شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح ) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 82
2اعجابات

الموضوع: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [12]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (21)

    صلاة التراويح من السنن المؤكدة، وهي عشرون ركعة وقيل غير ذلك، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وتسن الجماعة لها كما تسن لصلاة الكسوف.

    صلاة التراويح
    ذكر المؤلف رحمه الله سابقاً أن صلاة التطوع على خمسة أضرب، وصلاة التطوع من جوابر الصلاة، وسبقت الإشارة إلى أن هذه الفرائض التي أوجبها الله عز وجل جعل الشارع لها جوابر تجبرها، إذ إن هذه الفرائض يعتريها شيء من الخلل والسهو والغفلة، ومن رحمة الله عز وجل أن جعل ما يجبر هذا السهو لكي يأتي المسلم يوم القيامة بصلاة تامة، فإن أول ما يقضى بين العباد فيما يتعلق بحق الله عز وجل الصلاة. وسبقت الإشارة إلى أن جوابر الصلاة ثلاثة: سجود السهو، والذكر بعد الصلاة، وصلاة التطوع، وتقدم لنا ما يتعلق بسجود السهو، وكذا أيضاً ما يتعلق بالذكر دبر الصلاة، ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بصلاة التطوع، وتقدم لنا في الدروس السابقة شيء من أضرب صلاة التطوع، فإن المؤلف رحمه الله جعلها على خمسة أضرب، فتقدم لنا ما يتعلق بالضرب الأول وهو السنن الرواتب، وإنما بدأ بها المؤلف رحمه الله لأنها تابعة للفرائض، فوقتها هو وقت الفريضة. وتقدم ما يتعلق من الأحكام المتعلقة بسنن الرواتب، فيما يتعلق بعددها، ووقتها، وما يتعلق بقضائها، وأيضاً السنن التي تشرع في هذه السنن أو بعضها.. إلى آخره. وكذلك أيضاً ثنى المؤلف رحمه الله بالضرب الثاني وهو الوتر؛ لأن الوتر أيضاً تابع للفرائض، الوتر يكون بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأيضاً بعض العلماء كـأبي حنيفة رحمه الله ذهب إلى وجوبه، وسبقت الإشارة إلى أحكام الوتر من حيث الوجوب، من حيث الوقت، من حيث القضاء.. إلى آخره، وأيضاً بيان كيفية الوتر إذا أراد أن يوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع ونحو ذلك، وما كيفية ذلك تقدم بيانه… إلى آخره. ثم ثلث المؤلف رحمه الله بصلاة التطوع تطوعاً مطلقاً، وما يتعلق بصلاة الليل، تقدم لنا أيضاً صلاة الليل والسنن التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند القيام لصلاة الليل، وما هو أفضل أوقاتها، وما هو وقتها.. إلى آخره.ثم قال المؤلف رحمه الله: [الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة وهو ثلاثة أنواع أحدها: التراويح]، هذا الضرب الرابع من ضروب صلاة التطوع.التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقاً.وأما في الاصطلاح: فهو قيام رمضان.

    حكم صلاة التراويح
    والتراويح سنة مؤكدة سنها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر فصلى في بيته بقية الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها )، وهذا في الصحيحين.ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، وهذا في الصحيحين. والتراويح يذكرها أهل السنة رحمهم الله في تآليفهم في العقيدة، إذ إن تأدية هذه الصلاة من سمات أهل السنة، وعدم تأديتها من سمات أهل البدعة؛ الرافضة قبحهم الله لا يرون التراويح ويقولون بأنها بدعة عمر ، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: من لم يصل التراويح من أهل السنة ففيه شبه بالرافضة؛ لأن الرافضة كما أسلفت لا يرون التراويح، ويقولون: بأنها بدعة عمر رضي الله تعالى عنه، وهذا من خللهم وخطئهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سن التراويح كما تقدم لنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وأيضاً بين فضلها كما سبق في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ).

    عدد صلاة التراويح
    قال المؤلف رحمه الله: [وهي عشرون ركعة بعد العشاء في رمضان]. تقدم حكمها وأنه سنة مؤكدة، ثم بين المؤلف رحمه الله عدد ركعاتها، فقال: عشرون ركعة دون الوتر، يعني عدد ركعات التراويح دون الوتر عشرون ركعة، فيصلي عشرين ركعة ثم بعد ذلك يوتر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله والشافعي وأبي حنيفة ، فالأئمة الثلاثة يرون أن عدد ركعات التراويح عشرون ركعة، عند الإمام مالك رحمه الله عدد ركعاتها ست وثلاثون ركعة. وقال بعض العلماء: بأن عدد ركعاتها إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، فهذه أربعة آراء، الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد : عشرون ركعة دون الوتر، مالك : ست وثلاثون ركعة دون الوتر، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنها إحدى عشرة، وذهب آخرون إلى أنها ثلاث عشرة. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: التراويح ليس لها عدد معين، وحينئذ يكون تكثير الركعات وتقليلها حسب تطويل الركوع والسجود والقراءة، فإذا أطال الإنسان القراءة والركوع والسجود قلل الركعات، وإذا قصر أكثر الركعات وهو كله حسن.المؤلف رحمه الله ذهب إلى أن عدد ركعات التراويح عشرون، وقلنا بأن هذا أيضاً مذهب أبي حنيفة والشافعي ، واستدلوا على ذلك بأثر السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون على عهد عمر رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. وهذا أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناده صحيح.من قال: بأنها إحدى عشرة استدل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة )، وهذا في الصحيحين. وكذلك أيضاً استدلوا بأن عمر رضي الله تعالى عنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة. وهذا أخرجه مالك والبيهقي ، وإسناده صحيح.والذين قالوا: بأنها ثلاث عشرة استدلوا بما ورد من حديث عائشة وحديث ابن عباس في فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة.. إلى آخره، وتقدم أن أشرنا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وأنه ليس في التراويح عدد معين، وأن هذا كله حسن.والأقرب في ذلك أن يقال: إن الإنسان ينظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أنه ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة )، فيأخذ بهدي النبي عليه الصلاة والسلام، ويطيل القراءة والركوع والسجود؛ لأنه كما سلف من قول شيخ الإسلام أن التكثير والتقليل يكون على حسب طول القراءة والركوع والسجود، وعلى هذا إذا قلل الركعات فإنه يركد الركوع والسجود والقراءة. وكان السلف رحمهم الله يعتمدون على العصي من طول القيام، وكانوا ينصرفون قبل طلوع الفجر، فينبغي للإنسان أن يطيل، ولو أن أحداً صلى عشرين فهذا لا إنكار عليه، فالسلف رحمهم الله تقدم لنا حديث السائب بن يزيد كانوا يقومون في عهد عمر بعشرين ركعة, وأيضاً السلف فعلوا العشرين، فـالأعمش وسعيد بن جبير وأبو مجلز وابن أبي مليكة رحمهم الله كانوا يصلون عشرين ركعة، فلا تحجير. وتقدم لنا حديث ابن عمر في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، فلا حد، لو صلى الإنسان عشرين كما قال الأئمة أو صلى ستاً وثلاثين كما قال الإمام مالك فإنه لا تحجير، لكن الأفضل أن الإنسان يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويطيل القراءة والركوع والسجود.

    وقت صلاة التراويح
    قال المؤلف رحمه الله: [بعد العشاء في رمضان]. هنا بين المؤلف رحمه الله وقت صلاة التراويح، وأن وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء، فإذا صلى الإنسان العشاء وصلى السنة الراتبة يصلي التراويح.قال المؤلف رحمه الله: [ويمتد وقتها إلى طلوع الفجر]. يعني: الوقت يمتد إلى طلوع الفجر؛ لأن التراويح من صلاة الليل، وصلاة الليل يمتد وقتها إلى طلوع الفجر، وسبق بيان ذلك وذكر الأدلة عليه من حديث أبي سعيد , ابن عمر وكذلك أيضاً حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بإحدى عشرة ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر يسلم من كل ركعتين )، وهل الأفضل أن يؤديها الإنسان في أول الليل أو في آخره؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فقال بعض العلماء كالإمام أحمد رحمه الله: الأفضل أن تكون في أول الليل؛ لأن الناس في عهد عمر رضي الله تعالى عنه كانوا يقومون أول الليل.والرأي الثاني: أن الأفضل أن يصليها آخر الليل، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله؛ لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة محظورة، ومن لم يطمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر أوله )، وهذا أخرجه مسلم .وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ إلى طلوع الفجر، وذلك كل ليلة ).وأيضاً قال عمر رضي الله تعالى عنه: والتي ينامون عنها أفضل. يعني: كونهم يتركون الوتر في آخر الليل، ويفعلونه في أول الليل، وينامون عن الصلاة في آخر الليل، شرف الفضيلة. والأقرب في ذلك أن يقال: أنه ينظر الإنسان إلى الأرفق ما دام الناس يفعلونها في المساجد، والأرفق بالناس اليوم أن تؤدى في أول الليل؛ لأنها إذا أديت في آخر الليل أو قيل بأنها تؤدى في آخر الليل للحق الناس في ذلك مشقة، إلا إن كانوا جماعة محصورة، أو كان الإنسان منفرداً فإن السنة أن تكون صلاته آخر الليل هذا الأفضل.

    صلاة الكسوف
    قال المؤلف رحمه الله: [والثاني: صلاة الكسوف، فإذا ما كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا أفراداً].الكسوف في اللغة: التغير إلى سواد. والخسوف في اللغة: الذهاب والنقصان.وأما في الاصطلاح: فهو انحجاب ضوء الشمس أو القمر بسبب غير معتاد، ويقال: كسفت الشمس وخسفت الشمس، وكسف القمر وخسف القمر، هذا كله وارد، والسنة وردت كسفت الشمس وخسفت الشمس هذا كله وارد، فيجوز أن تقول: كسفت الشمس، وخسفت الشمس، ويجوز أيضاً أن تقول: كسف القمر وخسف القمر.قال ثعلب وهو من أئمة اللغة: أجود الكلام أن يقول الإنسان: كسفت الشمس، وخسف القمر، هذا هو أجود الكلام.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (صلاة الكسوف) أنها سنة وتأتي الإشارة إلى ذلك، والأصل في صلاة الكسوف القرآن والسنة والإجماع.أما القرآن فقول الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت:37] استنبط بعض العلماء من هذه الآية شرعية صلاة الكسوف والخسوف.وأما السنة في ذلك كثيرة جداً، وسيأتينا إن شاء الله في بحث مسائل الكسوف كثيراً من الأدلة، من ذلك حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده )، وفي حديث عائشة : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته.. ) إلى آخره، ويأتينا إن شاء الله بقية الأحاديث الواردة في ذلك. والإجماع قائم على ذلك. ‏

    حكم صلاة الكسوف
    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن صلاة الخسوف سنة؛ لأنه ذكرها في صلاة التطوع، وجعلها من الضرب الرابع وهو التطوع الذي تسن له الجماعة، وذكر أن هذا الضرب على ثلاثة أنواع، فظاهر كلامه رحمه الله أن صلاة الكسوف سنة وليست واجبة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، فجمهور العلماء رحمهم الله على أن صلاة الكسوف سنة وليست واجبة.والرأي الثاني: أن صلاة الكسوف واجبة، وهذا صرح به أبو عوانة رحمه الله، ونقل عن أبي حنيفة وكذلك أيضاً مالك ، ولكل من القولين دليل. أما الذين قالوا: بأنها سنة وهم الجمهور فاستدلوا بحديث ابن عباس : ( لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، فدل على أن المفروض خمس صلوات، وما عدا ذلك ليس واجباً. وأيضاً استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله في الصحيحين: ( في السائل الذي سأل عما افترض الله عز وجل من الصلوات؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة )، فلو كان هناك صلاة واجبة غير هذه الصلوات لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.والرأي الثاني الذين قالوا بالوجوب استدلوا على ذلك بدليلين: أما الدليل الأول: ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالفزع إلى الصلاة عند حدوث الكسوف )، والأصل في الأمر الوجوب.وأيضاً الدليل الثاني: قالوا: إن الكسوف سببه الشرعي تخويف العباد، فكون الإنسان يرى مثل هذه الآية العظيمة، وتخويف الله للناس، وانطماس ضوء هذا الكوكب العظيم، ولا يفزع إلى الصلاة هذا يدل على قلة الإيمان، وعدم المبالاة، وهذا من تعظيم الله عز وجل وتعظيم آياته، فالله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30] ، وهذا أحوط أن الإنسان إذا حصل مثل هذه الآيات العظيمة يفزع إلى الصلاة.

    سبب الكسوف
    الكسوف له سببان: السبب الأول: سبب شرعي. والسبب الثاني: سبب حسي كوني.أما السبب الشرعي فبينه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة كما سبق، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده )، فسببهما الشرعي: تخويف العباد، وقد ذكر بعض العلماء أن حدوث الكسوف والخسوف بمنزلة الإنذار بوقوع العقوبة، فينبغي للإنسان إذا حصل ذلك أن يلجأ إلى الله عز وجل أولاً بالتوبة، ثم بعد ذلك يلجأ إلى الصلاة كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، والعتق، هذه كلها مستحبة عند حصول الكسوف، يصلي، ويذكر الله، ويتصدق، ويعتق، ويستغفر.. إلى آخره، هذا السبب الشرعي تخويف العباد.أما السبب الكوني بالنسبة لكسوف الشمس هو حيلولة القمر بين الأرض وبين الشمس، إذا حال القمر بين الأرض وبين الشمس حصل كسوف الشمس، انحجب ضوؤها عن كوكب الأرض.وأما بالنسبة للسبب الكوني لكسوف القمر فهو حيلولة الأرض بين الشمس وبين القمر؛ لأن القمر يستقي نوره من الشمس، فالشمس كالقنديل، والقمر كالمرآة، فيأخذ القمر من هذا القنديل ويعكسه على كوكب الأرض، فإذا حالت الأرض بين الشمس وبين القمر انحجب ضوء القمر عن كوكب الأرض فحصل خسوف القمر، فأصبح السبب الكوني لخسوف القمر أن الأرض تحول بين الشمس وبين القمر، وأما السبب الكوني لكسوف الشمس فهو حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض.

    وقت حصول الكسوف والخسوف
    وهل الكسوف متصور في كل وقت أو أنه ليس متصوراً في كل وقت؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، يعني هل كسوف الشمس متصور في كل يوم أو نقول: له أوقات معينة؟ هل خسوف القمر متصور في كل ليلة أو نقول: له أوقات معينة؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم قالوا: يتصور كسوف الشمس وخسوف القمر في كل وقت.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يتصور في كل وقت، وهذا قول أهل الفلك، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: الله عز وجل أجرى العادة أن خسوف القمر لا يكون إلا في وقت إبدار القمر حينما يكون بدراً، ومتى يكون بدراً؟ في ليالي البيض: ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ما عدا هذه لا يمكن أن يخسف فيها القمر، هكذا أجرى الله عز وجل العادة، كما أن الله عز وجل أجرى العادة أن القمر يقل في بداية أول شهر قمري.. وهكذا حتى يكون بدراً، ثم يحصل له استسرار، فهذه أشياء أجراها الله عز وجل، وكسوف الشمس لا يكون إلا في أيام الاستسرار، يعني استسرار القمر ليلة التاسع والعشرين وليلة الثلاثين، ما عدا هذا لا يمكن أن يحدث خسوف أو كسوف.الجمهور استدلوا على ذلك قالوا: بأن إبراهيم ابن النبي عليه السلام مات في اليوم العاشر، وفي ذلك اليوم كسفت الشمس، وهذا الحديث باطل من وجهين: من جهة الإسناد، ومن جهة الواقع.من جهة الإسناد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الواقدي لا يحتج بمسانيده فكيف بمراسيله؟ مرسل من مراسيل الواقدي . من جهة الواقع أن بعض الفلكيين حسب الكسوفات التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على كتاب المحلى لـابن حزم ، أن بعض الفلكيين حسب الكسوف الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتبين أن الكسوف وقع في السنة العاشرة للهجرة، في يوم الثلاثاء في اليوم الرابع عشر في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقد ذكر هذا الفلكي أنه أيضاً أثناء الحساب وجد أن القمر خسف أيضاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في السنة الرابعة للهجرة، لكن لم ينقل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الكسوف، فالذي نقل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى لكسوف الشمس. الصواب في مثل هذا أن الكسوف والخسوف لا يمكن أن يحدثا إلا في أوقات معينة فقط؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجرى الله عز وجل العادة أن تكون هذه الأشياء في هذه الأوقات، كما أن الهلال يخرج في وقت كذا وكذا.. إلى آخره.

    حكم أداء صلاة الكسوف جماعة
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا ما كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا أفراداً].ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن الجماعة في صلاة الكسوف ليست واجبة، كما أن الجماعة في صلاة التراويح ليست واجبة، فلو أن الإنسان صلى في بيته لا بأس، لكن الأفضل أن يجتمع الناس في المساجد، والأفضل أيضاً أن يجتمعوا في الجوامع، الأفضل أن يجتمعوا في المساجد وفي الجوامع، ( والنبي عليه الصلاة والسلام صلاها جماعة، وبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة )، فاجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم النساء.

    صفة صلاة الكسوف
    قال المؤلف رحمه الله: [فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورةً طويلة، ثم يركع..] إلى آخره. هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان صفة صلاة الكسوف، وصفة صلاة الكسوف أشكلت على العلماء رحمهم الله لورود صفات كثيرة لها في السنة، وهذه الصفات سنسردها كما ذكر ابن حزم رحمه الله وغيره.الصفة الأولى: أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان كما هو المعمول عندنا الآن، يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان، فيكبر ويستفتح ويستعيذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة، في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أنها بقدر سورة البقرة )، كما في صحيح البخاري ، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع، ويشرع في قراءة الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة دون الأولى، ثم يركع ويطيل الركوع دون الأول، ثم يرفع ويسمع ويحمد ويطيل -على الصواب- ثم يسجد سجدتين يطيل فيهما، ويطيل أيضاً بين السجدتين، ثم يقوم ويفعل الركعة الثانية كالأولى لكنها دونها في القراءة والركوع إلى آخره، هذه الصفة دل لها حديث ابن عباس وحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم.الصفة الثانية: أن يصلي في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات.الصفة الأولى: يكرر الركوع مرتين، الصفة الثانية: يكرر الركوع ثلاث مرات، يعني يقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويسمع ويحمد.. إلى آخره.الصفة الثالثة أيضاً في كسوف الشمس: أن يصلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.الصفة الرابعة: أن يصلي ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات.الصفة الخامسة: أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوع واحد كسائر المواطن.الصفة السادسة: أن يقوم ويكبر ويرفع يديه يذكر الله عز وجل ويدعوه حتى يتجلى الكسوف، فإذا تجلى الكسوف فإنه يصلي ركعتين في كل ركعة ركوع.الصفة السابعة: أن يصلي كأحدث صلاة صلاها من المكتوبة، فإذا كسفت الشمس ضحى أحدث صلاة صلاها الفجر، فيصلي ركعتين كصلاة الفجر، إذا كسفت بعد الظهر يصلي كصلاة الظهر.. وهكذا يصلي في كسوف الشمس وخسوف القمر كأحدث صلاة من المكتوبة، وعلى هذا لو خسف القمر بعد المغرب صلى ثلاثاً، ولو خسف بعد العشاء صلى أربعاً.. وهكذا.الصفة الثامنة والأخيرة: أن يصلي ركعتين ركعتين، وهذه الصفات الثمان اختلف العلماء رحمهم الله تجاهها إلى مسلكين: المسلك الأول: مسلك الترجيح، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله والشافعي والبخاري وشيخ الإسلام وابن القيم والإمام مالك ذهبوا إلى مسلك الترجيح، وذلك بترجيح حديث عائشة وابن عباس الذي فيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان ) على بقية الصلوات، وما عدا هذه الصفة شاذ، وإن ثبت بعضها في صحيح مسلم ، ويدل لهذا الترجيح أمران: الأمر الأول كما ذكر البيهقي : أن الروايات التي وردت في صفة صلاة الكسوف تشير إلى موت إبراهيم عليه السلام، وموت إبراهيم عليه السلام وقع مرة واحدة، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف مرة واحدة فقط ولم يعدد، لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وإنما صلى مرةً واحدة فقط، فيدل على أنه صلى صفة واحدة، وما عدا هذه الصفة فإنه شاذ.الأمر الثاني: ما سبق أن نقلناه عن الفلكي الذي حسب الكسوف الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشمس لم تكسف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلا مرةً واحدة فقط، فإذا كان كذلك فيدل على أن صفة الكسوف لم تتعدد.المسلك الثاني: مسلك الجمع، وهذا ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، وكذلك أيضاً إسحاق بن راهويه وابن خزيمة وغيرهم من أهل العلم ذهبوا إلى مسلك الجمع، وأنه يعمل بسائر الصفات الواردة، فتارةً يصلي هذه الصفة وتارةً يصلي هذه الصفة إلى آخره. والصواب أنه يسلك مسلك الترجيح كما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك والشافعي والبخاري وشيخ الإسلام ابن القيم ، فترجح صفة الصلاة التي وردت في حديث عائشة وابن عباس على غيرهما من الصفات، هذا هو الصواب.

    إطالة القراءة والأركان في صلاة الكسوف
    قال المؤلف رحمه الله: [فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورةً طويلة].السنة في صلاة الكسوف: أن يقرأ سورةً طويلة، وقد سبق أن أشرت ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياماً طويلاً قدر سورة البقرة )، وهذا أخرجه البخاري في صحيحه، وبهذا نعرف الخطأ الذي يكون عليه بعض الأئمة، إذ بعض الأئمة يصلي صلاة خفيفة، هذا خلاف السنة، السنة أن يطيل القراءة، كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكثرون من طول القيام، وإذا كان الإنسان لا يحفظ فإنه يأخذ القرآن ويقرأ فيه، لا بد أن يحقق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو المشروع.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون التي قبلها، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع]. وأيضاً الصواب أنه يطيل في الرفع الثاني بعد الركوع الثاني، هل يطيل فيه أو لا يطيل؟ هذا موضع خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا يطيل فيه، والصواب أنه يطيل فيه، ويدل لذلك حديث جابر في صحيح مسلم قال: ( ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال )، فالصواب أنه يطيل.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين]. أيضاً يطيل ما بين السجدتين، الجلوس بين السجدتين هل يطيله أو لا يطيله؟ الصواب أنه يطيله؛ ويدل لذلك أن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته أنها معتدلة كما في حديث البراء بن عازب قال: ( رمقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت ركوعه فرفعه، فسجوده، فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء )، فمن السنة أن يطيل.

    حكم الخطبة في صلاة الكسوف
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم فيفعل مثل ذلك، فتكون أربع ركعات وأربع سجدات]. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الإمام لا يخطب، لا يشرع له أن يخطب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقال به جمهور أهل العلم، وعند الشافعية: أنه يشرع للإمام أن يخطب، وهذا هو الصواب. نقول: يشرع للإمام أن يخطب، ويدل لذلك لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في حديث عائشة قالت: ( ثم قام فقال: إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته.. ) إلى آخر الحديث في الصحيحين.وأيضاً حديث أسماء في الصحيحين قالت: ( فحمد الله فأثنى عليه.. ) إلى آخره.فالصواب في هذه المسألة: أن الخطبة في صلاة الكسوف مشروعة، فإذا انتهى الإمام من الصلاة فإنه يخطب ويعظ الناس ويذكرهم ويخوفهم بالله عز وجل، ويبين لهم سبب الكسوف، وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف.. إلى آخره.

    انتهاء صلاة الكسوف ولم ينجل الكسوف
    باقي مسائل تتعلق بصلاة الكسوف من هذه المسائل: إذا انتهت الصلاة والكسوف لم يتجل فماذا يفعل؟ نقول: يفعل ما أرشد له النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدعو ويذكر الله عز وجل، يستمر في الذكر والدعاء إلى أن يتجلى الكسوف هذا هو السنة.

    زوال الكسوف أثناء الصلاة
    مسألة أخرى: إذا تجلى الكسوف وهو لا يزال في الصلاة، فنقول: إذا تجلى الكسوف وهو لا يزال في الصلاة فإنه يتمها خفيفة؛ لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم )، وهذا في الصحيحين.

    حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي
    المسألة الثالثة: صلاة الكسوف هل تفعل في أوقات النهي أو نقول: بأنها لا تفعل في أوقات النهي؟ جمهور أهل العلم أنها لا تفعل في أوقات النهي، وعند الشافعية: أنها تفعل في أوقات النهي، وهذا القول هو الصواب، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بذوات الأسباب هل تفعل في أوقات النهي أو لا تفعل في أوقات النهي؟ وأن الصواب أنها تفعل في أوقات النهي، ذوات الأسباب الصواب أنها تفعل في أوقات النهي، وهذا سيأتينا إن شاء الله بيانه في بيان الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وما يشرع فيها من الصلوات وما لا يشرع فيها من الصلوات، وصلاة الكسوف من ذوات الأسباب.

    حكم صلاة الكسوف لآية أخرى غير كسوف الشمس وخسوف القمر
    المسألة الرابعة: هل يصلى بآية أخرى غير الكسوف أم نقول: بأن هذه الصلاة خاصة بصلاة الكسوف؟ العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على أقوال، المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يصلى بآية أخرى إلا الزلزلة، إذا حصلت زلزلة فإنه يصلى كصلاة الكسوف؛ لورود ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً حذيفة بأسانيد صحيحة.والقول الثاني: هذه الصلاة لا تشرع إلا للكسوف، وهذا قال به مالك والشافعي ، مالك والشافعي قالا: لا يصلى إلا لصلاة الكسوف؛ قالوا: لأن هذه الآيات وجدت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام هبوب الرياح، والظلمة في النهار، ونحو ذلك من الآيات ومع ذلك لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى.والرأي الثالث رأي أبي حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يصلى لكل آية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي بكرة كما سبق: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده )، فالعبرة التخويف، فكل آية يحصل فيها تخويف تشرع لها صلاة الكسوف، كالزلزلة، وأيضاً وجود الظلمة في النهار، أو حصول الرياح والعواصف ونحو ذلك قالوا: بأن كل آية يحصل فيها تخوف تشرع لها الصلاة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [13]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (22)

    تستحب صلاة الاستسقاء جماعة، ولها كيفية معينة وردت في السنة كما أن لها جملة آداب ينبغي مراعاتها، كما يستحب سجود التلاوة، وقد اختلف أهل العلم في عدد سجدات التلاوة على أقوال، كما اختلفوا في كونها صلاة أو مجرد سجدة فلا يشترط فيها شروط الصلاة كالطهارة واستقبال

    تابع صلاة الكسوف
    تقدم لنا في الدرس السابق الضرب الرابع من صلاة التطوع مما تسن له الجماعة، وتكلمنا في هذا الضرب عن صلاة التراويح، وعرّفناها في اللغة والاصطلاح، وأن حكمها سنة، وذكرنا دليل ذلك، ثم بعد ذلك تطرق المؤلف رحمه الله إلى عدد ركعاتها، وذكر أن عدد ركعاتها عشرون ركعة. وقلنا: بأن هذا هو قول الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ، وأن الإمام مالك رحمه الله يرى أن عدد ركعاتها ست وثلاثون ركعة من غير الوتر، وأن بعض أهل العلم ذهب إلى أنها إحدى عشرة, وقيل: ثلاث عشرة.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل ذلك حسن فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام والسجود والقراءة وقصر ذلك.وأيضاً تكلمنا عن صلاة الكسوف، وذكرنا حكمها، وما يتعلق بصفاتها… إلى آخره.وأيضاً تكلمنا هل يصلى بآية أخرى غير الكسوف؟ وأن العلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء: الرأي الأول: أنه يصلى للزلزلة، إذا حصلت زلزلة في الأرض فإنه يصلى كما يصلى للكسوف، وهذا قال به الإمام أحمد رحمه الله لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.والرأي الثاني: أنه لا يصلى إلا للكسوف، وهذا قال به مالك والشافعي ؛ لأن شيئاً من هذه الآيات وجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى إلا للكسوف.والرأي الثالث: رأي أبي حنيفة رحمه الله واختار شيخ الإسلام : أنه يصلى لكل آية فيها تخويف؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، يخوف الله بهما عباده ) إلى آخره.وبقي علينا من أحكام صلاة الكسوف: إذا تجلى الكسوف وهو في الصلاة فإنه يتمها خفيفة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود : ( فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم ) أخرجاه في الصحيحين. فإذا ذهب الكسوف وهو في الصلاة فإنه يتمها الإمام على صفتها خفيفةً. كذلك أيضاً إذا انتهت الصلاة ولم يتجل الكسوف فإنه يستحب أن يكثر من الاستغفار والذكر من التهليل والتسبيح إلى آخره، يعني يستحب أن يستغفر الإنسان، يكثر من الاستغفار ومن الذكر والتهليل والتسبيح والتحميد حتى يتجلى الكسوف؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك، فأمر بالفزع إلى ذكر الله واستغفاره. وهل تكرر الصلاة مرةً أخرى أو لا تكرر؟ الصواب أنها لا تكرر، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلا مرةً واحدة. ويستحب أيضاً في صلاة الكسوف التوبة، وكذلك أيضاً الصدقة، وكذلك أيضاً العتق لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.

    صلاة الاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [الثالث: صلاة الاستسقاء، وإذا أجدبت الأرض واحتبس القطر خرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين..] إلى آخره. هذا النوع الثالث مما تسن له الجماعة من صلاة التطوع: صلاة الاستسقاء، والاستسقاء استفعال بمعنى: طلب السقيا. وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بطلب السقيا بالصلاة على وجه مخصوص، والأصل في الاستسقاء السنة، ففي حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فاستقبل القبلة يدعو، وحول رداءه، وصلى ركعتين )، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة وحديث عائشة وغير ذلك من الأحاديث. ‏

    صفات الاستسقاء
    واعلم أن الاستسقاء ورد على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الاستسقاء بالصلاة المعروفة، فيخرج الإمام إذا حصل سبب الاستسقاء من انقطاع الأمطار، وقحط الديار، وغور العيون والآبار، فإنه يخرج الإمام ويخرج معه الناس فيصلون صلاة الاستسقاء. وهذا قال به جمهور أهل العلم رحمهم الله خلافاً لـأبي حنيفة ، فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يرى الصلاة، وإنما يرى أن يخرج الناس للدعاء فقط دون الصلاة، وهذا لا شك أنه ضعيف؛ لأن السنة ثابتة في ذلك كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فاستقبل القبلة يدعو، وحول رداءه وصلى )، ولعل عذر أبي حنيفة رحمه الله أن الحديث لم يبلغه.الوجه الثاني: الاستسقاء في صلاة الجمعة في الخطبة، فإنه يستحب للإمام أن يدعو الله عز وجل بنزول المطر إذا حصل سببه كما تقدم من جدب الديار، وانقطاع الأمطار، وغور مياه العيون والأنهار؛ ويدل لذلك ما ثبت أيضاً في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة، فدخل رجل فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا.. فلم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحدر من لحيته عليه الصلاة والسلام ).الوجه الثالث من وجوه الاستسقاء: الدعاء المجرد، دون أن يرتبط بصلاة أو بخطبة، فيستحب للمسلمين عموماً إذا حصل سبب الاستسقاء أن يفزعوا إلى الله عز وجل بالدعاء، أن يدعوا الله عز وجل بنزول المطر في صلواتهم، وفي خلواتهم، وأن يبتهلوا إلى الله عز وجل صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً؛ لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيستحب إذا انقطعت الأمطار أن يفزع المسلم، وأن يدعو الله عز وجل في صلاته وخارج الصلاة، وفي أوقات إجابة الدعاء: الرجال والنساء، الذكور والإناث الصغار والكبار، فإن هذا سنة.
    حكم صلاة الاستسقاء
    واعلم أن صلاة الاستسقاء سنة إذا وجد سببها، أما إذا لم يوجد السبب فإنها بدعة، فإذا وجد سببها من انقطاع الأمطار وغور مياه العيون والأنهار فإنها تكون سنةً، أما إذا لم يكن هناك حاجة إلى الاستسقاء لم يكن هناك حاجة إلى طلب السقيا إلى طلب الغيث كأن تكون البلاد أمطرت… إلى آخره، فإن صلاة الاستسقاء غير مشروعة.

    كيفية صلاة الاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا أجدبت الأرض واحتبس القطر خرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين]. ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في الاستسقاء متضرعاً متبذلاً متذللاً متخشعاً )، فيستحب للناس إذا خرجوا في الاستسقاء أن يخرجوا وعليهم الخشوع والذل.وقول المؤلف رحمه الله: (متبذلين) يعني: يخرجون في ثيابهم العادية، فلا يلبسون أحسن ثيابهم وإنما يخرجون في الثياب البذلة، يعني: الثياب التي تبتذل، فيخرجون على هيئتهم وفي ثيابهم العادة، ولا يطلبون ثياباً جميلةً كما يطلب ذلك في صلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما خرج متبذلاً.قال المؤلف رحمه الله: [فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد]. ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( سنة الاستسقاء سنة العيدين )، فيصلي الإمام ركعتين كما يصلي في العيدين، وعلى هذا يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات مع تكبيرة الإحرام، الزوائد تكون ستة، فيكبر تكبيرة الإحرام ويزيد على ذلك، سبع تكبيرات كما سيأتي بيانه إن شاء الله في صلاة العيدين.وأما في الركعة الثانية فإنه يكبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة الانتقال، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، وعلى هذا يكبر في الركعة الأولى مع تكبيرة الإحرام ثمان ركعات، وأما الركعة لثانية فيكبر فيها خمس ركعات سوى تكبيرة الانتقال، وقيل: بأنها تكبيرات ثلاث، يكبر في الأولى ثلاث زوائد، وفي الثانية ثلاث كما ذهب إليه أبو حنيفة ، وقيل: أربع.. إلى آخره، وسيأتي إن شاء الله بيان هذه الأقوال في صلاة العيدين. المهم أن سنة الاستسقاء كصلاة العيدين، ويقرأ في الركعة الأولى ما يقرأ الإمام في صلاة العيدين، والإمام يقرأ في صلاة العيدين إما بسبح والغاشية، أو يقرأ بسورة (ق) وسورة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] .

    الخطبة في صلاة الاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يخطب بهم خطبةً واحدة]. هنا صلاة الاستسقاء خالفت صلاة العيدين فيما يتعلق بالخطبة، فقال المؤلف رحمه الله: (خطبةً واحدة)، لا يخطب خطبتين في الاستسقاء وإنما يخطب خطبة واحدة؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما بالنسبة لصلاة العيدين فإنه يخطب فيها خطبتين على المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتينا إن شاء الله، فصلاة الاستسقاء خطبة واحدة، وصلاة العيدين خطبتان على المشهور من مذهب الإمام أحمد ، كذلك أيضاً هنا قول المؤلف: (ثم يخطب بهم خطبةً واحدة) كصلاة العيدين، يبدأ أولاً بالصلاة، ثم بعد ذلك يخطب؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( سنة الاستسقاء سنة العيدين ).وقال بعض العلماء: بل يقدم الخطبة كصلاة الجمعة، قال بعض العلماء: صلاة الاستسقاء كصلاة الجمعة يبدأ الإمام أولاً بالخطبة، ثم بعد ذلك بالصلاة، فهذان رأيان: الرأي الأول: ما ذهب إليه المؤلف: أنه يبدأ بالصلاة كصلاة العيدين، ثم يصلي، ثم يخطب؛ ودليله حديث ابن عباس : ( سنة الاستسقاء سنة العيدين )، والعيدان يبدأ بالصلاة أولاً ثم بعد ذلك بالخطبة هكذا ورد في السنة.وقال بعض العلماء: بل الاستسقاء كصلاة الجمعة يبدأ أولاً بالخطبة، ثم بعد ذلك بالصلاة، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، فإنه قال: ( خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فاستقبل القبلة يدعو، وحول رداءه، وصلى ركعتين )، فظاهر هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وأيضاً أصح من ذلك حديث عائشة في سنن أبي داود : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما طلعت الشمس خرج وقد وضع له المنبر فصعد المنبر وخطب ثم بعد ذلك صلى ).والصحيح في هذه المسألة أن يقال: بأن السنة وردت بهذا وفي هذا، فيستحب للإمام أنه تارة يخطب قبل الصلاة، وتارةً يصلي ثم يخطب لكي يفعل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها، فتارةً يصلي كهيئة الجمعة، وتارةً يصلي كهيئة العيدين لورود ذلك كله عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    الإكثار من الاستغفار في الاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [ويكثر فيها من الاستغفار، وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به]. يكثر في صلاة الاستسقاء من الاستغفار، وأيضاً الدعاء بطلب السقي، وتخويف العباد، وأمرهم بالرجوع، وتذكيرهم أن احتباس القطر إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي.. إلى آخره. وهذا أيضاً ما تفارق به خطبة العيدين خطبة الاستسقاء، فإن خطبة العيدين تخالف خطبة الاستسقاء، وخطبة العيدين يكون الموضوع فيها مناسباً لحال الناس، وأما بالنسبة لخطبة لاستسقاء فإنه يكثر فيها كما ذكر المؤلف رحمه الله من الاستغفار، وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به.

    تحويل الأردية في الاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [ويحول الناس أرديتهم]. تحويل الأردية اختلف أهل العلم رحمهم الله في موضعه، فقال بعض العلماء: يحول الرداء في أثناء الخطبة، في أثناء الخطبة يحول الإمام رداءه، ثم بعد ذلك يحول الناس أرديتهم. وقال بعض العلماء: يكون تحويل الرداء بعد نهاية الخطبة. والأمر في هذا واسع كله، المهم أن يحول المصلي رداءه، يسن له أن يحول رداءه، فإذا كان يلبس إزاراً ورداءً فإنه يحول الرداء بحيث يجعل الأيمن موضع الأيسر، والأيسر موضع الأيمن، وإن كان يلبس عباءةً فإنه يحول عباءته، وإن كان يلبس عمامةً أو غترةً يحول، والحكمة من ذلك التفاؤل بتحول الحال من القحط إلى الخصب، ومن انقطاع الأمطار والبركات إلى نزولها.قال: (ويحول الناس أرديتهم). قلنا: بأن تحويل الرداء إما أن يكون في وسط الخطبة، وإما أن يكون في نهاية الخطبة، وفي نهاية الخطبة يستقبل الإمام القبلة ويدعو الله عز وجل سراً.

    خروج أهل الذمة مع المسلمين للاستسقاء
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، ويؤمرون أن ينفردوا عن المسلمين]. يعني: إذا خرج أهل الذمة للصلاة فإنهم لا يمنعون؛ لأن القطر هذا رحمة من الله عز وجل، وكل محتاج إلى رحمة الله عز وجل، والله عز وجل رحم الناس رحمةً عامة، الرحمة العامة هذه شملت كل الناس المؤمن والكافر، فحتى الكفار رحمهم الله عز وجل رحمةً عامة، فهيأ لهم أسباب الرزق والمعاش وما يكون به قوتهم، وحتى الحيوان رحمه الله عز وجل رحمةً عامة. وأما الرحمة الخاصة فهذه خاصة بالمؤمنين، وهذه الرحمة تختلف، وكلما كان الإنسان أكثر تقىً وورعاً وفقهاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانت رحمته وأخذه من هذه الرحمة الخاصة أكثر. المهم أنه إذا أراد أهل الذمة أن يخرجوا للاستسقاء فإنه لا بأس بذلك ويخرجون، لكن يمنعون من أمرين: الأمر الأول: أن يكونوا مع المسلمين، يمنعون من الخروج مع المسلمين.والأمر الثاني: يمنعوا من أن ينفردوا بيوم، فلا ينفردون بيوم مستقل، وإنما يكون خروجهم زمن خروج المسلمين، ويكون لهم مكان يجتمعون فيه يسألون الله عز وجل القطر، وأيضاً لا يكونون مع المسلمين.

    مدة بقاء الأردية بعد تحويلها
    بقي علينا من المسائل عن صلاة الاستسقاء متى يغير المصلي رداءه؟ ذكرنا أنه يشرع للمصلي أن يحول رداءه، فمتى يغيره؟ قال العلماء رحمهم الله: يتركونه حتى ينزعوه، فنقول: بأن الإنسان إذا غير رداءه وحوله فإنه يتركه على هيئته إلى أن ينزعه، إلى أن يحتاج إلى نزعه، فإذا احتاج إلى نزعه فلا بأس، أو يحتاج إلى تغييره، فنقول: بأنه يبقى الرداء على هيئته إلى أن يحتاج إلى نزعه أو يحتاج إلى تغييره.

    وقت صلاة الاستسقاء
    صلاة الاستسقاء كما أسلفنا لا تفعل إلا عند وجود سببها، فإذا وجد سببها فمتى تفعل؟ نقول: بأن لها وقتين: الوقت الأول: وقت الاستحباب. والوقت الثاني: وقت الجواز.أما وقت الاستحباب فأن تصلى كصلاة العيد، بحيث تصلى بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، هذا هو وقت الاستحباب؛ لقول ابن عباس : ( سنة الاستسقاء سنة العيدين )، فنقول: بأنه يصلي كهيئة صلاة العيد بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح, هذا هو وقت الاستحباب.وأما وقت الجواز فإنها تفعل في كل وقت إلا في أوقات النهي، في أوقات النهي لا تفعل فيها، فلو أن الإمام استسقى ضحىً، أو استسقى بعد الظهر، أو استسقى بعد المغرب أو بعد العشاء فإن هذا كله جائز ولا بأس به، فتبين لنا بالنسبة لوقت صلاة الاستسقاء أن لها وقت استحباب، وكذلك أيضاً وقت جواز.
    سجود التلاوة

    حكم سجود التلاوة
    قال المؤلف رحمه الله: [الضرب الخامس: سجود التلاوة]. سجود مضاف، والتلاوة مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، فالسجود هنا أي: السجود الذي سببه التلاوة، أي: تلاوة آية السجدة. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن سجود التلاوة سنة وليس واجباً؛ لأنه ذكره ضمن صلاة التطوع، وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور العلماء رحمهم الله: أن سجود التلاوة سنة وليس واجباً. والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن سجود التلاوة واجب، ولكل منهما دليل.أما الذين قالوا: بأنه سنة وليس واجباً؛ فاستدلوا بحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري ( أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم ولم يسجد فيها )، ولو كان السجود واجباً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً مما يدل لذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه كما في البخاري قرأ على المنبر السجدة في سورة النحل، فنزل وسجد وسجد الناس معه، فلما كانت الجمعة القادمة المقبلة قرأ نفس الآية فتهيأ الناس للسجود، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وهذا قاله عمر رضي الله تعالى عنه بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأقره الصحابة على ذلك.وأما الحنفية فقالوا: بوجوب سجود التلاوة، قالوا: بأن سجود التلاوة واجب، واستدلوا بما ورد من الآيات الآمرة بالسجود كما في قول الله عز وجل: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] ، وأيضاً قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:21] فتبين أن سجود التلاوة مستحب وليس واجباً، فنقول: يستحب للإنسان ويسن له إذا قرأ آيةً أن يسجد.

    شروط سجود التلاوة
    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أيضاً أن سجود التلاوة صلاة، يعني: أنه في حكم الصلاة، وهذا أيضاً المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن سجود التلاوة صلاة، وعلى هذا يقولون: بأن له شروط الصلاة، وله أركان، وله واجبات، يجعلون له شروطاً وأركاناً وواجبات إلى آخره. وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأنه ليس صلاةً، وهذا قول ابن حزم ، الجمهور يرون أنه صلاة، وعند ابن حزم وشيخ الإسلام : أنه ليس صلاة، وإنما هو سجدة مجردة، ويأتينا إن شاء الله ما يترتب على هذا الكلام. الذين قالوا: بأنه صلاة استدلوا بقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر. وهذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه وهو صحيح، يعني قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فاشتراط الطهارة هنا يدل على أنه في حكم الصلاة.والرأي الثاني: قالوا: بأنه ليس صلاةً وإنما هو سجدة مجردة، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وسجود التلاوة ليس فيه فاتحة، فدل على أنه ليس صلاةً، النبي عليه الصلاة والسلام حكم بأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، انتفت الصلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة، وسجود التلاوة ليس فيه فاتحة فانتفى عنه حكم الصلاة. وكذلك أيضاً حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وهذا أيضاً يدل على أنه ليس صلاةً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام على أن صلاة الليل مثنى مثنى، ويستثنى من ذلك الوتر فإنه ركعة ما عدا ذلك ليس بصلاة، فسجود التلاوة ليس داخلاً في صلاة الليل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حكم على أن صلاة الليل مثنى مثنى إلى آخره.وأيضاً مما يدل لذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يسجد على غير وضوء.وهذا القول هو الصواب، فنقول: الصواب: أن سجود التلاوة ليس صلاةً وإنما هو سجدة مجردة. ماذا يترتب على هذا الخلاف؟ هذا الخلاف له ثمرة, فالذين قالوا: بأنه صلاة قالوا: تشترط له شروط الصلاة، لا بد أن تستقبل القبلة، لا بد أن تكون متوضئاً، لا بد أن تستر عورتك، لا بد أن تكون متنزهاً عن الخبث.. إلى آخره، يشترطون شروط الصلاة. أما إذا قلنا: بأنه ليس صلاة فنقول: لا يشترط، يسجد الإنسان وهو غير متوضئ، وكذلك أيضاً لا يشترط استقبال القبلة، ولا يشترط ستر العورة إلى آخره، فلو أن المرأة قرأت وسجدت وهي لم تستر رأسها فنقول: بأن سجودها صحيح.

    أركان وواجبات سجود التلاوة
    أيضاً الذين قالوا: بأنه صلاة قالوا: له واجبات وله أركان، أما أركانه، فهي:الركن الأول: السجود على الأعضاء السبعة.والركن الثاني: الرفع من السجود.والركن الثالث: التسليمة الأولى.وأما واجباته، فهي:الواجب الأول: تسبيحة السجود أن يقول: سبحان ربي الأعلى في السجود.والواجب الثاني: تكبيرة السجود.والواجب الثالث: تكبيرة الرفع.والصواب في ذلك: أنه سجدة مجردة، ليس فيه تكبير لا في حال النزول ولا في حال الرفع؛ لأن الذي ورد في ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في سنن أبي داود : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا سجد كبر ) هذا الحديث ضعيف لا يثبت. وعلى هذا نقول: إذا قرأ الإنسان السجدة فإنه يسجد سجدة مجردة، ويسبح الله عز وجل، ويذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما التكبير عند السجود والتكبير عند الرفع والتسليم فنقول: هذا كله لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد أن الإنسان يسجد امتثالاً لما ورد.كذلك أيضاً اشتراط شروط الصلاة، هذه كلها الصواب أنها لا تشترط؛ لأنه ليس صلاة، فلو أن الإنسان قرأ وهو على غير وضوء، أو لم يستتر، أو في ثيابه خبث ونحو ذلك فنقول: بأن هذا كله صحيح.

    الذكر في سجدة التلاوة
    هناك أذكار وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم يستحب للإنسان أن يذكرها في سجود التلاوة، وهذه الأذكار في أسانيدها مقال، وعلى هذا إن ثبتت عند الإنسان فإنه يذكرها، وأما إذا لم تثبت فإنه لا يأتي بها، وهذه هي: ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعل لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلت من نبيك داود ).. إلى آخره، فهذه إذا ثبتت فإن الإنسان يشرع له أن يأتي بها، وإن لم تثبت فإنه لا يشرع، وإنما يقتصر على التسبيح، والأذكار التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بها في السجود، وسبق أن نقلنا لكم هذه الأذكار ووزعناها عليكم.

    مواضع سجود التلاوة
    قال المؤلف رحمه الله: [وهي أربع عشرة سجدة، في الحج منها اثنتان]. يقول المؤلف رحمه الله: بأن عدد سجود التلاوة أربع عشرة سجدة، ونص المؤلف رحمه الله على أن في الحج منها سجدتان لرد خلاف الحنفية، فإن الحنفية لا يرون السجدة الثانية في سورة الحج، سورة الحج فيها سجدتان، الحنفية يقولون بالسجدة الأولى ولا يقولون بالسجدة الثانية، خلافاً لجمهور أهل العلم رحمهم الله، فإن جمهور أهل العلم يثبتون في سورة الحج سجدتان: السجدة الأولى عند قول الله عز وجل: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18] ، والسجدة الثانية عند قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] .والصواب في هذه المسألة ثبوت السجدة الثانية في سورة الحج كما دل لذلك حديث عمرو بن العاص أنه قال: ( أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة، في الحج منها اثنتان )، وهذا الحديث رواه أبو داود .وكذلك أيضاً ورود ذلك عن الصحابة أن في الحج سجدتين، وارد عن ابن عمر وابن عباس وعلي بن أبي طالب وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم، فوروده عن الصحابة هذا يدل على أن في الحج سجدتين، وهذا القول هو الصواب. ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن سجدة ليست من عزائم السجود؛ لأنه قال: (أربع عشرة سجدة)، وفي حديث عمرو بن العاص : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة، ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره.فيفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن سجدة ليست من عزائم السجود؛ لأنه اقتصر على أربع عشرة سجدة، ولو كان المؤلف يعتبر سجدة من عزائم السجود لكانت السجدات خمس عشرة سجدة، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله: هل سجدة من عزائم السجود أو أنها ليست من عزائم السجود إلى آخره؟ فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعي : أنها ليست من عزائم السجود؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سجدة ليست من عزائم السجود. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي . وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي سعيد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة على المنبر، ثم بعد ذلك نزل وسجد، فلما كان في المرة الثانية قرأها فتنتشر الناس للسجود، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما هي توبة نبي )، وهذا أخرجه الحاكم وأبو داود .وعند الحنفية والمالكية: أن سجدة من عزائم السجود؛ لحديث أبي هريرة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد سجدة )، وهذا أخرجه الدارقطني ، ورجاله ثقات.والصواب في هذه المسألة: أن سجدة من عزائم السجود، وكونها توبة نبي، وكون أيضاً داود عليه السلام سجدها، هذا لا يمنع كونها من عزائم السجود.

    من يشرع له سجود التلاوة؟
    قال المؤلف رحمه الله: [ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع]. السجود يستحب للتالي والمستمع دون السامع، عندنا رجل يقرأ، ورجل يستمع، ورجل مستمع، فالذي يستحب له أن يسجد هو التالي، وكذلك أيضاً المستمع، المستمع هو الذي قصد الاستماع للتلاوة، هذا أيضاً يستحب له أن يسجد دون السامع، السامع هو الذي لم يقصد الاستماع، وإنما استمع للسجدة عرضاً، كأن مر مع شخص يقرأ ثم استمع إلى سجدته عرضاً، فنقول: هذا لا يستحب له أن يسجد، لكن من جلس إلى القارئ يستمع إليه فهذا نقول: بأنه يستحب له أن يسجد؛ لقول عثمان رضي الله تعالى عنه: إنما السجدة على من استمعها، فالتالي يستحب له، وكذلك أيضاً المستمع يستحب له، والسامع لا يستحب له. وذكرنا الفرق بين المستمع والسامع: أن المستمع قصد الاستماع، وأما السامع فإنه لم يقصد الاستماع.

    كيفية سجود التلاوة
    قال المؤلف رحمه الله: [ويكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه ثم يسلم]. وهذا كما أسلفنا مبني على أن سجود التلاوة صلاة، وأن له تكبيرة السجود، تكبيرة الرفع، وأنه يسلم إلى آخره، وذكرنا أن هذا كله لا دليل عليه، وأن الذي ورد في حديث ابن عمر في سنن أبي داود في تكبيرة السجود أن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا نقول: سجود التلاوة سجدة مجردة يسجدها الإنسان، فيسجد ويأتي بالأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له شروط، لا تشترط له الشروط، وكذلك أيضاً ما ذكروه من الواجبات والأركان هذه فيها نظر.

    الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
    قال المؤلف رحمه الله: [باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها: وهي خمس].شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أوقات النهي، والحكمة من أوقات النهي هي تجميم القلوب وتنشيطها وتقويتها على العبادة؛ لأن الإنسان إذا منع من الصلاة في هذه الأوقات يكون عنده من الرغبة والنشاط وإجمام القلب للصلاة عندما يحل وقتها. فالشارع منع من الصلاة في هذه الأوقات لحكمة، والحكمة هي تنشيط النفوس، وإجمام القلوب، وتقويتها على فعل الصلاة، ولكي يكون لها رغبة على فعل الصلاة؛ لأنها إذا منعت ثم بعد ذلك أبيح لها كان عندها من الرغبة والشوق والقوة وحصل لها شيء من تجميم القلب.قال المؤلف رحمه الله: (وهي خمس) يعني الساعات التي ينهى عن الصلاة فيها خمس ساعات، وهذه بالبسط، وأما بالاختصار فهي ثلاث ساعات، ففي البسط خمس ساعات، وأما في الاختصار فهي ثلاث ساعات. ‏

    بعد الفجر
    قال المؤلف رحمه الله: [بعد الفجر حتى تطلع الشمس]. الوقت الأول متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟ يقول المؤلف رحمه الله: (بعد الفجر)، وإذا قال العلماء رحمهم الله: الفجر فإنهم يريدون بذلك الفجر الثاني، الفجر الصادق، فإن هذا الفجر هو الذي تعلق عليه الأحكام، أما بالنسبة للفجر الكاذب فهذا لا تعلق عليه الأحكام. والقول بأن وقت النهي يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني هذا قول جمهور العلم، جمهور أهل العلم يرون أن وقت النهي يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وحسنه جمع من أهل العلم.والرأي الثاني رأي الشافعي رحمه الله قال: بأن النهي لا يبدأ بطلوع الفجر، وإنما يبدأ بالصلاة من بعد الفراغ من الصلاة؛ لحديث أبي سعيد في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس )، وهذا في الصحيحين، فعلق النبي عليه الصلاة والسلام النهي بالصلاة. وعلى كل حال سواء قلنا: بأن النهي يبدأ من بعد طلوع الفجر، أو قلنا: بأن النهي يبدأ من بعد الصلاة فإن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد طلوع الفجر إلا أنه يصلي ركعتين خفيفتين هما ركعتا الفجر. فنقول: بأن الإنسان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر, هذا الذي حفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا جاء المسجد فإنه يصلي ركعتين ينوي بهما تحية المسجد، وينوي بهما السنة القبلية ويغنيه ذلك. نهاية هذا الوقت إلى طلوع الشمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى تطلع الشمس )، فنقول: بأنه يبدأ سواء قلنا: من الفجر أو من بعد الصلاة ويستمر إلى طلوع الشمس، هذا هو الوقت الأول.

    بعد طلوع الشمس حتى ترتفع
    قال المؤلف رحمه الله: [وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح]. هذا الوقت الثاني، الوقت الثاني من بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، يعني: قدر رمح في الأفق، وهذا في مرأى العين، يعني إذا طلعت الشمس من الأفق انتظر حتى ترتفع قدر رمح، وقدر رمح بما يقرب من مترين، وهذا في مرأى العين، وإلا في الواقع أنها ارتفعت آلاف الأمتار، لكن في مرأى العين إذا رأيتها تجد أنها ارتفعت قدر رمح، وهذا يقدره العلماء رحمهم الله بثنتي عشرة دقيقة، يعني إذا مضى بعد خروج الشمس من الأفق ما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة يكون خرج وقت النهي الثاني. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز ). وكذلك أيضاً حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما قال: ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع ). وأيضاً حديث أبي سعيد فيه: ( حتى ترتفع )، وكذلك أيضاً حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .. إلى آخره. المهم الوقت الثاني من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح.

    عند الاستواء
    قال المؤلف رحمه الله: [وعند قيامها حتى تزول]. يعني: إذا توسطت الشمس في كبد السماء حتى تزول إلى جهة المغرب، فإن الشمس إذا خرجت من المشرق تسير حتى تتوسط في كبد السماء، ثم بعد ذلك إذا تحركت من جهة المشرق إلى جهة المغرب تكون زالت الشمس وخرج وقت النهي، ويقدر وقت النهي هذا بما يقرب من عشر دقائق. فإذا توسطت الشمس في كبد السماء وقام قائم الظهيرة بحيث لا يكون هناك ظل إلا فيء الزوال, لا من جهة المشرق ولا من جهة المغرب إلا فيء الزوال, ثم بعد ذلك تحركت الشمس إلى جهة الغروب، نقول: خرج وقت النهي، لكن ما دام أنها في كبد السماء فإن هذا هو وقت النهي، ويقدر هذا قبل الزوال بما يقرب من عشر دقائق. ودليله حديث عمرو بن عبسة في مسلم ، وكذلك أيضاً حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف للغروب حتى تغرب ). والقول: بأن توسط الشمس في كبد السماء من أوقات النهي هذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأبو حنيفة ، وهو الذي دل له حديث عمرو بن عبسة في صحيح مسلم .وعند الشافعي رحمه الله واختاره شيخ الإسلام أن نصف النهار ليس وقتاً للنهي يوم الجمعة، واستدلوا على ذلك بحديث سلمان رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من اغتسل يوم الجمعة وتطهر ما استطاع من طهره، ومس من دهن بيته أو طيبه ثم راح إلى الجمعة، فصلى ما بدا له، فإذا خرج الإمام أنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة القادمة )، وهذا الحديث في صحيح البخاري . والشاهد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فصلى ما بدا له، فإذا خرج الإمام استمع وأنصت غفر له ما بين وبين الجمعة الأخرى ). هنا قال: ( صلى ما بدا له، فإذا خرج الإمام )، وخروج الإمام بعد الزوال، فدل على أن الإنسان يشرع له أن يصلي إلى أن يخرج الإمام، وخروج الإمام بعد الزوال بعد ذهاب وقت النهي، الإمام يدخل الجمعة بعد الزوال، فدل ذلك على أنه ليس وقتاً للنهي، هذا ما ذهب إليه الشافعي وشيخ الإسلام واستدلوا بحديث سلمان رضي الله تعالى عنه.قلنا: بأن مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام : أن نصف النهار ليس وقتاً للنهي يوم الجمعة خاصة، واستدلوا على ذلك بحديث سلمان في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة وتطهر ما استطاع من طهره، ومس من دهن بيته أو طيبه، ثم راح إلى الجمعة فصلى ما بدا له، فإذا خرج الإمام استمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)، قلنا: استدلوا بهذا على أن يوم الجمعة ليس فيه وقت نهي؛ لقوله: ( فصلى ما بدا له فإذا خرج الإمام )، وخروج الإمام بعد الزوال، فيفهم منه أنه صلى في وقت الزوال. ابن قدامة رحمه الله تعالى أجاب عن هذا الحديث في كتابه المغني، أجاب عنه وقال: بأنه يصلي ما بدا له ويتحرى، فإذا كان وقت النهي فإنه يتوقف عن الصلاة، وهذا هو الأحوط، الأحوط للإنسان يوم الجمعة يصلي ما بدا له ويتحرى، فإذا جاء وقت النهي فإنه يترك الصلاة. وعند الإمام مالك رحمه الله: أن نصف النهار ليس وقتاً للنهي مطلقاً سواء كان في يوم الجمعة أو في غير يوم الجمعة، وقال: بأن عمل أهل المدينة على هذا. والصواب في ذلك قلنا: الأقرب والأحوط مذهب أبي حنيفة وأحمد ، وأن نصف النهار وقت للنهي سواء كان في يوم الجمعة أو في غيره من الأيام، والإنسان يتحرى، فإذا جاء وقت النهي فإنه يقف عن الصلاة، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    بعد صلاة العصر
    قال المؤلف رحمه الله: [وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب]. هذا هو الوقت الرابع، الوقت الرابع من بعد صلاة العصر، ودليله ما تقدم من حديث أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ).فنقول الوقت الرابع: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، وذهب بعض السلف إلى أن ما بعد صلاة الفجر وما بعد صلاة العصر ليس وقتاً للنهي، ذهب إليه جمع من السلف كـعطاء وطاوس وعمرو بن دينار قالوا: ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس هذا ليس وقتاً للنهي، فالنهي عندهم في الأوقات المغلظة ما بعد الوقتين الطويلين هذا ليس وقتاً للنهي. وهذا فيه نظر، فإن الأحاديث ثابتة في ذلك كحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، وكذلك أيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس )، وهذا في الصحيحين.وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها )، هم استدلوا بهذا الحديث قالوا: إنه نهي عن الصلاة بعد صلاة العصر من أجل هذين الوقتين المغلظين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها )، وهذا في الصحيحين. نقول: وإن كان هذا الحديث يفهم منه أن ما عدا هذين الوقتين ليس وقتاً للنهي إلا أن هذا المفهوم لا يعارض منطوق حديث أبي سعيد وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    عند تضيف الشمس للغروب
    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا تضيفت حتى تغرب]. هذا هو الوقت الخامس، وهو: من تضيفها حتى تغرب، ومعنى تضيف الشمس يعني بدؤها في الغروب، من بدء الشمس في الغروب حتى تغرب، يعني إذا غاب حاجب الشمس حتى تغرب، هذا معنى تضيف الشمس للغروب، ودليله حديث عقبة بن عامر السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا.. إلى أن قال: وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب )، ومعنى تضيف الشمس للغروب: هو غياب حاجب الشمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة )، هذا ما عليه أكثر أهل العلم.وعند الشافعية تضيف الشمس للغروب هو اصفرارها، فإذا اصفرت دخل الوقت الخامس. لكن الصواب في هذا ما دل له حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب )، ويستمر هذا الوقت إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس خرج وقت النهي الخامس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد : ( ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس )، فإذا غربت الشمس خرج وقت النهي.وعند الحنفية والمالكية أن وقت الغروب يمتد إلى إقامة صلاة المغرب، ولذلك تلاحظ بعض الذين يقلدون الحنفية يدخل المسجد بعد غروب الشمس ويجلس ولا يصلي؛ لأنهم يرون أن وقت النهي يمتد إلى إقامة صلاة المغرب، وهذا لا شك أنه ضعيف؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قيد النهي إلى غروب الشمس قال: ( حتى تغرب الشمس ).وأيضاً حديث عبد الله بن مغفل الثابت في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء ) كراهية أن تتخذ سنة. فالصواب في ذلك أن وقت النهي ينتهي بغروب الشمس، وما بين غروب الشمس إلى إقامة صلاة المغرب هذا ليس وقتاً للنهي، بل النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالصلاة فقال: ( صلوا قبل المغرب )، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا غربت الشمس وأذن المغرب يبتدرون للسواري يصلون حتى يظن الرجل الغريب أن الصلاة قد أقيمت من كثرة من يصليها.

    صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي
    قال المؤلف رحمه الله: [فهذه الساعات لا يصلى فيها تطوعاً إلا في إعادة الجماعة]. المؤلف رحمه الله استثنى بعض الصلوات، قال: بأنها تفعل في أوقات النهي، وذكر منها -أولاً- إعادة الجماعة، فلو أن الإنسان صلى في مسجد من المساجد، ثم أتى إلى مسجد آخر لحضور درس أو لصلاة على جنازة، أو لطلب شخص ونحو ذلك فوجدهم يصلون فإنه يعيد معهم الصلاة. فلو صلى العصر، ثم جاء إلى مسجد آخر وهم يصلون العصر فإنه يعيد معهم الصلاة، صلى الفجر ثم جاء إلى مسجد آخر ووجدهم يصلون فإنه يعيد معهم الصلاة، مع أن وقت النهي في حقه قد دخل، لكنه يستثنى من ذلك؛ ودليله على استثنائه حديث يزيد بن الأسود رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، فوجد رجلين لم يصليا، فدعا بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا قد صلينا في رحالنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ). وأيضاً حديث أبي ذر رضي الله تعالى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي )، هذا رواه مسلم في صحيحه. فنقول: إعادة الجماعة هذا جائز ولا بأس به، وإعادة الجماعة هذه سنة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها، بشرط ألا تكون الإعادة مقصودة؛ لأن هذا ليس من هدي السلف، بأن يتتبع الإنسان المساجد التي لم تصل ويذهب ويصلي معهم، لكن إذا كانت الإعادة ليست بمقصودة، ذهب لغرض من الأغراض ووجدهم يصلون فإنه يصلي معهم، أما الإعادة المقصودة يعني يقصد الإنسان إعادة الجماعة فهذا فيه نظر، وهذا ليس مشروعاً وليس من هدي السلف.قال المؤلف رحمه الله: [وإذا أقيمت وهو في المسجد]. أيضاً استثنى المؤلف قال: إذا أقيمت الصلاة وأنت في المسجد، يعني صلى العصر ثم أتى ثم أقيمت وهو في المسجد، أو صلى الفجر ثم أتى ثم أقيمت وهو في المسجد، فإنه يصلي مع الناس، وتقدم حديث أبي ذر في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي ).قال المؤلف رحمه الله: ( وركعتي الطواف بعده ). أيضاً ولو كان في أوقات النهي إذا طاف الإنسان فإنه يستحب له أن يصلي ركعتين لحديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء من ليل أو نهار )، وهذا الحديث صححه الترمذي .قال المؤلف رحمه الله: [والصلاة على الجنازة]. الصلاة على الجنازة أيضاً، يصلى على الجنازة في الوقتين الطويلين، وقد حكي الإجماع على ذلك، يعني يصلى على الجنازة بعد العصر، ويصلى على الجنازة بعد الفجر، وقد حكي الإجماع على ذلك كما حكى ابن المنذر أنه لا خلاف في هذا.ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الصلاة على الجنازة مطلقاً، سواء كان في الوقتين الطويلين، أو في الأوقات الثلاثة المغلظة فإنه يصلى على الجنازة، وذكرت أن ابن المنذر رحمه الله قال: إنه لا خلاف بأنه يصلى على الجنازة في أوقات النهي.

    قضاء السنن والفرائض في أوقات النهي
    قال المؤلف رحمه الله: [وقضاء السنن الرواتب في وقتين منها، وهما بعد الفجر، وبعد العصر]. قضاء السنن الرواتب، قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر هذا دل له حديث قيس بن قهد رضي الله تعالى عنه: ( رآه النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بعد صلاة الفجر فقال: آلصبح أربعاً؟ فذكر له أنه لم يركع ركعتي الفجر، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك ). كذلك أيضاً صلاة الظهر البعدية بعد العصر هذا لا بأس، ويدل لذلك حديث عائشة : ( أن وفد عبد القيس شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن سنة الظهر البعدية حتى دخل العصر، فقضاهما النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر ).فنقول: السنن الرواتب سنة الفجر القبلية تقضى بعد صلاة الفجر، سنة الظهر البعدية إذا شغل الإنسان عنها فإنه لا بأس أن يصليها بعد العصر.قال المؤلف رحمه الله: [وقضاء الفرائض]. أيضاً قضاء الفرائض يكون في كل أوقات النهي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، وهذا يشمل كل أوقات النهي.
    الأسئلة

    سجود ابن عمر للتلاوة بلا وضوء
    السؤال: أثر ابن عمر : أنه كان يسجد للتلاوة وهو على غير وضوء، هذا الأثر من رواه؟ الجواب: هذا الأثر رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم.
    سترة المأموم الذي يقضي ما فاته من الصلاة
    السؤال: عرفنا أن سترة الإمام سترة لمن خلفه فلا يضرهم من مر بين الإمام والمأمومين، ولكن هل المأمومون الذين يكملون ما فاتهم بعد تسليم الإمام تكون سترتهم سترة الإمام؟ الجواب: نقول: لا، المأموم الذي يقوم ويقضي لا تكون سترته سترة الإمام؛ لأن الإمام انتهت الآن صلاته، وليس له سترة الآن.

    تكبير الإمام لسجود التلاوة
    السؤال: لو مر الإمام في آية سجدة فهل يسجد مباشرة أو يكبر ليعلم من خلفه عند الرفع؟الجواب: هذا السؤال جيد وأيضاً ما نبهنا على ذلك، نحن ذكرنا أن الإنسان لا يكبر لا في حال الرفع، ولا في حال الخفض، إلا في الصلاة، الصلاة يكبر في حال الرفع وفي حال الخفض؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة، وعلى هذا إذا سجد الإنسان سجدة التلاوة في الصلاة فإنه يكبر في الخفض وفي الرفع.

    موضع التورك
    السؤال: ما هي المواضع الصحيحة للتورك؟الجواب: المواضع الصحيحة للتورك: الصواب ما دلل له حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في التشهد الأخير، ما عدا ذلك فإنه يفترش، مثل صلاة الفجر يفترش، صلاة السنة الراتبة يفترش.. إلى آخره، المغرب يتورك التشهد الأخير، الظهر إلى آخره؛ لأن هذه فيها تشهدان، هاتان الصلاتان فيهما تشهدان، هذا دل لهما حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [14]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (23)

    جاء النهي عن الصلاة في خمسة أوقات معلومة، وهذا النهي يتعلق بالنفل المطلق، واختلف العلماء في حكم صلاة ذوات الأسباب في هذه الأوقات.والصلاة خلف الإمام المحدث أو من وقعت عليه نجاسة لها أحوال بينها العلماء، واختلفوا في كيفية الصلاة خلف الإمام إذا صلى جالساً ل

    تابع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
    تقدم لنا ما يتعلق بسجود التلاوة، وذكرنا حكمه، وهل هو واجب أو ليس واجباً؟ وأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على رأيين: فعند جمهور أهل العلم أنه ليس واجباً، وذهب أبو حنيفة وشيخ الإسلام إلى أنه واجب.قلنا: بأن الأقرب أنه ليس واجباً؛ لأن زيد بن ثابت كما تقدم قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ((وَالنَّجْمِ)) ولم يسجد فيها ومع ذلك أقره النبي عليه الصلاة والسلام.وقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء، وأقره الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهل هو صلاة تعتبر له شروط الصلاة أو ليس صلاةً؟ قلنا: الصواب أنه سجدة مجردة لا تشترط له شروط الصلاة، فيصح أن يسجد وهو غير مستتر، أو غير متوضئ أو تلبس بخبث ونحو ذلك.وأيضاً تكلمنا ما يتعلق بالسجدة الثانية من سجدتي سورة الحج، وهل هي ثابتة أو ليست ثابتة، ثم بعد ذلك تطرقنا لما يتعلق بأوقات النهي، وأن أوقات النهي خمسة أوقات بالبسط، وثلاثة بالاختصار. وأن الوقت الأول يبدأ من بعد طلوع الفجر كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وغيره، وقيل: بأنه يبدأ من بعد الصلاة ثم يمتد إلى طلوع الشمس. ويبدأ الوقت الثاني من بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح. ثم بعد ذلك الوقت الثالث وقت نصف النهار، وهل هو وقت للنهي أو ليس وقتاً للنهي؟ وذكرنا أن الإمام مالكاً رحمه الله لا يرى أنه وقت للنهي، وأن الشافعي يقول: هو وقت للنهي إلا في يوم الجمعة، وأحمد وأبو حنيفة قالا: بأنه وقت للنهي، وقلنا: بأن هذا هو الأقرب. ثم بعد ذلك الوقت الرابع من بعد صلاة العصر إلى أن تبدأ الشمس بالغروب. ثم الوقت الخامس من شروعها في الغروب إلى أن تغرب، فإذا غربت الشمس خرج وقت النهي. قلنا: بأن هذا هو الصواب من قولي أهل العلم، خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك إلى أن وقت النهي يمتد إلى إقامة صلاة المغرب، والصواب: أن وقت النهي ينتهي بغروب الشمس؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء، خشية أن يتخذها الناس سنةً.. ) إلى آخره. ثم بعد ذلك تطرق المؤلف رحمه الله إلى ما يفعل في أوقات النهي فقال: [إلا في إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، وركعتي الطواف بعده، والصلاة على الجنازة، وقضاء السنن الرواتب في وقتين منها وهما بعد الفجر وبعد العصر، ويجوز قضاء المفروضات]. يقول المؤلف رحمه الله: (يجوز قضاء المفروضات).المقض يات يجوز فعلها في أوقات النهي، فاستثنى المؤلف إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، ركعتي الطواف إذا طاف بعد العصر أو بعد الفجر له أن يصلي ركعتي الطواف، أيضاً الصلاة على الجنازة له أن يصليها، وقضاء السنن الرواتب أيضاً له أن يقضي سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وله أن يقضي سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر. أما سنة الفجر فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر قيس بن قهد لما رآه يصلي بعد الفجر ركعتين فسأله عن ذلك، فقال: هما ركعتا الفجر، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.وأما قضاء سنة الظهر البعدية بعد العصر فهذا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام شغله وفد عبد القيس عن سنة الظهر البعدية حتى دخل عليه وقت العصر، فقضاها النبي عليه الصلاة والسلام بعد العصر، فلا بأس إذا شغل الإنسان عن سنة الظهر البعدية أن يقضيها بعد العصر؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام.قال: (ويجوز قضاء المفروضات). أيضاً قضاء المفروضات يجوز في أوقات النهي، فلو كان الإنسان عليه قضاء صلوات، مثلاً صلى الفجر والظهر وهو محدث ناسياً فإنه يجوز أن يقضي الفجر والظهر بعد العصر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( فليصلها إذا ذكرها ) يشمل كل أوقات النهي.


    خلاف العلماء في جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي

    أيضاً بقي من الأشياء التي تفعل في أوقات النهي ذوات الأسباب، وذوات الأسباب هي كل صلاة تشرع عند وجود سببها، فإنه يجوز فعلها في أوقات النهي، وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وعند جمهور أهل العلم: أن ذوات الأسباب لا يجوز أن تفعل في أوقات النهي من حيث الجملة، وإن كانوا يستثنون بعض الصلوات، فيجوزونها في أوقات النهي، فتلخص عندنا قولان: القول الأول: رأي الجمهور: أن ذوات الأسباب لا يجوز أن تفعل في أوقات النهي.والرأي الثاني: رأي الشافعي واختاره شيخ الإسلام : أنها تفعل في أوقات النهي.أما بالنسبة للجمهور فاستدلوا بعمومات أدلة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وهذا يشمل ذوات الأسباب وغيرها، كحديث أبي سعيد في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ).وأيضاً: حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم : ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين تتضيف للغروب حتى تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة ).وكذلك أيضاً حديث ابن عباس : ( شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر .. ) إلى آخره، وحديث أبي هريرة إلى آخره، فاستدلوا بعمومات أدلة النهي.والرأي الثاني: رأي الشافعي : أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي؛ لحديث أبي قتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، وهذا يشمل كل وقت، يشمل ما بعد العصر، وما بعد الفجر، وهذا الحديث في الصحيحين. وكذلك أيضاً ما تقدم لنا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفزع إلى الصلاة حين حصول الكسوف، وهذا يشمل كل وقت، وكذلك أيضاً ما تقدم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً صلى وطاف في هذا البيت في أية ساعة شاء من ليل أو نهار ).وكذلك أيضاً ما تقدم من حديث أبي ذر : ( إذا أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي )، وهذا القول هو الراجح. الراجح أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي؛ لأن عمومات الأمر بذوات الأسباب أقوى من عمومات النهي عن صلاة ذوات الأسباب في هذه الأوقات؛ لأن عمومات الأمر عمومات محفوظة لم يدخلها التخصيص، وأما عمومات النهي فقد دخلها التخصيص، فعموم الأمر بذوات الأسباب أقوى من عموم النهي عن ذوات الأسباب في هذه الأوقات. وعلى هذا لو أن الإنسان توضأ بعد العصر فإنه يستحب له أن يصلي ركعتي الوضوء، ولو كان في وقت النهي أو بعد الفجر، ولو أنه دخل المسجد فإنه يصلي ركعتي تحية المسجد، ولو كسفت الشمس في وقت النهي فإنه يصلي أيضاً في وقت النهي، وكذلك أيضاً يصلي صلاة الاستخارة لما يفوت، لو كان هناك شيء يفوت ولا يمكنه أن يؤخره فإنه يستخير ولو كان ذلك في وقت النهي.كذلك أيضاً إعادة الجماعة فإن الإنسان يعيدها في أوقات النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب.وكذلك أيضاً ركعتا الطواف فإنه يصليهما في أوقات النهي.وكذلك أيضاً صلاة الجنازة، وسجود التلاوة.. إلى آخره، فكل صلاة متعلقة بسبب تفوت إذا أخرت عن سببها فإنها تشرع في أوقات النهي، هذا هو ضابط ذوات الأسباب كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذوات الأسباب التي تفعل في أوقات النهي: كل صلاة إذا أخرت عن سببها فإنها تفوت، فنقول: بأنها تشرع في أوقات النهي، أما إذا كانت لا تفوت فإنها لا تشرع في أوقات النهي، مثلاً صلاة الاستسقاء صلاة ذات سبب، الناس يستسقون يصلون صلاة الاستسقاء عند وجود سبب الاستسقاء وهو جدب الديار، وانقطاع الأمطار.. إلى آخره، لكن لا تفعل صلاة الاستسقاء في أوقات النهي، فلا تفعل بعد العصر، لماذا؟ لأنها لو أخرت إلى المغرب لا تفوت، وهم يستسقون بالضحى، ويستسقون أيضاً بعد المغرب، لا حاجة إلى أن تفعل بعد العصر. كذلك أيضاً صلاة الاستخارة لما لا يفوت، لو أن الإنسان أراد أن يشتري سيارةً أو أن يشتري بيتاً، وهذا الشراء له أن يتأخر بعد غد أو بعد يومين إلى آخره، فنقول: لا يفعل صلاة الاستخارة في أوقات النهي.

    دخول وقت النهي أثناء الصلاة
    بقي علينا من أوقات النهي إذا دخل وقت النهي والإنسان يصلي، فجمهور أهل العلم رحمهم الله قالوا: بأنه يقطع الصلاة، وقال المالكية: يتمها خفيفة. والصواب في هذه المسألة: أنه إن صلى ركعة أتم صلاته خفيفة، وإن صلى أقل من ركعة فإنه يقطعها؛ لأنه إذا صلى ركعةً يكون قد أدرك هذه الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).

    حكم الصلاة في أوقات النهي
    أيضاً من المسائل المتعلقة بأوقات النهي هل النهي للتحريم أو للكراهة؟ نقول: بأن النهي في أوقات النهي للتحريم وليس للكراهة؛ لأن هذا هو الأصل في النواهي كما هو مقرر في أصول الفقه.
    الإمامة

    الأولى بالإمامة
    قال المؤلف رحمه الله: [باب الإمامة: روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )]. الإمامة في اللغة: القصد. وأما في الاصطلاح: فهي ربط صلاة المؤتم بالإمام. من الأولى بالإمامة؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ).

    أولاً: الأقرأ
    الأولوية في الإمامة لا تخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون للمسجد إمام راتب مرتب إما من قبل الجماعة, ارتضوا هذا الشخص أن يصلي بهم، أو أنه مرتب من قبل الإمام الأعظم أو نائبه، ونائب الإمام الأعظم اليوم إدارة الأوقاف، فإدارة الأوقاف رتبت هذا الشخص إماماً، فنقول: هو الأولى بالإمامة، ولا يتقدم عليه أحد؛ لما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يؤم الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه )، وإمام المسجد سلطان في مسجده، فإذا كان مرتباً إما من قبل المسئول أو من قبل جماعة المسجد فهو الأولى بالإمامة, ولا يتقدم عليه أحد.الأمر الثاني: ألا يكون هناك إمام راتب، بأن تكون جماعة منفردة خرجت في سفر، أو هذا المسجد ليس له إمام راتب نريد أن نضع له إماماً راتباً، فمن الأولى بالإمامة؟ بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ). فالمرتبة الأولى: مرتبة القراءة، فإذا اجتمع عندنا شخصان نقول: من الأقرأ منهما؟ فإنه هو الذي يقدم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ) حديث أبي مسعود في مسلم .وأيضاً حديث أبي سعيد في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ).فنقول: المرتبة الأولى: مرتبة القراءة، وما المراد بالأقرأ في قول النبي صلى الله عليه وسلم؟ للعلماء في ذلك رأيان: الرأي الأول: أن المراد بالأقرأ هو الأجود قراءة، وليس المراد التجويد المعروف بمدوده وغناته وتشديداته، بل المراد أن يأتي بألفاظ القرآن على وفق قواعد اللغة العربية، وألا يلحن فيه، فيخرج الحروف من مخارجها، ولا يلحن في قراءته، ويأتي به على وفق القواعد العربية، هذا هو الرأي الأول. والرأي الثاني: أن المراد بالأقرأ هو الأكثر حفظاً، وعلى هذا إذا تقدم شخصان ننظر من هو الأكثر حفظاً منهما، فإذا كان هذا يحفظ كامل القرآن، وهذا يحفظ نصف القرآن، فنقول: بأن كامل القرآن هو الأقرأ. وهذا القول هو الصواب؛ لحديث عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وليؤمكم أكثركم قرآناً )، فنظروا من هو الأكثر قرآناً فوجدوا عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه هو الأكثر قرآناً أكثرهم حفظاً فقدموه يؤمهم، وله ست سنوات. فالمهاجرون الأولون كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ، وفيهم عمر وأبو سلمة ؛ لأن سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنه أكثرهم قرآناً. فالصواب أن المراد بالأقرأ هو الأكثر قرآناً، فإذا اجتمع عندنا شخصان: شخص يحفظ كذا وكذا، وشخص يحفظ كذا وكذا فننظر إلى من هو الأكثر قرآناً ونقدمه.

    ثانياً: الأعلم بالسنة
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة]. هذه المرتبة الثانية، إذا تساووا في القراءة كل منهم يحفظ مثلاً نصف القرآن أو القرآن كاملاً، ننظر إلى الأفقه من هو الأفقه منهما؟ والمراد بالفقه هنا معرفة أحكام الصلاة؛ لأن كون الإنسان يعرف أحكام الصلاة له أثر في إقامة صلاته. فنقول: أعلمهم بالسنة، المراد بالسنة هو الفقه، فننظر إلى من هو الأكثر فقهاً، فإذا كان أحد هذين الشخصين أكثر فقهاً ومعرفة لأحكام الصلاة فإنه يقدم، هذه المرتبة الثانية، فأصبحت المرتبة الثانية هي المعرفة بالفقه.

    ثالثاً: الأقدم هجرة
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة]. هذه المرتبة الثالثة إذا تساووا في القراءة في الحفظ، وتساووا في الفقه في معرفة أحكام الصلاة ننظر إلى المرتبة الثالثة وهي الأسبق بالهجرة. والهجرة في اللغة: الترك والانتقال. وأما في الاصطلاح: فهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. فلو كان عندنا شخصان كل منهم يحفظ كذا وكذا من القرآن على وجه السواء، وكل منهم يعرف أحكام الصلاة على وجه السواء، ننظر إلى أقدمهما هجرةً، فإذا كان أحدهما هاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام يعني أسلم، وأحدهما سبق في الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام فإننا نقدم الأقدم هجرة، إذا لم يوجد ذلك وكانا في بلاد الإسلام أصلاً ومنشأً إلى آخره فإننا ننتقل إلى المرتبة الرابعة. المهم لو فرضنا أنهما تساويا في المرتبة الأولى في القراءة، وفي مرتبة الفقه، وأحدهما سبق بالهجرة كل منهما أسلم في بلد الشرك وأحدهما سبق الآخر فإننا نقدم الأقدم هجرة.

    رابعاً: الأكبر سناً
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً]. هذه المرتبة الرابعة، لو فرض أنهما هاجر جميعاً من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، أو أصلاً ولدا في بلاد الإسلام ونشأا في بلاد الإسلام فإننا ننتقل إلى المرتبة الرابعة وهي الأكبر سناً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فليؤمهم أكبرهم سناً ).وقال بعض العلماء: يقدم الأتقى على الأسن، فإذا كان أحدهما أتقى وأورع من الآخر فإنه يقدم على الأسن، وهذا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله. وعلى هذا نقول: المرتبة الرابعة: الأتقى، فننظر إلى أتقاهما، فإن تساويا في التقى فإننا ننظر إلى مرتبة السن، فالمرتبة الخامسة هي مرتبة السن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فليؤمهم أكبرهم سناً )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام لـمالك بن الحويرث ومن معه: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما، وليؤمكما أكبركما ). قلنا: المرتبة الأولى: القراءة.والمرتب الثانية: السنة.المرتبة الثالثة: الهجرة.المرتبة الرابعة: التقى.المرتبة الخامسة: السن.المرتبة السادسة: من يختاره أكثر الجيران، فننظر إلى اختيار جيران المسجد وجماعة المسجد، فإذا تساووا في هذه المراتب الخمس ننظر إلى اختيار الجيران، فإذا اختار الجيران أحد هذين الشخصين فإنه يقدم، نقدم هذا الذي اختاره أكثر الجيران.المرتبة السابعة والأخيرة: إذا تساويا في اختيار الجيران، أو أن الجيران لم يختاروا واحداً منهما فإننا نصير إلى المرتبة السابعة والأخيرة القرعة، فنضرب القرعة بينهما، فمن خرجت له القرعة فإنه يكون أحق بالإمامة.

    أحقية صاحب البيت بالإمامة
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته]. صاحب البيت أحق بالإمامة ممن حضر، فلو أن شخصاً أتى إلى شخص في بيته وأراد الصلاة النافلة مثلاً فنقول: الأحق بالإمامة هو صاحب البيت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا يؤم الرجل الرجل في بيته )، فهو مقدم، صاحب البيت مقدم على من حضر، حتى ولو كان الذي حضر أقرأ منه، أو أفقه منه… إلى آخره، فنقول: بأنه مقدم على غيره. لكن إذا كان الذي حضر أولى منه بالإمامة مقدم عليه بالإمامة لكونه أقرأ أو لكونه أفقه… إلى آخره فإنه يستحب لصاحب البيت أن يقدمه، لكن الأصل أن صاحب البيت مقدم في الإمامة على من حضره.

    أحقية السلطان بالإمامة
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا في سلطانه]. وهذا سبق أن أشرنا إليه، إمام المسجد سلطان في مسجده فهو أحق بالإمامة، حتى ولو كان الذي حضر وأتم خلفه أقرأ منه، أو كان أفقه منه، أو كان أتقى منه… إلى آخره، فنقول: إمام المسجد أحق بالإمامة؛ لأنه سلطان في مسجده.وكذلك أيضاً الإمام الأعظم إذا حضر المسجد فإنه أحق بالإمامة؛ لعموم سلطانه وولايته؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا في سلطانه ).

    الصلاة خلف الإمام المحدث
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، وقال لـمالك بن الحويرث وصاحبه: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما، وليؤمكما أكبركما، وكانت قراءتهما متقاربة ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة ). حكم الصلاة خلف من صلاته فاسدة، تكون صلاة الإمام فاسدة إما من أول الصلاة تكون فاسدة، أو أنها تفسد في أثناء الصلاة، يعني الإمام إما أن يبني صلاته على حدث، أو أن يسبقه الحدث، تفسد صلاة الإمام إذا سبقه الحدث، أو إذا بنى صلاته على حدث، يعني اختل شرط من شروط صحة الصلاة، مثل الحدث، فهل تصح صلاة المأمومين أو لا تصح صلاة المأمومين؟ إذا صلى الإمام وهو محدث نقول: لا يخلو من أحوال:الحالة الأولى: ألا يعلم بالحدث إلا بعد نهاية الصلاة، أكل لحم جزور ثم تقدم يصلي بالناس ونسي أنه أكل لحم جزور أو جهل يظن أنه ليس لحم جزور فإذا هو لحم إبل فصلى بالناس ولم يعلم إلا بعد نهاية الصلاة، فنقول: بأن صلاة الإمام باطلة، ويجب عليه أن يعيد الوضوء والصلاة. وأما بالنسبة لصلاة المأمومين فصحيحة؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم ).وأيضاً عمر رضي الله تعالى عنه صلى بالناس وهو جنب ولم يذكر إلا بعد نهاية الصلاة، فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة. وكذلك أيضاً عثمان رضي الله تعالى عنه صلى بالناس وهو جنب ولم يذكر إلا بعد نهاية الصلاة فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة.فنقول: إذا كان الإمام لا يعلم بالحدث أو لم يعلم بالحدث حتى انتهى من صلاته فنقول: بأن صلاته صحيحة. الحالة الثانية: أن يعلم بالحدث في أثناء الصلاة، شرع يصلي بالناس، وبعد أن صلى ركعةً أو ركعتين علم أنه محدث، فالعلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان: الرأي الأول: أنه لا استخلاف، وعلى هذا صلاة الإمام باطلة، وتبطل صلاة المأمومين، فيقولون: إذا علم بالحدث في أثناء الصلاة فلا استخلاف، يجب عليه أن يخرج الإمام من الصلاة، وكذلك أيضاً بالنسبة للمأمومين تبطل صلاتهم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والرأي الثاني: أن صلاة الإمام هي الباطلة؛ لأنه بناها على حدث، وأما بالنسبة لصلاة المأمومين فصحيحة؛ لما تقدم من الدليل على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم )، وكذلك أيضاً ما تقدم من أثر عمر وعثمان أنهما لم يأمرا الناس بالإعادة.فالصوا : أن صلاة المأموم صحيحة، وحينئذ الإمام يخلف بالناس من يتم بهم الصلاة، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه لما طعن، لما طعن عمر رضي الله تعالى عنه ولم يتمكن من إكمال الصلاة استخلف عبد الرحمن بن عوف فأكمل بالناس.الحالة الثالثة: أن يبني الصلاة على طهارة، لكن يسبقه الحدث في أثناء الصلاة، في أثناء الصلاة يحدث الإمام، فالخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة. ونقول: الصواب في ذلك: أن صلاة المأمومين صحيحة؛ لما تقدم من الدليل على ذلك، والإمام يجب عليه أن يخرج، ولا يجوز له أن يستمر في صلاته، ويستخلف بالمأمومين شخصاً يصلي بهم، فإن لم يستخلف شخصاً يصلي بهم فللمأمومين أن يستخلفوا شخصاً يصلي بهم، ولهم أن يتموها فراداً، والأحسن أن الإمام يستخلف بهم من يصلي كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي . لو أن الإمام استمر في صلاته بعد أن سبقه الحدث، أو بعد أن علم أنه محدث استمر في صلاته ولم يخرج نقول: بأنه يأثم، وأما بالنسبة لصلاة المأمومين فصحيحة؛ لما تقدم أن أشرنا إليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم )، هذا بالنسبة لما يتعلق بصلاة الإمام المحدث.

    الصلاة خلف الإمام الذي عليه نجاسة
    أيضاً: مسألة أخرى: صلاة الإمام الذي عليه خبث، عليه نجاسة، يعني في ثوبه نجاسة ولم يعلم بها، نقول: الإمام الذي عليه نجاسة في ثوبه أو في بدنه أو في بقعته التي يصلي عليها نجاسة أيضاً نقول: هذا لا يخلو من أمور: الأمر الأول: ألا يعلم بالنجاسة إلا بعد نهاية الصلاة، بعد أن انتهى الإمام من الصلاة علم أن في ثوبه نجاسة، فنقول: بأن صلاته صحيحة، وصلاة المأمومين صحيحة؛ لأن النجاسة يعذر فيها بالجهل والنسيان؛ لأنها من باب التروك، من باب المحظورات. ولهذا جبريل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبر -كما في حديث جابر وحديث أبي سعيد -: ( أن في نعليه أذى، فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم واستمر في صلاته ). فإذا لم يعلم المصلي الإمام أو المأموم أن في ثوبه نجاسة حتى انتهت الصلاة فنقول: بأن صلاته صحيحة، فإذا جهل المأموم أن في ثوبه نجاسة نقول: صلاتك صحيحة، وصلاة المأمومين صحيحة، ودليل ذلك ما أشرنا إليه. وأيضاً ننبه إلى الفرق بين الحدث وبين الخبث، فالحدث من باب الأوامر، يعني لو أن الإنسان صلى وهو محدث فإنه يجب عليه أن يعيد؛ لأن رفع الحدث من باب الأوامر، لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، وأما بالنسبة لإزالة الخبث فإنه من باب التروك والنواهي يعذر فيه بالجهل والنسيان.الأمر الثاني: إذا علم الإمام في أثناء الصلاة أن على ثوبه نجاسة أو في بدنه نجاسة… إلى آخره فنقول: إن تمكن من إزالة النجاسة فإنه يزيلها ويستمر في صلاته، فمثلاً إذا علم أن في عمامته أو غترته نجاسة فإنه يزيل هذا اللباس ويستمر في صلاته، هذا إذا تمكن، أما إذا لم يتمكن من إزالته كما لو كان في ثوبه وليس عليه ثوب آخر يستر عورته فنقول: بأنه يخرج، وأما بالنسبة للمأمومين فإنهم فصلاتهم صحيحة، فيستخلف بهم، أو يخلفون شخصاً يتم بهم الصلاة.باقي أيضاً مسألة أخرى: إذا علم المأموم أن الإمام محدث أو أن عليه نجاسة فنقول: إذا علم أنه محدث فإنه لا يجوز له أن يستمر معه؛ لأنه يعتقد أن صلاته باطلة، فيجب عليه أن ينوي الانفراد، ولا يتابعه، لا يتابعه إذا علم أنه محدث، علم أن هذا الإمام قد انتقض وضوءه بأكل لحم جزور مثلاً فإنه لا يتابعه، ويجب عليه أن ينفرد، ويتم صلاته منفرداً. أما إن علم المأموم أن على ثوب الإمام نجاسة… إلى آخره فنقول: يتابعه، ويصلي معه، وصلاة كل منهما صحيحة؛ لأن الإمام معذور بالجهل هنا، الإمام معذور بجهل هذه النجاسة ونسيانها فصلاته صحيحة ما دام أنه ناس أو جاهل. أما بالنسبة للحدث فنقول: بأنه لا يعذر فيه، لا بد أن يعيد المأموم الصلاة ما دام أنه يعلم أنه محدث، فإن صلاة الإمام باطلة، وحينئذ لا يتابعه على ذلك.

    إمامة العاجز عن القيام
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه، فإنهم يصلون وراءه جلوساً، إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً]. الإمام إذا كان تاركاً لركن من أركانها فنقول: بأنه لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون هذا الركن المتروك ركوعاً أو سجوداً، الإمام لا يستطيع أن يركع لمرض في ظهره مثلاً، لا يستطيع أن يسجد لمرض في رأسه أو عينه، لا يتمكن من السجود، ولا يتمكن من الركوع يومئ إيماءً بالركوع وبالسجود كما يأتينا في صلاة المريض، فهل تصح الصلاة خلفه أو لا تصح الصلاة خلفه؟ نقول: بأن أكثر أهل العلم قالوا: لا تصح الصلاة خلفه، إذا كان يعجز عن الركوع أو يعجز عن السجود يومئ بالركوع أو يومئ بالسجود, أكثر أهل العلم قالوا: لا تصح الصلاة خلفه.والرأي الثاني رأي الشافعي : أن الصلاة خلفه صحيحة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ). فإذا كان هذا المريض هو الأقرأ فإننا نقدمه، ولو كان لا يستطيع الركوع أو السجود إلا إيماءً فإننا نقدمه، هذا هو الصواب، فيومئ الإمام بالركوع والمأمومون يركعون ركوعاً تاماً، ويومئ الإمام بالسجود والمأمومون يسجدون سجوداً تاماً.الأمر الثاني: أن يكون الإمام عاجزاً عن ركن القيام، فقال المؤلف رحمه الله: (إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون وراءه جلوساً). يقول المؤلف رحمه الله: تصح إمامة العاجز عن القيام بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الإمام الراتب.الشرط الثاني: أن يرجى زوال هذه العلة منه.وعلى هذا إذا كان الإمام الراتب إمام المسجد الراتب أصابه كسر في رجله، فأصبح لا يستطيع القيام، الآن المرض يرجى زواله أو لا يرجى زواله؟ يرجى زواله، فنقول: تصح إمامته؛ لأنه توفر فيه شرطان: الشرط الأول: أنه الإمام الراتب.والشرط الثاني: أنه يرجى زوال هذه العلة، فيصح أن نصلي خلفه، هو يصلي جالساً الآن، لكن هل نصلي خلفه جلوساً أو نصلي خلفه قياماً؟ قال المؤلف رحمه الله: (فإنهم يصلون وراءه جلوساً إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً). الإمام إن افتتح الصلاة جالساً فإننا نصلي خلفه جلوساً، وإن افتتحها قائماً ثم أصابه مرض وما استطاع القيام فإننا نصلي خلفه قياماً. ودليل ذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( لما جحش عن فرسه, وأم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة, وكان قد افتتح الصلاة جالساً أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس، وقال: وإذا صلى جالساً فصلوا خلفه جلوساً أجمعون ).ولما مرض النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة ( وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فوجد النبي عليه الصلاة والسلام من نفسه خفة فخرج وأكمل الصلاة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً والصحابة يصلون خلفه قياماً ) لماذا؟ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قد افتتح الصلاة بهم قائماً.فنقول: بالنسبة للمأمومين إن افتتح الإمام الصلاة قاعداً فإنهم يصلون خلفه قعوداً، وإن افتتح الصلاة قائماً ثم حصلت له العلة فإنهم يصلون خلفه قياماً كما دلت لذلك السنة، هكذا جمع الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لكن كما أشرنا أن المؤلف رحمه الله قال: تصح إمامة العاجز عن ركن القيام بشرطين: الشرط الأول: أن يكون إمام الحي.والشرط الثاني: أن يرجى زوال علته.وعلى هذا لو كان الإمام ليس إمام الحي، جاء شخص ليس الإمام الراتب، وهو لا يستطيع القيام لكسر به، أو لعرج أو شلل ونحو ذلك، فهل يجوز أن يتقدم ويصلي بالناس؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون إمام الحي. أيضاً لو أن إمام الحي كبر وأصبح لا يستطيع القيام فهل يجوز أن يتقدم بالناس؟ لا يجوز؛ لأن هذه العلة لا يرجى زوالها، علة السن هذه لا يرجى زوالها.والرأي الثاني: أنه لا يشترط شيء، الرأي الثاني رأي أبي حنيفة .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [15]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (24)

    اختلف أهل العلم في جملة من مسائل الإمامة منها: من تصح إمامته ومن لا تصح، ويندرج تحتها إمامة صاحب الحدث الدائم، والمتنفل بالمفترض، كما اختلفوا في بطلان صلاة المأموم إذا وقف عن يسار الإمام أو أمامه أو خلفه، وقد بيّن أهل العلم جملة من أحوال الإمام والمأموم و
    تابع الإمامة
    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام الإمامة، وذكرنا من الأولى بالإمامة، وأن الأولى بالإمامة من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، فالأولى بالإمامة هو الأقرأ، وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في المراد بالأقرأ؟ وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك على رأيين:الرأي الأول: أن المراد بالأقرأ هو الأكثر حفظاً، وقيل: بأن المراد بالأقرأ هو الذي يجيد القراءة، بحيث لا يلحن، ويخرج الحروف من مخارجها، يأتي بالقراءة ولا يلحن فيها ويراعي قواعد اللغة العربية، ويخرج الحروف من مخارجها.. إلى آخره.ثم بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن كانوا في القراءة في سواء فأعلمهم بالسنة ).وتكلمنا ما المراد بذلك، وأن المراد بذلك هو الأكثر فقهاً فيما يتعلق بأحكام الصلاة، ثم بعد ذلك أقدمهم هجرة، ثم بعد ذلك أقدمهم سلماً، وفي رواية سناً.. إلى آخره، وتكلمنا على هذه المراتب كلها.وكذلك أيضاً تكلمنا عن حكم إمامة المحدث، وذكرنا أقسامها، وأيضاً عن حكم إمامة من عليه نجاسة في ثوبه، أو بدنه، أو بقعته، وتكلمنا عن أقسام هذه المسألة. وكذلك أيضاً تكلمنا عن حكم إمامة من ترك ركناً من أركان الصلاة. إلى آخره. ‏

    إمامة المرأة بالرجال
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح إمامة المرأة بالرجال].يقول المؤلف: (لا تصح إمامة المرأة بالرجال)، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله؛ ودليل ذلك حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ).وأيضاً حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها )، وإذا كانت المرأة إمامةً فإن صفها سيكون هو الأول، وقد حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالشرية، فإذا كان كذلك فإنها لا تتقدم؛ لأنها إذا تقدمت فقد حكم النبي عليه الصلاة والسلام بالشرية، وهذا القول هو الصواب، وإن كان ورد عن بعض أهل العلم ما يخالف ذلك، ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه تصح إمامة المرأة في التراويح، وهذا إذا كان المأمومون من محارمها.

    حكم إمامة من به سلس بول
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن به سلس البول]. من به سلس البول، أو سلس الريح، أو سلس الغائط، يعني من حدثه دائم لاستمرار خروج الحدث منه، يقول المؤلف رحمه الله: [لا تصح إمامته إلا بمثله]، فالذي به سلس بول لا يصح أن يكون إماماً للصحيح، فلا يكون إماماً إلا لمن به سلس بول، والعلة في ذلك قالوا: لأنه أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وهي الطهارة.والرأي الثاني: أن من به سلس بول تصح إمامته؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، وهذا يدخل فيه من به سلس بول، فإذا كان هو الأقرأ فإنه يقدم.وأيضاً حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ) ويدخل في ذلك من به سلس بول… إلى آخره.وأما قولهم: بأنه أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وهي الطهارة نقول: هذا غير مسلم، فهو لم يخل بشرط؛ لأن خروج هذا الحدث قد عفا عنه الشارع، ولهذا تصح صلاته مع خروج هذا الحدث، فهذا الحدث قد عفا عنه الشارع، فالصواب صحة إمامته.

    إمامة الأمي
    قال المؤلف رحمه الله: [والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها]. أيضاً الأمي في اللغة: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ.وأما في اصطلاح الفقهاء رحمهم الله فالأمي يشتمل على أمور: الأمر الأول: من لا يحسن الفاتحة، يعني: لا يحفظ الفاتحة، فهذا أمي، وإن كان من أعلم الناس في غير الفاتحة، نقول: بأنه أمي، الذي لا يحفظ الفاتحة هذا لا تصح إمامته.الأمر الثاني: الذي يدغم حرفاً بحرف لا يقاربه ولا يماثله فهذا أمي، ويسميه العلماء رحمهم الله بالأرت، الذي يدغم حرفاً بحرف آخر لا يماثله ولا يقاربه فهذا أمي، مثال ذلك لو أدغم حرف الهاء بحرف الراء، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ، لو قال: الحمد للرب العالمين، فأدغم الهاء بالراء، فهنا أدغم حرفاً بآخر لا يماثله ولا يقاربه هذا أمي لا تصح إمامته.الأمر الثالث: الألثغ وهو الذي يبدل الراء غيناً أيضاً هذا أمي لا تصح إمامته إلا بمثله، فالذي يبدل الراء غيناً يقول: غب العالمين، بدلاً من أن يقول: رب العالمين يقول: غب العالمين، فنقول: بأن هذا أمي لا تصح إمامته.الأمر الرابع: الذي يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى، مثاله: يقول: إياكِ نعبد وإياكِ نستعين، بدلاً من أن يقول: إياكَ يقول: إياكِ، فهذا لحن لحناً يحيل المعنى، فهذا الأمي لا تصح إمامته إلا بمثله، فلا تصح إمامته بغير الأميين. ونعلم أيها الإخوة أن مسألة القراءة مسألة مهمة؛ لأن الشارع أكد عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم ) نص على القراءة، وقال: ( إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ).وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أقرؤكم ) إلى آخره.فمسألة القراءة هذه أكد عليها الشارع، قال بعض العلماء: من صحت صلاته صحت إمامته، لكن هذا الضابط الذي ذكره بعض أهل العلم لا تدخل فيه القراءة، الأمي لا تصح إمامته، مثلاً: لو كان عندنا شخص يقول: غب العالمين تصح قراءته هذا ما في وسعه، لكن لا نقول: بأن إمامته تصح؛ لأن القراءة أكد عليها الشارع، وجعل المحور يدور عليها، فمن به سلس بول قلنا: بأن صلاته صحيحة، فتكون إمامته صحيحة، لكن الأمي لا نقول: بأن صلاته صحيحة فتكون إمامته صحيحة؛ لأنك إذا تأملت النصوص الشرعية تجد أن الشارع أكد على مسألة القراءة، واعتبرها واشترطها وحينئذ نقول: هذا الأمي لا تصح إمامته إلا برجل أمي مثله.

    إمامة المتيمم بالمتوضئ
    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم]. لأن التيمم عبادة شرعية، والتيمم كالوضوء تماماً كما سبق لنا من أنه يرفع الحدث على الصحيح، لكن الفرق بين التيمم وبين الوضوء أن الوضوء يرفع الحدث رفعاً مطلقاً، وأما التيمم فإنه يرفع الحدث إلى وجود الماء. وأيضاً يدل لذلك ( أن عمرواً بن العاص لما أصابته الجنابة تيمم وصلى بأصحابه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك )، وأيضاً يدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، فإذا كان الإمام متيمماً والمأموم متوضئاً فتصح الإمامة.

    إمامة المتنفل بالمفترض
    قال المؤلف رحمه الله: [والمفترض بالمتنفل]. إذا كان الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً أيضاً تصح الإمامة؛ ويدل لذلك فعل معاذ رضي الله تعالى عنه، فإن معاذاً رضي الله تعالى عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.وفي سنن البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هي له تطوع ولهم نافلة ).وحديث معاذ رضي الله تعالى عنه الذي رواه جابر في الصحيحين ( أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم )، فإذا كان الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً صحت الإمامة. واعلم أن اختلاف النية بين صلاة الإمام وصلاة المأموم هذا لا يضر، فالمأموم يصلي نافلة، والإمام يصلي فريضة، أو العكس الإمام يصلي فريضة والمأموم يصلي نافلة هذا لا يضر، أو هذا يصلي العصر وهذا يصلي الظهر، أو هذا يصلي التراويح وهذا يصلي العشاء… إلى آخره نقول: هذا كله لا يضر، أو هذا يصلي مؤداة وهذا يصلي مقضية… إلى آخره لا يضر، لا يضر إلا إذا كان الاختلاف في الأفعال، وكان هذا الاختلاف كثيراً.

    أقسام اختلاف صلاة المأموم عن صلاة الإمام
    إذا اختلفت صلاة المأموم عن صلاة الإمام فلذلك ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تتفق الصلاتان في الأفعال، فهنا لا يضر اختلاف النية، ولا يضر اختلاف الاسم، ما دام أن الصلاتين اتفقتا في الأفعال، فمثلاً هذا يصلي العشاء لأنه مسافر ركعتين خلف من يصلي التراويح ركعتين نقول: صحيحة، الأفعال هنا واحدة، هذا يصلي الظهر والإمام يصلي العصر نقول: هذا صحيح؛ لأن الأفعال واحدة، أيضاً هذا يصلي الظهر أداءً، وهذا يصلي ظهر الأمس قضاءً نقول: هذا أيضاً صحيح.فالقسم الأول: إذا اتفقت الأفعال بين الصلاتين فلا يضر اختلاف الاسم أو اختلاف النية، فإذا نوى المأموم صلاة ونوى الإمام صلاة، أو اختلف اسم الصلاتين، فاسم صلاة الإمام يختلف عن اسم صلاة المأموم نقول: بأن هذا لا يضر.القسم الثاني: أن تختلف الصلاتان في الأفعال، لكن هذا الاختلاف اختلاف يسير، هذا أيضاً نقول: بأنه لا يضر. مثال ذلك: هذا رجل يصلي العشاء أربع ركعات، وهذا رجل يصلي المغرب ثلاث ركعات، هنا اختلفت الأفعال، الاختلاف هنا يسير، فالذي يصلي المغرب يصلي ثلاث ركعات ثم يجلس وهو بالخيار: إن شاء أن ينتظر الإمام، وإن شاء أن يسلم، وإن انتظر الإمام فهو أحسن.أيضاً مثال آخر: الإمام يصلي العيدين، والمأموم يصلي الفجر، هنا اختلفت الأفعال، لكن هذا الاختلاف اختلاف يسير؛ لأن صلاة العيدين كصلاة الفجر، إلا أن العيدين فيهما التكبيرات الزوائد.فنقول القسم الثاني: إذا اختلفت الأفعال اختلافاً يسيراً فإن هذا لا يضر.القسم الثالث: أن تختلف الأفعال اختلافاً كثيراً، مثال ذلك: هذا رجل يصلي الفجر والإمام يصلي الكسوف، الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، هنا الآن اختلفت الأفعال اختلافاً كثيراً.مثال آخر: الإمام يصلي صلاة الجنازة، والمأموم يصلي الفريضة مثلاً فريضة الظهر، نقول هنا: اختلفت الأفعال اختلافاً كثيراً فلا يصح. فأصبح إذا اختلفت صلاة الإمام وصلاة المأموم أن هذه المسألة لها ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تتفق في الأفعال فيصح سواء اتفقا في النية أو اختلفا، اتفقا في الاسم أو اختلفا… إلى آخره.القسم الثاني: أن تختلف الصلاتان في الأفعال اختلافاً يسيراً فنقول: أيضاً هذا لا يضر.القسم الثالث: أن تختلف الأفعال اختلافاً كثيراً فنقول: بأن هذا هو الذي يضر؛ لأن الشارع اعتبر اختلاف الأفعال؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا.. ) إلى آخره، فاعتبر الشارع اختلاف الأفعال، ولم يعتبر اختلاف النية، أو اختلاف الاسم إلى آخره.هذا الضابط الذي ذكرناه يحل كثيراً من الإشكالات التي توجد عند كثير من الناس، تجد وخصوصاً في المساجد التي على الطرقات يختلف الناس هذا يصلي وهذا لا يصلي، أو يسأل عن صلاة هذا.. إلى آخره، أنت إذا دخلت المسجد ووجدت جماعة يصلون صل معهم، سواء كان يصلي المغرب، أو يصلي العشاء، أو يصلي الظهر، كون المأموم يختلف عن الإمام في النية أو في اسم الصلاة هذا لا يضر، ولو مع اختلاف الفعل اليسير نقول: بأنه لا يضر.

    موقف المأموم الواحد من الإمام

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا كان المأموم واحداً وقف على يمين الإمام]. هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان موقف المأموم، والمأموم لا يخلو إما أن يكون واحداً أو أكثر من واحد، فإن كان واحداً فإنه يقف عن يمين الإمام؛ ويدل لذلك ما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بات ابن عباس في بيت خالته ميمونة قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فجاء ابن عباس وقام عن يساره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه، وأداره من خلفه إلى يمينه ). فإذا كان المأموم واحداً فالسنة أن يقف عن يمين الإمام، لكن لو وقف عن يسار الإمام، ويمين الإمام خالٍ فهل تصح صلاة المأموم أو لا تصح صلاة المأموم؟

    حكم صلاة من وقف عن يسار الإمام
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح]. إذا وقف المأموم عن يسار المأموم لا يصح، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند جمهور أهل العلم أن ذلك صحيح ولا بأس به.الحنابلة استدلوا بحديث ابن عباس قالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه.الجمهور استدلوا أيضاً بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأن ابن عباس أدى جزءاً من الصلاة عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالإعادة، جاء ابن عباس وكبر عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فأدى جزءاً من الصلاة: تكبيرة الإحرام، ثم أداره النبي عليه الصلاة والسلام.أيضاً: حديث جابر : ( جابر جاء وكبر عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك جاء جبار وكبر عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وأدارهما النبي عليه الصلاة والسلام خلفه.. ) إلى آخره، فهنا أدى جزءاً من الصلاة عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم.وما ذهب إليه جمهور أهل العلم أقرب إلى الصحة، فنقول: إذا صلى المأموم عن يسار الإمام ترك الفضيلة والسنة وصلاته صحيحة.

    حكم صلاة من وقف قدام الإمام
    قال المؤلف رحمه الله: [أو قدامه]. إذا صلى المأموم قدام الإمام فإنها لا تصح صلاته، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم خلافاً للإمام مالك ، الإمام مالك رحمه الله يقول: إذا صلى المأموم قدام الإمام صحت الصلاة.الجمهور استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به )، وإذا كان الإمام مؤتماً به ومقتدىً به فإن مكان المؤتم والمقتدي إنما يكون خلف الإمام المقتدى به، فإذا كان كذلك فإنه يكون موضع المأموم خلف الإمام. وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة وقال: تصح صلاة المأموم قدام المأموم عند الضرورة، وذلك كما يوجد في حالة الزحام، في حالة الزحام إذا كثر الناس في صلاة الجمعة أو في صلاة العيدين ونحو ذلك وفي المناسبات إلى آخره، فإذا حصل الزحام وكثر الناس ولم يتمكن الناس، أو ظهر عليهم مشقة شديدة في كونهم يكونون خلف الإمام أو محاذين له وصلوا قدامه فإن هذا صحيح. وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الأقرب، وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، شيخ الإسلام يقول: بأن الواجبات تسقط بالعجز عنها؛ ويدل لذلك حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب.. ) إلى آخره، وهذا القول هو الصواب، وهو وسط بين القولين في هذه المسألة.

    حكم صلاة المنفرد خلف الإمام
    قال المؤلف رحمه الله: [أو وحده لم تصح]. إذا صلى منفرداً خلف الصف يقول المؤلف رحمه الله: لا تصح صلاته؛ واستدلوا بما أخرجه أبو داود في سننه من حديث وابصة بن معبد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد ). وأيضاً حديث علي بن شيبان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ).وعند جمهور أهل العلم أن الصلاة خلف الصف صحيحة، يعني لو جاء فرد وصلى خلف الصف فإن صلاته صحيحة، الحنفية والمالكية والشافعية كلهم يصححون صلاته، واستدلوا على ذلك بحديث أنس أنه قال: ( قمت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من خلفنا )، فالعجوز صلت خلف الصف منفردةً.وأيضاً قالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه، وفي أثناء الإدارة أدى جزءاً من الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً توسط في هذه المسألة وقال: بأن المصافة واجبة لحديث وابصة وحديث علي بن شيبان رضي الله تعالى عنهما، لكن تسقط بالعجز عنها، فإذا عجز عنها المأموم سقطت، فإذا جاء والصف مكتمل فإنه يصف خلف الصف، ويسقط عنه واجب المصافة، وهذا القول هو الصواب، وهو توسط بين الرأيين. فعلى هذا نقول: بأنه تجب المصافة لحديث علي بن شيبان ووابصة ، إلا إذا كان الإنسان لا يتمكن من ذلك، لا يتمكن لكون الصف مكتملاً فنقول: بأنه يصلي خلف الصف وصلاته صحيحة. قال المؤلف رحمه الله: (لم تصح..) إلى آخره. هذا إذا كان المأموم واحداً فإن موقفه كما تقدم السنة أن يكون عن يمين الإمام، ولو صلى عن يسار الإمام فذكرنا أن الصواب ما عليه جمهور أهل العلم وأن صلاته صحيحة. إن كان المأموم أكثر من واحد فإن السنة أن يصلوا خلف الإمام، ولو صلوا من على يمينه ويساره فإن هذا صحيح ولا بأس به، وكان في أول الإسلام إذا كانوا ثلاثة يصف واحد عن يمين الإمام، والآخر عن يسار الإمام، وابن مسعود رضي الله تعالى عنه خفي عليه النسخ، فلما فاتته الصلاة جعل علقمة عن يمينه والأسود عن يساره، لكن هذا نسخ كما في حديث سعد رضي الله تعالى عنه، والسنة أن يصلي المأمومون خلف الإمام، كما أدار النبي صلى الله عليه وسلم جابراً وجباراً خلفه.

    موقف المرأة من الإمام
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن تكون امرأةً فتقف وحدها خلفه]. المرأة لا تخلو من أمرين: إما أن تكون مع النساء, أو تكون مع الرجال، فإن كانت مع الرجال فإنها تقف خلف الصف، حتى ولو كان الصف غير مكتمل، وحتى ولو كان الإمام محرماً لها. وعلى هذا لو أن رجلاً صلى بزوجته في الليل مثلاً فإن السنة أن تقوم المرأة خلفه، أو فاتته الصلاة وصلى مع أهله فإن السنة أن تقوم المرأة خلفه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها ).وأيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه فإنه قال: ( قمت أنا واليتيم وراءه والعجوز من خلفنا )، ولو وقفت عن يمين الإمام صح ذلك، لكن السنة أن تقف وراء الإمام وراء الصف كما سبق الدليل لذلك.أما إذا كانت المرأة مع نساء فحكمها حكم الرجل مع الرجال، إن كانت واحدة تقف عن يمينها، وإن كن أكثر من واحدة فإنهن يقفن عن يمين الإمامة وعن يسارها هذا هو الأفضل، وإن كانت واحدة فإنها لا تقف خلف الصف إلا إذا كان الصف مكتملاً تجب المصافة، كما أن الرجل لا يقف خلف الصف إلا إذا كان الصف مكتملاً كما قلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وعلى هذا نقول: المرأة مع النساء كالرجل مع الرجال، إلا أن إمامة النساء تقف في وسطهن لورود ذلك عن أم سلمة وعائشة كما سيأتي إن شاء الله، لكن إن وقفت المرأة خلف الصف لا تصح صلاتها إلا إذا كان الصف مكتملاً، ولو وقفت المرأة خلف المرأة نقول: لا تصح صلاتها، يجب أن تقف عن يمينها، ولو وقفت عن يسارها فسبق أن أشرنا أن وقوفها صحيح كما عليه جمهور أهل العلم لكن تركت السنة.

    موقف جماعة المأمومين من الإمام
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كانوا جماعةً وقفوا خلفه]. وهذا كما قلنا: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أدار جابراً وجباراً ، فإن أحدهما قام عن يمينه، والآخر قام عن يساره فأدارهما النبي صلى الله عليه وسلم خلفه )، وأيضاً هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم وكان أصحابه يقومون خلفه.قال المؤلف رحمه الله: [فإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح]. يعني إذا كانوا ثلاثة فأكثر ووقفوا عن يمينه أو عن يمينه ويساره صح ذلك لكن تركوا الفضيلة، وسبق أن أشرت أنه كان في أول الإسلام إذا كانوا ثلاثة فإن أحدهما يقوم عن يمين الإمام، والآخر يقوم عن يسار الإمام، وذكرنا أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه صلى وجعل علقمة عن يمينه، والأسود عن يساره، لكن خفي عليه النسخ. فالصواب: أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ كما في حديث سعد رضي الله تعالى عنه الثابت في صحيح مسلم .قال المؤلف رحمه الله: [فإن وقفوا قدامه أو عن يساره لم تصح]. هذا تكلمنا عليه، وقلنا: الصواب في هذه المسألة أن المأموم إذا وقف قدام الإمام أنها تصح عند العجز، عند الضرورة يصح كما في حال الزحام إلى آخره. أو عن يساره لم تصح، أيضاً ذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أنه إذا وقف المأموم عن يسار الإمام فإن الصلاة صحيحة كما عليه جمهور أهل العلم، لكن ترك الأفضل.

    موقف المرأة إذا أمّت النساء
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن صلت امرأة بنساء قامت معهن في الصف وسطهن]. هذا على سبيل الاستحباب والفضيلة، ويجوز أن تتقدم المرأة كالرجال، لكن الأفضل أن تصلي في وسطهن، تكون إمامتهن وسطهن؛ لأن هذا وارد عن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما بأسانيد صحيحة.

    موقف إمام الرجال العراة
    قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك إمام الرجال العراة يقوم وسطهم]. لو فرض أن هناك جماعةً عراةً سلبت ثيابهم ثم حضرت الصلاة فأرادوا أن يصلوا، فإن إمامهم يقوم وسطهم وجوباً؛ لأن هذا أستر عن النظر إلى العورة، إذ إن النظر إلى العورة محرم ولا يجوز؛ لقول الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] ، إذا كانوا عراةً الإمام يقوم في وسطهم وجوباً، أما بالنسبة لإمامة النساء فإنها تقوم في وسطهن استحباباً.

    كيفية ترتيب الصفوف في الصلاة
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء قدم الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء]. هذا إذا اجتمعوا دفعةً واحدة، أما إذا لم يجتمعوا دفعةً واحدة فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به. فنقول: من يلي الإمام؟ نقول: هذه المسألة لا تخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يسبق أحد إلى هذا المكان الفاضل، فمن سبق إليه فهو أحق به، وثبت في صحيح مسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقيم الرجل أخاه من مجلسه ) هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا إذا سبق الصبي إلى هذا المكان الفاضل نقول: هو أحق به، ومن سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به ولا يقام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يقيم الرجل أخاه من مجلسه ثم يقعد فيه، سبق الجاهل نقول: هو أحق به.الحالة الثانية: أن يؤتوا دفعةً واحدة فهنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى )، أصحاب الأحلام يعني: البالغون العقلاء هم الذين يلون النبي صلى الله عليه وسلم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الذين يلون الإمام، فإذا جاءوا دفعةً واحدة فإنه كما ذكر المؤلف رحمه الله نبدأ بالرجال البالغين، ثم الصبيان الذين لم يبلغوا، ثم بعد ذلك الخناثى؛ لأن الخنثى يحتمل أن يكون ذكراً، ثم بعد ذلك النساء؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها ).

    ما تدرك به الجماعة
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة]. تدرك الجماعة على ما ذهب إليه المؤلف بتكبيرة الإحرام، فإذا كبر قبل أن يسلم الإمام التسليمة الأولى قال: الله أكبر قبل أن يسلم الإمام التسليمة الأولى أدرك صلاة الجماعة، والعلة في ذلك قالوا: أنه أدرك جزءاً من الصلاة، فكما لو أدرك ركعةً من الصلاة.والرأي الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، وهذا القول هو الصواب؛ ويدل له حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، نعم هذا هو الصواب في هذه المسألة. وعلى هذا إذا جاء الشخص والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة فإن كان يظن أن أحداً سيأتي فإنه لا يدخل مع الإمام؛ لأن الجماعة قد فاتت وينتظر حتى يأتي أحد فيصلي معه، وإن كان يظن أنه لن يأتي أحد فإنه يدخل مع الإمام.

    ما تدرك به الركعة
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا]. بم تدرك الركعة؟ يقول المؤلف رحمه الله: بأن الركعة تدرك بإدراك الركوع، فإذا أدركت الركوع مع الإمام، جئت وركعت مع الإمام فقد أدركت الركعة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله. واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، ( فإن أبا بكرة جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف، ثم دخل بعد ذلك في الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد )، وإنما فعل أبو بكرة رضي الله تعالى عنه ذلك لكي يدرك الركعة. وقد ورد أيضاً في حديث أبي هريرة في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ).الرأي الثاني: ذهب إليه ابن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: بأنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع، فلو أنه ركع مع الإمام فإنه لا يكون مدركاً للركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا )، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالقضاء، وهذا الرجل فاته ركن من أركان الصلاة، فيجب عليه أن يقضيه، فاتته قراءة الفاتحة والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) والقيام لها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما فاتكم فاقضوا )، فإذا كان كذلك فإنه يجب عليه أن يقضي هذا الذي فاته، وحينئذ لا يكون مدركاً للركعة لأمره بقضاء ما فاته، ولما فاته هذا الركن فيجب عليه أن يقضيه، هذا ما احتج به من قال: بأنه لا يكون مدركاً للركعة بإدراك الركوع. والصواب: ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، هذا هو الصواب. ويجاب عن هذا الاستدلال نقول: بأن هذا الاستدلال سقط قضاؤه؛ لأن قراءة الفاتحة وإن كانت ركناً سقطت بفوات محلها، نقول: فات محلها وهو القيام فسقطت. وأيضاً: جواب آخر أن الشارع في قوله عليه الصلاة والسلام: ( وما فاتكم فاقضوا ) هذا عام خص منه ما إذا جاء وأدرك الركوع مع الإمام فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لما ذكرنا من دليل جمهور أهل العلم رحمهم الله. ومتى يكون مدركاً للركعة؟ قلنا: إذا أدرك الركوع، لكن متى يكون مدركاً للركوع مع الإمام؟ نقول: بأنه يكون مدركاً للركوع مع الإمام إذا اجتمع معه في الركوع المجزئ، إذا اجتمع مع الإمام في الركوع المجزئ فإنه يكون مدركاً للركوع، فإذا كان الإمام منحنياً بحيث إنه يسمى راكعاً، ثم انحنى المأموم واجتمع معه في الانحناء بحيث إن كلاً منهما يسمى راكعاً فإنه حينئذ يكون أدرك الركوع، فأدرك الركعة، حتى وإن لم يسبح فإنه يطمئن ويسبح، فالعبرة بوضع الإمام، فإذا كان الإمام لا يزال يسمى راكعاً، ثم جاء المأموم وانحنى بحيث كل منهما يسمى راكعاً، واجتمعا في ذلك لحظة حينئذ يكون المأموم قد أدرك الركوع، فأدرك الركعة. وضابط الركوع المجزئ كما تقدم لنا في صفة الصلاة: أن يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، فإذا كان الإمام لا يزال يسمى راكعاً ثم ركع معه المأموم واجتمع معه كل منهما يسمى راكعاً في لحظة، فإنه حينئذ يكون قد أدرك الركوع، ولو أن الإمام تحرك، قد يكون الإمام انخفض شديداً ثم تحرك، ثم جاء المأموم وركع معه، فاجتمع في الانحناء الذي يسمى ركوعاً، فنقول: حينئذ المأموم قد أدرك الركوع. وإذا شك المأموم هل أدرك أو لم يدرك؟ سلف لنا في سجود السهو إذا شك يعمل بغالب الظن، إن غلب على ظنه أنه أدرك يعمل بغالب الظن وأنه مدرك لهذه الركعة، إن غلب على ظنه أنه لم يدرك لا يحسب هذه الركعة، إذا شك ولم يترجح له شيء لا يحسب هذه الركعة، والسجود إن بنى على الأقل يسجد قبل السلام، وإن بنى على غالب الظن يسجد بعد السلام كما سلف لنا.

    صلاة المريض
    قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة المريض]. سيتكلم المؤلف رحمه الله عن صلاة المريض وصلاة المسافر وصلاة الخائف، وهذه يسميها العلماء رحمهم الله صلاة أهل الأعذار، فغير المؤلف يترجم بباب صلاة أهل الأعذار، ثم بعد ذلك يتكلم عن صلاة المريض، وصلاة المسافر، وصلاة الخائف.المرض في اللغة: هو السقم. وأما في الاصطلاح: فهو اعتلال الصحة. والمريض تجب عليه الصلاة ما دام عقله باقياً كالصحيح تماماً، فالصلاة لا تسقط أبداً، ما دام أن العقل باق، المريض لصلاته أحوال: الحالة الأولى: أن يصلي قائماً؛ لأن هذا هو الأصل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين رضي الله تعالى عنه: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ).نقول: يجب على المريض أن يصلي قائماً، ولو كان معتمداً على عصا، أو كان متكئاً، أو كان مستنداً إلى آخره، فنقول: الأصل أنه يجب عليه أن يصلي قائماً ما دام أنه يستطيع لذلك، هذه الحالة الأولى. ثم بعد ذلك ينتقل للحالة الثانية ( فإن لم تستطع فجالساً )، ما المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ( فإن لم تستطع )؟ نقول: يراد بها أمران: الأمر الأول: ألا يستطيع بالكلية، يعجز بالكلية.الأمر الثاني: أن تلحقه مشقة ظاهرة يستطيع أن يصلي قائماً لكن مع المشقة الظاهرة، بحيث إنه يصحبه من القلق والتعب ما يود أن يجلس، فنقول هنا: يصلي جالساً. نقول: ينتقل إلى الحالة الثانية وهي أن يصلي جالساً في حالتين: الحالة الأولى: ألا يستطيع أن يصلي قائماً، فنقول: صل جالساً.الحالة الثانية: أن يستطيع أن يصلي قائماً لكن تلحقه مشقة ظاهرة، بحيث يلحقه القلق والتعب، وقد يلحقه زيادة مرض… إلى آخره ما يرغب أن يصلي جالساً، فنقول هنا في هذه الحالة: صل جالساً.الحالة الثالثة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن لم تستطع فقاعداً ) يصلي جالساً، وكيف يصلي جالساً؟ نقول: يصلي جالساً في حال القيام يتربع، والتربع هو أن يجلس على إليتيه ويرد ساقه الأيمن إلى فخذه الأيمن، وساقه الأيسر إلى فخذه الأيسر، وأما بالنسبة ليديه فيضعهما على صدره كحال القيام تماماً، ويومئ بالركوع. السجود يسجد سجوداً تاماً إذا كان يستطيع، وإذا كان لا يستطيع السجود فإنه يومئ بالركوع والسجود ويكون سجوده أخفض من ركوعه. في حال القيام كما ذكرنا يصلي متربعاً؛ لما في النسائي : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى من الليل متربعاً ). وهذا وإن كان في إسناده شيء إلا أن أهل العلم رحمهم الله استدلوا به. في غير حال القيام يجلس، وفي حال الافتراش يعني كالصلاة العادية في حال الافتراش في الجلسة بين السجدتين يفترش، في التشهد الأخير في حال التورك يتورك، في حال الافتراش يفترش. المهم في غير حال القيام يصلي كهيئة الصلاة العادية فيفترش في مواضع الافتراش، ويتورك في مواضع التورك، هذه الحالة الثانية. ثم بعد ذلك الحالة الثالثة قال: ( فإن لم تستطع فعلى جنبك )، يصلي على جنب كما قلنا: ينتقل إلى الجلوس إذا لم يستطع أو إلى الصلاة على الجنب، ينتقل من الجلوس إلى الصلاة على الجنب في حالتين: الحالة الأولى: إذا لم يستطع. والحالة الثانية: إذا لحقته مشقة ظاهرة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [16]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (25)


    بينت السنة كيفيات مختلفة لصلاة المريض تبعاً لحالته، فالأصل أن يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن عجز عن هذا كله أومأ إيماءً، ويجوز له ولأهل الأعذار الجمع بين الصلاتين في السفر عند الجمهور، واختلفوا في الجمع في الحضر، وأوسع المذاه
    تابع صلاة المريض

    أحوال المريض
    تقدم لنا شيء من أقسام الإمامة والائتمام، وذكرنا من ذلك موقف المأموم، وذكرنا أن المأموم لا يخلو أن يكون رجلاً أو امرأةً، فإن كان رجلاً فإن موقفه عن يمين الإمام إن كان واحداً، وذكرنا حكم ما إذا وقف عن يسار الإمام هل تصح صلاته أو لا تصح صلاته؟ وإن كان أكثر من واحد فذكرنا أن السنة أن يقف خلف الإمام، وإن وقفوا عن جانبيه يمينه وشماله فإن هذا صحيح. وتكلمنا أيضاً عن حكم التقدم على الإمام، وكذلك أيضاً حكم الصلاة منفرداً خلف الصف، وأن الأقرب في هذه المسألة أنه تسقط المصافة بالعجز عنها، كما لو كان الصف مكتملاً. وأيضاً تكلمنا عن موقف المرأة مع الرجال، وموقف المرأة مع النساء.. إلى آخره، وكذلك أيضاً إمامة النساء أين تقف، وكذلك أيضاً إمام العراة أين يقف إلى آخره. وحكم ما إذا اجتمع الرجال والصبيان والنساء فمن يقدم للأمام.. إلى آخره، وهل تدرك الركعة بإدراك الركوع.. إلى آخره.ثم بعد ذلك شرعنا في صلاة المريض، وذكرنا أن المريض له أحوال: الحالة الأولى: أن يتمكن من الصلاة قائماً، فهذا هو الواجب؛ لقول الله عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] .وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين : ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ).ثم بعد ذلك الحالة الثانية: أن يصلي جالساً، وذكرنا كيفية الجلوس وأنه يتربع في موضع القيام، وما عدا ذلك فيفترش في موضع الافتراش، ويتورك في موضع التورك، وذكرنا أنه يومئ بالركوع، وأما السجود فإنه يسجد سجوداً تاماً.ثم بعد ذلك الحالة الثالثة: أن يصلي على جنب، إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصلي قاعداً فإنه يصلي على جنبه، ودليل ذلك حديث عمران رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ).الحالة الثالثة: أن يصلي على جنبه، وكما سلف ينتقل من القعود إلى الصلاة على الجنب في حالتين:الحالة الأولى: إذا لم يستطع أن يصلي قاعداً.الحالة الثانية: إذا كان في صلاته قاعداً مشقة ظاهرة تلحقه بحيث يقلق ويتعب ويريد أن يضطجع فنقول هنا: يصلي على جنبه. وهل الأفضل أن يصلي على الجنب الأيمن أو الجنب الأيسر؟ قال بعض العلماء: الأفضل: أن يكون على جنبه الأيمن؛ لورود ذلك في حديث علي ، لكن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا نقول: الأفضل للمريض أن يفعل ما هو الأرفق به والأيسر عليه، فإذا كان الأرفق به أن يصلي على الأيسر صلى على الجانب الأيسر، وإن كان الأرفق أن يصلي على الأيمن صلى على الجانب الأيمن؛ لأن صلاة المريض على هذه الكيفية إنما شرعت تخفيفاً وتيسيراً ورفقاً بالمريض، وعلى هذا فنقول: بأنه يفعل ما هو الأرفق به.

    صلاة المريض على ظهره
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن شق عليه فعلى ظهره]. هل هذه مرتبة مستقلة أو أنها داخلة في المرتبة الثالثة؟ الصلاة على الظهر، كون المريض يصلي على ظهره ورجلاه إلى القبلة هل هذه مرتبة مستقلة بحيث إنه لا يصلي على ظهره حتى يعجز عن الصلاة على جنبه، أو يشق عليه الصلاة على جنبه، أو أن له أن يصلي على ظهره وهو قادر؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فمن العلماء من جعلها مرتبةً مستقلة، وأن المريض ليس له أن يصلي على ظهره حتى يعجز عن الصلاة على جنبه، أو تلحقه مشقة ظاهرة، وبعض العلماء لم يجعلها مرتبةً مستقلة فرخص للمريض أن يصلي على جنبه، وإن شاء أن يصلي على ظهره فله ذلك، وهذا القول هو الأقرب؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن لم يستطع فعلى جنبه )، الظهر قريب من الجنب، فالهيئة واحدة. وعلى هذا نقول: إذا كان الإنسان مريضاً وكان الأرفق به أن يصلي على ظهره ورجلاه إلى القبلة فإن هذا جائز ولا بأس به.

    العجز عن الركوع والسجود
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ إيماءً]. إذا صلى قاعداً فإنه بالنسبة للركوع يومئ إيماءً؛ لأنه لا يستطيع القيام أو يشق عليه القيام، بالنسبة للسجود يسجد سجوداً تاماً، إن عجز عن السجود فإنه يومئ أيضاً بالسجود، إذا صلى على جنبه فإنه يومئ بالسجود والركوع، ويكون إيماؤه إلى صدره.

    صلاة المريض بالإيماء
    المرتبة الرابعة أضاف بعض العلماء: إذا لم يستطع الإيماء فإنه يصلي بطرفه، يعني: يصلي بعينيه، إن كان لا يستطيع أن يومئ برأسه فقال بعض العلماء: يومئ بطرفه يعني: بعينه، فيفتح عينيه، ثم بعد ذلك في حال الركوع يغلقهما قليلاً، ثم في حال السجود يغلقهما أكثر.. وهكذا يومئ بطرفه. ولكن حديث علي الوارد بالإيماء بالطرف هذا ضعيف، وعلى هذا لا توجد عندنا هذه الحالة، ما دام أنه لم يثبت فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم نقول: هذه الحالة لا ترد علينا، فالصلاة بالطرف هذه لا وجود لها في الشرع.كذلك أيضاً بعض العامة يضيف الصلاة بالإصبع، وأنه يصلي بإصبعه ويحرك إصبعه عند الركوع ويحركه عند السجود إلى آخره، وهذه الصفة لا وجود لها لا في الشرع ولا في كلام العلماء رحمهم الله، فالصلاة بالإصبع هذه ليس لها وجود. وعلى هذا نقول: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يومئ برأسه فإنه يصلي بقلبه، فيستحضر بقلبه أنه ركع، ثم يتلفظ إن قدر أن يحرك لسانه بألفاظ الركوع حركها، إذا لم يقدر فإنه يستحضر أقوال الصلاة، يستحضر أنه قام، وأنه ركع، وأنه سجد.. إلى آخره، الأذكار إن كان يستطيع أن يأتي بها في لسانه أتى بها في لسانه، إذا لم يستطع فإنه أيضاً يستحضرها. فأصبحت عندنا المرتبة الرابعة: الصلاة بالقلب، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يرى هذه الحالة، والصواب: إثباتها، وأن الصلاة لا تسقط ما دام عقل المكلف باقياً، وهذا يدل على عظم الصلاة، وأن الإنسان يؤدي الصلاة على حسب استطاعته في هذه المراحل الأربع، ويدل أيضاً على يسر الشريعة ورحمتها بالمكلف، ويدل أيضاً على عظم شأن الوقت، فتلخص لنا أن صلاة المريض لها أربع حالات: الحالة الأولى: أن يصلي قائماً.الحالة الثانية: أن يصلي قاعداً.الحالة الثالثة: أن يصلي على جنبه.الحالة الرابعة: أن يصلي في قلبه.

    قضاء المغمى عليه ما فاته من الصلاة
    قال المؤلف رحمه الله: [وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه]. لو أن الإنسان أغمي عليه لمدة يوم أو يومين أو شهر أو شهرين إلى آخره، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله كما ذكر المؤلف أن عليه أن يقضي كل الصلوات التي أغمي فيها، وسواء كان الإغماء باختياره أو بغير اختياره، باختياره كما لو تناول دواءً كالبنج مثلاً ثم بعد ذلك أغمي عليه لمدة يوم أو يومين فإنه إذا أفاق من بنجه فإنه يقضي الصلوات التي عليه، أو كان بغير اختياره مثل ما يحدث الآن لبعض المصابين -نسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية- في الحوادث تجد أن الإنسان يصاب بحادث ثم يظل أسبوعاً أو أسبوعين إلى آخره وهو مغمىً عليه، أو قد يجلس شهراً أو شهرين… إلى آخره وهو مغمىً عليه ثم يفيق بعد ذلك. فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يجب عليه أن يقضي، سواء طالت المدة أو قصرت، وسواء كان الإغماء باختياره، أو كان بغير اختياره. واستدلوا بالقياس على النائم، فكما أن النائم يجب عليه القضاء فكذلك أيضاً المغمى عليه يجب عليه القضاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في النائم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، وكذلك أيضاً قالوا: بأن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه أغمي عليه لمدة ثلاث أيام ثم قضى.وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه إن أغمي عليه لأكثر من يوم وليلة، يعني صلوات أكثر من يوم وليلة فهذا لا يجب عليه القضاء، وإن أغمي عليه لمدة يوم وليلة فهذا يجب عليه القضاء.والرأي الثالث: رأي الشافعية، التفصيل بين الإنسان الذي يغمى عليه باختياره، والذي يغمى عليه بغير اختياره، فالذي يغمى عليه باختياره كما لو تناول دواءً كبنج ونحو ذلك فهذا يجب عليه القضاء، أما إذا كان الإغماء بغير اختياره كما لو سقط أو أصابه حادث فإنه لا يجب عليه القضاء إلا الصلاة التي أفاق في وقتها، يعني أدرك من وقتها قدر ركعة وهو مفيق، أو أغمي في وقتها وهو لم يصلها، أدرك من وقتها قدر ركعة فهذا يجب عليه القضاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ). وهذا القول هو الأقرب، فنقول: إن أغمي على الإنسان في حال الاختيار يجب عليه أن يقضي، إن أغمي عليه في غير حال الاختيار نقول: لا يجب عليه القضاء إلا إن أغمي عليه في وقت الصلاة، بحيث أدرك من وقتها قدر ركعة، أو أفاق في وقت الصلاة بحيث أدرك من وقتها قدر ركعة لعموم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ). وفرق بين المغمى عليه والنائم، فإن النائم يستيقظ بالإيقاظ بخلاف المغمى عليه، فإنه لا يستيقظ بالإيقاظ فحاله قريب من حال فاقد العقل، وفاقد العقل لا تثريب عليه، وعلى هذا ذكرنا أن الأقرب أنه إذا أغمي عليه بغير اختياره أنه لا قضاء عليه.
    الجمع بين الصلاتين

    الجمع في الحضر
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر..] إلى آخره. هنا تكلم المؤلف رحمه الله عن الجمع، والجمع له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون في السفر.والحالة الثانية: أن يكون في الحضر.أما الحالة الأولى، وهي أن يكون في السفر فسيشير إليها المؤلف رحمه الله في آخر هذا الباب، فإنه قال في آخر الباب: ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر.أما الحالة الثانية: أن يكون في حال الحضر، فهذا يجوز الجمع، لكن متى يجوز الجمع؟ الجمع يجوز في حال العذر، لكن اختلف العلماء رحمهم الله في العذر الذي يجوز الجمع في الحضر هل هو معدود أو أنه مضبوط ومحدود؟ على رأيين: الرأي الأول: وهو قول أكثر أهل العلم الذين يجوزون الجمع مثل المالكية والشافعية والحنابلة، أما الحنفية فعندهم لا يجوز الجمع لا في الحضر ولا في السفر، فلا يجوزون إلا جمع عرفة يوم عرفة، وأيضاً لا يجوز إلا خلف الإمام الأعظم، ولا يجوزون إلا جمع مزدلفة فقط خلف الإمام الأعظم ما عدا ذلك فإنهم لا يجوزونه، فالحنفية أقفلوا باب الجمع، فأضيق المذاهب في باب الجمع مذهب الحنفية، وأوسع المذاهب في باب الجمع مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فالخلاصة عندنا الجمع في الحضر هل هو مضبوط بضابط أو أنه معدود؟ قلنا: بأن أكثر أهل العلم الذين يجوزون الجمع كالمالكية والشافعية والحنابلة لا يقولون بأنه مضبوط، وإنما يقولون بأنه معدود، فيعددون الأعذار، يجوز الجمع في الحضر بعذر المرض، بعذر المطر، بعذر الوحل، بعذر الريح الباردة الشديدة.. إلى آخره، تجد أنهم يعددون أعذاراً، فما عدا هذه الأعذار لا يجوزون الجمع فيها. وهم يختلفون في هذه الأعذار، فمنهم من يثبت الجمع في حال المرض، ومنهم من لا يثبت الجمع في حال المرض، مثلاً الإمام أحمد ومالك يقولون بالجمع في حال المرض، الشافعي يقول: لا يجمع المريض.. إلى آخره، منهم من يثبت الجمع في حال الريح الباردة الشديدة، منهم من لا يثبت ذلك.. إلى آخره. المهم أنهم يقولون: الأعذار معدودة وليست محدودة، الدليل على ذلك أن هذه الأعذار هي التي ورد بها الأثر.الرأي الثاني: أن الجمع في حال الحضر عذره ليس معدوداً, وإنما هو محدود مضبوط بضابط، وهذا الضابط هو الحرج والمشقة، فمتى كان في ترك الجمع حرج ومشقة ظاهرة فإن الإنسان يجوز له أن يجمع، وهذا قال به ابن سيرين وابن شبرمة … إلى آخره. وقبل سنوات قرأت كتاباً ألف في هذا (إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر)، وذهب مؤلف هذا الكتاب إلى ترجيح الجمع بين الصلاتين في الحضر لعذر المشقة الظاهرة؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر )، وفي رواية ( من غير خوف ولا مطر )، وهذا في صحيح مسلم ، وسئل عن ذلك فقال: ( أراد ألا يحرج أمته ). فقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أراد ألا يحرج أمته ) دليل على أنه متى كان في الجمع حرج ومشقة فإنه يجوز الجمع، متى لحق الأمة حرج ومشقة في الجمع فإنه يجوز الجمع، وهذا القول هو الأقرب وهو الذي دل له حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فنقول: إذا كان في الجمع حرج ومشقة يجوز الجمع، وبهذا نعرف أنه لو حصل مطر هل يجوز الجمع أو لا يجوز الجمع؟ ننظر هل فيه حرج ومشقة على الناس أم لا؟ إذا كان الناس إذا خرجوا لحقهم حرج ومشقة بكثرة الأمطار وكثرة المياه في الطرقات، أو الوحل وهو الطين الرقيق، أو الرياح الشديدة، أو الجليد، أو الغبار الذي يؤثر على صحة الإنسان وغير ذلك… إلى آخره نقول: يجوز الجمع في هذه الحالة. لكن أيضاً علينا ألا نفرط في هذا الباب؛ لأن أحاديث المواقيت كالجبال، النبي عليه الصلاة والسلام بين مواقيت الصلاة قولاً وفعلاً في حديث ابن عباس في إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام حديث جابر ( أنه أم النبي عليه الصلاة والسلام لما فرضت عليه الصلاة في أول الوقت وفي آخره )، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً بين المواقيت كما في حديث عبد الله بن عمرو ، حديث أبي هريرة ، حديث أبي موسى ، حديث بريدة رضي الله تعالى عن الجميع.

    حكم جمع التقديم والتأخير
    قال المؤلف رحمه الله: [فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين في وقت أحدهما].ترجح لنا أن الجمع يجوز بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء لعذر المشقة الظاهرة، إذا كان هناك حرج ومشقة ظاهرة فإنه يجوز الجمع، وذكرنا أيضاً أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله عدم جواز الجمع، وأن الحنفية رحمهم الله لا يجوزون إلا الجمع الصوري، ورأي الحنفية رحمهم الله فيه نظر؛ لأنه مخالف للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، وكما أشرنا إليه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. بل قال بعض العلماء: بأن الجمع الصوري هذا ليس فيه تخفيف بل فيه زيادة حرج ومشقة؛ لأن صورة الجمع الصوري أن يؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وأن يقدم الصلاة الثانية في أول وقتها، فمثلاً إذا أراد أن يجمع بين الظهرين يؤخر الظهر إلى آخر وقته، ثم بعد ذلك يقدم العصر في أول وقتها، فينتهي من الظهر ثم يدخل الوقت ثم يفعل العصر، فهو يحتاج أن يراقب خروج الوقت ودخوله وهذا فيه حرج ومشقة على المكلف. فالقول بالجمع الصوري كما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله هذا غير ظاهر.

    شروط جمع التقديم
    إذا أراد الإنسان أن يجمع فإنه لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يجمع جمع تقديم.والأمر الثاني: أن يجمع جمع تأخير.فإن أراد أن يجمع جمع تقديم فإنه يشترط لذلك شروط. قال المؤلف رحمه الله: [فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند فعلها]. يعني: إذا أردت أن تجمع بين المغرب والعشاء لا بد أن تنوي نية الجمع، لا بد أن نفهم أنه ليس المراد نية الصلاة، هذه نية الصلاة لا بد منها، فأنت إذا أردت أن تجمع بين المغرب والعشاء كونك تنوي أن هذه المغرب وأن هذه العشاء هذا شرط من شروط صحة الصلاة، لكن الذي اشترطه المؤلف رحمه الله هو نية الجمع، يعني إذا أردت أن تكبر للمغرب تنوي أنك ستجمع معها العشاء، ففرق بين نية الجمع ونية الصلاة، نية الصلاة هذه شرط لصحة الصلاة، نية الجمع شرط لصحة الجمع. وعلى هذا على كلام المؤلف رحمه الله لو أن الإنسان مسافر ثم صلى المغرب ولم ينو الجمع، ثم لما انتهى من الصلاة بدا له أن يجمع العشاء هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ على كلام المؤلف رحمه الله ليس له ذلك؛ لأنه لم ينو الجمع، لا بد أن ينوي الجمع. وكذلك أيضاً لو فرض أننا صلينا المغرب ثم بعد ذلك جاءت الأمطار فهل للإمام أن يجمع بنا أو ليس له أن يجمع بنا؟ على كلام المؤلف ليس له أن يجمع بنا. ولو فرض أن الإنسان كان صحيحاً ثم صلى المغرب، ثم لحقته علة فأراد أن يجمع العشاء ليس له ذلك.. إلى آخره، اشتراط نية الجمع هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن نية الجمع ليست شرطاً؛ لعدم ورودها عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ظاهر فعل النبي عليه الصلاة والسلام أن نية الجمع ليست شرطاً؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا أراد أن يجمع قال للصحابة: إنه يريد أن يجمع، يخبرهم لكي ينووا، ظاهر فعل النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي الصلاتين ثم بعد ذلك يتابعه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنقول الصواب في هذا: إن هذا الشرط فيه نظر، إن نية الجمع ليست شرطاً.قال المؤلف رحمه الله: [ويعتبر استمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما]. هذا الشرط الثاني، الشرط الثاني على المشهور من المذهب: لا بد من وجود العذر، عند افتتاح الأولى والثانية وعند السلام من الأولى، لا بد من وجود العذر، لا بد أن يوجد العذر عند افتتاح الأولى وافتتاح الثانية وعند سلام الأولى.وعلى هذا إذا لم يكن العذر موجوداً فإنه لا يصح الجمع، نقول: لا بد أن يوجد العذر عند افتتاح الصلاة الأولى، فإذا أردنا أن نجمع المغرب مع العشاء لمطر أو مرض أو رياح شديدة أو غير ذلك لا بد أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح صلاة المغرب، ولا بد أيضاً أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح صلاة العشاء، وأيضاً لا بد أن يكون العذر موجوداً عند السلام من صلاة المغرب هذا هو المشهور من المذهب. والعلة في ذلك قالوا: لا بد من وجود العذر عند افتتاح الأولى هذا يبنونه على الشرط الأول؛ لأن افتتاح الأولى هو موضع النية، فلا بد أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الأولى، ولا بد أيضاً من وجود العذر عند افتتاح الثانية؛ لأن افتتاح الثانية هو محل الجمع، فلا بد أن يكون العذر موجوداً عندها، السلام من الأولى وافتتاح الثانية هو موضع الجمع، فلا بد أن يكون العذر موجوداً. وإذا كان كذلك فنقول: الصواب في ذلك أنه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الثانية فقط؛ لأن هذا هو محل الجمع، وعلى كلام المؤلف رحمه الله: لو أن الإنسان لم يكن مريضاً عند افتتاح الأولى ثم لحقته علة وأصبح مريضاً فأراد أن يجمع يقول المؤلف رحمه الله: ليس له أن يجمع؛ لأنه اشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الأولى. والصواب في هذا أنه يقتصر على وجود العذر عند افتتاح الثانية؛ لأن هذا هو محل الجمع. وكما أيضاً أشرنا في المثال السابق لو لم يكن هناك أمطار عند افتتاح الأولى وحصلت الأمطار في أثناء صلاة الأولى أو بعد الفراغ منها فأراد الناس الجمع ليس لهم أن يجمعوا؛ لأن العذر ليس موجوداً عند افتتاح الأولى، والصواب كما أسلفنا أنه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الثانية؛ لأن افتتاح الثانية هو موضع الجمع.قال المؤلف رحمه الله: [ولا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء]. هذا الشرط الثالث: الموالاة، الشرط الثالث: أن يوالي بين الصلاتين، فلا يفرق بين الصلاتين إلا بقدر الوضوء الخفيف والإقامة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وعلى هذا لو فرق بينهما أكثر من ذلك فإنه لا يصح الجمع، وعند الشافعية: أنه تشترط الموالاة لكن التفريق بين الصلاتين لم يحدوه بقدر الوضوء والإقامة، وإنما قدروه بالفاصل اليسير، قالوا: إن فرق بين الصلاتين بفاصل يسير عرفاً فلا بأس، وإن كان الفاصل كثيراً عرفاً فإنه لا يصح الجمع.والرأي الثالث اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن اشتراط الموالاة يبطل مقصود الرخصة، وعلى كلام الشيخ رحمه الله لو أن إنساناً مسافراً صلى المغرب ثم بعد أن مضى نصف ساعة أو ساعة إلا ربع يصلي العشاء قال: له أن يجمع، ولو أن مسافراً صلى الظهر وبعد ساعة قال: أريد أن أجمع مع العصر هذا أيضاً على كلام الشيخ لا بأس بذلك، أنه لا تشترط الموالاة، أما عند الحنابلة والشافعية… إلى آخره فقالوا: لا يصح ذلك، لا بد من التوالي بين الصلاتين، لكن الحنابلة كما أسلفنا رخصوا في مقدار الإقامة والوضوء الخفيف، والشافعية رخصوا في الفاصل اليسير عرفاً، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الموالاة ليست شرطاً. والأحوط في هذا أن الإنسان يوالي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام والى بين الصلاتين، لم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فرق بينهما، نقول: الأحوط للإنسان أن يوالي بين الصلاتين المجموعتين. وأيضاً نعلم أنه يجوز الجمع في أول الوقت، في وسط الوقت، في آخر الوقت، يعني لا بأس للإنسان أن يجمع بين الظهرين في أول وقت الظهر، يجمع بين الظهر والعصر في وسط وقت الظهر، يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، ليس بشرط أن يكون الجمع في أول الوقت كما يتوهم بعض الناس، سواء جمع في أول الوقت أو في وسط الوقت أو في آخر الوقت هذا كله جائز ولا بأس به. هذه شروط الجمع في وقت الأولى إذا أراد أن يجمع جمع تقديم, فتلخص لنا أن نية الجمع هذه ليست شرطاً، وأنه يشترط أن يوجد العذر عند افتتاح الثانية هذا الشرط؛ لأن العذر هو سبب الجمع، وعند افتتاح الثانية هو محل الجمع فلا بد من وجوبه. وأما بالنسبة للتوالي فعند شيخ الإسلام لا يشترط، فأصبح عنده شرط واحد فقط: العذر، وقلنا: الأحوط للإنسان أن يوالي، فأصبح هذان الشرطان.

    شروط جمع التأخير
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها]. إذا جمع جمع تأخير فإنه يشترط شرطان: الشرط الأول: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، وهذا ظاهر، لا بد أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زال السبب زال الحكم المرتب عليه. وهذه أيضاً مسألة يخطئ فيها كثير من الناس. تجد أن بعض الناس ينوي جمع التأخير وهو مسافر ثم يقدم البلد في الأولى فيقول: أجمع جمع تأخير. وهذا لا يجوز، فلا بد أن تصلي الأولى في وقتها فقد زال السبب الآن. سبب الجمع زال وهو السفر، فيجب عليك أن تصلي الصلاة في وقتها. مثل ذلك أيضاً: لو أن مريضاً نوى جمع التأخير.. الظهر يؤخرها إلى العصر، ثم بعد ذلك في أثناء وقت صلاة الظهر شفاه الله عز وجل نقول: يجب عليك أن تبادر، وأن تصلي الصلاة في وقتها.الشرط الأول: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.قال المؤلف رحمه الله: [وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها]. أيضاً هذا الشرط الثاني أن ينوي الجمع؛ لأن الإنسان يؤخر الصلاة، قد يؤخر الصلاة بنية الجمع، وقد يؤخر الصلاة بغير نية الجمع، فلا بد من النية التي تحدد هذا العمل، هو الآن أخر الصلاة قد يكون أخر الصلاة بنية الجمع، وقد يكون أخر الصلاة بغير نية الجمع، فلا بد من النية التي تبين المراد. بعض أهل العلم قال: بأن المسافر لا يجب عليه ذلك، كونه ينوي الجمع في وقت الثانية قال: بأنه لا يجب عليه ذلك، يعني كونه ينوي أن يجمع الأولى إلى الثانية، قال: لأن المسافر أصبح الوقتان في حقه وقتاً واحداً. وقوله: (قبل أن يضيق عن فعلها) يجب عليه أن ينوي جمع الأولى إلى الثانية قبل أن يضيق وقت الفعل، فإن ضاق وقت الفعل هنا لا يجوز؛ لأنه الآن تحتم عليه أن يفعل هذه الصلاة، يعني لو أن الإنسان أخر الظهر حتى بقي على وقت العصر مقدار فعل الظهر، يعني عشر دقائق أو ثمان دقائق مثلاً فقال: أنوي الجمع.نقول هنا: لا يجوز لك أن تنوي الجمع، بل يتحتم عليك أن تفعل الصلاة في وقتها الظهر، ولا يجوز لك أن تنوي الجمع؛ لأنه الآن تضايق الوقت، كونك تؤخرها إلى هذا الوقت هذا لا يجوز، تؤخر الصلاة بلا نية الجمع إلى هذا الوقت هذا لا يجوز، لا بد أن تنوي قبل ذلك.

    الجمع في السفر
    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر، ويجوز في المطر بين العشاءين]. يجوز الجمع للمسافر، تقدم لنا الجمع إما أن يكون في حال الحضر، وإما أن يكون في حال السفر، وقول المؤلف رحمه الله: (يجوز الجمع للمسافر) ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يجوز الجمع مطلقاً للمسافر، سواء كان سائراً أم نازلاً، وسواء كان جمع تقديم أم جمع تأخير، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن المسافر يجوز له أن يجمع سواء كان جمعه جمع تقديم أو جمع تأخير وسواء كان نازلاً أو كان جاداً به السفر، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقال به أكثر أهل العلم.والدليل على هذا أنه يجوز للإنسان أن يجمع جمع تقديم وجمع تأخير، وسواء كان جاداً أو كان نازلاً ثبوت السنة بذلك، فمن ذلك حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع وهو نازل بالبطحاء بين الظهر والعصر جمع تقديم، وهذا الحديث في الصحيحين. في هذا إثبات الجمع في حال النزول، والنبي عليه الصلاة والسلام مقيم في البطحاء، وفيه أيضاً إثبات جمع التقديم. وأيضاً من الأدلة على ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وفيه جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، ففيه الجمع للمسافر وهو نازل، وفيه أيضاً جمع التقديم. وأيضاً من الأدلة على ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فإنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء )، وهذا في الصحيحين.وفي هذا جمع التأخير، وفيه أيضاً الجمع والإنسان جاد في السير.الرأي الثاني: أنه لا يجوز الجمع إلا لمن جد به السير، يعني الذي يسير هذا الذي يجمع، أما الذي نزل فهذا لا يجمع، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله، ومال إليه ابن القيم رحمه الله تعالى. واستدلوا بما سبق أن أوردناه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء )، فقالوا: في هذا الحديث ( إذا أعجله السير ) قالوا: بأنه يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، قالوا: هذا الحديث دليل على أن الإنسان يجمع إذا كان جاداً في السير، وهذا فيه نظر، فإنه كما سلف ثبت الجمع في حال النزول. فالصواب في هذا أن الجمع جائز مطلقاً، سواء كان الإنسان جاداً في السير أو كان نازلاً، وسواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير، هذا الصواب في هذه المسألة، وذكرنا الدليل على ذلك. لكن هل الأفضل للإنسان أن يجمع أو الأفضل أن يترك الجمع؟ نقول: إذا كان الإنسان سائراً فالسنة أن يجمع؛ لأن هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان الإنسان سائراً فالسنة أن يجمع الإنسان، ويعمل الأرفق به من جمع تقديم أو تأخير، وكونك وأنت سائر تصلي كل الصلاة في وقتها هذا خلاف السنة، وإن كان الإنسان نازلاً فالسنة أن يصلي كل صلاة في وقتها، هذا السنة، لكن إن أراد الإنسان أن يجمع فهذا جائز، لكن إن كان الإنسان نازلاً فالسنة أن تصلي كل صلاة في وقتها، فإن أراد الإنسان أن يجمع فإن هذا جائز ولا بأس به.

    الجمع بين الصلاتين للمسافر الذي صلى خلف المقيم
    ونعلم أيضاً مسألة أخرى أن الإنسان إذا كان داخل البلد وهو مسافر فإنه يجب عليه أن يصلي مع الناس جماعة، يعني يجب عليك أن تصلي الجماعة، لكن إذا صليت مع الناس فأردت أن تجمع معها الصلاة الأخرى جاز لك ذلك، لكن كون الإنسان يمكث في بيته ويقول: لا أخرج إلى المسجد أنا مسافر يحق لي القصر ويترك الصلاة مع الجماعة.نقول: هذا لا يجوز، لم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ترك الجماعة لا في الحضر ولا في السفر، والعمومات -عمومات أدلة صلاة الجماعة- شاملة للحاضر والمسافر، علي رضي الله تعالى عنه يقول: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، في حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس وأبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ) إلى آخره، لكن لو أن الإنسان خرج وصلى وقال: أريد أن أجمع التي معها نقول: لا بأس هذا مباح، خرج وصلى الظهر وقال: أريد أن أجمع العصر نقول: لا بأس تجمع العصر، خرج وصلى المغرب قال: أريد أن أجمع العشاء نقول: لا بأس أن تجمع العشاء، لكن يترك الظهر ويقول: أنا مسافر سأقصر، أو يترك العصر وهو لم يجمعها، أو يترك المغرب.. إلى آخره، نقول: هذا لا يجوز.

    الجمع للمطر
    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الجمع في المطر بين العشاءين]. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أن الجمع في المطر خاص بين العشاءين: المغرب والعشاء، فليس لك أن تجمع بين الظهرين بعذر المطر. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله فيقولون: المطر وعذر الوحل وعذر الريح الباردة الشديدة.. إلى آخره هذه الأشياء إنما تكون بين العشاءين فقط؛ لأن الدليل ورد هكذا، وعند الشافعية أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر بعذر المطر، لما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فلما سئل عن ذلك قال: أراد ألا يحرج أمته ).ففي هذا جواز الجمع، ابن عباس لما سئل قال: ( أراد ألا يحرج أمته )، وقوله: بين الظهر والعصر إلى آخره، وسبق أن أشرنا أن الجمع في الحضر مضبوط بضابط، متى وجد هذا الضابط جاز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين وهو وجود الحرج والمشقة الظاهرة، هذا هو الأقرب، وعلى هذا كلام الشافعية أقرب إلى السنة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [17]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (26)

    السفر مظنة لوجود المشقة والتعب، ومن رحمة الله أن خفف الصلاة فيه، فشرع قصر الصلاة الرباعية بشروط معينة، وشرع للمسافر الجمع بين الصلاتين تيسيراً عليه، فيجوز له أن يجمع بين الصلاتين جمع تقديم أو جمع تأخير.

    صلاة المسافر
    قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة المسافر].فقد سبق في الدرس السابق شيء من أحكام الجمع بين الصلاتين، وذكرنا أن الجمع لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون في الحضر.والأمر الثاني: أن يكون في السفر.وتطرقنا إلى الجمع في الحضر هل هو معدود أو محدود مضبوط بضابط العذر، الجمع في الحضر هل هو معدود أو محدود؟ وأشرنا إلى أن جمهور أهل العلم رحمهم الله على أنه معدود، وأن هناك أعذاراً يجمع بسببها، وهناك أعذار لا يجمع بسببها، ثم بعد ذلك تطرقنا لشروط الجمع إذا أراد أن يجمع في الأولى، وذكرنا أن المؤلف رحمه الله ذكر ثلاثة شروط… إلى آخره، ثم بعد ذلك شروط الجمع في الثانية… إلى آخره. وأيضاً تطرقنا إلى خلاف أهل العلم رحمهم الله الجمع في السفر، وأن الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في السفر وهو نازل، وكذلك أيضاً جمع وهو جاد في السير، وجمع أيضاً جمع تقديم وجمع تأخير.. إلى آخره.ثم قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة المسافر]. تقدم تعريف السفر، وأن السفر هو مفارقة محل الإقامة، وسمي السفر سفراً قيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فإن كثيراً من الناس لا تعرف أخلاقهم من الصبر والكرم والمروءة والتحمل.. إلا في حال السفر، وقيل: لأن الإنسان يسفر به بعد أن كان مكنوناً.والصلاة في السفر ركعتان, وأما في الحضر فهي أربع ركعات؛ كما دل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في الحضر، وأقرت في السفر )، فإذا سافر الإنسان فإن الأصل أن الرباعية ركعتان، وله قصر هذه الرباعية إلى ركعتين، لكن هذا القصر له شروط، وسيأتينا أيضاً حكم هذا القصر هل هو مباح أو واجب.. إلى آخره. ‏

    الشرط الأول: مسافة القصر
    الشرط الأول: قال المؤلف رحمه الله: [وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً]. الشرط الأول: وجود المسافة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم اشتراط المسافة، واختلفوا في تحديد قدر هذه المسافة، فحدها المؤلف رحمه الله بستة عشر فرسخاً، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، والفرسخ يساوي ثلاثة أميال، فتكون المسافة ثمانيةً وأربعين ميلاً، فإذا أراد أن يقطع هذه المسافة ثمانيةً وأربعين ميلاً فله أن يقصر، وإن أراد أن يقطع دونها فليس له أن يقصر، هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهذه الأميال اختلف في تقديرها بالكيلوات، فقال بعض العلماء: قدرها بالكيلو يساوي ثمانيةً وثمانين كيلو وسبعمائة وأربعة أمتار، القول الأول بالكيلوات أنها ثمانية وثمانون كيلو متراً وسبعمائة وأربعة أمتار. والقول الثاني: أنها سبعة وسبعون كيلو متراً ومائتان وثمانية وثلاثون متراً.والقول الثالث: أنها ثمانون كيلو متراً وستمائة وأربعون متراً.والقول الرابع: أنها ثنتان وسبعون كيلو متراً.هذا ما أسلفنا هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا أهل مكة! لا تقصروا فيما دون أربعة برد )، والبريد الواحد يساوي أربعة فراسخ، فأربعة برد تساوي ستة عشر فرسخاً. استدلوا بهذا الحديث: ( يا أهل مكة! لا تقصروا فيما دون أربعة برد )، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني وغيره، وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالوا: أيضاً لأن هذا هو الوارد عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهذا الوارد عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حجة فيه؛ لأن الوارد عن ابن عمر وابن عباس مختلف كثير جداً، فقد ورد عنهما القصر، ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه القصر في ستة وسبعين ميلاً، وورد عنه أيضاً القصر في ميل واحد، وورد عنه القصر في اثنتين وسبعين ميلاً، وورد عنه أيضاً في ثلاثين ميلاً، فالآثار الواردة عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما مختلفة، وحينئذ يرجع إلى ظاهر القرآن.الرأي الثاني في هذه المسألة: أن مسافة القصر ليست محددة شرعاً، وإنما هي محددة عرفاً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فما دل العرف على أنه سفر تقصر فيه الصلاة، وما لم يدل العرف على أنه سفر فإنه لا تقصر فيه الصلاة، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل على ذلك بأن الأدلة وردت مطلقة في القرآن والسنة، ولم ترد مقيدة بمسافة محددة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن المسافة القصيرة في الزمن الطويل سفر، بدليل خروج أهل مكة من مكة إلى عرفات، وجمعهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم جمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقصروا الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهم خرجوا من مكة إلى عرفات، والمسافة قصيرة بين مكة وعرفات ومزدلفة، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإتمام، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المسافة القصيرة في الزمن الطويل سفر، وعلى هذا تكون هذه المسألة على كلام الشيخ رحمه الله لها أربع حالات: الحالة الأولى: أن تكون المسافة طويلة والزمن طويلاً، فهذا سفر لا إشكال في ذلك.مثال ذلك: لو خرج إنسان إلى مكة أو إلى المدينة ونوى أن يقيم يومين أو ثلاثة أيام فنقول: بأن هذا سفر.الحالة الثانية: عكس القسم السابق: أن تكون المسافة قصيرة والزمن قصيراً، فهذا ليس سفراً، مثال ذلك: كما لو خرج لمسافة ثلاثين كيلو، أربعين كيلو… إلى آخره ثم رجع في يومه فإنه لا يعتبر هذا سفراً، وحينئذ لا يترخص.الحالة الثالثة: أن تكون المسافة طويلة والزمن قصيراً، وذلك كما لو خرج من بيته مسافة ثمانين كيلو، مائة كيلو… إلى آخره ثم رجع في نفس اليوم، فهذا ليس سفراً عرفاً إلا إن دل العرف على أنه سفر، فإذا دل العرف على أنه سفر وتعارف الناس على أنه سفر فإنه يترخص. إذاً: إذا كانت المسافة طويلةً والزمن قصيراً نقول: هذا ليس سفراً إلا إن دل العرف، فمثلاً لو خرج إلى الرياض ثم رجع في نفس اليوم فعرف الناس أنه سفر، لكن لو كان يعمل موظفاً في بلد يقطعه في سبعين كيلو أو ثمانين أو مائة… إلى آخره ويرجع في نفس اليوم فالناس لا يعتبرون هذا مسافراً، والقصر من خصائص السفر، فليس له أن يقصر، إلا كما أسلفت إذا دل العرف كما لو خرج مثلاً إلى الرياض ثم رجع في نفس اليوم فعرف الناس أنه سفر.الحالة الرابعة: أن تكون المسافة قصيرة والزمن طويلاً، فهذا يأخذ حكم السفر، وذلك كما لو خرج أربعين كيلو، خمسين كيلو… إلى آخره جلس ولم يرجع في نفس اليوم، فهذا حكمه حكم المسافر، ويأخذ أحكام السفر؛ والدليل على ذلك ما أسلفنا ( أن أهل مكة خرجوا من مكة إلى عرفات ومع ذلك قصروا الصلاة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإتمام الصلاة ).قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا لم يرجع إلى أهله في ليلته فهذا حكمه حكم السفر، كما قلنا في الحالة الرابعة: إذا كانت المسافة قصيرة والزمن طويلاً فهذا يأخذ حكم السفر.تحديد المسافة كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله قلنا: هذا قول جمهور أهل العلم، يعني هو مذهب الحنابلة والمالكية والشافعية إلا الحنفية، فالحنفية يزيدون على ذلك يقولون: بدلاً من أن تكون ستة عشر فرسخاً المسافة تساوي أربعةً وعشرين فرسخاً فيزيدون في ذلك ثلث المسافة، بدلاً من أن تكون المسافة يومين كما قال المؤلف: (وهي مسيرة يومين قاصدين) يقولون: المسافة التي يقصر فيها الصلاة مسيرة ثلاثة أيام، فيزيدون أربعةً وعشرين ميلاً. فمسافة القصر تساوي ثمانيةً وأربعين ميلاً عند جمهور أهل العلم، الحنفية يزيدون أربعةً وعشرين ميلاً، فعندهم تساوي المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثنتين وسبعين ميلاً، هذا هو الشرط الأول.

    الشرط الثاني: مفارقة العمران
    الشرط الثاني للقصر: أن يفارق عامر بلده، فليس له أن يقصر أو يترخص ما دام داخل البلد، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ترخص داخل المدينة، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يحج حجة الوداع صلى في المدينة الظهر أربع ركعات، ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى ميقات ذي الحليفة وهو بقرب المدينة فصلى ركعتين، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم خارج المدينة ترخص عليه الصلاة والسلام، والله عز وجل يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] . يعني: (وإن كنتم مرضى أو على سفر فأفطرتم فعدة من أيام أخر)، فالله عز وجل قال في الآية: (أو على سفر) والذي في بلده ليس على سفر وإنما على نية السفر، وعلى هذا نقول: الشرط الثاني: أن يفارق عامر بلده، وليس له أن يترخص حتى يفارق عامر بلده.

    الشرط الثالث: أن يكون السفر مباحاً
    قال المؤلف رحمه الله: [وكان مباحاً]. هذا هو الشرط الثالث، الشرط الثالث: أن يكون السفر مباحاً، وعلى هذا لو كان السفر محرماً فإنه ليس له أن يترخص، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم أنه يشترط أن يكون السفر مباحاً. وعلى هذا لو كان سفره محرماً سافر لكي يشرب خمراً أو نحو ذلك فليس له أن يقصر، هذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] ، فرخص الله عز وجل للمضطر أن يأكل من الميتة بشرط: ألا يكون باغياً أو عادياً، والعادي هو قاطع الطريق، والباغي هو الخارج عن الإمام، فهذان لا يرخص لهما في الأكل من الميتة، مع أن قاطع الطريق قد يكون في حال السفر فلا يرخص له.والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة رحمه الله واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن هذا ليس شرطاً، فالعاصي في سفره له أن يترخص، فلو سافر لأجل معصية من المعاصي له أن يقصر الصلاة الرباعية، وله أن يجمع.أجاب ابن تيمية رحمه الله عن قوله سبحانه وتعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] بأن معنى الآية: (غير باغ ولا عاد) الباغي هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، والعادي هو الذي يأكل أكثر من حاجته.هذه ثلاثة شروط: الشرط الأول: المسافة.والشرط الثاني: أن يفارق عامر بلده.والشرط الثالث: أن يكون السفر مباحاً.فإن توافرت هذه الشروط فله أن يقصر الرباعية، وهناك أيضاً شروطاً أخرى ذكروها لكن ما يقوم عليها دليل.

    ما يقصر من الصلوات
    قال المؤلف رحمه الله: [فله قصر الرباعية خاصة]. قول المؤلف رحمه الله: (خاصة) يعني أن القصر خاص في الرباعية، الظهر والعشاء والعصر، وأما بالنسبة للمغرب والفجر فإنهما لا تقصران، أما الفجر فلا تقصر لأنها ركعتان، وقصرها إجحاف بها، وأما المغرب فلا تقصر لأنها وتر النهار، فلو أنها قصرت ركعة وأصبحت ركعتين لم تكن وتراً. قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يأتم بمقيم]. المسافر الأصل أنه يقصر الصلاة، الأصل أن صلاته مقصورة ركعتان، كما أشرنا إلى ذلك في أول الدرس، وذكرنا دليل ذلك من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( أول ما فرضت الصلاة ركعتان فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر ) على الفريضة الأولى.قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن يأتم بمقيم). يعني: إذا ائتم بمقيم فإنه لا يقصر الرباعية؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس كما في صحيح مسلم : ( أن ابن عباس سئل عن الرجل المسافر إذا صلى خلف الإمام يصلي أربعاً، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين؟ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تلك السنة ). وأيضاً: ثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح أنه إذا صلى مع الإمام صلى أربع ركعات، فإذا لم يصل صلى ركعتين. فنقول: إذا ائتم بمقيم فإنه يصلي الرباعية أربع ركعات، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا ائتم بمقيم مطلقاً حتى ولو أدرك التشهد الأخير، يعني لو جئت في التشهد الأخير والإمام في صلاة العشاء وهو مقيم وأنت مسافر فأدركت معه التشهد الأخير فإنك تصلي أربع ركعات، هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، يعني سواء أدرك ركعة أو أدرك أقل من ركعة فإنه إذا ائتم بمقيم فإنه يصلي أربعاً.والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى وهو: أن المسافر إن أدرك من صلاة المقيم ركعة صلى أربعاً، وإن أدرك أقل من ركعة صلى ركعتين، وهذا القول هو الصواب؛ لأنه إذا أدرك من صلاة المقيم يكون قد أدرك صلاته فيتابعه ويصلي مثله أربع ركعات، وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).وأما إن أدرك أقل من ركعة جاء والإمام قد نهض من الركوع في الركعة الأخيرة فإن المسافر يصلي ركعتين؛ لأنه لا يدرك صلاة هذا المقيم، ولم يدرك الجماعة، فنقول ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله هو الصواب في هذه المسألة.واعلم أن المسافر إذا صلى خلف المقيم لا يخلو ذلك من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يصلي رباعيةً خلف ثنائية، فنقول: بأنه يقصر الصلاة، مثلاً لو جاء والإمام يصلي التراويح ركعتان وهو لم يصل العشاء، فنقول: ادخل معه في صلاة العشاء وصل ركعتين، فإذا صلى رباعية خلف ثنائية فإنه يصلي ركعتين.الحالة الثانية: أن يصلي رباعيةً خلف رباعية، مثلاً لو صلى العشاء خلف العشاء، أو صلى العصر خلف العشاء، أو الظهر خلف العشاء، أو الظهر خلف الظهر فهذا نقول: يصلي أربعاً لكن بشرط أن يدرك من صلاته ركعةً فأكثر، أدرك ركعة ركعتين أربعاً ثلاثاً فهنا يصلي أربع ركعات، فنقول الحالة الثانية: أن يصلي رباعيةً خلف رباعية، فنقول: بأنه يصلي أربع ركعات بشرط أن يدرك ركعة، فإن أدرك أقل من ركعة فإنه يصلي ركعتين.الحالة الثالثة: أن يصلي رباعيةً خلف ثلاثية، كما لو صلى العشاء خلف المغرب، صلى هو المغرب ثم جاء جماعة وصلت المغرب وهو يريد أن يصلي العشاء، هو الآن يريد أن يصلي العشاء رباعية خلف من يصلي المغرب وهي ثلاثية، فهل يقصر أو يتم؟ فنقول: بأنه بالخيار: إن شاء قصر، وإن شاء أتم، وإن كان الإتمام أحوط نقول: أنت بالخيار. وعلى هذا إن صلى رباعية خلف رباعية صلى أربعاً، رباعية خلف ثنائية صلى ثنتين، رباعية خلف ثلاثية هو بالخيار إن شاء أن يصلي أربعاً، وإن شاء أن يصلي ثنتين، إن شاء أن يقصر، وإن شاء أن يتم.

    نية القصر في صلاة السفر
    قال المؤلف رحمه الله: [أو لم ينو القصر]. يعني: لو أن الإنسان لم ينو القصر، شرع في الصلاة في السفر وهو لم ينو القصر، فيقول المؤلف رحمه الله: بأنه يتم، وهذا بناء على اشتراط نية القصر، فالمشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله أنهم يشترطون لكي يقصر الإنسان في السفر أن ينوي القصر عند الإحرام بالصلاة، فإذا أراد أن يحرم بالصلاة فإنه ينوي أنه سيقصر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. والصواب في هذه المسألة: أن نية القصر ليست شرطاً، وعلى هذا لو أن الإنسان لم ينو القصر أو شك هل نوى القصر أو لم ينو القصر فنقول: بأنه يصلي ركعتين؛ لما سبق أن أشرنا إليه أن الأصل في صلاة المسافر أنها ركعتان كما في حديث عائشة ، فالمسافر يرجع إلى الأصل، وإذا كان يرجع إلى الأصل فلا حاجة إلى أن ينوي الأصل؛ لأنه على الأصل، فلا حاجة إلى أن ينويه. فنقول: الصواب أن نية القصر ليست شرطاً، فلو أن الإنسان ينوي نقول: له أن يصلي ركعتين؛ لأن هذا هو الأصل في صلاة المسافر.

    قضاء المسافر للصلاة في السفر والحضر
    قال المؤلف رحمه الله: [أو نسي صلاة حضر فيذكرها في السفر]. لو أن الإنسان سافر، وبعد أن خرج من بلده تذكر أنه صلى الظهر وهو محدث، سافر بعد العصر، ثم بعد أن خرج من بلده تذكر أنه صلى الظهر وهو محدث، أو أنه نسي أن يصلي الظهر بالكلية، فيريد أن يقضي هذه الصلاة، هل يقضيها تامة أو يقضيها مقصورة؟ نقول: بأنه يقضيها تامة؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وقد حكي الإجماع على هذا، وأنه يصليها تامةً.قال المؤلف رحمه الله: [أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر فعليه الإتمام]. يعني: لو أن الإنسان نسي أن يصلي الظهر وهو مسافر حتى قدم إلى بلده ثم بعد ذلك تذكر أنه لم يصل في السفر، نسي أن يصلي الظهر ثم قدم البلد ثم تذكر أنه لم يصل الظهر فهل يصليها ركعتين أو يصليها أربعاً؟ يقول المؤلف رحمه الله: يصليها أربع ركعات؛ لأن السبب الذي هو السفر قد زال، زال سبب القصر وهو السفر فيجب عليه أن يصلي أربع ركعات.

    حكم القصر في السفر
    قال المؤلف رحمه الله: [وللمسافر أن يتم، والقصر أفضل]. يقول المؤلف رحمه الله: المسافر له أن يتم، وكونه يقصر هذا هو الأفضل، وهذا قول جمهور أهل العلم، يعني: أن القصر ليس واجباً، فإن شاء المسافر أن يقصر قصر، وإن شاء المسافر أن يتم أتم، القصر ليس واجباً، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أن القصر واجب، وأن الإنسان إذا لم يقصر في السفر فإنه يأثم. وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين القولين فقال: بأن القصر هو الأفضل وهو السنة، والإتمام مكروه، كون الإنسان يتم الصلاة في السفر هذا مكروه، ولكل منهم دليل.أما بالنسبة للجمهور قالوا: بأن القصر ليس واجباً؛ واستدلوا على ذلك بأدلة من أدلتهم: أن عثمان رضي الله تعالى عنه أتم في السفر، ومن أدلتهم أيضاً ما سبق أن المسافر إذا ائتم بالمقيم في الرباعية فإنه يتم.أما بالنسبة للحنفية فقالوا: بأن القصر واجب قالوا: هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في حجة الوداع حتى رجع إلى المدينة من مكة ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ركعتين )، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه أتم الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ).وكذلك أيضاً: استدل الحنيفة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر )، فصلاة السفر ركعتان، فكون الإنسان يزيد فيها كما لو زاد في صلاة الظهر أو صلاة العصر… إلى آخره. لكن الأقرب في ذلك ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن إتمام الصلاة في السفر مكروه، والسنة أن الإنسان يقصر الصلاة، هذا هو السنة.

    ما ينقطع به حكم السفر
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتم، وإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً]. يقول المؤلف رحمه الله: إذا نوى الإنسان أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً، يعني: إذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام فإنه بمجرد وصوله إلى البلد لا يترخص. مثال ذلك: إنسان سافر إلى مكة وهو يريد أن يقيم في مكة خمسة أيام، نقول: ما دام أنه يريد خمسة أيام بمجرد وصوله إلى مكة خرج عن حكم السفر فلا يترخص، لا يجمع ولا يقصر، يريد أن يقيم أسبوعاً لا يترخص لا يجمع ولا يقصر، بمجرد وصوله إلى البلد خرج من حكم السفر، إن أراد أن يقيم ثلاثة أيام أربعة أيام فهذا له أن يترخص. فالمشهور من المذهب وهو أيضاً قول الشافعية والمالكية أنهم يحدون مدة السفر بأربعة أيام، فإن أراد أن يقيم أكثر من أربعة أيام فإنه لا يترخص، إن أراد أن يقيم أربعة أيام فأقل فإنه يترخص، هذا رأي الحنابلة والشافعية والمالكية إلا أن الشافعية والمالكية يقيدونها بأربعة أيام إي أنهم لا يحسبون يومي الدخول والخروج، فيكون أربعة أيام، ما نحسب اليوم الذي دخل فيه، واليوم الذي خرج فيه، فإذا أضفت أربعة أيام مع يومي الدخول والخروج أصبحت الأيام عند المالكية والشافعية ستة أيام. عند الحنفية يقيدونها بأكثر من خمسة عشر يوماً، قالوا: هذا الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر ، فإذا أراد الإنسان أن يقيم أكثر من خمسة عشر يوماً فإنه لا يترخص، إن أراد أن يقيم أقل من خمسة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً فإنه يترخص، هذا المشهور من مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.هذان رأيان ولكل منهما دليل، أما أهل الرأي الأول الذين قيدوه بأربعة أيام فقالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة من المدينة في حجة الوداع في اليوم الرابع، وجلس يترخص الرابع والخامس والسادس والسابع في اليوم الثامن خرج من مكة إلى منى، هو قدم في صبح اليوم الرابع، جلس الرابع والخامس والسادس والسابع، في صبح اليوم الثامن خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى منى. فقالوا: أقام النبي عليه الصلاة والسلام بمكة في حجة الوداع أربعة أيام يترخص، فدل ذلك على أن الإنسان له أن يترخص مدة أربعة أيام، ما عدا ذلك فإنه ليس له أن يترخص. أما بالنسبة لـأبي حنيفة رحمه الله فإنه يستدل على ذلك بأن هذا هو الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر رضي الله تعالى عنهما.الرأي الثالث: أن الإنسان له أن يترخص مطلقاً ما دام أنه لم ينو الاستيطان أو ينوي الإقامة المطلقة، فإن كان الإنسان ينوي الاستيطان فهذا أصبح مستوطناً لا يحق له أن يترخص، إن نوى الإقامة المطلقة التي ليست مقيدة بعمل وليست مقيدة بزمن، إقامة مطلقة لا تقيد بعمل ولا زمن، لا يقول: أنا سأجلس شهراً أو شهرين ثم أرجع… إلى آخره، فهذا ليس له أن يترخص.الرأي الثالث: أن الإنسان له أن يترخص ما لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيضاً أخذ به من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي ، والشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من أهل العلم، فقالوا: بأن الإنسان له أن يترخص ما دام أنه لم ينو الاستيطان، أو ينوي الإقامة المطلقة.واستدلو على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في عام الفتح تسعة عشر يوماً، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يترخص فيها، وكذلك أيضاً في حجة الوداع أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرة أيام يترخص. كذلك أيضاً في تبوك أقام النبي عليه الصلاة والسلام عشرين يوماً، قالوا: بأنه يترخص، وكذلك أيضاً قالوا: بأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فـابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر, كما في السنن الكبرى للبيهقي وصححه النووي ، وكذلك أيضاً عبد الرحمن بن سمرة أقام سنتين في بعض بلاد فارس يقصر الصلاة، وهذا أخرجه عبد الرزاق . فاستدلوا بهذه الأدلة. والأقرب في ذلك أن يقال: بأن الإنسان له أن يترخص ما لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، تحديد مدة السفر، لكن إذا أطال الإنسان الإقامة وتشبه بالمقيمين فإنه لا يظهر أنه يترخص. فنقول: إذا كان الإنسان يسافر مثلاً لمدة عشرة أيام أو عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً نقول: هذا يترخص، لكن إن كان موظفاً في بلد أو يدرس في بلد وهو سيقيم فيه سنتين أو ثلاث سنوات… إلى آخره, فنقول: هذا تشبه الآن بالمقيمين وأخذ حكمهم، فنقول: بأنه لا يترخص، إنما سفره عارض فنقول: بأنه ليس له أن يترخص، وهذا هو الأقرب. وأما ما استدل به الحنابلة أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة في اليوم الرابع وخرج في اليوم الثامن، فنقول: بأن هذا لا يدل على تحديد المدة؛ لأن مثل هذا وقع منه صلى الله عليه وسلم باتفاق ولم يكن عن قصد والقاعدة: أن ما وقع اتفاقاً لا يكون شرعاً.

    تردد المسافر في مدة بقائه
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً]. يعني: إذا كان الإنسان لا ينوي الإقامة، ومثل ذلك أيضاً إذا كان الإنسان سفره غير محدد بزمن أو عمل ولم ينو إقامةً، إنسان ذهب إلى عمل لا يدري متى يرجع، قد يرجع اليوم، قد يرجع غداً… إلى آخره، لم ينو إقامةً، فهذا له أن يترخص، حتى لو جلس شهر.. أو شهرين... إلى آخره. فلو مثلاً الإنسان سافر إلى بلد وهو لم ينو الإقامة ولا يدري متى ينتهي سفره، قد ينتهي اليوم، قد ينتهي غداً... إلى آخره فنقول: بأن له أن يترخص؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً).

    صلاة الخوف
    قال رحمه الله تعالى: [باب صلاة الخوف]. سبق أن ذكرنا أن صلاة أهل الأعذار ثلاثة أنواع:النوع الأول: صلاة المريض.والنوع الثاني: صلاة المسافر.والنوع الثالث: صلاة الخوف، والخوف ضد الأمن. ‏
    مشروعية صلاة الخوف
    صلاة الخوف دل عليها القرآن والسنة: أما القرآن فقول الله عز وجل: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] إلى آخر الآية.وأما السنة فكما في حديث ابن عمر ، حديث جابر ، حديث سهل بن أبي حثمة ، حديث أبي هريرة .
    صفات صلاة الخوف
    قد وردت صفات الخوف على وجوه متنوعة، لكن بعض العلماء رحمهم الله إذا رأى اختلاف الرواة جعل هذا الاختلاف من قبل الرواة نوعاً مستقلاً، ولهذا بعض العلماء أوصل أنواع صلاة الخوف أربعة عشر نوعاً، وبعضهم أوصلها إلى ستة عشر نوعاً، وبعضهم أوصلها إلى سبعة عشر نوعاً.. إلى آخره. والصواب كما ذكر ابن القيم رحمه الله: أن صلاة الخوف ترجع إلى ستة أصول، وسنذكر هذه الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف.الصفة الأولى: أن يكون العدو في جهة القبلة، فالإمام يقسم الجيش صفين ثم بعد ذلك يحرمون بالصلاة، فيكبر الإمام ويكبرون جميعاً، ويركع ويركعون جميعاً، ويرفع ويرفعون جميعاً، ثم بعد ذلك يهوي الإمام للسجود ويهوي الصف الذي يليه، وأما الصف الثاني فإنه يبقى قائماً للحراسة، فيسجدون سجدتين الإمام والصف الذي يليه، ثم بعد ذلك يقومون، فيتأخر الصف المقدم ويتقدم الصف المؤخر. ثم بعد ذلك إذا قام الصف الذي يلي الإمام فإن الصف الذي نهض من الركوع يهوي إلى السجود ويسجد سجدتين ثم يقوم، ثم بعد ذلك يتقدم الصف المؤخر, ويتأخر الصف المقدم، ثم بعد ذلك يركعون جميعاً ويرفعون جميعاً، ويهوي الإمام والصف الذي يليه الذي الآن مؤخراً, ويسجد السجدتين ثم يجلس للتشهد، ثم بعد ذلك يهوي الصف الثاني الذي كان مقدماً ثم تأخر ويسجد السجدتين, ثم يتشهدون جميعاً، ثم يسلمون جميعاً، هذه هي الصفة الأولى من صفات صلاة الخوف.الصفة الثانية: أن يكون العدو في غير جهة القبلة، فهنا يقسمهم الإمام إلى قسمين: قسم يكون تجاه العدو، وقسم يصلي إلى جهة القبلة، فيصلي الإمام ويصلي القسم الذي معه ركعة ثم يقوم الإمام، ثم تذهب هذه الفرقة التي صلت مع الإمام وهي في صلاتها تذهب وتواجه العدو. وتأتي الفرقة التي كانت مواجهةً للعدو والإمام لا يزال قائماً، ثم بعد ذلك يصلي بها ركعة، إذا صلى بها ركعة يجلس الإمام ويتشهد ويسلم، وهي تقوم وتكمل لها ركعة، ثم بعد ذلك الطائفة التي كانت مواجهةً للعدو تكمل لها ركعةً أخرى؛ لأنها صلت مع الإمام ركعة، والإمام صلى بهذه ركعة، ثم بعد ذلك يجلس الإمام ويتشهد ويسلم، ثم تقوم الطائفة التي كانت مواجهة للعدو ثم جاءت معه فتأتي بركعة أخرى وتسلم.الصفة الثالثة: إذا كان العدو أيضاً إلى غير جهة القبلة، فيقسمهم الإمام قسمين: القسم الأول: يصلي معه ركعة، طائفة تصلي معه، وطائفة تكون في إزاء العدو، فيصلي بهذه الطائفة ركعة ثم يقوم ويظل واقفاً، ثم تنزل هذه الطائفة وتصلي تكمل الركعة. يعني: الآن صلى بها ركعة، كبروا جميعاً وركعوا جميعاً ثم قام، لا يزال الإمام قائماً تهوي هذه الطائفة وتكمل الركعة الثانية لها وتسلم وتذهب، ثم تأتي الطائفة التي كانت في إزاء العدو فيصلي بها الإمام ركعة ويجلس في التشهد ينتظرها، تقوم وتأتي بركعة ثانية، ثم تتشهد معه، ويسلم بهم الإمام، هذه الصفة الثانية.الصفة الرابعة: أن يصلي بطائفة ركعتين ويسلمون جميعاً، ويصلي بطائفة ركعتين ويسلمون جميعاً، يعني يقسمهم الإمام قسمين، وهذا أيضاً إذا كان في غير جهة القبلة يقسمهم الإمام قسمين فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ويسلمون جميعاً، ويصلي بالطائفة الثانية ركعتين ويسلمون جميعاً.الصفة الخامسة: أيضاً إذا كان العدو في غير جهة القبلة يقسمهم الإمام قسمين: فيصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين وتسلم، ثم يقوم هو إلى الثالثة، وتأتي الطائفة التي كانت في إزاء العدو ويصلي بها ركعتين، فيكون للإمام أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان ركعتان.الصفة السادسة: أيضاً يقسمهم الإمام قسمين، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، وتجلس الطائفة، يعني يكبرون ويركعون ويسجدون ثم يقوم الإمام وتجلس وتسلم من ركعة واحدة، ثم بعد ذلك تأتي الطائفة الثانية ويصلي بها الإمام ركعة ويسلمون جميعاً، فيكون لكل طائفة ركعة ركعة والإمام ركعتان. هذه صفات صلاة الخوف، تبين أنها ست صفات.قال المؤلف رحمه الله: [وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمختار منها أن يجعلهم الإمام طائفتين..] إلى آخره.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [18]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (27)


    يشترط لصلاة الجمعة شروط هي: الوقت، والاستيطان في قرية، وحضور أربعين رجلاً، وأن تتقدمها خطبتان، ولهما ركنان هما: الجهر والوعظ، وزاد بعضهم أركاناً أخرى.
    صلاة الجمعة
    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام صلاة الخوف، وذكرنا الصفات الواردة في صلاة الخوف إلى آخره، وأن هذه الصفات تعود إلى ستة أصول, أو الروايات المختلفة في تعداد صلاة الخوف تعود إلى هذه الأصول الستة. ‏

    فضل يوم الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة الجمعة]. الجمعة ورد فيها ثلاث لغات، نقول: الجمُعة بالضم، وكذلك الجمْعة بالتسكين، والجمِعة بالكسر، والأفصح هو الضم.يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية بيوم العروبة، وسمي بهذا الاسم قيل: لأن خلق آدم جمع فيه، وهذا ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد قوي. وقيل: لأن خلق الخلق اكتمل في يوم الجمعة.وقيل: لأنها تجمع الخلق الكثير.وقيل: إن كعب بن لؤي كان يجمع الناس في الجاهلية ويذكرهم بتعظيم الحرم.وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيها.وأصح هذه الأقوال هو الرأي الأول، وأن يوم الجمعة سمي بهذا الاسم لأن خلق آدم جمع فيه، ويوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع، وقد ورد في سنن ابن ماجه من حديث أبي لبابة البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيد الأيام يوم الجمعة ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الثابت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة ).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام.وصلاة الجمعة صلاة مستقلة ليست ظهراً مقصورة، وليست بدلاً عن الظهر، بل هي صلاة مستقلة لها أحكامها التي تختص بها، وصلاة الجمعة أفضل من صلاة الظهر، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاثاً وثلاثين خصيصة من خصائص يوم الجمعة، والسيوطي رحمه الله له كتاب في خصائص الجمعة اسمه اللمعة في خصائص يوم الجمعة.

    من تجب عليهم الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة]. أفاد المؤلف رحمه الله بأن صلاة الجمعة واجبة، ووجوب صلاة الجمعة دل عليه القرآن والسنة والإجماع. أما القرآن: فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] .وأما السنة: فحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.وثبت أيضاً في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم ).والإجماع قائم على أن الجمعة واجبة، وإن اختلف العلماء رحمهم الله في شيء من تفاصيلها.قال المؤلف رحمه الله في بيان من تجب عليه الجمعة قال: [كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً]. فالذي تجب عليه الجمعة من اجتمعت فيه شروط: الشرط الأول: أن يكون ذكراً، فالأنثى لا تجب عليها الجمعة؛ ويدل لذلك الإجماع، الإجماع منعقد على أن الجمعة لا تجب على الأنثى. وأيضاً: ما سبقت الإشارة إليه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة )، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( على رجال يتخلفون على الجمعة ).الشرط الثاني: الحرية، وهذا اشترطه كثير من أهل العلم، فقالوا: يشترط أن يكون حراً، وعلى هذا فالرقيق لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده. والرأي الثاني: أنه لا فرق بين الحر والرقيق، فالرقيق تجب عليه الجمعة كما تجب على الحر. وهذا القول هو الصواب؛ والقاعدة في ذلك: أن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في العبادات البدنية المحضة إلا لدليل، فكما أن الحر يجب عليه الغسل كذلك أيضاً الرقيق يجب عليه الغسل، والحر يجب عليه الوضوء والصلاة كذلك الرقيق يجب عليه الوضوء والصلاة.. إلى آخره، لا فرق، هذا هو الصواب.الشرط الثالث: الإسلام، فالكافر لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه فاقد للأصل، فالجمعة لا تصح من الكافر؛ لقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].وأيضاً: قول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54].فيشترط لوجوب الأداء الإسلام، فالكافر لا تجب عليه وجوب أداء وإن كان مكلفاً بها يعاقب عليها؛ لقول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44] ، فدل ذلك على أن تركهم للعبادات له أثر في تعذيبهم.الشرط الرابع: العقل، فالمجنون لا تصح منه الجمعة؛ لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: المجنون حتى يفيق ).الشرط الخامس: الاستيطان، فغير المستوطن لا تجب عليه الجمعة، ويخرج بقولنا (الاستيطان) اثنان: الأول: من ليس له مكان يستوطن فيه، كأهل البادية الذين يتنقلون يطلبون القطر ومواضع النبات، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعراب الذين حول المدينة بصلاة الجمعة.والثاني: المسافر؛ فالمسافر لا تجب عليه الجمعة إلا تبعاً لغيره، فإذا كان سائراً فإنه لا تجب عليه الجمعة ولا يقيمها، فلو كان هناك مجموعة مسافرون فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه أقام الجمعة في السفر وهو سائر. لكن الجمعة كما أسلفنا تجب على المسافر تبعاً لغيره، فتبعاً لغيره لا بأس؛ ويدل على أنها تجب عليه تبعاً لغيره حديث الحكم بن حزن رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة )، وأيضاً يدل لذلك العمومات؛ كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ [الجمعة:9] ، فإذا كان المسافر في البلد فإنه لا يجوز له أن يتخلف عن صلاة الجمعة.وبهذا الشرط أيضاً نعرف أن غير المستوطنين الذين يقيمون خارج البلد كما قلنا كأهل البوادي وهم لا يريدون استيطان هذا المكان، أو يخرجون خارج البلد لنزهة، أو لغرض ويقيمون معسكراً أو مركزاً وهم لا يريدون الاستيطان أنه لا تشرع لهم الجمعة، ولا يصلون الجمعة.الشرط الأخير: البلوغ؛ فالصبي لا تجب عليه الجمعة؛ كما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: الصبي حتى يبلغ )، لكن يؤمر بالجمعة لسبع, ويضرب عليها لعشر؛ لما سبق من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ).

    حكم صلاة الجمعة على المستوطن خارج البلد
    قال المؤلف رحمه الله: [إن كان مستوطناً ببناء وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك]. من تجب عليه الجمعة لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون داخل البلد، فهذا تجب عليه الجمعة مطلقاً قرب من الجامع أو بعد؛ لأن المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت محالاً متباعدة، ولم يكن يقام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا جمعة واحدة، فنقول: من تجب عليه الجمعة هذا إن كان داخل البلد وجب عليه أن يصلي مطلقاً.الأمر الثاني: أن يكون خارج البلد، فهذا تجب عليه إن كان بينه وبين المسجد فرسخ فما دونه، فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فلا تجب عليه الجمعة.والفرسخ قدره ثلاثة أميال، والميل قدره ألف وستمائة كيلو، فما يقرب من خمسة كيلو يعني إذا كان الإنسان خارج البلد أكثر من خمسة كيلو فهذا لا تجب عليه الجمعة، وإن كان دون ذلك فإن الجمعة تجب عليه. الدليل على هذا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، فقال: (إذا نودي للصلاة)، قالوا: والنداء إذا كانت الرياح ساكنة والأصوات هادئة يسمع لمسافة فرسخ.والرأي الثاني: أن العبرة بسماع النداء، فإذا كان من خارج البلد يسمع النداء فيجب عليه أن يجيب، وإن كان لا يسمع النداء فلا يجب عليه.

    حكم صلاة الجمعة على المرأة والعبد والمسافر والمعذور
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف]. ويقول المؤلف رحمه الله: (إلا المرأة) فالمرأة لا تجب عليها الجمعة، وهذا دليله الإجماع كما سلف؛ لأن الإجماع منعقد على أن المرأة لا تجب عليها الجمعة. وسبق أيضاً أن ذكرنا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم )، فالمرأة لا تجب عليها الجمعة.قال: (والعبد). أيضاً تكلمنا عن ذلك، وذكرنا أن كثيراً من أهل العلم لا يرى وجوب الجمعة على الرقيق، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أن الجمعة تجب على الرقيق، وأن القاعدة في ذلك: أن العبادات البدنية المحضة لا فرق بين الأحرار والأرقاء فيها إلا لدليل، هذا الأصل.قال: (والمسافر). أيضاً المسافر لا تجب عليه الجمعة، ولا تشرع منه، لا يشرع له أن يقيمها، فلو كان سائراً وتوقف في أثناء الطريق وأقام الجمعة نقول: هذا الفعل بدعة، لكن المسافر تجب عليه الجمعة تبعاً لغيره. وذكرنا دليل ذلك وهو العمومات كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، فالعمومات تدل على وجوبها. كذلك أيضاً من الأدلة على أنها لا تجب على المسافر إذا كان سائراً, فإنه لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام الجمعة وهو في السفر سائراً، فإن كان داخل البلد فإنه يجب عليه أن يصلي الجمعة تبعاً لغيره؛ لعموم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، ولما سبق إيراده من حديث الحكم بن حزن رضي الله تعالى عنه. قال المؤلف رحمه الله: [والمعذور بمرض أو مطر أو خوف]. إذا كان الإنسان معذوراً بمرض يلحقه مشقة ظاهرة في إتيان الجمعة، أو معذوراً بخوف يخاف على نفسه ويخاف على أهله، أو يخاف على ماله، أو معذوراً بأمطار غزيرة.. إلى آخره فإنه يعذر بترك الجمعة، ويصلي ظهراً أربعاً إن كان غير مسافر، وثنتين إن كان مسافراً. ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ، وقوله سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .
    حضور المعذورين صلاة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به].يعني: إذا حضرها الرقيق, المؤلف ذهب إلى أن الرقيق لا تجب عليه الجمعة، لكنه حضر مع الناس وصلى فإنها تجزئه ولا يطالب أن يصلي ظهراً. وكذلك أيضاً المرأة لو حضرت مع الناس وصلت فنقول: بأنها تجزئها الجمعة، ولا تطالب أن تصلي ظهراً، مثل أيضاً بقية من لا تجب عليه الجمعة.ومعنى قوله: (لم تنعقد بهم) يعني: أنهم لا يحسبون من عدد الجمعة، فالمرأة والرقيق والمسافر على كلام المؤلف لا يحسبون. الجمعة لا بد لها من العدد, تشترط لها الجماعة فلا بد من العدد، وعدد الجمعة على المشهور من المذهب أربعون، وعند شيخ الإسلام ثلاثة، فإذا أخذنا برأي الحنابلة وأنه لا بد من أربعين لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة فإنهم لا يصلون جمعةً وإنما يصلون ظهراً، قالوا: لأن المرأة لا تنعقد بها الجمعة. وكذلك أيضاً على رأي شيخ الإسلام لو كان عندنا رجلان وامرأة فإنهم لا يصلون جمعة، وهذا الصواب أن المرأة لا تنعقد بها الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجمعة ولا الجماعات، ولكن إذا حضرت الجمعة فإن الجمعة تجزئها.أما بالنسبة للرقيق والمسافر فكذلك أيضاً على المذهب، الرقيق لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً والأربعون رقيق، على المشهور عند الحنابلة أنهم لا يصلون جمعةً، وإنما يصلون ظهراً؛ لأن الرقيق لا تنعقد به، لكن لو حضر وصلى مع الناس الجمعة أجزأته كما سبق. أيضاً المسافر، لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً والأربعون مسافر لا يصح منهم الجمعة، ولا تنعقد بهذا المسافر أو بهذا الرقيق. أيضاً لو اخترنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأن عدد الجمعة ثلاثة، فإذا كان الثالث رقيقاً أو مسافراً لا تنعقد به. والصواب في ذلك أن يقال: بأنها تنعقد بالرقيق والمسافر، هذا هو الصواب؛ لأن هؤلاء من أهل الجمعة والجماعات.قال: إذا حضر فإنها تنعقد به وتصح منه وتجزئ، فلو فرض أن عندنا تسعةً وثلاثين رجلاً والأربعون مريض، لكن تحامل على نفسه وأتى ليصلي مع الناس, هل تنعقد الجمعة أو لا تنعقد؟ نقول: بأنها تنعقد. أو عندنا الأربعون شخص معذور بخوف أو معذور بمطر، يقول المؤلف رحمه الله: بأنها لا تنعقد به. والصواب: أنها تنعقد به، وأيضاً تنعقد بالرقيق وبالمسافر، الذي لا تنعقد به هو فقط المرأة؛ لأن المرأة ليست من أهل الجمعة ولا الجماعات.
    شروط صلاة الجمعة

    الشرط الأول: الوقت
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها]. الجمعة يشترط لها شروط: الشرط الأول: الوقت؛ وهذا من خصائص صلاة الجمعة، يشترط دخول الوقت، ولو أن الإنسان نام عن الظهر أو نسي أن يصلي الظهر فإنه يصلي الظهر يقضيها بعد الوقت، أما الجمعة فلو أن الإنسان نام عنها أو نسيها فإنه لا يصليها, فاتت عليه. فنقول: الشرط الأول: الوقت، والوقت فيه ثلاث مسائل:المسألة الأولى: ما هو أول الوقت؟ المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله: أن أول وقت صلاة الجمعة هو أول وقت صلاة العيد، ووقت صلاة العيد يبدأ إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح بعد طلوع الشمس بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة يدخل وقت صلاة العيد، كذلك أيضاً الجمعة يدخل وقتها كدخول وقت صلاة العيد. وعلى هذا لو صلينا الجمعة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح فإن الصلاة صحيحة، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ واستدلوا على ذلك بحديث جابر أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين الزوال )، وهنا قال: يصلي الجمعة ثم بعد ذلك يذهبون إلى جمالهم ثم يريحونها وقت الزوال, دل ذلك على أن الجمعة وقعت قبل الزوال، وهذا الحديث حديث جابر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين. وكذلك أيضاً: استدلوا بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: ( كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به )، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام بادر بها بحيث إنهم ينصرفون من الجمعة وليس للحيطان ظل يستظل به.الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم وأن الجمعة وقتها بعد زوال الشمس؛ واستدلوا على ذلك بحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس )، فقال: ( حين تميل الشمس )، وهذا أخرجه البخاري في صحيحه.وأيضاً: حديث سلمة بن الأكوع قال: ( كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ).وذهب بعض أهل العلم كـالخرقي من الحنابلة إلى أن الجمعة يصح فعلها قبل الزوال بساعة؛ واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا دخل الإمام دخلت الملائكة.. ) إلى آخره.فهنا قال: في الخامسة: ( قرب بيضة )، والزوال يكون بعد السادسة، وقال: ( فإذا دخل الإمام )، فدل ذلك على أن دخول الإمام يكون بعد الخامسة، والزوال يكون بعد السادسة. والأقرب في هذا أن الإنسان يسلك ما سلكه جمهور أهل العلم, وأنه يجوز تقديم الجمعة قبل الزوال بشيء يسير هذا لا بأس به، وأدلة الحنابلة تدل على أنه يجوز تقديمها بشيء يسير، لكن لا تدل على أنها تفعل كما تفعل صلاة العيد. نقول: هذا لم يرد فيه دليل على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الدليل دل على أنه لو بادر بها قبل الزوال بشيء يسير فنقول: بأن هذا لا بأس به؛ كما في حديث جابر قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين الزوال )، فهذا يفهم أن الجمعة تقدمت بشيء يسير. وأيضاً: حديث سلمة بن الأكوع : ( أنهم يصلون الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهبون يتتبعون الفيء، وليس للحيطان ظل يستظل به ).المسألة الثانية: آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر بالإجماع، ووقت صلاة الظهر ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، فكذلك أيضاً صلاة الجمعة آخر وقتها ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله. أما بالنسبة لوقت الاستحباب, صلاة الجمعة يستحب أن تفعل بعد الزوال مباشرة؛ لما تقدم من حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس )، وهذا في البخاري ، وأيضاً حديث سلمة : ( كنا نجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس )، وهذا في الصحيحين.فنقول: بأن وقت صلاة الجمعة المستحب هو بعد زوال الشمس مباشرة، ولا يشرع الإبراد بها إذا كان في شدة حر، صلاة الظهر في شدة الحر يشرع الإبراد بها، أما الجمعة ففي شدة الحر لا يشرع الإبراد بها: أولاً: لما تقدم من الأدلة: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس ) كما في حديث سلمة بن الأكوع وحديث أنس رضي الله تعالى عنهما. وأيضاً أن الناس ينتابون الجمعة مبكرين، ويندب لهم ذلك، فلو قيل: بالإبراد وأن الجمعة تؤخر إلى قرب العصر حتى ينكسر الحر لكان في ذلك مشقة؛ لأن الناس كما أسلفت يأتونها مبكرين من أول النهار، فلو قلنا: بأنه يبرد بها لكان في ذلك مشقة ظاهرة عليهم.

    الشرط الثاني: الاستيطان في قرية
    قال المؤلف رحمه الله: [في قرية]. هذا الشرط الثاني، وهو: أن يكونوا مستوطنين في قرية، وعلى هذا كما أسلفنا المسافر السائر ليس له أن يقيمها، وأيضاً غير المستوطن ليس له أن يقيمها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر الأعراب حول المدينة بإقامة صلاة الجمعة.

    الشرط الثالث: العدد
    قال المؤلف رحمه الله: [أربعون من أهل وجوبها]. هذا هو الشرط الثالث، الشرط الثالث من شروط صحة الجمعة: أن يكونوا أربعين، وهذا مذهب أحمد والشافعي ؛ واستدلوا على ذلك بأن مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه لما قدم المدينة جمع بهم، قال: وكان عددهم أربعين.وأيضاً: أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه جمع في نقيع الخضمات, وكان عددهم أربعين. وأيضاً: ورد في الحديث: ( مضت السنة أن في كل أربعين: جمعة وفطر وأضحى )، وهذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله أنه لا بد من أربعة؛ واستدلوا بحديث أم عبد الله الدوسية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في كل قرية فيها إمام جمعة وإن لم يكن فيها إلا أربعة )، وهذا الحديث أخرجه الطبراني وابن عدي ، وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.والرأي الثاني رأي الظاهرية: وأنه يكتفى باثنين، الظاهرية قالوا: بأنه يكتفى باثنين؛ لأن أقل الجماعة اثنان. وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يكتفى بثلاثة؛ وهذا أصوب الأقوال؛ لأن الصلاة لا بد لها من جماعة، والخطبة لا بد لها من جماعة، وأقل الجماعة اثنان. لو قلنا برأي الظاهرية لكان الذي يستمع الخطبة واحد، يخطب واحد، ويستمع واحد، والخطبة لا بد لها من جماعة. على رأي شيخ الإسلام يخطب واحد ويستمع اثنان، كذلك أيضاً في الصلاة يخطب واحد ويصلي واحد ويأتم اثنان، فما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الأقرب في هذه المسألة.

    الشرط الرابع: الخطبتان
    قال المؤلف رحمه الله: [وأن تتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة]. هذا الشرط الرابع: أن تتقدم الجمعة خطبتان؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، فقال: (اسعوا إلى ذكر الله) وهنا أمر بالسعي إلى الخطبة، وهذا يدل على الوجوب، فإذا وجب استماع الخطبة وجبت الخطبة من باب أولى، يعني الاستماع فرع، فإذا وجب الفرع وجب الأصل.وأيضاً: حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت )، فإذا وجب الإنصات للخطبة فوجوب الخطبة من باب الأولى، فيشترط تقدم خطبتين. وأيضاً يدل لذلك: مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على هاتين الخطبتين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام داوم عليهما ولم يتركهما، وكذلك أيضاً الخلفاء من بعده، والمسلمون مجمعون عليهما.

    أركان الخطبتين وشروطهما
    قال المؤلف رحمه الله: (في كل خطبة حمد الله)، كل خطبة لها أركان ولها شروط، فأركان الخطبتين على المذهب ستة أركان: الركن الأول: حمد الله، فلا بد من حمد الله في كل خطبة.والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في كل خطبة.والثالث: قراءة آية أيضاً لا بد من ذلك في كل خطبة.والرابع: الوصية بتقوى الله عز وجل.والخامس: الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر.والسادس: أن يوالي بين الخطبتين والصلاة. هذه ستة أركان، والصواب من هذه الأركان أن نقول: لا بد من الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر، وأيضاً لا بد من الموعظة، هذان الركنان هما اللذان يشترطان في خطبة الجمعة، لا بد من الموعظة التي تحرك القلوب وتفيد الناس، وتعالج مشاكلهم، وتذكرهم وتفيدهم فيما ينفعهم، تفيد المسلم فيما ينفعه في أمور العقائد، وفي أمور العمليات، وما يتعلق بالمجتمع… إلى آخره، المهم أن تكون الخطبة مما تفيد وتذكر وتحث على السير إلى الله والدار الآخرة، ونصرة هذا الدين.. إلى آخره، هذا هو المطلوب.أما ما عدا ذلك فآداب وسنن، فكونه يقرأ آية أو آيات، يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، أيضاً حمد الله… إلى آخره هذه آداب للخطبة ينبغي للخطيب أن يأتي بها. أما أن نقول: لو أن الإنسان نسي أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام نقول: الخطبة غير صحيحة ثم بعد ذلك يترتب على ذلك أن تكون الصلاة غير صحيحة فهذا فيه نظر.أما بالنسبة لشروط الخطبة فخمسة شروط: الشرط الأول: الوقت؛ تقدم بيان وقت صلاة الجمعة، فلا بد أن تكون الخطبة بعد دخول الوقت.الشرط الثاني: النية؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ).الشرط الثالث: وقوع الخطبة حضراً.الشرط الرابع: حضور العدد المعتبر لصلاة الجمعة، فإذا كان هذا المعتبر أربعين لا بد أن يحضر أربعون، إذا كان العدد المعتبر ثلاثة لا بد.. إلى آخره كما تقدم، لا بد أن يحضر العدد المعتبر.الشرط الأخير: أن تكون الخطبة ممن تصح إمامته في صلاة الجمعة.قال: (وأن تتقدمها خطبتان، في كل خطبة يحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم). على المشهور من المذهب أنه لا بد من حمد الله كما تقدم في الخطبة، وأنه ركن لكن يقولون: لا يشترط أن يكون الحمد في أول الخطبة، يعني كون الحمد في أول الخطبة هذا ليس شرطاً. والصواب: أن المشروع أن يكون الحمد في أول الخطبة؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه الراتبة أو العارضة أنه استفتح بغير الحمدلة.قال: (وقراءة آية). قراءة آية؛ لحديث جابر بن سمرة قال: ( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس ) أخرجه أبو داود .قال: (والموعظة). تقدم أن الموعظة هي ركن الخطبة، وأنها هي المطلوبة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [19]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (28)


    الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين، ويشرع الاغتسال فيه والتطيب، وينبغي للمسلم التبكير لصلاة الجمعة، والمشروع الصلاة في جامع واحد، ولا يجوز تعدد الجمعة إلا لعذر. وصلاة العيدين لها أحكام خاصة، فلها وقت معلوم وصفة مخصوصة وآداب معلومة.

    تابع صلاة الجمعة
    تقدم لنا شيء من أحكام صلاة الجمعة، وذكرنا من ذلك وجوب صلاة الجمعة، ودليل وجوبها، ومن تجب عليه صلاة الجمعة، وأيضاً ما يتعلق بشروط صحة صلاة الجمعة من الوقت والخطبتين، وإذن الإمام وغير ذلك مما سبق، وتكلمنا أيضاً عن خطبتي الجمعة وذكرنا أنهما شرط لصحة الصلاة، وأن كل خطبة لها أركان ولها شروط، وذكرنا ما ذكره أهل العلم رحمهم الله من أركان الخطبتين وشروطهما… إلى آخره. ‏

    الخطبة على المنبر
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يخطب على منبر]. يستحب للإمام يوم الجمعة أن يخطب على منبر؛ ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ المنبر من طرفاء الغابة وخطب عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يخطب على جذع نخلة ) ؛ ولأن خطبة الإمام على منبر أبلغ في أداء الخطبة، وإيصالها للمستمعين. ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لو لم يخطب على منبر فإن الخطبة صحيحة، فلو خطب على الأرض فإن خطبته صحيحة، وهذا ظاهر؛ لأن المقصود الخطبة وقد حصلت، وأما اتخاذ المنبر فهذا من باب الكمال.قال المؤلف رحمه الله: [فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم ثم يجلس إلى فراغ المؤذن]. يستحب للإمام إذا صعد على المنبر وأقبل على الناس أن يسلم عليهم، وقد روى جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم عليهم )، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه وغيره، وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يستدل على هذا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حق المسلم على المسلم خمس، وذكر منها النبي صلى الله عليه وسلم: إذا لقيته فسلم عليه ). ولا شك أن الإمام إذا صعد المنبر وأقبل على الناس فإنه لقيهم، فيستحب له أن يسلم عليهم، وكذلك أيضاً يستدل على ذلك بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو وارد عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابن الزبير رضي الله تعالى عن الجميع.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقوم الإمام فيخطب، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية]. يعني: بعد أن يدخل يجلس؛ لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا دخل صعد المنبر ثم بعد ذلك يسلم ويجلس صلى الله عليه وسلم، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يجلس حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب ). أخرجه أبو داود وغيره.وأيضاً: يدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب ).وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الإمام لو خطب جالساً فإن الخطبة صحيحة؛ لأن المراد هو تبليغ الخطبة وأداء الخطبة، وقد حصل ذلك سواء كان جالساً أو قائماً.

    صفة صلاة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة، فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة]. وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع قائم على ذلك، ويستحب للإمام أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الأعلى، وفي الركعة الثانية بسورة الغاشية تارةً، وتارةً يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة المنافقون؛ ويدل لذلك حديث النعمان : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية )، وهذا في مسلم .وحديث أبي هريرة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بالجمعة والمنافقون ) وهذا في مسلم .

    ما تُدرك به صلاة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [فمن أدرك معه منها ركعةً أتمها جمعة]. إذا أدرك المأموم من الصلاة ركعةً أتمها جمعة؛ ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، ويدخل في ذلك صلاة الجمعة، وقد ورد في النسائي وغيره حديث أبي هريرة أيضاً : ( من أدرك ركعةً من الجمعة فقد أدرك الجمعة )، وسواء ثبت هذا الحديث أو لم يثبت فإن عندنا حديث في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).وعلى هذا لو أن الإنسان أتى وقد رفع الإمام من الركوع في الركعة الثانية فقد فاتته صلاة الجمعة، وحينئذ ماذا يفعل؟ العلماء يقولون: يتمها ظهراً إن كان نوى الظهر. يعني: إذا أتيت والإمام قد رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية فأنت تنوي الظهر، تدخل مع الإمام وتصليها ظهراً، فإذا ما نويتها ظهراً ثم تبين لك أن الإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية فإنك تتمها نافلة, ثم بعد ذلك تصلي ظهراً، هذا ذهب إليه جمع من أهل العلم رحمهم الله. والصواب في هذه المسألة: أن الإنسان يصلي الفريضة، وعلى هذا إن أدرك من الجمعة ركعةً فإنه يتمها جمعة، وإن لم يدرك الجمعة فإنه يتمها ظهراً أربع ركعات، هذا هو الصواب في هذه المسألة, ولا بأس أن يحدث الإنسان نيةً في أثناء الصلاة. الصواب في هذه المسألة: أنه يدخل يكبر مع الإمام، فإن تبين له أنه أدرك الجمعة فإنه يصليها جمعة، يعني إذا تبين أن الإمام لم يرفع من الركوع في الركعة الثانية وقد أدرك الركعة الثانية فإنه يأتي بركعة ويتمها جمعة، وإن تبين له أنه قد رفع من الركوع في الركعة الثانية وأن الجمعة قد فاتته فإنه ينوي ظهراً, وتصح صلاته ظهراً.

    نقصان العدد المعتبر في صلاة الجمعة
    قال رحمه الله: [وكذلك إن نقص العدد]. تقدم لنا أن من شروط صحة صلاة الجمعة: الجماعة، وهذا من خصائص صلاة الجمعة، صلاة الظهر لا يشترط لها الجماعة، الجماعة ليست شرطاً؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة )، فصلاة الظهر والعصر لو صلاها الإنسان منفرداً فإن صلاته صحيحة، لكنه إن لم يكن معذوراً ترك واجب الجماعة. لكن بالنسبة للجمعة لا بد لها من الجماعة، وتقدم أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في قدر الجماعة في صلاة الجمعة، فمن العلماء من جعلهم أربعين، منهم من جعلهم أربعة، منهم من جعلهم اثني عشر، منهم من جعلهم ثلاثة، منهم من جعلهم اثنين. وذكرنا أن أقرب الأقوال: هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وأن عدد الجماعة في صلاة الجمعة ثلاثة؛ لأن الخطبة لا بد لها من جماعة، فواحد يخطب واثنان يستمعان، هذا الصواب، وعلى هذا الثلاثة تنعقد بهم الجمعة، لو أن أحد هؤلاء الثلاثة تخلف في أثناء الصلاة فما الحكم؟ هل يتمونها جمعة أو يتمونها ظهراً؟ أو أحد الأربعين إذا قلنا برأي الشافعية والحنابلة أنهم يشترطون أربعين رجلاً، أو رأي الحنفية أنهم يشترطون أربعة، إذا تخلف واحد من هؤلاء هل يتمونها جمعة أو يتمونها ظهراً؟ نقول: الصواب في هذه المسألة أن في هذا تفصيلاً, وهو إن صلوا ركعةً فقد أدركوا الجمعة، يعني: إن صلوا ركعةً ثم تخلف واحد من هؤلاء، يعني إذا أخذنا برأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثلاثة يصلون الجمعة، وبعد أن صلى الإمام ركعة بسجدتيها تخلف أحد هؤلاء الثلاثة، سبقه الحدث مثلاً فنقول هنا: يتمونها جمعةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وإن لم يصلوا ركعةً لم يدركوا الصلاة، يصلونها ظهراً هذا الصواب. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله قال: (وكذلك إن نقص العدد) أنهم يصلونها ظهراً مطلقاً، وهذا فيه نظر. بل الصواب في هذه المسألة: التفصيل الذي أشرنا إليه؛ لأن هذا التفصيل هو الذي دل له حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).

    خروج الوقت أثناء صلاة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [أو خرج الوقت وقد صلوا ركعةً أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً]. يعني: إن صلوا ركعة ثم بعد ذلك خرج الوقت، وسبق أيضاً أن أشرنا إلى أن الجمعة من شروط صحتها الوقت، وهذا من خصائص الجمعة، كما أن الجمعة من شروط صحتها الجماعة، كذلك أيضاً من شروط صحتها الوقت، الظهر يصح أن تفعلها بعد خروج الوقت، أما الجمعة إذا خرج وقتها والناس لم يصلوا الجمعة، فإنهم لا يقدرون على أن يصلوها جمعةً، وإنما يصلون ظهراً. وعلى هذا إن خرج الوقت ننظر إن كانوا صلوا ركعةً قبل خروج الوقت فإنهم يضيفون إليها ركعةً، ويتمونها جمعةً؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وإن خرج الوقت قبل أن يصلوا ركعةً بسجدتيها يعني كبروا للإحرام ثم بعد ذلك خرج الوقت فإنهم لا يتمونها جمعةً، وإنما يتمونها ظهراً، هذا هو الصواب، وهو الذي مشى عليه المؤلف.

    تعدد صلاة الجمعة في المصر الواحد
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها]. أيضاً هذا من خصائص الجمعة أن الجمعة لا تتعدد، بخلاف مساجد الجماعة فإنها تتعدد, ولهذا ورد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في السنن: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر ببناء المساجد في الدور -يعني: في الأحياء- وأن تنظف ). أما بالنسبة للجمعة فإن السنة ألا تتعدد، وأن يكون هناك جامع واحد في البلد، ولهذا لم يحصل تعدد للجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في المدينة، وكان الناس ينتابون الجمعة من العوالي حول المدينة، وأيضاً لم تتعدد الجمعة في عهد أبي بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي .. الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم، ولم يحصل تعدد الجمعة إلا في القرن الثالث لما كبرت بغداد وأصبح لها جانبان -جانب من جهة شرق النهر، وجانب من جهة غرب النهر- فاحتاج الناس أن تقام جمعتان: جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وهذا في حدود سنة مائتين وخمسين للهجرة، من ذلك الوقت تعددت الجمعة أما قبل ذلك فإن الجمعة لم تتعدد. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز أن يصلى في المصر) يعني: في المدينة (أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها)، فإذا دعت الحاجة فلا بأس أن تعدد الجمعة، أما مع عدم الحاجة فإنه لا يجوز. وعلى هذا لو أن الجمعة تعددت بلا حاجة هل تصح الصلاة أو لا تصح الصلاة؟ العلماء يقولون: بأن الصلاة لا تصح، التي تصح هي الجمعة التي أذن بها الإمام أو باشرها، ما عدا ذلك إذا كان إقامة هذه الجمعة بلا حاجة فإنها لا تصح. هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، يقولون: الجمعة الصحيحة هي التي باشرها الإمام أو أذن بها، وما عدا ذلك فإنها لا تصح إذا كان لغير حاجة، فإن استوت الجمعتان في أن كلاً منهما أذن بها الإمام، أو أن الإمام أذن بهذه وباشر تلك، فقالوا: الصحيحة التي سبقت في تكبيرة الإحرام.والرأي الثاني في أصل المسألة: أنه إذا حصل تعدد للجمعة فإن المأمومين معذورون، وصلاتهم صحيحة، لكن يأثم من سعى في تعدد الجمعة إذا لم يكن هناك حاجة كبعد الجامع أو كثرة الناس ونحو ذلك، فإذا لم يكن هناك حاجة فإن من سعى في تعدد الجمعة يأثم، وأما بالنسبة للمأمومين فإن صلاتهم صحيحة، وهذا القول هو الذي مال إليه الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى.
    آداب يوم الجمعة

    الغسل
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل]. صريح كلام المؤلف رحمه الله أن غسل يوم الجمعة مستحب وليس واجباً، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.وعند ابن حزم رحمه الله أن غسل يوم الجمعة واجب، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن غسل يوم الجمعة واجب لمن كان يصيبه عرق أو رائحة. فالأقوال في هذه المسألة ثلاثة: جمهور أهل العلم: أن غسل يوم الجمعة مستحب؛ واستدلوا على ذلك بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ).وأيضاً: ثبت في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من توضأ يوم الجمعة ثم أتى المسجد.. ) إلى آخره. وأما عند ابن حزم رحمه الله فالغسل واجب، واستدل على ذلك بأدلة ظاهرة صريحة كحديث أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) يعني: بالغ، هذا صريح.حديث ابن عمر أيضاً في الصحيحين: ( من جاء منكم الجمعة فليغتسل ).حديث أبي هريرة أيضاً في الصحيحين: ( حق على كل مسلم في كل سبعة أيام أن يغسل رأسه وجسده )، وهذا أيضاً صريح.وأما استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهو استدل بحديث عائشة في الصحيحين قالت: ( كان الناس ينتابون المسجد من العوالي وعليهم العباء فيلحقهم الغبار والعرق، فتظهر منهم الريحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تطهرتم ليومكم هذا ).فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جعل المناط على وجود الرائحة والعرق خشية إيذاء الناس.والأقرب في ذلك ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله؛ لأن كلام النبي عليه الصلاة والسلام صريح قال: ( واجب على كل محتلم )، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام يقول: واجب, كيف لو قاله أحد العلماء؟ لو قال أحد العلماء: واجب تجد أن كثيراً من الناس ممن يقلدون هذا العالم ويأخذون برأيه يسارعون للامتثال، وما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو القدوة والإمام والأصل في المتابعة قال: ( واجب ) فيظهر أن غسل يوم الجمعة واجب.وأما بالنسبة لحديث سمرة فهذا لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل )، هذا لا يثبت لا سنداً ولا متناً، ومتنه هذا فيه ركاكة، ويبعد أن يكون من مشكاة النبوة، كذلك أيضاً في سنده عدم سماع الحسن عن سمرة . وأما ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ ثم جاء إلى الجمعة ) فقد جاء أيضاً في مسلم بلفظ: ( من اغتسل ثم جاء الجمعة )، وعلى هذا الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله.والغريب أن ابن حزم رحمه الله مع أنه أخذ بأن غسل يوم الجمعة واجب، إلا أنه لم يجعله للصلاة، وإنما جعله لليوم، وقال: لو أن الإنسان ذهب إلى المسجد بلا غسل ثم جاء بعد الصلاة واغتسل سقط عنه ذلك, هذا ضعيف، وهذا كله سببه هو عدم النظر إلى المعنى، فإن أهل الظاهر لا ينظرون إلى المعاني وإنما يأخذون بالألفاظ، يجمدون على الألفاظ، هذا لا شك أنه ضعيف جداً، والشريعة قائمة على الحكم، فالحكمة من إيجاب الغسل هو التنظف للصلاة لاجتماع الناس، الناس يجتمعون فيكون الإنسان على هيئة تليق، هذا هو الصحيح.ويبدأ وقت الغسل من طلوع الفجر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أضاف الغسل إلى اليوم، واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وعلى هذا لو أن الإنسان أصابته جنابة ليلاً ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر، ثم اغتسل بعد طلوع الفجر فإنه يجزئه عن غسل يوم الجمعة؛ لأن المقصود التنظف وقد حصل ذلك، مع أن الأفضل أن يكون الغسل عند الرواح؛ لأنه أبلغ في التنظف. فنقول: الغسل له وقتان: وقت جواز من طلوع الفجر الثاني إلى الصلاة، ووقت استحباب وذلك عند الذهاب إلى الجمعة.

    لبس الثياب النظيفة
    قال المؤلف رحمه الله: [ويلبس ثوبين نظيفين]. أيضاً هذا من السنة أن يلبس الإنسان أحسن ثيابه يوم الجمعة؛ ويدل لذلك ما ثبت في صحيح البخاري ( أن عمر رضي الله تعالى عنه وجد حلةً من إستبرق تباع عند المسجد فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! لو ابتعت هذه -يعني: اشتريت هذه- تتجمل بها للجمعة والوفد )، فقال: ( تتجمل بها للجمعة والوفد )، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، وإنما لم يقره على كونها حريراً فقال: ( هذه لباس من لا خلاق له ).

    التطيب والتبكير لصلاة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [ويتطيب]. ويتطيب؛ ويدل لذلك حديث سلمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )، وهذا أخرجه البخاري .فيستحب للإنسان أن يتطيب، وأيضاً إذا كان له شعر أن يرجل شعره؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ويدهن من دهنه )، وألا يؤذي أحداً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا يفرق بين اثنين )، ويفعل ما هو الأخشع له من الصلاة أو الذكر والدعاء، ما هو الأخشع والأصلح لقلبه، وإذا تكلم الإمام فإنه ينصت فإن هذا سبب للمغفرة.قال المؤلف رحمه الله: [ويبكر إليها]. السنة أن يبكر؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا حضر الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )، فيستحب للإنسان أن يبكر. والتبكير هذا اختلف أهل العلم رحمهم الله فيه، الإمام أحمد يقول: من بعد صلاة الفجر، وعند أبي حنيفة : من بعد طلوع الشمس، وعند الشافعي : من طلوع الفجر يعني يبكر قبل الصلاة. الإمام مالك رحمه الله مذهبه في التبكير غريب، الإمام مالك رحمه الله يرى أن هذه الساعات أجزاء من الساعة الأخيرة قبل الزوال، فإذا كان مثلاً الزوال يبدأ في الساعة الثانية عشرة التبكير عند الإمام مالك رحمه الله من الساعة الحادية عشرة تقريباً، يقسم هذه الساعة، هذا لا شك أنه ضعيف، ومثل ذلك أيضاً في صلاة العيدين يرى التبكير يكون من بعد طلوع الشمس، وهذا أيضاً ضعيف.الصواب في التبكير -والله أعلم- ما ذهب إليه أبو حنيفة أو الإمام أحمد أنه من بعد صلاة الفجر، أو أنه من بعد طلوع الشمس، فمن قال: بأنه من بعد طلوع الشمس هذا له وجه؛ لأن الإنسان قبل طلوع الشمس مشغول بالصلاة والجلوس في المصلى؛ لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حتماً. ومن قال: إنه من بعد الصلاة هذا أيضاً له وجه، لكن ربما يترجح مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وعلى هذا إذا قلنا بأن الأقوى هو ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله: تبدأ الساعات من بعد طلوع الشمس، وإن قلنا: بأن الأقرب ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله: تبدأ الساعات من بعد الصلاة.

    صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما]. ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر : ( ويتجوز فيهما )، فإذا دخل والإمام يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، يوجز فيهما: يخفف فيهما.

    الإنصات في خطبة الجمعة
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا الإمام أو من كلمه الإمام]. لا يجوز الكلام والإمام يخطب؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت )، فالكلام حال الخطبة محرم ولا يجوز.وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( والإمام يخطب ) يشمل كل أجزاء الخطبة، ما يتعلق بأركانها، وما يتعلق بمستحباتها، هذا هو ظاهر الحديث، وأما تفريق بعض أهل العلم بين الأركان وبين المستحبات فقال: بأنه لا بأس أن يتكلم إذا شرع الإمام في الدعاء هذا فيه نظر؛ لأن هذا الدعاء من الخطبة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( والإمام يخطب ). كذلك أيضاً يؤخذ من الحديث أنه لا بأس أن يتكلم الإنسان إذا جلس الإمام بين الخطبتين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( والإمام يخطب )، وكذلك أيضاً قبل شروع الخطبة إذا جلس على المنبر، وكذلك أيضاً إذا انتهى من الخطبة قبل إحرامه بالصلاة، الكلام في هذه المواضع الثلاثة كلها جائزة. وقوله: (إلا الإمام) يدل لذلك ما تقدم من حديث جابر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن دخل وجلس: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين ).وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتكلم في خطبته مع المأمومين مع الصحابة، وأن الصحابة يكلمونه، فعند المصلحة لا بأس أن الإنسان يتكلم مع الإمام إذا لم يسمع الخطبة، إذا لم يفهم شيئاً، لا بأس أن يتكلم مع الإمام، وأن يسأله… إلى آخره، فكلام الإمام مع المأمومين، أو كلام المأمومين مع الإمام هذا كله جائز ولا بأس به، وهو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا ما تقدم.قال: (أو من كلمه الإمام)؛ ويدل لذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قائماً يخطب، فدخل رجل فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل وجاع العيال فادع الله أن يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ) إلى آخره، فهذا يدل على أنه لا بأس أن يتكلم الإنسان مع الإمام.

    صلاة العيدين

    قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة العيدين]. العيدان جمع عيد، والعيد في اللغة: اسم لما يتكرر ويعود مجيئه.وأما في الاصطلاح: فالمراد بهما يوم الفطر ويوم الأضحى. والأعياد في الإسلام ثلاثة لا رابع لها: عيدان في السنة، وعيد في الأسبوع، أما العيدان اللذان في السنة فهما عيد الفطر وعيد الأضحى، وأما عيد الأسبوع فهو يوم الجمعة، ما عدا هذه الثلاثة الأعياد فإنها ليست شرعية، ما عداها من الأعياد التي يحدثها الناس أو يقلد فيها الناس المشركين أعياد مبتدعة ليست أعياداً شرعية.الأصل في صلاة العيدين الكتاب والسنة, كما استنبطها بعض المفسرين من قول الله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] ، فقالوا: بأن المراد بالزكاة هنا زكاة الفطر، والمراد بالصلاة هنا صلاة العيد. وأيضاً استنبطها آخرون من قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ، قالوا: بأن المراد هنا صلاة عيد الأضحى، والنحر المراد به هنا الأضحية.أما بالنسبة للسنة فهذا ظاهر من حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: ( أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى )، وهذا في الصحيحين، والإجماع قائم على شرعيتها. ‏

    حكم صلاة العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [وهي فرض كفاية]. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنها فرض كفاية، والمؤلف رحمه الله ذكر أنها فرض، وأن هذا الفرض على الكفاية. أما الدليل على أنها فرض فقالوا: بأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها النساء، كما سلف من حديث أم عطية ، فالرجال من باب أولى، وأيضاً الله عز وجل أمر بها في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ، وأيضاً داوم النبي عليه الصلاة والسلام عليها والصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقالوا: هذا دليل على أنها فرض. وأما الدليل على أن هذا الفرض على الكفاية وليس على سبيل الأعيان أنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وإذا كانت من شعائر الإسلام الظاهرة, وقام بإظهارها طائفة من الناس سقط الفرض عن الباقي.وعند مالك والشافعي رحمهم الله أنها سنة؛ واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى اليمن فقال: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، فقال: ( خمس صلوات في اليوم والليلة )، فدل على أن الفرض هي هذه الصلوات الخمس. وأيضاً استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله في الصحيحين في قصة الرجل الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شرائع الإسلام وسأله عن الصلاة فقال: ( خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع ). وعند أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها واجبة على الأعيان وليست على الكفاية، على يعني أنها فرض عين، يجب على الرجال المكلفين أن يصلوها. والدليل على ذلك هو أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج النساء، فإذا كانت المرأة مأمورة فمن باب أولى الرجل، فالأحوط والأقرب ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام أنها فرض عين.وأما بالنسبة للنساء لا تجب عليهن صلاة العيد؛ لأنهن لسن من أهل الجمعة والجماعة.

    اشتراط الجماعة في صلاة العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم]. يعني: صلاة العيد كصلاة الجمعة تشترط لها الجماعة، والخلاف في عدد الجماعة في صلاة العيدين كالخلاف في عدد الجماعة في صلاة الجمعة. والمشهور من مذهب أحمد والشافعي رحمهم الله: أن العدد المعتبر في الجمعة أربعون، وعند أبي حنيفة أربعة، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ثلاثة.. إلى آخره، وسبق أن أشرنا أن الأقرب في ذلك ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

    وقت صلاة العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال]. وقت صلاة العيدين من ارتفاع الشمس إلى الزوال؛ ويدل لذلك حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه: ( أنه شهد العيد مع الناس عيد الفطر أو الأضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح ). فقوله: ( حين التسبيح ) المراد بذلك حين حل النافلة، والنافلة تباح وتحل إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح، فدل ذلك على أن صلاة العيدين تكون في هذا الوقت من ارتفاع الشمس إلى الزوال, يعني آخر الوقت هو الزوال، هذا يدل له ما رواه رجال من الأنصار ( أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم عشية فأخبروه أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالفطر، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد )، فهذا دليل على أن وقت صلاة العيدين ينتهي بزوال الشمس.فوقتها وقت الجواز من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى الزوال، والاستحباب سيذكره المؤلف رحمه الله: تعجيل الأضحى وتأخير الفطر.

    صلاة العيدين في المصلى
    قال المؤلف رحمه الله: [والسنة فعلها في المصلى]. ويدل لذلك حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى )، فالسنة أن تفعل في المصلى، العلماء رحمهم الله يقولون: يكره أن تفعل في الجامع إلا إذا كان هناك عذر، إذا كان هناك عذر فلا بأس؛ فإن علياً رضي الله تعالى عنه خلف أبا مسعود يصلي بضعفة الناس يوم العيد، فإذا كان لعذر فإن هذا لا بأس به، أما إذا كان لغير عذر فإنه يكره، العذر مثل كثرة الناس، وضيق المصلى، أو مثلاً وجود أمطار ونحو ذلك فهذا لا بأس به.استثنى العلماء رحمهم الله مكة، قالوا: صلاة العيد تفعل في الحرم، ولا يخرج الناس، وذكر العلماء رحمهم الله العلة من ذلك قالوا: بأن مكة فيها الكعبة والناس يتوجهون إليها، فليس من اللائق أن يترك الناس القبلة خلف ظهورهم وهم مأمورون بالتوجه إليها، وأيضاً شرف البقعة، وأيضاً ثالثاً أنه لم يعهد عن السلف رحمهم الله ترك المسجد، والعلة الرابعة: أن مكة ليست كغيرها من البلاد، قد يكون الخروج خارج البلد فيه شيء من المشقة لكثرة جبالها، وعدم تيسر طرقها… إلى آخره، فيستثنى من ذلك مكة، فإن السنة أن تفعل صلاة العيد في المسجد، ما عدا ذلك فالسنة أن تفعل صلاة العيد في المصلى كما سبق؛ لحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه.
    تعجيل صلاة عيد الأضحى وتأخير صلاة عيد الفطر

    قال المؤلف رحمه الله: [وتعجيل الأضحى، وتأخير الفطر]. هذا وقت الاستحباب، السنة بالنسبة لصلاة عيد الفطر أن تؤخر عن أول الوقت، فلا تفعل بعد ارتفاع الشمس مباشرةً، وذلك أنه يستحب في صبح يوم العيد إخراج زكاة الفطر، فلكي يتسع وقت الإخراج للناس يستحب للإمام أن يؤخر الصلاة شيئاً, وأما بالنسبة للأضحى فإنه يستحب للإنسان أن يمسك حتى يأكل من أضحيته. وعلى هذا يستحب للإمام أن يبادر لصلاة الأضحى، وأن يفعلها في أول الوقت لكي يبادر الناس إلى نسكهم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [20]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (29)


    لصلاة العيدين صفة مخصوصة جاءت بها السنة، وهي أن يبدأ الإمام بالصلاة ركعتين يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً ثم يخطب بعدها، ويستحب التكبير في العيدين والاغتسال وغير ذلك من الآداب.
    آداب يوم العيد

    الفطر قبل الخروج لصلاة عيد الفطر

    تقدم لنا شيء من أحكام صلاة الجمعة، وأتممنا الحديث على هذا الباب، ثم شرعنا في باب صلاة العيدين، وأخذنا شيئاً من أحكام صلاة العيدين، فتكلمنا عن حكم صلاة العيدين، وأن المؤلف رحمه الله يرى أنها فرض على الكفاية، وذكرنا أن الأقرب ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله أنها فرض عين، وأيضاً تكلمنا عن عددها، وكذلك أيضاً عن وقتها، وأن وقتها من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى الزوال، وذكرنا الدليل على ذلك، ثم تكلمنا على قول المؤلف رحمه الله: (والسنة فعلها في المصلى..) إلى آخره. قال المؤلف رحمه الله: [والفطر في الفطر خاصةً قبل الصلاة]. يوم العيد يشتمل على آداب، من هذه الآداب: أن يفطر في الفطر قبل أن يخرج إلى الصلاة، فيستحب للإنسان في يوم عيد الفطر قبل أن يخرج إلى الصلاة أن يفطر، وأن يكون فطره على تمرات؛ لما روى بريدة رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي ).وورد أيضاً في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على تمرات، ويأكلهن وتراً ).فيستحب قبل خروج الإنسان إلى مصلى العيد أن يفطر على تمرات على ثلاث أو خمس أو سبع، ويبدأ مشروعية أكل هذه التمرات من طلوع الفجر الثاني إلى الذهاب إلى المصلى، فإذا ذهب الإنسان إلى المصلى انتهت هذه السنة؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم. والحكمة من أكل هذه التمرات والإفطار قبل الخروج هو تحقيق فطر ذلك اليوم وتأكيده أن ذلك اليوم يوم عيد، ويوم العيد يحرم صومه، فلتحقيق فطر ذلك اليوم يشرع أن يأكل قبل أن يخرج تمرات.وأما بالنسبة في عيد يوم الأضحى فالسنة ألا يأكل شيئاً؛ لما تقدم من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يطعم يوم النحر حتى يصلي، فإذا صلى وذبح أضحيته أكل منها )؛ لقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]. قال العلماء رحمهم الله: ويستحب أن يأكل من كبدها؛ لأن الكبد أسرع نضوجاً وأسهل هضماً، ( والنبي عليه الصلاة والسلام لما نحر بدنه -قد أهدى مائة بعير- أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعةً من اللحم، فطبخت في قدر فأكل من لحمها وشرب من مرقها ).

    الغسل
    قال المؤلف رحمه الله: [ويسن أن يغتسل]. أيضاً هذا من الآداب، في يوم العيدين يستحب للإنسان أن يغتسل، والاغتسال ورد فيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس وحديث الفاكه بن سعد رضي الله تعالى عنهم، لكنه ثابت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو ثابت عن ابن عمر والسائب بن يزيد . فنقول: يشرع للإنسان أن يغتسل يوم العيد؛ لورود ذلك عن الصحابة، والغسل يوم العيد يكون من بعد طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني يوم العيد فإنه يستحب للإنسان أن يغتسل، ولو أن الإنسان وجب عليه الغسل ثم استيقظ بعد الفجر واغتسل فإن هذا كاف.

    التنظف
    قال المؤلف رحمه الله: [ويتنظف]. المراد بالتنظف أمران: الأمر الأول: أخذ ما أمر الشارع بأخذه شرعاً.والأمر الثاني: أخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه طبعاً.أما الأول فهو أخذ ما أمر الشارع بأخذه فهذا يشمل سنن الفطرة كتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الشارب، هذه الأشياء يقول المؤلف رحمه الله: (يتنظف) يعني: يأخذها في يوم العيد، لكن لم يرد في ذلك سنة.والسنة في مثل هذه الأشياء أن يأخذها الإنسان إذا طالت، فإذا طالت هذه الأشياء مع الإنسان فإنه يستحب له أن يأخذها، سواء كان ذلك في يوم العيد أو في غيره، وعلى هذا ينظر الإنسان في يوم العيد فإن كانت هذه الأشياء طويلة يعني أظافره وشاربه وعانته وإبطه فإنه يأخذ ذلك.وأما الأمر الثاني: قطع ما يشرع قطعه طبعاً أو تدعو الحاجة إلى قطعه طبعاً فهو قطع كل رائحة كريهة، يقطع كل رائحة كريهة؛ لأنه يجتمع بالناس، وإذا كان عنده شيء من الروائح غير الطيبة ربما تأذى الناس بهذه الرائحة.

    التطيب
    قال المؤلف رحمه الله: [ويتطيب]. أي: يسن أن يتطيب في يوم العيد، وهذا أيضاً لم ترد فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال العلماء رحمهم الله: يوم الجمعة يشرع فيه الطيب، وهو يوم عيد، فكذلك أيضاً يوم الأضحى ويوم الفطر كل منهما عيد، فما دام أنه ورد الدليل على التطيب في العيد الأصغر فكذلك أيضاً في العيد الأكبر وهو عيد الفطر وعيد الأضحى.

    صفة صلاة العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة]. صلاة العيد ركعتان بإجماع المسلمين، ولا يشرع لها الأذان ولا الإقامة؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة ولا نداء؛ لأن هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والعبادات مبناها على التوقيف. قال المؤلف رحمه الله: [يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام]. وهذا دليله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع وفي الثانية خمس ) أخرجه أبو داود ، وكذلك أيضاً حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وهو ثابت يعني يصح بشواهده. فيستحب للإمام أن يكبر في صلاة العيد في الأولى بسبع، وفي الثانية بخمس؛ كما ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وهذه التكبيرات تسمى بالتكبيرات الزوائد، وهذه التكبيرات كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله سبع في الأولى مع تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس بلا تكبيرة القيام، في الأولى سبع ويحسبون تكبيرة الإحرام، في الثانية خمس دون تكبيرة القيام، وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً قال به الإمام مالك ، وأيضاً قال به الشافعي إلا أن الشافعي رحمه الله يقول في الأولى: سبع بلا تكبيرة الإحرام، عند مالك وأحمد : سبع مع تكبيرة الإحرام، وعند الشافعي : سبع بلا تكبيرة الإحرام، لا تحسب تكبيرة الإحرام. وأما الثانية فهم يتفقون على أنها خمس دون تكبيرة القيام، يعني إذا قمت قلت: الله أكبر هذه لا تحسب، ثم تكبر الخمس الزوائد، هذه يتفق عليها الشافعي ومالك وأحمد ، لكن في الأولى منهم من قال: تحسب تكبيرة الإحرام، ومنهم من قال: سبع بلا تكبيرة الإحرام، وقال أبو حنيفة : التكبيرات الزوائد ثلاث أن يكبر ثلاثاً ثلاثاً، والأقرب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.قال المؤلف رحمه الله: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة]. يرفع يديه مع كل تكبيرة: الله أكبر، الله أكبر، يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن هذا ورد في تكبيرات الجنائز عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـابن عمر وابن عباس ، وورد أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً في الدارقطني ، وهذا صححه الشيخ عبد العزيز رحمه الله، فيرفع يديه مع التكبيرات، هذا وارد عن الصحابة، وكذلك أيضاً ورد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وارد عن الصحابة في تكبيرات الجنائز، وكذلك أيضاً في تكبيرات العيد. قال المؤلف رحمه الله: [ويحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين]. يعني: بين كل تكبيرتين يقول: الله أكبر ثم يذكر الله يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أو يقول: الله أكبر، اللهم صل على محمد، الحمد لله، يذكر الله بين كل تكبيرتين، وهذا ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن كما أخرجه الطبراني والبيهقي ، وهذا أيضاً قال به الشافعي . وذهب بعض أهل العلم كـأبي حنيفة ومالك أنه لا يذكر بين التكبيرات، أبو حنيفة ومالك قالا: لا يذكر بين التكبيرات، بل يوالي بين التكبيرات، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر يوالي بينها، وقال ابن القيم رحمه الله: يفصل بين كل تكبيرتين بسكتة. وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو الوارد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.فإذا شرع في صلاة العيدين يبدأ -أولاً- بالاستفتاح يستفتح، ثم بعد الاستفتاح يكبر التكبيرات الزوائد، يكبر أولاً تكبيرة الإحرام ثم يستفتح ثم بعد ذلك يكبر التكبيرات الزوائد، بعد أن ينتهي من التكبيرات الزوائد يستعيذ ويقرأ ويبسمل؛ لأن الاستعاذة والبسملة هذه ليست للصلاة، وإنما هي للقراءة. فالترتيب كما يلي: أولاً يبدأ بتكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك يستفتح، ثم بعد ذلك يكبر التكبيرات الزوائد، ثم بعد ذلك يستعيذ، ثم يبسمل، ثم يقرأ الفاتحة.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة]. قوله: (يجهر فيهما بالقراءة) لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخبروا بما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في العيد، فدل ذلك على أنهم كانوا يسمعون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: يجهر فيهما بالقراءة.ولم يذكر ما هي هذه السورة التي تقرأ، وإنما قال المؤلف رحمه الله: (يقرأ الفاتحة وسورةً يجهر فيهما بالقراءة)، وقد ورد في ذلك سنتان عن النبي صلى الله عليه وسلم:السنة الأولى: أن يقرأ في الركعة الأولى بـ(سبح)، وفي الركعة الثانية بـ(هل أتاك حديث الغاشية)، وهذا كما ورد من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه.والسنة الثانية: أن يقرأ في الركعة الأولى بـ (ق)، وفي الركعة الثانية يقرأ بسورة (اقتربت الساعة). هاتان سنتان، وقد سبق أن أشرنا إلى أن السنن التي وردت على وجوه متنوعة يستحب للإنسان أن يقرأ بهذا تارة، وبذاك تارةً أخرى.

    الخطبة بعد صلاة العيدين
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا سلم خطب خطبتين]. يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن هاتين الخطبتين بعد الصلاة، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، فإن الجمهور يرون أن هاتين الخطبتين بعد الصلاة؛ كما ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون ويخطبون بعد الصلاة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس أن يخطب قبل الصلاة كالجمعة، قالوا: لوروده عن عمر وعثمان ومعاوية رضي الله تعالى عنهم، لكن الوارد عن عمر وعثمان هذا شاذ لا يثبت، نقول: بأنه شاذ مخالف لما ثبت عنهم في الصحيحين أنهم كانوا يصلون قبل الخطبة في العيد. ففي الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة )، فنقول: ما ورد عنهم رضي الله تعالى عنهم شاذ، والصواب في ذلك أن الخطبة في العيدين تكون بعد الصلاة.قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان فطراً حثهم على الصدقة، وبين لهم حكمها]. يقول المؤلف رحمه الله: إن كان العيد عيد الفطر فإنه في الخطبة يبين لهم صدقة الفطر، ويحثهم عليها، يعني يحثهم على صدقة الفطر ويبينها لهم. وهذا فيه نظر؛ لأن صدقة الفطر انتهى وقتها، صدقة الفطر وقتها إلى الصلاة، ولهذا جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات )، فهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يؤخر زكاة الفطر إلى ما بعد صلاة العيد، فإن تعمد ذلك فإنها لا تقبل منه ويكون آثماً، لكن إن كان معذوراً كأن ينسى إخراجها، أو يوكل أحداً لكي يخرجها ولم يخرجها فإنه يخرجها. وعلى هذا يكون كلام المؤلف رحمه الله فيه نظر، يقول: يحثهم على الصدقة يعني صدقة الفطر ويبين لهم حكمها هذا فيه نظر؛ لأن وقت الزكاة انتهى، فكونه يحثهم على ذلك هذا يتكلم عن شيء قد مضى حكمه، لكن المؤلف رحمه الله ذكر ذلك؛ لأن الحنابلة رحمهم الله يرون أن زكاة الفطر يمتد وقتها إلى غروب الشمس، يعني يكره أن تؤخرها إلى بعد الصلاة، ويجوز أن تدفعها في سائر اليوم إلى غروب الشمس، فإن كان بعد الغروب فهذا يحرم، والصواب أنه يحرم تأخيرها إلى ما بعد الصلاة.قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية]. نقول: هذا صحيح، في الأضحى تبين لهم حكم الأضحية، ولا يقتصر على ذلك، بل يبين للناس ما يحتاجون إليه، يعني يتلمس حاجات الناس وما يحتاجون إلى التنبيه عليه ونحو ذلك فيبينه لهم، ويبين أيضاً في خطبته أحكام الأضحية؛ لأن الناس مقبلون على ذبح الأضاحي، وقد يجهلون شيئاً من أحكامها.

    حكم التكبيرات الزوائد والخطبتان في صلاة العيد
    قال المؤلف رحمه الله: [والتكبيرات الزوائد والخطبتان سنة]. التكبيرات الزوائد سنة، يعني لو أن الإنسان كبر للإحرام ولم يكبر التكبيرات الزوائد، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن هذه التكبيرات الزوائد سنة. والدليل على أنها سنة أنها زائدة عن الصلاة العادية. كذلك أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: (الخطبتان سنة)؛ والدليل على أنها سنة قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في أبي داود : ( إنا نخطب، ومن أحب أن يجلس فليجلس، ومن أحب أن ينصرف فلينصرف )، فعدم وجوب الاستماع لهما يدل على عدم وجوبهما. فهم يقولون: لو كانت خطبة العيدين واجبة لوجب على المأمومين أن يستمعوا لها، عدم وجوب الاستماع يدل على عدم وجوب خطبة العيد، وهذا الاستدلال فيه نظر. فنقول: هذا الحديث دل على أنه لا يجب الاستماع إلى خطبة العيد، لا يجب على الإنسان أن يجلس، إن أحب أن يجلس فليجلس، وإن أحب أن ينصرف فلينصرف، لكن بالنسبة للإمام فإنه يخطب بالناس، ولا نقول: بأن الخطبة في حقه سنة، بل هو مأمور بالخطبة؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام داوم على ذلك، وكون النبي عليه الصلاة والسلام داوم على ذلك يدل على أن الخطبة مأمور بها. فنقول: الأقرب في ذلك أن الإمام يجب عليه أن يخطب، فإن جلس أحد معه واستمع الحمد لله وهذا هو الظاهر، وإن لم يجلس أحد فإنه يسقط عنه الوجوب.وقوله قبل ذلك: [فإذا سلم خطب خطبتين]. يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن العيد له خطبتان وليس خطبة واحدة، تقدم لنا أن الاستسقاء له خطبة واحدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب في الاستسقاء إلا خطبة واحدة، بالنسبة للعيدين قالوا: بأن لها خطبتين؛ بدليل حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم فطر أو أضحى فخطب خطبةً قائماً، ثم قعد قعدة، ثم قام )، فقالوا: بأن هذا يدل على الخطبتين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خطب قائماً، ثم قعد، ثم قام، لكن هذا الحديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمتأمل للسنة الصحيحة يظهر له أنه يشرع خطبة واحدة، هذا الذي يظهر من السنة، النبي عليه الصلاة والسلام خطب خطبة واحدة، خطب الرجال خطبة واحدة ثم بعد ذلك ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النساء وخطبهن وذكرهن.

    التنفل قبل صلاة العيد وبعدها
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها]. يقول المؤلف رحمه الله: إنه لا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضعها، يعني: يأتي ويجلس ولا يتنفل، ثم بعد ذلك إذا انتهت الصلاة فإنه يخرج ولا يتنفل في الموضع؛ ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما )، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله أنه يكره للإنسان أن يتنفل قبل الصلاة أو بعدها في موضعه. وعند الشافعي رحمه الله أن هذا لا يكره، أنه يجوز أن يتنفل قبل الصلاة وبعد الصلاة، هذا رأي الشافعي رحمه الله قال: يستثنى من ذلك الإمام، فالإمام ليس له ذلك، أما من عداه فإن له ذلك. وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم الواردة في هذه المسألة مختلفة، وإذا كان كذلك فإننا نرجع إلى الكتاب والسنة، عند التنازع يكون الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والكتاب والسنة يدلان على أن الصلاة فعل خير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لمن سأله مرافقته في الجنة: ( أعني على نفسك بكثرة السجود )، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ). وعلى هذا نقول: الإنسان إذا أتى بصلاة العيد لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن تكون الصلاة في المصلى، فنقول: يجلس ولا يصلي؛ لأن المصلى لا يأخذ حكم المسجد فلا تشرع له تحية المسجد، نقول: هذا لا تشرع له، وإن كان وقت النهي لا يزال باقياً فإنه لا يجوز له أن يتنفل، إن كان وقت النهي لا يزال باقياً فإن التنفل لا يجوز له، وإن كان وقت النهي قد زال نقول: الأفضل أن يأتي وأن يجلس وألا يصلي، وأن يشتغل بعبادة الوقت التكبير، يشتغل بالتكبير عبادة الوقت، ولو صلى فإن هذا لا بأس به ولا يكره.فتلخص لنا: أنه إن كانت الصلاة في المصلى فإن كان وقت النهي لا يزال باقياً فلا يجوز له أن يصلي مطلقاً حتى التحية؛ لأن المصلي ليس له تحية، وإن كان وقت النهي قد زال طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح فلا بأس أن يتنفل، يجوز لكن الأفضل أن يشتغل بالتكبير بعبادة الوقت.الأمر الثاني: أن تكون الصلاة في المسجد، فإن كانت الصلاة في المسجد فنقول: أما تحية المسجد فمشروعة مطلقاً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي قتادة : ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، فنقول: تحية المسجد مشروعة مطلقاً سواء كان فيه وقت نهي أو لم يكن فيه وقت نهي، مشروعة مطلقة، أما التنفل بغير تحية المسجد فنقول كما قلنا في القسم الأول: إن كان وقت النهي لا يزال باقياً فلا يتنفل، وإن كان وقت النهي قد زال فله أن يتنفل، لكن الأفضل أن يشتغل بعبادة الوقت وهي التكبير، هذا فيما يتعلق بالتنفل قبل الصلاة. أما التنفل بعد الصلاة فجائز، لكن الأفضل أيضاً ألا يتنفل في المصلى وإنما يتنفل في بيته؛ كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: لا بأس أن الإنسان يتنفل في المصلى أو في المسجد بعد نهاية الصلاة، لكن الأفضل أن يترك ذلك حتى يأتي بيته فيتنفل فيه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ).

    حكم من أدرك الإمام قبل سلامه في صلاة العيد
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها]. يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن صلاة العيد تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام، فإذا كبر للإحرام قبل سلام الإمام التسليمة الأولى أدرك صلاة العيد، فيقضيها على صفتها بالتكبيرات الزوائد. والصواب في هذه المسألة: أن صلاة العيد كغيرها من الصلوات، وأنها لا تدرك إلا بركعة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، ويدخل في هذا صلاة العيد. والصواب: أنه إذا لم يدرك ركعة نقول: بأن صلاة العيد قد فاتت، فلا يقضيها على صفتها، إن جاء والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية نقول: بأن الصلاة قد فاتت، فتصلي ركعتين كسائر النوافل، وأما صلاة العيد فإنها قد فاتت.

    قضاء صلاة العيد
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن فاتته فلا قضاء عليه].يقول المؤلف رحمه الله: من فاتته صلاة العيد فإنه لا يقضي.والراجح أنك إذا جئت والإمام قد سلم فإنك تقضي الصلاة، وبهذا قال الشافعي . واستدل على ذلك بحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ). وأيضاً: ورد عن ابن مسعود أنه قال: ( من فاته العيد فليصل بعدها أربعاً ) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي ، وإسناده صحيح.وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه إذا فاتته صلاة العيد أنه لا يتمكن من قضائها، وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الإنسان إذا فاتته صلاة العيد فإنه لا يتمكن منها؛ ويدل لذلك حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: ( أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ). يؤخذ من هذا الحديث أن صلاة العيد لا تشرع إلا على هذا الوجه، وأنها لا تشرع على غير هذا الوجه، إذ لو كانت مشروعة لشرع للمرأة أن تصليها في بيتها، ولم تؤمر بالخروج، لو كانت مشروعةً لشرع للمرأة أن تصلي في البيت ركعتين كسائر صلواتها. لكن هذا يدل على أنها مشروعة على هذا الوجه وهذا الاجتماع وهذه الهيئة، وأن من لم يصل على هذا الوجه والاجتماع والهيئة فإنه لا يصليها، ولهذا أمرت النساء أن تخرج من أجل أن تدرك هذا الخير، تدرك دعوة المسلمين، وهذا القول هو الأقرب، وأن الإنسان إذا فاتته صلاة العيد فإنه لا يتمكن من قضائها.قال المؤلف رحمه الله: [فإن أحب صلاتها تطوعاً إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً]. إن أحب أن يصلي ركعتين؛ لأن التكبيرات الزوائد سنة فله أن يتركها، وإن أحب أن يصليها على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر صنع كما يصنع كل يوم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )




    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [21]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (30)

    للميت أحكام في الشريعة، فقد اهتمت الشريعة بالإنسان حياً وميتاً، وقد بين العلماء ما يشرع فعله عند المحتضر، ثم ما يفعل بعد موته من تغميض وتجهيز له قبل دفنه، وذلك تغسيله وتكفينه، ثم الصلاة عليه والإسراع به إلى المقابر لدفنه.

    التكبير في العيدين
    سبق لنا في الدرس الماضي شيء من أحكام صلاة العيدين، وذكرنا من ذلك أن السنة فعل صلاة العيدين في المصلى، وأيضاً تطرقنا لوقت استحباب فعل صلاة العيدين، كذلك أيضاً ذكرنا شيئاً من الآداب التي تشرع في يوم العيد، فمن ذلك أن يغتسل، وأن يتنظف، وأن يلبس أحسن ثيابه، وأن يطعم قبل أن يخرج في عيد الفطر، وأن يمسك في عيد الأضحى.. إلى آخره. وتكلمنا أيضاً عن صفة صلاة العيدين، وما يتعلق بالتكبيرات الزوائد، وهل يشرع أن يذكر شيئاً بين التكبيرات أو لا يشرع.. إلى آخره، وهل تقضى صلاة العيد أو لا تقضى صلاة العيد، وما يتعلق بخطبة صلاة العيد.. إلى آخره، ثم بعد ذلك توقفنا على التكبير في العيدين. قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة]. التكبير ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التكبير في عيد الفطر.القسم الثاني: التكبير في عيد الأضحى.

    التكبير في عيد الفطر
    أما التكبير في عيد الفطر فليس فيه إلا تكبير مطلق، وليس فيه مقيد، يعني: ليس فيه تكبير يكون أدبار الصلوات، وإنما هو تكبير مطلق، فيكبر الناس في الأسواق، في المساجد، في البيوت والطرقات.. إلى آخره. ويبدأ وقت هذا التكبير من بعد غروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان، وينتهي كما قال بعض العلماء بالفراغ من الخطبة، كما هو مذهب أحمد ، يعني يستمر هذا التكبير إلى أن تنتهي خطبة صلاة العيد.وقال بعض العلماء: بمجيء الإمام، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يكبر إلى أن يجلس الإمام، وقال بعض العلماء: بالإحرام بالصلاة. والأمر في هذا واسع إن شاء الله؛ والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185] ، وإكمال العدة يكون بغروب شمس آخر يوم من أيام رمضان، فإذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان فقد أكمل الإنسان العدة، ثم قال الله عز وجل: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185] .وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا غدا إلى مصلى العيد غدا مكبراً إلى أن يجلس الإمام، فيستحب التكبير في تلك الليلة، وحين الغدو إلى صلاة العيد، وأن يجهر الإنسان بذلك، وأما المرأة فتخفي لئلا يظهر صوتها للأجانب، لكن إذا كانت في بيتها وعند محارمها فإن هذا لا بأس به، هذا بالنسبة للتكبير في عيد الفطر.

    التكبير في عيد الأضحى
    أما التكبير في عيد الأضحى فينقسم إلى قسمين:القسم الأول: تكبير مطلق.والقسم الثاني: تكبير مقيد.أما التكبير المطلق فيبدأ من أول عشر ذي الحجة، والخلاف في وقت انتهائه كالخلاف في التكبير المطلق في عيد الفطر، فالمشهور عند الحنابلة رحمهم الله أنه ينتهي بالفراغ من الخطبة، وقيل: بمجيء الإمام، وقيل: بإحرام الإمام بالصلاة.والصواب: أن التكبير المطلق يستمر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق. فعندنا: التكبير المطلق، ويبدأ من أول العشر الأول من شهر ذي الحجة، ويستمر على المذهب إلى فراغ خطبة عيد الأضحى، وعلى الصواب الذي اختاره ابن حزم رحمه الله أنه يستمر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، وعلى هذا تكون أيام التكبير المطلق في عيد الأضحى ثلاثة عشر يوماً، وهذا هو الصواب؛ ويدل لذلك حديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) أخرجه مسلم ، وهذا يدل على أن أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله كثيراً في التكبير. وكذلك أيضاً ما ورد في البخاري أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكبر في فسطاطه بمنى وهذا في أيام التشريق، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، وأهل السوق فيكبرون، وترتج منى تكبيراً، عمر يكبر في خيمته. وكذلك أيضاً ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه يكبر في فسطاطه وفي ممشاه في مجلسه، وهذا أيضاً أخرجه البخاري معلقاً، وأيضاً التكبير أيام العشر ورد عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يخرجان في أيام العشر فيكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.فهذا يدل على أن أيام العشر يشرع فيها التكبير. وقلنا: الصواب أن التكبير يبدأ من أول عشر ذي الحجة إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق؛ ويدل لذلك أيضاً أنه يستمر إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق قول الله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.أما بالنسبة للتكبير المقيد فإنه يبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة, ويستمر إلى ما بعد صلاة العصر من آخر يوم من أيام التشريق، وهذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعمر ، وابن عباس ، وعلي ، وابن مسعود ، وهي ثابتة عنهم بأسانيد صحيحة، صححها الحاكم وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من أهل العلم، وقد ورد في ذلك حديثان ضعيفان، لكن هذا ثابت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وعلى هذا يجتمع التكبير المطلق والمقيد في عيد الأضحى من اليوم التاسع؛ لأن التكبير المطلق يبدأ من أول الشهر ويستمر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، التكبير المقيد يبدأ من اليوم التاسع من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر من آخر يوم من أيام التشريق.يقول المؤلف رحمه الله: (ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة). يقول المؤلف رحمه الله: يكبر في الجماعة، وعلى هذا لو أن الإنسان صلى وحده ولم يصل في جماعة فإنه لا يكبر. قالوا ويدل لذلك: بأن هذا هو الوارد عن ابن عمر رضي الله تعالى، فإن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا صلى وحده لا يكبر، وهذا أخرجه ابن المنذر وإسناده صحيح، وكذلك أيضاً قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إنما التكبير على من صلى في جماعة، وهذا أيضاً أخرجه ابن المنذر وإسناده صحيح.وقال بعض العلماء: الأمر في هذا واسع للعمومات، سواء صلى في جماعة، أو صلى وحده أو قضاءً ونحو ذلك؛ لقول الله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] .وكذلك أيضاً حديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ).

    وقت الشروع في التكبير بعد الصلاة
    متى يكبر؟ قال المؤلف: يكبر عقيب الفرائض، وذكرنا كلام أهل العلم حول هذه المسألة، لكن عقيب الفريضة متى يشرع في التكبير؟ قال العلماء: إذا استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، شرع في التكبير, فيستغفر ثلاثاً يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم يقول بعد ذلك: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يشرع في التكبير، يكبر ما شاء الله، ثم بعد ذلك يسبح.

    صفة التكبير
    قال المؤلف رحمه الله: [وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد]. يعني: يكبر شفعاً، وقال الشافعي رحمه الله: يكبر وتراً، يعني تكبر شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، أو أنه يكبر وتراً كما اختاره الشافعي رحمه الله الله أكبر ثلاثاً: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. والإمام مالك رحمه الله يقول: وتراً وشفعاً، فالأمر في هذا واسع، إن كبرت شفعاً أو وتراً نقول: الأمر في هذا واسع.

    الجنائز
    قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الجنائز].الجنائز جمع جِنازة، ويقال: جَنازة، يقال: جِنازة بالكسر، ويقال: جَنازة بالفتح اسم للميت أو للنعش عليه الميت، وقال بعض العلماء: الجَنازة بالفتح اسم للميت، والجِنازة بالكسر اسم للنعش.كتاب الجنائز ذكره العلماء رحمهم الله مع كتاب الصلاة؛ لأن أهم شيء يفعل بالميت هو الصلاة عليه، وإلا فإن العلماء رحمهم الله يذكرون أحكام الجنائز من التغسيل، والتكفين، وكذلك أيضاً الحمل، والدفن، والصلاة.. إلى آخره. وإنما ذكروا كتاب الجنائز في باب الصلاة وإن كان حقه أن يكون بين كتاب الوصايا والفرائض، يعني بعد كتاب الوصايا يكون كتاب الجنائز، ثم كتاب الفرائض، هكذا الترتيب، الوصية تكون قبل الموت، ثم بعد ذلك أحكام الجنائز بعد الموت، ثم الفرائض مال الإنسان بعد أن يموت هذا محله، لكن العلماء رحمهم الله درجوا على أن يذكروه في كتاب الصلاة؛ لأن أهم شيء يفعل بالميت هو الصلاة. ‏
    ما يُفعل بعد موت الميت تغميض عيني الميت إذا تيقن موته
    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا تيقن موته غمضت عيناه]. ذكر المؤلف رحمه الله شيئاً من الآداب التي تكون بعد الموت، بعد قبض الروح، قال: (وإذا تيقن موته غمضت عيناه)، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم غمض أبا سلمة لما مات ).وقوله: (تيقن موته) وذلك بمعرفة علامات الموت، والعلماء رحمهم الله يذكرون علامات للموت، والأطباء لهم علامات أيضاً تدل على موته، فالعلماء يقولون: من علاماته: انخساف صدغيه، الصدغان تجد أنها تنخسف تدخل، وانفصال كفيه، تجد أن كفيه ترتخي، وميل أنفه تجد أن أنفه يميل، وكذلك أيضاً انفصال قدميه تجد أن قدميه تسترخي… إلى آخره، هذه علامات يذكرها الفقهاء رحمهم الله، والأطباء الآن في الوقت الحاضر لهم علامات بسبب ترقي الطب يعرفون بها موت هذا الشخص.

    شد لحيي الميت وجعل شيء على بطنه وتسجيته
    قال المؤلف رحمه الله: [وشد لحياه]. هذا الأدب الثاني، الأدب الأول: أنك تغمض عينيه.الأدب الثاني: أنك تشد لحييه، فتأتي بخرقة وتربط لحييه من فوق الرأس إلى ما أسفل من اللحيين، وهذا ذكر العلماء رحمهم الله له دليلين: الدليل الأول: قالوا: هذا ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه عبد الله : ( إذا أنا مت فضع يدك اليمنى على جبهتي، ويدك اليسرى تحت ذقني وأغمضني )، هكذا أورده ابن قدامة رحمه الله في المغني عن عمر ، ولم يسنده لأحد. أيضاً من النظر قالوا: إن كونه لا تشد لحياه يؤدي هذا إلى أن يبقى الفم مفتوحاً فيكون وسيلةً إلى دخول الهوام، أو قبح المنظر، فكان من الأفضل أن تشد لحياه. قال المؤلف رحمه الله: [وجعل على بطنه مرآة]. هذا الأدب الثالث، إذا مات أن تجعل على بطنه مرآة؛ واستدلوا على ذلك بما يروى عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: ضعوا على بطنه شيئاً من الحديد. وهذا أخرجه البيهقي وهو ضعيف لا يثبت، ولهذا قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ليس في وضع الحديد على بطن الميت سنة تتبع، فما دام أنه لا يثبت فنقول: ليس من السنة أن يوضع على بطنه شيء.أيضاً من الآداب: أن يسجى الميت، أن يغطى الميت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في الصحيحين: ( لما مات سجي -غطي- ببرد حبرة )، فيستحب أن يغطى بدن الميت.والعلماء رحمهم الله يذكرون بأن الميت إذا مات أصبح كله عورة، وعورته هذه تكون عورتين: العورة الأولى: مخففة.والعورة الثانية: مغلظة. العورة المغلظة ما بين السرة إلى الركبة، وأما العورة المخففة فكله يكون عورةً، يعني يستر عن الأنظار. بل يذكر العلماء رحمهم الله من الآداب: أن هيئة الميت كلها تستر عن الأنظار، يعني لا تكون في مكان عام يرده كل الناس أو أكثر الناس، وإنما يحفظ في مكان خاص. فمن الآداب: أن يسجى كما سجي النبي صلى الله عليه وسلم ببرد حبرة كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
    غسل الميت وما يتصل به صفة غسل الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا أخذ في غسله ستر عورته، ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً]. العلماء يقولون: يستحب وهذا من الآداب أنه إذا مات يعصر بطنه عصراً رقيقاً خفيفاً، وذلك بأن يضع رأسه فوق يده اليسرى، ثم يرفعه إلى قرب جلوسه، ثم يمر يده على بطنه. والعلة في ذلك قالوا: لكي يخرج ما كان متهيئاً للخروج، فإذا كان في بطنه شيء متهيئ للخروج فإنه إذا فعل ذلك يخرج، ولا شك أن الإنسان إذا مات يصبح لا يستمسك وترتخي أعصابه، فإذا كان هناك شيء متهيئ للخروج فإنه يمر يده على بطنه لكي يخرج. لكن قال ابن المنذر رحمه الله: ليس في عصر بطن الميت سنة تتبع، فما دام أنه لم يرد شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: لا يستحب ذلك؛ لأن العبادات توقيفية.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يلف على يده خرقةً فينجيه بها]. من الآداب: أن المغسل يحضر كل ما يحتاج إليه في تغسيله، فيحضر لفافتين، العلماء يقولون: لفافتين: لفافة للفرجين، ولفافة لبقية البدن، والآن ينوب عن هذه اللفائف القفازات، يحضر الآن قفازات للفرجين، وقفازات لبقية البدن، وكذلك أيضاً يحضر الكافور، والكافور هذا نوع من الطيب وسنذكر إن شاء الله شيئاً من فوائده، ويحضر الحنوط، والحنوط أخلاط من الطيب تستعمل للميت خاصة، ويحضر السدر، والسدر هو ورق النبق المطحون، ويحضر الأكفان إلى آخره، فيحضر هذه الأشياء هذا من الآداب.قال: (ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها). يجرده من ملابسه؛ ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا هل نجرده كما نجرد موتانا؟ )، فدل ذلك على أن الموتى يجردون، لكن كما أسلفت يستر، وعورته عورتان: عورة مغلظة ما بين السرة إلى الركبة، وعورة مخففة هي كل البدن، وعلى هذا يستره المغسل، ويدخل يديه تحت الستر ويبدأ بتغسيله.قال المؤلف رحمه الله: [ولا يمس بدنه]. يعني كما قلنا: يحضر قفازات للفرجين، يبدأ أولاً بتنجيته، ينجيه يغسل فرجيه، هذه القفازات خاصة بالفرجين، ثم بعد ذلك يلبس قفازات لبقية البدن، فلا يمس بقية بدنه إلا من وراء حائل، بل يكون قد ستره، ويدخل يديه ويدخل الماء من وراء هذا الحائل؛ لأنه كما أسلفت بعد موته أصبح الميت كله عورة مخففة.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يوضئه]. ينوي ويسمي ثم يوضئه كوضوء الصلاة؛ ويدل لذلك حديث أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للاتي غسلن ابنته: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً.. إلى آخره إلى أن قال: وابدأن بمواضع الوضوء منها )، فدل ذلك على أن السنة أن يوضأ.قال العلماء رحمهم الله: ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه؛ لئلا يحرك ما في بطنه، بل يأتي بخرقة ويلفها على إصبعه، ثم بعد ذلك يبلها ثم يمسح أسنانه، ثم يأتي بخرقة أخرى ويلفها على إصبعه ثم يمسح بها داخل أنفه، وينظف داخل أنفه، ولا يدخل الماء في أنفه ولا في فمه؛ لأن إدخال الماء في الأنف أو الفم يؤدي إلى تحريك ما في داخل البطن، ثم بعد ذلك يوضئه كما يتوضأ الحي، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه.قال المؤلف رحمه الله: [ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر]. يكون عنده الماء ثم يأتي بالسدر، وقلنا: بأن السدر هو ورق النبق المطحون، فيضعه على الماء، ثم يخلطه بأن يقوم بضربه، فإذا ضرب هذا السدر بالماء ستظهر له رغوة، هذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما بالنسبة للثفل الباقي فإنه يغسل به بقية لبدن، فيأخذ هذه الرغوة ويغسل بها رأسه وكذلك أيضاً اللحية. والعلة في أنه يغسل بالرغوة الرأس واللحية أنه لو غسل رأسه ولحيته بالثفل لأدى إلى بقاء أجزاء من السدر في الشعر، فالثفل يكون فيه حبيبات من السدر أو قطع من السدر تبقى في الشعر، فقالوا: بأنه لا يغسل بالثفل الشعر، وإنما يغسل الشعر بهذه الرغوة التي تظهر بعدما يقوم بضرب السدر بهذا الماء.قال المؤلف رحمه الله: [ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يغسله كذلك مرةً ثانية وثالثة]. ثم بعد ذلك يأخذ الثفل ويغسل به الجانب الأيمن، ثم بعد ذلك الجانب الأيسر؛ لحديث أم عطية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها )، فيبدأ بعد أن يوضئه بالشق الأيمن ثم بعد ذلك الشق الأيسر، يفعل هذا مرةً، ثم بعد ذلك مرة ثانية، ثم بعد ذلك مرة ثالثة، يعيد الغسل في كل مرة إلا الوضوء، الوضوء لا يوضئه إلا مرةً واحدة فقط. أما بالنسبة للتغسيل فإنه يغسله ثلاث مرات، هذا هو السنة، جمهور أهل العلم قالوا: يكره أن يقتصر على أقل من ثلاث، يعني يقتصر على واحدة أو اثنتين هذا مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك )، فالسنة أن يغسله ثلاثاً، وأما غسله أقل من ثلاث فهذا مكروه، وعند الظاهرية يحرم أن يغسله أقل من ثلاث غسلات.إذا احتاج له أن يزيد إذا لم ينق يعني لو كان هذا الميت عليه أوساخ مثلاً طال مرضه ولحقه الضنى وتراكمت عليه الأوساخ ويحتاج إلى زيادة على ثلاث فإنه يزيد، نقول للغاسل: زد اغسل رابعة وجوباً، ما دام أنه لم ينق ولم يتنظف فإنه يزيد حتى ينقى ويتنظف، زد رابعة وجوباً، ثم بعد ذلك زد خامسة استحباباً، لكي يبقى على وتر، ما أنقى بخمس فإنه يزيد سادسة وجوباً، ثم بعد ذلك يزيد سابعةً استحباباً، ما أنقى بسبع أيضاً يزيد ثامنة وجوباً، ثم تاسعة استحباباً لكي يبقى على وتر. ودليل ذلك ما أسلفنا من حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ).قال المؤلف رحمه الله: [يمر في كل مرة يده، فإذا خرج منه شيء غسله وسده بقطن]. يقول المؤلف رحمه الله: في كل مرة يمر يده على بطنه، يعني: في كل مرة يمسح بطنه، كل مرة يغسله يمسح بطنه، لماذا يمسح البطن؟ قالوا: لكي يخرج ما كان متهيئاً للخروج، وهذا فيه نظر كما تقدم، وكما نقلنا كلام ابن المنذر رحمه الله, وأنه ليس في عصر بطن الميت سنة تتبع.

    خروج شيء من بطن الميت بعد تغسيله
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر، ويعيد وضوءه]. إن خرج من الميت شيء يعني خرج منه نجاسة فما الحكم هل يعيد الوضوء؟ هل يعيد الغسل؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنهم يقسمون ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يخرج بعد أن يكفن، بعد أن يكفن وتلف عليه ثياب الأكفان يخرج منه نجاسة هذا لا ينظر إليه، ولا تفك الأكفان للمشقة؛ ولأن هذا لا يؤمن عوده، قد نفك الأكفان وننظف ثم نعيد التكفين ثم يخرج… إلى آخره، فنقول: بعد الأكفان هذا لا ينظر إليه.القسم الثاني: أن يكون خروج الخارج قبل الغسلة السابعة، فقالوا: يجب أن يعاد وضوءه وغسله.القسم الثالث: أن يكون خروج الخارج بعد الغسلة السابعة، فقالوا: يجب الوضوء دون الغسل. فيقسمون خروج الخارج ثلاثة أقسام: إن كان بعد الأكفان لا ينظر إليه، إن كان قبل السابعة يجب أن نعيد الوضوء والغسل، إن كان بعد السابعة وقبل التكفين يجب أن نعيد الوضوء دون الغسل مع تغسيل المحل.وعند جمهور أهل العلم أنه لا يجب لا وضوء ولا غسل، وإنما يغسل المحل وينظف، ما عدا ذلك لا يجب، فإن كان بعد التكفين لا ينظر إليه، إن كان قبل أن يكفن خرج منه شيء نقول: لا حاجة إلى أن يعاد الوضوء، ولا أن يعاد الغسل، وإنما ننظف المحل، المحل الذي خرج منه هذه النجاسة نقوم بتنظيفه ثم بعد ذلك محل خروج الخارج يسد بقطن أو بأي شيء يمنع الخارج أو بطين حر… إلى آخره. أما بالنسبة لإعادة الوضوء أو إعادة الغسل الصواب أنه لا حاجة لذلك؛ لأن تغسيل الميت ليس عن حدث، توضئته أيضاً ليس عن حدث، تغسيل الميت إنما هو للتنظيف والتطهير. ولهذا سيأتينا إن شاء الله أنه لا مدخل للتيمم في تغسيل الميت، المقصود من تغسيل الميت تنظيفه وتطهيره، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث ابن عباس - في الذي وقصته راحلته: ( اغسلوه بماء وسدر )، قال: ( سدر ) لأن السدر فيه تنظيف، وقال للاتي غسلن ابنته: ( اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك )؛ لأن المقصود من ذلك التطهير والتنظيف. فالصواب في ذلك: أنه لا حاجة إلى أن يوضأ أو أن يعاد غسله مرةً أخرى، وإنما إذا خرج منه شيء يغسل المحل ويسد الخارج، هذا الخارج نسده بقطن أو بأي شيء آخر كما أشار المؤلف.

    تنشيف الميت بعد تغسيله
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع ثم ينشفه بثوب]. إذا لم ينق بثلاث يقول المؤلف: إذا كانت عليه أوساخ ولم ينق بثلاث يجب أن يزيد رابعةً ثم خامسةً استحباباً، فإذا لم ينق زاد سادسةً وجوباً ثم سابعةً استحباباً.. وهكذا؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث أم عطية .قال: (ثم ينشفه بثوب). ينشفه بثوب أو بمنشفة وغير ذلك، والحكمة في ذلك لئلا تبتل الأكفان.أيضاً يجعل المغسل في الغسلة الأخيرة كافوراً، والكافور هذا نوع من الطيب معروف، والحكمة من وضع الكافور أولاً: أنه يطيب رائحة الميت، ويبعد عنه الهوام، وثانياً: أنه يصلب بدن الميت.

    تطييب الميت وتجمير أكفانه
    قال المؤلف رحمه الله: [ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده، وإن طيبه كله كان حسناً]. بعد أن ينتهي من تغسيله يطيبه، الميت يعد له طيب يقال له: الحنوط؛ ولهذا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي وقصته راحلته قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا تحنطوه )، والحنوط يستعمل في مواضع من الميت: الموضع الأول: في منافذه، فيؤخذ من الحنوط ويوضع في قطن يوضع على منافذ الميت: العينين، والمنخرين، والأذنين، والدبر، هذه منافذ الميت، تأخذ قطن وتضع فيها شيء من الحنوط تضعه على عينيه، وفي أنفه، وعلى فمه، وعلى أذنيه، وأيضاً في دبره، هذا الموضع الأول. الموضع الثاني: مواضع السجود، فيؤخذ من الحنوط ويوضع في قطن وتوضع هذه القطن على مواضع سجوده: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والرجلين، مواضع السجود لشرفها.الموضع الثالث: في مغابنه، مثل عمق السرة، ومثل الإبطين، ومثل طي الركبتين، فيوضع في هذه الأشياء.الموضع الرابع: بين الأكفان، يوضع بين الأكفان شيء من هذا الحنوط، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ولا تحنطوه )، وقد ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح أنه طلا ميتاً بالمسك, فدل ذلك على أنه يوضع في مثل هذه الأشياء، وأيضاً في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن أنساً رضي الله تعالى عنه طلي بالمسك، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإن طيبه كله كان حسناً).قال المؤلف رحمه الله: [ويجمر أكفانه]. يعني: تأتي بالأكفان، الأكفان ثلاث لفائف بيض من قطن كما كفن النبي صلى الله عليه وسلم، وتجمر يعني: تبخر هذه الأكفان، قال العلماء رحمهم الله: ويرش عليها شيء من ماء الورد؛ لكي يعلق فيها هذا البخور، فيؤتى بشيء من ماء الورد ويرش على هذه الأكفان ثم بعد ذلك تجمر؛ لما ثبت في مسند الإمام أحمد رحمه الله وصححه ابن حبان وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً )، فترش هذه اللفائف بشيء من ماء الورد، ثم بعد ذلك تبخر.

    قص شارب الميت وأظفاره إن كانت طويلة
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان شاربه أو أظفاره طويلةً أخذ منه]. بالنسبة لما يتعلق بسنن الفطرة، بالنسبة لقص الشارب، نتف الإبط، حلق العانة، تقليم الأظفار هذه الأشياء الأربعة هل تؤخذ أو لا تؤخذ؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب في ذلك ما مشى عليه المؤلف رحمه الله أنه ينظر إن كانت هذه الأشياء طويلة فإنها تؤخذ، يعني إذا كان شاربه طويلاً أو كانت عانته طويلة، أو إبطه كان طويلاً، كذلك أيضاً بالنسبة للأظافر فإنها تقص، ويكون ذلك من وراء حائل كما ذكرنا أن السنة أنه لا يمس بدن الميت إلا من وراء حائل، فإذا كانت هذه الأشياء طويلة فإنها تقص، أما إذا كانت غير طويلة فإنها تترك، ولا يتعرض لها. وأما بالنسبة للختان وحلق الشعر فهذا يحرم، العلماء يقولون: يحرم؛ لأنه لا حاجة إليه، الختان الحاجة إليه قد زالت بالموت؛ لأنه يحتاج إلى الختان لكي لا يؤدي ذلك احتقان البول في الحشفة، الجلدة هذه تكون على الحشفة وعدم أخذها يؤدي إلى احتقان البول، فيؤدي ذلك إلى تعدي النجاسة، وحبس النجاسة، هذا الآن زال بالموت، وكذلك أيضاً حلق الشعر هذا أيضاً لا حاجة إليه.

    تسريح شعر الميت وتضفيره
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يسرح شعره]. لا يسرح شعر الميت؛ لأن تسريح الشعر يؤدي إلى تقطيعه، يعني لا يأتي بمشط ويقوم بتسريح الشعر، أو المتوفاة إذا كانت امرأةً لا تأتي بمشط وتقوم بتسريح الشعر. وقد ورد في حديث أم عطية قالت: ( فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها )، هذا في صحيح البخاري ، بل يؤخذ الشعر هذا ويضفر، إذا كان شعر الرجل طويلاً أو شعر المرأة يؤخذ ويضفر يجعل ثلاث ضفائر ثلاث جدائل ويلقى من خلفها.

    تكفين الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها، ثم يكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، يدرج إدراجاً]. بالنسبة للتكفين بعد أن ينتهي المغسل من غسله يأتي بالأكفان، والأكفان ثلاث لفائف كما كفن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة ( كفن في ثلاثة أثواب ) ثلاث لفائف، وهذه اللفائف تبسط بعضها فوق بعض. قال العلماء رحمهم الله: ويجعل أعلاها أحسنها وأوسعها، فننظر إلى أحسن هذه اللفائف وأوسعها نجعلها الأولى، ثم نأتي باللفافة الثانية ونبسطها فوقها تماماً، ثم نأتي باللفافة الثالثة ونبسطها فوقها تماماً، يعني اللفائف كهذا الكتاب نجعل اللفافة الأولى ثم نجعل اللفافة الثانية فوقها، ثم نجعل اللفافة الثالثة فوقها، ثم يؤتى بالميت مستلقياً ويجعل على ظهره، وتكون يداه من جانبيه، ثم تلف عليها هذه اللفائف، يؤخذ اللفافة اليسرى وترد على جنبه الأيمن، ثم تؤخذ اللفافة من الجانب الأيمن وترد على جنبه الأيسر، ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، ثم بعد ذلك يربط بثلاث عقد، ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه، يربط بثلاث عقد: عقدة تكون عند رأسه، وعقدة في وسطه، وعقدة عند رجليه.قال المؤلف رحمه الله: [وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس]. في قميص يعني في ثوب؛ لأن ( عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول طلب من النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لكي يكفن فيه أباه لما مات، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام ثوبه فكفن فيه )، ولذلك قال المؤلف: (في قميص وإزار) الإزار ما يستر النصف الأسفل من البدن. والكفن ينقسم إلى قسمين: كفن مجزئ، وكفن كامل، الكفن الكامل أن يكفن بثلاثة أثواب كما كفن النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث لفائف، وأما المجزئ فهو أن يكفن بثوب واحد يستر بشرته.قال المؤلف رحمه الله: [والمرأة تكفن في خمسة أثواب في درع ومقنعة وإزار ولفافتين]. الدرع: القميص. والمقنعة: الخمار. والإزار: ما يستر النصف الأسفل من البدن. واللفافتان معروفتان. فالمرأة تكفن بخمسة أثواب؛ ودليل ذلك حديث ليلى الثقفية رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( كنت فيمن كفن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم.. ) إلى آخره ثم ذكرت الحديث وفيه: ( أنهن كفن ابنته عليه الصلاة والسلام بخمسة أثواب ).لكن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا نقول: الأصل أن المرأة كالرجل، وأن المرأة تكفن في ثلاثة أثواب، كما أن الرجل يكفن في ثلاثة أثواب فإن المرأة تكفن في ثلاثة أثواب، هذا الصواب. نقول: الصواب أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، وأن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا لدليل، والعكس بالعكس، وليس هناك دليل يدل على التفريق بين الرجال والنساء، وهذا الحديث حديث ليلى الثقفية لم يثبت.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [22]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (31)

    صلاة الجنازة فرض كفاية، وأركانها: التكبيرات الأربع، والفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء للميت، والسلام، وتجوز لمن فاتته الصلاة على الميت الصلاة على قبره.

    أحق الناس بغسل الميت والصلاة عليه
    في الدروس السابقة تكلمنا عن شيء من أحكام الجنائز، فتعرض المؤلف رحمه الله في بداية كتاب الجنائز لشيء من الآداب التي تفعل بالميت بعد موته ثم بعد ذلك شرع فيما يتعلق بتغسيل الميت، ثم شرع بما يتعلق بتكفينه وأحكام ذلك.قال المؤلف رحمه الله: [وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك، ثم الأب، ثم الجد]. يعني: من يستحق ولاية تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه يقول المؤلف: الأولى في ذلك وصيه، وهذا عند التنازع وعند التشاح، يعني إذا تنازع الناس في تغسيل هذا الميت، أو تشاحوا في تغسيله كل يريد أن يغسله فمن الأولى؟ من الذي يقدم؟ من المستحق لهذا؟ يقول المؤلف رحمه الله: وصيه، فإن كان الميت أوصى أن يغسله فلاناً أو أن يكفنه فلاناً أو أن يتولى دفنه فلاناً فإنه يقدم؛ والدليل على هذا أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنه فغسلته.وكذلك أيضاً أنس رضي الله تعالى عنه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين رحمه الله ففعل، فهذه الوصايا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم دليل على أن الموصى له أحق بالتقديم.قال: (ثم الأب) يعني: إذا لم يكن هناك وصي أو كان هناك وصي لكن الوصي يتأخر عن ذلك فإننا نقدم الأصول أو نقول: الأحق بتغسيله أصوله، وأصوله هم آباؤه، ثم بعد ذلك بعد الآباء الأجداد، ثم بعد الأصول الفروع، الفروع أبناؤه، ثم أبناء أبنائه.. وهكذا، ثم بعد الفروع الحواشي، فنقدم الإخوة وبنيهم ثم الأعمام وبنيهم كالميراث تماماً. فنقول: أولاً الوصي، ثم بعد الوصي الأصول الأب ثم الجد وإن علا، ثم بعد الأصول الفروع الابن وابن الابن وإن نزل، ثم بعد الفروع الحواشي الإخوة وبنوهم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم بعد ذلك الأعمام العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب.قال المؤلف رحمه الله: [فالأقرب من العصبات]. وهذا كما بيناه أننا نبدأ بالأصول ثم الفروع ثم الحواشي، وبينا أن الإخوة يقدمون على الأعمام كما تقدم.قال المؤلف رحمه الله: [والأولى بغسل المرأة الأم ثم الجدة]. بالنسبة للمرأة الأولى بتغسيلها وصيتها، فإذا أوصت أن تغسلها فلانة إلى آخره فنقول: بأن من أوصت لها فإنها تغسلها، هي أحق بالتغسيل كما قلنا في الذكر أنه إذا أوصى أن يغسله أحداً فإن الموصى له أولى بالتغسيل، وذكرنا دليل ذلك، ثم بعد ذلك بعد وصيتها ووصية المرأة أصولها كما أفاده كلام المؤلف رحمه الله تعالى الأم ثم الجدة.. وهكذا وإن علت، ثم بعد الأصول الفروع، ثم بعد الفروع الحواشي كما سبق بيانه؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الأقرب فالأقرب من نسائها]. قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده]. تقدم أن ذكرنا من هو الأولى في تغسيله وتكفينه ودفنه، بالنسبة للصلاة عليه عندنا الأمير وكذلك أيضاً إمام المسجد هذان مستثنيان فإنهما يقدمان. فالأمير إذا حضر فإنه الأولى بالصلاة على الميت، حتى ولو كان هناك الأصول أو الفروع أو الحواشي أو الوصي نقول: بأن الأمير مقدم، هذا استثناه المؤلف رحمه الله. كذلك أيضاً استثنى بعض العلماء إمام المسجد، فقالوا: بأن إمام المسجد مقدم في الصلاة. فعندنا فيما يتعلق بالصلاة كما تقدم في التغسيل نقول: الأولى الوصي، ثم بعد ذلك الأصول، ثم الفروع، ثم الحواشي، إلا أننا في الصلاة نستثني اثنين لهما الأحقية: الأول: الأمير؛ ويدل لهذا أن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه تولى الصلاة على أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنها، تقدم وصلى عليها سعيد بن العاص ، والحسن بن علي رضي الله تعالى عنه كان حاضراً، والحسين كان حاضراً، أخواها الحسن والحسين كانا حاضرين، وكذلك أيضاً أبو هريرة وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، فـسعيد بن العاص كان أميراً على المدينة وتولى الصلاة على أم كلثوم بنت علي رضي الله تعالى عنها مع حضور الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وأيضاً يدل لهذا حديث أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله.. إلى أن قال النبي عليه الصلاة والسلام: ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه )، فدل هذا على تقديم السلطان، وكذلك أيضاً نواب السلطان من الأمراء، فإنهم يستحقون الإمامة.وكذلك أيضاً إمام المسجد استثناه بعض العلماء؛ لأن إمام المسجد سلطان في مسجده، وله الولاية عليه، فنقول: بأن إمام المسجد له أن يتولى الصلاة وهو الأحق بالتقديم، لكن لو تنازل للوصي أو تنازل للأصول أو الفروع فله ذلك. فأصبح عندنا فيما يتعلق بالصلاة كما قلنا في التغسيل: الأولى الوصي ثم الأصول، ثم الفروع، ثم الحواشي، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا اثنين لهما الأحقية: الأول: الأمير؛ لما تقدم من الدليل على ذلك. الثاني: إمام المسجد، أيضاً لما تقدم من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه، وأشرنا أن إمام المسجد سلطان في مسجده. ‏
    الصلاة على الميت


    حكم الصلاة على الميت
    الصلاة على الميت حكمها فرض كفاية، وهذا باتفاق الأئمة رحمهم الله أن الصلاة على الميت حكمها فرض كفاية، فهي فرض بالأمر، وهذا الفرض على الكفاية وليس على التعيين؛ لأن الملاحظ هنا هو العمل وليس العامل. وهذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، أنه إذا لوحظ العمل، وأن المطلوب هو تحصيل هذا العمل فهذا فرض كفاية، وإذا لوحظ العامل، وأن المطلوب حصول هذا العمل من كل عامل فهذا فرض عين، وهنا المطلوب تحصيل الصلاة على هذا الميت سواء قام به زيد أو عمرو أو بكر… إلى آخره.فنقول: الصلاة على الميت حكمها فرض كفاية؛ والدليل على ذلك الأمر أنها فرض، وأما أنها على الكفاية فلأن هذا الأمر لوحظ فيه العمل دون العامل. وأيضاً الصلاة على الجنازة تجوز فرادى وتجوز جماعةً، لكن قال العلماء رحمهم الله: السنة أن تصلى جماعة، وقد ذكره النووي رحمه الله بلا خلاف أن السنة أن تصلى جماعة؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على الجنائز ومعه صحابته رضي الله عنهم.

    مكان وقوف الإمام من الميت وترتيب الجنائز
    لم يذكر المؤلف رحمه الله أين يقف الإمام من الميت، فنقول: بالنسبة لوقوف المصلي من الميت لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: وقوف جائز؛ وذلك بأن يقف على أي جزء من أجزاء الميت، فسواء وقف عند رأسه أو عند وسطه أو عند رجليه نقول: بأن هذا كله جائز.الأمر الثاني: وقوف مستحب؛ وهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله. والصواب في هذه المسألة: ما دلت عليه السنة وهو أن يقف على الرجل عند رأسه إذا كان ذكراً، وأما إن كان أنثى فإن السنة أن يقف عند وسطها. ويدل لهذا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم كعب فقام عند وسطها ).وكذلك أيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( أنه أتي إليه برجل فقام عند رأسه، ثم أتي إليه بامرأة فقام عند وسطها، ورفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، وحسنه الترمذي ، وكذلك أيضاً أخرجه ابن ماجه إلى آخره.فإن اجتمعت جنائز فإنه يقدم إلى الإمام الذكور، ثم بعد ذلك النساء؛ ويدل لهذا فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإن ابن عمر صلى على تسع جنائز، فجعل الرجال مما يلي الإمام، وجعل النساء مما يلي القبلة. فنقول: إذا اجتمع عندنا ذكور وإناث فإننا نقدم الذكور إلى الإمام، وأما النساء فإنهن يلين القبلة، ومن نقدم من الذكور؟ نقول: يقدم من الذكور من سبق فإنه يقدم، ثم بعد ذلك الأفضل، الأفضل من هؤلاء الذكور فإنه يقدم، نقول: من سبق نقدمه، فإن استووا في السبق نقدم الأفضل علماً وورعاً إلى آخره، وكذلك أيضاً بالنسبة للنساء.

    تكبيرة الإحرام
    قال المؤلف رحمه الله: [والصلاة عليه يكبر]. سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأركان الصلاة على الجنازة، يكبر تكبيرة الإحرام، هذه ركن من أركان الصلاة على الجنازة، ويدل لهذا حديث المسيء في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).وأيضاً: يدل لهذا حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، ويدل لهذا أيضاً حديث أبي أمامة بن سهل : ( أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره: أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام ثم يقرأ الفاتحة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت ).

    قراءة الفاتحة
    قال المؤلف رحمه الله: [ويقرأ الفاتحة]. قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة على الجنازة؛ ويدل لهذا حديث أبي أمامة بن سهل الذي أوردناه: ( أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره: أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للميت ). وأيضاً: حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وأيضاً حديث ابن عباس في النسائي : ( أنه قرأ الفاتحة وجهر وقال: لتعلموا أنها سنة ).ولم يذكر المؤلف رحمه الله هل يبسمل ويستعيذ أو لا يبسمل ولا يستعيذ؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله والشافعي أنه يستعيذ ويبسمل, يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو ما ورد من صفات الاستعاذة, ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن الاستعاذة والبسملة ليستا للصلاة وإنما للقراءة، والقراءة مشروعة في صلاة الجنازة عند الشافعية والحنابلة فيستعيذ ويبسمل. عند أبي حنيفة رحمه الله ومالك : أنه لا يبسمل ولا يستعيذ؛ لأنهم يرون أن صلاة الجنازة لا قراءة فيها، حتى قراءة الفاتحة لا قراءة فيها، وهذا لا شك أن فيه نظراً. والصواب: أن فيها القراءة؛ كما تقدم من حديث أبي أمامة بن سهل وغيره من الأحاديث، فالصواب أن القراءة مشروعة، وعلى هذا نقول: بأنه يستعيذ ويبسمل. وهل يستفتح؟ هل يأتي بدعاء الاستفتاح أو لا يأتي به؟ الإمام أحمد رحمه الله سئل: هل يقول: سبحانك اللهم وبحمدك؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله: ما سمعت. يعني: أنه لم يرد شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وعلى هذا نقول: بأن الاستفتاح في صلاة الجنازة ليس مشروعاً، فلا يشرع أن يستفتح في صلاة الجنازة؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعبادات توقيفية عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    قراءة سورة بعد الفاتحة
    قال المؤلف رحمه الله: [ويقرأ الفاتحة]. ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يقرأ سورةً بعد الفاتحة؛ لأنه قال: (يقرأ الفاتحة ثم يكبر)، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وهو قول أكثر أهل العلم، وتقدم أن أشرنا أن الحنفية والمالكية لا يرون القراءة في صلاة الجنازة حتى قراءة الفاتحة لا يرون قراءة الفاتحة، فأكثر أهل العلم على أن قراءة السورة ليست مشروعة. وقال بعض العلماء بشرعية قراءة السورة بأنه يقرأ سورةً؛ لحديث ابن عباس في سنن النسائي : ( أنه قرأ الفاتحة وسورة )، فإن ثبت هذا الحديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فنقول: بأن الإمام أحياناً يقرأ وأحياناً لا يقرأ، أما بالنسبة للمأموم فالأمر في حقه ظاهر، المأموم لا يسكت؛ لأن الصلاة لا سكوت فيها. نقول: المأموم يقرأ الفاتحة، وإذا انتهى من قراءة الفاتحة ولم يكبر الإمام التكبيرة الثانية فإنه يقرأ ولا يسكت، فنقول: بالنسبة للمأموم لا يسكت، وأما بالنسبة للإمام أو المنفرد فإن ثبت حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في النسائي فإنه يقرأ أحياناً بسورة.

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم]. وهذا دليله ما تقدم من حديث أبي أمامة بن سهل : (أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم)، فنقول: يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام. والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة ركن من أركان صلاة الجنازة، وكيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة ككيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة المفروضة في التشهد الأخير، فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.وقد سلف أن ذكرنا الصيغ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة المفروضة في التشهد، سبق أن أشرنا إلى هذه الصيغ وكتبناها ووزعناها لكي يحفظها الإخوة.

    الدعاء للميت
    قال المؤلف رحمه الله: [ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر ويقول: اللهم أغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا]. الدعاء للميت يقسمه العلماء رحمهم الله إلى قسمين: القسم الأول: الدعاء الكامل؛ وهو أن يتقيد الإنسان بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أربع صيغ للدعاء في صلاة الجنازة: الصيغة الأولى: ما أشار إليها المؤلف: ( اللهم اغفر لحينا وميتنا.. ) إلى آخره، وهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.والصيغة الثانية: أشار بقوله: ( اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.. ) إلى آخره, وهذا حديث عوف بن مالك . فعندنا الأول: حديث أبي هريرة , والثاني: حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه. وأيضاً الثالث: حديث واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه. والرابع: حديث يزيد بن ركانة . والمؤلف رحمه الله فيما نقل لم ينقل متن الحديث بتمامه، وإنما زاد فيه بعض الزيادات، ولهذا نحتاج إلى أن نرجع إلى أصول السنة، لننقل حديث أبي هريرة لكي نحفظه ( اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا.. ) إلى آخره، وأيضاً حديث عوف بن مالك : ( اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأبدله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه.. ) إلى آخره.وأيضاً حديث واثلة بن الأسقع ، وحديث يزيد بن ركانة ، زاد المؤلف رحمه الله فيه بعض الجمل على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الأدعية ينبغي أن يحفظها الإنسان, ويتقيد بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي بالدعاء الكامل.وأما القسم الثاني: فالدعاء المجزئ، فأن يدعو الإنسان بما شاء، العلماء قالوا: إذا دعا بما شاء ولو لم يتقيد بالوارد فإن هذا مجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء )، وأيضاً ما تقدم من حديث أبي أمامة بن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السنة عن صلاة الجنازة قال: ( ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للميت ).

    عدد التكبيرات
    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يكبر أربع تكبيرات فقط؛ لأنه ذكر التكبيرة الأولى، ثم قراءة الفاتحة، ثم يكبر الثانية، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر الثالثة، ثم يدعو، ثم يكبر الرابعة ثم يسلم. فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن التكبير على الميت أربع تكبيرات فقط، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى أنه يكبر على الميت أربع تكبيرات فقط؛ وهذا دل له حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي ، فنقول: بالنسبة للأربع هذا دلل لها حديث أبي هريرة وحديث جابر بن عبد الله . وأيضاً ورد في السنة خمس تكبيرات؛ كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، فنقول: الأربع ثابتة في السنة، والخمس أيضاً ثابتة في السنة. والست والسبع فيهما آثار عن الصحابة، فالست تكبيرات هذه وردت عن علي رضي الله تعالى عنه كما في المحلى وغيره لـابن حزم ، والسبع أيضاً واردة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه صلى على أبي قتادة وكبر عليه سبع تكبيرات كما في الطحاوي والسنن الكبرى للبيهقي ، والست صلى على سهل بن حنيف وكبر عليه ست تكبيرات، فنقول: الست والسبع هذه واردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ويذكر بعض العلماء أن الوارد عن الصحابة إلى تسع، لكن أنا لم أر إلا إلى سبع تكبيرات، يمكن فيه شيء لم يصل إلينا، لكن يذكر بعض العلماء كـالقاضي عياض أن الوارد عن الصحابة إلى تسع تكبيرات. وعلى هذا نقول: عندنا أربع تكبيرات هذه ثابتة في السنة، خمس تكبيرات ثابتة في السنة، ست وسبع هذه ثابتة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعلى هذا التكبير في الجنائز يكون إلى سبع تكبيرات، ويظهر من أثر علي رضي الله تعالى عنه أن الزيادة تكون لمن كان من أهل الفضل؛ لأنه لما زاد علل بأنه بدري يعني من أهل بدر، فيظهر أن أهل الفضل يزاد في التكبير عليهم.أما بالنسبة للخمس ظاهر السنة أنه يكبر الخمس سواء على أهل الفضل أو على غيرهم، لكن بالنسبة للست والسبع هذا يظهر من التعليل الذي ذكره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن الزيادة على من كان من أهل الفضل.وعلى هذا إذا كبر خمساً أو ستاً أو سبعاً فماذا يقول بعد الرابعة وبعد الخامسة إلى آخره؟ نقول: بأنه يدعو؛ لأن هذه الصلاة على الميت صلاة دعاء وصلاة شفاعة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما من ميت يقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه )، فهذه صلاة دعاء وصلاة شفاعة. فنقول: بأنه يدعو للميت، فيذكر الأدعية والصيغ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أتم هذه الصيغ يدعو أيضاً, يسأل الله عز وجل له المغفرة والعفو والتجاوز… إلى آخره.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه بعد التكبيرة الرابعة يكبر ولا يذكر شيئاً، والصواب أنه يدعو للميت، فإن كانت الأدعية قد انتهت قد أتى على كل الأدعية الواردة فإنه يدعو للميت بما شاء؛ ويدل لهذا حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه، ولما سبق أن أشرنا إليه أن الصلاة على الميت صلاة دعاء وصلاة شفاعة فلا يسكت، وعلى هذا إذا كبر الرابعة فإنه لا يسكت بل يدعو للميت.

    التسليم
    قال المؤلف رحمه الله: [ويسلم تسليمةً واحدةً عن يمينه]. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الإمام مالك رحمه الله أن المشروع في الصلاة على الجنازة أن يسلم تسليمةً واحدةً فقط.الحنابلة وكذلك أيضاً المالكية اعتمدوا في ذلك على الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم ورد عنهم تسليمة واحدة، علي بن أبي طالب ، ابن عمر ، جابر ، ابن عباس ، عبد الله بن أبي أوفى ، أبو هريرة ، فهؤلاء الصحابة علي وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى كلهم ورد عنهم أنه يسلم تسليمةً واحدةً على الجنازة. وعند الحنفية والشافعية أنه يسلم تسليمتين، وألحقوا صلاة الجنازة بالصلاة المفروضة؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلم تسليمتين في الصلاة المفروضة وفي سائر الصلوات، هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلم تسليمتين.وأيضاً ورد في حديث ابن مسعود في مسند الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: ( ثلاث خلال من السنة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن تركهن الناس، وذكر منهن التسليم في الجنازة كالتسليم في المكتوبة ) والتسليم في المكتوبة أنه يسلم تسليمتين, وهذا الحديث جود إسناده النووي رحمه الله. وعلى هذا نقول: إن ثبت هذا الحديث فيشرع للإمام وللمصلي على الجنازة الإمام أو المنفرد إذا صلى على الجنازة أنه يسلم تارةً تسليمة واحدة، يعني الغالب على هديه أنه يسلم تسليمة واحدة؛ كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفي بعض الأحيان يسلم تسليمتين؛ لما ورد من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. فنقول: تارةً يسلم تسليمة واحدة، وتارةً يسلم تسليمتين، والغالب على هديه أنه يسلم تسليمة واحدة كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    رفع اليدين مع التكبيرات
    قال المؤلف رحمه الله: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة]. رفع اليدين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: رفع اليدين في التكبيرة الأولى التي هي تكبيرة الإحرام، فهذا متفق عليه، فقد حكى ابن المنذر الإجماع على شرعية رفع اليدين في التكبيرة الأولى. أما بالنسبة لبقية التكبيرات فقد اختلف فيها الأئمة رحمهم الله، فالإمام أحمد والشافعي قالا: يشرع الرفع في بقية التكبيرات، وعلى هذا ترفع في التكبيرة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة إن زدت… إلى آخره يشرع أن ترفع. واعتمدوا على أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو الوارد عن ابن عمر كما في صحيح البخاري معلقاً، ووصله البخاري في كتابه جزء القراءة خلف الإمام إن لم أكن نسيت، فورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في البخاري معلقاً.وكذلك أيضاً ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في سنن سعيد بن منصور بإسناد صحيح، وكذلك أيضاً ورد عن زيد بن ثابت في مصنف ابن أبي شيبة رحمه الله، فعندنا أثر ابن عمر في صحيح البخاري ، وأثر ابن عباس في سنن سعيد بن منصور ، وأثر زيد بن ثابت في مصنف ابن أبي شيبة ، وأيضاً ورد حديث ابن عمر مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في رفع الأيدي في تكبيرات الجنائز، وهذا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى صحته.فعندنا ما اعتمد عليه الشافعية والحنابلة في رفع الأيدي في الصلاة على الجنازة حديث ابن عمر , والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة وأيضاً مالك : أنه لا يشرع، الحنفية والمالكية يرون عدم شرعية رفع الأيدي.

    أركان الصلاة على الجنازة
    قال المؤلف رحمه الله: [والواجب من ذلك التكبيرات]. شرع المؤلف رحمه الله في بيان أركان الصلاة على الجنازة، فقال: الواجب من ذلك التكبيرات، التكبيرات الأربع يرى أنها واجبة، هذا الركن الأول.قال المؤلف رحمه الله: [والقراءة]. هذا الركن الثاني، قراءة الفاتحة؛ تقدم حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ). والتكبيرات الأربع تقدم أيضاً لنا دليلها حديث أبي أمامة بن سهل ( أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.. ) إلى آخره، وأيضاً تقدم أن أشرنا إلى حديث أبي هريرة وحديث جابر وحديث زيد بن أرقم , وغير ذلك من الأحاديث.قال المؤلف رحمه الله: [والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم]. الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام يرى المؤلف رحمه الله أنها ركن، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وتقدم لنا لما تكلمنا عن أركان الصلاة المفروضة أن جمهور أهل العلم يرون أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ليست ركناً، حتى في الصلاة المفروضة ليست ركناً، وإنما هي سنة، وهذا من مفردات الحنابلة، فالحنابلة يرون أنها ركن، تقدم أن ذكرنا أن الأقرب أنها سنة وليست ركناً، وإذا كان ذلك في الصلاة المفروضة فكذلك أيضاً في الصلاة على الجنازة. قال المؤلف رحمه الله: [وأدنى دعاء الحي للميت]. هذا ركن، ولا إشكال في أن الدعاء ركن، يعني أدنى دعاء. سبق أن أشرنا أن الدعاء في الصلاة ينقسم إلى قسمين: كامل؛ وهو أن يأتي بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومجزئ، وهو أدنى دعوة للميت، فلو قلت: اللهم اغفر له كفى ذلك، أو اللهم ارحمه كفى ذلك، أي دعوة تدعوها يتحقق بها الركن. لكن الأولى المحافظة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث أبي أمامة بن سهل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ).قال المؤلف رحمه الله: [والسلام]. هذا الركن الأخير: السلام؛ وهذا دليله كما تقدم حديث ابن مسعود , وأيضاً حديث أبي هريرة والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأيضاً حديث علي : ( تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ).

    الصلاة على القبر
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر]. وفي هذه الجملة مسألتان: المسألة الأولى: الصلاة على القبر.والمسألة الثانية: حد الصلاة على القبر.فبين المؤلف رحمه الله شرعية الصلاة على القبر، وبين أيضاً حدها، فقال: (صلى على القبر إلى شهر)، ذكر المسألتين جميعاً، أما الصلاة على القبر فهذه متفق عليها بين الأئمة، فالأئمة يتفقون على ذلك, وأنه تشرع الصلاة على القبر؛ ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر منبوذ ).وكذلك أيضاً في قصة الجارية السوداء التي كانت تقم المسجد ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح فأخبروه أنها ماتت وأنهم قبروها، فقال: ( دلوني على قبرها، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليها ).فنقول: الصلاة على القبر هذه متفق عليها بين الأئمة، لكن اختلف الأئمة رحمهم الله في حد ذلك. فقال المؤلف رحمه الله: (إلى شهر) يعني: لك أن تصلي إلى شهر، بعد الشهر ما تصلي، فأنت مثلاً إذا دفن الميت لك أن تصلي عليه بعد يوم ويومين وأسبوع وأسبوعين، لكن إذا مضى شهر فإنك لا تقدر على الصلاة عليه. واستدلوا على ذلك: ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بعد شهر )، قالوا: هذا دليل على أن هذا هو أقصى حد.الرأي الثاني: لم يقيدوه بالزمن وإنما قيدوه بالحال؛ وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ، قيدوه بحال الميت، فقالوا: لا بأس أن يصلى عليه ما لم يغلب على الظن أن جسده قد فني، قالوا: نصلي عليه ما لم يغلب على الظن أن جسده قد فني، فإن غلب على الظن أن جسده قد فني فإنه لا يصلى عليه.يعني: ينظر إلى الجسد، فإذا ظننا أن الجسد قد فني وأكلته الأرض فإنه لا يصلى عليه، فإذا كان في أرض لا يبقى إلا شهر أو شهران ثم تأكله الأرض فإنه لا يصلى بعد ذلك، أما إذا كنا نظن أن الجسد لا يزال باقياً فإننا نصلي عليه، هذا ما ذهب إليه الحنفية والمالكية.الشاف ية قالوا: يقيد بالحال لكن ليست حال الميت، وإنما هي حال المصلي، قالوا: إذا كان المصلي من أهل فرض الصلاة عليه حين موته فله أن يصلي عليه بلا حد.ما معنى من أهل فرض الصلاة عليه؟ يعني: هذا الشخص إذا كان مكلفاً بالغاً عاقلاً حين مات هذا الميت له أن يصلي عليه بعد شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين، المهم أنه حال الموت كان مكلفاً، يعني من أهل فرض الصلاة عليه الذين يسقط بهم الفرض، والمكلف هو هذا الذي يسقط به الفرض. وقال بعض علمائهم: ليس من أهل الفرض وإنما من أهل الصلاة عليه بأن يكون مميزاً، والمميز من أهل الصلاة عليه؛ لأنه تصح صلاته على الميت، فإذا كان مميزاً حين موته فله أن يصلي عليه، حتى بعد سنة أو سنتين.. إلى آخره.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [23]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (32)


    اختلف أهل العلم في الصلاة على الغائب على أقوال، منها جواز ذلك إن لم يصل عليه أحد حيث مات، والشهيد إذا مات في المعركة لم يُغسل ولم يصلّ عليه، ولدفن الميت صفتان: صفة كمال وصفة إجزاء، وتحرم النياحة على الميت والندب ما لم يكن يسيراً.

    تابع الصلاة على الميت

    تابع الصلاة على القبر
    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام الصلاة على الجنائز، وذكرنا من ذلك كيفية الصلاة، وأيضاً ما يتعلق بحكمها، وأنها تشرع جماعةً، وأيضاً تطرقنا لأركان الصلاة على الجنائز، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالدعاء المشروع, وذكرنا أن هناك صيغاً واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم أن يحفظ هذه الصيغ, وأن يأتي بها في أثناء صلاته على الجنازة. قال المؤلف رحمه الله: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر). هنا مسألتان: المسألة الأولى: الصلاة على القبر.والمسألة الثانية: الصلاة على الغائب.الصلاة على القبر؛ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يصلى على القبر إلى شهر من دفنه، فلو أن الإنسان فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يذهب إلى قبره وأن يصلي عليه، ومدة ذلك إلى شهر، فله أن يصلي بعد أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إلى آخره، لكن إذا مضى شهر من دفنه ولم يصل عليه فإنه لا يتمكن من الصلاة عليه، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك قالوا: بأنه يصلى على القبر ما لم يغلب على الظن فناء الجسد، فإذا غلب على الظن أن الجسد قد فني فإنه لا يصلى عليه، وحينئذ يرجع إلى أهل الخبرة, فيسأل أهل الخبرة هل الجسد الآن باق أو أن الأرض قد أكلته؟ فإذا قال أهل الخبرة: بأن الجسد لا يبقى أكثر من شهر أو من شهرين أو من ثلاثة أشهر.. إلى آخره, إذا غلب على الظن أن الجسد قد فني فإنه لا يصلى عليه، أما إذا غلب على الظن أن الجسد لا يزال باقياً فإنه يصلى عليه.الرأي الثالث: ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله, الشافعية قالوا: يصلى على القبر بشرط أن يكون المصلي حين موت الميت من أهل فرض الصلاة عليه، يعني: أن يكون بالغاً، فإذا مات أحد وأنت بالغ فلك أن تصلي عليه، ولا يحدد هذا بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، بشرط أن تكون بالغاً، فلو أنه مات ميت وأنت غائب وقدمت بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات, وأنت من أهل فرض الصلاة عليه, يعني أنك بالغ فلك أن تصلي عليه. وتوسع بعض الشافعية فقالوا: يشترط أن يكون من أهل الصلاة عليه، يعني أن يكون مميزاً، فإذا مات قريب أو صديق أو نحو ذلك وأنت قد بلغت حد التمييز فلك أن تصلي عليه، وحد التمييز بعض أهل العلم يحده بسبع سنوات، وبعضهم يحده بالحال لا يحده بالسن، فيقول: إذا كان يفهم الخطاب, ويرد الجواب فهذا صبي مميز، وبعضهم يحدده بسبع سنوات، المهم أن الإنسان إذا كان مميزاً حين موت هذا الميت فله أن يصلي عليه. وما ذهب إليه الشافعية هو أقرب المذاهب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما سلف صلى على القبر، ولم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حد ذلك بمدة، ما ورد التحديد. أما ما استدل به الحنابلة رحمهم الله من كون ( النبي عليه الصلاة والسلام صلى على أم سعد بعد موتها بشهر ), هذا يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه ضعيف لا يثبت. والجواب الثاني: أنه لو ثبت فإن هذا حصل من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً، والعلماء يقولون: ما وقع اتفاقاً لا يكون شرعاً. فعلى هذا نقول: الصواب في هذا ما ذهب إليه الشافعية، وأن الإنسان له أن يصلي على القبر حتى بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات بشرط أن يكون بالغاً أو أن يكون مميزاً كما هو القول الثاني عند الشافعية.أما إذا لم يكن مميزاً فإنه لا يصلي عليه كما لو كان صغيراً لم يميز، أو أنه ولد بعد موت الميت لا يصلي عليه؛ والدليل على ذلك: أن السلف رضي الله تعالى عنهم لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي .

    الصلاة على الغائب
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية]. أيضاً الصلاة على الغائب، لو مات ميت في بلد ونحن في هذا البلد فهل نصلي عليه صلاة الغائب أو لا؟ يقول المؤلف رحمه الله: يصلى عليه، وأيضاً المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنهم يحدون ذلك بشهر, فيقولون: يصلى على الغائب عن البلد إلى شهر، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ؛ واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي ) رحمه الله ورضي الله عنه، وهذا في الصحيحين.الرأي الثاني: أن الصلاة على الغائب غير مشروعة، لا تشرع الصلاة على الغائب، وهذا قول أبي حنيفة ومالك رحمه الله؛ واستدلوا على ذلك بأنه مات كثير من الصحابة في المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم خارج المدينة ولم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم. وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة فقال: الغائب إن صلي عليه فلا تشرع الصلاة عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه كان يصلي على من مات في المدينة إذا كان خارج المدينة، فيقول شيخ الإسلام : إن صلي عليه فإنه لا يصلى عليه، وإن لم يصل عليه فإنه يصلى عليه؛ ودليل ذلك قصة النجاشي , فإن النجاشي في بلد لم يكن فيها مسلم فمات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم, في بلد كفر. فنقول: الغائب إن صلي عليه لا نصلي عليه، وأما إذا لم يصل عليه فإننا نصلي عليه، وهذا هو أقرب الأقوال، وهو الذي تجتمع به أدلة المسألة.

    تعذر تغسيل الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن تعذر غسله لعدم الماء, أو الخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق، أو لكون المرأة بين رجال، أو الرجل بين نساء فإنه ييمم]. يقول المؤلف رحمه الله: من تعذر تغسيله لعدم الماء، لم نجد ماءً نغسله به, فطريق ذلك أن نيممه، وكيفية ذلك أن يأتي الغاسل ويضرب الصعيد، ثم بعد ذلك يمسح وجه الميت ويمسح كفيه الباطن والظاهر، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.والصواب في ذلك أنه إذا لم يكن ماء أن التيمم لا يشرع؛ لأن التغسيل ليس لرفع الحدث، وإنما تغسيل الميت لتنظيفه وتطهيره؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته راحلته: ( اغسلوه بماء وسدر )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بسدر )، وقال أيضاً: ( اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً )؛ كما في حديث أم عطية ، فدل ذلك على أن المراد تنظيف الميت وتطييبه وتطهيره لكي يقدم على الله عز وجل على هذه الحال. وأما التيمم فهذا ليس فيه تنظيف، التيمم طهارته ليست طهارةً حسية، وإنما طهارته طهارة معنوية؛ وعلى هذا نقول: إذا لم نجد ماءً فإنه يسقط تغسيل الميت، وحينئذ نكفنه، ولا حاجة إلى أن نيممه.قال: (أو الخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق). يعني: لو كان الميت أصابه مرض الجدري، أو احترق الميت، أو مثلاً في حادث من حوادث السيارات ونحو ذلك، فبالنسبة لتغسيله نقول: لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يسقط منه شيء بالتغسيل، مثلاً احترق هذا الميت ثم إذا غسلناه بالماء يتساقط شيء من أجزائه، فهذا لا نغسله، وعلى كلام المؤلف رحمه الله نيممه، يعني يأتي الغاسل ويضرب الصعيد ويمسح وجهه وكفيه كما سبق. والصواب في ذلك: أنه لا حاجة إلى ذلك، وأنه إذا كان تغسيله يؤدي إلى تساقط شيء من بدنه فإنه لا حاجة إلى تغسيله ولا تيميمه، لا يشرع أن يغسل ولا أن ييمم فيسقط ذلك، وحينئذ يصار إلى التكفين، هذه الحالة الأولى.الحالة الثانية: أننا إذا غسلناه لا يسقط شيء من بدنه أو أجزائه، حتى لو كان محترقاً، أو كان مجدوراً، أو أصيب بحادث ونحو ذلك، فهذا نغسله.قال: (أو لكون المرأة بين رجال، أو الرجل بين نساء). يعني: مات رجل بين نساء، أو ماتت امرأة بين رجال؛ لأن الرجل لا يغسله إلا الرجال، وليس هناك أحد من الرجال، أو هناك زوجة له أو أمة له، فإن النساء حتى ولو كن محارم لا يغسلن، حتى لو كان بين أمه أو أخته أو بنته… إلى آخره لا تتولى تغسيله، فيقول المؤلف رحمه الله: نيممه.والرأي الثاني في هذه المسألة: أنه إذا مات الرجل بين النساء أنه يدرج عليه الماء إدراجاً، يعني لا حاجة إلى أن تباشره المرأة، فنقول: بأن النساء يأخذن الماء ويصببنه عليه، يدرج عليه الماء إدراجاً إذا كن أجنبيات من وراء ستر ويكفي ذلك؛ لأنه كما تقدم لنا في الغسل المجزئ أنه تعميم البدن بالماء، فإذا عممنا البدن بالماء فإن هذا غسل مجزئ، وعكسه إذا ماتت المرأة بين رجال فإننا -كما قال بعض السلف- ندرج الماء إدراجاً، يعني: يقوم الرجال ويصبون عليها الماء بدون أن يباشروها بالتقليب ونحو ذلك، بل يقومون بصب الماء عليها، فإذا ظنوا أن الماء عم البدن كفى ذلك.

    تغسيل أحد الزوجين للآخر
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن لكل من الزوجين غسل صاحبه، وكذا أم الولد مع سيدها]. لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه، فالزوجة لها أن تغسل زوجها، والزوج له أن يغسل زوجته، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ ودليل ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه ).وأيضاً: حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ).وأيضاً: أبو بكر رضي الله تعالى عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس ، وعلي رضي الله تعالى عنه غسل فاطمة . فالصواب في هذه المسألة: أن لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى.قال: (وكذا أم الولد مع سيدها). أم الولد هي الأمة التي وطئها سيدها فألقت ما تبين فيه خلق إنسان، إذا كان الإنسان له أمة ثم جامعها فحملت ثم ولدت أو حتى ألقت مضغة، لو ألقت مضغة تبين فيها خلق الإنسان، يعني من تخطيط يد أو رجل أو نحو ذلك هذه تصبح أم ولد، من باب أولى إذا ولدت ولداً كاملاً. المهم أنها إذا ولدت من سيدها أو ألقت من سيدها ما تبين فيه خلق الإنسان فهذه تكون أم ولد، وعمر رضي الله تعالى عنه منع بيع أمهات الأولاد، وحكمها أنها تعتق بموت سيدها، فهذه أم الولد لها أن تغسل سيدها لو مات, ولسيدها أن يغسلها، وكذلك أيضاً الأمة التي ملك للسيد له أن يغسلها، وأيضاً لها أن تغسله.

    تغسيل الشهيد وتكفينه والصلاة عليه

    تغسيل الشهيد
    قال المؤلف رحمه الله: [والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل]. من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فقتل هذا هو الشهيد، فإذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ثم بعد ذلك قتل فيقول المؤلف رحمه الله بأنه لا يغسل، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله، وخالف في ذلك الحسن البصري وسعيد بن المسيب فقالا: يغسل. والصواب في ذلك: أنه لا يغسل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر كما في صحيح البخاري ( لم يغسل شهداء أحد، وإنما دفنهم بدمائهم ).وأما القول بأنه يغسل فهذا ضعيف كما أشار إليه ابن القيم رحمه الله، يقول ابن القيم رحمه الله: القول بتغسيل الشهيد أضعف من القول بالصلاة عليه؛ لأن بعض أهل العلم كـأبي حنيفة رحمه الله يرى أن الشهيد يصلى عليه، لكن يقول ابن القيم رحمه الله: الخلاف في تغسيل الشهيد أضعف من الخلاف في الصلاة عليه؛ لأن تغسيل الشهيد لم يرد فيه من الآثار ما ورد في الصلاة على الشهيد، الشهيد ورد فيه آثار بالنسبة للصلاة عليه، أما بالنسبة للتغسيل فلم يرد شيء من ذلك. وعلى هذا نقول: القول بتغسيل الشهيد ضعيف، بل العلماء رحمهم الله اختلفوا في حكم تغسيله هل هو مكروه أو محرم؟ فبعض العلماء قالوا: يحرم تغسيله، وبعضهم قال: يكره تغسيله. وعلى كل حال تغسيل الشهيد هذا ليس مشروعاً بل منهي عنه، وهذا النهي إما أن يكون نهي تحريم، وإما أن يكون نهي كراهة.وقال المؤلف رحمه الله: (إذا مات في المعركة). قيد ذلك إذا مات في المعركة؛ فيفهم من ذلك أنه إذا حمل من المعركة ثم مات فإنه يغسل. والدليل على ذلك: قصة سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ( فإن سعداً أصيب في أكحله ثم بعد ذلك حمل وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد لكي يعوده من قريب فمات، فغسل وصلي عليه ).يقول المؤلف رحمه الله: بأنه إذا مات في المعركة فإنه لا يغسل، أما لو جرح ثم حمل من المعركة ثم مات فإنه يغسل؛ والدليل على ذلك ما أشرنا إليه من قصة سعد رضي الله تعالى عنه فإنه أصيب فحمل وضرب له النبي عليه الصلاة والسلام قبة، ثم بعد ذلك غسل. والصواب في هذه المسألة أن يقال: إنه ينظر إلى جرح هذا الشهيد، فإن كان جرحه موحياً يعني: إذا كانت الإصابة قاتلةً فإنه حتى ولو حمل ولو تكلم أو عطس أو أكل أو شرب.. إلى آخره فإن هذا وإن لم يكن ميتاً فإنه في حكم الميت. فنقول: إن كان الجرح موحياً يعني: قاتلاً ثم مات فإنه لا يغسل, ويأخذ أحكام الشهداء، أما إن كان الجرح غير موح ليس قاتلاً كحال سعد رضي الله تعالى عنه فإنه إن مات يغسل ويصلى عليه، اللهم إلا إن مات وكان موته قريباً من حمله, يعني لا يكون هناك فاصل طويل عرفاً بل حمل ثم مات، فنقول: بأنه لا يغسل. فأصبح التفصيل في هذه المسألة نقول: إن كان الجرح موحياً قاتلاً فإننا لا نغسله ويأخذ أحكام الشهداء، أما إن كان الجرح غير موح ليس قاتلاً فإنه يغسل إلا إن مات قريباً بحيث لا يكون هناك فاصل.

    الصلاة على الشهيد
    قال المؤلف رحمه الله: [ولم يصل عليه]. هذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله أنه لا يصلى على الشهداء؛ ودليل ذلك حديث جابر في البخاري : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام دفن شهداء أحد ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم ).وأيضاً: الصلاة على الميت كما سبق لنا أنها شفاعة، والشاهد شفيع، وكفى ببارقة السيوف على رأسهم شفاعة، فهو يشفع، فلا يشفع فيه، فما عليه جمهور أهل العلم أنه لا يصلى عليه.وعند أبي حنيفة رحمه الله أن الشهيد يصلى عليه؛ لحديث عقبة بن عامر في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ).والجواب عن قصة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام على شهداء أحد نقول: بأن هذه الصلاة صلاة خاصة أراد منها النبي صلى الله عليه وسلم أن يودع أهل أحد, فإن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته خرج إلى أهل البقيع وزارهم ودعا لهم، وخرج إلى أهل أحد وصلى عليهم صلاة الميت، وهذا بعد ثمان سنوات من معركة أحد يعني في آخر حياته. فهذه صلاة توديع من النبي عليه الصلاة والسلام لأهل أحد في آخر حياته، فودع النبي عليه الصلاة والسلام الأحياء والأموات، ودعا لأهل البقيع ودعا أيضاً للشهداء، فالشهداء خرج وصلى عليهم صلاة الميت، وأهل البقيع خرج ودعا لهم، واستغفر لهم، وهذه ليست هي صلاة الميت المعروفة، إذ لو كانت صلاة الميت المعروفة لبادر بها النبي عليه الصلاة والسلام بعد الموت مباشرة، ولم يتركها ثمان سنوات حتى آخر حياته. فنقول: بأن هذه صلاة توديع؛ كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله، فأراد منها النبي صلى الله عليه وسلم أن يودع الأحياء والأموات كما سلف، فهي ليست الصلاة على الميت. وأما ما روي ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على حمزة , وصلى على شهداء أحد بعد المعركة ) فهذا كله شاذ لا يثبت، وإن أثبته بعض أهل العلم فنقول: بأن هذه الروايات كلها شاذة. وأما حديث شداد بن الهاد في قصة الأعرابي في سنن النسائي الذي ( جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه وآمن به ثم بعد ذلك أصابه سهم فأدرجه النبي عليه الصلاة والسلام في أثوابه ثم قدمه وصلى عليه )، فهذا الحديث لا يعارض حديث جابر في الصحيح، حديث جابر أقوى منه وأصح منه. فنقول: الصواب في هذه المسألة: أن الشهيد لا يصلى عليه، فأجبنا عن حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى بأنه صلاة توديع وليست هي الصلاة الخاصة بالأموات، وأما ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على حمزة أو صلى على شهداء أحد فهذا كله شاذ، وأما ما يتعلق بحديث شداد بن الهاد فقلنا: حديث جابر أصح وأقوى منه.

    تكفين الشهيد
    قال المؤلف رحمه الله: [وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمل في ثيابه، وإن كفن بغيرها فلا بأس]. معنى ينحى عنه الحديد والجلود: ينزع عنه؛ وقد ورد في سنن أبي داود من حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشهداء أحد أن ينزع عنهم الحديد، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم ) لكن هذا الحديث ضعيف، لكن الدليل على هذا حديث مصعب بن عمير : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كفنه بنمرةً له، إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى الرأس, وأن يجعل على رجليه شيء من الحشيش ). فظاهر هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر على هذه النمرة، وأيضاً كونه يكون معهم شيء من السلاح… إلى آخره يدفن معهم هذا فيه شيء من الإسراف.قال: (ثم يزمل في ثيابه). ما سبق أن ذكرناه من حديث خباب رضي الله تعالى عنه في قصة مصعب بن عمير ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كفنه بنمرةً له، كان إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى الرأس، وأن يجعل على رجليه شيء من الحشيش ).قال: (وإن كفن بغيرها فلا بأس). يعني: إذا كفن بغير ثيابه فلا بأس، فلو فرض أن هذا الشهيد أخذت منه هذه الثياب, ثم أتينا بثياب أخرى فكفناه بها فلا بأس في ذلك، وقد ورد ( أن صفية رضي الله تعالى عنها أرسلت ثوبين ليكفن حمزة فيهما، فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في أحدهما ).

    غسل المحرم وتكفينه
    قال المؤلف رحمه الله: [والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطاً، ولا يقرب طيباً]. لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تقربوه طيباً )، وفي لفظ: ( ولا تحنطوه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ). فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ) هذا دليل على أن حكم الإحرام لا يزال باقياً عليه، وإذا كان حكم الإحرام لا يزال باقياً عليه فإنه يأخذ حكم المحرم الحي لا نطيبه، ولا نلبسه المخيط، ولا نقلم أظافره، وأيضاً لا نحلق رأسه.. إلى آخره، حكم الإحرام لا يزال باقياً عليه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا تقربوه طيباً، ولا تحنطوه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ).قال المؤلف رحمه الله: [ولا يقطع شعره ولا ظفره] كالمحرم الحي.

    دفن الميت

    حكم دفن الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب دفن الميت في لحد]. دفن الميت حكمه فرض كفاية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بدفن الميت، والله عز وجل يقول: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أكرمه بدفنه. ويدل لذلك أيضاً ما في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصناديد بدر أن يقذفوا في طوي من أطواء بدر )، يعني: في بئر من آبارها، وأيضاً: ( لما توفي أبو طالب جاء علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: اذهب فواره ). فهذا أمر بالدفن، والأمر يدل على الوجوب، وإنما كان هذا الوجوب أو هذا الفرض على الكفاية؛ لأنه سبق لنا أن الأمر إذا تعلق بالعمل أو لوحظ فيه العمل فهو على الكفاية، وإذا لوحظ فيه العامل فهو فرض عين، وهنا الذي لوحظ فيه هو العمل، فالمقصود تحصيل هذا العمل، فهذا فرض كفاية.

    صفة دفن الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب دفن الميت في لحد].العلماء رحمهم الله يذكرون للدفن صفتين: الصفة الأولى: الصفة الكاملة. والصفة الثانية: الصفة المجزئة.الدفن له صفتان: صفة مجزئة، وصفة كاملة.أما الصفة المجزئة؛ فهي أن يوارى يدفن بحيث تمتنع عنه السباع، وأيضاً لا يحصل منه رائحة، هذه هي الصفة المجزئة. وأما الصفة الكاملة فهي أن يحفر له، وأن يوسع، وأن يلحد له؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم أُحد: ( احفروا وأوسعوا وأعمقوا )، قال العلماء رحمهم الله: وقدر ذلك نصف قامة رجل. فنقول: الدفن الكامل المستحب أننا نحفر ونوسع ونعمق ونضع له لحداً، واللحد هو أن يحفر وإذا وصلنا إلى الجدار في قعر القبر من جهة القبلة نحفر في طرف هذا الجدار من جهة الأسفل ما يسع الميت؛ ودليل ذلك قول سعد رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم : ( الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم )، فالسنة أن يلحد.وهناك طريقة أخرى أيضاً وهي الشق، والشق هي أن يحفر في وسط القبر مثل الساقي الصغير يجعل فيه الميت على جنبه الأيمن، ورأسه إلى جهة القبلة، لكن اللحد أفضل من الشق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لحد له، لكن قد يحتاج إلى الشق لطبيعة الأرض فإنه يصار إلى الشق.قال المؤلف رحمه الله: [وينصب عليه اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار]. الآجر هو الطين المطبوخ، الطوب الأحمر، والخشب أيضاً؛ لأنه مادة النار، ولا شيئاً مسته النار، وهذا هو الوارد عن السلف رحمهم الله، فإن السلف كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب تفاؤلاً في عدم تأذي هذا الميت، وأيضاً يكرهون أن يدخل في القبر شيء مسته النار تفاؤلاً ألا يصاب هذا الميت بشيء من النار. فنقول: هذا وارد عن السلف رحمهم الله أنهم كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر، وإنما السلف رحمهم الله استحبوا اللبن وكرهوا الخشب والآجر كما تقدم تفاؤلاً ألا يصاب بشيء من النار؛ لأن الخشب هو مادة النار، والآجر هذا كما تقدم مطبوخ بالنار.

    التعزية

    حكم التعزية
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب تعزية أهل الميت]. التعزية هي التسلية، يعني: تسلية المصاب عن مصيبته، فيستحب أن نعزي أهل الميت؛ ويدل لذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من فرج عن مسلم كربةً فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة )، وأيضاً فعل النبي عليه الصلاة والسلام ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام عزى ابنته لما مات ابن لها, فقال: إن لله ما أخذ, وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ).والتعزية إنما تكون للمصاب، فإذا كان هناك أحد من أهل الميت مصاب فإنه يعزى، أما إذا لم يكن هناك إصابة فإنه لا يشرع، ويعزى بما عزى به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أحسن شيء، وهو: إن لله ما أخذ, وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، اصبر واحتسب.

    البكاء والنياحة على الميت
    قال المؤلف رحمه الله: [والبكاء عليه غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة]. الندب: هو تعداد محاسن الميت، والندب قسمه العلماء رحمهم الله إلى قسمين: الأول: ندب مذموم؛ وهو أن يكثر من الندب؛ لأن هذا يهيج الأحزان، يعني يشرع في تعداد محاسن الميت, مات فلان الذي يصل الرحم، ويبر الوالدين، ويأتينا بالطعام والشراب واللباس وغير ذلك، هذه الأشياء تهيج الأحزان، والشرع جاء بتخفيف الأحزان.الثاني: ندب يسير؛ وهذا أجازه العلماء؛ لقول فاطمة رضي الله تعالى عنها لما مات النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل نعاه )، وهذا في البخاري ، فقال العلماء: إذا كان الندب يسيراً فإنه لا بأس به. أما الندب الذي فيه تعداد محاسن الميت بحيث إنه يهيج الأحزان, ويدعو إلى البكاء, فإن هذا مذموم ومنهي عنه.قال: (والبكاء عليه). أيضاً البكاء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: بكاء طبيعي تمليه الطبيعة ليس فيه تكلف وإنما شيء تمليه الطبيعة، فنقول: بأن هذا جائز، والنبي عليه الصلاة والسلام بكى لما مات ابنه إبراهيم وقال: ( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون )، فإذا كان البكاء طبيعياً تمليه الطبيعة فهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ).القسم الثاني: بكاء متكلف؛ بأن يكون هناك رفع للصوت، أو يصحب البكاء ندب تعداد محاسن الميت، أو يكثر منه، فنقول بأن هذا مذموم. قال: (ولا نياحة). النياحة فسرها العلماء رحمهم الله بتفسيرين: الأول: قالوا: بأن النياحة هي البكاء مع الندب، إذا اجتمع البكاء والندب فهذه نياحة، يعني يبكي ويعدد محاسن الميت، يبكي ويقول: ذهب فلان الذي يفعل ويفعل ويفعل… إلى آخره، فهذا القول الأول.الثاني: أن المراد بالنياحة هو أن تجتمع عدة نساء على البكاء. ولا شك أن النياحة من كبائر الذنوب، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب )، وهذه عقوبة خاصة، ولا تكون هذه العقوبة الخاصة إلا على كبيرة من كبائر الذنوب.

    أحوال المصاب بمصيبة
    الإنسان إذا أصيب بمصيبة فله أحوال: الحالة الأولى: الصبر؛ وهذا واجب، والصبر: أن يحبس القلب واللسان والجوارح عما نهي عنه، فيحبس قلبه عن كراهة قضاء الله وقدره ورفضه وعدم التسليم له، ويحبس لسانه عن السب والشتم ونحو ذلك، ويحبس جوارحه عن الضرب أو إتلاف المال ونحو ذلك؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ) هذا في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.الحالة الثانية: التسخط، والتسخط هي ضد الصبر، وهي محرمة، يكون التسخط بالقلب وباللسان وبالجوارح، فبالقلب أن يسخط قضاء الله وقدره، يعني: يكره قضاء الله وقدره، ولا يسلم، وباللسان أن يفعل المحرم من السب والشتم والقذف، وبالجوارح أن يفعل المحرم باللسان أن يقول المحرم، والجوارح أن يفعل المحرم من الضرب أو الشق أو إتلاف المال أو غير ذلك.الحالة الثالثة: الرضا؛ والرضا ينقسم إلى قسمين: رضا بالقضاء والقدر، ورضا بالمقدور والمقضي، أما الرضا بالقضاء والقدر فهذا واجب، يجب على الإنسان أن يرضى بقضاء الله وقدره، أما الرضا بالمقضي والمقدور فهذا سنة، الأفضل أن ترضى. يعني: لا يلزم للإنسان إذا حصل عليه حادث في سيارته أن يرضى بهذا، لو كره ذلك لا يلام على هذا، أو أنه لو مات قريب الأفضل له أن يرضى بذلك، لو كره ذلك هذا لا يلام عليه، لكن الأفضل أن يرضى وأن يسلم، هذا تمام الإيمان بقضاء الله وقدره. فنقول: المقضي والمقدور (المصائب) لا يلزم الرضا بها، لكن يستحب الرضا بها، لكن فعل الله عز وجل من القضاء والقدر هذا يجب الرضا به.الحالة الرابعة: الشكر؛ وهو أن يشكر الله عز وجل على هذه المصيبة التي حلت به؛ لأن هذه وإن كانت في ظاهرها مصيبة إلا أنها في باطنها منحة من الله عز وجل، فإنه لا يزال العبد يبتلى في أهله وماله حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. ولهذا شرع للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يسترجع, وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، وأن يحمد الله عز وجل، فكونه شرع له أن يحمد الله دل ذلك على أن هذه منحة من الله عز وجل: ( وما يصيب المؤمن من هم ولا غم، ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه )، ( وإذا ابتلي العبد بحبيبتيه -يعني: بعينيه- فصبر عوض عنهما في الجنة ).

    زيارة القبور
    قال المؤلف رحمه الله: [لا بأس بزيارة القبور للرجال]. هذه العبارة فيها نظر، الصواب أن زيارة القبور للرجال سنة؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الموت )، فزيارة القبور هذه سنة، وزيارة القبور يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين: القسم الأول: زيارة مشروعة.والقسم الثاني: زيارة بدعية.أما الزيارة المشروعة السنية فهي التي ينتفع منها الزائر، وينتفع المزور، أما الزائر فإنه ينتفع بالتذكر، والاتعاظ، وتحصيل السنة، وامتثال الأمر، ونيل الأجر، ينتفع الزائر بهذه الأشياء: يتذكر، ويتعظ، وأن مآله سيكون إلى مثل ما صار إليه صاحب هذا القبر، وأيضاً ينال الأجر وتحصل له السنة… إلى آخره، هذه الزيارة السنية، وأما بالنسبة للمزور فما يحصل له من الدعاء. وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد منها أو التي يحصل فيها شيء من البدع أو الشركيات، مثل أن يتحرى الدعاء عند هذا القبر، أو أن يتحرى فعل العبادة عند هذا القبر، أو أن يتمسح بالقبر، أو أن يتوسل به إلى الله عز وجل، أو أن يصرف له شيئاً من أنواع العبادة… إلى آخره، كما عليه أهل الخرافة والصوفية والقبوريون.قال المؤلف رحمه الله: [ويقول إذا مر بها أو زارها: سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية]. قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) ما هو وجه التعليق على المشيئة مع أنه محقق اللحوق؟ يعني: كوننا سنموت هذا أمر محقق لا مرية فيه، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ، لكن كيف قال: ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )؟ قال بعض العلماء: إن التعليق هنا ليس على أصل الموت، وإنما التعليق على المكان، يعني: إن شاء الله سنلحق بكم في هذا المكان.وقال بعض العلماء: إن المراد التعليق على الإيمان، يعني: إن شاء الله نموت على الإيمان. وقال بعض العلماء: إن المراد هنا ليس التعليق وإنما المراد التعليل، يعني: إن لحوقنا بكم سيكون بمشيئة الله عز وجل. وقال بعض العلماء: إن التعليق على الزمن يعني: متى شاء الله أن نلحق بكم لحقنا بكم.بالنسبة للزيارة كيفية الزيارة, قال العلماء: يزور الميت كما يزور الحي، وإذا زار الحي فإنه يقابله، يعني يجعل وجهه إلى وجهه، وعلى هذا إذا زرت الميت فإنك تجعل وجهك إلى وجه الميت، وحينئذ تجعل ظهرك إلى جهة القبلة، الميت سيكون على جنبه الأيمن ووجه للقبلة، فأنت تجعل ظهرك إلى جهة القبلة، وتقف عند رأسه بحيث تجعل وجهك إلى وجهه ثم تسلم عليه، ثم بعد ذلك تدعو له. قال العلماء: إذا دعا ينصرف إلى القبلة، يتوجه إلى القبلة ويدعو له، وإذا رفع يديه حال الدعاء فإن هذا أيضاً لا بأس به؛ كما ورد ذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( لما زار النبي عليه الصلاة والسلام أهل البقيع رفع يديه ). فنقول: كيفية الزيارة أن الإنسان يجعل وجهه إلى وجه الميت وظهره إلى جهة القبلة، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يدعو فإنه ينحرف إلى القبلة، ويرفع يديه، كما ورد ذلك من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    إهداء الثواب للموتى
    قال المؤلف رحمه الله: [وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك]. القربة العبادة، يعني على كلام المؤلف رحمه الله أن أي عبادة تفعلها ثم تهدي ثوابها إلى الميت فإنه يصله بإذن الله، وسواء كانت هذه العبادة بدنية أو مالية، يعني لو أن الإنسان تصدق بصدقة ثم أهدى ثواب هذه الصدقة لأبيه الميت، أو لأخيه، أو صلى ثم أهدى ثواب هذه الصلاة لأبيه أو لأخيه، أو أنه صام، أو أنه قرأ القرآن أو نحو ذلك. فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن سائر القرب سواء كانت بدنيةً, أو ماليةً, أو مركبة من المال والبدن مثل الحج والعمرة إذا أهديت ثواب هذه الأشياء إلى الميت فإنها تصله، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والحنابلة رحمهم الله هم أوسع المذاهب في هذه المسألة.وبعد فسبق لنا في آخر كتاب الجنائز شيء من مسائل زيارة القبور، وذكرنا أن زيارة القبور تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: زيارة شرعية. والقسم الثاني: زيارة بدعية.وذكرنا ضابط كل قسم من هذه الأقسام، وأيضاً تكلمنا عما يتعلق بكيفية الزيارة، وأين يقف الزائر، وصيغة الدعاء عند الزيارة.. إلى آخره. وفي آخر هذا الكتاب تكلم المؤلف رحمه الله عن إهداء القرب، إهداء ثواب العبادات للأموات وغيرهم، وذكر أن أي قربة يفعلها المسلم ثم يهدي ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه يصله هذا الثواب، وذكرنا أن هذه القرب تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: قرب مالية، يعني: عبادات مالية.والقسم الثاني: قرب مركبة من المال والبدن.أما القرب المالية فمثل الصدقة، كما لو تصدق إنسان عن أبيه الميت، أو أعتق رقيقاً وجعل ثواب هذا العتق لأبيه الميت، أو وقف وقفاً وجعل ثوابه لقريبه الميت ونحو ذلك.قلنا: القرب المالية والقرب المركبة من المال والبدن مثل الحج والعمرة، كما لو حج وجعل ثواب هذا الحج لقريبه، أو اعتمر وجعل ثواب هذه العمرة لقريبه. وأيضاً من أمثلة القرب المالية الأضحية، لو ضحى وجعل ثواب هذه الأضحية لقريبه الميت ونحو ذلك فهذه يصل ثوابها، ثواب القرب المالية والقرب المركبة من المال والبدن يصل ثوابها؛ ويدل لهذا حديث ابن عباس : ( أن امرأةً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي عنها ).وأيضاً: يدل لهذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم : ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمه التي ماتت أينفعها إن تصدق عنها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم ).وأيضاً: في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( أن رجلاً ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن أباه مات ولم يوص أفيتصدق عنه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم ).فهذه الأدلة ونحوها تدل على أن القرب المالية والقرب المركبة من المال والبدن يصل ثوابها، وينفع ذلك الميت.القسم الثاني: العبادات البدنية؛ مثل الصلاة، قراءة القرآن، الصيام، الاعتكاف، الذكر، لو أن الإنسان صلى وجعل ثواب هذه الصلاة لقريبه الميت، أو قرأ القرآن أو جزءاً منه ثم أهدى ثوابه، أو أنه ذكر الله، أو اعتكف ثم أهدى ثواب هذه العبادات للميت هل يصل أو لا يصل؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يصل ثوابها، والحنابلة رحمهم الله هم أوسع المذاهب في هذه المسائل، فيرون أنه يصل الثواب مطلقاً، سواءً كانت العبادة مالية أو مركبة من المال والبدن، أو كانت العبادة بدنية، فالمشهور عند الحنابلة أنه إذا فعل عبادةً بدنية ثم أهدى ثوابها فإن ثوابها يصل.وعند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي : أنه لا يصل الثواب فيما يتعلق بالعبادات البدنية, والحنابلة احتجبوا بمثل حديث عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )، فهذا يدل على أن الإنسان إذا صام عن قريبه الميت أن ذلك ينفعه، لو مات وعليه صيام واجب ولم يصم فإنه ينفعه لو صام عنه أحد، ومثل ذلك إهداء الثواب.وأما الذين قالوا بأنه لا يصل؛ فاستدلوا بأن الله عز وجل قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، وأيضاً ورد عن ابن عباس : أنه لا يصلي أحد عن أحد, ونحو ذلك. والصواب في هذه المسائل أن يقال: إن إهداء القرب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مشروع؛ وهو ما ورد النص به وهو الدعاء، فإن الله عز وجل قال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] ، فنقول: ما يتعلق بالدعاء السنة إهداء ثوابه، السنة أن يدعو المسلم لقريبه الميت والحي، وأنه مأمور بذلك، وأن هذا الدعاء ينفعه عند الله عز وجل، وأيضاً يدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له )، فدل ذلك على أن الدعاء ينفع الميت، فنقول:القسم الأول: إهداء العبادة المشروعة، وهذا يتعلق بالدعاء والاستغفار.القس الثاني: ما عدا ذلك من إهداء ثواب الصدقة، وإهداء ثواب الحج والعمرة، وكذلك أيضاً الصلاة وقراءة القرآن والصيام فنقول: بأن هذا كله يصل ثوابه إلى الميت، وينتفع به الميت، لكن هذا ليس من المشروع، وإنما هو من المباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك. فنقول: بأنه لا يفرض على الإنسان إذا فعل عبادة وأهدى ثوابها لقريبه الميت أو لقريبه الحي فإن ذلك يصل بإذن الله عز وجل، فيكون القسم الثاني المباح وهو بقية العبادات نقول: إهداء ثوابها مباح, ويصل إن شاء الله، لكن يبقى النظر أنه ليس من المشروع أن يكثر الإنسان من ذلك، المشروع أن يكثر الإنسان من القسم الأول وهو الدعاء، لكن لو فعل ذلك أحياناً وأهدى الثواب فنقول: بأن هذا يصل إن شاء الله؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم لنا في حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وغيرهما أذن في الوصية للميت، وأذن في الصدقة للميت.. إلى آخره.

    الأسئلة

    الإعراض عن الوساوس بعد الاستنجاء من البول
    السؤال: إذا قضيت حاجة التبول أقوم بغسل ذكري بالماء ثم أنشفه بمنديل أو غيره ثم ألاحظ بعد أن أتوضأ أن في مقدمة الذكر عند مخرج البول رطوبة ظاهرة، هل يلزمني إعادة الوضوء أم ماذا؟ وهذا يتكرر.الجواب: الإنسان إذا قضى حاجته من البول يغسل رأس الذكر، ولا حاجة إلى أن يشف بالمنديل، صحيح إذا أراد أنه يجمع بين الاستجمار والاستنجاء هذا طيب، يبدأ أولاً بالتنشيف بالمنديل ثم يغسل رأس الذكر، وإذا توضأ أجزأ، ولا تنظر إلى شيء آخر، لا تعلق قلبك بمثل هذه الأمور، بل تذهب وتصلي، وصلاتك صحيحة إن شاء الله.

    محل دعاء الاستخارة
    السؤال: دعاء الاستخارة هل يقال في السجود أم بعد التشهد أم بعد السلام؟ الجواب: دعاء الاستخارة ظاهر الحديث أنه يقال بعد السلام، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: الأفضل أن يكون قبل السلام؛ لأن كون الإنسان يقوله قبل أن يسلم أفضل من كونه يقوله بعد السلام، والعلة في ذلك ظاهرة، فإن كون الإنسان في صلاة فهو أقرب إلى الله عز وجل من كونه خارج الصلاة، والأمر في هذا واسع إن شاء الله، يعني إذا قاله بعد التشهد قبل السلام أو قاله بعد السلام الأمر في هذا واسع إن شاء الله.

    حكم اعتداد المسبوق بالركعة الخامسة التي زادها الإمام سهواً
    السؤال: إذا زاد الإمام ركعة سهواً في صلاة الرباعية, هل تعتبر هذه الركعة الزائدة متممة لمسبوق تخلف عن الإمام؟الجواب: نقول: إذا زاد الإمام ركعة خامسة ثم جاء مسبوق, فهذا المسبوق لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يعلم أنها زائدة، فإذا كان يعرف أنها زائدة فلا يتابع الإمام عليها، كل من عرف أنها زائدة لا يتابع الإمام عليها، لكن إذا كان يجهل أنها زائدة أو يجهل الحكم، ما يعرف ثم تابع الإمام فإنه يعتد بهذه الزيادة، هذا اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله خلافاً لمذهب أحمد . الصواب: أنه إذا كان يجهل أنها زائدة يعني يجهل الحال أو يجهل الحكم نقول: الصواب أنه يعتد بها.
    حكم التعزية لمن فاته أجر عظيم

    السؤال: ما حكم من يعزي من فاته أجر عظيم مثل صلاة الفجر؟الجواب: نقول: هذا لم يرد، يعني وإن كان ورد عن بعض السلف رحمهم الله لكن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتصر على ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    الجلوس عند أهل الميت للتعزية
    السؤال: يقول: هل الجلوس عند أهل الميت من النياحة؟ الجواب: هذا لا يعتبر من النياحة، اجتماع أهل الميت في مكان لتعزيتهم هذا لا يعتبر من النياحة، وقد نص على ذلك الفقهاء الحنابلة رحمهم الله، نقول: بأن هذا إن شاء الله لا بأس به، لكن من أتى لكي يعزي فإنه لا يطيل المقام.

    تغسيل الميت بثيابه لعذر
    السؤال: إدراج الماء على الميت حالة وجود الرجل بين النساء هذا ليس فيه تنظيف بل فيه زيادة تنجيس الميت؟الجواب: لا، نحن ذكرنا أن الغسل المجزئ هو أن يعم الماء البدن، فإذا عممنا الماء للبدن فهذا فيه تنظيف فيه تطهير، وإن لم يكن التنظيف الكامل والتطهير الكامل.

    مكان وقوف الداعي للميت

    السؤال: إذا أراد الإنسان الدعاء للميت بعد دفنه أين يقف؟ وما حكم الالتفات حول القبر حال الدعاء للميت بعد دفنه؟ الجواب: يقف على القبر؛ كما قال الله عز وجل: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84] ، لا تقم على أي جزء من أجزاء القبر، ( وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دفن الميت قال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ).تقوم على قبره على أي جزء من القبر، وتستغفر له، وتسأل له التثبيت.

    التيمم بغبار تراب داخل قماش
    السؤال: ما حكم وضع التراب في داخل قماش ويحافظ عليه ويتيمم به المريض، فإن ضربه خرج الغبار من خلال القماش، والعلة في هذه الطريقة حتى لا يتسخ المستشفى؟ الجواب: التيمم كما سبق لنا ليس خاصاً بالتراب، بل كل ما تصاعد على وجه الأرض يصح التيمم عليه؛ كما هو قول أبي حنيفة ومالك ، فيصح أن تتيمم على صخرة، ويصح أن تتيمم على قطعة من الرخام، أو على قطعة من البلاط وغير ذلك، يعني كل ما تصاعد على وجه الأرض فإنه يصح التيمم عليه.
    تجهيز القبور قبل حصول الأموات

    السؤال: هل من السنة تجهيز القبور قبل حصول الأموات؟الجواب: تهيئة القبور للأموات هذا هو الأفضل وعليه عمل الناس اليوم؛ لأن هذا أسرع في تجهيز الميت، النبي عليه الصلاة والسلام كما سبق لنا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخيراً تقدموها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ).

    الكسوة في كفارة اليمين
    السؤال: عندي ثلاثة أيمان ولم أكفر عن أي واحدة منها، وناسي واحدة منها, والتكفير يكون إطعام هل يجوز أن أبدل الإطعام بشراء كساء أو ثياب للصغار؟ الجواب: نقول: نعم، أنت مخير، من عليه كفارة يمين هو مخير بين أن يطعم عشرة مساكين، أو أن يكسوهم، أو أن يعتق رقبة، إذا لم يجد الكفارة المالية فإنه ينتقل إلى الكفارة البدنية يعني يصوم ثلاثة أيام، لا ينتقل إلى الصيام حتى يعجز عن الإطعام أو الكساء، أو إعتاق الرقبة، وسواء كسوت صغاراً أو كباراً المهم تكسي عشرة مساكين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (33)

    تجب الزكاة على كل مسلم، حر، ملك نصاباً ملكاً تاماً، حال عليه الحول، وتجب الزكاة على ما زاد على النصاب بحسابه، أما الحال المستفاد وأثناء الحول فأقسام ولكل قسم حكمه.
    تعريف الزكاة وأهميتها
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الزكاة].لما تكلم المؤلف رحمه الله عن أحكام الصلاة أردفه بأحكام الزكاة، وذلك لأمرين:الأمر الأول: اتباعاً للقرآن، فإن القرآن قرن بين الزكاة والصلاة فيما يقرب من ثلاثة وثمانين موضعاً، واتباعاً للسنة، كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا رتب أركان الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ). والأمر الثاني: إن حاجة المسلم إلى معرفة أحكام الزكاة أكثر من حاجته إلى معرفة أحكام الصيام والحج، فأردف المؤلف رحمه الله- ما يتعلق بأحكام الزكاة بأحكام الصلاة.والزكاة في اللغة: تطلق على معان، منها النماء، والزيادة، والتطهير، والمدح، والصلاح، فنقول: في اللغة: تطلق على معانٍ منها: النماء، والزيادة، والتطهير، والمدح، والصلاح... إلى آخره.وأما في الاصطلاح: فهي التعبد لله عز وجل بإخراج جزء مخصوص من المال لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. والأصل في الزكاة من حيث الدليل: الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فالأدلة في ذلك ظاهرة، كقول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وسيأتينا في ثنايا البحث كثير من ذلك، والسنة كما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والإجماع، المسلمون مجمعون على الزكاة، وأنها فرض من فرائض الإسلام.

    شروط وجوب الزكاة
    قال المؤلف رحمه الله: [وهي واجبة على كل مسلم]. هذا كما تقدم الوجوب دل عليه القرآن، والسنة، والإجماع؛ لكن اشترط المؤلف رحمه الله لهذا الوجوب شروطاً: الشرط الأول: أن يكون مسلماً، وعلى هذا الكافر لا تجب عليه الزكاة، وسبق أن أشرنا إلى هذه المسألة، وأن الكافر يتعلق به خطابان أو تكليفان: الخطاب الأول: خطاب وجوب الأداء، فهذا لا يتوجه إلى الكافر، فالكافر لا يجب عليه أن يؤدي الزكاة؛ لأنه فاقد لأصل التوحيد، والله عز وجل قال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54]، فلأنهم كفروا بالله ورسوله لا تقبل منهم نفقاتهم، فما يتعلق بخطاب وجوب الأداء هذا لا يتوجه إلى الكافر.الخطاب الثاني: ما يتعلق بخطاب وجوب التكليف، ونقول: بأن الكافر مكلف بهذه الشرائع، وأنه سيحاسب عند الله عز وجل عليها، ويدل لهذا قول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45]، فلكونهم يخوضون مع الخائضين ولا يطعمون المسكين كان ذلك له أثر بتعذيبهم في النار، وإلا لم يذكره الله عز وجل.قال: [حر].هذا الشرط الثاني: أن يكون حراً، وعلى هذا الرقيق الذي يباع ويشترى لا تجب عليه الزكاة، وهذا بالإجماع؛ لأن الرقيق مال لا يملك شيئاً، بل هو من عروض التجارة يباع ويشترى ويجب على سيده أن يخرج الزكاة عنه، فنقول: الرقيق هذا لا تجب عليه الزكاة؛ لأنه مال لا يملك، والزكاة لا بد لها من الملك، وهذا بالإجماع.لكن إن كان هذا الرقيق مبعضاً، يعني: بعضه حر وبعضه رقيق، فنقول: تجب عليه الزكاة بقدر ما فيه من الحرية، فلو كان عندنا رقيق بعضه حر، وبعضه رقيق، نصفه حر، ونصفه رقيق، نقول: تجب عليه الزكاة بمقدار الحرية الموجودة فيه، فإذا كان عند الحر ألف ريال، تجب فيه خمسة وعشرون ريالاً ربع العشر، وإذا كان نصفه حراً ونصفه رقيقاً فيجب عليه نصف الخمسة والعشرين، وعلى هذا نقول: يجب عليه اثنا عشر ريالاً ونصف، وهكذا، فإذا كان ربعه حراً نقول: يجب عليه ربع الخمسة والعشرين وهكذا، كذلك أيضاً المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده لا تجب عليه الزكاة؛ لأن المكاتب رقيق ما بقي عليه درهم.قال: [ملك نصاباً]. هذا الشرط الثالث: أن يكون مالكاً للنصاب، أو بلوغ النصاب، وعلى هذا إذا لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه، سيأتينا إن شاء الله في زكاة الذهب أن أقل نصاب الذهب عشرون مثقالاً، فلو كان عنده تسعة عشر مثقالاً فنقول: لا زكاة عليه، كذلك أيضاً أقل نصاب الإبل خمس، فخمس -كما سيأتينا- فيها شاة، لو أنه لم يملك إلا أربعاً نقول: لا زكاة عليه، كذلك أيضاً أقل نصاب الخارج من الأرض -كما سيأتينا إن شاء الله- خمسة أوسق، ثلاثمائة صاع، فلو أنه ملك أقل من ذلك، لم يبلغ ما خرج من الأرض في مزرعته النصاب فنقول: لا زكاة عليه، والأدلة على هذا كثيرة كما سيأتينا إن شاء الله، ومن ذلك حديث أنس في الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه له حينما وجهه إلى البحرين، وجاء في الكتاب: ( هذه فريضة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات )، وبين أبو بكر رضي الله تعالى عنه في هذا الكتاب الأنصبة، أنصبة الإبل، وأنصبة البقر... إلى آخره، كما سيأتينا إن شاء الله.قال: [ملك تاماً].هذا الشرط الرابع: أن يكون ملكه تاماً يعني: مستقراً ليس عرضة للسقوط، فإن كان المال الذي يملكه عرضة للسقوط، فإنه لا تجب عليه الزكاة عند جمهور أهل العلم رحمهم الله، ومثل العلماء رحمهم الله لذلك بأمثلة، من هذه الأمثلة: دين المكاتب، قالوا: دين المكاتب لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه عرضة للسقوط، سبقنا أن أشرنا إلى تعريف المكاتب، وأن المكاتب هو الذي اشترى نفسه من سيده، فإذا كان عندنا رقيق اشترى نفسه من سيده بعشرة آلاف، كل شهر يدفع ألفاً، يملك في ذمة الرقيق عشرة آلاف ريال، هذا الدين هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة؟ على كلام المؤلف رحمه الله أنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه عرضة للسقوط، إذ بإمكان الرقيق أن يعجز نفسه، وحينئذٍ يسقط الدين الذي عليه، ويعود رقيقاً، يعني: هذا المكاتب الرقيق بإمكانه أن لا يسدد وأن يترك التسديد، فحينئذٍ يسقط الدين الذي يريده السيد منه، ويعود المكاتب رقيقاً، فيملك أن يعجز نفسه، وحينئذٍ إذا عجز نفسه فإنه يعود رقيقاً ويسقط، وعلى هذا قالوا: بأن دين الكتابة لا زكاة فيه.قال المؤلف رحمه الله: [ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول إلا في الخارج]. هذا الشرط الخامس: اشتراط الحول، وهذا قول جمهور أهل العلم، فهم يشترطون في وجوب الزكاة مضي الحول، وهذا في الجملة، لأن هناك من الأموال الزكوية ما لا يشترط فيه مضي الحول كما سيأتي بيانه إن شاء الله.المهم: أن جمهور أهل العلم رحمهم الله يشترطون لوجوب الزكاة حولان الحول، ويدل لهذا حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول )، وهذا الحديث فيه كلام لأهل العلم رحمهم الله؛ لكن قال ابن حجر رحمه الله: لا بأس بإسناده والآثار تعضده، فيصلح للحجة، وله شاهد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وكذلك أيضاً هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد ذلك عن علي كما في مصنف ابن أبي شيبة ، وورد ذلك أيضاً عن أبي بكرة كما في سنن البيهقي ، وورد عن ابن عمر كما في سنن البيهقي، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة في كل عام، مما يدل على اشتراط الحول، ولم يحفظ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة كل شهر أو كل شهرين... إلى آخره، مما يدل على أنه يشترط لوجوب الزكاة مضي الحول.وخالف بعض أهل العلم كالظاهرية فقالوا: لا يشترط مضي الحول، واستدلوا على ذلك بالعمومات، كما في كتاب النبي عليه الصلاة والسلام في الصدقات، ( في كل خمس من الإبل شاة ) ولم يرد ذكر الحول، وكذلك أيضاً: ( في كل خمس وعشرين بنت مخاض ) ولم يرد ذكر الحول، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( في الرقة ربع العشر )... إلى آخره مما سيأتي إن شاء الله من الأدلة، وكذلك أيضاً قالوا: بأنه وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الرجل يستفيد المال قال: يزكيه حين يستفيده، ولم يعتبر الحول، كذلك أيضاً ورد عن ابن مسعود ومعاوية فالأقرب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، فإنه قول كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأيضاً لورود حديث علي رضي الله تعالى عنه، ولأن الزكاة شرعت مواساة، ولو قلنا: بأن الزكاة لا يشترط لها مضي الحول لكان في ذلك إجحاف بمال المزكي، وهي إنما شرعت على سبيل المواساة.

    ما لا يشترط فيه الحول من الأموال الزكوية
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا في الخارج من الأرض]. هذا النوع الأول الذي لا يشترط فيه الحول من الأموال الزكوية، نحن قلنا: بأنه يشترط مضي الحول إلا في بعض الأموال الزكوية لا يشترط فيها مضي الحول، فالأول: الخارج من الأرض، الخارج من الأرض لا يشترط فيه مضي الحول، وعلى هذا لو كان عند الإنسان مزرعة وزرعها براً، ثم بعد ذلك أنتجت بعد خمسة أشهر أو ستة أشهر حصدها، فإنه لا يشترط أن يمضي الحول على هذا الحصد، بل نقول كما قال الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] ، فنقول: ما يتعلق بالحبوب والثمار لا يشترط مضي الحول، بل إذا حصد فإنه كما قال الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] .النوع الثاني: ربح التجارة:ربح التجارة هذا حوله حول أصله، وعلى هذا لو كان الإنسان عنده محل تجاري يبيع فيه سلعاً، مثلاً: عنده بقالة، وهذه البقالة افتتحها مثلاً في أول الحول، والسلع التي فيها تقدر بخمسين ألف ريال، شرع يتاجر ويبيع ويشتري، يعني: ابتدأ مثلاً في محرم، وعند مضي الحول في محرم من السنة القابلة كانت عروض هذه البقالة أو المحل التجاري تساوي مائة ألف، فنقول: بأنه يزكي عن مائة ألف ريال عن قيمته، وهذا الربح الذي حصل لم يحل عليه الحول، قد يكون ربح بعض الأموال قبل الحول بيوم أو يومين؛ لكن نقول: بأن ربح التجارة هذا حوله حول أصله، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السعاة لقبض الزكاة، ولذلك ما كانوا يستفصلون عن الأرباح، ومتى حصلت هذه الأرباح؛ ولأن اعتبار مثل هذه الأشياء فيه مشقة، إذ من المشقة الشديدة أن يحسب صاحب المال ربح كل مال يكسبه، فاليوم كسب كذا، وغداً... إلى آخره، فهذا فيه مشقة شديدة.والنوع الثالث: نتاج السائمة:أيضاً نتاج السائمة حوله حول أصله، ويدل لهذا قول عمر رضي الله تعالى عنه: (اعتد عليهم في السخلة، ولا تأخذها منهم) والسخلة: هي الصغير من أولاد الضأن، فاعتبرها عمر وأمر الساعي أن يعدها في الزكاة، وأن لا يأخذها، وأيضاً ما سبق أن أشرنا إليه حيث كان السعاة يخرجون ومع ذلك لم يرد أنهم كانوا يستفصلون عن النتاج متى حصل، ومتى لم يحصل. فنقول: بالنسبة لنتاج السائمة هذا حوله حول أصله، فلو فرض أن رجلاً ملك أربعين شاة في محرم، الأربعون الشاة هذه زكاتها شاة واحدة، تنامت هذه الشياه وقبل الحول بلغت هذه الشياة إحدى وعشرين ومائة، والغنم نصابها أربعون، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ إحدى وعشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين من الشياه وجبت فيها شاتان، لو حال عليها الحول، وليس عنده إلا عشرون ومائة نقول: عليه شاة واحدة؛ لكن لو قبل الحول ولدت إحدى الشياه، وبلغت إحدى وعشرين ومائة، فإنه تجب عليه شاتان، هذه ثلاثة أنواع.النوع الرابع: العسل:سيأتينا إن شاء الله كلام أهل العلم في العسل، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة أن الزكاة واجبة في العسل.وعند مالك والشافعي أن الزكاة لا تجب في العسل، وهذا هو الأقرب كما سيأتينا إن شاء الله.لكن على القول بأن الزكاة واجبة في العسل لا يشترط حولان الحول، فإذا أخرج من ملكه أو موات ما يساوي نصاباً فإنه يجب عليه أن يزكيه كما سيأتينا إن شاء الله.النوع الخامس: المعدن:لا يشترط فيه حولان الحول، فلو أن الإنسان أخرج من الأرض شيئاً من المعادن من الحديد أو النحاس، أو الصفر، ونحو ذلك من هذه المعادن، فبلغت قيمة هذا المعدن نصاب الذهب أو نصاب الفضة، فإنه حين الإخراج وبلوغ القيمة يجب عليه أن يخرج الزكاة ولا يشترط أن يحول عليه الحول، الحول هذا ليس بشرط.النوع السادس: الأجرة عند شيخ الإسلام:شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأن الأجرة لا يشترط لها الحول، وعلى هذا لو أن الإنسان أجر دكانه بعشرة آلاف ريال، وقبض الأجرة عند العقد، على كلام شيخ الإسلام رحمه الله، يقول: يجب عليه أنه يخرج الزكاة مباشرة، أو أنه أجر بيته بعشرة آلاف ريال، وقبض مقدماً مثلاً: نصف الأجرة، أو قبض الأجرة كاملة، فعلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجب عليه أن يخرج الزكاة مباشرة؛ لأنه يرى أن الأجرة بمنزلة الثمرة، فكما أن ثمرة الشجرة لا يشترط لها الحول، فكذلك أيضاً الأجرة، ثمرة هذا البيت لا يشترط لها الحول، هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. والرأي الثاني في المسألة: أنه لا بد من الحول، والحول يبدأ من حين العقد، وعلى هذا لو أجر دكانه أو بيته بعشرة آلاف ريال في أول محرم، وقبض المقدم خمسة آلاف في أول محرم، هذه الخمسة الآلاف فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ على رأي الحنابلة لا زكاة فيها؛ لأنه ما حال عليها الحول؛ لكن لو مكثت عنده حتى مضى عليها حول لم يأكلها ففيها الزكاة، المؤخر الذي يقبضه بعد تمام الحول فيه زكاة أو ليس فيه زكاة؟ نقول: فيه الزكاة، يخرج الزكاة مباشرة؛ لأن الحول يبدأ من العقد.نعيد المثال، هذا رجل أجر بيته بعشرة آلاف ريال، ولنفرض أنه قبض شيئاً من الأجرة عند العقد، والشيء الآخر لم يقبضه، فنقول: ما قبضه في أول العقد لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، حتى يمضي حول من حين العقد، ولو قبض بعد خمسة أشهر متى تجب الزكاة؟نقول: انتظر سبعة أشهر، إن بقيت الدراهم في يده سبعة أشهر وجبت الزكاة، أكلها ما فيها زكاة، ولو لم يقبض الأجرة إلا بعد نهاية العام، ما الحكم هنا؟ نقول: يخرج الزكاة مباشرة؛ لأن الحول تم، ونحن أشرنا إلى أن الحول يبدأ من حين العقد، فقد يكون أجر الدكان في أول محرم، ثم بعد ذلك لما تمت السنة قبضه بعد سنة كاملة، نقول: يخرج الزكاة مباشرة، لو لم يقبض إلا بعد سنتين يخرج زكاة سنتين، وعلى هذا فقس.النوع السابع مما لا يشترط له الحول: الركاز، فالركاز هذا لا يشترط له الحول، فلو أن الإنسان وجد مالاً مدفوناً في الأرض، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( وفي الركاز الخمس )، فإذا وجد مالاً مدفوناً من دفن الجاهلية، يعني: عليه علامة من علامات الجاهلية كاسم ملك من ملوكهم، أو تاريخ ونحو ذلك، فمن وجد هذا المال قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وفي الركاز الخمس )، فيجب عليه أن يخرج خمسه مباشرة، ولا يشترط أن يحول عليه الحول.

    الأموال الزكوية
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام]. الأموال الزكوية أربعة:النوع الأول: السائمة من بهيمة الأنعام، والمراد بالسائمة كما سيأتينا: الراعية، والمراد ببهيمة الإنعام: الإبل، والبقر، والغنم، سواء كانت ضأناً أو معزاً، هذا الذي تجب فيه الزكاة من السائمة، لو كان عنده غزلان سائمة يرعاها ما فيها زكاة إلا إن كانت عروض تجارة، أو عنده حمر لا زكاة فيها إلا إن كانت عروض تجارة، يعني: يبيع ويشتري فيها، أو كان عنده خيل راعية يرعاها في البر لا زكاة فيها إلا إن كانت عروض تجارة، أو عنده دجاج أو حمام ونحو ذلك من هذه الأشياء لا زكاة فيها إلا إن تكون عروض تجارة، وهذا سيأتي أن المؤلف رحمه الله يعقد باباً مستقلاً لما يتعلق بزكاة السائمة.قال المؤلف رحمه الله: [والخارج من الأرض]. الخارج من الأرض هذا سيعقد له المؤلف رحمه الله باباً مستقلاً، ما المراد بالخارج ونصابه ومقدار الزكاة؟ سيأتي بيانه إن شاء الله.قال المؤلف رحمه الله: [والأثمان]. المراد بالأثمان: الذهب والفضة، وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية اليوم، الريالات والجنيهات والدراهم وغير ذلك، هذه المراد بالأثمان، وهذه أيضاً سيعقد لها المؤلف رحمه الله باباً مستقلاً. قال المؤلف رحمه الله: [وعروض التجارة]. هذا الرابع والأخير، عروض التجارة تجب فيه الزكاة، فالأموال الزكوية هذه الأربعة ما عداها ليس من الأموال الزكوية، وعلى هذا لو أن الإنسان عنده بر حصده من المزرعة، تجب فيه الزكاة؛ لأنه من الخارج من الأرض؛ لكن لو حال عليه حول آخر، لا زكاة فيه؛ لأنه ليس داخلاً في هذه الأموال الزكوية، ليس هو الآن من الخارج من الأرض إلا إن كان عروض تجارة، يعني: جعله عروض تجارة يبيع ويشتري، أو أن الإنسان عنده سيارات يستعملها، أو البيت الذي يسكنه، أو الآلات الذي يستخدمها، أو الأوان التي يستخدمها، أو الفرش ونحو ذلك من هذه الأشياء، فهذه كلها لا زكاة فيها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقة )، فالفرس الذي اختصه لنفسه، والرقيق الذي اختصه لنفسه، هذه لا زكاة فيها.قال المؤلف رحمه الله: [ولا زكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ نصاباً]. هذا سيأتي إن شاء الله بيانه بإذن الله.

    زكاة الزائد على النصاب
    قال المؤلف رحمه الله: [وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه إلا السائمة فلا شيء في أوقاصها]. يقول: تجب فيما زاد على النصاب بحسابه إلا في السائمة، فمثلاً: أقل نصاب الذهب عشرون مثقالاً كما سيأتي، لو أن هذه المثاقيل زادت مثقالاً واحداً، فهذا المثقال فيه زكاة، بالنسبة للأوراق النقدية سيأتي بيان نصابها، إذا فرضنا أن أقل نصابها ثلاثمائة ريال، لو زادت ثلاثمائة ريال تجب فيها الزكاة ربع العشر، لو زاد ريال أو ريالان تجب الزكاة، ومثل ذلك أيضاً الخارج من الأرض كالحبوب، أقل النصاب ستمائة واثنا عشر كيلو، لو زاد كيلو أو كيلوان أو ثلاثة... إلى آخره، تزيد فيه الزكاة، أيضاً: عروض التجارة، إلا السائمة، ففي السائمة الوقص، والوقص: هو ما بين الفريضتين، ما بين الفريضتين لا زكاة فيه، وهذا من خصائص السائمة، فإن السائمة لها خصائص، من خصائصها الوقص، فهذا لا زكاة فيه، الوقص، والجبران، والخلطة، هذه من خصائص السائمة كما سيأتينا إن شاء الله. مثال ذلك: أقل نصاب الإبل خمس، فيها شاة، ست فيها شاة، سبع فيها شاة، فالسادسة هذه ما فيها زكاة، السابعة، الثامنة، التاسعة، كل هذا ما فيه زكاة، حتى تبلغ عشراً، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ خمسة عشر، ففيها ثلاث، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ عشرين، ففيها أربع شياه، وهكذا. وأيضاً في الغنم، الضأن أو الماعز، أقل نصاب الغنم أربعون وفيها شاة، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ إحدى وعشرين ومائة، يعني: لو أن عندك خمسين، ستين، مائة، مائة وعشرين، هذه لا زكاة فيها، لا تتغير الزكاة عن شاة واحدة حتى تبلغ إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان، فالوقص الذي يكون بين الفريضتين في السائمة لا زكاة فيه، وهذا كما أشرنا أنه من خصائص سائمة بهيمة الأنعام.

    زكاة المال المستفاد
    قبل أن ننتقل لباب زكاة السائمة نتكلم فيما يتعلق بالمستفاد أثناء الحول، إذا استفاد الإنسان مالاً في أثناء الحول، فهل يضمه إلى ما عنده في النصاب وفي الحول أو نقول: بأنه يعتبر له حولاً مستقلاً؟ نقول: هذه المسألة لها ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون ربح تجارة أو نتاج سائمة، فإن كان المستفاد في أثناء الحول ربح تجارة، أو نتاج سائمة فهذا يضمه إلى ما عنده، في الحول وفي النصاب، في الحول مثلاً: عنده أربعون شاة ابتدأ حولها من محرم، ثم تنامت هذه الشياة حتى أصبحت إحدى وعشرين ومائة، الزيادة هذه هل نقول: بأن لها حولاً مستقلاً أو نقول بأن حولها حول أصلها؟ نقول: بأن حولها حول أصلها، كذلك أيضاً يضمه في النصاب، لو كان عنده عشرون شاة، العشرون الشاة هذه لا زكاة فيها؛ لأنها لا تبلغ نصاباً؛ لكن لو تنامت حتى بلغت أربعين فنقول: يضمها إلى ما عنده من السائمة، وتجب فيها الزكاة، ويبدأ الحول من حين بلغت نصاباً، هذا القسم الأول: أن يكون المستفاد ربح تجارة أو نتاج سائمة.القسم الثاني: أن يكون المستفاد ليس ربح تجارة، ولا نتاج سائمة؛ لكنه من جنس المال، فهذا يضم إلى ما عنده في النصاب، ولا يضمه في الحول، مثال ذلك: إنسان عنده مال، عنده دراهم، هذه الدراهم لا تبلغ نصاباً، مثلاً: عنده مائة ريال، المائة الريال هذه لا تبلغ نصاباً، ثم بعد ذلك جاءه راتب، هل نضم هذا الراتب إلى ما عنده في تكميل النصاب أو لا نضمه؟ نقول: نعم نضمه في تكميل النصاب، مائة ريال هذه لا تبلغ النصاب، جاءه راتب ألف ريال مثلاً: يضم هذه الألف إلى المائة فيبلغ النصاب فحينئذٍ تجب الزكاة، فيبدأ الحول من بلوغ النصاب، هذا نقول: نضمه في تكميل النصاب، ما دام أنه من جنس المال؛ لكن هل نضمه في الحول؟ نقول: لا نضمه في الحول، مثال ذلك: إنسان عنده ألف ريال، ابتدأ حولها من محرم، بعد شهر أو شهرين جاءه راتب ألف ريال، هذا الراتب له حول مستقل، فمثلاً: لو جاءه في ربيع ألف ريال، نقول: هذه الألف ما نضمها إلى الألف السابقة في الحول، الألف السابقة لها حولها المستقل، وهذه الألف الأخرى لها حولها المستقل، فما دام أنه من جنس المال وليس ربح تجارة أو نتاج سائمة، فهذا نضمه في النصاب، ولا نضمه في الحول. ومثل ذلك: رواتب الموظفين تضم في النصاب؛ لكن الأصل أن كل راتب له حول مستقل؛ لكن لو أن الإنسان أخرج الزكاة عن جميع الرواتب فهذا جائز لا بأس به، كما سيأتينا إن شاء الله في تعجيل الزكاة؛ لكن الأصل أن راتب محرم، وراتب صفر، وراتب ربيع، أنه ما يجب عليك حتى يتم حولها، وتضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فإذا بلغ النصاب وجبت عليك الزكاة، فمثلاً: إذا بلغ النصاب في صفر وجبت عليك الزكاة، فما ملكته في صفر له حوله المستقل، في ربيع الأول له حوله، في ربيع الثاني له حوله، جماد الأول، جماد الثاني كل له حوله، هذا الأصل؛ لكن لو أن الإنسان أخرج الزكاة عن كل ما عنده فإن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.القسم الثالث: أن يكون المستفاد غير جنس المال الذي عنده، يعني: ليس من جنس المال الذي عنده، فهنا لا يضم لا في الحول ولا في تكميل النصاب، مثلاً: لو أن الإنسان عنده من الذهب عشرة مثاقيل، أو عنده من الريالات مائة ريال ليست نصاباً، ثم ملك عشرين شاة سائمة ترعى، أيضاً هذه ليست نصاباً، ما نقول: نضم العشرين إلى المائة، أو نضم هذه السائمة العشرين إلى الذهب، لا يضم لا في تكميل النصاب، ولا في الحول، ما نقول: نضم هذه الشياة إلى الذهب أو إلى الريالات، هذا لا نضمه، كذلك أيضاً في الحول أيضاً لا نضم، فمثلاً: لو كان عنده عشرون مثقالاً حال عليها الحول أو ابتدأ حولها من محرم، ثم ملك سائمة في رمضان أربعين شاة، فنقول: بأن العشرين مثقالاً حولها يبدأ من محرم، وأما بالنسبة للشياة التي ملكها في رمضان فحولها يبدأ في رمضان. فأصبحت الأقسام ثلاثة:القسم الأول: يضم في النصاب وفي الحول. والقسم الأخير: لا يضم لا في النصاب ولا في الحول. والقسم الوسط: هذا فيه التفصيل، يضم في النصاب لا في الحول.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (34)


    تجب الزكاة في الأنعام السائمة وهي: الإبل والبقر والغنم، ويشترط فيها أن تبلغ النصاب الشرعي، وقد بينه أهل العلم بياناً شافياً.

    زكاة السائمة
    تقدم لنا في الدرس السابق، شروط وجوب الزكاة، وذكرنا من ذلك الإسلام والعقل، الإسلام، والحرية، وبلوغ النصاب، وتمام الملك، وحولان الحول، وذكرنا أن هناك بعض الأموال الزكوية التي لا يشترط لها مضي الحول، وعددنا هذه الأموال فذكرنا من ذلك: نماء التجارة، ونتاج السائمة، والأجرة عند شيخ الإسلام، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالمعدن والعسل، والركاز... إلى آخره، وكذلك أيضاً أشرنا إلى ما يتعلق بالأوقاص، وأن الوقص -وهو ما كان بين الفريضتين- لا زكاة فيه، وهذا من خصائص السائمة، ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله في الأموال الزكوية، وفي بيان أحكامها.والأموا الزكوية أربعة أموال: الأول: سائمة بهيمة الأنعام، والثاني: الخارج من الأرض، والثالث: النقدان، والرابع: عروض التجارة، وسيعقد المؤلف رحمه الله لكل مال من هذه الأموال باباً مستقلاً يبين فيه النصاب، وقدر الواجب، وغير ذلك مما يتعلق بأحكام هذا الباب.قال المؤلف رحمه الله: [باب زكاة السائمة، وهي الراعية]. أي: المكتفية بالمباح، عن العلف، والشعير ونحوه، وبدأ المؤلف رحمه الله بباب السائمة اقتداءً بكتاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه، الذي كتبه لـأنس حينما وجهه إلى البحرين، وفيه: ( هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها في كل خمس شاة... ) إلى آخر هذا الكتاب.قال المؤلف رحمه الله: [وهي ثلاثة أنواع: أحدها الإبل، ولا شيء فيها حتى تبلغ خمساً].يقول المؤلف رحمه الله: (ثلاثة أنواع) الإبل على اختلاف أنواعها سواء كانت من العراب أو من البخاتي، والبقر على اختلاف أنواعها، سواء من العراب أو من الجواميس، والغنم على اختلاف من أنواعها سواء كانت من الضأن أو من المعز، هذه الأنواع الثلاثة هي التي تجب فيها الزكاة، ما عدا هذه الأنواع لا تجب فيها الزكاة، فلو كان الإنسان عنده حمر ترعى المباح، تتكفى بالمباح عن أن يشتري لها علفاً، لا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت عروض تجارة، كذلك أيضاً لو كان عنده خيل نقول: هذه الخيل لا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت عروض تجارة يبيع ويشتري، كذلك أيضاً لو كان عنده غزلان ترعى المباح نقول: هذه لا تجب فيها الزكاة، فالزكاة لا تجب إلا في هذه الأنواع الثلاثة، ما عداها لا يجب فيه الزكاة إلا إن كانت عروض تجارة، فمثلاً: لو كان الإنسان عنده طيور على اختلاف أنواعها وغير ذلك من الحيوانات نقول: لا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت عروض تجارة يبيع ويشتري فيها، فهي داخلة في عروض التجارة.

    شروط زكاة السائمة
    قال المؤلف رحمه الله: (وهي الراعية).هذا الشرط الأول من شروط الزكاة في السائمة، السائمة اشترطوا لوجوب الزكاة فيها شروط: الشرط الأول: أن تكون راعية المباح كل الحول أو أكثره، وحينئذٍ لا تخلو هذه المسألة من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تكون راعية كل الحول، فهذه لا إشكال أن فيها الزكاة، وهذا باتفاق الأئمة.القسم الثاني: أن تكون راعية أكثر الحول، وهذه اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله، هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟ والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه تجب فيها الزكاة، إلحاقاً للأكثر بالكل، وعند الشافعي أنه لا تجب في الزكاة.القسم الثالث: أن تكون راعية أقل الحول، أو نصف الحول، فهذه لا زكاة فيها، إلا على رأي الإمام مالك رحمه الله فإنه يقول: لا يشترط أن تكون سائمة، فلو كانت معلوفة فإنه تجب فيها الزكاة، وهذا خلاف ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وخلاف ما دلت عليه الأدلة، فإن الأدلة بينت أنه يشترط في هذه الأنواع أن تكون سائمة، يشترط في كل أربعين سائمة شاة، كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فقيدها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تكون سائمة، فالأقسام ثلاثة.الشرط الثاني: أن تكون متخذة للدر والنسل، وعلى هذا إذا كانت عاملة فلا زكاة فيها، ولو كان الإنسان عنده خمس من الإبل اتخذها لإخراج الماء، أو للحمل عليها، أو لتأجيرها ونحو ذلك، فهذه لا زكاة فيها، أو عنده ثلاثون من البقر اتخذها للحرث، أو للحمل ونحو ذلك، فنقول: بأنه لا زكاة فيها، لا بد أن تكون متخذة للدر، للحليب والنسل، ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام -كما ثبت في الصحيح-: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة )، فأضاف العبد وأضاف الفرس إليه، فدل ذلك على أن ما يختص به المسلم لا زكاة فيه، وهذا أيضاً خلافاً للإمام مالك رحمه الله، فإن الإمام مالك رحمه الله يرى أن العاملة فيها الزكاة. الشرط الثالث: أن تبلغ النصاب الشرعي.

    زكاة الإبل
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا شيء فيها حتى تبلغ خمساً فيجب فيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه إلى خمس وعشرين]. يعني: أقل نصاب الإبل خمس، الأربع ليس فيها زكاة، الخمس فيها شاة، ثم بعد ذلك لا زكاة فيها حتى تبلغ عشراً.فالعشر فيها شاتان، وما بين الفريضتين هذه لا زكاة فيها، فالخمس فيها شاة، والست كذلك شاة، والسبع شاة، والثمان شاة، والتسع إلى أن تبلغ عشراً.فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ خمس عشرة، فإذا بلغت خمسة عشر إبلاً ففيها ثلاث شياه، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ عشرين.فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ خمساً وعشرين.فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، يعني: أنثى لها سنة واحدة، وسميت بهذا لأن الغالب أن أمها قد حملت فهي ماخض، فسميت ببنت مخاض، ثم بعد ذلك لا شيء فيها، فعندك ست وعشرون فيها بنت مخاض، ثلاثون فيها بنت مخاض، خمس وثلاثون فيها بنت مخاض، حتى تبلغ ستاً وثلاثين.فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، بكرة لها سنتان؛ وسميت بهذا الاسم لأن الغالب أن أمها قد وضعت وهي ترضع الآن ذات لبن، فست وثلاثون فيها بنت لبون، الأربعون فيها بنت لبون، خمس وأربعون فيها بنت لبون، حتى تبلغ ستاً وأربعين.فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة لها ثلاث سنوات، وسميت بهذا الاسم لأنها استحقت أن تحمل عليها الأحمال، أو أن يطرقها الفحل، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ إحدى وستين، فخمسون فيها حقة، خمس وخمسون فيها حقة، ستون فيها حقة، حتى تبلغ إحدى وستين.فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، والجذعة هذه لها أربع سنوات، وسميت بذلك لأنها تجذع يعني: تسقط الثنية، فإحدى وستون هذه فيها جذعة، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ ستاً وسبعين، فخمس وستون فيها جذعة، وسبعون فيها جذعة، وخمس وسبعون فيها جذعة.إذا بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون، وعلى هذا سبعون فيها جذعة، وخمس وسبعون جذعة، في ست وسبعين بنت لبون، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ إحدى وتسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان.ومن ست وسبعين إلى تسعين لا شيء فيها، من ست وسبعين فيها بنت لبون، ثم لا شيء فيها، يعني: ما تتغير الفريضة حتى تبلغ إحدى وتسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، وعلى هذا ثمانون فيها بنتا لبون، وخمس وثمانون فيها بنتا لبون، تسعون فيها بنتا لبون، إحدى وتسعون فيها حقتان، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، وكان عنده مائة وعشرون فعليه ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وعلى هذا مائة وثلاثون لبون وحقة، بنتا لبون بثمانين، وحقة بخمسين، فيساوي مائة وثلاثين، نحن قلنا: إذا بلغت مائة وعشرين فيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فعلى هذا مائة وثلاثون فيها بنتا لبون وحقة، بنتا لبون بثمانين، وحقة بخمسين تساوي مائة وثلاثين، قال العلماء رحمهم الله: إذا قدرت وبقي معك عشر، فاعلم أن التقدير خطأ، وإذا بقي أقل من عشر فالتقدير صحيح، فمثلاً: مائة وخمس وثلاثون كم فيها؟ بنتا لبون وحقة، يبقى معك خمس، نقول: التقدير هنا صحيح، يعني: الباقي ليس عشراً، وإنما الباقي خمس.مائة وأربعون كم فيها؟حقتان وبنت لبون حقتان بمائة، وبنت لبون بأربعين، تساوي مائة وأربعين.مائة وسبعة وأربعون كم فيها؟حقتان وبنت لبون، يبقى معك سبع، حقتان بمائة وبنت لبون بأربعين، مائة وأربعون، يبقى عندك سبع. ومائة وخمسون فيها ثلاث حقق، ومائة وستون فيها أربع بنات لبون، فبنتا لبون بثمانين وبنتا لبون بثمانين. ومائة وسبعون فيها حقة وثلاث بنات لبون، ثلاث بنات لبون بمائة وعشرين، وحقة بخمسين تساوي مائة وسبعين. مائة وثمانون فيها حقتان وبنتا لبون، حقتان بمائة، وبنتا لبون بثمانين، ومائة وتسعون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون، ثلاث حقاق بمائة وخمسين، وبنت لبون بأربعين تساوي مائة وتسعين، ومائتان فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون.قال المؤلف رحمه الله: [وفي العشرين أربع شياه إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي بنت سنة، فإن لم تكن عنده فابن لبون: وهو ابن سنتين]. هذا الموضع الأول الذي يجزء فيه الذكر، الأصل في السائمة أن تخرج الأنثى، ما نخرج الذكر، ولهذا في كتاب أبي بكر لـأنس في فريضة النبي عليه الصلاة والسلام في الصدقة: ( بنت مخاض، بنت لبون، حقة، جذعة مسنة )... إلى آخره؛ لكن هناك مواضع يجزئ أن نخرج الذكر، وهذا الموضع الأول، إذا كان الإنسان ليس عنده بنت مخاض، وعنده ابن لبون لا بأس أن يخرج ابن اللبون عن بنت المخاض، وهذا جبر للنقص، أيهما أكمل في البهائم الأنوثة أو الذكورة؟ الأنوثة أكمل، فهو يجب عليه أنثى، ما وجد الأنثى يجبر هذا النقص بارتفاع السن، فنقول: يخرج بدلاً من بنت المخاض ابن لبون ذكر، ويجزئ من ذلك وأولى من ذلك أن يخرج حقاً أو جذعاً ما فيه بأس، نقول: تخرج بدل بنت المخاض بنت لبون كما ورد في الحديث، لو قال: ما عندي ابن لبون، نقول: أخرج حقاً، يقول: ما عندي حق، نقول: أخرج جذعاً، هذا كله أولى؛ لأنه جبر الآن النقص، الأنوثة جبرها بزيادة السن، هذا الموضع الأول، وستأتي بقية المواضع إن شاء الله.قال المؤلف رحمه الله: [فإن لم تكن عنده فابن لبون وهو ابن سنتين إلى ست وثلاثين، فيجب فيها بنت لبون، وست وأربعين فيجب فيها حقة لها ثلاث سنين، إلى إحدى وستين فيجب فيها جذعة لها أربع سنين إلى ست وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون إلى مائتين، فيجتمع فيها الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق، وإن شاء خمسة بنات لبون…]. هذا كلام المؤلف رحمه الله كله تقدم.

    الجبران في زكاة السائمة
    قال المؤلف رحمه الله: [ومن وجبت عليه سن فلم يجدها أخرج أدنى منها ومعها شاتان أو عشرون درهماً، وإن شاء أخرج أعلى منها، وأخذ شاتين أو عشرين درهماً]. هذا يسمى: الجبران، والجبران هذا من خصائص السائمة، وهو أيضاً من خصائص الإبل، وصورة الجبران أن يجب عليه سن، ولا يجد هذا السن؛ لكن يجد أعلى منه، أو يجد أنزل منه، فحينئذٍ إذا لم نجد هذا السن فإنه إذا كان يجد أعلى منه، يخرج الأعلى ويأخذ الجبران، يجد أنزل منه، يدفع الأنزل، ويدفع معه الجبران، وهذا الجبران دل له حديث أنس في كتاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه الصدقات.ورد في الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( شاتين أو عشرين درهماً ) يعني: هو بالخيار، إما أن يخرج شاتين، وإما أن يخرج عشرين درهماً، فقوله: ( عشرين درهماً ) هل هو على سبيل التعيين أو على سبيل التقويم؟ اختلف في هذا أهل العلم رحمهم الله، يعني: هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عشرين درهماً )؛ لأن الدراهم هي قيمة هاتين الشاتين في عهده عليه الصلاة والسلام أو أن هذا على سبيل التعيين؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب أنه على سبيل التقويم، وأن الشاة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت قيمتها تساوي ما يقرب من عشرة دراهم، وعلى هذا الآن تغير السعر؛ لأن الدراهم هذه -كما سيأتينا إن شاء الله- لا تساوي إلا شيئاً يسيراً، فإذا قلنا: بأنه على سبيل التعيين، وأنه مخير، فلن يخرج شاتين وإنما سيخرج دراهم؛ لأن عشرة دراهم تساوي الآن خمسة ريال، كم الشاة بالنسبة لخمسة ريالات؟ لا شك أنه سيختار المزكي خمسة ريالات إذا قلنا: إنه على سبيل التعيين، فالدراهم الآن لا تساوي شيئاً؛ لأن الفضة الآن نازلة جداً؛ لكن إذا قلنا: بأنه على سبيل التقويم، وليس على سبيل التعيين، فننظر إلى قيمة الشاتين، فنقول: إما أن تخرج شاتين، وإما أن تخرج قيمة الشاتين، وعلى هذا لو وجبت عليه بنت لبون، عنده مثلاً: أربعون من الإبل، أربعون من الإبل فيها بنت لبون، ما وجد بنت اللبون وعنده بنت مخاض، نقول: أنت بالخيار، إما أن تأتي ببنت لبون، وإلا تدفع بنت المخاض، وتدفع معها الجبران، كم الجبران؟ نقول: تدفع شاتين أو قيمة شاتين في الوقت الحاضر؛ لأن العشرة الدراهم الصواب أنها على سبيل التقويم، فنقول لمن وجبت عليه الزكاة: أنت بالخيار، إما أن تدفع ما وجب عليك، وهي بنت لبون، أو تدفع بنت المخاض التي عندك وتدفع الجبران، كم الجبران؟ نقول: الجبران حكم به النبي عليه الصلاة والسلام، تدفع مع بنت المخاض شاتين، أو تدفع مع بنت المخاض قيمة شاتين.وإذا وجب عليه سن، وليس عنده هذا السن؛ لكن عنده أعلى منه، يدفع الأعلى ويأخذ جبراناً، فمثلاً: وجب عليه بنت مخاض، ما وجد بنت المخاض؛ لكن وجد بنت لبون، نقول: إما أن تأتي ببنت مخاض، أو تدفع بنت لبون، ويعطيك الساعي الجبران، كم يعطيك الساعي؟ يعطيك شاتين أو قيمة شاتين، وأيضاً الساعي بالخيار كما أنه بالخيار، قد يكون في دفع الجبران مصلحة، وقد لا يكون فيه مصلحة، قد تكون أسعار الغنم ارتفعت، فكونه يأخذ بنت لبون ويدفع إليه شاتين، لا يكون هناك مصلحة للفقراء.المهم الخلاصة في الجبران: أن يجب على المالك سن، ولا يجد هذا السن؛ لكن يجد أنزل منه أو يجد أعلى منه، فإن وجد الأنزل فنقول: تدفع هذا الأنزل وتأخذ، أو تدفع الجبران وأنت بالخيار، إما أنك تأتي بما وجب عليك، أو أنك تدفع ما عندك من السن النازل مع الجبران، إما شاتان، وإما قيمة شاتين، إذا كان يجد أعلى نقول: تدفع هذا الأعلى وتأخذ الجبران، والساعي بالخيار، ينظر ما هي المصلحة في ذلك.

    زكاة البقر
    قال المؤلف رحمه الله: [النوع الثاني: البقر، ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين، فيجب فيها تبيع أو تبيعة لها سنة…]. النوع الثاني: البقر، وأقل النصاب في البقر ثلاثون، فلا تجب فيها الزكاة حتى تبلغ ثلاثين، فإن كانت أقل من ثلاثين فلا شيء فيها، لو كان عنده تسع وعشرون بقرة، فإنه لا شيء فيها، فإذا وجد ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، وهذا هو الموضع الثاني الذي يجزئ فيه إخراج الذكر في السائمة، إذا كان عنده ثلاثون من البقر، فإنه يخرج تبيعاً أو تبيعة، والتبيع أو التبيعة ما له سنة، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة ثنية لها سنتان، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.وعلى هذا خمسون فيها مسنة، وستون فيها تبيعان أو تبيعتان، أو تبيع وتبيعة، وسبعون فيها تبيع ومسنة، أو تبيعة ومسنة، وثمانون فيها مسنتان، وتسعون فيها ثلاثة أتبعة، أو ثلاثة تبيعات، أو من الذكور والإناث، تبيع وتبيعتان، أو تبيعة وتبيعان، ومائة فيها تبيعان ومسنة، تبيعان بستين، ومسنة بأربعين، وعلى هذا فقس.

    زكاة الغنم
    قال المؤلف رحمه الله: [النوع الثالث: الغنم، ولا شيء فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة…]. الغنم أقل النصاب فيها أربعون، فإذا كان عنده تسعة وثلاثون لا شيء فيها، حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ إحدى وعشرين ومائة، يعني: ثمانون فيها شاة، مائة فيها شاة، مائة وعشرون فيها شاة، مائة وإحدى وعشرون فيها شاتان، ثم بعد ذلك لا شيء فيها حتى تبلغ مائتين وواحدة، فمائة وثلاثون فيها شاتان، ومائة وخمسون فيها شاتان، مائتان فيها شاتان، مائتان وواحدة فيها ثلاث شياه، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة في كل مائة شاة، فعلى هذا مائتان وواحدة فيها ثلاث شياة، ثلاثمائة ثلاث شياة، مائتان وخمسون ثلاث شياة، مائتان وثلاثون ثلاث شياة، ثلاثمائة وثلاثون ثلاث شياة، ثلاثمائة وخمسون ثلاث شياة، أربعمائة أربع شياة، يقول العلماء رحمهم الله: وهذا أكثر وقص في السائمة، يعني: من مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين ما تتغير الفريضة، من مائتين وواحدة فيها ثلاث شياة، إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياة، حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، يعني: مائة وثمان وتسعون شاة ما فيها شيء، هذا أكبر وقص في السائمة، يعني: من مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسع تسعين ثلاث شياه، أربعمائة فيها أربع شياه.

    ما لا يؤخذ في زكاة الأنعام
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يؤخذ في الصدقة تيس]. يعني: ذكر، ما يؤخذ الذكر، قلنا: بأن الذكر يؤخذ في مواضع:الموضع الأول: إذا لم تكن عنده بنت المخاض، فإنه لا بأس أن يخرج ابن اللبون، ومن باب أولى يخرج حقاً أو جذعاً.الموضع الثاني: في البقر، إذا كان عنده ثلاثون بقرة، فإنه لا بأس أن يخرج تبيعاً أو تبيعة.الموضع الثالث: إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه لا بأس أن يخرج الذكر، ولا يكلف أن يخرج أنثى.الموضع الرابع والأخير: إذا كان المصدق يرى أن المصلحة في إخراج الذكر، يعني: إذا رأى المتصدق أن المصلحة في إخراج الذكر فلا بأس أن يأخذ الذكر، يعني: يرى أن سائمة الصدقة تحتاج إلى الذكر، فنقول: لا بأس.قال المؤلف رحمه الله: [ولا ذات عوار]. يعني: لا تؤخذ المعيبة؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267] وأيضاً روى أنس في كتاب الصدقات: ( ولا يجزئ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس )، قالوا: الهرمة الكبيرة، والزكاة بينت أسنانها كما تقدم: بنت مخاض، بنت لبون، حقة، جذعة، تبيع، مسنة، جذع ضأن، ثني معز، حددت من قبل الشارع. قال المؤلف رحمه الله: [ولا الربى]. الربى: هي التي تربي ولدها. قال: [ولا الماخض].الماخض: هي الحامل. قال: [ولا الأكولة]. الأكولة: هي السمينة، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : ( وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ).قال المؤلف رحمه الله: [ولا يؤخذ شرار المال، ولا كرائمه إلا أن يتبرع به أرباب المال]. يعني: أن الساعي يكون عدلاً فلا يؤخذ شرار المال ولا كرائمه، وإنما يأخذ من الوسط لما تقدم الحديث.قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج إلا أنثى صحيحة، إلا في ثلاثين من البقر، وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها إلا أن تكون ماشية كلها ذكورا أو مراضاً فيجزئ واحد منها].قال المؤلف رحمه الله: بأن الذكر لا يجزئ إلا في هذه المواضع، إذا كان النصاب كله ذكوراً في ثلاثين من البقر يجزئ تبيع أو تبيعة في بنت المخاض إذا لم يجدها يخرج عنها ابن لبون، والموضع الرابع: إذا شاء المتصدق. قال: (أو مراض) فيجزئ، أيضاً اشترط في المخرج: أن يكون أنثى إلا في مواضع، أن تكون صحيحة ليست مريضة أو معيبة، إلا إذا كان النصاب كله مراض فيخرج مريضة ولا يكلف، الثالث: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً كما تقدم. قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجزئ إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، والسن المنصوص عليها]. السن المنصوص عليها كما تقدم في الإبل: بنت مخاض، بنت لبون، حقة، جذعة، في البقر: تبيع تبيعة، مسنة، في الغنم: جذعة ضأن أو ثني معز، جذع الضأن: ما له ستة أشهر، ثني المعز: ما له سنة. قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب، أو تكون كلها صغاراً فيخرج صغيره]. إذا اختار رب المال أن يخرج سناً أعلى، مثلاً: وجب عليه بنت مخاض، قال: أنا أخرج بنت لبون، هذا جائز لإقرار النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وأيضاً أن هذا من الإحسان والصدقة، أو مثلاً: وجبت عليه بنت لبون فقال: أنا أخرج حقة أو جذعة، فنقول: بأن هذا جائز، أو في البقر وجبت عليه تبيعة فقال: أنا أخرج مسنة، فنقول: بأن هذا جائز، ولا بأس به فيها.

    كيفية أخذ الزكاة من غنم فيها صحاح ومراض وصغار وكبار
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان فيها صحاح ومراض، وذكور وإناث، وصغار وكبار أخرج صحيحة كبيرة قيمتها على قدر المالين]. يعني: إذا كان النصاب الذي عنده فيه صحاح، وفيه مريضات، وفيه كبار، وفيه صغار، وفيه ذكور، وفيه إناث، ماذا يخرج؟ نقول: يخرج أنثى كبيرة صحيحة، ذكور وإناث يخرج أنثى من الإناث، صحاح ومعيبات يخرج صحيحة، صغار وكبار يخرج كبيرة؛ لكن قال المؤلف رحمه الله: على قيمة المالين لكي يكون عدلاً، فلا إجحاف بالنسبة للمالك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: ( وإياك وكرائم أموالهم ) فيجب أن يكون عدلاً، كيف يكون على قيمة المالين؟ نقول: مثال ذلك: إذا كان النصاب فيه صحاح ومعيبات، فنخرج صحيحة على قدر قيمة المالين، وطريق ذلك أن نتبع الخطوات الآتية:الخطوة الأولى: أن ننسب عدد الصحاح إلى المال الزكوي.الخطوة الثانية: أن ننسب عدد المريضات إلى المال الزكوي.الخطوة الثالثة: أن نخرج قيمة متوسط الصحيحة، وقيمة متوسط المعيبة بمقدار تلك النسبة.الخطوة الرابعة: أن نجمع القيمتين فنخرج صحيحة بمقدار تلك القيمة. مثال ذلك: هذا زيد عنده مائة شاة، المائة الشاة فيها شاة واحدة، هذه الشياه منها ما هو صحيح، ومنها ما هو معيب، قلنا: الخطوة الأولى ننسب عدد الصحيح إلى المال الزكوي، ولنفرض أن الصحيحات خمسة وسبعون شاة، خمسة وسبعين إلى مائة تساوي ثلاثة أرباع، ننسب عدد الصحيحات إلى المال الزكوي، خمسة وسبعون إلى مائة تساوي ثلاثة أرباع، هذه الخطوة الأولى.الخطوة الثانية: ننسب المعيب إلى المال الزكوي، المعيب خمسة وعشرون، انسبه إلى المال الزكوي يساوي الربع.الخطوة الثالثة: نخرج قيمة متوسط الصحيح بتلك النسبة، الصحيحات الخمسة والسبعون بعضها قيمته بستمائة ريال، وبعضها قيمته بأربعمائة ريال، وبعضها قيمته بمائتين ريال، كله صحيح، وما المتوسط هنا؟ الأربعمائة، نحن قلنا: نخرج قيمة متوسط الصحيح بمقدار تلك النسبة، كم نسبة الصحيح إلى المال الزكوي؟ ثلاثة أرباع، كم ثلاثة أرباع الأربع مائة؟ ثلاثمائة، أيضاً نرجع إلى المعيب، المعيب فيه شيء بثلاثمائة وهو معيب، وفيه شيء بمائتين وهو معيب، وفيه شيء بمائة وهو معيب، ما المتوسط؟ المائتان، قلنا: نخرج قيمة متوسط المعيب بمقدار تلك النسبة وهي الربع، أي خمسون، نجمع القيمتين ثلاثمائة وخمسين، نخرج شاة صحيحة قيمتها ثلاثمائة وخمسون.وهذا المثال تطبقه أيضاً لو اجتمع عندك صغار وكبار، لو اجتمع عندك أيضاًجنسان تطبق أيضاً هذا المثال، لو اجتمع عندك جنسان مثلاً: إبل بخاتي وعراب، بقر وجواميس، غنم ضأن ومعز، تطبق أيضاً هذا المثال.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (35)


    بين النبي صلى الله عليه وسلم ما يخرج من زكاة السائمة بالتفصيل، ولكيفية إخراج الزكاة منها أحكام معلومة بحسب أحوال السائمة ككونها كلها سليمة، أو فيها صحاح ومراض، وكبار وصغار، وذكور وإناث، ونحو ذلك.وتأثر الخلطة في الزكاة؛ لأنها تجعل المالين مالاً واحداً، ول

    أحكام زكاة السائمة
    تقدم لنا شيء من أحكام السائمة، وذكرنا أن السائمة تنقسم ثلاثة أنواع:النوع الأول: الإبل، فتجب الزكاة فيها سواء كانت من البخاتي أو من العراب، وأن أقل النصاب في الإبل خمس، فلا شيء فيها حتى تبلغ خمساً ففيها شاة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، ثم لا تتغير الفريضة حتى تبلغ خمسة عشر بعيراً، فإذا بلغت خمسة عشر بعيراً ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، فإذا بلغت خمساًوعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، فإذا زادت عن عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، يعني: مائة وعشرون فيها حقتان، وليس ثلاث بنات لبون، بل إذا زادت عن عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فمن إحدى وتسعين فيها حقتان حتى تزيد على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فمائة وعشرون فيها حقتان، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.النوع الثاني: البقر، وذكرنا أن أقل النصاب ثلاثون وفيه تبيع أو تبيعة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة، ثم تستقر الفريضة، في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. النوع الثالث: الغنم، أقل النصاب فيها أربعون شاة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تزيد على عشرين ومائة، يعني: مائة وعشرون فيها شاة واحدة، فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة ففيها شاتان، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة.

    ما يجزئ إخراجه في زكاة السائمة
    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج إلا أنثى صحيحة إلا في الثلاثين من البقر، وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها…]. تقدم أن ذكرنا أن الأصل في زكاة السائمة أن يخرج أنثى، وأنه يجوز إخراج الذكر في مواضع:الموضع الأول: إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يخرج ذكراً.الموضع الثاني: في زكاة البقر ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة على التخيير.الموضع الثالث: إذا لم يجد بنت مخاض، وعنده ابن لبون، يعني: إذا كان الإنسان عنده خمس وعشرون من الإبل، فيجب عليه بنت مخاض، أو عنده ثلاثون يجب عليه بنت مخاض، لم يجد بنت المخاض فإنه لا بأس أن يخرج ابن اللبون، وأيضاً أولى من ذلك أن يخرج حقاً أو جذعاً، هذا لا بأس، يعني: يخرج عن بنت المخاض ابن اللبون، أو الحق، أو الجذع، كما ورد أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض.الموضع الرابع والأخير: إذا شاء المتصدق، يعني: الساعي الذي يأخذ الصدقة، فإذا شاء أن يأخذ ذكراً لمصلحة الزكاة فإن هذا لا بأس به.قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن تكون ماشية كلها ذكوراً أو مراضا، فيجزئ واحدة منها، ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، والسن المنصوص عليها]. بالنسبة للغنم يخرج جذعة من الضأن، أو ثني معز، والجذع من الضأن له ستة أشهر، والثني من المعز له سنة، فمثلاً: عنده أربعون شاة أو أربعون من المعز، نقول: يجب عليك شاة، إما أن تخرج جذع ضأن، أو ثني معز، أنت بالخيار. كذلك أيضاًعنده خمس من الإبل عليه شاة، نقول: أنت بالخيار، إما أن تخرج جذع ضأن فما فوق، أو ثني معز، وعلى هذا فقس.قال: (والسن المنصوص عليها)، تقدم لنا في الإبل: بنت مخاض في خمس وعشرين إلى ست وثلاثين، بنت لبون..، حقة، جذعة... إلى آخره، في البقر: تبيع تبيعة، مسنة... إلى آخره.

    إخراج السن الأعلى من الواجب
    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب]. فهذا الأمر إليه، فإذا اختار رب المال أن يخرج سناً أعلى من السن الذي وجب عليه فإن هذا جائز ولا بأس به، فمثلاً: رجل عنده ثلاثون من الإبل فيها بنت مخاض، قال: أنا أريد أن أخرج بنت لبون، فنقول: هذا جائز ولا بأس به، هذا زيادة فضل من المالك، أو رجل عنده أربعون من الإبل يجب عليه بنت لبون، قال: أنا أريد أن أخرج حقة أو جذعة، نقول: هذا كله جائز ولا بأس به، أو رجلٌ عنده ثلاثون من البقر، قال: أريد أن أخرج مسنة بدلاً من أخرج تبيعاً أو تبيعة، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، الأمر إليه ما دام أنه اختار أن يتبرع بالزائد.

    إخراج الصغيرة
    قال المؤلف رحمه الله: [أو تكون كلها صغاراً فيخرج صغيرة]. إذا كان عنده نصاب صغار، فهذا نقول: لا يجب عليه أن يخرج كبيرة، ويتصور ذلك فيما إذا كان الإنسان عنده نصاب الكبار فأبدله بنصاب صغار، عنده نصاب سائمة كبار، فأبدله بنصاب سائمة صغار، فنقول هنا: يجب عليه أن يخرج صغيرة، ولا يكلف أن يخرج كبيرة ما دام أن النصاب كله صغار، ونظير ذلك كما تقدم إذا كان النصاب كله ذكورا، فإنه يخرج ذكراً، أو يكون النصاب كله مراضاً، فإنه يخرج مريضة.

    كيفية إخراج الزكاة من السائمة التي فيها صحاح ومراض ونحو ذلك
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان فيها صحاح ومراض، وذكور وإناث، وصغار وكبار، أخرج صحيحة كبيرة قيمتها على قدر المالين]. يعني: إذا كان النصاب فيه صغار وكبار، أو فيه ذكور وإناث، وهذا الغالب، فيه صحيحات وفيه معيبات؟ نقول: ما دام أنه مختلط فلا تخرج صغيرة، وإنما تخرج كبيرة بلغت السن الشرعي كما تقدم، والسن الشرعي تقدم بيانه، في الغنم: جذع ضأن، أو ثني معز، في الإبل: بنت مخاض، بنت لبون... إلى آخره، وتخرج أنثى ما تخرج ذكراً، وتخرج صحيحة.قال المؤلف رحمه الله: (على قدر قيمة المالين)، كيف على قدر قيمة المالين؟ نقول: يسلك الإنسان الطريقة الآتية:إذا فرضنا أن عنده صحاحاً ومعيبات، أو صغار وكبار... إلى آخره، ولنفرض أن هذا رجل عنده صحاح ومعيبات، فنقول: الخطوة الأولى: أن ننسب عدد الصحيح إلى المال الزكوي.الخطوة الثانية: أن ننسب عدد المعيب إلى المال الزكوي.الخطوة الثالثة: أن ننظر إلى متوسط قيمة الصحيح، وإلى متوسط قيمة المعيب، فنخرجه بمقدار تلك النسبة.الخطوة الأخيرة: أن نجمع القيمتين، فنخرج كبيرة صحيحة أنثى بمقدار هذه القيمة.مثال ذلك: رجل عنده مائة شاة، المائة الشاة زكاتها شاة واحدة، لكن هذه المائة فيها معيبات، فيها صحيحات، فيها كبار، فيها صغار، فيها ذكور، فيها إناث، كيف نعمل؟ إذا فرضنا فيها صحاح وكبار؟ الخطوة الأولى: ننسب الصحيح إلى المال الزكوي، هذا عنده مائة شاة، نفرض أن الصحيحات خمس وسبعون شاة، فنسبة الخمسة والسبعين إلى المائة ثلاثة أرباع، ومثلها أيضاً: ننسب المعيبات إلى المال الزكوي، كم نسبة المعيبات الخمسة وعشرين إلى مائة؟ الربع، هذه الخطوة الثانية، الخطوة الأولى: ننسب عدد الصحيح إلى مجموع المال الزكوي، الصحيح خمسة وسبعون، ننسبه إلى مائة يساوي ثلاثة أرباع، المعيب خمسة وعشرون ننسبه إلى المائة يساوي الربع.الخطوة الثالثة: ننظر إلى قيمة متوسط الصحيح، وإلى قيمة متوسط المعيب، فنخرجه بمقدار تلك النسبة، هذه الصحيحات فيها شيء قيمته ستمائة ريال مثلاً، وشيء قيمته أربعمائة ريال، وشيء قيمته ثلاثمائة ريال، وشيء قيمته مثلاً خمسمائة، وما المتوسط هنا؟ أربعمائة، نأخذ الأربعمائة هذه، ونخرج هذه الأربعمائة بمقدار تلك النسبة، كم نسبة الصحيح إلى المعيب؟ ثلاثة أرباع، نأخذ ثلاثة الأربعمائة، كم ثلاثة أرباع الأربعمائة؟ ثلاثمائة، مثله أيضاً: في المعيب، عندك في المعيبات شيء بمائتين، وشيء بثلاثمائة، وشيء بمائة، المتوسط مائتان، فنسبة المعيب إلى مجموع المال الربع، فربع المائتين خمسون، تجمع القيمتين ثلاثمائة زايد خمسين يساوي ثلاثمائة وخمسين، فتخرج شاة واحدة كبيرة أنثى صحيحة قيمتها ثلاثمائة وخمسين ريالاً، وهذا عدل، يعني: ما يغبن المالك، ولا يغبن أهل الزكاة.قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان فيها بخات وعراب، وبقر وجواميس، ومعز وضأن، وكرام ولئام، وسمان ومهازيل، أخذ من أحدهما بقدر قيمة المالين]. بالطريقة السابقة، إذا كان عنده كبار وصغار، ذكور وإناث، مراض وصحاح، اختلفت الأنواع، جواميس وبقر، عراب وبخاتي، ضأن ومعز، أيضاً عنده سمان ومهازيل، عنده أيضاً كرام ولئام، كل هذه تسلك هذه الطريقة.

    زكاة الخليطين
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولاً كاملاً]. تقدم لنا أن السائمة لها خصائص، وذكرنا أن الجبران من خصائص السائمة، وأيضاً الوقص، فالأوقاص لا زكاة فيها، وأيضاً من خصائص السائمة -على ما ذهب إليه المؤلف وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله- الخلطة، والخلطة تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: خلطة اشتراك وأعيان:فهذه لا إشكال أن المالين كالمال الواحد، وخلطة الاشتراك والأعيان هي أن يملك اثنان من أهل الزكاة فأكثر نصاباً من السائمة بهبة، أو ميراث، أو شراء، بحيث لا يتميز نصيب أحدهما على الآخر، بل كلهم يشتركون في كل فرد من أفراد هذه السائمة، كل منهما شريك في كل فرد من أفراد هذه السائمة، فهذه لا إشكال أنها كالمال الواحد، مثال ذلك: زيد وعمرو اشتريا نصاباً من السائمة، فهذا عليهم الزكاة، اشتريا أربعين شاة، وحال عليها الحول وهي سائمة، نقول: عليهم الزكاة أو ورثاها أو اتهباها نقول: عليهم الزكاة.القسم الثاني الذي هو مراد المؤلف رحمه الله، وهو الذي اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، خلطة الأوصاف والجوار:وذلك بأن يتميز نصيب كل واحد من المختلطين؛ لكن تشترك هذه السائمة في الاختلاط ببعض الأوصاف، فخلطة الأوصاف يتميز نصيب كل واحد من المختلطين؛ لكن هذه السائمة تشترك في بعض الأوصاف حال الاختلاط، هل هذه الخلطة تصير المالين كالمال الواحد أو أنها لا تصير المالين كالمال الواحد؟مثال ذلك: زيد وعمرو، هذا زيد له عشرون شاة، وعمرو له عشرون شاة، هذا دفع الشياة التي له إلى هذا الراعي لكي يرعاها، وهذا أيضاًقام ودفع هذه الشياه، وبكر كذلك إلى آخره، نصيب زيد متميز، ونصيب عمرو متميز، ونصيب بكر متميز، هذه يسميها العلماء: خلطة الأوصاف والجوار، وهي التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، هل هذه الخلطة مؤثرة أو ليست مؤثرة؟ الجمهور أنها مؤثرة، تؤثر تغليظاً وتخفيفاً، وعند الحنفية أنها لا تؤثر، والصواب ما عليه جمهور أهل العلم لدلالة الحديث، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية )، هذا ما عليه جمهور أهل العلم بدلالة الحديث، وتؤثر تخفيفاً وتغليظاً، تغليظاً مثاله: زيد يملك عشرين شاة، وبكر يملك عشرين شاة فاختلطا حولاً، نقول: الزكاة تجب عليهم، لو أن زيداً انفرد، وأيضاً الآخر انفرد ما وجب عليهما الزكاة، يعني: لو أن زيداً له عشرون شاة يرعاها حولاً كاملاً ما وجبت عليه الزكاة؛ لأنه لم يملك نصاباً، كذلك أيضاً لو أن عمراً انفرد لم تجب عليه الزكاة بهذه العشرين؛ لأنها لم تبلغ نصاباً؛ لكن لما اختلطا وجب عليهما شاة، هنا أفادت التغليظ، فنقول: يجب عليهما شاة، فيدفع أحدهما شاة، ويرجع على شريكه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية )، فإذا دفع زيد الشاة يرجع على من خالطه بنصف شاة إذا كان له نصف وهذا له نصف، ولو كان لزيد ثلاثون، ولعمرو عشر، ما الحكم؟ تجب عليهم الزكاة، فلو أخذنا من زيد الشاة يرجع على عمرو بالربع، هو يجب عليه ثلاثة أرباع شاة، وخليطه يجب عليه ربع، نقول: يرجع عليه بالربع، ولو كان العكس، لو أخذنا الشاة من صاحب الربع يرجع على خليطه بثلاثة الأرباع، هذه تفيد التغليظ. مثال إفادتها التخفيف: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون اختلطا، لو أن كل واحد منهما انفرد كم يجب عليه؟ زيد يجب عليه شاة، وعمرو يجب عليه شاة؛ لكن الآن لما اجتمعا أصبح مالهما كالمال الواحد فيجب عليهما شاة واحدة.مثال آخر: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون، وبكر له أربعون، كم يجب عليهم؟ شاة واحدة، لو انفرد كل واحد منهم يجب عليه شاة مستقلة، يعني: بدلاً من أن تجب ثلاث شياه وجبت الآن شاة واحدة، فأفادت الخلطة التخفيف، وأفادت أيضاً التغليظ.

    شروط الخلطة
    هذه الخلطة لها شروط، أشار المؤلف رحمه الله إلى الشروط فقال: [في نصاب من السائمة]. هذا الشرط الأول: أن تكون في السائمة، وعلى هذا لو كانت في غير السائمة، فسيأتينا إن شاء الله هل تؤثر أو لا تؤثر؟ مثلاً: لو اختلطوا في عروض التجارة، أو اختلطوا في الذهب والفضة.قال المؤلف رحمه الله: [حولاً كاملاً]. هذا الشرط الثاني: أن يكون الاختلاط حولاً كاملاً، وعلى هذا لو اختلطوا ستة أشهر أو ثمانية أشهر لا تؤثر الخلطة، يكون لكل مالٍ حكم نفسه، فمثلاً: زيد وعمرو، زيد له عشرون وعمرو له عشرون، اختلطا عشرة أشهر، ثم تفارقا، وليس تحيلاً على إسقاط الزكاة، هل تجب الزكاة أو لا تجب؟ نقول: لا تجب الزكاة؛ لأنهما لم يختلطا حولاً كاملاً، فلكل حكم نفسه، هذا له عشرون لا تجب عليه الزكاة، وهذا له عشرون لا تجب الزكاة. أيضاً: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون، واختلطا عشرة أشهر هل تجب عليهم أو لا تجب؟ يجب على كل واحد شاة مستقلة، ما نقول: يدفعون شاة واحدة فقط، بل لكل حكم نفسه.قال المؤلف رحمه الله: [وكان مرعاهم وفحلهم ومبيتهم ومحلبهم ومشربهم واحداً]. الشرط الثالث: أن تشترك في صفات، هذه الصفات اختلف أهل العلم رحمهم الله في تعدادها، فعدد المؤلف فقال: (مرعاهم واحد)، أي المكان التي ترعى فيه، لو كان هذا يرعى في هذا الوادي، وهذا في هذا الوادي، الخلطة ما لها أثر. (مبيتهم) هذه الشياة مبيتها واحد، لو كانت هذه تبيت في هذا المكان, وهذه في هذا المكان، ما له عبرة. (محلبهم) هذه تحلب هنا وهذه تحلب هنا، لا عبرة. (مشربهم) هذه تشرب من هنا وهذه تشرب من هنا، لا بد أن تتفق في هذه الصفات.المذهب: أنها لا بد أن تشترك في المراح، والمسرح، والمرعى، والفحل، والمحلب، يعني: خلاف ما ذكره المؤلف رحمه الله، المذهب لا بد أن تشترك في هذه الصفات الخمس: المراح، والمسرح، والمرعى، والفحل، والمحلب. والشافعية كالحنابلة إلا أنهم يزيدون صفتين: المشرب، والراعي. والمالكية قالوا: لا بد أن تشترك في ثلاثة أوصاف من خمسة أوصاف، وهذه الأوصاف الخمسة هي: المراح، والمسرح، والمشرب، والفحل، والراعي. وهناك قول لـابن مفلح رحمه الله صاحب الفروع قال: هذه الصفات يرجع في تحديدها إلى العرف؛ لأنه لم يرد شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والذي ورد ضعيف، فيرجع في تحديد هذه الصفات إلى العرف.الشرط الرابع: أن يكون مجموع السائمة نصاباً، فلو اشتركا في أقل من نصاب فهذا لا يؤثر، لو هذا له بعيران، وهذا له بعيران واختلطا حولاً كاملاً، لا يؤثر؛ لأن أقل نصاب الإبل خمس من الإبل. الشرط الخامس: أن يكون كل خليط من أهل الزكاة، لا بد أن يكون الخليط من أهل الزكاة، فلو كان ليس من أهل الزكاة فلا أثر، فلو اختلط كافر ومسلم، نقول: المسلم له حكم نفسه، فمثلاً: زيد مسلم له عشرون، وعمرو كافر له عشرون، اختلطا حولاً، هل يؤثر ذلك أو لا يؤثر؟ نقول: لا يؤثر، هل تجب الزكاة على زيد أو لا تجب؟ نقول: لا تجب؛ لأنه الآن لا يملك إلا عشرين، فنقول: لا تجب الزكاة.

    تراجع الخليطين بالسوية
    قال المؤلف رحمه الله: [فحكم زكاتهم حكم زكاة الواحد، وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم]. هذا تقدم فمثلاً: زيد وعمرو اختلطا، زيد له خمسون شاة، وعمرو له خمسون شاة، المجموع مائة، يجب عليهم شاة، إذا أخذنا هذه الشاة من زيد يرجع على عمرو بالنصف. مثال آخر: زيد له ثمانون، وعمرو له عشرون المجموع مائة، فيها شاة واحدة، إذا أخذنا من صاحب الثمانين الشاة على بكم يرجع على عمرو؟ زيد له الثمانون وعمرو له عشرون، إذا أخذنا من زيد الشاة يرجع على عمرو بالخُمس، نقول: يجب عليه خُمس شاة، وإذا أخذنا من عمرو الشاة يرجع على زيد بأربعة أخماس، ودليل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ).

    الخلطة في غير السائمة
    قال المؤلف رحمه الله: [ولا تؤثر الخلطة إلا في السائمة].هذا المذهب وهو قول أكثر أهل العلم: أن الخلطة لا تؤثر إلا في السائمة، فلا تؤثر في عروض التجارة، ولا في النقدين، ولا في الخارج من الأرض.الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله: أن الخلطة تؤثر حتى في غير السائمة، والشافعية لا يجعلون الخلطة من خصائص السائمة، بل يقولون: تؤثر حتى في الأموال الزكوية الأخرى، فمثلاً: زيد وعمرو اختلطا في عروض التجارة، لهما عروض تجارة خلطاها، مثلاً: هذه عروض التجارة لعمرو، وهذه عروض التجارة لزيد، جعلاها في دكان واحد، مثلاً: يبيعان البر، هذا بر زيد، وهذا بر عمرو، يبيعان في دكان واحد، الميزان واحد، والدكان واحد، والمخزن واحد، اشتركا في مثل هذه الصفات، هل هذا مؤثر أو ليس مؤثراً؟ الحنابلة وجمهور أهل العلم على أنها ليست مؤثرة، لكل واحد منهما ماله وله حكم مستقل، لكل واحد منهما حكم نفسه، فـزيد يزكي ماله، وعمرو يزكي ماله، إذا كان مال زيد أقل من النصاب ما يجب عليه، وإذا كان مال عمرو نصاباً يجب عليه يزكي وحده فقط، هذا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، وقالوا: بأن الدليل إنما ورد في السائمة فقط، والأصل براءة الذمة، وعند الشافعية أن الخلطة تؤثر؛ لأن الخلطة أثرت في السائمة لحصول الارتفاق للملاك، بحيث إن الراعي أصبح واحداً، والمحلب واحداً، والمبيت واحداً، فحصل لهم ارتفاق، وحصل لهم نوع من السهولة، فأثرت الخلطة، فكذلك أيضاً الآن المخزن واحد، والميزان واحد، والبائع قد يكون واحداً... إلى آخره، فيحصل لهم أيضاً ارتفاق، فقالوا: بأنها مؤثرة. والأقرب -والله أعلم- رأي جمهور أهل العلم، وأن الخلطة إنما تكون مؤثرة في السائمة فقط.

    زكاة الخارج من الأرض
    قال المؤلف رحمه الله: [باب زكاة الخارج من الأرض:وهو نوعان: أحدهما النبات، فتجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر]. الخارج من الأرض، هذا النوع الثاني من أنواع الأموال الزكوية، تقدم أن الأموال الزكوية أربعة: الأول: السائمة وتقدمت، والثاني: الخارج من الأرض، والثالث: الأثمان، والرابع: عروض التجارة كما سيأتينا إن شاء الله.زكاة الخارج من الأرض دليله القرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141] ، وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]. والسنة كما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فيما سقت العيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ). والإجماع قائم على ذلك من حيث الجملة، وإن اختلف العلماء رحمهم الله في بعض التفاصيل.قال: (وهو نوعان: أحدها النبات). ما الذي تجب فيه الزكاة من النبات؟ المشهور من المذهب: أن النبات لا يخلو من أمرين: إما أن يكون حباً أو ثمراً، حباً مثل: البر، مثل: الشعير، مثل: الأرز، مثل: الدخن... إلى آخر هذه الحبوب، أو ثمر مثل: التمر، مثل: اللوز، مثل: الفستق، مثل: التين، مثل: المشمش... إلى آخره الثمار.يقولون: أنه إن كان حباً فالزكاة تجب في كل الحبوب، وإن كان ثمراً لا بد من قيدين: القيد الأول: أن يكون مكيلاً. والقيد الثاني: أن يكون قوتاً.أما بالنسبة للحبوب، فقالوا: تجب في الحبوب كلها، حتى لو لم تكن قوتاً مثل: حب الرشاد، قالوا: بأن الزكاة تجب فيه، هذا هو المذهب. فلا بد من قيدين: القيد الأول: الاقتيات، والقيد الثاني: الكيل.والرأي الثاني: رأي الشافعية والمالكية قالوا: لا بد من قيدين: القيد الأول: الادخار، والقيد الثاني: الاقتيات، أن يكون مدخراً مقتاتاً.الرأي الثالث: رأي الحنفية، والحنفية هم أوسع المذاهب في الخارج من الأرض، قالوا: تجب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من الحبوب والثمار مما يقصد الآدمي تنميته.يقابل قول الحنفية ما ذهب إليه بعض السلف كـالحسن البصري وغيره، قالوا: بأن الزكاة لا تجب إلا في أربعة أصناف فقط: البر، والشعير، والتمر، والزبيب. فأصبح عندنا طرفان ووسط، الحنفية يتوسعون، والرأي الأخير يحصر الزكاة في أربعة أصناف فقط، والحنابلة، والمالكية، والشافعية يتوسطون وإن كانوا يختلفون، فالمذهب أنه يجب في كل الحبوب، وأما الثمار فيشترط أن تكون مكيلة مقتاتة، وأما بالنسبة للمالكية، والشافعية فيقولون: يشترط أن تكون مدخرة مقتاتة. والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، أو المالكية، والشافعية؛ لكن مذهب الحنابلة رحمهم الله أقرب، فالحنابلة بالنسبة للحبوب تجب في كل الحبوب، وأما بالنسبة للثمار فيشترطون أن تكون مكيلة مدخرة، يشترط في كل ثمر يكال ويدخر، عبارة الزاد يشترط أن تكون مكيلة ومدخرة. المالكية، والشافعية يشترطون أن تكون مقتاتة مدخرة، لا يشترطون الكيل، الحنابلة هم الذين يشترطون الكيل، والدليل على اشتراطهم الكيل حديث أبي سعيد في الصحيح: ( ليس فيما بين دون خمسة أوسق صدقة )، والوسق هذا من معايير الكيل، قالوا: وهذا دليل على اعتبار الكيل، قالوا: والدليل على اعتبار الادخار أن النعمة لا تكتمل إلا بما يدخر.المالكية والشافعية قالوا: الدليل على اشتراط الادخار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الزكاة في الفواكه والخضروات؛ لأنها ليست مدخرة، ومقتاتة لأن تمام النعمة لا يكتمل إلا بما يقتات. وأما الحنفية فاستدلوا بعموم الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267].



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (36)


    تجب الزكاة في الحبوب والثمار، ولهما نصاب معلوم، وأحكام ومسائل خاصة، فمن ذلك أن ما سقي منها بمئونة ففيه نصف العشر، وما سقي بلا مئونة ففيه العشر، وتجب الزكاة إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، كما تجب الزكاة في المعدن والركاز.

    تابع زكاة الخارج من الأرض
    تقدم لنا شيء من أحكام زكاة الخارج من الأرض، وذكرنا دليل ذلك، وضابط ما تجب فيه الزكاة، وأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء، فقال بعضهم: تجب في الحبوب والثمار التي تكال وتدخر، كما هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند مالك والشافعي : أنها تجب في كل ما كان قوتاً مدخراً، وعند أبي حنيفة رحمه الله: أنها تجب في كل ما خرج من الأرض مما يقصد الآدمي تنميته، وذكرنا أن طوائف من السلف قالوا: بأنها لا تجب إلا في أربعة أصناف: البر، الشعير، التمر، الزبيب. وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه أحمد أو مالك والشافعي ، فهذا القول وسط بين القولين الآخرين.وتقدم أيضاً بيان النصاب، وأنها لا تجب في الحبوب والثمار حتى تبلغ نصاباً، والنصاب خمسة أوسق، والوسق: يساوي ستين صاعاً، فيساوي النصاب بالأصواع النبوية ثلاثمائة صاع، والصاع النبوي يساوي بالكيلوات: كيلوين وأربعين جراماً، وعلى هذا يكون النصاب بالكيلوات يساوي ستمائة واثني عشر كيلو. ‏

    زكاة الخضروات والفواكه
    عند جمهور أهل العلم: أن الزكاة لا تجب في الخضروات والفواكه، كالبرتقال، والتفاح، والموز، وأيضاً سائر الخضروات كالطماطم والبقول كالكراث، والبصل، والجزر، وغير ذلك من الخضروات، فهذه لا تجب فيها الزكاة؛ لما يلي:أولاً: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من هذه الأشياء مع وجود هذه الأشياء في المدينة وحول المدينة، كانت تزرع، ومع ذلك لم يرد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من هذه البقول. ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد : ( ليس فيما دون خمسة أوسق )، وهذه الأشياء لا تكال، التفاح، والبرتقال، والخضروات، هذه الأشياء لا تكال، وحينئذٍ لا تجب الزكاة في هذه الأشياء؛ لكن إذا كانت عروض تجارة فتجب فيها الزكاة، إذا كان الإنسان عنده محل لبيع الخضروات، أو لبيع الفواكه يبيع ويشتري، تجب عليه الزكاة، الفلاح الذي ينتج هذه الأشياء لا تجب عليه الزكاة إلا إذا باعها وحال الحول على الثمن، فإذا حال الحول على الثمن فإنه يجب عليه أن يخرج الزكاة.

    مقدار الواجب في زكاة الحبوب والثمار
    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح ].هنا بين المؤلف رحمه الله مقدار الواجب في زكاة هذه الحبوب والثمار، وهذا ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: ما سقي بكلفة ومئونة، كمثل بلادنا هذه: الذي يسقى بحفر الآبار، والمرشات، والمكائن، ونحو ذلك، فهذا فيه نصف العشر، يعني: فيه واحد من عشرين، وعلى هذا إذا أنتجت المزرعة ألف صاع من البر، فإنك تقسم هذا الناتج على عشرين، وحاصل القسمة هو الزكاة، فألف على عشرين يكون الواجب خمسين صاعاً من البر، هذا القسم الأول: ما سقي بكلفة ومئونة.القسم الثاني: ما سقي بغير كلفة ولا مئونة، كالذي يسقى عن طريق الأمطار، أو الأنهار، أو الأودية، أو يشرب بعروقه... إلى آخره، فهذا فيه العشر، يعني: فيه واحد من عشرة، وعلى هذا إذا كان عندنا مزرعة أنتجت ألف صاع من البر فمقدار الزكاة ألف صاع تقسم هذا الناتج على عشرة، وحاصل القسمة هو الزكاة، ودليل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري : ( فيما سقت العيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ).والذي يسقى بالأنهار، أو بالأودية، أو بالأمطار، هذا كما سلف فيه العشر، ولا يخرجه عن كونه سقي بلا مئونة كون صاحب المزرعة يقوم بتمديد المواسير للنهر، أو يقوم بحفر الجداول والسواقي حتى يصل الماء إلى النهر، هذا لا يخرجه عن كونه سقي بلا كلفة ولا مئونة، فمثل هذه الأشياء لا بد منها.القسم الثالث: أن يسقى بمئونة وبغير مئونة نصفين، فهذا فيه ثلاثة أرباع العشر، فمثلاً: إذا كان عندنا مزرعة سقيت بمئونة وبغير مئونة نصفين، فهذا زكاتها ثلاثة أرباع العشر، يعني: فيه خمسة وسبعون صاعاً إذا أنتجت ألف صاع.القسم الرابع: إذا تفاوتا يعني: سقي بمئونة، وسقي بغير مئونة؛ لكنه متفاوت، يعني: لم يسقا بمئونة وبغير مئونة على السواء هذا نصف وهذا نصف، وإنما تفاوتا، فقال العلماء رحمهم الله: ينظر إلى الأكثر نفعاً، فإذا كان الأكثر نفعاً ما سقي بمئونة ففيه نصف العشر، وإذا كان الأكثر نفعاً ما سقي بلا مئونة ففيه العشر.القسم الخامس والأخير: إذا جهلنا السقي، هل هي بمئونة أو بغير مئونة؟ يعني: جهلنا في السقي ما هو الأكثر نفعاً؟ هل هو السقي بمئونة أو بغير مئونة؟ فهذا فيه العشر احتياطاً وإبراءً للذمة.

    وقت وجوب زكاة الحبوب والثمار
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا بدا الصلاح في الثمار، واشتد الحب وجبت الزكاة ].الآن بين المؤلف رحمه الله وقت وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، ثم بعد ذلك يبين وقت الإخراج، فوقت الوجوب بالنسبة للثمار، فإن كانت الثمرة تمراً، فوقت وجوب الزكاة إذا بدا صلاحها بأن تحمر أو تصفر، فإذا بدا فيها الاحمرار أو الاصفرار، فنقول: وجبت الزكاة، وحينئذٍ إذا باعها بعد أن بدا فيها الاحمرار أو الاصفرار، فالزكاة تكون على البائع؛ لأن الزكاة وجبت في ملكه، إلا إذا شرط البائع على المشتري. فنقول: وقت الوجوب في الثمرة إذا كانت الثمرة تمراً إذا احمرت أو اصفرت، فإذا بدأ فيها الاحمرار أو الاصفرار نقول: وجبت الزكاة، وحينئذٍ لو أن المالك لهذه الثمرة باعها أو وهبها أو جعلها صداقاً لامرأة ونحو ذلك فنقول: بأن الزكاة تجب على البائع؛ لأنها وجبت الزكاة وهو مالك لها، هذا إذا كانت الثمرة تمراً، فإن كان من الثمار الأخرى غير التمر، فوقت الوجوب فيها أن تنضج وأن يطيب أكلها. أما بالنسبة للحبوب، فوقت الوجوب أن يشتد، يعني: أن تقوى الحبة وتصلب بحيث إذا ضغطها لا تنضغط، فحينئذٍ تجب الزكاة في هذه الحبوب.وعلى هذا إذا كان هذا الشخص مالكاً لهذه المزرعة، واشتد الحب وقوي وصلب، ثم باع هذا الزرع فنقول: بأن الزكاة تجب على البائع، أو وهب هذا الزرع نقول: الزكاة تجب على الواهب، أي المالك الأول أو جعله صداقاً ونحو ذلك فنقول: بأن الزكاة تجب على المالك الأول، هذا بالنسبة لوقت الوجوب.

    وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يخرج الحب إلا مصفى ولا الثمر إلا يابسا ].هذا وقت الإخراج، يعني: الفلاح المزارع لا يخرج الزكاة من الحبوب إلا بعد أن يصفيه من قشره، لا بد أن يصفيه من قشره.قال: (ولا الثمر إلا يابساً) ما تخرج زكاة الثمر رطباً، وعلى هذا لو أن الفلاح خرف التمر وأخرج زكاة التمر رطباً، أخرج رطباً لقيطاً، ما يجزئ هذا، أو مثلاً: التين أخرج تيناً طرياً هذا لا يجزئ، أو المشمش أخرج مشمشاً طرياً هذا لا يجزئ، ما يجزئ إلا اليابس، يعني: لا بد أن تخرج ثمراً يابساً، فانتظر حتى يكون حويفاً، فإذا أصبح يابساً حويفاً تخرج الزكاة، ويستدلون على هذا بحديث عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً )؛ لكن هذا الحديث منقطع. وذهب ابن القيم رحمه الله: إلى أنه يجزئ أن يخرج رطباً، هذا مذهب ابن القيم رحمه الله، وهذا هو الأنفع الآن للناس، الناس الآن لو أعطيتهم صطلاً يابساً، أو صطلاً رطباً يأخذون الصطل الرطب، وعلى هذا لو أن الفلاح أو المزارع خرف النخل، وأخرج من عشرين صطلاً صطلاً من الخراف، وجعله زكاة، نقول: بأن هذا مجزئ، أما القول بأنه لا يجزئ إلا أن يكون التمر يابساً... إلى آخره، فالحديث الذي اعتمد عليه المؤلف رحمه الله وكثير من أهل العلم منقطع، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة يجزئ إخراج الرطب، وهذا هو الأصلح، والأنفع للناس والفقراء.

    حكم الزكاة على من لم يكن مالكاً لها قبل وقت الوجوب
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والتمر، ولا في اللقاط ].يعني: يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار: أن يكون مالكاً لها وقت الوجوب، وتقدم لنا بيان وقت الوجوب، وأنه في الحبوب أن تشتد، وفي الثمار أن يبدو صلاحها بأن تحمر أو تصفر كما تقدم، فيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار أن يكون مالكاً لها وقت الوجوب، وعلى هذا إذا لم يكن مالكاً لها وقت الوجوب فلا تجب عليه الزكاة.مثال ذلك: رجل اشترى المزرعة، وفيها حبوب، هذه الحبوب إذا اشتراها بعد أن اشتد الحب زكاتها تكون على البائع؛ لأن البائع هو المالك لهذه الحبوب وقت الوجوب، وهو وقت الاشتداد، كذلك أيضاً لو اشترى ثمرة النخيل بعد أن بدا الصلاح احمر أو اصفر وجاز البيع، فنقول: الزكاة هنا تجب على البائع؛ لأن البائع هو المالك وقت الوجوب، أما المشتري فليس مالكاً وقت الوجوب اللهم إلا إن كان هناك شرط، يعني: شرط البائع على المشتري أن يخرج الزكاة، فالمسلمون على شروطهم.كذلك أيضاً أشار المؤلف رحمه الله إلى اللقاط: الذي يتتبع المزارع بعد حصاد الناس، ويقوم بلقط الحب أو لقط الثمر بعد خراف الناس أو جذاذهم، فإذا لقط حباً أو لقط ثمراً يساوي نصاباً، فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن هذا اللقاط الذي قام بلقط لم يكن مالكاً لهذا الحب أو الثمر وقت الوجوب. ومثل ذلك أيضاً: لو أن شخصاً حصد الزرع ببعضه، مثلاً: اتفق صاحب المزرعة مع رجل حصاد يقوم بالحصد، فحصد الزرع بثلثه أو بربعه، فهذا الحصاد لا تجب فيه الزكاة، الزكاة تجب على المالك، أما بالنسبة للحصاد فما يأخذه من الحب أو الجذاذ الذي يأخذه من الثمر لا زكاة عليه؛ لأنه لم يكن مالكاً لهذه الأشياء وقت الوجوب.قال: (ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والثمر).يعني: لو أن شخصاً خرج إلى البر، إلى الصحراء، وجمع من نبات الصحراء حباً حتى بلغ نصاباً، أو جمع ثمراً حتى بلغ نصاباً، نقول: لا زكاة عليه.قال المؤلف رحمه الله: (ولا ما يأخذه أجرة لحصاده).هذه الأشياء كلها -كما أسلفنا- لا يجب فيها الزكاة على اللقاط، ولا ما يأخذه أجرة لحصاده، ولا على المشتري بعد وقت الوجوب، ولا على من وهبت له، ولا المرأة إذا أصدقت بعد وقت الوجوب... إلى آخره؛ لأن هؤلاء لم يكونوا مالكين لهذا الحب، أو الثمر وقت وجوب الزكاة.

    ضم صنف إلى غيره في زكاة الحبوب والثمار
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب، إلا أن يكون صنفاً واحداً مختلف الأنواع كالتمور ففيها الزكاة ].لا يضم صنف إلى غيره، فلو أن رجلاً عنده مزرعة زرع جانباً منها شعيراً، والجانب الآخر براً، الشعير يساوي مائة صاع، والبر يساوي مائتي صاع، فهل نقول: تجب عليك الزكاة بحيث تضم المائة إلى المائتين، أو نقول: بأن الزكاة لا تجب؟ نقول: بأن الزكاة لا تجب، لا يجب أن يضم الحب إلى غيره إذا كان مختلفاً بالجنس، فلا يجب عليه أن يضم الشعير إلى البر، وكذلك لا يضم البر إلى الرز، والرز إلى الدخن، والدخن إلى الذرة... إلى آخره، لا يجب عليه أن يضم هذه الأصناف إذا كانت مختلفة في الجنس. كذلك أيضاً: بالنسبة للثمر، ما يجب عليه أن يضم التمر إلى الزبيب، ولا يضم الزبيب إلى التين، والتين إلى المشمش، وغير ذلك من الثمار، نقول: بأنه لا يجب عليه أن يضم هذه الثمار بعضها إلى بعض، فإن بلغت بنفسها نصاباً، وإلا فإنه لا تجب الزكاة.قال: (فإن كان صنفاً واحداً مختلف الأنواع).إذا كان جنساً؛ لكنه أنواع، فإنه يضم بعض هذه الأنواع إلى بعضها، فإذا كان عنده مائة صاع من تمر السكري، ومائتا صاع من تمر البرحي، فنقول: يضم الأنواع بعضها إلى بعض، فيضم السكري إلى البرحي فيكمل عنده النصاب. أيضاً مثل ذلك: الحبوب، إذا كان الجنس مختلف الأنواع، مثلاً: البر تحته أنواع، الحنطة، والقيمي والمعين... إلى آخره، فإذا كان عنده من الحنطة مائة صاع، وعنده من القيمي مائتا صاع، فإنه يضم هذه المائة إلى المائتين في تكميل النصاب، الأنواع تضم، أما بالنسبة للأجناس فإنها لا تضم.

    كيفية إخراج الزكاة من الأنواع المختلفة
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويخرج من كل نوع زكاته].وعلى هذا إذا كان عنده سكري، وبرحي، وشقر، السكري يخرج زكاته سكريا، والبرحي يخرج زكاته برحيا، والشقر يخرج زكاة من الشقر... إلى آخره.أيضاً: في الحبوب: الحنطة يخرج زكاته حنطة، واللقيمي يخرج زكاته لقيمي، والمعية يخرج زكاته معية ... إلى آخره. فيخرج الزكاة من كل نوع، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، والذي مشى عليه المؤلف رحمه الله؛ لكن هذا فيه مشقة، ولهذا الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يخرج من الوسط، ينظر إلى أوسط هذه الثمار، أو أوسط هذه الحبوب، ويخرج منها؛ لأن كونه يخرج من كل نوع على حدته، هذا مراعاته فيه مشقة، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأنه يخرج الوسط.أيضاً قال الإمام أحمد رحمه الله: لا بأس أن يخرج القيمة إذا باع البستان، لو أن إنساناً باع الثمرة، كما يفعل بعض الناس اليوم، يكون عنده ثمار، ويبدو صلاح هذه الثمار، يقوم ببيع الثمرة، فلا بأس بذلك ويخرج القيمة، ولا يكلف ويشتري ثمرة، فإذا باع الثمار مثلاً: بخمسين ألف ريال، وهو يسقى بكلفة ومئونة ففيه نصف العشر، يقسم خمسين ألفاً على عشرين وتخرج الزكاة.وعموماً الأصل في الزكاة أنك تخرج من جنس المال الزكوي، فالثمار تخرج ثمرها، والسائمة تخرج سائمة، والحبوب تخرج حباً، والذهب والفضة تخرج من الذهب والفضة... إلى آخره، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا بأس أن تخرج القيمة عند المصلحة، إذا كان هناك مصلحة فلا بأس أن تخرج القيمة، وذكرنا ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا باع المزرعة فلا بأس أن يخرج من القيمة.قال المؤلف رحمه الله: [ وإن أخرج جيداً عن الرديء جاز وله أجره ].لو أن إنساناً تبرع وأخرج عن الرديء جيداً، هذا جائز، وله أجر الزيادة، فمثلاً: إذا كان عنده سكري، وعنده شقر، فأخرج الزكاة كلها من السكري، فنقول: بأن هذا جيد، وله الأجر على ذلك؛ لأنه زيادة خير.

    زكاة المعدن
    قال المؤلف رحمه الله: [النوع الثاني: المعدن، ومن استخرج من معدن نصاباً من الذهب أو الفضة، أو ما قيمته نصاباً من الجواهر أو الكحل، والصفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة ].هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وبه قال الإمام مالك أن الزكاة تجب في المعدن، والمعدن على المشهور من المذهب لا يخلو من أمرين:القسم الأول: أن يكون ذهباً أو فضة، فإن كان ذهباً أو فضة فتجب عليه الزكاة إذا أخرج نصاب ذهب أو فضة، تقدم لنا أن نصاب الذهب يساوي بالغرامات خمسة وثمانين غراماً، فإذا أخرج من الذهب خمسة وثمانين غراماً وجبت عليه الزكاة، والفضة نصابها خمسمائة وخمسة وتسعون غراماً، فإذا أخرج من معدن فضة خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً وجبت عليه الزكاة، هذا القسم الأول: إذا كان المعدن ذهباً أو فضة، فإذا أخرج نصاب ذهب أو نصاب فضة وجبت عليه الزكاة.القسم الثاني: أن يكون غير ذهب ولا فضة، كالكحل، والحديد، والرصاص، والنحاس... إلى آخره، فهذا تجب زكاته إذا أخرج قيمة نصاب ذهب، أو قيمة نصاب فضة، فإذا أخرج من الحديد ما قيمته نصاب ذهب، أو نصاب فضة، فينظر الأحظ للفقراء، والأحظ للفقراء اليوم الفضة؛ لأن الفضة نازلة، فإذا جمع مثلاً: من الحديد، أو من الرصاص، أو من النحاس ما تساوي قيمته خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً من الفضة، نقول: تجب في هذا الخارج الزكاة، غرام الفضة اليوم لعله يساوي ريالاً واحداً، وعلى هذا إذا أخرج من الحديد، أو من الرصاص، أو من الكحل، أو غير ذلك من المعادن ما تساوي قيمته خمسمائة وخمسة وتسعين ريالاً سعودي، إذا قلنا: بأن غرام الفضة يساوي ريالاً واحداً، نقول: وجبت عليه الزكاة، وقدر الزكاة: هو ربع العشر، ودليل وجوب الزكاة في هذا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] ، فيدخل في قوله سبحانه وتعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] . وعند الشافعي رحمه الله: أن الزكاة لا تجب إلا في الذهب والفضة فقط؛ لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الزكاة تجب في الذهب والفضة وفي غيرها من الرصاص، والنحاس، والصفر، وغير ذلك، وعند أبي حنيفة رحمه الله يقول: إن كان يقبل الطرق والسحب، وإلا لا تجب فيه الزكاة. قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية]. كما تقدم أنه لا يخرج زكاة الحب إلا بعد أن يصفيه من قشره، فكذلك أيضاً لا يخرج زكاة المعدن إلا بعد سبكه وتصفيته.قال المؤلف رحمه الله: [ ولا شيء في اللؤلؤ، والمرجان، والعنبر، والسمك ].اللؤلؤ، والمرجان، هذان يستخرجان من البحر، فاللؤلؤ الذي يستخرج من البحر والمرجان، وكذلك أيضاً: العنبر والسمك، هذه لا شيء فيها؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذه ليست خارجة من الأرض، فلا تكون داخلة في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] ، هذه خارجة من البحر، ولا ورد ما يدل على وجوب الزكاة فيها، فنقول: إذا أخرج شيئاً من البحر من معادن البحر، أو جواهر البحر، ونحو ذلك، نقول: هذا لا زكاة فيه.وكذلك أيضاً: ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولا شيء في صيد البر والبحر؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد ما يدل على وجوب الزكاة في صيد البر أو البحر، فإذا صاد سمكاً أو حوتاً، أو صاد من البر طيوراً أو حيوانات أو غير ذلك، فإنه لا زكاة فيها؛ لكن كما سلف لنا إذا باع هذه الأشياء، وحال الحول على الثمن فهذا فيه زكاة، أو جعله عروض تجارة يبيع ويشتري، فهذا فيه زكاة عروض التجارة.

    الركاز
    قال المؤلف رحمه الله: [وفي الركاز الخمس، أي نوع كان من المال قل أو كثر، ومصرفه مصرف الفيء وباقيه لواجده].الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، واعلم أن الركاز الذي وجد مدفوناً ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: أن يكون من دفن الجاهلية، والجاهلية ما كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يوجد عليه تاريخ، أو عليه اسم من أسماء ملوكهم، أو اسم من أسماء آلهتهم ونحو ذلك، فما وجد من دفن الجاهلية، فهذا ركاز فيه الخمس.القسم الثاني: ما وجد عليه علامة من علامات المسلمين، كأن يوجد عليه اسم من أسماء ملوكهم، أو غير ذلك من الأشياء كالتاريخ الهجري ونحو ذلك، فهذا حكمه حكم اللقطة.القسم الثالث: أن لا يوجد عليه علامة، لا من علامات الجاهلية، ولا من علامات الإسلام، فهذا أيضاً -كما قال العلماء- حكمه حكم اللقطة. وقول المؤلف رحمه الله: (وفي الركاز الخمس).المراد بالركاز هنا: ما كان من دفن الجاهلية، أي: قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه الخمس، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وفي الركاز الخمس). وقال المؤلف رحمه الله: (أي نوع كان المال قل أو كثر).يعني: سواء كان الركاز من الذهب أو من الفضة، أو من الصفر، أو من النحاس، أو من الرصاص... إلى آخره، وهذا ما عليه كثير من أهل العلم رحمهم الله، خلافاً للشافعي فإنه يقول: لا بد أن يكون من الذهب أو الفضة لكي يأخذ حكم الركاز، المؤلف يقول: من أي نوع كان، سواء كان من الذهب، أو الفضة، أو الرصاص، أو النحاس، أو اللؤلؤ أو غير ذلك، وعند الشافعي يشترط أن يكون من الذهب أو الفضة.وقوله: (قل أو كثر).يعني: لا يشترط في الركاز أن يبلغ النصاب، أي شيء تجده من دفن الجاهلية ففيه الخمس، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهذا أيضاً ما عليه كثيراً من أهل العلم رحمه الله خلافاً للشافعي، فإن الشافعي يشترط أن يبلغ نصاب الذهب أو الفضة، نصاب الذهب إن كان ذهباً، والفضة إن كان فضة.قال: (ومصرفه مصرف فيء).هذا أيضاً قول كثير من أهل العلم رحمهم الله خلافاً للشافعي ، فإن الشافعي رحمه الله يرى أن مصرفه مصرف الزكاة، فيصرف في أهل الزكاة عند الشافعي ، أما الرأي الأول الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله -وهو المذهب- فإنه يصرف مصارف الفيء في مصالح المسلمين.فتلخص لنا أن الشافعي رحمه الله غلب جانب الزكاة في الركاز، فيشترط أن يكون من الأموال الزكوية الذهب والفضة، وكذلك أيضاً يبلغ النصاب، وكذلك أيضاً يصرف في أهل الزكاة، والرأي الأول: غلبوا جانب خمس الغنيمة، فلا يشترط النصاب، ولا يصرف في مصارف الزكاة، وإنما في مصالح المسلمين كخمس الغنيمة، وكذلك أيضاً: لا يشترطون أن يكون من الذهب والفضة سواء كان من الذهب والفضة أو غيرهما.

    زكاة الأثمان
    قال المؤلف: [باب زكاة الأثمان]. تكلم المؤلف رحمه الله عن المال الزكوي: الأول السائمة، ثم تكلم عن الخارج من الأرض، ثم تكلم على المال الثالث، وهو زكاة الأثمان. والأثمان: جمع ثمن، والمراد بذلك: الذهب والفضة، وكذلك أيضاً ما يقوم مقام الذهب والفضة من الأوراق النقدية. والأدلة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة القرآن، والسنة، والإجماع. أما القرآن فقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]. وأيضاً من السنة كما سيأتينا في الأحاديث، ومن ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى به جنبه، وجبينه، وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كلما بردت ردت عليه حتى يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار )، والإجماع قائم على ذلك. ‏

    نصاب الفضة
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم ].ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) والأوقية: تساوي أربعين درهماً، فخمسة في أربعين يساوي مائتي درهم، وأيضاًحديث علي رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا شيء عليك -أي: في الفضة- حتى تبلغ مائتي درهم، ففيها خمسة درهم )، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا شيء عليك -يعني: في الذهب- حتى تبلغ عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال ).

    نصاب الذهب
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا في الذهب حتى تبلغ عشرين مثقالاً، فيجب فيها نصف مثقال ]. يعني: يجب فيها ربع العشر. أولاً: النصاب في الذهب يساوي عشرين مثقالاً، المثقال هذا قدره العلماء رحمهم الله في الزمن السابق بحب الشعير، قالوا: المثقال يساوي ثنتين وسبعين من حب الشعير مما دق وطال وعليه قشره، يعني: مما كان قشره عليه، وقطع أطرافه الحبة الشعير قدرها العلماء في الوقت الحاضر، واختلفوا في تقديرها بالغرامات:القول الأول: وزنها أربع غرامات وربع.والقول الثاني: أنها تساوي ثلاثة غرامات ونصف، وهذان القولان هما أشهر الأقوال.القول الثالث: ثلاثة وستين غراماً.القول الرابع: أربعة وثلاثين غراماً.لكن القولان الأولان هما أشهر الأقوال، والأقرب من هذين القولين: أربعة غرامات وربع، وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المثقال يساوي أربعة غرامات وربع، وعلى هذا العشرون مثقالاً إذا أردت أن تخرج النصاب بالغرامات، عشرون في أربعة وربع يساوي خمسة وثمانين غراماً، هذا نصاب الذهب.إذا قلنا: بأن المثقال يساوي ثلاثة ونصف غرامات، تضرب عشرين في ثلاثة ونصف، فعشرين في ثلاثة ونصف يساوي سبعين غراما، فالنصاب إما سبعون غراماً من الذهب، أو خمسة وثمانون غراماً، والأقرب إلى الصحة أنه خمسة وثمانون غراماً، وعلى هذا ما تجب الزكاة في الذهب حتى يملك الإنسان خمسة وثمانين غراماً من الذهب.بالنسبة للفضة، الفضة النصاب فيها يساوي مائتي درهم، قال العلماء رحمهم الله: كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، أنت الآن حول الدراهم إلى المثاقيل، لما عرفت الآن وزن المثقال بالغرامات حول الدراهم إلى المثاقيل، ثم بعد ذلك اضرب هذه المثاقيل بوزن المثقال بالغرامات، فعندك الآن مائة درهم كم تساوي مثاقيل؟ كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، كم مائة درهم تساوي من المثاقيل؟تساوي سبعين، ومائتان تساوي مائة وأربعين مثقالاً، فنصاب الفضة يساوي مائة وأربعين مثقالاً، المثقال وزنه أربعة وربع، أو ثلاثة ونصف، فإذا أخذنا بقول من يقول: بأنه أربعة وربع تضرب مائة وأربعين بأربعة وربع، يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، فيكون نصاب الفضة إذا قلنا: بأن وزن المثقال أربعة غرامات وربع يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، وإذا قلنا: بأنه ثلاثة ونصف، مائة وأربعين بثلاثة ونصف يساوي أربعمائة وتسعين غراماً من الفضة. فتلخص لنا: أن النصاب في الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً، وأن النصاب في الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، هذا أقرب من القول بأن نصاب الذهب يساوي سبعين غراماً، وأن نصاب الفضة يساوي أربعمائة وتسعين غراماً.قال المؤلف رحمه الله في الفضة: (حتى تبلغ مائتي درهم)، وقال في الذهب: (حتى يبلغ عشرين مثقالاً)، فاعتبر الفضة بالعدد، ما قال: حتى تبلغ الفضة مائة وأربعين مثقالاً، اعتبر الفضة بالعدد، واعتبر الذهب بالوزن، فهل هذا مقصود أو غير مقصود؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، فجمهور أهل العلم قالوا: إن العبرة هو الوزن، ولا عبرة بالعدد، فإذا كان عندك وزن عشرين مثقالاً من الذهب تجب عليك الزكاة، وإذا كان عندك وزن مائة وأربعين مثقالاً من الفضة تجب عليك الزكاة ولا عبرة بالعدد، يعتبرون الوزن، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبر العدد، ويظهر الخلاف بين الرأيين، قلنا: بأن نصاب الذهب بالغرامات يساوي خمسة وثمانين غراماً، على رأي الجمهور لو أن الإنسان ملك عشرة دنانير، وهذه الدنانير تساوي خمسة وثمانين غراماً، تجب عليه الزكاة عند الجمهور، وأما عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما تجب عليه الزكاة؛ لأنه يعتبر العدد، لا بد أن تبلغ عشرين ديناراً. أيضاً الفضة قلنا: بأن نصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، لو أن إنساناً ملك مائة درهم، وهذه المائة ثقيلة تبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، تجب الزكاة فيها على رأي الجمهور؛ لكن على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا تجب؛ لأنها لم تبلغ مائتي درهم.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [5]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (37)


    الذهب والفضة تجب فيها الزكاة، وتلحق بهما الأوراق النقدية، ويجب إخراج الزكاة عن الدين، واختلف الفقهاء في كون الدين يمنع الزكاة أو لا، والراجح أنه لا يمنعه.

    تابع زكاة الأثمان
    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام زكاة الثمار والزروع، وذكرنا ما يتعلق بوقت الوجوب، وكذلك أيضاً ما يتعلق بوقت الإخراج، وكذلك أيضاً هل يضم الجنس… إلى آخره؟ وهل تضم الأنواع بعضها إلى بعض... إلى آخره؟ ثم تطرقنا إلى زكاة المعدن وما يتعلق به، ثم بعد ذلك إلى أحكام زكاة الركاز وما يتعلق به، ثم شرعنا في باب زكاة الأثمان كالذهب والفضة وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية، فتكلمنا عن دليل وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وأن الدليل هو القرآن، والسنة، والإجماع. أما القرآن فقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]. وأما السنة فحديث أبي هريرة في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى فيها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين سنة، كلما بردت ردت عليه، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ).وذكرنا النصاب في الذهب وفي الفضة، وأن نصاب الذهب يساوي عشرين مثقالاً، ووزن المثقال بالغرامات قيل: أربعة وربع غرامات، وقيل: ثلاثة ونصف من الغرامات، والأقرب: أن وزن المثقال يساوي أربعة وربع من الغرامات، وعلى هذا يكون نصاب الذهب من الغرامات خمسة وثمانين غراماً، فإذا ملك الإنسان من الذهب خمسة وثمانين غراماً فإنه تجب عليه الزكاة، وبالنسبة لنصاب الفضة يساوي مائتي درهم، وذكرنا أن العلماء رحمهم الله قالوا: إن كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، وعلى هذا يكون نصاب الفضة بالمثاقيل مائة وأربعين مثقالاً، والمثقال الواحد وزنه يساوي أربعة وربع من الغرامات، فإذا ضربت مائة وأربعين في أربعة وربع خرج لك نصاب الفضة من الغرامات، فيكون نصاب الفضة من الغرامات يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً من الفضة، فإذا ملك الإنسان من الفضة خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، فإنه تجب عليه الزكاة، وإذا ملك أقل من ذلك فإن الزكاة لا تجب عليه. ومقدار الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر كما تقدم تقريره، والإجماع قائم على ذلك، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وفي الرقة ربع العشر )، وتقدم أيضاً لنا حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ‏

    نصاب الأوراق النقدية
    وأما بالنسبة لنصاب الزكاة في الأوراق النقدية التي يتداولها الناس، والتي نابت في البيع والشراء مناب الذهب والفضة، فقد قال العلماء رحمهم الله: تقدر بالأحظ للفقراء من الذهب والفضة، ننظر ما هو الأحظ للفقراء، هل هو الذهب أو الفضة؟ ثم نقدر نصاب هذه الأوراق إما بالذهب أو بالفضة، ينظر ما هو الأحظ، فتبين لنا الآن نصاب الذهب من الغرامات، وأن نصاب الذهب من الغرامات يساوي خمسة وثمانين غراماً، فالآن اسأل عن قيمة غرام الذهب، غرام الذهب كم يساوي اليوم؟ فإذا قلنا: بأن الغرام الواحد من الذهب يساوي ثلاثين ريالاً، فتضرب خمسة وثمانين بثلاثين ريالاً، يساوي ألفين وخمسمائة وخمسين ريال، إذا أخذنا باعتبار الذهب يكون نصاب الأوراق النقدية اليوم يساوي ألفين وخمسمائة وخمسين ريالاً، هذا إذا اعتبرنا الذهب، وإذا اعتبرنا الفضة، فنصاب الفضة من الغرامات يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، وغرام الفضة اليوم رخيص، يساوي ريالاً واحداً تقريباً، فيكون نصاب الأوراق النقدية إذا اعتبرنا الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين، أيهما أحظ للفقراء، هل نقدر بالذهب أو نقدر بالفضة؟ نقدر بالفضة؛ لأننا إذا قدرنا بالفضة، من ملك خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً وجبت عليه الزكاة، أما إذا قدرنا بالذهب فمن ملك هذا المبلغ ما تجب عليه الزكاة، إذا ملك ألف ريال ما تجب عليه الزكاة، إذا ملك ألفين ما تجب عليه الزكاة، إذا ملك ألفين وثلاثمائة أو أربعمائة لا تجب عليه الزكاة، فنقول: نأخذ باعتبار الفضة؛ لأن هذا هو الأحظ للفقراء، والفضة من زمن بعيد وقيمتها رخيصة، وعلى هذا يكون الأحظ للفقراء أن نقدر نصاب الأوراق النقدية بالفضة، وعلى هذا إذا حال الحول وأراد الإنسان يعرف هل تجب عليه الزكاة أو لا تجب عليه الزكاة؟ هل عنده نصاب أو ليس عنده نصاب؟ يسأل عن قيمة غرام الفضة، فتسأل الصرافين عن قيمة غرام الفضة، فإذا قالوا: بأن قيمة غرام الفضة يساوي ريالاً واحداً تضرب واحد في خمسمائة وخمسة وتسعين، إذا قالوا: يساوي ريالين، تضرب خمسمائة وخمسة وتسعين في اثنين، وهكذا، فيخرج عندك نصاب الأوراق النقدية.

    نصاب الذهب المغشوش
    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن كان فيهما غش فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب نصاباً ].يعني: لو كان الإنسان عنده ذهب، وهذا الذهب فيه غش مخلوط بصفر مثلاً، فنقول: ننظر إلى مجموع الذهب الموجود، فإن كان الذهب الموجود يساوي نصاباً وقدر النصاب كما تقدم لنا عشرون مثقالاً، وتساوي بالغرامات خمسة وثمانين غراماً، فإذا كان الذهب الموجود الخالص يساوي هذا القدر تجب فيه الزكاة، أما إذا كان لا يساوي هذا الذهب، الذهب الخالص يساوي مثلاً ثمانين غراماً أو سبعين غراماً فنقول: لا تجب عليه الزكاة.قال المؤلف رحمه الله: [ فإن شك في ذلك خير بين الإخراج وبين سبكهما؛ ليعلم قدر ذلك ].إذا شك، لا يدري، هل الذهب المخلوط مع المغشوش مع غير الذهب من صفر وغير ذلك، يساوي نصاباً أو لا يساوي نصاباً؟ شك في ذلك، نقول: أنت بالخيار، إما أنك تقوم بالسبك، تقوم بتخليص الذهب الخالص وتزنه، هل يساوي عشرين مثقالاً أو لا يساوي؟ أو أنك تخرج بلا سبك، يعني: تخليصه من المغشوش، وتنظر هل يساوي نصاباً أو لا؟ ثم تخرج الزكاة، أو أنك تحتاط وتخرج الزكاة، تقدر كم يساوي هذا الذهب، ثم بعد ذلك تقوم بإخراج الزكاة عنها، وتحتاط في ذلك، فنقول: أنت بالخيار، فإذا كان السبك سيؤدي إلى فساد هذا الذهب، أو فساد الصنعة، أو يحتاج السبك إلى قيمة ونحو ذلك، فنقول: الإنسان يحتاط ويقدر ويخرج الزكاة.

    زكاة الحلي المباح
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية ].قوله: (في الحلي) يخرج ما عدا الحلي من الذهب والفضة، فإذا كان الإنسان عنده سبائك أو نقود من الذهب والفضة، فإنه تجب فيه الزكاة؛ لكن ما يتعلق بالحلي، سواء كان ذلك للرجال كما لو أن الإنسان عنده خاتم من فضة ونحو ذلك، أو كان للنساء، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وهذه المسألة كثر كلام العلماء رحمهم الله، وألفت فيها مؤلفات مستقلة، فالأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد : أنه لا زكاة في الحلي المعد للاستعمال. والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله: أن الحلي المعد للاستعمال فيه الزكاة، ولكلاً من هذين القولين دليل: أما الذين قالوا: بأنه لا زكاة في الحلي من الذهب والفضة المعد للاستعمال، فاستدلوا بأدلة، نذكر طرفاً من أدلتهم: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة )، وهذا في الصحيحين، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه ) يدل على أن الشيء الذي اختصه الإنسان لنفسه لا زكاة فيه، فالرقيق الذي اختصه لخدمته، أو الفرس الذي يركبه أو السيارة التي يركبها، والبيت الذي يسكنه، والذهب الذي يلبسه، هذا كله لا زكاة فيه، فكذلك أيضاً فيما يتعلق بالذهب والفضة، هذه اختص بها لنفسه يستعملها، فلا زكاة فيها. وأيضاً استدلوا بما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء في خطبة العيد: ( تصدقن ولو من حليكن )، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( تصدقن ولو من حليكن ) يدل على أن الحلي ليس موضع صدقة. وقالوا: أيضاً حديث جابر : ( ليس في الحلي زكاة ) أخرجه الدارقطني ، وهو معلول ضعيف. وكذلك أيضاً قالوا: بأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو الوارد عن أنس وجابر وأسماء وعائشة وابن عمر ، عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنس وجابر وأسماء وعائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. أما الذين قالوا: بأن الزكاة تجب في الحلي فاستدلوا على ذلك بالعمومات، كقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]. ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة ( ما من صاحب ذهب ولا فضة )... إلى آخره كما تقدم. وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: ( أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتؤدين زكاة هذا؟ فقالت: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: هو حسبك من النار ) أخرجه أبو داود والترمذي .كذلك أيضاً استدلوا بحديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وفي يدها فتخات من ورق، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا، قال: هو حسبك من النار )، وهذا أيضاً في سنن أبي داود . مثله أيضاً: حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها: ( أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله! أكنز هو؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز )، وهذا أيضاً في سنن أبي داود وأخرجه الحاكم والدارقطني .والذي يظهر في المسألة -والله أعلم- أن الأقرب أنه لا زكاة في حلي النساء، لأن الفيصل في هذه المسألة هو هذه الأحاديث التي يستدل بها الحنفية ومن تابعهم، حديث عبد الله بن عمرو ، وحديث أم سلمة ، وحديث عائشة ، وهذه الأحاديث فيها مقال عند أهل الحديث، ففي أسانيدها مقال، فلا يبقى في المسألة إلا العمومات وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما تقدم أنه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا زكاة في حلي النساء. وكذلك أيضاً: ما تقدم أن ذكرنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة ).فيظهر -والله أعلم- أنه لا زكاة؛ لكن لو احتاط الإنسان وأخرج الزكاة فهذا أبرأ لذمته، وهذا أبعد عن الخلاف؛ لكن الاحتياط شيء والإيجاب شيء آخر.قال: ( المعد للاستعمال، والعارية ).فإذا كان يستعمل، أو يعار فإنه لا زكاة فيه، أما لو كان لا يستعمل ولا يعار، فهذا تجب فيه الزكاة، حتى قال العلماء رحمهم الله: لو كان معداً للنفقة، بأن كان عند إنسان حلياً ينفق على نفسه منها ولا يستعملها، وإنما ينفق على نفسه منها طعاماً، وشراباً، وكساءً، فهذا تجب فيه الزكاة، وكذلك أيضاً: لو كان يكري هذه الحلي تجب فيه الزكاة، ونظير ذلك أيضاً لو كان الإنسان عنده دراهم حبسها للنفقة على نفسه، إما للطعام أو للشراب، فهذا تجب فيه الزكاة إذا حال عليها الحول، كذلك أيضاً: لو حبسها للزواج، أو حبسها لكي يشتري سكناً له، وحال عليها الحول، فإنه تجب عليه فيها الزكاة للعموم؛ لأن هذه أموال زكوية، وقد حال عليها الحول.وقول المؤلف رحمه الله: ( ولا زكاة في الحلي المباح ).يخرج الحلي المحرم، كما لو كان هناك حلي على شكل صورة تمثال، صورة إنسان، أو حيوان، أو غير ذلك، فهذا محرمٌ لبسه، وحينئذٍ تجب فيه الزكاة.

    لبس الذهب والفضة
    قال المؤلف رحمه الله: [ ويباح للنساء كل ما جرت العادة بلبسه من الذهب والفضة ].بالنسبة للتحلي بالذهب والفضة نقول: ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون ذلك للنساء.القسم الثاني: أن يكون ذلك للرجال.أما بالنسبة للنساء: فالأصل في ذلك الحل، فيباح للمرأة من الذهب والفضة ما جرت العادة بلبسه، يعني: يباح لها من الذهب والفضة ما جرت العادة بلبسه، سواء كان محلقاً أو غير محلق، وما ورد من الأدلة في النهي عن الذهب المحلق لا تثبت، بل الثابت عن نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن لباس الذهب المحلق، فنقول: الأصل في التحلي بالذهب أو الفضة للنساء الإباحة، ويدل لهذا: حديث أبي موسى ، وحديث علي : ( حرم الذهب والحرير على ذكور أمتي، وأحل لنسائها ). فنقول: الأصل في ذلك الحل، وأيضاً حديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ حريراًوذهباً فجعل أحدهما في يمينه، والآخر في شماله، وقال: هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها ). فنقول: الأصل في التحلي بالذهب والفضة للنساء أنه جائز بكل ما جرت العادة بلبسه، أما ما خرج عن العادة فهذا لا يجوز، لو أن المرأة تحلت بحلي خارج عن العادة نقول: هذا لا يجوز؛ لأنه إما أن يكون شهرة، وإما أن يكون إسرافاً. ‏

    لبس الخاتم للرجل
    قال المؤلف رحمه الله: [ ويباح للرجل من الفضة الخاتم ].تقدم ما يتعلق بالنساء، وأن الأصل في ذلك الحل، فيباح للمرأة من الذهب والفضة كل ما جرت العادة بلبسه بلا تقييد، سواء كان قليلاً أو كثيراً ما لم يكن هناك شهرة أو إسراف كما سلف. أما بالنسبة للقسم الثاني: وهو تحلي الرجل فنقول: تحلي الرجل إما أن يكون بالفضة أو يكون بالذهب، بدأ المؤلف رحمه الله بالفضة قال: (ويباح للرجل من الفضة الخاتم). هذا الأمر الأول، يباح أن يتختم الذكر بالفضة، ويدل لهذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أنس ، وحديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس ، وغيرها من الأحاديث. فنقول: الخاتم من الفضة جائز للرجل، وهنا مسألة تتعلق بالتختم، هل التختم من قبيل العادات أو هو من قبيل السنن التي يؤمر بها الإنسان؟ الصواب في هذه المسألة: أنه من قبيل العادات، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما اتخذ الخاتم لأن الناس في عهده كانوا يتختمون، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ الخاتم إلا لما قيل له: إن الملوك لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً، فاتخذ النبي عليه الصلاة والسلام الخاتم، فنقول: اتخاذ الخاتم هذا ليس من السنن، وإنما هو من قبيل العادات، فإذا جرت عادة البلد أنهم يلبسون الخاتم فليلبس، وإذا لم تجر فإنه لا يلبس؛ لأنه يخشى أن يكون ذلك من لباس الشهرة.وهل الأولى أن يتختم الإنسان بيمينه، أو الأولى أن يتختم بيساره؟ هذا موضع خلاف، والصواب في ذلك أن هذا كله جائز، يعني: يجوز للإنسان أن يتختم باليمين، ويجوز له أيضاً أن يتختم باليسار؛ لأن السنة كلها وردت بذلك، وحينئذٍ نقول: الأمر فيه سعة والحمد لله. وبأي الأصابع يتختم؟ نقول: الأصابع تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يستحب التختم فيه، وهو الخنصر.القسم الثاني: ما يكره التختم فيه: وهي السبابة والوسطى، يكره للإنسان أن يتختم في السبابة والوسطى، لحديث علي في صحيح مسلم قال: ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في هذه والتي تليها ) يعني: السبابة والوسطى، فنقول: بأنه يكره للإنسان أن يتختم بالسبابة والوسطى.هذا بالنسبة للذكر، أما بالنسبة للأنثى فلها أن تتختم بما شاءت من الأصابع؛ لأن حال المرأة ليس كحال الرجل فيما يتعلق بالتحلي، فأمرها أوسع.القسم الثالث: المباح، وهو الإبهام والبنصر، فنقول: يباح للإنسان أن يتختم بإبهامه، وأن يتختم بأصبعه البنصر. فأصبحت الأصابع بالنسبة للتختم تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.

    تحلية السيف والمنطقة بالفضة
    قال المؤلف رحمه الله: [ وحلية السيف والمنطقة ]. المنطقة: هي ما يشده الإنسان على وسطه، فهذه يباح أن يكون فيها شيء من الفضة، كذلك أيضاً: السيف يباح أن يحلى بالفضة. قال المؤلف رحمه الله: [ ونحوها ].يعني: ما يتعلق بآلات الحرب والسلاح مثل: الدرع، ومثل: الجوشن، ومثل: السهم، والدرع وغير ذلك، يباح أن تحلى. إذاً: يستثنى بالنسبة للذكر من الفضة ثلاثة أشياء: الأول: الخاتم.والثاني: المنطقة؛ لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة.والثالث: ما يتعلق بآلات الحرب.هذه ثلاثة أشياء تباح للذكر من الفضة.وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الأصل في الفضة للذكر الإباحة، وأنه لم يرد دليل يدل على النهي، واستدل بكون النبي عليه الصلاة والسلام اتخذ خاتما من فضة، وكون الصحابة رضي الله تعالى عنهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة، وأيضاً بعض الأسلحة محلاة بالفضة، وأيضاً: ورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وإن كان في إسناده شيء: ( وأما الفضة فالعبوا بها لعباً )، وعلى هذا القول: لو أن الإنسان اتخذ ساعة من فضة، فإن هذا جائز، أو اتخذ أزارير من فضة، فإن هذا جائز، أو اتخذ نظارة وجعل إطاراتها من فضة، فإن هذا جائز. فأصبح عندنا الفضة للرجال فيها رأيان كما تقدم:الرأي الأول: أنها محرمة لكن يباح بعض الأشياء.والرأي الثاني: أن الأصل فيها الحل.

    ما يباح للرجال من الذهب
    الذهب بالنسبة للذكور تقدم أنه محرم؛ لكن ما الذي يباح منه؟ هذا موضع خلاف، فالمذهب أنه يباح للذكر من الذهب شيئان: الشيء الأول: قبيعة السيف، وهو طرف المقبض.والأمر الثاني: ما دعت إليه الضرورة: قبيعة السيف؛ لأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والأمر الثاني: ما دعت إليه الضرورة، كما في سنن أبي داود ( أن أسعد بن عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب )، فنقول: ما دعت إليه الضرورة، فإن هذا لا بأس به. فأصبح أنه يباح من الذهب شيئان، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.الرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ، وأيضاً قول الحنفية رحمهم الله: أنه يباح اليسير التابع، اليسير التابع جائز ولا بأس به، يعني: لو كان هناك يسير من الذهب تابع لشيء آخر، فإن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لهذا حديث المسور بن مخرمة في صحيح البخاري أنه ( ذهب هو وأبوه مخرمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم أقبية، فذهبوا لكي يأخذوا حقهم من الأقبية، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب )، فدل ذلك على أنه إذا كان يسيراً تابعاً لا بأس به، فمثلاً: لو كان عنده ساعة من حديد أو من صفر، وفي هذه الساعة شيء من المحركات من الذهب، أو كان في ثوبه تطريز من الذهب، أو في قداحته تطريز من الذهب، أو في نظارته شيء من الذهب ونحو ذلك من الأشياء، فإن هذا ما دام أنه يسير تابع، فالرأي الثاني: أن هذا جائز ولا بأس به.قال المؤلف رحمه الله: [ فأما المعد للكراء أو الادخار والمحرم ففيه الزكاة ].تقدم أن الحلي إذا كان معداً للكراء، أو معداً للادخار، فإن فيه الزكاة.

    زكاة الدين
    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: حكم الدين ].الدين: ما ثبت في ذمة الإنسان من قرض وغيره.هل تجب الزكاة في الدين أو لا تجب الزكاة في الدين؟ يعني: لو أن الإنسان له دين على شخص يريد من شخص مالاً، فهل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله: أن الزكاة تجب في الدين مطلقاً، مذهب الحنابلة رحمهم الله من أوسع الحنابلة في إيجاب الزكاة في الدين، فيقولون: الزكاة تجب في الدين مطلقاً، سواء كان هذا الدين على معسر، أو كان على مليء باذل، وسواء كان على مليء مماطل، أو مليء باذل، فالمشهور من المذهب أن الزكاة تجب في الدين مطلقاً، كما أشرت أنهم من أوسع المذاهب في إيجاب الزكاة في الدين، يوجبونها مطلقاً، سواء كان الدين على معسر، أو كان على مليء غني باذل، أو على مماطل؛ لكن لا يجب عليه أن يخرج، هم يقولون: يستحب له أن يخرج كل عام بعامه؛ لكن لا يجب عليه أن يخرج حتى يقبض، والأفضل أن يخرج الإنسان كل سنة بسنتها، فمثلاً: لو كان لك عشرة آلاف ريال على زيد من الناس، وزيد هذا فقير معدم ما عنده شيء، أو لك عشرة آلاف ريال عند زيد وهو غني باذل، أو غني مماطل، نقول: أنت بالخيار، إما أن تخرج كل عام بعامه، قالوا: وهذا هو الأفضل، وإما أن تنتظر حتى تقبض المال، فتخرج عن كل السنوات، فإذا قبضت المال بعد عشر سنوات من هذا الفقير، فإنك تخرج عن عشر سنوات، أو قبضت هذا المال من هذا الغني بعد عشر سنوات، فإنك تخرج زكاة عشر سنوات، وهكذا.قال المؤلف رحمه الله: [ ومن كان له دين على مليء، أو مال يمكن خلاصه، كالمجحود الذي له به بينة، والمغصوب الذي يتمكن من أخذه، فعليه زكاته إذا قبضه بما مضى ].يعني: بكل ما مضى، فالمذهب أن الزكاة تجب في الدين مطلقاً، سواء كان على معسر، أو على مليء؛ لكنهم يقولون: لا يجب على الإنسان أن يخرج حتى يقبض، والأفضل أن يخرج، فإذا قبض أخرج الزكاة عن كل ما مضى، هذا الرأي الأول.الرأي الثاني: رأي الظاهرية والحنفية، يقولون: لا زكاة في الدين، بل إذا قبض الإنسان الدين يستأنف، إذا قبض الدراهم يستأنف بها حولاً مستقلاً، مثلاً: لك عشرة آلاف على زيد، ما يجب عليك أن تزكي حتى تقبض، فإذا قبضت هذه العشرة يبدأ فيها حول جديد، قبل ذلك ما يجب عليك زكاة، وهذا أيضاً من أضيق المذاهب.القول الثالث: وسط بين هذين الرأيين، وهو التفصيل: إن كان الدين على معسر، يعني: على فقير معدم، أو على غني مماطل، فهذا لا يجب عليك أن تخرج الزكاة كل سنة، وإنما تخرج الزكاة مرة واحدة إذا قبضت، مثلاً: جلس هذا الدين عند هذا المعسر مدة عشر سنوات، ثم قبضته، فإنك تخرج زكاة مرة واحدة.القسم الثاني: أن يكون الدين على مليء بادل، يعني: غني قادر على الوفاء، بقوله لا يماطل، وببدنه يمكن إحضاره مجلس الحكم، وبماله عنده ما يوفي، فهي مليء باذل، فهذا يجب أن تزكي عن الدين كل عام، فإذا كان على مليء باذل وجبت الزكاة كل عام وارد عن الصحابة عمر وابن عمر وعثمان وجابر رضي الله تعالى عنهم. وهذا القول هو الأقرب، ومثل ذلك أيضاً: المال المغصوب، لو كان الإنسان له مال مغصوب، ما يستطيع أن يخلصه، أو مسروق، أو منتهب، أو مختلس، أو مال ضائع مفقود، لم يجده إلا بعد سنتين، أو ثلاث سنوات، فهذا كله تجب فيه الزكاة مرة واحدة فقط إذا قبضه. كذلك أيضاً: ألحق بعض العلماء بهذا الحقوق التي تكون للإنسان عند الدولة في بيت المال، يعني: إذا كان له قروض، أو حقوق عند الدولة، فهذه إذا قبضها فإنه يخرج زكاتها مرة واحدة، فالمال المنسي، والموروث المجهول، والمغصوب، والمسروق، والمنتهب، وغير ذلك من هذه الأموال، هذه كلها لا تجب فيها الزكاة إلا مرة واحدة.قال المؤلف رحمه الله: [ أو مالٍ يمكن خلاصه كالمجحود الذي له فيه بينة، والمغصوب الذي يتمكن من أخذه فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى ].لو كان الإنسان له مال مغصوب وهو يتمكن من أخذه، فهذا مثل المال الذي على مليء باذل، يجب عليه أن يزكي؛ لكن إذا كان مغصوباً لا يتمكن منه، أو مسروق لا يتمكن منه، لا يدري من سرق، أو المغصوب هذا ظالم؟ ما يستطيع أن يأخذه منه، فهذا لا يزكيه إلا إذا قبضه مرة واحدة. مثل أيضاً: إذا جحد المال ، إن كان يتمكن أن يأخذ منه فهذا تجب عليه الزكاة كل عام؛ لأنه مثل الدين على مليء باذل، وإذا كان لا يتمكن يجب عليه أن يزكي مرة واحدة.قال المؤلف رحمه الله: [ وإن كان متعذراً كالدين على مفلس، لفقير معول أو على جاحد، ولا بينة به، والمغصوب، والضال الذي لا يرجى وجوده، فلا زكاة فيه ].هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لكن المذهب خلاف ذلك، المذهب كما سبق تقريره أن الدين إذا كان على معسر، والمغصوب ونحو ذلك من الأشياء، يرون أنها تجب فيها الزكاة كل عام لما مضى؛ لكن ذهب المؤلف رحمه الله أنه لا زكاة فيه، والصواب في ذلك أن الدين على معسر، أو المغصوب الذي لا يستطيع خلاصه، والمنتهب والمسروق، والمال المنسي، وغير ذلك، هذه كلها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، والدليل على ذلك القياس على ثمرة الشجرة، فإن الثمار إذا أخرجت تزكى مرة واحدة، كما قال الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، مثله أيضاً: كونه يخلص هذا الغصب، أو يخلص هذه السرقة... إلى آخره هذه منزلة الثمرة التي حصلت له، فيجب فيها الزكاة مرة واحدة.قال المؤلف رحمه الله: [ وحكم الصداق حكم الدين ].الصداق كما تقدم أن المذهب أنه تجب فيه الزكاة مطلقاً. ‏

    الدين يمنع الزكاة
    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه فلا زكاة فيه ].هذه مسألة أخرى مستقلة، هل الدين يمنع الزكاة أو ينقصها أو لا؟ المشهور من المذهب كما قرره المؤلف أن الدين يمنع الزكاة أو ينقص الزكاة، فيمنع الزكاة إذا أنقص النصاب، وينقص الزكاة إذا لم ينقص النصاب، مثال ذلك: هذا رجل عنده خمسون ألف ريال، حال عليه الحول، وعليه دين خمسون ألف ريال، قالوا: هذا لا زكاة عليه؛ لأنه الآن أصبح ما عنده نصاب، أو رجل إذا قلنا: بأن نصاب الريالات مثلاً أربعمائة ريال، هذا رجل عنده أربعمائة ريال، وعليه دين مائة ريال، هنا ينقص النصاب قالوا: لا زكاة عليه.إذا كان لا ينقص النصاب؛ لكنه ينقص الزكاة، مثال ذلك: رجل عنده مائة ألف ريال، وعليه دين يساوي خمسين ألف ريال، فهذا يزكي عن خمسين ألف ريال، والخمسون الألف الأخرى: لا تجب عليه فيها الزكاة؛ لأن الدين يمنع بقدره، فإن أنقص النصاب فلا زكاة، وإن لم ينقص النصاب فإنه يمنع بقدره كما تقدم، هذا رجل عنده مليون ريال، وعليه دين خمسمائة ألف، يزكي عن خمسمائة ألف ريال، هذا هو المشهور من المذهب.الرأي الثاني: يقابل هذا قول الشافعي ، أن الدين لا يمنع الزكاة مطلقاً، لا في الأموال الظاهرة، ولا في الأموال الباطنة، فهذا رجل عنده خمسون ألف ريال، وعليه دين بمقدار خمسين ألف ريال يزكي عن الخمسين التي عنده، وأما بالنسبة للدين الذي عليه فهذا لا يمنع الزكاة، لعموم قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، وأيضاً حديث: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منه حقاً )، وقول الله: يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34] وهذا يشمل هذا، فهذا رجل حال عليه الحول، وعنده هذا المال، فيجب عليه أن يزكي.الرأي الثالث: التفصيل في المسألة، وقالوا: بأن المال لا يخلو من أمرين: إما أن يكون ظاهراً أو باطناً، يعني: المال الزكوي إما أن يكون من الأموال الظاهرة، وإما أن يكون من الأموال الباطنة، الأموال الزكوية يقسمونها إلى قسمين: ظاهرة وباطنة، الظاهرة هي السائمة، والخارج من الأرض، هذه يقولون: بأنها ظاهرة، والباطنة هي عروض التجارة والأثمان. فيقولون: بالنسبة للباطنة يمنع الدين الزكاة في الباطنة، مثلاً: إنسان عنده مائة غرام من الذهب، وعليه دين خمسون غراماً من الذهب، هذا ما يجب عليه الزكاة، في الباطنة يمنع، وفي الظاهرة لا يمنع. إنسان مزارع زرع الحب أو غرس الأشجار، واحتاج إلى مال واستدان، ثم المزرعة أنتجت، فقالوا: بأنه تجب عليه الزكاة والدين لا يمنع. بالنسبة للظاهرة لا يمنع، ولا ينقص، ولا عبرة بالدين، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السعاة لقبض زكاة المال الظاهر، ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم أن يسألوا عن الدين، أو أن لا يأخذوا بقدر الدين.وأما الذين قالوا: بأنه يمنع -كما هو رأي الحنابلة- فاستدلوا بقول عثمان رضي الله تعالى عنه: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، فدل ذلك على اعتبار الدين، وأنه ينقص الزكاة أو يمنع الزكاة.والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى: وأنه لا دخل للدين في الزكاة، وأن الإنسان إذا حال عليه الحول، وعنده أموال، وعليه ديون، فإنه يجب عليه أن يزكي عن كل الأموال التي عنده، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يسدد الدين الذي عليه، كما قال عثمان رضي الله تعالى عنه: هذا شهر زكاتكم، فنقول: أنت مثلاً: عليك خمسون ألف ريال، وعندك مائة ألف ريال، سدد الدين، وما فضل أخرج زكاته، ما دام أن عليك ديوناً نقول: أخرج الدين، سدد الدين من المال الذي عندك، فإذا سددت عندك مائة ألف وعليك خمسون ألفاً سدد خمسين ألف، ويبقى خمسون ألف يحول عليها الحول وأخرج منها الزكاة، أما كون الإنسان ما يسدد الدين الذي عليه، ويحول الحول على هذه الأموال، نقول: يجب عليه فيها الزكاة، فنقول: كما قال عثمان رضي الله تعالى عنه: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، نقول: ابدأ بالدين وسدد، فإن فضل شيء فإنك تخرج زكاته، وإن ما فضل شيء فإنه لا يلزمك أن تخرج الزكاة.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [6]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (38)


    عروض التجارة من الأموال التي يجب إخراج زكاتها، وهي ما يملكه الإنسان بنية التجارة، فإذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول وجب فيه ربع العشر.وزكاة الفطر واجبة على كل مسلم صغير وكبير وذكر وأنثى، طعمة للمساكين وطهرة للصائم من اللغو والرفث، ولها أحكام بينها أهل العلم
    زكاة عروض التجارة
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: زكاة العروض].تقدم لنا ما يتعلق بأحكام التحلي، وذكرنا ما يتعلق بأحكام التحلي بالنسبة للمرأة، وأيضاً ما يتعلق بأحكام التحلي بالنسبة للرجل، وذكرنا أيضاً حكم تحلي الرجل بالفضة، وحكم تحلي الرجل بالذهب، ثم بعد ذلك تعرضنا لزكاة الدين وأحكامها، وأن الدين ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون على مليء باذل، وإما أن يكون على معسر، أو على مليء مماطل، وكذلك أيضاً تطرقنا إلى ما يتعلق بزكاة المال الضائع أو المغصوب أو المنتهب أو المختلس ونحو ذلك من هذه الأشياء.ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب: زكاة العروض).العروض: جمع عرض، وهو ما أعد للبيع والشراء من أجل الربح، وزكاة العروض هي المال الرابع والأخير من الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة، تقدم لنا زكاة السائمة بهيمة الأنعام، وزكاة الخارج من الأرض، وزكاة النقدين، ثم بعد ذلك زكاة العروض.

    حكم زكاة عروض التجارة
    عروض التجارة تجب فيها الزكاة باتفاق الأئمة، الأئمة الأربعة كلهم يتفقون على إيجاب الزكاة في عروض التجارة، وإنما خالف في ذلك الظاهرية، فلا يرون إيجاب الزكاة في عروض التجارة، والراجح بلا شك هو ما ذهب إليه الأئمة رحمهم الله، والأدلة على هذا كثيرة، فمن ذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، فقال: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] وهذا يشمل عروض التجارة؛ لأن هذه العروض لم يقتنها المسلم لخاصته، وإنما قصد بها قيمتها، فهي مال يقصد بها قيمة هذه العروض، لا يقصد بها ذات هذه العروض، فهو لم يشترها من أجل ذاتها، وإنما اشتراها من أجل الربح فيها، فهي معتبرة بقيمتها، وقيمتها تجب فيها الزكاة. ومن الأدلة على ذلك: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر ) أخرجه مسلم ، دل ذلك على أن ما يختص به الإنسان بنفسه أنه لا زكاة فيه، ويفهم منه أن ما لا يختص به الإنسان كعروض التجارة أن فيه الزكاة. وأيضاً: من الأدلة على ذلك حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) وهذه الأموال التي اشتراها لم يقصدها لذاتها، وإنما قصد قيمتها والربح من وراء هذه العروض. وكذلك أيضاً: هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مثل: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وعمر له سنة متبعة، وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. وأيضاً ورد في ذلك حديث -وإن كان ضعيفاً- عن سمرة قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الزكاة مما نعده للتجارة ) أخرجه أبو داود ؛ لكن في إسناده ضعف لا يثبت. والرأي الثاني: كما أشرنا هو قول الظاهرية، وقالوا: بأن الزكاة لا تجب في عروض التجارة؛ لأن الأصل هو براءة الذمة، ولم يرد الدليل، وهذا فيه نظر؛ لأن الصواب في هذه المسألة أن الدليل ورد، كما أسلفنا في أدلة الجمهور.

    اشتراط نية التجارة في زكاة العروض وبلوغها النصاب
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة ].قول المؤلف رحمه الله: ( لا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة )؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )، فإذا نوى بها القنية، وأن الإنسان يختص بها لنفسه يستعملها، السيارة اشتراها لم ينو بها التجارة بالبيع والشراء، وإنما اشتراها لكي يركبها، والبيت اشتراه لكي يسكنه... إلى آخره، فهذه الأشياء لا زكاة فيها لما تقدم أن ذكرنا من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ).قال المؤلف رحمه الله: [ وهي نصاب حولاً].الصواب في هذه المسألة: أنه إذا كانت عروض التجارة نصاباً ونوى بها التجارة فإنها تكون للتجارة، فإذا حال عليها الحول فإنه يخرج زكاتها، كما سيأتي.قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يقومها، فإذا بلغت أقل نصابٍ من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها ].نصاب عروض التجارة معتبر بأحد النقدين، فينظر إلى الأقل من نصاب الذهب أو نصاب الفضة، فيقدر نصاب العروض بالأقل من نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وتقدم لنا أن نصاب الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً، وخمسة وثمانون تساوي اليوم مثلاً: ألفين ريال، فإذا اعتبرنا الذهب قلنا: لا تجب الزكاة في عروض التجارة حتى تبلغ قيمتها ألفي ريال، فإذا كان عنده من المواد الغذائية، والأقمشة... إلى آخره ما يساوي قيمته ألفي ريال وجبت، وإذا كان أقل من ألفي ريال لا تجب فيه الزكاة، هذا إذا اعتبرنا نصاب الذهب، وإذا اعتبرنا نصاب الفضة، فإنه كما تقدم لنا أن نصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، والفضة -كما أشرنا فيما سبق- نزلت قيمتهما فهي رخيصة جداً، فخمسمائة وخمسة وتسعون غراماً من الفضة تساوي اليوم تقريباً ستمائة ريال، وعلى هذا نقول: العروض معتبرة بالفضة؛ لأن الفضة هي الأقل، فإذا ملك عروضاً تبلغ قيمتها ستمائة ريال، إذا قلنا: بأن الغرام بريال، أما إذا قلنا: بأن الغرام بنصف ريال، فيساوي تقريباً ثلاثمائة ريال، فإذا ملك من عروض التجارة ما يساوي ثلاثمائة ريال وجبت عليه الزكاة، وإذا ملك أقل من ذلك فإنه لا تجب عليه الزكاة، وعلى هذا تقدر عروض التجارة. وكذلك أيضاً كما أشرنا الأوراق النقدية اليوم تقدر كلها بالفضة؛ لأن الفضة سعرها نازل فهو الأحظ للفقراء، فعندك نصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً تنظر إلى قيمته بالريالات، ثم بعد ذلك تعرف نصاب العروض، فإذا ملك عروضاً يساوي قيمة هذه الغرامات من الفضة، وجبت عليه الزكاة، وإلا لم تجب عليه الزكاة.

    ضم الذهب والفضة إلى قيمة العروض
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن كان عنده ذهب أو فضة ضمها إلى قيمة العروض في تكميل النصاب ].إذا كان عنده ذهب أو فضة يضمها إلى قيمة العروض في تكميل النصاب، فهذا رجل عنده من الفضة مائتا غرام، تقدم لنا أن نصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، فإذا كان عنده مائتا غرام من الفضة والباقي عنده عروض، يعني: عنده من عروض التجارة ما يساوي أربعمائة غرام، فيضيف مائتي غرام إلى أربعمائة غرام، يبلغ أكثر من النصاب؛ لأن النصاب كما تقدم يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، فتجب عليه الزكاة؛ لأن هذه العروض كما تقدم ليست مرادة لذاتها، وإنما المراد: هو القيمة. ومثل ذلك أيضاً: لو كان عنده أوراق نقدية وعنده عروض تجارة، الأوراق النقدية تساوي نصف النصاب، وعروض التجارة تساوي النصف الآخر، نقول: تجب عليه الزكاة. كذلك أيضاً: إذا كان عنده من الذهب مثلاً: خمس غرامات، والباقي عروض تجارة، فإنه ينظر إلى قيمة هذه الغرامات، وينظر إلى قيمة العروض، ويضم بعضها إلى بعض حتى يكتمل النصاب، فتجب عليه الزكاة.

    تأثير نية القنية على عروض التجارة
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها ].يعني: لو كان عنده سيارة للتجارة، ثم بعد ذلك نوى بها القنية، نوى أن يستعملها، فنقول: ينقطع حولها ولا زكاة فيها؛ لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة )، وأيضاً: الإجماع منعقد على أن ما يقتنيه الإنسان لخاصة نفسه استعماله أنه لا زكاة عليه. وكذلك أيضاً: لو كان عنده آلات أو أثواب وغير ذلك يتاجر فيها، ثم نوى أن يجعلها لنفسه؛ لكي يلبسها ونحو ذلك، فإنه لا زكاة فيها. قال المؤلف رحمه الله : [ ثم إن نوى بها بعد ذلك التجارة استأنف له حولاً ].يعني: إذا كانت هذه السيارة للتجارة، ثم نواها للقنية، مضى عليها خمسة أشهر، وهو ناويها للتجارة في المعرض، ثم بعد أن مضت خمسة أشهر نوى أنها للقنية، الآن انقطع حول التجارة ولا زكاة فيها، فإذا نوى بعد أن نواها للقنية أن يجعلها للتجارة مرة أخرى نقول: يستأنف حولاً جديداً؛ لأن الحول الأول قد انقطع، فإذا انقطع ثم بعد ذلك عاود ونوى بها القنية مرة أخرى نقول: يستأنف بها حولاً جديداً.

    تقدير عروض التجارة
    هناك بعض المسائل المتعلقة بعروض التجارة، من هذه المسائل: كيف تقدر عروض التجارة؟ يعني: صاحب المحل، صاحب البقالة، أو صاحب المعرض، أو الذي يبيع أقمشة، أو يبيع آلات، أو يبيع سيارات ونحو ذلك، كيف يقدر عروض التجارة؟ نقول: يقدرها بسعرها الذي تباع به الآن، فإن كان يبيع تجزئة يقدرها بسعر التجزئة، وإن كان يبيع جملة يقدرها بسعر الجملة، ولا ينظر إلى السعر الذي اشتريت به، بل ينظر إلى سعرها، إن كان يبيع تجزئة مثل: أصحاب البقالات، وأصحاب الأقمشة، والمعارض ونحو ذلك، فإنه يقدر بسعر التجزئة، وإن كان يبيع بالجملة مثل أصحاب المحلات الكبيرة فهذا يقدرها بسعر الجملة، ولا ينظر إلى السعر الذي اشتريت به، إنما ينظر إلى سعرها عند حولان الحول عند وجوب الزكاة، والواجب فيها ربع العشر، يعني: واحد من أربعين، فحاصل ما تأتي به، أو ما يأتي به هذا الدكان يقسمه على أربعين، والناتج هو الزكاة ربع العشر.

    التاجر المدير والتاجر المحتكر
    أيضاً: جمهور أهل العلم رحمهم الله لا يفرقون بين التاجر المدير، والتاجر المحتكر:التاجر المدير: هو الذي يدير التجارة، يبيع ويشتري على الدوام، مثل: أصحاب البقالات الآن يبيع ويشتري، تذهب هذه السلع وتأتي سلع أخرى، فلا يكاد يمر عليه يوم، أو يومان، أو أسبوع بالكثير إلا وقد تغيرت هذه السلع. ومثل أيضاً: أصحاب المعارض، وأصحاب قطاع السيارات وغير ذلك، الذين يحركون التجارة، يحركون سلعهم، أو أصحاب معارض السيارات وغير ذلك، هذا يسميه العلماء رحمهم الله: التاجر المدير، هذا لا إشكال أنه تجب عليه الزكاة كل عام، وتقليب البضائع لا يقطع عليه الحول كما تقدم لنا؛ لأن أمور التجارة هذا مبني على التقليب والاستبدال، فقد يكون هذا الشهر عنده سلع، وفي الشهر الآخر عنده سلع أخرى... إلى آخره، لا ينظر إلى تغير التجارة. كذلك أيضاً كما سبق لنا أن ربح التجارة حوله حول أصله، فإذا حال عليه الحول ينظر إلى السلع التي عنده سواء كانت من جنس السلع التي ابتدأ الحول بها أو اختلفت وتغيرت، وبالنسبة للربح فإن حوله كما تقدم حول أصله. والتاجر المحتكر: هو الذي يحبس السلع حتى يرتفع سعرها، ثم بعد ذلك إذا ارتفع سعرها يقوم ببيعها، جماهير أهل العلم قالوا: لا فرق بين التاجر المدير، والتاجر المحتكر، كلهم تجب عليهم الزكاة، فإذا كان عنده سلع ما يحركها مثلاً: عنده أراض لا يحركها لكنه قاصد بها ارتفاع السعر، فإذا ارتفع سعرها باع، فهذا عند جمهور أهل العلم تجب عليه الزكاة سواء كان مديراً أو محتكراً، كلهم يوجبون الزكاة على الصنفين.الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله، الإمام مالك رحمه الله يفرق بين التاجر المدير والتاجر المحتكر، فيقول: التاجر المدير تجب عليه الزكاة كل عام، وأما التاجر المحتكر الذي يحبس السلعة حتى يرتفع السعر، ثم بعد ذلك يبيع، يقول: هذا لا يجب عليه أن يزكي كل عام، وإنما يجب عليه أن يزكي مرة واحدة إذا باع. والأقرب في هذه المسألة أن نقول: بأن التاجر المدير لا إشكال أنه تجب عليه الزكاة كل عام، وإما بالنسبة للتاجر المحتكر فهذا فيه تفصيل فنقول: هذا التاجر إذا كان عنده سلع يحتكرها، وسلع يحركها، فنقول: تجب عليه الزكاة في كل عام، سواء كانت السلع التي تحرك أو السلع التي لا تحرك، فإذا كان يشتغل بهذه البضائع بعضها يحركه، وبعضها يحبسه، وينتظر بها زيادة السعر، نقول: الصواب في ذلك أنه تجب عليه الزكاة كل عام، أما إنسان ليس عنده شيء يحركه؛ لكن عنده سلعة ينتظر بها زيادة السعر، فهذا لا تجب عليه الزكاة إلا مرة واحدة، مثلاً: إنسان لا يشتغل بالتجارة؛ لكنه اشترى هذه الأرض، وهو يقصد من ذلك أنه إذا ارتفع سعرها أنه يبيع، فنقول: الصواب والأقرب في هذه المسألة أنه يجب عليه أن يزكي مرة واحدة، أو مثلاً: عنده سيارة، وحبس هذه السيارة حتى يرتفع السعر ثم يبيع، فنقول: هذا تجب عليه الزكاة مرة واحدة. هذا يظهر اليوم في عمل كثير من الناس فيما يتعلق بالأراضي، تجد إنساناً ليس مشتغلاً بالأراضي والبيع والشراء، وإنما يشتري هذه الأرض، ثم يحبسها حتى يزيد سعرها، ثم يبيع، فنقول: إذا باع يؤدي الزكاة مرة واحدة. فأصبح عندنا المحتكر هذا فيه تفصيل، إن كان إنسان يقلب شيئاً من تجارته وشيئاً يحبسه تجب عليه الزكاة في الجميع، وإن كان ليس عنده ما يقلبه وإنما عنده سلع يحتكرها فقط، فهذا تجب عليه الزكاة مرة واحدة فقط إذا باع. أما الذي يشتري أرضاً، وهو يقصد من ذلك أن يعمرها للسكنى، أو يقصد من ذلك أن يعمرها للتأجير فلا زكاة فيها.

    زكاة الفطر
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: زكاة الفطر ].الفطر: اسم مصدر، وقوله: (باب) مضاف، و(زكاة) مضاف إليه، و(زكاة) مضاف، و(الفطر) مضاف إليه، وهذا من إضافة الشيء إلى سببه يعني: الزكاة التي سببها الفطر من رمضان. وهذه الزكاة زكاة البدن، فالزكاة زكاتان: زكاة المال، وتقدم كلام المؤلف عليها: عروض التجارة، النقدان، السائمة، الخارج من الأرض... إلى آخره، هذه زكاة المال، وزكاة الفطر هذه زكاة البدن.

    حكم زكاة الفطر
    الأصل في زكاة الفطر السنة، وبعض العلماء قال: الأصل فيها الكتاب، الله عز وجل يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]، قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز : المراد بذلك زكاة الفطر: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] المراد بذلك زكاة الفطر، والصلاة المراد بذلك: صلاة العيد، هذا من القرآن. وأما السنة فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين )، فهذا صريح في أنها فرض، وفرض زكاة الفطر قبل فرض زكاة المال، زكاة الفطر فرضت في السنة الثانية من الهجرة قبل فرض زكاة المال، كما في حديث قيس بن سعد رضي الله تعالى عنه. قال المؤلف رحمه الله: [ وهي واجبة ].باتفاق الأئمة أنها واجبة، وحديث ابن عمر صريح في الوجوب: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير )... إلى آخره، هذا صريح في الوجوب.

    من تجب عليه زكاة الفطر
    قال المؤلف رحمه الله: [ على كل مسلم ].من تجب عليه زكاة الفطر؟ أو ما هي شروط من تجب عليه زكاة الفطر؟ الشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا تجب عليه زكاة الفطر، ودليل ذلك ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين)، فيفهم من ذلك أن الكافر لا تجب عليه، ولأنها طهره كما في حديث ابن عباس، يعني: الحكمة منها طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من اللغو والرفث، والكافر نجس، ليس أهلاً للتطهير حتى يسلم، إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] ، وتقدم أن أشرنا أن الكافر يتوجه إليه خطابان: خطاب وجوب التكليف، وهذا مكلف بحيث إنه يحاسب عليها يوم القيامة. والخطاب الثاني: خطاب وجوب الأداء، فهذا لا يجب عليه، فلو أنه أسلم لا نلزمه أن يؤدي زكاة الفطر عن الأعوام الماضية، وإنما إذا أسلم قبل وقت الوجوب وجبت عليه زكاة الفطر.قال المؤلف رحمه الله: [إذا ملك فضلاً عن قوته، وقوت عياله].الشرط الثاني: الغنى، وضابط الغنى يختلف باختلاف أبواب الفقه، فالغنى في دفع الزكاة، يختلف عن الغنى في أخذ الزكاة، والغنى في باب زكاة الفطر يختلف أيضاً عن الغنى في باب زكاة المال، والغنى في النفقة يختلف، والغنى في العقل في إيجاب الدية... إلى آخره. المهم أن الغنى يختلف باختلاف أبواب الفقه. إذاً: الشرط الثاني: أن يكون غنياً، الغني في باب زكاة الفطر هو الذي يملك قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته بعد الحوائج الأصلية، فمثلاً: هذا رجلٌ هو وعائلته يكفيه يوم العيد وليلته صاعان، والحوائج الأصلية متوافرة من الفرش، والأواني، والآلات التي يحتاجها في بيته، هذه متوافرة، الآن ملك قوت يوم العيد وليلته صاعان، وأيضاً ملك على ذلك زيادة صاع، فنقول: هذا غني في باب زكاة الفطر، ما دام أنه يملك مئونته يوم العيد وليلته مع ملكه للحوائج الأصلية، وملك شيئاً يزيد على ذلك نقول: الآن أنت غني في باب زكاة الفطر، يجب عليك أن تخرج زكاة الفطر، فقد يكون الإنسان فقيراً في باب أخذ الزكاة، لكنه في باب زكاة الفطر غني يجد قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته، ويجد حوائجه الأصلية، من الفرش، والغطاء، والوطاء، والأواني، والآلات... إلى آخره، ويملك زيادة على ذلك طعاماً، أو نقود يشتري بها، فنقول هنا: تجب عليه زكاة الفطر.ولم يشترط المؤلف رحمه الله التكليف، فنقول: بأن زكاة الفطر واجبة على الصغير والكبير، والحر والرقيق، والذكر والأنثى.

    قدر زكاة الفطر
    قال: [ وقدر الفطرة صاع من البر، أو الشعير، أو دقيقهما، أو سويقهما، أو من التمر والزبيب ].في هذه الجملة بين المؤلف رحمه الله: قدر الفطرة، وأيضاً بين جنس المخرج، فقدر الفطرة أو قدر زكاة الفطر صاع، كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين)، وكذلك أيضاً في حديث أبي سعيد قال: ( كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط ). وقول المؤلف رحمه الله (وقدر الفطرة صاع من البر).هذا ما عليه جمهور أهل العلم أنه لا فرق بين الشعير وبين البر وغيره من الأصناف، فيجب على الإنسان أن يخرج صاعاً، سواء كان هذا الصاع من البر، أو من الشعير، أو من التمر، المهم مما يجزئ إخراجه كما سيأتي إن شاء الله، ولا فرق بين البر، وبين غيره، هذا ما عليه جمهور أهل العلم. وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا أخرج من البر يخرج نصف صاع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يفرقون بين البر وغيره، وقالوا: بأنه إذا أخرج من البر فإنه يخرج نصف صاع، ودليل ذلك أن معاوية رضي الله تعالى عنه قدم المدينة فقال: أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعاً من تمر، فعدل الناس بذلك، يعني: أخذ بذلك كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فأخذ بهذا أبو حنيفة ، وأنه إذا أخرج من البر أخرج نصف صاع، وكذلك أيضاً اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكن الأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأنه يخرج صاعاً كاملاً، حتى ولو أخرج من البر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها صاعاً كما في حديث أبي سعيد : ( كنا نخرجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب ). وأيضاً فعل معاوية رضي الله تعالى عنه ومن وافقه من الصحابة خالفهم في ذلك أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فإنه قال: ( أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم )، يعني: أنه يخرج صاعاً، وكذلك أيضاً خالف في ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فالصواب في ذلك أنه لا يكفي أن يخرج نصف صاع، حتى ولو أخرج من البر.

    ما يخرج في زكاة الفطر
    قال المؤلف رحمه الله: (من البر، أو الشعير، أو دقيقهما).يعني: الذي يخرج منه خمسة أشياء على المذهب: البر، الشعير، دقيق البر، دقيق الشعير، يعني: الدقيق الطحين المطحون، يعني: إذا كان عندك بر طحنته، أو عندك شعير طحنته، تخرج من الطحين. (أو سويقهما) سويق البر، سويق الشعير، يقلى البر، أو يقلى الشعير ثم يطحن، هذا السويق. من البر، الشعير، الزبيب، التمر، كذلك أيضاً الأقط، هذه خمسة أصناف، المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنك إذا كنت واجداًلشيء من هذه الأصناف الخمسة فإنه لا يجزئ أن تخرج من غيرها، فلا يجزئ أن تخرج من الأرز وأنت تجد البر، أو تجد الشعير، أو التمر، ولا تخرج من العدس، أو من الذرة، وأنت تجد هذه الأصناف، قالوا: ما يجزئ الإخراج إلا من هذه الأصناف الخمسة، هذا هو المشهور من المذهب.الرأي الثاني: أن هذه الأصناف ليست متعينة، وإنما يخرج الإنسان من غالب قوت البلد، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإنما جاء النص على هذه الأصناف في حديث أبي سعيد : ( كنا نخرج صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو شعير، أو زبيب، أو أقط ) جاء النص عليها في حديث أبي سعيد ؛ لأن هذه هي غالب أقوات الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فالصواب في ذلك أن الإنسان يخرج من غالب قوت البلد، فمثلاً: إذا كان غالب قوت البلد هو الأرز، فإنه يخرج من الأرز، وإذا كان غالب قوتهم هو الأقط يخرج من الأقط، وإذا كان غالب قوتهم اللحم يخرج من اللحم، وإذا كان غالب القوت هو اللبن أو الحليب فإنه يخرج من ذلك ولا يكلف، هذا هو الصواب، وقد أيده ابن القيم رحمه الله في كتابه أعلام الموقعين، وانتصر لهذا القول، فهذا هو الصواب.

    زكاة الفطرة على الزوجة والأولاد
    قال المؤلف رحمه الله: [فإن لم يجده أخرج من قوته أي شيء كان صاعاً، ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مئونته ليلة العيد إذا ملك ما يؤدي عنه].يعني: يقول المؤلف رحمه الله: الإنسان يجب عليه أن يخرج عن نفسه، ويجب عليه أيضاً أن يخرج عمن يمونه، عمن ينفق عليه، فأنت مثلاً: تنفق على أبيك، مثلاً: أبوك معك في بيتك تنفق على أبيك، تنفق على أمك، تنفق على زوجتك، تنفق على أولادك، يجب عليك أن تخرج عنهم الفطرة، يجب عليك أن تخرج الفطرة عن أولادك، عن زوجتك، عن أبيك، عن أمك، حتى لو كان عندك إخوان تنفق عليهم فإنه يجب عليك أن تخرج عنهم زكاة الفطر، ويستدلون على هذا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أدوا الفطرة عمن تمونون ). والرأي الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يخرج عن زوجته، ولا عن أبيه، ولا عن أمه، ولا عن أولاده الكبار، لا يجب عليه ذلك، كل يخرج الفطرة عن نفسه؛ لكن ابن المنذر ذكر الاتفاق على أن الأولاد الصغار يخرج عنهم أبوهم، وما عدا ذلك الزوجة عند الحنفية تخرج عن نفسها، حتى ولو كنت يجب عليك الإنفاق عليها، والأب يخرج عن نفسه، والأم تخرج عن نفسها، يعني: يجب على كل أحد بنفسه، والأخ يخرج عن نفسه، والأخت تخرج عن نفسها، والأولاد الكبار يخرجون عن أنفسهم. وهذا القول هو الأقرب، حديث ابن عمر ظاهر: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين )، فكل مخاطب؛ لكن لو أن صاحب البيت تبرع بإخراجها عنهم جميعاً فإن هذا مجزئ؛ لكن الأصل في ذلك أن كل أحدٍ يخرج عن نفسه.قال المؤلف رحمه الله: [ إذا ملك ما يؤدي عنه ].يعني: إذا ملك ما يؤدي عنه، لو أنه يملك مئونته، ومئونة من يمونه يوم العيد وليلته، وفضل عن ذلك صاع، فإنه يبدأ بنفسه، أولاً لا بد أن يوفر النفقة لكي يكون غنياً في باب الإخراج في زكاة الفطر، لا بد أن يملك قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته بعد الحوائج الأصلية، فإذا ملك زيادة على ذلك يبدأ بنفسه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ابدأ بنفسك ) يخرج عن نفسه صاعاً، ملك صاعين، يخرج عن زوجته، ملك ثلاثة، يخرج عن رقيقه، ملك أربعة يخرج عن أمه، ملك خمسة يخرج عن أبيه، ملك ستة يخرج عن ولده، ملك سبعة يخرج عن الأقرب فالأقرب، هذا على ما مشى عليه المؤلف رحمه الله؛ لكن إذا قلنا: أن الإنسان لا يجب عليه أن يخرج إلا عن نفسه، إلا كما ذكر ابن المنذر الأولاد الصغار، فما يتعلق بفطرة الزوجة والأب... إلى آخره كل يخرج عن نفسه؛ لكن لو أنه تبرع وأخرجها عنهم، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    زكاة الفطرة على من تلزم جماعة النفقة عليه
    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن كانت مئونته تلزم جماعة كالعبد المشترك، أو المعسر القريب لجماعة، ففطرته عليهم على حسب مئونته ].الرقيق يجب على سيده أن يخرج عنه زكاة الفطر، لما في حديث أبي هريرة في مسلم : ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر )؛ لكن إذا كان يملك هذا الرقيق اثنان، أو يملكه ثلاثة، فإن فطرته عليهم على حسب ملكهم، فإذا كان هذا الرقيق يملكه زيد وعمرو مناصفة، نقول: عمرو عليه نصف صاع، وزيد عليه نصف صاع، لكن لو كان زيد يملك ثلثاً، وعمرو يملك ثلثين، فنقول: زيد عليه ثلث الفطرة ثلث صاع، وعمرو عليه الثلثان، ثلثا الفطرة. (أو المعسر القريب لجماعة) يعني مثلاً: هذا أخ، وعنده أخوان ينفقان عليه، فإن فطرته على أخويه، وهذا مبني على المذهب؛ لكن إذا قلنا: كل يجب عليه أن يخرج الفطرة عن نفسه لا تجب عليهما.قال المؤلف رحمه الله: [ وإن كان بعضه حراً ففطرته عليه وعلى سيده ].يعني: هذا رقيق بعضه حر، ولنفرض أن نصفه حر، ونصفه رقيق، فنقول: فطرته في نصفه الرقيق على السيد، والنصف الحر على الرقيق نفسه المبعض، فيجب على السيد أن يخرج عنه نصف صاع، ويجب عليه هو أن يخرج عن نفسه نصف صاع.

    وقت إخراج زكاة الفطر
    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد].شرع المؤلف رحمه الله في بيان وقت زكاة الفطر، وزكاة الفطر يذكر العلماء رحمهم الله لها خمسة أوقات:الأول: وقت وجوب الفطرة، متى تجب الفطرة؟ هذا فيه رأيان مشهوران:الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم، قالوا: بأن زكاة الفطر تجب بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان؛ لحديث ابن عمر : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان ) فقال: ( من رمضان )، والذي يتحقق به الفطر من رمضان هو غروب الشمس من آخر يومٍ من أيام رمضان، إذ إنه إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان، فقد حصل الفطر من رمضان، خرج رمضان، ودخل شوال.الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، قال: بأن وقت الوجوب يكون بطلوع الفجر الثاني من أول يوم من أيام شوال، وهو يوم العيد، ويستدل أيضاً بنفس الحديث: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان )، قالوا: ما يتحقق الفطر إلا بطلوع الفجر الثاني من أول يوم من أيام شوال، وهو يوم العيد.يترتب على هذا الخلاف مسائل: من هذه المسائل إذا أسلم قبل غروب الشمس، فتجب عليه زكاة الفطر عند الجمهور وعند أبي حنيفة ؛ لأن وقت الوجوب جاء وهو من أهل الوجوب، وإذا أسلم بعد غروب الشمس لا تجب عليه عند الجمهور؛ لكن تجب عليه عند أبي حنيفة ؛ لأن عند الجمهور هو كافر وقت الوجوب فلا تجب عليه؛ لكن عند أبي حنيفة هو مسلم من أهل الوجوب.المسألة الثالثة: إذا ملك رقيقاً قبل غروب الشمس، زكاة الفطر على المشتري، أو على من ملك هذا الرقيق، عند القولين؛ لكن إذا ملك الرقيق بعد غروب الشمس، يعني: اشترى الرقيق بعد غروب الشمس، نقول: زكاة الفطر على رأي الجمهور تكون على البائع، لكن عند أبي حنيفة تكون على المشتري. ومثل ذلك أيضاً: إذا تزوج زوجة، إذا قلنا: بأن الإنسان يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته، فإذا تزوج المرأة قبل غروب الشمس يجب عليه أن يخرج عنها زكاة الفطر على الرأيين؛ لكن لو تزوجها بعد غروب الشمس، فعند أبي حنيفة يجب عليه أن يخرج عنها؛ لكن عند الجمهور لا يجب عليه أن يخرج عنها. ومثل ذلك أيضاً: إذا ولد له ولد... إلى آخره، وعلى هذا فقس، هذا هو الوقت الأول.قال المؤلف رحمه الله: [ ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة ].هذا الوقت الثاني: وقت الاستحباب، الوقت الأول: وقت الوجوب، والوقت الثاني: وقت الاستحباب، وقت الاستحباب أن تخرج صبح يوم العيد قبل الصلاة، ودليل ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين قال: ( وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد )، فنقول: وقت الاستحباب صبح يوم العيد قبل الصلاة، هذا وقت الاستحباب، ولهذا تقدم لنا في صلاة العيد أنه يستحب تأخير صلاة عيد الفطر شيئاً لكي يتسع الإخراج لزكاة الفطر.قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد ].هذا الوقت الثالث: يقول المؤلف رحمه الله: لا يجوز أن تؤخر عن يوم العيد، يعني: يحرم تأخيرها عن يوم العيد، يعني: ما بعد غروب الشمس هذا محرم. قبل غروب الشمس يوم العيد هذا الوقت الرابع قالوا: هذا وقت كراهة، المذهب إخراجها صبح يوم العيد قبل الصلاة هذا سنة، وبعد الصلاة في يوم العيد هذا وقت كراهة، وبعد غروب الشمس هذا وقت تحريم. فأصبح عندنا وقت الكراهة هو الوقت الرابع من بعد الصلاة إلى غروب الشمس، وقت التحريم الوقت الثالث الذي أشار إليه المؤلف من بعد غروب الشمس إلى ما لا نهاية له، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. والرأي الثاني: أنه لا يوجد وقت كراهة وإنما وقت تحريم، يحرم تأخيرها عن صلاة العيد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنها إذا أخرت عن صلاة العيد فإنه لا يقدر عليها، وإنما تكون صدقة من الصدقات؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ). نقول: إذا أديت قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، وأما إذا أديت بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، لا تجزئ. وهذا هو الصواب، فأصبح عندنا أنه يحرم تأخير إخراجها بعد صلاة العيد، وهذا محرم ولا يجوز، ولا يقدر عليها، يعني: لا تقضى، اللهم إلا إذا كان التأخير لعذر، كما لو نسي الإنسان أن يخرجها، أو وكل أحداً يقوم بإخراجها ولم يخرجها، أو لم يتمكن من الإخراج؛ لكونه بعيداً عن البلدان، ونحو ذلك في صحراء، ففي هذه الحالة نقول: لا بأس أن يخرجها.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [7]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (39)


    يجب إخراج الزكاة فوراً إلا لحاجة كما هو مذهب شيخ الإسلام، فإن تلفت بعد الوجوب ضمن، ويجوز نقل الزكاة في حالات على الراجح، أما مصارف الزكاة فأصناف بينهم القرآن.

    تابع زكاة الفطر
    تقدم لنا شيء من أحكام زكاة الفطر، وذكرنا من ذلك تعريفها وحكمها، وكذلك أيضاً من تجب عليه، وأيضاً الجنس الذي يجب إخراجه، وما هو مقدار الواجب؟ وما هو وقت الوجوب؟وتوقفنا على ما يتعلق بوقت زكاة الفطر، وذكرنا أن زكاة الفطر لها خمسة أوقات:الوقت الأول: وقت الوجوب، وذكرنا أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فجماهير العلماء: أن وقت وجوب زكاة الفطر يكون بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان، وعند أبي حنيفة أن وقت الوجوب يكون بطلوع الفجر من يوم الفطر، وذكرنا ما يترتب على ذلك. وكذلك أيضاً ذكرنا الوقت الثاني: وهو وقت الاستحباب، وأن السنة أن تخرج زكاة الفطر صبح يوم العيد قبل الصلاة، وذكرنا أيضاً قول المؤلف: (ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد) وأن الفقهاء رحمهم الله قالوا: يكره، فالوقت الثالث: وقت الكراهية في يوم العيد، ويحرم بعد غروب الشمس من يوم العيد، ويجوز قبل العيد بيوم أو يومين،هذه خمسة أوقات. وقلنا: الصواب أنه لا يجوز تأخيرها بعد الصلاة، كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ). ‏

    تعجيل إخراج زكاة الفطر
    وأما بالنسبة لوقت الجواز، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز تقديمها عليه].أي: على يوم العيد بيوم أو يومين، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وأيضاً: قال به الإمام مالك أنه يجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين. والرأي الثاني: قال به الشافعية، وأيضاً الحنفية أنه يجوز تقديمها من أول الشهر، والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة، وقال به: الإمام مالك أنها تقدم قبل العيد بيوم أو يومين؛ لأن هذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال نافع رحمه الله: كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بني، وكان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا في البخاري، فقوله: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، هذا حكاية عن فعلهم رضي الله عنهم.

    إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة والعكس
    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجوز أن يعطي واحداً ما يلزم الجماعة، والجماعة ما يلزم الواحد ].لا بأس أن تعطي شخصاً واحداً ما يلزم جماعة، فإذا كان هناك جماعة ثلاثة، عليهم ثلاثة أصواع، فلا بأس أن تعطي هذه الأصواع لواحد، لو كان هناك أهل بيت عشرة، يلزمهم عشرة أصواع، لا بأس أن تعطي هذه الأصواع لواحد، والعكس بالعكس، لا بأس أن تعطي الصاع الواحد واثنين، فمثلاً: إنسانٌ تجب عليه زكاة الفطر، وزكاة الفطر مقدارها صاع، فلا بأس أن يعطيها اثنين، أو أن يعطيها ثلاثة، أو أن يعطيها أربعة، يعطي كل واحدٍ مداً، نقول: بأن هذا لا بأس به إن شاء الله، والدليل على هذا أن الشارع قدر الفطرة، ولم يقدر المعطى، قدر الواجب، ولم يقدر من يعطى هذا الواجب، الواجب صاع سواء أعطيته واحداً، أو أعطيته أكثر من واحد، هذا جائز. كذلك أيضاً: لو أن جماعة أعطوا فطرهم لشخص واحد، فإن هذا أيضاً لا بأس به، لكن قال العلماء رحمهم الله: إذا أعطى الفقير دون الصاع فليخبره بذلك؛ لأنه قد يخرج هذه الفطرة عن نفسه على أنها صاع، وليست صاعاً، فمثلاً: لو أعطى فقيراً ثلثي صاع، أو أعطاه ثلاثة أرباع الصاع، لم يعطه صاعاً كاملاً، فإنه يخبره بذلك؛ لأنه كما سلف قد يخرجها هذا الفقير عن نفسه على أنها صاع وليست صاعا.
    إخراج الزكاة


    تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها
    قال المؤلف رحمه الله: [باب: إخراج الزكاة: لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها إذا أمكن ].وقت الوجوب كما تقدم إذا حال الحول، فإذا حال الحول يجب على الإنسان أن يخرج الزكاة، والدليل على هذا قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] هذا أمر، والأصل في أوامر الشارع أنها على الفور، هذا الأصل، يدل لهذا حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما أمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يحلوا من إحرامهم، وأن يحلقوا، تباطئوا فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً في حديث عائشة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي من الصحابة أن يحل، وأن يقلب حجه إلى عمرة، فتباطأ الصحابة في ذلك، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الأصل في أوامر الشارع أنها على الفور.قال: (لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها)، وذكرنا الدليل على ذلك، وأيضاً لأن حاجة الفقير حاضرة، فلا يجوز تأخير الإخراج، إلا أنه يستثنى من ذلك مسائل يجوز فيها تأخير الإخراج:الأولى: الضرر، إذا خشي الإنسان على نفسه ضرراً فلا بأس أن يؤخر إخراجها، كما لو خشي أن يهجم عليه سراق لصوص، أو غير ذلك، فأخر إخراجها فإن هذا لا بأس به، لو أخرجها علم اللصوص أن لديه مالاً فهجموا عليه، فنقول: في هذه الحالة لا بأس أن يؤخر الإخراج.الثانية: إذا لم يتمكن من الإخراج؛ لكون المال ليس عنده، كما لو كان المال ديناً، أو كان غائباً ونحو ذلك، فهذا لا يجب عليه الإخراج حتى يتمكن منه، حتى يعود المال الغائب، ويعود الدين.الثالثة: إذا كان في التأخير مصلحة، فإذا كان في تأخير إخراج الزكاة مصلحة للفقير، فإن هذا لا بأس به، كما لو أخر إخراجها لزمن حاجة، أو لأشد حاجة، أو لقريب، أو لطالب علم ونحو ذلك، فإن هذا لا بأس به؛ لكن قال العلماء رحمهم الله: إذا أخرها لقريب، أو لشديد الحاجة، أو لجار ونحو ذلك، فإنه يفرزها عن ماله، يخرجها عن ماله، ويبين أنها صدقة.

    ضمان الزكاة إذا تلفت
    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن فعل، فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة ].يعني: إذا أخر إخراجها بلا عذر، كأن احترق مثلاً وجبت عليه الزكاة في رمضان مثلاً، وأخر إخراجها حتى تلفت، ثم احترق الدكان، أو سرقت الأموال، ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لم تسقط عنه الزكاة)؛ لأنه فرط بترك الواجب عليه، الواجب أن يبادر بالإخراج، فما دام أنه فرط في ترك المبادرة، فإنه يضمن، اللهم إلا إذا كان التأخير في إحدى المسائل التي بين أنها تستثنى، إذا كان هناك مصلحة، إذا كان هناك ضرر، إذا كان المال غائباً، فأخر الإخراج، فهنا نقول: لا شيء عليه إذا تلف المال، أما إذا أخرها لغير هذه المسائل، ثم تلف المال، فإن الزكاة لا تسقط عنه؛ لأنه فرط في ترك الواجب عليه.قال المؤلف رحمه الله: [ وإن تلفت قبله سقطت ].يعني: إذا تلفت الزكاة قبل أن يؤخرها، يعني: قبل التأخير، فيقول المؤلف رحمه الله: (سقطت)؛ لأنه لم يفرط بالتأخير.

    تعجيل الزكاة بعد اكتمال النصاب
    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب ولا يجوز قبل ذلك].يقول المؤلف رحمه الله: إذا اكتمل النصاب لا بأس أن تعجلها لعامين أو عام، فمثلاً: إنسان تجب عليه الزكاة في رمضان، الحول يحول عليه في شهر رمضان، فعجل الإخراج، هو الآن في شهر ربيع الأول، والزكاة لا تجب إلا في رمضان، فقال: أريد أن أعجل الزكاة؛ لأن هناك رجلاًمحتاجاً، أو إنساناً يريد أن يتزوج، أو مريضاً ونحو ذلك، فعجل زكاة ماله فنقول: لا بأس أن تعجل زكاة المال لعام أو عامين.مثلاً: رمضان في عام 1424هـ لا بأس أن تعجل زكاته في ربيع في السنة، زكاة 1425هـ لا بأس أن تعجلها لعامين، فقال: أنا أخرج زكاة 1424هـ في ربيع، وأيضاً أنا أخرج زكاة 1425هـ في ربيع، كل هذه الزكوات أجمعها وأعطيها هذا الفقير الذي يريد الزواج مثلاً فنقول: لا بأس، تعجل زكاة عام 1425هـ وتعجل زكاة عام 1424هـ، وتدفعها في هذا الشهر، فتعجل زكاة 1425هـ لعامين، وعام 1424هـ مرة واحدة، هذا جائز، ولا بأس به. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: ( ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك ).والدليل على ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين ) أخرجه أبو عبيد في الأموال، وحسنه بعض أهل العلم، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة، فقيل: منع خالد بن الوليد وابن جميل والعباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما العباس فهي عليّ ومثلها معها )، فقالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أما العباس فهي عليّ ومثلها معها )؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل منه صدقة عامين.عند الحنفية: يجوز تعجيل الزكاة لما شاء الإنسان من السنين، لا يقيدونه بعامين، فعام 1430هـ يجوز أن تعجل زكاته، مثلاً: لو كان الإنسان تجب عليه الزكاة في رمضان، عام 1430هـ يجوز تعجل زكاته عن ثلاثين، وتسعة وعشرين، وثمان، وسبع، وست، وخمس، وأربع، كل هذه سبع سنوات تعجلها في هذه السنة، هذا رأي الحنفية رحمهم الله، والمالكية: كرهوا التعجيل، والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى.قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز قبل ذلك ].يعني: لا يجوز أن تعجل الزكاة قبل اكتمال النصاب، تقدم أن نصاب الفضة يساوي بالغرامات خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، إنسان لم يكتمل عنده هذا المبلغ، لم يملك هذا النصاب، فإنه لا يعجل، لو كان عنده خمسمائة غرام وأراد التعجيل نقول: لا تعجل، لا يجوز التعجيل حتى يكمل النصاب.

    تعجيل الزكاة إلى غير مستحقيها
    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه، وإن صار عند الوجوب من أهلها ]. اعتباراً بحال الإخراج، هذا رجل عجل الزكاة إلى غني، وهذا الغني عجل الزكاة في ربيع، هذا الغني افتقر، أصبح عند وجوب الزكاة فقيراً، يقول المؤلف رحمه الله: لا يجزئه هذا التعجيل حتى وإن كان فقيراً عند وقت الوجوب، لماذا؟ لأن المعتبر هو حال الإخراج، وفي حال الإخراج هذا الرجل لا يستحق الزكاة.

    دفع الزكاة إلى مستحقها فمات أو استغنى
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن دفعها إلى مستحقها، فمات، أو استغنى، أو ارتد أجزأت عنه ].إذا دفعها إلى مستحقها، دفعها إلى فقير في ربيع عجلها، ثم مات هذا الفقير، نقول: تجزئ، ما نقول: يجب عليك أن تخرج مرة ثانية إذا حال الحول، دفعها إلى فقير في ربيع، ثم اغتنى هذا الفقير وأصبح غنياً ليس نقول: لا يجب عليك أن تخرج مرة ثانية، دفعها إلى مسلم فقير ثم ارتد، فأصبح وقت الوجوب في رمضان هو كافر، نقول: صحيح لا يجب عليه أن يخرج مرة أخرى؛ لأن المعتبر هو حال الإخراج، وحال الإخراج أدى ما عليه، والقاعدة (أن المأذون غير مضمون)، وهذا الرجل قد أذن له بالإخراج، فعل ما أمر به، فلو أن الآخذ لم يكن من أهلها تغيرت حاله بأن اغتنى أو ارتد، أو مات، أو غير ذلك، فإنه لا شيء عليه تجزئ.

    حكم من عجل زكاته ثم تلف ماله قبل وجوب الزكاة فيه
    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن تلف المال لم يرجع على الآخذ ].رجل عجل زكاته في شهر ربيع، والزكاة لا يحول عليها الحول إلا في رمضان، عنده ألف ريال، فأخرج زكاته، أعطى خمسة وعشرين ريالاً في ربيع، ثم إن هذا الألف تلف، وقت الوجوب لا يجب عليه، تلف هذا الألف في شعبان، جاء رمضان وما عنده شيء ما يجب عليه الزكاة، لو أنه ما عجل ما وجب عليه شيء؛ لأنه لا نصاب عنده، فهل يرجع على من أخذها؟ الآن أعطى الفقير خمسة وعشرين ريالاً، هل يرجع عليه أو لا يرجع عليه؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يرجع على من أخذها لفقر، أو مسكنة، أو غرم، أو نحو ذلك، كما سيأتي في أهل الزكاة.

    نقل الزكاة من بلد إلى آخر
    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة، إلا أن لا يجد من يأخذها ].نقل الزكاة على المذهب ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: أن ينقل الزكاة إلى دون مسافة قصر، مسافة القصر كما تقدم لنا تساوي ثمانية وأربعين ميلاً، وذكرنا كم تساوي بالكيلوات في باب صلاة أهل الأعذار، المهم إنسان نقل الزكاة إلى دون مسافة قصر، مسافة القصر تساوي بالأميال ثمانية وأربعين ميلاً، نقلها إلى عشرين ميل، إلى ثلاثين ميل، إلى أربعين ميل، هذا لا شيء عليه، تجزئ ولا يأثم.القسم الثاني: أن ينقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة، يعني: أن ينقلها إلى مسافة قصر فأكثر، يعني: ثمانية وأربعين فأكثر، قالوا: تجزئ ويأثم، يقولون: بأنها الزكاة تجزئ ويأثم، وعند الشافعية: لا يرون الإجزاء؛ لكن المذهب يقولون كحكم وضعي: تجزئ؛ لكن كحكم تكليفي يقولون: يأثم، ويستدلون على هذا بحديث ابن عباس : ( لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب -إلى أن قال:- فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ). والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يجوز نقل الزكاة للمصلحة، سواء فيما دون مسافة قصر، أو أكثر من مسافة قصر، فإذا كان هناك مجاعة في بلد من بلاد المسلمين، أو شدة حاجة، أو جهاد، أو غير ذلك، فإنه يجوز نقل الزكاة.ويدل لهذا حديث قبيصة في صحيح مسلم ، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) فقال: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة، فدل ذلك أن الصدقات كانت تجبى للنبي عليه الصلاة والسلام وتنقل، وأيضاً معاذ قال لأهل اليمن: ائتوني بلبيس أو خميص، فإنه أنفع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الزكاة تنقل، وهذا القول هو الصواب، أنه يجوز نقلها إذا ترتب على ذلك مصلحة، فإن هذا جائز ولا بأس به.


    تفريق الغني زكاته بنفسه

    من المسائل المتعلقة بالزكاة: الأفضل للإنسان أن يفرق الزكاة بنفسه، الأفضل أن يفرقها بنفسه، أولاً: اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفرق بنفسه.وثانياً: أن التفريق عبادة، يؤجر عليها الإنسان.وثالثاً: لكي يطمئن الإنسان أن هذه الزكاة وقعت في موقعها وأخذها مستحقها. فالأولى بالإنسان أن يفرقها بنفسه، إلا إذا كان الإنسان لا يعرف المستحقين، ولا يميز، فإنه يعطيها من يثق به.

    حكم مانع الزكاة
    إذا منع إخراج الزكاة فله حالتان:الحالة الأولى: أن يمنع الإخراج جحداً لوجوبها، فهذا إذا منعها جحداً لوجوبها فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله، ولرسوله، ولإجماع المسلمين، الله عز وجل أوجبها في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم أوجبها في سنته، والمسلمون مجمعون على فرضيته.الحالة الثانية: أن يمنع الإخراج ليس جحداً لوجوبها، وإنما بخلاً وتهاوناً، فنقول: بأنه لا يكفر، عند جماهير أهل العلم، جمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أنه لا يكفر، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة كلما بردت ردت عليه حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار )، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. نقول: أولاً: لا يكفر. ثانياً: يعزره الإمام بما يراه، بما يردعه ويزجره.ثالثاً: تؤخذ منه.رابعاً: هل يؤخذ منه شطر ماله أو لا؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، فقال بعض العلماء: تؤخذ الزكاة، ويؤخذ أيضاً شطر المال الذي منع زكاته. مثلاً: لو أن إنساناً عنده مليون ريال، وأربعون شاة، المليون الريال أدى زكاتها، والأربعون الشاة منع الزكاة، فنأخذ منه شاة؛ لأن في الأربعين شاة، وهل نأخذ شطر المال الذي منع زكاته أو لا؟ قال بعض العلماء: يؤخذ منه الشاة، ونأخذ نصف المال، نصف الأربعين التي منع زكاتها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: ( فإنا آخذوها، وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ). وقال بعض العلماء: لا يؤخذ إلا الزكاة فقط، وهو المشهور من المذهب، ودليل ذلك قالوا: إن الأصل في مال المسلم الحرمة: ( كل المسلم على المسلم حرام ماله، ودمه، وعرضه )، وهذا الحديث في إسناده نظر. وعلى كل الكلام على ثبوت الحديث، فإن ثبت الحديث، فإنه يؤخذ شطر ماله، وإن لم يثبت فالأصل حرمة مال المسلم.

    مصارف الزكاة
    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: من يجوز دفع الزكاة إليه ].يعني: أهل الزكاة، هكذا عبر المؤلف رحمه الله، وبعض العلماء عبر بقوله: باب أهل الزكاة. قال المؤلف رحمه الله: [وهم ثمانية]. وهذا على سبيل الحصر؛ لأن الله عز وجل حصرهم في هؤلاء الثمانية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]. وقول المؤلف رحمه الله: (وهم ثمانية) يدل على أن الزكاة لا تصرف إلا في هؤلاء الثمانية فقط، وأنها لا تصرف في ما عدا هؤلاء الثمانية، كبناء المساجد، والمدارس، وتعبيد الطرق، وحفر الآبار، وغير ذلك، وهذا سيأتينا إن شاء الله عند قوله: [وفي سبيل الله]، ما المراد بسبيل الله، هل هو خاص بالجهاد أو أنه شامل؟ سيأتي بيانه إن شاء الله. ‏

    الفقراء
    قال المؤلف رحمه الله: [ الأول: الفقراء، وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره ].الأول: الفقراء، والفقر في اللغة: الخلو، وأما في الاصطلاح: فهو الذي لا يجد شيئاً، أو يجد دون نصف الكفاية له ولمن يمونه. مثال ذلك: إنسان كفايته في الشهر ألف ريال له ولعائلته، يحتاج في كل شهر ألف ريال، كفايته في السنة تساوي اثني عشر ألف ريال، مرتبه أربعمائة ريال، وأربعمائة ريال في السنة تكون أربعة آلاف وثمانمائة، هذا الآن ما يجد نصف الكفاية، ما دام أنه ما يجد نصف الكفاية يسمى فقيرا.إنسان كفايته هو وعائلته في كل شهر ألف ريال، في السنة يساوي اثني عشر ألف ريال، ما عنده عمل أبداً، هذا يسمى فقيراً، فالذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من النصف نسميه فقيراً. كيف نعطي الفقير؟ نقول: الفقير هذا نعطيه كفايته، وكفاية من يمونه الذي ينفق عليه مدة عام كامل من النفقات الشرعية والحوائج الأصلية، نعطيه ما يشتري الطعام، طعام الصباح، وطعام نصف النهار الغداء، والعشاء، يعطى ما يشتري الملابس له ولمن يمونه، نعطيه أيضاً أجرة البيت، نعطيه أجرة المركوب، نعطيه أيضاً ما يتعلق بالحوائج الأصلية، إذا كان يحتاج آلات، يحتاج ثلاجة، نعطيه ما يشتري ثلاجة، يحتاج غسالة، يحتاج آلة طبخ، مواعين، أواني، فرش، هذه كلها نعطيه، كل ما يتعلق بالحوائج الأصلية، والنفقات الشرعية، هذه كلها نعطيها هذا الفقير، لو كان الفقير طالب علم يحتاج إلى كتب يقرأ ويراجع فيها، نعطيه الكتب، فقير ما عنده شيء يتزوج به، يحتاج مهراً، نعطيه لكي يتزوج، هذا هو الفقير. فأصبح عندنا الفقير الذي لا يجد شيئاً، أو يجد أقل من النصف، فهذا نعطيه كفايته، وكفاية من يمونه من النفقات الشرعية، والحوائج الأصلية، لمدة عام؛ لأن الزكاة تدور في كل عام، فإذا جاء العام الآخر يأخذ أيضاً كفايته، أو كفاية من يمونه، وفي هذا يظهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، يعني: لو أن الزكاة تخرج إخراجاً صحيحاً، وتؤدى أداءً صحيحاً لا يبقى فقير في الإسلام.

    المساكين
    قال المؤلف رحمه الله: [ الثاني: المساكين، وهم الذين يجدون ذلك، ولا يجدون تمام الكفاية ].المسكين: هو الذي يجد النصف أو أكثر من كفايته؛ لكن لا يجد تمام الكفاية. مثال ذلك: رجل كفايته وكفاية من يمونه في السنة يساوي: اثني عشر ألف ريال، مرتبه خمسمائة ريال، المرتب في السنة ستة آلاف، يبقى عليه ستة آلاف، نعطيه ستة آلاف، هذا يسمى مسكيناً؛ لأنه لا يجد الكفاية الكاملة، يجد نصف الكفاية، فهذا مسكين نعطيه. لو كان مرتبه في السنة يساوي ثمانية آلاف، وكفايته تساوي اثني عشر ألف هذا يسمى مسكيناً، فيبقى عليه أربعة آلاف ريال، نعطيه من الزكاة أربعة آلاف ريال، والمسكين كالفقير يأخذ تمام الكفاية من النفقات الشرعية والحوائج الأصلية كما تقدم.

    العاملون عليها
    قال المؤلف رحمه الله: [ الثالث: العاملون عليها، وهم السعاة عليها، ومن يحتاج إليه فيها ].هذا الثالث: من أهل الزكاة، العاملون على الزكاة، وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة، وقال المؤلف رحمه الله: (ومن يحتاج إليه فيها) مثل: الكتاب الذين يقومون بكتابة الزكاة، والقسام: الذين يقومون بقسمها، ومن يكيلها، ومن يعدها، ومن يزنها، وكذلك أيضاً: كل من يحتاج إليه، فهؤلاء يعطون من الزكاة، وما هو قدر ما يأخذون؟ نقول: يأخذون قدر الأجرة، لا ننظر إلى كفايتهم، هم إذا كانوا فقراء يأخذون من باب الفقر؛ لكن في باب العمالة، يأخذون بقدر الأجرة؛ لأنهم يعطون لا لحاجتهم، وإنما للحاجة إليهم، ولهذا يصح أن يكون العامل عليها غنياً، حتى لو كان عنده ما عنده من أموال، يصح أن يكون غنياً، ويشترط في العامل عليها شروط:الشرط الأول: أن يكون مسلماً؛ لأنها ولاية، والله عز وجل قال: وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وقال: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]. والثاني: التكليف، أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأن غير المكلف يحتاج من ينظر له فلا ينظر على غيره. الثالث: أن لا يكون من أقارب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم بنو هاشم؛ لحديث الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة لما أرادا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلهما عاملين في الزكاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنها أوساخ الناس ).الرابع: أن يكون كافياً، يعني: عنده قوة وأمانة، أمانة وعنده أيضاً قوة على جبايتها وأخذها.

    المؤلفة قلوبهم
    قال المؤلف رحمه الله: [الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم]. سهم المؤلفة هل هو باق أو ليس باقياً؟ هذا فيه رأيان لأهل العلم رحمهم الله:الرأي الأول: مذهب الشافعي وأحمد رحمهم الله أن سهم المؤلفة باق، وأنه لا يزال الآن يخرج للمؤلفة، بدليل قول الله عز وجل: وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60]، وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة، فأعطى أبا سفيان وصفوان بن أمية ، وعيينة بن حصن وكذلك أيضاً الأقرع بن حابس وغيرهم، أعطى النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الصناديد. والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك أن سهم المؤلفة ليس باقياً؛ لأن أبا بكر وعمر لم يعطيا المؤلفة. وأجيب عن هذا بأن أبا بكر وعمر لم يعطيا المؤلفة لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأن الإسلام قد انتشر، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.قال المؤلف: (وهم السادة المطاعون في عشائرهم)، اشترط المؤلف رحمه الله في المؤلف قلبه أن يكون سيداً مطاعاً في عشيرته، وعلى هذا إذا لم يكن سيداً ما يصح أن تعطيه على سبيل التأليف، والصواب أن هذا ليس شرطاً مطلقاً، قد نشترط السيادة، وقد لا نشترطها هذا الصواب، ولهذا المؤلفة قلوبهم يشمل عدة صور: الصورة الأولى: يرجى بعطيتهم دفع شرهم عن المسلمين، هذا نشترط أن يكون سيداً؛ لأن غير السيد من أفراد الناس ما يكون له شر، لو أصابك منه شر قمعته؛ لكن السيد الذي وراءه أناس، هذا إذا خفت شره على المسلمين ما تستطيع أن تقمعه؛ لأنه ينتصر عليك بمن معه، فهذا لا بأس أن تعطيه من الزكاة لدفع شره، هنا نشترط أن يكون سيداً.قال المؤلف رحمه الله: [ أو قوة إيمانهم ]. هذه الصورة الثانية: يعني: رجل دخل في الإسلام، وهو حتى الآن ضعيف الإسلام، هل نعطيه من الزكاة حتى يتقوى إيمانه أو نقول: بأننا لا نعطيه؟ يقول المؤلف رحمه الله: يعطى من الزكاة حتى يتقوى إيمانه؛ لكن اشترط المؤلف أن يكون سيداً، وعلى هذا لو كان عندنا شخص الآن أسلم وإيمانه ضعيف، فلا نعطيه من الزكاة حتى يتقوى إيمانه، إلا أن يكون سيداً، والصواب أنه لا يشترط في هذه الصورة أن يكون سيداً مطاعاً في عشيرته.قال المؤلف رحمه الله: [أو دفعهم عن المسلمين]. هذه الصورة الثالثة: دفع عن المسلمين، إذا أعطيناه يحصل بعطيته دفع عن المسلمين، فنقول: نعطيه، وهنا نشترط أيضاً أن يكون سيداً؛ لأن أفراد الناس ما يدفع، الذي يدفع هو السيد الذي خلفه من خلفه.قال المؤلف رحمه الله: [أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنعوا من دفعها ]. هذه الصورة الرابعة: يعني: يعين على أخذ الزكاة ممن منعها، وهنا أيضاً نشترط أن يكون سيداً.الصورة الخامسة: إسلامه، يعني: هذا رجل كافر، وعرفنا من حاله أنه إذا أعطي من الزكاة أو من المال يسلم، القرائن تدل على أنه له رغبة في الإسلام، فهذا لا بأس أن نعطيه من الزكاة حتى يدخل في الإسلام، وهنا لا نشترط أن يكون سيداً.الصورة السادسة والأخيرة: إسلام نظيره، فإذا أعطينا هذا الرجل أسلم نظيره، أيضاً: هذا لا يشترط أن يكون سيداً. فأصبح عندنا من الصور ستاً، ثلاث يشترط فيها أن يكون سيداً، وهي التي تحتاج إلى قوة، ومنعة، وشوكة، وثلاث صور لا يحتاج أن يكون سيداً.

    الرقاب
    قال المؤلف رحمه الله: [الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق].الرقاب دليله قول الله عز وجل: وَفِي الرِّقَابِ [البقرة:177]، والرقاب يشتمل على صور:الصورة الأولى: المكاتب، والمكاتب هو الرقيق الذي اشترى نفسه من سيده على مال منجم، فهذا يعطى من الزكاة.الصورة الثانية: أن نشتري من الزكاة أرقاء ونعتقهم.الصورة الثالثة: فك الأسير المسلم، يعني: نفك المسلم من الزكاة.الصورة الرابعة: موضع خلاف، وهو أن يعتق رقيقه عن الزكاة، يعني: عنده رقيق ويعتقه عن الزكاة، فهل يجزي أو لا يجزي؟ المذهب أنه لا يجزئ. والرأي الثاني: اختيار القاضي من الحنابلة أنه يجزئ.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,299

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الزكاة [8]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (40)


    من مصارف الزكاة الغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والصواب أن المراد بمصرف: في سبيل الله الجهاد خاصة، ويجوز قصر الزكاة على واحد من الأصناف الثمانية خلافاً للشافعي، ولا تدفع لغني، ولا لقوي مكتسب، ولا للأصول والفروع.
    تابع مصارف الزكاة
    تقدم لنا من أهل الزكاة الفقير، وذكرنا أن الفقير هو الذي لا يجد كفايته مطلقاً، لا يجد شيئاً، أو يجد أقل من النصف، وأن المسكين: هو الذي يجد النصف فأكثر، وذكرنا أن الفقراء، والمساكين يعطون كفايتهم، وكفاية من يمونونهم من النفقات الشرعية، والحوائج الأصلية. وأيضاً تكلمنا عن العاملين عليها، وأنهم السعاة، ومن يحتاج إليه فيها، وذكرنا أنه يدخل فيهم الكتاب، والقسام، والعداد، والكيال، ومن يقوم بالوزن، وغير ذلك، وذكرنا شروط العامل على الزكاة. وتكلمنا عن المؤلفة قلوبهم، وأن المؤلفة قلوبهم لهم صور، وذكرنا هذه الصور، وهل يشترط في المؤلف قلبه أن يكون سيداً مطاعاً في عشيرته، أو أن هذا ليس شرطاً؟ تكلمنا عن هذه المسألة، وقلنا: الصواب في هذه المسألة أنه يختلف باختلاف المؤلَف. والرقاب لهم صور: الصورة الأولى: المكاتب، والمكاتب: هو الذي اشترى نفسه من سيده، فيعطى من الزكاة ما يسدد به دين كتابته.الصورة الثانية: افتكاك الأسير، فإذا كان هناك أسير لأحد من المسلمين عند الكفار، فإنه يدفع من الزكاة ما يفك به أسر هذا الأسير.الصورة الثالثة: أن يشترى بأموال الزكاة أرقاء، ثم يعتقوا.الصورة الرابعة: أن يعتق قنه أو مكاتبه بدلاً عن الزكاة، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من أجاز كـالقاضي من الحنابلة، ومن العلماء من منعه كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الغارمون
    قال المؤلف رحمه الله: [ السادس: الغارمون، وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح، أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين ].هذا السادس من أهل الزكاة: الغارم، والغرم في اللغة: اللزوم، ومنه قوله سبحانه وتعالى عن النار: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65] أي: كان ملازماً لأهلها، وأما في الاصطلاح: فالغارم ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: غارم لنفسه، والقسم الثاني: غارم لإصلاح ذات البين.قال المؤلف: (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح)، هذا القسم الأول، وهو الغارم لنفسه، والغارم لنفسه: هو من تدين لواحد من الأمور الآتية:الأمر الأول: تدين من أجل النفقات الشرعية، رجل استدان من أجل أن يشتري طعاماً له ولمن يمونه، فنقول: هذا يعطى من الزكاة.الأمر الثاني: تدين من أجل الحوائج الأصلية التي يحتاجها من الأواني، والفرش، والآلات، ونحو ذلك. ومما يدخل فيما تقدم: من تدين لاشتراء مركب يليق به، فهذا نعطيه من الزكاة. ويدخل في ذلك أيضاً من تدين لأجل الزواج لا يجد أحداً ينفق عليه، فنقول: هذا يعطى من الزكاة. ويدخل في ذلك أيضاً: من تدين لاشتراء مسكن يسكنه يليق به، فهذا نعطيه من الزكاة، وقيدنا بأن يكون المركب، والمسكن ونحو ذلك من النفقات والحوائج الأصلية التي تليق به؛ لأنه إذا كان فقيراً فإنه ينفق على نفسه نفقة الفقراء، وليس له أن ينفق على نفسه نفقة الأغنياء، فإذا اشترى سيارة لا يركبها إلا غني واستدان لا يعطى من الزكاة، أو مثلاً: اشترى بيتاً كبيراً يسكنه الأغنياء، فهذا لا نعطيه من الزكاة، وإنما نأمره أن يبيع هذا البيت ويشتري ما يليق به، ثم نعطيه من الزكاة إذا استدان، كذلك أيضاً: نأمره أن يبيع هذه السيارة، ويشتري ما يليق به، ثم نعطيه من الزكاة، هذان أمران: الأمر الأول: ما يتعلق بالنفقات الشرعية، والأمر الثاني: ما يتعلق بالحوائج الأصلية.الأمر الثالث: إذا أصابت ماله جائحة من الجوائح فلحقته الديون، فهذا نعطيه، مثال ذلك: رجل ذو زراعة فاقترض لأجل مزرعته، أو رجل ذو تجارة، فاستدان من أجل تجارته، أو ذو صناعة، فاستدان من أجل صناعته، ثم لحق زراعته، أو صناعته، أو تجارته الجوائح، المزرعة أصابتها العواصف من الأمطار والرياح فأتلفت الزرع والثمار، وكذلك أيضاً: المصانع احترقت، التجارات كسدت، ونحو ذلك، فلحقته الديون، فهذا نعطيه من الزكاة، ويشترط لهذا الغارم الذي استدان لنفسه أن يكون فقيراً، فإن كان غنياً يجد فهذا لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة، لو كان عنده مال، أو عنده عقارات يستطيع أن يبيعها، فنقول: هذا لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة، بل عليه أن يوفي من هذه الأموال الزائدة، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إذا كان بيته واسعاً فإنه يبيع هذا البيت الواسع، ويسدد ويشتري ما يليق به، وقالوا: إذا كان عنده نسختان من كتاب، فإنه يبيع إحدى النسختين ويسدد، فيشترط للغارم لنفسه أن يكون فقيراً، حتى لو غرم لنفسه في أمر محرم، اشترى أمراً محرماً، وغرم لنفسه، فإنه إذا تاب يعطى من الزكاة، وأيضاً قال العلماء رحمهم الله: سواء كان غرم للخالق أو للمخلوق. القسم الثاني: الغارم لإصلاح ذات البين، وذلك بأن تحدث بين طائفتين أو قبيلتين منازعات وخلافات، فيحصل سفك للدماء، وإتلاف للأموال، وجروح وكسور، فيأتي شخص ويصلح بين هاتين الطائفتين، ويتحمل في ذمته ما حصل بينهم من الديات، وأيضاً قيم الأموال، وأروش الجنايات، يتحمل هذه الأشياء، فهذا يحل له أن يأخذ من الزكاة، ولو كان غنياً، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَالْغَارِمِينَ [التوبة:60]، وهذا من الغارمين، وأيضاً حديث قبيصة بن مخارق رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم أنه ( تحمل حمالة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ). وإصلاح ذات البين هذا يدخل تحته صور:الصورة الأولى: أن يتحمل في ذمته الديات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، يتحملها في ذمته، ويذهب ويجمع من الزكاة لكي يسدد، فهذا نعطيه من الزكاة.الصورة الثانية: أن يستقرض ويسدد، ثم يذهب ويأخذ من الزكاة، يعني: يستقرض من زيد من الناس مثلاً كذا وكذا، ويسدد، ثم بعد ذلك يأخذ من الزكاة، فهذا نقول: نعطيه من الزكاة.الصورة الثالثة: أن يسدد من ماله، ثم يأخذ من الزكاة، هذه الصورة موضع خلاف، والأقرب فيها أنه إن نوى الرجوع على أهل الزكاة رجع، وإن لم ينو الرجوع فإنه لا يرجع. فأصبح عندنا الغرم لإصلاح ذات البين تحته هذه الصور الثلاث.

    في سبيل الله
    قال المؤلف رحمه الله: [ السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم ].هذا السابع من أهل الزكاة: في سبيل الله، في سبيل الله تحته مسألتان: المسألة الأولى: قال الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]، هل قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] خاص بالجهاد أم أنه يشمل كل سبل الخير؟ هذا موضع خلاف.وأهل العلم رحمهم الله اختلفوا في المراد بالجهاد: الرأي الأول هو خاص بالجهاد في سبيل الله، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله، واستدلوا على ذلك من الآية:أما الدليل الأول: فإن الله عز وجل قال في الآية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60] حصر الصدقات في هؤلاء الأصناف الثمانية، ولو قلنا: بأن قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] يشمل كل سبل الخير، من فتح الطرق، وتعبيدها، وحفر الآبار، وغير ذلك، لم يكن لهذا الحصر فائدة، كان قال الله عز وجل: إنما الصدقات في سبيل الله، ولم يكن لهذا الحصر فائدة، وأصبح هذا الحصر ملغى، وكلام الله عز وجل ينزه عن ذلك. الدليل الثاني: أن الله عز وجل قال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَا