شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 34 من 34
1اعجابات

الموضوع: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (21)


    قطع الله عز وجل على المشركين جميع ما يتشبثون به لأجل شركهم، فإذا كان من يعبدونهم ليسوا مالكين ولا شركاء ولا معاونين؛ فلم يبق إلا الشفاعة، فردها عز وجل إليه وحده؛ فلا أحد يشفع إلا بإذنه ورضاه سبحانه عن الشافع والمشفوع فيه، فقطع الباري تعالى جذور الشرك.وال

    باب الشفاعة
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الشفاعة، وقول الله تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51].وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44].وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].وقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].وقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22] الآيتان ].

    تعريف الشفاعة
    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الشفاعة).الشفاعة في اللغة: مصدر شفع بمعنى: ضم الشيء إلى مثله، وهي: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه إبطال شبهة من الشبه التي يتمسك بها المشركون، وذلك أنهم يحتجون بعبادتهم غير الله عز وجل أنها تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى، فأبطل الله عز وجل هذه الشفاعة، وأن ما يتمسك به هؤلاء المشركون من هذه الشبهة باطل.هذا مناسبة هذا الباب الذي ترجم له المؤلف بقوله: (باب الشفاعة) في كتاب التوحيد: أن فيه إبطال شبهة من شبه المشركون، وأنهم إنما عبدوهم كي يقربوهم إلى الله زلفى وأنهم يشفعون لهم، فأبطل الله عز وجل هذه الشبهة أو هذه الشفاعة، وأن هذه الشفاعة لا تنفع أصحابها.


    أقسام الشفاعة

    وعلى هذا نفهم أن الشفاعة شفاعتان: شفاعة شرعية، وهي الشفاعة المثبتة التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أقسام الشفاعة، المهم فيها: المثبتة، لكن المثبتة أقسام نذكرها على سبيل الإجمال:أولاً: الشفاعة الكبرى: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، في أهل الموقف.ثانياً: شفاعته عليه الصلاة والسلام في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.ثالثاً: شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب.رابعاً: شفاعته بدخول من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهذه الأقسام الأربعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.القسم الخامس: الشفاعة في أهل النار من الموحدين أن يخرجوا منها.القسم السادس: الشفاعة في أقوام استحقوا النار أن لا يدخلوها.القسم السابع: الشفاعة في رفع درجات أهل الجنة.هذه كلها شفاعات دلت عليها النصوص، وأهل السنة والجماعة يثبتونها، خلاف الخوارج والوعيدية، فإنهم ينكرون يقولون: أهل النار هم أهل النار لا يخرجون منها.. إلى آخره.على كل حال المعتزلة والخوارج يخالفون في بعض أقسام هذه الشفاعة.أما القسم الثاني: الشفاعة الشركية، وهي: ما يتمسك به المشركون ففي القديم، وفي الحديث الخرافيون، ففي القديم المشركون يتمسكون بعبادة الأصنام، وأن هذه الأصنام تقربهم إلى الله عز وجل زلفى، وأما الخرافيون فهم يتمسكون بالقبور في وقتنا الحاضر، وأن هذه القبور تنفعهم أو تدفع عنهم الضر.. إلى آخره.

    تفسير قوله تعالى: (وأنذر به الذين يخافون...) والشاهد منها
    قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51]). الإنذار: هو الإعلام بموضع المخافة والتحذير منها. وَأَنذِرْ بِهِ [الأنعام:51] الضمير يعود إلى القرآن. الَّذِينَ يَخَافُونَ [الأنعام:51] يعني: يخشون. أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51] أن يبعثوا ويجمعوا إلى ربهم. لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ [الأنعام:51] يعني: دون الله عز وجل، يعني سوى الله عز وجل. لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] ولي يعني: ناصر ينصرهم، وشفيع يشفع لهم: وسيط يتوسط لهم من عذاب الله عز وجل.ليس لهم ولي ناصر ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم ويتوسط لهم عند الله عز وجل، فدل ذلك على إبطال شفاعة هؤلاء المعبودين من دون الله عز وجل، وفي هذا إبطال هذه الشبهة التي يتمسك بها هؤلاء المشركون وهؤلاء الخرافيون.مناسب الآية للباب: فيها الرد على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين ويطلبون منهم الشفاعة، نقول: هذه الشفاعة التي تطلبونها من الله سبحانه وتعالى أبطلها بقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51]. هذه الشفاعة أبطلها الله عز وجل، ففي هذا رد عليهم.

    تفسير قوله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً)
    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ [الزمر:44]). قل: الضمير هنا يعود للنبي صلى الله عليه وسلم.قال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ [الزمر:44] يعني: الشفاعة هذه ملك لله عز وجل، وإذا كانت ملكاً لله عز وجل فهل لغيره فيها شيء أو ليس له فيها شيء؟ ليس له فيها شيء، فإذا كانت هذه الشفاعة ملك لله عز وجل وغيره ليس له فيها شيء دل هذا على إبطال ما يتمسك به المشركون في القديم والخرافيون في الوقت الحاضر من هذه الشبهة التي يزعمون أنهم إنما يعبدون هذه الآلهة لكي تقربهم إلى الله عز وجل.قال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]. جميعاً: حال مؤكدة.ومناسبة هذه الآية في الباب: أن في هذه الآية إثبات الشفاعة لله سبحانه وتعالى، وأنها ملك لله سبحانه وتعالى، وإبطال شفاعة من سوى الله عز وجل، وإذا كان كذلك ففي هذا إبطال للشبهة التي يتمسك بها المشركون والخرافيون.

    تفسير بعض آيات الشفاعة
    قال رحمه الله: (وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]). مَنْ ذَا الَّذِي [البقرة:255] يعني: لا أحد يشفع عنده، الضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى. عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] يعني: لا يتكلم أحد عند الله عز وجل بشفاعة ولا غيرها إلا إذا أذن الله عز وجل، وفي هذا إثبات الشفاعة لله سبحانه وتعالى وإبطالها عن غيره؛ لأن غيره لا يتكلم بالشفاعة إلا إذا أذن الله سبحانه وتعالى.قال: (وقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا [النجم:26]) كم: هذه خبرية تكثيرية، ومعناها: كثير من الملائكة. لا تُغْنِي [النجم:26] يعني: لا تجدي ولا تنفع. لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ [النجم:26] يعني: لا تجدي ولا تنفع شفاعتهم. شَيْئًا [النجم:26] وشيئاً: هذه نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.قال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ [النجم:26]) لمن يشاء من عباده وَيَرْضَى [النجم:26] يعني: يرضى عن قوله وعمله.وفي هذه الآية الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من الملائكة وغيرهم من المخلوقين.قال: (وقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22]). قُلِ [سبأ:22]. الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني: قل للمشركين. زَعَمْتُمْ [سبأ:22] يعني: زعمتم أنهم آلهة من دونه، يعني: من سوى الله عز وجل. لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ [سبأ:22].مثقال: بمعنى وزن. ذَرَّةٍ [سبأ:22] الذرة هي النملة الصغيرة. فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22] فإذا كان هؤلاء المشركون الذين يعبدون من دون الله عز وجل لا يملكون وزن هذه الذرة -يعني: النملة الصغيرة- في السماوات ولا في الأرض دل ذلك على بطلان عبادتهم من دون الله عز وجل؛ إذ إنهم لا يملكون شيئاً ولا يملكون الشفاعة، فدل ذلك على بطلان عبادتهم من دون الله عز وجل، وأن ما يتمسك به هؤلاء المشركون من هذه الشبهة -وهي أن عبادتهم تقربهم إلى الله عز وجل زلفى- أن الله سبحانه وتعالى أبطل هذه الشبهة؛ فهذه الشبهة لكونهم لا يملكون شيئاً في السماوات ولا في الأرض.

    حكم طلب الشفاعة من أهل القبور والأضرحة
    بقينا في مسألة وهي: طلب الشفاعة من أهل القبور والأضرحة، يعني: طلب الحي من الأموات أن يشفعوا له عند الله عز وجل، وتقدم لنا ما يتعلق بدعاء الأموات، وأن دعاء الأموات شرك، لكن إذا طلب من الميت أن يشفع له عند الله عز وجل، هنا لم يصرف له عبادة من العبادات، وإنما طلب له أن يشفع له عند الله عز وجل فهل هذا من الشرك الأكبر أو أنه من قبيل البدع؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:الرأي الأول: أنه شرك أكبر؛ لأن الأموات لا يسمعون دعاء من دعاهم ولا يستجيبون لهم، كما قال الله عز وجل: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22].والرأي الثاني ذهب إليه عبد الرحمن بن حسن ، وكذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قالوا بأن هذا ليس من قبيل الشرك الأكبر، وإنما هو من قبيل البدع والشرك الأصغر؛ لأن هذا الحي الذي ذهب إلى صاحب القبر وطلب منه الشفاعة عند الله عز وجل لم يصرف له عبادة، وإنما طلب منه الشفاعة عند الله عز وجل، وهذه الوسيلة وسيلة محدثة، والوسائل توقيفية -يعني: ما يتوسل به المسلم في دعائه هذا توقيفي- وإذا كان كذلك فإن هذا يكون من قبيل البدع، وهو وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، وتقدم لنا في ضابط الشرك الأصغر: أن الشرك الأصغر هو كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والعقائد وجاء في النص تسميته شركاً، وهذا يظهر والله أعلم أنه أقرب.والله أعلم، وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (22)


    انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام: غالٍ وجافٍ ومتوسط.فغلا الصوفية والخرافيون إذ أثبتوا الشفاعة للموتى وأهل القبور، وجفت الخوارج والمعتزلة إذ نفوا ما أثبتته الأدلة، وتوسط أهل السنة فأثبتوا ما أثبته الدليل، ونفوا ما نفاه الدليل.والشفاعة ليست حقاً على

    تابع الشفاعة
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفاعة: [ قال أبو العباس : نفى الله عن ما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعط، واشفع تشفع.وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقتها: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ]. انتهى كلامه.تقدم أن المؤلف رحمه الله تعالى تكلم عن الشفاعة، ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه رداً على أهل الشرك الذين يعبدون مع الله عز وجل غيره، محتجين بأن هذه المعبودات تشفع لهم عند الله عز وجل، فأبطل الله عز وجل هذه الشفاعة، وحينئذٍ يبطل ما يتعلق به أهل الأوثان في الحديث والقديم من صرف أنواع العبادات لغير الله عز وجل، وتقدم لنا أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية، وذكرنا أيضاً أنواع الشفاعات، وأيضاً قرأنا ما أورده المؤلف رحمه الله من أدلة.ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقصد من هذا الكلام أنه تفسير لما تقدم من الآيات التي ساقها المؤلف، يعني هذا الإيراد من المؤلف رحمه الله لكلام شيخ الإسلام هو عبارة عن تفسير لما ساقه المؤلف رحمه الله تعالى من آيات.قال: (وقال أبو العباس ) أبو العباس كنية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني ، المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة.(نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط) يعني: نصيب. (أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة) ليس لأحد ملك مع الله، وليس لأحد نصيب مع الله، وليس أحد عوناً لله عز وجل. (فلم يبق إلا الشفاعة، وأبطلها الله عز وجل، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]) فالشفاعة المثبتة يشترط لها شرطان:الشرط الأول: إذن الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].والشرط الثاني: رضاه سبحانه وتعالى عن المشفوع له، كما قال سبحانه وتعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].قال: (فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة) يعني: الشفاعة التي يظنها المشركون هي شفاعة آلهتهم لهم. (كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم) وتقدم الأدلة على ذلك. (أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع) يعني: السامع هو الله عز وجل. (واسأل تعط) والمعطي هو الله عز وجل. (واشفع تشفع).(وقال أبو هريرة : ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله) الذي يشرك بالله عز وجل هذا ليس له نصيب من الشفاعة، وآلهته أيضاً ليس لها نصيب من الشفاعة؛ لأن هذه شفاعة نفاها القرآن كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.(وحقيقته: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود).قوله: (حقيقته) يعني: حقيقة الأمر في بيان الشفاعة الصحيحة -لا كما يظنه المشركون- أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأذن له الله بالشفاعة الكبرى ليكرمه، فتحصل له الكرامة عند الله عز وجل في ذلك الموقف العظيم وينال المقام المحمود، يعني: المقام الذي يحمده عليه الخلائق، والنبي صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة له مقامات يحمده عليها أهل الخلائق، من هذه المقامات: الشفاعة العظمى.(فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواطن، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص) انتهى كلامه.بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، كما جاء في حديث أبي هريرة : ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).فالخلاصة في هذا: أن الشفاعة قسمان: شفاعة منفية، وهي شفاعة هذه المعبودات لعابديهم، هذه شفاعة منفية، وتقدم الأدلة على ذلك.والقسم الثاني: شفاعة مثبتة، والشفاعة المثبتة تقدم أن ذكرنا أن لها شرطين، وهي الشفاعة لأهل التوحيد والإخلاص، والشافع هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الشفاعة العظمى.وتقدم أيضاً أن الشفاعات تنقسم إلى قسمين: منها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما ليس خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذه هي الشفاعات المثبتة.وتقدم أن ذكرنا سبعة أنواع من الشفاعات المثبتة، لكنها لا تكون لأهل الشرك؛ ولهذا أهل النار أو من استحق النار الذين يشفع فيهم أن يخرجوا من النار أو لا يدخلوا النار هؤلاء هم موحدون.

    أقسام الناس في الشفاعة
    الناس في الشفاعة على وجه العموم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: من جفا في إثبات الشفاعة، وهم اليهود والنصارى والخوارج والمعتزلة، فهؤلاء -الخوارج- المعتزلة ينكرون الشفاعة، ويرون أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار، واليهود والنصارى لا يرون الشفاعة أيضاً، ويرون أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.القسم الثاني: من غلا في إثبات الشفاعة، وهم عامة القبوريين والخرافيين والصوفيين وأيضاً أهل الشرك؛ فهؤلاء غلوا في إثبات الشفاعة، فالمشركون في القديم أثبتوا الشفاعة لآلهتهم، وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، والقبوريون والصوفية.. إلى آخره أثبتوا الشفاعة للأولياء والأضرحة... إلى آخره.القسم الثالث: من توسط في إثبات الشفاعة، وهم أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما أثبته القرآن وأثبتته السنة، ونفوا ما نفاه القرآن ونفته السنة من شفاعة المعبودات دون الله عز وجل من الأصنام والأضرحة والقبور، وأثبتوا ما دل عليه الدليل، وتقدم أن ذكرنا أنواع الشفاعة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (23)

    الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام، والأولى: يملكها كل داعٍ لهذا الدين، والثانية: لا يملكها إلا الله عز وجل، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لا يهتدي على يديه إلا من أراد الله.فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أكرم الخلق عند الله
    تفسير قول الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ...)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: [ باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56].وفي الصحيح عن ابن المسيب ، عن أبيه قال: ( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل ، فقال له: يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]. وأنزل الله في أبي طالب : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ [القصص:56] )].قال رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن هذا الباب فيه رد على عباد القبور والأضرحة والذين يتعلقون بغير الله عز وجل؛ إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عند الله عز وجل وأعظمهم جاهاً لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، فإذا كان هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى، بل من باب أولى هؤلاء الأموات أنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً، فإذا كانوا لا يملكون ضراً ولا نفعاً أدى ذلك أو فهم من ذلك أن دعاءهم والاستغاثة بهم وصرف شيء من أنواع العبادة لهم جهل وضلال، فيجب صرف العبادة والاستغاثة والدعاء لمن يملك ذلك، وهو الله عز وجل.فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهر: فيه الرد على هؤلاء القبوريين؛ لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً، فغيره من باب أولى، بل من باب أولى هؤلاء الأضرحة، فكيف يعبدون من دون الله عز وجل؟!ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن الباب الذي قبله الشفاعة، فإذا كان لا يملك أحد الشفاعة إلا بإذن الله عز وجل -وتقدم لنا شروط الشفاعة- كذلك لا يمكن أن يهديه إلا بإذن الله، فإذا كان لا يملك الشفاعة ولا يملك الهداية فتصرف العبادة لمن يملك الهداية ويملك أن يأذن بالشفاعة، أما غيره فإنه لا يملك شيئاً ولا ينفع ولا يضر، فكيف يعبد من دون الله عز وجل؟!فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، الباب الذي قبله ذكر فيه الشفاعة، وهذا الباب ذكر فيه الهداية.

    تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت...)
    قال رحمه الله: (باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.وقوله: لا تَهْدِي [القصص:56]. أي: لا توفق، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يهدي هداية إرشاد، فالهداية هدايتان: هداية إرشاد، هذه يملكها النبي صلى الله عليه وسلم وغير النبي صلى الله عليه وسلم، أما هداية التوفيق فهذه لا يملكها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي تكون من الله سبحانه وتعالى.فقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي [القصص:56] المقصود هنا: هداية التوفيق، وهذه بيد الله سبحانه وتعالى، أما هداية الإرشاد فهذه يملكها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]. مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] يعني: من أحببت هدايته. قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] يوفق من يشاء في الدخول في الإسلام.قوله رحمه الله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ [القصص:56] يعني: أعلم سبحانه وتعالى بمن يستحق الهداية من غيره.مناسبة هذه الآية لما ترجم له المؤلف، في هذا الباب: أن فيها الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك الهداية، لا يملك التوفيق إلا بإذن الله عز وجل؛ لأن الذي بيده التوفيق هو الله سبحانه وتعالى، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يملكها، والذي بيده النفع والضر هو الله عز وجل، وإذا كان كذلك ففيه رد على من يتعلقون بغير الله عز وجل؛ لأنه إذا كان هذا في حال النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يملك أن يهدي أحداً، وأن هداية التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى، وأن الله هو الذي يوفق فغيره من باب أولى أنه لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، فالأمر كله بيد الله.وفي هذا أن هداية التوفيق إنما هي بيد الله سبحانه وتعالى، فإذا فهمنا ذلك فهمنا أن التعلق يجب أن يكون بالله سبحانه وتعالى.

    شرح حديث: (لما حضرت أبا طالب الوفاة ..)
    قال رحمه الله: (وفي الصحيح) يعني: صحيح البخاري .(عن ابن المسيب ). ابن المسيب ، سعيد بن المسيب رحمه الله أحد التابعين الكبار الثقات، وهو إمام جليل من الأئمة، وكان لعلمه أن أبناء المهاجرين والأنصار كانوا يجلونه ويحترمونه، وكانوا لا يتكلمون حتى يتكلم وهم أبناء المهاجرين والأنصار، وكان من أحفظ الناس لأقضية عمر رضي الله تعالى عنه، حتى إن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يراجعه في أقضية أبيه.(عن أبيه) أبوه المسيب ، صحابي جليل، توفي في خلافة عثمان .(قال: ( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أبو طالب : عم النبي صلى الله عليه وسلم.( جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل ، فقال له: يا عم! ) يا عم: منادى مضاف حذفت منه الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها.( يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ).قل: لا إله إلا الله؛ لأن أبا طالب يعرف معنى هذه الكلمة العظيمة، وأنها نبذ لعبادة الأصنام، وآباؤه كانوا يعبدون الأصنام؛ ولهذا ذكره من عنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل ذكراه بما عليه آباؤه، فتعصب هذه العصبية المشينة لما كان عليه آباؤه من التمسك بعبادة الأصنام، وإلا هو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق.( قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ) يعني: إذا قلت هذه الكلمة أذكرها لك حجة عند الله عز وجل، ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة.( أحاج لك بها عند الله. فقالا له: ) يعني: قال له عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل. ( أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ) يعني: أتترك ملة عبد المطلب، يعني: ديانة عبد المطلب، وعبد المطلب أبوه، وملة عبد المطلب هي الشرك بالله عز وجل وعبادة الأصنام.( فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب ) يعني: قال: أنا على ملة عبد المطلب .( وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ) اللام للقسم، والنون مؤكدة، يعني: والله، اللام مواطئة لقسم مقدر، يعني التقدير: والله لأستغفرن لك، يعني: أطلب من الله سبحانه وتعالى وأدعو الله عز وجل أن يغفر لك.( ما لم أنه عنك ) يعني: ما لم يأتني نهي من الله عز وجل عن ذلك. ( فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113] ) يعني: ما ينبغي. و(ما كان) إذا جاءت في القرآن بمعنى: أنه لا يمكن أن يحل هذا الشيء، يعني: أنه مستحيل.( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]، وأنزل الله في أبي طالب : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ [القصص:56] ).الشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله عز وجل، وأن النفع والضر إنما هو بيد الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي يستقل بذلك، وأن هداية التوفيق إنما هي بيد الله سبحانه وتعالى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يوفق أحداً إلا من أذن الله بتوفيقه، وإذا كان كذلك فغير النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى أنه لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، وينتج من هذا: أنه إنما تصرف العبادة لمن بيده النفع والضر، وأما من لا يملك النفع والضر فإنه لا يصرف له شيء من أنواع العبادة، ولا يتعلق به، ولا يسأل قضاء الحاجات وتفريج الكربات كما يفعله عباد القبور والأضرحة.

    سبب كفر بني آدم
    قال رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين].مناسبة هذا الباب في كتاب التوحيد: أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر سبباً من أسباب الوقوع في الشرك -يعني في هذا الباب- وسيذكر المؤلف رحمه الله أسباب الوقوع في الشرك. كذلك من أسباب الوقوع في الشرك: التصوير، وسيذكره المؤلف رحمه الله: (التصوير وتعظيم الصور)، هذا سبب من أسباب الوقوع في الشرك، وسيذكره المؤلف رحمه الله، وسيعقد المؤلف رحمه الله باباً في التصوير، وسيأتينا إن شاء الله متى يكون التصوير شركاً. هذا سيأتي إن شاء الله.كذلك من أسباب الوقوع في الشرك هو الغلو في القبور، بالبناء عليها ورفعها وتشييدها وتزويقها وتلوينها ونحو ذلك، الغلو في القبور هذا سبب من أسباب الشرك؛ ولهذا الإسلام جاء عدلاً فيما يتعلق بالقبور، لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبور وأن يجلس عليها، يعني: لا تجلس على القبر؛ هذا من الجفاء، ولا تبن على القبر؛ هذا من الغلو، وفي حديث أبي الهياج أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال له: ( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا تدعن صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ). فالصور والغلو في القبور هذا من أسباب الوقوع في الشرك.أيضاً من أسباب الوقوع في الشرك ما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى وهو: الغلو في الصالحين.وقوله: (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم) بنو آدم يشمل الرجال والنساء، (وتركهم دينهم) يعني: إعراضهم عن دينهم ووقوعهم في الشرك سبب ذلك هو الغلو في الصالحين، والغلو: هو مجاوزة الحد والإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد وتعدي ما أمر الله عز وجل به.والصالحون: جمع صالح، تقدم لنا أن الصالح هو من قام بحق الله وحق عباد الله، فهذا هو الصالح، فالغلو في الصالحين بالإفراط في تعظيمهم بالقول والاعتقاد وتعدي ما أمر الله عز وجل به، فهذا سبب من أسباب تشريكهم بالله عز وجل، وسيأتينا أن المؤلف رحمه الله أورد حديث ابن عمر : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ). فإطراء النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة في مديحه هذا ينقله من مرتبة العبودية.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (24)


    حرم الإسلام كل الأسباب الموصلة للشرك، ومن أعظم تلك الأسباب: الغلو في الصالحين، وأول شرك حصل في الأرض في قوم نوح كان سببه الغلو في الصالحين؛ ولهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ونهى أصحابه ومن بعدهم عن إطرائه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وحذرهم من ال

    أسباب الوقوع في الشرك
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، وقول الله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت.وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.وعن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ). أخرجاه.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ).ولـمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً ) ].قال المؤلف رحمه الله: (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين).تقدم الكلام على الترجمة، وذكرنا أن هذا الباب في بيان سبب من أسباب الوقوع في الشرك، وأن أسباب الوقوع في الشرك ثلاثة أسباب:السبب الأول: الغلو في الصالحين.والسبب الثاني: الغلو في القبور.والسبب الثالث: التصوير.وهذه كلها ستأتي ويتكلم عليها المؤلف رحمه الله تعالى.

    تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم...) ومناسبتها للترجمة
    قال: (وقوله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]) أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى. لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171] يعني: لا تتعدوا ما حد الله لكم وما شرع لكم من الدين، ولكن أهل الكتاب لم يمتثلوا، فالنصارى غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام، واليهود غلوا في عزير رحمه الله.مناسبة الآية للباب: أن الله سبحانه وتعالى نهى أهل الكتاب أن يغلوا في دينهم، ومن الغلو في الدين: غلو النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام، وغلو اليهود في عزير ، فهم غلوا في الصالحين منهم؛ فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك، حتى إنهم عبدوهم من دون الله عز وجل.وهذا النهي أو الخطاب وإن كان متوجهاً إلى أهل الكتاب فإنه راجع إلى هذه الأمة؛ لأن الشارع نهى هذه الأمة أن تسلك مسالك من قبلها من أهل الكتاب، فما دام أنها نهيت عن الغلو في الصالحين فكذلك أيضاً هذه الأمة تنهى عن الغلو في الصالحين؛ لئلا تسلك مسالك أهل الكتاب وتتشبه بهم، فنحن منهيون عن أن نفعل فعلهم أو أن نتشبه بهم.

    شرح كلام ابن عباس في سبب شرك قوم نوح
    قال رحمه الله تعالى: (في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت).قول الله عز وجل: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] يعني: لا تتركوا عبادتها. وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا [نوح:23] يعني: لا تتركوا عبادة هؤلاء على وجه الخصوص، وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] هذه أصنام عبدت من دون الله عز وجل، والأصل أن هذه الأصنام كانت رجالاً صالحين، فغلوا في هؤلاء الرجال الصالحين، ومن غلوهم أنهم جعلوا -كما قيل بإيحاء الشيطان ووسوسته- جعلوا تماثيل وسموها بأسمائهم: هذا ود، وهذا سواع، وهذا يعوق، وهذا نسر، وهذا يغوث، ثم بعد ذلك لما طال الزمن عليهم عبدوهم من دون الله عز وجل، فهم في أول الأمر جعلوا هذه الأنصاب وسموها بأسماء هؤلاء الصالحين؛ لكي يتذكروا عبادتهم ثم بعد ذلك طال عليهم الأمد، مضى الزمن، فجاء من بعدهم فعبدوهم من دون الله عز وجل، إذ أوحى إليهم الشيطان بعبادتها من دون الله عز وجل.قال: (فلما هلكوا) أي: مات أولئك الصالحون: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. (أوحى الشيطان إلى قومهم) يعني: وسوس الشيطان إلى قومهم. (أن انصبوا أنصاباً) يعني: أصناماً مصورة على صورهم. (وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت) يعني: هلك الذين جعلوا هذه الأنصاب وجاء من بعدهم، ونسي العلم يعني: ذهب علم وجوب التوحيد وتحريم الشرك وغلب الجهل... إلى آخره. (عبدت من دون الله عز وجل) فأوحى الشيطان إلى من بعدهم أن آباءهم كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل.فالخلاصة في ذلك: أن هذه الأسماء كانت لأناس صالحين، فلما مات أولئك الصالحون -وقيل بأنهم ماتوا في سنة واحدة- حزن عليهم قومهم، فأوحى الشيطان أن اجعلوا هذه التماثيل على صورهم وسموها بأسمائهم؛ لكي تتذكروا عبادتهم فتعبدوا الله عز وجل كعبادتهم، وهذا من تلبيس الشيطان، فالشيطان أخذهم بالتدريج، ثم بعد ذلك هلك أولئك القوم الذين جعلوا هذه التماثيل لتذكر العبادة، وجاء من بعدهم وأوحى إليهم الشيطان: أن من قبلهم كانوا يعبدون هذه التماثيل، فعبدوها من دون الله عز وجل.

    شرح كلام ابن القيم في سبب شرك قوم نوح
    قال رحمه الله: (وقال ابن القيم : قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد) يعني: الزمن (فعبدوهم).وهذا واضح لما ترجم له المؤلف رحمه الله، حيث إن هؤلاء غلوا في هؤلاء الصالحين، فعكفوا على قبورهم، والعكوف على القبور: هو إطالة الإقامة عليها، فهم أطالوا الإقامة على قبور هؤلاء الصالحين، وهذا من الغلو فيهم، وصوروا تماثيلهم على شكل صورهم، وسموها بأسمائهم، وهذا التصوير أيضاً من الغلو فيهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، يعني: بعد أن مضى أولئك الذين صوروا جاء من بعدهم فأوحى الشيطان إليهم: أن اعبدوهم، وأن من كان قبلهم كانوا يعبدونهم من آبائهم؛ فوقع الشرك.وهذا في ما ترجم له المؤلف رحمه الله، وأن الغلو في الصالحين سبب من أسباب حصول الشرك؛ لأن هؤلاء غلوا في هؤلاء الصالحين.وجه الغلو: أنهم عكفوا على قبورهم.والوجه الثاني: أنهم صوروا هذه الصور والتماثيل على أشكالهم، وهذا كله من الغلو.

    شرح حديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)
    قال رحمه الله تعالى: (وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ).الإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.( كما أطرت النصارى ابن مريم ) يعني: كما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حتى ادعوا فيه الألوهية.( إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ) هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم.قوله: ( عبد ) في هذا رد على الخرافيين والصوفيين الذين يغلون في النبي صلى الله عليه وسلم ويرفعونه فوق منزلته.( ورسوله ) رد على من جفا في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر رسالته أو أنكر عموم رسالته عليه الصلاة والسلام.وهنا فيه دليل لما ترجم له المؤلف، فمناسبة هذا الحديث لما ترجم له المؤلف ظاهرة؛ فإن الغلو في الصالحين يؤدي إلى الوقوع في الشرك، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تطروني... إنما أنا عبد ). فدل على أن إطراءه ينقله عن مرتبة العبودية، فإطراء النبي صلى الله عليه وسلم ومجاوزة الحد في المدح وكذلك أيضاً الكذب فيه هذا ينقله عن مرتبة العبودية، وهذا مشاهد الآن، فالصوفية الآن يغلون في متبوعيهم ويطرونهم؛ أدى ذلك إلى أن شركوهم بالله عز وجل؛ ولذلك عندهم من الخرافات في متبوعيهم الشيء الكثير، وانظر إلى ما يقع في عيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الشركيات، إذ إن هذه المبالغة في المديح تؤدي إلى الوقوع في الشرك، واقرأ البردة للبوصيري وفيه قوله:يا أكرم الخلق مالي من ألوذ بهسواك عند حلول الحادث العممإن لم تكن في معادي آخذاً بيديفضلاً وإلا فقل يا زلة القدمفإن من جودك الدنيا وضرتهاومن علومك علم اللوح والقلمقال العلماء: ما ترك شيئاً لله عز وجل؛ لأنه قال:فإن من جودك الدنيا وضرتهاومن علومك علم اللوح والقلم

    شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو...)
    قال رحمه الله تعالى: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ) ) هذا الحديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.وقوله: ( إياكم ) يعني: أحذركم.( والغلو ) الغلو: مجاوزة الحد.( فإنما أهلك من كان قبلكم ) يعني: أهلك من كان قبلكم من الأمم الغلو، وهو مجاوزة الحد. والهلاك يشمل الهلاك الحسي، وكذلك الهلاك المعنوي، أما الهلاك المعنوي: فهو إما الوقوع في الشرك، وإما الوقوع في البدعة، يعني: إذا غلا في دينه إما أن يقع في الشرك، وإما أن يقع في البدعة، والهلاك الحسي أنه سبب، فهذا ذنب عظيم؛ لأنه سيوقعه في الشرك؛ فيؤدي به ذلك إلى عقوبة الله عز وجل، وهو الهلاك الحسي، وانظر إلى الخوارج كيف حصل منهم الغلو أدى بهم ذلك إلى سفك دماء المسلمين وتكفير صاحب الكبيرة وغير ذلك كما سيأتي.الشاهد من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلو ) فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من الغلو، ومن الغلو الذي يدخل في هذا النهي: الغلو في الصالحين وأنه سبب من أسباب الشرك.والله أعلم، وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (25)


    سد الإسلام جميع منافذ الشرك وحرم الأسباب المؤدية إليه، ومن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الغلو والتنطع، وأخبر بهلاك أصحابه، وحذر من عبادة الله عند قبور الأنبياء والصالحين، بل اشتد نكيره في ذلك، حتى لعن من فعل ذلك قبل وفاته.

    شرح حديث: (هلك المتنطعون)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولـمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( هلك المتنطعون. قالها ثلاثاً ).باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: ( أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله ). فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.ولهما عنها قالت: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذرا ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ). أخرجاه ].قال رحمه الله تعالى: (ولـمسلم عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً ).قوله: ( هلك ) يشمل الهلاك المعنوي والهلاك الحسي، وتقدم بيان معنى هذين الهلاكين.وقوله: ( المتنطعون ) يعني: المتعمقون في الشيء من كلام أو عبادة أو غير ذلك، يعني: التعمق في الشيء سواء كان كلاماً أو عبادة... إلى آخره؛ هذا سبب للهلاك.قال: ( قالها ثلاثاً ) ثلاث مرات، مبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التبليغ والإعلام.في هذا الحديث أن الغلو في الصالحين سبب للهلاك؛ إذ إنه من التنطع، كون الإنسان يغلو في صالح من الصالحين هذا تنطع، وإذا كان كذلك فإنه سبب للهلاك، وحينئذٍ يجب على المسلم أن يتركه؛ لكونه سبباً من أسباب الهلاك.وفيه: أن الغلو في الصالحين من التنطع، والتنطع سبب للهلاك.

    التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبد
    قال: (باب ما جاء من التغليظ) يعني: التشديد. (فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه ذكر سبب من أسباب الوقوع في الشرك وهو: عبادة الله عز وجل عند قبر رجل صالح؛ لأن كونه يعبد الله عز وجل عند قبر رجل صالح قد يفضي به ذلك إلى الوقوع في الشرك وصرف شيء من أنواع العبادة لهذا الرجل الصالح.وقوله رحمه الله: (فيمن عبد الله)عبادة الله عند القبور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: الصلاة، فالصلاة عند القبور محرمة ولا تجوز، ويدل لذلك حديث أبي مرثد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصلوا إلى القبور ).وأيضاً ما ذكره المؤلف رحمه الله من حديث عائشة وأم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ). والصلاة باطلة لا تصح، فالصلاة عند القبر محرمة ولا تجوز وباطلة ولا تصح للنهي، وهي من أسباب الوقوع في الشرك.القسم الثاني: الاعتكاف -يعني: إطالة المكث والاعتكاف عند القبر ونحو ذلك- أيضاً حكمه حكم الصلاة، نقول بأن هذا محرم ولا يجوز، وهو من أسباب الوقوع في الشرك.القسم الثالث: الصدقة وقراءة القرآن والذكر ونحو ذلك؛ فهذا فيه تفصيل:إن تحرى فعل العبادة في هذا المكان -يعني: قصد فعل العبادة في هذا المكان- واعتقد فضل هذه العبادة فنقول بأن هذا حكمه أنه لا يجوز، وهو بدعة.والقسم الثاني: أن لا يتحرى فعل العبادة في هذا المكان، وإنما جاء تبعاً أو لكونه طارئاً طرأ عليه أن يقرأ القرآن أو أن يتصدق على شخص فقير وجده عند القبر أو ذكر الله أو سبح ونحو ذلك أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر... إلى آخره، فنقول بأن هذا ليس بدعة، هو كسائر المشروعات.قال: (عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده).ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هو كما تقدم في الباب السابق أن المؤلف ذكر سبباً من أسباب الشرك، وهنا أيضاً ذكر سبباً آخر من أسباب الشرك.

    شرح حديث: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح ...)
    في الصحيح عن عائشة : ( أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة ) الكنيسة: هي متعبد النصارى أو معبد النصارى، وكان هذا الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته عند موته.( رأتها بأرض الحبشة ) لما هاجرت. ( وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح ) (أو): هذه شك من الراوي، و(أولئك) بالكسر والفتح -أولئكَ وأولئكِ- بالكسر خطاب للمرأة.( الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجداً ) يعني: موضعاً للعبادة. ( وصوروا فيه تلك الصور ) يعني: التي ذكرتها أم سلمة رضي الله تعالى عنها.( أولئك شرار الخلق عند الله ) يعني: أن هؤلاء شرار الخلق عند الله عز وجل؛ لكونهم أشركوا بالله عز وجل، كونهم بنوا هذا المسجد للعبادة هذا وقوع في الشرك.(فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل) قوله: (فهؤلاء) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (جمعوا بين فتنتين) يعني: بين أمرين منهيين محذورين: (فتنة القبور) بأن اتخذوها مساجد، فبنوا عليها مواضع للعبادة.(وفتنة التماثيل) كونهم صوروا تلك الصور التي تؤدي إلى الشرك. تقدم لنا في قوم نوح أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق أسماء رجال صالحين، وأنهم عندما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا أنصاباً وأن يسموها بأسمائهم وأن يصوروها على أشكالهم لكي يتذكروا عبادتهم، فلما طال الزمن أوحى الشيطان إلى من بعدهم بأن من سلفهم كانوا يعبدونها فعبدوها، فهؤلاء جمعوا بين هذين المحذورين: فتنة القبور: الغلو فيها بحيث بنوا عليها هذه المساجد ووضع العبادة، وفتنة التماثيل: أنهم صوروا هذه التماثيل.مناسبة هذا الحديث لما ترجم به المؤلف رحمه الله على المنع من عبادة الله عند القبور بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بنوا على قبره مسجداً ) فيه المنع من عبادة الله عند القبور؛ لأن ذلك مما يؤدي إلى الشرك، مما يكون وسيلة إلى الشرك وهو من فعل النصارى.

    شرح حديث: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
    قال رحمه الله تعالى: (ولهما) أي: البخاري ومسلم .قالت: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ) عنها يعني: عن عائشة . قالت: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ) يعني: نزل به ملك الموت لقبض روحه عليه الصلاة والسلام.( طفق ) يعني: جعل. ( يطرح خميصة له على وجهه ) الخميصة: كساء لها أعلام، يعني: لها خطوط. ( فإذا اغتم ) يعني: احتبس نفسه عن الخروج. ( كشفها ) أبعدها عن وجهه. ( فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى ) اللعن من النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله. فقوله: ( لعنة الله على اليهود والنصارى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بالطرد والإبعاد، أن الله يطردهم ويبعدهم عن رحمته.قال: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يعني: أنهم اتخذوا قبور الأنبياء مساجد يعني: مواضع للعبادة.( يحذر ما صنعوا ) هذا كالتعليل لما سبق، لكي يحذر أن يعبد الله عز وجل عند القبر؛ لأن قصد العبادة عند القبر هو من اتخاذ القبر مسجداً. ( يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره ) يعني: لولا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم مما صنعوا ولعنه من فعله أبرز قبره، يعني: لدفن النبي صلى الله عليه وسلم خارج بيته.( غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ) يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بعدم إبراز قبره خشية أن يتخذ قبره مسجداً، أو أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خشوا أن يتخذ قبره مسجداً، فدفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته. قال: (أخرجاه) يعني: أخرجه البخاري ومسلم .مناسبة الحديث لما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذا الحديث فيه المنع من عبادة الله عند القبور؛ لأن ذلك يفضي إلى الشرك، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يعني: أنهم عبدوا الله عز وجل عند قبور أنبيائهم، ومع ذلك لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا وسيلة إلى الوقوع في الشرك.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (26)


    أسباب الوقوع في الشرك كثيرة، وقد حرمها الإسلام كلها، فمنها: عبادة الله عز وجل عند قبور الصالحين، ومنها فتنة التصوير، ومنها الغلو في الصالحين؛ وذلك لأن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله عز وجل؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخ
    شرح حديث: (... ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد...)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولــمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ( إني أبرأ الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ).فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: ( خشي أن يتخذ مسجداً ). فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ).ولـأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ). ورواه أبو حاتم في صحيحه ].تقدم لنا أن من أسباب الشرك هو عبادة الله عز وجل عند القبور، وتقدم لنا أن عبادة الله عز وجل عند القبور لا تخلو من ثلاثة أقسام، وبينا حكم كل قسم.قال: ولــمسلم عن جندب بن عبد الله قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ) يعني: بخمس ليال، وقيل: خمس سنين.( وهو يقول: إني أبرأ ) أي: أمتنع وأنكر.( إلى الله أن يكون لي منكم خليلاً ) الخليل: هو المحبوب غاية المحبة الذي تخللت محبته القلب.( ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذ أبا بكر خليلاً ) يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبرأ من أن يكون له خليل من هذه الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى اتخذه خليلاً كما أنه اتخذ إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً.قال: ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ) يعني: مواضع للعبادة.( ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ) يعني: مواضع للعبادة.( فإني أنهاكم عن ذلك ) في هذا أن من أسباب الشرك هي عبادة الله عز وجل عند القبور، وسواء كان هذا القبر لرجل صالح أو كان غير صالح، المهم أن نفهم أن عبادة الله عز وجل وتحري العبادة -قصدها- عند القبر أنه سبب من أسباب الوقوع في الشرك، وهو شاهد لما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى، وأن اتخاذ القبور مساجد إنما هو فعل أهل الكتاب، ونحن قد نهينا عن أن نسلك مسالكهم وأن نتبع سننهم.
    شرح كلام ابن تيمية في حكم اتخاذ القبور مساجد
    قال رحمه الله تعالى: (فقد نهى عنه) هذا الكلام من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.قال: (فقد نهى عنه وهو في آخر حياته) كما في حديث جندب رضي الله تعالى عنه.(ثم إنه لعن وهو في السياق) يعني: في سياق الموت، كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. (من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد) يعني: فعل الصلاة عند القبر من اتخاذ القبر مسجدا، يعني: اتخاذ القبر مسجدا له معنيان:المعنى الأول: معنى عام، وهو تحري العبادة عند القبور؛ فهذا من اتخاذها مساجد.ومعنىً خاص: وهو بناء المسجد على القبر، وكلا الأمرين سبب من أسباب الوقوع في الشرك.قال: (وهو معنى قولها: ( خشي أن يتخذ مسجداً ). فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً). فهل مقصود نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد: المعنى العام أم المعنى الخاص؟كلام شيخ الإسلام هنا أراد أن يبين لك أنه المعنى العام، وأن قصد العبادة عند القبور أنها من اتخاذ القبور مساجد التي تكون سبباً من أسباب الوقوع في الشرك، بدليل أن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، قطعاً الصحابة ما كانوا سيبنون مسجداً، فدل على أن المقصود بذلك: هو المعنى العام، وأن قصد العبادة عند القبور أنه من اتخاذ القبر مسجداً.قال: (وكل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) فالأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها، وهذا بالمعنى العام وليس بالمعنى الخاص، أما المعنى الخاص فالمسجد: هو الموضع المبني المهيأ لإقامة الصلوات.
    شرح حديث: (إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة...)
    قال رحمه الله تعالى: (ولـأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: ( إن من شرار الناس ) من: هذه تبعيضية.( من تدركهم الساعة ) ساعة القيامة. ( وهم أحياء ).فقوله عليه الصلاة والسلام: ( من تدركهم الساعة ) يحتمل أن المراد تقوم عليهم الساعة حقيقة، ويحتمل أن المراد: يدركون علامات الساعة ومقدماتها، يعني: يدركون مقدمات الساعة وعلاماتها، كخروج الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها.فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله )؟الجواب: إما أن نقول بأن (من) هذه تبعيضية، يعني: أن من شرار الناس، ولا يشمل جميع الناس.أو نقول بأن المؤمنين يقبضون، الذين يكونون على الحق يقبضون قبل قيام الساعة.قال رحمه الله: ( والذين يتخذون القبور مساجد ) معنى ذلك يتخذونها بالمعنى العام، أي: أنهم يقصدونها لأداء العبادة، أو أن المعنى يشمل الأمرين: المعنى الخاص -بناء المساجد عليها- أو المعنى العام، وهو قصدها للعبادة.وفي هذا أن عبادة الله عز وجل عند القبر سواء كان لصالح أو لغير صالح هو من اتخاذ القبر مسجداً، وأنه سبب من أسباب الوقوع في الشرك.وقوله: ( شرار الناس )، جمع شر، وأفعل تفضيل، يعني: أصحاب شر.
    الغلو في قبور الصالحين
    قال: (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أراد المؤلف رحمه الله تعالى أيضاً أن يبين سبباً آخر من أسباب الوقوع في الشرك، فمن أسباب الوقوع في الشرك: الغلو في قبور الصالحين، كما أن من أسباب الشرك كما تقدم عبادة الله عز وجل عند القبور أو عند قبر رجل صالح.وكذلك من أسباب الشرك: الغلو في الصالحين، كذلك السبب الثالث: الغلو في القبور، الغلو في القبور، وسيذكر أيضاً المؤلف رحمه الله باباً للتصوير، وأن التصوير أيضاً سبب من أسباب الشرك، وتقدم لنا تعريف الغلو.ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن الباب الذي قبله في بيان سبب من أسباب الوقوع في الشرك، وهذا الباب أيضاً في بيان سبب من أسباب الوقوع في الشرك، وهو الغلو في قبور الصالحين. وتقدم لنا تفسير الغلو، وتقدم لنا أيضاً تفسير الصالحين، وأن الصالحين جمع صالح، وهو من قام بحق الله أو من قام بحق عباد الله.قال: ( يصيرها أوثاناً ) الأوثان: جمع وثن، وهو كل ما عبد من دون الله عز وجل، تقدم لنا الفرق بين الوثن وبين الصنم.قال: ( تعبد من دون الله ) يعني: سوى الله عز وجل.
    أنواع البركة في القبور
    ونفهم أن القبور من المواضع التي يتبرك بها، والبركة في القبور بركتان:البركة الأولى: بركة مشروعة، وهي انتفاع الزائر والمزور، أما الزائر فينتفع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة ). فالزائر ينتفع بتذكر الآخرة، وأنه سيكون عما قريب جثة هامدة مرتهن بعمله كصاحب هذا القبر، فينتفع الزائر بالتذكر، والاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم... إلى آخره.والمزور -صاحب القبر- ينتفع بالدعاء، بزيارته والدعاء له. هذه هي الزيارة الشرعية، وهذه هي البركة الشرعية.القسم الثاني: بركة بدعية، وزيارة بدعية، وهذه الزيارة البدعية تتضمن صوراً، من هذه الصور: الذهاب إلى القبور والصلاة عندها، ومن هذه الصور: الاعتكاف يعني: إطالة الإقامة عندها.ومن هذه الصور:أن يتحرى أن يتصدق عند القبر، أو أن يقرأ عند القبر، أو أن يذكر الله عز وجل عند القبر معتقداً فضيلة هذه العبادة، هذه كلها من الزيارة البدعية ومن البركات البدعية.ومن صور ذلك: أن يتمسح بصاحب القبر ونحو ذلك، ومن صور ذلك أيضاً: ما قد يكون شركاً أكبر، كدعاء أصحاب القبور والذبح لها والاستغاثة وسؤالها تفريج الكربات ونحو ذلك، هذا كله شرك أكبر.والله أعلم، وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (27)

    أرسل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة لعباده، ووصفه بأنه بهم رءوف رحيم، فما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وأعظم طرق الشر التي حذر منها عليه الصلاة والسلام الشرك، فقد بينه وحذر منه، وحذر من جميع وسائله، وسد جميع الطرق المفضية
    شرح حديث: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله.روى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ).ولـابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد : أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19]. قال: كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره.وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس : كان يلت السويق للحاج.وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ) رواه أهل السنن ].تقدم لنا ما يتعلق بالترجمة ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد، وكذا أيضاً مناسبة هذا الباب للباب قبله.قال: (روى مالك في الموطأ) الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، إمام دار الهجرة، وإليه ينسب مذهب المالكية، وأحد الأئمة الأربعة، توفي رحمه الله سنة تسع وسبعين ومائة للهجرة، والإمام مالك رحمه الله تعالى جمع بين الحديث وبين الفقه، وألف كتاب الموطأ.قال: (في الموطأ) يعني: في كتاب الموطأ. وطأه الإمام مالك أي: سهله للناس، وقد جمع فيه الإمام مالك رحمه الله تعالى بين الحديث والفقه.قال: (روى الإمام مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم ) أصلها يا الله، فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، فاللهم: منادى مبني على الضم في محل نصب.( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ) الوثن: هو كل ما عبد من دون الله عز وجل سواء كان على صورة أو كان على غير صورة، بخلاف الصنم، فإن الصنم هو ما عبد من دون الله على شكل صورة.قوله: ( يعبد ) هذه صفة لوثن.قوله: ( اشتد ) يعني: عظم.( غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يعني: أماكن للعبادة.مناسبة هذا الحديث لما ترجم له المؤلف رحمه الله: أن الغلو في القبور يجعلها أوثاناً تعبد، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )، وبين ذلك بقوله: ( اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) فالغلو في القبور يجعلها أوثاناً تعبد من دون الله، فمناسب لما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى.وهل استجاب الله سبحانه وتعالى دعوة نبيه بأن لم يجعل قبره وثناً يعبد؟ قال ابن القيم رحمه الله بأن الله استجاب دعاء نبيه، وجعل قبره محاطاً بثلاثة من الجدران، بحيث لا تكون العبادة بجانب القبر.
    تراجم موجزة لمجاهد ومنصور وسفيان وابن جرير
    قال: (ولـابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد : أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19]).ابن جرير : محمد بن جرير الطبري رحمه الله، إمام المفسرين، صاحب التفسير المشهور: جامع البيان، توفي رحمه الله سنة ثلاثمائة وعشر للهجرة، وابن جرير عالم كبير من حيث الأثر والتفسير، فهو يعتبر الإمام في التفسير بالأثر، وقد ملأه رحمه الله تعالى بالآثار الكثيرة سواء كانت مرفوعة أو موقوفة على الصحابة أو عن التابعين، فيعتبر العمدة للتفسير في الأثر.قال: (وبسنده عن سفيان ) سفيان الثوري رحمه الله، مات رحمه الله سنة إحدى وستين ومائة للهجرة.(عن منصور ) منصور بن المعتمر مات سنة اثنين وثلاثين ومائة للهجرة.(عن مجاهد ) مجاهد بن جبر أيضاً إمام في التفسير، تلميذ ابن عباس رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربع ومائة للهجرة.
    تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى)
    قال رحمه الله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19]. أَفَرَأَيْتُمُ [النجم:19] يعني: أخبروني، والاستفهام للإنكار. اللَّاتَ [النجم:19].قال: (كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء ) أبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي ، توفي رحمه الله سنة ثلاث وثمانين للهجرة.قال: (عن ابن عباس ) وهو من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما.(كان يلت السويق للحاج) عكفوا على قبره، العكوف هو طول المكوث، يعني: أقبلوا وواظبوا واحتبسوا عليه.في هذا: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، فهذا الرجل كان صالحاً؛ لأنه كان يلت السويق للحاج، ولا شك أن هذا عمل مبارك، فلما مات غلوا في قبره، فعكفوا عنده، فعبدوه من دون الله عز وجل، ففي هذا مناسبة لما ترجم له المؤلف، وأن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، فهذا الرجل الذي كان يلت السويق غلوا في قبره وعكفوا على قبره كما قال مجاهد : فعكفوا على قبره، وهذا من الغلو، ثم بعد ذلك عبدوه من دون الله عز وجل، فدل ذلك لما ترجم له المؤلف، وأن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله عز وجل.قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) يعني: دعا باللعن.( رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ) زيارة القبور هو الخروج إليها، والقبر: مدفن الميت.( والمتخذين عليها المساجد والسرج ) المساجد: جمع مسجد، وهو ما هيئ للصلاة. والسرج: جمع سراج وهو ما يستضاء به من الزيت ونحو ذلك.قال: (رواه أهل السنن) يعني: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، ولم يروه النسائي .في هذا: أن الغلو في القبور يصيرها أوثاناً تعبد؛ ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ عليها السرج، يعني: جعل هذه السرج التي يستضاء بها من الغلو في القبور، وهذا الغلو يؤدي إلى أن تعبد من دون الله بأن تبنى عليها المسجد؛ ولهذا قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين المتخذين عليها المساجد والسرج؛ لأن اتخاذ السرج وسيلة إلى اتخاذ المساجد، فاتخاذ السرج هو الغلو فيها، والغلو فيها وسيلة إلى بناء المساجد عليها أو اتخاذها مكاناً للعبادة، فمناسب لما ترجم له المؤلف.
    حماية المصطفى جناب التوحيد
    قال رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذا الباب شيئاً من موانع الوقوع في الشرك، ومن ذلك ما أورده المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا من تمام التوحيد.يعني: من تمام التوحيد أن يتجنب كل الوسائل التي توقع في الشرك؛ ولهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما دعا ربه قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]. يعني: اجعلني في جانب، وعبادة الأصنام في جانب آخر، وفي هذا سؤال لله عز وجل أن يقيه الشرك ووسائله وأسبابه وذرائعه.فهذا من تمام التوحيد أن كون المسلم يحرص على ما يمنعه من الوقوع في الشرك ويحميه منه.ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف في ما تقدم ذكر الذرائع التي توصل إلى الشرك، وفي هذا الباب بين أن النبي صلى الله عليه وسلم سد هذه الذرائع، تقدم أن ذكر أسباب الشرك وذرائع الشرك، وذكر ثلاثة أبواب، وفي هذا الباب بين كيف سد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الذرائع.قال رحمه الله: (باب ما جاء في حماية المصطفى) المصطفى: أصلها المصتفى، فأبدلت التاء بالطاء، والمصطفى: المختار، والاصطفاء هو الاختيار.(جناب التوحيد) يعني: جانب التوحيد: حدود التوحيد، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد وحدوده من أن يخدش بالشرك.قال: (وسده) يعني: منع كل طريق يوصل إلى الشرك، يعني: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم منع كل الطرق التي توصل إلى الشرك.
    تفسير قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول ...)
    قال: (وقول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]).اللام مواطئة لقسم مقدرة، تقديره: والله لقد جاءكم رسول من أنفسكم. تقدم لنا تعريف الرسول، وأن الرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.والتعري الثاني: أن الرسول هو الذي يأتي بشريعة جديدة، وأما النبي فهو الذي يحكم بشريعة الرسول الذي قبله، مثل أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام. رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128] يعني: من جنسكم وبلغتكم. عَزِيزٌ عَلَيْهِ [التوبة:128] يعني: شديد عليه. مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128] يعني: ما يشق عليكم. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].مناسبة هذه الآية لما ترجم له المؤلف: أن الله سبحانه وتعالى وصف نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه رؤوف رحيم بالمؤمنين، ووصفه بالرحمة والرأفة يقتضي أن يحذر أمته كل ما فيه ضررهم في دينهم ودنياهم، وأعظم الضرر هو ما يتعلق بالتوحيد والوقوع في الشرك، مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء لسد كل الذرائع التي توصل الشرك.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (28)


    حذر النبي صلى الله عليه وسلم من جميع ذرائع الشرك، وأخبر بأن الشرك سيقع في هذه الأمة، وأنها ستتبع سنن أهل الكتاب، وهم قد أشركوا مع الله عز وجل غيره.وفي هذا رد على الخرافيين القبوريين الذين يزعمون أن الشرك غير واقع في هذه الأمة؛ ليبرروا شركهم وباطلهم.
    شرح حديث: (لا تجعلوا قبري عيداً ...)
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.وعن علي بن الحسين : ( أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم ). رواه في المختارة ].قال رحمه الله في ما نقله في كتابه: (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ) أي: لا تعطلوها من صلاة النافلة والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور؛ لأن العبادات لا تتحرى عند القبور.( ولا تجعلوا قبري عيداً ) العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان أو مكان. يعني: لا تتخذوا قبري عيداً بكثرة المجيء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبكثرة الترداد إليه أو مداومة ذلك، فإن كثرة الترداد إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو مداومة ذلك من اتخاذه عيداً، ولهذا السلف كـابن عمر رضي الله تعالى عنهما وغيره إذا جاء من سفر جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعهد عنه أنه كلما صلى الفريضة ذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.. إلى آخره؛ لأن هذا الترداد أو المداومة عليه أو الإكثار يعد من اتخاذه عيداً.قال: ( وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) أي: ما ينالني منكم من الصلاة، وما يحصل منها يصل لي قربتم أو بعدتم، فلا حاجة إلى المجيء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتردد عليه.قال: (رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات).الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا تجعلوا قبري عيداً ). فإن النبي صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد، ومنع كل الطرق التي تؤدي إلى الشرك، إذ إن اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيداً بكثرة المجيء إليه أو المداومة على ذلك هذا سبب وذريعة من ذرائع الشرك، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسده، وفي هذا حماية لجناب التوحيد، ففيه شاهد لما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى.قال رحمه الله: (وعن علي بن الحسين ) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، المعروف بـزين العابدين ، وهو أفضل التابعين، مات سنة ثلاث وتسعين للهجرة.( أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة ) الفرجة: الفتحة في الجدار.( عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه وقال: ألا ) ألا: أداة عرض. ( ألا أحدثكم ) يعني: ألا أعرض عليكم. ( حديثاً سمعته من أبي عن جدي ). أبوه الحسين ، جده علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: ( لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً ) تقدم معنى اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، ومعنى أيضاً اتخاذ البيوت قبوراً.( فإن تسليمكم يبلغني حيثما كنتم ) رواه في المختارة. المختارة لـمحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي رحمه الله، سمي المختارة يعني: الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على الصحيحين.الشاهد من هذا الحديث كما تقدم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تتخذوا قبري عيداً ). ففي هذا النبي صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد، ومنع كل الوسائل والذرائع التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك.
    ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
    قال: [باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان].وقوله: (بعض هذه الأمة) يعني: لا جميع هذه الأمة؛ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم.ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف رحمه الله تعالى لما ذكر التوحيد وما ينافيه أو ينقصه من الشرك ذكر أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، وقصد بذلك الرد على عباد القبور، فإن عباد القبور لا يرون أن الشرك يقع في هذه الأمة، وفي هذا الرد على عباد القبور من وجه، الذين يقولون بأن الشرك لا يقع في هذه الأمة؛ لكي يبرروا ما هم عليه من الشرك. هذا من وجه.ومن وجه آخر أيضاً: كون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشرك يقع في هذه الأمة في هذا التحذير من الشرك، وأن المسلم عليه أن يحذر الشرك؛ لأن الشرك سيقع في هذه الأمة.ومناسبة هذا الباب لما قبله: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسد كل الذرائع المفضية إلى الشرك، وفي هذا الباب بيان أن الشرك سيقع في هذه الأمة، ففيه التحذير من الوقوع في الشرك، وهذا نوع من حماية التوحيد من الشرك.يعني: مناسبة هذا الباب لما قبله: أنه في الباب السابق ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد وأنه سد كل الطرق التي تفضي إلى الوقوع في الشرك، وفي هذا التحذير من الشرك، وفي هذا حماية للتوحيد؛ لأنه إذا حذر من الشرك حذر الناس منه ولم يقعوا في الشرك.
    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب..) ومناسبتها للترجمة
    قال: (وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا [النساء:51]) يعني: أعطوا. نَصِيبًا [النساء:51] يعني: حظاً. مِنَ الْكِتَابِ [النساء:51] والمقصود بهم: اليهود والنصارى. وقوله: أَلَمْ تَرَ [النساء:51] يعني: ألم تنظر. إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51] يؤمنون يعني: يصدقون. بِالْجِبْتِ [النساء:51] قال بعض العلماء: المقصود بالجبت: الساحر، وقيل: الكاهن، وقيل: الصنم. وَالطَّاغُوتِ [النساء:51] الطاغوت أيضاً اختلف العلماء رحمهم الله في تفسيره، وأحسن شيء ما فسره به ابن القيم رحمه الله تعالى، وأن الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.قال: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51].الشاهد من هذه الآية لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى، حيث إن المؤلف ترجم أن بعض هذه الأمة سيعبد الأوثان ويقع في الشرك، فالله سبحانه وتعالى أخبر أن أهل الكتاب وقعوا في الشرك. قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51].وقوله: يُؤْمِنُونَ [النساء:51]. يصدقون بالجبت والطاغوت، هذا هو الشرك.وهذه الأمة ستتابع أهل الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ). فإذا كانت هذه الأمة ستتابع أهل الكتاب وأهل الكتاب وقعوا في الشرك؛ دل ذلك على أن الشرك سيقع في هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة ستتابع أهل الكتاب، والله سبحانه وتعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم أشركوا بالله، ومن شركهم: أن منهم من قال بأن عيسى عليه الصلاة والسلام هو الله، ومنهم من قال: ابن الله، ومنهم من قال: بأنه ثالث ثالثة، وقالت اليهود: عزير ابن الله... إلى آخره.
    تفسير قوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك..)
    قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: قُلْ [المائدة:60] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ [المائدة:60] يعني: هل أخبركم. بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة:60]. بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ [المائدة:60] أي: الذي ذكرتم في حقنا من الذنب زوراً وبهتاناً من قولكم في حقنا: ما رأينا شراً منكم. يعني: هم وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بالشرية، فقال الله عز وجل: قُلْ [المائدة:60] يعني: قل لهم يا محمد! هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ [المائدة:60] يعني: بشر من الذي ذكرتم في حقنا من الذنب زوراً وبهتاناً، من قولكم في حقنا: ما رأينا شراً منكم. عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ [المائدة:60] يعني: طرده وأبعده عن رحمته وغضب عليه.وقوله قبل ذلك: مَثُوبَةً [المائدة:60] يعني: ثواباً عند الله. مَنْ لَعَنَهُ [المائدة:60] طرده وأبعده من رحمته. وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة:60] أي: غضب عليه غضباً لا يرضى عنه بعد ذلك. وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60] القردة: هم أصحاب السبت من اليهود، مسخهم الله قردة، والخنازير هم كفار مائدة عيسى من النصارى. وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60] يعني: جعل منهم من عبد الطاغوت -الشيطان- أي: أطاعه في ما سول له.الشاهد من هذه الآية: في قول الله عز وجل: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60]. ففي هذه الآية دليل على أن أهل الكتاب وقعوا في الشرك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستتابع طريق من قبلها، ومما ستتابعه هذه الأمة لمن قبلها ما يتعلق بالشرك، فدل ذلك لما ترجم له المؤلف رحمه الله، وأن هذه الأمة سيقع فيها الشرك، وأن بعضها سيشرك بالله عز وجل.
    تفسير قوله تعالى: (قال الذين غلبوا على أمرهم ...)
    قال: (وقوله: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]). قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ [الكهف:21] يعني: على أمر أصحاب الكهف، وهم أصحاب الكلمة والنفوذ الرؤساء. لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ [الكهف:21] يعني: نضع حولهم. مَسْجِدًا [الكهف:21] مكاناً للعبادة يصلى فيه ويقصده الناس ويتبركون فيه.ففي هذه الآية دليل لما ترجم له المؤلف، وأن بعض هذه الأمة سيقع في الشرك؛ لأن من قبلنا وقع في الشرك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستتابع سنن من كان قبلها.والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (29)

    دلت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على أن كثيراً من هذه الأمة قد يقع في الشرك، خلافاً للصوفية القائلين باستحالة ذلك، ومن الأدلة الآيات التي تخبرنا بوقوع أهل الكتاب فيه، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأننا سنتبع سننهم، بل قد أخبرنا النبي صلى الله عل
    شرح حديث (لتتبعن سنن من كان قبلكم...)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب ما جاء في أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان:[ عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) أخرجاه.ولـمسلم عن ثوبان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ).ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: ( وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى ) ].تقدم لنا شيء من الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب: (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان).قال رحمه الله في ما نقله عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ) اللام مواطئة لقسم مقدر، والتقدير: والله لتتبعن سنن من كان قبلكم. والسنن أي: الطريق. ( من كان قبلكم ) يعني: من كان قبلكم من الأمم.( حذو القذة بالقذة ) حذو: منصوب على المصدر، أي: تحذون حذوهم، والقذة واحدة القذذ، وهي ريش السهم، السهم الذي يرمى به يكون له ريشتان، وهاتان الريشتان لا بد أن تكون متساويتين وإلا اختل الرمي بهما.فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه اتباع هذه الأمة لمن قبلها من الأمم بقذة السهم بالقذة الأخرى، وأنها تشبهها تماماً، فهذه الأمة ستتابع سنن من كان قبلها، أي: طرق من كان قبلها حذو القذة بالقذة.وهذا مشاهد اليوم، تجد أن كثيراً من المسلمين اليوم تابعوا أهل الكفر في كثير من الأخلاق والعوائد والعقائد ونحو ذلك.قال: ( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) جحر الضب يتميز بأنه ضيق ووعر المسالك، فهذا الجحر مع ضيقه ووعورته لو دخلوا فيه لدخلتموه متابعة لهم، وهذا من حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، كونه يضرب بالمثال.( لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ ) أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سنتهم؟( قال: فمن؟! ) استفهام إنكاري، يعني: فمن هم غير أولئك؟!(أخرجاه) يعني: أخرجه البخاري ومسلم .الشاهد من هذا الحديث: بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستتبع طريقة من قبلها حذو القذة بالقذة، وهذا يشمل في كل الأشياء، ومن ذلك ما يتعلق بالشرك، فقوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، هذا يدل على أنه شامل عام، ومن ذلك الشرك، فالأمم السابقة اليهود والنصارى حصل منهم الشرك، كذلك هذه الأمة حصل منها الشرك.
    شرح حديث: (إن الله زوى لي الأرض...)
    قال رحمه الله: (ولـمسلم عن ثوبان ). ثوبان هذا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات بحمص سنة أربع وخمسين للهجرة رضي الله عنه.(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله زوى لي الأرض ) يعني: طواها، إن الله سبحانه وتعالى طواها وجعلها مجموعة.قال: ( فرأيت مشارقها ومغاربها ) والآن بعد التقدم الصناعي صار ممكناً أن تنظر إلى شكل الأرض جميعاً.قال: ( فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ) الأحمر أي: الذهب، وهو كنز قيصر، يعني الغالب عندهم الذهب، والأبيض وهو كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان هو الجوهر والفضة.قال: ( وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة ) السنة: الجدب. بعامة: صفة لسنة، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن لا يهلك هذه الأمة بعام قحط يأتي على جميع الأمة.قال: ( وأن لا يسلط عليهم عدواً ) يعني: من الكفار.قال: ( من سوى أنفسهم ) يعني: أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم.قال: ( فيستبيح بيضتهم ).المراد بقوله: ( بيضتهم ) يعني: ساحتهم وما حازوه من البلاد. وقيل: إن المراد ببيضتهم: جماعتهم ومعظمهم.قال: ( وإن ربي قال: يا محمد! إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد ) وهذا قضاء الله الكوني القدري، هذا نافذ لا يرد.قضاء الله قضاءان: قضاء شرعي ديني، هذا قد لا ينفذه العباد، والقضاء الثاني: قضاء كوني قدري، هذا لا بد من نفوذه، لا يملك أحد أن يرده.قال: ( وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة ) يعني: هذه استجاب الله عز وجل فيها دعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يهلك هذه الأمة بعام جدب وقحط يأتي على جميعهم.قال: ( وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها ) لكن إلى متى؟ لو اجتمع عليهم من بأقطارها يعني: اجتمع عليهم من في الأرض جميعاً، إلى متى؟ قال: ( حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ) فإذا حصل بينهم القتال والخلاف سلط الله عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فالله استجاب دعوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم لكن إلى متى؟ إلى أن يحصل بينهم الخلاف والشقاق ويقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً، وهذا حصل فعلا من عهد عثمان رضي الله تعالى عنه بدأت الفتن، وسلط الكفار على المسلمين.قال: (ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: ( وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ).الأئمة: جمع إمام، وهو المتبوع، والمراد بهم: الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدي بهم الناس، فالأمراء يتبعهم الناس، والعلماء يتبعهم الناس، وكذلك الزهاد والعباد يتبعونهم.قال: ( وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ) يعني: حصل بينهم القتال يقول عليه الصلاة والسلام: ( لم يرفع إلى يوم القيامة ) وهذا حاصل الآن، من عهد عثمان رضي الله تعالى عنه.قال: ( ولا تقوم الساعة ) يعني: القيامة.( ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ) الحي: واحد الأحياء، وهي القبائل.وقوله: ( بالمشركين ) يعني: ينزلون معهم في ديارهم.( وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ) فئام يعني: جماعات كثيرة تعبد الأوثان.( وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ) يعني: ترك نصرتهم.( ولا من خالفهم ) يعني: اتبع غير طريقتهم. ( حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى ) يعني: أمر الله الكوني القدري تبارك وتعالى، تبارك يعني: كمل وتعاظم وتقدس، وتعالى يعني: تعاظم وكمل علوه.الشاهد من هذا الحديث قوله: ( وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ) فهو شاهد لما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى، وأن بعض هذه الأمة سيعبد الأوثان، وفي هذا نوع من حماية النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد؛ لأنه إذا عرف أن الشرك سيقع في هذه الأمة فإن هذا يقتضي الحذر منه.
    السحر
    قال رحمه الله: [باب ما جاء في السحر].السحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه. أما في الاصطلاح: فهو عبارة عن رقى وقراءات وطلاسم وأدوية تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته.ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من السحر ما يكون كفراً بالله عز وجل، فيكون مناقضاً للتوحيد من أصله، فناسب أن يبوب المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد.
    حكم السحر وأقسامه
    والسحر هل هو كفر كله أو ليس كفراً كله؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله.وأحسن شيء ما ذكره الشافعي رحمه الله، الشافعي رحمه الله قال: يقال للساحر: صف لنا سحرك، فإن ذكر ما هو كفر فهو كفر، وإن ذكر ما ليس كفراً فليس بكفر، وعلى هذا نقول بأن السحر ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: ما يكون بواسطة الشياطين، فهذا كفر؛ لأن الغالب أن الشيطان لا يخدم الإنسي إلا بالكفر بالله عز وجل، كالذبح للجن أو القبور أو السجود لغير الله عز وجل أو إهانة المصحف أو غير ذلك، هذا القسم الأول.القسم الثاني: ما ليس كفراً، وإنما هو كبيرة من كبائر الذنوب، وهو ما يكون عن طريق الأدوية والعقاقير، إذا لم يكن عن طريق الشياطين، فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.
    هل السحر حقيقة؟
    والسحر هل له حقيقة أو أنه مجرد تخييل؟مذهب أهل السنة والجماعة أن له حقيقة، وعند المعتزلة: أنه لا حقيقة للسحر، وإنما هو مجرد تخييل.والصحيح مذهب أهل السنة والجماعة، وأن السحر سحران:سحر له حقيقة، أنه يؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته ويمرض المسحور وقد يؤدي إلى قتله، ويدل لذلك: أن الله سبحانه وتعالى قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:1-4]. فأمر الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة من السحر، ولا تكون الاستعاذة إلا عن شيء له حقيقة.وأيضاً يدل لذلك ما ثبت في البخاري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، حتى إنه يخيل له أنه فعل الشيء ولم يفعله).والنوع الثاني من أنواع السحر: ما هو تخييل وليس له حقيقة، كما قال الله عز وجل عن سحرة فرعون: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ [طه:66]. أي: موسى عليه الصلاة والسلام مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66].فالخلاصة: أن السحر قد يكون له حقيقة، وقد يكون مجرد تخييل، لكن نفهم أن الساحر لا يملك قلب الأعيان، فلا يملك الساحر أن يقلب الحجر ذهباً أو فضة ونحو ذلك.. إلى آخره؛ فهذا لا يملكه، لكن سحره يكون له حقيقة بحيث يضرب ويعتدي.. إلى آخره؛ هذا حاصل.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (30)


    من نواقض التوحيد السحر، وقد فسر بعض السلف الجبت به، والساحر من أعظم الناس فساداً، ولهذا كانت عقوبته القتل، وقد أثر ذلك عن ثلاثة من الصحابة؛ ولهذا اختلف العلماء في قبول توبة الساحر على قولين؛ لأن معصيته تتعلق بالباطن، والساحر لا حظ ولا نصيب له في الآخرة؛ ل
    تابع السحر
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في السحر، وقول الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102]. وقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51].قال عمر : الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.وقال جابر : الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد.وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).وعن جندب مرفوعاً: ( حد الساحر ضربه بالسيف ). رواه الترمذي ، وقال: الصحيح أنه موقوف.وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، وكذلك صح عن جندب . قال أحمد : عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].تقدم لنا ما يتعلق بالسحر، وذكرنا تعريف السحر في اللغة والاصطلاح، وهل السحر كفر كله أو أنه ليس كفراً كله؟ وأن الصواب كما قال الشافعي : يقال له: صف لنا سحرك، فإن ذكر ما هو كفر فهو كفر.وعلى هذا نقول بأن السحر سحران: سحر يكون كفراً، وهو ما كان بواسطة الشياطين. والقسم الثاني: سحر ليس كفراً، وهو ما كان بواسطة العقاقير والأدوية.وتقدم لنا أيضاً أن السحر نوعان: منه ما له حقيقة، ومنه ما هو مجرد تخييل وليس له حقيقة.
    معنى قوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه...)
    قال رحمه الله تعالى: (وقول الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102]). نعم. هذه الجملة مؤكدة باللام وقد والقسم المقدر، أي: والله لقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق.وقوله: لَمَنِ اشْتَرَاهُ [البقرة:102] يعني: رضي بالسحر بديلاً عن دين الله عز وجل وشرعه. مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102] أي: ما له من نصيب.ووجه الشاهد من هذه الآية: هذه الآية دلت على تحريم السحر؛ لأنه ليس له حظ ولا نصيب في الآخرة، بل دلت على كفر الساحر؛ لأن الذي ليس له نصيب ولا حظ في الآخرة إنما هو الكافر، فالمسلم له حظ ونصيب، أما الكافر ليس له حظ ونصيب.
    معنى الجبت والطاغوت
    قال رحمه الله: (وقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51]. قال عمر : الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان).تفسير عمر رضي الله تعالى عنه للجبت هذا من باب التفسير بالمثال، وهكذا تفسير السلف يفسرون بالمثال، لا يفسرون بالحد، وانظر جامع البيان لـابن جرير الطبري رحمه الله تعالى تجد الآثار الكثيرة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين ومن تبعهم بإحسان في التفسير بالمثال.والجبت كما تقدم بأنها كلمة تقع على الساحر والكاهن والصنم.وقوله: (الطاغوت) فسره عمر بالشيطان، تقدم لنا، وهذا من باب التفسير بالمثال، وتقدم لنا قول ابن القيم رحمه الله أن الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.قال رحمه تعالى: (وقال جابر : الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد).قوله: (الطواغيت كهان) المراد به: أن الكهان من الطواغيت، فهو من أفراد المعنى.وقوله: (ينزل عليهم الشيطان) ليس المراد به إبليس، وإنما المقصود به الجنس، يعني: شيطان من شياطين الجن.وقوله: (في كل حي) يعني: في كل قبيلة.الشاهد من قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51] أن من تفاسير الجبت السحر. والجبت محرم ولا يجوز؛ لأن الله عز وجل ذم اليهود الذين يصدقون بالجبت، فدل ذلك على تحريم السحر.
    شرح حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)
    قال رحمه الله: (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اجتنبوا ) يعني: أبعدوا، بل أبلغ من عدم الفعل، أي: أبلغ من عدم الوقوع في الشيء، يعني: كونوا في جانب وهذه الأشياء في جانب، فأنتم اتركوا هذه الأشياء وكل ما يوصل إليها.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( السبع ) ليس على سبيل الحصر، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يحصر بالعدد وإنما الحكمة من ذلك: التقريب وتسهيل العلم، ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله قالوا: شروط الصلاة تسعة، أركان الصلاة أربعة عشر، واجبات الصلاة عشر... وهكذا.قال: ( الموبقات ) المهلكات، سميت موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.( اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله ) تقدم تعريف الشرك.( والسحر ) تقدم تعريف السحر.( وقتل النفس ) يعني: إزهاق النفس.( التي حرم الله إلا بالحق ) يعني: منع الله من قتلها إلا بالحق. وما هو الحق الذي جاء به الشرع؟ حديث ابن مسعود : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ). هذا بالحق.قال: ( وأكل الربا ) يعني: أخذ الربا، وتناول الربا بأي وجه، وإنما عبر النبي صلى الله عليه وسلم بالأكل لأنه هو الغالب، قد يكون أخذ الربا بالأكل، وقد يكون بالركوب، وقد يكون باللبس... وغير ذلك. والربا في اللغة: الزيادة. وأما في الاصطلاح: فهو الزيادة والنسأ في أشياء مخصوصة.قال: ( وأكل مال اليتيم ) كما تقدم، يعني: أخذه من أي وجه من الوجوه، واليتيم: هو من مات أبوه وهو لم يبلغ.قال: ( والتولي يوم الزحف ) التولي: الإدبار عن القتال وقت القتال، وسمي بيوم الزحف: لأن كلاً من الجانبين يمشي ببطء إلى الآخر كأنه يزحف زحفاً، فكونه يتولى هذا من كبار الذنوب، وهو من أسباب الهزيمة، يوقع في قلوب من معه الضعف والوهن.. إلى آخره.قال: ( وقذف المحصنات ) القذف: الرمي بالزنا واللواط.( المحصنات ) المقصود: العفيفات.( المحصنات الغافلات المؤمنات ) أي: الغافلات عن فعل الفواحش المؤمنات.الشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من الموبقات السحر، فدل ذلك على تحريم السحر واعتباره من المهلكات.
    حد الساحر
    قال رحمه الله: (وعن جندب مرفوعاً: ( حد الساحر ضربه بالسيف ). رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف).( حد الساحر ) يعني: عقوبة الساحر. ( ضربه بالسيف ) قتله بالسيف.قال: (موقوف) يعني: لأنه من كلام الصحابي وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.قال: (في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر).(وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. وكذلك صح عن جندب بن كعب الأزدي رضي الله تعالى عنه.قال أحمد : عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).في حديث - جندب - والآثار فيها عقوبة الساحر، وأن عقوبة الساحر هي القتل، لسوء باطنته وفساد عقيدته.
    حكم قبول توبة الساحر
    وهل تقبل توبته لو قال: تبت ونكف عنه، أو نقول بأن توبته غير مقبولة؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:الرأي الأول -وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد -: أن توبته غير مقبولة، لفساد عقيدته وسوء باطنته، ولأن التوبة قد لا تعلم؛ لأن هذه أمور باطنة، فقالوا بأن توبته غير مقبولة.الرأي الثاني: أن توبته مقبولة؛ لعموم أدلة التوبة، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، وأيضاً حديث عمرو بن العاص : ( التوبة تجب ما قبلها )، ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ).. إلى آخره.وهذا القول هو الأقرب والله أعلم، لكن لا بد أن تقوم القرائن على صدق توبته، وأن توبته صحيحة.
    بيان شيء من أنواع السحر
    قال رحمه الله: [باب بيان شيء من أنواع السحر].أراد المؤلف رحمه الله في هذا الباب بيان شيء من أنواع السحر على وجه العموم، وليس المراد به السحر على وجه الخصوص، ولهذا ذكر النميمة، وذكر: (إن من البيان لسحراً)، وهذه ليست سحرا على وجه الخصوص.فهذا الباب المراد به: بيان السحر على وجه العموم ليس على وجه الخصوص، من باب التكميل والاستطراد من المؤلف رحمه الله تعالى، اللهم إلا ما يتعلق بقوله: ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ). هذا من باب السحر على وجه الخصوص.الخلاصة في هذا الباب: أن المراد به: السحر، يعني: بيان شيء من أنواع السحر على وجه العموم من الأشياء التي فيها الخفاء وفيها الدقة... إلى آخره، وليس على وجه الخصوص، اللهم إلا قوله: ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ) إلى آخره.مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المؤلف رحمه الله ذكر جملة من أنواع السحر على وجه العموم لا على وجه الخصوص؛ لأن مثل هذه الأشياء قد تخفى على الناس ويظنها الناس من كرامات الأولياء وهي ليست من كرامات الأولياء، وتسبب ذلك أن عبدوا أصحابها، فذكر المؤلف رحمه الله هذا الباب.ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهر، فإن المؤلف ذكر السحر على وجه الخصوص، ثم ذكره على وجه العموم.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (31)

    السحر له معنيان: عام وخاص، فالخاص هو السحر المعروف، واستخدام التعاويذ والرقى غير الشرعية والجن والشياطين..، وأما معناه العام فهو ما يخفى ويسلب الألباب أو يساعد على الإفساد، فالنميمة نوع من أنواع السحر؛ لأنها تساعد على الإفساد، والبيان منه ما هو سحر؛ لأنه
    شرح حديث: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت)
    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب بيان شيء من أنواع السحر.قال: أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا عوف ، عن حيان بن العلاء ، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت ).قال عوف : العيافة: زجر الطير. والطرق: الخط يخط في الأرض. والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. ولـأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه.وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ) رواه أبو داود بإسناد صحيح.وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه ).وعند ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس ). رواه مسلم .ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من البيان لسحرا ) ].قال: (باب بيان شيء من أنواع السحر) تقدم الكلام على الباب، ومناسبة الباب لكتاب التوحيد، وكذلك ما يتعلق بمناسبته بما قبله من الباب.قال: (قال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، قال: حدثنا عوف ، عن حيان بن العلاء ، قال: حدثنا قطن بن قبيصة ، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت ). قال عوف : العيافة: زجر الطير) يعني: التفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها ونحو ذلك، وزجر الطير ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: زجر مباح، وهذا في الصيد.والقسم الثاني: زجر مذموم، وهو التفاؤل أو التشاؤم بها، وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بالتطير.قال: (والطرق)، قال: (الخط يخط بالأرض)، يعني: يخطه الرمالون، ويدعون به معرفة الغيب.(والجبت: قال الحسن : رنة الشيطان. إسناده جيد ) رنة الشيطان هذا تفسير بالمثال، والرنة الصوت، فقوله: رنة الشيطان هذا تفسير بالمثال، والرنة الصوت، ويدخل في ذلك سائر الملاهي، وتقدم لنا أن الجبت أنها كلمة تقع على الساحر والكاهن والصنم، فقوله: رنة الشيطان، قول الحسن هذا من باب التفسير بالمثال، أو تفسير الشيء ببعض أفراده، وإلا فإنه يشمل هذا ويشمل غيره.قال: (ولـأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه) يعني قوله: (ولـأبي داود ) يعني أن أبا داود والنسائي وابن حبان في صحيحه رووا المرفوع فقط المسند منه، يعني: أنهم رووا المرفوع فقط.الشاهد من هذا الحديث: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت الذي هو السحر، لكن هذه الأشياء من السحر بالمعنى العام، فالطرق: الخط بالأرض من السحر بالمعنى العام، والعيافة: زجر الطير من السحر بالمعنى العام.وكذلك الطيرة التشاؤم من السحر بالمعنى العام، وليست من السحر بالمعنى الخاص، فنفهم أن السحر سحران: سحر بالمعنى الخاص، وسحر بالمعنى العام؛ لأن هذه الأشياء تشترك مع السحر بالمعنى الخاص في الخفاء.ولأنه كما تقدم لنا هذه الأشياء لكثرة وقوعها وخفائها عن الناس ربما تلتبس بكرامات الأولياء، ثم بعد ذلك يؤول الأمر إلى أن تعبد أصحابها.
    شرح حديث: (من اقتبس شعبة من النجوم ...)
    قال رحمه الله تعالى: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من اقتبس ). من: شرطية، واقتبس: فعل الشرط، وقوله: اقتبس: تعلم.( شعبة ) يعني: طائفة وقطعة من النجوم.( فقد اقتبس شعبة من السحر ) جواب الشرط، يعني: تعلم شعبة من السحر، أو طائفة من السحر.( زاد ما زاد ) يعني: كلما زاد شيئاً من علم النجوم زاد له من الإثم، مثل إثم الساحر، وهذا سيأتينا إن شاء الله، أيضاً ما يتعلق بالتنجيم هذا سيأتينا إن شاء الله، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بعلم النجوم، وأن علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم التسيير، وعلم التأثير، وأن كلاً منهما له حكمه الخاص، كما سيأتينا إن شاء الله بيانه.في هذا الحديث -رواه أبو داود بإسناد صحيح- أن التنجيم من السحر، لكنه من السحر بالمعنى العام، ليس من السحر بالمعنى الخاص.
    شرح حديث: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر)
    قال: (وللنسائي من حديث أبي هريرة : ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ) ) أي: من عقد عقدة يعني: على شكل ما يفعله السحرة، من عقد الخيوط ونحوها.والنفث هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل.قال: ( فقد سحر ) أيضاً.( من ) هذه شرطية، و( قد سحر ) جواب الشرط.قال: ( ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه ) فقد سحر يعني: فعل السحر المحرم. ( ومن سحر فأشرك )؛ لأن السحر لا يتأتى إلا بالشرك، وتقدم لنا أن السحر سحران: سحر بواسطة الشياطين، وسحر بواسطة الأدوية.قال: ( ومن تعلق شيئاً وكل إليه ) يعني: من علق قلبه بشيء واعتمد عليه وكله الله إلى ذلك الشيء وخذله.هنا الشاهد من هذا: قوله: ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك ) وهذا من السحر الخاص.
    شرح حديث: (ألا أنبئكم ما العضه)
    قال رحمه الله: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا ) ) ألا: أداة استفتاح وتنبيه.( ألا هل أنبئكم ) يعني: أخبركم.( ما العضه؟ ) فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ( هي النميمة القالة بين الناس ) يعني: نقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد. (رواه مسلم ).في هذا: أن النميمة من السحر على الوجه العام، وأصبحت من السحر على وجه عام للإفساد، فكما أن السحر فيه إفساد فالنميمة فيها إفساد، فهو من السحر على الوجه العام.
    شرح حديث: (إن من البيان لسحراً)
    قال رحمه الله تعالى: ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من البيان لسحرا ). ( من ) هذه تبعيضية. و( البيان ) هو البلاغة والفصاحة في القول. ( لسحراً ) يعني: أنه يعمل عمل السحر، فيجعل الحق باطلاً والباطل حقاً ويؤثر فيه، ولا شك أن الشخص إذا كان عنده قوة حجة وبيان فإن هذا يسحر السامع، فيجعل الحق -بقوة الحجة والبيان- باطلاً والباطل حقاً؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع ). يعني: يقضي حسب ما سمع. قال: ( فمن قضيت له بحق لأخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار ). فدل ذلك على أن البيان وقوة الفصاحة والبلاغة تعمل عمل السحر في التأثير، فكما أن السحر مؤثر، أيضاً البيان يكون مؤثراً، وفي هذا أن البيان من السحر بالمعنى العام، فالبيان يؤثر كما أن السحر يؤثر.

    الكهانة

    قال رحمه الله: [باب ما جاء في الكُهان].الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن إتيان الكهان وسؤالهم منه ما يكون كفراً مخرجاً من الملة، ومنه ما يكون كفراً غير مخرج من الملة، كما سيأتينا إن شاء الله، فلما كان كفراً ناسب أن يأتي به المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد.ومناسبت لما قبله: أن المؤلف رحمه الله في ما قبله تكلم عن السحر، ثم بعد ذلك تكلم عن الكهانة، والساحر والكاهن يعتمدان على الشياطين في الإخبار عن المغيبات.وقوله: (باب ما جاء في الكهان) يعني: من التغليظ والتشديد.(ونحوهم ) كالعرافين والمنجمين والرمالين.
    شرح حديث: (من أتى عرافاً فسأله...)
    قال رحمه الله: (روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى عرافاً ) ). ( من ) هذه شرطية.( أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ).قوله: ( فصدقه ) هذه اللفظة ليست في مسلم .وقوله: ( لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ) يعني: أنه لا ثواب فيها، يعني: هذه الصلاة مسقطة للطلب، ومبرئة للذمة، لكن لا ثواب فيها، فمن أتى كاهناً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، بمعنى: أنه لا يثاب عليها.في هذا وجد الشاهد واضح، وجه الشاهد: أن فيه النهي عن إتيان الكهنة ونحوهم وتصديقهم، وتحريم الذهاب إلى الكهنة وتصديقهم وكما سيأتينا إن شاء الله.قال: (وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) ) سيأتينا إن شاء الله ما هو هذا الكفر، هل هو كفر أكبر أو كفر أصغر؟ سيأتي بيانه بإذن الله. قال: (رواه أبو داود ).قال: (وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ). قوله: (أو) هذه يحتمل أنها للتنويع، ويحتمل أنها للشك.قال: (ولـأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (32)

    مما ينقض التوحيد أو يخدشه إتيان الكهان والعرافين والمنجمين؛ فمن أتى واحداً منهم معتقداً صدقه ومعرفته بالغيب النسبي أو المطلق من غير إخبار أحد له؛ فقد كفر كفراً أكبر، ومن أتاه معتقداً كذبه أو أن أحداً أخبره فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، ومن أتاه منكراً مبينا
    أقسام إتيان السحرة والكهان
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ).ولـأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً.وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً: ( ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )، رواه البزار بإسناد جيد.ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: ( ومن أتى ).. إلى آخره. قال البغوي : العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.وقال أبو العباس ابن تيمية : العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق ].تقدم لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ). والذي أنزل على محمد هو القرآن، وفيه دليل على علو الله عز وجل.قال: (وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ).الخلاصة في إتيان السحرة والكهنة: نقول بأن هذا ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: أن يأتيهم ويسألهم ويصدقهم في الغيب المطلق، حكم هذا أنه كفر أكبر، إذا سألهم وصدقهم في الغيب المطلق نقول بأن هذا كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأن الغيب المطلق -غيب السماوات والأرض- لا يعلمه إلا الله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].القسم الثاني: أن يسألهم ويصدقهم في الغيب النسبي مع اعتقاد أن الشياطين لا تخبرهم، هذا حكمه كفر أكبر.والمراد بالغيب النسبي: يعني: ليس الغيب المطلق، مثل معرفة مكان الضالة، ومثل ما يفعل كثير من الناس اليوم، يذهبون إلى السحرة والكهنة: أين مكان السحر؟ ما سبب مرض فلان؟ أين؟ فهذا سؤال في الغيب النسبي، وهو يعتقد أن الشياطين لا تخبره، وأنه يعلم بهذا، فهذا كفر أكبر.القسم الثالث: أن يسألهم ويصدقهم في الغيب النسبي، وهو يعتقد أن الشياطين تخبرهم، وهذا الذي عليه عامة الناس، يسأله في الغيب النسبي وهو يعتقد أن الشياطين تخبره، فهذا فيه عقوبتان؛ العقوبة الأولى أنه كفر أصغر، والعقوبة الثانية: لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما جاء في الحديث السابق.القسم الرابع: مجرد أن يأتيه، فنقول: هذا لا يجوز؛ لما فيه من تكثير سوادهم، ولحديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم ، قال: ( ومنا رجال يأتون الكهان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم ).القسم الخامس: أن يأتيهم لكي يبين دجلهم ويفضحهم، أو يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فهذا نقول بأنه مشروع، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى ابن صياد وهو كاهن من الكهان، ودجال من الدجاجلة.ومثلها هذه القنوات، لا يجوز للمسلم أن يتابعها، وأن يتصل عليهم.
    شرح حديث: (ليس منا من تطير أو تطير له...)
    قال رحمه الله: (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً: ( ليس منا من تطير أو تطير له ) ).الطيرة كما سيأتينا، سيعقد لها المؤلف رحمه الله باباً مستقلاً، التطير في اللغة: التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو معلوم، أو نقول: التطير: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.قال: ( أو تكهن ).وقوله: ( تطير ). يعني: فعل الطيرة.( تطير له ) يعني: أمر من يتطير له. ( تكهن ) فعل الكهانة، وكما تقدم لنا الكهانة: هي الإخبار عن المغيبات في المستقبل.( أو تكهن له ) أي: أمر من يفعل له الكهانة.قوله: ( أو سحر ) فعل السحر، تقدم لنا تعريف السحر. قوله: ( أو سحر له ) أمر من يفعل له السحر.قال: ( ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) رواه البزار بإسناد جيد. ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: ( ومن أتى ).. إلى آخره.
    تعريف العراف
    قال رحمه الله: (قال البغوي : العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن).العراف موضع خلاف في تعريفه، فقيل بأن العراف هو الكاهن، وقيل: بأن العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستخدمها، يعني: معرفة مكان الضالة ونحو ذلك بمقدمات يستخدمها، وقيل بأنه يشمل هذا كله، قيل بأنه اسم عام يشمل الكاهن والمنجم والعراف، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.قال: (وقيل: الذي يخبر عما في الضمير) هذا القول الرابع.(وقال أبو العباس ابن تيمية : العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) فأصبح العراف في تفسيره أربعة أقوال: القول الأول: أن المراد بالعراف: الكاهن.والقول الثاني: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستخدمها.والقول الثالث: الذي يخبر عما في الضمير. والقول الرابع: الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه شامل، وأنه اسم عام يشمل الكاهن ويشمل المنجم، ويشمل الرمال ونحو ذلك.
    حكم النظر في النجوم
    قال رحمه الله تعالى: (وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق).قوله: (أبا جاد): يعني: يقطعون حروف أبجد هوز، التي تسمى حروف الجمل، ويتعلمونها لادعاء علم الغيب، ولا شك أن ادعاء علم الغيب ادعاء خصيصة من خصائص الله عز وجل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].(وينظرون في النجوم) سيأتينا باب مستقل إن شاء الله في ما يتعلق بالنجوم، فهم ينظرون في حركات النجوم ويستدلون بها على الحوادث الأرضية، وأن علم التنجيم ينقسم إلى قسمين: علم التسيير، وعلم التأثير، وكل قسم تحته أقسام.قال: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق) يعني: ليس له نصيب وحظ عند الله عز وجل، وهذا مما يدل على الكفر.
    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا)
    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا ) ظاهر هذا الكفر، لكن معنى هذا الحديث: ليس منا في هذا العمل، كذا معناه، وإلا ظاهره الكفر.( ليس منا من تطير أو تطير له، أو سحر أو سحر له ) إن كان هذا العمل كفراً فهو على ظاهره، أي: ليس من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من أتباعه إذا كان على ظاهره، فإذا كان عمله كفراً كادعاء علم الغيب ونحو ذلك، فهذا على ظاهره.وإن كان عمله ليس كفراً فنقول بأن قوله عليه الصلاة والسلام: ( ليس منا ). في هذا العمل.ومن ذلك حديث ابن مسعود في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ).وفي هذا الحديث، الشاهد واضح، وهو: تحريم إتيان الكهنة والسحرة، وتقدم ما يتعلق بحكم إتيانهم.أيضاً في هذا قول ابن عباس : هذا الأثر كتابة أبي جاد وتعلمها لادعاء معرفة الغيب يدل على أنه كفر، لأن ادعاء معرفة الغيب هذا من خصائص الله عز وجل، وأيضاً النظر في النجوم لادعاء معرفة الغيب كفر، ولهذا قال: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق).
    ما جاء في النشرة
    قال رحمه الله: [باب ما جاء في النشرة].مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر حكم السحر، ثم بعد ذلك ذكر ما جاء في النشرة؛ لأن النشرة قد تكون من قبل الشياطين، فتكون مضادة للتوحيد.ومناسبة هذا الباب لما قبله واضح؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر ما يتعلق بالسحر، ثم ذكر ما يتعلق بإتيان الكهنة، ثم ذكر ما يتعلق بالنشرة.والنشرة: هي حل السحر، كما سيأتينا إن شاء الله أن حل السحر ينقسم إلى قسمين.قال رحمه الله تعالى: [عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: ( هي من عمل الشيطان ). رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود ، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله].النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة -يعني: النشرة التي كان يتعامل بها أهل الجاهلية-، فقال: ( هي من عمل الشيطان )؛ لأنهم ينشرون عن المسحور بسحر مثله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هي من عمل الشيطان ).
    أقسام النشرة وحكم كل قسم
    النشرة تنقسم إلى قسمين، يعني: حل السحر ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: حل السحر بالقراءات والأدعية المباحة ونحو ذلك، فهذا مشروع، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر رقته عائشة ورقاه جبريل.القسم الثاني: حل السحر بسحر مثله، فهذه هي التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( بأنها من عمل الشيطان ).وأيضاً كما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره ذلك كله.وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر بأنه لا ضرورة إلى دواء؛ لأن فقهاء الحنابلة يقولون: يجوز حل السحر بسحر مثله ضرورة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: بأنه لا ضرورة إلى دواء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء، فلا يصار إلى الدواء المحرم، وإنما يصار إلى الدواء المباح، لكن يحتاج إلى البحث عنه: ( فما أنزل الله عز وجل من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله ). ولم يجعل الله عز وجل شفاء هذه الأمة في ما حرم عليهم، ولا شك أن إتيان السحرة من أجل حل السحر محرم ولا يجوز.وتقدم لنا أن إتيان السحرة ينقسم إلى أقسام، ومنه ما يكون كفراً أكبر، ومنه ما يكون كفراً أصغر، ومنه ما يكون محرماً. وتقدم أن الشياطين أنها في الغالب لا تخدم الإنسي إلا بالشرك بالله عز وجل أو بالكفر، إما بالشرك أو بالكفر، يعني: إما بالذبح للمخلوق، أو بالسجود لغير الله عز وجل، أو بسب الله أو سب رسوله أو غير ذلك. والله أعلم، وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (33)


    حرم الإسلام التعلق بالأشياء الموهومة أو بعالم الجن والشياطين لصرف شرهم.ومن ذلك أنه حرم فك السحر بسحر مثله، وأخبر بأن هذا من عمل الشيطان، وأجاز التداوي منه بالرقى الشرعية والأدوية المباحة.كما حرم الطيرة والتشاؤم، فلا يجوز للمسلم أن يعلق قلبه بشيء موهوم ل
    تابع أقسام النشرة
    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي البخاري عن قتادة : قلت لـابن المسيب : رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال : لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر.قال ابن القيم : النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بمثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن ، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز ].قال رحمه الله: (وفي البخاري عن قتادة قلت لـابن المسيب : رجل به طب) يعني: به سحر.(أو يؤخذ عن امرأته) يعني: يمنع عن امرأته.(أيحل عنه أو ينشر؟ قال : لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر.قال ابن القيم : النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر بمثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن ، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني : النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز).تقدم الكلام على حل السحر، وأن حل السحر ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: حل السحر بسحر مثله، وهذا لا يجوز، وهو محرم، وتقدمت الأدلة على ذلك، وأن ( من أتى كاهناً فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ).. إلى آخره، تقدمت الأدلة على ذلك، وأيضاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ ولأن الشيطان من الجن لا يخدم الإنسي إلا بالكفر بالله عز وجل أو بالشرك، إما السجود أو بالذبح أو بإهانة المصحف أو سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم.. إلى آخره.والقسم الثاني من النشرة: حل السحر بالأدعية المباحة وبالقراءات والأدوية والتعوذات، فهذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر رقاه جبريل ورقته عائشة ، وأما ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها وفيه قولها للنبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا تنشرت )، فالمقصود بذلك: النشرة المباحة.وأيضاً ما جاء عن ابن المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته. يعني يمنع من جماعها، أيحل عنه أو ينشر.. إلى آخره، فالمقصود بذلك: يحمل كلام ابن المسيب رحمه الله على المقصود: أن به النشرة المباحة، هذا الذي يظهر، والله أعلم.
    ما جاء في التطير
    قال رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في التطير ].التطير: مصدر تطير يتطير، والطيرة: اسم مصدر من تطير طيرة، والتطير في اللغة: التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، وهذا التشاؤم سمي تطيراً لأن العرب كثيراً ما كانوا يتشاءمون بالطير، فسمي هذا التشاؤم تطيراً.ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من أقسام التطير ما هو شرك، سواء كان شركاً أكبر، أو كان شركاً أصغر، فهذا مما ينافي أصل التوحيد أو ينافي كماله.وأما مناسبته لما قبله: فإتيان السحرة والكهنة... إلى آخره، هذا كله من باب التعلق بالأمور الموهومة، ومثله أيضاً التطير، هذا من باب التعلق بالأمور الموهومة التي لا حقيقة لها.
    تفسير قوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله ..)
    قال رحمه الله: [ باب ما جاء في التطير.وقول الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131] ].(ألا): أداة تنبيه. (إنما): أداة حصر. (طائرهم) يعني: ما قضي عليهم وقدر لهم. (عند الله): يعني: إنما جاءهم الشؤم عند الله من قبله، وبحكمه سبحانه وتعالى الكوني القدري بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131] عدم العلم هو الجهل، فهذا وصف لهم بالجهالة. وقوله: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:19] يعني: حظكم، حظكم وما أصابكم من شر معكم.فقوله: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:19] يعني: بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم لمن نصحكم. أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ [يس:19] أي: من أجل أنا ذكرناكم قابلتمونا بقولكم: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس:18].مناسبة هاتين الآيتين: في الآية الأولى وفي الآية الثانية بين الله سبحانه وتعالى أن التطير من عمل أهل الجاهلية، ففي الآية الأولى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131]. يدل على أنهم يتطيرون، وأن التطير من عمل الجاهلية.و قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:19]. أيضاً هذا التشاؤم من عمل الجاهلية، والقاعدة في التفسير: أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد بخير فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: أن نحبه، والأمر الثاني: أن نقتدي به وأن نتابعه في هذا الأمر الذي أثنى الله عز وجل عليه بالخيرية بسببه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما أثنى عليه بالخير ومدحه، إنما يريد منا أن نتبعه في هذا الأمر. وإذا أثنى الله عز وجل على عبد بالقرآن بشر، فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: أن نبغضه.والأمر الثاني: أن نتجنب هذا الفعل، والله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء المشركين بالتطير، فهذا يطلب منا أن نتجنب هذا العمل، ففي هذا أنه من عمل أهل الجاهلية وأهل الكفر، والله سبحانه وتعالى ذمهم بذلك، فنترك هذا العمل ونتجنبه.
    شرح حديث: (لا عدوى ولا طيرة)
    قال رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عدوى ) ].العدوى: اسم من الإعداء، وهو مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره.وهنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا عدوى ) هل هو نفي للسبب أو نفي لذات العدوى؟ العدوى سبب، لكن المقصود: أنها لا تعدي بذاتها، وإنما كل شيء بقضاء الله وقدره، فالذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم ما يعتقده أهل الجاهلية أن العدوى تسري بطبعها دون قضاء الله وقدره، يعني: بذاتها تعدي، والصحيح: أنها لا تعدي بذاتها، ولا تسري بطبعها، وإنما كل شيء بقضاء الله وقدره، فهي سبب من الأسباب، لكن هذا السبب لابد له من إذن الله الكوني القدري، فالذي نفاه أن تكون معدية بذاتها، لم ينف أن تكون سبباً من الأسباب؛ لأن الواقع يدل لذلك وأنها سبب، ومحو الأسباب قدح في العقل لا شك.قال: [( ولا طيرة )] الطيرة: هي التشاؤم. تقدم تعريفها.قال: [( ولا هامة )] الهامة: هي البومة، وكان العرب يتشاءمون بها، فجاء الشرع بإبطال ذلك.[( ولا صفر )]، أيضاً الصفر، قيل: بأنه الشهر المعروف، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به في الزواج، وقيل: إن صفر هذه حية تكون في البطن تصيب الماشية.قال: [وزاد مسلم : ( ولا نوء )] والنوء: هو النجم، وسيأتينا إن شاء الله في باب التنجيم.[( ولا غول )] الغول: جنس من الجن والشياطين، يزعمون أنها تضلهم الطريق، هذه الغول يزعمون أنها تضلهم الطريق وتهلكهم.الشاهد من هذا: أن الشارع نفى الطيرة، نفى التشاؤم، وأنه من باب التعلق بالأوهام.
    معنى الفأل
    قال رحمه الله: [ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل )] يعجبني: يسرني وأستحسن الفأل.وفسر الفأل قال: [قالوا: وما الفأل؟ قال: ( الكلمة الطيبة )] يعني: أن يسمع الكلمة الطيبة فيستبشر ويستحسن، لكنه لا يتشاءم ويترك، فالتشاؤم هو أن يسمع الكلمة القبيحة ويترك، وسيأتينا في أقسام التطير.الشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الطيرة، وأن الطيرة ليست من الأسباب التي جاء الشرع بإثباتها، أو دل الواقع على إثباتها، أو التجربة والحس على أنها سبب، وإنما هو تعلق بالموهوم، فجاء الشارع بإبطال هذا السبب بالكلية.
    شرح حديث: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت...)
    قال: [ ولـأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ) ].وقوله: ( لا ترد مسلماً ) ] بخلاف الكافر، فإن الكفار يتعلقون بالأشياء الموهومة.( اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت) والطيرة لا تأتي بالحسنات، ولا تدفع السيئات، وقد تقدم لنا أن الطيرة ليست سبباً صحيحاً، فهي ليست من الأسباب التي أثبتها الشارع، وكذلك ليست من الأسباب التي أثبتتها التجربة والحس والواقع.قال: [( ولا يدفع السيئات إلا أنت )] يعني: المصائب، الحسنات: الخير من مال وصحة وغير ذلك، والسيئات: المصائب والفقر.. إلى آخره.[( ولا حول )] الحول: هو التحول والانتقال من حال إلى حال.[( ولا قوة )] يعني: لا إعانة على ذلك. [( إلا بك )] إلا بك وحدك يا الله.وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف فيه ضعف.
    أقسام الطيرة وحكم كل قسم
    أولاً نفهم قاعدة، وهي: أن التطير ليس من الأسباب الصحيحة، وإنما هو من الأسباب الموهومة، فلم يدل الدليل على إثباته لا من الشرع، ولا من الحس والواقع والتجربة، فهو من الأسباب الموهومة، وإذا كان كذلك فنقول بأن التطير ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: أن يتشاءم ويترك العمل، وهو محرم وشرك أصغر؛ لأنه تعلق بسبب موهوم لم يدل عليه الشرع، ولم تدل له التجربة والحس والواقع، فإذا سمع مثلاً كلمة قبيحة، أو رأى منظراً قبيحاً ترك العمل، فنقول: بأن هذا شرك أصغر.القسم الثاني: أن يترك العمل مع اعتقاد أنه مؤثر بذاته، فهذا شرك أكبر.القسم الثالث: لم ترده الطيرة، لكنه يمضي وفي قلبه شيء من القلق، هذا ليس شركاً؛ لأنه ما اعتمد على السبب، لكن هذا نقص بالتوحيد.القسم الأخير: أن يمضي وقلبه مطمئن سالم، وهذا تمام التوحيد.والله أعلم، وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,298

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (34)


    أرشدنا الإسلام إلى عدم التعليق بالأشياء الموهومة التي لم يثبت نفعها ولا ضرها في الشرع ولا في الواقع، ومن ذلك أنه حرم التشاؤم بالأشياء، فهي لا تجلب خيراً، ولا تمنع شراً، بل جاء في الحديث أن من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك.ومن ذلك التنجيم، وهو ربط ما يحدث
    شرح حديث ابن مسعود: (الطيرة شرك ...)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن ابن مسعود مرفوعاً: ( الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل ). رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود .ولـأحمد من حديث ابن عمرو : ( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله! ما كفارة ذلك؟ قال: أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك ).وله من حديث الفضل بن العباس : ( إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ).باب ما جاء في التنجيم: قال البخاري في صحيحه: قال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. انتهى.وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص فيه ابن عيينة ، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق .وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر ). رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ].وعن ابن مسعود مرفوعاً: ( الطيرة شرك، الطيرة شرك ) تقدم لنا تعريف الطيرة، وتعريف الشرك، وذكرنا أن الطيرة هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، وأن هذا التشاؤم قد يكون شركاً أكبر، وقد يكون شركاً أصغر، وقد يكون نقصاً في التوحيد، فإذا تشاءم وترك العمل، وهو يعتقد أن هذا المتشاءم به يؤثر بذاته فهذا شرك أكبر.القسم الثاني: إذا اعتقد أنه مجرد سبب وأن الضر والنفع بيد الله عز وجل، فهذا شرك أصغر. والقسم الثالث: أن يمضي وفي قلبه شيء من القلق، فهذا نقص.والقسم الرابع: أن يمضي وقلبه سالم، فهذا هو تمام التوحيد.قال: ( ولكن الله يذهبه بالتوكل ) التوكل هو الاعتماد على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر.( وما منا ) يعني: فيه إضمار، تقديره: وما منا إلا وقع في قلبه شيء منها.( ولكن الله يذهبه بالتوكل ) يعني: بالاعتماد على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر.رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود . يعني: (وما منا)، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الشرك.مناسبة هذا الحديث للباب: فيه دليل على أن الطيرة شرك، وتقدم لنا هل هي شرك أكبر أو أصغر.
    شرح حديث: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)
    قال رحمه الله: (ولـأحمد من حديث ابن عمرو : ( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ) ) ما نوع هذا الشرك، يعني: ترك العمل من أجل هذا التشاؤم؟ فيه تفصيل:إن اعتقد أن هذا المتشاءم فيه يضر وينفع من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه مجرد سبب وأن الضر والنفع بيد الله فهو شرك أصغر؛ لأنه أثبت سبباً لم يرد في الشرع أنه سبب، ولم تشهد له التجربة الظاهرة المباشرة؛ ولأنه لم يخلص توكله على الله عز وجل، حيث التفت قلبه إلى هذا الموهوم.(قالوا: يا رسول الله! ما كفارة ذلك؟) يعني: ما يقع من الطيرة.قال: ( أن يقول: اللهم ) معناها يا الله. ( اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك ). لا: هذه نافية للجنس.وقوله: ( لا خير إلا خيرك ) يعني: الذي يأتي بالخير هو الله سبحانه وتعالى.( ولا طير إلا طيرك ) الطير كلها مخلوقة لله عز وجل، وتحت تصرفه وقدرته، وينفذ فيها قضاؤه الكوني القدري.( ولا إله غيرك ) لا معبود بحق إلا أنت يا الله!وله من حديث الفضل بن العباس : ( إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ) يعني: في هذا بيان الطيرة المنهي عنها، والطيرة التي ينهى عنها هي التي تمضي أو ترد، كما كانوا يتطيرون الجاهلية في الطيور إذا سنحت يميناً ذهب، وإن سنحت شمالاً ترك الذهاب.. إلى آخره، هذا هو التطير -التشاؤم-.
    الفرق بين الطيرة والفأل
    تقدم لنا أن الفأل هي الكلمة الطيبة يسمعها المسلم فيحصل له شيء من السرور والنشاط، بخلاف الطيرة، فالطيرة إما تمضيك أو تردك، أما كونه يتفاءل إذا سمع شيئاً حسناً... إلى آخره، ومع تعليق القلب بالله عز وجل فهذا يستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، فالفأل يكون في ما يسر، بخلاف الطيرة، والفأل فيه حسن الظن بالله عز وجل، بخلاف الطيرة، ففيها سوء ظن بالله عز وجل.
    ما جاء في التنجيم
    قال رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في التنجيم).يعني: ما جاء في التنجيم من الوعيد، ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، فإن من أقسام التنجيم كما سيأتينا ما هو شرك، فناسب أن يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد.ومناسبة هذا الباب لما قبله: ففي الذي قبله: التطير اعتماد على شيء موهوم، ومثله أيضاً التنجيم اعتماد على شيء موهوم، كما في علم التأثير.والتنجي : معنى التنجيم: تعلم علم النجوم، أو اعتقاد تأثير النجوم.وأما في الاصطلاح: فهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.كأن يستدل بحركات النجوم على المغيبات وما سيحدث في الأرض ونحو ذلك.وسيأتينا إن شاء الله أن التنجيم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم التأثير، وعلم التأثير ينقسم إلى ثلاثة أقسام، والقسم الثاني: علم التسيير، وعلم التسيير سيأتينا أيضاً أنه ينقسم إلى قسمين.
    شرح كلام قتادة: (خلق الله النجوم لثلاث ...)
    (قال البخاري ) يعني: قاله البخاري تعليقاً.(قال البخاري في صحيحه: قال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث). وقوله: (خلق هذه النجوم لثلاث) مأخوذ من القرآن الكريم.(زينة للسماء) كما في قول الله عز وجل: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5].(ورجوماً للشياطين) كما في الآية السابقة: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5].وعلامات يهتدى بها إلى الجهات والبلدان، فالذين يعرفون النجوم يتمكنون من معرفة الجهات: الشرق والغرب والشمال والجنوب، وكذلك يهتدون بها بإذن الله عز وجل إلى البلدان، كما قال الله عز وجل: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16].وقوله: (رجوماً للشياطين) يعني: كانت الشياطين تسترق السمع، والذي تسترقه الشياطين من السمع ما يتعلق بأقضية الله الكونية القدرية، أما أقضيته الشرعية الدينية فلا تتمكن منه الشياطين؛ ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لم تتمكن الشياطين من استراق السمع: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن:9]. فرمي الشياطين بالشهب، هذا في مرحلة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.وهل استراق السمع الآن موجود أو ليس موجوداً؟ أما في وقت البعثة فهذا ليس موجوداً؛ لئلا يلتبس الشرع بكلام الكهنة، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم هل الاستراق موجود أو ليس موجوداً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، من أهل العلم من أثبته، ومنهم من منعه، والذي يظهر والله أعلم، أن المنع إنما هو كان في وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.قال: (فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به).(من تأول): يعني: من زعم أن لهذه النجوم غير ما ذكر الله عز وجل -أنها زينة، وأنها رجومٌ للشياطين، وأنها علامات يهتدى بها- فقد أضاع نصيبه، -يعني: حظه- من عمره؛ لأنه اشتغل بما لا فائدة فيه، وأخطأ؛ لأنه تكلم رجماً بالغيب. (وتكلف ما لا علم له به) يعني: قال شيئاً عن جهل، وليس عن علم.الشاهد من هذا الأثر الذي ذكره البخاري عن قتادة رحمه الله تعالى: أن هذه النجوم خلقت لهذه الحكم الثلاثة، وأن ما عدا ذلك من علم التأثير -كأن يستدل بها على المغيبات ونحو ذلك- باطل ولا يجوز، كما سيأتينا في أقسام علم التسيير.
    حكم تعلم منازل القمر
    قال رحمه الله: (وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص فيه ابن عيينة ، وذكره حرب ) كما سيأتينا في علم التأثير. (وذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق ).يقول: (كره قتادة تعلم منازل القمر) القمر له ثمانية وعشرون منزلة، أربع عشرة شمالية، وأربع عشرة يمانية، كل ليلة ينزل القمر منزلة من هذه المنازل، ثمانية وعشرون منزلة، وهذه المنازل يقطعها القمر في شهر، والشمس تقطعها في سنة، كل منزلة ثلاثة عشر يوماً إلا منزلة واحدة أربعة عشر يوماً، فهذه المنازل تسمى عند العلماء بعلم التسيير، يعني: تعلم هذه المنازل لكي يستدل بها على الجهات والبلدان ونحو ذلك، هل هذا مكروه أو ليس مكروهاً؟ كونه يتعلم منازل القمر لكي يستدل بهذه المنازل على معرفة الجهات، ومعرفة كذلك الأوقات، ودخول الفصول، وما يحتاج الناس إليه في الزراعات ونحو ذلك؛ لأن الناس يحتاجون لمثل هذه الأشياء.ذكر المؤلف رحمه الله في ما يتعلق بتعلم منازل القمر، هل هو مكروه أو ليس مكروهاً أن للسلف رحمهم الله في ذلك رأيان:قال: قتادة كره ذلك، وابن عيينة .والرأي الثاني: رأي أحمد وإسحاق بن راهويه أن هذا جائز ولا بأس به.فمن كره تعلم منازل القمر، بعداً عن ما يتعلق بعلم التأثير، كما سيأتينا إن شاء الله.وأما من رخص في تعلم منازل القمر كـأحمد وإسحاق بن راهويه فلأن تعلم مثل هذه المنازل تترتب عليه مصالح، منها: معرفة الجهات، ومعرفة الأوقات، والناس يحتاجون إليها، بل يترتب عليه مصالح دينية ودنيوية، أما المصالح الدينية فمثل معرفة الجهات، معرفة القبلة، وأما المصالح الدنيوية فمعرفة أوقات الفصول، -أوقات الزراعة- ونحو ذلك، فما دام أنه تترتب عليه هذه المصالح الدينية والدنيوية فيظهر والله أعلم أن تعلم منازل القمر جائز ولا بأس به، كما هو رأي الإمام أحمد رحمه الله.وأما ما ذهب إليه قتادة وابن عيينة فالعلة في ذلك كما تقدم لنا هو حماية التوحيد، والبعد عن الشرك؛ لأنه قد ينتقل من علم التسيير إلى علم التأثير، فكره السلف ذلك، وهكذا السلف رحمهم الله تعالى يتورعون.
    شرح حديث: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر ...)
    قال رحمه الله: (وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يدخلون الجنة: ) ) هذا الدخول ليس دخولاً مؤبداً، وإنما هو دخول مؤقت، يعني: لا يدخل الجنة ابتداءً وإن كانوا يدخلونها انتهاءً ما داموا أنهم ماتوا على التوحيد.( مدمن خمر) يعني: الذي داوم على شرب الخمر حتى مات ولم يتب منها.( وقاطع الرحم ) يعني: الذي لم يصل رحمه، ومن هو الرحم الذي يوصل؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، وأرجح الأقوال في هذا قولان:القول الأول: إن الرحم الذي يوصل هو الرحم المحرم، بمعنى: أنه لو كان الرحم أنثى ليس لك أن تنكحها.وقيل بأن الرحم الذي يوصل والذي لا يوصل، هذا راجع إلى عرف الناس، فما تعارف الناس عليه أن يوصل فيجب صلته، مثل: الآباء والأمهات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، تعارف الناس على ذلك، قالوا بأنه راجع إلى العرف.قال: ( وقاطع رحم، ومصدق بالسحر ) وتقدم لنا حكم إتيان السحرة، وأن إتيان السحرة والكهنة ينقسم إلى خمسة أقسام.وأيضاً تقدم لنا أن السحر سحران: سحر بالمعنى الخاص، وسحر بالمعنى العام، ومن السحر بالمعنى العام التنجيم، كما تقدم في كلام المؤلف رحمه الله أنه من التنجيم.في هذا الحديث الوعيد على المصدق بالسحر، ومن ذلك التنجيم.والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •