تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 29
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 29 من 37 الأولىالأولى ... 19202122232425262728293031323334353637 الأخيرةالأخيرة
النتائج 561 إلى 580 من 723

الموضوع: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

  1. #561
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الإسراء - (12)
    الحلقة (559)
    تفسير سورة الإسراء مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 231الى صــــ 235)

    { وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً } 105 { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } 106 { قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً } 107 { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } 108 { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً }109


    شرح الكلمات:

    وبالحق أنزلناه: أي القرآن.

    وبالحق نزل: أي نزل ببيان الحق في العبادات والعقائد والأخبار والمواعظ والحكم والأحكام.

    وقرآناً فرقناه: أن نزلناه مفرقاً في ظرف ثلاث وعشرين سنة لحكمة اقتضت ذلك.

    على مكث: أي على مهل وتؤده ليفهمه المستمع إليه.

    ونزلناه تنزيلاً: أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح الأمة لتكمل به ولتسعد عليه.

    أوتوا العلم من قبله: أي مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي.

    للأذقان سجداً: أي سجداً على وجوههم، ومن سجد على وجهه فقد خرَّ على ذقنه ساجداً.

    إن كان وعد ربنا لمفعولاً: منجزاً، واقعاً، فقد أرسل النبي الأمي الذي بشرت به كتبه وأنزل عليه كتابه.

    معنى الآيات:

    يقول تعالى: { وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ } أي ذلك الكتاب الذي جحد به الجاحدون، وكذب به المشركون أنزلناه بالحق الثابت حيث لا شك أنه كتاب الله ووحيه إلى رسوله، { وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ } فكل ما جاء فيه ودعا إليه وأمر به. وأخبر عنه من عقائد وتشريع وأخبار ووعد ووعيد كله حق ثابت لا خلاف فيه ولا ريبة منه. وقوله تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً } أي لم نرسلك لخلق الهداية في قلوب عبادنا ولا لإِجبارهم بقوة السلطان على الإِيمان بنا وتوحيدنا، وإنما أرسلناك للدعوة والتبليغ { مُبَشِّراً } من أطاعنا بالجنة ومنذراً من عصانا مخوفاً من النار. وفي هذا تقرير لرسالته صلى الله عليه وسلم ونبوته وقوله تعالى: { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } أي أنزلنا القرآن وفرقناه في خلال ثلاث وعشرين سنة لحكمة منا اقتضت ذلك وقوله { لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } آيات بعد آيات ليكون ذلك أَدْعَى إلى فهم من يسمعه ويستمع إليه، وقوله تعالى: { وَنَزَّلْنَاهُ 1تَنْزِيلاً } أي شيئاً فشيئاً حسب 2مصالح العباد وما تتطلبه تربيتهم الروحية والانسانية ليكملوا به، عقولاً وأخلاقاً وأرواحاً ويسعدوا به في الدارين وقوله تعالى: { قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ } أي قل يا رسولنا للمنكرين للوحي القرآني مِنْ قومك، آمنوا به أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به كعدمه لا يغير من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم تؤمنوا أنتم به وهاهم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود والنصارى قد آمنوا به، يريد أمثال عبدالله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي أصحم الحبشي وإنهم { إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي يُقرأ عليهم { يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً } أي يخرون ساجدين على أذقانهم ووجوههم ويقولون حال سجودهم { سُبْحَانَ رَبِّنَآ }3 أي تنزيهاً له أن يخلف وعده إذ وعد أنه يبعث نبي آخر الزمان وينزل عليه قرآناً، { إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } إقراراً منهم بالنبوة المحمدية والقرآن العظيم، أي ناجزاً إذ وعد بإرسال النبي الخاتم وإنزال الكتاب عليه فأنجز ما وعد، وهكذا وعد ربنا دائماً ناجز لا يتخلف، وقوله { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ4 يَبْكُونَ 5} أي عندما يسمعون القرآن لا يسجدون فحسب بل يخرون يبكون ويزيدهم سماع القرآن وتلاوته خشوعاً في قلوبهم واطمئناناً في جوارحهم لأنه الحق سمعوه من ربهم.
    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- القرآن حق من الله وما نزل به كله الحق.

    2- الندب إلى ترتيل القرآن لا سيما عند قراءته على الناس لدعوتهم إلى الله تعالى.

    3- تقرير نزول القرآن مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة.

    4- تقرير النبوة المحمدية بنزول القرآن وإيمان من آمن به من أهل الكتاب.

    5- بيان حقيقة السجود وأنه وضع الوجه على الأرض.

    6- مشروعية السجود للقارئ أو المستمع وسنية ذلك عند قراءة هذه الآية وهي { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } فيخر ساجداً مكبراً في الخفض وفي الرفع قائلاً: الله أكبر ويسبح ويدعو في سجوده بما يشاء.
    _________________

    1 قال القرطبي: لا خلاف في أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة.
    2 {تنزيلا} : مصدر مؤكد لنزوله نجما بعد نجم وهو معنى مفرّقا آية بعد آية وسورة بعد سورة حتى اكتمل نزوله.
    3 في الآية دليل على مشروعية التسبيح في السجود وشاهده من السنة رواية مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر أن يقول في سجوده وركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" وورد أنه فعله استجابة لقول الله تعالى {فسبّح بحمد ربك واستغفره} آخر سورة النصر.
    4 {الأذقان} جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، والسجود على الجبهة والأنف وإنما ذكر الأذقان هنا لأنّ اللحية تصل إلى الأرض قبل الجبهة والأنف إذا كانت طويلة كما هي السنة.
    5 دلت الآية على أن البكاء في الصلاة لا يقطعها، والخلاف في النفخ والأنين والتنحنح والصحيح أنّ ما كان بحروف تسمع كان كلاماً ويقطع الصلاة وما لم يكن بحرف فلا فقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبكي في صلاته ويسمع له أزير كأزير المرجل.

    *************************
    { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } 110 { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً }111


    شرح الكلمات:

    ادعوا الله أو ادعوا الرحمن: أي سموه بأيهما ونادوه بكل واحد منهما الله أو الرحمن.

    أيا ما تدعوا: أي إن تدعوه بأيهما فهو حسن لأن له الأسماء الحسنى وهذان منها.

    ولا تجهر بصلاتك: أي بقراءتك في الصلاة كراهة أن يسمعها المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله.

    ولا تخافت بها: أي ولا تسر به إسراراً حتى ينتفع بقراءتك أصحابك الذين يصلون وراءك بصلاتك.

    وابتغ بين ذلك سبيلاً: أي اطلب بين السر والجهر طريقاً وسطاً.

    لم يتخذ ولداً: كما يقول الكافرون.

    ولم يكن له شريك: كما يقول المشركون.

    ولم يكن له ولي من الذل: أي لم يكن له ولي ينصره من أجل الذل إذ هو العزيز الجبار مالك الملك ذو الجلال والإِكرام.

    وكبره تكبيرا: أي عظمه تعظيماً كاملاً عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل.

    معنى الآيات:

    كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه يا الله. يا رحمن، يا رحمن يا رحيم فسمعه المشركون وهم يتصيدون له أية شبهة ليثيروها ضده فلما سمعوه يقول: يا الله، يا رحمن قالوا: أنظروا إليه كيف يدعو إلهين وينهانا عن ذلك فأنزل الله تعالى:1 { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } أي قل لهم يا نبينا ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فالله هو الرحمن الرحيم { أَيّاً مَّا تَدْعُواْ } منهما الله أو الرحمن فهو الله ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى وقوله تعالى: { وَلاَ تَجْهَرْ2 بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } أي وسطاً بين السر والجهر، وذلك أن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبُّوا قارئه ومن أنزله، فأمر الله تعالى رسوله والمؤمنون تابعون له إذا قرأوا في صلاتهم أن لا يجهروا حتى لا يسمع المشركون قراءتهم ولا يسروا حتى لا يحرم سماع القرآن من يصلي وراءهم فأمر رسول الله بالتوسط بين الجهر والسر.

    وقوله تعالى: 3{ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً }. أي أمر الله تعالى الرسول أن يحمد الله الذي لم يتخذ ولداً كما زعم ذلك بعض العرب، إذ قالوا الملائكة بنات الله! وكما زعم ذلك اليهود إذ قالوا عزير بن الله والنصارى إذ قالوا عيسى بن الله! { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ } كما قال المشركون من العرب: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك!

    { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } كما قال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل الله!

    { وَكَبِّرْهُ } أنت أو عظمه يا رسولنا تعظيماً من أن يكون له وصف النقص والافتقار والعجز.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- إن لله الأسماء الحسنى وهي مائة اسم إلا اسماً واحداً4 فيدعى الله تعالى وينادى بأيها، وكلها حسنى كما قال تعالى في سورة الأعراف:{ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } [الآية: 180].

    2- بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للرسول والقرآن والمؤمنين..

    3- مشروعية الأخذ بالاحتياط للدين كما هو للدنيا.

    4- وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه وتنزيهه عن كل عجز ونقص.

    5- هذه الآية { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } تسمى آية العز هكذا سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    _____________________

    1 فنزلت الآية مبيّنة أنهما الله والرحمن اسمان لمسمى واحد فإن دُعي يا الله فهو ذاك وإن دعي يا رحمن فهو ذاك.
    2 روى مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} الخ قوله نزلت ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متوارٍ بمكة وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به". فقال الله تعالى: {ولا تجهر بصلات ك،} فيسمع المشركون قراءتك {ولا تخافت بها} عن أصحابك أي: أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر {وابتغ بين ذلك سبيلا} أي: بين الجهر والمخافتة كان هذا في مكة ثم استقرت السنة بالجهر في صلاة الصبح والمغرب والعشاء في الركعتين الأولتين والسر في صلاة الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخيرتين من صلاة العشاء.
    3 روي عن عمر أنه قال: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها، وورد أنّ هذه الآية {وقل الحمد لله} الخ خاتمة التوراة وفاتحتها أوّل سورة الأنعام.
    4 الإجماع على أنه لا يصح وضع اسم لله تعالى بالنظر والاجتهاد وإنما أسماؤه وصفاته توقيفية مصدرها الوحي الإلهي: الكتاب والسنة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #562
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (1)
    الحلقة (560)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 235الى صــــ 241)

    سورة الكهف1
    مكية


    { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } 1 { قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً } 2 { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } 3 { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً } 4 { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } 5 { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }6


    شرح الكلمات:

    الحمد لله: الحمد الوصف بالجميل، والله عَلَم على ذات الرب تعالى.

    الكتاب: القرآن الكريم.

    ولم يجعل له عوجاً: أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه.

    قيما: أي ذا اعتدال لا إفراط فيه ولا تفريط في كل ما حواه ودعا إليه من التوحيد والعبادة والآداب والشرائع والأحكام.

    بأساً شديداً: عذاباً ذا شدة وقسوة وسوء عذاب في الآخرة.

    من لدنه: من عنده سبحانه وتعالى.

    أجراً حسنا: أي الجنة إذ هي أجر المؤمنين العاملين بالصالحات.

    كبرت كلمة: أي عظمت فرية وهي قولهم الملائكة بنات الله.

    إن يقولون إلا كذباً: أي ما يقولون إلا كذباً بحتاً لا واقع له من الخارج.

    باخع نفسك: قاتل نفسك كالمنتحر.

    بهذا الحديث أسفاً: أي بالقرآن من أجل الأسف الذي هو الحزن الشديد.

    معنى الآيات:

    أخبر تعالى في فاتحة سورة الكهف2 بأنه المستحق للحمد، وأن الحمد لله وذكر موجب ذلك، وهو إنزاله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الفخم العظيم وهو القرآن العظيم الكريم فقال: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ } وقوله تعالى، { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا 3} أي ولم يجعل لذلك الكتاب العظيم عوجاً أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانية فهو كلام مستقيم محقق للآخذ به كل سعادة وكمال في الحياتين. وقوله { قَيِّماً } أي معتدلا خاليا من الإِفراط والتفريط قيما على الكتب السابقة مهيمناً عليها الحق فيها ما أحقه والباطل ما أبطله.

    وقوله { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } أي أنزل الكتاب الخالي من العوج القيم من أجل أن ينذر الظالمين من أهل الشرك والمعاصي عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ينزل بهم من عند ربهم الذين كفروا به وأشركوا وعصوه وكذبوا رسوله وعصوه. ومن أجل أن يبشر بواسطته أيضاً { ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ } أي يخبرهم بما يسرهم ويفرح قلوبهم وهو أن لهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وقوله تعالى: { وَيُنْذِرَ } بصورة خاصة أولئك المتقولين على الله المفترين عليه بنسبتهم الولد إليه فقالوا: { ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً } وهم اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله! هذا ما دل عليه قوله تعالى: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداًً } وهو قول تَوَارَثُوهُ لا علم لأحد منهم به، وإنما هو مجرد كذب يتناقلونه بينهم لذا قبح الله قولهم هذا وعجّب منه العقلاء، فقال: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } أي عظم قولهم { ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً } كلمة قالوها تخرج من أفواههم لا غير إذ لا واقع لها أبداً، وقرر الانكار عليهم فقال: { إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } أي ما يقولون إلا الكذب البحت الذي لا يعتمد على شيء من الصحة البتة.
    وقوله { فَلَعَلَّكَ 4بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } يعاتب الله تعالى رسوله ويخفف عنه ما يجده في نفسه من الحزن على عدم إيمان قومه واشتدادهم في الكفر والتكذيب وما يقترحونه عليه من الآيات أي فلعلك يا رسولنا قاتل نفسك على إثر رفض قومك للإيمان بك وبكتابك وما جئت به من الهدى، حزناً عليهم، وجزعاً منهم، فلا تفعل واصبر لحكم ربك فإنه منجز وعده لك بالنصر على قومك المكذبين لك.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- وجوب حمد الله تعالى على آلائه وعظيم نعمه.

    2- لا يحمد إلا من له ما يقتضي حمده، وإلا كان المدح كذباً وزوراً.

    3- عظم شأن القرآن الكريم وسلامته من الافراط والتفريط والانحراف في كل ما جاء به.

    4- بيان مهمة القرآن وهي البشارة لأهل الإِيمان والإِنذار لأهل الشرك والكفران.

    5- التنديد بالكذب على الله ونسبة ما لا يليق بجلاله وكماله إليه كالولد ونحوه.

    6- تحريم الانتحار وقتل النفس من الحزن أو الخوف ونحوه من الغضب والحرمان.
    _________________________

    1 روى مسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال" وروى الدارمي في مسنده عن أبي سعيد الخدري رصي الله عنه: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق".. وروي أيضاً "أن من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وأعطي نوراً يبلغ السماء ووقي فتنة الدجال".
    2 روى ابن اسحق في سبب نزول سورة الكهف حديثاً طويلاً خلاصته أن وفداً من قريش أتوا اليهود بالمدينة وقالوا لهم أنتم أهل الكتاب فأخبرونا عن صاحبنا هذا- محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل فإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوافة قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟؛ وسلوه عن الروح ما هي؟ فان أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقوِّل فانظروا في أمره ما بدالكم وأتى الوفد مكة وسألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أخبركم بما سألتم عنه غداً؛ ولم يستثن أي: لم يقل إن شاء الله فانقطع الوحي نصف شهر ثم نزلت سورة الكهف وفيها جواب ما سألوا.
    3 العوج: ضد الاستقامة وهو الانحراف في الذوات والمعاني وتكسر عينه وتقع، وقيل: الكسر في المعاني والفتح في الذّوات.
    4 {باخع} مهلك نفسك، قال ذو الرّمة:
    ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه
    بشيء نحته عن يديه المقادر
    وفسّر ابن عباس رضي الله عنهما الباخع بقاتل نفسه من شدّة الحزن.

    ****************************** ******
    { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } 7 { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } 8 { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً } 9 { إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً } 10 { فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً } 11 { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً }12


    شرح الكلمات:

    صعيداً جرزاً: أي تراباً لا نبات فيه، فالصعيد هو التراب والجرز 1الذي لا نبات فيه.

    الكهف: النقب الواسع في الجبل والضيق منه يقال له " غار ".

    والرقيم: لوح حجري رقمت فيه أسماء أصحاب الكهف.

    أوى الفتية إلى الكهف: اتخذوه مأوى لهم ومنزلاً نزلوا فيه.

    الفتية: جمع فتى وهم شبان مؤمنون.

    هيئ لنا من أمرنا رشداً: أي ييسر لنا طريق رشد وهداية.

    فضربنا على آذانهم: أي ضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات.

    سنين عدداً: أي أعواماً عدة.

    ثم بعثناهم: أي من نومهم بمعنى أيقظناهم.

    أحصى لما لبثوا: أي أضبط لأوقات بعثهم في الكهف.

    أمداً: أي مدة محدودية معلومة.

    معنى الآيات:

    قوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا } من حيوان وأشجار ونبات وأنهار وبحار، وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ } أي لنختبرهم { أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أي أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا وقوله: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } أي وإنا لمخربوها في يوم، من الأيام بعد عمارتها ونضارتها وزينتها نجعلها { صَعِيداً جُرُزاً 2} أي تراباً لا نبات فيه، إذاً فلا تحزن يا رسولنا ولا تغتم مما تلاقيه من قومك فإن مآل الحياة من أجلها عادوك وعصوننا إلى أن تصبح صعيداً جرزاً. وقوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتَ 3أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ 4كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً } أي أظننت أيها النبي أن أصحاب الكهف أي الغار في الكهف والرقيم وهو اللوح الذي كتبت عليه ورقم أسماء أصحاب الكهف وأنسابهم وقصتهم { كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً 5} أي كان أعجب من آياتنا في خلق ومخلوقات، السماوات والأرض بل من مخلوقات الله ما هو أعجب بكثير. وقوله: { إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ } هذا شروع في ذكر قصتهم العجيبة، أي اذكر للسائلين لك عن قصة هؤلاء الفتية، إذ أووا إلى الغار في الكهف فنزلوا فيه، واتخذوه مأوى لهم ومنزلاً هروباً من قومهم الكفار أن يفتنوهم في دينهم وهم سبعة شبان ومعهم كلب لهم فقالوا سائلين ربهم: { رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً 6} أي أعطنا من عندك رحمة تصحبنا في هجرتنا هذه للشرك والمشركين { وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً } أي ويسر لنا من أمرنا في فرارنا من ديار المشركين خوفاً على ديننا { رَشَداً } أي سداداً وصلاحاً ونجاة من أهل الكفر والباطل، قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكر الله في كتابه فقال بعضهم: كان سبب ذلك أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى وكان لهم ملك عابد وثن دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف وقوله تعالى: { فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً } أي فضربنا على آذانهم حجاباً 7يمنعهم من سماع الأصوات والحركات فناموا في كهفهم سنين معدودة أي ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره لهم من جنب إلى جنب حتى بعثهم من نومهم وهذا استجابة الله تعالى لهم إذ دعوه قائلين: { رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } وقوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ } أي من نومهم ورقادهم { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ } أي في الكهف { أَمَداً } أي لنعلم عِلْمَ مشاهدة ولينظر عبادي فيعلموا أي الطائفتين 8اللتين اختلفتا في قدر لبثهم في الكهف كانت أحصى لمدة لبثهم في الكهف حيث اختلف الناس إلى حزبين حزب يقول لبثوا في كهفهم كذا سنة وآخر يقول لبثوا إلى مدى أي غاية كذا من السنين.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- بيان العلة في وجود الزينة على هذه الأرض، وهي الابتلاء والاختبار للناس ليظهر الزاهد فيها، العارف بتفاهتها وسرعة زوالها، وليظهر الراغب فيها المتكالب عليها الذي عصى الله من أجلها.

    2- تقرير فناء كل ما على الأرض حتى تبقى صعيداً جرزاً وقاعاً صفصفاً لا يرى فيها عوج ولا أمت.

    3- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابة السائلين عن أصحاب الكهف بالايجاز والتفصيل.

    4- تقرير التوحيد ضِمْنَ قصة أصحاب الكهف إذ فروا بدينهم خوفاً من الشرك والكفر.

    5- استجابة الله دعاء عباده المؤمنين الموحدين حيث استجاب للفتية فآواهم الغار ورعاهم حتى بعثهم بعد تغير الأحوال وتبدل العباد والبلاد.
    ________________________

    1 الجرز: القاحل الأجرد الذي لا نبات فيه.
    2 الصعيد: وجه الأرض والجمع صُعُد، والصعيد: الطريق أيضاً لحديث الصحيح: "إياكم والقعود على الصعدات" أي: الطرق، وجمع الجرز: أجراز يقال سنين أجراز لا مطر فيها ولا عشب ولا نبات.
    3 (أم) هذه هي المنقطعة التي تقدّر ببل والاستفهام للتعجيب.
    4 ويجمع الرقيم على رُقُم، والرقيم: فعيل بمعنى مفعول أي: مرقوم بمعنى مكتوب.
    5 إنّ إماتة الأحياء أعجب من إماتة أصحاب الكهف.
    6 الرشد: بفتحتين: الخير، وإصابة الحق والنفع والصلاح أيضاً.
    7 أي: حائلاً كغشاوة ونحوها مما يحول دون السمع، ومعنى ضربنا، جعلنا أو وضعنا كقوله: {ضربت عليهم الذلّة} أي: جعلت وألصقت بهم.
    8 يبعد أن يكون المراد بالحزبين: هم أصحاب الكهف أنفسهم بل الذين اختلفوا فيهم حزبان من الأمة التي اكتشفتهم بعد مضيّ سنين عديدة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #563
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (2)
    الحلقة (561)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 241الى صــــ 245)
    { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } 13 { وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } 14 { هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } 15 { وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً }16


    شرح الكلمات:

    نبأهم بالحق: أي خبرهم العجيب بالصدق واليقين.

    وزنادهم هدى: أي إيماناً وبصيرة في دينهم ومعرفة ربهم حتى صبروا على الهجرة.

    وربطنا على قلوبهم: أي شددنا عليها فقويت عزائمهم حتى قالوا كلمة الحق عند سلطان جائر.

    لن ندعوا من دونه إلها: لن نعبد من دونه إلهاً آخر.

    لولا يأتون عليهم بسلطان: أي هلا يأتون بحجة قوية تثبت صحة عبادتهم.

    على الله كذباً: أي باتخاذ آلهة من دونه تعالى يدعوها ويعبدها.

    فأووا إلى الكهف: أي انزلوا في الكهف تستترون به على أعين أعدائكم المشركين.

    ينشر لكم ربكم من رحمته: أي يبسط من رحمته عليكم بنجاتكم مما فررتم منه.

    ويهيء لكم من أمركم: وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب.

    مرفقا: أي ما ترتفقون به وتنتفعون من طعام وشراب وإواء.

    معنى الآيات:

    بعد أن ذكر تعالى موجز قصة أصحاب الكهف أخذ في تفصيلها { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ 1} أي نحن رب العزة والجلال نقص عليك أيها الرسول خبر أصحاب الكهف بالحق الثابت الذي لا شك فيه { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ2 } ، جمع فتى { آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ } أي صدقوا بوجوده ووجوب عبادته وتوحيده فيها وقوله { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } أي هداية إلى معرفة الحق من محاب الله تعالى ومكارهه.

    وقوله تعالى: { وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي قوّينا عزائمهم بما شددنا على قلوبهم حتى قاموا وقالوا على رؤوس الملأ وأمام ملك كافر { رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي ليس لنا رب سواه، لن ندعو من دونه إلهاً مهما كان شأنه، إذ لو اعترفنا بعبادة غيره لكنا قد قلنا إذاً شططاً من القول وهو الكذب والغلو فيه وقوله تعالى: { هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً } يخبر تعالى عن قيل الفتية لما ربط الله على قلوبهم إذ قاموا في وجه المشركين الظلمة وقالوا: { هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا 3ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } أي هلا يأتون عليهم بسلطان بيّن أي بحجة واضحة تثبت عبادة هؤلاء الأصنام من دون الله؟ ومن أين ذلك والحال أنه لا إله إلا الله؟!

    وقوله تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ 4} ينفي الله عز وجل أن يكون هناك أظلم ممن افترى على الله كذباً باتخاذ آلهة يعبدها معه باسم التوسل بها وشعار التشفع والتقرب إلى الله زلفى بواسطتها!! وقوله تعالى عن قيل أصحاب الكهف لبعضهم5: { وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } من الأصنام والأوثان { فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ } أي فصيروا إلى غار الكهف المسمى " بنجلوس " { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ } أي يبسط لكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي رميتم به من الكافر " دقينوس " { وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً } أي ما ترتفقون به من طعام وشراب وأمن في مأواكم الجديد الذي أويتم إليه فراراً بدينكم واستخفائكم من طالبكم المتعقب لكم ليفتنكم في دينكم أو يقتلكم.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصة أصحاب الكهف.

    2- تقرير زيادة الإِيمان ونقصانه.

    3- فضيلة الجرأة في الحق والتصريح به ولو أدى إلى القتل أو الضرب أو السجن.

    4- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله على لسان أصحاب الكهف.

    5- بطلان عبادة غير الله لعدم وجود دليل عقلي أو نقلي عليها.

    6- الشرك ظلم وكذب والمشرك ظالم مفتر كاذب.

    7- تقرير فرض الهجرة في سبيل الله.

    8- فضيلة الالتجاء إلى الله تعالى وطلب حمايته لعبده وكفاية الله من لجأ إليه في صدق.
    ______________________

    1 الحق هنا بمعنى الصدق في الإخبار والباء في قوله {بالحق} للملابسة أي: القصص المصاحب للصدق والنبأ: الخبر ذو الشأن والأهمية.
    2 الجملة بيانية أي: مبينة للقصص.
    3 {من} ابتدائية، أي آلهة ناشئة من غير الله تعالى.
    4 {من} اسم استفهام، ومعناه الإنكار والنفي، الإنكار على من اتخذ آلهة دون الله تعالى، والنفي لوجود آلهة حق مع الله تعالى.
    5 أي: قالوا ما قالوه على سبيل النصح والمشورة الصائبة.

    ****************************
    { وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } 17 { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً }18


    شرح الكلمات:

    تزاور: أي تميل.

    تقرضهم: تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم.

    في فجوة منه: متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها.

    من آيات الله: أي دلائل قدرته.

    أيقاظاً: جمع يقظ أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة.

    بالوصيد: فناء الكهف.

    رُعباً: منعهم الله بسببه من الدخول عليهم.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف يقول تعالى في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم { وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن 1كَهْفِهِمْ } أي تميل عنه ذات اليمين { وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ } أي تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ذات الشمال. وقوله تعالى: { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ2 مِّنْهُ } أي متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها، وقوله { ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ } أي وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت وقرضها لهم إذا غربت من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم،3 وقوله تعالى: { مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإِضلال فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم، وليستعذ به من الضلال المبين، إذ من يضله الله لن يوجد له ولي يرشده بحال من الأحوال، وقوله تعالى: { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ 4رُقُودٌ } أي أنك إذا نظرت إليهم تظنهم أيقاظاً أي منتبهين لأن أعينهم متفتحة وهم رقود نائمون لا يحسّون بأحد ولا يشعرون، وقوله تعالى: { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ } أي جهة اليمين { وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ } أي جهة الشمال حتى لا تَعْدو التربة على أجسادهم فتبليها. وقوله { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ } أي: وكلبهم الذي خرج معهم، وهو كلب صيد { بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ5 بِٱلوَصِيدِ } أي: بفناء الكهف. وقوله تعالى: { لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } أي لو شاهدتهم وهم رقود وأعينهم مفتحة { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً } لرجعت فاراً منهم { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } أي خوفاً وفزعاً، ذلك أن الله تعالى ألقى عليهم من الهيبة والوقار حتى لا يدنو منهم أحد ويمسهم بسوء إلى أن يوقظهم عند نهاية الأجل الذي ضرب لهم، ليكون أمرهم آية من آيات الله الدالة على قدرته وعظيم سلطانه وعجيب تدبيره في خلقه.

    من هداية الآيات:

    1- بيان لطف الله تعالى بأوليائه بإكرامهم في هجرتهم إليه.

    2- تقرير أن الهداية بيد الله فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولازم ذلك طلب الهداية من الله، والتعوذ به من الضلال لأنه مالك ذلك.

    3- بيان عجيب تدبير الله تعالى وتصرفه في مخلوقاته فسبحانه من إله عظيم عليم حكيم.
    ________________________

    1 {تزاور} : تتنحى أو تميل من الازورار والزور: الميل، والأزور من الناس: المائل النظر إلى ناحية وازورّ: مال ومنه قول عنترة:
    فازورّ من وقع القّنا بلبانه
    وشكا إليَّ بعبرة وتحمحم
    الللّبان: الصدر، والتحمحم: صوت دون الصهيل.
    2 الفجوة: والجمع فجوات وفجاء وهو المتسع.
    3 والمقصود بيان حفظهم من تطرق البلاء، وتغير الأبدان والأبدان والتأذي بحرّ أو برد.
    4 {رقود} : جمع راقد كراكع وركوع، وساجد وسجود، والتقليب: تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه وفعل الله تعالى هذا لحكمة وهي: حتى لا تؤثر الأرض على أجسامهم فتبلى، ولم يعرف كم مرّة يقلبون فيها في الشهر أو العام أو في أقل أو أكثر.
    5 فناء عند مدخل الكهف فشبّه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #564
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (3)
    الحلقة (562)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 246الى صــــ 251)
    { وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } 19{ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً } 20 { وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً }21


    شرح الكلمات:

    كذلك بعثناهم: أي كما أنمناهم تلك النومة الطويلة الخارقة للعادة بعثناهم 1من رقادهم بعثاً خارقاً للعادة أيضاً فكان في منامهم آية وفي إفاقتهم آية.

    كم لبثتم: أي في الكهف نائمين.

    يوماً أو بعض يوم: لأنهم دخلوا الكهف صباحاً واستيقظوا عشية.

    بورقكم: بدراهم الفضة التي عندكم.

    إلى المدينة: أي المدينة التي كانت تسمى أفسوس وهي طرسوس اليوم.

    أزكى طعاماً: أي أيُّ أطعمة المدينة أَحلُّ أي أكثر حِلِّيَّةً.

    وليتلطف: أي يذهب يشتري الطعام ويعود في لطف وخفاء.

    يرجموكم: أي يقتلوكم رمياً بالحجارة.

    أعثرنا عليهم: أطلعنا عليهم أهل بلدهم.

    ليعلموا: أي قومهم أن البعث حق للأجساد والأرواح معاً.

    إذ يتنازعون: أي الكفار قالوا ابنوا عليهم أي حولهم بناء يسترهم.

    فقالوا: أي المؤمنون والكافرون في شأن البناء عليهم.

    وقال الذين غلبوا على أمرهم: وهم المؤمنون لنتخذن حولهم مسجداً يصلى فيه.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف فقوله تعالى: { وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ } أي كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعا وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى ومنعناهم من وصول أحد إليهم، وهذا من مظاهر قدرتنا وعظيم سلطاننا بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم فقال قائل منهم مستفهماً كم لبثتم يا إخواننا فأجاب بعضهم قائلاً { لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء وأجاب بعض آخر بقول مُرْضٍ للجميع وهو قوله: { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } فسلموا الأمر إليه، وكانوا جياعاً فقالوا لبعضهم { فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ2 هَـٰذِهِ } يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم { إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } وهي أفسوس التي خرجوا منها هاربين بدينهم، وقوله: { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ } أي فلينظر الذي تبعثونه لشراء الطعام أي أنواع الأطعمة أزكى أي أطهر من الحرام والاستقذار { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ3 مِّنْهُ } لتأكلوه سداً لجوعكم وليتلطف4 في شرائه وذهابه وإيابه حتى لا يُشعر بكم أحداً وعلل لقوله هذا بقوله { إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي يطلعوا { يَرْجُمُوكُمْ } أو يقتلوكم رجماً بالحجارة 5{ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ } ملة الشرك بالقسر والقوة. { وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً } أي ولن تفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة إذا أنتم عدتم للكفر والشرك.. فكفرتم وأشركتم بربكم.

    وقوله تعالى: { وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ 6} أي وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا إيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه { أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين فريق يعتقد أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح، وفريق يقول البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما هي عقيدة النصارى إلى اليوم، فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين فاتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف وهو معنى قوله تعالى: { وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ } أي أولئك المختلفون في شأن البعث أن وعد الله حق وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم.
    { وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا } وقوله تعالى: { إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } أي أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام. فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح معاً. وقوله تعالى: { فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً } واتركوهم في الكهف أي سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } وبحالهم.

    وقوله تعالى: { قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً7 } أي قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً } أي للصلاة فيه وفعلاً بنوة على مقربة من فم الغار بالكهف.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته.

    2- وحوب طلب الحلال في الطعام والشراب وغيرهما.

    3- الموت على الشرك والكفر مانع من الفلاح يوم القيامة أبداً.

    4- تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة.

    5- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقوله " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة " (في الصحيحين).

    6- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع " إذ قد بنى 8المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد. بعد القرون المفضلة حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور9.
    ____________________________
    1 البعث: التحريك من سكون أي: كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدىً وقلبناهم بعثناهم أيضاً أي: أيقظناهم من رقادهم على ما كانوا عليه من ثيابهم وأحوالهم.
    2قال ابن عباس كان معهم دراهم فضة عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم والورق: الفضة، وقرىء بكسر الراء وقرىء بسكونها.
    3 في هذه الآية دليل على جواز الوكالة في كل مباح مأذون فيه وسواء كان الموكل عاجزاً أو قادراً ورأى بعضهم أنّ القادر لا يوكل، والصحيح جوازه، وقد وكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو صحيح حاضر، ووكّل عليّ رضي الله عنه ووكل كثير من الصحابة من ينوب عنهم في أمورهم.
    4 الجمهور على أن نصف حروف القرآن التاء من قوله: {وليتلّطف} أي: نصف القرآن من الفاتحة إلى {وليتلّطف} والنصف الآخر والأخير منها إلى الناس.
    5 القتل بالرجم بالحجارة أشفى لصدور أهل الدين لأنهم يشاركون في القتل بالرجم.
    6 أطعلنا عليهم. يقال عثر على كذا: وقف عليه برجله ومنه العثار للرجل وأعثر عليه: جعل غيره يعثر عليه بمعنى يقف عليه مطلعاً عليه ظاهراً.
    7 اتخاذ المساجد على القبور من عمل أهل الكتاب قبل هذه الأمّة، وقد بيّن ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحذّر منه وحرّمه على أمته لما يفضي به إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى فقد روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "لعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". وروى مسلم: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" وفي الصحيحين: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا".
    8 روى الترمذي وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تجصص القبور وأن يكتب عليها أو يبنى عليها وأن توطأ" وروى أبو داود والترمذي وغيرهما أن علياً قال لأحد رجاله أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألاّ تدع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته ولا صورة إلاّ طمستها" والمراد بالمشرف: العالي المرتفع أما تسنيم القبر شبراً وأي ليعرف فلا بأس به.
    9 ذكر القرطبي هنا أنّ الدفن في التابوت جائز لاسيما في الأرض الرخوة وقال: روي أنّ دانيال عليه السلام كان في تابوت من حجر وأنّ يوسف عليه السلام أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج.

    ****************************** ****
    { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً } 22 { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } 23 { إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً } 24 { وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً } 25 { قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً }26


    شرح الكلمات:

    رجماً بالغيب: أي قذفاً بالظن غير يقين علم.

    ما يعلمهم إلا قليل: أي من الناس.

    فلا تمار فيهم: لا تجادل في عدتهم.

    ولا تستفت فيهم منهم أحداً: أي من أهل الكتاب، الاستفتاء: الاستفهام والسؤال.

    إلا أن يشاء الله: أي إلا أن تقول إن شاء الله.

    لأقرب من هذا رشداً: هداية وأظهر دلالة على نبوتي من قصة أصحاب الكهف.

    له غيب السماوات والأرض: أي علم غيب السماوات والأرض وهو ما غاب فيهما.

    أبصر به وأسمع: أي أبصر بالله وأسمع به صيغة تعجب! والأصل ما أبصره وما أسمعه.

    ما لهم من دونه من ولي: أي ليس لأهل السماوات والأرض من دون الله أي من ناصر.

    ولا يشرك في حكمه أحداً: لأنه غني عما سواه ولا شريك له.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الكهف يخبر تعالى بأن الخائضين في شأن أصحاب الكهف سيقول بعضهم بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول بعض آخر هم خمسة سادسهم كلبهم1 { رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } أي قذفاً بالغيب من غير علم يقيني، ويقول بعضهم هم سبعة وثامنهم كلبهم، ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لأصحابه تلك الأقوال: { رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس أنا من ذلك القليل فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم ولعله فهم ذلك من سياق الآية إذ ذكر تعالى أن الفريقين الأول والثاني قالوا ما قالوه من باب الرجم بالغيب لا من باب العلم والمعرفة، وسكت عن الفريق الثالث، فدل ذلك على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم والله أعلم. وقوله تعالى { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً 2} أي ولا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً بيناً ليناً بذكرك ما قصصنا عليك دون تكذيب لهم، ولا موافقة لهم. وقوله تعالى { وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ3 } أي في أصحاب الكهف { مِّنْهُمْ } أي من أهل الكتاب { أَحَداً } وذلك لأنهم يعلمون عدتهم وإنما يقولون بالخرص والتخمين لا بالعلم واليقين. وقوله تعالى: { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ 4إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } أي لا تقل يا محمد في شأن تريد فعله مستقبلاً أي سأفعل كذا إلا أن تقول إن شاء الله، 5وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سأله وفد قريش بإيعاز من اليهود عن المسائل الثلاث: الروح، وأصحاب الكهف وذي القرنين، قال لسائليه: أجيبكم غداً انتظاراً للوحي ولم يقل إن شاء الله، فأدبه ربه تعالى بانقطاع الوحي عنه نصف شهر، وأنزل هذه السورة وفيها هذا التأديب له صلى الله عليه وقوله: { وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أي إذا نسيت الاستثناء الذي علمناك فاذكره ولو بعد حين لتخرج من الحرج.
    أما الكفارة فلازمة إلا أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام وقوله تعالى: { وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً } أي وقل بعد النسيان والاستثناء المطلوب منك { عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً } أي لعل الله تعالى أن يهديني فيسددني لأَسَدَّ ما وعدتكم أن أخبركم به مما هو أظهر دلالة على نبوتي مما سألتموني عنه اختباراً لي. وقوله تعالى { وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ6 وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً } يخبر تعالى أن الفتية لبثوا في كهفهم رقوداً من ساعة دخلوه إلى أن أعثر الله عليهم قومهم ثلاثمائة سنين بالحساب الشمسي وزيادة تسع سنين بالحساب القمري.

    وقوله: { قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } رد به على من قال من أهل الكتاب إن الثلاثمائة والتسع سنين هي من ساعة دخولهم الكهف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل الله هذا بتقرير الثلثمائة والتسع أولاً وبقوله { ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } ثانياً وبقوله: { لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي ما غاب فيهما، ثالثاً، وبقوله: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي ما أبصره بخلفه وما أسمعه لأقوالهم حيث لا يخفى عليه شيء من أمورهم وأحوالهم خامساً، وقوله { مَا لَهُم } أي لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى { مِن وَلِيٍّ } أيْ ولا ناصر { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } لغناه عما سواه ولعدم وجود شريك له بحال من الأحوال.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- بيان اختلاف أهل الكتاب وعدم ضبطهم للأحداث التاريخية.

    2- بيان عدد فتية أصحاب الكهف وأنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

    3- من الأدب مع الله تعالى أن لا يقول العبد سأفعل كذا مستقبلاً إلا قال بعدها إن شاء الله.

    4- من الأدب من نسي الاستثناء أن يستثني ولو بعد حين فإن حلف لا ينفعه الاستثناء إلا إذا كان متصلاً بكلامه.

    5- تقرير المدة التي لبثها الفتية في كهفهم وهي ثلاث مائة وتسع سنين بالحساب القمري.
    ________________________

    1 أصل الرجم هو الرجم بالحجارة ونحوها والمراد به هنا، رمي الكلام من غير روّية ولا تثبّت، والمراد أنّ ما قالوه في بيان عددهم هو من باب القول بالظن بدون علم.
    2 المراد: بالظاهر هو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه.
    3 الاستفتاء: طلب الفتيا وهي الخبر عن أمر لا يعلمه إلاّ ذوو العلم روي أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل بعض نصارى نجران فنهي عن ذلك.
    4 لشيء أي: في شيء أو لأجل شيء.
    5 أي: إلاّ أن تذكر مشيئة الله تعالى.
    6 قرأ الجمهور {ثلثمائةٍ} بالتنوين و {سنين} منصوب على التمييز أو على البدلية، فهو مجرور، وقرأ خلافهم بإضافة ثلثمائة إلى سنين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #565
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (4)
    الحلقة (563)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 252الى صــــ 257)

    { وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } 27 { وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } 28 { وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً } 29 { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } 30 { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً }31


    شرح الكلمات:

    واتل ما أوحي إليك من الكتاب: أي اقرأ القرآن تعبداً ودعوة وتعليماً.

    لا مبدل لكلماته: أي لا مغير لكلمات الله في ألفاظها ولا معانيها وأحكامها.

    ملتحداً: أي ملجأ تميل إليه إحتماءاً به.

    واصبر نفسك: أي إحبسها.

    يريدون وجهه: أي طاعته ورضاه، لا عرضاً من عرض الدنيا.

    ولا تعد عيناك عنهم: أي لا تتجاوزهم بنظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا.

    تريد زينة الحياة الدنيا: أي بمجالستك الأغنياء تريد الشرف والفخر.

    من أغفلنا قلبه: أي جعلناه غافلاً عما يجب عليه من ذكرنا وعبادتنا.

    وكان أمره فرطاً: أي ضياعاً وهلاكاً.

    أحاط بهم سرادقها: حائط من نار أحيط بهؤلاء المعذبين في النار.

    بماء كالمهل: أي كعكر الزيت أي الدردي وهو ما يبقى في أسفل الإِناء ثخناً رديئاً.

    من سندس واستبرق: أي مَارَقَّ من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه أي من الديباج.

    معنى الآيات:

    بعد نهاية الحديث عن أصحاب الكهف أمر تعالى رسوله بتلاوة كتابه فقال: { وَٱتْلُ 1} أي وقرأ { مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ } تعبداً ودعوة للناس إلى ربهم به وتعليماً للمؤمنين بما جاء فيه من الهدى.

    وقوله: { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } أي لا تتركن تلاوته والعمل به والدعوة إليه فتكون من الهالكين فإن ما وعد ربك به المعرضين عنه المكذبين به كائن حقاً وواقع صدقاً فإن ربك { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } المشتملة على وعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ممن كفروا به وكذبوا بكتابه فلم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه.

    وقوله تعالى: { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } أي إنك إن لم تتل كتابه الذي أوحاه إليك وتعمل بما فيه فَنَالَكَ ما أوعد به الكافرين المعرضين عن ذكره. { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } أي موئلاً تميل إليه وملجأ تحتمي به وإذا كان مثل هذا الوعيد الشديد يوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم فغيره ممن تركوا تلاوة القرآن والعمل به فلا أقاموا حدوده ولا أحلوا حلاله ولا حرموا حرامه أولى بهذا الوعيد وهو حائق بهم لا محالة إن لم يتوبوا قبل موتهم وقوله تعالى: { وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } نزل هذا التوجيه للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه المشركون إبعاد أصحابه الفقراء كبلال وصهيب وغيرهما ليجلسوا إليه ويسمعوا منه فنهاه ربه عن ذلك وأمره أن يحبس نفسه مع أولئك الفقراء المؤمنين { ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } ربهم في صلاتهم في الصباح والمساء لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم عرضاً من أعراض الدنيا وإنما يريدون رضا الله ومحبته بطاعته في ليلهم ونهارهم.

    وقوله تعالى: { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ 2} أي لا تتجاوز ببصرك هؤلاء المؤمنين الفقراء إلى أولئك الأغنياء تريد مجالستهم للشرف والفخر وقوله { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا3 } فجعلناه غافلاً عن ذكرنا وذكر وعدنا ووعيدنا ليكون من الهالكين لعناده وكبريائه وظلمه.
    { وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً 4} أي ضياعاً وهلاكاً، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق { وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن5 وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } أي هذا الذي جئت به وأدعوا إليه من الايمان والتوحيد والطاعة لله بالعمل الصالح هو { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ } أيها الناس. { فَمَن شَآءَ } الله هدايته فآمن وعمل صالحاً فقد نجاه ومن لم يشأ الله هدايته فَبَقِي على كفره فلم يؤمن فقد خاب وخسر.

    وقوله: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي جدرانها النارية، { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من شدة العطش { يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ } رديئاً ثخِناً { يَشْوِي ٱلْوجُوهَ } إذا أدناه الشارب من وجهه ليشرب شوى جلده ووجهه ولذا قيل فيه ذم له. { بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ } أي جهنم { مُرْتَفَقاً } في منزلها وطعامها وشرابها إذ كله سوء وعذاب هذا وعيد من اختار الكفر على الإيمان وأما وعد من آمن وعمل صالحاً وقد تضمنته الآيتان [31-32] إذ قال تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } هذا حكمنا الذي لا تبديل له وبين تعالى أجرهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم فقال: { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } أي إقامة دائمة { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ } وهي الأسرة بالحجلة. ثم أثنى الله تعالى على نعيمهم الذي أعده لهم بقوله: { نِعْمَ ٱلثَّوَابُ } الذي أثيبوا 6به { وَحَسُنَتْ } الجنة في حليها وثيابها وفرشها وأسرتها وطعامها وشرابها وحورها ورضوان الله فيها { وَحَسُنَتْ 7مُرْتَفَقاً } يرتفقون فيه وبه، جعلنا الله من أهلها.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب الله فلم يتلوه ولم يعملوا بما جاء فيه من شرائع وأحكام.

    2- الترغيب في مجالسة أبناء الآخرة وهم الفقراء الصابرون وترك أبناء الدنيا والإِعراض عما هم فيه.

    3- على الداعي إلى الله تعالى أن يبين الحق، والناس بعد بحسب ما كتب لهم أو عليهم.

    4- الترغيب والترهيب بذكر جزاء الفريقين المؤمنين والكافرين.

    5- عذاب النار شر عذاب، ونعيم الجنة، نعم النعيم ولا يهلك على الله إلا هالك.
    _______________________

    1 تضمنت هذه الآية: {واتل} الخ الرد على المشركين إذ المعنى: لا تعبأ بهم إن كرهوا تلاوة بعض القرآن لأن فيها التعريض بآلهتهم والتنديد بها حتى طالبوك بأن تجعل بعض القرآن للثناء عليها أو عليهم.
    2 لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.
    3 روي أنها نزلت في أمية بن خلف الجمحي لأنه دعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أمر كرهه وهو إبعاد الفقراء وتقريب صناديد قريش.
    5 الفرط: الظلم والاعتداء وهو مشتق من الفروط وهو السبق لأنّ الظلم سبق في الشر والظلم يؤدي إلى الهلاك والضياع والخسران.
    5 الأمر في قوله {فليؤمن} و {فليكفر} للتسوية بينهما وليس في هذا إذن لهما بالكفر وإنما الخطاب للتهديد والوعيد لمن اختار الكفر على الإيمان بدليل الجملة التعليلية: {إنا أعتدنا للظالمين ناراً} الخ، والمراد بالظالمين المشركون لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} .
    6 {الأرائك} : جمع أريكة وهي مجموع سرير وحجلة، والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها ولذلك يقال للنساء ربات الحجال فإذا وضع فيها سرير فهي أريكة يجلس فيها وينام.
    7(المرتفق) : محل الارتفاق، وإطلاق المرتفق على النار تهكّم، إذ النار لن تكون محل راحة وارتفاق أبداً بل هي دار شقاء وعذاب.

    ****************************** **
    { وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً } 32 { كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً } 33 { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } 34 { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً } 35 { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } 36 { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } 37 { لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً }38

    شرح الكلمات:

    واضرب لهم مثلاً: أي اجعل لهم مثلاً هو رجلين... الخ.

    جنتين: أي بستانين.

    وحففناهما بنخل: أي أحطناهما بنخل.

    آتت أكلها: أي أعطت ثمارها وهو ما يؤكل.

    ولم تظلم منهم شيئاً: أي وَلَمْ تنقص منه شيئاً بل أتت به كاملاً ووافياً.

    خلالهما نهراً: أي خلال الأشجار والنخيل نهراً جارياً.

    وهو يحاوره: أي يحادثه ويتكلم معه.

    وأعز نفراً: أي عشيرة ورهطاً.

    تبيد: أي تفنى وتذهب.

    خيراً منها منقلباً: أي مرجعاً في الآخرة.

    أكفرت بالذي خلقك من تراب؟!: الاستفهام للتوبيخ والخلق من تراب باعتبار الأصل هو آدم.

    من نطفة: أي مني.

    ثم سواك: أي عدلك وصيرك رجلاً.

    لكنا: أي لكن أنا، حذفت الألف وأدغمت النون في النون فصارت لكنا.

    هو الله ربي: أي أنا أقول الله ربي.

    معنى الآيات:

    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم واضرب لأولئك المشركين المتكبرين الذين اقترحوا عليك أن تطرد الفقراء المؤمنين من حولك حتى يجلسوا إليك ويسمعوا منك { وَٱضْرِبْ1 لهُمْ } أي اجعل لهم مثلاً: { رَّجُلَيْنِ } مؤمناً وكافراً { جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا } وهو الكافر { جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ } أي أحطناهما بنخل، { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا } أي بين الكروم والنخيل { زَرْعاً } { كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ2 آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً } أي لم تنقص منه شيئاً { وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً } ليسقيهما. { وَكَانَ 3لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } أي في الكلام يراجعه، ويُفاخره: { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً 4} أي عشيرة ورهطاً، قال هذا فخراً وتعاظماً. { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } والحال أنه { ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } بالكفر والكبر وقال: { مَآ أَظُنُّ أَن5 تَبِيدَ هَـٰذِهِ } يشير إلى جنته { أَبَداً } أي لا تفنى. { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي } كما تقول أنت { لأَجِدَنَّ6 خَيْراً مِّنْهَا } أي من جنتي { مُنْقَلَباً } أي مرجعاً إن قامت الساعة وبعث الناس وبعثت معهم. هذا القول من هذا الرجل هو ما يسمى بالغرور النفسي الذي يصاب به أهل الشرك والكبر. وهنا قال له صاحبه المسلم { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } وهو الله عز وجل حيث خلق أباك آدم من { تُرَابٍ ثُمَّ مِن7 نُّطْفَةٍ } أي ثم خلقك أنت من نطفة أي من مني { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } وهذا توبيخ من المؤمن للكافر المغرور ثم قال له: { لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي } أي لكن أنا أقول هو الله ربي، { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } من خلقه في عبادته.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- استحسان ضرب الأمثال للوصول بالمعاني الخفية إلى الأذهان.

    2- بيان صورة مثالية لغرس بساتين النخل والكروم.

    3- تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء.

    4- التنديد بالكبر والغرور حيث يفضيان بصاحبهما إلى الشرك والكفر.
    ___________________________

    1 اختلف في تحديد الفريقين الذين ضرب لهما المثل، وفي الرجلين اللّذين ضرب بهما المثل، والظاهر أنّ الفريقين الذين ضرب لهما المثل هم المؤمنون والكافرون المستنكفون عن مجالسة المؤمنين، وأما الرجلان فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما من بنى إسرائيل وهو الظاهر والله أعلم.
    2 قال سيبويه: أصل كلا كِّلْوَ وأصل كلتا كلوا فحذفت لام الفعل من كلتا وعوضت التاء عن اللام المحذوفة لتدل التاء على التأنيث.
    3 {وكان له ثمر..} الجملة في محل نصب على الحال، والثمر بضم الثاء والميم المال الكثير المختلف من النقدين والأنعام والجنات والمزارع مأخوذ من: ثمر ماله: إذا كثر، وقرأ الجمهور بضم الثاء والميم وقرأ حفص بفتحهما.
    4 أعزّ أي أشد عزّة، والنفر: عشيرة الرجل الذين ينفرون معه للدفاع أو القتال والمراد بالنفر هنا أولاده.
    5 الظنّ هنا بمعنى الاعتقاد ومعنى تبيد: تفنى وتهلك.
    6 قرأ الجمهور (منهما) بالتثنية وقرأ عاصم (منها) بالإفراد.
    7 النطفة: ماء الرجال مشتقة من النطف الذي هو السيلان.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #566
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (5)
    الحلقة (564)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 258الى صــــ 262)

    { وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً } 39 { فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً } 40 { أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً } 41 { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } 42 { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } 43 { هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً }44


    شرح الكلمات:

    ما شاء الله: أي يكون وما لم يشأ لم يكن.

    حسباناً من السماء: أي عذاباً ترمى به فتؤول إلى أرض ملساء دحضاً لا يثبت عليها قدم.

    أو يصبح ماؤها غوراً: أي غائراً في أعماق الأرض فلا يَقْدِرُ عَلَى استنباطِه وإخراجه.

    وأحيط بثمره: أي هلكت ثماره، فلم يبق منها شيء.

    يقلب كفيه: ندماً وحسرة على ما أنفق فيها من جهد كبير ومال طائل.

    وهي خاوية على عروشها: أي ساقطة على أعمدتها التي كَان يُعرش بها للكرم، وعلى جدران مبانيها.

    فئة: جماعة من الناس قوية كعشيرته من قومه.

    هنالك: أي حين حل العذاب بصاحب الجنتين أي يوم القيامة.

    الولاية: أي الملك والسلطان الحق لله تعالى.

    خير ثواباً وخير عقباً: أي الله تعالى خير من يثيب وخير من يُعقب أي يجزي بخير.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في المثل المضروب للمؤمن الفقير والكافر الغني فقد قال المؤمن للكافر ما أخبر تعالى به في قوله: { وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ } أي هلا إذْ دخلت بستانك قلت عند تعجبك من حسنه وكماله { مَا شَآءَ ٱللَّهُ }1 أي كان { لاَ قُوَّةَ إِلاَّ 2بِٱللَّهِ } أي لا قوة لأحد على فعل شيء أو تركه إلا بإقدار الله تعالى له وإعانته عليه قلل هذا المؤمن نصحاً للكافر وتوبيخاً له. ثم قال له 3{ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً } اليوم { فعسَىٰ4 رَبِّي } أي فرجائي في الله { أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } أي على جنة الكافر { حُسْبَاناً 5مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أي عذاباً ترمى به. { فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً }: أي تراباً أملس لا ينبت زرعاً ولا يثبت عليه قدم. { أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً } الذي تسقى به غائراً في أعماق الأرض فلن تقدر على إستخراجه مرة أخرى، وهو معنى { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً }.

    وقوله تعالى: في الآيات [40]، [41]، [42] يخبر تعالى أن رجاء المؤمن قد تحقق إذ قد أحيط فعلاً ببستان الكافر فهلك ما فيه من ثمر { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ندماً وتحسراً { عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } من جهد ومال في جنته { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي ساقطة على أعمدة الكرم التي كان يعرشها للكرم أي يحمله عليها كما سقطت جدران مبانيها على سقوفها وهو يتحسر ويتندم ويقول: { يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُن لَّهُ } جماعة قوية تنصره { مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ } المنهزم { مُنْتَصِراً } لأن من خذله الله لا ناصر له. قال تعالى: في نهاية المثل هو أشبه بقصة { هُنَالِكَ } أي يوم القيامة { ٱلْوَلاَيَةُ } أي القوة والملك والسلطان { لِلَّهِ } أي المعبود { ٱلْحَقِّ } لا لغيره من الأصنام والأحجار { هُوَ } تعالى { خَيْرٌ ثَوَاباً } أي خير من يثيب على الإِيمان والعمل الصالح.
    { وَخَيْرٌ عُقْباً 6} أي خير يعقب أي يجزي بحسن العواقب.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- بيان مآل المؤمنين كصهيب وسلمان وبلال، وهو الجنة ومآل الكافرين كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وهو النار.

    2- استحباب قول من أعجبه شيء: { مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } فإنه لا يرى فيه مكروهاً إن شاء الله.

    3- استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين وتحقيق رجائهم فيه سبحانه وتعالى.

    4- المخذول من خذله الله تعالى فإنه لا ينصر أبداً.

    5- الولاية بمعنى7 الموالاة النافعة للعبد هي موالاة الله تعالى لا موالاة غيره.

    6- الولاية بمعنى الملك والسلطان لله يوم القيامة ليست لغيره إذ الملك والأمر كلاهما لله تعالى.


    ___________________

    1 هذا وجه في إعراب (ما شاء الله) ما: مبتدأ والخبر كان، وهناك وجه آخر حسّنه بعضهم وهو: هذه الجنة ما شاء الله. فما خبر عن مبتدأ محذوف ويجوز تقديره أيضاً: الأمر الذي شاء الله إعطاءه.
    2 قال مالك.: ينبغي لكل من دخل داره أو بستانه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله، وروي أنه كان مكتوباً على باب وهب بن منبّه ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، وروى مسلم أن: لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة وورد استحباب قول بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا قوة إلاّ بالله.
    3 أنا: ضمير فصل وأقل مفعول ثانٍ لترن وحذفت ياء التكلم بعد نون الوقاية تخففاً.
    4 (عسى) للرجاء وهو طلب الأمر القريب الحصول وأراد به هنا الدعاء لنفسه وعلى صاحبه الكافر المشرك.
    5 الحسبان: مصدر كالغفران وهو هنا وصف لمحذوف تقديره: هلاكاً حسباناً أي: مقدراً من الله تعالى، وقيل هو اسم جمع حسبانة أي: صاعقة، وقيل: اسم للجراد وهو محتمل لكل ما ذكر.
    6 العقب: بمعنى العاقبة وقرىء: بضمتين عُقُب وقرىء بضم العين وسكون القات بمعنى: عاقبة وهي آخرة الأمر وما يرجوه المرء من سعيه وعمله ولذا فسرت الآية بهو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، يقال: هذا عاقبة أمر فلان وعقباه وعقبه: أي آخره.
    7 {الولاية} : بفتح الواو: الموالاة، وبكسرها: الملك والسلطان.

    **************************
    { وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } 45 { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }46


    شرح الكلمات:

    المثل: الصفة المعجبة.

    هشيماً: يابساً متفتتاً.

    تذروه الرياح: أي تنثره الرياح وتفرقه لخفته ويبوسته.

    مقتدراً: أي كامل القدرة لا يعجزه شيء.

    زينة الحياة الدنيا: أي يتجمل بما فيها.

    والباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة من سائر العبادات والقربات.

    وخير أملاً: أي ما يأمله الإِنسان وينتظره من الخير.

    معنى الآيات:

    هذا مثل آخر مضروب أي مجعول للحياة الدنيا حيث اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم فلم يذكروه ولم يشكروه فاستوجبوا غضبه وعقابه.

    قال تعالى: في خطاب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { وَٱضْرِبْ لَهُم } أي لأولئك المغرورين بالمال والسلطان { مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال { كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ1 مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظر، فأعجب أصحابه، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه. وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة، محرقة، { فَأَصْبَحَ 2هَشِيماً } أي يابساً متهشماً متكسراً { تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ } هنا وهناك { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } أي قادراً كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين أيسين من كل خير.

    وقوله تعالى: { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا 3 وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } إنه بعد أن ضرب المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ } أو الأولاد { زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان همَّ الإِنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإِيمان وصالح الأعمال، هذا جزء الحقيقة في هذه الآية، والجزء الثاني هو أن { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ } والمراد بها أفعال البر وضروب العبادات4 ومنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أي هذه { خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً } أي جزاءً وثماراً، يجنيه العبد من الكدح المتواصل في طلب الدنيا مع الإِعراض عن طلب الآخرة، { وَخَيْرٌ أَمَلاً } يأمله الإِنسان من الخير ويرجوه ويرغب في تحصيله.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:

    1- بيان حقارة الدنيا وسوء عاقبتها.

    2- تقرير أن المال والبنين لا يعدوان كونهما زينة، والزينة سريعة الزوال وهما كذلك فلا يجوز الاغترار بهما، وعلى العبد أن يطلب ما يبقى على ما يفنى وهو الباقيات الصالحات من أنواع البر والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وجهاد. ورباط، وصيام وزكاة.
    ****************************

    1 بعض الحكماء شبّه الحياة الدنيا بالماء للاتصالات الآتية:
    1- الماء لا يستقر في موضع والحياة كذلك.
    2- الماء يتغيّر والدنيا كذلك.
    3- الماء لا يبقى والدنيا كذلك.
    4- الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل والدنيا لا يدخلها أحد ويسلم من فتنها وآفاتها.
    5- الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر.
    وفي الصحيح "قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه" رواه مسلم.
    2 يقال: هشمه يهشمه إذا كسره وفتّته وهشيم بمعنى: مهشوم فهو فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول، وهشم الثريد إذا فتته وبه سمي هاشم بن مناف وكان اسمه عمرو وفيه يقول عبد الله بن الزبعري:
    عمر العُلا هشم الثريد لقومه
    ورجال مكة مسنتون عجاف
    3 قيل: في المال والبنين زينة الحياة الدنيا: لأن في المال جمالاً ونفعاً وفي البنين قوة ودفعاً والمثال مضروب لحقارة الدنيا وسرعة زوالها ولذا قيل: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغداً مع غيرك ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغداً لغيرك.
    4 روى مالك في الموطأ: أن الباقيات الصالحات هنّ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #567
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (6)
    الحلقة (565)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 262الى صــــ 267)

    { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } 47 { وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً } 48 { وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }49


    شرح الكلمات:

    نُسير الجبال: أي تقتلع من أصولها وتصير هباءً منبثاً.

    بارزة: ظاهرة إذ فنى كل ما كان عليها من عمران.

    فلم نغادر: لم نترك منهم أحداً.

    موعداً: أي ميعاداً لبعثكم أحياء للحساب والجزاء.

    ووضع الكتاب: كتاب الحسنات وكتاب السيئات فيؤتاه المؤمن بيمينه والكافر بشماله..

    مشفقين: خائفين.

    يا ويلتنا: أي يا هلكتنا احضري هذا أوَان حُضُورك.

    لا يغادر صغيرة: أي لا يترك صغيرة من ذنوبنا ولا كبيرة إلا جمعها عَدَّاً.

    ما عملوا حاضراً: مثبتاً في كتابهم، مسجلاً فيها.

    معنى الآيات:

    لما ذكر تعالى مآل الحياة الدنيا وأنه الْفَناء والزوال ورغَّب في الصالحات وثوابها المرجو يوم القيامة، ناسب ذكر نبذة عن يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الكسب في الحياة الدنيا قال تعالى: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ } أي اذكر { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ } أي تقتلع 1من أصولها وتصير هباءً منبثاً، { وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } ظاهرة ليس عليها شيء، فهي قاع صفصف { وَحَشَرْنَاهُمْ } أي جمعناهم من قبورهم للموقف { فَلَمْ نُغَادِرْ 2 مِنْهُمْ أَحَداً } أي لم نترك منهم أحداً كائناً من كان، { وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ } أيها الرسول صفاً وقوفاً أذلاء، وقِيلَ لهم توبيخاً وتقريعاً: { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ3 مَرَّةٍ } لا مال معكم ولا سلطان لكم بل حفاة عراة غُرلاً4، جمع أغرل، وهو الذي لم يختتن.

    وقوله تعالى: { بَلْ زَعَمْتُمْ 5} أي ادعيتم كذباً أنا لا نجمعكم ليوم القيامة، ولن نجعل لكم موعداً فها أنتم مجموعون لدينا تنتظرون الحساب والجزاء، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما فيه، وقوله تعالى في الآية { وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ 6} يخبر تعالى عن حال العرض عليه فقال: { وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ } أي كتاب الحسنات والسيئات وأعطى كل واحدٍ كتابه فالمؤمن يأخذه بيمينه والكافر بشماله، { فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ } في تلك الساعة { مُشْفِقِينَ } أي خائفين { مِمَّا فِيهِ } أي في الكتاب من السيآت { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا }7 ندماً وتحسراً ينادون يا ويلتهم وهي هلاكهم قائلين: { مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً8 وَلاَ كَبِيرَةً } من ذنوبنا { إِلاَّ أَحْصَاهَا } أي أثبتها عَدّاً.

    وقوله تعالى: في آخر العرض { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً } أي من خير وشر مثبتاً في كتابهم، وحوسبوا به، وجوزوا عليه { وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } بزيادة سيئة على سيئاته أو بنقص حسنة من حسناته، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرضها على مسامع المنكرين لها.

    2- يبعث الإنسان كما خلقه الله ليس معه شيء، حافياً عارياً لم يقطع منه غلفة الذكر.

    3- تقرير عقيدة كتب الأعمال في الدنيا وإعطائها أصحابها في الآخرة تحقيقاً للعدالة الإِلهية.

    4- نفي الظلم عن الله تعالى وهو غير جائز عليه لغناه المطلق وعدم حاجته إلى شيء.
    ___________________________

    1 هذا على قراءة تُسير بالتاء المضمومة للبناء للمفعول وقراءة الجمهور {نُسير الجبال} والفاعل هو الله تعالى، وقرىء أيضاً: تسير الجبال بفتح التاء مضارع سار يسير كقوله تعالى: {وتسير الجبال سيراً} .
    2 المغادرة الترك ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء، وسمي الغدير من الماء غديراً لأنه ترك بعد السيل، ومنه غدائر المرأة وهو شعرها تضفره وتتركه خلفها.
    3 أخرج الحافظ أبو القاسم بن مندة في كتاب التوحيد له عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رقيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله لا إله إلاّ أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون احضروا حجتكم ويسروا جوابكم فإنكم مسؤولون محاسبون يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أنامل أقدامهم للحساب" تضمن هذا الحديث تفسيراً كاملاً لهذه الآيات.
    4 روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً" غير مختونين".
    5 هذا الخطاب لمنكري البعث والجزاء من أهل الكفر والشرك.
    6 {الكتاب} : اسم جنس يشمل كل الكتب التي يُعطاها العباد في المحشر.
    7 الويلة: مؤنث الويل للمبالغة وهي سوء الحال والهلاك كما أنّت الدار على داره للدلالة على سعة المكان، ونداء الويلة معناه: الدعاء على أنفسهم بالهلاك لمشاهدتهم عظائم الأهوال وما ينتظرهم من صنوف العذاب نادوا ويلتهم طالبين حضورها.
    8 أصغر الصغائر: النظر بغير قصد وأكبر الكبائر الشرك بالله تعالى ولا ضابط حق الكبيرة إلا أن هناك ضابطاً يستأنس به وهو: ما توعد عليه أو لعن عليه أو وضع حدّ له في الكتاب أو السنة فهو كبيرة.

    ****************************** ******

    { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُون َهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } 50 { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً } 51 { وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } 52 { وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً }53


    شرح الكلمات:

    اسجدوا لآدم: أي حيّوه بالسجود كما أمرتكم طاعة لي.

    إلا إبليس: أي الشيطان أبى السجود ورفضه وهو معنى { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } أي خرج عن طاعته، ولم يكن من الملائكة، بل كان من الجن، لذا أمكنه أن يعصي ربه!

    أفتتخذونه وذريته أولياء؟: الاستفهام للاستنكار، ينكر تعالى على بني آدم اتخاذ الشيطان وأولاده أولياء يطاعون ويوالون بالمحبة والمناصرة، وهم لهم عدو، عجباً لحال بني آدم كيف يفعلون ذلك!؟.

    بئس للظالمين بدلاً: قبح بدلاً طاعة إبليس وذريته عن طاعة الله ورسوله.

    المضلين عضداً: أي ما كنت متخذ الشياطين من الإنس والجن أعواناً في الخلق والتدبير، فكيف تطيعونهم وتعصونني.

    موبقاً: أي وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً هذا إذا دخلوا النار، أما ما قبلها فالموبق، حاجز بين المشركين، وما كانوا يعبدون بدليل قوله: { وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا }.

    مواقعوها: أي واقعوان فيها ولا يخرجون منها أبداً.

    ولم يجدوا عنها مصرفاً: أي مكاناً غيرها ينصرفون إليه لينجوا من عذابها.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في إرشاد بني آدم وتوجيههم إلى ما ينجيهم من العذاب ويحقق لهم السعادة في الدارين، قال تعالى في خطاب رسوله واذكر لَهُمْ { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ } وهم عبادنا المكرمون { ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ } فامتثلوا أمرنا وسجدوا إلا إبليس. لكن إبليس الذي يطيعه الناس اليوم كان من الجن وليس من الملائكة لم يسجد، ففسق 1بذلك عن أمرنا وخرج عن طاعتنا. { أَفَتَتَّخِذُون َهُ 2} أي أيصح منكم يا بني آدم أن تتخذوا عدو أبيكم وعدو ربكم وعدوكم أيضاً ولياً توالونه 3وذريته بالطاعة لهم والاستجابة لما يطلبون منكم من أنواع الكفر والفسق { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ } أنفسهم { بَدَلاً } طاعة الشيطان وذريته 4وولايتهم عن طاعة الله ورسوله وولايتهما.

    وقوله تعالى: { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ5 خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً } يخبر تعالى بأنه المنفرد بالخلق والتدبير ليس له وزير معين فكيف يُعْبَدُ الشيطان وذريته، وأنا الذي خلقتهم وخلقت السماوات والأرض6 وخلقت هؤلاء الذين يعبدون الشيطان، ولم أكن { مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ } وهم الشياطين من الجن والإِنس الذين يضلون عبادنا عن طريقنا الموصل إلى رضانا وجنتنا، أي لم أكن لأجعل منهم معيناً لي يعضدني ويقوي أمري وخلاصة ما في الآية أن الله تعالى ينكر على الناس عبادة الشياطين وهي طاعتهم وهم مخلوقون وهو خالقهم وخالق كل شيء.

    وقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أي أذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين المعرضين عن عبادة الله إلى عبادة عدوه الشيطان، أذكر لهم يوم يقال لهم في عرصات القيامة { نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ } أشركتموهم في عبادتي زاعمين أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم فيخلصونكم من عذابنا.
    قال تعالى {فدعوهم7} يا فلان!! يا فلان.. {فلم يستجيبوا لهم} إذ لا يجرؤ أحد ممن عبد من دون الله أن يقول رب هؤلاء كانوا يعبدونني. قال تعالى: {وجعلنا بينيهم موبقاً8} أي حاجزاً وفاصلاً من عداوتهم لبعضهم. وحتى لا يتصل بعضهم ببعض في عرصات القيامة. وقوله تعالى: {ورأى المجرمون النار} أي يؤتى بها تُجَرُّ بالسلاسل حتى تبرز لأهل الموقف فيشاهدونها وعندئذ يظن9 المجرمون أي يوقنوا {أنهم مواقعوها} أي داخلون فيها. {ولم يجدوا عنها مصرفاً10} أي مكاناً ينصرفون إليه لأنهم محاطون بالزبانية، والعياذ بالله من النار وعذابها.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير عداوة إبليس وذريته لبني آدم.

    2- العجب من بني آدم كيف يطيعون عدوهم ويعصون ربهم!!

    3- لا يستحق العبادة العبادة أحد سوى الله عز وجل لأنه الخالق لكل مبعود مما عُبِدَ من سائر المخلوفات.

    4- بيان خزي المشركين يوم القيامة حيث يطلب إليهم أن يدعوا شركاءهم لاغاثتهم فيدعونهم فلا يستجيبون لهم.

    5- جمع الله تعالى المشركين وما كانوا يعبدون من الشياطين في موبق واحد في جهنم وهو وادي من شر أودية جهنم وأسوأها.
    ______________________________ ____

    1 الفسق: مشتق من: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها، والفأرة من جحرها، وفسق العبد: خرج عن طاعة ربه متجاوزاً الطاعة إلى المعصية، فكل من ترك واجباً وفعل حراماً فقد فسق بذلك عن طاعة ربه أي خرج عنها.
    2 الاستفهام للتوبيخ والإنكار، وذرية الشيطان بيّنت السنة كيفية وجودهم فقد صح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: "لا تكن أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرَّخ"، فهذا دال على أن للشيطان ذرية من صلبه.
    3 في مسلم: "أن للصلاة شيطاناً يسمى خنزب مهمته الوسوسة فيها" وروى الترمذي أن للوضوء شيطاناً يسمى الولهان يوسوس فيه.
    4 روى مسلم رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئاً قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال: فيدنيه وقال: فيلتزمه ويقول: نعم أنت!! ".
    5 أي: ما أحضرتهم لأستعين بهم على خلق السموات والأرض ولا أحضرت بعضهم لأستعين به على خلق البعض الآخر.
    6 في الآية رد على أهل الضلال كافة من شيطان وكاهن ومنجم وطبعيّ وملحد إذ الجميع مخلوق مربوب والله خالق كل شيء ومليكه وربّه ومدبّره.
    7 أي: امتثلوا الأمر ودعوهم فلم يستجيبوا لهم.
    8 فسّر الموبق ابن عباس رضي الله عنهما: بالحاجز، وفسره أنس بن مالك رضي الله عنه بواد في جهنم من قيح ودم، وفسر بالمهلك والتفسير بالمهلك يدخل فيه كل ما ذكر، ومن الجائز أن يتعدد الحاجز ويكون أنواعا منها: عداوة بعضهم لبعض فإنها حاجز والنار نفسها أعظم موبق ولعلها هي المراد بالموبق.
    9 {ظنوا} أي: أيقنوا إذ يطلق الظن ويراد به اليقين وهو كثير في القرآن الكريم. قال الشاعر:
    فقلت لهم ظنوا بألفي مدجّج
    سراتهم في الفارسيّ المسرد
    10 {مصرفا} : أي: مهرباً لإحاطتها بهم من كل جانب ولا ملجأ ولا معدلا.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #568
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (7)
    الحلقة (566)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 268الى صــــ 273)

    { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } 54 { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُو اْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً } 55 { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً } 56 { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً } 57 { وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } 58 { وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً }59


    شرح الكلمات:

    صرفنا: أي بيّنا وكررنا البيان.

    من كل مثل: المثل الصفة المستغربة العجيبة.

    جدلاً: أي مخاصمة بالقول.

    سنة الأولين: أي العذاب بالإِبادة الشاملة والاستئصال التام.

    قبلا: عياناً ومشاهدة.

    ليدحضوا به الحق: أي يبطلوا به الحق.

    هزواً: أي مهزوءاً به.

    أكنة: أغطية.

    وفي آذانهم وقراً: أي ثقلاً فهم لا يسمعون.

    موئلاً: أي مكاناً يلجأون إليه.

    لمهلكهم موعداً: أي وقتاً معيناً لإِهلاكهم.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في بيان حجج الله تعالى على عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فينجوا من عذابه ويدخلوا دار كرامته فقال تعالى: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا 1فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } أي ضربنا فيه الأمثال الكثيرة وبيّنا فيه الحجج العديدة، { صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ } من الوعد والوعيد ترغيباً وترهيباً، وقابلوا كل ذلك بالجحود والمكابرة، { وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ 2شَيْءٍ جَدَلاً } فأكثر هم الإنسان يصرفه في الجدل والخصومات حتى لا يذعن للحق ويسلم به ويؤديه إن كان عليه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى: [54] أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن الناس ما منعهم { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ } وهو بيان3 طريق السعادة والنجاة بالإِيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الكفر والشرك وسوء الأعمال { وَيَسْتَغْفِرُو اْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } بعذاب الاستئصال والإِبادة الشاملة، { أَوْ يَأْتِيَهُمُ } عذاب يوم القيامة معاينة 4وهو معنى قوله تعالى: { أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً5 } وحينئذ لا ينفع الإِيمان. وقوله تعالى: { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } أي دعاة هداة يبشرون من آمن وعمل صالحاً بالجنة وينذرون من كفر، وعمل سوءاً بالنار. فلم نرسلهم جبارين ولم نكلفهم بهداية الناس أجمعين، لكن الذين كفروا يتعامون عن هذه الحقيقة ويجادلون { لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ }. { وَٱتَّخَذُوۤاْ } آيات الله وحججه { وَمَآ أُنْذِرُواْ } به من العذاب اللازم لكفرهم وعنادهم اتخذوه سخرية وهزءاً يهزءون به ويسخرون منه وبذلك أصبحوا من أظم الناس. وهو ما قررته الآية [57] إذ قال تعالى فيها: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي من الإِجرام والشر والشرك. اللهم إنه لا أحد أظلم من هذا الإِنسان الكافر العنيد. ثم ذكر تعالى سبب ظلم وإعراض ونسيان هؤلاء الظلمة المعرضين الناسين وهو أنه تعالى حسب سنته فيمن توغل في الشر والظلم والفساد يجعل على قلبه كناناً يحيطه به فيصبح لا يفقه شيئاً. ويجعل في أذنيه ثقلاً فلا يسمع الهدى. ولذا قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: { وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً } أي بعد ما جعل على قلوبهم من الأكنة وفي آذانهم من الوقر { أَبَداً }.

    وقوله تعالى: { وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ } أي لو يؤاخذ هؤلاء الظلمة المعرضين { لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } ، ولكن مغفرته ورحمته تأبيان ذلك وإلا لعجل لهم العذاب فأهلكهم أمامكم وأنتم تنظرون.
    ولكن { لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً6 } يئلون إليه ولا ملجأ يلجأون إليه. ويرجح أن يكون يكون ذلك يوم بدر لأن السياق في الظلمة المعاندين المحرومين من هداية الله كأبي جهل وعقبة ابن أبي معيط والأخنس بن شريق، هذا أولاً. وثانياً قوله تعالى: { وَتِلْكَ7 ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ } يريد أهل القرى من قوم هود وقوم صالح وقوم لوط. { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً } أي لهلاكهم موعداً محدداً فكذلك هؤلاء المجرمون من قريش، وقد أهلكهم ببدر ولعنهم إلى الأبد.

    هداية الآيات:

    1- لقد أعذر الله تعالى إلى الناس بما يبين في كتابه من الحجج وما ضرب فيه من الأمثال.

    2- بيان غريزة الجدل في الإِنسان والمخاصمة.

    3- بيان مهمة الرسل وهي البشارة والنذارة وليست إكراه الناس على الإِيمان.

    4- بيان عظم ظلم من يُذَكَّرُ بالقرآن فيعرض ويواصل جرائمه ناسياً ما قدمت يداه.

    5- بيان سنة الله في أن العبد إذا واصل الشر والفساد يحجب عن الإِيمان والخير ويحرم الهداية أبداً حتى يهلك كافراً ظالماً فيخلد في العذاب المهين.
    ______________________________ _

    1 قال القرطبي: يحتمل أي: هذا الكلام وجهين: أحدهما ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية والثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وما في التفسير لم يخرج عن هذا فتأمّله.
    2 يحتمل اللفظ الكافر لقوله تعالى: {ويجادل الذين كفروا بالباطل} ويحتمل المسلم إلاّ أنه في الكافر أظهر وأكثر وروي مسلم عن علي رضي الله عنه "أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قلت له ذلك ثمّ سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} .
    3 أي: بواسطة القرآن والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    4 أي: عياناً، وفسّره بعضهم بعذاب السيف يوم بدر.
    5 قراءة الجمهور: (قبلا) بكسر القاف أي: المقابل الظاهر، وقراء (قُبلا) بضم القاف والباء وهو جمع قبيل أي: يأتيهم العذاب أنواعاً متعدّدة.
    6 {موئلا} : أي: منجىً أو محيصاً يقال: وأل يئل وألاّ وؤولاً أي: لجأ تقول العرب: لا وألت نفسه أي: لا نجت ومنه قول الشاعر:
    لا وألت نفسك خليتها
    للعامريين ولم تكلَم
    7 تلك: مبتدأ وأهلكناهم الخبر، ويصح أن تكون تلك في محل نصب والعامل: أهلكنا نحو: زيداً ضربته.

    ****************************** **
    { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَٰهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً } 60 { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً } 61 { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَٰهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } 62 { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً } 63 { قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً } 64 { فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } 65 { قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } 66 { قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } 67 { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } 68 { قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً }69

    شرح الكلمات:

    وإذ قال موسى لفتاه: أي أذكر إذ قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف عليه السلام.

    مجمع البحرين: أي حيث ألتقى البحران بحر فارس وبحر الروم.

    حقبا: الحقب الزمن وهو ثمانون سنة والجمع أحقاب.

    سبيله في البحر سرباً: أي طريقه في البحر سرباً أي طريقاً كالنفق.

    فلما جاوزا: أي المكان الذي فيه الصخرة ومنه اتخذ الحوت طريقه في البحر سرباً.

    في البحر عجباً: أي عجباً لموسى حيث تعجب من إحياء الحوت واتخاذه في البحر طريقاً كالنفق في الجبل.

    قصصاً: أي يتتبعان آثار أقدامهما.

    عبداً من عبادنا: هو الخضر عليه السلام.

    مما علمت رشداً: أي ما هو رشاد إلى الحق ودليل على الهدى.

    ما لم تحط به خبراً: أي علماً.

    ولا أعصي لك أمراً: أي انتهى إلى ما تأمرني به وإن لم يكن موافقاً هواي.

    معنى الآيات:

    هذه قصة موسى 1مع الخضر عليهما السلام وهي تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتؤكدها. إذ مثل هذا القصص الحق لا يتأتى لأحد أن يقصه ما لم يتلقه وحياً من الله عزوجل. قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } أي أذكر يا رسولنا تدليلاً على توحيدنا ولقائنا ونبوتك. إذ قال موسى بن عمران نبينا إلى بني إسرائيل لفتاه2 يوشع بن نون { لاۤ أَبْرَحُ } أي سائراً { حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ 3ٱلْبَحْرَيْنِ } حيث أرشدني ربي إلى لقاء عبدٍ هناك من عباده هو أكثر مني علماً حتى أتعلم منه علماً ازيده على علمي، { أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً 4} أي أواصل سيري زمناً طويلاً حتى أظفر بهذا العبد الصالح لأتعلم عنه. قوله تعالى: { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي بين البحرين وهما بحر الروم وبحر فارس عند باب المندب حيث التقى البحر الأحمر والبحر الهندي. أو البحر الأبيض والأطلنطي عند طنجة والله أعلم بأيها أراد. وقوله { نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي نسي الفتى الحوت، إذ هو الذي كان يحمله، ولكن نسب النسيان إليهما جرياً على المتعارف من لغة العرب5، وهذا الحوت قد جعله الله تعالى علامة لموسى على وجود الخضر حيث يفقد الحوت، إذ القصة كما في البخاري تبتدئ بأن موسى خطب يوماً في بنى إسرائيل فأجاد وأفاد فأعجب به شاب من بني إسرائيل فقال له: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا. فأوحى إليه ربه فوراً بلى عبدنا خضر، فتاقت نفسه للقياه للتعلم عنه، فسأل ربه ذلك، فأرشده إلى مكان لقياه وهو مجمع البحرين، وجعل له الحوت علامة فأمره أن يأخذ طعامه حوتاً وأعلمه أنه إذا فقد الحوت فثم يوجد عبدالله خضر ومن هنا لما بلغا مجمع البحرين واستراحا فنام 6موسى والفتى شبه نائم وإذا بالحوت يخرج من المكتل (وعاء) ويشق طريقه إلى البحر فينجاب عنه البحر فيكون كالطاق أو النفق آية موسى.
    ويغلب النوم على يوشع فينام فلما استراحا قاما مواصلين سيرهما ونسي الفتى وذهب من نفسه خروج الحوت من المكتل ودخوله في البحر لغلبة النوم فلما مشيا مسافة بعيدة وشعرا بالجوع وقد جاوزا المنطقة التي هي مجمع البحرين7 قال موسى للفتى { آتِنَا 8غَدَآءَنَا } وعلل ذلك بقوله: { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } أي تعباً. هنا قال الفتى لموسى ما قصَّ الله تعالى: قال مجيباً لموسى { أَرَأَيْتَ } أي أتذكر { إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } التي استراحا عندها { فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ } وقال كالمعتذر، { وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ9 وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي طريقه { فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً } أي حيي بعد موت ومشى حتى انتهى إلى البحر وانجاب له البحر فكان كالسرب فيه أي النفق فأجابه موسى بما قص تعالى: { قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } وذلك لأن الله تعالى جعل لموسى فقدان الحوت علامة على مكان الخضر الذي يوجد فيه { فَٱرْتَدَّا } أي رجعا { عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً } أي يتتبعان آثار أقدامهما { فَوَجَدَا } خضراً كما قال تعالى: { فَوَجَدَا عَبْداً10 مِّنْ عِبَادِنَآ } وهو خضر { آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } أي نبوة { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } وهو علم غيب خاص به { قَالَ لَهُ مُوسَىٰ } مستعطفاً له { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } أي مما علمك الله رشداً أي رشاداً يَدُلّنِي على الحق وتحصل لي به هداية فأجابه خضر بما قال تعالى: { قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } يريد أنه يرى منه أموراً لا يقره عليها وخضر لا بد يفعلها فيتضايق موسى لذلك ولا يطيق الصبر، وعلل له عدم استطاعته الصبر بقوله { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } أي علماً كاملاً. فأجابه موسى وقد صمم على الرحلة لطلب العلم مهما كلفه الثمن فقال { سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً } أي سأنتهي إلى ما تأمرني وإن لم يكن موافقاً لما أحب وأهوى.

    هداية الآيات:

    1- عتب الله تعالى على رسوله يا موسى عليه السلام عندما سئل هل هناك من هو أعلم منك فقال لا وكان المفروض أن يقول على الأقل الله أعلم. فعوقب لذلك فكلف هذه الرحلة الشاقة.

    2- استحباب الرفقة في السفر، وخدمة التلميذ للشيخ، إذ كان يوشع يخدم موسى بحمل الزاد.

    3- طروء النسيان على الانسان مهما كان صالحاً.

    4- مراجعة الصواب بعد الخطأ خير من التمادي على الخطأ { فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً }؟

    5- تجلي قدرة الله تعالى في إحياء الحوت بعد الموت، وانجياب الماء عليه حتى كان كالطاق فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً.

    وبه استدل موسى أي بهذا العجب على مكان خضر فوجده هناك.

    6- استحباب طلب المزيد من العلم مهما كان المرء عالماً وهنا أورد الحديث التالي وهو خير من قنطار ذهباً لمن حفظه وعمل به وهو قول ابن عباس رضي الله عنه قال سأل موسى ربه: قال رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبيدك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، وللأثر بقية ذكره ابن جرير عند تفسير هذه الآيات.
    ______________________________ ________
    1 ذهب نوف البكالي إلى أن موسى هذا هو موسى بن منشا بن يوسف عليه السلام وردّ هذا عليه ابن عباس رضي الله عنهما رداً عنيفاً كما في البخاري فالصحيح أنه موسى بن عمران رسول الله إلى بني إسرائيل.
    2 اختلف في فتى موسى مَنْ هو؟ قيل: إنه كان شاباً يخدمه ولذا أطلق عليه لفظ الفتى على جهة حسن الأدب، قال ابن العربي. ظاهر القرآن أنه عبد وما دام صح الحديث بأنه يوشع بن نون فلا حاجة إلى البحث والتنقيب.
    3 أي ملتقاهما. وهما بحر الأردن وبحر القلزم على الراجح الصحيح.
    4 قال النحاس: الحقب: زمان من الدهر مبهم غير محدود وجمعه أحقاب وورد الحقب مقدراً بثمانين سنة، إلاّ أنه في قول موسى هذا مراده الأوّل وهو زمن غير محدود.
    5 نحو قوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} مع أنه لا يخرج إلاّ من البحر الملح ونحو قوله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} مع العلم أن الرسل من الإنس فقط.
    6 في البخاري: أن موسى عليه السلام قال ليوشع لا أكلفك إلاّ أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال الفتى: ما كلّفت كثيراً.
    7 هذا يُرجح أن يكون البحران: نهر الأردن وبحيرة طبريّة.
    8 في الآية دليل على وجوب حمل الزاد في السفر ففي هذا رد على المتصوفة الذين يخرجون بلا زاد بدعوى التوكل ثمّ هم يسألون الناس، وشاهد هذا آية البقرة إذ نزلت في أناس من اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون فنزل قوله تعالى: {وتزودّوا..} الآية.
    9 أن: وما دخلت عليه تسبك بمصدر فيقال: وما أنساني ذكره إلاّ الشيطان.
    10 في البخاري: "فوجدا خضراً على طنْفَسة خضراء على كبد البحر مسجىَّ بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلّم عليه موسى فكشف عن وجهه فقال: هل بأرضك من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى.." الخ.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #569
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (8)
    الحلقة (567)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 274الى صــــ 277)

    { قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } 70 { فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً } 71 { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } 72 { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً } 73 { فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً }74


    شرح الكلمات:

    ذكراً: أي بياناً وتفصيلاً لما خفي عليك.

    لقد جئت شيئاً إمراً: أي فعلت شيئاً منكراً.

    لا ترهقني: أي لا تغشني بما يعسر علي ولا أطيق حمله فتضيق علي صحبتي إياك.

    نفساً زكية: أي طاهرة لم تتلوث روحها بالذنوب.

    بغير نفس: أي بغير قصاص.

    نكراً: الأمر الذي تنكره الشرائع والعقول من سائر المناكر! وهو المنكر الشديد النكارة.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحوار الذي بين موسى عليه السلام والعالم الذي أراد أن يصحبه لطلب العلم منه وهو خضر. قوله تعالى: { قَالَ } أي خضر { فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي } مصاحباً لي لطلب العلم { فَلاَ تَسْأَلْني 1عَن شَيءٍ } أفعله مما لا تعرف له وجهاً شرعياً { حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي حتى أكون أنا الذي يبين لك حقيقته وما جهلت منه. وقوله تعالى: { فَٱنْطَلَقَا } أي بعد رضا موسى بطلب خضر انطلقا يسيران في2 الأرض فوصلا ميناء من المواني البحرية، فركبا سفينة كان خضر يعرف أصحابها فلم يأخذوا منهما أجر الإِركاب فلما أقلعت السفينة، وتوغلت في البحر أخذ خضر فأساً فخرق السفينة، فجعل موسى يحشو بثوب له الخرق ويقول: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } على انهما حملانا بدون نَوْل { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً } أي أتيت يا عالم منكراً فظيعاً فأجابه خضر بما قص تعالى: { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } فأجاب موسى بما ذكر تعالى عنه: { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً } أي لا تعاقبني بالنسيان فإن الناسي لا حرج عليه. وكانت هذه من3 موسى نسياناً حقاً ولا تغشني بما يعسر علي ولا أطيقه فاتضايق من صحبتي إياك.

    قال تعالى: { فَٱنْطَلَقَا } بعد نزولهما من البحر إلى البر فوجدا غلاماً جميلاً وسيماً يلعب مع الغلمان فأخذه خضر جانباً وأضجعه 4وذبحه فقال له موسى بما أخبر تعالى عنه: { أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } زاكية طاهرة لم يذنب صاحبها ذنباً تتلوث به روحه ولم يقتل نفساً يستوجب بها القصاص { لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } أي أتيت منكراً عظيماً بقتلك نفساً طاهرة ولم تذنب ولم تكن هذه نسياناً من موسى بل كان عمداً أنه لم يطق فعل منكر كهذا لم يعرف له وجهاً 5ولا سبباً.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- جواز الاشتراط في الصحبة وطلب العلم وغيرهما للمصلحة الراجحة.

    2- جواز ركوب السفن في البحر.

    3- مشروعية إنكار المنكر على من علم أنه منكر.

    4- رفع الحرج عن الناس.

    5- مشروعية القصاص وهو النفس بالنفس.
    ____________________________

    1 في قول موسى: {هل أتبعك} من حسن الأدب والتلطف في السؤال وتواضع الطالب للشيخ الشيء الكثير، وفي الآية دليل على أن المتعلم تابع للعالم وإن تفاوتت مرتبتهما، وما كان موسى إلاّ أفضل من خضر ولكنه بحكم أنه تابع للخضر العالم تواضع في لطف.
    2 في البخاري: "فانطلقا يسيران على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول أي (أجرة) ".
    3 في البخاري: "قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت الأولى من موسى نسياناً قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة في البحر فقال له الخضر ما علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر" حرف السفينة: طرفها، وحرف كل شيء طرفه.
    4 في الترمذي: "أنه أخذ رأسه بيده فاقتلعه فقتله" وفي بعض الروايات "أنه أخذ حجراً فضرب بها رأس الغلام فقتله" وما في التفسير أصح وأوضح.
    5 سيأتي بيان علّة القتل وأنها حق والقتل كان بإذن الله تعالى وما مات أحد ولا قتل إلاّ بإذن الله تعالى.

    ******************************
    الجزء السادس عشر


    { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } 75 { قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً } 76 { فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } 77 { قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }78

    شرح الكلمات:

    قال ألم أقل لك: أي قال خَصِرْ لموسى عليهما السلام.

    بعدها: أي بعد هذه المرة.

    فلا تصاحبني: أي لا تتركني أتبعك.

    من لدني عذراً: أي من قبلي " جهتي " عذراً في عدم مصاحبتي لك.

    أهل قرية: مدينة أنطاكية.

    استطعما أهلها: أي طلبا منهم الطعام الواجب للضيف.

    يريد أن ينقض: أي قارب السقوط لميلانه.

    فأقامه: أي الخضر بمعنى أصلحه حتى لا يسقط.

    أجراً: أي جعلا على إقامته وإصلاحه.

    هذا فراق بيني وبينك: أي قولك هذا { لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } هو نهاية الصحبة وبداية المفارقة.

    بتأويل: أي تفسير ما كنت تنكره على حسب علمك.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق في محاورة الخضر مع موسى عليهما السلام، فقد تقدم إنكار موسى على الخضر قتله الغلام بغير نفس، ولا جرم إرتكبه، وبالغ موسى في إنكاره إلى أن قال:{ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً1 } [الكهف: 74] فأجابه خَضِرْ بما أخبر تعالى به في قوله: { أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } لما سألتني الصحبة للتعليم، فأجاب موسى بما أخبر تعالى به في قوله: { قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا } أي بعد هذه المرة { فَلاَ تُصَاحِبْنِي } أي اترك صحبتي فإنك { قَدْ بَلَغْتَ مِن 2لَّدُنِّي } أي من جهتي وقبلي عذراً في تركك إياي.

    قال تعالى: { فَٱنطَلَقَا } في سفرهما { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ } " أي مدينة " قيل إنها انطاكية ووصلاها في الليل والجو بارد فاستطعما أهلها أي طلبا منهم طعام الضيف الواجب له { فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا 3فَوَجَدَا فِيهَا } أي في القرية { جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } أي يسقط فأقامة الخضر وأصلحه فقال موسى له: { لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي جعل مقابل إصلاحه، لا سيما أن أهل هذه القرية لم يعطونا حقنا من الضيافة. وهنا قال الخضر لموسى: { هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } لانك تعهدت إنك إذا سألتني بعد حادثة قتل الغلام عن شيء أن لا تطلب صحبتي وها أنت قد سألتني، فهذا وقت 4فراقك إذاً { سَأُنَبِّئُكَ } أي أخبرك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- وجوب الوفاء بما التزم به الإِنسان لآخر.

    2- وجوب الضيافة لمن استحقها.

    3- جواز التبرع بأي خير أو عمل إبتغاء وجه الله تعالى.
    _________________________

    1 اختلف في أيهما أبلغ: إمراً أو نكراً، ورجّح بعضهم أن إمراً فيما لم يحدث من فعل منكر فيكون خاصاً بالمستقبل، ومعناه: أمر فظيع مهيل ونكراً: يكون فيما وقع فهو بيّن الفساد بالغ في النكر واجب الإنكار.
    2 قرىء: {من لدني} بتخفيف الدال وقرىء في السبع بتشديدها وقرىء عذراً بسكون الذال وقرىء في السبع أيضاً بضمهما، وضمّ العين قبلها كنُذُر ونُذُر.
    3 في الحديث: "إنهم كانوا لئاماً بخلاء" وهو تعليل لعدم استضافة موسى والخضر.
    4 في البخاري: هنا قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما".

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #570
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (9)
    الحلقة (568)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 277الى صــــ 283)

    { أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } 79 { وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } 80 { فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً } 81 { وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً }82


    شرح الكلمات:

    المساكين: جمع مسكين وهو الضعيف العاجز عن الكسب.

    يعملون في البحر: أي يؤجرون سفينتهم للركاب.

    أعيبها: أي أجعلها معيبة حتى لا يرغب فيها.

    غصباً: أي قهراً.

    أن يرهقهما طغياناً وكفراً: أي يغشاهما: ظلماً وجحوداً.

    وأقرب رحما: أي رحمة إذ الرحم والرحمة بمعنى واحد.

    وما فعلته عن أمري: أي عن اختيار مني بل بأمر ربي جل جلاله وعظم سلطانه.

    معنى الآيات:

    هذا آخر حديث موسى والخضر عليهما السلام، فقد واعد الخضر موسى عندما أعلن له عن فراقه أن يبين له تأويل مالم يستطع عليه صبراً، وهذا بيانه قال تعالى " حكاية عن الخضر " { أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ } التي خرقتُها وأنكرتَ عليَّ ذلك { فَكَانَتْ1 لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ } يؤجرون سفينتهم بما يحصل لهم بعض القوت { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا 2} لا لأغرق أهلها، { وَكَانَ وَرَآءَهُم3 مَّلِكٌ4 } ظالم { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ } صالحة { غَصْباً } أي قهراً وإنما أردت أن أبقيها لهم إذ الملك المذكور لا يأخذ إلا السفن الصالحة { وأما الغلام } الذي قتلتُ وأنكرتَ عليَّ قتله { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ } إن كبر { أَن يُرْهِقَهُمَا5 } أي يُغشيهما { طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا6 رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً } أي طهراً وصلاحاً { وَأَقْرَبَ 7رُحْماً } أي رحمة وبراً بهما فلذا قتلته، { وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا } أي سن الرشد { وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً 8مِّن رَّبِّكَ } أي كان ذلك رحمة { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي عن إرادتي وإختياري بل كان بأمر ربي وتعليمه. { ذَلِكَ } أي هذا { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً }.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- بيان ضروب من خفي ألطاف الله تعال فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله تعالى وإن كان ظاهره ضاراً.

    2- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه بما ظاهره عذاب ولكن في باطنه رحمة.

    3- مراعاة صلاح الأباء في إصلاح حال الأبناء.

    4- كل ما أتاه الخضر كان بوحي إلهي وليس هو مما يدعيه جُهال الناس ويسمونه بالعلم الَّلدنِّي وأضافوه إلى من يسمونهم الأولياء، وقد يسمونه كشفاً، ويؤكد بطلان هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الخضر قال لموسى: أنا على علم مما علمني ربي وأنت على علم مما علمك الله وإن علمي وعلمك إلى علم الله إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من البحر.
    ______________________________ _____

    1 بهذه الآية استدل من قال من الفقهاء بأنّ المسكين أقلّ فقراً من الفقير لأنّ من ملك سفينة لا يعتبر فقيراً، وردّ هذا بأنّ أصحاب السفينة كانوا سبعة أفراد، وخمسة منهم زمنى ورثوا السفينة من أبيهم وبذا هم فقراء مساكين.
    2 أعيبها: أي أجعلها ذات عيب، يقال: عبت الشيء فعاب أي: صار ذا عيب فهو معيب.
    3 جائز أن يكون الوراء على حقيقته أي: خلفهم، وإذا رجعوا أخذ السفينة منهم، وجائز أن يكون وراء بمعنى أمام، ويؤيده قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: {وكان أمامهم ملِك} .
    4 قيل: الملك هو هدد بن بدد، واسم الغلام المقتول: جيسور.
    5 وفسّر أيضاً: يجشمهما ويحملهما على الرهق وهو الجهل والمعنى: أنه يحملهما حبه على الغلو فيه فيطغيان ويكفران.
    6 الرحم والرحمة بمعنى واحد قال الشاعر:
    وكيف بظلم جارية
    ومنها اللّين والرُّحم
    7 قيل: اسم الغلامين: أصرم وصريم، وكان الكنز ذهباً وفضة لحديث الترمذي عن أبي الدرداء، وشاهده من اللغة فإنّ الكنز: المال المدفون المدّخر، وجائز أن يكون مع المال كتاب فيه علم.
    8 تسطع وتستطيع بمعنى..

    ****************************** ****

    { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً } 83 { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } 84 { فَأَتْبَعَ سَبَباً } 85 { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } 86 { قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } 87 { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } 88 { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } 89 { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } 90 { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً } 91 { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } 92 { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً }93

    شرح الكلمات:

    ويسألونك: أي كفار قريش بتعليم يهود لهم.

    ذي القرنين: الإِسكندر باني الإِسكندرية المصرية الحميري أحد الملوك التبابعة وكان عبداً صالحاً.

    سأتلوا عليكم منه ذكراً: سأقص عليكم من حاله خيراً يحمل موعظة وعلماً.

    مكنا له في الأرض: بالحكم والتصرف في ممالكها.

    من كل شيء سببا: أي يحتاج إليه سبباً موصلاً إلى مراده.

    فأتبع سببا: أي فأتبع السبب سبباً آخر حتى انتهى إلى مراده.

    تغرب في عين حمئة: ذات حماة وهي الطين الأسود وغروبها إنما هو نظر العين وإلا فالشمس في السماء والبحر في الأرض.

    قوماً: أي كافرين.

    عذاباً نكرا: أي عظيماً فظيعا.

    يسرا: أي ليناً من القول سَهْلاً من العمل.

    قوم لم نجعل لهم من دونها سترا: القوم هم الزِّنْج ولم يكن لهم يومئذ ثياب يلبسونها ولا منازل يسكنونها وإنما لهم أسراب في الأرض يدخلون فيها.

    كذلك: أي الأمر كما قلنا لك ووصفنا.

    بين السدين: السدان جبلان شمال شرق بلاد الترك سد ذو القرنين ما بينهما فقيل فيهما سدان.

    قوماً لا يكادون يفقهون قولا: لا يفهمون كلام من يخاطبهم إلا بشدة وبطء وهم يأجوج ومأجوج.

    معنى الآيات:

    هذه قصة العبد الصالح ذي القرنين الحمْيَري التُّبعي على الراجح من أقوال العلماء، وهو الأسكندر باني الأسكندرية المصرية، ولأمر ما لقَّب1 بذي القرنين، وكان قد تضمن سؤال قريش النبي صلى الله عليه وسلم بإيعاذ من يهود المدينة ذا القرنين إذ قالوا لقريش سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فإن أجابكم عنها فإنه نبي، وإلا فهو غير نبي فَرَوْا رأيكم فيه فكان الجواب عن الروح في سورة الإِسراء وعن الفتية وذي القرنين في سورة الكهف هذه وقد تقدم الحديث التفصيلي عن أصحاب الكهف في أول السورة وهذا بدء الحديث المتضمن للإِجابة عن الملك ذي القرنين عليه السلام قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ } يا نبينا { عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ } للسائلين من مشركي قريش { سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم2 مِّنْهُ ذِكْراً } أي سأقرأ عليكم من أمره وشأنه العظيم ذكراً خبراً يحمل الموعظة والعلم والمعرفة: وقوله تعالى: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } هذه بداية الحديث عنه فأخبر تعالى أنه مكن له في الأرض بالملك والسلطان، وأعطاه من كل شيء يحتاج إليه في فتحه الأرض ونشر العدل والخير فيها سبباً يوصله إلى ذلك، وقوله { فَأَتْبَعَ سَبَباً }3 حسب سنة الله في تكامل الأشياء فمن صنع إبرة وتابع الأسباب التي توصل بها إلى صنع الإِبرة فإنه يصنع المسلة، وهكذا تابعه بين أسباب الغزو والفتح والسير في الأرض { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } وهي على ساحل المحيط الأطلنطي، وكونها تغرب فيها هو بحسب رأي العين، وإلا فالشمس في السماء والعين الحمئة4 والمحيط إلى جنبها في الأرض وقوله تعالى: { وَوَجَدَ عِندَهَا } أي عند تلك العين في ذلك الإِقليم المغربي { قَوْماً } أي كافرين غير مسلمين فأذن الله تعالى له في التحكم والتصرف فيهم إذ يسر له أسباب الغلبة عليهم وهو معنى قوله تعالى: { قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ } وقد يكون نبياً ويكون قوله الله تعالى هذا له وحياً وهو { إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ } بالأسر والقتل، { وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } وهذا بعد حربهم والتغلب عليهم فأجاب ذو القرنين ربه بما أخبر تعالى به: { أَمَّا مَن ظَلَمَ5 } أي بالشرك والكفر { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } بالقتل والأسر، { ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ } بعد موته { فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } أي فظيعاً أليماً.
    { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } أي أسلم وحسن إسلامه { فَلَهُ جَزَآءً 6} على إيمانه وصالح أعماله { ٱلْحُسْنَىٰ } أي الجنة في الآخرة { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } فلا نغلظ له في القول ولا نكلفه ما يشق عليه ويرهقه.

    وقوله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي ما تحصل عليه من القوة فتح المغرب استخدمه في مواصلة الغزو والفتح في المشرق { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ 7 ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ 8عَلَىٰ قَوْمٍ } بدائيين لم تساعدهم الأرض التي يعشيون عليها على التحضر فلذا هم لا يبنون الدور ولا يلبسون الثياب، ولكن يسكنون الكهوف والمغارات والسراديب وهو ما دل عليه قوله تعالى: { لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا } أي الشمس { سِتْراً }. وقوله تعالى: { كَذَلِكَ9 } أي القول الذي قلنا والوصف الذي وصفنا لك من حال ذي القرنين { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ } من قوة وأسباب مادية وروحية { خُبْراً } أي علماً كاملا. وقوله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ } أي ذو القرنين { سَبَباً } أي واصل طريقه في الغزو والفتح { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ10 } وهما جبلان بأقصى الشمال الشرقي للأرض بنى ذو القرنين بينهما سداً عظيما حال به دون غزو يأجوج ومأجوج للإِقليم المجاور لهم، وهم القوم الذين قال تعالى عنهم { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا 11قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } فلا يفهمون ما يقال لهم ويخاطبون به إلا بشدة وبطء كبير.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- تقرير نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ هذا جواب آخر أسئلة قريش الثلاثة. قرأه عليهم قرآنا موحى به إليه.

    2- إتباع السبب السبب ويصل به ذو الرأي والإِرادة إلى تحقيق ما هو كالمعجزات.

    3- قول: ذو القرنين: { أَمَّا مَن ظَلَمَ..... الخ } يجب أن يكون مادة دستورية يحكم به الأفراد والجماعات لصدقها وإجابيتها وموافقتها لحكم الله تعالى ورضاه، ومن الأسف أن يعكس هذا القول السديد والحكم الرشيد فيصبح أهل الظلم مكرمين لدى الحكومات، وأهل الإِيمان والإِستقامة مهانين!!

    4- بيان وجود أمم بدائية إلى عهد ما بعد ذي القرنين لا يلبسون ثياباً ولا يسكنون سوى الكهوف والمغارات ويوجد في البلاد الكيئية إلى الآن قبائل لا يرتدون الثياب، وإنما يضعون على فروجهم خيوط وسيور لا غير.

    5- تقرير أن هذا الملك الصالح قد ملك الأرض فهو أحد أربعة حكموا الناس شرقاً وغرباً.
    ______________________________ ______

    1 اختلفوا في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال هي: عبد الله أو الاسكندر أو عبّاس أو جابر، كما اختلفوا في تلقيبه بذي القرنين على عشرة أقوال أمثلها أنه ملك فارس والروم أو أنه كان له ضفيرتان من شعر رأسه فلقب لذلك بذي القرنين، واختلف في نبوته، والظاهر أنه كان نبيًّا يوحى إليه وكان ملكاً حاكماً.
    2 {ذكراً} أي: خيراً يتضمن ذكره.
    3 أصل: السبب: الحبل واستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء، وأوتي ذو القرنين من كل شيء علماً يتسبب به إلى ما يريد فتوصّل إلى فتح البلاد وقهر الأعداء وقرىء فأتبع سببا بقطع الهمزة وقرأ أهل المدينة فاتَّبع سبباً بهمزة وصل وتشديد التاء.
    4 قرأ الجمهور: (حمئة) من الحماة أي كثيرة الحمأة وهي الطين الأسود وقرأ بعضهم حامية أي: حارة وجائز أن تكون حامية من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء.
    5 أي: قال لأولئك القوم أمّا مَنْ ظلم.. الخ.
    6 قراءة أهل المدينة (فله جزاءُ الحسنى) برفع جزاء بدون تنوين والحسني مضاف إليه والخبر تقديره: عند الله. وقرأ غيرهم بنصب جزاء على التمييز أي: فله الحسنى جزاء ًويجوز أن يكون منصوباً على المصدرية.
    7 المطلع: يجوز فيه كسر الميم وفتحها مثل المنسك والمجزر والمسكن والمنبت هذه يجوز فيها وجهان الكسر والفتح في ميمها.
    8 قال صاحب النوير: والظاهر أنه بلغ ساحل اليابان في حدود منشورياً أو كورياً شرقاً.
    9 جائز أن يكون المعنى: كذلك أمرهم كما قصصنا عليك وهو معنى ما في التفسير وجائز أن يكون كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها كذلك.
    10 قرأ حفص بفتح السين، وقرأ نافع بضمها، ونظير السد في الفتح والضم الضعف والقر والقر.
    11 قوله: من دونهما يعني أمام الدين لا خلفهما إذ خلفهما يأجوج ومأجوج.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #571
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (10)
    الحلقة (569)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 284الى صــــ 289)
    { قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } 94 { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } 95 { آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } 96 { فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً } 97 { قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } 98 { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } 99 { وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً } 100 { ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً }101


    شرح الكلمات:

    يأجوج ومأجوج: قبيلتان من أولاد يافث بن نوح عليه السلام والله أعلم.

    نجعل لك خرجاً: أي جعلاً مقابل العمل.

    سداً: السد بالفتح والضم الحاجز المانع بين شيئين.

    ردْماً: حاجزاً حصيناً وهو السد.

    زبر الحديد: جمع زبرة قطعة من حديد على قدر الحجرة التي يبنى بها.

    بين الصدفين: أي صدف الجبلين أي جانبهما.

    قطرا: القطر النحاس المذاب.

    فما اسطاعوا أن يظهروه: أي عجزوا عن الظهور فوقه لعلوه وملاسته.

    نقبا: أي فتح ثغرة تحت تحته ليخرجوا معها.

    جعله دكا: أي تراباً مساوياً للأرض.

    وتركنا بعضهم: أي يأجوج ومأجوج أي يذهبون ويجيئون في اضطراب كموج البحر.

    أعينهم في غطاء عن ذكري: أي عن القرآن لا يفتحون أعينهم فيما تقرأه عليهم بغضا له أو أعين قلوبهم وهي البصائر فهي في أكنة لا تبصر الحق ولا تعرفه.

    لا يستطيعون سمعاً: لبغضهم للحق والداعي إليه.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق في حديث ذي القرنين إذْ شكا إليه سكان المنطقة الشمالية الشرقية من الأرض، بما أخبر تعالى به عنهم إذ قال: { قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ 1إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ } أي بالقتل والأكل والتدمير والتخريب، { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } أي أجراً2 { عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } أي حاجزاً قوياً لا يصلون معه إلينا. فأجابهم ذو القرنين بما أخبر الله تعالى به في قوله: { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي } من المال القوة والسلطان { خَيْرٌ } أي من جعلكم وخرجكم { فَأَعِينُونِي3 بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً 4} أي أي سداً قوياً وحاجزاً مانعاً { آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } أي قطع الحديد كل قطعة كالَّلبِنَة المضروبة، فجاءوا به إليه فأخذ يضع الحجارة وزبر الحديد ويبْني حتى ارتفع البناء فساوى بين الصدفين جانبي الجبلين، وقال لهم { ٱنفُخُواْ } أي النار على الحديد { حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } قال آتوني بالنحاس المذاب أفرغ عليه قطرا5 فأتوه به فأفرغ عليه من القطر ما جعله كأنه صفيحة واحدة من نحاس { فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ } أي يأجوج ومأجوج { أَن يَظْهَرُوهُ } أي يعلوا فوقه، { وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً } أي خرقا فلما نظر إليه وهو جبل شامخ وحصن حصين قال هذا من رحمة ربي أي من أثر رحمة ربي عليَّ وعلى الناس وأردف قائلاً { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي } وهو خروج يأجوج ومأجوج عند قرب الساعة { جَعَلَهُ دَكَّآءَ } أي تراباً مساويا للأرض، { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } وهذا مما وعد به وأنه كائن لا محالة قال تعالى: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } أي مختلطين 6مضطربين إنسهم وجنهم { وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ } نفخة البعث { فَجَمَعْنَاهُمْ } للحساب والجزاء { جَمْعاً وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً } حقيقياً يشاهدونها فيه من قرب، ثم ذكر ذنب الكافرين وعلة عرضهم على النار فقال: وقوله الحق: { ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي } أي أعين قلوبهم وهي البصائر فلذا هم لا ينظرون في آيات الله الكونية فيستدلون بها على وجود الله ووجوب عبادته وتوحيده فيها، ولا في آيات الله القرآنية فيهتدون بها إلى أنه لا إله إلا الله ويعبدونه بما تضمنته الآيات القرآنية، { وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } للحق ولما يدعوا إليه رسل الله من الهدى والمعروف.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- مشروعية الجعالة للقيام بالمهام من الأعمال.

    2- فضيلة التبرع بالجهد الذاتي والعقلي.

    3- مشروعية التعاون على ما هو خير، أو دفع للشر.

    4- تقرير وجود أمة يأجوج ومأجوج وأن خروجهم من أشراط الساعة.

    5- تقرير البعث والجزاء.
    ______________________________ ________

    1 يأجوج ومأجوج: اسمان أعجميان يهمزان ولا يهمزان ولذا قرىء في السبع بهما وهما ابنا يافث بن نوح عليه السلام ورد وصفهم أن صنفاً منهم يفرش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلاّ أكلوه، ومن مات منهم أكلوه مقدّمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية، وذلك يوم يفتح سدهم ويهدم، وخروجهم من أشراط الساعة الكبرى.
    2 الخرج والخراج: لغتان، وقيل الخرج: ما يعطى تطوعاً والخراج: ما يلزم عطاؤه والمراد به هنا الأجر مقابل العمل المطلوب من إقامة السدّ.
    3 القوة: الرجال والمال.
    4 الردم أعظم من السدّ.
    5 جائز أن يكون المراد بالقطر النحاس المذاب وهذا الظاهر، وجائز أن يكون الحديد المذاب والثالث: أنه الصفر والرابع أنه الرصاص. روى أحمد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما خلاصته أنّ يأجوج ومأجوج يحفران يومياً السدّ حتى إذا كادوا يخرقونه يقولون غدا نتم حفره وإذا جاء الغد حفروا ولم يقولوا إن شاء الله حتى إذا جاء وعد الله قالوا: إن شاء الله ففتح لهم.
    6 جائز أن يكون المراد بمن يموج بعضهم في بعض: يأجوج ومأجوج وجائز أن يكون الإنس والجن وذلك يوم القيامة.

    ****************************** **
    { أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً } 102 { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً } 103 { ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } 104 { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً } 105 { ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً }106


    شرح الكلمات:

    أفحسب الذين كفروا: الاستفهام للتقريع والتوبيخ.

    أن يتخذوا عبادي: كالملائكة وعيسى بن مريم والعزير وغيرهم.

    أولياء: أرباباً يعبدوهم بأنواع من العبادات.

    نزلا: النزل: ما يعد للضيف من قرى وهو طعامه وشرابه ومنامه.

    ضل سعيهم: أي بطل عملهم وفسد عليهم فلم ينتفعوا به.

    يحسنون صنعا: أي بعمل يجازون عليه بالخير وحسن الجزاء.

    بآيات ربهم: أي بالقرآن وما فيه من دلائل التوحيد والأحكام الشرعية.

    ولقائه: أي كفروا بالبعث والجزاء.

    وزناً: أي لا نجعل لهم قدراً ولا قيمة بل نزدريهم ونذلهم.

    ذلك: أي أولئك جزاؤهم جهنم وأطلق لفظ ذلك بدل أولئك، لأنهم بكفرهم وحبوط أعمالهم أصبحوا غثاء كغثاء السيل لا خير فيه ولا وزن له فحسن أن يشار إليه بذلك.

    معنى الآيات:

    ينكر تعالى على المشركين شركهم ويوبخهم مقرعاً لهم على ظنهم أن اتخاذهم 1عِبَادهُ من دونه أولياء يعبدونهم كالملائكة حيث عبدهم بعض العرب والمسيح حيث عبده النصارى، والعزير حيث عبده بعض اليهود، لا يغضبه تعالى ولا يعاقبهم عليه. وكيف لا يغضبه ولا يعاقبهم عليه وقد أعد جهنم للكافرين نزلاً أي دار ضيافة لهم فيها طعامهم وفيها شرابهم وفيها فراشهم كما قال تعالى{ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [الأعراف: 41] هذا ما دلت عليه الآية الأولى [102] وهي قوله تعالى { أَفَحَسِبَ 2 ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ3 أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً }. وقوله تعالى في الآية الثانية [103] يخبر تعالى بأسلوب الاستفهام للتشويق للخبر فيقول { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم } أيها المؤمنون { بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً } إنهم { ٱلَّذِينَ ضَلَّ4 سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } أي عملاً، ويعرفهم فيقول { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } فلم يؤمنوا بها، وبلقاء ربهم فلم يعملوا العمل الذي يرضيه عنهم ويسعدهم به وهو الإِيمان الصحيح والعمل الصالح الذي شرعه الله لعباده المؤمنين به يتقربون به إليه. فلذلك حبطت أعمالهم لأنها شرك وكفر وشر وفساد، { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً5 } إذ لا قيمة لهم ولا لأعمالهم الشركية الفاسدة الباطلة فإن أحدهم لا يزن جناح بعوضة لخفته.

    وأخيراً أعلن تعالى عن حكمه فيهم وعليهم فقال { ذَلِكَ 6} أي المذكور من غثاء الخلق { جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ } وعلل للحكم فقال: { بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً } أي بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات ربهم وبرسله فكان الحكم عادلاً، والجزاء موافقاً والحمد الله رب العالمين.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير شرك من يتخذ الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء آلهة يعبدوهم تحت شعار التقرب إلى الله تعالى والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله تعالى بحبهم والتقرب إليهم.

    2- تقرير هلاك أصحاب الأهواء الذين يعبدون الله تعالى بغير ما شرع ويتوسلون إليه بغير ما جعله وسيلة لرضاه وجنته. كالخوارج والرهبان من النصارى والمبتدعة الروافض والإِسماعيلية، والنصيرية والدروز ومن إليهم من غلاة المبتدعة في العقائد والعبادات والأحكام الشرعية.

    3- لا قيمة ولا ثقل ولا وزن لعمل لا يوافق رضا الله تعالى وقبوله له، كما وزن عند الله تعالى لصاحبه، وإن مات خوفا من الله أو شوقاً إليه.
    ______________________________ ___

    1 قال ابن عباس رضي الله عنهما إنهم الشياطين. وهو صحيح إذ الشياطين هم الذين زينوا لهم عبادة الملائكة والأنبياء والأولياء والأصنام ودعوهم إلى عبادتهم.
    2 قرىء: (أفحسب) بإسكان السين وضم الباء أي. أفيكفيهم أن يتخذوهم أولياء؟
    3 جواب الاستفهام محذوف تقديره: كلا بل هم أعداء يتبرؤن منهم وجائز أن يكون: ولا أغضب ولا أعاقبهم، وكلا المعنيين يراد.
    4 يدخل في هذا كل من المشركين واليهود والنصارى والحرورية والمراءون بأعمالهم، وكل من يعمل الأعمال، وهو يظن أنه محسن وقد حبطت أعماله لفساد اعتقاده ولمراءاته أو لعمله بما شرع الله كأنواع البدع المكفرّة.
    5 روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال: اقرأوا إن شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} .
    6 وجائز أن تكون الإشارة بذلك إلى ترك الوزن وخسة القدر والخبر: جزاؤهم جهنم. و (جهنم) بدل من (جزاؤهم) بدلا مطابقاً فيه زيادة توكيد.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #572
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة الكهف - (11)
    الحلقة (570)
    تفسير سورة الكهف مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 290الى صــــ 295)

    {
    إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } 107 { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } 108 { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } 109 { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }110


    شرح الكلمات:

    كانت لهم: أي جزاء إيمانهم وعملهم الصالح.

    الفردوس نزلاً: هو وسط الجنة وأعلاها ونزلاً منزل إكرام وإنعام.

    لا يبغون عنها حولا: أي لا يطلبون تحولاً منها لأنها لا خير منها أبداً.

    لو كان البحر: أي ماؤه مداداً.

    قبل أن تنفد كلمات ربي: أي قبل أن تفرغ.

    لنفد البحر: أي ولم تنفذ هي أي لم تفرغ.

    يرجو لقاء ربه: يأمل وينتظر البعث والجزاء يوم القيامة حيث يلقى ربه تعالى.

    ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: أي لا يرائي بعمله أحداً ولا يشرك في عبادة الله تعالى غيره تعالى.

    معنى الآيات:

    بعدما ذكر تعالى جزاء أهل الشرك والأهواء وأنه جهنم ناسب ذكر جزاء أهل الإِيمان والتقوى التي هي عمل الصالحات واجتناب المحرمات فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } أي صدقوا الله ورسوله وآمنوا بلقاء الله، ووعد لأوليائه، ووعيده لأعدائه من أهل الشرك والمعاصي، وعملوا الصالحات فأدوا الفرائض والواجبات وسارعوا في النوافل والخيرات هؤلاء { كَانَتْ لَهُمْ } في علم الله وحكمه { جَنَّاتُ 1ٱلْفِرْدَوْسِ } أي بساتين الفردوس منزلاً ينزلونه ودار كرامة يكرمون فيها وينعمون، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم واصفاً لها ومرغباً فيها وقد ارتادها وانتهى إلى مستوى فوقها ليلة الإِسراء والمعراج قال: " إن سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن تبارك وتعالى، ومنه تفجر أنهار الجنة " ، كما في الصحيح، وقوله تعالى2 { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أي ماكثين فيها أبداً لا يطلبون متحولاً عنها إذ نعيمها لا يمل وسعادتها لا تنقص، وصفْوها لا يكدر وسرورها لا ينغص بموت ولا بمرض ولا نصب ولا تعب جعلني الله ومن قال أمين من أهلها. آمين. وقوله تعالى: { قُل لَّوْ كَانَ 3ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } تضمنت هذه الآية رداً على اليهود الذين لما نزل قول الله تعالى{ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 85] في الرد عليهم لما سألوا عن الروح بواسطة وفد قريش إليهم. فقالوا: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى قل لو كان البحر مداداً الآية رداً عليهم وإبطالاً لمزاعمهم فأعلمهم وأعلم كل من يدعي العلم الذي ما فوقه علم بأنه لو كان ماء البحر مدادا وكان كل غصن وعود في أشجار الدنيا كلها قلماً، وكتب بهما لنفد ماء البحر وأغصان الشجر ولم تنفد كلمات ربي التي تحمل العلوم والمعارف الإِلهية وتدل عليها وتهدي إليها فسبحان الله وبحمده، سبحانه الله العظيم سبحان الله الذي انتهى إليه علم كل شيء وهو على كل شيء قدير.
    وقوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ 4مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ }. يأمر تعالى رسوله بأن يقول للمشركين الذين يطلبون منه المعجزات كالتي أوتى موسى وعيسى: إنما أنا بشر مثلكم لا أقدر على ما لا تقدرون عليه أنتم، والفرق بيننا هو أنه يوحى إلي الأمر من ربي وأنتم لا يوحى إليكم يوحى إلي أنما إلهكم أي معبودكم الحق وربكم الصدق هو إله واحد الله ربكم ورب آبائكم الأولين. وقوله { فَمَن5 كَانَ يَرْجُواْ 6} أي يأمل وينتظر { لِقَآءَ رَبِّهِ } خوفاً منه وطمعاً فيه { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } وهو مؤمن موقن، { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ7 رَبِّهِ أَحَدَاً } فإن الشرك محبط للعمل مبطل له، وبهذا يكون رجاءه صادقاً وانتظاره صالحاً صائباً.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

    2- بيان أفضل الجنان وهو الفردوس الأعلى.

    3- علم الله غير متناهي لأن كلماته غير متناهية.

    4- تقرير صفة الكلام لله تعالى.

    5- تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية.

    6- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك.

    7- تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء يجاهد8 يريد وجه الله ويرغب أن يرى مكانه بين الناس، يصلي ويصوم ويحب أن يثنى عليه بذلك.
    ______________________________ _____


    1 روى الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "جنان الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
    2 وروى البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها، ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس".
    3 المداد في أوّل الآية والمداد في آخرها بمعنى واحد واشتقاقها لا يختلف.
    4 قال ابن عباس رضي الله عنهما علّم الله تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه فأمره أن يقرّ على نفسه بأنّه آدميٌ كغيره إلاّ أنه أكرم بالوحي.
    5 روي في سبب نزول هذه الآية ما يلي: أتى جندب بن زهير الغامدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله إني أعمل لله تعالى فإذا اطلع عليه سرّني فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً ولا يقبل ما ررئي فيه. فنزلت هذه الآية.
    6 فسر {يرجو} بمعنى: يأمل وبمعنى يخاف وكلاهما مطلوب الخوف من الله ومن عذاب الآخرة والأمل في فضل الله وإحسانه وثوابه في الدنيا والآخرة.
    7 فسّر سعيد بن جبير رحمه الله {ولا يشرك} بأن لا يرائي. وهو صحيح ولفظ الشرك أعم من الرياء.
    8 قال ابن عباس وطاووس: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يُرى مكاني فنزلت هذه الآية وجائز تعدد النزول من أجل أن يجاب السائل بنفس الآية التي كانت جواباً لسؤال مماثل.

    ******************************
    سورة مريم
    مكية
    وآياتها ثمان وتسعون آية
    بسم الله الرحمن الرحيم

    { كۤهيعۤصۤ } 1 { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } 2 { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } 3 { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } 4 { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } 5 { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } 6 { يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً }7

    شرح الكلمات:

    كَهَيَعَص1: هذه من الحروف المقطعة تكتب كهيعص وتُقرأ كاف، هاء يا عين صاد. ومذهب السلف أن يقال فيها: الله أعلم بمراده بذلك.

    ذكر رحمة ربك: أي هذا ذكر رحمة ربك.

    نادى ربه: أي قال: يا رب ليسأله الولد.

    نداءً خفيا: أي سر بعداً عن الرياء.

    وهن العظم مني: أي رق وضعف لكبر سني.

    واشتعل الرأس شيباً: أي انتشر الشيب في شعر رأسي انتشاراً النار في الحطب.

    ولم أكن بدعائك رب شقيا: أي إنك لم تخيبني فيما دعوتك فيه قبل فلا تخيبني اليوم فيما أدعوك فيه.

    وإني خفت الموالي: أي خشيت بني عمي أن يضيعوا الدين بعد موتي.

    إمرأتي عاقراً: لا تلد واسمها أشاع وهي أخت حنة أم مريم.

    فهب لي من لدنك ولياً: أي ارزقني من عندك ولداً.

    ويرث من آل يعقوب: أي جدي يعقوب العلم والنبوة.

    واجعله رب رضيا: أي مرضياً عندك.

    سميا: أي مسمى يحيى.

    معنى الآيات:

    أما قوله تعالى: 2كَهَيعص فإن هذا من الحروف المقطعة والراجح أنها من المتشابه الذي نؤمن به ونفوض فهم معناه لمنزله سبحانه وتعالى فنقول: { كۤهيعۤصۤ } الله أعلم بمراده به.

    وأما قوله تعالى: { ذِكْرُ3 رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } فإن معناه: مما تتلو4 عليك في هذا القرآن يا نبينا فيكون دليلاً على نبوتك ذكر رحمة ربك التي رحم بها عبده زكريا حيث كبرت سنه، وامرأته عاقر لا يولد لها ورغب في الولد لمصلحة الدعوة الإِسلامية إذ لا يوجد من يخلفه فيها إذا مات نظراً إلى أن الموجود من بني عمه ومواليه ليس بينهم كفؤ لذلك بل هم دعاة إلى السوء 5فنادى ربه نداء خفياً قائلاً: { رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي } أي رق وضعف، { وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } أي شاب شعر رأسي لكبر سني، { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } أي في يوم من الأيام بمعنى أنك عودتني الاستجابة لما أدعوك له ولم تحرمني استجابة دعائي فأشقى به دون الحصول على رغبتي. { وَإِنِّي } يا ربي قد { خِفْتُ 6ٱلْمَوَالِيَ } أن يضيعوا هذه الدعوة دعوة الحق التي هي عبادتك بما شرعت وحدك لا شريك لك، وذلك بعد موتي { فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ } أي من عندك تفضلاً به علي إذ الأسباب غير متوفرة للولد: المرأة عاقر وأنا شيخ كبير هرم، { وَلِيّاً } أي ولداً يلي أمر هذه الدعوة بعد وفاتي فيرثني فيها { وَيَرِثُ 7مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } جدي ما تركوه بعدهم من دعوة أبيهم وهي الحنيفية عبادة الله وحده لا شريك له { وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } أي واجعل الولد الذي تهبني يا ربي { رَضِيّاً } أي عبداً صالحاً ترضاه لحمل رسالة الدعوة إليك، فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله: { يٰزَكَرِيَّآ 8 إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ9 لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } أي من سمي باسمه يحيى قط.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره بهذا الذي أخبر به عن زكريا عليه السلام.

    2- استحباب السرية في الدعاء لأنه أقرب إلى الاستجابة.

    3- وجود العقم في بعض النساء.

    4- قدرة الله تعالى فوق الأسباب إن شاء تعالى أوقف الأسباب وأعطى بدونها.

    5- تقرير مبدأ أن الأنبياء لا يورثون فيما يخلفون من المال كالشاه والبعير 10وإنما يورثهم الله أولادهم في النبوة والعلم والحكمة.
    ______________________________ __

    1 روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن الكاف من كافٍ والهاء من هادٍ والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق. وعن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: هو اسم للسورة وقيل: هي اسم الله الأعظم، وكان علي يقول: يا كهيعص اغفر لي.
    2 كهيعص: هذه حروف هجاء مكتوبة بمسمياتها مقروءة بأسمائها.
    3 {ذكر} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا ذكر رحمة ربك وعبده: منصوب بالمصدر الذي هو ذكر.
    4 بناء على أن ذكر رحمة ربك: خبر والمبتدأ محذوف فإنه يصح تقديره. هذا ذكر وذكر رحمة ربك، وهذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمة ربك.
    5 النداء هنا: الدعاء والرغبة إلى الله تعالى، وفيه استحباب دعاء السرّ والمناجاة الخفية، وقد أسرّ مالك القنوت وجهر به الشافعي لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جهر به.
    6 الموالي هنا: الأقارب وبنوا العم والعصبة الذين يلونه في النسب لأنّ العرب تسمّي بني العم موالي قال شاعرهم: مهلا بني عمّنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
    7 المراد من الإرث هو: إرثه في دعوته لأنّ مواليه كانوا مهملين للدّين والدعوة فخاف ضياع ذلك فسأل ربه ولداً يقوم بذلك، أمّا المال فإنّ الأنبياء لا يورثون وما يتركونه فهو صدقة.
    8 في الكلام حذف تقديره: فاستجاب الله دعاءه فقال: يا زكريا.. الخ.
    9 تضمنت هذه البشرى ثلاثة أمور: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوّة له، والثالث: إفراده بتسمية لم يسمّ بها أحد قبله، قيل في قوله: {من قبل} إشارة إلى أنه سيخلف بعده من هو أشرف اسماً وذاتاً وحالاً وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    10 والدينار والدرهم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #573
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (1)
    الحلقة (571)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 295الى صــــ 301)

    { قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } 8 { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } 9 { قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } 10 { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } 11 { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } 12 { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } 13 { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } 14 { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً }15


    شرح الكلمات:

    أنى يكون لي غلام؟: أي من أي وجهٍ وَجِهَةٍ يكون لي ولد.

    عتيا: أي يبست مفاصلي وعظامي.

    آية: أي علامة تدلني على حمل امرأتي.

    سويا: أي حال كونك سويَّ الخلقِ ما بك عليه خرس.

    من المحراب1: المصلى الذي يصلي فيه وهو المسجد.

    فأوحى إليهم: أومأ إليهم وأشار عليهم.

    وآتيناه الحكم صبيا: الحكم والحكمة بمعنى واحد وهما الفقه في الدين ومعرفة أسرار الشرع.

    وحنانا من لدنا: أي عطفاً على الناس موهوباً له من عندنا.

    وزكاة: أي طهارة من الذنوب والآثام.

    جبارا عصياً: أي متعاليا لا يقبل الحق عصياً لا يطيع أمر الله عز وجل وأمر والديه.

    وسلام عليه: أي أمان له من الشيطان أن يمسه بسوء يوم يولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في ذكر رحمة الله عبده زكريا إنه لما بشره ربه تعالى بيحيى قال: ما أخبر به تعالى عنه في قوله: { قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً2 } أي من أي وجه وجهة يأتيني الولد أمن إمرأة غير أمرأتي، أم منها ولكن تهبني قوة على مباضعتها3 وتجعل رحمها قادرة على العلوق4، لأني كما تعلم يا ربي قد بلغت من الكبر حداً يبس فيه عظمي ومفاصلي وهو العتى كما أن امرأتي عاقر لا يولد لها. فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله عزوجل: { قَالَ كَذٰلِكَ } أي الأمر كما قلت يا زكريا، ولكن { قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي إعطاؤك الولد على ما أنت عليه من الضعف والكبر وامرأتك من العقر سهل يسير لا صعوبة فيه ويدلك على ذلك أني { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ5 وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } ، فكما قدر ربك على خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على هبتك الولد على ضعفك وعقر امرأتك وهنا طالب زكريا ربه بأن يجعل له علامة تدله على وقت حمل امرأته بالولد فقال ما أخبر به تعال في قوله: { قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } فأعطاه تعالى علامة على وقت حمل امراته بالولد وهي أنه يصبح يوم بداية الحمل لا يقدر على الكلام وهو سوي البدن ما به خرس ولا مرض يمنعه من الكلام، { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } أي المصلى الذي يصلي فيه { فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } أي أومأ وأشار6 إليهم { أَن سَبِّحُواْ 7بُكْرَةً وَعَشِيّاً 8} أي اذكروا الله في هذين الوقتين بالصلاة والتسبيح. وهنا علم بحمل امرأته إذ إمتناعه عن الكلام مع سلامة جسمه وحواسه آية على بداية الحمل، وقوله تعالى: { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } هذا قول الله تعالى للغلام بعد بلوغه ثلاث سنين أمره الله تعالى أن يتعلم التوراة ويعمل بها بقوة جد وحزم وقوله { وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ 9صَبِيّاً } أي وهبناه الفقه في الكتاب ومعرفة أسرار الشرع وهو صبي لم يبلغ سن الاحتلام.
    وقوله تعالى { وَحَنَاناً10 مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } أي ورحمة منا به ومحبة له آتيناه الحكم صبياً كما أنه عليه السلام كان ذا حنان على أبويه وغيرهما من المسلمين وقوله { وَزَكَاةً } أي طهارة من الذنوب باستعمال بدنه في طاعة ربه عزوجل { وَكَانَ تَقِيّاً } أي خائفاً من ربه فلا يعصه بترك فريضة ولا يفعل حرام.

    وقوله تعالى: { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ } أي محسناً بهما مطيعاً لهما لا يؤذيهما أدنى أذى وقوله { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } أي لم يكن عليه السلام مستكبراً ولا ظالماً، ولا متمرداً عاصياً لربه ولا لأبويه وقوله: { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ11 وُلِدَ } أي أمان له من الشيطان يوم ولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً، فسبحان الله ما أعظم فضله وأجزل عطاءه على أوليائه، اللهم أمنا كما أمنته فإنك ذو فضل عظيم.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- طلب معرفة السبب الذي يتأتى به الفعل غير قادح في صاحبه فسؤال زكريا عن الوجه الذي يأتي به الولد، كسؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الموتى.

    2- جواز طلب العلامات الدالة على الشيء للمعرفة.

    3- آية عجيبة أن يصبح زكريا لا يتكلم فيفهم غيره بالإِشارة فقط.

    4- فضل التسبيح في الصباح والمساء.

    5- وجوب أخذ القرآن بجد وحزم وحفظاً وعملاً بما فيه.

    6- صدق قول أهل العلم من حفظ القرآن في سن ما قبل البلوغ فقد أوتي الحكم صبياً.

    7- وجوب البر بالوالدين ورحمتهما والحنان عليهما والتواضع لهما.
    ______________________________ ___
    1 المحراب: مكان مرتفع، ومن هنا كره مالك أن يصلي الإمام في مكان أرفع من المكان الذي يصلي فيه الناس وراءه خشية الكبر عليه، والكبر من كبائر الذنوب ولم يكره أحمد رحمه الله تعالى.
    2 قرأ نافع (عُتيا) بضم أوله كما: بُكيَّا وصليَّا، وبكسرها قرأ حفص، والعتي: هو قحول العظم ويبوسته.
    3 أي: جماعها من إدخال البضع في البضع.
    4 أي: علوق النطفة في الرحم.
    5 أي: فخلق الولد كخلقك.
    6 أو كتب إليهم كتابة.
    7 إذ كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة بالإشارة لأنه لم يقدر على الكلام إذ جعل الله تعالى عجزه عن الكلام علامة الحمل لامرأته.
    8 بكرة وعشياً ظرفان في الصباح والمساء.
    9 يروى أنه قال له الأولاد: هيا بنا نلعب فقال لهم: ما للعب خلقت، فهذا مما أوتيه من الحكم صبياً.
    10 الحنان: التعطف والترحم وأصله من حنين الناقة إلى فصيلها، ويقال: حنانك وحنانيك وهما بمعنى واحد. قال طرفة:
    أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
    حنانيك بعض الشر أهو من بعض
    11 وجائز أن يكون المراد بالسلام هنا: التحية منه تعالى وهي أشرف من غيرها.

    ***************************

    { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } 16 { فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } 17 { قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } 18 { قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً } 19 { قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } 20 { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً }21


    شرح الكلمات:

    واذكر في الكتاب: أي القرآن مريم أي خبرها وقصتها.

    مريم: هي بنت عمران والدة عيسى عليه السلام.

    إذا انتبذت: أي حين اعتزلت أهلها باتخاذها مكاناً خاصاً تخلو فيه بنفسها.

    شرقيا: أي شرق الدار التي بها أهلها.

    حجابا: أي ساتراً يسترها عن أهلها وذويها.

    روحنا: جبريل عليه السلام.

    بشراً سوياً: أي تام الخلق حتى لا تفزع ولا تروع منه.

    إن كنت تقياً: أي عاملاً بإيمانك وتقواك لله فابتعد عني ولا تؤذني.

    غلاما زكيا: ولداً طاهراً لم يتلوث بذنب قط.

    ولم يمسسني بشر: أي لم أتزوج.

    ولم أك بغيّاً: أي زانية.

    قال كذلك: أي الأمر كذلك وهو خلق غلام منك من غير أب.

    هو علي هين: ما هو إلا أن ينفخ رسولنا في كم درعك حتى يكون الولد.

    ولنجعله آية للناس: أي عل عظيم قدرتنا.

    ورحمة منا: أي وليكون الولد رحمة بمن آمن به واتبع ما جاء به.

    أمراً مقضياً: أي حكم الله به وفرغ منه فهو كائن حتماً لا محالة.

    معنى الآيات:

    هذه بداية قصة مريم عليها السلام إذ قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ } أي القرآن الكريم { مَرْيَمَ } أي نبأها وخبرها ليكون ذلك دليلاً على نبوتك وصدقك في رسالتك وقوله { إِذِ ٱنتَبَذَتْ } أي اعتزلت { مِنْ أَهْلِهَا } هذا بداية القصة وقوله { مَكَاناً شَرْقِياً } أي موضعاً شرقي دار قومها وشرق المسجد، ولذا اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم في صلاتهم ولا حجة لهم في ذلك إلا الابتداع وإلا فقبلة كل مصلي لله الكعبة بيت الله الحرام قوله تعالى: { فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم } أي من دون أهلها { حِجَاباً } ساتراً لها عن أعينهم1، ولما فعلت ذلك أرسل الله تعالى إليها جبريل في صورة بشر سوي الخلقة معتدلها، فدخل عليها فقالت ما قص الله تعالى في كتابه { إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } أي أحتمي بالرحمن الذي يرحم الضعيفات مثلي إن كنت مؤمناً تقياً فاذهب عني ولا تروعني أو تمسني بسوء. فقال لها جبريل عليه السلام ما أخبر تعالى به وهو { قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ 2لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً } أي طاهراً لا يتلوث بذنب قط. فأجابت بما أخبر تعالى عنها في قوله: { أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ } أي من أي وجه يأتيني الولد، { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } أي وأنا لم أتزوج، { وَلَمْ أَكُ3 بَغِيّاً } أي ولم أك زانية، فأجابها جبريل بما أخبر تعالى به في قوله: { قَالَ كَذٰلِكَ } أي الأمر كما قلت ولكن ربك قال: { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي خلقه بدون أب من نكاح أو سفاح، لأنه هين علينا من جهة، { وَلِنَجْعَلَهُ 4آيَةً لِّلْنَّاسِ } دالة على قدرتنا على خلق آدم بدون أب ولا أم، والبعث الآخر من جهة أخرى، وقوله تعالى { وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً 5} أي ولنجعل الغلام المبشر به رحمة منا لكل من آمن به واتبع طريقته في الإِيمان والاستقامة وكان هذا الخلق للغلام وهبته لك أمراً مقضياً أي حكم الله فيه وقضى به فهو كائن لا محالة ونفخ جبريل في جيب قميصها فسرت النفخة في جسمها فحملت به كما سيأتي بيانه في الآيات التالية.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها.

    2- فضيلة العفة والحياء.

    3- كون الملائكة يتشكلون كما أذن الله تعالى لهم.

    4- مشروعية التعوذ بالله من كل ما يخاف من إنسان أو جان.

    5- التقوى6 مانعة من فعل الأذى بالناس أو إدخال الضرر عليهم.

    6- خلق عيسى آية مبصرة تتجلى فيها قدرة الله تعالى على الخلق بدأ وإعادة.
    ___________________

    1 قيل: استترت عن أهلها لتغتسل من حيضتها وتمتشط، وذلك لكمال حيائها.
    2 قرأ ورش عن نافع: (ليهب) بالياء بغير همزة، وقرأ غيره: (لأهب) بالهمزة فعلى قراءة نافع المعنى: أرسلني ليهب لك، وعلى قراءة غيره أرسلني يقول لك أرسلت رسولي إليك لأهب لك.
    3 لم تقل بغيّة لأنه وصف يغلب على النساء فقلما تقول العرب رجل بغي فجرى بغيا مجرى حائض وعاقر، وقيل هو فعيل بمعنى فاعل والأوّل أولى.
    4 {ولنجعله} متعلق بمحذوف تقديره: ونخلقه لنجعله.
    5 أي: مقدرا في اللوح المحفوظ كتاب المقادير العام.
    6 بخلاف الفجور فإنه مصدر كل ضرّ وشرّ.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #574
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )






    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (2)
    الحلقة (572)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 301الى صــــ 305)

    { فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } 22 { فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } 23 { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } 24 { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } 25 { فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً }26


    شرح الكلمات:

    فانتبذت به: فاعتزلت به.

    مكاناً قصيا: أي بعيداً من أهلها.

    فأجاءها المخاض: أي ألجأها الطلق واضطرها وجع الولادة.

    إلى جذع النخلة: لتعتمد عليها وهي تعاني من آلام الولادة.

    نسياً منسياً: أي شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر.

    فناداها من تحتها: أي عيسى عليه السلام بعدما وضعته.

    تحتك سريا: أي نهراً يقال له سري.

    رطبا جنيا: الرطب الجني: ما طاب وصلح للإِجتناء.

    فكلي واشربي: أي كل من الرطب واشربي من السري.

    وقري عينا: أي وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني.

    نذرت للرحمن صوماً: أي إمساكاً عن الكلام وصمتاً.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في قصة مريم إنه بعد أن بشرها جبريل بالولد وقال لها وكان أمراً مقضياً ونفخ في كم درْعها أو جيب قميصها فحملته1 فوراً { فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } أي فاعتزلت به في مكان بعيد 2{ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ 3} أي ألجأها وجع النفاس { إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } لتعتمد عليه وهي تعاني من آلام الطلق وأوجاعه، ولما وضعته قالت متأسفة متحسرة ما أخبر تعالى به: { قَالَتْ يٰلَيْتَنِي 4مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا } أي الوقت الذي أصبحت فيه أم ولد، { وَكُنتُ نَسْياً5 مَّنسِيّاً } أي شيئاً متروكا لا يذكر ولا يعرف وهنا { فَنَادَاهَا } 6عيسى عليه السلام { مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي } يحملها على الصبر والعزاء وقوله تعالى: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } أي نهر ماء يقال له سري، { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي } أي كلي من الرطب واشربي من ماء النهر، { وَقَرِّي عَيْناً } أي طيبي نفساً وافرحي بولدك، { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } أي فسألك عن حالك أو عن ولدك فلا تكلميه واكتفي بقولك { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أي صمتاً { فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } هذا كله من قول عيسى لها أنطقه الله كرامة لها ليذهب عنها حزنها وألمها النفسي من جراء الولادة وهي بكر لم تتزوج.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- من مظاهر قدرة الله تعالى حملها ووضعها في خلال ساعة من نهار.

    2- إثبات كرامات الله لأوليائه إذ أكرم الله تعالى مريم بنطق عيسى ساعة وضعه فأرشدها وبشرها وأذهب عنها الألم والحزن، وأثمر لها نخلة فأرطبت وأجرى لها النهر بعد يبسه.

    3- تقرير نظام الأسباب التي في مكنة الإِنسان القيام بها فإن الله تعالى قد أثمر لمريم النخلة إذ هذا لا يمكنها القيام به ثم أمرها أن تحرك النخلة من جذعها ليتساقط عليها الرطب7 الجني إذ هذا في استطاعتها.

    4- مشروعية النذر إلا أنه بالامتناع 8عن الكلام منسوخ في الإِسلام.
    ______________________________

    1 قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما هو إلاّ أن حملت فوضعت في الحال. قال القرطبي: هذا هو الظاهر لأنّ الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل: {فحملته فانتبذت به} والفاء للترتيب والتعقيب.
    2 انتحت بالحمل إلى مكان بعيد قال ابن عباس: إلى أقصى الوادي وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال وإنما بعدت فراراً من تعيير قومها بالولادة من غير أب.
    3 يقال: جاء به وأجاءه إلى موضع كذا: اضطره وألجأه.
    4 تمني الموت لا يجوز لحديث: "لاّ يتمنّين أحدكم الموت لضرّ نزل به" الحديث وتمنّته مريم عليها السلام لا لصالح نفسها ولكن لله تعالى، وذلك أنها خافت أن يظنّ بها الشرّ في دينها وتُعَيَّر فتفتن بذلك، وهذا لله، وثانياً خافت أن يقع بعض الناس في البهتان والنسبة إلى الزنى فيهلكون. وهذا أيضاً لله لا لها.
    5 النسي: الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يُتألم لفقده كالوتد والحبل ونحوهما، ويجمع النسي على أنساء قال الكميت رضي الله عنه:
    أتجعلنا جسرا لكب قضاعة
    ولست بنسي في معدّ ولا دخل
    والنسي أيضاً: خرق الحيض التي ترمى بدمها من الحيض.
    6 قرأ نافع (مِن) بكسر الميم حرف جر، وقرأ حفص مَن بفتحها، اسم موصول والمراد بالموصول عيسى عليه السلام ناداها قبل أن ترضعه من تحتها تعجيلا للمسرة والبشرى لها به فأنْ في ألا تحزني تفسيرية لأنّ النداء قول.
    7 قالت العلماء: أكل الرطب للنفساء من أنفع الأغذية لها نظراً إلى أنّ الله تعالى اختاره لمريم عليها السلام.
    8 قولها {إني نذرت للرحمن صوماً} فسر الصوم بالصمت كما في التفسير وأولى من هذا أن يكون صوم النذر في دينهم مستلزماً للصمت وعدم الكلام، والسياق دلّ عليه ظاهر فيه، وما زال النصارى يعتبرون الصمت عبادة فيصمتون دقائق على أرواح موتاهم ونسخ الإسلام هذا كما في الصحيح حيث أمر من نذر أن لا يتكلم أن يتكلم، ومن سنن الهدى في الإسلام الامتناع عن الكلام القبيح في الصيام لحديث الصحيح: "إذا كان صومٍ أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرئ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم" وهو كقول مريم: {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسياً} .

    ****************************
    { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } 27 { يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } 28 { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } 29 { قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } 30 { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } 31 { وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } 32 { وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }33


    شرح الكلمات:

    فأتت به: أي بولدها عيسى عليه وعليها السلام.

    جئت شيئاً فريا1: أي عظيماً حيث أتيت بولد من غير أب.

    يا أخت هارون: أي يا أخت الرجل الصالح هارون.

    امرأ سوء: أي رجلاً يأتي الفواحش.

    فأشارت إليه: أي إلى عيسى وهو في المهد.

    آتاني الكتاب: أي الإِنجيل باعتبار ما يكون مستقبلاً.

    مباركا أينما كنت: أي حيثما وجدت كانت البركة فيَّ ومعي ينتفع الناس بي.

    وبرا بوالدتي: أي محسناً بها مطيعاً لها لا ينالها مني أدنى أذى.

    جباراً شقيا: ظالماً متعالياً ولا عاصياً لربي خارجاً عن طاعته.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في قصة مريم مع قومها: إنها بعد أن تماثلت للشفاء حملت ولدها وأتت به قومها وَما أن رأوهما حتى قال قائلهم: { يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } أي أمراً عظيماً وهو إتيانك بولد من غير أب. { يٰأُخْتَ2 هَارُونَ } نسبوها إلى عبد صالح يسمى هارون: { مَا كَانَ أَبُوكِ } عمران { ٱمْرَأَ سَوْءٍ } يأتي الفواحش { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ } " حنة " { بَغِيّاً } أي زانية فكيف حصل لك هذا وأنت بنت البيت الطاهر والأسرة الشريفة. وهنا أشارت إلى عيسى الرضيع في قماطته أي قالت لهم سلوه يخبركم الخبر وينبئكم بالحق، لأنها علمت أنه يتكلم لما سبق أن ناداها ساعة وضعه من تحتها وقال لها ما ذكر تعالى في الآيات السابقة. فردوا عليها مستخفين بها منكرين عليها متعجبين منها: { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن3 كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً }؟ فأنطق الله عيسى الرضيع فأجابهم بما أخبر تعالى عنه في قوله: { قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ 4آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً5 بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }6 فأجابهم بكل ما كتب الله وأنطقه به، وكان عيسى كما أخبر عن نفسه لم ينقص من ذلك شيئاً كان عبداً لله وأنزل عليه الإِنجيل ونبأه وأرسله إلى بني إسرائيل وكان مباركاً يشفي المرضى ويحيى الموتى بإذن الله تنال البركة من صحبته وخدمته والإِيمان به وبمحبته وكان مقيماً للصلاة مؤدياً للزكاة طوال حياته وما كان ظالماً ولا متكبراً عاتياً ولا جباراً عصياً. فعليه كما أخبر السلام أي الأمان التام يوم ولد فلم يقربه شيطان ويوم يموت فلا يفتن قبره ويوم يبعث حياً فلا يحزنه الفزع الأكبر، ويكون من الآمنين السعداء في دار السلام.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعبودية عيسى ونبوته عليهما السلام.

    2- آية نطق عيسى في المهد وإخباره بما أولاه الله من الكمالات.

    3- وجوب بر الوالدين بالاحسان بهما وطاعتهما والمعروف وكف الأذى عنهما.

    4- التنديد بالتعالي والكبر والظلم والشقاوة التي هي التمرد والعصيان.
    ______________________________ _____

    1 (فريًّا) : أي: مختلقاً مفتعلاً من الافتراء الذي هو الكذب يقال: فرى وأفرى: كذب ومن كراماتها أن امرأة مدّت لها يدها لتضرّبها أصيبت بالشلل الفوري فحملت كذلك وقالت لها: أخرى ما أراك إلاّ زنيت فأخرسها الله فوراً فصارت لا تتكلم ومن ثم ألانوا لها الكلام واحترموها.
    2 من الجائز أن يكون لمريم أخ صالح من أبيها أو من أبويها نسبوها إليه ومن الجائز أن تنسب إلى هارون الرسول عليه السلام كقول العرب يا أخا تميم ويا أخا العرب، وما في التفسير إجمال يشمل الكلّ فتأمّل، وفي الآية دليل على جواز التسمية بالأنبياء والصالحين، ولا خلاف في ذلك.
    3 كان: هنا زائدة للتوكيد، ومن: مبتدأ والخبر في المهد وصبياً: حالي من الموصول.
    4 قيل: لما سمع كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه وقال مشيراً بسبابته اليمنى: {إني عبد الله} فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى، وفي هذا ردّ على الذين ألّهوه وعبدوه من دون الله تعالى.
    5 البر: بمعنى البار وخص بهذه الصفة لأن قومهم قل فيهم البرور بالوالدين وكثر فيهم العقوق نظراً إلى فشو الباطل فيهم ورقة حبل الدين بينهم، والجبّار: المتكبر على الناس الغليظ في معاملتهم، والشقي ضدّ السعيد.
    6 لما قال ما قال في المهد: إني عبد الله.. إلى قوله: {ويوم أبعث حيًّا} لم يتكلم حتى بلغ سن التكلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #575
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )






    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (3)
    الحلقة (573)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 305الى صــــ 311)

    { ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } 34 { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } 35 { وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } 36 { فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } 37 { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } 38 { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } 39 { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }40


    شرح الكلمات:

    ذلك عيسى ابن مريم: أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو عيسى بن مريم.

    قول الحق: أي وهو قول الحق الذي أخبر تعالى به.

    يمترون: يشكون.

    ما كان لله أن يتخذ من ولد: أي ليس من شأن الله أن يتخذ ولداً وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.

    سبحانه: أي تنزيهاً له عن الولد والشريك والشبيه والنظير.

    صراط مستقيم: أي طريق مستقيم لا يضل سالكه.

    فاختلف الأحزاب: أي في شأن عيسى فقال اليهود هو ساحر وابن زنا، وقالت النصارى هو الله وابن الله تعالى عما يصفون.

    من مشهد يوم عظيم: هو يوم القيامة.

    أسمع بهم وأبصر: أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة عند معاينة العذاب.

    وأنذرهم يوم الحسرة: أي خوفهم بما يقع في يوم القيامة من الحسرة والندامة وذلك عندما يشاهدون أهل الجنة قد ورثوا منازلهم فيها وهم ورثوا منازل أهل الجنة في النار فتعظم الحسرة ويشتد الندم.

    معنى الآيات:

    بعد أن قص الله تعالى قصة مريم من ساعة أن اتخذت من دون أهلها حجاباً معتزلة أهلها منقطعة إلى ربها إلى أن أشارت إلى عيسى وهو في مهده فتكلم فقال: إني عبد الله، فبين تعالى أن جبريل بشرها، وأنه نفخ في كم درعها فحملت بعيسى وأنه ولد في ساعة من حمله وأنها وضعته تحت جذع النخلة وأنه ناداها من تحتها: أن لا تحزني، وأرشدها إلى القول الذي تفول لقومها إذا سألوها عن ولادتها المولود بدون أب، وهو أن تشير إليه تطلب منهم أن يسألوه وسألوه فعلاً فأجاب بأنه عبد الله وأنه آتاه الكتاب وجعله نبياً ومباركاً وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حياً وأنه بر بوالدته، ولم يكن جباراً شقياً فأشار تعالى إلى هذا بقوله في هذه الآية [34] { ذٰلِكَ } أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو { عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } ، وما أخبرتكم به هو { قَوْلَ1 ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } أي يشكون إذ قال اليهود في عيسى أنه ابن زنا وانه ساحر وقال النصارى هو الله وابن الله وثالث ثلاثة حسب فرقهم وطوائهم المتعددة وقوله تعالى: { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ } ينفي تعالى عنه اتخاذ الولد وكيف يصح ذلك له أو ينبغي وهو الغني عما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه، وأنه يقول للشيء كن فيكون فعيسى عليه السلام كان بكلمة الله تعالى له كن فكان وهو معنى قوله تعالى { إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ 2}. وقد نزه تعالى نفسه عن الولد والشريك والشبيه والنظير، والافتقار والحاجة إلى مخلوقاته بقوله: سبحانه أي تنزيها له عن صفات المحدثين وقوله تعالى: { وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ3 }.
    هذا من قول عيسى 4عليه السلام لبني إسرائيل أخبرهم أنه عبد الله وليس بابن لله ولا بإله مع الله وأخبرهم أن الله تعالى هو ربه وربهم فليعبدوه جميعاً بما شرع لهم ولا يعبدون معه غيره إذ لا إله لهم إلا هو سبحانه وتعالى، وأعلمهم أن هذا الاعتقاد الحق والعبادة بما شرع الله هو الطريق المفضي بسالكه إلى السعادة ومن تنكب عنه وسلك طريق الشرك والضلال أفضى به إلى الخسران وقوله تعالى في الآية [37] { فَٱخْتَلَفَ5 ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } أي في شأن عيسى فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله ومن قائل هو وامه الهين من دون الله والقائلون بهذه المقالات كفروا بها فتوعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم فقال { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } بنسبَتِهم الولد والشريك لله، والويل واد في جهنم فهم إذا داخلوها لا محالة، وقوله { مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني به يوم القيامة وهو يوم ذو أهوال وشدائد لا يقادر قدرها.

    وقوله تعالى في الآية [38] { أَسْمِعْ6 بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } يخبر تعالى أن هؤلاء المتعامين اليوم عن الحق لا يريدون أن يبصروا آثاره الدالة عليه فيؤمنوا ويوحدوا ويعبدوا، والمتصاممين عن سماع الحجج والبراهين وتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك والولد هؤلاء يوم يقدمون عليه تعالى في عرصات القيامة يصبحون أقوى ما يكون أبصاراً وسمعاً، ولكن حين لا ينفعهم سمع ولا بصر، وقوله تعالى: { لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } يخبر تعالى أن أهل الشرك والكفر وهم الظالمون في ضلال مبين أي عن طريق الهدى وهو سبب عدم إبصارهم للحق وسماعهم لحججه التي جاءت بها رسل الله ونزلت بها كتبه.

    وقوله تعالى في آية [39] { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ 7إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن ينذر الكفار والمشركين أي يخوفهم عاقبة شركهم وكفرهم وضلالهم يوم القيامة حيث تشتد فيه الحسرة وتعظم الندامة وذلك عندما يتوارث الموحدون مع المشركين فالموحدون يرثون منازل المشركين في الجنة، والمشركون يرثون منازل الموحدين في النار، وعندما يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار، وينادي منادٍ يا أهل الجنة خلود فلا موت؟ ويا أهل النار خلود فلا موت عندها تشتد الحسرة ويعظم الندم هذا معنى قوله تعالى { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ } عما حكم عليهم به من الخلود في نار جهنم { وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالبعث ولا بما يتم فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم. وقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ8 نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يخبر تعالى عن نفسه بأنه الوارث للأرض ومن عليها ومعنى هذا أنه حكم بفناء، هذه المخلوقات وأن يوماً سيأتي يفنى فيه كل من عليها، والجميع سيرجعون إليه ويقفون بين يديه ويحاسبهم بما كتبت أيديهم ويجزيهم به، ولذا فلا تحزن أيها الرسول وامض في دعوتك تبلغ عن ربك ولا يضرك تكذيب المكذبين ولا شرك المشركين.
    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس كما قال اليهود، ولا كما قالت النصارى.

    2- استحالة اتخاذ الله الولد الذي يقول للشيء كن فيكون.

    3- تقرير التوحيد على لسان عيسى عليه السلام.

    4- الإِخبار بما عليه النصارى من خلاف في شأن عيسى عليه السلام.

    5- بيان سبب الحسرة يوم القيامة وهو الكفر بالله والشرك به.

    6- تقرير فناء الدنيا، ورجوع الناس إلى ربهم بعد بعثهم وهو تقرير لعقيدة البعث والجزاء التي تعالجها السور المكية في القرآن الكريم.
    ______________________________ ___

    1 قرأ الجمهور برفع قول وقرأ عاصم بنصبها، فأما الرفع فهو خبر ثانٍ عن اسم الإشارة أو وصف لعيسىأ وبدل منه، وأمّا النصب فعلى الحال من اسم الإشارة.
    2 في هذا ردّ على النصارى القائلين بأن المكوّن بأمر التكوين من غير سبب معتاد لا يكون إلاّ ابن الله تعالى فبيّنت الآية أن أصول الموجودات كلها كانت بأمر التكوين فهل يقال فيها أبناء الله؟! والجواب قطعاً لا، وعليه فقد بطل قولهم: عيسى ابن الله لأنّه كان بكلمة التكوين.
    3 جملة: {هذا صراط مستقيم} تذييل وفذلكة لما سبق من الكلام وإشارة إلى مضمون ما تقدّم على اختلاف وجوهه، في تقرير الحق وإبطال الباطل.
    4 نعم الظاهر أنه من قول عيسى عليه السلام، والجمل قبله من قوله تعالى: {ذلك عيسى بن مريم} اعتراض بين قول عيسى الأوّل: {إني عبد الله} وبين قوله {وإن الله ربّي وربكم} .
    5 (من) : زائدة واختلاف الأحزاب، وجهه: أن اليهود قادحون والنصارى مادحون، فاليهود قالوا: ساحر وابن زنية، والنصارى فرقة: قالت هو الله وأخرى قالت: ابن الله، وثالثة قالت: ثالث ثلاثة، وهذه الفرق هي الملكانية، واليعقوبية، والنسطورية ثم تشعبت وأشهرها الآن: الملكائية أي الكاثوليك واليعقويية: أي أرثذوكس والاعتراضية أي: البروتستانت.
    6 هذا الكلام ظاهر أنه أمر لحمل السامع على التعجب من حال المذكورين، ومعناه الخبر أي: لا أحد أسمع منهم ولا أبصر يوم يقفون في عرصات القيامة، ويشاهدون النار ويسمعون زفيرها.
    7 روي في مسند أحمد وفي الصحيحين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت، كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرونه ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال. ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، ثمّ قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وأنذرهم يوم الحسرة..} الآية.
    8هذه الجملة ذيّل بها الكلام السابق فتمت به القصة وضمير (نحن) للتأكيد والأرض: المراد بها ما فيها من غير العقلاء (ومن عليها) المراد بهم العقلاء وهم البشر.

    ****************************** *****

    { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً } 41 { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } 42 { يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } 43 { يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } 44 { يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً }45


    شرح الكلمات:

    اذكر في الكتاب: أي في القرآن.

    إنه كان صديقا: أي كثير الصدق بالغ الحد الأعلى فيه.

    يا أبت: يا أبي وهو آزر.

    صراطا سويا: أي طريقاً مستقيماً لا اعوجاج فيه يفضي بك إلى الجنة.

    لا تعبد الشيطان: أي لا تطعه في دعوته إياك إلى عبادة ألأصنام.

    عصيا: أي عاصياً لله تعالى فاسقاً عن أمره.

    فتكون للشيطان وليا: أي قريباً منه قرينا له فيها أي النار.

    معنى الآيات:

    هذه بداية قصة إبراهيم الخليل عليه السلام مع والده آزر عليه لعائن الرحمن قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم { وَٱذْكُرْ } يا نبينا { فِي ٱلْكِتَابِ } أي القرآن الكريم { إِبْرَاهِيمَ } خليلنا { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً } أي صادقاً في أقواله وأعماله بالغاً مستوى عظيماً في الصدق { نَّبِيّاً } من أنبيائنا فهو جدير بالذكر في القرآن ليكون قدوة صالحة للمؤمنين. واذكره { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ } آزر { يٰأَبَتِ1 لِمَ تَعْبُدُ } أي تسأله بالدعاء والتقرب بأنواع القربات ما لا يسمع ولا يبصر من الأصنام أي لا يبصرك ولا يسمعك { وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } لا يدفع عنك ضراً ولا يجلب لك نفعاً فأي حاجة لك إلى عبادته { يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي2 مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي من قبل ربي تعالى { مَا لَمْ يَأْتِكَ } أنت { فَٱتَّبِعْنِيۤ } فيما أعتقده وأعمله وأدعو إليه { أَهْدِكَ صِرَاطاً 3سَوِيّاً } أي مستقيماً يفضي بك إلى السعادة والنجاة، { يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ } أي بطاعته فيما يدعوك إليه من عبادة غير الله تعالى من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعطي ولا تمنع، { إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ4 عَصِيّاً } أي عاصياً أمره فأبى طاعته وفسق عن أمره. { يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ 5} إن أنت بقيت على شركك وكفرك ولم تتب منهما حتى مت فيمسك عذاب من الرحمن { فَتَكُونَ } أي بذلك { لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً } أي قريباً منه قرينا له في جهنم فتهلك وتخسر.

    هداية الآيات:

    من هداية الآيات:


    1- تقرير التوحيد بالدعوة إليه.

    2- كمال إبراهيم بذكره في الكتاب.

    3- بطلان عبادة غير الله تعالى.

    4- عبادة الأوثان والأصنام وكل عبادة لغير الله تعتبر عبادة للشيطان لأنه الآمر بها والداعي إليها.
    ______________________________ ____

    1 الاستفهام للإنكار أي: لأيّ شيء تعبد.
    2 أي: من اليقين والمعرفة بالله وبما يكون بعد الموت وأنّ من عبد غير الله يعذّب أبداً.
    3 أرشدك إلى دين قيّم فيه نجاتك وسعادتك.
    4 الجملة تعليلية للنهي عن عبادة الشيطان واتباع وسوسته وما يدعو إليه من الشرك.
    5 أي: إني أخاف أن تموت على الكفر فيمسك العذاب الأليم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #576
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )






    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (4)
    الحلقة (574)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 311الى صــــ 316)

    { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } 46 { قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } 47 { وَأَعْتَزِلُكُم ْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً } 48 { فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } 49 { وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً }50


    شرح الكلمات:

    لئن لم تنته: أي عن التعرض لها وعيبها.

    لأرجمنك: بالحجارة أو بالقول القبيح فاحذرني.

    واهجرني مليا1: أي سليما من عقوبتي.

    سلام عليك: أي أمنةٌ مني لك أن أعاودك فيما كرهت مني.

    إنه كان بي حفيا: أي لطيفاً بي مكرماً لي يجيبني لما أدعوه له.

    عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا: بل يجيب دعائي ويعطني مسألتي.

    فلما اعتزلهم: بأن هاجر إلى أرض القدس وتركهم.

    وهبنا له إسحاق ويعقوب: أي وهبنا له ولدين يأنس بهما مجازاة منا له على هجرته قومه.

    ووهبنا لهم من رحمتنا: خيراً كثيراً المال والولد بعد النبوة والعلم.

    لسان صدق عليا: أي رفيعاً بأن يُثنى عليهم ويذكرون بأطيب الخصال.

    معنى الآيات:

    ما زال السياق في قصة إبراهيم مع أبيه آزر إنه بعد تلك الدعوة الرحيمة بالألفاظ الطيبة الكريمة التي وجهها إبراهيم لأبيه آزر ليؤمن ويوحد فينجو ويسعد قال آزر راداً عليه بعبارات خالية من الرحمة والأدب بل ملؤها الغلظة والفظاظة والوعيد والتهديد وهي ما أخبر به تعالى عنه في قوله: في الآية [46] { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ } أي أكاره لها تعيبها، { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } أي عن التعرض لها بأي سوء 2{ لأَرْجُمَنَّكَ } بأبشع الألفاظ وأقبحها، { وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً 3} أي وابعد عني ما دمت معافى سليم البدن سويه قبل أن ينالك مني ما تكره. كان هذا رد آزر الكافر المشرك. فيما أجاب إبراهيم المؤمن الموحد أجاب بما أخبر تعالى به عنه في قوله في آية [47] { قَالَ سَلاَمٌ 4عَلَيْكَ 5} أي أمان لك مني يا أبتاه فلا أعاودك فيما كرهت مني قط وسأقابل إساءتك بإحسان { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ } أي أطلب منه أن يهديك للإِيمان والتوحيد فتتوب فيغفر لك { إِنَّهُ كَانَ } سبحانه وتعالى { بِي حَفِيّاً } لطيفاً بي مكرماً لي لا يخيبني فيما أدعوه فيه.

    وقوله تعالى حكاية عن قيل إبراهيم: { وَأَعْتَزِلُكُم ْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي أذهب بعيداً عنكم تاركاً لكم ولما تعبدون من دون الله من أصنام وأوثان، { وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً5 } أي رجائي في ربي كبير أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام. قال تعالى مخبراً عنه فلما حقق ما واعدهم به من هجرته لديارهم إلى ديار القدس تاركاً أباه وأهله وداره كافأناه بأحسن حيث أعطيناه ولدين يأنس بهما في وحشته وهما إسحاق ويعقوب وكلا منهما جعلناه نبيا رسولاً، ووهبنا لجميعهم وهم ثلاثة الوالد إبراهيم وولداه إسحاق ويعقوب بن إسحاق عليهم السلام من رحمتنا الخير العظيم من المال والولد والرزق الحسن هذا معنى قوله تعالى: { فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } وهو ابن ولده إسحاق { وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا }.
    وقوله تعالى عنهم { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } هذا إنعام آخر مقابل الهجرة في سبيل الله حيث جعل الله تعالى لهم لسان الصدق في الآخرة فسائر أهل الأديان الإلهية يثنون على إبراهيم وذريته بأطيب الثناء وأحسنه وهو لسان الصدق العلي الرفيع الذي حظى به إبراهيم وولديه إكراماً من الله تعالى وإنعاماً عليهم جزاء صدق إبراهيم وصبره وبالتالي هجرته للأصنام وعابديها.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- بيان الفرق بين ما يخرج من فم المؤمن الموحد من طيب القول وسلامة اللفظ ولين الجانب والكلام، وبين ما يخرج من فم الكافر المشرك من سوء القول وقبح اللفظ وقسوة الجانب وفظاظة الكلام.

    2- مشروعية المتاركة والموادعة وهو أن يقال للسيء من الناس سلام عليك وهو لا يريد بذلك تحيته ولكن تركه وما هو فيه.

    3- مشروعية الهجرة وبيان فضلها وهجرة إبراهيم هذه أول هجرة كانت في الأرض.

    4- الترغيب في حسن الأحدوثة بأن يكون للمرء حسن ثناء بين الناس لما يقدم من جميل وما يورث من خير وإفضال.
    ______________________________ ____

    1 {واهجرني مليا} أي: اتركني وشأني وابعد عنّي طويلا تسلم من عقوبتي.
    2 أي: كعيبها وشتمها.
    3 وقيل في معناه: اجتنبني سالماً قبل أن تصيبك عقوبتي، وقيل: اهجرني طويلا.
    4 هذا يسمى سلام المتاركة، وليس هو بالتحية وهل يجوز بدء الكافر بالسلام؟ في المسألة خلاف، والراجح: جواز السلام إذا كان لغرض سليم ككونه جاراً لك أو رفيقاً أو مصاحباً لك في عمل أو لك إليه حاجة وما إلى ذلك إذ سلم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جماعة فيهم مشركون كما في الصحيح، وأمّا حديث: "لاّ تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام" فهو إذا لم يكن هناك غرض صحيح.
    (سلام) : نكرة وصح الابتداء بها لما فيها من معنى التخصيص فقاربت لذلك المعرفة وصحّ الابتداء بها. وعليك الخبر.
    5 أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلاً وولداً يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال، وفي قوله تعالى {فلما اعتزلهم} وهنا له دليل يرجح هذا القول. والله أعلم.

    ******************************
    { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } 51 { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } 52 { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً }53


    شرح الكلمات:

    واذكر في الكتاب: أي في القرآن تشريفاً وتعظيماً.

    موسى: أي ابن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام.

    مخلصاً: أي مختاراً مصطفى على قراءة فتح اللام " مخلصاً " وموحداً لربه مفرداً إياه بعبادته بالغا في ذلك أعلى المقامات على قراءة كسر اللام.

    جانب الطور: الطور جبل بسيناء بين مدين ومصر.

    وقربناه نجيا: أي أدنيناه إدناء تشريف وتكريم مناجياً لنا مكلما من قبلنا.

    أخاه هارون نبيا: إذ سأل ربه لأخيه الرسالة فأعطاه فنبَّأهُ وأرسله معه إلى فرعون.

    معنى الآيات:

    هذا موجز قصة موسى عليه السلام قال تعالى في ذلك وهو يخاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { وَٱذْكُرْ } في هذه السلسلة الذهبية من عباد الله الصالحين أهل التوحيد واليقين موسى ابن عمران أنه جدير بالذكر في القرآن وعلة ذلك في قوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } أي مختاراً مصطفى للإِبلاغ عنا عبادنا ما خلقناهم لأجله وهو ذكرنا وشكرنا ذكرنا بالسنتهم وقلوبهم وشكرهم لنا بجوارحهم وذلك بعبادتنا وحدنا دون مَن سوانا، وكان موسى كذلك، وقوله تعالى: { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } أي ومن افضالنا عليه وإكرامنا له أن جعلناه نبياً رسولاً نبأناه وأرسلناه إلى فرعون وملائه، { 1وَنَادَيْنَاهُ } وهو في طريقه من مدين إلى مصر في جانب الطور الأيمن 2حيث نبأناه وأرسلناه وبذلك { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } فصار يناجينا فنُسمعه كلامنا ونسمع 3كلامه وأعظم بهذا التكريم من تكريم، وقوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ 4مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً } هذا إنعام آخر من الله تعالى على موسى النبي إذ سأل ربه أن يرسل معه أخاه هارون إلى فرعون فبرحمة من الله تعالى استجاب له ونبأ هارون وأرسله معه رسولاً وما كان هذا إلا برحمة خاصة إذ النبوة لا تطلب ولا يتوصل إليها بالاجتهاد في العبادة ولا بالدعاء والصراعة إذ هي هبة إلهية خاصة.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- فضيلة الإِخلاص، وهو إرادة الله تعالى بالعبادة ظاهراً وباطناً.

    2- إثبات صفة الكلام والمناجاة لله تعالى.

    3- بيان إكرام الله تعالى وإنعامه على موسى إذ أعطاه ما لم يعط أحداً من العالمين باستجابة دعائه بأن جعل أخاه هارون رسولاً نبياً.

    4- تقرير أن كل رسول نبياً والعكس لا أي ليس كل نبي رسولا.
    ______________________________ __
    1 قيل: كان هذا الكلام والمناجاة ليلة الجمعة. ذكره القرطبي.
    2 هو بالنسبة إلى يمين موسى عليه السلام أما الجبل فلا يمين له ولا شمال "ابن جرير الطبري".
    3 أي: من غير وحي بل كفاحاً وجها لوجه لا واسطة.
    4 وذلك حين سأل ربه قائلاً: {واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي} الآية.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #577
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (5)
    الحلقة (575)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 316الى صــــ 320)

    { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } 54 { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } 55 { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } 56 { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } 57 { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }58


    شرح الكلمات:

    واذكر في الكتاب إسماعيل: أي اذكر في القرآن تشريفاً وتعظيماً إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.

    صادق الوعد: لم يخلف وعد قط.

    بالصلاة والزكاة: أي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

    مرضيا: أي رضى الله تعالى قوله وعمله ليقينه وإخلاصه.

    إدريس: هو جد أبي نوح عليه السلام.

    ورفعناه مكاناً عليا: إلى السماء الرابعة.

    إسرائيل: أي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

    وممن هدينا واجتبينا: أي من جملة من هديناهم لطريقنا واجتبيناهم بنبوتنا.

    إذا تتلى عليهم آيات الرحمن: أي تقرأ عليهم وهم يستمعون إليها.

    سجداً وبكيا: جمع ساجد وباك أي ساجدين وهم يبكون.

    معنى الآيات:

    يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرت من ذكرت من مريم وابنها وإبراهيم وموسى اذكر كذلك إسماعيل1 فإنه { كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ }2 لم يخلف وعداً قط وكان ينتظر الموعود الليالي حتى يجئ وهو قائم في مكانه ينتظره، { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } نبأة تعالى بمكة المكرمة إذ عاش بها وأرسله إلى قبيلة جرهم العربية ومنها تزوج وأنجب وكان من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ } المراد من الأهل أسرته وقومه من قبيلة جرهم والمراد من الصلاة إقامتها ومن الزكاة أداؤها، وهذا مما أعلى شأنه ورفع قدره فاستحق ذكره في القرآن العظيم، وقوله: { وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } موجب آخر لإِكرامه والإِنعام عليه بذكره في القرآن الكريم في سلسلة الأنبياء والمرسلين، ومعنى { وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } أي أقواله وأفعاله كلها كانت مقبولة مرضية فكان بذلك هو3 مرضياً من قبل ربه عزوجل. وقوله تعالى { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ4 } وهو جد أبي نوح واستوجب الذكر في القرآن لأنه { كَانَ صِدِّيقاً } كثير الصدق مبالغا فيه حتى إنه لم يجر على لسانه كذب قط، وصديقاً في أفعاله وما يأتيه فلم يعرف غير الصدق في قول ولا عمل وكان نبيا من أنبياء الله، وقوله { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } إلى السماء الرابعة 5في حياته كما رفع تعالى عيسى ورفع محمد إلى ما فوق السماء السابعة. وقوله تعالى: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ } 6كإدريس، { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي في الفلك كإبراهيم، { وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ } كإسحاق وإسماعيل، { وَإِسْرَائِيلَ } أي ومن ذرية إسرائيل كموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } لمعرفتنا وطريقنا الموصل إلى رضانا وذلك بعبادتنا والاخلاص لنا فيها { وَٱجْتَبَيْنَآ } لوحينا وحمل رسالتنا. وقوله { إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً 7} أي أولئك الذين هديناهم واجتبينا من اجتبينا منهم. والاجتباء الأختبار والاصطفاء بأخذ الصفوة { إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } الحاملة للعظات والعبر والدلائل والحجج { خَرُّواْ سُجَّداً } لله ربهم { وَبُكِيّاً } عما يرون من التقصير أو التفريط في جنب ربهم جل وعظم سلطانه.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير النبوة إذ الذي نبأ هؤلاء وأرسلهم لا ينكر عليه أن ينبئ محمداً ويرسله.

    2- فضيلة الأمر بالصلاة والزكاة.

    3- فضيلة الوفاء بالوعد والصدق في القول والعمل.

    4- سُنية السجود لمن تلا هذه الآية أو تليت وهو يستمع إليها. { خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }

    5- فضيلة البكاء حال السجود فقد كان عمر إذا تلا هذه الآية سجد ثم يقول هذا السجود فأين البكيُّ يعني البكاء.
    ______________________________ _____

    ****************************** *
    { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } 59 { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } 60 { جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } 61 { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } 62 { تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً }63

    شرح الكلمات:

    خلف1: أي عقب سوء.

    أضاعوا الصلاة: أهملوها فتركوها فكانوا بذلك كافرين.

    اتبعوا الشهوات: انغمسوا في الذنوب والمعاصي كالزنا وشرب الخمر.

    يلقون غياً : أي وادياً في جهنم يلقون فيه.

    ولا يظلمون شيئاً: أي لا ينقصون شيئا من ثواب حسناتهم.

    جنات عدن: أي إقامة دائمة.

    بالغيب : أي وعدهم بها وهي غائبة عن أعينهم لغيابهم عنها إذ هي في السماء وهم في الأرض.

    مأتياً: أي موعوده وهو ما يعد به عباده آتياً لا محالة.

    لغواً: أي فضل الكلام وهو ما لا فائدة فيه.

    بكرةً وعشياً: أي بقدرهما في الدنيا وإلا فالجنة ليس فيها شمس فيكون فيها نهار وليل.

    من كان تقياً: أي من كان في الحياة الدنيا تقياً لم يترك الفرائض ولم يغش المحارم.

    معنى الآيات:

    قوله تعالى: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } يخبر تعالى عن أولئك الصالحين ممن اجتبى وهدى من النبيين وذرياتهم، إنه خلف من بعدهم خلف سوء كان من شأنهم أنهم { أَضَاعُواْ2 ٱلصَّلَٰوةَ } فمنهم من أخرها عن أوقاتها ومنهم من تركها { وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ 3} فانغمسوا في حمأة الرذائل فشربوا الخمور وشهدوا الزور وأكلوا الحرام ولهوا ولعبوا وزنوا وفجروا، بعد ذهاب أولئك الصالحين كما هو حال النصارى واليهود اليوم وحتى كثير من المسلمين، فهؤلاء الخلف السوء يخبر تعالى أنهم { فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } بعد دخولهم نار جهنم. والغي: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بئر في جهنم وعن ابن مسعود أنه واد في4 جهنم، والكل صحيح إذ البئر توجد في الوادي وكثيراً ما توجد الآبار في الأودية.

    وقوله تعالى: { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لكن من تاب من هذا الخلف السوء وآمن أي حقق إيمانه وعمل صالحاً فأدى الفرائض وترك غشيان المحارم. فأولئك أي فهؤلاء التائبون المنيبون { يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } مع سلفهم الصالح، { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي ولا ينقصون ولا يبخسون شيئاً من ثواب أعمالهم.

    وقوله تعالى: { جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي بساتين إقامة أبدية { ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } أي وعدهم بها وهي غائبة عنهم لم يروها لأنها في السماء وهم في الأرض.

    وقوله: { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } أي كونهم ما رأوها غير ضار لأن ما وعد به الرحمن لا يتخلف أبداً لا بد من الحصول عليه ومعنى مأتياً يأتيه صاحبه قطعاً.

    وقوله تعالى في الآية [62] { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } يخبر تعالى أن أولئك التائبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ودخلوا الجنة لا يسمعون فيها أي في الجنة لغواً وهو الباطل من القول وما لا خير فيه من الكلام اللهم إلا السلام فإنهم يتلقونه من الملائكة فيسمعونه منهم وهو من النعيم الروحاني في الجنة دار النعيم.
    وقوله تعالى: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي ولهم طعامهم فيها وهو ما تشتهيه أنفسم من لذيذ الطعام والشراب { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي في وقت الغداة في الدنيا وفي وقت العشي في الدنيا إذ لا ليل في الجنة 5ولا نهار، وإنما هي أنوار وجائز إذا وصل وقت الغداء أو العشاء تغير الأنوار من لون إلى آخر أو تغلق الأبواب وترخى الستائر ويكون ذلك علامة على وقت الغداء والعشاء.

    وقوله تعالى: { تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ }6 آية [63] يشير تعالى إلى الجنة دار السلام تلك الجنة العالية { ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } منهم، أما الفاجر فإن منزلته فيها نورثها المتقي كما أن منزل التقي في النار نورثه فاجراً من الفجار، إذ هذا معنى التوارث: هذا يرث هذا وذاك يرث ذا، إذ ما من إنسان إلا وله منزلة في الجنة ومنزل في النار فمن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة ونزل في منزلته، ومن كفر وأشرك وعمل سوءاً دخل النار ونزل في منزله فيها، ويورث الله تعالى الأتقياء منازل الفجار التي كانت لهم في الجنة.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- التنديد بخلف السوء وهو من يضيع الصلاة ويتبع الشهوات.

    2- الوعيد الشديد لمن ينغمس في الشهوات ويترك الصلاة فيموت على ذلك.

    3- باب التوبة مفتوح والتوبة مقبولة من كل من أرادها وتاب.

    4- بيان نعيم الجنة دار المتقين الأبرار.

    5- تقرير مبدأ التوارث بين أهل الجنة وأهل النار.

    6- بيان أن ورثة الجنة هم الأتقياء، وأن ورثة النار هم الفجار.
    ______________________________ __
    1 الخلف: بإسكان اللام خلف سوء وبفتحها خلف خير وصلاح.
    2 جائز أن يراد بهذا الخلف السيء كل من أضاع الصلاة بتركها أو بعدم إقامتها بإخلاله بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، واتبع الشهوات من أهل الكتاب ومن المسلمين.
    3 اتباع الشهوات لازم لإضاعة الصلاة لقول عمر: مَن أضاعها فهو لما سواها أضيع، ولأنّ اقام الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر.
    4 قال ابن عباس رضي الله عنهما: غيّ: واد في جهنم وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعدّ الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصرّ على الزنى ولشارب الخمر المدمن عليه ولآكل الربا لا ينزع عنه، ولأهل العقوق ولشاهد الزور ولامرأة أدخلت على زوجها ولداً ليس منه.
    5 روى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبداً وإنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب". ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، والمهدوي وغيرهما (القرطبي) .
    6 الجملة مستأنفة، واسم الإشارة فيها للتنوبه بها وبعلو مقامها وعظم الكرامة فيها لأهل التقوى.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #578
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة مريم - (6)
    الحلقة (576)
    تفسير سورة مريم مكية
    المجلد الثالث (صـــــــ 320الى صــــ 325)

    { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } 64 { رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }65


    شرح الكلمات:

    وما نتنزل: التنزل النزول وقتا بعد وقت.

    إلا بأمر ربك: أي إلا بإذنه لنا في النزول على من يشاء.

    له ما بين أيدينا: أي مما هو مستقبل عن أمر الآخرة.

    وما خلفنا: أي ما مضى من الدنيا.

    وما بين ذلك: مما لم يمض من الدنيا إلى يوم القيامة أي له علم ذلك كله.

    وما كان ربك نسيا: أي ذا نسيان فإنه تعالى لا ينسى فكيف ينساك ويتركك؟.

    رب السماوات والأرض: أي مالكهما والمتصرف فيهما.

    واصطبر لعبادته: أي أصبر وتحمل الصبر في عبادته حتى الموت.

    هل تعلم له سمياً: أي لا سميَّ له ولا مثل ولا نظير فهو الله أحد، لم يكن له كفواً أحد.

    معنى الآيتين:

    لنزول هاتين الآيتين سبب وهو ما روى واستفاض أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يأتي بالوحي جبريل عليه السلام فلما جاء بعد بطءٍ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فأنزل الله تعالى قوله: جوابا لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم { 1وَمَا نَتَنَزَّلُ } أي نحن الملائكة وقتا بعد وقت على من يشاء ربنا { إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ } أيها الرسول أي إلا بإذنه لنا فليس لأحد منا أن ينزل من سماء إلى سماء أو إلى أرض إلا بإذن ربنا عزوجل، { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } أي له أمر وعلم ما بين أيدينا أي ما أمامنا من أمور الآخرة وما خلفنا أي مما مضى من الدنيا علماً وتدبيراً، وما بين ذلك إلى يوم القيامة علماً وتدبيراً، وما كان ربك عز وجل يا رسول الله 2 ناسيا لك ولا تاركا فإنه تعالى لم يكن النسيان وصفاً له فينسى.

    وقوله تعالى: { رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } يخبر تعالى رسوله بأنه تعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما والمتصرف فيهما فكل شيء له وبيده وفي قبضته وعليه { فَٱعْبُدْهُ } أيها الرسول بما أمرك بعبادته به { وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ 3} أي تحمل لها المشاق، فإنه لا إله إلا هو، فـ { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً4 } أي نظيراً أو مثيلاً والجواب لا: إذاً فاعبده وحده وتحمل في سبيل ذلك ما استطعت تحمله. فإنه لا معبود بحق إلا هو إذ كل ما عداه مربوب له خاضع لحكمه وتدبيره فيه.

    هداية الآيتين

    من هداية الآيتين:


    1- تقرير سلطان الله على كل الخلق وعلمه بكل الخلق وقدرته على كل ذلك.

    2- استحالة النسيان على الله عزوجل.

    3- تقرير ربوبية الله تعالى للعالمين، وبذلك وجبت له الألوهية على سائر العالمين.

    4- وجوب عبادة الله تعالى ووجوب الصبر عليها حتى الموت.

    5- نفي الشبيه والمثل والنظير لله إذ هو الله أحد لم يكن له كفواً أحد.
    __________________________

    1 روى البخاري أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لجبريل عليه السلام: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: {وما نتنزّل إلاّ بأمر ربك} الآية، وقال مجاهد: أبطأ الملك على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمّ أتاه فقال: ما الذي أبطأك؟ قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون رواجبكم ولا تستاكون. قال مجاهد: فنزلت الآية في هذا والمراد بالمعيب عليهم: بعض المؤمنين لا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحاشاه أن يكون معيباً وهو على أكمل الأحوال.
    2 هذا تفسير لقوله تعالى: {وما كان ربك نسيّا} أي: ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل.
    3 أي: لطاعته، واللام بمعنى: على أي: على طاعته، ولا تحزن لتأخّر الوحي عنك، وأصل اصطبر: اصتبر فقلبت التاء طاءً تخفيفاً في النطق.
    4 ولذا إجماع أهل الإسلام من عهد آدم أنه لا يجوز أن يسمى مخلوق باسم الله عزّ وجل "الله".

    ****************************** *
    { وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } 66 { أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } 67 { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُ مْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُ مْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } 68 { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } 69 { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } 70 { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } 71 { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً }72


    شرح الكلمات:

    ويقول الإنسان: أي الكافر بلقاء الله تعالى.

    ولم يك شيئاً: أي قبل خلقه فلا ذات له ولا اسم ولا صفة.

    جثياً: أي جاثمين على ركبهم في ذل وخوف وحزن.

    من كل شيعة: أي طائفة تعاونت على الباطل وتشيع بعضها لبعض فيه.

    عتياً: أي تكبراً عن عبادته وظلما لعباده.

    أولى بها صلياً: أي أحق بها اصطلاء واحتراقاً وتعذيباً في النار.

    إلا واردها: أي ماراً بها إن وقع بها هلك، وإن مر ولم يقع نجا.

    حتماً مقضياً: أي أمراً قضى به الله تعالى وحكم به وحتَّمه فهو كائن لا بد.

    فيها جثياً: أي في النار جاثمين على ركبهم بعضهم إلى بعض.

    معنى الآيات:

    الآيات في سياق تقرير عقيدة البعث والجزاء يقول تعالى قوله وقوله الحق: { وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ } أي المنكر للبعث والدار الآخرة وقد يكون القائل أُبي بن خلف أو العاص بن وائل وقد يكون غيرهما إذ هذه قولة كل من لا يؤمن بالآخرة يقول: { أَءِذَا 1مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } يقول هذا استنكاراً وتكذبياً قال تعالى: راداً على هذا الإِنسان قولته الكافرة { أَوَلاَ 2يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ } أي المنكر للبعث الآخر { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن3 قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } أيكذب بالبعث وينكره ولا يذكر خلقنا له من قبل، ولم يك شيئاً.

    أليس الذي قدر على خلقه قبل أن يكون شيئاً قادراً على إعادة خلقه مرة أخرى أليست الإِعادة أهون من الخلق الأول والإِيجاد من العدم، ثم يقسم الله تبارك وتعالى لرسوله على أنه معيدهم كما كانوا ويحشرهم جميعا مع شياطينهم الذين يضلونهم ثم يحضرنهم حول جهنم جثيا على ركبهم أذلاء صاغرين. هذا معنى قوله تعالى في الآية [68] { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُ مْ4 وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُ مْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً }.

    وقوله تعالى: { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } يخبر تعالى بعد حشرهم إلى ساحة فصل القضاء أحياء مع الشياطين الذين كانوا يضلونهم، يحضرهم حول جهنم جثياً، ثم يأخذ تعالى من كل طائفة من تلك الطوائف التي أحضرت حول جهنم وهي جاثية تنتظر حكم الله تعالى فيها أيهم كان أشد على الرحمن عتيا أي تمرداً عن طاعته وتكبراً عن الإِيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وهو معنى قوله تعالى في الآية [69] { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } وقوله تعالى: { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } يخبر تعالى بعلمه بالذين هم أجدر وأحق بالاصطلاء بعذاب النار، وسوف يدخلهم النار قبل غيرهم ثم يدخل باقيهم بعد ذلك وهو معنى قوله عزوجل: { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً }.5

    وقوله: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } ، فإنه يخبر عز وجل عن حكمٍ حكم به وقضاء قضى به وهو أنه ما من واحد منا معشر بني آدم إلا وارد جهنم وبيان ذلك كما جاء في الحديث أن الصراط جسر يمد على ظهر جهنم والناس يمرون فوقه فالمؤمنون يمرون ولا يسقطون في النار والكافرون يمرون فيسقطون في جهنم، وهو معنى قوله في الآية [72] { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ 6} أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك واجب ولا بارتكاب محرم { وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ } بالتكبر والكفر وغشيان الكبائر من الذنوب { فِيهَا جِثِيّاً } أي ونترك الظالمين فيها أي جهنم جاثمين على ركبهم يعانون أشد أنواع العذاب.

    هداية الآيات

    من هداية الآيات:


    1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بالحشر والاحضار حول جهنم والمرور على الصراط.

    2- تقرير معتقد الصراط في العبور عليه إلى الجنة.

    3- تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع الضالين.

    4- تقرير حتمية المرور على الصراط.

    5- بيان نجاة الأتقياء، وهلاك الفاجرين الظالمين بالشرك والمعاصي.
    ______________________________ __

    1 اللام في: (لسوف) للتأكيد والاستفهام: (أإذا) : للإنكار، واللام: لام الابتداء جاء بها المتكلم لتأكيد إنكاره للبعث بعد الموت والخروج من قبره حيًّا.
    2 الاستفهام للإنكار على منكر البعث، والتعجب من عقليته وعمى قلبه من عدم النظر في عدم أصل خلقه فإنه لو أبصر وزالت غفلته لما أنكر البعث فالذي خلقه اليوم يخلقه غداً ولا عجب.
    3 قبل كبعد: ملازمة للإضافة فإذا حذف المضاف بنيت على الضم، والمضاف المحذوف هنا تقديره: من قبل كونه شيئاً يذكر في الوجود وقد أوجده الآن ولعدمه غداً ويحييه بعد موته يوم يريد ذلك.
    4 الفاء: للتفريع، والضمير في: (لنحشرنهم) عائد على جنس الإنسان المكذّب بالبعث الآخر، والمشرك بالله المصر على ذلك، وذكر حشو الشياطين معهم تحقيراً لشأنهم حيث يحشرون مع أخس الخلق وأحطه ثمّ أشار إلى أنّ شركهم وكفرهم كان بتزيين الشياطين لهم ذلك، والجثي: جمع جاثٍ مثل: قاعد وقعود، فجثي: أصلها جثوي قلبت الواو ياء، وأدغمت، والجاثي هو البارك على ركبتيه عجزاً عن القيام.
    5 يقال: صلى يصلى صُليّا كمضى يمضي مُضيا وهوى يهوي هويّا، وصِليّا بكسر الصاد: قراءة حفص، وبضمها: قراءة نافع، وهو مصدر صلي النار كرضي وهو مصدر سماعي بوزن فعول، قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء فصار صليَّا كما تقدّم في جثيا.
    6 حاول صاحب التحرير أن يردّ مذهب الجمهور في ورود المؤمنين على الصراط كسائر الخلق ثمّ ينجي الله الذين اتقوا حيث يجتازونه بسلام ويقع فيه الكافرون فلا يخرجون وما هناك حاجة إلى ردّ مذهب الجمهور من أئمة الإسلام إذ حديث الصراط والمرور به ثابت قطعيّاً ففي صحيح مسلم: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم قيل: يا رسول الله: وما الجسر؟ قال: دحض مزلّة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلّم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم، وبهذا الصراط.. فسّر السلف الورود على جهنم، ولم يقولوا بلازم الورود وهو الدخول، إذ قد يَرد المرء على الحوض ويقف على طرفه ولا يدخل فيه وورد وصحّ قول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن مات له ثلاثة ولد لم يبلغوا الحنث لا تمسه النار إلاّ تحلة القسم" وهو الورود على متن جهنم نظراً إلى الآية {وإن منكم إلاّ واردها} .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #579
    تاريخ التسجيل
    Dec 2019
    الدولة
    برحمته تعالى في دنيا فانية
    المشاركات
    32

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

    جزاكم الله خير الجزاء
    اللهم إن في كرمك ما هو فوق الأمل، اللهم أني أسألك يا الله أن تجعل في طريقنا من يعتق رقبة أبني أنك سميع مجيب للدعاء يا ارحم الراحمين.

  20. #580
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,179

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

    وإياكم بارك الله فيكم
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •