة لا يترتب عليها أثرها إلا بثلاثة شروط، لابد من ثلاثة شروط:الشرط الأول: الذكر، وعلى هذا إذا فعل مفطراً من مفطرات الصيام وهو ناسٍ فإنه لا شيء عليه، لو أكل أو شرب أو احتجم وهو ناسٍ، أو جامع وهو ناسٍ ونحو ذلك، فهذا لا شيء عليه، دليله ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).الشرط الثاني: أن يكون عالماً، وعلى هذا إذا كان جاهلاً بالحكم الشرعي أو جاهلاً بالحال، فإنه لا شيء عليه، جاهل بالحكم الشرعي لايدري أن الحجامة مفطرة مثلاً، لا يدري أن الاستمناء مفطر إلى آخره، جاهل بالحكم الشرعي، نقول: بأن صيامه صحيح، أو هو جاهل بالحال، يظن أنه ليل فبان نهاراً، مثلاً احتجم يظن أن الشمس قد غربت أو أن الفجر لم يطلع، هو الآن جاهل بالحال، أو أكل يظن أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر لم يطلع، نقول هنا: لا شيء عليه.وأيضاً نفهم أن الجهل بالعقوبة لا أثر لها، فمثلاً لو أن شخصاً جامع أهله في نهار رمضان, وقال: أنا أعلم أن الجماع ما يجوز في رمضان، لكن ما كنت أدري أن فيه عتق رقبة، فإن لم أجد صمت شهرين متتابعين، ما كنت أدري بهذه العقوبة المغلظة، فإن لم أستطع أطعمت ستين مسكين، نقول: الجهل بالعقوبة لا أثر له، يعني العلم بالعقوبة ليس شرطاً، بل تجب عليك الكفارة؛ لأنك تعديت حدود الله عز وجل، أنت مفرط متعدٍ ما دمت تعلم أنه حرام، كان الواجب أن تقف عند حدود الله عز وجل، فكونك متعدياً، هذا لا يعذرك أمام الله عز وجل حتى لو كنت تجهل العقوبة.الشرط الثالث: أن يكون مختاراً، وعلى هذا إذا أُكره على شيء من المفطرات، أو شيء من المنهيات في سائر الشريعة، أكره بضرب أو نحو ذلك، فنقول: بأنه لا شيء عليه، لو أكره على الأكل أو أكره الزوج زوجته على الجماع، نقول: لا شيء عليها، وصيامها صحيح ولا كفارة، أو أكره على الأكل أو أن يأكل في الصلاة أو يتكلم، نقول هنا: لا شيء عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في أعظم المنهيات الكفر: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].وأما العلم فقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، ولأن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه أكل بعد طلوع الفجر وهو جاهل بالحال، ومع ذلك عذره النبي صلى الله عليه وسلم.
    ما يفسد الصوم
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن طار إلى حلقه ذبابٌ أو غبارٌ أو تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل، أو قطر في إحليله، أو احتلم، أو ذرعه القيء لم يفسد صومه].هذه مسائل لا يفسد فيها الصيام، قال: إذا طار إلى حلقه ذباب أو غبار، أو شيء من الدخان مثلاً العامل يعمل ونحو ذلك فطار إلى حلقه شيء من الغبار، نقول: هذا لا يضره؛ لأنه لم يختر ذلك، وكما ذكرنا من الشروط أن يكون مكرهاً، أو مثلاً الطحان طار إلى حلقه شيء من غبار الطحين ونحو ذلك، نقول: بأن هذا لا يضر.قال: (أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء).أيضاً لو استنشق ووصل؛ لأنه مأذون له في ذلك، وما ترتب على المأذون غير مضمون.قال: (أو فكر) كما تقدم الدليل على ذلك.قال: (أو قطر في إحليله).الإحليل هو الذكر، فإذا قطر في إحليله، يعني أدخل الدواء في ذكره عن طريق ثقب الذكر، فنقول: بأنه لا شيء عليه؛ لأن المسالك البولية ليس لها منفذ إلى المعدة.قال: (أو احتلم).كما تقدم في حديث عائشة أن النائم قد رفع عنه القلم.قال: (أو ذرعه القيء). (لا يفسد صوم من ذرعه القيء)، كما سلف في حديث أبي هريرة وإن كان ضعيفاً، لكنه هنا غير مختار، وكما ذكرنا أنه لابد من شروط ثلاثة: الذكر والاختيار والعلم.
    الأكل مع ظن بقاء الليل
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً أفطر، ومن أكل شاكاً في غروب الشمس فسد صومه].هذه المسألة تحتها صورتان: الصورة الأولى: أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وأن الليل لا يزال باقياً، ثم بعد ذلك أن أكل تبين له أن الفجر قد طلع، هو يظن أنه ليل، ثم بعد ذلك تبين له أن الفجر قد طلع، فعلى كلام المؤلف رحمه الله يقول: أفطر, وهذا ما ذهب إليه المؤلف. لماذا أفطر؟لأنه أكل بعد طلوع الفجر، وكان الواجب عليه أن يمسك، فيفسد صومه. والرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا فطر عليه وأن صيامه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل، وفي حديث أسماء أنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، ولم يذكر أنهم قضوا، يعني هم ظنوا أن الشمس قد غربت وأفطروا، يظنون أنه ليل، ثم تبين أن الشمس لم تغرب.أفطروا بناء على أنه ليل، وأن الشمس قد غربت، فتبين أن الشمس لم تغرب، فـشيخ الإسلام يقول: ما ذكر أنهم أمروا بالقضاء، ولو أمروا بالقضاء لنقل، ولأن الأصل بقاء الليل. الصورة الثانية: إذا أفطروا ظناً منهم أن الشمس قد غربت، ثم يتبين أن الشمس لم تغرب، أيضاً موضع خلاف، على كلام المؤلف يجب القضاء؛ لأنهم أكلوا في النهار، الواجب عليهم الإمساك إلى غروب الشمس.والرأي الثاني: أنه لا يجب عليهم القضاء؛ لحديث أسماء رضي الله تعالى عنها، وورد عن عمر رضي الله تعالى عنه القضاء وعدم القضاء، اختلفت الرواية عن عمر رضي الله تعالى عنه.والصواب أنه لا يجب عليهم القضاء؛ لأنهم مأذون لهم في الإفطار، إذا ظن غروب الشمس يؤذن له في أن يفطر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم.وعندنا مسألة أخرى إذا شك في طلوع الفجر، أو شك في غروب الشمس، إذا شك في طلوع الفجر لا يدري هل الفجر طلع أو لم يطلع؟ فنقول: له أن يأكل، فلو أكل ثم تبين أن الفجر طلع فإن صيامه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل، ولأنه مأذون له في الأكل، فإذا شك في طلوع الفجر لا يدري هل الفجر طلع أو لم يطلع؟ نقول: إذا أكل مع الشك ثم تبين أن الفجر قد طلع، وأنه أكل بعد الفجر فنقول: بأن صيامه صحيح، لأنه مأذون له في الأكل، والقاعدة أن ما ترتب على المأذون فهو مضمون؛ ولأن الأصل بقاء الليل، والله سبحانه وتعالى يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] ، لابد من التبين، ومن باب أولى لو أنه تبين أنه أكل قبل الفجر أو لم يتبين شيء فصيامه صحيح.
    الأكل مع الشك في غروب الشمس
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أكل شاكاً من غروب الشمس فسد صومه].إذا شك في غروب الشمس لا يجوز له أن يأكل؛ لأن الأصل بقاء النهار، حتى يظن أن الشمس قد غربت، وعلى هذا إذا شك في غروب الشمس، ثم بعد ذلك تبين له أنه أكل قبل الغروب، أو تبين أو لم يتبين له شيء يجب عليه القضاء؛ لأنه لم يؤذن له في أن يأكل ما دام أن الشك موجود؛ لأن الأصل بقاء النهار، فإذا شك في غروب الشمس له ثلاث حالات:أن يتبين أنه أكل بعد الغروب فصيامه صحيح مع التوبة، تبين أنه أكل قبل الغروب فصيامه فاسد، لم يتبين له شيء صيامه أيضاً فاسد؛ لأنه لا يجوز له أن يأكل مع الشك في غروب الشمس؛ لأن الأصل بقاء النهار.إذاً: الصواب أن صيامه صحيح إذا أكل يظن غروب الشمس؛ لأن له أن يأكل مع الظن كما تقدم في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم أكلوا يظنون غروب الشمس، ثم بعد ذلك تبين أن الشمس لم تغرب، لأنه لو كانت الشمس غربت ما طلعت الشمس.وبهذا نفهم أن الإنسان إذا ظن غروب الشمس ثم أكل، مثلاً سمع مؤذناً والمؤذن قد أخطأ، وظن أن الشمس قد غربت بناء على أن المؤذن أذَّن وأكل، فنقول: بأن صيامه صحيح، أو أنه رأى إلى الساعة، والساعة فيها خطأ، وظن أن الشمس غربت بناء على الساعة, أو أخطأ في النظر للساعة، وبناء على أن الشمس قد غربت، أو أخطأ في النظر إلى التقويم ونحو ذلك، فنقول: بأن صيامه صحيح؛ لأنه أكل يظن أنه ليل، فما دام أنه يظن أنه ليل، فإن صيامه صحيح.
    صيام التطوع

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صوم التطوع
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صيام التطوع:أفضل الصيام صيامُ داود].التطوع مأخوذ من الطوع، وهو ضد الكره.وأما في الاصطلاح: فهو فعل عبادة غير واجبة.واعلم أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: تطوع واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، هذه الثلاثة الأيام واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث عبد الله بن عمرو : (أنها تعدل صيام الدهر), لأن الإنسان إذا صام ثلاثة أيام، الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صمت من الشهر ثلاثة أيام كأنك صمت الدهر، وإذا صمت الشهر كأنك صمت السنة.فالقسم الأول: تطوع داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: بأن هذا التطوع الذي داوم عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أوصى بذلك أبا هريرة وأبا الدرادء وأبا ذر وعبد الله بن عمرو وقتادة بن ملحان ، وذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبالي صامها من أول الشهر أو في وسطه أو في آخره أو فرقها أو تابعها، لو صام يوماً في أول الشهر ويوماً في وسطه ويوماً في آخره فإن هذا مجزئ، نقول: بأن هذا كله مجزئ.القسم الثاني: تطوع رغَّب فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضله وأجره لكن ما حفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مثل: صيام يوم وإفطار يوم، وهو صيام داود، هذا أفضل الصيام، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.كذلك صيام شهر الله المحرم، النبي صلى الله عليه وسلم بين فضله، وأن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، لكن ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صامه.كذلك صيام يوم الإثنين، النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن صيام يوم الإثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه أو أنزل عليّ فيه)، ومع ذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على صيامه.فنقول: هذا صيام رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم وبين فضله، لكن ما حفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام، نقول: فيه الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، لكنه ما حفظ عنه الصوم فيه، الذي حفظ كما ذكرنا في القسم الأول.القسم الثالث: صيام أكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صيام شعبان، النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان، تقول عائشة : (وما رأيته أكثر منه صياما في شعبان).القسم الرابع والأخير: أن النبي صلى الله عليه وسلم تارة يسرد الصوم، وتارة يسرد الفطر حسب تخفف النبي صلى الله عليه وسلم من الحاجات، ولهذا كما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في أنواع من الصيام ولم يصمها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تتعلق به مسئوليات كثيرة من الدعوة والجهاد وتعليم الناس والحكم بينهم، وقد لا يتمكن أن يصوم شهر الله المحرم، قد لا يتمكن أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، قد لا يتمكن من صيام ستة أيام من شوال. فنقول: القسم الرابع: سرد الصوم حسب التخفف من المشاغل، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وكان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم)، فتارة النبي صلى الله عليه وسلم إذا تخفف من الأعمال سرد الصوم, وإذا لحقته المشاغل سرد الفطر.فتلخص لنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع أنه ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة، ومن رحمة الله عز وجل شرعية مثل هذا الصيام؛ لأن صيام رمضان ركن، وهذا الركن قد يلحقه شيء من السهو والغفلة والتقصير والتفريط ونحو ذلك، فصيام التطوع هذا يرقع به ما حصل من خلل في صوم الفرض.

    أفضل الصوم

    النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، هذا أفضل الصيام، عبد الله بن عمرو كان يسرد الصيام، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى صيام داود أن يصوم يوماً ويفطر يوماً.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صُم يوماً وأفطرْ يوماً، فذاك صيام داود عليه السلام وهو أفضل الصيام، قال عبد الله : إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)، كما في الصحيحين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم)، كما ثبت في صحيح مسلم . قال المؤلف رحمه الله: [وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة].ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما العمل الصالح في أيام أفضل منه في هذه الأيام، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع بشيء).فهذا يدل على فضيلة الصيام في الأيام الأول من شهر ذي الحجة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصيام [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (45)


    لقد شرع الصيام فرضاً ونفلاً، وما ذلك إلا لعظيم أجره وكثرة فوائده، ومما ندب إلى صيامه: صيام الست من شوال، وأيام البيض، والإثنين والخميس، ويوم عرفة، وعاشوراء، وشهر المحرم، ومما يستحب للمسلم الاعتكاف وله أحكام وآداب.
    تابع صيام التطوع
    كنا في الدرس السابق شرعنا في أحكام صيام التطوع، وذكرنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التطوع ينقسم إلى أربعة أقسام:القسم الأول: تطوع حافظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر.القسم الثاني: تطوع رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُحفظ عنه، كصيام يوم وإفطار يوم، وكصيام شهر الله المحرم، وكصيام الإثنين ... إلى آخره.والقسم الثالث: تطوع أكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام شهر شعبان.والقسم الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم، إذا وجد الفراغ سرد الصوم كما ذكرت عائشة : (كان يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم)، فكان أحياناً يسرد الصوم، وأحياناً يسرد الفطر حسب ما يتعلق به عليه الصلاة والسلام من أعمال.
    صوم الست من شوال
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله].ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين، فيكون كأنه صام الدهر كله.وهل الأفضل أن يوالي هذه الست مع رمضان أو أنه يفصلها عن رمضان؟هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والذي يظهر -والله أعلم- أن السنة أن يواليها؛ لظاهر الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أتبعه ستاً من شوال)، فيتمكن المسلم أن يُتبع هذه الأيام الستة برمضان مباشرة، فهذا يظهر أنه أفضل، ولأنه أسرع في الخير، وأحوط لصيام هذه الأيام. وهل إذا كان عليه قضاء يُقدم هذه الأيام الستة على القضاء أم أنه لابد أن يقضي أولاً؟نقول: لابد أن يقضي أولاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال)، وإذا صام هذه الأيام الستة قبل أن يقضي عليه، فإنه يكون قد أتبع هذه الأيام بعضاً من رمضان، ولم يكن مُتبعاً لرمضان، وإنما أتبع بعضاً من رمضان، فهذا هو الأقرب في هذه المسألة، وسواء صام هذه الأيام الستة متتابعة أو متفرقة.
    صوم عاشوراء
    قال المؤلف رحمه الله: [وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة].يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، يقول المؤلف رحمه الله: صيامه كفارة سنة، ودليل ذلك حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم عرفة يُكفر سنتين، سنة ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يُكفر سنة ماضية)، رواه مسلم .فيوم عاشوراء يُكفر سنة، وهو كما ذكرنا اليوم العاشر من شهر الله المحرم، ويُستحب أن يصوم قبله اليوم التاسع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع).هذا أفضل شيء أن يصوم التاسع والعاشر، ولو أنه اقتصر على صيام يوم عاشوراء وأفرده فإن هذا لا يُكره، يعني لا بأس أن يُفرد عاشوراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفرده في أول الأمر وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، يعني مع العاشر كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم ، لكن الأفضل أن نصوم التاسع مخالفة لأهل الكتاب، والمخالفة هنا ليست واجبة وإنما هي مستحبة، المخالفة هنا مستحبة؛ لأن العمل مشروع عندهم وعندنا، فلا تجب المخالفة في هذه الحالة، فلو أفرد يوم عاشوراء بالصيام فإنه مشروع، ويؤجر ويدرك الفضل، ولا كراهة في عمله وإن خالف الأفضل.
    صوم يوم عرفة
    قال المؤلف رحمه الله: [وصيام يوم عرفة كفارة سنتين].لما تقدم من حديث أبي قتادة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة يُكفر سنتين ماضية ومستقبلة).قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُستحب لمن بعرفة أن يصومه].لا يُستحب لمن بعرفة أن يصومه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه كما في حديث أم الفضل في الصحيحين (أنهم تماروا في يوم عرفة هل صامه الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فبعثت إليه بلبن فشرب)، مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم يوع عرفة، فمن كان حاجاً مُحرماً في ذلك اليوم فإنه لا يُستحب له أن يصومه، أولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه، وثانياً: لكي يتقوى في ذلك اليوم على الدعاء، ويُكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى.
    صوم أيام البيض
    قال المؤلف رحمه الله: [ويُستحب صيام أيام البيض].أيام البيض هي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر، وسُميت بأيام البيض لابيضاض القمر فيها، ويدل لذلك حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشرة وأربعة عشرة وخمس عشرة) رواه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا الحديث في سنده اختلاف، فمن العلماء كـأبي زرعة رحمه الله تعالى رجح رفعه، ومن العلماء من لم يُرجح رفعه.وعلى كل حال صيام ثلاثة أيام من كل شهر ثابت في الصحيحين كما في حديث عبد الله بن عمرو ، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر كله.
    صوم يوم الإثنين والخميس
    قال المؤلف رحمه الله: [والاثنين].يُستحب صيام يوم الاثنين، ويدل لذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن صيام يوم الإثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه، وأُنزل عليّ فيه، أو بُعثت فيه).قال المؤلف رحمه الله: [والخميس].لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الإثنين والخميس، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والنسائي ، وله شواهد وفي إسناده خلاف، لكن له شواهد كحديث أبي ذر في سنده اختلاف لكن له شواهد.
    إفطار الصائم المتطوع
    قال المؤلف رحمه الله: [والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه].المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، لكن يُكره إبطال العمل الصالح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ، فإبطال العمل الصالح مكروه إلا لحاجة، فإن احتاج إلى ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به.ويدل على جواز إبطال العمل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم، قال: هل عندكم من شيء؟ قالت: فقدمت له حيساً، فقال: لقد أصبحت صائماً، فأكل منه)، رواه مسلم في صحيحه، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه هذا يدل على أنه لا بأس أن يُفطر الصائم إذا كان صيامه تطوعاً.وقول المؤلف: (والصائم المتطوع) يُخرج من صام صوماً واجباً، كصيام نذر أو كصيام قضاء ونحو ذلك، فإنه إذا صام صوماً واجباً فإنه لا يجوز له أن يقطعه؛ لأن الواجب يجب عليه أن يُتمه، ولا يجوز له أن يخرج منه. قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك سائر التطوع].كذلك سائر التطوع من صلاة واعتكاف ونحو ذلك، هذا كله يجوز لمن شرع فيه أن يخرج منه، لكن كما ذكرنا يُكره أن يُبطل العمل لغير حاجة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ، فإن كان هناك حاجة فإن الكراهة تزول بالحاجة. قال المؤلف رحمه الله: [إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما فسد منهما].الحج والعمرة ولو كان تطوعاً فإنه يجب إتمامهما؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، فإذا شرع في نسك الحج أو نسك العمرة فإنه يجب عليه أن يتمهما؛ لما تقدم من الآية، ولأن الله سبحانه وتعالى قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] ، فشبه الله سبحانه وتعالى الإحرام بالحج بالنذر، والنذر يجب الوفاء به، (من نذر أن يطيع الله فليطعه). قال: (فيجب إتمامهما)، فإذا شرع في نسك الحج أو العمرة ما يخرج منهما إلا بواحد من أمور ثلاثة:الأمر الأول: إتمام النسك.الأمر الثاني: الإحصار، إذا حصل إحصار ومُنع من إتمام نسكه، فإنه يتحلل كما هو معروف عند أهل العلم رحمهم الله، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما حُصر ومُنع من الحرم، تحلل النبي صلى الله عليه وسلم.والأمر الثالث: الرِدة نسأل الله السلامة بمنه وكرمه. قال: (وقضاء ما فسد منهما)، متى يفسد الحج؟ نقول: يفسد الحج إذا جامع فيه، إذا جامع في الحج قبل التحلل الأول فإن حجه يفسد، ويجب عليه أن يقضيه، ويمضي في هذا الحج الفاسد، وكذلك أيضا إذا جامع في العمرة قبل نهاية السعي فإن عمرته تفسد عليه، ويجب عليه أن يمضي في هذا الفاسد وأن يقضيه كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قضاء الحج الفاسد.
    الأيام المنهي عن الصيام فيها

    يوم العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفِطر ويوم الأضحى].كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفِطر ويوم الأضحى)، وهذا مجمع عليه عند العلماء رحمهم الله، والحِكمة من النهي عن صيام يوم الفِطر حماية عبادة رمضان، بمعنى أن يوم العيد كالحريم لهذه العبادة؛ لئلا يُدخل فيها ويُزاد فيها ما ليس منها، كما أنه نُهي أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ حماية لهذه العبادة لئلا يُزاد فيها ما ليس منها.وأما يوم الضحى فإنه اليوم الذي يُتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذبح النُسك، سواء كان ذلك للحلال أو كان ذلك للمُحرم، فكانت الحِكمة أن يكون مُفطراً؛ لكي يأكل ويتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الأكل من هذا النُسك.
    أيام التشريق
    قال المؤلف رحمه الله: [ونهى عن صيام أيام التشريق].أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحِجة، وسُميت هذه الأيام بأيام التشريق؛ لأن الناس في هذه الأيام يُشرقون اللحم، يُقطعونه وينشرونه في الفضاء لكي لا يتسارع إليه الفساد. ويدل لذلك حديث نبيشة الهذلي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذِكر لله سبحانه وتعالى)، وورد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في أيام التشريق: (هذه هي الأيام التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها)، رواه الإمام مالك رحمه الله في موطئه وأبو داود وإسناده صحيح.قال المؤلف رحمه الله: [إلا أنه رُخص في صومها للمتمتع الذي لم يجد الهدي].المتمتع يجب عليه الهدي، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ، لكن هذا المتمتع إذا لم يجد هدياً فإنه يصوم، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] ، الثلاثة الأيام التي تكون في الحج يبدأ وقتها من حين الإحرام للعمرة.المتمتع يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم يفرغ منها، ثم يُحرم بالحج من عامه، فيبدأ صيام ثلاثة أيام من حين الإحرام بالعمرة، فلو أنه مثلاً أحرم بالعمرة في عشرين من ذي القعدة، فإنه يبدأ الصيام، لو صامها قبل عرفات الحمد لله، لم يصمها حتى جاء عرفات وجاء يوم النحر، فإنه يصومها في أيام التشريق، رُخص له في ذلك. ويدل لذلك حديث ابن عمر وعائشة أنهما قالا: (لم يُرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي)، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله، فإنه لا يرى أن المتمتع يصوم أيام التشريق، لكن ما ذهب إليه الجمهور رحمهم الله تعالى هو الصواب في هذه المسألة؛ لما ذكرنا من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم كما في الصحيحين.
    ليلة القدر
    قال المؤلف رحمه الله: [وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان].ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، وأرجاها الأوتار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب (أنه كان يحلف أن ليلة القدر هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها ليلة سبع وعشرين).وليلة القدر اختلف فيها العلماء رحمهم الله كثيراً، وأصوب الأقوال في ذلك أنها في العشر الأواخر، لكنها تنتقل، ليلة تكون ليلة إحدى وعشرين كما في حديث أبي سعيد، وتارة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وتارة تكون ليلة خمس وسبع وتسع.بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها كما تُلتمس في الأوتار أيضا تُلتمس في الأشفاع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى...) إلى آخره، وعلى هذا نقول: الأحوط للمسلم أن يلتمسها في العشر كلها، سواء كان ذلك في الأوتار أو كان ذلك في الأشفاع، لكن إن غُلب فإنه يلتمسها في الأوتار، كما ذكرنا أن الأوتار أرجى من الأشفاع، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين، وأنها تنتقل على الصحيح من كلام أهل العلم.
    الاعتكاف

    تعريف الاعتكاف وحكمه
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاعتكاف].الاعتكاف في اللغة: اللزوم، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52].وأما في الاصطلاح فهو لزوم مسجد لطاعة الله سبحانه وتعالى، والأصل في الاعتكاف القرآن والسنة والإجماع.أما القرآن فقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].وأما السنة فاعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي اعتكف العشر الأواخر، اعتكف أولاً العشر الأول ثم الأواسط ثم اعتكف العشر الأواخر يلتمس هذه الليلة المباركة ليلة القدر. قال المؤلف رحمه الله: [وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، وهو سنة].الاعتكاف سنة، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله خلافاً لما يروى عن الإمام مالك رحمه الله من كراهة الاعتكاف، وأنه لشدته كالوصال، وأنه لم يعتكف أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا فيه نظر، والاعتكاف ثابت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأزواج النبي اعتكفن من بعده. قال: (سنة)، والأدلة على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وقول الله سبحانه وتعالى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف رحمه الله: [لا يجب إلا بالنذر].لا يجب إلا بالنذر، ويدل لهذا حديث عائشة في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، والنذر يجب الوفاء به.
    المسجد الذي يصح في الاعتكاف
    قال المؤلف رحمه الله: [ويصح من المرأة في كل مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة].المرأة يصح منها الاعتكاف في كل مسجد، لكن هل يصح منها في مسجد بيتها؟نقول: لا يصح منها في مسجد بيتها، فلو اتخذت مصلى في بيتها، فإن الاعتكاف في هذا المصلى لا يصح، ولهذا نساء النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في مسجده، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وضربن الأخبية في المسجد. فالاعتكاف في البيت أو في مسجد البيت أو مصلى البيت لا يصح، لابد أن يكون الاعتكاف في مسجد الجماعة، لكن هل لابد من إقامة الجماعة فعلاً أو لا؟يقول المؤلف رحمه الله: إن كانت المعتكفة امرأة لا يُشترط أن تكون الجماعة تُقام في هذا المسجد، فقد يكون الناس في هذا الشهر في شهر رمضان لا يحتاجون هذا المسجد، ولا تُقام فيه الجماعة، لكنه مسجد جماعة، فيصح للمرأة أن تعتكف فيه. أما الرجل فإنه لابد أن يعتكف في مسجد تُقام فيه الجماعة، المرأة تعتكف في مسجد جماعة، لكن ليس بشرط أن تكون الجماعة مما يُقام في هذا المسجد، فلو أن الناس تركوا إقامة الجماعة في هذا المسجد لفترة ونحو ذلك فنقول: يصح للمرأة أن تعتكف فيه، أما الرجل فإنه لا يصح له أن يعتكف فيه؛ لأن الرجل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة، صلاة الجماعة واجبة، فإذا اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجماعة، يكون قد أخل بهذا الواجب.ولنفرض أن هناك مسجداً يُبنى للجماعة، لكنه حتى الآن لم يصل فيه الناس، لم يشرع الناس في الصلاة فيه، فالمرأة يجوز لها أن تعتكف فيه؛ لأنها ليست من أصل الجماعة ولا الجُمع، أما الرجل فإنه لا يجوز له أن يعتكف فيه.قال المؤلف رحمه الله: [واعتكافه في مسجد تُقام فيه الجمعة أفضل].الرجل يعتكف في مسجد تُقام فيه الجمعة، يقول المؤلف رحمه الله: بأن هذا أفضل، لئلا يحتاج إلى الخروج إلى صلاة الجمعة.وركن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، هذا هو ركن الاعتكاف، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يُشترط أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة، وهذا ما عليه جماهير العلماء خلافاً لما ذهب إليه بعض السلف من أنه يُشترط أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة. وأما ما يُروى من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، فهذا الجواب عنه من وجهين:الوجه الأول: أنه لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الثقات من الأئمة يقفونه ولا يرفعونه.الوجه الثاني: على ثبوت رفعه فإنه محمول على الكمال، لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة، وقول الله سبحانه وتعالى:وَأَنْتُ ْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] يشمل كل مسجد. وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة هو الوارد عن الصحابة.
    الاعتكاف المنذور في مسجد معين
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن نذر الاعتكاف والصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره].إذا نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد، فإن هذا لا يخلو من حالتين:الحالة الأولى: أن يكون النذر أو الصلاة في المساجد الثلاثة، إذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة، فنقول: إن نذر أن يكون اعتكافه أو تكون صلاته في المسجد الحرام يجب أن يوفي به. نذر في المسجد النبوي يجوز في للمسجد النبوي، ويجوز أن يخالفه إلى ما هو أفضل في المسجد الحرام، نذر في المسجد الأقصى، يجوز أن يخالفه إلى المسجد النبوي وإلى المسجد الحرام، فإذا نذر الأعلى تعين، إذا نذر ما دونه له أن ينتقل إلى الأعلى.ويدل لهذا قصة الرجل -كما في حديث جابر - الذي نذر إن فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلم مكة أن يصلي في المسجد الأقصى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا) فأعاد الرجل، فقال النبي: (صل ها هنا)، فأعاد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا)، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شأنك إذاً)، فنقله النبي صلى الله عليه وسلم من المفضول إلى الأفضل.فنقول: إن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة تتعين هذه المساجد، لكن إذا نذر الأعلى تعين، وإن نذر ما دونه له أن ينتقل إلى الأعلى، ودليل الانتقال ما ذكرنا من قصة الرجل، ودليل تعين هذه المساجد الثلاثة؛ لأن هذه المساجد الثلاثة هي التي يُشرع للمسلم أن يشد الرحل إليها، لا توجد بقعة تُشد الرحال إليها إلا هذه المساجد الثلاثة، ماعدا ذلك من البقاع فإن الرِحال لا تُشد إليها، هذا القسم الأول.الحالة الثانية: أن ينذر الاعتكاف أو الصلاة في غير المساجد الثلاثة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يتعين، فلو مثلاً نذر أن يصلي في هذا المسجد ركعتين، أو أن يعتكف في هذا المسجد، له أن يخالف إلى مسجد آخر ولا يتعين، لماذا؟ لئلا يترتب على ذلك شد الرحال، فقد ينذر -مثلاً- أن يعتكف في مسجد في المدينة غير المسجد النبوي، لو قلنا: بأنه يتعين يترتب على ذلك أن يشد الرحل إلى هذا المسجد، كما ذكرنا لا تُشد الرحال لأي بقعة إلا لهذا الثلاث البقع فقط، فإذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في أي مسجد غير المساجد الثلاثة فإنه لا يتعين وله أن يخالفه. وقال بعض العلماء: بل يتعين إذا لم يترتب على ذلك شد الرحل، وخصوصاً إذا كان له مزية شرعية، إذا كان لا يترتب على ذلك شد الرحل؛ لأن العِلة هي لئلا يترتب على ذلك شد الرِحال، إذا انتفت هذه العِلة انتفى ما يترتب عليها، فيتعين إذا لم يترتب عليه شد الرحل، وهذا القول قوي.
    الاعتكاف المنذور في المساجد الثلاثة
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر في المسجد الحرام لزمه، لأن المسجد الحرام هو أفضل المساجد].ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف فيما سواه)، والحديث حديث جابر رضي الله عنه أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن المنذر وإسناده صحيح. قال المؤلف رحمه الله: [وإن نذر في مسجد المدينة فله فعله في المسجد الحرام]، لأن المسجد الحرام أفضل من مسجد المدينة؛ لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).قال المؤلف رحمه الله: [وإن نذر في المسجد الأقصى فله فعله فيهما] يعني إذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في المسجد الأقصى فله أن يفعل نذره في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام؛ لأنهما أفضل منه، ولما ذكرنا من حديث جابر رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك أن أُصلي في بيت المقدس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا)، فسأله فقال: (صل ها هنا)، فسأله فقال: (شأنك إذاً)، رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الحاكم وإسناده حسن.
    ما يستحب للمعتكف
    قال المؤلف رحمه الله: [ويُستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القُرب].يُستحب للمعتكف أن يشتغل بفعل القُرب، يعني: الطاعات، وهي كل ما يُقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وهل هذا خاص بالعبادات المحضة أو أنه يشمل العبادات المحضة والمتعدية؟العبا دات المحضة مثل: قراءة القرآن، والدعاء، والصلاة .. وغير ذلك، أو أنه يشمل العبادات المحضة والمتعدية.هذا موضع خلاف، فكثير من العلماء يرى أن الاعتكاف خاص بالعبادات المحضة، يعني يشتغل بالقراءة والدعاء والصلاة والذكر ونحو ذلك، وأما العبادات المتعدية من إقراء القرآن، وتعليم العلم، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، يقولون: بأنه لا يفعلها، إذ إن مقصود الاعتكاف هو جمع القلب على الله سبحانه وتعالى، والانقطاع إلى الله والخالق عن المخلوق ونحو ذلك.والصواب في ذلك أن هذا كله جائز، المهم أن المعتكف يُقضي لحظات الاعتكاف فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كانت عبادة محضة أو كانت عبادة متعدية.قال المؤلف رحمه الله: [واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل].المعتكف أيضا يُستحب له أن يجتنب ما لا يعنيه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ويضرب له خباء ينفرد فيه بنفسه وبذكر الله ودعائه، ولم يكن يجالس من حيث الجملة صحابته ولم يكن يُحدثهم، وإنما ينفرد بنفسه، فاجتناب ما لا يعنيه هذا هو الذي ينبغي للمعتكف.
    خروج المعتكف من المسجد
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه].اللبث في المسجد ركن الاعتكاف، وعلى هذا نقول: المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأُرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً).وخروج المعتكف من المسجد يقسمه العلماء رحمهم الله تعالى إلى أقسام:القسم الأول: أن يخرج بعض جسمه من المسجد، فإذا أخرج بعض جسمه من المسجد فإن هذا لا يضره، ويدل له ما سلف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُخرج رأسه إلى عائشة فتُرجله، تُسرحه تدهنه، والنبي صلى الله عليه وسلم معتكف. القسم الثاني: أن يخرج لأمر لابد له منه طبعا أو شرعاً، طبعاً كما لو احتاج إلى قضاء الحاجة أو احتاج إلى أن يأكل أو أن يشرب، وليس هناك من يأتيه له به في المسجد ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، أو شرعاً، كما لو احتاج إلى الوضوء، احتاج إلى أن يخرج لصلاة الجمعة ونحو ذلك. القسم الثالث: أن يخرج لأمر يُنافي الاعتكاف، كما لو خرج للبيع والشراء أو لجماع الزوجة أو مباشرتها ونحو ذلك من أمور الدنيا فنقول: بأنه يبطل عليه اعتكافه.القسم الرابع: أن يخرج للضرورة، إذا اضطر إلى الخروج كما لو حاضت المرأة أو نفست أو حصل خوف في المسجد أو حريق ونحو ذلك، يعني خاف على نفسه من لص أو حريق، حصل حريق في المسجد أو نحو ذلك فالخروج للضرورة هذا لا بأس به، وهذا جائز، ولا يُبطل عليه اعتكافه.القسم الخامس: أن يخرج لقربة من القرب، يعني يخرج لأمر لا يُنافي الاعتكاف، لقربة من القرب، كما لو خرج للصلاة على جنازة أو لعيادة مريض أو لحضور درس علم أو نحو ذلك من القرب، فقال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يشترط] يعني هذا الخروج لهذه القرية جائز مع الاشتراط، فإذا اشترط فإن هذا لا بأس، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء رحمهم الله.واستدلوا على ذلك بقصة ضباعة بنت الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حُجي واشترطي)، لما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له أنها تريد الحج، وأنها تجدها شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حُجي واشترطي)، فحديث ضباعة يدل على الاشتراط، وهو في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.وأما قوله: (فإن لكِ على ربكِ من استثنيت)، فهذه اللفظة شاذة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب بعض العلماء إلى أن الاشتراط غير صحيح؛ لأن العبادات توقيفية ولا يُشترط فيها مثل ذلك، والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصيام [5]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (46)

    الاعتكاف سنة مؤكدة، فيه فضائل وقرب وطاعات، وأفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان طلباً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وللاعتكاف شروط وأحكام وآداب ومفسدات على المعتكف معرفتها حتى تحصل له الفائدة من هذه القربة العظيمة.
    تابع الاعتكاف

    الاشتراط في الاعتكاف

    تقدم لنا قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه)، وذكرنا أن اللبث في المسجد هو ركن الاعتكاف، ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً)، تعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في الصحيحين.وذكرنا أن الخروج من المسجد للمعتكف ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يُخرج بعض جسده، فهذا لا يُبطل الاعتكاف، ويدل له حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اعتكف كان يُدني رأسه إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فترجله).القسم الثاني: أن يخرج لأمر لابد له منه شرعاً، كما لو خرج لصلاة الجمعة أو خرج للوضوء أو خرج للغُسل الواجب ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به.القسم الثالث: أن يخرج لأمر لابد له منه طبعاً، كما لو خرج لقضاء حاجة الإنسان، أو خرج لأكل أو شرب لا يتمكن منه في المسجد ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، ويدل له ما سلف من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. القسم الرابع: أن يخرج لضرورة، فإذا اضطر للخروج كما لو حصل خوف في المسجد، أو حصل حريق ونحو ذلك فخرج، فهذا أيضا لا يُبطل عليه اعتكافه.القسم الخامس: أن يخرج لقربة من القرب، يعني عبادة من العبادات، كما لو خرج لعيادة مريض، أو لتشييع جنازة، أو لحضور درس علم ونحو ذلك، فهل له أن يخرج لهذه القربة بالشرط أو نقول: ليس له أن يخرج ولو بالشرط؟يقول المؤلف رحمه الله: (إلا أن يشترط).فإذا اشترط فإن هذا جائز، يعني اشترط في بداية اعتكافه أن يخرج لهذه القربة، في بداية اعتكافه اشترط أن يخرج لتشييع جنازة فلان إن مات، أو لعيادة هذا المريض، أو لصلة رحمه، أو لبر والده، أو لحضور درس ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله: إذا كان هناك شرط فإن هذا جائز ولا بأس به.ويدل لهذا حديث عائشة في قصة ضباعه بنت الزبير ، فإنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إني أريد الحج وأجدني شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حُجي واشترطي)، فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراط في الحج، والحج عبادة. ويُلحق الاعتكاف بالحج فله أن يشترط، فيقول: لي أنا أعتكف لكن لي أن أخرج لمثلاً لحضور الدرس الفلاني ونحو ذلك، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن الاشتراط في الاعتكاف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اشتراط عام، فيشترط شرطاً عاماً، يقول: إن بدا لي قربة من القرب فلي أن أخرج. والقسم الثاني: اشتراط خاص، يقول: أخرج للقربة الفلانية للعبادة الفلانية.الرأي الثاني في المسألة: أنه ليس له أن يخرج لفعل قربة من القرب، حتى ولو اشترط، وأن الاشتراط في الاعتكاف غير مشروع، ويستدلون على هذا بأن العبادات توقيفية، ولم يرد الشرط في الاعتكاف، فليس هناك دليل يدل عليه، ومادام أنه ليس هناك دليل يدل عليه فإن الشرط في الاعتكاف غير جائز.والذي يظهر -والله أعلم- أن القول بالاشتراط جائز، مادام أن له أصلاً في العبادة، يعني الاشتراط ورد في الحج كما سبق، وكذلك أيضاً ورد في الدعاء، مادام أن له أصلاً في العبادة، وهذا القياس لا يترتب عليه إثبات عبادة مستقلة، فيظهر -والله أعلم- أن هذا الاشتراط جائز، ولأن الشخص إنما تطوع بهذه العبادة على هذا الوجه، فما دام أن له أصلا في الشريعة فيظهر أن هذا جائز ولا بأس به.
    مفسدات الاعتكاف
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يباشر امرأته].هنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر شيء من مبطلات الاعتكاف، قال: (لا يباشر امرأته)، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وإذا باشر امرأته فإن هذه المباشرة لا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يباشر امرأته دون أن يكون هناك شهوة، بمعنى أن تمس بشرته بشرة امرأته دون أن يكون هناك شهوة كما لو صافحها ونحو ذلك، فهذا لا يبطل الاعتكاف ولا بأس به.ويدل لذلك ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُدني إليها رأسه فترجله وهو معتكف)، وهنا نوع من المباشرة بين الزوجين.النوع الثاني: الجماع، لو أنه خرج إلى بيته لحاجة ثم بعد ذلك وطئ زوجته، فإن اعتكافه يبطل باتفاق الأئمة، لما تقدم من قول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].النوع الثالث: أن يباشرها لشهوة دون أن يكون هناك جماع، كما لو مس زوجته لشهوة، فهل يبطل عليه اعتكافه أو لا يبطل عليه اعتكافه؟للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيين: جمهور العلماء لا يبطل عليه اعتكافه إلا إن أنزل، إذا حصل معه إنزال فإن اعتكافه يبطل عليه.والرأي الثاني: رأي المالكية، وأن اعتكافه يبطل عليه مطلقاً، إذا باشر زوجته لشهوة فإن اعتكافه يبطل عليه مطلقاً، سواء كان هناك إنزال أو لم يكن هناك إنزال، وهم أخذوا بظاهر قول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].وأما جمهور العلماء فيقولون: بأن المباشرة -كما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- المراد بها هو الجماع، وعلى هذا إن حصل له إنزال فإنه يبطل عليه اعتكافه، كما يبطل عليه صيامه إذا باشر زوجته وهو صائم، صيامه يبطل عليه إذا حصل إنزال، أما إذا لم يحصل إنزال فإن صيامه صحيح، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم). فيتلخص لنا من مفسدات الاعتكاف:أولاً: الجماع.وثانياً: مما يفسد الاعتكاف إذا باشر زوجته وحصل إنزال.ثالثاً: من مفسدات الاعتكاف إنزال المني.وإنزال المني أنواع:النوع الأول: أن يُنزل المني بالاستمناء، وكما تقدم أيضاً بالمباشرة، فإذا حصل إنزال بالاستمناء فإن اعتكافه يبطل عليه؛ لما تقدم من أن الصيام يبطل بهذه الأشياء، فكذلك أيضاً يبطل بالاعتكاف، ولأن مثل هذه الأشياء تُنافي الاعتكاف.النوع الثاني: إنزال المني بالاحتلام في النوم، لو أنه نام ثم بعد ذلك احتلم فإن اعتكافه لا يبطل عليه؛ لحديث عائشة : ( رُفع القلم عن ثلاثة، ومنهم النائم حتى يستيقظ). النوع الثالث: إنزاله بالتفكر، لو تفكر في أمر الجماع حتى أنزل المني، فأيضاً لا يبطل عليه اعتكافه؛ لما ثبت في الصحيحين: (إن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).النوع الرابع: إنزال المني بالنظر إذا نظر ثم بعد ذلك حصل نزول للمني، فهل يبطل الاعتكاف أو لا يبطل الاعتكاف؟المشهو ر من مذهب الإمام أحمد أنه إذا كرر النظر حتى أنزل فإنه يبطل عليه اعتكافه.وعند الإمام مالك رحمه الله أنه يبطل الاعتكاف ولو بنظرة واحدة، ولو لم يحصل هناك تكرار للنظر.وعند أبي حنيفة والشافعي أن الاعتكاف لا يبطل إذا حصل إنزال للمني بالنظر.والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله المشهور من مذهب الحنابلة، وأنه إذا كرر النظر حتى أنزل فإنه يبطل عليه اعتكافه، لأن له الأولى وليست له الآخرة، ولأنه إذا كرر النظر فقد عمل ما يقتضي إنزال المني منه.أيضاً من المفسدات: طروء الحيض: إذا كانت المرأة معتكفة فحاضت أو نفست وهي في المعتكف، هل يبطل اعتكافها أو لا يبطل؟جمهور العلماء أن طروء الحيض والنفاس ليس مبطلاً للاعتكاف؛ لأن الطهارة ليست شرطاً للاعتكاف، وعلى هذا إذا طرأ معها حيض أو نفاس فإنها تخرج، فإذا طهرت فإنها تعود للمسجد، خلافاً لما ذهب إليه الحنفية.كذلك أيضاً: الجنون والإغماء.إذا طرأ جنون على المعتكف، أو حصل له إغماء، هل يبطل اعتكافه أو لا يبطل؟جماهير العلماء أن اعتكافه لا يبطل؛ لأن الجنون بغير اختياره، والمغمى عليه ملحق بالنائم، وعلى هذا إذا فاق من جنونه فإنه يواصل اعتكافه، وإذا فاق من إغمائه فإنه يواصل اعتكافه.كذلك أيضاً إذا فعل كبيرة من الكبائر:كما لو حصل منه غيبة أو نميمة أثناء الاعتكاف، أيضاً جمهور العلماء أن اعتكافه لا يبطل عليه خلافاً للمالكية؛ لأن النهي هنا يعود إلى أمر خارج عن العبادة، فلم يقتض إفساد هذه العبادة.ومن المفسدات: السكر:فلو أن المعتكف شرب ما يسكره، نقول: يبطل عليه اعتكافه؛ لأن السكران ممنوع من المسجد. ومن المبطلات: الرِدة.فإذا ارتد عن الإسلام بقول أو فعل أو اعتقاد أو استهزاء ونحو ذلك فإن اعتكافه يبطل عليه، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].كذلك أيضاً من المبطلات: قطع نية الاعتكاف، فإذا قطع نية الاعتكاف فإن اعتكافه يبطل عليه.لما تكلم المؤلف رحمه الله عن أحكام الصيام ذكر أحكام الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف يُشرع في رمضان في العشر الأواخر من رمضان كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان مستحباً في كل وقت كما هو قول جمهور أهل العلم، إلا أنه يُستحب ويتأكد أن يكون رمضان، ويتأكد أن يكون في العشر الأواخر، ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله أحكام الاعتكاف بعد أحكام الصيام.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )




    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (47)

    الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوبه لمن استطاع إليه سبيلاً. وللحج شروط لازمة كالإسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة، ويقصد بالاستطاعة توفر نفقة الحج بما يزيد على نفقة الأهل، وبالنسبة للمرأة يزيد على ذلك
    تعريف الحج والعمرة
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الحج والعمرة].قول المؤلف رحمه الله: (كتاب الحج والعمرة). الحج في اللغة: القصد. وأما في الاصطلاح: فهو قصد مكة لأداء النسك. وأما العمرة في اللغة فهي: الزيارة.وأما في الاصطلاح: فهي زيارة البيت على وجهٍ مخصوص.
    حكم الحج والعمرة

    حكم الحج

    قال المؤلف رحمه الله: [يجب الحج والعمرة مرةً في العمر].الحج واجب، وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع العلماء:أما القرآن فقول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97].وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ) وإجماع المسلمين على هذا.
    حكم العمرة
    قال رحمه الله: (والعمرة). هل العمرة واجبة أو ليست واجبة؟هذه موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فالعلماء رحمهم الله مختلفون في وجوب العمرة، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أن العمرة واجبة.ومذهب الشافعي أن العمرة واجبة، وقد استدلوا على وجوبها بعدة أدلة:من أدلتهم على وجوب العمرة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل على النساء من جهاد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليهن جهادٌ لا قتال فيه: الحج والعمرة )، وهذا أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وصححه جمع من أهل العلم.وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك بحديث أبي رزين العقيلي ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حج عن أبيك واعتمر )، وهذا الحديث في السنن، وكذلك أيضاً حديث زيد بن ثابت مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج والعمرة فريضتان ) وهذا أخرجه الدارقطني وهو ضعيف.الرأي الثاني: مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما أن العمرة ليست واجبة، وإنما هي سنة.واستدلوا على ذلك بأدلة:منها: حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمر خيرٌ لك )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك أيضاً استدلوا بحديث طلحة مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج جهاد، والعمرة تطوع ) وهذا أيضاً لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. الرأي الثالث في المسألة: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العمرة واجبة إلا على المكي، يعني: من كان من أهل مكة لا تجب عليه العمرة.واستدلوا بأنه يروى عن ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة! لا عليكم ألا تعتمروا.والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية أن العمرة واجبة؛ لأن الحج واجب، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم العمرة حجاً أصغر، فإذا كان الحج واجباً والعمرة حجٌ أصغر، دل ذلك على وجوب العمرة.
    عدد الحج والعمرة الواجبين
    قال رحمه الله: [مرةً في العمر].يعني: أن الحج لا يجب إلا مرة في العمر، والعمرة أيضاً لا تجب إلا مرةً في العمر، ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الحج مرة، فمن زاد فمتطوع )، وأيضاً حديث أبي هريرة لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله! أكل عام؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم ). فالحج لا يجب إلا مرةً واحدة، والعمرة لا تجب إلا مرةً واحدة بإجماع العلماء، وذكرنا الدليل على ذلك.
    شروط وجوب الحج والعمرة
    قال المؤلف رحمه الله: [على المسلم، العاقل، البالغ، الحر]. يعني: أن هذا الوجوب يشترط له شروط: ‏
    الشرط الأول: الإسلام
    الشرط الأول: الإسلام، وعلى هذا فالكافر لا يجب عليه حجٌ ولا عمرة، والمراد بالوجوب المنفي عنه هو وجوب الأداء، أما وجوب التكليف فإنه مكلف بذلك -مكلف بالحج ومكلف بالعمرة- لقول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44]. فدل ذلك على أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة.وأما بالنسبة لوجوب الأداء فلا يجب عليهم؛ لأن الكافر فقد الأصل وهو التوحيد، والعبادات لا تصح إلا مع التوحيد؛ لقول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54]، وأيضاً قول الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].
    الشرط الثاني: العقل
    قوله: (العاقل).هذا الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، وعلى هذا فالمجنون لا يجب عليه الحج ولا يصح منه، والكافر لا يجب عليه ولا يصح منه، فشرطُ الإسلام شرطٌ للوجوب والصحة، والعقل أيضاً شرطٌ للوجوب والصحة، وتقدم أن ذكرنا حديث: ( رفع القلم عن ثلاثة )، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: ( المجنون حتى يفيق ). فالمجنون لا يصح منه الحج ولا يجب عليه حتى يعقل.
    الشرط الثالث: البلوغ
    قوله: (البالغ).هذا الشرط الثالث: أن يكون بالغاً، فالصبي لا يجب عليه الحج، والبلوغ شرطٌ للوجوب وليس شرطاً للصحة، بمعنى أن الصبي لو حج فإن حجه صحيح، وأجر الحج له ولوليه، فلا يجب الحج إلا على بالغ، وتقدم الدليل على ذلك من حديث: ( رفع القلم عن ثلاثة... وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: الصبي حتى يبلغ ) .والصبي يصح منه الحج حتى ولو كان غير مميز، حتى قال العلماء رحمهم الله: حتى لو كان ابن ساعة، يعني: ولد الآن فالحج منه صحيح، ويدل لهذا حديث ابن عباس في مسلم : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لقي ركباً في الروحاء، فرفعت إليه امرأة صبياً، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجرٌ ) فإذا حج الصبي فنقول بأن أجر الحج له، ولا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، ولوليه أجر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولك أجرٌ )، أما أجر الحج فله؛ لقول الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت:46].
    الشرط الرابع: الحرية
    قوله: (الحر).هذا يخرج الرقيق، فالرقيق لا يجب عليه الحج؛ لأن من شروط وجوب الحج الاستطاعة، والرقيق غير مستطيع لكونه لا يملك، ولو ملك فإن ملكه غير مستقر؛ لكونه يئول إلى سيده، فالرقيق لا يجب عليه الحج؛ لقول الله عز وجل: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97]. وهذا الرقيق غير مستطيع.وهذا الشرط شرط للوجوب وليس شرطاً للصحة، فالرقيق لو حج فنقول بأن حجه صحيح، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام ولا يجب عليه، وقولنا: لا يجزئه عن حجة الإسلام هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، يعني: يرون أن الحرية شرطٌ للوجوب والإجزاء دون الصحة، كما أن البلوغ شرطٌ للوجوب والإجزاء دون الصحة، فلو أن الصبي حج لم يجزئه ويصح منه، ولا يجب عليه حتى يبلغ.كذلك أيضاً يقولون بأن الحرية شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة، فالرقيق لا يجب عليه حتى يعتق، وإذا حج لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ويصح منه الحج. وقولنا: (لا يجزئه)، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما صبيٍ حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبدٍ حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى ). وذهب بعض العلماء إلى أن الرقيق إذا أذن له سيده أن ذلك يجزئه عن حجة الإسلام، وقالوا بأن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو موقوف.
    الشرط الخامس: الاستطاعة
    قال المؤلف رحمه الله: (إذا استطاع إليه سبيلاً).الاستطاع ة: هذا هو الشرط الخامس من شروط وجوب الحج، وشرط الاستطاعة شرطٌ للوجوب وليس شرطاً للصحة ولا الإجزاء، وعلى هذا لو كان هناك فقير لا يستطيع وكلف نفسه أو سأل الناس وجمع وحج، فنقول: هل حجه صحيح أو ليس صحيحاً؟ نقول بأن حجه صحيح، وهل يجزئه ذلك عن حجة الإسلام أو لا يجزئه؟ نقول بأنه يجزئه عن حجة الإسلام، ودليل هذا الشرط ما تقدم من قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] .فالاستطاعة شرطٌ للوجوب، يعني: أنه لا يجب عليه حتى يستطيع، لكنها ليست شرطاً للصحة، وليست شرطاً أيضاً للإجزاء، فلو أنه حج فإن حجه يجزئه، وكذلك أيضاً لو أنه حج فنقول بأن حجه صحيح.قال رحمه الله: (والاستطاعة أن يجد زاداً وراحلةً).الاستطا عة تحتها مسائل: المسألة الأولى: ما المراد بالاستطاعة في قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] ؟ اختلف العلماء رحمهم الله في تفسير الاستطاعة على رأيين: الرأي الأول: قالوا: إن المراد بالاستطاعة كما ذكر المؤلف رحمه الله: الزاد والراحلة، وهذا قول أكثر العلماء بأن المراد بالاستطاعة هو الزاد والراحلة، وقد ورد في ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وهذا الحديث رواه الترمذي وحسنه، وهذا التحسين من الترمذي غير صواب؛ لأن الحديث في إسناده إبراهيم الخوزي وهو ضعيف، وهذا الحديث وردت له شواهد من حديث أنس ومن حديث عائشة ومن حديث ابن مسعود ومن حديث علي بن أبي طالب ومن حديث جابر ومن حديث عبد الله بن عمرو ، وهذه الشواهد كلها ضعيفة.الرأي الثاني: أن المراد بالاستطاعة هو أن يستطيع أن يصل إلى مكة، أو نقول: أن يستطيع أن يصل إلى المشاعر بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله. وعلى هذا عند المالكية: إذا كان يستطيع أنه يمشي إلى المشاعر وهو يحترف أي: صاحب حرفة، نجار أو صناع ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يحج.ولو كان يستطيع أن يمشي وليس صاحب حرفة لكن يسأل الناس، هل يجب عليه أن يمشي ويسأل الناس أو لا يجب عليه؟عند أكثر المالكية: لا يجب عليه، يعني: كونه يسأل الناس لا يجب عليه.هذا ما ذهب إليه المالكية وهو الأقرب؛ لأنه الآن أصبح مستطيعاً، وحتى لو ثبت حديث تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للاستطاعة بالزاد والراحلة، فنقول بأن هذا محمول على الغالب، والغالب أن الإنسان لا يكون مستطيعاً إلا بالزاد والراحلة.
    ضوابط الاستطاعة
    قال المؤلف رحمه الله: [بآلتهما مما يصلح لمثله فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه، ومؤونة نفسه وعياله على الدوام].المسألة الثانية المتعلقة بالاستطاعة: اشترط المؤلف رحمه الله على القول بأن الاستطاعة هي الزاد والراحلة، اشترط فقال: (مما يصلح لمثله) وعلى هذا لو أن الإنسان وجد سيارة ولكن هذه السيارة لا تصلح لمثله، فلا يجب عليه، أو وجد زاداً أو وجد طعاماً، ولكن هذا الطعام لا يصلح لمثله فلا يجب عليه.أيضاً قال: (بآلتهما) يعني: بما يحتاج إليه بالنسبة للطعام، فالطعام يحتاج إلى آنية والراحلة تحتاج أيضاً إلى آلات من محمال ونحو ذلك، والسيارة أيضاً تحتاج، فلا بد أن يجد الزاد والراحلة وأن يجد آلتهما، ويشترط في هذا الزاد والراحلة: أن يكونا صالحين لمثله.المسألة الثالثة: قال: (فاضلاً عما يحتاجه لقضاء دينه).يعني: يشترط للاستطاعة أيضاً أن تتوفر فيها ثلاثة أمور: الأمر الأول: قضاء الواجبات الشرعية؛ فإذا كان الإنسان عليه ديون لله عز وجل، أو عليه ديون للمخلوقين، فإنه لا بد أن يسدد هذه الديون، فإن فضل شيء يحج به، مثلاً: هذا إنسان عنده ألف ريال وهو مدين بخمسمائة ريال، نقول: ابدأ بالخمسمائة فسددها، والخمسمائة الباقية إذا كان يستطيع أن يحج بها حج، وإذا كان لا يستطيع فإنه لا يجب عليه أن يحج، وأيضاً لو كان عليه كفارات وعنده ألف ريال، فنقول: ابدأ بالكفارات والواجبات الشرعية التي عليك، فإن فضل شيء فحج وإن لم يفضل شيء فإنه لا يجب عليك الحج.أيضاً: إذا كان عليه ديون للناس وللمخلوقين، نقول: ابدأ بديون المخلوقين فسدد الدين الذي عليك، مثلاً: عنده عشرة آلاف ريال وهو مدين بتسعة آلاف ريال، فيسدد التسعة آلاف، فإن فضل شيء حج به وإن لم يفضل شيء ليس عليه الحج.أيضاً: لو كان الدين مقسطاً كما يوجد عند كثيرٍ من الناس اليوم؛ فهل يجب على المدين بالتقسيط الحج أو لا يجب عليه؟نقول: ينظر.. إذا كان الإنسان عند حلول الأجل للدين يستطيع أن يسدد لراتب عنده أو ربح تجارة أو غلة مزرعة أو نحو ذلك من الموارد فهذا يجب عليه الحج، أما إذا كان لا يستطيع أن يسدد، والراتب الذي عنده لو حج به ما يستطيع أن يسدد القسط الذي يأتي، فنقول في هذا: لا يجب عليك الحج.المهم أننا ننظر عند حلول الأجل هل يستطيع أن يسدد أو لا يستطيع أن يسدد؟ فإذا حل الأجل واستطاع أن يسدد إما من راتب أو غير ذلك، فنقول: يجب عليك أنك تحج، وإذا كان لا يستطيع أن يسدد فنقول بأن الحج غير واجب عليه، فليوفر المال لكي يسدد الدين الذي عليه.أيضاً قال: (ومؤونة نفسه وعياله على الدوام).هذا الأمر الثاني مما يعتبر، قلنا: لا يكون مستطيعاً إلا بعد قضاء الواجبات، أيضاً لا يكون مستطيعاً إلا بعد وجود النفقات له ولمن يعوله، يعني: ينفق عليه، فإذا كان -مثلاً- إنسان عنده خمسة آلاف ريال، لكن هذه الخمسة يحتاجها لكي ينفق على أهله، يعني: هو محتاج إلى أن ينفق على أهله وأقاربه الذين يمونهم من الزوجة والأولاد والوالدين، فإذا أنفق مثلاً ألفين ريال مدة الذهاب للحج وأبقى ثلاثة آلاف ريال تكفي نقول: يجب عليه الحج.لكن لو كان ما عنده إلا ألف ريال، وهذا الألف يحتاجها في أن ينفق على أهله ومن يمونه، فنقول بأنه لا يجب عليك الحج، فلا بد أن يكون المال الذي يحج به بعد النفقة، فإذا كان يقدر أن يحج من هذا المال والباقي الذي يوفره للنفقة يكفي، نقول: يجب عليه الحج، أو مثلاً: يستطيع أنه ينفق على أهله من راتب أو ربح تجارة أو غلة مزرعة ونحو ذلك، وهذا المال يقدر يحج به، نقول: يجب عليه الحج.وقول المؤلف رحمه الله: (على الدوام).ما المراد بالدوام هنا؟ يعني: هل يجب أن يجد النفقة له ولمن يمونه من أهله طول العمر، أو أنه ليس طول العمر وإنما لفترة محددة؟ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه طول العمر، وعلى هذا: له ولمن يمونه طول عمره، مثلاً: إذا كان قد يعمر بعد عمره عشرين سنة، لا بد أن يحصل نفقة عشرين سنة تكون قد وفرها، وهذا بعيد.والرأي الثاني: أن المراد بقوله: (على الدوام) أن المراد بذلك سنة، يعني: مؤونة سنة، يعني: يكون عنده له ولمن يمونه نفقة سنة، فالفاضل على نفقة السنة يحج به.والقول الثالث: أن المراد بذلك مدة الذهاب إلى الحج، فإذا كان سيستغرق في الذهاب إلى الحج مدة أسبوع أو مدة شهر لا بد أن يكون محصلاً لهذه النفقة، وما زاد على ذلك فإنه يحج به.الأمر الثالث: أن يكون ذلك بعد الحوائج الأصلية، يعني: ما يكون الحج واجباً عليه ومستطيعاً له حتى تتوفر الحوائج الأصلية، مثل: الآلات الكهربائية والأواني والأدوات المدرسية والفرش في البيت، فالأشياء التي يحتاجها هذه لا يكون مستطيعاً حتى تتوفر، مثلاً: إذا كان يحتاج إلى شراء ثلاجة أو غسالة، نقول: ابدأ بشراء الثلاجة والغسالة، فإن فضل شيء حج به، وإذا لم يفضل شيء ما يجب عليك الحج، ويحتاج إلى فرش وإلى أواني في البيت وإلى أدوات كتابية، فنفهم أنه لا بد من توفر الحوائج الأصلية، فإذا كان عنده تعارض إما أن يشتري بهذا المال حوائجه الأصلية ولا يبقى شيء للحج، أو أنه يحج به، نقول: ابدأ بالحوائج الأصلية، ثم بعد ذلك إن فضل شيء فإنك تحج.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (48)


    يشترط في الحج على المرأة دون الرجل وجود محرم لها، ومن فرط في الحج حتى مات فيخرج من ماله ويحج عنه، وهناك من لا يصح حجه كالمجنون والكافر، وهناك من يصح حجه مع عدم الإجزاء كالعبد والصبي؛ لكنه يجزئ من غير المستطيع ومن المرأة التي سافرت إلى الحج بدون محرم. واخت
    تابع شروط وجوب الحج والعمرة
    تقدم لنا في الدرس السابق تعريف الحج والعمرة وما يتعلق بحكمهما، وأن الحج واجبٌ بإجماع المسلمين، وأما العمرة فذكرنا فيها ثلاثة آراء: الوجوب، وعدم الوجوب، والرأي الثالث: أنها واجبةٌ على غير المكي.وتكلمنا أيضاً عن شروط الحج وأنه يشترط له شروط هي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والاستطاعة، أما المراد بالاستطاعة فأهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على رأيين. ‏
    الشرط السادس: المحرم للمرأة
    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتبر للمرأة وجود محرمها]. فقوله: (يعتبر) يعني: يشترط لوجوب الحج والعمرة على المرأة أن يوجد محرم لها؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي خرجت حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: انطلق فحج مع امرأتك ).
    أنواع محرم الزوجة
    ثم بعد ذلك بين المؤلف رحمه الله محرم الزوجة فقال: [وهو زوجها] ومحرم الزوجة يتنوع إلى أنواع:النوع الأول: زوج المرأة، كما دلت على ذلك السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إلا مع زوجها أو مع ذي محرم ). قال: [ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب].النوع الثاني: من تحرم عليه على التأبيد بنسب، ومن تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب سبعة:الأول: أبو المرأة وإن علا: كجدها، وجد جدها.. إلى آخره فهذا محرم لها.والثاني: ابنها وإن نزل: كابن ابنها وابن بنتها.. إلى آخره.والثالث: أخوها من أي جهة، سواءً كان أخاً شقيقاً أو من جهة الأب أو من جهة الأم.والرابع: عمها مطلقاً، سواء كان عماً لأبٍ أو عماً لأمٍ أو عماً شقيقاً.والخامس: خالها أيضاً مطلقاً، سواء كان لأبٍ أو لأمٍ أو شقيقاً.والسادس: ابن أخيها وإن نزل: كابن ابنه وابن بنته.. إلى آخره.والسابع: ابن أختها وإن نزل.فهؤلاء السبعة يحرمون على المرأة على التأبيد بالنسب.ولم يذكر المؤلف رحمه الله المصاهرة، فنقول:النوع الثالث: من يحرمون على المرأة على التأبيد بسبب المصاهرة، وهم:الأول: ابن زوج المرأة فإنه يحرم على زوجة أبيه، فزوجة الأب محرمة على الابن بالإجماع، وهذا التحريم بمجرد العقد، فيكون محرماً لزوجة أبيه.والثاني: أبو زوج المرأة، وهذا أيضاً محرم بالإجماع، فيكون محرماً بمجرد العقد.والثالث: زوج الأم، ويكون محرماً لبناتها، لكن لا يكون محرماً لبناتها إلا بالدخول بالأم.والرابع: زوجة الابن، فأبو الابن محرم لها بمجرد أن يعقد الابن على هذه المرأة، فإنها تحرم على أبيه وإن علا.فأصبح الذين يكونون محارم للمرأة من جهة المصاهرة أربعة.النوع الرابع: قال المؤلف رحمه الله: [أو سببٍ مباح].يعني إذا كان هناك سبب مباح كالرضاع، ففي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فالسبعة الذين سبقوا في النسب يأتون هنا في الرضاع، فنقول: الأب من الرضاع محرم، والابن من الرضاع محرم، والأخ من الرضاع والعم والخال وابن الأخ وابن الأخت، فهؤلاء كلهم محارم من جهة الرضاع.وقوله: (مباح) يخرج السبب المحرم، فإذا كان هناك سبب محرم فإنه لا يكون به الإنسان محرماً، يعني: حرم النكاح لوجود سببٍ محرم، فنقول: لا يكون به الرجل محرماً، ومثل ذلك على المشهور من المذهب أنهم يقولون بأنه يحرم بالسفاح ما يحرم بالنكاح، فإذا زنى بامرأة فإنه يحرم عليه بنتها، ويحرم عليه أمها، كما لو عقد على امرأة عقداً صحيحاً فإن أمها تكون محرمةً عليه، وإذا دخل بهذه المرأة فإن بنتها تكون محرمةً عليه بالدخول، وأيضاً الربيبة تحرم بالدخول، فالمشهور من المذهب أنهم يقولون: السفاح كالنكاح، يعني: إذا زنى بامرأة لا يجوز له أن يتزوج أم هذه المرأة، ولا يجوز له أن يتزوج بنتها، مع أنهم يقولون: يجوز له أن يتزوج زانية إذا تابت، وهذا فيه نظر، لكن على كل حال إذا زنى بهذه المرأة وقلنا بأنه لا يجوز له أن يتزوج أمها فإنه لا يكون محرماً لأمها، وإذا قلنا بأنه لا يجوز له أن يتزوج بنتها فإنه لا يكون محرماً لبنتها.
    الحج والعمرة عمن مات مفرطاً في ذلك مع الاستطاعة
    قال رحمه الله: [فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة].لو أنه فرط حتى مات، هل يخرج من تركته ما يحج به عنه ويعتمر أو لا يخرج؟هذه المسألة فيها ثلاثة آراء للعلماء رحمهم الله:الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا كان مستطيعاً للحج ثم بعد ذلك ترك الحج تهاوناً وكسلاً حتى مات فإنه يخرج من تركته ما يحج به عنه، وكذلك أيضاً ما يعتمر به عنه؛ لأنهم يرون أن العمرة واجبة، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اقضوا، فالله أحق بالوفاء ) .والرأي الثاني: التفصيل في هذه المسألة، وهذا قال به مالك والشافعي رحمهم الله، فقالوا: إن أوصى فإنه يخرج من تركته ما يحج به عنه، وإن لم يوص فإنه لا يخرج، وإذا أوصى قالوا: يخرج لوجوب تنفيذ الوصية كما قال الله عز وجل: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:181]، وأيضاً قول الله عز وجل: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] .والرأي الثالث: وهو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أنه إذا فرط فلا يخرج من تركته، يعني: أنه إذا فرط في الحج فلم يحج حتى مات فإنه لا يخرج من تركته.والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أن الإنسان إذا فرط فلم يحج حتى مات فإنه يخرج من تركته.
    حج الكافر والمجنون
    قال رحمه الله: [ولا يصح من كافرٍ].تقدم الكلام عليه في الدرس السابق، فالكافر لا يجب عليه الحج وجوب أداء ولا يصح منه؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] وأيضاً قول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54]. فالكافر فاقد للأصل، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح منه.وقوله: (ولا مجنون).أيضاً المجنون لا يصح منه وهذا بالاتفاق؛ ويدل لهذا حديث: ( رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم-: المجنون حتى يفيق ). ولأن المجنون هذا ليس له قصد معتبر فلا يصح منه.
    حج الصبي والعبد
    قال رحمه الله: [ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئهما].لو أن الصبي حج فإن حجه صحيح؛ ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن امرأة رفعت صبياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر ).ولا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، فإذا بلغ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأجر الحج يكون للصبي ولوليه أجر؛ لقول الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت:46]. وهذا عمل صالحاً فيكون للصبي، وأما وليه فله أجر لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولك أجر ).أيضاً العبد يصح منه ولا يجزئه عن حجة الإسلام، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما عبدٍ حج ثم عتق فعليه حجة أخرى، وأيما صبيٍ حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى ). وهذا الحديث مختلف بين رفعه ووقفه، والأقرب أنه موقوف، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أذن له سيده فإنه يجزئه ذلك عن حجة الإسلام.
    حج غير المستطيع والمرأة بغير محرم
    قال رحمه الله: [ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم].إذا كان إنسان غير مستطيع فلا يجب عليه الحج، وتقدم أن ذكرنا تفسير الاستطاعة أنه إذا كان غير مستطيع فإن حجه غير واجب، لكن لو أن هذا الشخص ذهب وتكلف وحج فنقول بأن حجه صحيح ويبرؤه ذلك، يعني: يجزئه ذلك عن حجة الإسلام وتبرأ ذمته؛ لأنه أتى بالحج بشروطه وأركانه وواجباته.وقوله: (والمرأة بغير محرم) أيضاً المرأة كما سلف لا يجب عليها الحج إلا مع وجود محرم، فلو أنها ذهبت وسافرت بلا محرم فنقول بأن حجها صحيح ويجزئها ذلك عن حجة الإسلام، لكنها تأثم لكونها تركت السفر بلا محرم.
    الحج عن الغير
    قال رحمه الله: [ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو عن نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره]. هنا مسألتان:المسألة الأولى: حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، فهل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟ هذا شخص حج عن أبيه -مثلاً- أو حج عن أمه ولم يكن حج عن نفسه، فهل نقول: الحج يكون له أو لمن ناب عنه؟ هذا فيه رأيان للعلماء رحمهم الله:الرأي الأول: وهو المذهب كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو قول أبي حنيفة : أن هذه الحجة تكون عن نفسه، فإذا لبى عن أبيه وهو لم يحج عن نفسه تنقلب هذه الحجة لنفسه، فإذا قال: لبيك عن أبي وحج عنه، قالوا: بأنها تكون عن نفس الحاج ولا تكون عمن حج عنه.واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يلبي عن شبرمة : لبيك عن شبرمة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شبرمة ؟ قال: أخ أو قريب لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة ). فدل ذلك على أن الإنسان إذا لبى عن غيره وهو لم يحج عن نفسه فإن الحجة تكون عن الملبي.الرأي الثاني: رأي مالك والشافعي أن هذه الحجة تكون للشخص الذي استنيب عنه، أي: الذي حج عنه، فمثلاً: لو حج عن أبيه وهو لم يحج عن نفسه فإنه يقع عن أبيه.واستدلوا على ذلك بقصة الخثعمية -كما في الصحيحين- التي جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حجها عن أبيها وذكرت: (أن أباها أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي عنه ) ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل حجت عن نفسها أو لم تحج عن نفسها؟وأيضاً يدل لذلك ما في الصحيحين من حديث عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ). وهذا الشخص إنما نوى عن ذلك الشخص ولم ينو عن نفسه، وهذا القول هو الأقرب، إلا إذا ثبت حديث ابن عباس في قصة شبرمة ؛ لأن حديث ابن عباس في قصة شبرمة بعض أهل العلم يرفعه وبعضهم يقف فيه ولا يصححه مرفوعاً، فإن ثبت الحديث قيل به، وإن لم يثبت مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فما ذهب إليه مالك والشافعي يكون أقرب.
    حج النذر
    المسألة الثانية: هذا رجل حج نذراً، يعني: عليه حجة الإسلام الفريضة وعليه حجة منذورة فحج عن هذا النذر، فهل يجزئه ذلك عن حجة النذر أو نقول بأن هذه الحجة تكون عن حجة الإسلام ثم بعد ذلك يحج عن النذر؟ هذه المسألة فيها رأيان للعلماء رحمهم الله، وصورتها كما تقدم: رجلٌ لم يحج حجة الإسلام وعليه حجة منذورة، ثم شرع في الحج المنذور، هل نقول بأنه ينقلب إلى حجة الإسلام؟ أو نقول بأنه يكون عن حج هذه الحجة المنذورة ثم يحج حجة الإسلام؟ فهذه المسألة فيها رأيان للعلماء رحمهم الله:الرأي الأول: مذهب أحمد وأبي حنيفة أن هذه الحجة تنقلب عن حجة الإسلام كما تقدم.والرأي الثاني: رأي مالك والشافعي أن هذه الحجة تكون عن حجة النذر ثم بعد ذلك يحج عن حجة الإسلام، والدليل كما تقدم في المسألة السابقة.
    باب المواقيت
    قال رحمه الله: [باب المواقيت]. ‏
    تعريف المواقيت في اللغة والاصطلاح

    المواقيت: جمع ميقات، وهو في اللغة: الحد.وأما في الاصطلاح: فهو زمان العبادة ومكانها، وعلى هذا يكون المراد من قول المؤلف رحمه الله: (باب المواقيت) أزمنة العبادة وأمكنتها، فأراد المؤلف رحمه الله في هذا أن يبين زمان الإحرام في الحج ومكان الإحرام بالحج، وزمان الإحرام بالعمرة ومكان الإحرام بالعمرة كما سيأتي.
    مواقيت الحج المكانية
    والمواقيت تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: مواقيت مكانية.والقسم الثاني: مواقيت زمانية.وبدأ المؤلف رحمه الله بمواقيت الحج، وهي المواقيت المكانية، وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بالمواقيت الزمانية. قال رحمه الله: [وميقات أهل المدينة ذو الحليفة].ابتدأ المؤلف رحمه الله بميقات أهل المدينة -وهو ذو الحليفة- اتباعاً للنص الوارد، فإن في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ).وميقات ذي الحليفة هو أبعد المواقيت عن مكة، والحليفة: تصغير الحلفة، وهو شجر في ذلك المكان، فسمي هذا المكان باسم ذلك الشجر.قال رحمه الله: [وأهل الشام والمغرب ومصر الجحفة].أهل الشام والمغرب ومصر يحرمون من الجحفة، والجحفة هذه قرية خربة، وسبب تسميتها بهذا الاسم قيل: لأن السيل اجتحفها وهجرت، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت محمومة، فأصاب الصحابة رضي الله تعالى عنهم شيء من حماها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحبب إليه وإلى الصحابة المدينة وأن ينقل حماها إلى الجحفة، وكانت الجحفة في ذلك الزمن يسكنها اليهود، فاستجاب الله عز وجل دعوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فنقل حماها إلى الجحفة، ثم بعد ذلك زال عنها الحمى بزوال اليهود.والعلماء يقولون: لما اندثرت هذه القرية وخربت واجتحفها السيل، أصبح الناس يحرمون من رابغ، فرابغ هذه مدينة معروفة كبيرة وهي قبل الجحفة بشيءٍ يسير، والآن الجحفة بني فيها ميقات ومسجد، فأصبح الناس الآن يحرمون من الجحفة.قال رحمه الله: [واليمن يلملم].ويقال: ألملم ويرمرم، وهو اسم جبل هناك. قال رحمه الله: [ولنجدٍ قرن].يعني: قرن المنازل، والقرن: الجبل، وهو جبل أحمر هناك، وسمي الوادي الذي فيه ذلك الجبل باسم ذلك الجبل، فقيل: قرن المنازل، ويسمى بالسيل الكبير، ويحرم منه أهل نجد، وعلى محاذاته وادي محرم من جهة الطائف.وقال رحمه الله: [وللمشرق ذات عرق].والعرق هو: الجبل الصغير، فأهل المشرق يحرمون من ذات عرق، وذات عرق اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله من الذي وقتها؟ هل الذي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر ؟ في ذلك رأيان للعلماء رحمهم الله: ففي حديث جابر وحديث عائشة أن الذي وقت ذات عرق هو النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أثر ابن عمر كما في البخاري أن الذي وقتها هو عمر رضي الله تعالى عنه.وعلى كل حال، سواء قلنا بأن الذي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم، أو قلنا بأن الذي وقتها عمر رضي الله تعالى عنه، فالخلاف في هذه المسألة لا يترتب عليه ثمرة؛ لأن الإجماع منعقد على أن ذات عرق ميقات أهل المشرق، فنقول: الإجماع منعقد على أن ذات عرق هي ميقات أهل المشرق.هذه المواقيت التي عددها المؤلف رحمه الله كما ورد ذلك في حديث ابن عباس وأيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس : ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، وأهل اليمن من يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ).
    مرور من له ميقات معين بميقات غيره
    قوله رحمه الله: [فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها].فالنجدي إذا مر من ذي الحليفة فإنه يحرم من ذي الحليفة، والشامي إذا مر من ذي الحليفة فإنه يحرم من عند ذي الحليفة، لكن اختلف أهل العلم رحمهم الله: هل له أن يؤخر إلى ميقاته؟ يعني لو أن الشامي جاء المدينة ومر بميقات ذي الحليفة، فهل له أن يؤخر الإحرام إلى أن يجيء إلى ميقاته -وميقاته هو الجحفة- أو ليس له أن يؤخر؟ في هذا رأيان للعلماء رحمهم الله:فالرأي الأول: وهو قول أكثر أهل العلم أنه ليس له أن يؤخر، بل إذا مر بذي الحليفة وجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ). فقالوا بأنه ليس له أن يؤخر.والرأي الثاني: قال به الإمام مالك وأيضاً اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنه له أن يؤخر، يعني: الشامي لو ترك الإحرام من ذي الحليفة وأخر ذلك إلى الجحفة فإن هذا جائز؛ لأنه رجع إلى ميقاته الأصلي.
    ميقات من هم دون المواقيت
    قال رحمه الله: [ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله].إذا كان إنسان منزله دون الميقات، مثل: أهل الشرائع وأهل بحرة وخليص ووادي فاطمة وعسفان، ممن يكون منزله بين مكة وهذه المواقيت، فمن كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه ولا يلزمه أن يخرج إلى تلك المواقيت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ومن كان دون ذلك فمهله من أهله ).
    إحرام أهل مكة في الحج والعمرة
    قال رحمه الله: [حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم].لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وأهل مكة يهلون من مكة ) وهذا موضع اتفاق، لكن اختلف أهل العلم رحمهم الله لو أن المكي خرج من مكة وأحرم، مثلاً: أحرم بعرفات أو أحرم في منى، فهل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم والصواب أنه يجزئه، وسيأتينا إن شاء الله أن من أحرم قبل الميقات فإن إحرامه صحيح، وقال بعض العلماء: يكره كراهة تنزيه، وبعضهم قال: يكره كراهة تحريم.قال رحمه الله: [ويهلون للعمرة من أدنى الحل].يعني: أهل مكة يهلون للعمرة من الحل، يعني: المكي إذا أراد أن يعتمر فإنه يخرج إلى الحل، كذلك أيضاً من ورد مكة لغرض ثم نوى العمرة أو اعتمر ثم أراد أن يكرر العمرة على خلاف في تكرار العمرة، لكن لو فرض أنه أراد أن يكرر العمرة، فإنه يخرج إلى الحل، وهذا قول الأئمة الأربعة أن المكي ميقاته للعمرة هو الحل، وعلى هذا لا بد أن يخرج إلى الحل.والرأي الثاني: وهو قول الصنعاني وظاهر صنيع البخاري رحمه الله أنه يحرم من مكة حتى للعمرة. والذين قالوا بأنه يحرم من الحل استدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها كما في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بأخته عائشة إلى التنعيم وأن تحرم من هناك ) وهذا دليل على أن المكي يحرم من الحل.والذين قالوا بأنه يحرم للعمرة من مكة استدلوا على ذلك بحديث ابن عباس : ( أهل مكة يهلون من مكة ).والصواب هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن المكي لا بد أن يخرج لحديث عائشة ، فإن قيل بأن عائشة ليست من أهل مكة وإنما من أهل المدينة، أي أنها آفاقية ليست من أهل مكة، فكونها خرجت لا يستدل به، فكيف الجواب عن ذلك؟ نقول: الجواب عن ذلك أن الآفاقيين لما وردوا مكة أخذوا حكم أهل مكة بدليل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أحرموا للحج من البطحاء، فدل ذلك على أن الآفاقي إذا ورد مكة فإنه يأخذ حكم أهل مكة، بدليل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما حلوا من عمرتهم لم يخرجوا إلى المواقيت، وإنما أحرموا للحج من أماكنهم فأصبحوا كالمكيين، فدل ذلك على أن أهل مكة بالنسبة للعمرة حكمهم أنهم يخرجون إلى الحل.وأيضاً الاستقراء كما ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله: من يستقرئ المناسك يجد أن الناسك يجمع في نسكه بين الحل والحرم، فالحاج يجمع بين الحل والحرم وكذلك أيضاً المعتمر، وحتى المكي يجمع بين الحل والحرم، فيخرج إلى عرفات ثم يرجع إلى مكة، كذلك أيضاً المكي إذا اعتمر فإنه أيضاً يجمع بين الحل والحرم، فيخرج إلى الحل ثم بعد ذلك يرجع.وقال رحمه الله: (من أدنى الحل) ولم يقل: من التنعيم؛ لأن التنعيم ليس متعيناً، بل الإنسان ينظر ما هو الأسهل له، فقد يكون الأسهل من التنعيم لكونه قريباً منه، وقد يكون الأسهل عرفات لكونه قريباً من عرفات، فالمهم أن الإنسان ينظر إلى الأسهل له، ولهذا لم يقل المؤلف رحمه الله: من التنعيم، وإنما قال: من الحل، فينظر أسهل الحل فيأخذ به.
    ميقات من ليس طريقهم على ميقات
    قال رحمه الله: [ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه].إذا كان الإنسان ليس طريقه على ميقات فإنه ينظر إلى حذوها إليه، يعني: أقربها إليه، ويدل لهذا أثر ابن عمر في البخاري أنه لما فتحت الكوفة والبصرة أتوا عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: انظروا حذوها من طريقكم. فنقول بأن الذي لا يمر على ميقات فإنه يحرم إذا حاذى أقربها إليه.فإن لم يحاذ ميقاتاً وهذا مثله العلماء رحمهم الله بمن يجيء من مدينة سواكن في السودان إلى جدة، فيقولون: إنها لا تحاذي ميقاتاً، فهنا قالوا: يحرم قبل مكة بمرحلتين، ومثله أيضاً الآن الذي يكون على الطائرة فهذا يحرم إذا حاذى الميقات.
    دخول مكة بغير نية إحرام
    قال رحمه الله: [ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح، أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه].يعني: هل يجوز أن يدخل مكة بغير إحرام أو لا؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يجوز أن يدخل مكة إلا بإحرام مطلقاً، سواء أراد الحج أو لم يرد الحج، أراد العمرة أو لم يرد العمرة، فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، لكن استثنى وقال: إذا كان صاحب حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه فيدخل ويخرج فإن هذا فيه مشقة عليه، وهذا أولاً.ثانياً: إذا كان هناك قتال مباح فإنه يعفى عن ذلك، ولهذا قال المؤلف: (إلا لقتالٍ مباح). ثالثاً: في حال الخوف.هذه ثلاثة مسائل مستثناة، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز له أن يدخل إلا بإحرام، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو أيضاً مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله أنه يجوز أن يدخل مكة بلا إحرام إلا إذا كان مريداً للحج أو العمرة، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ).
    من دخل مكة غير محرم ثم أراد النسك
    قال رحمه الله: [ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه].يعني: لو أن الإنسان دخل بلا إحرام إما لقتالٍ مباح أو كحطاب أو لخوف، ثم بعد ذلك إذا أراد النسك فإنه يحرم من موضعه، وسبق أن ذكرنا أن الراجح هو قول الشافعي أنه يجوز للإنسان أن يدخل مكة بغير إحرام ما لم يكن مريداً للحج أو العمرة، فإذا كان مريداً للحج أو العمرة فإنه يجب عليه أن يحرم من الميقات، وإن كان غير مريدٍ للحج والعمرة ثم طرأت عليه نية الإرادة فإنه يحرم من مكانه، يعني إذا كان أصلاً غير مريد ثم بعد ذلك لما قدم مكة أراد، فنقول بأنه يحرم من مكانه.
    تجاوز الميقات دون إحرام
    قال: (وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه؛ لأنه أحرم من ميقاته). إذا جاوز الإنسان الميقات غير محرم يجب عليه أن يرجع ويحرم من الميقات، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنه إذا جاوز الميقات يقال له: أنت بالخيار؛ إما أن ترجع وليس عليك دم، أو عليك دم، وهذا خطأ؛ فلا يجوز التخيير فيه، فنقول: يجب عليك أن ترجع إلى الميقات وتحرم منه. فلو أنه أحرم من موضعه هنا يقال بأنه عليه دم كما ذكر جمهور أهل العلم رحمهم الله، أما أن يقال: أنت بالخيار؛ إما أن ترجع وتحرم من الميقات، أو عليك دم إذا أحرمت من هنا فإن هذا خطأ، بل يقال: يجب عليك أن ترجع؛ لأن الإحرام من الميقات حكمه واجب، ففي حديث ابن عباس : ( يهل أهل المدينة... ) هذا خبر بمعنى الأمر، أي: ليهل أهل المدينة، وأيضاً حديث ابن عمر الصريح: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرن ) فهذا يدل على الوجوب، وأن الإنسان يجب عليه أن يحرم من الميقات.وقال رحمه الله: (فإن أحرم من دونه فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع). إذا أحرم من دون المواقيت فهذا عليه دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، لكن الأصل يجب عليه أن يرجع، لكن لو لم يرجع فنقول بأن عليه دم كحكم وضعي، وأيضاً عليه التوبة كحكم تكليفي لأنه آثم؛ فهذا الذي أحرم دون الميقات ترك واجباً، فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (49)


    المواقيت قسمان: مكانية وزمانية، فمن أحرم قبل المواقيت المكانية فإحرامه صحيح، ومن أحرم قبل المواقيت الزمانية انعقد إحرامه عمرة لا حجاً على الصحيح. وأشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. ومن أراد الإحرام استحب له: الغسل والتنظف والتطيب على الجسد دون المل
    الإحرام قبل الميقات
    قد تقدم لنا شيء من أحكام المواقيت، فذكرنا تعريف الميقات في اللغة والاصطلاح، وذكرنا أن المواقيت تنقسم إلى قسمين: مواقيت مكانية ومواقيت زمانية، وبينا المواقيت المكانية، وذكرنا دليل هذه المواقيت، والإحرام منها، أي: كيف الإحرام منها.ثم قال المؤلف رحمه الله في أحكام الإحرام من المواقيت: [والأفضل ألا يحرم قبل الميقات] وهذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإحرام قبل الميقات المكاني، والقسم الثاني: الإحرام قبل الميقات الزماني.
    الإحرام قبل الميقات المكاني
    فالقسم الأول: أن يحرم قبل الميقات المكاني، ففيه حكمان: الحكم الأول: الحكم التكليفي، والحكم الثاني: الحكم الوضعي.أما ما يتعلق بالحكم التكليفي، يعني: هل يأثم أو لا يأثم؟ فهذا موضع خلاف، فذهب بعض العلماء إلى أنه محرم ولا يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني. والرأي الثاني: أنه مكروه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، والأقرب في هذا أنه محرم ولا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحرم إلا من الميقات، وقال: ( خذوا عني مناسككم ). وأيضاً أن عمران بن حصين رضي الله عنه أحرم من البصرة فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فغضب، وقال: لا يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البصرة، وأنكر عثمان رضي الله تعالى عنه على رجلٍ أحرم من خراسان.وأما ما يتعلق بالحكم الوضعي: فهل ينعقد إحرامه أو لا ينعقد؟ نقول: إن إحرامه ينعقد؛ لأن الله عز وجل قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]. فهذا رجلٌ فرض الحج في زمنه فينعقد. فأصبح عندنا الحكم التكليفي أنه محرم ولا يجوز -وهذا هو الصواب- والحكم الوضعي أنه ينعقد إحرامه.
    الإحرام قبل الميقات الزماني
    أما الإحرام قبل الميقات الزماني: فالميقات الزماني للحج يبدأ بدخول شهر شوال كما سيبينه المؤلف رحمه الله، فلو أنه أحرم قبل شوال بالحج.. كمن أحرم في رمضان -مثلاً- للحج، فنقول: من حيث الحكم التكليفي أن هذا محرم ولا يجوز؛ لأن هذا عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن هل ينعقد إحرامه أو لا ينعقد إحرامه؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.فالرأي الأول: أن إحرامه لا ينعقد، وهذا قول الظاهرية؛ لأن هذا العمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم. والرأي الثاني: أنه ينعقد حجاً، وهذا رأي أكثر أهل العلم رحمهم الله. والرأي الثالث: أنه ينعقد عمرة، وهذا قول الشافعية، وهذا القول هو أصوب الأقوال؛ فنقول: إذا أحرم قبل أشهر الحج فإن إحرامه ينعقد عمرةً، ويدل على أنه لا ينعقد حجاً أن الله عز وجل قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] فدل ذلك على أن فرض الحج إنما يكون في أشهره، وأيضاً ما ورد عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( من السنة ألا يحرم بالحج إلا في أشهره )، وأيضاً ورد عن ابن عباس أنه قال: ( لا يصلح أن يحرم بالحج إلا في أشهره ) فدل ذلك على أنه لا ينعقد حجاً لكن ينعقد عمرةً؛ لأن العمرة حج أصغر، فإذا لم ينعقد الحج الأكبر لعدم زمنه فإنه ينعقد الحج الأصغر وهو العمرة لوجود زمنه.وكذلك أيضاً من قال بأنه ينعقد حجاً -وقلنا بأنه قال به أكثر أهل العلم- استدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] فقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ) دل على أن كل الأهلة مواقيت للناس، والأهلة طوال العام، والله عز وجل قال: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا فقال: لو قلنا بأن الأهلة كلها مواقيت للناس لم يكن للتوقيت بها فائدة؛ لأنه إنما يكون للتوقيت بها فائدة إذا كانت هذه الأهلة تختلف، فتارةً تكون ميقاتاً، وتارةً لا تكون ميقاتاً، أما إذا كانت كل الأهلة طوال العام وقتاً للإحرام فما أصبح للهلال فائدة، فخروجه وعدم خروجه سواء.لكن تكون الأهلة مواقيت للناس إذا كان يترتب على هذا الهلال حكم شرعي، أي أنه يحرم أو لا يحرم، أما إذا كان خروج كل هلال يحرم معه لم يكن هناك فائدة.فتلخص لنا أن الإحرام قبل الميقات الزماني فيه آراء للعلماء: الرأي الأول: أنه لا ينعقد. والرأي الثاني: أنه ينعقد عمرة، وهذا مذهب الشافعية، وقلنا بأن هذا هو أرجح الأقوال. والرأي الثالث: أنه ينعقد حجاً أكبر، وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله، وذكرنا دليل كل قول.
    أشهر الحج
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة].بداية أشهر الحج تبدأ من شوال وهذا باتفاق العلماء رحمهم الله، لكن بالنسبة لنهايتها هذا موضع خلاف:الرأي الأول: الإمام مالك رحمه الله يرى أن أشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كاملاً.والرأي الثاني: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.والرأي الثالث: وهو قول الشافعي رحمه الله أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، أي: يحسب يوم عرفة من أشهر الحج، وتستمر أشهر الحج عنده إلى طلوع الفجر من يوم النحر، أي: عشر ليال من ذي الحجة وتسعة أيام من ذي الحجة.ولكلٍ منهم دليل: أما رأي مالك رحمه الله فهو ظاهر الآية: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] وأقل الجمع ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وكذلك أيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وكذلك أيضاً ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وورد أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فهو وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.وأما بالنسبة للحنابلة الذين قالوا بأنه شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.. عشرة أيام أي: تنتهي بغروب الشمس من يوم النحر أي من اليوم العاشر، واستدلوا على ذلك بأنه وارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما معلقاً بصيغة الجزم في صحيح البخاري .ورأي الشافعي رحمه الله أن أشهر الحج تنتهي بطلوع الفجر من يوم النحر، واستدل بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج عرفة ) وعرفة ينتهي وقت الوقوف به بطلوع الفجر من اليوم العاشر.وأرجح الأقوال وأصوبها في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، وأن أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كاملاً، وهذا أصوب الأقوال لظاهر القرآن، وأما آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهي مختلفة.
    الإحرام وآدابه
    قال المؤلف رحمه الله: [باب الإحرام]. ‏
    تعريف الإحرام لغة واصطلاحاً
    الإحرام في اللغة: هو نية الدخول في التحريم؛ لأن الناسك بإحرامه يحرم على نفسه ما كان مباحاً له قبل الإحرام من الطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس ونحو ذلك.وأما في الاصطلاح: فهو نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج ويعتمر؛ لأن نية الحج والعمرة -أي: الإنساك- هذه موجودة من حين الخروج من بلده، لكن المراد بالإحرام هو نية الدخول في النسك، أي: إذا أتى الميقات نوى أنه دخل في التحريم.
    الاغتسال والتنظف والتطيب
    والإحرام هذا له آداب وسنن ينبغي لمن أراد النسك أن يتحلى بها، من هذه الآداب قوله: [من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل]. ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس لما ولدت في ميقات ذي الحليفة أن تستذفر بثوب وأن تغتسل وأن تحرم.. وهذا في صحيح مسلم ، وكذلك أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر عائشة رضي الله تعالى عنها لما أرادت الإحرام بالحج وهي حائض أن تغتسل، وهذا أيضاً أخرجه مسلم ، وكذلك ورد في حديث زيد بن ثابت : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل ).وصفة الاغتسال كالاغتسال من الجنابة، وهناك غسل كامل وغسل مجزئ؛ فالغسل الكامل: أن يبدأ أولاً بالوضوء، وبعد أن ينتهي من الوضوء يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم شقه الأيمن مرةً واحدة، ثم شقه الأيسر مرة واحدة، وهذا هو الغسل الكامل، وأما الغسل المجزئ: فهو أن يعم جميع بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق.قال رحمه الله: [ويتنظف].هذا الأدب الثاني من آداب الإحرام: التنظف، فإذا قالوا: غسل وتنظف، فالمراد بالتنظف ما يتعلق بسنن الفطرة؛ بأن يقلم أظافره ويحلق عانته وينتف إبطه، ويقص شاربه، هذا هو المراد بالتنظف، والصحيح أن هذا ليس من سنن الإحرام؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وعلى هذا نقول بأن ما يتعلق بسنن الفطرة ليس من سنن الإحرام الخاصة، لكن هذه الأشياء يستحب للمسلم أن يتعاهدها إذا طالت، أي: إذا كانت هذه الأشياء طويلة.. فقد تكون أظافره طويلة، أو يكون شاربه طويلاً، أو عانته، فيستحب للإنسان أن يأخذها، ويكره أن يتركها فوق أربعين يوماً، ويحرم أن يتركها حتى تتفاحش فيكون فيه شبه من أهل الشرك ونحو ذلك.فعلى هذا نقول: هذه الأشياء إن كانت طويلة فإنه يستحب للإنسان أن يأخذها، وإن لم تكن طويلة فإنها ليست من سنن الإحرام، حتى ولو أخذها إن كانت طويلة لا على أنها سنة من سنن الإحرام، لكن لأنها طويلة فينبغي للإنسان أن يأخذها.قال رحمه الله: [ويتطيب]. هذا الأدب الثالث: يستحب أن يتطيب إذا أراد الإحرام، والتطيب الذي وردت به السنة يكون في الرأس وفي اللحية.. ففي الرأس كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم )، والوبيص هو البريق واللمعان، وكذلك أيضاً اللحية كما ورد ذلك في صحيح مسلم .فنقول: إذا أراد أن يحرم فيستحب له أن يتطيب في رأسه وفي لحيته.وأما بالنسبة لثياب الإحرام فإنه لا يطيبها، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: ما يلبس المحرم؟ ذكر ما لا يلبس فقال: ( ولا ثوباً مسه زعفران أو ورس ) ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله بأنه يحرم أن يلبس ثوباً مسه الطيب.فإذا طيب ثياب الإحرام ثم أحرم، فالمشهور عند الحنابلة رحمهم الله: أنه يستديم هذه الثياب حتى يخلعها، فإذا خلعها فليس له أن يلبسها مرةً أخرى حتى يغسل عنها الطيب، فلو فرضنا أن رجلاً قبل أن يحرم طيب ثياب الإحرام ثم أحرم وهي عليه، قالوا بأنه لا بأس أن يستديم لبس هذه الثياب بعد إحرامه حتى يخلع الثوب، فإذا خلع الثوب فإنه لا يلبسه حتى يغسل عنه الطيب.
    التجرد من المخيط ولبس إزار ورداء أبيضين
    قال رحمه الله: [ويتجرد عن المخيط].هذا الأدب الرابع: إذا أراد أن يحرم يستحب له أن يتجرد عن المخيط، وعلى هذا لو أنه أحرم وعليه ثيابه، فنقول: بأن إحرامه صحيح لكنه خالف السنة؛ لأن السنة أن يكون متجرداً عن المخيط، لكن لو أحرم وعليه الثياب نقول بأن إحرامه صحيح ويلزمه أن يبادر بنزع الثياب عنه، فإن تركها ولم ينزعها مع التمكن ومضى فترة يمكنه أن ينزعها ولم ينزع وجبت عليه فدية، والسنة -كما ذكر المؤلف رحمه الله- أن يتجرد من المخيط ثم بعد ذلك يحرم؛ لما تقدم ذكره أن زيد بن ثابت روى: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تجرد لإهلاله واغتسل ).قال رحمه الله: [ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين].أي: يحرم في إزار ورداء، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وابن الجارود وإسناده صحيح، وأيضاً ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ) كما ورد في الصحيحين، فدل ذلك على أن الإنسان يحرم بالإزار.وأما قوله: (أبيضين) فهذا دليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم ) وعلى هذا لو أن إنساناً أحرم بإزار ورداء أخضرين أو أدهمين أو أصفرين هذا كله جائز، لكن يقول المؤلف رحمه الله: الأفضل أن يحرم في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين؛ لقول الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].
    صلاة ركعتين بعد لبس الإحرام
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما].هذا الأدب الخامس: أن يصلي ركعتين ويحرم عقيب هاتين الركعتين. فلو قيل: ما هو الدليل على أنه يحرم عقب الركعتين؟ نقول: ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ دبر صلاة الظهر )، كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه. وأيضاً في حديث عمر قال صلى الله عليه وسلم: ( أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةً في حجة ) وهذا في الصحيح، فهذا دليل على أنه يحرم عقب صلاة الركعتين.لكن هل للإحرام صلاة خاصة أو ليس له صلاة خاصة؟ أكثر أهل العلم على أن الإحرام له صلاة خاصة، أي: سنة خاصة تسمى بسنة الإحرام، وعلى هذا إذا أراد الإنسان أن يحرم فإنه يستحب له أن يصلي ركعتين على أنهما سنة الإحرام، ثم بعد ذلك يهل دبر هاتين الركعتين، هذا ما عليه أكثر أهل العلم، واستدلوا: ( بأن النبي عليه الصلاة والسلام أهل دبر صلاة الظهر )، وأيضاً تقدم حديث عمر رضي الله تعالى عنه. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: بأن الإحرام ليس له صلاة خاصة؛ لأن الصلاة التي أهل النبي صلى الله عليه وسلم دبرها هي صلاة فريضة، وهي صلاة الظهر، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، وهذا القول هو الصواب: أن الإحرام ليس له صلاة خاصة، وإنما يهل دبر صلاةٍ مشروعة، سواء كانت فريضةً أو نافلة، فإذا كان الوقت وقت فريضة أحرم بعد أن يصلي الفريضة أو نافلة مشروعة، مثلاً: إذا كان من عادته أن يصلي ركعتي الوضوء، أو إذا اغتسل يصلي ركعتي الوضوء ثم يهل دبرهما، أو ركعتي الضحى إذا كانت من عادته، أو الوتر أو غير ذلك، المهم أنه إذا كانت هناك صلاة مشروعة سواءً كانت فريضة أو نافلة.
    نية الإحرام والتلفظ بها
    قال المؤلف رحمه الله: [وهو أن ينوي الإحرام].ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله إلى أنه تكفي مجرد النية، أي: إذا نوى الدخول في النسك فإن هذا كافٍ، ولا حاجة إلى فعلٍ أو قول، وأن الإنسان ينعقد إحرامه بمجرد النية دون أن يكون هناك قولٌ أو فعل.والرأي الثاني: وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا بد من قولٍ أو فعل مع النية؛ القول، مثل: التلبية، والفعل، مثل: سوق الهدي. والصحيح في ذلك أنه لا حاجة لذلك، وأن الإحرام ينعقد بمجرد النية لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ).قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به].هذا الأدب السادس من آداب الإحرام، يقول المؤلف رحمه الله: (يستحب أن ينطق بما أحرم به)، أي: يستحب أن ينطق بما أحرم به، فإذا أراد أن يحرم بالتمتع نطق وقال: اللهم إني أريد العمرة متمتعاً بها إلى الحج، وإن أراد الإفراد قال: اللهم إني أريد الحج.. وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد الحج والعمرة. والصحيح في ذلك أنه لا يستحب أن ينطق بما أحرم به؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجٍ وعمرة)، وهذا في الصحيحين. وأيضاً تقدم حديث عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ) .وعلى هذا فالصحيح أنه لا حاجة أن يبين أنه يريد التمتع أو القران أو الإفراد.ولكن كيف يهل؟ نقول: إن أراد التمتع فإنه يهل بالعمرة، فيقول: لبيك عمرةً لبيك.. لبيك اللهم لبيك، وإن أراد الإفراد فإنه يهل بالحج، ويقول: لبيك حجاً لبيك.. لبيك اللهم لبيك فقط، وإن أراد القران أهل بالعمرة والحج، أي: يقدم العمرة على الحج، فيقول: لبيك عمرةً وحجاً لبيك.. لبيك اللهم لبيك.. وهذا هو الصواب.
    الاشتراط عند الإحرام
    قال المؤلف رحمه الله: [ويشترط ويقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني]. هذا الأدب السابع، ويفيد كلام المؤلف رحمه الله أن الاشتراط جائز؛ بل إنه مستحب، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: حديث ضباعة بنت الزبير أنها ( أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: لبيك اللهم لبيك ومحلي حيث حبستني ). الدليل الثاني: حديث عائشة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على ضباعة وهي شاكية، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج وأجدني شاكية، فقال: حجي واشترطي ). والدليل الثاني: أنه ورد عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الاشتراط. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: أن الاشتراط لا يشرع إلا لمن كان خائفاً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل بقصة ضباعة بنت الزبير، فـضباعة رضي الله تعالى عنها رخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراط لأنها خائفة، أما غير الخائف فإنه لا يشترط ولا ينفعه الاشتراط؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشترط؛ فقد اعتمر أربع عمر، وحج حجة الوداع ومع ذلك لم يشترط.والرأي الثالث: عدم مشروعية الاشتراط مطلقاً، وهذا قال به أبو حنيفة ، ودليله ما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: حسبكم سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يشترط. فالآراء في هذه المسألة ثلاثة: الأول: المشروعية مطلقاً، والثاني: عدم المشروعية مطلقاً، والثالث: المشروعية لمن كان خائفاً وهذا القول هو الصواب، والدليل له حديث ضباعة رضي الله تعالى عنها.
    أنساك الحج
    قال المؤلف رحمه الله: [وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران].أي: مخير بين هذه الأنساك الثلاثة، وأنساك الحج ثلاثة باتفاق الأئمة، والأئمة يتفقون على أن هذه الأنساك كلها جائزة، فمن أراد أن يتمتع فله ذلك، ومن أراد أن يقرن فله ذلك، ومن أراد أن يفرد فله ذلك، هذا ما عليه الأئمة الأربعة، ودليلهم كما تقدم حديث عائشة في الصحيحين قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجٍ وعمرة. أهل بحج هذا هو الإفراد.. أو بعمرة هذا هو التمتع.. وبحج وعمرة هذا هو القران.
    أفضل أنواع النسك
    لكن اختلف العلماء رحمهم الله في الأفضل: أي الأنساك أفضل؟ قال المؤلف رحمه الله: [وأفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران].وهذا المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله؛ أن التمتع هو أفضل الأنساك، وعند أبي حنيفة الأفضل القران، وعند الإمام مالك والشافعي الأفضل هو الإفراد، ولكلٍ منهم دليل:فأما من قال بأن الأفضل التمتع فاستدلوا بأن التمتع ذكره الله عز وجل في القرآن فقال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم ) .والذين قالوا بأن الأفضل القران استدلوا بأدلة منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، وقد روى قران النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ستة عشر نفساً من الصحابة، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أشك في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً.وأما من قالوا بأن الأفضل الإفراد فقد استدلوا بأن هذا هو الوارد عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان أربعة وعشرون عاماً يفردون الحج، وأيضاً لكي يعمر البيت، فالإنسان إذا خصص الحج بسفرة والعمرة بسفرة أدى ذلك إلى عمارة البيت.والصواب أن يقال: الأفضل أن الإنسان يكون متمتعاً إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا ساق الهدي، فإن ساق الهدي فالأفضل القران.الحالة الثانية: إذا اعتمر قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، مثلاً اعتمر في رمضان أو في شعبان، وبقي في مكة حتى حج، فإن الأفضل الإفراد.فأصبح عندنا الأفضل التمتع إلا في حالتين: الحالة الأولى: يكون القران فيها أفضل وهو ما إذا ساق الهدي. والحالة الثانية: يكون الإفراد أفضل وهو ما إذا اعتمر قبل أشهر الحج ومكث في مكة حتى حج، فإن الأفضل الإفراد.
    صورة التمتع والإفراد
    قال المؤلف رحمه الله: [والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه].هذه صورة التمتع: أن تحرم بالعمرة في أشهر الحج -وقد تقدم لنا أشهر الحج أنها تدخل بشوال- ويفرغ من العمرة، ثم يحرم بالحج في عامه.. وهذا هو التمتع، فإذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج ولم يسافر إلى أهله؛ لأنه إذا سافر إلى أهله فإنه يبطل تمتعه، أي: لا يسافر بين العمرة وبين الحج إلى أهله، كما ورد ذلك عن عمر وابنه رضي الله تعالى عنهما.وقوله: (أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها) فلا يدخل عليها الحج، فإن أدخل عليها الحج قبل أن يفرغ منها، فإنه لا يكون متمتعاً كما سيأتي.وقوله: (ثم يحرم بالحج في عامه) هذه هي صورة التمتع.قال رحمه الله: [والإفراد: أن يحرم بالحج وحده].الإفراد أن يحرم بالحج وحده، وليس بشرط أن يحرم بالعمرة بعد الحج.. فلو أحرم بالعمرة بعد الحج فهذا ليس قيداً وليس شرطاً للإفراد.
    القران وصوره
    قال المؤلف رحمه الله: [والقران: أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة].القران له ثلاث صور:الصورة الأولى: قوله: (أن يحرم بهما) أي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، والسنة أن يبدأ بذكر العمرة قبل الحج، فيقول: لبيك عمرة وحجةً.. لبيك اللهم لبيك، كما تقدم في حديث عمر رضي الله تعالى عنه.الصورة الثانية: قوله: (أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج) كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أحرمت بالعمرة ثم حاضت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج فتكون قارنة. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا بأس للإنسان أن يحرم بالعمرة ثم يحرم بالحج مطلقاً، سواء كان لحاجة أو لغير حاجة، أي: سواء كان هناك حاجة تدعوه إلى ذلك أو لم يكن هناك حاجة. وهذا الرأي الأول.وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يدخل الحج على العمرة إلا إذا كان يحتاج، مثل حال عائشة ؛ فـعائشة أحرمت بالعمرة وحاضت، فلو قلنا: تنتظر ولا تحرم بالحج حتى تنتهي من العمرة فاتها الحج؛ لأن عائشة الآن لما أحرمت بالعمرة تريد أن تجلس مدة الحيض تقريباً ستة أيام أو سبعة.. وهنا يفوتها الحج، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على العمرة.. هنا حاجة، فإذا كان الإنسان يحتاج إلى ذلك: امرأة حاضت، أو إنسان أحرم بالعمرة بعد ذلك حصل له عائق أو حادث أو غير ذلك، فلو قلنا بأنه لا يحرم بالحج حتى ينتهي من العمرة، فقد يطول عليه الحادث والتخلص منه ثم ينتهي من العمرة وقد فاته الحج، فهنا لا بأس أن يحرم بالحج ويدخل الحج على العمرة لكي يكون قارناً.فالرأي الثاني: أنه لا يدخل الحج على العمرة إلا عند الحاجة، كما في حال عائشة ونحوها .الصورة الثالثة: قوله: (ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة) أي لو أحرم بالحج ثم لبى بالعمرة؛ لأن عندنا مسألتان:المسألة الأولى: إنسان أحرم بالحج ثم بعد ذلك فسخ الحج إلى عمرة لكي يكون متمتعاً، فهو أحرم بالحج مفرداً، أو أحرم بالعمرة والحج قارناً، ثم فسخ إحرامه إلى التمتع، فنقول: هذا حكمه سنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة بذلك، فالقارن إذا لم يسق الهدي وكذا المفرد يستحب لهما أن يفسخا إحرامهما إلى عمرة ليكونا متمتعين.المسألة الثانية: ليست فسخاً، وإنما هي إدخال نسك على نسك.. فأحرم بالحج أو لبى بالحج: لبيك حجاً لبيك.. لبيك اللهم لبيك، ثم بعد ذلك أدخل عليه العمرة.. لبى بالعمرة، فقال: لبيك عمرةً لبيك.. لبيك اللهم لبيك، هل يصح هذا الإدخال ويكون قارناً أو لا يصح؟ هذا فيه رأيان:الرأي الأول: أنه لا يصح، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة، لم ينعقد إحرامه بالعمرة) وهذا هو المشهور من المذهب.والرأي الثاني رأي الحنفية: أن هذا الإدخال صحيح، لوروده عن علي رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا تكون هذه هي الصورة الثالثة من صور القران: أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة.. يلبي بالعمرة.
    التلبية
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا استوى على راحلته لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك].هذا الأدب الثامن: أن يلبي إذا استوى على راحلته، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله؛ ودليل ذلك حديث جابر أنه قال: إن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. وهو في البخاري . وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني رأي الشافعي : أنه يشرع في التلبية إذا سار، سواء كان راكباً أو كان ماشياً على رجليه، فإذا بدأ بالمشي فإنه يبدأ بالتلبية، ودليل ذلك أيضاً حديث جابر أنه قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحرم إذا توجهنا إلى منى )، وهذا أخرجه مسلم .والرأي الثالث: رأي أحمد وأبي حنيفة أنه يبدأ الإحرام من بعد الفراغ من الصلاة، أي: بعد أن ينتهي الإنسان من صلاته يبدأ بالتلبية مباشرةً، وهذا دليله حديث ابن عباس أن النبي عليه السلام أهل دبر صلاة الظهر، وأيضاً تقدم حديث عمر في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حجة ) فقال: صل وقل، فهذا يدل على أن الإهلال إنما هو دبر الصلاة.وهكذا جمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما في مسند أحمد أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس عن اختلاف الناس في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فجمع ابن عباس بأن الناس كانوا يأتون أوزاعاً متفرقين، فسمعه أناس يهل دبر صلاة فأخذوا ذلك عنه، وسمعه أناس يهل لما استوت به راحلته فأخذوا ذلك عنه، وسمعه أناس يهل لما سار وعلا على البيداء فأخذوا ذلك عنه.وقول المؤلف رحمه الله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) هذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، وقد ورد أيضاً من حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد : ( لبيك إله الحق لبيك ) وهذا أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه ، وأيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه: (لبيك مربوباً ومرهوباً إليك، ذا النعماء والفضل الحسن)، وورد أيضاً عن أنس : (لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً)، فإذا أتى الإنسان بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم أو بما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن هذا جائز.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (50)


    إذا دخل الحاج في النسك بالتلبية فإنه عند ذلك يمنع من أمور يسميها الفقهاء محظورات الإحرام، ومن هذه المحظورات إزالة شيء من شعر الرأس أو الجسم بحلق أو غيره، ومن ذلك لبس المخيط، ويباح عمن لم يجد الإزار لبس السراويل، ومن المحظورات لبس الخفين وتغطية الرأس، ويشر
    تابع التلبية
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويستحب الإكثار منها ورفع الصوت بها لغير النساء، وهي آكد فيما إذا علا نشزاً أو هبط وادياً، أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً، وفي أدبار الصلاة المكتوبة وبالأسحار وإقبال الليل والنهار].تقدم لنا في الدرس السابق شيءٌ من سنن الإحرام وآدابه، وذكر المؤلف رحمه الله من هذه السنن الاغتسال وما يتعلق به من حيث الكيفية والحكم، وكذلك أيضاً التنظف بأخذ سنن الفطرة، وهل هو من سنن الإحرام؟ وهل يشرع للإحرام صلاة خاصة؟وتكلمنا في آخر ما تكلمنا عليه ما يتعلق بالتلبية ومتى تشرع، وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه يبدأ بالإهلال دبر الصلاة. والقول الثاني: أنه يبدأ إذا استوت به راحلته. والقول الثالث: أنه يبدأ إذا بدأ بالمسير.ثم ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الدرس شيئاً من الأحكام المتعلقة بالتلبية؛ فذكر ما يتعلق برفع الصوت، وأيضاً متى تتأكد التلبية.
    الإكثار من التلبية ورفع الصوت بها
    فنقول: يشرع الإكثار من التلبية ورفع الصوت بها، ويدل لهذا حديث السائب بن خلاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ) وهذا أخرجه الترمذي وصححه، وبقول أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري : سمعتهم يصرخون بها صراخاً، وكذلك أيضاً ذكر جابر رضي الله تعالى عنه: أن حلوقهم كانت تبح من رفع أصواتهم بالإهلال.ورفع الصوت بالتلبية هذا باتفاق الأئمة.
    أوقات تتأكد فيها التلبية
    وذكر المؤلف رحمه الله تعالى بأن التلبية تتأكد إذا علا نشزاً أو هبط وادياً، أو صلى مكتوبةً، أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق أو سمع ملبياً. وما ذكره المؤلف رحمه الله دليله ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يلبي راكباً ونازلاً ومضطجعاً، وهذا أخرجه البيهقي ، وكذلك أيضاً روى سعيد بن منصور كما روى خيثمة بن أبي سبرة ، يقول: كان أصحاب عبد الله -يعني: عبد الله بن مسعود - يلبون إذا هبطوا وادياً، أو أشرفوا على أكمةٍ، أو لقوا ركباً، وبالأسحار ودبر الصلاة.
    تلبية النساء
    كذلك أيضاً الرجل يصوت بها، وأما المرأة فإنها تخفيها، ولا تجهر بها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، لأن أمر المرأة مبني على الحشمة والحياء والستر.
    محظورات الإحرام
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام]. بعد أن ذكر المؤلف ما يتعلق بالإحرام وآدابه شرع رحمه الله فيما يتعلق محظورات الإحرام.المحظور ت، أي: المحرمات، وقوله: (الإحرام) هذا سبق بيانه، فالمراد بهذا الباب: المحرمات بسبب الإحرام، وتقدم أن ذكرنا أن المحرم إذا دخل في النسك، فإنه يحرم على نفسه شيئاً من المباحات التي كانت مباحة له قبل دخوله في النسك، فقولنا: المحظورات، أي: المحرمات بسبب الإحرام.والحكمة من تحريم هذه الأشياء على المحرم هي: البعد عن الترفه، وتربية النفس على التقشف والاتصاف بصفة الخاشع، ولكي يتذكر بتجرده عن المخيط القدوم على ربه عز وجل فيكون أقرب إلى مراقبته. وكذلك أيضاً من الحكم: استكمال العبادة في جميع البدن. ومن الحكم أيضاً: أن الإنسان إذا أحرم فإنه ينبه نفسه أنه في عبادة لا ينبغي له أن يشتغل إلا بها.ثم قال المؤلف رحمه الله: [وهي تسعة].يعني: أن محظورات الإحرام تسعة أشياء، وهذا الحصر بناءً على استقراء العلماء رحمهم الله؛ فإن العلماء رحمهم الله استقرؤوا الأدلة، فتلخص لهم من الأدلة أنها تسعة محظورات، وسيأتي إن شاء الله بيانها.وهل فعل شيءٍ من هذه المحظورات محرم؟ يعني: هل يأثم الإنسان إذا فعل شيئاً من هذه المحظورات؟ نقول بأن فعل هذه المحظورات ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: أن يفعلها لحاجة، فهذا لا إثم عليه، وإنما تجب عليه الفدية كما سيأتي إن شاء الله بيانها.القسم الثاني: أن يفعلها لغير حاجة، فهذا يأثم.
    المحظور الأول: إزالة شيء من الشعر بحلق أو غيره
    قال المؤلف رحمه الله: [ الأول والثاني: حلق الشعر].هذا المحظور الأول من محظورات الإحرام وهو حلق الشعر، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن حلق الشعر من جميع البدن من محظورات الإحرام، سواء حلقه من الرأس، أو حلقه من الأماكن التي يشرع أخذ الشعر منها، كسنن الفطرة: قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، أو حلقه من بقية البدن. واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] فقالوا: إن الله عز وجل نص على حلق الرأس، وأُلحق بقية الشعر بالرأس، وجمهور أهل العلم رحمهم الله يتفقون على أن حلق الشعر من جميع البدن -سواء كان من الرأس أو من بقية البدن- أنه من محظورات الإحرام.وإن كانوا يختلفون في تحديد المحظور إلا أنهم يتفقون من حيث الجملة أن حلق الشعر يشمل كل البدن، ولا يختص ذلك بالرأس. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: وهو رأي ابن حزم رحمه الله أن حلق الشعر الذي هو محظور من محظورات الإحرام إنما هو حلق شعر الرأس فقط، أما أخذ الشعر من بقية البدن فإنه ليس من محظورات الإحرام؛ لأن النص إنما ورد في شعر الرأس فقط.والقول بأن النص إنما ورد في شعر الرأس فقط هذا غير مسلم؛ فإن الله عز وجل قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] وقضاء التفث هذا إنما يكون يوم النحر عند التحلل، وقد فسره جمع من العلماء كـمحمد بن كعب وغيره: أن قضاء التفث المراد به حلق العانة ونتف الإبط والأخذ من الشارب وقص الأظفار.. هكذا فسره طوائف من أئمة اللغة وجمع من المفسرين، فدل ذلك -أعني تفسير قوله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)- أنه كان ممنوعاً من هذه الأشياء قبل تحلله.وعلى هذا نقول: الشَّعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شعر الرأس، وهذا لا إشكال في أنه من محظورات الإحرام، والاتفاق واقع على ذلك.القسم الثاني: الشعر الذي يشرع أخذه وندب الشارع إلى أخذه، كشعر الإبط والشارب والعانة، فهذه أيضاً دل قول الله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج:29] على أنه أيضاً من محظورات الإحرام.القسم الثالث: الشعر من بقية البدن، فهذا لا دليل على أنه محظور من محظورات الإحرام، ولكن الأولى والأحسن بالمسلم أن يترك ذلك؛ لأنه كما سبق أن الأئمة الأربعة رحمهم الله كلهم يتفقون على أنه من محظورات الإحرام، وإن كان يختلفون في شيءٍ من التفاصيل.وقول المؤلف رحمه الله: (حلق الشعر) يشمل ما إذا نتفه، يعني: سواء كان حلقاً، أو كان ذلك عن طريق النتف، أو كان ذلك عن طريق القص، فهذا كله لا يجوز لعموم قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] وسيأتينا إن شاء الله ما هو الشعر الذي إذا حلق ترتبت الفدية في حلقه، ولكن هنا بينا: هل حلق الشعر أو قص الشعر من محظورات الإحرام أو لا؟ وتلخص لنا أن الشعر ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
    المحظور الثاني: تقليم الأظفار
    قال المؤلف رحمه الله: [وقلم الظفر].أيضاً اتفق الأئمة الأربعة على أن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فإن قضاء التفث فسره جمع من المفسرين وأهل اللغة أن المراد به قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظفار. وورد أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): هو وضع إحرامهم؛ من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظفار.فتفسير ابن عباس على أنه مما يدخل في التفث قص الأظفار، والله عز وجل قال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) وهذا إنما يكون عند إيفاء النذر. وإيفاء النذر يكون يوم العيد، فإن الإنسان إذا أحرم يكون كأنه نذر إتمام هذا النسك؛ ولهذا سبق أن أشرنا إلى أن الإحرام بالحج والعمرة من ميزته: أنه لا يمكن أن تبطل الإحرام بالحج والعمرة، يعني: لو أن الإنسان دخل في الحج أو دخل في العمرة وأراد أن يبطل الإحرام بهما فإنه لا يتمكن من ذلك، ولا يمكن أن يخرج من إحرام الحج والعمرة إلا بواحدٍ من أمورٍ ثلاثة: الأول: إتمام النسك، كما قال الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]. والثاني: الردة عن دين الإسلام. والثالث: الإحصار.وما عدا ذلك لا يمكن، وللأسف تجد بعض الناس يذهب للإحرام ثم يجد مشقةً أو زحاماً، ثم يقول: أبطلت الإحرام ورجعت، ويلبس ثيابه، وهذا لا يبطل إحرامه؛ بل لا يزال محرماً، وكونه لبس الثياب أو رفض الإحرام فإن الإحرام لا يبطل ولا يمكن أن يخرج من الإحرام إلا بواحدٍ من هذه الأمور الثلاثة، ولهذا سماه الله عز وجل نذراً، والله عز وجل يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].المهم: هذا الذي دخل في نسك الحج إيفاؤه بالنذر إنما يكون يوم النحر؛ لأن يوم النحر به يحصل التحلل الأول، وقد يتحلل الإنسان التحلل الثاني، فإذا حصل التحلل الأول فإنه يقضي تفثه ويحلق عانته ويقص شاربه وينتف إبطه ويقص أظفاره، فدل على أنه كان ممنوعاً من هذه الأشياء. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الظاهرية، فقالوا بأن قص الأظفار هذا ليس من محظورات الإحرام، فلا بأس أن يقص الإنسان أظفار يده أو أظفار رجله، وأنَّ هذا ليس من محظورات الإحرام، ولكن ما ذهب إليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، وقلنا بأن الأئمة يتفقون على ذلك هو الأقرب. فالأقرب أن الإنسان يترك قص أظفاره لما ذكرنا من دليلهم.
    مقدار الفدية عند حلق الشعر وقلم الأظفار
    قال المؤلف رحمه الله: (ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونه مد طعام وهو ربع صاع).يقول المؤلف رحمه الله: (في ثلاثة أظفار دم). يعني: إذا قلم ظفراً أو بعض ظفرٍ، فهذا يجب عليه أن يطعم مسكيناً، فإذا قلم ظفرين فإنه يجب عليه أن يطعم مسكينين، فإذا قلم ثلاثة أظفار فإنه يجب عليه الدم، والمراد بالدم هنا: فدية الأذى، وما هي فدية الأذى؟ كما سيأتينا إن شاء الله فدية الأذى: أنه مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستة مساكين، أو أن يذبح شاةً، والشاة أيضاً مخير في ذلك بين أمورٍ أربعة: إما سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو ثني معز، أو جذع ضأن.فقوله رحمه الله: إذا قلم ثلاثة أظفار يجب عليه دم. هذا كما أشرنا إلى أن المراد بالدم هنا فدية الأذى، وفدية الأذى يكون فيها مخيراً بين أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، وكونه يصوم فبعض الناس قد يكون الصيام عليه سهلاً، وأيضاً إطعام ستة مساكين قد يكون أسهل، وذبح الشاة مخير في ذلك بين واحدٍ من أمورٍ أربعة سبق أن بيناها.أيضاً بالنسبة للشعر، يقولون: إذا حلق شعرةً فعليه أن يطعم مسكيناً، فإذا حلق شعرتين فعليه أن يطعم مسكينين، فإذا حلق ثلاث شعرات فعليه دم، والمراد بالدم هو فدية أذى، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وذكره المؤلف رحمه الله، وهو أيضاً مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وهو الرأي الأول.والرأي الثاني: أنه لا تلزم الفدية إلا إذا حلق من رأسه ما يحصل به إماطة الأذى فإنه تلزمه الفدية، ودليل ذلك قصة كعب رضي الله عنه كما في قول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، وهذه الآية نزلت في كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه لما حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وأن يخرج الفدية، أي: فدية من صيام أو صدقة أو نسك؛ إما صيام ثلاثة أيام، أو صدقة: يطعم كل مسكينٍ نصف صاع، أو نسك: أن يذبح شاةً، فهو مخير بين هذه الأمور الثلاثة.فإذا حلق ما يحصل به إماطة الأذى فإنه تجب عليه الفدية، أما إذا حلق دون ذلك فإن الفدية لا تجب عليه، ولهذا ثبت في صحيح البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم )، ولا شك أن الإنسان إذا احتجم فإنه سيأخذ شيئاً من شعره، ولم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام أخرج في ذلك فديةً.وعلى هذا نقول: عندنا فرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي؛ ففي الحكم التكليفي التحريم، أي: نقول بأنه يحرم على الإنسان أن يأخذ ولو شعرة واحدة من رأسه؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] والنهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه، لكن بالنسبة للحكم الوضعي متى تجب الفدية؟ نقول: لا تترتب الفدية إلا إذا حلق من شعره ما تحصل به إماطة الأذى؛ كما قال الإمام مالك رحمه الله: ما يحصل به إماطة الأذى أو الترفه، فإذا حصل ذلك لزمت الفدية، كما في قصة كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.أما لو حلق شعرة أو شعرتين أو عشر شعرات مما لا يحصل به إماطة الأذى فنقول: لا دليل على الفدية، والمؤلف يقول: إذا حلق شعرة فعليه إطعام مسكين وإذا حلق شعرتين فعليه أن يطعم مسكينين وإذا حلق ثلاثاً هنا ترتبت عليه الفدية، ولكن الصحيح أن نقول بأنه يفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي؛ ففي الحكم التكليفي: نقول بأن النهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه، ولا يكون الإنسان ممتثلاً النهي حتى يترك جميع أفراد المنهي عنه، وهذا بالنسبة للتحريم، وأما بالنسبة للحكم الوضعي وما يتعلق بالفدية، فنقول: الذي دل عليه الدليل أنه إذا حلق من رأسه ما تحصل به إماطة الأذى فإن الفدية تترتب عليه.وكذلك أيضاً بالنسبة لتقليم الأظفار، فهناك فرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي؛ لأن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام كما قال جماهير أهل العلم وكما ذكرنا الدليل على ذلك، فهذا حكم تكليفي؛ فيحرم على الإنسان أن يأخذ هذه الأشياء إذا كان لغير حاجة، ولكن هل وجب في ذلك فدية وهل دل دليل على وجود فدية في تقليم الأظفار؟ نقول بأنه لم يرد في ذلك دليل، فلا بد أن نفرق بين ما يتعلق بالحكم التكليفي وبين ما يتعلق بالحكم الوضعي وهو الفدية.
    ما يلزم من نزول الشعر على العين وكسر الظفر
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينه، أو انكسر ظفره فقصه فلا شيء عليه].إذا خرجت شعرةٌ في عينه فقلعها فإنه لا شيء عليه في ذلك، مع أنه قال المؤلف رحمه الله فيما تقدم: أنه إذا حلق شعرةً أو قصها فعليه إطعام مسكين، وهنا يقول: إذا خرج في عينه شيء فقلعه فإنه لا شيء عليه، والعلة في ذلك، قيل: لأن هذا من حكم دفع الصائل، والمحرم له أن يدفع الصائل، فإذا خرج في عينه شيء فإنه لا فدية عليه لأذى كالصائل، كما لو صال عليه شيء فدفعه حتى قتله فإنه لا شيء عليه.وقوله رحمه الله: (أو نزل شعره فغطى عينه) أيضاً لو نزل الشعر من رأسه فغطى عينيه فقصه، هذا أيضاً نقول: دفعه لأذى هذا الشعر كدفع الصائل، فلا يجب عليه شيء.وقوله رحمه الله: (أو انكسر ظفره فقصه فلا شيء عليه) إذا انكسر الظفر فقصه فإنه لا شيء عليه لما تقدم أن ذكرنا أنّ هذا كالصائل.
    المحظور الثالث لبس المخيط
    يقول المؤلف رحمه الله: [الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس سراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه].هذا المحظور الثالث من محظورات الإحرام، وهو: لبس المخيط، وتقدم أن ذكر المؤلف رحمه الله المحظور الأول: وهو حلق الشعر، وبينا ما المراد بالشعر الذي يمنع من حلقه، والشعر الذي يباح حلقه، ثم ذكر المؤلف رحمه الله المحظور الثاني: وهو تقليم الأظفار، ثم بعد ذلك شرع في المحظور الثالث: وهو لبس المخيط. ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما يلبس المحرم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه زعفران أو ورس ) وهذا الحديث في الصحيحين، وأيضاً في سنن البيهقي : ( ولا القبا ) .وقول المؤلف رحمه الله: (لبس المخيط) هذه اللفظة لم ترد في السنة، أي: لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يلبس المحرم المخيط، وإنما عبر بها بعض العلماء فتلقاها العلماء عالماً عن عالم، وهذه اللفظة أوقعت بعض الناس في شيءٍ من الإشكال، فتجد أن كثيراً من عامة الناس يسأل: عن ثوب الإحرام إذا كان فيه شيء من الخياطة، هل يجوز أن يلبسه أو لا يجوز أن يلبسه؟ ويسأل أيضاً عن النعل إذا كان فيها شيء من الخياطة، يظن أن المراد بالمخيط هو تلك الخيوط الموجودة المغروزة، وليس كذلك، لكن ذكر العلماء رحمهم الله ضابط المخيط: أنه ما صنع على قدر العضو، يعني: كل ما صنع على قدر العضو أو على قدر البدن بحيث يحيط به؛ إما بخياطة أو بنسج أو غير ذلك، فالمراد بالمخيط هو: ما صنع على قدر العضو أو على قدر البدن بحيث يحيط به، فهذا هو المراد، وليس المراد هو وجود خيوط في اللباس الذي يلبسه المحرم.وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف ).نقول: ما يمنع المحرم من لبسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: ما كان منصوصاً عليه، يعني: جاء النص عليه في السنة، فنقول: هذا لا إشكال في أن المحرم ليس له أن يلبسه، والنبي عليه الصلاة والسلام نص على القمص ونص على السراويلات والعمائم والبرانس والخفاف، وكما قلنا: أيضاً وفي سنن البيهقي : ( ولا القباء )، في حديث يعلى بن أمية : ( الجبة )، فما كان منصوصاً عليه هذا يمنع منه.القسم الثاني: ما كان في معنى المنصوص عليه؛ إذ إن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، فهناك أشياء في معنى هذه الأشياء، فما كان في معنى هذه الأشياء أيضاً يكون ممنوعاً، مثل: الكوت، فهذا يمنع منه المحرم، ومثل: الفانيلة، هذا أيضاً يمنع منه المحرم؛ لأنها في معنى المنصوص عليه، ومثل: الجوارب للذكر، فهذا أيضاً يمنع منه المحرم؛ لأنها في معنى المنصوص عليه.القسم الثالث: ما كان ليس في معنى المنصوص عليه أو متردداً بينه وبين غير المنصوص عليه، فنقول: الأصل في ذلك الحل، فما ليس في معنى ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو كان متردداً بين أن يكون منصوصاً عليه أو يكون غير منصوص عليه -يعني: لا يظهر في أحدهما- فهذا نقول فيه: الأصل في ذلك الحل، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، مثل: نظارة العين والساعة والخاتم، فهذه ليست بمعنى المنصوص عليه، فليست في معنى الثياب والسراويل والبرانس والخفاف.ومثل ذلك أيضاً: ما يوجد عند بعض الناس يصل إزاره، يعني: يكون الإزار موصولاً مخيطاً، فهذا داخل في ذلك ولا يظهر أنه في معنى المنصوص عليه، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام نص على الإزار، قال عليه الصلاة والسلام: ( فإن لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل ) وهذا يشمل ما إذا كان موصولاً أو كان غير موصول، المهم يظهر هنا عدم دخوله، ولو قلنا بأنه في معنى المنصوص عليه فإنه مستثنى؛ لدخوله في عموم لبس الإزار.ومثل ذلك أيضاً: أن بعض الناس يلبس شيئاً على ركبته أو خرقةً على فخذه ونحو ذلك من الأشياء، فنقول: بأن هذه الأشياء ليست في معنى المنصوص عليه، ومثل ذلك أيضاً: المحفظة والمنطقة التي يلبسها الحاج يحفظ فيها النقود، فهذه ليست في معنى المنصوص عليه.
    لبس المحرم للسراويل وفتقه
    وقوله رحمه الله: (لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس سراويل) ذكرنا الدليل على ذلك، فإذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ) ولحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً إذا لم يجد نعلين فإنه يلبس الخفين.وهل يجب عليه أن يفتق السراويل وأن يقطع الخفين، أو نقول بأنه لا يجب عليه؟ يعني: هذا محرم لم يجد إزاراً، نقول: البس السراويل، أو أحرم وأنت عليك سراويل.. ما يضر هذا، أو لم يجد نعلين نقول: البس الخفين وأحرم بهما، هل يجب عليه أن يقطع الخفين من الأسفل حيث يظهر العقب، وهل يجب عليه أن يفتق السراويل بحيث أنها تكون كالإزار، أو نقول بأنه لا يجب عليه شيء من ذلك؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب: أنه لا يجب عليه شيء من ذلك؛ لأن الأمر بالقطع في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان في أول الأمر.. كان في المدينة، ثم بعد ذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في عرفة ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم القطع، فدل ذلك على أنه قد نسخ. وعلى هذا نقول بأنه كما قال المؤلف رحمه الله: فليلبس السراويل ولا يجب عليه أن يفتقها، وكذلك أيضاً يلبس الخفين ولا يجب عليه أن يقطعهما.
    عقد المحرم لإزاره وردائه
    أيضاً قبل أن ننتقل عن هذا المحظور نذكر مسألتين من المسائل المتعلقة بلبس المخيط، وهما ما يتعلق بعقد الرداء وعقد الإزار، فعندنا مسألتان: هل للإنسان أن يعقد رداءه أو ليس له ذلك؟ وهل له أن يعقد إزاره أو ليس له ذلك؟أما بالنسبة للإزار فالإنسان له أن يعقد إزاره، وجمهور أهل العلم رحمهم الله على ذلك؛ لأنه محتاج إلى ستر عورته، والإزار هو الذي يستر النصف الأسفل من البدن، فإذا احتاج إلى أن يشبكه بمشبك ونحو ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به، وهذا عند جمهور أهل العلم خلافاً للمالكية فإنهم لم يجوزوا ذلك.وبالنسبة للرداء الذي يستر أعلى البدن، هل للمحرم أن يشبكه أو ليس له أن يشبكه؟ جمهور أهل العلم رحمهم الله على أنه ليس له أن يشبكه، وعند الحنفية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن له ذلك، يعني: له أن يشبك الرداء وهذا هو الصحيح، فنقول: الإزار له أن يشبكه لحاجته إلى ستر العورة، فإذا احتاج أن يشبكه بمشبك أو مشبكين أو ثلاثة، نقول: هذا لا بأس به، وبالنسبة للرداء لا بأس أن يشبكه، لكن لا يكثر من ذلك، لأنك تجد أن بعض الناس يكثر من شبك الرداء ويضع مشابك كثيرة، فنقول: الأولى والأحسن ترك ذلك ويقتصر على مشبك واحد؛ لأنه كما أسلفنا أن جمهور أهل العلم رحمهم الله يمنعون من شبك الرداء.
    لبس النعلين والخفين عند عدمهما للمحرم
    كذلك أيضاً المسألة الأخيرة: لا بأس أن المحرم يلبس النعلين سواء كان رجلاً أو امرأةً، فالمرأة لها أن تلبس الجوارب ولها أن تلبس الخفاف، فهناك فرق بين إحرام المرأة وإحرام الرجل كما سيأتينا إن شاء الله؛ فبالنسبة للرجل له أن يلبس النعلين ولكن ليس له أن يلبس الجوارب في الرجلين أو الجوارب في اليدين، وهل له أن يلبس الخفين المقطوعين من أسفل، أو نقول: لا يلبس الخفين المقطوعين من أسفل إلا إذا لم يجد نعلين؟ يعني: توجد الآن بعض النعال تستر القدم، يعني: العقب يكون ظاهراً، هل هذه جائزة أو ليست جائزة؟ يعني: عندنا نعال يدخل فيها اللابس رجله بحيث أنها تستر قدمه ويبقى العقب ظاهراً، فهل هذه النعال جائزة أو ليست جائزة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والمشهور عند الحنفية رحمهم الله أن هذا جائز ولا بأس به، وعند المالكية والشافعية أن هذا غير جائز، والأقرب في هذا الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الخف المقطوع بدلاً عن النعل، فدل ذلك على أن النعل المشبه لهذا الخف بحيث أنه يستر القدم جائز ولا بأس به.
    المحظور الرابع: تغطية الرأس والأذنين
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه].هذا المحظور الرابع من محظورات الإحرام، ودليله ما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القمص ولا العمائم ) والعمائم هذه من لباس الرأس. وأيضاً في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الرجل الذي وقصته راحلته، قال عليه الصلاة والسلام: ( اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ) فتغطية الرأس من محظورات الإحرام، وهي من محظورات الإحرام الخاصة بالذكر، أما الأنثى فسيأتينا إن شاء الله أن لها أن تغطي رأسها.
    أقسام تغطية الرأس وأحكامها
    وتغطية الرأس ذكر العلماء رحمهم الله له أقساماً:القسم الأول: أن يغطي رأسه بلباسٍ معتاد، مثل: العمامة وما يقوم مقام العمامة اليوم، مثل: الطاقية والغترة والشماغ وغير ذلك من هذه الأشياء التي تختلف باختلاف الأعراف والبلدان والأزمنة والأمكنة فنقول بأن هذا من محظورات الإحرام.القسم الثاني: أن يغطي رأسه بشيءٍ غير معتاد، مثل: لو أنه غطى رأسه بقرطاس، أو بشيء من الورق مثلاً، فهل هذا من المحظورات أو ليس من المحظورات؟ نقول: هذا من محظورات الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا تخمروا رأسه ) يعني: تغطوا، وهذا داخل في التغطية.القسم الثالث: أن يحمل على رأسه شيئاً، يعني: يحمل متاعاً ونحو ذلك، فهل هذا داخل في النهي أو ليس داخلاً في النهي؟ هذا فيه تفصيل؛ فإن قصد بالحمل أن يغطي رأسه فهذا من محظورات الإحرام، وإن لم يقصد ذلك وإنما قصد أن يحمل متاعه على رأسه فإن هذا جائز ولا بأس به.القسم الرابع: أن يستظل بشيءٍ غير تابع له، فهذا ليس من محظورات الإحرام، كما لو استظل ببيت أو خيمة ونحو ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام ضربت له القبة بنمرة.القسم الخامس: أن يستظل بشيءٍ تابع، يعني: يتحرك بحركته، مثل: السيارة ومثل الشمسية التي يحملها في يده، فهل هذا من المحظورات أو ليس من المحظورات؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فعند المالكية والحنابلة يرون أنه من محظورات الإحرام، وعند الشافعية والحنفية أن هذا ليس من محظورات الإحرام، والصحيح أن هذا ليس من محظورات الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التغطية ولم ينه عن الاستظلال، وورد في حديث أم الحصين رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ( حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، فالصحيح أن الاستظلال بشيءٍ تابع للإنسان لا بأس به.القسم السادس: أن يلبد رأسه كما لبد النبي عليه الصلاة والسلام رأسه، يعني: لو لبد رأسه بشيءٍ من الصمغ أو العسل أو نحو ذلك لكي يجتمع ولا يتشعث، فإن هذا لا بأس به.القسم السابع: أن يعصبه بسيرٍ ونحو ذلك، أو خرقة أو ثوب، فإن العلماء رحمهم الله يقولون بأنه داخل في تغطية الرأس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تغطية الرأس، والنهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه كما تقدم.
    تغطية الوجه في الإحرام
    بقيت مسألة أخيرة وهي ما يتعلق بتغطية الوجه: هل تغطية الوجه من المحظورات، يعني: هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه أو لا يجوز له ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن المحرم يجوز له أن يغطي وجهه، ودليل ذلك قوله رحمه الله: (الرابع: تغطية الرأس) ولم يذكر الوجه، وهذا أيضاً قول الشافعية، يعني: أن المحظور هو تغطية الرأس، أما بالنسبة للوجه فإنه لا بأس أن يُغطى. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي وقصته راحلته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تخمروا رأسه ) هكذا في الصحيحين، فيفهم منه أن الوجه لا بأس للإنسان أن يغطيه، فلو احتاج أن ينام لا بأس، أو احتاج أن يضع على وجهه كماماً عن الغبار أو عن الدخان فإن هذا لا بأس به.وقد ورد عن الصحابة عثمان وزيد بن ثابت أنهم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم، وكذلك أيضاً ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأيضاً ورد عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يغطي المحرم أنفه من الغبار، ويغطي وجهه وهو نائم.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة مصباح حسن يوسف
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    63

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    شكر الله لك

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [5]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (51)


    من محظورات الإحرام الطيب، سواء كان في بدن أو ثوب أو طعام أو فراش، وكذلك يخطر على المحرم قتل الصيد الوحشي المباح، ومن المحظورات أيضاً عقد النكاح، والمباشرة بشهوة فيما دون الفرج، أو الوطء في الفرج.
    المحظور الخامس: استعمال الطيب وصوره
    قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب محظورات الإحرام: [ الخامس: الطيب في بدنه وثيابه ].تقدم لنا شيءٌ من محظورات الإحرام، وتكلمنا على حلق الشعر وهل هو خاص بالرأس أو أنه شامل لسائر أجزاء البدن؟ وتكلمنا أيضاً متى تجب الفدية، وكذلك أيضاً تكلمنا عن تقليم الأظفار، وهل هو من المحظورات أو ليس من المحظورات، وتكلمنا أيضاً عن لبس المخيط وما هو ضابطه والصور الداخلة تحته، وكذلك أيضاً تكلمنا عن تغطية الرأس.ثم شرع المؤلف رحمه الله في المحظور الخامس قال: (الطيب في بدنه وثيابه).الطيب هذا من محظورات الإحرام، وقد دل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بزعفرانٍ أو ورس )، وأيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته راحلته: ( اغسلوه بماءٍ وسدر ولا تقربوه طيباً ) وهذا رواه مسلم في صحيحه.والأئمة الأربعة كلهم متفقون على أن الطيب من محظورات الإحرام وإن كانوا يختلفون في بعض تفاصيله.وضابط الطيب -الذي هو من محظورات الإحرام- عند جمهور أهل العلم رحمهم الله قالوا: كل ما يتخذ منه الطيب إذا ظهر منه قصد الريح. واعلم أن التطيب للمحرم تحته صور:الصورة الأولى: قال المؤلف رحمه الله: (في بدنه وثيابه).هذه الصورة الأولى، فهذا من محظورات الإحرام وتقدم لنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بزعفران أو ورس )، وكذلك أيضاً تقدم لنا حديث ابن عباس في الذي وقصته راحلته فقال عليه الصلاة والسلام: ( اغسلوه ولا تقربوه طيباً ولا تغطوا وجهه ) .ولا شك أن قوله: (ولا تقربوه طيباً) أن هذا يشمل حتى البدن، يعني: ثياب الميت وبدنه كله داخل تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا تقربوه طيباً ). فهذه الصورة الأولى: استعمال الطيب في البدن وفي الثياب.الصورة الثانية: استعمال الطيب في الطعام، فهذا أيضاً من محظورات الإحرام إلا إذا طبخ بحيث ذهب ريحه وطعمه فإنه لا شيء فيه؛ لأنه لا يعد طيباً، فنقول: الصورة الثانية كما لو وضع زعفراناً في مشروبه أو مأكوله ونحو ذلك، فنقول بأن هذا من محظورات الإحرام إلا إذا طبخ فلم يبق شيء من طعمه ولا من ريحه فإن هذا لا بأس به.الصورة الثالثة: إذا استعمله في فراشه الذي يجلس عليه أو ينام عليه فهذا أيضاً داخل عند أهل العلم رحمهم الله، وقد نص عليه طوائف من أهل العلم على أنه داخل في محظورات الإحرام.الصورة الرابعة: أن يتقصد شم الطيب، فهذا أيضاً من محظورات الإحرام؛ لأن المقصود من الطيب رائحته لا عينه، فإذا شمه فقد حصل المقصود وهذا المذهب، وعند أكثر أهل العلم رحمهم الله أنه لا يحرم بل يُكره، لكن الشافعية قالوا: إن تبخر فعليه الفدية.الصورة الخامسة: أن يشمه لا لقصد التلذذ برائحته وإنما شمه لقصد آخر، كما لو أراد استعلام جودته يعني: يريد أن يشتريه فأراد أن يستعلم جودته هل هو جيد أو ليس جيداً، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وابن القيم رحمه الله يذهب إلى أنه ليس فيه شيء؛ لأنه ما قصد الرائحة والتلذذ بالرائحة وإنما قصد أن يستعمله.الصورة الأخيرة: إذا شمه بغير قصد، مثلاً مر مع دكان عطار ونحو ذلك فشم الطيب بغير قصد منه فهذا لا شيء عليه.
    المحظور السادس: قتل الصيد
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً].قتل الصيد دل عليه القرآن والسنة والإجماع: أما القرآن فقول الله عز وجل: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1] وأيضاً قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95] .وأما من السنة فحديث جابر رضي الله تعالى عنه، وكذلك أيضاً حديث أبي قتادة وحديث الصعب بن جثامة لما أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً فرده النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( إنا لا نرده عليك إلا أنا حرم ) وأيضاً حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وهو غير محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين: ( هل منكم أحد أمر أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها ) وهذا رواه البخاري ومسلم .والإجماع منعقد على ذلك.
    شروط الصيد المحرَّم قتله
    واشترط المؤلف رحمه الله فقال: (وهو ما كان وحشياً مباحاً): الشرط الأول: أن يكون وحشياً، يعني: أن يكون برياً أصلاً، يعني: أصله وحشي حتى ولو تأهل، فإنه لا يجوز للمحرم أن يقتله، وذلك، مثل: الغزال والظباء وحمار الوحش ونحو ذلك، فهذه الأشياء أصلها وحشية، فإذا قتلها المحرم فعليه الفدية ولا يجوز ذلك حتى ولو تأهلت، يعني: حتى ولو كان عندنا غزال وأصبحت أهلية واستأنست فإنه لا يجوز أن يقتلها.وقوله رحمه الله: (وحشياً) هذا يخرج الأهلي كما سيأتي، مثل: الإبل والبقر والغنم ونحو ذلك، فمثل هذه الأشياء لا تحرم على المحرم -كما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله- أما المحرم فكما تقدم فلا يجوز له قتل الوحشي حتى ولو تأهل، وضربنا مثالاً فقلنا: كالغزال وكحمار الوحش وكالحمام أيضاً وكالبط؛ لأن هذه الأشياء أصلها وحشي، فهي متوحشة حتى ولو تأهلت، فإن التحريم لا يزال باقياً. وهذا الشرط الأول.الشرط الثاني: قوله رحمه الله: (مباحاً)، وعلى هذا إذا قتل حيواناً غير مباح فإنه لا شيء في ذلك، فلو قتل المحرم أسداً أو قتل نمراً أو قتل ذئباً ونحو ذلك فإن هذا لا شيء فيه.
    أقسام الحيوانات بالنسبة لإباحة القتل وعدم إباحته
    واعلم أن الحيوانات بالنسبة للقتل وغير القتل يعني: ما يباح قتله وما لا يباح قتله، نقول بأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: ما يشرع قتله -أي: ما أمر الشارع بقتله- وهو كل مؤذٍ، فهذا يستحب لك أن تقتله، ومن ذلك ما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( خمس فواسقٍ يقتلن في الحل والحرم: الفأرة، والحدأة، والحية، والكلب العقور، والغراب الأبقع ) وفي بعض الروايات: العقرب. فهذه أمر الشارع بقتلها فيشرع أن تقتلها؛ بل هو سنة، ومثل ذلك أيضاً: الوزغ، أمر الشارع بقتله، ومثل ذلك أيضاً: الكلب الأسود -الذي سواده خالص- فهذا أمر الشارع بقتله، فالكلاب ثلاثة: كلب عقور هذا سن قتله، والكلب الأسود أيضاً رخص الشارع في قتله، وما عدا هذين الكلبين يدخل في القسم الثالث -الذي سيأتينا- وهو ما سكت عنه.إذاً القسم الأول: ما أمر الشارع بقتله وهو ما كان مؤذياً، فهذا نقول: السنة أن يقتل وذكرنا لذلك أمثلة.القسم الثاني: ما نهى الشارع عن قتله، وهذا كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد ) أخرجه أبو داود . فنقول بأنه لا يجوز قتل هذه الأشياء اللهم إلا إذا كانت مؤذية، يعني: إذا أصبحت تؤذي فإنها تنتقل إلى القسم الأول.القسم الثالث: ما سكت الشارع عنه، مثل: البعوض، فإن كان البعوض مؤذياً دخل في القسم الأول، لكن مثل الخنفساء أو الجعل أو الفراشة، والقسم الثالث من أقسام الكلاب وهو ما ليس أسود وليس عقوراً، فهذه الأشياء التي لا تؤذي سكت عنها الشارع، فهي ليست مؤذية، أما إذا كانت مؤذية فتنتقل إلى القسم الأول ولم ينه الشارع عن قتلها، فالتي سكت الشارع عنها هل تقتل أو لا تقتل؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله: فمن العلماء من رخص في قتلها، ومنهم من نهى عن قتلها، والأحوط ترك قتلها؛ لأنها لم تخلق إلا لحكمة إلا إذا آذت فإنها تنتقل إلى القسم الأول.
    حكم الصيد الذي قتله المحرم
    بالنسبة لقتل الصيد ذكرنا الدليل عليه، وقتل الصيد تحته مسائل: المسألة الأولى: حكم الصيد الذي قتله المحرم، نقول: حكم الصيد الذي قتله المحرم أنه ميتة لا يجوز أن يؤكل، ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95] فسماه الله عز وجل قتلاً ولم يسمه تذكيةً، فدل ذلك على أنه يكون ميتة، والقتل لا تحل به البهيمة، فالبهيمة المأكولة لا تحل إلا بتذكيتها.
    أكل المحرم من صيد قتله غيره
    المسألة الثانية: هل يباح للمحرم أكل الصيد أو لا يباح له أكل الصيد؟ يعني المسألة الثانية: حكم أكل الصيد للمحرم فنقول: إن كان هذا الصيد قتله محرم فحكم هذا أنه ميتة للمحرم وغير المحرم، لكن إن كان قتله حلال، فهل للمحرم أن يأكل منه أو ليس له أن يأكل منه؟ نقول: إن كان المحرم له أثرٌ في صيده، يعني: أشار أو أعان أو ناول سلاحاً ونحو ذلك فإنه لا يجوز له أن يأكل منه.إذاً: الصيد الذي قتله حلال مباح؛ لكن هل للمحرم أن يأكل منه؟ نقول: إن كان للمحرم أثر في صيده بحيث أعان بدلالة أو بمناولة سلاح أو بإشارة ونحو ذلك فلا يجوز له أن يأكل منه، ودليل ذلك ما تقدم من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هل منكم أحد أمر أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمه ) متفق عليه.فإن لم يكن للمحرم أثر في صيده فهل له أن يأكل منه أو ليس له أن يأكل منه؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب في هذه المسألة ما تجتمع فيها الأدلة: أنه إن صيد من أجل المحرم فليس له أن يأكل منه، وإن لم يصد من أجله فله أن يأكل منه.والدليل على ذلك حديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام حماراً وحشياً فرده النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى ما في وجهه قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم ) هذا حمله العلماء رحمهم الله على أن الصعب صاده للنبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان لم يصد من أجله فكما تقدم في حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كلوا ما بقي من لحمها ) .وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وفيه ضعف، لكن له شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وبهذا تجتمع الأدلة.وهذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم التفصيل، وهذا هو أحسن الأقوال خلافاً لمن منع من ذلك ومن أجاز؛ فمنع من ذلك بعض السلف مثل الثوري رحمه الله، فقال: لا يجوز أن يأكل المحرم من الصيد مطلقاً، ومن أجاز ذلك كالحنفية قالوا: يجوز أن يأكل من الصيد مطلقاً، والصحيح في ذلك الذي عليه أكثر أهل العلم التفصيل في هذه المسألة.
    ضمان المحرم للصيد الذي أعان على قتله
    المسألة الثالثة: إذا دل المحرم غيره على الصيد، وتقدم لنا أنه إذا دل المحرم هل له أن يأكل منه أو ليس له أن يأكل؟ ليس له أن يأكل، وإن كان دل محرماً فهذا ميتة -حرام على المحرم وغيره- وإن كان دل حلالاً فهو حلال لكن ليس له أن يأكل، لكن هنا المسألة بالنسبة للضمان إذا دل المحرم عليه.المحرم عليه إذا باشر قتله فعليه الضمان هذه مسألة، والثانية: إذا لم يباشر قتله، وإنما دل غيره كأن أعان على قتله بدلالة ونحو ذلك، فهل عليه ضمان أو ليس عليه ضمان؟ نقول: إذا دل غيره لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يدل محرماً أو يعين محرماً بدلالة أو مناولة سلاح أو غير ذلك، فالمحرم هو الذي قتل، فعلى من الضمان: هل الضمان على المباشر، أو الضمان على المباشر والمتسبب؟ عندنا الآن محرم دل محرماً على القتل فقام المحرم بالقتل، فعندنا إنسان تسبب وإنسان باشر، فهذه موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصحيح في هذه المسألة: أن الضمان على المباشر، وأما المتسبب فإنه يأثم، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله والشافعي، والمذهب: أن الضمان عليهما جميعاً، وعند أبي حنيفة على كل منهم جزاء كامل.والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي ؛ لأن القاعدة في التضمين: أن الضمان يكون على المباشر إذا أمكن تضمينه، فإن لم يمكن تضمينه فنرجع إلى المتسبب.الأمر الثاني: أن يدل المحرم حلالاً على قتله، فالمحرم يأثم وهذا الصيد حلال؛ لأن الذي قتله حلال، وليس له أن يأكل منه، والضمان على من؟ هذا موضع خلاف، والصحيح في هذه المسألة أن الضمان على المحرم الذي دل الحلال. والحلال هل يمكن تضمينه أو لا يمكن تضمينه؟ نقول: لا يمكن تضمينه؛ لأنه يباح له الصيد، فنقول: الضمان هنا على المحرم؛ لأن الحلال لا يمكن تضمينه، والقاعدة أنه يضمن المباشر، فإذا لم نتمكن من تضمين المباشر فإننا نرجع إلى تضمين المتسبب، وهنا لا يمكن تضمين المباشر. وهذا قال به الحنفية والحنابلة رحمهم الله.وعند مالك والشافعي أنه لا شيء على المحرم لأنه لم يقتله، والصحيح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أنه يلزم المتسبب؛ لأن المباشر لا يمكن تضمينه في هذه الحال.
    أكل المحرم من الأهلي وصيد البحر
    قال رحمه الله: [وأما الأهلي فلا يحرم].نحن اشترطنا للصيد أن يكون برياً، وعلى هذا فالأهلي، مثل: الدجاج والإبل والبقر والغنم، ليست محرمة؛ لأنها ليست بصيد، والنبي عليه الصلاة والسلام كان ينحر البدن في إحرامه، فهذه الأشياء ليست صيداً، والله عز وجل إنما نهى عن الصيد، فنقول بأنها حلال، وعلى هذا لو ذكى المحرم دجاجةً نقول بأنها حلال، ولو ذكى شاةً نقول بأنها حلال، لكن لو ذكى غزالةً أو لو أمسك غزالة وكبر عليها وذكاها، فنقول بأنها ميتة.قال رحمه الله: [وأما صيد البحر فمباح] فلو أن إنساناً أحرم ثم ذهب إلى جدة وأتى سيف البحر وجعل يصيد السمك، فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لقول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة ِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً [المائدة:96]. فالمحرم هو صيد البر، أما صيد البحر فإن هذا جائز ولا بأس به.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن صيد البحر مباح حتى ولو كان بمكة، يعني: لو كان هناك بركة فيها سمك في مكة وصاد فإن ذلك مباح، وهذا خلاف المذهب، فالمذهب أن صيد البحر فيه تفصيل؛ بالنسبة للمحرم مباح، وبالنسبة إذا كان داخل مكة -داخل الحرم- فإنه لا يجوز.
    المحظور السابع: عقد النكاح ومقدماته
    قال رحمه الله: [ السابع: عقد النكاح حرام ولا فدية فيه ].هذا المحظور السابع من المحظورات وهو عقد النكاح، فعقد النكاح هذا محرم ولا يجوز، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، واستدلوا على ذلك بحديث عثمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، وأيضاً ورد أن أبا غطفان المري أن أباه طريفاً تزوج امرأةً وهو محرم فرد عمر رضي الله تعالى عنه نكاحه، وهذا أخرجه الدارقطني والبيهقي.المهم عند جمهور أهل العلم أن المحرم لا يصح نكاحه ويحرم. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الحنفية رحمهم الله قالوا بأنه يجوز عقد النكاح للمحرم، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس في الصحيحين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ).وهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة: الجواب الأول: أن ميمونة ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهما حلالان بسرف كما في سنن أبي داود والترمذي .الجواب الثاني: أن أبا رافع السفير بين ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر بأن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو حلال.الجواب الثالث: أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ذكر أنه لم يعلم بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة إلا بعد أن أحرم عليه الصلاة والسلام، فظن أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو محرم.والصحيح ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله.وعندنا ثلاثة: الزوج والزوجة والولي، فإذا كان واحد منهما محرماً فإن العقد لا يصح، فلو كان الزوج محرماً والزوجة والولي حلالان فلا يصح، ولو كانت الزوجة محرمة والآخران حلالان نقول بأنه لا يصح.المهم سواء كان الزوج أو الزوجة أو الولي أحدهما محرماً فإن العقد لا يصح حتى لو وكل، يعني: لو كان الزوج محرماً ووكل شخص يقبل عنه -وهو حلال- نقول: لا يصح؛ لأن النائب يقوم مقام من أنابه، والفرع له حكم الأصل، ولو وكلت المرأة أو وكل الولي نقول بأنه لا يصح.وقوله رحمه الله: (ولا فدية فيه) هذا سيأتينا إن شاء الله. أيضاً لم يتكلم المؤلف رحمه الله عن خطبة النكاح، يعني: كون الإنسان يخطب وهو محرم، نقول بأن هذا محرم ولا يجوز وهو الصحيح، وقال بعض أهل العلم بكراهتها، لكن الصحيح أن ذلك محرم؛ لأن الخطبة وسيلة إلى المحرم وما كان وسيلةً إلى محرم فإنه محرم.
    المحظور الثامن: المباشرة بشهوة فيما دون الفرج
    قال رحمه الله: [الثامن: المباشرة بشهوة فيما دون الفرج].يعني: كون الإنسان يباشر أهله لشهوة، يعني: يمس زوجته لشهوة ونحو ذلك، فنقول: هذا من محظورات الإحرام، ودليل ذلك قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، والرفث كما ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله أنه يشمل الجماع ومقدماته، وعلى هذا لا يجوز للمحرم أن يباشر أهله؛ لأن المباشرة وسيلة إلى الجماع والجماع محرم، وما كان وسيلةً إلى المحرم فهو محرم.قال المؤلف رحمه الله: [فإن أنزل بها فعليه بدنة، وإلا ففيها شاة].يعني: لو باشر زوجته حتى أنزل -خرج منه المني- فيقول المؤلف رحمه الله: عليه بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة، والمراد بالشاة إذا قالوا: شاة، أي: كما في فدية الأذى، يعني: أنه مخير بين أن يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة، والشاة المراد بها كما سبق لنا: جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة أو بقرة.فنقول: إذا باشر وأنزل فعليه بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة، والصحيح أن البدنة لا تلزم، فنقول: الصحيح أن فيه فدية أذى أنزل أو لم ينزل، وهذا سيأتينا إن شاء الله في باب الفدية.
    المحظور التاسع: الوطء في الفرج
    قال رحمه الله: [التاسع: الوطء في الفرج]. الجماع في الفرج محرم على المحرم ولا يجوز، وهو من محظورات الإحرام، ودليله -كما تقدم- قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ [البقرة:197]، فهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، والرفث كما أسلفنا أنه يشمل الجماع ومقدماته، وما المراد بالجماع؟ المراد بالجماع هو تغييب الحشفة، أي: رأس الذكر.قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، ووجب المضي في فاسده، والحج من قابل وعليه بدنة].اعلم أنه إذا جامع فهذا لا يخلو من ثلاثة أقسام:
    الوطء قبل الوقوف بعرفة
    القسم الأول: أن يجامع قبل الوقوف بعرفة، فهذا باتفاق الأئمة أنه يفسد حجه مع التحريم، وسيأتي أيضاً الأحكام الباقية، لكن المهم أنه إذا كان قبل الوقوف بعرفة فحجه فاسد مع التحريم، ويمضي في هذا النسك الفاسد وعليه بدنة ويقضي الحج من قابل وعليه التوبة، فهذه ستة أمور: التحريم، والفساد، ويمضي فيه، وعليه بدنة، ويحج من قابل، والتوبة.
    الوطء بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول
    القسم الثاني: أن يكون قبل التحلل الأول وبعد الوقوف بعرفة، فهذا أيضاً عند الجمهور أنه يفسد حجه، وعند الحنفية لا يرون فساد الحج، والصحيح في ذلك ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله لورود الآثار عن الصحابة، والصحابة لم يستفصلوا هل كان قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة، وذلك يوجب عموم الحكم. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الحنفية فقالوا بأنه إذا كان بعد الوقوف بعرفة لا يفسد حجه لحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج عرفة ). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور كما تقدم. وعلى هذا تلزمه خمسة أمور:الأمر الأول: أنه يفسد حجه. والأمر الثاني: يمضي في هذا الحج الفاسد أي: لا يخرج منه. الأمر الثالث: تجب عليه البدنة.الأمر الرابع: يقضي هذا الحج الفاسد.الأمر الخامس: التوبة. ونقول بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ابن عباس وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، ويدل لذلك ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى أن رجلاً جاء ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فسأله عن محرم واقع امرأته؟ فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: بطل حجك، فقال الرجل: ما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون - يعني: تمضي في هذا الحج الفاسد - فإن أدركت قابلاً فحج -هذا القضاء- وأهد الهدي والتوبة، وذهب هذا الرجل وسأل عبد الله بن عمرو فأفتاه بمثل ما أفتى ابن عمر ، وسأل ابن عباس فأفتاه مثل ما أفتاه عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عن الجميع.فنقول: إذا جامع وجبت عليه هذه الأمور الخمسة.
    الوطء بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني
    قال رحمه الله: (وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً).هذا القسم الثالث، نحن قلنا: الجماع ينقسم إلى ثلاثة: قبل الوقوف بعرفة.. بعد الوقوف وقبل التحلل الأول.. بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، يعني: حتى الآن ما تحلل التحلل الثاني، لكن تحلل التحلل الأول فأصبح كل شيء يباح له إلا النساء، وبقي عليه التحلل الثاني -لو تحلل التحلل الثاني أبيح له كل شيء- فماذا عليه؟ فقال رحمه الله: (وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة).فنقول: لا يفسد حجه، ويمضي مع الناس ولا يجب عليه القضاء، فما يلزمه إلا شيئان:الشيء الأول: فيه شاة، وما المراد بالشاة؟ نقول: فدية الأذى، يعني: إذا كان بعد التحلل الأول فهو مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاة -جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة أو بقرة- وهذا الشيء الأول.الشيء الثاني: قال رحمه الله: (ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً) أي: يطوف طواف الإفاضة، ثم نقول له: اذهب واخرج للحل، فقوله: (التنعيم)، المقصود بذلك الحل، وليس أن يأتي عين التنعيم، فنقول: اخرج إلى التنعيم وأحرم لكي تطوف طواف الإفاضة، تجدد الإحرام لطواف الإفاضة، والتوبة.والصحيح في هذا أن كونه يخرج إلى الحل ويحرم لكي يطوف للإفاضة أنه لا دليل عليه وأنه لا يلزمه ولا يجب عليه، يعني: لا يجب عليه أن يخرج إلى الحل -التنعيم أو غيره- ويحرم منه، وعلى هذا نقول: الصحيح أنه يلزمه شيئان: الشيء الأول فدية الأذى، والشيء الثاني: التوبة.
    الوطء في العمرة وما يجب فيه
    قال رحمه الله: (وإن وطئ في العمرة أفسدها ولا يفسد نسكه بغيره).إذا وطئ في العمرة يقول المؤلف رحمه الله: أفسدها، وإذا جامع في العمرة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: أن يجامع قبل الطواف، يعني: بعد أن أحرم وقبل أن يشرع في العمرة جامع، فنقول: أولاً: تفسد عمرته. ثانياً: يمضي في هذه العمرة الفاسدة. ثالثاً: يقضي هذه العمرة.رابعاً: التوبة. خامساً: فدية الأذى. فإذا جامع قبل الطواف تلزمه خمسة أمور: فساد العمرة، والمضي في هذه العمرة الفاسدة، وقضاؤها، وفدية الأذى، والتوبة.القسم الثاني: أن يجامع بعد الطواف وقبل السعي، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصحيح في ذلك أنه تجب عليه الخمسة الماضية.القسم الثالث: أن يجامع بعد السعي وقبل الحلق فهذا نقول: لا يجب عليه إلا ثلاثة أشياء: الشيء الأول: التوبة، والشيء الثاني: يفعل الواجب -الحلق- والشيء الثالث: فدية الأذى، فالصحيح أنه يجب عليه التوبة، وفدية الأذى، ويكمل الحلق.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [6]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (52)


    الفدية التي تلزم من أتى شيئاً من محظورات الإحرام على نوعين: الأول: ما يكون على التخيير بين الصيام والصدقة والنسك وهذا في الحلق والتطيب ولبس المخيط، أما قتل الصيد فإن كان له مثل يذبح المثل أو يُقوَّم، أو الإطعام، أو الصوم، وإن لم يكن له مثل فليس له إلا الإ
    أوجه الشبه والاختلاف بين إحرام الرجل وإحرام المرأة
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط].تقدم لنا سابقاً بقية محظورات الإحرام، وذكرنا من ذلك عقد النكاح، وأنه محظور من محظورات الإحرام عند جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ لحديث عثمان رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح )، وذكرنا خلاف أبي حنيفة رحمه الله، وأنه يرى أن المحرم يصح نكاحه لحديث: ( تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بـميمونة وهو محرم )، كما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.وأجبنا عن هذا الحديث بأجوبة ثلاثة، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أجوبةً كثيرة، وذكرنا من أهم هذه الأجوبة: أن ميمونة صاحبة القصة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال، وكذلك أبو رافع السفير بينهما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال.وذكرنا أن الحكم متعلق بالولي أو الزوج أو الزوجة، فإذا كان واحد منهم محرماً فإنه لا يصح النكاح، وتكلمنا أيضاً عن المباشرة للمحرم وأيضاً الجماع، وذكرنا أن الجماع للمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يجامع قبل الوقوف بعرفة، والقسم الثاني: أن يجامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، والقسم الثالث: أن يجامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، وذكرنا الأحكام المترتبة على كل قسمٍ من هذه الأقسام. ‏
    ما تشترك فيه المرأة مع الرجل من أحكام الإحرام
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة كالرجل). أي: في كل ما تقدم من المحظورات، فتقدم لنا من المحظورات على سبيل المثال: حلق الشعر، فحلق الشعر من محظورات الإحرام للرجل وللمرأة، وتقدم أن ذكرنا ما المراد بالشعر الذي هو من المحظورات، وأيضاً عند جمهور أهل العلم أن تقليم الأظفار من المحظورات للرجل وللمرأة، والطيب من المحظورات للرجل وللمرأة.. وقتل الصيد من المحظورات للرجل وللمرأة.. والمباشرة.. والجماع.. وعقد النكاح.والقاعدة في ذلك: أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، والعكس بالعكس، إلا لدليلٍ يدل على التفريق، وأيضاً الأدلة عامة، فقول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] هذا يشمل الرجل والمرأة، فنقول: المرأة كالرجل في كل ما تقدم من محظورات الإحرام.
    ستر الوجه للمحرمة
    قال رحمه الله: (إلا أن إحرامها في وجهها).ذكر المؤلف رحمه الله أمرين، أو استثنى مسألتين تخالف فيهما المرأة الرجل: المسألة الأولى: قال: (إلا أن إحرامها في وجهها).ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ). وكذلك أيضاً ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها. وهذا الأثر أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.والأقرب في ذلك أن يقال بأن المرأة ممنوعة من لباسٍ خاصٍ بالوجه، ولا تمنع من ستر الوجه، وقول المؤلف رحمه الله: (إحرام المرأة في وجهها) هذا التعبير فيه نظر، بل الصحيح أن يقال: المرأة ممنوعة من لباسٍ خاصٍ بالوجه، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إحرام المرأة في وجهها، وإنما قال: ( لا تنتقب المرأة ) يعني: لا تلبس النقاب، وألحق العلماء رحمهم الله بالنقاب ما كان في معناه مما هو لباس خاص بالوجه كالبرقع مثلاً.وعلى ذلك نقول: المرأة لا تلبس لباساً خاصاً بالوجه، أما ستر الوجه فإن هذا جائز ولا بأس به، ولم يرد دليل ينهى المرأة عن تغطية وجهها؛ بل الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو تغطية المرأة لوجهها، فقد روت فاطمة بنت المنذر رحمها الله تعالى قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق . وهذا الأثر أخرجه الحاكم في المستدرك وذكر صحته.لكن اشترط بعض العلماء ألا يمس الساتر وجه المرأة، كما ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية، أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول بأن هذا لا دليل عليه.فالخلاصة في ذلك: أن المرأة ممنوعة من لباس خاصٍ بالوجه، أما ستر الوجه فإن هذا جائز، وذكرنا دليلين: الدليل الأول أنه لم يرد منع من ذلك، والدليل الثاني: أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ذكرنا ذلك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها.
    تغطية اليدين للمحرمة
    وقوله رحمه الله: (إلا أن إحرامها في وجهها) ظاهر كلامه أن المرأة لها أن تستر يديها وهذا صواب، فالمرأة وهي محرمة لها أن تستر يديها إلا أنها ممنوعة من لباسٍ خاصٍ باليدين لحديث ابن عمر السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ) وهذا أخرجه البخاري في صحيحه.فنقول بأن المرأة ممنوعة من لباس خاص باليدين كالقفازين، ومن لباس خاص بالوجه، أما كونها تستر يديها بعباءتها ونحو ذلك فهذا لا بأس به، بل إذا كانت بحضرة الرجال الأجانب فيجب عليها أن تستر وجهها وأن تستر يديها.فتلخص لنا أن الفرق بين المرأة والرجل كالتالي: الأول: اللباس الخاص بوجه المرأة.. فهي ممنوعة منه. الفرق الثاني: اللباس الخاص بيدي المرأة أيضاً ممنوعة منه، أما ستر الوجه وستر اليدين فإن هذا جائز ولا بأس به، بل قلنا: إذا كانت المرأة بحضرة الرجال الأجانب فيجب عليها أن تسترهما.
    لبس المخيط للمحرمة
    قوله رحمه الله: (ولها لبس المخيط). أي: للمرأة أن تلبس ما شاءت من المخيط بخلاف الرجل؛ فإن الرجل ليس له أن يلبس المخيط، وهذا هو الفرق الثالث: لها أن تلبس المخيط وما شاءت من الثياب ومن السراويل وسائر أنواع المخيط، أما بالنسبة للرجل فإنه يمنع من ذلك كما تقدم لنا، وسبق أن بينا ما الذي يمنع منه الرجل.والدليل على أن المرأة تلبس المخيط: أن الأصل في ذلك الحل، وكذلك أيضاً هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عائشة كما في صحيح البخاري : أنها لم تر بأساً أن تلبس المرأة الحلي، والثوب الأسود، والمورد، والخف.فالمرأة لها أن تلبس جوارب الرجلين، ولها أن تلبس الخفاف، ولها أن تلبس الثياب وتغطي رأسها. والخلاصة: أن الفرق بين الرجل والمرأة في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: لباس خاص بالوجه، المسألة الثانية: لباس خاص باليدين، المسألة الثالثة: لبس المخيط، أي اللباس الخاص بالبدن لها أن تستعمله، وما عدا ذلك فإنه جائز.ويباح لها أن تتحلى بالخلخال والسوار ونحو ذلك، لكن لا تظهر بهذه الزينة أمام الرجال الأجانب، وسبق أن أوردنا أثر عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لم تر بأساً بالحلي للمرأة.
    الفدية
    قال رحمه الله: [باب الفدية: وهي على ضربين].لما تكلم المؤلف رحمه الله على محظورات الإحرام شرع في بيان الفدية لهذه المحظورات، وقد سبق لنا أن بينا شيئاً من هذه الفدية فيما تقدم، لكن عقد لها المؤلف رحمه الله هذا الباب المستقل.فقوله رحمه الله: (الفدية) الفدى: ما يعطى في افتكاك الأسير أو الإنقاذ من الهلكة، وتسمية ما يجب على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام بالفدية هذا يدل على أنه وقع في هلكة، وأنه يحتاج إلى شيءٍ يفديه لكي يخرجه من هذه الهلكة، وفي هذا دليل على ما تقدم وأشرنا إليه أن من فعل محظوراً من المحظورات هل يأثم أو لا يأثم؟ وذكرنا التفصيل في هذه المسألة.قوله رحمه الله: (وهي على ضربين).يعني: أن الفدية على ضربين، أي: على قسمين.قال رحمه الله: [أحدهما: على التخيير، وهي فدية الأذى واللبس والطيب، فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمرٍ لستة مساكين، أو ذبح شاة].الفدية قسمها المؤلف رحمه الله إلى قسمين، وسنقسمها نحن تقسيماً آخر، فقسمها المؤلف رحمه الله تعالى إلى قسمين:القسم الأول على التخيير، والقسم الثاني على الترتيب، فما هو الذي على التخيير؟
    الفدية التي تقع على التخيير

    فدية الأذى والطيب ولبس المخيط
    قال رحمه الله: الذي على التخيير: (فدية الأذى)، يعني: فدية حلق الرأس، وفدية اللبس، وفدية الطيب مخير فيها: فمن حلق رأسه نقول: أنت مخير، ولا يقال كما يقول بعض الناس: عليك دم، فهذا خطأ، يعني: أنه لا يجب عليه الدم مباشرة، بل هو مخير؛ لأن كونه يطعم ستة مساكين أهون عليه من الدم أو أن يصوم ثلاثة أيام، والبعض أيضاً قد يكون الصيام أيسر عليه من كونه يطعم ستة مساكين، فإذا حلق رأسه أو لبس المخيط بأن لبس ثوباً أو تطيب، فهذا يقول المؤلف رحمه الله تعالى بأنه مخير بين ثلاثة أمور: الأمر الأول أن يصوم: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ [البقرة:196] وهي أن يصوم ثلاثة أيام، أَوْ صَدَقَةٍ [البقرة:196] وهي أن يطعم ستة مساكين وسيأتينا، نُسُكٍ [البقرة:196] وهو أن يذبح شاة، والمراد إذا قال العلماء رحمهم الله: شاة، فإنه لا يتعين الضأن، نقول: أنت مخير بين واحدٍ من أمور أربعة: إما جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة؛ لأنه قد يكون سبع البقرة أرخص.. أو قد يكون سبع البدنة أرخص.فأصبح عندنا فدية الأذى هي هذه الأمور الثلاثة، وهي للحلق، والحلق قام عليه الدليل، وتكلمنا عليه فيما سبق، يعني: متى تجب الفدية ومتى لا تجب، وأن اللبس على رأي جمهور أهل العلم فيه الفدية، والطيب على رأي جمهور أهل العلم فيه الفدية، فإذا أخذنا برأي جمهور أهل العلم، نقول: إنه مخير بين هذه الأمور الثلاثة.ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، وكذلك أيضاً حديث كعب بن عجرة لما حمل للنبي صلى الله عليه وسلم وقد آذاه هوام رأسه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وأن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاةً.وقول المؤلف رحمه الله: (بين صيام ثلاثة أيام).ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، أن هذه الثلاثة الأيام لا بأس أن تكون متفرقة أو تكون متتابعة؛ لأن النص ورد مطلقاً، وعلى هذا إذا صامها متفرقةً فإن هذا لا بأس به، وإن تابع بينها أيضاً لا بأس به.وقوله رحمه الله: (أو إطعام ثلاثة آصع).وهنا تكون الفدية مقدرة لكل مسكينٍ نصف صاع، فنقول: يطعم ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع؛ لأن الفدية في هذا الموضع ورد تقديرها، والكفارة في الشرع منها ما ورد تقدير المعطى والآخذ، ومنها ما ورد تقدير الآخذ دون المعطى، ومنها ما ورد تقدير المعطى دون الآخذ، وهذا حسب استقراء الأدلة الشرعية بالنسبة للفدية: إذاً: الأقسام ثلاثة:القسم الأول: ما ورد فيه تقدير المعطى والآخذ كما هنا، قدر المعطى بثلاثة آصع، والآخذ بستة.القسم الثاني: ما قدر فيه الآخذ دون المعطى، ومثاله: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، والوطء في نهار رمضان، فهنا قدر الآخذ دون المعطى، فقال الله عز وجل: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] ولم يحدد هؤلاء العشرة كم يأخذون، بل يرجع ذلك إلى العرف.القسم الثالث: ما قدر فيه المعطى دون الآخذ، وهذا عكس القسم الثاني الذي هو ما قدر فيه الآخذ دون المعطى، وهذا مثل: زكاة الفطر، فزكاة الفطر قدر فيها المعطى دون الآخذ، تخرج صاعاً تعطيه واحداً، أي: مسكيناً أو مسكينين أو ثلاثة.. كله جائز، فالأقسام في ذلك ثلاثة.والشاهد هنا أنه في هذا الباب قدر المعطى من الفدية ومن يأخذ هذه الفدية فقال: (لستة مساكين). وقوله رحمه الله: (أو ذبح شاة).قوله: (شاة) هنا لا يتعين، وقلنا بأن المراد بقولهم رحمهم الله: شاة، أنه يجب عليه جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة.
    جزاء قتل الصيد الذي له مثل
    قال رحمه الله: [وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم إلا الطائر فإن فيه قيمته إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة فيها بدنة، ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً].المهم: جزاء الصيد على التخيير، وجزاء الصيد ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: ما له مثل، والقسم الثاني: ما ليس له مثل؛ فإن كان الصيد الذي قتله المحرم له مثل، فنقول للمحرم: أنت مخير بين أن تخرج هذا المثل أي تذبحه، أو نقوم المثل هذا كم يساوي وتشتري بهذا المثل طعاماً، أو تخرج بقدره من بيتك، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، فأنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة.إذا كان له مثل، نقول: أنت مخير فإما أن تذبح المثل، أو نقوم المثل كم يساوي فتشتري بقيمته طعاماً، أو تخرج طعاماً من بيتك بقدر قيمة هذه الدراهم وتعطيه للمساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، مثال ذلك: محرم قتل نعامةً، النعامة هل لها مثل أو ليس لها مثل؟ نعم لها مثل، والصحابة رضي الله تعالى عنهم حكموا بأن النعامة فيها بدنة، فنقول لهذا الذي قتل النعامة: أنت مخير إما أن تخرج بدنة أي بعير، أو نقوم هذا البعير.. فننظر كم يساوي؟ فإن قالوا: يساوي ألف ريال، فتشتري بهذه الألف طعاماً وتعطيه للمساكين، فالألف كم تشتري بها طعاماً بالمد؟ قالوا: مثلاً من البر تشتري ألف مد، نقول: اشتر الطعام، أو أخرج من بيتك إذا كان عندك وتطعم ألف مد من البر، فإن قال: أنا لن أطعم ولن أذبح المثل، نقول له أيضاً: تصوم، وكم يجب عليه أن يصوم من الأيام؟ يجب عليه أن يصوم ألف يوم.فنقول: أنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة: إما أن تذبح المثل، أو أن المثل يقوم وتشتري بقيمته طعاماً وتعطيه المساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً [المائدة:95] فقال: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ثم قال: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً) فأنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة.فنقول: إما أنك تذبح المثل لهذا الصيد، أو نقوم المثل وتشتري به طعاماً ويعطى للمساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، وقد قلنا بأنه يشتري طعاماً.. فما هو الطعام؟ الطعام إما أن يكون براً أو أن يكون غير بر؛ فإن كان براً فإنه يصوم عن كل مدٍ يوماً، وإن كان غير بر مثل تمر أو شعير يصوم عن كل مدين يوماً، فإذا قدرنا المثل بألف ريال، والجمل أو البعير بألف ريال، نقول: اشتر براً أو غير بر، كم تشتري بالألف أمداداً؟ فإن قالوا: تشتري ألف مد، قلنا: اعطه المساكين، أو صم عن كل مدٍ يوماً.فلو اشترى بالألف أيضاً ألف مد من الشعير، كم يجب عليه أن يصوم أياماً؟ عليه صيام خمسمائة يوم؛ لأن الشعير كل مسكين يأخذ مدين، أما البر فكل مسكين يأخذ مداً واحداً، فهنا يصوم خمسمائة يوم، لكن في البر يصوم ألفاً، فلو أن الألف الريال تأتي بألف مد من البر، أو ألفي صاع من الشعير، كم يجب عليه أن يصوم أياماً؟ عليه ألف يوم؛ لأنهم يقولون: يصوم عن كل مدٍ إذا كان من البر يوماً، وإن كان من غير البر كالتمر مثلاً أو الرز يصوم عن كل مدين يوماً.والأظهر -والله أعلم- في هذا أن يقال: أن الله عز وجل قال: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً [المائدة:95]. نقوم المثل فإن كان المثل يأتي بخمسمائة ريال، نشتري بها طعاماً، وننظر كم يأخذ المسكين عرفاً مداً أو مدين، وما هو طعامه في العرف؟ فإذا كان طعامه في العرف مداً نعطيه مداً، وإذا كان مدين نعطيه مدين، وعلى هذا أيضاً يصوم عن كل مسكين يوماً، المهم أنه ينظر في ذلك إلى العرف، والله أعلم.وهذا هو القسم الأول: إن كان للصيد مثل.
    جزاء قتل الصيد الذي ليس له مثل
    القسم الثاني: ألا يكون له مثل، مثل: العصافير، فالعلماء يقولون بأنه لا مثل لها، فلو أن محرماً صاد عصفوراً.. أي: قتل عصفوراً، فنقول: أنت مخير بين أمرين؛ لأن المثل لا يوجد:الأمر الأول: نقوم المثل وتشتري به طعاماً؛ لأنك مخير بين الإطعام والصيام، وذبح المثل هنا غير موجود، فيبقى الأمران الأخيران: الإطعام والصيام.فهذا العصفور كم قيمته؟ فإن قالوا: هذا العصفور قيمته ريالان، هنا العصفور ليس له مثل حتى نقول: اذبح المثل، فيبقى عندنا الأمران الأخيران، فنقول: اشتر بهذين الريالين طعاماً وأعطه المساكين، أو عليك أن تصوم كما تقدم إن كان براً تصوم عن كل مد يوماً، وإن كان غير بر فصم عن مدين يوماً، فيكون مخيراً بين الإطعام وبين الصيام على ما سبق.هذا بالنسبة لمعنى كلام المؤلف، ولهذا قال رحمه الله: (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة ففيها بدنة).فيتلخص من كلام المؤلف رحمه الله أن الطائر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: الحمامة، وهذه لها مثل، ومثل الحمامة شاة، هكذا ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعلى هذا من قتل حمامة فهو بالخيار: إما أن يذبح شاة، أو نقوم الشاة وعليه أن يشتري بهذه القيمة طعاماً ويخرجه للمساكين، أو يصوم كما تقدم.. هذا القسم الأول.القسم الثاني: النعامة، وهذه فيها بدنة؛ لأن لها مثلاً، وعلى هذا نقول: أنت مخير بين الأمور الثلاثة.القسم الثالث: ما عدا الشاة والحمامة، وهذا ليس له مثل، وإنما تجب فيه القيمة، كما مثلنا في العصافير، وطيور البر.. وطيور الماء.. إلى آخره، فهذه ليس لها مثل فتجب فيها القيمة، وعلى كلام المؤلف أنه يكون مخيراً بين أمرين: بين الإطعام والصيام، أما النعامة والحمامة فهو مخير بين الأمور الثلاثة.قال رحمه الله: (يخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام، ويطعم في كل مسكين مداً من بر، أو يصوم عن كل مدٍ يوماً).فتلخص أن الذي على التخيير أربعة من محظورات الإحرام: حلق الرأس، أو نقول: فدية الأذى، أي: إزالة الأذى، وكذلك الطيب واللبس وجزاء الصيد.. فهذه على التخيير.
    الفدية التي تقع على الترتيب
    قال رحمه الله: [الضرب الثاني: على الترتيب، وهو هدي المتمتع، يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعةٍ إذا رجع].
    هدي التمتع
    المتمتع يجب عليه شاة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]. ولو أن المؤلف رحمه الله راعى لفظ القرآن لكان أحسن، فلو قال: المتمتع يلزمه هدي لكان أحسن؛ لأنه كما تقدم لنا: أن الشاة هذه ليست متعينة، بل يجب عليه: جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، وكون الإنسان أيضاً يراعي الألفاظ الواردة في القرآن والسنة هذا أحسن وأبعد عن الإيهام.فنقول: المتمتع يلزمه شاة، وهذا بالإجماع، والقرآن نص على ذلك.والقارن هل يلزمه هدي أو لا يلزمه هدي؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم أن القارن يلزمه هدي، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً وأهدى، وأيضاً نساء النبي عليه الصلاة والسلام كـعائشة وغيرها كن قارنات ومع ذلك ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر كما في صحيح مسلم وغيره، فهذا دليل، ولأن القران فيه نوع من التمتع.والقران كان الصحابة يسمونه تمتعاً؛ لأن الإنسان تمتع بأداء نسكين في سفرة واحدة، وهو وإن لم يفصل بينهما إلا أنه تمتع في أداء نسكين في سفرةٍ واحدة.وعند الظاهرية أنه لا يلزمه أخذاً بظاهر القرآن، لكن الصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله وأن القارن يلزمه الهدي.قوله رحمه الله: (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع).يعني: إذا لم يجد هدياً فإنه يجب عليه أن يصوم، فإذا لم يجد هدياً إما لكونه فقيراً ولا يجد المال، أو لكونه غنياً لكن لم يجد هدياً يباع، فيلزمه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
    وقت صيام الثلاثة الأيام لمن عدم الهدي
    لكن متى يبدأ صيام الثلاثة الأيام؟ المشهور من المذهب وكذلك أيضاً مذهب الحنفية: أنه يبدأ من حين الإحرام بالعمرة، فقد يحرم بالعمرة في ذي القعدة أو في شوال، مثلاً: إنسان يأتي مكة يريد الحج، ويحرم بالعمرة في شوال متمتعاً، ثم يحل منها، وهو فقير ما عنده شيء، فنقول: ابدأ الصيام من حين الإحرام بالعمرة، يعني: تصوم ثلاثة أيام، والدليل على ذلك أن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196].وإذا بدأ بالتمتع وجد السبب، والقاعدة: أن العبادة يجوز تقديمها بعد وجود سببها، فالإحرام بالعمرة سبب التمتع ووجد السبب، فإذا وجد السبب فإنه يجوز تقديم العبادة بعد وجود سببها، وهذه القاعدة نص عليها ابن رجب رحمه الله في كتابه: القواعد، ونظير ذلك كفارة اليمين، فيجوز أن تخرجها بعد السبب وقبل الحنث، مثلاً: إنسان حلف وقال: والله لا أسافر إلى الرياض، هنا وجد السبب وهو اليمين، أي: سبب الكفارة، فيجوز أنه يكفر أي قبل أن يحنث، يعني: هو حلف أنه لن يسافر، فإذا سافر حنث أو وجبت عليه الكفارة، فيجوز له أن يخرج الكفارة قبل أن يحنث، يعني: قبل أن يسافر.وأيضاً مثل ذلك: لو أنه قتل الصيد أو جرح الصيد، فيجوز له أن يخرج الجزاء قبل أن يموت الصيد؛ لأنه أداء للعبادة بعد وجود سببها، المهم.. هذه قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتاب القواعد، وذكر لها أمثلة، ويدل لهذا ما ذهب إليه الشافعية والمالكية حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وشبك بين أصابعه ) فالشافعية والمالكية أخذوا بظاهر النص، وأن الإنسان لا يبدأ بصيام الثلاثة الأيام حتى يحرم بالحج؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]. فقالوا بأنه لا يشرع في صيام الثلاثة الأيام إلا بعد أن يشرع في إحرام الحج، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية؛ لأنه إذا أحرم بالعمرة فقد أحرم بالحج؛ لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.ومتى ينتهي وقت الصيام بالنسبة للثلاثة الأيام؟نقول: وقت الصيام بالنسبة للثلاثة الأيام ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، يعني: لو أن الإنسان ما صام حتى جاء يوم عرفة، وجاء يوم النحر، فنقول: يرخص له أن يصوم اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر حتى لو أن أيام التشريق يحرم صيامها لحديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله عز وجل ) لكن يرخص كما في حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه رخص للمتمتع العادم الهدي أن يصوم هذه الأيام، فالوقت واسع من حين أن يحرم بالحج إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.وما هو الأفضل في صيام هذه الأيام؟ هذا موضع خلاف، قال بعض العلماء: الأفضل أن يصوم هذه الأيام بحيث يكون آخرها يوم التروية، ويكون يوم عرفة مفطراً، وهذا قال به الشافعي .والرأي الثاني: أن الأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وهذا هو المذهب، يعني: على المذهب يصوم السابع والثامن والتاسع، وعلى رأي الشافعي يصوم السادس والسابع والثامن.والرأي الثالث: أن الأفضل أن يصوم أيام التشريق؛ لأن هذا ظاهر فعل الصحابة، ولهذا كما تقدم في حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالوا: ( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا للمتمتع عادم الهدي )، والأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه الشافعي وأنه يصوم السادس والسابع والثامن، وأما يوم عرفة فإنه يبقى مفطراً، وأما الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه المسألة فهي مختلفة.وعلى هذا يظهر -والله أعلم- أن السنة أو الأفضل أن يصوم السادس والسابع والثامن.قال: (فصيام ثلاثة أيام في الحج).فتلخص لنا في الأيام الثلاثة: متى يبدأ صيامها.. ومتى ينتهي.. وما هو الوقت الأفضل؟ كل هذا كما تقدم.
    وقت صيام السبعة الأيام لمن عدم الهدي
    قوله رحمه الله: (وسبعة إذا رجع).السبعة متى يبدأ صيامها، ومتى ينتهي، وما هو الأفضل؟ وهذا كما قلنا في صيام الأيام الثلاثة، وهو موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور العلماء رحمهم الله أنه إذا انتهى من أعمال الحج دخل وقت صيام السبعة، حتى ولو كان في مكة، وعلى هذا يكون معنى قوله: (وسبعة إذا رجع) يعني: رجع من أي شيء؟ رجع من أعمال الحج، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى وهو الرأي الأول.الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله تعالى، قال: يبدأ صيامها إذا رجع إلى وطنه، وعلى رأي الشافعي لو أنه صامها قبل أن يسافر في مكة، هل يصح هذا أو لا يصح؟ على رأي الشافعي أنه لا يصح، فالجمهور قالوا: إن المراد بقوله: (إذا رجع) يعني: رجع من أعمال الحج، والشافعي أخذ بظاهر القرآن، وأيضاً ظاهر السنة حديث ابن عمر : ( وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله ) في الصحيحين.والصحي في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن المراد بذلك: سبعة إذا رجع من أعمال الحج، ويدل لهذا أن استقراء الشرع لم يرد في الشريعة تخصيص الصيام بمكانٍ دون مكان.. هذا ما ورد في الشريعة؛ لأننا لو قلنا بأنه سبعة إذا رجع، يعني: معناه رجع إلى وطنه، فنكون خصصنا الصيام في مكان دون مكان، وهذا لم يعهد في الشريعة؛ ولأن الإنسان أيضاً إذا انتهى من أعمال الحج فإنه يعتبر رجع، ويسمى: راجعاً.. فإذا صدر من منى فإنه يعتبر راجعاً.وأيضاً أن الله عز وجل قال في الآية: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] وقوله: (إِذَا رَجَعْتُمْ) كونه يعود إلى الحج الذي سلف ذكره، وهذا أولى من عوده إلى الوطن، هذا بالنسبة لوقتها. وعلى هذا تلخص لنا أنه يبدأ وقت صيام السبعة الأيام إذا انتهى من أعمال الحج.وما هو المستحب لصيامها؟نقول: المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله، ويدل لذلك حديث ابن عمر : ( وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله )، وهل لها وقت تنتهي فيه أو ليس لها وقت تنتهي فيه؟ نقول: ليس لها وقت تنتهي فيه، وهل يجب التتابع في صيام هذه السبعة وكذلك أيضاً في صيام الثلاثة الأيام التي في الحج.. هل يجب التتابع أو لا يجب التتابع؟ نقول بأنه لا يجب التتابع، فسواء صام هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو متفرقة، والسبعة سواء صامها متتابعة أو متفرقة فكل هذا جائز.
    فدية الجماع
    قال رحمه الله: [وفدية الجماع بدنة فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع].تقدم لنا متى تجب البدنة وأنه إذا جامع قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة، فإذا لم يجد البدنة لكونه فقيراً أو ما وجدها لكونها لا تباع، فيقول المؤلف رحمه الله: (كصيام المتمتع)، وما هو صيام المتمتع؟ يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.والصحيح في ذلك أنه لا يلزمه الصيام، يعني: إذا كان فقيراً لا يجد شيئاً فالصحيح أنه لا يلزمه الصيام؛ لأن الصيام يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وقد ورد عن الصحابة أنه يلزمه هدي، لكن كونه يجب عليه ذلك نقول: هذا لا دليل عليه.
    فدية فوات الحج
    قال رحمه الله: [وكذلك الحكم في دم الفوات].ما هو الفوات؟ الفوات كما سيأتينا إن شاء الله: هو طلوع فجر يوم النحر قبل أن يقف الحاج بعرفة، فمن طلع عليه فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فاته الحج، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، هذا الذي فاته الحج وهو محرم نقول: يلزمه أمور:الأمر الأول: أن يتحلل بعمرة، فيذهب ويتحلل بعمرة.الأمر الثاني: الهدي.. هل يلزمه الهدي أو لا يلزمه الهدي؟ هذا موضع خلاف، فالمؤلف رحمه الله يرى أنه يجب عليه الهدي. وهو الرأي الأول.والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه الهدي وهذا هو الأقرب؛ لأن الأصل براءة الذمة.وهل يجب عليه القضاء؟ هذه المسألة الثالثة؛ فإن كان الحج فرضاً يجب عليه أن يقضيه، وإن كان غير فرض فإنه لا يجب عليه أن يقضيه، المهم أن المؤلف رحمه الله يذهب إلى أن دم الفوات كالمتمتع.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [7]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (53)


    من كرر محظوراً من جنسٍ غير قتل الصيد فعليه كفارة واحدة، ومن كرَّر محظوراً من أجناس مختلفة فلكل واحد كفارة، والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وسائر المحظورات لا شيء في سهوه، وكل هدي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين الحرم إلا ف
    تابع الفدية التي تقع على الترتيب
    تقدم لنا شيء من أحكام الفدية، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أن الفدية على ضربين: أحدهما على التخيير، وهي فدية الأذى، يعني: حلق الرأس واللبس والطيب، وأنه مخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وبينا أيضاً ما المراد بالشاة، وأيضاً جزاء الصيد مخير بين أن يذبح الجزاء إن كان له جزاء، أو يقوّم الجزاء ويشترى بقيمته، أو يخرج من عنده طعاماً يطعمه المساكين، أو يصوم عن كل مدٍ إن أطعم براً يوماً، وعن كل مدين إن أطعم من غير البر كما تقدم بيانه.وأن الضرب الثاني: على الترتيب، وذكر من ذلك فدية المتمتع، وأن المتمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد شاةً فإنه ينتقل إلى الصيام، فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وتكلمنا متى يبدأ وقت صيام الأيام الثلاثة ومتى ينتهي، وكذلك أيضاً متى يبدأ وقت صيام الأيام السبعة.ثم قال المؤلف رحمه الله: (وفدية الجماع بدنة).أيضاً هذه من الفدية التي تجب على الترتيب وعلى المشهور من المذهب، وهي فدية الجماع.والجماع -كما تقدم لنا أنه- لا يخلو من ثلاث حالات:إما أن يجامع قبل الوقوف بعرفة، فهذا تقدم حكمه، ومن أحكامه: أنه تلزمه البدنة.والحالة الثانية: أن يجامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، وهذا أيضاً ذكرنا أحكامه ما يلزم عليه، وأنه يجب عليه بدنة.والحالة الثالثة: أن يجامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، وهذا لا تجب عليه البدنة، وإنما يجب عليه فدية أذى.المهم أنه إذا جامع قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة.فإذا لم يجد البدنة -إما لكونه فقيراً معدماً، وإما لكونه لم يجد بدنةً تباع- فهل يجب عليه أن يصوم أو لا يجب عليه أن يصوم؟ قال المؤلف رحمه الله: (فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع) أي: إذا لم يجد بدنةً فإنه يجب عليه أن يصوم كصيام المتمتع الذي عُدم الهدي، أي: أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله، فيجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لأن المتمتع كما تقدم إذا لم يجد شاةً فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله.والدليل على أن المجامع يجب عليه الصيام إذا لم يجد البدنة: القياس على المتمتع، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المجامع إذا لم يجد بدنةً -إما لفقره، أو لكونه لم يجدها تباع- أنه لا يجب عليه الصيام؛ لأن الذي ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن عليه الهدي ولم يذكروا صياماً، وهذا القول هو الصواب؛ أنه تجب عليه بدنة، فإذا لم يجد بدنةً فإنه لا يجب عليه أن يصوم، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.
    فدية من فاته الحج والمحصر
    قال رحمه الله: (وكذلك الحكم في دم الفوات).ما هو الفوات؟ الفوات: هو أن يطلع فجر يوم النحر قبل أن يقف الحاج بعرفة، فإذا طلع فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فاته الحج بإجماع العلماء، وما الذي يلزمه إذا فاته الحج؟ سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأحكام الفوات والإحصار.من الأحكام المترتبة على فوات الحج: أنه يجب عليه أن يذبح هدياً، أي: هذا الذي طلع عليه فجر يوم النحر -اليوم العاشر- ولم يقف بعرفة فإنه يجب عليه أن يذبح هدياً، وسيأتينا أيضاً أن بعض العلماء لم يوجب عليه الهدي، وأن الأصل في ذلك براءة الذمة.ويرد على الذين أوجبوا الهدي كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله سؤال: إذا لم يجد الهدي فما الحكم؟ يقول المؤلف رحمه الله: فإنه يصوم عشرة أيام كالمتمتع، والصحيح في ذلك أن إيجاب الهدي هذا فيه نظر -كما سيأتينا إن شاء الله- أي: أصلاً إيجاب الهدي على من فاته الحج هذا فيه نظر، فمن باب أولى بدله وهو الصيام كما سيأتي بإذن الله.قال رحمه الله: [والمحصر يلزمه دم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام].أيضاً المحصر، والإحصار كما سيأتي: هو منع الناسك من إتمام نسكه، فإذا أحصر ولم يتمكن من إتمام النسك فإن له أن يتحلل؛ فيذبح شاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصره المشركون في غزوة الحديبية، فذبح النبي عليه الصلاة والسلام الهدي الذي معه وحلق ثم حل.فنقول: بالنسبة للمحصر يذبح الهدي، فإذا لم يجد المحصر هدياً -إما لفقره أو لم يجده يباع- فما الحكم؟يقول المؤلف رحمه الله: يصوم عشرة أيام ثم يحل قياساً على المتمتع، كما أن المتمتع يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أيضاً المحصر يجب عليه أن يصوم عشرة أيام ثم بعد ذلك يحل.والصحيح أيضاً في هذه المسألة: أن المحصر إذا لم يجد هدياً فإنه لا صيام عليه؛ لأن الله عز وجل ذكر المتمتع والمحصر في آية واحدة، وذكر للمتمتع بدلاً وهو الصيام، ولم يذكر للمحصر بدلاً؛ فدل على أن الصيام غير مشروع، فالصواب في هذه المسألة: أن المحصر إذا لم يجد هدياً فإنه لا صيام عليه، والله عز وجل قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ولم يقل: فإن لم يجد صام عشرة أيام!في المتمتع قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] هذا ما ذكره الله عز وجل في الإحصار، مع أن حكم المحصر والمتمتع جاء في آية واحدة.وهذا بالنسبة لما ذكره المؤلف رحمه الله.

    أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية

    تلخص لنا أن المؤلف رحمه الله يرى أن الفدية تنقسم إلى قسمين: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب، والأقرب أن يقال بالنسبة للفدية في محظورات الإحرام أنها تنقسم من حيث الفدية إلى أقسام:القسم الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح؛ فعقد النكاح هذا لا فدية فيه.القسم الثاني: ما فديته فدية مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول، ففديته بدنة.القسم الثالث: ما فديته جزاؤه، وهو قتل الصيد.القسم الرابع والأخير: ما فديته على التخيير؛ إما أن يذبح شاةً، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يطعم ستة مساكين، وهو بقية المحظورات، كحلق الرأس، وتقليم الأظفار إذا قلنا فيه فدية، واللبس، والطيب، وتغطية الرأس، هذه الأشياء على القول بأن فيها الفدية، نقول بأن الفدية فيها على التخيير بين أمورٍ ثلاثة: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاةً.فأصبحت محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى هذه الأقسام الأربعة.
    مدى تكرار الفدية عند تكرار المحظور

    تكرار المحظور من جنس واحد

    ثم قال رحمه الله: [فصلٌ: ومن كرر محظوراً من جنسٍ غير قتل الصيد فكفارة واحدة].أي: جنس المحظور واحد، مثال ذلك: قلم أظافره اليوم، ثم قلم غداً، ثم قلم بعد غدٍ، فالمحظور واحد. قوله رحمه الله: (غير قتل الصيد) قتل الصيد يجب فيه بعدده ولو برمية واحدة، فلو فرض أن شخصاً رمى وضرب ثلاث حمامات، فإنه يجب عليه ثلاث شياه؛ لأن الحمامة قضى فيها الصحابة بشاة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، ولا تتحقق المثلية إلا إذا أخرج لكل صيدٍ جزاءً مستقلاً.فقتل الصيد هذا فيه بعدده، أما غير قتل الصيد من المحظورات إذا كررها فإنه يجب عليه كفارة واحدة، فمثلاً: هذا الرجل تطيب اليوم، ثم تطيب غداً، ثم بعد غدٍ، خلال أربعة أيام أو خمسة تطيب كل يوم، أو قلم أظافره اليوم، ثم غداً، ثم بعد غدٍ، أو لبس المخيط، ثم غطى رأسه عدة مرات، فهذا تجب عليه كفارة واحدة.قال رحمه الله: [فإن كفر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفر عنه].أي: لو أنه قلم أظافره ثم أخرج الفدية؛ فأطعم مثلاً ستة مساكين، ثم بعد ذلك قلم أظافره مرةً أخرى بعد أن فدى، نقول: تجب عليك فدية أخرى، فإذا فدى ثم قلم مرةً ثالثة، نقول: تجب عليك أيضاً فدية ثالثة.. وهكذا.فأصبح إذا كرر محظوراً من جنسٍ واحد؛ إن فدى يجب عليه أن يخرج لكل مرة فدية، أما إذا لم يفدِ فإنه تكفي فدية واحدة، إلا أن المؤلف استثنى الصيد، فالصيد فدى أو لم يفد يجب عليه بعدده، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]. هذا حكم ما إذا فعل محظوراً من جنسٍ واحد.فالخلاصة فيه: إن فدى يجب للثاني فدية أخرى، إذا لم يفد تكفي الفدية الأولى، إلا إن كان صيداً فإنه يجب عليه بعدد ما قتل.
    تكرار المحظور من أجناس مختلفة
    ثم قال رحمه الله: [ومن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحد كفارة].القسم الأول: أن يكون المحظور من جنس واحد كما تقدم، قلم أظافره عدة مرات، أو حلق عدة مرات، أو لبس عدة مرات. القسم الثاني: أن يكون من أجناس، فهذا يجب لكل محظور فدية مستقلة، فمثلاً: هذا رجل حلق شعر رأسه وجامع، نقول: يجب عليه فديتان؛ فدية الجماع وفدية حلق الرأس لأنه من أجناس، وعلى هذا فقس.
    أثر الجهل والنسيان في لزوم الفدية
    قال رحمه الله: [والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وسائر المحظورات لا شيء في سهوه].لما تكلم المؤلف رحمه الله عن فدية المحظورات أراد أن يبين ما هو المحظور الذي يعذر فيه بالجهل والنسيان، وما هو المحظور الذي لا يعذر فيه بالجهل والنسيان.
    محظورات لا يعذر فيها بالجهل والنسيان
    قوله: (الحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه). هذه الأصناف الأربعة عمده وسهوه كله سواء، فتجب فيه الفدية، فلو أن الإنسان نسي وقلم أظافره وجبت عليه الفدية، ولو أنه حلق ناسياً وجبت عليه الفدية، ولو أنه قتل الصيد ناسياً أو وطء ناسياً وجبت عليه الفدية، لماذا تجب الفدية هنا؟ قالوا: لأن هذا من قبيل الإتلاف، فلما كان فيه من قبيل الإتلاف لا يمكن تداركه إلا بأن يخرج الفدية.فهذه الأصناف الأربعة من قبيل الإتلاف ولا يمكن تداركها.
    محظورات يعذر فيها بالسهو
    أما بقية الأصناف فيقول فيها: [وسائر المحظورات لا شيء فيه].فقوله: (سائر المحظورات) يشمل: الطيب، هذا لو فعله سهواً لا شيء عليه، أيضاً لبس المخيط للذكر لو فعله سهواً لا شيء عليه، أيضاً تغطية الرأس للذكر لو فعله سهواً لا شيء عليه، وعقد النكاح أصلاً يرون أنه ليس فيه فدية، والمباشرة لو فعلها سهواً لا شيء عليه أي: المباشرة دون الجماع.فأصبح عندنا أربعة يستوي عمدها وسهوها في وجوب الفدية، وهي: التقليم والحلق والوطء وقتل الصيد.أربعة يعذر فيها بالسهو وتجب الفدية في حال العمد، وهي: لبس المخيط بالنسبة للذكر، وتغطية الرأس للذكر، والطيب، والمباشرة، والمرأة كما تقدم لنا أنها لا تلبس لباساً خاصاً بأي شيء -باليدين ولا بالوجه- فهذه الأربعة يعذر فيها بالسهو فلا تجب فيها فدية، فلو فعلها سهواً لا تجب عليه فيها فدية.وقسم لا فدية فيه أصلاً: وهو عقد النكاح، وإنما يعذر في هذه الأربعة بالسهو؛ لقول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ).
    أقسام فاعل المحظورات من حيث الفدية
    والأقرب أن يقال بأن فاعل المحظورات لا يخلو من أقسام ثلاثة:القسم الأول: أن يفعل المحظور عالماً ذاكراً مختاراً غير معذور، فهذا يأثم وتجب عليه الفدية؛ لقول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فهذا رجل -مثلاً- حلق رأسه وهو عالم مختار ذاكر فهو غير معذور؛ عالم غير جاهل، ومختار غير مكره، وذاكر غير ناسي، فهذا نقول: إن الفدية تجب عليه، وذكرنا دليل ذلك قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].القسم الثاني: أن يفعل المحظور عالماً ذاكراً مختاراً لكنه معذور، ليس مكرهاً ولا ناسياً ولا جاهلاً لكنه معذور، فما هو الحكم هنا؟ نقول: لا يأثم، لكن تجب عليه الفدية، وهذا مثل كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، عالم وذاكر ومختار لكنه معذور؛ لأن هوام رأسه آذته، فنقول: هنا لا يأثم، لكن تجب عليه الفدية؛ لقول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].القسم الثالث: أن يفعل المحظور إما جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً؛ فالمذهب على التفصيل؛ فقالوا: إن كان من قبيل الإتلاف فهذا لا يعذر، والذي من قبيل الإتلاف كما ذكرنا أربعة أشياء: الحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد، وإن كان من غير قبيل الإتلاف فيعذر، مثلاً: لو تطيب وهو ناسٍ أو جاهل أو مكره، أو لبس الرجل المخيط أو غطى رأسه أو باشر، فإذا كان مكرهاً أو ناسياً أو جاهلاً؛ فهذا يعذر.ويلحق بهذا: إذا لبست المرأة لباساً خاصاً بالوجه والكفين فقالوا: هذه تعذر؛ لأن هذا ليس من قبيل الإتلاف، وهذا كما ذكرنا هو المذهب، وأيضاً هو مذهب الشافعية وهو الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية أنه لا يعذر مطلقاً، سواء كان من قبيل الإتلاف أو كان من غير قبيل الإتلاف.والرأي الثالث: أنه يعذر مطلقاً، أي: سواء كان من قبيل الإتلاف أو كان من غير قبيل الإتلاف، وعلى هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك أيضاً ابن القيم ، وهو رواية عن الإمام أحمد : لو قلم أظافره وهو ناسٍ فلا شيء عليه، ولو حلق وهو ناسٍ لا شيء عليه، ولو وطء وهو ناسٍ لا شيء عليه، ولو تطيب أو لبس أو غطى رأسه وهو ناسٍ أو جاهل أو مكره هذا كله لا شيء عليه، وهذا القول هو الصواب، ودليل ذلك: أن الله عز وجل قال في الصيد وهو أعظم الإتلافات: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، فقال الله عز وجل: (مُتَعَمِّداً) فدل ذلك على أنه إذا كان غير متعمد أنه لا يجب عليه شيء، فالله عز وجل أوجب الجزاء متى؟ في حال العمد، فدل على أنه في حال عدم العمد ناسٍ أو مكره أو جاهل أنه لا شيء عليه.وأيضاً يدل لهذا حديث يعلى بن أمية : ( أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالجعرانة، وقد أهلَّ بالعمرة وهو مصفر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: يا رسول الله! إني أحرمت وأنا كما ترى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: انزع الجبة، واغسل عنك الصفرة )؛ لأن الصفرة هذه طيب -زعفران- ( واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك )، وهذا في الصحيحين، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية.فهذا الرجل لما كان جاهلاً لبس الجبة فأحرم وعليه الجبة، وصفر لحيته ورأسه، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( انزع الجبة، واغسل عنك الصفرة، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) وهذا القول هو الصواب.نقول: الصواب في هذه المسألة أنه لا يلزمه شيء إذا كان جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً، سواء كان ذلك من قبيل الإتلاف، أو كان من غير قبيل الإتلاف، أي: كل المحظورات.
    مكان ذبح الهدي وإخراج الفدية
    قال رحمه الله: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم].هنا أراد المؤلف رحمه الله أن يبين مكان ذبح الهدي، ومكان إطعام الطعام؛ لأن الفدية -كما تقدم- إما أن تكون ذبحاً، وإما أن تكون طعاماً، وإما أن تكون صياماً، فمثلاً: المتمتع فيه إما أن يذبح شاة أو أن يصوم، وفي جزاء الصيد إما أن يذبح المثل إن كان له مثل، أو يطعم أو يصوم كما تقدم تفصيله.أيضاً في فدية الأذى: حلق الرأس، فهو مخير بين الصيام والصدقة والنسك، فأراد المؤلف رحمه الله أن يبين أين يكون الهدي، وأين يكون الذبح، وأين يكون الصيام، فقال: (كل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم)، هذا ضابط: كل هدي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين الحرم، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، مثل: هدي المتمتع هذا يتعلق بالإحرام، وهدي القارن يتعلق بالإحرام، وفدية الأذى تتعلق بالإحرام، وفدية المحظورات كلها تتعلق بالإحرام، وقاتل صيد الحرم يتعلق بالحرم، وقتل الصيد للمحرم يتعلق بالإحرام، الضابط أن نقول: كل هديٍ أو إطعامٍ يتعلق بالحرم أو الإحرام فإنه يكون لمساكين الحرم، لكن استثنى المؤلف رحمه الله أمرين كما سيأتي.لكن من هم مساكين الحرم؟ نقول: مساكين الحرم من كان فقيراً داخل الحرم، سواء كان من أهله أو كان من غير أهله، أي: كل مسكين داخل الحرم يجوز أن تعطيه، سواء كان من أهله أو من غير أهله، مثلاً: إنسان جاء من المغرب أو من المشرق وهو فقير، والمحرم فعل محظوراً داخل الحرم، فأخرج الفدية داخل الحرم، وأعطاها للذي جاء من المشرق أو من المغرب، هل يصح أو لا يصح؟ نقول: يصح، فهو لمساكين الحرم من كان أصلياً مقيماً فيه، ومن كان وارداً عليه، فهؤلاء كلهم يجوز أن يعطوا من الفدية.ودليل ذلك قول الله عز وجل: هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم ) وقال عليه الصلاة والسلام: ( كل فجاج مكة طريق ومنحر ).
    مكان إخراج فدية الأذى
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق به، وهدي المحصر ينحره في موضعه].استثنى المؤلف رحمه الله مسألتين:المسألة الأولى: قال: (فدية الأذى) لو حلق خارج الحرم، هناك إنسان أحرم مثلاً في السيل الكبير في قرن المنازل، أحرم وانتهى، وفي السيل فعل محظوراً من محظورات الإحرام -حلق رأسه مثلاً- ما هي الفدية الواجبة عليه؟ (فدية من صيام أو صدقة أو نسك)، قال: أريد أن أطعم، نقول: أطعم ستة مساكين؛ أطعم في الحل لا بأس في ذلك، ويجوز أن تطعمها في الحرم، نقول: لا بأس أنك تطعم في مكانك مع أنه من الحل، ويجوز أيضاً أن تطعمها داخل الحرم.قال: أريد أن أذبح، نقول: لا بأس، اذبح وأطعم هذه للمساكين في الموضع الذي فعلت فيه المحظور ولو كان خارج الحرم، ويجوز أيضاً أن يؤخر الذبح إلى أن يأتي الحرم ويذبح في الحرم ويعطي مساكين الحرم.إذاً: الأمر الأول الذي يستثنى هو فدية الأذى، وقصده المؤلف بقوله: (فدية الأذى)، أي: كل المحظورات، أي: المحظور إذا فعلته في الحل فلك أن تخرج فديته في مكان فعله، ولك أن تخرجها في الحرم.مثلاً: إنسان أحرم في السيل الكبير، وجامع أهله متعمداً ذاكراً عالماً مختاراً غير معذورٍ فما الحكم هنا؟ نقول: يجب عليه بدنة، فيذبح البدنة، ونقول: لا بأس أن تذبحها هناك وتطعمها الفقراء، أو أن تذبحها في الحرم، هذا الأمر الأول.وهذا دليله حديث كعب بن عجرة في الحديبية حلق رأسه، والحديبية من أي شيء؟ من الحل، ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح في مكانه: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]. فنقول: لا بأس أنك تعمله في الحل أو في الحرم.
    مكان ذبح هدي المحصر
    المسألة الثانية: قال رحمه الله: (وهدي المحصر ينحره في موضعه).لو أنه أحصر في الحل، فنقول: لا بأس أنك تنحره في موضعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحصره المشركون في الحديبية فنحر هديه في الحديبية، ويجوز أن ينحره داخل الحرم، فهذا لا بأس، لكن نفهم أن المحصر إذا أحصر في الحل أنه مخير؛ إما أن ينحره في مكانه، وإما في الحرم.
    مكان أداء كفارة الصيام
    قال رحمه الله: [وأما الصيام فيجزئه بكل مكان].ودليل ذلك قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( والصوم حيث شاء )، وأيضاً استقراء الأدلة الشرعية؛ فإنه لم يرد في الأدلة الشرعية أن الصيام يتقيد بمكان، فلو -مثلاً- حلق رأسه وقال: أريد أن أصوم؛ فنقول: لا بأس أن تصوم في الحل أو أن تصوم في الحرم، فهذا كله جائز، يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاة، هذا غير مقيد، ولهذا قال: (بكل مكان).أيضاً المتمتع يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، سواء صامها في مكة أو صامها خارج مكة، المهم أن هذا غير مقيد.
    آداب دخول المحرم مكة
    ثم قال رحمه الله: [باب دخول مكة].لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الفدية وأقسامها، ومتى يعذر ومتى لا يعذر، شرع الآن في بيان دخول مكة وآداب دخول مكة.
    دخول مكة من أعلاها والخروج من أسفلها
    قال رحمه الله: [يستحب دخول مكة من أعلاها].أي: من ثنية كداء، والدليل على هذا حديث ابن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى )، وحديث ابن عمر في الصحيحين.إذاً: يستحب أن يدخل من أعلاها.قال بعض العلماء -وهو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله-: يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، سواء كانت على طريقه أو غير طريقه، فإن كانت على طريقه فالأمر ظاهر، وإذا كانت على غير طريقه فإنه يعرج عليها؛ يميل إليها ويدخل منها.الرأي الثاني: لا يستحب أن يتعمد ذلك بحيث أنه إذا كانت على غير طريقه يذهب ويميل إليها، بل إذا كانت على طريقه فإنه يدخلها من الثنية العليا، وأما إذا لم تكن على طريقه فإنه حسب ما تيسر له، وهذا قال به بعض الشافعية رحمهم الله.وهذا بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخلها من الثنية العليا اتفاقاً، أي: لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما حصل ذلك اتفاقاً.كذلك أيضاً من الآداب: أن يخرج من أسفلها كما تقدم، وهذا أيضاً فعله النبي عليه الصلاة والسلام اتفاقاً لا قصداً.
    دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة
    قال رحمه الله: [ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل فيه].أيضاً يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، وهذا دليله حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل )، وهذا رواه مسلم .وباب بني شيبة هذا كان موجوداً أما الآن فغير موجود، أي: الباب الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الزمن السالف موجوداً وقريباً من البيت -الكعبة- أما الآن فمع التوسعة ذهب هذا الباب، فهو الآن غير موجود.
    دخول المحرم نهاراً
    كذلك أيضاً من الآداب: أن يدخل نهاراً كما في حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى )، وهذا هو ما ذهب إليه بعض العلماء: أن السنة أن يدخل نهاراً، وقال بعض العلماء: يدخل ليلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحرم من الجعرانة دخل مكة ليلاً كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وحسنه بعض العلماء، قال بعض العلماء بأن الدخول ليلاً ونهاراً سواء للأدلة؛ لأن كلاً منهما ورد به الدليل.والأقرب في هذا أن يقال: الأولى أن يدخل نهاراً ما لم يكن هناك مشقة؛ لأن هذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع.
    أول ما يبدأ به المحرم
    أيضاً من الآداب أن الإنسان لا يعرج على شيء قبل البيت، فإذا دخل مكة أول ما يبدأ به أن يذهب إلى البيت وأن يتوضأ؛ لما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( أول شيءٍ بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف ) فنقول: يستحب للإنسان إذا دخل مكة ألا يعرج على شيء حتى يأتي البيت ويتوضأ؛ كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.أيضاً من الآداب قال: [فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا].أي: إذا دخلت المسجد ترفع يديك وتقول ما ورد، ما هو الوارد؟ نقول: الوارد: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمر تعظيماً وتشريفاً... ) إلى آخره. هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً كما روى ابن جريج ، وابن جريج مراسيله غير مقبولة عند أهل العلم، وعلى هذا لا يشرع ذلك، فالصحيح أنه إذا دخل المسجد الحرام يقدم رجله اليمنى ويقول كما يقول إذا دخل سائر المساجد؛ يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: ( اللهم إني أسالك رحمتك ) وإذا خرج يقول: ( اللهم إني أسألك فضلك ) هذا الذي ورد، أما هذا الذكر فلم يرد.. وهو كما قلنا ضعيف.قال رحمه الله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا).كما تقدم الذكر الوارد: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً.. ) إلى آخره، قلنا بأن هذا غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    الابتداء بطواف العمرة للمعتمر والقدوم للمفرد والقارن
    قال رحمه الله: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً، أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً].من أتى البيت لا يخلو من حالتين:الحالة الأولى: أن يكون معتمراً فهذا أمره ظاهر؛ يبدأ بطواف العمرة ويغنيه عن طواف القدوم.الحالة الثانية: أن يكون حاجاً، وهذا الحاج لا يخلو إما أن يكون متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، فإن كان متمتعاً أيضاً يطوف طواف العمرة، وإن كان قارناً أو مفرداً فهذا الطواف يسمى: طواف القدوم.وطواف العمرة حكمه ركن، أي: سواء كان الإنسان يعتمر عمرة مفردة أو يعتمر عمرة التمتع فهذا الطواف ركن، وأما بالنسبة للمفرد والقارن فطواف القدوم حكمه سنة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافاً للإمام مالك رحمه الله فإنه يرى أنه واجب.قال رحمه الله: [فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر].طواف القدوم هذا فيه سُنتان: السنة الأولى: الاضطباع، والاضطباع هذا يكون في جميع الطواف من أوله إلى آخره، ويدل لذلك حديث يعلى بن أمية : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً وعليه برد )، وهذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه ، وكذلك أيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود .السنة الثانية: الرمل، وسيأتي إن شاء الله بيانها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [8]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (54)


    السنة أن يبدأ المعتمر أو الحاج بالحجر الأسود، ولو حاذاه ببعض بدنه صح، ويستلم الحجر الأسود في كل موضع بحسبه، ويقبله ويقول: الله أكبر، ويشرع في طواف القدوم سنتان: الاضطباع، والرمل، وليس هناك أدعية مخصوصة لكل شرط فيشرع التقيد بما ورد عنه النبي صلى الله عليه
    ما يشرع فعله عند الحجر الأسود قبل الشروع في الطواف
    تقدم لنا شيء من الآداب التي تشرع عند دخول مكة، وذكرنا من ذلك الدخول من أعلاها من ثنية كداء، والخروج من أسفلها، وذكرنا من ذلك: أنه يدخل نهاراً، وأنه إذا دخل مكة فإن السنة أن يبدأ أول ما يبدأ بالبيت، وإذا أراد أن يدخل البيت فإنه يبدأ من باب بني شيبة، وتكلمنا على هذه المسألة، وهل يشرع ذكر خاص لدخول المسجد الحرام، أو لا يشرع ذكر خاص؟ وتقدم أن دخول المسجد الحرام كدخول سائر المساجد، وأنه لا يشرع ذكر خاص، وأيضاً: إذا دخل المسجد الحرام فإن تحية البيت هو الطواف، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بطواف القدوم، وما يشرع فيه وما يسن.وتكلم المؤلف رحمه الله على الاضطباع وسيتكلم أيضاً على الرمل.وسبق أن أشرنا إلى أن السنة للإنسان إذا قدم مكة أن يبدأ بالبيت، وألا يعرج على شيءٍ حتى يأتي البيت، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ذكرت عائشة كما في الصحيحين، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم أن توضأ ثم بدأ بالبيت فطاف )، هذا هو السنة.وإذا دخل المسجد فلا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يريد الطواف، فتحية البيت الطواف.الأمر الثاني: ألا يريد الطواف، وإنما يريد حضور مجلس علم، أو يريد الصلاة أو يريد القراءة أو غير ذلك، فإن تحية المسجد هي الصلاة كسائر المساجد، فإذا أراد الطواف فالتحية هي الطواف، وإن أراد غير الطواف من قراءةٍ أو صلاةٍ أو حضور درسٍ ونحو ذلك، فإن تحية المسجد هي الصلاة كسائر المساجد.من أراد الحج والعمرة فإنه يشرع له أن يبدأ بالطواف؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا عن عائشة رضي الله تعالى عنها.وهذا الطواف يسمى: طواف القدوم، وهو بالنسبة للمعتمر والمتمتع أحد أركان العمرة، وبالنسبة للمفرد والقارن عند جمهور أهل العلم أنه سنة، وعند الإمام مالك رحمه الله: يرى أن طواف القدوم واجب، والصحيح في ذلك أن طواف القدوم سنة وليس واجباً، وهذا هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.ويدل لذلك حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، فإن عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه قدم حاجاً، ومع ذلك لم يطف طواف القدوم، وإنما أول ما أتى هو عرفات، ولم يأت منى في اليوم الثامن، ولم يبت بمنى ليلة التاسع، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( من شهد صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في مزدلفة- ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) وعلى هذا نقول: الصحيح بالنسبة للمفرد والقارن أن طواف القدوم في حقهما سنة وليس واجباً؛ لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه.وإذا جاء إلى البيت وشرع في الطواف، فإن طواف القدوم يشرع فيه سنتان:السنة الأولى: الاضطباع، وتقدم الكلام عليها.والسنة الثانية: الرمل، وسيأتي إن شاء الله بيانها، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أنه يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر.
    الابتداء بالحجر الأسود واستلامه وتقبيله
    قال رحمه الله: [ويبدأ بالحجر الأسود].وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا يشرع أن يبدأ قبل الحجر الأسود، بل هذا بدعة وخلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لهذا نعرف أن بعض الناس الذين يقولون: نحتاط ونبدأ قبل الحجر الأسود فإن هذا بدعة، والصحيح أن الإنسان يبدأ بالحجر الأسود، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وفيه سعة.
    محاذاة الحجر الأسود
    هل يشترط إذا أراد أن يبدأ بالحجر الأسود أن يحاذيه بكل بدنه، أو أن هذا ليس شرطاً؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالرأي الأول -وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله-: أنه لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكل بدنه، وعلى هذا، لو خرج شيء من بدنه عن محاذاة الحجر الأسود لا يجزئ، فعلى المذهب لو أن بعض البدن حاذى الحجر والبعض الثاني خرج عن محاذاة الحجر، يقولون: إنه لا يجزئ، بل لا بد أن يكون جميع بدنك محاذياً للحجر الأسود.وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا ليس شرطاً، فسواء حاذى الحجر بكل بدنه أو حاذاه ببعض بدنه، وعلى هذا، لو أنه حاذى الحجر الأسود ببعض بدنه فإن هذا لا بأس به.كما قلنا: الحنابلة يقولون: لا بد أن يحاذي الحجر بكل بدنه، كيف ذلك؟ يقولون: إنه يكون بين ضلعي البيت، بحيث إنه يرى هذا الضلع وهذا الضلع، فحينئذٍ يكون محاذياً للحجر بكل بدنه، وقلنا: الصحيح في ذلك أن هذا ليس شرطاً، وأنه لو حاذى ببعض بدنه يعني: لو رأى أحد أضلاع البيت، كالضلع الأيمن على جهته اليمنى، ولم ير الذي على جهته اليسرى فإن هذا مجزئ عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبهذا نعرف أن الأمر في ذلك واسع ولله الحمد.
    استلام الحجر الأسود وتقبيله
    قوله: [فيستلمه] أي: الحجر الأسود، ويشرع له سنن.السنة الأولى: أن يستلمه، وكيفية الاستلام في كل موضعٍ بحسبه، فاستلام الحجر الأسود هو مسحه، ومعنى أن يستلمه، يعني: أن يمسحه بيده اليمنى وهذا هو استلامه، ودليل ذلك هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام من حديث جابر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.قال رحمه الله: [ويقبله].يعني: بعد أن يستلمه يقبله، أي: بعد أن يمسحه بيده اليمنى يقبله، ودليل ذلك: ( أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل الحجر، وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك )، وقال العلماء في صفة التقبيل: هو أن يضع شفتيه عليه دون صوت ثم يرفعهما، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس اليوم، تجد أنه يقبل بصوت، أو أنه يقبل عدة مرات، وهذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام.والتقبي هو قول جمهور أهل العلم، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه لا يقبله، لكن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله هذا فيه نظر؛ لأن هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم من حديث عمر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يسجد عليه، وهذا خلاف ما عليه الأصحاب رحمهم الله، فالحنابلة رحمهم الله يرون أنه يسجد على الحجر الأسود بعد أن يقبله، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وقد ورد ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وكيفية السجود عليه: أن يضع جبهته وأنفه عليه.هذه هي المرتبة الأولى في استلام الحجر: أن يستلمه ويقبله ويسجد عليه.المرتبة الثانية: إذا لم يتمكن من أن يستلمه ويقبله فإنه يستلمه بيده ويقبل يده، فإذا لم يتمكن من المرتبة الأولى فإنه يصير إلى المرتبة الثانية، ودليله حديث ابن عباس في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الحجر بيده وقبل يده ) .المرتبة الثالثة: إذا لم يتمكن من أن يستلمه بيده ويقبل يده، فإنه يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء.ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الطفيل قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.المرتبة الرابعة: إذا لم يتمكن من أن يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء فإنه يشير إليه ولا يقبل يده إذا أشار بيده.ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيءٍ في يده وكبر )، وما هي كيفية الإشارة؟ كيفية الإشارة أن يشير إليه مرة واحدة فقط؛ لأن الإشارة نائبة مناب الاستلام، والاستلام يكون باليد اليمنى، وعلى هذا يشير باليد اليمنى إشارة واحدة، وأما كون بعض الناس يشير عدة إشارات، أو يشير بيديه جميعاً كأنه يكبر للصلاة، فهذا كله غير صحيح.أيضاً ذكر العلماء رحمهم الله أنه يشير إليه وهو مستقبل الحجر؛ لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام، والاستلام يكون وهو مستقبل الحجر، فكذلك أيضاً قال بعض أهل العلم: بأنه يستقبل الحجر ويشير إليه، وقال بعضهم: بأنه يشير وهو ماشي، والأمر في هذا واسع.
    ما يشرع من ذكر عند استلام الحجر الأسود
    قال رحمه الله: [ويقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم].ما هو الذكر المشروع؟ نقول: أما التكبير فهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم لنا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في البخاري .بقينا في قوله: (باسم الله)، هل ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقول: (اللهم إيماناً بك)؟ فالمؤلف ذكر ثلاثة أذكار عند استلام الحجر: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك).أما التكبير فهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سلف.وأما قول: (باسم الله)، فهذا ثابت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.وأما قول: (اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك)، فهذا لم يثبت مرفوعاً، يعني: ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ذلك عن علي بن أبي طالب وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.فأصبح عندنا أن الذي ثبت في السنة قول: الله أكبر، أما التسمية، وقول: اللهم إيماناً بك، فهذا ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
    شروط الطواف

    محاذاة الحجر الأسود وجعل البيت عن يساره
    قال رحمه الله: [ثم يأخذ عن يمينه، ويجعل البيت عن يساره].الطواف يشترط له شروط:الشرط الأول كما تقدم عند الحنابلة رحمهم الله: أنه يشترط أن يحاذي الحجر بكل بدنه، وذكرنا أن هذا ليس شرطاً عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.الشرط الثاني: ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا، فقال: (ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره).هذا هو الشرط الثاني: أن يجعل البيت عن يساره، وعلى هذا لو طاف منكساً وجعل البيت عن يمينه فإن هذا غير مجزئ، وقد ذكر العلماء رحمهم الله بأن جعل البيت عن يسار الطائف، كجعل البيت في وجه المصلي، فيجعلون كلاً منهما شرطاً، كما أن المصلي يجب عليه أن يجعل البيت قبل وجهه، فكذلك أيضاً الطائف يجب عليه أن يجعله عن يساره، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى.وعلى هذا فلو طاف منكساً فإن طوافه لا يصح، لكن لو أن الإنسان في أثناء الزحام تقدم بعض الخطوات وظهره إلى البيت، أو وجهه إلى البيت، فمثل هذه الأشياء اليسيرة يعفى عنها.
    إتمام سبعة أشواط
    قال رحمه الله: [فيطوف سبعاً].أي: يطوف سبعة أشواط، وهذا الشرط الثالث، وعلى هذا فلو نقص خطوة واحدة من هذه السبعة فإن طوافه لا يصح ولا يكتمل إلا بأن يطوف سبعةً كاملةً من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، خلافاً للحنفية، فالحنفية يقولون: أنه إذا أتى بالأكثر فإنه يكفي، فإذا أتى بأربعة أشواط كفى ذلك، فإن كان في مكة فإنه يعيد، وإن خرج عن مكة فإنه يلزمه دم، ويقولون: بأن الأكثر له حكم الكل، والصحيح في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأنه لا بد أن يطوف سبعة أشواط، والله عز وجل قال: وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] وهذا أمر.وكيفية هذا الطواف: بينه النبي صلى الله عليه وسلم وفسره بفعله، وأيضاً: أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالطواف بالبيت.
    نية الطواف
    الشرط الرابع: النية؛ لأن الإنسان قد يدور بالبيت وهو يريد الطواف، وقد يدور بالبيت وهو لا يريد الطواف، وإنما يريد ملاحقة غريم أو رفقة مريض أو صاحب أو امرأة ونحو ذلك، فلا بد من النية.لكن هل يشترط نية خاصة للطواف أو لا يشترط؟ يعني: هل يشترط أن يعين الطواف، أو نقول: هذا ليس شرطاً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصحيح في ذلك أنه لا يشترط أن يعين.وإذا أراد أن يطوف هل يشترط أن ينوي أنه طواف الإفاضة أو يكفي نية الطواف؟ بحيث إنه إذا أطلق ولم ينو شيئاً آخر، أي: نوى الطواف فقط، ولم ينو أنه طواف الإفاضة أو طواف الحج أو طواف الركن، وإنما أطلق لم يعين، فهل هذا كاف أو ليس كافياً؟هذا موضع خلاف، والصحيح في ذلك أنه كافٍ؛ لأن الطواف هذا جزء من أجزاء هذه العبادة، أي: عبادة الحج، وكما أن الإنسان في الصلاة لا يجعل للركوع نية خاصة وللسجود نية خاصة، فكذلك أيضاً قالوا: الطواف لا يشترط أن ينويه نيةً خاصة.
    الطهارة من الحدث
    الشرط الخامس: الطهارة من الحدث، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، هل يشترط لصحة الطواف الطهارة، أو أن هذا ليس شرطاً؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فجمهور أهل العلم أن الطهارة شرط لصحة الطواف، والرأي الثاني: رأي الحنفية، قالوا: بأنه ليس شرطاً، وإنما إن كان في مكة فإنه يعيد، وإن خرج من مكة فإن طاف محدثاً حدثاً أصغر فعليه شاة، وإن كان محدثاً حدثاً أكبر -يعني: جنب- فعليه بدنة.واعلم أن الحنفية هم أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطواف، يعني: هم يخففون في الطواف كثيراً، بخلاف الجمهور فإنهم يشددون في الطواف؛ لأنهم يلحقون الطواف بالصلاة، بخلاف الحنفية لا يلحقونه بالصلاة، فيخففون فيه كثيراً، وكما تقدم أنهم لا يشترطون عدد الأشواط، ولا يشترطون رفع الحدث، ولا يشترطون بالنسبة لإزالة الخبث -كما سيأتي إن شاء الله- المهم أنهم يقولون: إن طاف وهو محدث، فإن كان في مكة يعيد، وإن خرج من مكة فإن كان حدثه أصغر فعليه شاة، وإن كان حدثه أكبر فعليه بدنة.وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطهارة ليست شرطاً وإنما هي سنة في الطواف، ولكلٍ منهم دليل، وهذا المسألة أطال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الحادي والعشرين من مجموع الفتاوى.ومن أدلة الجمهور حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف ).وأيضاً حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وفي لفظٍ عند مسلم : ( حتى تغتسلي ) وهذا تمسك به جمهور أهل العلم رحمهم الله.والرأي الثاني: الذين قالوا بأنه سنة، قالوا: بأنه لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد الطواف قال: لا طواف إلا بوضوء، كما قال ذلك في الصلاة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حج معه الجمع الغفير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولو كان هذا شرطاً لتوافرت الهمم على نقله؛ لأن هذا مما تعم به البلوى.وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حديث عائشة : ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف )، قال: إن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستحب أن يتوضأ عند الذكر، ولهذا تيمم النبي عليه الصلاة والسلام لرد السلام، وقال: ( كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) فالنبي عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام تيمم لرد السلام.وأما حديث منع عائشة رضي الله تعالى عنها من الطواف، فقال: بأن عائشة منعت من الطواف بالبيت، ليس لأجل الحدث، وإنما لأجل أن الحائض ممنوعة من دخول البيت، فقال: ( حتى تطهري ) يعني: ينقطع الدم، فقوله: ( حتى تغتسلي ) أيضاً تتطهري من دم الحيض، فقال: بأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد وليس لأجل الحدث، وإنما لكونها حائضاً فمنعت من ذلك.
    الطهارة من الخبث
    الشرط السادس: الطهارة من الخبث، هل هذا شرط أو ليس شرطاً؟هذا عند جمهور أهل العلم رحمهم الله أنه شرط، وعند الحنفية أنه ليس شرطاً، وهذا هو الصواب: أن الطهارة من الخبث ليست شرطاً، وعلى هذا لو أن الإنسان طاف وعلى ثيابه نجاسة أو في سرواله نجاسة ونحو ذلك فإن طوافه صحيح؛ لأننا إذا قلنا بأن الحدث رفعه ليس شرطاً فالخبث من بابٍ أولى؛ لأن الخبث من باب التروك، فيعفى فيها ما لا يعفى في الحدث الذي هو من باب الأوامر.
    ستر العورة
    الشرط السابع: ستر العورة، أيضاً هل هو شرط أو ليس بشرط؟الجمهور على أنه شرط، وعند الحنفية ليس شرطاً، ودليل الجمهور: أن الله عز وجل قال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] ومن ذلك: ستر العورة.وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ) وهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، فهذا مما يدل على ستر العورة.وما هو ستر العورة الواجب؟ هم يقولون: ستر العورة كالعورة في الصلاة، فالمرأة كما تستتر في الصلاة تستتر في الطواف، والرجل كما يستتر في الصلاة يستتر في الطواف، والصحيح أن يقال: ينظر إلى العورة التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ) ما المراد بقوله: عريان؟ نقول: المراد بقوله: عريان هو ما كان عليه المشركون، أنهم يطوفون عراة تماماً، وأنهم يقولون: ثياب عصينا الله بها فلا نتقرب إليه بها، فيطوفون عراة إلا من أعطاه أحد من قريش ثوباً يستتر به.وعلى هذا العري الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو العري الكامل، أما ما عدا ذلك فالأصل في ذلك أنه لا يخل بالطواف، وعلى هذا لو طاف الإنسان وفي ثوبه شق، أو في إزاره شق، أو نزل إزاره وبدا شيء من عورته، فنقول: طوافه صحيح ولا بأس به.
    الطواف بجميع البيت
    الشرط الثامن: أن يطوف بجميع البيت، وعلى هذا لو طاف على الشاذروان، أو على جدار الحجر، أو دخل من الحجر فإن هذا لا يصح، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا طاف على الشاذروان فإنه لا بأس به، وأن الشاذروان هذا ليس من البيت، وإنما هو جعل عماداً على البيت.والحنابلة يقولون: الشاذروان هو الجدار الصغير الفاضل تحت جدار الكعبة، هذا كان في الزمن السابق مربعاً وليس مسنناً، بحيث إن الإنسان يستطيع أنه يمشي عليه، أما الآن فهو مسنن قد يصعب على الإنسان أن يمشي عليه.فهذا إذا مشى عليه، أو أنه فرض أنه مشى عليه أو اتكأ على شخص ومشى عليه، فهل طوافه صحيح؟ الحنابلة يقولون: ليس بصحيح؛ لأنه من البيت، وشيخ الإسلام يقول: ليس من البيت فالطواف عليه صحيح.كذلك أيضاً لو دخل من الحجر وخرج، فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الحجر هذا من البيت، وحد الحجر الذي من البيت كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: ما دام أن الحجر مستقيم إلى أن يبدأ الانحناء، فإذا بدأ الانحناء فهذا ليس من البيت، لكن ما دام أن جدار الحجر مستقيم فهذا من البيت إلى أن يبدأ الانحناء.المهم أنه إذا طاف على جدار الحجر، نقول: الحجر هذا من البيت، إن كان قبل الانحناء فهذا لا يصح؛ لأن الحجر -كما تقدم- من البيت، أما ما بعد الانحناء فهذا ليس من البيت، فلو طاف عليه فإن طوافه صحيح.
    الطواف داخل المسجد
    الشرط التاسع: أن يكون الطواف داخل المسجد، وعلى هذا فلو طاف خارج المسجد فإنه طوافه غير صحيح؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    الموالاة بين أشواط الطواف
    الشرط العاشر: أن يوالي بين أشواط الطواف، وعلى هذا لو طاف شوطاً في الساعة العاشرة، وشوطاً في الحادية عشرة، وشوطاً بعد الظهر، نقول: بأن طوافه غير صحيح.وعندنا قاعدة: وهي أن العبادة المركبة من أجزاء، فإنه لا بد فيها من أمرين: الأمر الأول: الترتيب بين أجزائها، والأمر الثاني: التوالي، وإلا لم تكن على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
    الطواف مشياً
    الشرط الحادي عشر: أن يمشي ولا يركب، وعلى هذا فالمذهب أنه لا يصح الطواف راكباً إلا لعذر، وعند الشافعية أن المشي سنة وليس واجباً، وعلى هذا لو ركب فطوافه هذا لا بأس به، وعند الحنفية يقولون: لو أنه ركب فطوافه صحيح، لكن يعيده ما دام في مكة، فإن ذهب إلى أهله فعليه دم، والأحوط في ذلك أن يمشي؛ لأن هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يركب إلا لعذر، وهو لما غشاه الناس، وأصبحوا ينظرون إليه ويقتدوا بفعله ركب النبي عليه الصلاة والسلام.
    الرمل في الثلاثة أشواط الأولى من الطواف والمشي فيما عداها
    قال رحمه الله: [يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر].هذه السنة الثانية، تقدم أن ذكرنا أن طواف القدوم فيه سنتان: السنة الأولى: الاضطباع، والسنة الثانية: الرمل.والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ( رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، وكذلك أيضاً له شاهد من حديث جابر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .وقوله: (من الحجر إلى الحجر) هذه هي السنة التي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، وإلا ففي عمرة القضية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، وأن يمشوا ما بين الركنين؛ لأنهم إذا مشوا بين الركنين لا يراهم المشركون، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إبقاءً على الصحابة أن يمشوا بين الركنين، وهذا نسخ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع كما في حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما: رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وعلى هذا نقول: السنة أن يرمل من الحجر إلى الحجر، وأما المشي بين الركنين فكان في عمرة القضية ونسخ ذلك.والحكمة من الرمل هو: إغاظة المشركين، فإن المشركين قالوا: يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب -يعني: أضعفتهم حمى يثرب- فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرملوا، أي: أن يسرعوا في الخطا وأن يقاربوا بينها، وأن يمشوا بين الركنين؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين فإنهم يستترون عن كفار قريش فلا يرونهم، ثم بعد ذلك نسخ ذلك، ورمل النبي عليه الصلاة والسلام من الحجر إلى الحجر، يعني: في جميع الشوط.وكما قلنا: سبب الرمل هو قول المشركين، وهذا ثابت من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين.قال رحمه الله: [ويمشي في الأربعة].أي: الأخرى، وهذا دل له ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في الأشواط الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ومشى في الأشواط الأربعة ) وعلى هذا نقول: السنة أن يرمل في موضع الرمل، ويمشي في موضع المشي، فلو أن الإنسان نسي أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول، فنقول: لا يرمل في الأشواط الأربعة الباقية؛ لأن السنة في الأشواط الأربعة الباقية المشي، ولو أنه نسي ولم يرمل إلا في شوط واحد فقط، فنقول: لا يقضي هذا في الأشواط الأربعة الباقية، يعني: لا يقول: أرمل في شوطين؛ لأن السنة في الأشواط الأربعة الباقية هو أن يمشي.ولو أن الإنسان لم يتمكن من الرمل؛ لكثرة الناس، لكن إذا ابتعد عن البيت خف الزحام وتمكن من الرمل، فهل نقول: يقرب من البيت ويترك الرمل، أو نقول: بأنه يبتعد ويرمل؟ نقول: بأنه يبتعد ويرمل، وذكر العلماء رحمهم الله لذلك ضابطاً، والضابط هو: أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمان العبادة أو مكانها.مثال زمان العبادة: السنة أن يصلي الإنسان الصلاة في أول وقتها فهذا هو الأفضل، لكن إذا كان حاقناً وتخفف، فإن هذا يؤدي به إلى الخشوع وسيفوت فضيلة أول الوقت وسيكتسب الخشوع في الصلاة، فالخشوع فضل متعلق بذات العبادة، والصلاة في أول وقتها فضل متعلق بزمان العبادة، نقول: الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمانها.مثال المكان: كما مثلنا هنا، مثال آخر: إنسان إذا صلى في الصف الأول لا يخشع في صلاته، مثلاً يكون عنده شخص قد أكل ثوماً أو بصلاً، أو أحد يشوش عليه، لكن إذا تأخر في الصف الثاني، فإنه يكون أحرى أن يخشع، فنقول: هنا يتأخر؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى من مراعاة الفضل المتعلق بمكانها.
    ما يشرع عند محاذاة الحجر الأسود والركن اليماني
    قال رحمه الله: [وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر].أما الحجر الأسود فالسنة أنه كلما حاذاه فإنه يستلمه، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وإسناده حسن.وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم أنه قال: ( ما تركت استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما ) .فنقول: بالنسبة للحجر الأسود هذا يستلمه، وهل يقبله، أو نقول فقط: يكتفي باستلامه للحجر الأسود؟ الأقرب في ذلك أنه يفعل المراتب الأربعة السابقة، إن تمكن أنه يستلم ويقبل ويسجد فعل ذلك، فإن لم يتمكن فإنه يستلم بيده ويقبل يده، فإن لم يتمكن فإنه يستلم بشيء ويقبل هذا الشيء، فإن لم يتمكن فإنه يشير إليه، هذا بالنسبة للحجر الأسود.وهل يسم أو لا يسم؟ وهل يقول: اللهم إيماناً بك أو لا يقول؟ لا يفعل ذلك، ونقول: يقتصر على التكبير فقط، فيقول: الله أكبر.أما بالنسبة للركن اليماني، نقول: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه، لكن قال المؤلف رحمه الله: [وكبر وهلل] الذي ورد هو التكبير فقط، أما التهليل فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.كذلك أيضاً بالنسبة للركن اليماني لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر عند استلامه، وعلى هذا نقول: بأنه يستلمه فقط دون أن يكبر، وهل يقبله أو لا يقبله؟ نقول: لا يقبله، وهل إذا تعذر عليه أن يستلمه هل يشير إليه؟ نقول: هذا لم يرد.وعلى هذا نقول: الركن اليماني السنة فيه فقط الاستلام، يعني: أن يمسحه بيده اليمنى، أما التقبيل والإشارة والتكبير فهذا كله لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا: بالنسبة للحجر الأسود ذكرنا: هل يستلمه فقط أو يستلمه ويقبله ويسجد؟ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، بعض أهل العلم يقولون: هذه المراتب إنما تكون في أول شيء، لكن الصحيح في ذلك أنه يفعل المراتب الأربعة كما تقدم لنا: أنه يستلم ويقبل ويسجد، فإذا لم يتمكن فليستلمه بيده اليمنى ويقبل يده اليمنى، فإذا لم يتمكن فليستلمه بشيءٍ ويقبل هذا الشيء، فإذا لم يتمكن فليشر إليه كما سلف.
    ما يشرع قوله بين الحجر الأسود والركن اليماني
    قال رحمه الله: [ويقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]].يقول بين الركنين هذا الذكر، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا ما ذكر؛ لأنه ذكر ما يقال عند استلام الحجر الأسود، وذكر أيضاً: ما يقال بين الركنين، ولم يذكر شيئاً آخر، وبهذا نعرف أنه في بقية الطواف ليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.بل الإنسان يذكر ويهلل ويسبح ويحمد ويقرأ القرآن، وأما بالنسبة لكونه يأتي بذكر مخصوص، فهذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذا نعرف أن ما يوضع من دعاء للشوط الأول أو دعاء للشوط الثاني، أن هذا بدعة؛ لأنها تخصيص لهذا الدعاء في هذا المكان، وهو لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا بدعة؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف.وقوله: (ويقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]) هذا دليله حديث عبد الله بن السائب أنه قال: ( سمعت رسول الله يقول بين الركن والحجر: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه الحاكم.قول المؤلف رحمه الله: يستلم الحجر والركن، يفهم من كلامه أنه لا يستلم الركنين الباقيين، يعني: الركنين الشاميين، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستلمهما، ولهذا معاوية رضي الله تعالى عنه لما أتى وطاف واستلم الأركان كلها أنكر عليه، بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستلم إلا هذين الركنين.والحكمة في استلام الحجر الأسود والركن اليماني: أنهما على قواعد إبراهيم، أما بالنسبة للركنين الشاميين فهما ليسا على قواعد إبراهيم وإنما هما داخل البيت.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [9]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (55)


    يدعو الحاج أو المعتمر بما شاء في طوافه حول البيت، ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن استطاع، ثم يخرج إلى الصفا والمروة فيسعى سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، ثم يحلق رأسه، والمرأة كالرجل في السعي إلا أنها لا ترمل.وفي اليوم الثامن -يوم التروية- من كان حلا
    الدعاء أثناء الطواف
    تقدم لنا شيء من أحكام الطواف، وذكرنا من ذلك ما يشرع في طواف القدوم من الرمل والاضطباع، وكذلك أيضاً ذكرنا شيئاً من أحكام استلام الحجر الأسود، وذكرنا أن لذلك أربع مراتب: المرتبة الأولى أن يستلمه وأن يقبله وأن يسجد عليه، المرتبة الثانية: أن يستلمه بيده ويقبل يده، المرتبة الثالثة: أن يستلمه بشيء ويقبل ذلك الشيء، المرتبة الرابعة: أن يشير إليه.وأيضاً ذكرنا ما يتعلق باستلام الركن اليماني، وكذلك أيضاً ما يتعلق باستلام الركنين الآخرين الشاميين، وأنه لا يشرع استلامهما.ثم تطرقنا أيضاً إلى ما يتعلق بشروط الطواف، وذكرنا: هل تشترط الطهارة من الحدث، وهل تشترط الطهارة من الخبث؟ وما يتعلق بستر العورة وما يتعلق بإكمال السبعة الأشواط، فهذه تقدم الكلام عليها مبيناً.قال المؤلف رحمه الله: [ويدعو في سائره بما أحب].تقدم أن ذكرنا أنه يقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] وأيضاً ذكرنا ما يقوله عند استلام الحجر الأسود وما عدا ذلك فلم يرد، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (يدعو في سائره بما أحب) أي: بما أحب من خير الدنيا والآخرة، فيؤخذ من هذا: أنه ليس لأشواط الطواف ذكر مخصوص، وأن ما يوجد في بعض الكتيبات من دعاء للشوط الأول ودعاء للشوط الثاني، إنما هو بدعة؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، والأصل فيها المنع، وإذا كان كذلك فإنه إن لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام تخصيص دعاء في عبادة فإن فعله بعده بدعة.
    ركعتا الطواف
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام].بعد أن ينتهي من الطواف يشرع له أن يصلي هاتين الركعتين، وإذا انتهى من الطواف هل يشرع أن يشير إلى الحجر ويكبر أو نقول: هذا غير مشروع؟ في هذا قولان لأهل العلم رحمهم الله:الرأي الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يشرع استدلالاً بأن النبي عليه الصلاة والسلام كلما حاذى الحجر الأسود استلمه وكبر، فكذلك أيضاً عند نهاية الشوط السابع يستلمه -كما تقدم- ويكبر.والرأي الثاني: أنه لا يشرع؛ لأنه إذا أتم الأشواط السبعة فقد انتهت العبادة، وهذا الاستلام إنما يكون في جوف العبادة، والعبادة قد انتهت، ويدل لهذا أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام في أيام التشريق -كما سيأتينا إن شاء الله- رمى الجمرة الصغرى ثم استقبل القبلة يدعو، ثم رمى الجمرة الوسطى ثم استقبل القبلة ورفع يديه يدعو، ثم رمى الجمرة الكبرى -جمرة العقبة- ولم يقف عندها ولم يدع.واختلف أهل العلم رحمهم الله في الحكمة من ذلك، وأقرب الأقوال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع لأن العبادة قد انتهت، وعلى هذا نقول: إذا أتم الأشواط السبعة فإنه لا يشرع أن يكبر أو أن يستلم الحجر أو أن يشير إليه وإنما يمضي.
    حكم ركعتي الطواف وموضعهما
    وقوله رحمه الله: (ثم يصلي ركعتين) هاتان الركعتان -ركعتا الطواف- تحتهما مسائل:المسألة الأولى: حكم هاتين الركعتين، للعلماء في ذلك رأيان:الرأي الأول: وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً الشافعي : أن هاتين الركعتين سنتان وليستا واجبتين.والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة ومالك : أنهما واجبتان.والذين قالوا بأنهما سنة استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى اليمن، قال: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ) قالوا: هذا الواجب أي: أن الواجب، خمس صلوات في اليوم والليلة ولا يجب غير هذه الصلوات الخمس.ومن قال بوجوبهما استدلوا بظاهر الأمر، فإن الله عز وجل قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] قالوا: هذا يقتضي وجوب هاتين الركعتين.وأقرب الأقوال في ذلك أن هاتين الركعتين ليستا واجبتين وإنما هما سنة، وأما هذا الدليل الذي استدل به من قال بالوجوب، وهو قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فإنه وجد الصارف لذلك، وهو أن الإجماع منعقد على أن هاتين الركعتين تجزئان في كل مكان مع أن الآية جاءت في الأمر خلف مقام إبراهيم: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فالآية جاءت بالأمر بالصلاة خلف مقام إبراهيم، والإجماع منعقد على أنه لا يجب أن تكون هاتان الركعتان خلف مقام إبراهيم، فلو فعلهما في أي مكان فإن ذلك مجزئ، فدل ذلك على أن هاتين الركعتين ليستا واجبتين؛ لأنه إذا كانت هاتان الركعتان أمر بهما خلف مقام إبراهيم ثم بذلك انعقد الإجماع على أنه يجزئ فعلهما ولو في غير هذا المكان دل ذلك على عدم وجوبهما.وعلى هذا نقول: الصحيح في ذلك أن هاتين الركعتين لا تجبان، وأنهما تجزئان في كل مكان، وعمر رضي الله تعالى عنه صلاهما بذي طوى.المسألة الثانية: السنة أن تكون هاتان الركعتان خلف مقام إبراهيم، فإن لم يتيسر للإنسان ذلك فإنه يصليهما في أي مكان، وإن تيسر له أن يجعل المقام خلفه -أي: بينه وبين البيت- فهذا أحسن، يعني: إذا لم يتمكن أن يجعلهما خلف مقام إبراهيم فإنه يجتهد أن يكون المقام بينه وبين البيت أثناء تأديتهما.
    مدى إجزاء المكتوبة أو السنة عن ركعتي الطواف
    المسألة الثالثة: هل تجزئ عنهما صلاة مكتوبة أو سنة راتبة لو كان الوقت وقت سنة راتبة أو نقول: لا يجزئ ذلك؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصواب في ذلك: أن المكتوبة لا تجزئ عنهما، وأيضاً لا تجزئ عنهما السنة الراتبة؛ لأن هاتين الركعتين صلاة مستقلة بنفسها ومقصودة لذاتها، فلا تقوم غيرها مقامها.
    ما يسن في ركعتي الطواف
    المسألة الرابعة: ما يسن في هاتين الركعتين.نقول: هاتان الركعتان يسن فيها سنن:السنة الأولى: التخفيف أي: أن يخفف هاتين الركعتين.والسنة الثانية: أن يقرأ فيمها بسورتي الإخلاص: (( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )) و: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) كما في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه.والسنة الثالثة: ألا يطيل المقام بعدهما بل يقوم مباشرة كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
    ركعتا الطواف في أوقات النهي
    المسألة الخامسة: هل تشرع هاتان الركعتان في أوقات النهي أو لا؟ بمعنى: لو أن الإنسان طاف بعد العصر أو طاف بعد الفجر فهل إذا انتهى من طوافه يصلي هاتين الركعتين أو نقول: بأنه لا يصليهما؟نقول: الصواب في ذلك ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله: أن هاتين الركعتين تشرعان في أوقات النهي؛ لأنهما من ذوات الأسباب، وذوات الأسباب تشرع في كل وقت؛ لأنها لو أخرت عن سببها لفاتت، إذ إنها شرعت لهذا السبب وهي دائرة معه.
    استلام الركن بعد ركعتي الطواف
    قال رحمه الله: [ويعود إلى الركن فيستلمه].إذا انتهى من صلاة هاتين الركعتين فإنه يشرع أن يعود إلى الركن ويستلمه، يعني: يعود إلى الحجر الأسود ويستلمه ويمسحه قبل أن يشرع في السعي، وهذا الاستلام قال العلماء رحمهم الله: يشرع بعد كل طوافٍ يعقبه سعي، فيشرع أن يستلمه فقط ولا يقبله؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبله، وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبله داخل الطواف أما خارج الطواف فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: إذا انتهى الإنسان من الطواف فإن تيسر له أن يذهب إلى الحجر وأن يستلمه ويمسحه ثم بعد ذلك يخرج إلى المسعى فقد قام بالسنة.
    السعي بين الصفا والمروة وما يتعلق به
    قال رحمه الله: [ثم يخرج إلى الصفا من بابه].الصفا: هي الحجارة الصلبة، والمراد به هنا: المكان المعروف في طرف المسعى الجنوبي، طرف جبل أبي قبيس؛ لأن المسعى بين جبلين من جهة الصفا جبل أبي قبيس، ومن جهة المروة جبل قعيقعان.
    الابتداء بصعود الصفا
    قال المؤلف رحمه الله: [فيرقى عليه].أي: يرقى على الصفا، وهذا الرقي ليس واجباً لكنه مستحب، وإذا أقبل على الصفا قرأ قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] هكذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر ، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الآية وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجزء: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ثم قال: ( أبدأ بما بدأ الله به ) ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذا الجزء من هذه الآية في غير هذا الموضع.وبهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا أتى المروة قرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ثم إذا رجع إلى الصفا قرأها أيضاً أن هذا ليس عليه دليل، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما قرأها مرة واحدة لما أقبل على الصفا.
    التكبير والدعاء على الصفا
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكبر الله ويهلله ويدعوه].أي: يرفع يديه، فإذا صعد على الصفا فليستقبل القبلة وليرفع يديه ويقول: الله أكبر ثلاث مرات.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر. ثم بعد ذلك يقول ما ورد، والوارد كما في حديث جابر يقول: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ) ثم يدعو ثم يقول هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقول هذا الذكر ثم ينزل.أعيد ما سبق: أن يرفع يديه مستقبل القبلة ويكبر ثلاث مرات: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر، ثم يقول الوارد: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم يدعو، ثم يقول هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقول هذا الذكر ثم ينزل، فيدعو مرتين ويقول هذا الذكر ثلاث مرات فهذا هو السنة.وبهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا صعدوا على الصفا يشيرون بأيديهم كأنهم يكبرون للإحرام ونحو ذلك، أو أنهم إذا أتوا إلى المروة يرفعون ويشيرون بأيديهم، فهذا كله غير وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    الرمل بين العلمين
    قال رحمه الله: [ثم ينزل فيمشي في مواضع مشيه، ويسعى في مواضع سعيه حتى يكمل سبعة أشواط].هذا يدل على أن المسعى يشرع فيه المشي ويشرع فيه السعي، فإذا أتى إلى العلم الأخضر -وهو بطن الوادي- فإنه يستحب أن يسعى سعياً شديداً اقتداءً بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأصل مشروعية السعي كما في حديث البخاري الذي رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن إبراهيم لما ترك هاجر وابنها إسماعيل فعطشت وعطش الصبي فصعدت على الصفا هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، وهبطت في بطن الوادي، فكانت إذا هبطت في بطن الوادي لا ترى الصبي، فتسعى سعياً شديداً حتى تصل إلى المروة؛ لكي تنظر هل ترى أحداً؟ أو لا ترى أحداً، فكانت تسعى إذا كانت في بطن الوادي؛ لأن الطفل يغيب عنها، وبهذا حصلت مشروعية السعي.
    شروط صحة السعي
    وقوله: (فيمشي في مواضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه).السعي يشترط لصحته شروط أشار المؤلف رحمه الله إلى الشرط الأول في قوله: (فيمشي في مواضع مشيه) هذا الشرط الأول: أن يمشي، وعلى هذا لو أنه ركب من غير عذرٍ فإن سعيه غير صحيح، فلا بد أن يمشي ولا يركب إلا إذا كان لعذر فإن هذا لا بأس به، فإن النبي عليه الصلاة والسلام سعى ماشياً فلما احتاج إلى أن يركب؛ لكي يراه الناس ولكي يشرف عليهم ولكي يأخذوا عنه نسكهم ركب عليه الصلاة والسلام ركب، فنقول: الأصل أنه يمشي إلا إذا احتاج إلى الركوب فإنه لا بأس أن يركب.هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً مذهب مالك : أنه لا بد أن يمشي إلا لعذر، وعلى هذا إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمشي إما لكبر أو لمرض أو لغير ذلك فإنه لا بأس أن يركب، أما إذا كان قادراً على المشي فإنه لا يصح أن يركب، وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، ومذهب مالك وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن المشي سنة وليس واجباً، وأنه لا بأس أن يركب الإنسان، قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام ركب.والأحوط في هذا أن يمشي الإنسان إلا لعذر، ولنعلم أن السعي يخفف فيه ما لا يخفف في الطواف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة لما حاضت: ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ) فتفعل حتى السعي فتسعى وهي حائض، فدل ذلك على أن السعي أمره أيسر من الطواف، ومع ذلك نقول: الأحوط أن الإنسان يمشي إلا لعذر، فإن كان هناك عذر فلا بأس.وقوله رحمه الله: (حتى يكمل سبعة أشواط).هذا الشرط الثاني: أنه لا بد أن يكمل سبعة أشواط، وعلى هذا لو أنه لم يسع إلا ستة أو ستة ونصفاً أو سبعة إلا شيئاً، لم يستوعب ما بين الصفا والمروة فإن هذا غير صحيح؛ لأنه لم يكمله، والنبي عليه الصلاة والسلام طاف سبعة أشواط كاملة.ثم قال رحمه الله: [يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة].هذا الشرط الثالث: أن يفتتح بالصفا وأن يختم بالمروة، وعلى هذا لو افتتح بالمروة فإن هذا الشوط غير معتبر فلا بد أن يأتي بشوطٍ آخر، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهناك رواية عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لو بدأ بالمروة فإنه لا شيء عليه كما لو ترك الترتيب بين أعضاء الوضوء، والصواب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.الشرط الرابع: الموالاة بين أشواط السعي كالطواف، وقد سبق أن ذكرنا قاعدة، وهي: أن كل عبادة مركبة من أجزاء فإنه يشترط فيها شرطان: الشرط الأول: الترتيب، والشرط الثاني: الموالاة بين أجزائها، وإلا لم تكن كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن التوالي بين أشواط السعي ليس شرطاً؛ لأن سودة بنت عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما سعت بين الصفا والمروة في ثلاثة أيام، والأقرب في هذا هو الرأي الأول وأنه لا بد من التوالي؛ لأنه لو طاف شوطاً في أول النهار وشوطاً في منتصف النهار وشوطاً في آخره وأربعة من الغد لم يكن هذا السعي الذي سعاه النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن هذه هي العبادة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم وشرعها.الشرط الخامس: أن يكون هذا السعي بعد طواف نسك ولو مسنوناً، وهذا قول الأئمة الأربعة، وحكي الإجماع على ذلك: أنه لا بد أن يكون السعي بعد طواف نسك، ومعنى قولنا: (نسك)، يعني: طواف مشروع في حج أو عمرة، ولا يشترط أن يكون هذا الطواف واجباً حتى ولو كان مسنوناً مثل طواف القدوم للمفرد والقارن، فإن المفرد إذا طاف طواف القدوم فطواف القدوم هذا سنة، والقارن إذا طاف طواف القدوم فهذا الطواف سنة، فإذا سعى بعد ذلك فإن سعيه صحيح.وعلى هذا لو قدم السعي على الطواف فإنه لا يصح إلا ما ورد استثناؤه، كما يأتينا إن شاء الله: أنه لا بأس أن يقدم السعي على الطواف يوم النحر، وورد عن عطاء رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه لا يشترط ذلك، وحكي عن عطاء وداود أنه لا يشترط ذلك، يعني: لا يشترط أن يكون السعي بعد طواف، وورد عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه يسقط الترتيب بالجهل.والأقرب في ذلك أن يقال: إن الإنسان إذا قدم السعي على الطواف وكان جاهلاً فإن أمكنه أن يتدارك فإنه يتدارك، مثلاً: إنسان جاهل ذهب للعمرة وسعى قبل الطواف ويمكنه أن يتدارك لأنه في مكة، نقول: يعيد السعي مرةً أخرى، أما إذا كان الإنسان جاهلاً ولا يمكنه أن يتدارك وذهب الوقت ومضى ورجع، فنقول: بأن هذا يعفى عنه إن شاء الله.أيضاً من شروط صحة السعي: النية؛ لأن الإنسان قد يسعى بين الصفا والمروة قاصداً العبادة، وقد يسعى بين الصفا والمروة إما لمرافقة شخص يسعى أو للبحث عن شخص ونحو ذلك فلا بد من النية، وسبق لنا أن ذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم: هل تكفي النية المطلقة أو لا بد من التعيين؟ وذكرنا الصواب في هذه المسألة: أنه تكفي النية المطلقة.وأما بالنسبة للطهارة وستر العورة والموالاة بين السعي والطواف فهذه كلها سنن، يعني: يستحب للإنسان أن يسعى وهو متطهر، ولو أنه سعى وهو محدث فإن سعيه صحيح، كذلك أيضاً كونه يتنزه من الخبث في بدنه وثيابه، نقول: بأن هذا مستحب، ولو سعى وعلى ثيابه خبث أو نجاسة فنقول: بأن سعيه صحيح.وكذلك أيضاً سترة العورة نقول: هذا مستحب، ولو أنه سعى وفي إزاره ثقب يخرج منه شيء من عورته نقول: إن سعيه صحيح.
    التحلل من العمرة
    قال رحمه الله: [ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل].قول المؤلف رحمه الله: (ثم يقصر من شعره) السنة والأفضل هدي النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق، ولهذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة واحدة، لكن في موضعٍ واحد يكون التقصير أفضل من الحلق، وهو المعتمر إذا كان متمتعاً وقرب وقت الإحرام بالحج، فإنه لا يحلق وإنما يقصر ويترك الحلق للحج يوم النحر.أعيد الكلام فأقول: السنة أن يحلق الإنسان، وهذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرةً واحدة، ونستثني من هذا حالة واحدة فقط، وهي: المعتمر إذا كان متمتعاً وقرب وقت الحج فإن الأفضل أن يقصر، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام كل من ليس معه هدي من الصحابة أن يطوف بالبيت والصفا والمروة وبالتقصير، ثم بعد ذلك يحل وهذا في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.قال المؤلف رحمه الله: [إلا المتمتع إن كان معه هدي].المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن أفضل الأنساك التمتع، قالوا: حتى ولو ساق الهدي فالأفضل التمتع، ولهذا قال المؤلف: (إلا المتمتع إذا كان معه هدي) فقالوا: يمكن للإنسان أن يتمتع وهو معه هدي، فيطوف ويسعى ولا يقصر؛ لأنه لا يمكن أن يحل وهو لم يذبح الهدي، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر ) فقالوا: بأنه يكون متمتعاً، فيطوف ويسعى ولكن لا يقصر؛ لكون الهدي معه، وهذا فيه نظر، والصحيح: أن التمتع لا يمكن مع وجود الهدي؛ لأنه كيف يقال: بأنه متمتع وهو لم يحل؟! لا يمكن أن يكون الإنسان متمتعاً مع وجود الهدي؛ لأن المتمتع لا بد أن يحل من العمرة ثم بعد ذلك يحرم بالحج، فالصحيح في ذلك: أنه لا يتمتع مع وجود الهدي.قال رحمه الله: [والقارن والمفرد لأنه لا يحل] إذا كان الإنسان قارناً أو مفرداً فإنه إذا طاف فالطواف يسمى: طواف القدوم، والسعي هذا يجزيه عن سعي الحج.
    سعي المرأة وطوافها
    قال رحمه الله: [والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمل في الطوافٍ ولا السعي].المرأة كالرجل فيما تقدم من الأحكام، مثل: ما يتعلق بأحكام الطواف وأحكام السعي، إلا أن المؤلف رحمه الله استثنى من ذلك: بأن المرأة ليس عليها رمل، وكذلك أيضاً لا تسعى سعياً شديداً بين العلمين؛ لأن أمر المرأة مبني على الستر والحشمة والصيانة، وهذا يخالف هذه الأشياء، فالمرأة لا ترمل في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأول، وكذلك أيضاً لا تسعى سعياً شديداً بين العلمين.
    صفة الحج
    قال رحمه الله: [باب صفة الحج].تبدأ أفعال الحج في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة. وأيام الحج هي:اليوم الثامن: ويسمى بيوم التروية؛ لأن الناس يتروون فيه من الماء.واليوم التاسع: ويسمى بيوم عرفة؛ لأن الناس يخرجون فيه إلى عرفات.واليوم العاشر: ويسمى بيوم النحر؛ لما فيه من نحر الهدايا.واليوم الحادي عشر: ويسمى بيوم القر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى.واليوم الثاني عشر: ويسمى بيوم النفر الأول؛ لأن الناس لهم أن يتعجلوا في ذلك اليوم.واليوم الثالث عشر: ويسمى بيوم النفر الثاني.هذه أيام الحج، فأيام الحج ستة أيام تبدأ في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ويسمى بيوم التروية. وتنتهي باليوم الثالث عشر ويسمى بيوت النفر الثاني. ‏
    أعمال يوم التروية

    الإحرام من مكة للتمتع وغيره من المحلين
    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً].يعني: كالمتمتعين الذين حلوا من عمرتهم، فإنه يشرع لهم أن يحرموا بالحج في اليوم الثامن. قال رحمه الله: [أحرم من مكة].لم يذكر المؤلف رحمه الله متى يحرم، هل يحرم قبل الزوال أو يحرم بعد الزوال؟نقول: ظاهر السنة أنه يحرم قبل الزوال؛ لأن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالإحرام في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وخرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم من مكة إلى منى، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر يوم الثامن بمنى، فدل ذلك على أن إحرامهم كان قبل الزوال؛ لأن إحرامهم كان قبل الخروج من مكة فهم أحرموا من أماكنهم.. أحرموا من الأبطح، فدل ذلك على أنهم أحرموا قبل الزوال؛ لأنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى منى قبل الزوال، وصلى الظهر في منى، وهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمين، فدل ذلك على أن إحرامهم كان قبل الزوال.وقول المؤلف رحمه الله: (من مكة)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة الذين تمتعوا أن يحرموا من البطحاء من مكان إقامتهم، فقوله رحمه الله: (أحرم من مكة) فيجزئ من مكة، وكذلك أيضاً يجزئ من بقية الحرم ومن خارج الحرم.
    الخروج من منى
    السنة أن يخرج في اليوم الثامن إلى منى، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر الطويل، نقول: السنة أن يخرج إلى منى في اليوم الثامن ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت ليلة التاسع بمنى ويصلي الفجر، فإذا صلى الفجر بمنى فإنه يذهب في اليوم التاسع إلى عرفات بعد طلوع الشمس.وسبق أن بينا أن الخروج إلى منى في اليوم الثامن، وفعل هذه الصلوات، والمبيت بمنى ليلة التاسع: أن هذا من سنن الحج وليس واجباً بدليل حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، فإن عروة بن مضرس أتى النبي عليه الصلاة والسلام وقد خرج من صلاة الفجر في مزدلفة فقال له النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر حاله: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
    أعمال يوم عرفة
    قال رحمه الله: [وخرج إلى عرفات].فنقول: السنة إذا طلعت الشمس في اليوم التاسع أن يسير إلى عرفات.قال رحمه الله: [فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين، ثم يروح إلى الموقف].إذا طلعت الشمس فإنه يسير إلى عرفات، والنبي عليه الصلاة والسلام سار إلى عرفات، فوجد قبةً قد ضربت له بنمرة، يعني: خيمة صغيرة، فمكث النبي عليه الصلاة والسلام بهذه القبة حتى زالت الشمس، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يدخل عرفات إلا بعد الزوال وبعد الصلاتين.ونمرة هذه ليست من عرفة، قال العلماء: إنها غرب وادي عرنة من جهة الحرم، فإذا كان وادي عرنة ليس من عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ارفعوا عن بطن عرنة ) والوادي ليس من عرفات، فكذلك أيضاً نمرة.. فنمرة هذه غرب الوادي من جهة الحرم أي: وادي عرنة، فنمرة هذه ليست من عرفات خلافاً لما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، ووادي عرنة أيضاً ليس من عرفات.والنبي عليه الصلاة والسلام لم يدخل عرفات إلا بعد الزوال والصلاتين، فلما زالت الشمس دخل النبي عليه الصلاة والسلام وادي عرنة فصلى الظهر والعصر، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: (يجمع بينهما بأذان وإقامتين)، ثم بعد ذلك دخل الموقف عليه الصلاة والسلام.
    وقت الوقوف بعرفة
    واختلف أهل العلم رحمهم الله: متى يبدأ وقت الوقوف بعرفة؟الرأي الأول: المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من بعد طلوع الفجر، وعلى هذا لو أن الإنسان وقف بعرفة بعد طلوع الفجر ولو لحظة واحدة فإن وقوفه صحيح وتم حجه، يعني: أتى بركن الحج الأعظم، حتى لو خرج ولم يرجع.واستدلوا على ذلك بحديث عروة بن مضرس ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ) فقالوا: بأن قوله: (أو نهاراً) هذا يشمل النهار من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: ما عليه جمهور أهل العلم، وهو رأي الحنفية والشافعية حيث قالوا: وقت الوقوف بعرفة يبدأ من بعد الزوال؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقف إلا بعد الزوال.والرأي الثالث: رأي الإمام مالك رحمه الله.. فـمالك يقول: بأن وقت الوقوف يكون بعد غروب الشمس، يعني: لا بد أن يقف لحظة بعد غروب الشمس، وعلى رأي مالك فلو وقف بعد الزوال وجلس وخرج قبل غروب الشمس ولم يرجع فاته الحج؛ لأنه لم يأت بركن الحج، يقول: ركن الحج هو أن تقف بعد غروب الشمس ولو للحظة واحدة.والإمام مالك والمالكية يتمسكون بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جاء ليلة جمعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه جمع من أهل العلم منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وغيرهم، فقالوا: علق النبي صلى الله عليه وسلم الإدراك على إدراك ليلة جمع.لكن هذا الحديث الجواب عنه سهل، فنقول: هذا الحديث يدل على أن من جاء في الليل أدرك الحج، ومن وقف في النهار أيضاً أدرك الحج.فالصحيح في ذلك: أن وقت الوقوف يبدأ من بعد زوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من اليوم العاشر، والإجماع منعقد على أن وقت الوقوف بعرفة يستمر إلى طلوع الفجر الثاني من اليوم العاشر أي: من يوم النحر، وعلى هذا لو جاء في الليل فقط هل يدرك الحج أو لا يدرك الحج؟ نقول: يدرك الحج.
    موضع الوقوف بعرفة
    قال رحمه الله: [وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة].هذا نص حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة ) وهو حديث جبير بن مطعم ، أخرجه ابن ماجه وغيره كـالطحاوي وابن حزم وابن خزيمة وإسناده حسن، فدل ذلك أن بطن عرنة ليس من الموقف.قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريباً من الصخرات، ويجعل حبل المشاة بين يديه].يعني: يستحب للإنسان أن يقف في ذيل الجبل عند الصخرات، فالنبي صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات في ذيل الجبل واستقبل القبلة وجعل حبل المشاة بين يديه، أما صعود الجبل فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صعد الجبل ولا تقصد صعوده، بل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف ) . إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام وقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة وجعل حبل المشاة بين يديه، كما ورد ذلك في حديث جابر ، أما صعود الجبل فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً تقصد الصعود هذا غير وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالصحيح أن الإنسان يقف في أي مكان، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف ).قال رحمه الله: (ويجعل حبل المشاة بين يديه).معنى حبل المشاة: طريقهم الذي يسلكونه. قال رحمه الله: [ويستقبل القبلة].وهذا دليله حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [10]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (56)


    يسن الوقوف بعرفة راكباً إذا وجدت مصلحة، ويسن الإكثار من الذكر والدعاء إلى أن تغرب الشمس، ويجزئ الوقوف بعرفة ولو لحظة واحدة، وينتهي وقته بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ويسن عند الدفع من عرفة سلوك طريق المأزمين بسكينة ووقار، ملبياً ذاكراً لله عز وجل حتى ي
    تابع أعمال يوم عرفة
    تقدم لنا أن المحلين من المتمتعين وغيرهم ممن لم يحرموا في الحج أنه يستحب لهم أن يحرموا في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وأن يكون إحرامهم من أماكنهم كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم أحرموا من البطحاء، ويكون إحرامهم أيضاً قبل الزوال، ودليل ذلك: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، وخروجهم حال الإحرام، وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى قبل الزوال؛ لأنه صلى الظهر بمنى من اليوم الثامن، فدل ذلك على أن إحرامهم كان قبل الزوال.وذكرنا فيما تقدم أنه يستحب له أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من اليوم التاسع في منى، وأن يبيت ليلة التاسع بمنى، ويصلي قصراً بلا جمع، وذكر المؤلف رحمه الله أنه أيضاً يخرج إلى عرفات، وذكرنا متى يخرج من منى إلى عرفات، وإن تيسر له أن يقيم بنمرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أن نمرة ليست من عرفة.وذكر المؤلف رحمه الله أنه يصلي الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين.قال رحمه الله: (فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين ثم يروح إلى الموقف وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) تقدم لنا متى يبدأ وقت الوقوف بعرفة، وذكرنا أن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء:الرأي الأول: المشهور من مذهب الإمام أحمد : أنه يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني من يوم عرفة.والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة والشافعي : أنه يبدأ من بعد الزوال.والرأي الثالث: أنه يبدأ من بعد غروب الشمس، يعني: الوقوف الركن، وهذا رأي الإمام مالك رحمه الله.
    الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة
    وقول المؤلف رحمه الله: [صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين].ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن الحاج يجمع بين العصر والظهر في يوم عرفة، حتى وإن كان من أهل مكة، فغير أهل مكة من الآفاقيين لا إشكال في أنهم يجمعون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الآفاقيين جمعوا كما في حديث جابر الطويل، لكن هل يجمع أهل مكة أو لا يجمعون؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله:الرأي الأول: رأي مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن أهل مكة يجمعون ويقصرون كسائر الحجاج.والرأي الثاني: رأي الحنابلة والشافعية: أن أهل مكة لا يجمعون ولا يقصرون.والرأي الثالث: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أنهم يجمعون ولا يقصرون.فالمسألة طرفان ووسط؛ مالك رحمه الله يقول: بأنهم يجمعون ويقصرون، والشافعي وأحمد يقولان: بأنهم لا يجمعون ولا يقصرون، وعند أبي حنيفة : أنهم يجمعون ولا يقصرون.والصواب في هذه المسألة: أنهم يجمعون ويقصرون كسائر الحجاج، أما كونهم يجمعون فأصح الأقوال في ذلك أن علة الجمع هي النسك؛ لأن الحاج يحتاج إلى أن يجمع بين الظهر والعصر لكي يتصل الوقوف ويتفرغ للدعاء والذكر والابتهال، فعلّة الجمع هي النسك، وأما بالنسبة لعلة القصر فهي السفر.وأهل مكة إذا خرجوا من مكة إلى عرفات فإنهم يكونون مسافرين؛ لأنه تقدم لنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أن المدة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، وأهل مكة يخرجون من مكة إلى عرفات، فالمسافة قصيرة، لكن المدة طويلة؛ لأنهم لن يرجعوا في نفس اليوم إلى أماكنهم، بل سيذهبون إلى مزدلفة، ثم بعد ذلك لا يرجعون إلى أماكنهم إلا يوم العيد، فهذه مدة طويلة في مسافة قصيرة، فحكمها حكم السفر.
    ما يستثنى من الوقوف بعرفات
    قال رحمه الله: (ثم يروح إلى الموقف، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة).عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة ) فالوادي ليس محل الوقوف شرعاً، لأن الوادي قد يكون عرضةً لأن يتأذى الإنسان في نفسه أو في ماله، فقد تكون هناك أمطار، فيتأذى الإنسان في نفسه أو ماله، وأيضاً الأودية قد تكون مأوىً لبعض المؤذيات من الحشرات ونحوها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ارفعوا عن بطن عرنة ) وإنما صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر والعصر في بطن الوادي للاحتياج إلى ذلك، لأن بطن الوادي أرضه سهلة، فأرفق بالناس أن تكون الصلاة في ذلك المكان.
    الوقوف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم
    قال رحمه الله: (ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريباً من الصخرات).النبي عليه الصلاة والسلام لم يصعد الجبل، وإنما قال: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف ) وفي حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة )، فنقول: الإنسان يقف في أي مكان يستقبل القبلة، وأما قصد الجبل وصعود الجبل فهذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام.قال رحمه الله: (ويجعل حبل المشاة بين يديه) لما تقدم في حديث جابر قال: ( وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة ) وقوله: (حبل المشاة)، أي: طريقهم الذي يسلكونه.قال رحمه الله: (ويستقبل القبلة) هذا هو السنة: أن يستقبل القبلة، وأن يرفع يديه للدعاء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه، وفي حديث أسامة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان رافعاً يديه وكان ماسكاً خطام الناقة بإحدى يديه، فلما سقط خطام الناقة من يده أهوى النبي عليه الصلاة والسلام بيده لكي يأخذ خطام الناقة ولم يزل رافعاً اليد الأخرى ) وهذا مما يدل على أنه يستحب للإنسان أن يرفع يديه في ذلك الموقف.
    الوقوف بعرفة راكباً
    قال رحمه الله: [ويكون راكباً].أي: يقف راكباً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف على ناقته، فيقول المؤلف رحمه الله: يقف راكباً، وهل يقف راكباً، أو يقوم قائماً؟ بعض السلف قال: بأنه يقوم قائماً حال الدعاء، والمؤلف رحمه الله يقول: يقف على راحلته، يعني: يركب سيارته إن كان معه سيارة أو نحو ذلك ويستقبل القبلة ويدعو، والصحيح في ذلك أن هذا يرجع إلى المصلحة، فإذا كانت مصلحة الشخص أو مصلحة غيره أن يقف راكباً وقف راكباً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما وقف راكباً على راحلته؛ لأن الناس يحتاجون إليه ليأخذوا عنه نسكهم وينظروا كيف يفعل.ونظير ذلك ما تقدم لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وسعى على بعيره؛ لأن الناس ازدحموا عليه، ولكي يشرف عليهم وينظروا إليه، فهذه مصلحة، فنقول: يرجع إلى المصلحة، فإذا كان الإنسان ممن ينظر إليه ويقتدى به فإنه يقف وقوفاً يستفيد الناس منه، وإذا كان الإنسان ينظر لما هو الأخشع لقلبه: هل يقف بعرفة راكباً أو يقف به وهو جالس ويدعو الله عز وجل، المهم: أن الإنسان ينظر ما هو الأخشع لقلبه.
    الذكر والدعاء بعرفة
    قال رحمه الله: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير].وهذا دليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ). قال رحمه الله: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل].يجتهد في الدعاء، ويكثر من الدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك؛ لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله والترمذي .
    وقت الإفاضة من عرفة
    قال رحمه الله: (إلى غروب الشمس).يعني: يقف إلى غروب الشمس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر : ( وقف إلى أن غربت الشمس واستحكم غروبها وذهبت الصفرة ).والوقوف إلى غروب الشمس واجب من واجبات الحج، ويدل له أدلة، منها:الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- وقف إلى أن غربت الشمس، وقال: ( خذوا عني مناسككم ).والدليل الثاني: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، ولا شك أن الدفع في ضوء النهار أيسر من الدفع في ظلمة الليل، ومع ذلك لم يدفع النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن غربت الشمس.والدليل الثالث: أن النبي لم يرخص لأحدٍ من الضعفة أن يدفع قبل غروب الشمس، ولو كان جائزاً لرخص، وسيأتينا إن شاء الله أن الضعفة يرخص لهم في الدفع من مزدلفة في آخر الليل، ومع ذلك في عرفات لم يرخص النبي عليه الصلاة والسلام لأحدٍ في الدفع قبل غروب الشمس.
    قدر الوقوف بعرفة وآخر وقت له
    قدر الوقوف بعرفة لحظة واحدة، يعني: إذا وقف في وقت الوقوف لحظة واحدة وهو أهل للوقوف فإنه قد تم حجه، ومن هو أهل للوقوف؟ نقول: أهل الوقوف هو المسلم المحرم بالحج العاقل، بحيث لا يكون مغمى عليه ولا مجنوناً ولا سكراناً.ووقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر من يوم النحر من اليوم العاشر، وهذا باتفاق الأئمة رحمهم الله، ويدل له كما تقدم حديث عروة بن مضرس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه )، وأيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جاء عرفة ليلة جمعٍ قبل الطلوع فقد أدرك ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
    الدفع إلى مزدلفة والمبيت بها
    قال رحمه الله: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين].طريق المأزمين: تثنية مأزم وهو كل طريقٍ ضيقٍ بين جبلين.
    لزوم السكينة والوقار أثناء الدفع إلى مزدلفة
    قال رحمه الله: [وعليه السكينة والوقار].وهذا دليله حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أثناء الدفع: ( أيها الناس! السكينة السكينة ) فيدفع الإنسان بسكينة ووقار، لكن إذا وجد فجوةً فإنه يسرع، ويدل لهذا حديث أسامة قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص ) والعنق: هو انبساط السير، والنص: هو فوق العنق.

    الذكر والتلبية أثناء الدفع إلى مزدلفة

    قال رحمه الله: [ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل].التلبية يبدأ وقتها من حين الإحرام بالحج، وتقدم لنا أن المحلين من تمتعهم يحرمون بالحج في اليوم الثامن قبل الزوال، وكذلك أيضاً من لم يحرم فإنه يستحب له أن يحرم في اليوم الثامن، وتبدأ التلبية من اليوم الثامن، أما بالنسبة للمتمتع والقارن الذين أحرموا قبل اليوم الثامن، فإنهم على تلبيتهم؛ لأن التلبية تبدأ من حين الإحرام بالحج.وتقدم لنا أنها تبتدئ عند دبر الصلاة، وتستمر هذه التلبية إلى أن يبدأ برمي جمرة العقبة يوم النحر، فإذا رمى جمرة العقبة بأول حصاة فإنه يقطع التلبية كما سيأتي إن شاء الله، وإذا بدأ التلبية في اليوم الثامن فإنه سيظل اليوم الثامن يلبي، وكذلك أيضاً في اليوم التاسع يلبي، وكذلك أيضاً في العاشر إلى أن يرمي جمرة العقبة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ويكون ملبياً) يعني: حال سيره من عرفات إلى مزدلفة يلبي، وحال سيره من مزدلفة إلى منى فإنه يلبي، إلى أن يبدأ برمي جمرة العقبة كما سلف.قال رحمه الله: (ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل) لأنه كما ورد ذلك في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنه ( كان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه )، فهذه الأيام أيام تكبير وأيام تلبية، فإذا كان الإنسان مكبراً ملبياً فهذا كله مشروع.
    الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
    قال رحمه الله: [فإذا وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال، يجمع بينهما].إذا وصل مزدلفة فالسنة أن يؤخر صلاتي المغرب والعشاء إلى أن يصل إلى مزدلفة؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ففي حديث أسامة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توقف في الطريق بين عرفة ومزدلفة وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة : يا رسول الله! الصلاة، فقال: الصلاة أمامك ) ولو صلى في الطريق لأجزأته صلاته خلافاً لـابن حزم رحمه الله تعالى، والصحيح أنه إذا صلى أجزأته صلاته؛ لكن هذا خلاف السنة.لكن إذا كان هناك زحام ويعرف الإنسان أنه لن يصل مزدلفة إلا بعد انتصاف الليل، فإننا نقول: يجب عليه أن يصلي في الطريق ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، بل يصلي في الطريق على حسب حاله، إن تمكن من النزول فإنه ينزل، وإذا لم يتمكن من النزول فإنه يصلي على مركوبه.. حسب حاله، ويأتي بما يستطيع من الأركان والواجبات، فإذا استطاع أن يسجد سجد وإلا أومأ، وإذا استطاع أن يقف وقف، وإذا استطاع أن يركع ركع، وإذا لم يستطع فإنه يصلي جالساً بالإيماء، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.وقول المؤلف رحمه الله: (فإذا وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال) إذا وصل إلى مزدلفة فإنه لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يصل إلى مزدلفة في وقت العشاء، فهذا الأمر في ذلك ظاهر: أنه يصلي المغرب ثم يصلي العشاء الآخرة.الأمر الثاني: أن يصل إلى مزدلفة في وقت المغرب، فنقول: يبدأ بصلاة المغرب، وهل الأفضل أن يقدم العشاء أو الأفضل أن يؤخرها؟ هذا موضع خلاف، فبعض أهل العلم قال: إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب فإنه يبدأ بالمغرب، ثم يؤخر العشاء إلى أن يدخل وقتها، فإذا دخل وقتها صلى العشاء، وقال بعض أهل العلم: بل يجمع، والأمر في هذا واسع إن شاء الله.والسنة للإنسان إذا وصل مزدلفة أن يبادر بصلاة المغرب، والنبي عليه الصلاة والسلام بادر بصلاة المغرب قبل تبريك الجمال وقبل حط الرحال، وقال عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) ثم بعد أن صلى المغرب بركت الجمال وحطت الرحال فصلى العشاء، فنقول: السنة أول ما يصل مزدلفة أن يبادر بصلاة المغرب هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.وقوله: (قبل حط الرحال) نقول: قبل حط الرحال هذا بالنسبة لصلاة المغرب، ففي حديث أسامة رضي الله تعالى عنه: ( فأذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ) فصلاة العشاء بعد حط الرحال، وأما بالنسبة لصلاة المغرب فإنها قبل حط الرحال وتبريك الجمال كما في حديث أسامة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.
    المبيت بمزدلفة
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يبيت بها].يعني: يبيت بمزدلفة وجوباً، واختلف أهل العلم رحمهم الله في حكم البيتوتة بمزدلفة.فالرأي الأول: أن البيتوتة بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وهذا عند جمهور أهل العلم، لكن الحنفية رحمهم الله قالوا: لا يجب على الضعفة أن يبيتوا بمزدلفة.والرأي الثاني: ذهب إليه بعض السلف مثل الحسن البصري والنخعي وغيرهم، قالوا: بأن البيتوتة بمزدلفة ركن من أركان الحج.والرأي الثالث: بعض الشافعية قالوا بأنه سنة، والصحيح في هذا أن البيتوتة بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وأنه ليس سنةً ولا ركناً، يعني: هذا قول وسط، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه ) أي: صلاة الفجر بمزدلفة، ( ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) فعلق التمام على شهود الصلاة والوقوف حتى الدفع.وأيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي الذي سبق لنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جاء ليلة جمعٍ قبل الطلوع فقد أدرك ) هذا يدل على أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن جاء عرفات ليلة جمع قبل طلوع الفجر: ( قد أدرك الحج ) ولنفرض أنه جاء عرفات قبل طلوع الفجر بلحظة واحدة، هل أدرك الحج أو لم يدرك الحج؟ أدرك الحج، ويلزم من ذلك أن المبيت بمزدلفة قد فاته؛ لأنه إذا جاء قبل طلوع الفجر إلى عرفات بلحظة واحدة فقد أدرك عرفات، لكن يلزم منه أن المبيت بمزدلفة قد فات عليه، فحينئذٍ يدل هذا الحديث على أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً، ولو كان ركناً لما أدرك الحج.
    قدر المبيت بمزدلفة
    تقدم أن ذكرنا أن مدة الوقوف بعرفات قدرها لحظة واحدة، أيضاً قدر البيتوتة بمزدلفة عند الحنابلة والشافعية، فإذا أتى بعد نصف الليل يكفي لحظة واحدة ثم ينصرف، أما إذا أتى قبل نصف الليل فيقولون: لا بد أن يمكث إلى ما بعد نصف الليل لحظة واحدة، ثم بعد ذلك له أن ينصرف، فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعية أنه إن جاء بعد نصف الليل فيكفي لحظة، وإن جاء قبل نصف الليل لا بد أن يبيت إلى أن ينتصف الليل، فإذا انتصف الليل بلحظة واحدة فله أن ينصرف.وعند الحنفية رحمهم الله: أنه لا بد أن يقف لحظة واحدة؛ لكن بعد طلوع الفجر.وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قدر حط الرحال، سواء كان في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، قدر ما يحط الإنسان رحله، يعني: إذا جاء مزدلفة ومضى قدر ما يحط رحله، سواء كان في أول الليل أو في وسطه أو في آخره فإن ذلك كاف.
    وقت الدفع من مزدلفة
    متى يجوز للحاج أن ينصرف من مزدلفة؟نقول: لا يخلو الحاج من أمرين:الأمر الأول: أن يكون من الأقوياء.والأمر الثاني: أن يكون من الضعفة.فإن كان من الأقوياء فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي أنه يجوز له أن ينصرف بعد نصف الليل.وعند مالك : إذا مضى قدر حط الرحل، سواء في أول الليل أو في آخره أو في وسطه فله أن ينصرف.وعند أبي حنيفة : ينصرف بعد طلوع الفجر.والأحوط بالنسبة للأقوياء أن يبقوا، يعني: السنة التي وردت فيهم أن يبقوا كما بقي النبي صلى الله عليه وسلم ويصلوا الفجر في مزدلفة ويمكثوا للدعاء إلى أن يسفر جداً، هذا بالنسبة للأقوياء، ولو انصرفوا قبل ذلك -يعني: خصوصاً في مثل زمننا هذا الذي يكون فيه الزحام، يعني: يكاد يكون الناس كلهم ضعفة اليوم؛ لوجود الزحام والمشقة ونحو ذلك- فيظهر أنه لا بأس لو انصرفوا قبل طلوع الفجر، لكن الأحوط في حق الأقوياء أن يمكثوا إلى طلوع الفجر ويصلوا الفجر بمزدلفة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويقفوا فيها إلى الإسفار.القسم الثاني: الضعفة، فأيضاً عند الحنابلة والشافعية لهم أن ينصرفوا بعد نصف الليل، والحنفية يقولون: إن الضعفة أصلاً لا يجب عليهم المبيت بمزدلفة، والمالكية يقولون: بقدر حط الرحل حتى من أول الليل، والذي دلت السنة له أن الضعفة يستحب لهم أن ينصرفوا في آخر الليل، كما في حديث ابن عباس قال: ( كنت فيمن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله )، وابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقدم ضعفة أهله، فمنهم من يقدم لطلوع الفجر، ومنهم من يقدم قبل ذلك.والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة وميمونة ، فالضعفة السنة أن يقدموا آخر الليل؛ لكي لا ينالهم حطمة الناس، وفي حديث أسماء رضي الله تعالى عنها: ( أنها مكثت تصلي في المزدلفة وتسأل عن القمر، فلما ذكر لها أنه قد غرب تعجلت، فقال لها مولاها: يا هنتاه! يعني: يا هذه، ما أرانا إلا قد غلسنا، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن للظعن )، فإذا الضعفة تعجلوا بعد غروب القمر فهذا هو المشروع في حقهم؛ لكي لا ينالهم حطمة الناس.قال رحمه الله: [ثم يصلي الفجر بغلس].كما هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر بغلس ).
    الوقوف بالمشعر الحرام
    قوله: (ويأتي المشعر الحرام).فمزدلفة كلها مشعر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اعلم أن المشعر الحرام في الأصل اسم للمزدلفة كلها، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما بين الجبلين مشعر، لكن هناك مشعر أخص من هذا المشعر العام، وهو جبل صغير في مزدلفة يقال له: قزح، يعني: هذا مشعر أخص، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر قال: ( حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا وكبر، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس ) .فقوله: ( حتى أتى المشعر الحرام ) يدل على أن هناك مشعراً آخر أخص من المشعر العام، فأصبح عندنا مشعران: مشعر عام، وهذا كل مزدلفة، وأخص منه وهذا الجبل الذي يقال له: قزح، والآن المسجد المبني في مزدلفة مبني على المشعر الحرام، يعني: المسجد الآن الموجود في مزدلفة هذا مبني على نفس المشعر الخاص.وعلى كل حال: فالإنسان إذا صلى الفجر بغلس فإنه يستقبل القبلة -سواء كان في مكانه أو ذهب إلى المشعر الخاص- ويكبر الله ويهلله ويدعوه حتى يسفر جداً، لما تقدم أن أوردنا من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ثم يدفع قبل طلوع الشمس.
    الإسراع عند بلوغ وادي محسر
    قال رحمه الله: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى].يعني: وادي محسر، يقول المؤلف رحمه الله: أسرع رمية حجر، ودليل ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن محسر حرك قليلاً )، وهذا رواه جابر كما في صحيح مسلم ، وما الحكمة من كونه يحرك، يعني: إذا أتى بطن الوادي فإنه يسرع.. ما الحكمة من ذلك؟ هذا اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله:فقال بعض العلماء: يحرك إذا أتى بطن محسر؛ لأن النصارى كانت تقف هناك، فيسرع لكي يخالفهم.وقيل: لأن هذا المحل هو محل إهلاك أصحاب الفيل الذين أتوا لهدم الكعبة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن أصحاب الفيل لم يبلغوا الحرم.والقول الثالث: أن هذا المحل كانت تقفه الجاهلية ويذكرون فيه مناقبهم وأمجادهم وأحسابهم ومفاخرهم، ويدل لهذا قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200] فقال: كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ [البقرة:200] وهذا القول هو أقرب الأقوال، أن هذا مكان كانت تقفه الجاهلية تذكر فيه مناقبها وأحسابها وأنسابها ونحو ذلك.
    رمي جمرة العقبة
    قال رحمه الله: [فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف].ولم يذكر المؤلف رحمه الله من أي مكان يأخذ حصى الجمار، فنقول: بأن حصى الجمار يأخذها من أي مكان، وليس شرطاً أن يأخذها من مزدلفة، ولهذا من الخطأ أن بعض الحجاج إذا قدم مزدلفة يبدأ بلقط حصى الجمار، والسنة إذا قدم مزدلفة أن يبدأ بصلاة المغرب، ولهذا باتفاق الأئمة على أنه لا بأس أن يأخذها من أي مكان، لكن ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يأخذونها من مزدلفة، فورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه، لكن نقول: يأخذها من أي مكان.وفي حديث ابن عباس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الناس وهم يرمون الجمرة، فأمر ابن عباس أن يلقط له سبع حصيات، فأخذهن وجعل يقلبهن بكفه ويقول: بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو )، فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من عند الجمرة، ولكن هذا الحديث في إسناده ضعف.وقول المؤلف رحمه الله: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة) هذا هو السنة: فإذا جاء إلى منى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة هي تحية منى، ويدل لهذا أمور:الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على جمرة العقبة.والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة وهو على راحلته، لم ينزل النبي عليه الصلاة والسلام عن راحلته حتى رمى جمرة العقبة.والأمر الثالث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعرج على شيءٍ من رحله حتى رمى جمرة العقبة، فهذه ثلاثة أدلة تدل على أن السنة أن يبتدئ برمي جمرة العقبة إذا وصل منى.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [11]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (57)


    يستحب للحاج بعد الدفع من مزدلفة أن يسرع في وداي محسر حتى يأتي جمرة العقبة فيرميها، ولا يكون الرمي إلا بالشروط والضوابط المعتبرة في كيفية الرمي والحصى التي يرمى بها، ويجعل الحاج الجمرة بين يديه مستقبل القبلة، وتقع التلبية عند بلوغ الحاج جمرة العقبة، ويكون
    تابع رمي الجمار
    تقدم لنا في الدرس السابق أن الحاج لا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا حكم ما إذا دفع قبل غروب الشمس، وذكرنا أيضاً ما الذي يستحب أثناء الدفع، وهو أن يدفع وعليه السكينة والوقار، وألا يصلي حتى يرد مزدلفة، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بالجمع والقصر في عرفات وفي مزدلفة، وما هي العلة في ذلك.وذكرنا أيضاً البيتوتة بمزدلفة، وأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا فيها، وأن الصواب من أقوال أهل العلم أنه واجب من واجبات الحج، وتكلمنا أيضاً فيما سبق عن قدر البيتوتة، وعن وقت الدفع من مزدلفة إلى منى بالنسبة للضعفة وبالنسبة للأقوياء، وأن المستحب للأقوياء أن يناموا كما نام النبي صلى الله عليه وسلم، وألا يدفعوا حتى يسفر جداً.وذكرنا ما المراد بالمشعر الحرام، وأن المشعر الحرام يراد به أمران سبق أن بيناهما، فهناك مشعر عام وهو مزدلفة، وهناك مشعر خاص وهو جبل قزح، وأيضاً لا يشرع إحياء تلك الليلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحي تلك الليلة، لكن المسلم يؤدي الوتر في تلك الليلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على الوتر سفراً وحضراً.ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: (فإذا بلغ محسراً).يعني: وادي محسر، ووادي محسر هذا وادٍ بين مزدلفة ومنى، وسمي بذلك لأنه يحسر سالكه. يقول المؤلف رحمه الله: (أسرع قدر رمية بحجر).وقد حده العلماء رحمهم الله بقدر خمسمائة وخمسة وأربعين ذراعاً، ويدل لذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى وادي محسر حرك قليلاً )، كما رواه جابر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .وذكرنا ما هي الحكمة من الإسراع، وأن أهل العلم رحمهم اختلفوا في ذلك على أقوال: القول الأول: أن الحكمة من ذلك أن أصحاب الفيل أهلكوا في ذلك الوادي، لكن ذكرنا أن هذا غير صواب، وأن أصحاب الفيل لم يبلغوا الحرم.والرأي الثاني: أنه موقف كانت تقفه النصارى، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم لأجل مخالفتهم.والقول الثالث: أنه موقف تقفه العرب، فتذكر فيه أمجادها وأحسابها، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو أقرب الأقوال، ويدل له قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200].
    الابتداء برمي جمرة العقبة
    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف).إذا أسفر جداً فإنه يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا أتى منى فإن السنة أن يبدأ برمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويدل لهذا عدة أمور: الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على جمرة العقبة.الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرج على شيءٍ من رحله حتى رمى هذه الجمرة.الأمر الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها راكباً، وأما في غير يوم النحر فإن النبي صلى الله عليه وسلم رماها راجلاً، فهذه ثلاثة أمور تدل على أن السنة للإنسان إذا دفع من مزدلفة إلى منى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وعلى هذا فالضعفة إذا تعجلوا من مزدلفة إلى منى في آخر الليل، فنقول: السنة لهم أن يبدءوا برمي جمرة العقبة؛ لأن من حكمة تعجيل الضعفة آخر ليلة النحر هي أن يرموا قبل أن تدركهم حطمة الناس.
    شروط الرمي
    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فيبتدئ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف).هذا الرمي واجب من واجبات الحج.. رمي الجمار في يوم النحر وفي أيام التشريق -كما سيأتينا إن شاء الله- هو أحد واجبات الحج، وهذا الواجب له شروط، أي: الرمي له شروط:الشرط الأول: قال المؤلف رحمه الله: (فيرميها) فيشترط أن يرميها رمياً، وعلى هذا لو أنه وضع الحصى وضعاً ولم يرمه رمياً فإن هذا لا يجزئ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها رمياً، كما في حديث ابن عمر وحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، قال جابر : ( فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ).الشرط الثاني: قال رحمه الله تعالى: (بسبع حصيات) فلا بد أن يكون الرمي بسبع حصيات؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال جابر رضي الله تعالى عنه: ( فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة )، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه إن نقص حصاةً أو حصاتين فإن هذا لا بأس به، واستدلوا على ذلك بما رواه سعد قال: ( رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضنا يقول: رميت بستٍ، وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض )، وهذا الأثر أخرجه النسائي والبيهقي وصححه جمع من أهل العلم، فهذا دليل على أنه يغتفر إذا أنقص الإنسان حصاةً أو حصاتين، كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.والأقرب في ذلك أن يقال: إن الإنسان ما دام في وقت الرمي فإنه يحتاط، ويرمي كما رمى النبي صلى الله عليه وسلم سبع حصيات؛ لأن جمهور أهل العلم يقولون: إن نقص فإن ذلك لا يجزئه، وأما إن فات وقت الرمي وقد نقص حصاةً أو حصاتين فإن ذلك يغتفر له.الشرط الثالث: قال المؤلف رحمه الله: (حصيات) أن يكون بحصى، وعلى هذا فلو أنه رمى بغير الحصى فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن هذا عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وتقدم أن أوردنا حديث جابر قال: ( فرماها بسبع حصياتٍ يكبر مع كل حصاة )، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصى، وعلى هذا: لو رمى بالخشب أو رمى بالحديد أو رمى بالنعال أو غير ذلك، فإن هذا لا يجزئه.الشرط الرابع: قال المؤلف رحمه الله: (كحصى الخذف) يعني: لا بد أن يرمي هذه الحصيات بحصىً كحصى الخذف، فلا تجزئ الحصاة الكبيرة جداً، ولا تجزئ الحصاة الصغيرة جداً، وقد قال العلماء: بأن حصى الخذف تكون بين الحمص والبندق، والشافعية رحمهم الله حددوا حجم هذه الحصى، وقالوا: بأنها كالأنملة من الإصبع إلا أنها أقل من الأنملة من الإصبع طولاً وعرضاً.قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يكبر مع كل حصاة ويرفع يده اليمنى) وعلى هذا كما تقدم أنه لو وضعها وضعاً فإن هذا لا يجزئ.الشرط الخامس: أن يرميها واحدةً بعد الأخرى؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلو رماها دفعةً واحدة فإن هذا لا يجزئ، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، وقال الحسن البصري : يجزئ مع الجهل، والصحيح في ذلك أنه لا يجزئ.الشرط السادس: أن تقع في المرمى؛ لأن هذا المكان هو الذي رمى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن تقع في المرمى.والرأي الثاني: رأي الحنفية قالوا: تجزئ إذا وقعت في المرمى أو وقعت قريباً من المرمى، أما إن وقعت بعيداً من المرمى فإنها غير مجزئة.ولا يشترط أن يراها الإنسان إذا قعت في المرمى، فنقول: إذا حصل العلم أو غلبة الظن فإن ذلك مجزئ، فإذا حصل العلم، يعني: رماها فوقعت في المرمى ورآها وقعت، هنا حصل العلم بذلك، كذلك أيضاً لو غلب على ظنه أنها وقعت في المرمى، يعني: كان هناك زحام ورمى هذه الحصاة، وهو يظن أنها وقعت في المرمى فإن ذلك مجزئ، ولا يشترط أن يراها بعينه.الشرط السابع: ألا تكون هذه الحصاة قد رمي بها، فإن كان قد رمي بها فإنه لا يجزئ الرمي بها، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله، قالوا: بأن هذه حصاة استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها مرةً أخرى.والرأي الثاني: رأي الشافعية: أن هذا جائز ولا بأس به، يعني: لا بأس أن ترمي بحصاةٍ قد رمي بها، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الحديث ليس فيه تخصيص، وهو حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة )، وهذا يشمل الحصى التي رمي بها، والحصى التي لم يرم بها.الشرط الثامن: أن يكون الرمي في وقته المعتبر شرعاً، ووقت رمي جمرة العقبة يبدأ من حين دخول وقت الدفع من مزدلفة، فإذا دخل وقت الدفع من مزدلفة دخل وقت رمي جمرة العقبة، وقد سبق أن بينا متى يدفع من مزدلفة إلى منى؟ وذكرنا ما هو وقت الدفع بالنسبة للأقوياء، وما هو وقت الدفع بالنسبة للضعفة.وذكرنا أن الأحوط بالنسبة للأقوياء ألا يدفعوا إلا بعد الإسفار، وحينئذٍ نقول: بأن وقت الرمي لهم يكون بعد طلوع الشمس؛ لأنه إذا دفع بعد الإسفار لن يصل إلا بعد طلوع الشمس، وأما بالنسبة للضعفة فإنهم يدفعون آخر الليل بعد غروب القمر، وحينئذٍ يكون وقت الرمي لهم دخل بعد غروب القمر، ويستمر الرمي في يوم النحر إلى غروب الشمس هذا كله وقت للرمي.لكن هل يجزئ الرمي ليلاً، أو لا يجزئ؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من مذهب الحنابلة: أن الرمي يستمر إلى غروب الشمس من يوم النحر، ولا يجزئ الرمي بعد غروب الشمس.. هذا المشهور من المذهب، والرأي الثاني وهو مذهب الشافعية والحنفية: أن الرمي يصح ليلاً، وعلى هذا إذا غربت الشمس من يوم النحر فلا بأس أن ترمي بعد غروب الشمس، ويستمر وقت الرمي إلى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر.وقد دل لهذا أدلة، من هذه الأدلة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج ) وهذا رواه البخاري ، وقوله: (بعدما أمسيت)، المساء يطلق على ما بعد غروب الشمس وعلى ما قبل غروب الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حرج. وأيضاً يدل لذلك أن زوجة ابن عمر صفية احتبست على ابنة أخٍ لها نفست في المزدلفة فاحتبست، فجاءت بعد غروب الشمس فرمت، فأقرها ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، بل ابن عمر رضي الله تعالى عنه أمرها أن ترمي بعد غروب الشمس هي وابنة أخيها، وهذا رواه الإمام مالك رحمه الله بإسنادٍ صحيح.وكذلك أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقدمون حجاجاً فيدعون ظهورهم فيجيئون فيرمون بالليل.فهذه الأدلة تدل على أن الرمي ليلاً جائز ولا بأس به.الشرط التاسع من شروط صحة الرمي: أن يقصد الرمي، وعلى هذا فلو رمى حصاةً وهو لم يقصد الرمي، وإنما رماها هكذا فوقعت في الحوض، فإنها لا تجزئ.والشرط العاشر: أن يكون وقوعها في المرمى بفعله، وعلى هذا لو رمى حصاةً فوقعت في ثوب إنسان، فقذفها هذا الإنسان حتى وقعت في المرمى، فإنها لا تجزئ، وأيضاً لا يشترط أن تستقر في المرمى، فلو أنه رمى الحصاة ووقعت في المرمى، ثم بعد ذلك تدحرجت من المرمى، فنقول بأنها مجزئة.
    التكبير ورفع اليدين عند الرمي
    قال المؤلف رحمه الله: [يكبر مع كل حصاة].هذا هو السنة، وسبق أن أوردنا حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه في الرمي].قال بعض العلماء: يرفع يده حتى يرى بياض إبطه، قالوا: لأن هذا أعون في الرمي، ويدل لذلك حديث جابر قال: ( فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة )، قوله: (فرماها)، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده، لو أنه قال: وضعها، لقلنا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع يده، وإنما قال: رماها، ولا يكون رمياً إلا مع رفع اليد.
    قطع التلبية
    قال المؤلف رحمه الله: [ويقطع التلبية بابتداء الرمي].التلبية تستمر من حين الإحرام من اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، فاليوم الثامن يلبي واليوم التاسع يلبي واليوم العاشر وهو يوم النحر فإذا شرع في رمي جمرة العقبة، فإنه يقطع التلبية، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: (ويقطع التلبية بابتداء الرمي) أنه يقطع التلبية بأول حصاة يكبر ويقطع التلبية، ويدل لهذا حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمة العقبة ) وهذا الحديث في الصحيحين، وفي لفظ من حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة ) فقوله: (حتى بلغ الجمرة)، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى الجمرة قطع التلبية.والرأي الثاني: هو رأي ابن حزم رحمه الله، يقول: بأنه يلبي ويستمر بالتلبية حتى ينتهي من الرمي، ويأخذ بحديث الفضل بن العباس السابق، فإن فيه: ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )، يعني: انتهى من رمي جمرة العقبة، لكن الصواب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لما ذكرنا من الرواية الأخرى، قال: ( حتى بلغ الجمرة )، وهذا صريح في أن التلبية تنتهي ببلوغ جمرة العقبة.وأيضاً كما تقدم لنا في حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يكبر مع كل حصاة )، فكونه يكبر مع كل حصاة فهذا يدل على أن ذكر التلبية قد انتهى؛ لأن جابر ما ذكر أنه يكبر ويلبي، وإنما ذكر أنه يكبر فقط.الرأي الثالث: رأي المالكية: قالوا بأنه يلبي إلى زوال الشمس من يوم عرفة، إلا إن زالت قبل وصوله إلى المصلى فيلبي إلى أن يصل المصلى، قالوا: لوروده عن علي رضي الله تعالى عنه.إذاً: المالكية يقولون: يلبي إلى اليوم التاسع إلى زوال الشمس من يوم عرفة، إلا إن زالت الشمس قبل أن يصل إلى المصلى فإنه يلبي إلى أن يصل إلى المصلى، والراجح في هذا: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.
    وضع الرامي أثناء الرمي
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة ولا يقف عندها].قوله: (يستبطن الوادي) يعني: يرمي من بطن الوادي؛ لأن جمرة العقبة كانت في الزمن السابق في ظهر جبل، وكان تحتها وادي، فيقول المؤلف رحمه الله: يرمي من بطن الوادي.وقوله: (ويستقبل القبلة)، وعلى هذا إذا كان سيستقبل القبلة تكون جمرة العقبة على جانبه الأيمن ويرميها، هذا هو المذهب، يعني: أنك لا تجعل الجمرة بين يديك، وإنما تجعل الجمرة على يمينك.. وترميها وأنت مستقبل القبلة، وهذه الصفة فيها نظر، فالصحيح أن الصفة الصحيحة هي ما رواها ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة -جعل الجمرة بين يديه- وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ورماها بسبع حصيات ).والحنابلة رحمهم الله أخذوا هذه الصفة، فقالوا: لا يجعل القبلة عن يساره، وإنما يستقبل القبلة، وقالوا: لأن هذا وارد في سنن الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، والترمذي صحح هذا الحديث، لكن مع أن الترمذي صحح هذا الحديث، فإنا نقول: الصواب في ذلك ما ثبت في الصحيحين ولا يعارض ما جاء في سنن الترمذي ، فالصواب في ذلك أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، وهو الذي رواه البخاري .وأما حديث الترمذي وإن كان الترمذي صححه فإن العلماء حكموا عليه بالشذوذ، وأيضاً قالوا: في إسناده المسعودي والمسعودي هذا قد اختلط.
    الحكمة من عدم وقوف النبي صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يقف عندها].نقول: بأنه يرمي جمرة العقبة بسبع حصياتٍ متعاقبات ولا يقف عندها، واختلف العلماء رحمهم الله في العلة في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند جمرة العقبة، فقال بعض العلماء: لأن المكان ضيق فلا يقف، وقال بعض العلماء: لا يقف عندها لأن العبادة قد انتهت، وهذا رأي ابن القيم رحمه الله. فالعبادة قد انتهت والذكر يكون في جوف العبادة، وهذا القول هو الصواب.
    ما يشرع للحاج بعد الانتهاء من الرمي

    استحباب نحر الحاج هديه بيده

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم ينحر هديه].هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة ذهب إلى المنحر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدى مائة بدنة، فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً رضي الله تعالى عنه أن ينحر الباقي، والهدي هذا إن كان هدي متعة أو قران فهذا واجب كما سيأتينا إن شاء الله، وإن لم يكن الإنسان متمتعاً أو قارناً فقد قال العلماء رحمهم الله: يستحب له أن يتطوع إذا كان مفرداً.
    تعميم الحاج رأسه بالحلق أو بالتقصير
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يحلق رأسه أو يقصره].أيضاً هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن نحر حلق رأسه معمر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الله عز وجل ابتدأ به، فقال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً، وأما المقصرين فإنه دعا لهم مرةً واحدة، وهذا في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.وقوله: (ثم يحلق رأسه أو يقصره) يفهم من كلام المؤلف: أنه لا بد أن يحلق كل رأسه، أو يقصر كل رأسه، يعني: لا بد أن يعمم رأسه بالحلق أو بالتقصير، والتقصير لا يشترط أن يأخذ من كل شعرة بعينها، المهم: أن يعمم رأسه بالتقصير، من الناصية ومن الجوانب ومن الوسط ومن القفا.. يعمم كل رأسه بالتقصير، أما أن يأخذ من جانب دون جانب فإن هذا لا يجزئ، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه، وهو مذهب أحمد وبه قال مالك ؛ لأن الله عز وجل قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] وهذا يشمل كل الرأس؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق كل رأسه ولم يترك جانباً لم يحلقه عليه الصلاة والسلام.والرأي الثاني: رأي الحنفية، قالوا: بأنه يكفي بعض الرأس، وأضعف من ذلك رأي الشافعية، قالوا: يكفي ثلاث شعرات، وهذا كله فيه نظر، والصواب في ذلك ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.أما المرأة فلا تحلق لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير ) وهذا الحديث رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر وقوى إسناده البخاري .والمرأة -كما قلنا- لا تحلق وإنما تقصر من كل ظفيرة قدر أنملة، وإن كان الشعر مفلولاً فتجمع أطرافه، وتأخذ منها قدر أنملة، ويعني: طول الأنمل، وبعض النساء تأخذ الظفيرة وتلفها على الأصبع وهذا خطأ، المقصود: قدر أنملة أي: طول الأنملة، أما لف الظفيرة على الأصبع ثم تأخذ قدرها هذا خطأ، إذا كان مدرج درجات فكل خصلة تجمعها وتقص منها قدر أنملة.
    التحلل الأول
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم قد حل له كل شيء إلا النساء].بم يحصل التحلل الأول؟ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن التحلل الأول يحصل باثنين، وهما: الرمي والحلق؛ لأنه بعد الحلق قال: ثم حل له كل شيء، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يحصل التحلل الأول باثنين لا بد منهما: الرمي والحلق، وهذا القول هو الظاهر من السنة، يعني: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت )، قالت: (لحله) سمته متحللاً قبل الطواف بالبيت. ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الطواف؟ رمى وحلق.. فالنحر هذا ليس داخلاً في التحلل، قالت: (لحله قبل أن يطوف بالبيت)، فسمته متحللاً قبل أن يذهب يطوف وطيبته عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أنه تحلل بهذين الاثنين، وأيضاً ليس من الحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحلل بالرمي ثم يتطيب ثم يحلق، فالصواب في ذلك: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وأنه يحصل التحلل باثنين معينين.والمذهب على أنه يحصل التحلل باثنين من ثلاثة، يعني: غير معينين، قد يذهب الإنسان ويرمي ولا يحلق ثم يذهب ليطوف، فالمذهب ومذهب الشافعية: أنه إذا فعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف مع السعي، إذا فعل اثنين من هذه الثلاثة فإنه يتحلل التحلل الأول، وهذا هو المشهور من المذهب، وكذلك أيضاً مذهب الشافعية.والرأي الثالث: رأي المالكية: أن التحلل يحصل برمي جمرة العقبة، والحنفية يقولون: لا يحصل التحلل الأول إلا بالحلق، والصحيح في ذلك هو الرأي الأول الذي ذكرنا، وأما حديث عائشة وحديث ابن عباس : ( إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء )، فالأحاديث الواردة في التحلل:أولاً: حديث عائشة: (إذا رميتم وحلقتم...).ثانياً: حديث ابن عباس : (إذا رميتم الجمرة...)، هذه الأحاديث كلها ضعيفة، ولا يبقى عندنا إلا حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما الثابت في الصحيحين، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة أنه يحصل التحلل الأول باثنين معينين.وأما حديث ابن عباس : ( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيءٍ إلا النساء ) فهذا منقطع، وأيضاً حديث عائشة : ( إذا رمى أحدكم جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء ) أيضاً هذا رواه أبو داود وهو ضعيف، في إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعن ولم يسمع من الزهري .بعد أن حلق استحبوا له أن يتطيب كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ويذهب يطوف وهو متطيب كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
    طواف الإفاضة
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة].يعني: يذهب إلى مكة ويطوف الزيارة، وطواف الزيارة ركن من أركان الحج، والعلماء مجمعون على ذلك، ودليله:قول الله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] فقضاء التفث وإيفاء النذر يكون يوم النحر، ثم قال الله عز وجل: وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29].وأيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد الرجل من أهله، فقلت: إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ ) هذا الحديث في الصحيحين، هذا يدل على أن طواف الإفاضة ركن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحابستنا هي؟ ) لو كان واجباً ما حبس، وإنما حبس لكونه ركناً لا بد أن يؤتى به.ولهذا طواف الوداع لما كان واجباً هل يحبس أو لا يحبس؟ لا يحبس، خفف عنها، فإذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف الوداع فإنها تنفر ولا شيء عليها، لكن طواف الإفاضة لما كان واجباً، وقيل: ( يا رسول الله! إنها حائض، قال: أحابستنا هي؟ ) فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها أفاضت، قال: فلتنفر إذاً ).
    أول وقت طواف الإفاضة
    بالنسبة لطواف الإفاضة ذكرنا أنه ركن، لكن متى يبدأ وقته؟ وما هو آخر وقته؟ وما هو الوقت الأفضل أن يفعل فيه؟نقول: وقته يبدأ من حين دخول وقت الدفع من مزدلفة، يعني: أن عندنا أنساك يدخل وقتها، طواف الإفاضة والسعي ورمي جمرة العقبة والحلق والتقصير، إذا دخل وقت الدفع من مزدلفة إلى منى فهذه أربعة أنساك كلها دخل وقتها. أما النحر فلا بد من دخول وقته؛ لأن وقت النحر المشهور من المذهب أنه من بعد صلاة العيد أو قدرها ممن لا يصلي، والرأي الثاني رأي الحنفية: أنه من بعد طلوع الفجر.المهم إذا دخل وقت الدفع من مزدلفة إلى منى فهذه الأنساك الأربعة دخل وقتها: طواف الإفاضة، والسعي، والحلق أو التقصير، ورمي جمرة العقبة.
    آخر وقت لطواف الإفاضة
    وطواف الإفاضة المشهور من مذهب الشافعية أنه لا حد لآخره، والعلماء يقولون: وقته العمر، يعني: لو أن الإنسان لم يطف إلا بعد يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين فكله جائز، حتى لو خرج من مكة ورجع فهو جائز، لكن يبقى أنه لم يتحلل التحلل الثاني، والأئمة متفقون على ذلك، لكن الحنفية يقولون: إن أخره عن أيام التشريق لزمه دم، والمالكية يقولون: إن أخره عن شهر ذي الحجة لزمه دم، والصحيح أنه لا دم عليه، وأن آخره غير محدود.وما هو وقته الأفضل؟ نقول: وقته الأفضل أن يفعله يوم النحر؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
    السعي بين الصفا والمروة للمتمتع
    قوله رحمه الله: [ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً].يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن المتمتع يلزمه سعيان: سعي لعمرته، وسعي لحجه، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، والرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن المتمتع يكفيه سعي واحد، ولكل منهم دليل.أما الجمهور فاستدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ( فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى ) وهذا في الصحيحين.وأيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ( أهل المهاجرون والأنصار ) إلى أن قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) .ويتكلم عن المتمتعين ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أهل المهاجرون والأنصار) إلى أن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) ثم قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) هذا يدل على أن المتمتع كم عليه؟ عليه سعيان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة ) قال: ( فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) ثم قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) وهذا أخرجه البخاري معلقاً.ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رد على هذه الأدلة وحكم عليها بالضعف، واستدل على ذلك بحديث جابر ، وحديث جابر قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ) وهذا رواه مسلم ، لكن أجاب عنه الجمهور بأن المراد هنا من هم؟ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه القارنين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [12]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (58)


    يتحلل الحاج التحلل الثاني بعد طواف الإفاضة والسعي فيحل له كل شيء حتى النساء، ويستحب له الشرب والتضلع من ماء زمزم، ثم يرجع إلى منى ويبيت فيها أيام التشريق ويرمي الجمرات مرتبات يبتدئ بالأولى، ويجوز جمع الرمي إلى اليوم الأخير لأصحاب الأعذار، وله أن يتعجل في
    كم يلزم الناسك من سعي
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو ممن لم يسع مع طواف القدوم].تقدم لنا فيما سبق قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم قد حل له كل شيءٍ إلا النساء) وذكرنا بم يحصل به التحلل، وأن ظاهر السنة أن التحلل الأول يكون باثنين معينين هما: الرمي والحلق، ثم بعد ذلك يحصل التحلل الثاني بما بقي من الطواف مع السعي، وتكلمنا أيضاً فيما تقدم عن طواف الإفاضة، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أنه هو الطواف الواجب الذي به تمام الحج، وأن الإجماع منعقد على ذلك، وأن طواف الإفاضة ركن بإجماع العلماء رحمهم الله تعالى.وتكلمنا أيضاً عن المتمتع، هل يلزمه سعي واحد أو يلزمه سعيان؟ وأن جمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أن المتمتع يلزمه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن المتمتع يلزمه سعي واحد، وذكرنا دليل كل قول.وأما بالنسبة للقارن فهل يجب عليه سعي واحد أو سعيان؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور العلماء: أن القارن يلزمه سعي واحد، والرأي الثاني رأي الحنفية: أن القارن يلزمه سعيان، ولكل دليل.أما الذين قالوا بأن القارن لا يلزمه إلا سعي واحد استدلوا على ذلك بحديث جابر رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ). وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو صريح في أن القارن لا يجب عليه إلا سعي واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً.وأما بالنسبة للحنفية فقالوا: بأن القارن يلزمه سعيان، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ( جمع بين حجٍ وعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت )، وهذا الحديث رواه الدارقطني وإسناده ضعيف، ففي إسناده الحسن بن عمارة وهو ضعيف.وعلى هذا نقول: الراجح بالنسبة للقارن ألا يلزمه إلا سعي واحد.أما بالنسبة للمفرد فلا يلزمه إلا سعي واحد؛ لأنه أفرد الحج وهذا بالاتفاق، فأصبح عندنا الناسك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: المفرد يلزمه سعي واحد.القسم الثاني: القارن يلزمه أيضاً سعي واحد على الصحيح، فجمهور أهل العلم يرون أنه يلزمه سعي واحد، وعند الحنفية قالوا: يلزمه سعيان.القسم الثالث: المتمتع، فالجمهور يقولون: يجب عليه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سعي واحد، بل عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المفرد والقارن والمتمتع كلهم لا يلزمهم إلا سعي واحد، وأما الجمهور: فالمفرد والقارن لا يلزمهما إلا سعي واحد، وأما المتمتع فيلزمه سعيان، والحنفية: القارن والمتمتع كل منهما يلزمه سعيان، وأما المفرد فسعي واحد.قال رحمه الله: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو ممن لم يسع مع طواف القدوم).يعني: المتمتع إذا سعى بعد طواف القدوم فإن هذا يكفيه، وكذلك أيضاً القارن إذا سعى بعد طواف القدوم فإن هذا يكفيه، ويدل لذلك ما تقدم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ). فالنبي عليه الصلاة والسلام طاف القدوم ثم سعى، ولم يسع مرةً أخرى.وبالنسبة للمتمتع فالأقرب هو رأي جمهور أهل العلم، فإن هذا أقرب وأحوط، ويؤيد ذلك أن هناك فرقاً بين القارن والمتمتع، فعند المتمتع حصل حل بين العمرة وبين الحج، فكل منهما نسك مستقل، هذا له أركانه وهذا له أركانه، بخلاف القارن فإن أعمال العمرة دخلت في أعمال الحج فيلزمه فقط سعي واحد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) وعلى هذا نقول: الأقرب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم وهو الأحوط أن المتمتع يلزمه سعيان.
    التحلل الثاني
    قال رحمه الله: [ثم قد حل من كل شيء].يعني: إذا طاف وسعى حل من كل شيء حتى من النساء، إذ بالتحلل الأول يتحلل من كل شيء إلا النساء، يعني: إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر حل له كل شيء إلا ما يتعلق بالنساء جماعاً ومباشرةً وعقداً، فإذا طاف وسعى حل له كل شيء حتى النساء.
    الشرب من ماء زمزم
    قال رحمه الله: [ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه].ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يشرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة، يعني: إذا طاف طواف الإفاضة وسعى فإنه يشرب من ماء زمزم ويستحب له ذلك؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه فشرب )، وهذا رواه مسلم في صحيحه.وماء زمزم هذه ماء مباركة، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي ذر : ( إنها طعام طعم ) وفي غير مسلم : ( وشفاء سقمٍ ).فيتلخص لنا أن الإنسان إذا طاف طواف الإفاضة وسعى فإنه يستحب له أن يأتي زمزم ويشرب منها؛ لما ذكرنا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر ، كذلك أيضاً في العمرة إذا طاف وسعى فإنه يستحب له أن يأتي زمزم ويشرب منه.ثم بعد ذلك ذكر المؤلف شيئاً من آداب ماء زمزم فقال: (لما أحب) يعني: يشرب ماء زمزم لما أحب، ويدل لهذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ماء زمزم لما شرب له )، أي: إن شربته لتستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ضمئك قطعه الله، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه الحاكم في مستدركه.كذلك أيضاً من آداب ماء زمزم أنه يستحب للإنسان أن يتضلع منه، يعني: أن يملأ ضلوعه من ماء زمزم، ويدل لهذا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم ). وهذا رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه جمع من أهل العلم.أيضاً من الآداب العامة أن يسمي الله عز وجل في بدء الشرب، وأن يشرب جالساً، وأن يحمد الله عز وجل إذا انتهى من الشرب، وأن يشرب ثلاثاً، وألا يتنفس في الإناء.أيضاً من الآداب قال رحمه الله: [ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك].هذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه كان إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، وهذا أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه.فإذا أتى الإنسان بهذا الذكر الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإن هذا لا بأس به.أيضاً ذكر بعض العلماء من الآداب: أنه يستقبل القبلة عند شرب ماء زمزم، وأنه يرش على بدنه وثوبه، ولكن مثل هذه الأشياء لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- أنه يشرب، والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنها ( طعام طعم وشفاء سقمٍ ).
    الرجوع إلى منى والمبيت بها

    مكان صلاة الظهر يوم النحر
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يفعله بعد الحل: ثم يرجع إلى منى ولا يبيت إلا بها].بعد أن يطوف للإفاضة يوم النحر ويسعى، يرجع إلى منى ليبيت بها ليلة الحادي عشر والثاني عشر إن تعجل، وليلة الثالث عشر إن لم يتعجل، والنبي عليه الصلاة والسلام طاف بالبيت ضحى يوم النحر، وبعد الطواف وبعد أن شرب من ماء زمزم اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم أين صلى الظهر ذلك اليوم؟ هل صلى بمكة أو صلى بمنى؟ فالرواية الأولى: أنه صلى بمكة، والرواية الثانية: أنه صلى بمنى، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في الصحيحين ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى، وجابر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم ذكر أنه صلى بمكة، وكذلك أيضاً عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت أنه صلى بمكة.فاختلف العلماء رحمهم الله في الجمع بين روايتي ابن عمر وجابر مع عائشة على أقوال: فقال بعض العلماء: يرجح قول عائشة وجابر ، قالوا: بأن قول عائشة وجابر أرجح؛ لأن ابن عمر واحد، وجابر وعائشة اثنان، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى ظهر يوم النحر بمكة وهو القول الأول.والقول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى بمكة الظهر، ثم خرج إلى منى فوجد أصحابه لم يصلوا فصلى بهم مرةً أخرى، وهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الشنقيطي رحمه الله تعالى.
    حكم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق
    وقوله: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت إلا بها).البيتوتة بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر من أيام التشريق للمتعجل، والثالث عشر أيضاً لغير المتعجل، وهذه البيتوتة اختلف العلماء رحمهم الله في حكمها على قولين:القول الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم أن البيتوتة بمنى واجبة.والرأي الثاني: رأي الحنفية رحمهم الله قالوا: بأنها مستحبة.أما الذين قالوا بالوجوب -وهم الجمهور- فاستدلوا بأدلة، ومن هذه الأدلة: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس في ترك البيتوتة بمنى من أجل السقاية )، والرخصة يقابلها عزيمة، فدل على أن غير العباس البيتوتة في حقه عزيمة، يعني: هذا شيء واجب؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بات بها وقال: ( خذوا عني مناسككم ). وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرعاة في ترك البيتوتة، فالرخصة يقابلها عزيمة.وأيضاً ورود ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يبيتن أحد من الحجاج ليالي منى من وراء العقبة؛ لأن ما بعد العقبة خارج منى، فحد منى من جهة مكة هي جمرة العقبة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يبعث رجالاً يدخلون كل من كان وراء العقبة إلى منى، فدل ذلك على أن البيتوتة بمنى واجبة.والرأي الثاني: رأي الحنفية قالوا: بأن البيتوتة بمنى ليست واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها من أجل تسهيل الرمي، يعني يقولون: بأن هذا ليس مقصوداً لذات البيتوتة، وإنما بات النبي عليه الصلاة والسلام لكي يسهل الرمي؛ لأنه سيرمي من الغد بعد الزوال، وهذا فيه نظر، والأصل في ذلك أن العبادات مقصودة لذاتها، وعلى هذا نقول: الأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.
    قدر المبيت الواجب بمنى
    وما قدر البيتوتة الواجبة؟ قال العلماء رحمهم الله: قدر البيتوتة الواجبة معظم الليل، وتقدم أن ذكرنا قدر البيتوتة الواجبة في مزدلفة، لكن بالنسبة للبيتوتة الواجبة بمنى فإن قدرها هو معظم الليل، وعلى هذا يمكث بمنى معظم الليل، سواء من آخره أو من وسطه أو من أوله، المهم أن يمكث النصف فأكثر، فإذا مكث النصف فأكثر ولو بلحظة واحدة بمنى فقد أدى الواجب، وعلى هذا لو أنه جاء من غروب الشمس إلى ما بعد نصف الليل بلحظة فقد أدى الواجب، أو جاء قبل نصف الليل إلى طلوع الفجر فنقول: بأنه قد أدى الواجب.
    من يسقط عنهم المبيت بمنى لعذر
    أيضاً من الأحكام المتعلقة بالبيتوتة: أن البيتوتة بمنى تسقط عند المصلحة كما رخص النبي عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه في ترك البيتوتة من أجل السقاية، ورخص للرعاة أيضاً في ترك البيتوتة من أجل الرعاية، فالذين يشتغلون بمصالح الحجاج هؤلاء تسقط عنهم البيتوتة إذا تعذر عليهم ذلك، يعني: لا يتمكنون من الجمع بين البيتوتة وبين مصالحهم، فنقول: البيتوتة تسقط عنهم، مثل الأطباء الذين يشتغلون في المستشفيات، وقد يشتغلون في المستشفيات خارج منى، نقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم، ومثل: رجال الأمن الذين يشتغلون في تنظيم السيارات أو تنظيم الحجاج... إلى آخره، فهؤلاء إذا لم يتمكنوا من البيتوتة بمنى أو من التواجد في منى فنقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم.وعلى هذا فقس، يعني: كل من كان يشتغل بأمور الحجاج وبمصالح الحجاج فإن البيتوتة تسقط عنهم، ومثل ذلك أيضاً: الموظفين؛ فإذا كان هناك موظفون يعنون بشؤون الحجاج، فنقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم إذا كان هناك مصلحة عامة.وأما ما يتعلق بأصحاب الأعذار الخاصة، فهل تسقط البيتوتة عنهم أو لا تسقط البيتوتة؟ ذكر ابن القيم رحمه الله أن مثل هؤلاء أيضاً تسقط البيتوتة عنهم، فلو كان الإنسان له مريض واحتاج إلى الذهاب لهذا المريض إلى خارج منى؛ لكي يعالجه، أو له ضال واحتاج أن يبحث عن هذا الضال، فيرى أن مثل هذه الأشياء تسقط عنه البيتوتة.
    وقت رمي الجمرات أيام التشريق
    قال رحمه الله: [فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات].الرمي تقدم لنا شروط صحته، وذكرنا ما يقرب من عشرة شروط: العدد، وحجم الحصى الذي يرمي به... إلى آخره، فهذا تقدم ولا حاجة إلى أن نعيده، لكن ذكر المؤلف رحمه الله أن الرمي يبدأ من بعد زوال الشمس، فالرمي في أيام التشريق له مبدأ وله نهاية، فمتى يبدأ الرمي أيام التشريق؟نقول: الرمي أيام التشريق يبدأ من بعد الزوال كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى وهذا قول جمهور أهل العلم؛ والدليل على ذلك:حديث جابر في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ).وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا ) رواه البخاري .وأيضاً أخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا ترم الجمرة حتى تميل الشمس. فهذه أدلة ظاهرة للجمهور أن الرمي إنما يكون بعد الزوال.وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولا شك أن الأيسر أن يرمي في أول النهار؛ لأن كونه ينتظر حتى تزول الشمس فهذا وقت شدة الحر فيرمي في ذلك الوقت، ولا شك أن كونه يرمي قبل ذلك أن هذا أيسر من كونه يرمي بعد الزوال مباشرةً، وهذا الرأي الأول وهو رأي الجمهور.والرأي الثاني: رأي الحنفية؛ فالحنفية يفصلون ويقولون: اليوم الأول من بعد الزوال، واليوم الثالث قبل الزوال وبعد الزوال، واليوم الثاني هذا فيه تفصيل: إن أراد الإنسان أن يتعجل فلا بأس أن يرمي قبل الزوال، وإن لم يرد أن يتعجل فإنه يرمي بعد الزوال، ويستدلون على هذا بما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( إذا انتفخ النهار من يوم النفر، فقد حل الرمي والصدر ). وهذا الحديث أخرجه البيهقي وإسناده ضعيف، فيه طلحة بن عمرو المكي وهو ضعيف.وأيضاً يقولون: بأنه ورد عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه أنه رمى قبل الزوال، لكن هذا أيضاً لا يثبت وإن كان يصححه بعض أهل العلم.واليوم الثالث يجوز قبل الزوال وبعد الزوال؛ لأن اليوم الثالث يجوز للإنسان أن يتعجل وأن يتركه، فيجوز قبل الزوال وبعد الزوال.الرأي الثالث في المسألة: ذهب إليه بعض السلف كـعطاء وطاوس أنه يجوز الرمي قبل الزوال في سائر الأيام، يعني: في اليوم الأول والثاني والثالث، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ومن ذكر الله عز وجل في هذه الأيام المعدودات ذكره عند رمي الجمار، لكن الذكر هذا مقيد بالسنة وهو أن يكون بعد الزوال، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة أن يحتاط المسلم وألا يرمي إلا بعد الزوال.هذا بالنسبة لبدء الرمي. لكن متى ينتهي وقت الرمي؟نقول: بأن وقت الرمي الصحيح أنه يستمر إلى طلوع الفجر، فرمي اليوم الحادي عشر يستمر إلى طلوع فجر اليوم الثاني عشر، ورمي اليوم الثاني عشر يستمر إلى طلوع فجر اليوم الثالث عشر، ورمي الثالث عشر يستمر إلى غروب الشمس؛ لأنه إذا غربت الشمس فقد انتهت أيام التشريق.وتقدم لنا أن ذكرنا مذاهب أهل العلم رحمهم الله في حكم الرمي ليلاً، وذكرنا الأدلة على ذلك، أنه وارد عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كـابن عمر وغيره، وحديث ابن عباس أنه قال: ( رميت بعدما أمسيت، قال: افعل ولا حرج ).أيضاً مما يتعلق بوقت الرمي: أن الإنسان إذا ترك الرمي لعذر فإنه لا بأس أن يرميه قبل الزوال؛ لأنه لا يكون أداءً في هذه الحال وإنما يكون قضاءً، فمثلاً: إنسان لم يرم في اليوم الحادي عشر حتى طلع عليه فجر اليوم الثاني عشر، فنقول: لا بأس بأنك ترمي يوم الحادي عشر قبل الزوال من اليوم الثاني عشر؛ لأن هذا أصبح قضاءً، وهذا نص عليه الشافعية، أي: أن الشافعية والمالكية يقولون: إذا لم يرم -مثلاً- اليوم الحادي عشر لعذر، فله أن يرمي رمي اليوم الحادي عشر في اليوم الثاني عشر قبل الزوال.
    جمع الرمي إلى اليوم الأخير من أيام التشريق
    أيضاً من المسائل المتعلقة بالرمي: جمع الرمي، هل يجوز أن يجمع الرمي في اليوم الأخير أو لا يجوز؟المشهور من المذهب ومذهب الشافعية أنه يجوز أن يجمع الرمي، يعني: لو أن الإنسان لم يرم يوم النحر، ولم يرم اليوم الحادي عشر، ولم يرم اليوم الثاني عشر، فيجوز له على المذهب أن يجمع الرمي كله في آخر يوم، أي: في اليوم الثالث عشر، فيبدأ رمي يوم النحر فيرمي جمرة العقبة، ثم بعد ذلك يعود وينوي اليوم الحادي عشر ويبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود مرة ثالثة وينوي عن اليوم الثاني عشر ويرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود وينوي اليوم الأخير -اليوم الثالث عشر- فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي.واستدلو على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين فيرموه في أحدهما، ثم يرموا يوم النفر، فرخص النبي عليه الصلاة والسلام للرعاة أن يأتوا يوم النحر ويرموا؛ لأن الناس بحاجة إلى رواحلهم؛ لأنهم يأتون يوم النحر برواحلهم من مزدلفة إلى منى، فهم بحاجة إلى الرواحل، فرخص لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرموا يوم النفر، ثم يجمعوا رمي يومين اليوم الحادي عشر والثاني عشر يرمونه في الثاني عشر، ثم يأتوا يوم النفر ويرموا مع الناس؛ لأن الناس بحاجة إلى الرواحل ليذهبوا، فاستدلوا بهذا على أنه لا بأس أن الإنسان يجمع. وهذا الرأي الأول.الرأي الثاني: رأي مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز الجمع، يعني: يجب أن ترمي كل يومٍ بيومه، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى كل يومٍ بيومه وقال: ( لتأخذوا عني مناسككم )؛ ولأن كل يوم عبادة مستقلة، والصحيح في هذا أن يقال: في حال العذر والمصلحة هذا جائز ولا بأس به، كما قلنا في البيتوتة بمنى: إذا كانت هناك مصلحة، يعني: إنسان يشتغل بمصالح الحجاج ويصعب عليه أنه يأتي كل يوم ليرمي -مثل الأطباء ومثل رجال الأمن وغيرهم والموظفين الذين يشتغلون بمصالح الحجاج- فنقول: هنا لا بأس أن يجمعوا.كذلك أيضاً لو كان الإنسان معذوراً كإنسان مريض أو كبير في السن أو امرأة حامل ونحو ذلك، ويشق عليه أن يأتي كل يوم إلى المرمى ويرمي، فنقول: هنا لا بأس أن يجمع الرمي.فتلخص لنا أنه إذا كان هناك مصلحة أو كان هناك عذر فإنه لا بأس أن يجمع، وأما مع عدم ذلك فالأصل أن الإنسان يرمي كل يومٍ بيومه، وبهذا تجتمع الأدلة.
    الترتيب بين الجمرات وكيفية الرمي
    قال رحمه الله: [يبتدئ بالجمرة الأولى].جمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أن الترتيب بين الجمرات شرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب، وعلى هذا يبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، فلو أخل بالترتيب لم يصح.وعند الحنفية أن الترتيب سنة، فلو بدأ بالعقبة أو بدأ بالوسطى أو بدأ الصغرى قالوا: بأن هذا جائز ولا بأس به، والأحوط في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، إلا إذا أخل الإنسان بالترتيب ولا يمكنه أن يتدارك لأن زمن الرمي قد مضى.ثم قال رحمه الله: [فيستقبل القبلة ويرميها].يعني: في المذهب: يستقبل القبلة فيجعل الجمرة الأولى عن يساره، ولا يجعل الجمرة بين يديه، وهذا فيه نظر، فالصحيح في هذا أن الإنسان يجعل الجمرة بين يديه، وأما تقصد استقبال القبلة فهذا لم يرد، بل نقول: الصحيح في ذلك أن الإنسان يجعل الجمرة بين يديه كما هو عمل الناس اليوم، وأما كون الإنسان يتقصد أن يرمي الجمرة الأولى ويكون مستقبلاً القبلة والجمرة عن يساره فنقول: هذا ليس عليه دليل.ثم يقول المؤلف: [بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم فيقف فيدعو الله].هذا هو السنة، فإذا انتهى الإنسان من الجمرة الأولى فإنه يتقدم ويرفع يديه ويستقبل القبلة ويدعو دعاءً طويلاً، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنه بقدر سورة البقرة، وقد دل على الدعاء حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيقوم مستقبلاً القبلة طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ). أخرجه البخاري في صحيحه.قال رحمه الله: [ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك].الوسطى يقولون بأنه يجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، لكن هذا -كما تقدم- فيه نظر، والصحيح في ذلك أنه يجعل الجمرة بين يديه، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة.وبعد أن ينتهي من رمي الجمرة الوسطى يستقبل القبلة ويرفع يديه يدعو دعاءً طويلاً كما ورد ذلك في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.قال رحمه الله: [ثم يرمي جمرة العقبة].أي: بعد أن ينتهي من رمي الجمرة الوسطى فإنه يرمي جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه -كما تقدم- ويستقبل القبلة، وهذا فيه نظر، والصواب في ذلك: أنه كما ورد في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، وتكون الجمرة بين يديه.. هذا هو الصواب، وتقدم ذلك.قال رحمه الله: [ولا يقف عندها].يعني: يقف للدعاء عند الجمرة الأولى، ويقف للدعاء أيضاً عند الجمرة الوسطى، وأما بالنسبة لجمرة العقبة فإنه لا يقف عندها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف؛ ولهذا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف. ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ).وذكرنا فيما تقدم الحكمة من عدم الوقوف عند جمرة العقبة، فقال بعض العلماء: لا يقف عند جمرة العقبة لضيق المكان، وقال بعض العلماء: لا يقف عند جمرة العقبة؛ لأن العبادة قد انتهت، والدعاء إنما يكون في جوف العبادة، وهذا هو الأقرب في هذه المسألة أنه لا يقف لأن العبادة قد انتهت، وسبقت الإشارة إلى هذا.قال رحمه الله: [ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك].يعني: يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال الجمرة الأولى ثم الجمرة الوسطى ثم بعد ذلك جمرة العقبة.
    التعجل في الخروج من منى
    قال: [فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب].التعجل هذا تحته مسائل:
    حكم التعجل
    المسألة الأولى: حكم التعجل، نقول: التعجل هذا جائز، وقد دل على ذلك القرآن والسنة وإجماع العلماء رحمهم الله:أما القرآن فقول الله عز وجل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203].وأما السنة فحديث عبد الرحمن الديلي أنه قال: ( شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى يتلوا: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ثم أردف رجلاً وجعل ينادي بها في الناس ). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه ابن خزيمة وكذلك أيضاً ابن حبان .لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الإمام الذي يقيم النسك للناس ليس له أن يتعجل، فالحنابلة يستثنون الإمام، والإمام مالك رحمه الله يقول: المكي ليس له أن يتعجل.والصواب في ذلك أن التعجل عام، للمكي ولغير المكي وكذلك للإمام ولغير الإمام.
    وقت التعجل
    المسألة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: (خرج قبل الغروب).يعني: وقت التعجل إلى غروب الشمس، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، أما عند الحنفية فيقولون: بأن وقت التعجل يمتد إلى ما بعد الغروب، فالحنفية يتوسعون في ذلك، فيمتد إلى قبيل طلوع الفجر الثاني، يعني: إذا غربت عليك الشمس وأنت لم تتعجل فلا بأس، فبعد غروب الشمس تعجل إلى قبيل طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني من اليوم الثالث عشر ليس لك أن تتعجل، فيقولون: لا بأس أن الإنسان يتعجل إلى قبيل طلوع الفجر الثاني من اليوم الثالث عشر، فإذا طلع الفجر الثاني ليس له أن يتعجل.والصحيح في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [البقرة:203] قال: (فِي يَوْمَيْنِ) و(فِي) هذه للظرفية، يعني: في ظرف هذين اليومين، وهذا إنما يكون قبل غروب الشمس، وعلى هذا أيضاً فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس، وهذا أخرجه الإمام مالك في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده صحيح.فالصواب في ذلك: أن التعجل يمتد إلى غروب الشمس، أما بعد غروب الشمس فليس له أن يتعجل.المسألة الثالثة: إذا أدركه غروب الشمس في حال المسير من منى أو وهو يشد رحله، فهل له أن يتعجل أو ليس له أن يتعجل؟ نقول: نعم، له أن يتعجل، كذلك أيضاً لو أدركه غروب الشمس وقد رمى وهو في طريقه إلى التعجل لكي يأخذ رحله، نقول: أيضاً له أن يتعجل.بل إن بعض أهل العلم رخص فقال: إذا شرع في الرمي ثم أدركه غروب الشمس فله أن يتعجل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,354

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب المناسك [13]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (59)


    من غربت عليه الشمس وهو لا يزال بمنى فله أن يرمي اليوم التالي، والعمرة بعد الانتهاء من الحج تكون للمفرد الذي ليس من أهل مكة، وعمل القارن والمفرد سواء إلا في الهدي، وطواف الوداع يكون إذا انتهى من مناسك الحج وأراد الرجوع إلى بلده.
    تابع التعجل في الخروج من منى
    تقدم معنا أنه يستحب الشرب من ماء زمزم وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا بعض الآداب المتعلقة بالشرب من ماء زمزم، ثم تعرضنا للمبيت بمنى ليالي أيام التشريق وما حكمه، وأن جمهور أهل العلم على أنه واجب وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا رأي الحنفية.ثم بعد ذلك تعرضنا للرمي أيام التشريق -أي: رمي الجمرات الثلاث: الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وما يتعلق بذلك من أحكام- ثم تطرقنا لمن تعجل في يومين، ومتى يكون خروج المتعجل؟ ومتى يتعجل ومتى لا يتعجل؟ وذكرنا شيئاً من الأحكام المتعلقة بذلك، فذكرنا من الأحكام: أنه يتعجل قبل غروب الشمس، وحكم ما إذا تعجل وهو في مسيره من منى أن له ذلك، وأيضاً إذا غربت عليه الشمس وهو يشد رحله أن له أن يتعجل، وكذلك أيضاً عن حكم ما إذا غربت عليه الشمس وهو يرمي الجمرة.ثم بعد قال المؤلف رحمه الله: [فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غدٍ].وإذا غربت عليه الشمس وهو بمنى لم يرم، فإنه يجب عليه أن يبيت بمنى ليلة الثالث عشر وأن يرمي من الغد، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203] وهذا الرجل لم يتعجل في يومين، وأيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.وهذا الأثر عن عمر أخرجه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده صحيح ثابت، وعمر رضي الله تعالى عنه له سنة متبعة.
    عمرة المفرد بعد الانتهاء من الحج
    ثم قال المؤلف: [فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته].يعني: إذا لم يتعجل، ورمى في اليوم الثالث عشر فقد انقضى حجه، ولكن بقي عليه ما يتعلق بطواف الوداع -وهذا سيأتي إن شاء الله بيانه- وقول المؤلف رحمه الله: (فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته) وكذلك أيضاً المفرد إذا رمى آخر أيام التشريق فقد انقضى حجه، ولكن المفرد بقي عليه العمرة إذا لم يكن اعتمر قبل الحج فإنه بقي عليه العمرة؛ لأن العمرة واجبة على الصواب من أقوال أهل العلم.ولهذا قال المؤلف: [وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بعمرة منه].كون المفرد يأتي بعمرة بعد انتهاء حجه، هذا ليس شرطاً في الحج؛ فإن الحج قد انتهى، وإنما يذكر العلماء رحمهم الله هذا؛ لأن الناس في الزمن السابق كانوا يأتون من أماكن بعيدة إلى مكة، وقد لا يتيسر للإنسان أن يرجع إلى مكة مرةً أخرى، فقال المؤلف رحمه الله: المفرد بعد أن ينتهي من حجه يخرج إلى التنعيم، ويحرم منه لكي يأتي بالعمرة الواجبة؛ لأنه إذا خرج إلى بلده قبل أن يأتي بالعمرة الواجبة فقد يتعذر عليه أن يأتي مرةً أخرى، فيترك هذا الواجب.إذاً: مسألة عمرة المفرد ليست قيداً وشرطاً في الحج، بل إن حجه قد انتهى وبرئت ذمته، وإنما يذكر العلماء رحمهم الله أن الناس في الزمن السابق كانوا يأتون من أماكن بعيدة، وقد يتعذر عليهم أن يرجعوا مرةً أخرى، فذكر العلماء رحمهم الله أنه يأخذ عمرته قبل أن ينصرف إلى بلده لكي يؤدي هذين الواجبين.وقول المؤلف رحمه الله: يخرج إلى التنعيم، أيضاً هذا ليس شرطاً، وإنما المعتمر يحرم من الحل، وعلى هذا نقول: يخرج إلى الأيسر له، فقد يكون قريباً من عرفات فيخرج إلى عرفات ويحرم من عرفات، وقد يكون قريباً من الجعرانة فيخرج إلى الجعرانة ويحرم من الجعرانة، وقد يكون قريباً من التنعيم فيحرم من التنعيم، المهم أن قوله: (إلى التنعيم)، هذا ليس شرطاً، وإنما المراد أنه يحرم من الحل، سواء كان من التنعيم أو من عرفات أو من الجعرانة أو غير ذلك، وعلى هذا يفعل ما هو الأسهل له.قال رحمه الله: [ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر].أي: يعمل أعمال العمرة كما سيأتي إن شاء الله.قال رحمه الله: [فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه وقد تم حجه وعمرته].إن لم يكن له شعر إما لكونه أصلعاً، وإما لكونه قد حلق قريباً في الحج ولم يخرج شعر رأسه، فيقول المؤلف رحمه الله: يستحب له أن يمر الموسى على رأسه وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: أن هذا لا يستحب، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعلى هذا إذا كان الإنسان أصلعاً ليس عليه شيء من الشعر، فإنه إذا اعتمر أو حج فلا يستحب أن يمر الموسى على رأسه، ويكون الحلق أو التقصير قد سقط عنه، وهذا القول هو الصواب.ونظير ذلك: لو أن الإنسان قطعت يده، فإنه يسقط عنه غسل اليد، وكوننا نأمره بأن يمر الموسى على رأسه وهو أصلع، فهذا قريب من العبث، وعلى هذا فنقول: الصحيح في ذلك أنه يسقط عنه ولا يلزمه أن يمر الموسى على رأسه.
    الفرق بين حج القارن وحج المفرد
    قال المؤلف رحمه الله: [وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد].أي: أن عمل القارن كعمل المفرد تماماً، إلا أن الفرق بينهما: أن القارن أحرم بعمرةٍ وحج، والمفرد أحرم بحج فقط، والقارن عليه هدي عند جمهور أهل العلم، والمفرد ليس عليه هدي، فهذا الفرق بينهما.وقال المؤلف رحمه الله: [لكن عليه وعلى المتمتع دم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196] ].المتمتع يجب عليه دم، وهذا بنص القرآن، لقول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يتمتعوا بالهدي، فمن لم يجد هدياً فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله، هذا بالنسبة للمتمتع فهو موضع اتفاق بين أهل العلم رحمهم الله.وأما بالنسبة للقارن فهل يجب عليه هدي أو لا يجب عليه هدي؟جمهور أهل العلم: أنه يجب عليه هدي، واستدلوا على ذلك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وقد أهدى، وأيضاً: زوجات النبي كن قارنات وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه البقر، وأيضاً الدليل الثالث: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم يجعلون القارن متمتعاً؛ لأنه تمتع بأن أدى نسكين في سفرةٍ واحدة. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: قال به الظاهرية: أن القارن لا يجب عليه دم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ولم يذكر القارن، والوجوب إنما ورد في المتمتع.والجواب عن هذا سهل، فنقول: بأنه ورد في القارن الدم، وكما قلنا: إنه داخل في قول الله عز وجل: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)؛ لأن القارن تمتع بأن أدى نسكين في سفرة واحدة، وأيضاً الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهموا ذلك، وأيضاً ما ذكرناه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر ) وغيرها من الأدلة على ذلك.
    طواف الوداع
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت، بطوف عند فراغه من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت].إذا انتهى من أعمال الحج بقي عليه طواف الوداع، وطواف الوداع تحته مسائل:
    حكم طواف الوداع
    المسألة الأولى: حكم طواف الوداع. المشهور من المذهب وأيضاً مذهب الشافعية أن طواف الوداع واجب، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض ) وهذا الحديث في الصحيحين. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: مذهب الحنفية والمالكية، قالوا: طواف الوداع سنة وليس واجباً، واستدلوا على ذلك بأنه خفف عن الحائض، ولو كان واجباً لم يخفف عن الحائض، وهذا فيه نظر.نقول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به لحديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض ) فكونه أمر الناس، فهذا يدل على الوجوب، وكونه يخفف عن الحائض فإنه يدل على عدم وجوبه على الحائض فلا تلازم.يعني: كونه غير واجب على الحائض لا يلزم من ذلك أن يكون غير واجبٍ على غير الحائض، نظير ذلك الصلاة: الصلاة لا تجب على الحائض، ولا يجب عليها أن تقضيها، ومع ذلك لا نقول بأن غير الحائض لا تجب عليها الصلاة، هذا لم يقل به أحد من أهل العلم، فالصواب في ذلك: أن طواف الوداع واجب على الحاج، كما هو مذهب أحمد والشافعي رحمهما الله.
    وقت طواف الوداع
    والمسالة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: (عند فراغه من جميع أموره).هنا بين المؤلف رحمه الله أن طواف الوداع يكون عند الخروج من مكة، وعلى هذا لو أنه أقام بمكة بعد انتهاء الحج فإنه لا يوادع حتى يكون عند خروجه، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله: أنه عند الخروج من مكة، وعلى هذا لو وادع ثم أقام فإن وداعه غير صحيح.واستدلوا على ذلك بما تقدم من حديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ) فالإنسان مأمور أن يكون آخر عهده بالبيت وهذا يكون عند الخروج.وأيضاً حديث عائشة في حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم آذن أصحابه بالرحيل، فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم أدركته صلاة الصبح فصلى، ثم خرج إلى المدينة ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وصححه الحاكم . وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: رأي الحنفية، يقولون: بأن طواف الوداع يدخل وقته بعد طواف الإفاضة، وعلى هذا لو أن الإنسان طاف للوداع بعد طواف الإفاضة ثم مكث في مكة يوماً أو يومين أو خمسة أيام فقد وادع، وهذا فيه نظر، فالصحيح في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن طواف الوداع إنما يكون عند الخروج من مكة، وأما قول الحنفية رحمهم الله: فهذا فيه نظر؛ لأنهم يستدلون بحديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ) يقولون: آخر عهدهم بالبيت نسكاً وليس إقامةً، والصحيح أن يكون آخر عهدهم بالبيت إقامة، كما دل عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وادع ثم خرج إلى المدينة مباشرة.
    من يجب عليهم طواف الوداع
    المسألة الثالثة: على من يجب طواف الوداع؟نقول: طواف الوداع يجب على غير أهل مكة وأهل الحرم، فأهل مكة وأهل الحرم هؤلاء لا يجب عليهم طواف الوداع؛ لأنهم مقيمون عند البيت، وهم أهل البيت فلا وداع عليهم، لكن غير أهل مكة وغير أهل الحرم يجب عليهم طواف الوداع، وعلى هذا لو أن البنيان كما هو الآن موجود في مكة امتد حتى صار في الحل بنيان مكة، فهل يجب على من في الحل طواف الوداع أو لا يجب عليهم؟ نقول: لا يجب عليهم؛ لأنهم من أهل مكة، كذلك أيضاً أهل الحرم لا يجب عليهم؛ لأنهم من أهل الحرم، فهم أهل البيت.
    اشتغال الحاج بعد طواف الوداع
    المسألة الرابعة: قال المؤلف رحمه الله: [فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده].يعني: إذا اشتغل بعده بتجارة بيع وشراء أعاد طواف الوداع؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، وكذلك أيضاً لو أقام يعيد؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، فلو أقام لزيارة أو عيادة مريض أو نام ونحو ذلك، فهذا كله يجب عليه أن يعيد الطواف؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- لما وادع خرج مباشرة إلى المدينة.واستثنى العلماء رحمهم الله ثلاث مسائل، لو أطال فيها الإقامة فإنه معفو عنه:المسألة الأولى: إذا كان في انتظار رفقة، فهذا إذا وادع وجلس ينتظر الرفقة فلا شيء عليه، فلو جلس ينتظر الرفقة ساعة أو ساعتين أو نصف يوم أو يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، فقد يكون له رفيق ضاع أو تاه أو مرض أو نحو ذلك وهو ينتظر متى ينتهي فهذا لا شيء عليه، ولا يبطل وداعه حتى لو طالت إقامته، والدليل على ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تخرج إلى التنعيم وأن تحرم بعمرة بعد أن انتهى من الحج )، وانتظرها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا دليل على أنه في الانتظار يعفى عن ذلك.المسألة الثانية: إذا كان متعلقاً بإصلاح الرحل وشده، فهذا أيضاً لا يضر، ومثل ذلك أيضاً: لو أنه وادع ثم تعطلت السيارة، وجلس يصلح السيارة يوماً أو يومين، أو جرى عليها ما يمنعها من السير، أو أصابها حادث أو غير ذلك، فالمهم: أنه يتعلق بالرحل، فنقول: هذا لا شيء عليه، ودليله ما تقدم.المسألة الثالثة: استثنى العلماء رحمهم الله: ما يتعلق بالأمور اليسيرة، لو أنه اشترى حاجة في طريقه وهو خارج، أو أنه تناول عشاءً أو غداءً، يعني: هذه الأمور اليسيرة في طريقه فإنه لا شيء عليه في ذلك.
    طواف الوداع ودخوله في مناسك الحج
    المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم رحمهم الله في طواف الوداع، هل هو من مناسك الحج أو ليس من مناسك الحج؟ على رأيين:الرأي الأول: رأي الشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج، وإنما يودع الإنسان عند خروجه، يعني: يطوف عند خروجه، بدليل أن الإنسان لو مكث شهراً في مكة بعد انتهاء الحج، فإنه لا يجب عليه أن يطوف حتى يكون عند خروجه من مكة، فقالوا بأن طواف الوداع ليس من مناسك الحج.وأيضاً استدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً ) فقال: (بعد قضاء نسكه) يعني: الذي هاجر من مكة إلى المدينة لا يجلس بعد انتهاء الحج، ويجب عليه أنه يرجع إلى المدينة، لماذا؟ لأن هذا شيء أخرجه لله عز وجل، وكل شيءٍ يخرجه الإنسان لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه: ( العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) .فالذي هاجر وترك وطنه إلى المدينة رخص له النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضاء النسك أن يقيم ثلاثة أيام فقط، ثم يرجع إلى المدينة التي ترك مكة من أجلها.وقوله: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً ) المهاجر سيطوف للوداع عند خروجه إلى المدينة ورخص له، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم بعد قضاء نسكه، فدل على أن النسك انتهى، وأنه ما بقي عليه إلا طواف الوداع، فهذا يطوفه عند الخروج، فبهذا استدلوا على أن طواف الوداع ليس من المناسك.والرأي الثاني: المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن طواف الوداع من أعمال الحج، ومناسك الحج؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام طاف وقال: ( خذوا عني مناسككم ).
    طواف الوداع للحائض والنفساء
    المسألة السادسة: المتعلقة بطواف الوداع: يخفف طواف الوداع عن الحائض والنفساء، ودليل ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، إلا أنه إذا طهرت الحائض قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تطوف للوداع.ومثلها أيضاً: النفساء إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تطوف للوداع.
    المبيت خارج مكة بعد طواف الوداع
    المسألة السابعة: لو أن الإنسان طاف للوداع، ثم خرج خارج بنيان مكة جاز له أن يبيت، أما داخل بينان مكة فإنه إذا بات -كما تقدم لنا- فإنه يبطل عليه طوافه.
    إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع
    المسألة الثامنة المتعلقة بطواف الوداع: يجزئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع، فلو أنه أخر طواف الإفاضة ولم يطفه إلا عند خروجه، فنقول: بأن هذا مجزئ، وعلى هذا، فهذه المسألة لها ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، فنقول: بأنه يجزئه عن طواف الوداع.الحالة الثانية: أن ينوي طواف الإفاضة والوداع جميعاً، فهذا الصحيح من قولي العلماء أنه يجزئه.الحالة الثالثة: أن ينوي طواف الوداع فقط، فهذا لا يجزئه عن طواف الإفاضة ولا عن طواف الوداع؛ لأن طواف الإفاضة ركن وهو لم ينو، ولا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه حتى الآن طواف الوداع لا يكون إلا بعد الفراغ من أعمال الحج عند الخروج.

    خروج الحاج قبل طواف الوداع

    وهي المسألة التاسعة: إذا خرج قبل طواف الوداع، فالمشهور من المذهب أن هذا لا يخل من أمرين:الأمر الأول: أن يبلغ مسافة القصر، فقالوا: بأنه يجب عليه الدم.والأمر الثاني: ألا يبلغ مسافة قصر، فقالوا: بأنه يجب عليه أن يرجع ولا يجب عليه دم، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا الرأي الأول.والرأي الثاني: أنه لا يقيد ذلك بمسافة القصر، وإنما يقيد ذلك بالحرم، فقالوا: إذا تجاوز حدود الحرم فهذا بعيد، ويجب عليه الدم، وإذا كان في الحرم فإنه لا يجب عليه دم، وهذا قال به الثوري .والأقرب في ذلك أن يقال: أن هذه المسألة ترجع إلى العرف، فنقول: إن تباعد عرفاً عن مكة سقط عنه طواف الوداع ووجب عليه دم، وإن لم يتباعد عرفاً فإنه يجب عليه أن يرجع ويأتي به، فإن لم يأت به فعليه دم.
    الوقوف في الملتزم
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم].(الملتزم) قال العلماء: قدره أربعة أذرع بين الحجر الأسود والباب، فيأتي الملتزم ويلصق صدره ووجهه وذراعيه وكفيه مبسوطتين، ويقول هذا الذكر الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.وهذا الالتزام لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هذا الالتزام يكون بعد طواف الوداع؛ لأنه قال: (ويستحب له إذا طاف) فظاهر كلامه: أنه يكون بعد طواف الوداع، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: له أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا لا فرق فيه بين الوداع وغيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك قبل دخول مكة، فله أن يفعل ذلك عند طواف الوداع وبعده وقبله، فالصحابة لم يرد عنهم وقت محدد.وذكر المؤلف رحمه الله الدعاء، فقال: [اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك..] إلى آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله، وهذا الذكر لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والعبادات توقيفية، وعلى هذا نقول: بأن الإنسان يلتزم قبل الوداع وبعد الوداع ويدعو بما أحب، وليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.ثم بعد ذلك قال: [ويدعو بما أحب، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم].وقوله: [فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريباً، وإن بعد بعث بدم]، فهذه تكلمنا عليها، وقلنا: بأن المذهب يقول: إذا بلغ مسافة القصر فإنه يجب عليه الدم، وإن كان قبل مسافة القصر فيجب عليه أن يرجع، فإن لم يرجع فعليه دم، وهذا الرأي الأول. والرأي الثاني: أنه يحدد بالحرم: فإذا لم يتجاوز الحرم وجب أن يرجع، وأما إن كان في الحرم فإنه لا يجب عليه أن يرجع، والرأي الثالث: أنه يرجع في ذلك إلى العرف.
    طواف الوداع للحائض والنفساء
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء].يقول المؤلف رحمه الله بأن الحائض والنفساء ليس عليهما طواف وداع، ويسقط عنهما طواف الوداع -كما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- لكن ذكر المؤلف رحمه الله أنه يستحب لهما أن يقفا بباب المسجد وأن يدعوا، وهذا فيه نظر؛ لأن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة لما ذكر له أن صفية قد حاضت، قال: ( أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت )، يعني: طافت طواف الإفاضة، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك؟ قال: ( فلتنفر ) .يعني: ما دام أنها طافت طواف الإفاضة فما بقي عليها إلا طواف الوداع، ويسقط عنها طواف الوداع، فتنفر ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقف بباب المسجد وأن تدعو، فنقول: هذا لم يحصل، بل السنة على أنها لا تقف، وهذا هو الصواب.
    أركان الحج
    قال رحمه الله: [باب أركان الحج والعمرة].الأركان: جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى، وأما في الاصطلاح: فهو جزء الشيء وماهيته.قال رحمه الله: [أركان الحج: الوقوف بعرفة].هذا الركن الأول، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي -وتقدم لنا كثيراً- وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الحج عرفة ).وأيضاً الإجماع منعقد على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وأنه لا بد منه، وتقدم ما يتعلق بأحكام الوقوف بعرفة.قال: [وطواف الزيارة].هذا الركن الثاني من أركان الحج: طواف الزيارة، ودليله قول الله عز وجل: وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] وأيضاً السنة، فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالطواف بالبيت، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أبا موسى فقال: ( طف بالبيت وبالصفا والمروة ) هذا في الصحيحين، والإجماع قائم على ذلك.هنا ذكر المؤلف رحمه الله ركنين وبقي ركنان لم يذكرهما المؤلف:الركن الثالث: الإحرام، والمراد بالإحرام هنا: نية الدخول في النسك، فهذا لا بد منه؛ لأن كل إنسان يتجرد ويلبس الإزار والرداء، لكن لا بد من نية الدخول في النسك، وهذا دليله قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] وهذا إنما يكون في الإحرام، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة:197] فسمى الله عز وجل الدخول في النسك فرضاً، دل ذلك على أنه لا بد منه، وأيضاً حديث عمر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ).الركن الرابع: السعي، والمؤلف رحمه الله جعل السعي مع واجبات الحج، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله -كما سنشير إلى ذلك إن شاء الله- وهذا خلاف المشهور من المذهب، والمشهور من مذهب الحنابلة: أن السعي ركن من أركان الحج، كما سيأتي إن شاء الله.
    واجبات الحج
    قال رحمه الله: [وواجباته: الإحرام من الميقات].هذا الواجب الأول من واجبات الحج: الإحرام من الميقات، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ) فقوله: (يهل)، هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ليهل، وفي حديث ابن عمر في البخاري : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ) فقوله: (فرض)، هذا يدل على أنه واجب وأنه لا بد منه.قال رحمه الله: [والوقوف بعرفة إلى الليل].هذا الواجب الثاني: يجب أن يقف بعرفة إلى الليل، ويدل لهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وقف إلى الليل وغابت الصفرة واستحكم غروبها، وقال: ( خذوا عني مناسككم ) والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لأحدٍ من الضعفة في النفر قبل غروب الشمس، فدل ذلك على الوجوب، وأيضاً الدليل الثالث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، ولو كان الدفع قبل غروب الشمس جائزاً لاختاره النبي عليه الصلاة والسلام.قال رحمه الله: [والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل].هذا الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة، وتقدم حديث عروة بن مضرس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) فعلق تمام الحج على شهود الصلاة والوقوف حتى يدفع النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، وقوله: (إلى نصف الليل) فقد تقدم أن تكلمنا على ذلك.قال رحمه الله: [والسعي].وهذا غريب من المؤلف رحمه الله؛ لأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن السعي ركن من أركان الحج، وليس واجباً من واجبات الحج، والعلماء رحمهم الله اختلفوا في السعي على ثلاثة آراء:الرأي الأول: أنه ركن، وأنه لا بد أن يأتي به الحاج، وهذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بأدلة، من هذه الأدلة ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي ) وهذا أخرجه الإمام أحمد والشافعي وابن سعد في الطبقات وغيرهم، والحديث ضعيف.وأيضاً الدليل الثاني: فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام طاف وسعى وقال: ( خذوا عني مناسككم ) .وأيضاً الدليل الثالث: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( فلعمري! ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة ) رواه مسلم .وأيضاً الدليل الرابع: حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فقال: ( طف بالبيت وبالصفا والمروة ) فهذا يدل على الوجوب.وأيضاً حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك ) فهذا يدل على الوجوب.وهذه الأدلة وما يعضدها كلها تتظافر. ولقد قرن السعي بالطواف، والشارع عندما يقرن بين السعي والطواف، فإن هذا يدل على أنهما بمنزلة واحدة من حيث الحكم، وهذا أقرب.والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أنه واجب من واجبات الحج، وعلى هذا يقولون: إن ترك أربعة أشواط فأكثر عليه دم، وإن ترك أقل من أربعة أشواط عليه نصف صاع لكل شوط.والرأي الثالث: أنه سنة، وهذا ورد عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن سيرين ، قالوا: بأنه سنة، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قالوا: أنه سنة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •