تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 25
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 25 من 27 الأولىالأولى ... 15161718192021222324252627 الأخيرةالأخيرة
النتائج 481 إلى 500 من 538

الموضوع: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

  1. #481
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (7)
    الحلقة (480)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 476الى صــــ 479)

    وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِين َ (40) وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)
    شرح الكلمات:
    ومنهم من يؤمن به: أي من أهل مكة المكذبين بالقرآن من يؤمن به مستقبلاً.
    وربك أعلم بالمفسدين: وهم دعاة الضلالة الذين يفسدون العقول والقلوب والجملة تهديد لهم.
    وإن كذبوك: أي استمروا على تكذيبك.
    ومنهم من يستمعون إليك: أي إذا قرأت القرآن.
    ومنهم من ينظر إليك: أي يبصر ويشاهد آيات النبوة وأعلام صدقك، ولا يهتدي إلى معرفة أنك رسول الله لأن الله تعالى حرمه ذلك.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في تقرير نبوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال تعالى في خطاب رسوله ليُسلِّيه ويصبِّره على عدم إيمان قومه مع ظهور الأدلة وقوة البراهين {ومنهم من يؤمن به} أي بالقرآن وبالنبيأيضاً إذ الإيمان بواحد يستلزم الإيمان بالثاني، {ومنهم من لا يؤمن به} 1، وهذا إخبار غيب فتم كما أخبر تعالى فقد آمن من المشركين عدد كبير ولم يؤمن عدد آخر. وقوله {وربك أعلم بالمفسدين} أي الذين لا يؤمنون وفي الجملة تهديد لأولئك الذين يصرفون الناس ويصدونهم عن الإيمان والتوحيد. وقوله تعالى: {وإن كذبوك} أي استمروا في تكذيبهم لك فلا تحفل بهم وقل {لي عملي2 ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل، وأنا بريء مما تعملون} فإذا كان هناك عقاب دنيوي فإنك تسلم منه ويهلكون هم به.
    وقوله تعالى في الآية (42) {ومنهم من يستمعون إليك} 3 إلى قراءتك القرآن وإلى قولك إذا قلت داعياً أو آمراً أو ناهياً، ومع هذا فلا يفهم ولا ينتفع بما يسمع، ولا لوم عليك في ذلك لأنك لا تسمع الصم، وهؤلاء صم لا يسمعون، ومنهم من ينظر إليك بأعين مفتحة ويرى علامات النبوة وآيات الرسالة ظاهرةً في حالك ومقالك ومع هذا لا يهتدي ولا لوم عليك فإنك لا تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون4. وقوله تعالى {إن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون} بيان لسنة الله تعالى في أولئك الذين يسمعون ولا ينتفعون بسماعهم، ويبصرون ولا ينتفعون بما يبصرون، وهي أن من توغل في البغض والكراهية لشيء يصبح غير قادر على الانتفاع بما يسمع منه ولا بما يبصر فيه. ولذا قيل حبك الشيء يُعمي ويُصم، والبغض كذلك كما أن الاسترسال في الشر والفساد مدة من الزمن يحرم صاحبه التوبة إلى الخير والصلاح، ومن هنا قال تعالى {إن الله لا يظلم5 الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون} .
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك.
    2- تقرير معنى آية {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .
    3- تعليم رسول الله طريق الحِجاج والرد على الخصوم المشركين.
    4- انتفاء الظلم عن الله تعالى، وإثباته للإنسان لنفسه.
    __________

    1 كأبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وغيرهم.
    2 أي لي ثواب عملي على التبليغ والطاعة لله تعالى ولكم جزاء عملكم الذي هو الشرك والكفر والتكذيب.
    3 أي: في ظواهرهم أمّا قلوبهم فلا تعي شيئا مما تقول من الحق وتتلوه من القرآن.
    4 أي: ولو انظمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة.
    5 في هذا إشارة إلى أنّ عدم هدايتهم يكن خارجاً عن إرادتهم ولكن كان باستحبابهم العمى على الهدى وإيثارهم للدنيا على الآخرة.

    ****************************** *******

    وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك َ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (48)

    شرح الكلمات:
    يحشرهم: أي نبعثهم من قبورهم ونجمعهم لساحة فصل القضاء.
    كأن لم يلبثوا: أي في الدنيا أحياء في دورهم وأمواتاً في قبورهم.
    أو نتوفينك: أي نميتك قبل ذلك.
    فإذا جاء رسولهم: أي في عرصات القيامة.
    بالقسط: أي بالعدل.
    متى هذا الوعد: أي بالعذاب يوم القيامة.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {ويوم يحشرهم} أي اذكر لهم يوم نحشرهم من قبورهم بعد بعثهم أحياء {كأن لم يلبثوا} 1 في الدنيا أحياء في دورهم وأمواتاً في قبورهم. {إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم} 2 أي ليرى بعضهم بعضاً
    ساعة ثم يحول بينهم هول الموقف، وقوله تعالى {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله3 وما كانوا مهتدين} يخبر تعالى أن الذين كذبوا بالبعث الآخر والحساب والجزاء الأخروي فلم يرجوا لقاء الله فيعملوا بمحابه وترك مساخطه قد خسروا في ذلك اليوم أنفسهم وأهليهم في جهنم، وقوله {وما كانوا مهتدين} أي في حياتهم حيث انتهوا إلى خسران وعذاب أليم.
    وقوله تعالى {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} 4 أي إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل ذلك فعلى كل حال مرجعهم إلينا جميعاً بعد موتهم، فنحاسبهم ونجازيهم بحسب سلوكهم في الدنيا الخير بالخير والشر بمثله، وقوله تعالى {ثم الله شهيد على ما يفعلون} 5 تقرير وتأكيد لمجازاتهم يوم القيامة لأن علم الله تعالى بأعمالهم وشهادته عليها كافٍ في وجوب تعذيبهم. وقوله تعالى {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} أي ولكل أمة من الأمم رسول أرسل إليها وبلغها فأطاع من أطاع وعصى من عصى فإذا جاء رسولها في عرصات القيامة قضي بينهم أي حوسبوا أو جوزوا بالقسط أي بالعدل وهم لا يظلمون بنقص حسنات المحسنين ولا بزيادة سيئآت المسيئين. وقوله تعالى {ويقولون} أي المشركون للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، {متى هذا الوعد} 6 أي بالعذاب يوم القيامة. {إن كنتم صادقين} يقولون هذا استعجالاً للعذاب لأنهم لا يؤمنون به. والجواب في الآية التالية.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة.
    2- الإعلان عن خسران منكري البعث يوم القيامة.
    3- تسلية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحمله على الصبر حتى يؤدي رسالته بإعلامه بأنه سيعذب أعداءه.
    4- بيان كيفية الحساب يوم القيامة بأن يأتي الرسول وأمته ثم يجزي الحساب بينهم فينجي الله المؤمنين ويعذب الكافرين.
    __________

    1 أصلها: كأنهم ثم خففت: أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم.
    2 الجملة في موضع نصب على الحال. وتعارفهم هذا في عرصات القيامة إنما هو تعارف توبيخ وافتضاح فيقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وحملتني على الكفر، ثم تنقطع المعرفة عند معاينتهم العذاب يوم القيامة.
    3 أي: يوم العرض عليه بين الخلائق.
    4 وإما أصلها إن الشرطة وما الزائدة لتقوية الكلام و {بعض الذي نعدهم} هو عذاب الدنيا كما هو إظهار الدين ونصرته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    5 أي: بعد وفاتك، فالله عز وجل خليفتك فيهم وسوف يجزيهم بحسب كسبهم خيراً وشراً.
    6 أي: متى العذاب، أو متى القيامة التي يعدنا بها محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #482
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (8)
    الحلقة (481)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 480الى صــــ 484)


    قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنبِئُون َكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)
    شرح الكلمات:
    لنفسي ضراً.: أي لا أقدر على دفع الضر إذا لم يُعِنِّي الله تعالى.
    ولا نفعاً: أي لا أقدر على أن أجلب لنفسي نفعاً إذا لم يُرده الله تعالى لي.
    لكل أمة أجل: أي وقت معين لهلاكها.
    فلا يستأخرون ساعة: أي عن ذلك الأجل.
    ولا يستقدمون: أي عليه ساعة.
    قل أرأيتم: أي قل لهم أخبروني.
    أثم إذا ما وقع: أي حل العذاب.
    عذاب الخلد: أي الذي يخلدون فيه فلا يخرجون منه.
    ويستنبئونك: أي ويستخبرونك.
    قل إي: أي نعم.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين فقد طالبوا في الآيات السابقة بالعذاب فقالوا {متى هذا الوعد} أي بالعذب {إن كنتم صادقين} فأمر الله تعالى رسوله في هذه الآيات أن يقول لهم إني {لا أملك لنفسي ضراً} أي لا أملك دفع الضر عني، ولا جلب النفع لي إذا لم يشأ الله تعالى ذلك، فكيف أعلم الغيب وأعرف متى يأتيكم العذاب كما لا أقدر على تعجيله إن كان الله يريد تأجيله، واعلموا أنه لكل أمة من الأمم أجل أي وقت محدد لهلاكها وموتها فيه، فلا يتأخرون عنه ساعة ولا يتقدمون عليه بأخرى فلذا لا معنى لمطالبتكم بالعذاب. وشيء آخر أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم العذاب الذي تستعجلونه بياتاً1 أي ليلاً أو نهاراً أتطيقونه وتقدرون على تحمله إذاً فماذا تستعجلون منه أيها المجرمون2 إنكم تستعجلون أمراً عظيماً. وقوله تعالى {أثم إذا ما وقع آمنتم به؟} 3 أي اتستمرون على التكذيب والعناد، ثم إذا وقع آمنتم به، وهل ينفعكم إيمانكم يومئذ؟ فقد يقال لكم توبيخاً وتقريعاً آلآن مؤمنون به، وقد كنتم به تستعجلون.
    وقوله تعالى {ثم4 قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون} ؟ يخبر تعالى أنه إذا دخل المجرمون النار وهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ذوقوا- تهكماً بهم- عذاب الخلد أي العذاب الخالد الذي لا يفني ولا يبيد إنكم ما تجزون أي ما تثابون إلا بما كنتم تكسبونه من الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {ويستنبؤنك أحق هو؟} أي ويستخبرك المشركون المعاندون قائلين لك أحق ما تعدنا به من العذاب يوم القيامة؟ أجبهم بقولك {قل إي وربي5 إنه لحق، وما أنتم بمعجزين} الله ولا فائتينه بل لا بد وأن يلجئكم إلى العذاب إلجاءً، ويذيقكموه عذاباً أليماً دائماً وأنتم صاغرون.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- لا يملك أحد من الخلق لنفسه فضلاً عن غيره ضراً يدفعه ولا نفعاً يجلبه إلا بإذن الله تعالى ومشيئته، وخاب الذين يُعولون على الأولياء في جلب النفع لهم ودفع الشر عنهم.
    2- الآجال محدودة لا تتقدم ولا تتأخر فلذا لا معنى للجبن من العبد.
    3- لا ينفع الإيمان ولا التوبة عند معاينة العذاب أو مَلَك الموت.
    4- جواز الحلف بالله إذا أريد تأكيد الخبر.
    5- إي حرف إجابة وتقترن دائماً بالقسم نحو إي والله، إي وربي.
    __________

    1 البيات: اسم مصدر ليلا كالسلام للتسليم.
    2 المجرمون: أصحاب الجرم الذي هو الشرك والقائلون متى هذا الوعد من كفار مكة.
    3 {أثم} الهمزة للاستفهام وقدمت على ثم العاطفة، لأنّ لها حق الصدارة والتقدير: ثم إذا وقع، والمستفهم عنه هو حصول الإيمان في وقت وقوع العذاب، وهو غير نافع لصاحبه فكيف ترضونه أنتم لأنفسكم.
    4 {ثم} : حرف عطف، وهي هنا للتراخي الرتبي فهذا يقال للمشركين عند دخولهم النار وهو من باب التهكم بهم والتقريع لهم، وإعلامهم بمالا يستطيعون دفعه بحال: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} والقائلون هم خزنة جهنم.
    5 {إي} : كلمة تحقيق وإيجاب، وتأكيد هي بمعنى (نعم) {وربى} قسم جوابه: {إنه لحق} أي: هو كائن لا شك فيه ولا محالة من وقوعه.

    ****************************** ********
    وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)
    شرح الكلمات:
    لافتدت به: لقدمته فداء لها.
    وأسروا الندامة: أخفوها في أنفسهم على ترك الإيمان والعمل الصالح.
    وقضي بينهم بالقسط: أي حكم الله بينهم بالعدل.
    وعد الله حق: أي ما يعدهم الله به هو كائن حقاً.
    موعظة من ربكم: أي وصية من ربكم بالحق والخير، وباجتناب الشرك والشر.
    وهدى: أي بيان لطريق الحق والخير من طريق الباطل والشر.
    فضل الله ورحمته: ما هداهم إليه من الإيمان والعمل الصالح، واجتناب الشرك والمعاصي.
    فبذلك فليفرحوا: أي فبالإيمان والعمل الصالح بعد العلم والتقوى فليسروا وليستبشروا.
    هو خير مما يجمعون: أي من المال والحطام الفاني.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في بيان أن ما وعد الله تعالى به المشركين من العذاب هو آت لا محالة إن لم يؤمنوا وإنه عذاب لا يطاق فقال تعالى {ولو أن لكل نفس ظلمت} أي نفسها بالشرك والمعاصي، لو أن لها ما في الأرض من مال صامت وناطق وقبل منها لقدمته فداء1 لها من العذاب، وذلك لشدة العذاب. وقال تعالى عن الكافرين وهم في عرصات القيامة وقد رأوا النار {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} 2 أي أخفوها في صدورهم ولم ينطقوا بها وهى ندمهم الشديد على عدم إيمانهم وإتباعهم للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوله تعالى {وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} أي وقضى الله تعالى أي حكم بين الموحدين والمشركين والظالمين والمظلومين3 بالقسط الذي هو العدل الإلهي والحال أنهم لا يظلمون بأن يؤاخذوا بما لم يكتسبوا. وقوله تعالى {ألا إن4 لله ما في السموات والأرض} أي انتبهوا واسمعوا أيها المشركون إن لله ما في السموات والأرض من سائر المخلوقات ملكاً حقيقياً لا يملك معه أحد شيئا من ذلك فهو يتصرف في ملكه كما يشاء يعذب ويرحم يشقي ويسعد لا اعتراض عليه ألا أن وعد الله حق أي تنبهوا مرة أخرى واسمعوا إن وعد الله أي ما وعدكم به من العذاب حق ثابت لا يتخلف. وقوله تعالى: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} .
    إذ لو علموا أن العذاب كائن لا محالة وعلموا مقدار هذا العذاب ما كفروا به وقوله تعالى {هو يحي ويميت وإليه ترجعون} يخبر تعالى عن نفسه أنه يحيي ويميت ومن كان قادراً على الإحياء والإماتة فهو قادر على كل شيء، ومن ذلك إحياء الكافرين بعد موتهم وحشرهم إليه ومجازاتهم على ما كسبوا من شر وفساد وقوله {وإليه ترجعون} تقرير مبدأ المعاد الآخر. بغد هذه التقريرات لقضايا العقيدة الثلاث: التوحيد، والنبوة، والبعث والجزاء نادى الله تعالى العرب والعجم سواء قائلاً {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة1 من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} وكل من الموعظة التي هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب والشفاء والهدى والرحمة قد حواها القرآن الكريم كأنه قال يا أيها الناس وفيكم الجاهل والفاسق والمريض بالشرك والكفر والضال عن الحق، والمعذب في جسمه ونفسه قد جاءكم القرآن يحمل كل ذلك لكم فآمنوا به واتبعوا النور الذي يحمله وتداووا به واهتدوا بنوره تشفوا وتكملوا عقلاً وخلقاً وروحاً وتسعدوا في الحياتين معاً.
    وقوله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك2 فليفرحوا هو خير مما يجمعون} أي بلِّغهم يا رسولنا آمراً إياهم بأن يفرحوا3 بالإسلام وشرائعه والقرآن وعلومه فإن ذلك خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني، وما يعقب من آثار سيئة لا تحتمل ولا تطاق.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- عظم عذاب يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن يفتدى منه بما في الأرض جميعاً.
    2- تقرير ربوبية الله تعالى لسائر المخلوقات في العالمين العلوي والسفلي.
    3- الإشادة بفضل القرآن وعظمته لما يحمله من المواعظ والهدى والرحمة والشفاء.
    4- يستحب الفرح بالدين ويكره الفرح بالدنيا.
    __________

    1 ولكن لا يقبل منها كما قال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفّار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به} .
    2 إسرارهم الندامة كان عند معاينة العذاب، وقبل الدخول فيه، والندامة: الحسرة على وقوع مكروه أو فوات محبوب.
    3 وبين الرؤساء والمرؤوسين، أي: بين المتبوعين والتابعين لهم.
    4 {ألا} : كلمة استفتاح وتنبيه يؤتى بها في أوّل الكلام، معناها: انتبهوا لما أقول لكم.
    5 المراد بالموعظة وما بعدما من الصفات القرآن الكريم إذ هو الجامع لكل ما ذكر، وإنما عطفت المذكورات لتأكيد المدح. كقول الشاعر:
    إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
    6 قال أبو سعيد الخدري وابن عباس: فضل الله: القرآن، ورحمته الإسلام، وصحّت الإشارة بذلك إلى الاثنين لأنّ العرب تشير بذلك إلى المفرد والمثنى والجمع.
    7 روي أن من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة (الفقر) كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ثم تلا: {قل بفضل الله} الآية.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #483
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (9)
    الحلقة (482)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 484الى صــــ 488)

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)
    شرح الكلمات:
    أرأيتم: أي أخبروني.
    ما أنزل الله لكم من رزق: أي الذي خلق لكم من رزق كلحوم الأنعام.
    ءآلله أذن لكم: أي في التحريم حيث حرمتم البحيرة والسائبة وفي التحليل حيث أحللتم الميتة.
    يفترون على الله الكذب: أي يختلقون الكذب تزويراً له وتقديراً في أنفسهم.
    وما تكون في شأن: أي في أمر عظيم.
    شهوداً إذْ تفيضون فيه: أي تأخذون في القول أو العمل فيه.
    وما يعزب عن ربك: أي يغيب.
    من مثقال ذرة: أي وزن ذرة والذرة أصغر نملة.
    إلا في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ ومبين أي واضح.
    معنى الآيات:
    سياق الآيات في تقرير الوحي وإلزام المنكرين له من المشركين بالدليل العقلي قال
    تعالى لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قل لهؤلاء المشركين1 {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} أي أخبروني عما خلق الله لكم من نبات وطعام وحرث فجعلتم منه حراماً كالبحيرة والسائبة والثياب التي تحرِّمون الطواف بها والحرث الذي جعلتموه لالهتكم، وحلال كالميتة التي تستبيحونها {ءالله أذن لكم} 2 في هذا التشريع بوحي منه {أم على الله تفترون} فإن قلتم الله أذن لنا بوحي فلم تنكرون الوحي وتكذبون به، وإن قلتم لا وحي ولكننا نكذب على الله فموقفكم إذاً شر موقف إذ تفترون على الله الكذب والله تعالى يقول: {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} أي إذا هم وقفوا بين يديه سبحانه وتعالى ما ظنهم أيغفر لهم ويعفى عنهم لا بل يلعنون وفي النار هم خالدون وقوله تعالى {إن الله لذو فضل على الناس} في كونه لا يعجل لهم العقوبة وهم يكذبون عليه ويشركون به ويعصونه ويعصون رسوله، {ولكن أكثرهم لا يشكرون} 3 وذلك لجهلهم وسوء التربية الفاسدة فيهم، وإلا العهد بالإنسان أن يشكر لأقل معروف وأتفه فضل.
    وقوله تعالى {وما تكون في شأن4 وما تتلو منه من قرآن} أي وما تكون يا رسولنا في أمر من أمورك الهامة وما تتلو من القرآن من آية أو آيات في شأن ذلك الأمر {إلا كنا} أي نحن رب العزة والجلال {عليكم شهوداً} أي حضوراً {إذ تفيضون فيه5} أي في الوقت الذي تأخذون فيه، وقوله تعالى {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة6 في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} يخبر تعالى عن سعة علمه تعالى وإحاطته بسائر مخلوقاته بحيث لا يعزب أي لا يغيب عن علمه تعالى مثقال ذره أي وزن ذرة وهي النملة الصغيرة وسواء كانت في الأرض أو في السماء، وسواء كانت أصغر من النملة أوأكبر منها. بالإضافة إلى أن ذلك كله في كتاب مبين أي في اللوح المحفوظ. لهذا العلم والقدرة والرحمة استوجب التأليه والعبادة دون سائر خلقه.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- تقرير الوحي وإثباته للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    2- التحريم والتحليل من حق الله تعالى دون سائر خلقه.
    3- حرمة الكذب على الله، وإن صاحبه مستوجب للعذاب.
    4- ما أعظم نعم الله تعالى على العباد ومع هذا فهم لا يشكرون إلا القليل منهم
    5- وجوب مراقبة الله تعالى، وحرمه الغفلة في ذلك.
    6- إثبات اللوح المحفوظ وتقريره كما صرحت به الآيات والأحاديث.
    __________

    1 من كفّار قريش.
    2 الاستفهام تقريري مشوب بالإنكار عليهم أيضاً. وعبر عن إعطائهم الرزق بإنزاله لهم، لأنّ أرزاقهم من حبوب وثمار وأنعام كلها متوفقة على المطر النازل من السماء حتى سمى العرب ببني ماء السماء. وشاهده قوله تعالى {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنّا صببنا الماء صبّا..} الآية.
    3 بذكره وعبادته وحده بما شرع أن يعبد به، وعلّة عدم الشكر، انظرها في التفسير.
    4 الشأن والجمع شؤون: الخطب والأمر الهام، والخطاب للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأمّة معه وقدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلو شأنه وسمو مقامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    5 الإفاضة في العمل: الشروع والدخول فيه.
    6 الذرة: النملة الصغيرة، أو الهباءة التي تُرى في ضوء الشمس.

    ****************************** **
    أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
    شرح الكلمات:
    ألا: أداة استفتاح وتنبيه.
    إن أولياء الله: جمع وليّ وهو المؤمن التقي بشرط أن يكون إيمانه وتقواه على نور من الله.
    لا خوف عليهم: أي لا يخافون عند الموت ولا بعده، ولا هم يحزنون على ما تركوا بعد موتهم.
    آمنوا: أي صدقوا بالله وبماء جاء عن الله وبرسول الله وبما أخبر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    يتقون: أي ما يسخط الله تعالى من ترك واجب أو فعل حرام.
    لهم البشرى: أي بالجنة في القرآن الكريم وعند الموت وبالرؤيا الصالحة يراها أو ترى له.
    لا تبديل لكلمات الله: أي لوعده الذي يعده عباده الصالحين، لأن الوعد بالكلمة وكلمه الله لا تبدل.
    الفوز: النجاة من النار ودخول الجنة.
    معنى الآيات:
    يخبر تعالى مؤكداً الخبر بأداة التنبيه {ألا} وأداة التوكيد {إن} فيقول: {ألا إن أولياء1 الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي لا يخافون عند الموت ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما يتركون وراءهم بعد موتهم ولا في الدار الآخرة وبين تعالى أولياءه وعرف بهم فقال: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} 2 أي آمنوا به وبرسوله وبكل ما جاء به رسوله عن ربه، وكانوا يتقون طوال حياتهم وسائر ساعاتهم سخط الله تعالى فلا يتركون واجباً هم قادرون على القيام به، ولا يغشون محرماً لم يُكرهوا عليه. وقوله تعالى: {لهم البشرى} في الحياة الدنيا3 وفي الآخرة: أي لهم بشرى ربهم في كتابه برضوانه ودخول الجنة ولهم البشرى بذلك عند الاحتضار تبشرهم الملائكة برضوان الله وجنته وفي الآخرة عند قيامهم من قبورهم تتلقاهم الملائكة بالبشرى.
    وقوله تعالى: {لا تبديل لكلمات الله} 4 وهو تأكيد لما بشرهم، إذ تلك البشرى كانت بكلمات الله وكلمات الله لا تتبدل فوعد الله إذاً لا يتخلف.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- ولاية الله تعالى بطاعته وموافقته في محابه ومكارهه فمن آمن إيماناً يرضاه الله، واتقى الله في أداء الفرائض واجتناب المناهي فقد صار ولي الله والله وليه.
    2- البشرى هي ما يكرم الله به برؤيا صالحة يراها الولي أو تُرى له.
    3- الأولياء هم أهل الإيمان والتقوى فالكافر والفاجر لا يكون وليا أبداً، إلا إذا آمن الكافر، وبَرَّ الفاجر بفعل الصالحات وترك المنهيات.
    4- صدق إخبار الله تعالى وعدالة أحكامه، وسر ولايته إذ هي تدور على موافقة الرب تعالى فيما يجب من الاعتقادات والأعمال والأقوال والذوات والصفات وفيما يكره من ذلك فمن وافق ربه فقد والاه ومن خالفه فقد عاداه.
    __________

    1 الولي: مشتق من الولي بسكون اللام الذي هو القرب، ومتى زكت نفس المؤمن بالإيمان والعمل الصالح، وتخلّيها عن الشرك، والمعاصي قُرب من الله تعالى فوالاه، ومن آيات الولاية: استجابة الدعاء وهرمن الكرامات التي يكرم الله تعالى بها أولياءه وفي الحديث: "الذين يُذْكَرُ الله برؤيتهم" وفي لفظ. "الذين إذا رُؤوا ذُكر الله" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء، والشهداء. قيل من هم يا رسول الله؟ لمنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تخابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: {ألا إن أولياء الله} الآية.
    2 الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا أي: كأنّما سائل قال: مَنْ هم أولياء الله؟ فأجيب: الذين آمنوا وكانوا يتقون".
    3 لحديث: "انقطع الوحي ولم يبق إلاّ المبشرات قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها البد المؤمن أو تُرى له".
    4 كلمات الله هي: التي بها مواعيده ولذا فما يباشر الله تعالى به أولياءه هو كائن لا محالة إذ مواعيده لا تتبدل ووعوده لا تخلف.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #484
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (10)
    الحلقة (483)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 488الى صــــ 492)


    وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)
    شرح الكلمات:
    لا يحزنك: أي لا يجعلك قولهم تحزن.
    إن العزة لله: العزة الغلبة والقهر.
    شركاء: أي شركاء بحق يملكون مع الله لعابديهم خيراً أو يدفعون عنهم ضراً.
    إلا الظن: الظن أضعف الشك.
    يخرصون: أي يحزرون ويكذبون.
    لتسكنوا فيه: أي تخلدوا فيه إلى الراحة والسكون عن الحركة.
    مبصراً: أي مضيئاً ترى فيه الأشياء كلها.
    في ذلك: أي من جَعْلِهِ تعالى الليل سكناً والنهار مبصراً لآيات.
    يسمعون: أي سماع إجابة وقبول.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في تقرير قضايا التوحيد الثلاث التوحيد والنبوة والبعث قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ولا يحزنك قولهم} أي لا يجعلك قول المشركين المفترين {لست مرسلاً} وأنك {شاعر مجنون} تحزن فإن قولهم هذا ينتج لهم إلا سوء العاقبة والهزيمة المحتمة، {إن العزة لله جميعاً} 1 فربك القوى القادر سيهزمهم وينصرك عليهم. إذا فاصبر على ما يقولون ولا تأس ولا تحزن. إنه تعالى هو السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض} خلقاً وملكاً وتصرفاً، كل شيء في قبضته وتحت سلطانه وقهره فكيف تبالي بهم يا رسولنا فتحزن لأقوالهم {وما يتبع الذين يدعون من دون ألله شركاء} أي آلهة حقاً بحيث تستحق العبادة لكونها تملك نفعاً أو ضراً، موتاً أو حياة لا بل ما هم في عبادتها متبعين إلا الظن {وإن هم إلا يخرصون} أي يتقولون ويكذبون. وقوله تعالى {هو الذي2 جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً} أي الإله الحق الذي يجب أن يدعى ويعبد الله الذي جعل لكم أيها الناس ليلاً مظلماً لتسكنوا فيه فتستريحوا من عناء العمل في النهار. وجعل لكم النهار مبصراً3 أي مضيئاً لتتمكنوا من العمل فيه فتوفروا لأنفسكم ما تحتاجون إليه في حياتكم من غذاء وكساء وليست تلك الآلهة من أصنام وأوثان بالتي تستحق الألوهية فتُدْعى وتُعبد. وقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون4} أي إن فيما ذكر تعالى من كماله وعزته وقدرته وتدبيره لأمور خلقه آيات علامات واضحة على أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، ولكن يرى تلك الآيات من يسمع سماع قبول واستجابة لا من يسمع الصوت ولا يفكر فيه ولا يتدبر عانيه فإن مثله أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع.
    هداية الآيات.
    من هداية الآيات:
    1- على المؤمن الداعي إلى الله تعالى أن لا يحزنه أقوال أهل الباطل وأكاذيبهم حتى لا ينقطع عن دعوته، وليعلم أن العزة لله جميعاً وسوف يعزه بها، ويذل أعداءه.
    2- ما يُعبد من دون الله لم يقم عليه عابدوه أي دليل ولا يملكون له حجة وإنما هم مقلدون يتبعون الظنون والأوهام.
    3- مظاهر قدرة الله تعالى في الخلق والتدبير كافية في إثبات العبادة له ونفيها عما سواه.
    __________

    1 أي: القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله وحده، والعزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، والقوي الذي لا يُحال بينه وبين مراده. و {جميعاً} منصوب على الحال، وعزّة المؤمنين هي بعزّة الله فلا منافاة إذاً.
    2 من الآية استدلال على عزته تعالى وملكه لكل شيء وقدرته وتصرفه في كل شيء وهو ما أوجب له العبادة دون ما سواه.
    3 يقال أبصر النهار، إذا صار ضياء، وأظلم الليل إذا صار ذا ظلام.
    4 الجملة المستأنفة، والآيات: الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، والدلالة تكون مرئية ومسموعة ومعقولة، وعليه فالأعمى والأصم وغير العاقل لا يستفيدون منها فهذه علّة عدم استفادة المشركين من الآيات لفقدهم آلات العقل والسمع والبصر، إذ فسدت بالجهل والتقليد والعناد والمكابرة والجحود.

    ****************************** ********
    قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70)
    شرح الكلمات:
    سبحانه: أي تنزه عن النقص وتعالى أن يكون له ولد.
    الغَنِيُّ: أي الغِنَى المطلق بحيث لا يفتقر إلى شيء.
    إن عندكم من سلطان: أي ما عندكم من حجة ولا برهان.
    بهذا: أي الذي تقولونه وهو نسبة الولد إليه تعالى.
    متاع في الدنيا: أي ما هم فيه اليوم هو متاع لا غير وسوف يموتون ويخسرون
    كل شيء.
    يكفرون: أي بنسبة الولد إلى الله تعالى، وبعبادتهم غير الله. سبحانه وتعالى.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في تحقيق التوحيد وتقريره بإبطال الشرك وشبهه فقال تعالى: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه} أي قال المشركون أن الملائكة بنات الله1 وهو قول مؤسف محزن للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كقولهم له {لست مرسلاً} ، وقد نهي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحزن من جراء أقوال المشركين الفاسدة الباطلة. ونزه الله تعالى نفسه عن هذا الكذب فقال سبحانه، وأقام الحجة على بطلان قول المشركين بأنه هو الغَنيُّ الغِنَى الذاتي الذي لا يفتقر معه إلى غيره فكيف إذاً يحتاج إلى ولد أو بنت فيستغني به وهو الغني الحميد، وبرهان آخر على غناه أن له ما في السموات وما في الأرض الجميع خلقه وملكه فهل يعقل أن يتخذ السيد المالك عبداً من عبيده ولداً له. وحجة أخرى هل لدى الزاعمين بأن لله ولداً حجة تثبت ذلك والجواب لا، لا. قال تعالى مكذباً إياهم: {إن عندكم من سلطان بهذا} 2 أي ما عندكم من حجة ولا برهان بهذا الذي تقولون ثم وبخهم وقرعهم بقوله: {أتقولون على3 الله ما لا تعلمون؟} وأمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول معلناً عن خيبة الكاذبين وخسرانهم: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} 4 إن قيل كيف لا يفلحون وهم يتمتعون بالأموال والأولاد والجاه والسلطة أحياناً فالجواب في قوله تعالى {متاع في الدنيا} 5 أي ذلك متاع في الدنيا، يتمتعون به إلى نهاية أعمارهم، ثم إلى الله تعالى مرجعهم جميعاً، ثم يذيقهم العذاب الشديد الذي ينسون معه كل ما تمتعوا به في الحياة الدنيا، وعلل تعالى ذلك العذاب الشديد الذي أذاقهم بكفرهم فقال: {بما كانوا يكفرون} 6 أي يجحدون كمال الله وغناه فنسبوا إليه الولد والشريك.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- كفر من ينسب إلى الله تعالى أي نقص كالولد والشريك أو العجز مطلقاً.
    2- كل دعوى لا يقيم لها صاحبها برهاناً قاطعاً وحجة واضحة فلا قيمة لها ولا يحفل بها.
    3- أهل الكذب على الله كالدجالين والسحرة وأهل البدع والخرافات لا يفلحون ونهايتهم الخسران.
    4- لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بما يرى عليه أهل الباطل والشر من المتع وسعة الرزق وصحة البدن فإن ذلك متاع الحياة الدنيا، ثم يؤول أمرهم إلى خسران دائم.
    __________

    1 وقال اليهود: عزير بن الله وقال النصارى عيسى بن الله والكل مفتر كذَّاب، ولا شك أن الشيطان هو الذي زيّن لهم هذا الباطل ليغويهم فيضلهم ويهلكهم.
    2 إن نافية بمعنى: (ما) كما هي في التفسير أي: ما عندكم من حجة تثبت ما ادعيتموه وتُلزم به لقوتها كقوة ذي السلطان.
    3 الاستفهام للتوبيخ والتقريع بجهلهم وكذبهم إذ الولد يتطلب المجانسة والمشابهة بينه وبين من ينسب إليه وأين ذلك؟ والله ليس كمثله شيء إذ هو خالق كل شيء.
    4 الفلاح: الفوز، والفوز هي السلامة من المرهوب والظهر بالمحبوب المرغوب، والمفترون على الله الكذب لا ينجون من النار ولا يدخلون الحنة فهم إذا خاسرون غير مفلحين.
    5 هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب سؤال هو: كيف لا يفلحون وهم في عزّة وقدرة وسلطان فيجاب السائل: بأن هذا متاع في الدنيا زائل لا قيمة له، بالمقابلة بالفلاح المنتفي عنهم وهو فلاح الآخرة.
    6 الباء في {بما كانوا يكفرون} للتعليل الذي هو السببيّة أي: بسبب كفرهم، إذ الكفر خبث نفوسهم فاستوجبوا النار وعذابها.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #485
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (11)
    الحلقة (484)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 492الى صــــ 497)


    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73)
    شرح الكلمات:
    واتل عليهم نبأ نوح: أي اقرأ على المشركين نبأ نوح أي خبره العظيم الخطير.
    كبر عليكم مقامي: أي عظم عليكم مقامي بينكم أدعو إلى ربي.
    فأجمعوا أمركم: أي اعزموا عزماً أكيداً.
    غمّة: أي خفاء ولبساً لا تهتدون منه إلى ما تريدون.
    ثم اقضوا إلي: أي انفذوا أمركم.
    ولا تنظرون: أي ولا تمهلون رحمة بي أو شفقة علي.
    فإن توليتم: أي أعرضتم عما أدعوكم إليه من التوحيد.
    في الفلك: أي في السفينة.
    خلائف: أي يخلف الآخر الأول جيلاً بعد جيل.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق الكريم في طلب هداية المشركين بالرد على دعاواهم وبيان الحق لهم وفي هذه الآيات يأمر الله تعالى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرأ عليهم طرفاً من قصة نوح مع قومه المشركين الذين كانت حالهم كحال مشركي العرب سواء بسواء وفي قراءة هذا القصص فائدتان الأولى تسلية الرسول وحمله على الصبر، والثانية تنبيه المشركين إلى خطإهم، وتحذيرهم من الاستمرار على الشرك والعصيان فيحل بهم من العذاب ما حل بغيرهم قال تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح} 1 أي خبره العظيم الشأن وهو قوله لهم {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي} 2 أي عظم وشق عليكم وجودي بينكم أدعوكم إلى الله، وتذكيري إياكم بآيات الله، فإني3 توكلت على الله فأجمعوا أمركم أي اعزمرا عزماً أكيداً وادعوا أيضاً شركاءكم للاستعانة بهم، ثم أحذركم أن يكون أمركم عليكم غمة أي4 خفياً ملتبساً عليكم فيجعلكم تترددون في إنفاذ ما عزمتم عليه، ثم اقضوا5 إليَّ ما تريدون من قتلي أو نفعي ولا
    تنظرون أي لا تؤخروني أي تأخير. وقوله تعالى: {فإن توليتم} أي أعرضتم عن دعوتي وتذكيري ولم تقبلوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله تعالى وحده، فما سألتكم عليه من أجر أي ثواب، حتى تتولوا. إن أجري إلا على ربي الذي أرسلني وكلفني. وقد أمرني أن أكون من المسلمين له قلوبهم ووجوههم وكل أعمالهم فأنا كذلك كل عملي له فلا أطلب أجراً من غيره قال تعالى: {فكذبوه} أي دعاهم واستمر في دعائهم إلى الله زمناً غير قصير وكانت النهاية: أن كذبوه، ودعانا لنصرته فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة وجعلناهم خلائف6 لبعضهم بعضاً أي يخلف الآخر الأول، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا التي أرسلنا بها عبدنا نوحاً فانظر يا رسولنا كيف كان عاقبة المنذرين الذين لم يقبلوا النصح ولم يستجيبوا للحق إنها عاقبة وخيمة إذ كانت إغراقاً في طوفان وناراً في جهنم وخسراناً قال تعالى في سورة نوح: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً} .
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- تسلية الدعاة بمثل موقف نوح العظيم إذ قال لقومه: أجمعوا أمركم ونفذوا ما تريدون إني توكلت على الله.
    2- ثمرة التوكل شجاعة واطمئنان نفس وصبر وتحمل مع مضاء عزيمة.
    3- دعوة الله لا ينبغي أن يأخذ الداعي عليها أجراً إلا للضرورة.
    4- بيان سوء عاقبة المكذبين بعد إنذارهم وتحذيرهم.
    __________

    1 {اتل} فعل أمر حذفت منه الواو لبنائه على حذفها إذ ماضيه تلا ومضارعه يتلو، والأمر: اتل بمعنى اقرأ، والتلاوة: موالاة الكلمات والقراءة جمعها.
    2 المقام: بفتح القاف، موضع القيام، والمُقام بالضمّ الإقامة، ومعنى كبُر: ثقل وعظم.
    3 هذه الجملة {فعلى الله توكلت} هي جواب الشرط الذي هو: فان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله التي هي دلائل فضله ودلائل وحدانيته تعالى.
    4 الغمّة والغمَ بمعنى واحد، ومعناه التغطية والستر ومنه: غم الهلال إذا استتر، قال الشاعر:
    لعمرك ما أمري عَليّ بغمّة ... نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمد
    وأصل الغمّ: مشتق من الغمامة، وكل أمر مبهم ملتبس فهو غمّة.
    5 أي: أنفذوا ما حكتم به عليَّ من قتلي إن أردتم ذلك.
    6 جمع خليفة وهو اسم لمن يخلف غيره.

    ****************************** ******
    فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)
    شرح الكلمات:
    بالبينات: أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما يدعون إليه من توحيد الله تعالى.
    نطبع: الطبع على القلب عبارة عن تراكم الذنوب على القلب حتى لا يجد الإيمان إليه طريقاً.
    المعتدين: الذين تجاوزوا الحد في الظلم والاعتداء على حدود الشرع.
    الحق.: الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام وهي تسع.
    لتلفتنا: لتصرفنا وتحول وجوهنا عما وجدنا عليه آباءنا.
    الكبرياء: أي العلو والسيادة والملك على الناس.
    معنى الآيات:
    لما ذكر تعالى طرفاً من قصة نوح عليه السلام وأبرز فيها مظهر التوكل على الله تعالى من نوح ليُقتدى به، ومظهر نصرة الله تعالى لأوليائه وهزيمته أعدائه ذكر هنا سنة من سننه في خلقه وهي أنه بعث من بعد نوح رسلاً كثيرين1 إلى أممهم فجاؤوهم بالبينات أي بالحجج والبراهين على صدقهم وصحة ما جاءوا به ودعوا إليه من توحيد الله، فما كان أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذب به من سبقهم من أمة نوح. قال تعالى: {كذلك نطبع على2
    قلوب المعتدين} هذا بيان سنة الله تعالى في البشر وهي أن العبد إذا أذنب وواصل الذنب بدون توبة يصبح الذنب طبعاً من طباعه لا يمكنه أن يتخلى عنه، وما الذنب إلا اعتداء على حدود الشارع فمن اعتدى واعتدى وواصل الاعتداء حصل له الطبع وكان الختم على القلب فيصبح لا يقبل الإيمان ولا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر. وقوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون} 3 أي من بعد الأمم الهالكة بعثنا رسولينا موسى وهرون ابني عمران إلى فرعون وملئه بآياتنا المتضمنة الدليل على صحة مطلب رسولينا وهو توحيد الله وإرسال بني إسرائيل معهما، {فاستكبروا} أي فرعون وملؤه {وكانوا قوماً مجرمين} حيث أفسدوا القلوب4 والعقول وسفكوا الدماء وعذبوا الضعفاء يقول تعالى عنهم {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين} أي لما بهرتهم المعجزات وهي آيات موسى وأبطلت إفكهم قالوا إن هذا لسحر مبين تخلصاً من الهزيمة التي لحقتهم، فرد موسى عليهم بقوله {أتقولون للحق لما جاءكم} هذا سحر5 ثم بعد توبيخهم استدل على بطلان قولهم بكونه انتصر عليهم فأفلح بينهم وفاز عليهم فقال: {أسحر هذا ولا يفلح الساحرون} فلو كان ما جئت به سحراً فكيف أفلحت في إبطال سحركم وهزيمة سحرتكم. فلما أفحمهم بالحجة قالوا مراوغين: {أجئتنا لتلفتنا} أي تصرفنا {عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض} أي وتكون لكما السيادة والملك في أرض مصر فسلكوا مسلك الاتهام السياسي. وقالوا {وما نحن لكما بمؤمنين} أي بمصدقين ولا متبعين.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- بيان سنة الله في البشر وهي أن التوغل في الشر والفساد والظلم يوجب الختم على القلوب فيحرم العبد الإيمان والهداية.
    2- ذم الاستبكار وأنه سبب كثير من الإجرام.
    3- تقرير أن السحر صاحبه لا يفلح أبداً ولا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مرهوب.
    4- الاتهامات الكاذبة من شأن أهل الباطل والظلم والفساد.
    __________

    1 كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم.
    2 {نطبع} نختم، إذ الختم والطبع واحد، والطبع يكون بالخاتم.
    3 أي: من بعد الرسول والأمم إذ لكل امّة رسول.
    4 أفسدوا القلوب بالشرك والكفر والعقول بالسحر والأباطيل وسفكوا الدماء بقتل ذكران بني إسرائيل الصغار (المواليد) .
    5 مفعول {أتقولون} محذوف لدلالة الكلام عليه وهو: إن هذا لسحر مبين وتقدير الكلام أنهم لما قالوا في الآيات لسحر مبين رد عليهم موسى بقوله: أتقولون للحق لما جاءكم هذا. أسحر هذا؟ أي كيف يكون هذا الذي جئتكم به من الآيات سحراً؟ والساحر لا يفلح وقد أفلحت فبطل أن يكون ما جئتكم به من الآيات سحراً للحق: اللام يسميهم بعضهم لام المجاوزة فهي بمعنى عن أي: تقولون عن الحق كذا. والظاهر أنها لام التعليل.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #486
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (12)
    الحلقة (485)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 497الى صــــ 501)


    وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
    شرح الكلمات:
    ساحر عليم: أي ذو سحر حقيقي له تأثير عليم بالفن.
    ألقوا: أي ارموا في الميدان ما تريدون إلقاءه من ضروب السحر.
    إن الله سيبطله: أي يظهر بطلانه أمام النظارة من الناس.
    ويحق الله الحق: أي يقرر الحق ويثبته.
    بكلماته: أي بأمره إذ يقول للشيء كن فيكون.
    المجرمون: أهل الإجرام على أنفسهم وعلى غيرهم وهم الظلمة المفسدون.
    رجال دولته أن يحضروا له علماء السحر1 ليبارى موسى في السحر فجمع سحرته فقال لهم موسى {ألقوا ما أنتم ملقون} 2 فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فنظر إليه موسى وقال: {ما جئتم3 به السحر إن الله سيبطله4 إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولوكره المجرمون} 5 وألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- للسحر طرق يتعلم بها وله علماء به وتعلمه حرام واستعماله حرام.
    2- حد الساحر القتل لأنه إفساد في الأرض.
    3- جواز المبارزة للعدو والمباراة له إظهاراً للحق وإبطالاً للباطل.
    4- عاقبة الفساد وعمل أصحابه الخراب والدمار.
    5- متى قاوم الحق الباطل انهزم الباطل وانتصر الحق بأمر الله تعالى ووعده الصادق.
    __________

    1 طلب فرعون بإتيانه بالسحرة إذ قال: أئتوني بكل ساحر عليم قال هذا لما شاهد العصا واليد البيضاء فاعتقد أنها سخر فأراد أن يقابله بسحر قومه.
    2 أي: اطرحوا ما معكم من حبالكم وعصّيكم.
    3 أي: ما أظهرتموه لنا من هذه الحبال والعصي، وقد تراءت وكأنها حيّات وثعابين هو السحر وعلّل لذلك. بقوله إنّ الله سيبطله وعلة أخرى وهو أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وإظهار اسم الجلالة في التعليلين: {إن الله سيبطله} {إنّ الله لا يصلح عمله المفسدين} لإلقاء الروع وتربية المهابة في النفوس.
    4 قال ابن عباس رضي الله عنه من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. {ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله إنّ الله لا يصلح عمل المفسدين} لم يضرّه كيد ساحر.
    5 أراد بالمجرمين: فرعون وملأه، وفي الكلام تعريض بهم، وعدل عن وصفهم بالإجرام لأنّه مأمور أن يقول قولاً ليّنأ فاستغنى بالتعريض بدل التصريح.

    ****************************** ********
    وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
    شرح الكلمات:
    فما آمن لموسى: أي لم يَنْقَدْ له ويتبعه.
    إلا ذرية: أي طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل.
    وملائهم: أي أشرافهم ورؤسائهم.
    أن يفتنهم: أن يضطهدهم ويعذبهم.
    لعال في الأرض: قاهر مُستبدّ.
    مسلمين: مذعنين منقادين لأمره ونهيه.
    فتنة للقوم الظالمين: أي لا تفتنهم بنا بأن تنصرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا كفراً.
    أن تبوَّءا: اتخذا لقومكما بمصر بيوتا تبوءون إليها وترجعون.
    قبلة: أي مساجد تصلون فيها.
    معنى الآيات:
    بعد ذلك الانتصار الباهر الذي تم لموسى على السحرة، والهزيمة المرة التي لحقت فرعون ولم يؤمن لموسى ويتابعه إلا ذرّيّة من بني إسرائيل، وعدد قليل من آل فرعون كامرأته ومؤمن آل فرعون والماشطة قال تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية1 من قومه على خوف من فرعون} أي مع خوف من فرعون أن يفتنهم وقوله: {وملائهم} عائد إلى مؤمنى آل فرعون أي مع خوف من ملائهم أي رؤسائهم وأشرافهم أن يفتنوهم أيضاً، وقوله تعالى {وإن فرعون لعال في الأرض} أي إنه قاهر متسلط مستبد ظالم، {وإنه لمن المسرفين} 2 في الظلم فلذا خافوه لما آمنوا، ولما ظهر الخوف علي بني إسرائيل قال لهم موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} 3 ففوضوا أمركم إليه إن كنتم حقاً مسلمين لله منقادين لأمره ونهيه، فأجابوا قائلين: {على الله توكلنا} وسألوا الله تعالى أن لا يفتن قوم فرعون بهم بأن ينصرهم عليهم فيزدادوا كفراً وظلماً، وضمن ذلك أن لا تسلط الظالمين علينا فيفتونا في ديننا بصرفنا عنه بقوة التعذيب {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} وهذا حسن توسل منهم إذا قالوا برحمتك فتوسلوا إلى الله برحمته ليستجيب دعاءهم، والمراد من القوم الكافرين هنا فرعون وملأه. وقوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} أي هارون {أن تبوءا لقومكما} 4 أي من بني إسرائيل {بمصر} أي بأرض مصر5 {بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة} 6 أي متقابلة ومساجد7 تصلون فيها {وأقيموا الصلاة} على الوجه الذي شرع لكم. وهذا بناء على أن بني إسرائيل بعد الانتصار على فرعون أخذوا ينحازون من مجتمع فرعون فأمروا أن يكونوا حياً مستقلاً استعداداً للخروج من أرض مصر فأمرهم الرب تبارك وتعالى أن يجعلوا بيوتهم قبلة أي متقابلة ليعرفوا من يدخل عليهم ومن يخرج منهم وليصلوا فيها كالمساجد حيث منعوا من المساجد إما بتخريبها وإما بمنعهم منها ظلماً وعدواناً وقوله تعالى {وبشر المؤمنين} أي وبشر يا رسولنا8 المؤمنين الصادقين في إيمانهم الكاملين فيه بحسن العاقبة بكرامة الدنيا وسعادة الآخرة بدخول دار السلام.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- تسلية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أراه كيف انتصر موسى بالمعجزات ومع ذلك لم يتابعه إلا القليل من قومه.
    2- التنديد بالعلو في الأرض والإسراف في الشر والفساد وبأهلهما.
    30- وجوب التوكل على الله تعالى لتحمل عبء الدعوة إلى الله تعالى والقيام بطاعته.
    4- مشروعية الدعاء والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته.
    5- اتخاذ المساجد في المنازل للصلاة فيها عند الخوف.
    6- وجوب إقام الصلاة.
    7- بشرى الله تعالى للمؤمنين والمقيمين للصلاة بحسن العاقبة في الدارين.
    __________

    1 المراد بالذرية أولاد بني إسرائيل الشبان الذين آمنوا عند مشاهدّة المباراة وانتصار موسى فيها.
    2 {المسرفين} : أي المجاوزين الحد في الكفر لأنه كان عبداً فادعى الربوبية.
    3 كرر جملة الشرط تأكيداً، مبيّناً أن كمال الإيمان يقتضي التوكل على الله تعالى.
    4 أي: اتخذا، يقال: بوّاه الدار: انزله إيَّاها وأسكنه فيها. وفي الحديث "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" أي: فلينزله ملازما له.
    5 قيل: المراد بمصر: الأسكندرية.
    6 في الآية دليل علي جواز صلاة الخائف المكتوبة في بيته، أمّا النافلة فهي في البيوت أفضل لقول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
    7 في هذا جمع بين رأيين الأول: أن المراد من كلمة قبلة: أنها مساجد والثاني: أنها متقابلة ليتم لهم بذلك حمايتهم من عدوهم بعد أن استقلوا عنه.
    8 هو موسى علبه السلام، بدليل السياق الكريم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #487
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (13)
    الحلقة (486)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 501الى صــــ 507)

    وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89)
    شرح الكلمات:
    زينة: أي حلياً وحللاً ورياشاً ومتاعاً.
    أموالاً: أي كثيرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث.
    اطمس: أي أزل أثرها من بينهم بإذهابها.
    واشدد على قلوبهم: اربط عليها حتى لا يدخلها إيمان ليهلكوا وهم كافرون.
    أجيبت دعوتكما:. أي استجابها الله تعالى.
    فاستقيما: على طاعة الله بأداء رسالته والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه.
    سبيل الذين لا يعلمون: أي طريق الجهلة الذي لا يعرفون محاب الله ومساخطه ولا يعلمون شرائع الله التي أنزل لعباده.
    معنى الآيتين:
    ما زال السياق في قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل فبعد أن لج فرعون في العناد والمكابرة بعد هزيمته سأل موسى ربه قائلاً {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} أي أعطيتهم {زينة} أي ما يتزين به من الملابس والفرش والأثاث وأنواع الحلي والحلل وقوله {وأموالاً} 1 أي الذهب والفضة والأنعام والحرث {في الحياة الدنيا} أي في هذه الحياة الدنيا وقوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} 2 أي فيسبب ذلك لهم الضلال إذاً {ربنا اطمس3 على أموالهم} أي أذهب أثرها بمسحها وجعلها غير صالحة للانتفاع بها، {واشدد على4 قلوبهم} أي اطبع على قلوبهم واستوثق منها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم الموجع أشد الإيجاع، قال تعالى: {قد أجيبت دعوتكما، فاستقيما} 5 على طاعتنا بالدعوة إلينا وأداء عبادتنا والنصح لعبادنا والعمل على إنقاذ عبادنا من ظلم الظالمين، {ولا تتبعانِّ سبيل الذين لا يعلمون} أي فتستعجلا وقوع العذاب فإن الذين لا يعلمون ما لله من حكم وتدابير وقضاء وقدر يستعجلون الله تعالى في وعده لهم فلا تكونوا مثلهم بل انتظروا وعدنا واصبروا حتى يأتي وعد الله وما الله بمخلف وعده.
    أجيبت دعوتكما:. أي استجابها الله تعالى.
    فاستقيما: على طاعة الله بأداء رسالته والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه.
    سبيل الذين لا يعلمون: أي طريق الجهلة الذي لا يعرفون محاب الله ومساخطه ولا يعلمون شرائع الله التي أنزل لعباده.

    هداية الآيتين
    من هداية الآيتين:
    1- مشروعية الدعاء بالهلاك على أهل الظلم.
    2- كثرة المال وأنواع الزينة، والانغماس في ذلك والتلهي به يسبب الضلال لصاحبه.
    3- الذين بلغوا حداً من الشر والفساد فطبع على قلوبهم لا يموتون إلا على الكفر فيخسرون.
    4- المؤمِّن داع فهو شريك في الدعاء6 فلذا أهل المسجد يؤمِّنون على دعاء الإمام في الخطبة فتحصل الإجابة للجميع، ومن هنا يخطيء الذين يطوفون أو يزورون إذ يدعون بدعاء المطوف ولا يؤمِّنون.
    5- حرمة إتباع طرق أهل الضلال، وتقليد الجهال والسير وراءهم.
    __________

    1 قيل: إنه كان لهم من فسطاط مصر إلى ارض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد، والياقوت.
    2 في هذه اللام أقوال: أصحها: أنها لام العاقبة، والصيرورة. أي: يا رب إنك آتيت فرعون وقومه أموالاً ليؤول أمرهم بسبب تلك الأموال إلى ضلالهم.
    3 أي: عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم. وفعلا أصبحت حجارة لا ينتفع لها وكان ذلك عقوبة منه تعالى لهم على كفرهم وعنادهم.
    4 قد استشكل العلماء وجه دعاء موسى على فرعون وقومه بالهلاك إذ المفروض أن يدعو لهم بالهداية. وأجيب بأنه قد علم بإعلام الله تعالى له أنهم لا يؤمنون فلذا دعا عليهم، كما أعلم الله تعالى نوحاً بعدم إيمان قومه فلذا دعا عليهم، إذ قال له ربَّه: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وهنا دعا عليهم قائلاً: {ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً} .
    5 كان موسى يدعو، وهارون يؤمن أي: يقول: آمين فاعتبر داعيا مع أخيه. لأنّ قول آمين معناه: اللهم استجب دعاءنا.
    6 روى الترمذي الحكيم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إن الله قد أعطى أمتي ثلاثاً لم تعط أحداً قبلهم: السلام، وهي تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة وآمين إلاَّ ما كان من موسى وهارون" وعلى هذا فموسى كان يدعو وهارون يؤمن فاعتبر داعياً.

    ****************************** ****
    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)
    شرح الكلمات:
    وجاوزنا ببني إسرائيل: أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه.
    البحر: بحر القلزم.
    بغيا وعدوا 1: أي بغيا على موسى وهرون واعتداء عليهما.
    الآن: أي أفي هذا الوقت تقر بالوحدانية وتعترف له بالذلة؟!.
    ببدنك: أي بجسدك لا روح فيه.
    آية: علامة على أنك عبد وليس برب فيعتبروا بذلك.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في قصة موسى وهرون مع فرعون وبني إسرائيل قال تعالى: {وجاوزنا2 ببني إسرائيل البحر} وذلك بداية استجابة الله تعالى دعوة موسى وهرون ومعنى {جاوزنا} أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه، وذلك بأن أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ويَبِسَت الأرض ودخل موسى مع بني إسرائيل يتقدمهم جبريل عليه السلام على فرس حتى تجاوزوا البحر إلى الشاطىء، وجاء فرعون على فرسه ومعه ألوف3 الجنود فتبعوا موسى4 وبني إسرائيل فدخلوا البحر فلما توسطوه أطبق5 الله تعالى عليهم البحر فغرقوا أجمعين إلا ما كان من فرعون فإنه لما أدركه الغرق أي لحقه ووصل الماء إلى عنقه أعلن عن توبته فقال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} ولكبريائه لم يقل لا إله إلا الله ولو قالها لتاب الله عليه فأنجاه بل قال: {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} وهو يعرف أنه الله. وقوله: {وأنا من المسلمين} مبالغة في طلب النجاة من الغرق بالتوبة حيث أعلن أنه من المسلمين أي المستسلمين المنقادين لأمره. فرد الله تعالى بقوله: {آلآن} أي وقت التوبة6 والإسلام بعد الإيمان،
    {وقد عصيت قبل} وتمردت على الله وشرعه وكفرت به وبرسوله {وكنت من المفسدين} للبلاد والعباد بالظلم والشر والفساد، {فاليوم ننجيك} أي نجعلك على نجوة من الأرض أي مرتفع منها {ببدنك} أي يجسمك دون روحك، وبذلك {لتكون لمن خلفك} أو بعده من الناس {آية} أي علامة على أنك عبد مربوب وليس كما زعمت أنك رب وإله معبود، وتكون عبرة لغيرك فلا يطغى طغيانك ولا يكفر كفرانك فيهلك كما هلكت، وقوله تعالى: {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} إخبار منه بواقع الناس ومن أولئك الغافلين عن آيات الله وهي تتلى عليهم أهل مكة من كفار قريش وما سيق هذا القصص إلا لأجل هدايتهم. لو كانوا يهتدون.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- لا تقبل التوبة عند معاينة العذاب وفي الحديث "تقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
    2- أكمل الأديان وأفضلها الإسلام ولهذا أهل اليقين يسألون الله تعالى أن يتوفاهم مسلمين ولما أيقن فرعون بالهلاك زعم أنه من المسلمين.
    3- فضل لا إله إلا الله فقد ورد أن جبريل كان يحول بين فرعون وبين أن يقول: لا إله إلا الله فينجو فلم يقلها فغرق وكان من الهالكين.
    4- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس في هذه الحياة غافلون عما يراد بهم ولهم ولم ينتبهوا حتى يهلكوا.
    __________

    1 {بغياً} منصوب على الحال. و {عدوا} معطوف عليه، وكان اتباع فرعون بني إسرائيل بغيا وعدوا لأنه ليس له شائبة حق في منعهم من الخروج من بلاده إلى بلادهم.
    2 جاوزنا وجوّزنا: بمعنى واحد.
    3 قال القرطبي: كان بنو إسرائيل ستمائة وعشرين ألفاً، وكان جيش فرعون ألفي ألف وستمائة ألف. أي مليونين ونصفاً وزيادة.
    4 تبع واتبع بمعنى واحد إذا لحقه وأدركه، وأمّا اتبع بالتشديد فإن معناه: سار خلفه.
    5 روى الترمذي وحسّنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت انه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من وحل البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمه" وحل البحر: الطين الأسود الذي بكون في أسفله، ومعنى تدركه الرحمة: أي يقول لا اله إلا الله.
    6 لأنّ التوبة تقبل من العبد ما لم يرَ علامات الموت بمشاهدة الملائكة، وفي الحديث الصحيح: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر".

    ****************************** ************
    وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
    شرح الكلمات:
    مبوأ صدق: أي أنزلناهم منزلاً صالحاً طيباً مرضياً.
    من الطيبات: أي من أنواع الأرزاق الطيبة الحلال.
    حتى جاءهم العلم: وهو معرفتهم أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو النبي المنتظر وأنه المنجي.
    يقضي بينهم: يحكم بينهم.
    فيما كانوا في يختلفون: وأي في الذي اختلفوا من الحق فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار.
    معنى الآية الكريمة:
    هذه خاتمة الحديث عن موسى وبني إسرائيل بعد أن نجاهم الله من عدوهم بإهلاكه في اليم قال تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} أي أنزلناهم مبوأ صالحاً طيباً وهو بلاد فلسطين من أرض الشام المباركة1، وذلك بعد نجاتهم من التيه ودخولهم فلسطين بصحبة نبي الله يوشع بن نون عليه السلام، وقوله {ورزقناهم من الطيبات} إذ أرض الشام أرض العسل والسمن والحبوب والثمار واللحم والفحم وذكر هذا إظهار لنعم الله تعالى ليشكروها. وقوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} يريد أن بني إسرائيل الذين أكرمهم ذلك الإكرام العظيم كانوا قبل مبعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متفقين على دين واحد منتظرين النبي المنتظر المبشر به في التوراة الذي سينقذ بني إسرائيل مما حل بهم من العذاب والاضطهاد على أيدي أعدائهم الروم، فلما جاءهم وهو العلم وهو القرآن والمنزل عليه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختلفوا فمنهم من آمن به2، ومنهم من كفر. وقوله تعالى في خطاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إن ربك يقضي3 بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} من أمر الإيمان لك واتباعك واتباع ما جئت به من الهدى ودين الحق، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكفار النار.
    هداية الآية الكريمة:
    من هداية الآية الكريمة:
    1- بيان إكرام الله تعالى لبني إسرائيل.
    2- الرزق الطيب هو ما كان حلالاً لا ما كان حراماً.
    3- إذا أراد الله هلاك أمة اختلف بسبب العلم الذي هو في الأصل سبب الوحدة الوئام.
    4- حرمة الاختلاف في الدين إذ كان يؤدي إلى4 الانقسام والتعادي والتحارب.
    5- يوم القيامة هو يوم الفصل الذي يقضي الله تعالى فيه بين المختلفين بحكمه العادل.
    __________

    1 وروي ان ابن عباس رضي الله عنهما قال: في المبوأ الصدق: هو بنو قريظة وبنو النضير، وأهل عصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقرينة: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} الذي هو القرآن يحمله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرينة ما في التفسير هي أنّ الحديث كان في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك فرعون وهو يناسبه أن يكون المبوأ: أرض فلسطين والشام.
    2 كعبد الله بن سلام وأمثاله.
    3 يقضي: معناه يحكم، فيحكم لأهل الإيمان والاستقامة بدخول الجنة ويحكم لأهل الكفر والضلال النار.
    4 مثال الاختلاف الذي لا يؤدي إلى الانقسام والتعادي والتحارب: الخلاف الفقهي بين الأئمة الأربعة، ومثال الخلاف المفضي إلى التعادي والتحارب الخلاف بين أهل السنة والفرق الضالة كالخوارج والروافض وأمثالهما.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #488
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (14)
    الحلقة (487)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 507الى صــــ 512)


    فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97)

    شرح الكلمات:
    شك:. ما قابل التصديق فالشاك غير المصدق.
    مما أنزلنا إلبك: أي في أن بني إسرائيل لم يختلفوا إلا من1 بعد ما جاءهم العلم.
    الكتاب: أي التوراة والإنجيل.
    فلا تكونن من الممترين: أي لا تكونن من الشاكين.
    حقت عليهم: أي وجبت لهم النار بحكم الله بذلك في اللوح المحفوظ.
    حتى يروا العذاب: أي يستمرون على تكذيبهم حتى يروا العذاب يؤمنوا حيث لا ينفع الإيمان2.
    معنى الآيات:
    يقرر تعالى نبوة رسوله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل3 الذين يقرأون الكتاب من قبلك} أحبار اليهود ورهبان النصارى فإنهم يعرفون نعوتك وصفاتك في التوراة والإنجيل وإنك النبي الخاتم والمنقذ وأن من آمن بك نجا ومن كفر هلك وهذا من باب الفرض وليكون تهييجاً للغير ليؤمن وإلا فهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال: {لا أشك ولا أسأل" وقوله {لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} ، يقسم تعالى لرسوله بأنه قد جاءه الحق من ربه وهو الحديث الثابت بالوحي الحق وينهاه أن يكون من الممترين أي الشاكين في صحة الإسلام، وأنه الدين الحق الذي يأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقوله {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} أي وينهاه أيضاً أن يكون من الذين كذبوا بوحي الله وشرعه ورسوله المعبر عنها بالآيات لأنها حاملة لها داعية إليها، فتكون من الخاسرين يوم القيامة. وهذا كله من باب ("إياك أعني واسمعي يا جاره") وإلا فمن غير الجائز أن يشك الرسول أو يكذب بما أنزل عليه من الآيات الحاملة من الشرائع والأحكام. وقوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية} هو كما أخبر عز وجل فالذين قضى4 الله بعذابهم يوم القيامة فكتب ذلك في كتاب المقادير عنده هؤلاء لا يؤمنون أبداً مهما بذل في سبيل إيمانهم من جهد في تبيين الحق وإقامة الأدلة وإظهار الحجج عليهم وفي هذا تسلية لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جراء ما يألم له ويحزن من إعراض كفار قريش وعدم استجابتهم وقوله {ولو جاءتهم كل آية} تأكيد للحكم السابق وهو أن الذي حكم الله بدخولهم النار لا يؤمنون ولا يموتون إلا كافرين لينجز الله ما وعد ويمضي ما قضى وحكم. وقوله: {حتى يروا العذاب الأليم} أي يستمرون على كفرهم بك وبما جئت به حتى يشاهدوا العذاب الأليم وحينئذ يؤمنون كما آمن فرعون عندما أدركه الغرق ولكن لم ينفعه إيمانه فكذلك هؤلاء المشركون من
    قومك الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم وعندئذ لا ينفعهم إيمانهم.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- تقرير نبوة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    2- سؤال من لا يعلم من يعلم.
    3- التكذيب بآيات الله كفر وصاحبه من الخاسرين.
    4- الشك والافتراء في أصول الدين وفروعه كفر.
    5- تقرير عقيدة القضاء والقدر، وإن الشقي من شقي في كتاب المقادير5 والسعيد من سعد فيه.
    6- عدم قبول توبة من عاين العذاب في الدنيا بأن رأى ملك الموت وفي الآخرة بعد أن يبعث ويشاهد أهوال القيامة.
    __________

    1 هذا وجه من جملة أوجه فَسّرت بها الآية.
    2 لا خلاف في أن الإيمان كالتوبة لا يقبلان عند معاينة الموت ففي سورة النساء قال تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا جاء أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار} . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
    3 لا حاجة إلى طلب حلول بعيدة لحلّ ما في ظاهر الآية من إشكال، إذ لهذه الآية نطير وهو قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} معنى الآية: أنّ الله تعالى يوجه الخطاب إلى رسوله، وأحبّ الخلق إليه ليكون غيره من باب أولى ألف مرة ومرّة وإلا فالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يشك ولا يسأل وكيف يشك ويسأل وهو يتلقى الوحي من ربّه؟ وقد قال وقت ما نزلت الآية: "لا أشك ولا أسأل"، وتوجيهنا للآية في التفسير في غاية الوضوح، والحمد لله.
    4 إن قيل: كيف يعذبهم لمجرد أن كتب ذلك عليهم؟ قلنا في الجواب إنه ما كتب شقوة نفس أو سعادة أخرى حتى علم ما ستفعله النفس باختيارها من كفر أو إيمان أو خير أو شر.
    5 طالع النهر، فقد أوردنا سؤالاً عن هذه المسألة وأجبنا عنه تحت رقم (3) بما يكفي ويغني بإذن الله تعالى.

    ****************************** ***********
    فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُم ْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (100)
    شرح الكلمات:
    فلولا: أداة تحضيض هنا بمعنى هلاّ وفيها معنى التوبيخ والنفي.
    قرية آمنت: أي أهل قرية آمنوا.
    يونس: هو يونس بن مَتَّى نبي الله ورسوله1.
    إلى حين: أي إلى وقت انقضاء آجالهم.
    أفأنت تكره الناس: أي إنك لا تستطيع ذلك.
    إلا بإذن الله.: أي بإرادته وقضائه.
    الرجس: أي العذاب
    معنى الآيات:
    بعد أن ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الخسران لازم لمن كذب بآيات الله، وأن الذين وجب لهم العذاب لإحاطة ذنوبهم بهم لا يؤمنون لفقدهم الاستعداد للإيمان ذكر هنا ما يحض به أهل مكة على الإيمان وعدم الإصرار على الكفر والتكذيب فقال: {فلولا2 كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} أي فهلا أهل قرية آمنوا فانتفعوا بإيمانهم فنجوا من العذاب اللازم لمن لم يؤمن أي لِمَ لا يؤمنون وما المانع من إيمانهم وهذا توبيخ لهم.
    وقوله {إلا قوم3 يونس4 لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} فلم نهلكهم بعذاب استئصال وإبادة شاملة لأنهم لما رأوا أمارات العذاب بادروا إلى التوبة قبل نزوله بهم فكشف الله تعالى عنهم العذاب، ومتعهم بالحياة إلى حين انقضاء آجالهم فما لأهل أم القرى لا يتوبون كما تاب أهل نَيْنَوى من أرض الموصل وهم قوم يونس عليه السلام.
    وقوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً} يحمل دلالتين الأولى أن عرض الله تعالى الإيمان على أهل مكة وحضهم عليه وتوبيخهم على تركه لا ينبغي
    أن يفهم منه أن الله تعالى عاجز عن جعلهم يؤمنون بل لو شاء إيمانهم لآمنوا كما لو شاء إيمان أهل الأرض جميعاً لآمنوا والثانية تسلية الرسول والتخفيف عنه من ألم وحزن عدم إيمان قومه وهو يدعوهم بجد وحرص ليل نهار فأعلمه ربه أنه لو شاء إيمان كل من في الأرض لآمنوا، ولكنه التكليف المترتب عليه الجزاء فيعرض الإيمان على الناس عرضاً لا إجبار معه فمن آمن نجا، ومن لم يؤمن هلك وبدل على هذا قوله له {أفأنت تكره5 الناس حتى يكونوا مؤمنين} أي إن هذا ليس لك، ولا كلفت به، وقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} تقرير وتأكيد لما تضمنه الكلام السابق من أن الإيمان لا يتم لأحد إلا بإرادة الله وقضائه، وقوله تعالى: {ويجعل الرجس6 على الذين لا يعقلون} أي إلا أنه تعالى يدعو الناس إلى الإيمان مبيناً لهم ثمراته الطيبة ويحذرهم من التكذيب مبيناً لهم آثاره السيئة فمن آمن نجاه وأسعده ومن لم يؤمن جعل الرجس الذي هو العذاب عليه محيطاً به جزاء له لأنه لا يعقل إذ لو عقل لما كذب ربه وكفر به وعصاه وتمرد عليه وهو خالقه ومالك أمره.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده دعوته إياهم إلى الإيمان به وحضهم عليه.
    2- قبول التوبة قبل معاينة العذاب، ورؤية العلامات لا تمنع من التربة.
    3- إرادة الله الكونية التي يكون بها الأشياء لا تتخلف أبداً، وإرادته الشرعية التكليفية جائزة التخلف.
    لا إيمان إلا بإذن الله وقضائه فلذا لا ينبغي للداعي أن يحزن على عدم إيمان الناس إذا دعاهم ولم يؤمنوا لأن الله تعالى كتب عذابهم أزلاً وقضى به.
    __________

    1 احد أنبياء بني إسرائيل.
    2 لولا حرت الأصل فيها أنها للتحضيض، وهو طلب الفعل بحثّ، ولكن إذا دخلت على ماض لم تصبح للتحضيض قطعاً بل للتغليط والتنديم والتوبيخ، وهي هنا لتغليط أهل مكة وتوبيخهم وتنديمهم على إصرارهم على الكفر وعدم توبتهم كما تاب قوم يونس حتى ينجوا من العذاب كما نجوا.
    3 كان هؤلاء القوم خليطاً من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر، وكانت بعثة يونس عليه السلام إليهم في بداية القرن الثامن قبل المسيح عليه السلام.
    4 إن قوم يونس كانوا بقرية تسمّى نينوي من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، أقام في قومه يدعوهم إلى التوحيد وترك الشرك تسع سنين فيئس من إيمانهم فتوعدهم بالعذاب وخرج من بين أظهرهم وتركهم فلمّا رأوا ذلك خافوا نزول العذاب بهم فجأروا إلى الله تعالى بالاستغفار والدعاء والضراعة يا حي حين لا حي يا حي محيي الموتى يا حي لا إله إلا أنت ارفع عنا العذاب وقد ظهرت أماراته، فكشف الله عنهم العذاب كما قال تعالى: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} .
    5 الاستفهام: إنكاري ينكر تعالى على رسوله شدّة حرصه على إيمان قومه، حتى لكأنه يريد إكراههم على الإيمان به وبما جاء به من التوحيد.
    6 الرجس: بضم الراء وكسرها: العذاب.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #489
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (15)
    الحلقة (488)
    تفسير سورة يونس مدنية
    المجلد الثانى (صـــــــ 512الى صــــ 516)

    قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِين َ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
    شرح الكلمات:
    ماذا في السموات والأرض: أي من عجائب المخلوقات، وباهر الآيات.
    وما تغني الآيات والنذر: أي ما تغني أيِّ إغناء إذا كان القوم لا يؤمنون.
    فهل ينتظرون.: أي ما ينتظرون.
    خلوا من قبلهم: أي مضوا من قبلهم من الأمم السابقة.
    قل فانتظروا: أي العذاب.
    ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا: أي من العذاب المنتظر.
    كذلك: أي كذلك الإنجاء ننج المؤمنين.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في دعوة قريش إلى الإيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: {قل انظروا1 ماذا في السموات والأرض} من سائر المخلوقات وما فيها من عجائب الصنعة، ومظاهر الحكمة والرحمة والقدرة فإنها تدعو إلى الإيمان بالله رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، وتفند دعوى ألوهية الأصنام والأحجار.
    ثم قال تعالى: {وما تغني الآيات والنذر} أي الرسل في هداية قوم قضى الله تعالى أزلاً أنهم لا يؤمنون حتى ينتهوا إلى ما قدر لهم وما حكم به عليهم من عذاب الدنيا والآخرة ولكن لما كان علم ذلك إلى الله تعالى فعلى النذر أن تدعو وتبلغ جهدها والأمر لله من قبل ومن بعد. وقوله: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين2 خلوا من قبلهم} أي إنهم ما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلفوا من قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم دعتهم رسلهم وبلغتهم دعوة ربهم إليهم إلى الإيمان والتوحيد والطاعة فاعرضوا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب.
    ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم {فانتظروا3} أي ما كتب عليكم من العذاب إن لم تتوبوا إليه وتسلموا {إني معكم من المنتظرين} فإن كان العذاب فإن سنة الله فيه أن يهلك الظالمين المشركين المكذبين وينجي رسله والمؤمنين وهو معنى قوله تعالى4 في الآية الأخيرة (103) {ثم ننجى5 رسلنا والذين آمنوا، كذلك} أي الإنجاء {حقاً علينا6 ننج المؤمنين} .
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- لا تنفع الموعظة مهما بولغ فيها عبداً كُتب أزلاً أنه من أهل النار.
    2- ما ينتظر الظلمة في كل زمان ومكان إلا ما حل بمن ظلم من قبلهم من الخزي والعذاب.
    3- وعد الله تعالى ثابت لأوليائه بإنجائهم من الهلاك عند إهلاكه الظلمة المشركين.
    __________

    1 الفاء للتفريغ فالكلام متفرّع على جملة ما تغني الآيات والنذر. والاستفهام إنكاري تهكمي، وفيه معنى النفي أيضاً، والنكات لا تتزاحم.
    2 المراد من الأيام: العذاب الذي يقع فيها، ويقال فيها الوقائع وهو نحو قولهم: أيام العرب، فلان عالم بأيام العرب أي: ما جرى فيها من أحداث ومنه قوله تعالى: {وذكرهم بأيّام الله} أي: بالعذاب الذي وقع فيها.
    3 الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها واقعة موقع جواب سؤال تقديره: نحن أولاء منتظرون وأنت ماذا تفعل؟
    4 {حقا علينا} جملة معترضة لأن المصدر يدل على الفعل، والتقدير أي: حق ذلك علينا حقا أي: أحققناه حقا علينا.
    5 {ننجي} قرىء بالتخفيف، والتشديد، والمعنى واحد، وفي المصحف ننج بدون ياء لالتقاء الساكنين.
    6 إن انتظار العذاب منذر بنزوله قريباً بديارهم والرسول معهم فمن هنا عطف جملة {ثم ننجي رسلنا} فأعلمهم بنجاة الرسل فكانت بشرى للرسول والمؤمنين.

    ************************
    قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
    شرح الكلمات:
    من دينى: أي الإسلام في أنه حق.
    يتوفاكم: أي يقبض أرواحكم فيميتكم.
    وأن أقم وجهك للدين حنيفاً: أي أمرني ربى أن أقم وجهي للدين الإسلامي حنيفاً أي مائلاً عن كل الأدبان إليه دون غبره.
    مالا ينفعك ولا يضرك: أي آلهة لا تنفع ولا تضر وهي أصنام المشركين وأوثانهم.
    إنك إذاً من الظالمين: أي انك إذا دعوتها من المشركين الظالمين لأنفسهم.
    فلا كاشف له إلا هو: أي لا مزيل للضُّر ومبعده عمن أصابه إلا هو عز وجل.
    يصيب به: أي بالفضل والرحمة.
    وهو الغفور الرحيم: أي لذنوب عباده التائبين الرحيم بعباده المؤمنين.
    معنى الآيات:
    بعد أن بين تعالى طريق الهدى وطريق الضلال وأنذر وحذر وواعد وأوعد في الآيات السابقة بما لا مزيد عليه أمر رسوله هنا أن يواجه المشركين من أهل مكة وغيرهم بالتقرير التالي فقال: {قل يا أيها الناس} أي مشركي مكة والعرب من حولهم {إن كنتم في شك} وريب1 في صحة ديني الإسلام الذي أنا عليه وأدعو إليه، {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} فمجرد شككم في صحة ديني لا يجعلني أعبد أوثاناً وأصناماً لا تنفع ولا تضر، {ولكن أعبد الله} الذي ينفع ويضر، يحيى ويميت، الله الذي يتوفاكم أي يميتكم بقبض أرواحكم فهو الذي يجب أن يعبد ويخاف ويرهب {وأمرت أن أكون من المؤمنين} أي أمرني ربي أن أومن به فأكون من المؤمنين فآمنت وأنا من المؤمنين. وقوله تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين} أي وأوحى إليّ ربي آمراً إياي بأن أقيم وجهي لدينه2 الحق فلا ألتفت إلى غيره من الأديان الباطلة، ونهاني مشدداً عليّ أن أكون من المشركين الذين يعبدون معه آلهة أخرى بعد هذا الإعلان العظيم والمفاصلة الكاملة والتعريض الواضح بما عليه أهل مكة من الضلال والخطأ الفاحش، واجه الله تعالى رسوله بالخطاب وهو من باب "إياك أعنى واسمعي يا جاره" فنهاه بصريح القول أن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره وهو كل المعبودات ما سوى الله عز وجل فقال: {ولا تدع من دون ما لا ينفعك} أي لا يجلب لك نفعاً ولا يدفع عنك ضراً، ولا يضرك بمنع خير عنك، ولا بإنزال شربك فإن فعلت بأن دعوت غير الله فإنك إذاً من الظالمين، ولما كان دعاء النبي غير الله ممتنعاً فالكلام إذاً تعريض بالمشركين وتحذير للمؤمنين، وقوله تعالى: في خطاب رسوله: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له} 3 عنك {إلا هو} عز وجل، {وإن يردك بخير} من الخيور عافية وصحة رخاء ونصر {فلا راد لفضله} أي ليس هناك من يرده عنك بحال من الأحوال، وقوله: {يصيب} 4 أي بالفضل والخير والنعمة {من يشاء من عباده} إذ هو الفاعل المختار، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقوله: {وهو الغفور الرحيم} بيان لصفات الجلال والكمال فيه فإنه تعالى يغفر ذنوب التائبين إليه مهما بلغت في العظم، ويرحم عباده المؤمنين مهما كثروا في العدد، وبهذا استوجب العبادة بالمحبة والتعظيم والطاعة والتسليم.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات
    1- على المؤمن أن لا يترك الحق مهما شك وشكك فيه الناس.
    2- تحريم الشرك ووجوب تركه وترك أهله..
    3- دعاء غير الله مهما كان المدعو شرك محرم فلا يحل أبداً، وإن سموه توسلاً.
    4- لا يؤمن عبد حتى يوقن أن ما أراده الله له من خير أو شر لا يستطيع أحد دفعه ولا تحويله بحال من الأحوال، وهو معنى حديث5: "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك".
    __________

    1 أي: إن كنتم في شك من صحة ديني فأنا غير شاكٍ في صحته وبطلان دينكم فلذا لا أعبد الذين تعبدون. من دون الله.
    2 الأمر بإقامة الوجه لله كناية عن توجه النفس والإقبال بها على الله تعالى فلا تلتفت راغبة ولا راهبة إلى غير الله تعالى، وهذا كإسلام الوجه لله تعالى في آية: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن} ولازمه ترك كل دين إلى دين الله عزّ وجل.
    3 تنكير ضرّ، كتنكير خير يُراد به النوعية الصالحة للقلة والكثرة.
    4 يقال: أصابه بكذا: إذا أورده عليه ومسّه به.
    5 هذا الكلام مستأنف يحمل إعلاناً عظيماً لأهل مكة أوّلاً، وللناس كافّة ثانياً مفاده: مجيئهم الرسول محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق من ربهم وهو الدين الإسلامي فمن دخل فيه اهتدى إلى طريق سعادته ومن أعرض عنه ضل طريق نجاته وسعادته.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #490
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (16)
    الحلقة (489)
    تفسير سورةهود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 516الى صــــ 521)


    قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
    شرح الكلمات:
    يا أيها الناس: أي يا أهل مكة.
    قد جاء الحق: أي الرسول يتلو القرآن ويبين الدين الحق.
    من اهتدى: أي آمن بالله ورسوله وعبد الله تعالى موحداً له.
    ومن ضل: أي أبى إلا الإصرار على الشرك والتكذيب والعصيان.
    فعليها: أي وبال الضلال على نفس الضال كما أن ثواب الهداية لنفس المهتدي.
    وما أنا عليكم بوكيل: أي بمجبر لكم على الهداية وإنما أنا مبلغ ونذير.
    واصبر حتى يحكم الله: أي في المشركين بأمره.
    خير الحاكمين: أي رحمة وعدلاً وإنفاذاً لما يحكم به لعظيم قدرته.
    معنى الآيتين:
    هذا الإعلان الأخير في هذه السورة يأمر الله تعالى رسوله أن ينادى المشركين بقوله:
    {يا أيها الناس} وهو نداء عام يشمل البشرية كلها وإن أريد به ابتداء أهل مكة {قد جاءكم الحق من ربكم} وهو القرآن يتلوه رسول الله وفيه بيان الدين الحق الذي لا كمال للإنسان له إلا بالإيمان به والأخذ الصادق بما تضمنه من هدى. وبعد فمن اهتدى بالإيمان والاتباع فإنما ثواب هدايته لنفسه إذ هي التي تزكو وتَطْهُر وتتأهل لسعادة الدارين، ومن ضل بالإصرار على الشرك والكفر والتكذيب فإنما ضلاله أي جزاء ضلاله عائد على نفسه إذ هي التي تَتَدَسَّى وتخبُث وتتأهل لمقت الله وغضبه وأليم عقابه. وما على الرسول المبلغ من ذلك شيء، إذ لم يوكل إليه ربه هداية الناس بل أمره أن يصرح لهم بأنه ليس عليهم بوكيل {وما أنا عليكم بوكيل} 1 وقوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك} 2 أمر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتزام الحق باتباع ما يوحى إليه من الأوامر والنواهي وعدم التفريط في شيء من ذلك، ولازم هذا وهو عدم اتباع ما لا يوحى إليه به ربه وقوله: {واصبر حتى يحكم الله3 وهو خير الحاكمين} أمر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصبر على اتباع الوحي والثبات على الدعوة وتحمل الأذى من المشركين إلى غاية أن يحكم الله فيهم وقد حكم فأمره بقتالهم فقتلهم في بدر وواصل قتالهم حتى دانوا لله بالإسلام ولله الحمد والمنَّة، وقوله {وهو خير الحاكمين} 4 ثناء على الله تعالى بأنه خير من يحكم وأعدل من يقضي لكمال علمه وحكمته، وعظيم قدرته، وواسع رحمته.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات
    1- تقرير أن القرآن والرسول حق والإسلام حق.
    2- تقرير مبدأ أن المرء يشفى ويسعد بكسبه لا بسكب غيره. 5
    3- وجوب اتباع الوحي الإلهي الذي تضمنه القرآن والسنة الصحيحة.
    4- فضيلة الصبر وانتظار الفرج من الله تعالى.
    __________

    1 هذه الجملة داخلة ضمن الإعلان، وهي أن يعلم أهل مكة والناس من حولهم أن الرسول المبلّغ الإسلام لهم غير موكل بهدايتهم وأنّ أمر ذلك متروك لهم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضلّ، وما عليه إلا البلاغ. وقد بلّغ.
    2 هذا إرشاد للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يلزم المنهج الذي وضعه له بطريق الوحي ولا يخرج عنه بحال فإِنه سبيل نجاته ونجاة المؤمنين معه.
    3 هذا إرشاد آخر له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصبر على إبلاغ أهل مكة ومن حولهم دعوة الله حتى يحكم الله بينه وبينهم بنصر رسوله والمؤمنين، وخذلان الكفر والكافرين.
    4 خير هنا بمعنى أخير اسم تفضيل، وإنما عدل عن أخير إلى خير لكثيرة الاستعمال كاسم شرّ أيضاً، وقد يأتي لفظ شر وخير لغير تفضيل.
    5 شواهد هذه الحقيقة في المراد كثيرة منها: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها} ومنها: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ومنها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} .
    ****************************** *

    سورة هود
    مكية 2



    الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
    أحكمت: أي نظمت نظماً متقناً ورصفت ترصيفاً لا خلل فيه.
    فصلت: أي ببيان الأحكام، والقصص والمواعظ، وأنواع الهدايات.
    من لدن: أي من عند حكيم خبير وهو الله جل جلاله.
    متاعاً حسناً: أي بطيب العيش وسعة الرزق.
    إلى أجل مسمى.: أي موت الإنسان لأجله الذي كتب له.
    ويؤت كل ذي فضل: أي ويعط كل ذي عمل صالح فاضل جزاءه الفاضل.
    عذاب يوم كبير: هو عذاب يوم القيامة.
    يثنون صدورهم: أي يطأطئون رؤوسهم فوق صدورهم ليستتروا عن الله في زعمهم.
    يستغشون ثيابهم: يغطون رؤوسهم ووجوههم حتى لا يراهم الله في نظرهم الباطل.
    معنى الآيات:
    قوله تعالى {آلر} هذا الحرف مما هو متشابه ويحسن تفويض معناه إلى الله فيقال: الله أعلم بمراده بذلك. وإن أفاد فائدتين الأولى: أن القرآن الكريم الذي تحداهم الله بالإتيان بمثله أو بسورة من مثله قد تألف من مثل هذه الحروف: آلم، آلر، طه، طس حم، ق، ن، فألفوا مثله فإن عجزتم فاعلموا أنه كتاب الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا به، والثانية أنهم لما كانوا لا يريدون سماع القرآن بل أمروا باللغو عند قراءته، 1 ومنعوا الاستعلان به جاءت هذه الحروف على خلاف ما ألفوه في لغتهم واعتادوه في لهجاتهم العربية فاضطرتهم إلى سماعه فإذا سمعوا تأثروا به وآمنوا ولنعم الفائدة أفادتها هذه الحروف المقطعة.
    وقوله تعالى {كتاب2 أحكمت آياته} أي المؤلف من هذه الحروف كتاب عظيم أحكمت آياته أي رصفت ترصيفاً ونظمت تنظيماً متقناً لا خلل فيها ولا في تركيبها ولا معانيها، وقوله: {ثم فصلت} أي بين ما تحمله من أحكام وشرائع، ومواعظ وعقائد وآداب وأخلاق بما لا نظير له في أي كتاب سبق، وقوله: {من لدن حكيم خبير} أي تولى تفصيلها حكيم خبير، حكيم في تدبيره وتصرفه، حكيم في شرعه وتربيته وحكمه وقضائه، خبير بأحوال عباده وشؤون خلقه، فلا يكون كتابه ولا أحكامه ولا تفصيله إلا المثل الأعلى في كل ذلك.
    وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} أي أنزل الكتاب وأحكم آيَةُ وفصَّل أحكامه وأنواع هدايته بأن3 لا تعبدوا إلا الله إذ لا معبود حق إلا هو ولا عبادة تنفع إلا عبادته. وقوله {إنني لكم منه نذير وبشير} هذا قول رسوله المبلغ عنه يقول أيها الناس إني لكم منه أي من ربكم الحكيم العليم نذير بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا فتؤمنوا وتوحدوا. وبشير أي أبشر من آمن ووحد وعمل صالحاً بالجنة في الآخرة {وأن استغفروا4 ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى} أي وبأن تستغفروا ربكم باعترافكم بخطأكم بعبادة غيره، ثم تتوبوا إليه أي ترجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وطاعته في أمره ونهيه، ولكم جزاء على ذلك وهو أن يمتعكم في هذه الحياة متاعاً حسناً بالنعم الوفيرة والخيرات الكثيرة إلى نهاية آجالكم المسماة لكل واحد منكم. وقوله {ويؤت كل ذي فضل فضله} 5 أي ويعط سبحانه وتعالى كل صاحب فضل في الدنيا من بر وصدقة وإحسان فضله تعالى يوم القيامة في دار الكرامة الجنة دار الأبرار. وقوله: {وإن تولوا} أي تعرضوا عن هذه الدعوة فتبقوا على شرككم وكفركم {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} وهو عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم} يخبرهم تعالى بعد أن أنذرهم عذاب يوم القيامة بأن مرجعهم إليه تعالى لا محالة فسوف يحييهم بعد موتهم ويجمعهم عنده ويجزيهم بعدله ورحمته {وهو على كل شيء قدير} ومن ذلك إحياؤهم بعد موتهم ومجازاتهم السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها وهذا هو العدل والرحمة اللذان لا نظير لهما.
    وقوله تعالى: {ألا إنهم يثنون6 صدورهم ليستخفوا منه} هذا النوع من السلوك الشائن الغبي كان بعضهم يثني صدره أي يطأطىء رأسه ويميله على صدره حتى لا يراه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعضهم يفعل ذلك ظناً منه أنه يخفي نفسه عن الله تعالى وهذا نهاية الجهل، وبعضهم يفعل ذلك بغضاً للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لا يراه فرد تعالى هذا بقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم} أي يتغطون بها {يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} فلا معنى لاستغشاء الثياب استتاراً بها عن الله تعالى فإن الله يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما تخفي صدورهم وإن كانوا يفعلون ذلك بغضاً7 للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبئس ما صنعوا وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.
    هداية الآيات.
    من هداية الآيات:
    1- مظهر من مظاهر إعجاز القرآن وهو أنه مؤلف من الحروف المقطعة ولم تستطع العرب الإتيان بسورة مثله.
    2- بيان العلة في إنزال الكتاب وأحكام آية وتفصيلها وهي أن يعبد الله تعالى وحده وأن تستغفره المشركون ثم يتوبون إليه ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة.
    3- وجوب التخلي عن الشرك أولا، ثم العبادة الخالصة ثانياً.
    4- المعروف لا يضيع عند الله تعالى إذا كان صاحبه من أهل التوحيد {ويؤت8 كل ذي فضل فضله} .
    5- بيان جهل المشركين الذين كانوا يستترون عن الله برؤوسهم وثيابهم9.
    6- مرجع الناس إلى ربهم شاءوا أم أبوا والجزاء عادل ولا يهلك على الله إلا هالك.
    __________

    1 شاهده في قوله تعالى من سورة (فصلت) : {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} .
    2 التنكير في {كتاب} للتفخيم والتعظيم، والأحكام أصله: إتقان الصنعة مشتق من الحكمة التي هي وضع الشيء في موضعهء فإحكام الآيات: سلامتها من الأخلال: التي تعرض لنوعها كمخالفة الواقع، والخلل في اللّفظ أو في المعنى.
    3 فالباء سببية، وأن: تفسيرية، إذ لو سأل سائل فقال: لم أحكمت الآيات ثم فُصلت؟ لكان الجواب: بأن لا يعبد إلا الله وأن يُستغفر وان يتاب إليه تعالى.
    4 إن قيل: لم قدّم الاستغفار عن التوبة؟ فالجواب: بأن العبد لا يستغفر إلاّ إذا علم أنه أذنب، ولا يتوب العبد حتى يعلم أنه مذنب وعندها يتوب فهذا سرّ تقديم الاستغفار عن التوبة.
    5 هذا كقوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} فالفضل الأوّل من العبد، وهو العمل الصالح، والفضل الثاني من الرّب وهو دخول الجنة.
    6 روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة ويظهرون خلافه، ونزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنطق يلقى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء، وقيل نزلت في بعض المنافقين كان أحدهم إذا مرّ به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطّى وجهه كي لا يراه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيدعوه إلى الإيمان.
    7 لا مانع من توجيه الآية إلى هذا إذ مازال الناس إلى اليوم، إذا كرهوا الداعية إلى الله تعالى لا يحبون أن يروه أو يسمعوا صوته وقد يثنون صدورهم ويغطون وجوههم حتى لا يروه بغضاً له وكرهاً. والله عليم خبير.
    8 الثني: الطيّ، طوى الثوب إذ ثناء، وهو مأخوذ من جعل الواحد اثنين.
    9 أي: يطأطئون رؤوسهم على صدورهم ويتغطون بثيابهم إذ روي أن المشرك كان يدخل بيته ويرخي الستر عليه، ويستغشي ثوبه ويحنى ظهره ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي؟ وذلك لجهلهم بعظمة الله تعالى وقدرته وعلمه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #491
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة يونس - (1)
    الحلقة (490)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 522الى صــــ 526)


    الجزء الثاني عشر
    وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَه َا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (8)
    شرح الكلمات:
    من دابّة: أي حيّ يدبّ على الأرض أي يمشي من إنسان وحيوان.
    مستقرها: أي مكان استمرارها من الأرض.
    ومستودعها: أي مكان استيداعها قبل استقرارها كأصلاب الرجال وأرحام النساء.
    في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ.
    في ستة أيام: أي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.
    وكان عرشه على الماء: إذ لم يكن قد خلق شيئاً من المخلوقات سواه، والماء على الهواء.
    ليبلوكم: أي ليختبركم ليرى أيكم أحسن عملاً.
    إلى أمة معدودة: أي إلى طائفة من الزمن معدودة.
    وحاق بهم: أي نزل وأحاط بهم.
    معنى الآيات:
    لما أخبر تعالى في الآية السابقة انه عليم بذات الصدور ذكر في هذه مظاهر علمه وقدرته تقريراً لما تضمنته الآية السابقة فقال عز وجل {وما من دابّة في الأرض} 1 من إنسان يمشي على الأرض أو حيوان يمشي عليها زاحفاً أو يمشي على رجلين أو أكثر أو يطير في السماء إلا وقد تكفّل الله برزقها أي بخلقه وإيجاده لها وبتعليمها كيف تطلبه وتحصل عليه، وهو تعالى يعلم كذلك مستقرها أي مكان استقرار تلك الدابة في الأرض، كما يعلم أيضاً مستودعها بعد موتها إلى أن تبعث بيوم القيامة.
    وقوله تعالى {كل في كتاب مبين} أي من الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها قد دوّن قبل خلقه في كتاب المقادير اللوح المحفوظ، وقوله تعالى في الآية (7) {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} أي أوجد السموات السبع والأرض وما فيها في ظرف ستة أيام وجائز أن تكون كأيام الدنيا، وجائز أن تكون كالأيام التي عنده وهي ألف سنة لقوله في سورة الحج {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} وقوله {وكان عرشه على الماء} 2 أي خلق العرش قبل خلق السموات والأرض، والعرش: سرير المُلك ومنه يتم تدبير كل شيء في هذه الحياة، وقوله {على الماء} إذ لم يكن أرض ولا سماء فلم يكن إلا الماء كالهواء. وقوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن3 عملاً} أي خلقكم وخلق كل شيء لأجلكم، ليختبركم أيكم أطوع له وأحسن عملا أي بإخلاصة لله تعالى وحده وبفعله على نحو ما شرعه الله وبيّنه رسوله.
    هذه مظاهر علمه تعالى وقدرته وبها استوجب العبادة وحده دون سواه وبها عُلم أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء فكيف يحاول الجهلة إخفاء ما في صدورهم وما تقوم به جوارحهم بثني صدورهم واستغشاء ثيابهم ألا ساء ما يعملون.
    وقوله تعالى {ولئن قلت} - أي أيها الرسول للمشركين- إنكم مبعوثون من بعد الموت،
    أي مخلوقون خلقاً جديداً ومبعوثون من قبوركم لمحاسبتكم ومجازاتكم بحسب أعمالكم في هذه الحياة الدنيا {ليقولن الذين كفروا} أي عند سماع أخبار الحياة الثانية وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب مهين {إن هذا إلا سحر مبين} أي ما يقوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا الكلام ما هو إلا سحر مبين يريد به صرف الناس عن ملذاتهم، وجمعهم حوله ليترأس عليهم ويخدموه، وهو كلام باطل وظن كاذب وهذا شأن الكافر، وقوله تعالى في الآية (8) {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} 4 أي ولئن أخرنا أي أرجأنا ما توعدناهم به من عذاب ألى أوقات زمانية معدودة الساعات والأيام والشهور والأعوام {ليقولن ما يحبسه} أي شيء حبس العذاب يقولون هذا إنكاراً منهم واستخفافاً قال تعالى {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} أي ليس هناك من يصرفه ويدفعه عنهم بحال من الأحوال، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي ونزل بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون بقولهم: ما يحبسه!!؟
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- سعة علم الله تعالى وتكفله بأرزاق5 مخلوقاته من إنسان وحيوان.
    2- بيان خلق الأكوان، وعلة الخلق.
    3- تقرير مبدأ البعث الآخر بعد تقرير الألوهية لله تعالى.
    4- لا ينبغي الاغترار بإمهال الله تعالى لأهل معصيته، فإنه قد يأخذهم فجأة وهم لا يشعرون.
    __________

    1 {وما من دابّة} : ما: نافية، ومن: مزيدة لتقوية النفي ليكون أكثر شمولاً، والتقدير: وما دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها أي: تكفّل الله برزقها فضلا منه ومنّة.
    2 روى البخاري في حديث منه: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء".
    3 قال مقاتل: أيكم اتقى لله، وقال ابن عباس رضي الله عنه أيكم أعمل بطاعة الله عزّ وجلّ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا {أيكم أحسن عملا} قال: أيّكم أحسن عقلا وأروع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله، ولو صحّ هذا الخبر لكان أتمّ وأجمع، وقال الفضيل: أحسن العمل: أخلصه وأصوبه. وهو كما قال.
    4 (إلى أمّة) : أي: إلى أجل معدود وحين معلوم، فالأمّة هنا: المدّة، ولفظ الأمة يطلق على معانٍ منها: الجماعة، وسميت مجموعة السنين أمّة لاجتماعها. والأمّة: أتباع أحد الأنبياء والأمّة، الملّة والدين، والأمّة: الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به.
    5 قيل لحاتم الأصمّ: من أين تأكل؟ فقال من عند الله، فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأنّ ماله إلاّ السماء! يا هذا: الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض، وأنشد يقول:
    وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
    تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ...
    وللضب في البيداء وللحوت في البحر

    ****************************** *****
    وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
    شرح الكلمات:
    أذقنا الإنسان: أي أنلناه رحمة أي غنى وصحة.
    ثم نزعناها منه: أي سلبناها منه.
    يؤوس كفور: أي كثير اليأس أي القنوط شديد الكفر.
    نعماء بعد ضراء: أي خيراً بعد شر.
    السيئات: جمع سيئة وهي ما يسوء من المصائب.
    فرح فخور: كثير الفرح والسرور والبطر.
    صبروا: أي على الضراء والمكاره.
    مغفرة: أي لذنوبهم.
    وأجر كبير: أي الجنة دار الأبرار.
    معنى الآيات:
    يخبر تعالى أن الإنسان1 الذي لم يستنر بنور الإيمان ولم يتحل بصالح الأعمال إن أذاقه الله تعالى رحمة منه برخاء وسعة عيش وصحة بدن، ثم نزعها منه لأمر أراده الله تعالى {إنه} أي ذلك الإنسان {ليؤوس} 2 أي كثير اليأس والقنوط {كفور} لربه الذي أنعم عليه جحود لما كان قد أنعم به عليه.
    وقوله {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء} أي أذقناه طعم نعمة ولذاذة رخاء وسعة عيش وصحة بدن بعد ضراء كانت قد أصابته من فقر ومرض {ليقولن} بدل أن يحمد الله ويشكره على إسعاده بعد شقاء وإغنائه بعد فقر وصحة بعد مرض يقول متبجحاً {ذهب السيئات عني
    إنه لفرح} أي كثير السرور {فخور} كثير الفخر والمباهاة، وهذا علته ظلمة النفس بسبب الكفر والمعاصي، أما الإنسان المؤمن المطيع لله ورسوله فعلى العكس من ذلك إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وذلك لما في قلبه من نور الإيمان وفي نفسه من زكاة الأعمال.
    هذا ما تضمنه قوله تعالى {إلا الذين3 صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة} 4 أي لذنوبهم {وأجر كبير} عند ربهم وهو الجنة دار السلام.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- أن الإنسان قبل أن يطهر بالإيمان والعمل الصالح يكون في غاية الضعف والانحطاط النفسي.
    2- ذم اليأس والقنوط5 وحرمتهما.
    3- ذم الفرح بالدنيا والفخر بها.
    4- بيان كمال المؤمن الروحي المتمثل في الصبر والشكر وبيان جزائه بالمغفرة والجنة.
    __________

    1 الإنسان هنا: اسم جنس يشمل كل إنسان كافر، وإن قيل: إن الآية في كافر معيّن، وهو الوليد بن المغيرة، أو عبد الله بن أبي أميّة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
    2 هو من باب: فحل بفعل يئس ييأس بأساً فهو آيس، وللمبالغة: يؤوس أي: كثير اليأس الذي هو: القنوط بانقطاع الرجاء، وجمله: {إنه ليؤوس كفور} : جواب القسم في قوله: {ولئن أذقنا الإنسان} الخ.
    3 يعني المؤمنين مدحهم بالصبر على الشدائد وهو استثناء من لفظ الإنسان الذي هو بمعنى الناس، فالاستثناء متصل وليس بمنقطع.
    4 {أولئك لهم مغفرة} مبتدأ وخبر، {وأجر كبير} أجر: معطوف، وكبير: نعت.
    5 لقول الله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون} .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #492
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (2)
    الحلقة (491)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 527الى صــــ 531)

    فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
    شرح الكلمات:
    فلعلك: للاستفهام الإنكاري أي لا يقع منك ترك ولا يضق صدرك.
    ضائق به صدرك: أي بتلاوته عليهم كراهية أن يقولوا كذا وكذا.
    كنز: مال كثير تنفق منه على نفسك وعلى أتباعك.
    وكيل: أي رقيب حفيظ.
    افتراه: اختلقه وكذبه.
    من استطعتم: من قدرتم على دعائهم لإعانتكم.
    فهل أنتم مسلمون: أي أسلموا لله بمعنى انقادوا لأمره وأذعنوا له.
    معني الآيات:
    بعد أن كثرت مطالبة المشركين الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يحول لهم جبال مكة ذهباً في اقتراحات منها لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها قال تعالى لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فلعلك نارك بعض ما يوحى إليك} 1 أي لا تتلوه على المشركين ولا تبلغهم إياه لتهاونهم به وإعراضهم عنه {وضائق به صدرك} أي بالقرآن، كراهة أن تواجههم به فيقولوا {لولا أنزل عليه كنز} 2 أي مال كثير يعيش عليه فيدل ذلك على إرسال الله له {أو جاء معه ملك} يدعو بدعوته ويصدقه فيها ويشهد له بها فلا ينبغي أن يكون ذلك منك أي فبلغ ولا يضق صدرك {إنما أنت3 نذير} أي محذر عواقب الشرك والكفر والمعاصي، والله الوكيل على كل شيء أي الرقيب الحفيظ أما أنت فليس عليك من ذلك شيء.
    وقوله تعالى {أم يقولون افتراه} أي بك يقولون افتراه أي افترى القرآن وقاله من نفسه بدون ما أوحي إليه، قل في الرد عليهم {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم} 4 دعوتهم لإعانتكم {إن كنتم صادقين} في دعواكم أني افتريته، فإن لم تستطيعوا ولن
    تستطيعوا فتوبوا إلى ربكم وأسلموا له.
    وقوله {فإن لم يستجيبوا لكم} 5 أي قل لهم يا رسولنا فإن لم يستجب لنصرتكم من دعوتموه وعجزتم {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} 6 أي أنزل القرآن متلبساً بعلم الله وذلك أقوى برهان على أنه وحيه وتنزيله {وأن لا إله إلا هو} 7 أي وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، وأخيراً {فهل أنتم مسلمون} أي أسلموا بعد قيام الحجة عليكم بعجزكم، وذلك خير لكم.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- بيان ولاية الله لرسوله وتسديده له وتأييده.
    2- بيان ما كان عليه المشركون من عناد في الحق ومكابرة.
    3- بيان أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُكَلَّفْ هداية الناس وإنما كلف إنذارهم عاقبة كفرهم وعصيانهم، وعلى الله تعالى بعد ذلك مجازاتهم.
    4- تحدي الله تعالى منكري النبوة والتوحيد بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن فعجزوا وقامت عليهم الحجة وثبت أن القرآن كلام الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله وأن الله لا إله إلا هو.
    مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ8
    __________

    1 {فلعلك..} الخ كلام معناه: الاستفهام أي: هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟ إذ ورد أنهم قالوا له: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتبعناك.
    2 أي: هلا فهي للتحضيض وليست للامتناع.
    3 القصر هنا إضافي إذ معناه أنه مقصور على الإنذار وليس عليه هداية القلوب.
    4 أي: كالكهنة والأعوان والأصنام إذ يعتقدون أنها تنصرهم وتدفع عنهم وإلا لما عدوها مع الله تعالى.
    5 الاستجابة هنا: بمعنى الإجابة والسين والتاء فيه للتأكيد.
    6 العلم: الاعتقاد اليقيني، أي: فأيقنوا أنّ القرآن ما أنزل إلاَّ بعلم الله أي: ملابساً له.
    7 معطوف على جملة: {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي: واعلموا أيضاً موقنين أنه لا إله إلا الله. حيث قامت الحجة عليهم بعجز آلهتهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن.
    8 روى مسلم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".

    ****************************** *******
    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
    شرح الكلمات:
    زينة الحياة الدنيا: المال والولد وأنواع اللباس والطعام والشراب.
    توفّ إليهم: نعطهم نتاج أعمالهم وافياً.
    لا يبخسون: أي لا ينقصون ثمرة أعمالهم.
    وحبط: أي بطل وفسد.
    على بينة من ربه.: أي على علم يقيني.
    ويتلوه شاهد منه: أي يتبعه.
    كتاب موسى: أي التوراة.
    ومن يكفر به: أي بالقرآن.
    فالنار موعده: أي مكان وعد به فهو لا محالة نازل به.
    في مرية منه: أي في شك منه.
    معنى الآيات:
    لما أقام الله تعالى الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات حيث ادعوا أن القرآن مفترى وأن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد افتراه ولم يبق إلا أن يختار المرء أحد الطريقين طريق الدنيا أو الآخرة الجنة أو النار فقال تعالى {من كان يريد الحياة1 الدنيا وزينتها} من مال وولد وجاه وسلطان وفاخر اللباس والرياش. {نوف2 إليهم أعمالهم فيها} 3 نعطهم نتاج عملهم فيها وافياً غير منقوص فعلى قدر جهدهم وكسبهم فيها يعطون ولا يبخسهم عملهم لكفرهم وتركهم، ثم هم بعد ذلك إن لم يتوبوا
    إلى ربهم. هلكوا كافرين ليس لهم إلا النار {وحبط ما صنعوا} 4 في هذه الدار من أعمال وبطل ما كانوا يعملون.
    هذا ما دلت عليه الآية الأولى (15 والثانية 16) وهو قوله تعالى {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} وقوله تعالى في الآية الثالثة (17) {أفمن كان على بينة من ربه} 5 بما أوحى إليه من القرآن وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى المعاد الآخر، وقوله {ويتلوه شاهد منه} أي ويتبع ذلك الدليل دليل آخر وهو لسان الصدق الذي ينطق به وكمالاته الخُلُقَيَّة والروحية حيث نظر إليه إعرابي فقال والله ما هو بوجه كذّاب، ودليل ثالث في قوله {ومن قبله كتاب موسى} أي التوراة {إماماً ورحمة} شاهد له حيث حمل نعوت الرسول وصفاته ونعوت أمته وصفاتها في غير موضع منه أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه، كمن لا دليل له ولا برهان إلا التقليد للضلال والمشركين، وقوله {أولئك يؤمنون به} أي أولئك الذين ثبتت لديهم تلك البيّنات والحجج والبراهين {يؤمنون به} أي بالقرآن الحق والنبي الحق والدين الحق. وقوله تعالى {ومن يكفر به} أي بالقرآن ونبيه ودينه من الأحزاب6 أي من سائر الطوائف والأمم والشعوب فالنار موعده، وحسبه جهنم وبئس المصير7وقوله تعالى {فلا تك في مرية منه} 8 أي فلا تك في شك منه أي في أن موعد من يكفر به من الأحزاب النار. وقوله {إنه الحق من ربك} أي9 القرآن الذي كذّب به المكذبون وما تضمنه من الوعد والوعيد، والدين الحق كل ذلك هو الحق الثابت من ربك، إلا أن {أكثر الناس لا يؤمنون} 10 وإن ظهرت الأدلة ولاحت الأعلام وقويت البراهين.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- بيان حقيقة وهي أن الكفر غير مانع من أن ينتج الكافر بحسب جهده من كسب يده فيحصد إذ زرع، ويربح إذا اتجر، وينتج إذا صنع.
    2- بيان أن الكافر لا ينتفع من عمله في الدنيا ولو كان صالحاً وأن الخسران لازم له.
    3- المسلمون على بينة من دينهم، وسائر أهل الأديان الأخرى لا بينة لهم وهم في ظلام التقليد وضلال الكفر والجهل.
    5- بيان سنة الله في الناس وهي أن أكثرهم لا يؤمنون.
    __________

    1 أي: ممن رفضوا الإسلام وأبوه بعد قيام الحجة على بطلان ما هم عليه من الكفر ورضوا بالكفر بإرادة الحياة الدنيا.
    2 التوفية: إعطاء الشيء وافياً، وعُدي نوف: بإلى لأنه مضمن معنى: نوصل.
    3 لفظ {أعمالهم} يشمل الأعمال الخيرية والأعمال الدنيوية فالأعمال الخيرية كصلة الرحم، وقرى الضيف، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، فهذه لا يحرمها الكافر بل يجد جزاءها في الدنيا: بركة في ماله وولده وحياته، وأمّا الأعمال الدنيوية كالصناعة والزراعة والتجارة فهذه يوفى قدر جهده فيها، فبقدر ما يبذل من طاقة يحصل له من الكسب والربح والإنتاج فكفره لا يمنعه نتاج عمله بقدر ما يبذل فيه.
    4 أعمال الكفار في الدنيا خيرية كانت أو دنيوية تذهب في الدار الآخرة هباء كقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} .
    5 اختلف في عود الضمائر في هذه الآية اختلافاً كثيراً، وقد اخترنا في التفسير عودها إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا مانع من عودها على كل مؤمن صادق الإيمان، بقرينة الخبر وهو قوله: {أولئك يؤمنون به} وهم الفريق الذين أسلموا لمّا شاهدوا الحجج والبراهين.
    6 أظهرهم: المشركون واليهود، والنصارى والصابئة والمجوس.
    7 لأنهم لم يزكوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح فلذا فلا مأوى لهم إلاّ النّار.
    8 الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكل مؤمن أي: لا يشكنّ مؤمن في أن القرآن حق وأنّ ما أخبر به عن الكافرين مِن أنّ مأواهم النار حق.
    9 جملة: {انه الحق من ربك} ، مستأنفة مؤكدة لجملة: {فلا تك في مرية منه} .
    10 لما سبق في علم الله وما قضى به قوله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #493
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (3)
    الحلقة (492)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 531الى صــــ 535)

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)
    شرح الكلمات:
    ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً: أي لا أحد فالاستفهام للنفي.
    يعرضون على ربهم: أي يوم القيامة.
    الأشهاد: جمع شاهد وهم هنا الملائكة.
    لعنة الله: أي طرده وإبعاده.
    على الظالمين: أي المشركين.
    سبيل الله: أي الإسلام.
    عوجاً: أي معوجة.
    معجزين في الأرض: أي الله عز وجل أي فائتين بل هو قادر على أخذهم في أيّة لحظة.
    من أولياء: أي أنصار يمنعونهم من عذاب الله.
    وما كانوا يبصرون: ذلك لفرط كراهيتهم للحق فلا يستطيعون سماعه، ولا رؤيته.
    معنى الآيات:
    بعد أن قرر تعالى مصير المكذبين بالقرآن ومن نزل عليه وما نزل به من الشرائع ذكر نوعاً من إجرام المجرمين الذين استوجبوا به النار فقال عز وجل {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي لا أحد في الناس أعظم ظلماً من أحد افترى على الله كذباً ما من أنواع1 الكذب وإن قل وقوله {أولئك يعرضون على ربهم} أي أولئك الكذبة يعرضون يوم القيامة على ربهم جل جلاله في عرصات القيامة، ويقول الأشهاد من الملائكة شاهدين2 عليهم {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} ثم يُعْلِنُ مُعْلِنٌ قائلاً {ألا لعنة الله على3 الظالمين} أي ألا بعداً لهم من الجنة وطرداً لهم منها إلى نار جهنم.
    ثم وضح تعالى نوع جناياتهم التي استوجبوا بها النار فقال {الذين يصدون عن سبيل الله} 4 أي يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإسلامي، {ويبغونها} أي سبيل الله {عوجاً} أي معوجه كما يهوون ويشتهون فهم يريدون الإسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا والزنى والسفور، ويريدون من الإسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور والأشجار والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة. قال تعالى {أولئك} أي المذكورون {لم يكونوا معجزين في الأرض} أي لم يكن من شأنهم
    ومهما رأوا أنفسهم أقوياء أن يعجزوا الله تعالى في الأرض فإنه مدركهم مهما حاولوا الهرب5 ومنزل بهم عذابه متى أراد ذلك لهم، وليس لهم من دون الله من أولياء أي أنصار يمنعونهم من العذاب متى أنزله بهم، وقوله تعالى {يضاعف لهم العذاب} إخبار منه بأن هؤلاء الظالمين يضاعف لهم العذاب يوم القيامة لأنهم صدوا غيرهم عن سبيل الله فيعذبون بصدهم أنفسهم عن الإسلام، وبصد غيرهم عنه، وهذا هو العدل وقوله تعالى فيهم {ما كانوا يستطيعون6 السمع وما كانوا يبصرون} إخبار بحالهم في الدنيا أنهم كانوا لشدة كراهيتهم للحق ولأهله من الداعين إليه لا يستطيعون سماعه ولا رؤيته ولا رؤية أهله القائمين عليه والداعين إليه.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- عظم ذنب من يكذب على الله تعالى بنسبة الولد أو الشريك إليه أو بالقول عليه بدون علم منه.
    2- عظم جرم من يصد عن الإسلام بلسانه أو بحاله، أو سلطانه.
    3- عظم ذنب من يريد إخضاع الشريعة الإسلامية لهواه وشهواته بالتأويلات الباطلة والفتاوى غير المسؤولة ممن باعوا آخرتهم بدنياهم.
    4- بيان أن من كره قولاً أو شخصاً لا يستطيع رؤيته ولا سماعه7.
    __________

    1 من أنواع كذبهم على الله تعالى: زعمهم أنّ له شريكاً وولداً، وقولهم في الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وتحريمهم ما أحل الله ونسبة ذلك إليه تعالى.
    2 ومن الأشهاد: الأنبياء والعلماء والمبلغون لدعوة الله تعالى لعباده وفي صحيح مسلم. "وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربّهم".
    3 لعنة الله: أي: بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.
    4 يجوز أن يكون: {الذين} مجروراً لمحل نعتاً للظالمين، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر، والمبتدأ محذوف. أي: هم الذين يصدّون.
    5 قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم، وفي سورة سبأ {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} .
    6 {ما كانوا يستطيعون السمع..} قال القرطبي ما: في موضع نصب على أن يكون المعنى بما كانوا يستطيعون السمع. يُريد أن الباء المحذوفة سببية أي: يُضاعف لهم العذاب بسبب أنهم كانوا لا يستطيعون السمع لما ران على قلوبهم من الآثام فحجب الإثم أسماعهم وأبصارهم، وفي المثل: حبّك الشيء يعمي ويصم، فحبّهم للكفر والشرك والآثام عطّل حواسهم.
    7 أقول: ما كنت أدرك المعنى الحقيقي لقوله تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع} حتى كان صوت العرب على عهد بطل الاشتراكية "عبد الناصر" وأخذ يسبّ ويشتم ويعيّر ويقبّح سلوك كل من لم يوال الاشتراكيين فكنت-والله-لا أستطيع سماع ما يذيعه، وثَمَّ فهمت معنى الآية على حقيقته.

    ****************************** ********

    أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

    شرح الكلمات:
    وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي غاب عنهم ما كانوا يدعونه من شركاء الله تعالى.
    لا جرم: أي حقاً وصدقاً أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
    وأخبتوا إلى ربهم: أي تطامنوا أو خشعوا لربهم بطاعته وخشيته.
    مثل الفريقين: أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين.
    أفلا تذكرون: أي تتعظون، فتستغفروا ربكم ثم تتوبوا إليه.؟
    معنى الآيات:
    مازال السياق في تحديد المجرمين وبيان حالهم في الآخرة فقال تعالى {أولئك} أي البعداء {الذين خسروا أنفسهم} حيث استقروا في دار الشقاء فخسروا كل شيء حتى أنفسهم، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمون أن لهم شركاء، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم قال تعالى: {لا جرم} 1 أي حقاً {أنهم في الآخرة} أي في دار الآخرة {هم الأخسرون} أي الأكثر خسراناً من غيرهم لأنهم أضافوا إلى جريمة كفرهم جريمة تكفير غيرهم ممن كانوا يدعونهم إلى الضلال، ويصدونهم عن الإسلام سبيل الهدى والنجاة من النار. ولما ذكر تعالى حال الكافرين وملأ انتهوا إليه من خسران. ذكر تعالى حال المؤمنين فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} 2 أي آمنوا بالله وبوعده ووعيده. وآمنوا برسول الله وبما جاء به، وعملوا الصالحات التي شرعها الله
    تعالى لهم من صلاة وزكاة {وأخبتوا إلى ربهم} أي أسلموا له وجوههم وقلوبهم وانقادوا له بجوارحهم فتطامنوا وخشعوا أولئك أي السامون أصحاب الجنة أي أهلها {هم فيها خالدون} أي لا يبرحون منها ولا يتحولون عنها، هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآية الرابعة (24) وهي قوله تعالى {مثل الفريقين كالأعمى3 والأصم والسميع والبصير هل يستويان مثلا} ؟ فقد ذكر تعالى مقارنة بين أهل الشرك وأهل التوحيد توضيحاً للمعنى وتقريراً للحكم فقال {مثل الفريقين} أي صفة الفريقين الموضحة لهما هي كالأعمى والأصم وهذا فريق الكفر والظلم والسميع والبصير. وهذا فريق أهل الإيمان والتوحيد فهل يستويان مثلا أي صفة الجواب لا، لأن بين الأعمى والبصير تبايناً كما بين الأصم والسميع تبايناً فأي عاقل يرضى أن يكون العمى والصمم وصفاً له ولا يكون البصر والسمع وصفاً له؟ والجواب لا أحد إذاً {أفلا تذكرون} أي أفلا تتعظون بهذا المثل4 وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وتوحدوا وتؤمنوا برسوله وتتبعوه، وبكتابه وتعملوا بما فيه؟
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- استحسان المقارنات بين الأشياء المتضادة للعبرة والاتعاظ.
    2- الكافر ميت موتاً معنوياً فلذا هو لا يسمع ولا يبصر، والمسلم حيُّ فلذا هو سميع بصير.
    3- بيان ورثة دار النعيم وهم أهل الإيمان والطاعة، وورثة دار الخسران وهم أهل الكفر والظلم.
    __________

    1 {لا جرم} كلمة: جزم ويقين، واختلف في تركيبها وأطهر أقوالهم فيها: أن تكون لا: حرف نفي، وجزم: بمعنى محالة. ويصح معنى الكلمة. لا محالة أو: لا بدّ أن يكون كذا وكذا، أو لتفسّر بحقاً، ولا محالة ولابد، إذ جرم مأخوذ من الجرم الذي هو القطع.
    2 الموصول: اسم إنَّ، وآمنوا: صلة {وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربّهم} معطوفان على الاسم، والخبر: {أولئك أصحاب الجنة} وجملة {هم فيها خالدون} جملة بيانية أي مبيّنة لحال أهل الجنة.
    3 فريق الإيمان وفريق الكفر والشرك.
    4 المثل الذي كشف الحقيقة وبيّن أنّ الكفار عمي صم، وأنّ المؤمنين يبصرون ويسمعون، فأي عاقل يرضى أسوأ الوصفين؟!

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #494
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (4)
    الحلقة (493)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 536الى صــــ 540)


    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)
    شرح الكلمات:
    نوحا: هو العبد الشكور أبو البشرية الثاني نوح عليه السلام.
    إني لكم نذير مبين: أي مخوف لكم من عذاب الله بَيِّنُ النذارة.
    عذاب يوم أليم: هو عذابه يوم القيامة.
    الملأ: الأشراف وأهل الحل والعقد في البلاد.
    أراذلنا 1: جمع أرذل وهو الأكبر خسة ودناءة.
    بادي الرأي: أي ظاهر الرأي، لا عمق عندك في التفكير والتصور للأشياء.
    معنى الآيات:
    هذه بداية قصة نوح عليه السلام وهي بداية لخمس قصص2 جاءت في هذه السورة سورة هود عليه السلام قال تعالى {ولقد أرسلنا نوحاً3 إلى قومه إني لكم نذير4 مبين} أي قال لهم إني لكم نذير مبين أي بين النذارة أي أخوفكم عاقبة كفركم بالله وبرسوله وشرككم في عبادة ربكم الأوثان والأصنام. وقوله {أن لا تعبدوا5 إلا الله} أي نذير لكم بأن لا تعبدوا إلا الله، وتتركوا عبادة غيره من الأصنام والأوثان وقوله {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} علل لهم أمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك بأنه يخاف عليهم إن أصروا على كفرهم وتركهم عذاب يوم أليم6 وهو عذاب يوم القيامة {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي فرد على نوح ملأ قومه اشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم ممن كفروا بالله ورسوله فقالوا {ما نراك إلا بشراً مثلنا} 7 أي لا فضل لك علينا فكيف تكون رسولاً لنا ونحن مثلك هذا
    أولاً وثانياً {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} أي سفلتنا من8 أهل المهن المحتقرة كالحياكة والحجامة والجزارة ونحوها وقولهم9 بادي الرأي أي ظاهر الرأي لا عمق في التفكير ولا سلامة في التصور عندك وقولهم {وما نرى لكم علينا من فضل} أي وما نرى لكم علينا من أي فضل تستحقون به أن نصبح أتباعاً لكم فنترك ديننا ونتبعكم على دينكم بل نظنكم كاذبين فيما تقولون.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- إن نوحاً واسمه عبد الغفار أول رسول إلى أهل الأرض بعد أن أشركوا بربهم وعبدوا غيره من الأوثان والآلهة الباطلة.
    2- قوله أن لا تعبدوا إلا الله هو معنى لا إله إلاّ الله
    3- التذكير بعذاب يوم القيامة.
    4- اتباع الرسل هم الفقراء والضعفاء وخَصُوُمهم الأغنياء والأشراف والكبراء.
    5- احتقار أهل الكبر لمن دونهم. وفي الحديث "الكبر10 بطر الحق وغمط الناس".
    __________

    1 الأرذل: اسم تفضيل والمفضّل عنه يقال له: رذْل ككلب ويجمع على أرذل كأكلب.
    2 هذا العطف من باب عطف قصّة على قصّة: الواو: تسمى الواو الابتدائية.
    3 كُسرت: إنّ لأنّ الإرسال فيه معنى القول وإن تكسر بعد القول.
    4 الِقصّة: بكسر القاف والجمع: قصص كحجّة وحجج: الخبر يروى وتُتَتّبع أجزاؤه بعناية، والقصص بفتح القاف: مصدر قصّ الحديث يقصّه قصاً.
    5 هذه الجملة مفسّرة لجملة {أرسلنا نوحاً} أو لقوله: {إني لكم نذير مبين} .
    6 وجائز أن يكون {عذاب يوم أليم} في الدنيا وهو عذاب الطوفان وقد كان.
    7 مثلنا: منصوب على الحال.
    8 قال القرطبي: اختلف في السفلة فقيل: هم الذين يتقلسون ويأتون أبواب القضاء والسلاطين يطلبون الشهادات، وقال مالك: السفلة: الذين يسبون الصحابة. وقال آخر: الذين يأكلون على حساب دينهم.
    9 ومنه البادية وهي الأراضي الظاهرة لا تحوطها مبانٍ ولا بساتين ولا مصانع.
    10 الحديث في الصحيح فقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إنّ الله لا يدخل الجنة مَنّ كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر" فسئل عن الكبر فقال: الكبر: بطر الحق وغمط الناس" وبطر الحق: عدم قبوله، وغمط الناس: احتقارهم.

    ****************************** **********
    قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُو هَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)
    شرح الكلمات:
    أرأيتم: أي أخبروني.
    على بينة من ربي: أي على علم علمنيه الله فعلمت أنه لا إله إلا الله.
    فعميت عليكم:. أي خفيت عليكم فلم تروها.
    أنُلزِمُكمُوها: أي أجبركم على قبولها.
    بطارد الذين آمنوا: أي بمبعدهم عني ومن حولي.
    خزائن الله: التي فيها الفضل والمال.
    تزدري أعينكم: تحتقر أعينكم.
    معنى الآيات:
    مازال السياق في قصة نوح مع قومه فأخبر تعالى أن نوحاً قال لقومه أرأيتم أي أخبروني إن كنت على بيَّنة من ربي أي على علم يقيني تعالى وبصفاته وبما أمرني به من عبادته وتوحيده والدعوة إلى ذلك. وقوله {وآتاني رحمة من عنده} وهي الوحي والنبوة والتوفيق لعبادته. {فعميت عليكم} أنتم1 فلم تروها. فماذا أصنع معكم {أنلزمكموها} أي2 أنجبركم أنا ومن آمن بي على رؤيتها والإيمان بها والعمل بهداها، {وانتم لها كارهون} 3 أي والحال أنكم كارهون لها والكاره للشيء لا يكاد يراه ولا يسمعه، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (27) أما الآية الثانية فإن الله تعالى يخبر أيضاً عن قيل نوح لقومه: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا} أي لا أطلب منكم أجراً على إبلاغكم هذه الرحمة التي عميت عليكم فلم تروها. {إن أجري إلا على الله} أي ما أجري إلا على الله إذ هو الذي كلفنى
    بالعمل بها والدعوة إليها وواعدني بالأجر عليها. وقوله {وما أنا بطارد المؤمنين} أي وما أنا بمطيعكم في طرد المؤمنين من حولي كما اقترحتم عليّ، إنهم ملاقو ربهم، ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم فكيف يصح مني ابعادهم عن سماع الحق وتعلمه والأخذ به ليكملوا ويسعدوا إذ العبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح بواسطة الإيمان والعمل الصالح لا بالشرف والمال والجاه كما تتصورون ولذا فإني أراكم قوما تجهلون هذا ما دلت عليه الآية الثانية (28) ثم قال لهم في الآية الثالثة {ويا قوم من ينصرني4 من الله إن طردتهم} أي من هو الذي يرد عنى عذاب الله ويمنعني منه إن أنا عصيته فطردت أي أقصيت وأبعدت عباده المؤمنين عن سماع الهدى وتعلم الخير ولا علة لذلك إلا لأنهم فقراء ضعفاء تزدريهم أعينكم المريضة التي لا تقدر على رؤية الحق وأهله والداعين إليه. ثم قال لهم {أفلا تذكرون5} أي تتفكرون فتعلمون خطأكم وجهلكم فتثوبوا إلى رشدكم. وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وبرسوله وتعبدوه وحده لا شريك له ثم قال لهم في الآية الأخيرة (31) {ولا أقول لكم عندي خزائن الله6} رداً على قولهم: {وما نرى لكم علينا من فضل} {ولا أعلم الغيب} فأعرف ما تخفيه صدور الناس فأطرد هذا وأبقي هذا، ولا أقول إني ملك حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} 7 لفقرهم وضعفهم {لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم} أي من صدق أو نفاق ومن حب لي أو بغض كأنهم طعنوا في المؤمنين واتهموهم بأنهم ينافقون أولهم أغراض فاسدة أو أطماع مادية من أجلها التفوا حول نوح، وقوله {إني إذاً لمن الظالمين} أي إني إذا قلت للمؤمنين من الضعفاء لن يؤتيكم الله خيراً كنت بعد ذلك من الظالمين8 الذين يعتدون على الناس بهضمهم حقوقهم وامتهان كرامتهم.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1) كُرهُ الشيء يجعل صاحبه لا يراه ولا يسمعه ولا يفهم ما يقال له فيه.
    2) كراهية أخذ الأجرة على الدعوة والتربية والتعليم الديني.
    3) وجوب احترام الضعفاء وإكرامهم وحرمة احتقارهم وازدرائهم.
    4) علم الغيب استأثر الله تعالى به دون سائر خلقه إلا من علمه الله شيئاً منه فإنه يعلمه.
    5) حرمة غمط الناس وازدرائهم والسخرية منهم
    __________

    1 قرىء: {عميت} بتشديد الميم، وقرأ ورش بتخفيفها، ومعناه: إنّ الرسالة عميت عليكم فلم تفهموها. يقال: عميت عن كذا، وعمي عليّ كذا: أي: لم أفهمه.
    2 {أنلزمكموها} أي: الرحمة التي هي عبادة الله وحده وترك عبادة سواه والاستفهام إنكاري. أي: ما كان لي ذلك والحال أنكم كارهون لها.
    3 قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه. ولكنّه لم يملك ذلك.
    4 أي: مَنْ يرد عنّي عذابه أن استوجبته بطرد عباده المؤمنين؟ والجواب: لا أحد فكيف إذاً يسوغ لي أن أطردهم كما ترغبون.
    5 {أفلا تذكرون} قرىء: تذكرون بحذف إحدى التائين وقرىء تذّكرون: بتشديد الذال، بإدغام إحدى التائين في الأخرى. والاستفهام للإنكار أي: ينكر عليهم غفلتهم وجهلهم وعدم تذكرهم ليتّعظوا.
    6 اخبر عليه السلام بتذلله وتواضعه لربّه عزّ وجلّ فنفى عن نفسه القدرة على امتلاك خزائن الفضل والمال كما نفي عن نفسه علم الغيب وأن يكون ملكاً من الملائكة.
    7 أي: تحتقر أعينكم. والأصل: تزدريهم، حذفت الهاء والميم لطول الاسم، والازدراء: افتعال من الزري الذي هو الاحتقار، وإلصاق العيب فالازدراء أصله الازتراء فقلبت فيه التاء دالاً فصار: الازدراء كما قلبت في: الازدياد.
    8 في قوله: {من الظالمين} : تعريض بقومه، فوصفهم بالظلم من حيث لا يشعرون.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #495
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (5)
    الحلقة (494)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 540الى صــــ 543)


    قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
    شرح الكلمات:
    جادلتنا: أي خاصمتنا تريد إسقاطنا وعدم اعتبارنا في ديننا وما نحن عليه.
    بما تعدنا: أي من العذاب إن لم نؤمن بما تدعونا إليه.
    إن كنت من الصادقين: أي في دعواك النبوة والإخبار عن الله عز وجل.
    بمعجزين: أي بغالبين ولا فائتين الله تعالى متى أراد الله عذابكم.
    نصحي: أي بتخويفي إياكم عذاب ربكم إن بقيتم على الكفر به وبلقائه ورسوله.
    أن يغويكم: أي يوقعكم في الضلال ويبقيكم فيه فلا يهديكم أبدا.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في قصة نوح عليه السلام مع قومه فأخبر تعالى عن قول قوم نوح له عليه السلام: فقال: {قالوا يا نوح قد جادلتنا1} أي خاصمتنا وأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين أي فعجل العذاب وأنزله علينا إن كنت من الصادقين فيما تقول وتدعو وتعد. فأخبر تعالى عن قول نوح لهم ردا على مقالتهم وهو ما علمه ربه تعالى أن يقوله: فقال {قل إنما يأتيكم به الله} أي بالعذاب الله إن شاء ذلك. {وما أنتم بمعجزين} أي فائتين الله ولا هاربين منه. وقوله: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم 2 هو ربكم واليه ترجعون} . أي إن نصحي لا شفعكم بمعنى أنكم لا تقبلونه مهما أردت ذلك وبالغت فيه إن كان الله جل جلاله يريد أن يغويكم لما فرط منكم وما أنتم عليه من عناد وكفر ومجاحدة ومكابرة إذ مثل هؤلاء لا يستحقون هداية الله تعالى بل الأولى بهم الضلالة حتى3 يهلكوا ضالين فيشقوا في الدار الآخرة. وقوله تعالى: {هو ربكم وإليه ترجعون} أي فالأمر له ألستم عبيده وهو ربكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وإن كانت حكمته تنفي أن يعذب الصالحين ويرحم الغواة الظالمين.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- مشروعية الجدال لإحقاق الحق وإبطال الباطل بشرط الأسلوب الحسن.
    2- إرادة الله تعالى قبل كل إرادة وما شاءه الله يكون وما لم يشأه لم يكن.
    3- لا ينفع نصح الناصحين ما لم يرد الله الخير للمنصوح له.
    4- ينبغي عدم إصدار حكم على عبد لم يمت فيعرف بالموت مآله. إلاَّ قول الله أعلم به.
    __________

    1 {جادلتنا} أي: خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها، والجدل في لغة العرب: المبالغة في الخصومة. مأخوذ من الجدل: الذي هو شدّة الفتل، وقالوا في الصقر أجدل: لشدته في الطيران.
    2 فيه الرد على بطلان مذهب المعتزلة، والقدرية إذ زعموا أن الله لا يريد أن يعصي العاصي ولا أن يكفر الكافر ولا أن يغوي الغاوي وتجاهلوا أنه لا يقع في ملك الله إلا ما يريد، ولا يقع شيء إلاّ بإذنه فهو الهادي لمن شاء هدايته، والمضل لمن شاء إضلاله، ولكن كُلاَّ من هدايته وإضلاله يتمان حسب سنته في الهداية والإضلال فلم يظلم ربّك أحداً.
    3 ومن فسّر {أن يغويكم} : يهلككم: أراد أنّ الهلاك سبب للإغواء، فمن أغواه أهلكه، إذ لا يُهلك إلاَّ الغاوي.
    4 شرح هذه الآية في (ص 545) وأخرت على أنها معترضة لقصة نوح عليه السلام.

    ****************************** *******

    أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)

    شرح الكلمات:
    وأوحى إلى نوح: أي اعلم بطريق الوحي الذي هو الإعلام السريع الخفي.
    فلا تبتئس: لا تحزن ولا يشتد بك الحزن فإني منجيك ومهلكهم.
    الفلك: أي السفينة التي أمرناك بصنعها لحمل المؤمنين عليها.
    سخروا منه: أي استهزئوا به كقولهم: تحمل هذا الفلك إلى البحر أو تحمل البحر إليه.
    يخزيه: أي يذله ويهينه.
    ويحل عليه عذاب مقيم: أي وينزل به عذاب النار يوم القيامة فلا يفارقه.
    معنى الآيات:
    عاد السياق بعد الاعتراض بالآية (35) إلى الحديث عن نوح وقومه فقال تعالى {وأوحى إلى نوح أنه1 لن يؤمن من قومك إلا من2 قد آمن} . وهذا بعد دعوة دامت قرابة ألف سنة إلا خمسين عاماً أي فلم يؤمن بعد اليوم أحد من قومك وعليه فلا تبتئس3 أي لا تغتم ولا تحزن بسبب ما كانوا يفعلون من الشر والفساد والكفر والمعاصي فإني منجيك ومن معك من المؤمنين ومهلكهم بالغرق. وقوله تعالى في الآية الثانية (37) {واصنع الفلك بأعيينا ووحينا} أي وأمرناه أن يصنع الفلك أي السفينة تحت بصرنا وبتوجيهنا وتعليمنا. إذ لم يكن يعرف السفن ولا كيفية صنعها وقوله {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} أي لا تسألني لهم صرف العذاب ولا تشفع لهم في تخفيفه عليهم، لأنا قضينا بإهلاكهم بالطوفان فهم لا محالة مغرقون قوله تعالى {ويصنع الفلك4 وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} يخبر تعالى عن حال نوح وهو يصنع الفلك بقطع الخشب ونجره وتركيبه وقومه يمرون عليه وكلما مرّ عليه أشراف القوم وعليتهم يسخرون منه كقولهم يا نوح أصبحت نجاراً أو وهل تنقل البحر إليها، أو تنقلها إلى البحر فيرد عليهم نوح عليه السلام بقوله {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} أي منا فسوف تعلمون أي مستقبلاً من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله ويهينه ويكسر أنف كبريائه، ويحل5 عليه عذاب مقيم وهو عذاب النار يوم القيامة وهو عذاب دائم لا ينتهى أبداً.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- كراهية الحزن والأسى والأسف على ما يقوم به أهل الباطل والشر والفساد.
    2- بيان تاريخ صنع السفن وانها بتعليم الله لنوح عليه السلام.
    3- بيان سنة البشر في الاستهزاء والسخرية بأهل الحق ودعاته لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي.
    4 بيان صدق وعد الله رسله.
    __________

    1 {أنّه} في موضع رفع نائب فاعل لأوحي أي: أوحي إلى نوح عدم إيمان قومه ومعنى الكلام: الإِياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم تحقيقاً للوعيد بنزول العذاب بهم.
    2 روي أنَّ رجلاً من قوم نوح مرّ بنوح وهو يحمل طفلهُ فلما رأى الطفل نوحاً قال لأبيه ناولني حجراً فناوله إياها فرمى بها نوحاً فأدماه، فأوحى الله تعالى إلى نوح: {أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن..} .
    3 الابتئاس: افتعال من البؤس الذي هو الهمّ والحزن. قال الشاعر:
    وكم من خليل أو حميم رزأته
    فلم ابتئس والرزء فيه جليل
    4 اختلفت الأقوال في مدّة صنع السفينة، أكثرها أنها: أربعون سنة. وجائز أن تكون أكثر، لأن عمل فرد واحد في صنع سفينة يتطلب وقتاً طويلاً أمّا حجمها فيدل على كبره ما حمل فيها، إذ حمل فيها كل مؤمن ومؤمنة ومن كل زوجين اثنين، فحجمها لا شك أنه واسع كبير، وقيل: كانت السفينة ثلاث طبقات: السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطيور. والله اعلم، والحديث عن طول السفينة وعرضها ومادتها كله من باب علم لا ينفع وجهالة لا تضر.
    5 أي: يجب عليه وينزل به.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #496
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (6)
    الحلقة (495)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 544الى صــــ 550)

    حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
    شرح الكلمات:
    فار التنور: أي خرج الماء وارتفع من التنور وهو مكان طبخ الخبز.
    زوجين اثنين: أي من كل ذكر وأنثى من سائر أنواع المخلوقات اثنين.
    وأهلك: أي زوجتك وأولادك.
    مجريها ومرساها: أي إجراؤها وإرساؤها.
    في موج كالجبال: الموج ارتفاع ماء البحر وكونه كالجبال أي في الارتفاع.
    يعصمني من الماء: يمنعني من الماء أن يغرقني.
    وغيض الماء: أي نقص بنضوبه في الأرض.
    على الجودي: أي فوق جبل الجودي وهو جبل بالجزيرة غرب الموصل.
    بعدا للقوم الظالمين: أي هلاكاً لهم.
    شرح الكلمات:.
    أم يقولون: أي بل يقولون افتراه.
    افتراه: أي اختلقه وقال من نفسه ولم يوح به إليه.
    فعلى إجرامي1: أي عاقبة الكذب الذي هو الإجرام تعود عليَّ لا على غيري.
    وأنا بريء: أي أتبرأ وأتنصل من إجرامكم فلا أتحمل مسؤوليته.
    مما تجرمون: أي على أنفسكم بإفسادها بالشرك والكفر والعصيان.
    معنى الآية:
    هذه الآية الكريمة أوقعها الله مُنَزِلُها سبحانه وتعالى بين أجزاء الحديث عن نوح وقومه، وحسن موقعها هنا لأن الحديث عن نوح وقومه لا يتأتى لأحد إلا لنبي يوحى إليه، وذلك لبعده في الحاريخ فَقَصُّ النبي له اليوم دليل على أنه نبي يُوحى إليه، فلذا قال أم يقولون افتراه2 أي يقولون افترى القرآن وكذبه ولم يوح إليه قل إن افتريته كما زعمتم فعليّ إجرامي أي أثم كذبي وأنا بريء مما تجرمون أنتم بتكذيبكم إياي وكفركم بربكم ورسوله ووعده ووعيده.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- جواز الاعتراض في الكلام إذا حسن موقعه لإقامته حجة أو إبطال باطل أو تنبيه على أمر مهم.
    1- قص القصص أكبر دليل على صدق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دعوى النبوة ودعوته إلى الله تعالى.
    3- تقرير مبدأ تحمل كل إنسان مسؤولية عمله وأن لا تزر وازرة وزر أخرى.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} أي واصل صنع السفينة حتى إذا جاء أمرنا أي بإهلاك المشركين، وفار3 التنور أي خرج الماء من داخل التنور وفار وتلك علامة بداية الطوفان فاحمل فيها أي في السفينة التي صنعت من كل زوجين4 اثنين أي من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين أي ذكراً وأنثى. وأهلك أي واحمل أهلك من زوجة وولد كسام وحام ويافث إلا من سبق عليه القول أي بالإهلاك كامرأته واعلة وولده كنعان. ومن آمن5 أي واحمل من آمن من سائر الناس، {وما آمن معه إلا قليل} أي نحو من ثمانين رجلاً وامرأة هذا ما دلت عليه الآية الأولى (40) أما الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن نوحاً قال لجماعة المؤمنين {اركبوا فيها} أي في السفينة {باسم الله مجراها6ومرساها} أي باسم الله تجري وباسم الله ترسو أي تقف {إن ربي لغفور رحيم7} أي فهو لا يهلكنا بما قد يكون لنا من ذنب ويرحمنا فينجينا ويكرمنا. وقوله تعالى في الآية الثالثة (42) {وهي تجري بهم في موج كالجبال} وصف للسفينة وهي تغالب الماء وتمخر عبابه وأمواج الماء ترتفع حتى تكون كالجبال في ارتفاعها وقبلها نادى نوح ابنه كنعان، وهو في هذه الساعة في معزل8 أي من السفينة حيث رفض الركوب فيها لعقوقه وكفره9 فقال له {يا بني اركب10 معنا ولا تكن مع الكافرين} فتغرق كما يغرقون فأجاب الولد قائلاً{سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} أي يمنعني منه حتى لا أغرق، فأجابه نوح قائلاً {لا عاصم اليوم من أمر الله} أي بعذاب الكافرين {إلا من رحم} أي الله فهو المعصوم. قال تعالى {وحال بينهما الموج} أي بين الولد العاق والوالد الرحيم {فكان} أي الولد {من المغرقين} . وقوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} أي اشربيه وابتلعيه، ويا سماء اقلعي أي من الصب والإمطار، والآمر للأرض والسماء هو الله تعالى. {وغيض الماء} أي نقص ونضب. {واستوت على الجودي11} أي ورست السفينة بركابها على الجودي وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل {وقيل بعداً للقوم الظالمين} أي هلاكاً لهم فلم يبق منهم أحداً إذ أخذهم الطوفان وهم ظالمون بدأ الطوفان أول يوم من رجب واستمر ستة أشهر حيث رست السفينة في أول محرم.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- الإيمان ينجي، والكفر يهلك ويردي.
    - 2- مشروعية التسمية عند الركوب في سفينة أو غيرها.
    3- عقوق الوالدين كثيراً ما يسبب الهلاك في الدنيا، أما عذاب الآخرة فهو لازم له.
    - 4- مظهر من مظاهر رحمة الوالد بولده.
    5- مظاهر عظمه الرب تعالى وإطاعة الخلق أمره حتى الأرض والسماء.
    __________

    1 الإجرام: مصدر أجرم يجرم إجراماً: إذا اقترف السيئات وجرم الثلاثي كأجرم الرباعي، قال الشاعر وهو أحد لصوص بني سعد:
    طريد عشيرة ورهين جرم
    بما جرمت يدي وجنى لساني
    2 فسرت الآية في التفسير بالقول الراجح وهو: أنّ المراد بمن يقول افتراه: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والآية معترضة أحاديث قصة نوح وذهب بعضهم نقلاً عن ابن عباس أنها من محاورة نوح عليه السلام مع قومه: واستظهروها من أجل السياق السابق واللاحق والله أعلم.
    3 الفوران: غليان القدر، ويطلق على نبع الماء بشدة تشبيها بفوران ماء في القدر إذا غلى، والتنور: اسم لموقد النار للخبز.
    4 قرأ حفص {من كلٍ} بتنوين كل فالتنوين عوض عن مضاف إليه أي: من كل المخلوقات، و {زوجين} مفعول لـ (احمل) ، واثنين: نعت له وقرأ الجمهور بإضافة كل إلى زوجين، والمراد بالزوجين هنا: الذكر والأنثى من كل نوع من أنواع الحيوانات.
    5 ومن آمن: أي: كل المؤمنين.
    6 جائز أن يكون القائل: {اركبوها} الله جلّ جلاله، وجائز أن يكون نوحاً عليه السلام والركوب: العلو على ظهر شيء، وقال: فيها، ولم يقل عليها لأنها ظرفٌ لهم يدخلون فيها.
    7 قرأ الجمهور بضم الميم في كل من مجراها، ومرساها، وهما مصدران من: أجرى وأرسى، وقرأ عاصم بفتح ميم مجراها، وضم ميم مرساها كالجمهور، ولم يفتح ميم مرساها لاشتباهه. حينئذ المرسى مكان الرسو، وقرىء مجريها، ومرسيها باسم الفاعل أي: بسم الله مجريها ومرسيها.
    8 روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم" {وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون. {بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم} .
    9 وقيل: في معزل أي: من دين أبيه.
    10 قرأ حفص: {يا بنيَّ} بفتح الياء المشددة وكسرها غير عاصم.
    11 {الجودي} أحد جبال ثلاثة أكرمهم الله تعالى، الجودي بإرساء السفينة عليه، وطور سينا: بمناجاة موسى عليه، وحراء بتعبد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه ونزول جبريل عليه فيه.

    ****************************** ******
    وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
    شرح الكلمات:
    من أهلي: أي من جملة أهلي من أزواج وأولاد.
    وإن وعدك الحق: أي الثابت الذي لا يخلف.
    إنه عمل غير صالح: أي إن سؤالك هذا إياي عمل غير صالح.
    أعظك: أي أنهاك وأخوفك من أن تكون من الجاهلين.
    من الجاهلين: أي من الذين لا يعرفون جلالي وصدق وعدي ووفائي فتسألني ما ليس لك به علم.
    سنمتعهم: أي بالأرزاق والمتع إلى نهاية آجالهم ثم يحل بهم عذابي وهم الكفرة.
    للمتقين: أي الذين يتقون الله فيعبدونه ولا يشركون به شيئاً.
    معنى الآيات:
    ما زال السياق الكريم في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى، {ونادى نوح ربه} أي دعاه سائلاً {ربّ إن ابني من أهلي1 وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} ، وهذا كان منه حال الإركاب في الفلك، وامتناع ولده كنعان من الركوب أي رب إن ولدي كنعان من زوجتي ومن جملة أولادي، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ومن معي من المؤمنين، {وإن وعدك الحق} أي الذي لا خلف فيه أبداً، {وأنت أحكم الحاكمين} أعلمهم وأعدلهم، وهذا ابني قد استعصى عنّي ولم يركب معي وسيهلك مع الهالكين إن لم ترحمه يا رب.
    العالمين فأجابه الرب تبارك وتعالى بقوله الحق: {إنه ليس من أهلك} أي الذين وعدتك بإنجائهم لأنه على غير دينك وعلى خلاف منهجك، {إنه عمل2 غير صالح} أي إن سؤالك هذا إليّ بإنجاء ولدك وهو كافر على غير ملتك، وقد أعلمتك إني مغرق الكافرين. سؤالك هذا عمل غير صالح يصدر عنك: {إني أعظك} أي أنهاك وأخوفك {أن تكون من الجاهلين} فتسألني ما ليس لك به علم. قال نوح {ربّ} أي يا رب إنّي أعوذ بك أي استجير وأتحصن بك أن أسألك بعد الآن ما ليس لي به علم. وإلا تغفرلي وترحمني أكن من الخاسرين أي الذين غبنوا أنفسهم حظوظها فهلكوا، فأجابه الرب3 تعالى {يا نوح أهبط} من السفينة أنت ومن ومعك من المؤمنين بسلام منا أي بأمن منا وتحيات، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك أي من ذريّة من معك، فلا تخافوا جوعاً ولا شقاء، وأمم من ذريّة من معك سنمتعهم متاع الحياة الدنيا بالأرزاق ثم يمسهم منا عذاب أليم يوم القيامة لأنهم ينحرفون عن الإسلام ويعيشون على الشرك والكفر. وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله تعالى به فكان كما أخبر فقد نشأت أجيال وأجيال من ذريّة نوح منهم الكافر ومنهم المؤمن وفي الجميع ينفذ حكم الله ويتم فيهم وعده ووعيده. وقوله تعالى في الآية (49) وهي الأخيرة في هذا السياق يقول تعالى {تلك من أنباء الغيب4 نوحيها} أي هذه القصة التي قصصناها عليك من أنباء الغيب الذي لا يعلم تفصيله إلا الله نوحيها إليك ضمن آيات القرآن ما كنت تعلمها أنت ولا قومك على وجه التفصيل من قبل هذا القرآن إذاً فاصبر يا رسولنا على أذى قومك مبلغاً دعوة ربك حتى يأتيك نصرنا فإن العاقبة5 الحسنى الحميدة وإنما للمتقين ربهم بطاعته والصبر عليها حتى يلْقوهُ مؤمنين صابرين محتسبين.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- رابطة الإيمان والتقوى أعظم من رابطة النسب.
    2- حرمة العمل بغير علم فلا يحل القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.
    3- ذم الجهل وأهله.
    4- شرف نوح عليه السلام وانه أحد أولى العزم من الرسل.
    5- بيان العبرة من القصص القرآني وهي تسلية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين.
    6- تقرير نبوة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإثباتها ببرهان عقلي وهو الإخبار بالغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي.
    7- بيان فضل الصبر، وأن العاقبة الحميدة للمتقين وهم أهل ألتوحيد والعمل الصالح.
    __________

    1 أي: الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق. سأل نوح ربّه نجاة ولده لقوله تعالى {وأهلك} وكان كنعان يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
    2 قرأ ابن عباس، وعروة وعكرمة، ويعقوب، والكسائي: {إنه عَمِل غيرَ صالح} أي: إن ابنك عمل عملاً غير صالح، وهو الكفر والتكذيب وقرأ الباقون {عملٌ غير صالح} أي: ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف كقول الشاعر:
    ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت
    فإنما هي إقبال وإدبار
    أي: ذات إقبال وإدبار.
    3 وجائز أن يكون القائل: {اهبط} : الملائكة عليهم السلام بإذن الله تعالى.
    4 اشتملت الآية على ثلاثة أمور هي: الامتنان والصبر، والتسلية، فالامتنان في قوله: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك} والموعظة في قوله {فاصبر} الخ.. والتسلية في قوله، {إن العاقبة للمتقين} .
    5 العاقبة في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #497
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (7)
    الحلقة (496)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 550الى صــــ 554)

    وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52)
    شرح الكلمات:
    وإلى عاد أخاهم هودا: أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم في النسب لا في الدين أخاهم هوداً. وهود من قبيلة عاد وعاد من ولد سام بن نوح عليه السلام.
    اعبدوا الله: أي اعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره.
    ما لكم من إله غيره: أي ليس لكم معبود بحق يستحق عبادتكم غيره.
    إن أنتم إلا مفترون: أي ما أنتم في تأليه غير الله من الأوثان إلا كاذبون.
    لا أسألكم عليه أجراً: أي لا أطلب منكم أجراً على إبلاغي دعوة التوحيد إليكم.
    فطرني: أي خلقني.
    مدرارا: أي كثيرة الدرور للمطر النازل منها.
    ولا تتولوا مجرمين: أي ولا تعرضوا عن دعوة التوحيد مجرمين على أنفسكم بالشرك بالله.
    معنى الآيات:
    هنا شروع في قصة هود مع قومه عاد بعد قصة نوح عليه السلام ومغزى القصة تقرير توحيد الله ونبوة رسول الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال تعالى {وإلى عاد أخاهم1 هوداً} أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد2 أخاهم هوداً وهو أخوهم في النسب وأول من تكلم بالعربية فهو أحد أربعة أنبياء من العرب وهم هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقوله {قال يا قوم اعبدوا الله} أي قال هود لقومه بعد أن أرسله الله إليهم يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه غيره فإنه ما لكم من إله غير3 الله سبحانه وتعالى. وقوله {إن أنتم إلا مفترون} أي ما أنتم في عبادة غير الله من الأصنام والأوثان إلا كاذبون، إذ لم يأمركم الله تعالى ربكم بعبادتها، وإنما كذبتم عليه في ذلك. وقوله {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً} يريد لا أسألكم على دعوتي إياكم إلى توحيد ربكم لتكملوا بعبادته وتسعدوا أجراً أي مالاً {إن أجرى إلا على الله الذي فطرني} أي ما أجري إلا على الله الذي خلقني. وقوله {أفلا تعقلون4} أي أفلا تعقلون أني لو كنت أبغي بدعوتي إلى التوحيد أجراً لطلبت ذلك منكم، غير أني لم أطلب من غير ربي أجراً فبان بذلك صدقي في دعوتكم ونصحي لكم.
    وقوله تعالى عن قيل هود {يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} يخبر تعالى أن هوداً نادى قومه فقال يا قوم استغفروا ربكم أي آمنوا به واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى عبادته وحده بما شرع لكم على لسان نبيكم، واتركوا عبادة غيره يكافئكم بأن يرسل السماء عليكم مدرارا5 أي بالأمطار المتتالية بعد الذي أصابكم من الجفاف والقحط والجدب، ويزدكم قوة روحية إلى قوتكم المادية، وقوله {ولا تتولوا مجرمين} ينهاهم ناصحاً لهم أن يرفضوا نصيحته ويرجعوا إلى عبادة الأوثان فيُجْرِمُوا على أنفسهم بإفسادها بأوضار الشرك والعصيان.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- دعوة الرسل من نوح إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحدة وهي أن يُعبَدَ الله وحده.
    2- تقرير مبدأ لا إله إلا الله.
    3- المشركون والمبتدعون الكل مفترون على الله كاذبون حيث عبدوه بما لم يشرع لهم.
    4- وجوب الإخلاص في الدعوة.
    5- فضل الاستغفار ووجوب التوبة.
    6- تقديم الاستغفار على التوبة مشعر بأن العبد إذا لم يعترف أولاً بذنبه لا يمكنه أن يتوب منه.
    __________

    1 وجائز أن تكون أخوة بني آدم إذ الكل من آدم عليه السلام.
    2 هما: عادان، الأولى والثانية لقوله تعالى: {وأنه أهلك عاداً الأولى} فهؤلاء هم عاد الأولى، وأمَّا الأخرى فالله أعلم بها.
    3 يصح في: {غير} الجر والرفع والنصب، فالجرّ على اللفظ، والرفع على الموضع والنصب على الاستثناء.
    4 وجائز أن يكون {أفلا تعقلون} لما جرى لقوم نوح لمّا كذّبوا الرسل، وما في التفسير أولى وأكثر فائدة.
    5 أي: كثيرة المطر المتتابع الذي يتلو بعضهُ بعضاً، يقال: درّت السماء تدرّ فهي مدرار، وكان قوم هود أهل بساتين وزروع حياتهم متوقفة على المطر.

    ****************************** ***************
    قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)
    شرح الكلمات:
    بيّنة: أي بحجة وبرهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده.
    وما نحن بتاركي آلهتنا: أي عبادة آلهتنا لأجل قولك إنها لا تستحق أن تعبد.
    إلاّ اعتراك: أي أصابك.
    بسوء: أي بِخَبَل فأنت تهذي وتقول مالا يقبل ولا يعقل.
    ثم لا تنظرون: أي لا تمهلون.
    آخذ بناصيتها: أي مالكها وقاهرها ومتصرف فيها. فلا تملك نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه.
    إن ربي على صراط مستقيم: أي على طريق الحق والعدل.
    فإن تولوا: أصلها تتولوا فعل مضارع حذفت منه إحدى التائين ومعناه تُدبروا.
    على كل شيء حفيظ: أي رقيبٌ ولا بد انه يجزي كل نفس بما كسبت.
    معنى الآيات:
    مازال السياق في قصة هود مع قومه إذ أخبر تعالى عن قيل قوم هود إلى هود فقال {قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة} أي بحجة أو برهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وترك عباده آلهتنا والاعتراف بنبوتك {وما نحن بتاركي آلهتنا} أي عبادتها {عن قولك} أي من أجل قولك إنها لا تستحق أن تعبد لكونها لا تنفع ولا تضر، {وما نحن لك بمؤمنين} أي بمتابعين لك على دينك ولا مصدقين لك فيما تقول {إن نقول إلا اعتراك1 بعض آلهتنا بسوء} أي ما نجد ما نقول فيك إلا أن بعض آلهتنا التي تسبها وتشتمها قد أصابتك بسوء بخبل وجنون فأنت تهذر وتهذي ولا تدري ما تقول. فأجابهم قائلا {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون} فأعلن براءته في وضوح من آلهتهم وأنه لا يخافها إبطالا لدعواهم أنَّها أصابته بسوء وأعلمهم أنه يشهد الله على ذلك، ثم أمرهم أن يشهدوا هم كذلك2. وقوله {من دونه} أي من دون الله من سائر الآلهة والشركاء ثم تحداهم مستخفا
    بهم وبآلهتهم، فقال {فكيدوني3 جميعا} أي احتالوا على ضري ثم لا تنظرون أي لا تؤخرون ولا تمهلون، ثم كشف لهم عن مصدر قوته وهو توكله على ربّه فقال {إني توكلت على الله ربي وربكم} أي فوضت أمري إليه وجعلت كل ثقتي فيه فهو لا يسلمني إليكم ولا يخذلني بينكم. ثم أعلمهم بإحاطة قدرة الله بهم وقهره لهم فقال {وما من4 دابّة إلا هو آخذ بناصيتها5} أي قاهر لها متحكم فيها يقودها حيث شاء وينزل بها من العذاب ما يشاء، ثم أعلمهم أن ربّه تعالى على طريق العدل والحق فلا يُسلط أعداءه على أوليائه، فقال {إن ربّي على صراط مستقيم} فلذا أنا لست بخائف ولا وجل ثم قال لهم {فإن تولوا} أي فإن تدبروا عن الحق وتعرضوا عنه فغير ضائري ذلك إذ أبلغتكم ما أرسلني به ربي إليكم وسيهلككم ويستخلف قوماً غيركم6، ولا تضروه شيئاً من الضرر لا قليلاً ولا كثيراً، {إن ربّي على كل شيء حفيظ} أي رقيب، وسيجزي كلا بما كسب بعدله ورحمته. وله الحمد والمنة.
    هداية الآيات
    من هداية الآيات:
    1- بيان مدى مجاحدة ومكابرة المشركين في كل زمان ومكان.
    2- تشابه الفكر الشركي وأحوال المشركين إذ قول قوم هود {إن نقول إلا اعتراك} .. الخ. يردده جهلة المسلمين وهو فلان ضربه الولي الفلاني.
    3- مواقف أهل الإيمان واحدة فما قال نوح لقومه متحدياً لهم قاله هود لقومه.
    4- تقرير مبدأ أن كل شيء في الكون خاضع لتدبير الله لا يخرج عما أراده له أو به.
    __________

    1 عراه واعتراه بممنى واحد، وهو: أصابك، يقال: اعتراني كذا، أي، أصابني، كما يقال: عراني نعاس أو تفكير أي: أصابني.
    2 ما أمرهم بالشهادة لكونهم أهلا لها، وإنما زيادة في التقرير، وخالف بين الفعلين حتى لا يسوي بين شهادة الله تعالى وشهادتهم.
    3 في قوله: {فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون} علم من أعلام النبوة إذ لا يقدر فرد أن يقول لأمّة بكاملها: افعلي بي من الشر والأذى ما تستطيعين إلاّ أن يكون نبياً عالما بقدرة الله تعالى على حفظه وحمايته، وقد وقف هذا الموقف نوح من قبل ووقفه محمد بعد صلى الله عليهم أجمعين وسلم تسليماً.
    4 كل ما فيه روح يقال له دابّ، والتاء فيه: للمبالغة، فيقال. دابة بالغة في الدبيب.
    5 الناصية: ما انسدل من شعر الرأس على الجبهة، والأخذ: الإمساك، وهذا كناية عن التمكن والقدرة الكاملة على التصرف في المخلوقات.
    6 أي: يخلق من هم أطوع لله تعالى منكم فيعبدونه ويوحدّونه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #498
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (8)
    الحلقة (497)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 555الى صــــ 558)


    وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُم ْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
    شرح الكلمات:
    ولما جاء أمرنا: أي بعذابهم وهي الريح الصرر.
    برحمة منا: أي بفضل منا ونعمة.
    جبار عنيد: أي مستكبر عن الحق لا يذعن له ولا يقبله.
    ويوم القيامة: أي ولعنة في يوم القيامة.
    ألا بعداً لعاد: أي هلاكاً لعاد وإبعاداً لهم من كل رحمه.
    معنى الآيات:
    مازال السياق في هود وقومه قال تعالى {ولما جاء أمرنا} أي عذابنا1 {نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة2 منا} أي بلطف وفضل ونعمة {ونجيناهم3 من عذاب غليظ} هو عذاب يوم القيامة فهما نجاتان نجاة في الدنيا من عذاب الريح العقيم الصرر التي دمرت كل شيء بأمر ربها ونجاة من عذاب النار يوم القيامة وهي أعظم. وقوله تعالى {وتلك عاد} أي هذه عاد قوم هود جحدوا بآيات4 ربهم فلم يؤمنوا وعصوا رسله أي هوداً وجمُع لأن من كذب برسول كأنما كذب بكل الرسل {واتبعوا أمر كل جبار عنيد5} أي اتبعوا أمر دعاة الضلالة من أهل الكبر والعناد للحق فقادوهم إلى سخط الله وأليم عقابه وقوله {واتبعوا في هذه الدنيا لعنة} أي اتبعهم الله غضبه وسخطه وهلاكه، ويوم القيامة كذلك وأشد. ويختم الحديث عن هذه القصة بقول الله تعالى {ألا إن عاداً كفروا ربهم} أي جحدوه فلم يعترفوا بألوهيته وعبادته {ألا6 بعداً} أي هلاكاً لعادٍ قوم هود. فهل يعتبر مشركو قريش بهذه القصة فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا ويفلحوا.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- تقرير التوحيد إذ القصة كلها مسوقة لذلك.
    2- بيان سنة الله في الأولين وهي انه لبعث الرسل مبشرين ومنذرين فَإنِ استجابَ المرسل إليهم سعدوا، وإن لم يستجيبوا يمهلهم حتى تقوم الحجة عليهم ثم يهلكهم، وينجي المؤمنين.
    3- التنديد بالكبر والعناد إذ هما من شر الصفات الخلقية في الإنسان.
    4- اتباع الطغاة والظلم والكفر والفساد لا تقود إلا إلى الدمار والخسار.
    __________

    1 بهلاك عاد.
    2 في صحيح مسلم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لن ينجي أحداً منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة".
    3 قبل: كانوا ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف نسمة ما بين رجل وامرأة.
    4 المراد من الآيات: المعجزات وأنكروها.
    5 العنيد والعنود، والعاند والمعاند: المعارض، المخالف.
    6 والبعد: التباعد عن الخير أيضاً.

    ****************************** *************
    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُ مْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوه ُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
    شرح الكلمات:
    وإلى ثمود: أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود.
    أخاهم صالحاً: أي في النسب لأنه من قبيلة ثمود، بينه وبين ثمود أبي القبيلة خمسة أجداد.
    واستعمركم: أي جعلكم عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإقامة فيها.
    قريب مجيب: أي من خلقه، إذ العوالم كلها بين يدله ومجيب أي لمن سأله.
    مرجوا قبل هذا: أي قبل أن تقول ما قلت كنا نرجو أن تكون سيداً فينا.
    أرأيتم: أي أخبروني.
    على بيّنة من ربي: أي على علم بربي علمنيه سبحانه وتعالى فهل يليق بي أن أعبد غيره.
    غير تخسير: أي خسار وهلاك.
    معنى الآيات:
    هذه بداية قصة صالح مع قومه إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه {وإلى ثمود1 أخاهم صالحا! أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين صالحاً. فقال {يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فناداهم بعنوان القومية جمعا لقلوبهم على ما يقول لهم فقال {يا قوم اعبدوا الله} أي آمنوا به ووحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه أحداً. إذ ليس لكم من إله غيره. إذ هو ربكم أي خالقكم ورازقكم ومدير أمركم. {أنشأكم من الأرض} أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها {واستعمركم2 فيها} أي جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها، إذا فاستغفروه بالاعتراف بألوهيته ثم توبوا إليه فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً. وقوله {إنّ ربّي قريب مجيب} أخبرهم بقرب الربّ تعالى من عباده وإجابته لسائليه ترغيباً لهم في الإيمان والطاعة، وترك الشرك والمعاصي. هذا ما تضمّنته الآية الأولى (61) أما الآية الثانية فقد تضمنت رد القوم عليه عليه السلام إذ قالوا بما اخبر تعالى عنهم {يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي كنا نأمل فيك الخير ونرجو أن تكون سيداً فينا حتى فاجأتنا بما تدعونا إليه من ترك آلهتنا لإلهك ثم أنكروا عليه دعوته فقالوا {أتنهانا3 أن نعبد ما يعبد آباؤنا} وأخبروه أنهم غير مطمئنين إلى صحة ما يدعوهم إليه من توحيد الله تعالى فقالوا {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} أي موقع في الريب وهو اضطراب النفس وعدم سكونها إلى ما قيل لها أو أخبرت به هذا ما تضمنه الآية الثانية (62) أما الآية الثالثة (63) فقد تضمنت دعوة صالح لقومه بأسلوب رفيع رغبة منه في إقامة الحجة عليهم لعلهم يؤمنون ويوحدون إذ قال بما أخبر الله تعالى في قوله: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي} أي على علم يقيني بالإيمان بربي ووجوب عبادته وتوحيده وآتاني منه رحمة وهي النبوة والرسالة، فمن ينصرني4 من الله إن عصيته اللهم إنه لا أحد أبداً إذاً فإنكم ما تزيدونني إن أنا أطعتكم في ترك عبادة ربي والرضا بعبادة آلهتكم إلا خساراً5 وضلالاً في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة..
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- وحدة الوسيلة والغاية عند كافّة الرسل فالوسيلة عبادة الله وحده، والغاية رضا الله والجنة.
    2- تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره إن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به.
    3- بيان سنة في الناس وهي أن المرء الصالح يرجى في أهله حتى إذا دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه وقد يصارحونه بما صارح به قوم صالح نبيّهم إذ قالوا {قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} .
    4- حرمة الاستجابة لأهل الباطل بأي نوع من الاستجابة، إذ الاستجابة لا تزيد العبد إلا خساراً.
    __________

    1 اختلف في صرف ثمود فمن القراء من صرفه أبداً وإلى ثمود بالجر والتنوين ومنهم من صرفه في موضع من القرآن ومنه في موضع آخر ولكل فيما رآه وجه صحيح.
    2 استعمر بمعنى أعمر كاستجاب بمعنى أجاب أعمركم جعلكم تعمرونها فأنتم عمارها إلى نهاية آجالكم المحددة لكم، وليس هذا من باب استسهل الشيء إذا وجده سهلاً واستصعبه إذا وجده صعباً فإن الله تعالى لا يعجزه شيء وفي الآية دليل على العمري وهو أن يقول مالك لآخر أعمرتك داري فتصبح له واختلف هل تبقى لذريته بعد موته أو هي له ما دام حياً فإذا مات عادت لمن أعمره إياها مذهبان مشهوران وفي الحديث العمري جائزة والعُمري لمن وهبت له.
    3 الاستفهام للإنكار.
    4 الاستفهام للنفي أي لا أحد ينصرني.
    5 اختلف في توجيه قوله عليه السلام فما تزيدونني غير تخسير فمن قائل: غير بصيرة بخسارتكم ومن قائل التخسير لهم لا له عليه السلام وأوجه الأقوال ما في التفسير وأشكل لفظ زيادة التخسير والخروج منه أنه يعرض بهم فأفهمهم أنهم في خسران كقوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} ثم بشركهم يزدادون خسراناً وتخسيراً أعظم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #499
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (9)
    الحلقة (498)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 558الى صــــ 563)

    وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)
    شرح الكلمات:
    آية.: أي علامة على صدقي فيما جئتكم به من أنه لا إله إلا الله.
    فذروها تأكل في أرض الله: أي اتركوها ترعى في المراعي غير المحميّة لآحد.
    بسوء: أي كضربها أو قتلها، أو منعها من الماء الذي تشرب منه.
    فعقروها: أي قتلوها بالعقر الذي هو قطع قوائمها بالسيف.
    تمتعوا في دياركم: أي ابقوا في دياركم تأكلون وتشربون وتتمتعون في الحياة ثلاثة أيام.
    وعد غير مكذوب: أي صادق لم أكذبكم فيه ولم يكذبني ربي الذي وعدكم به.
    في ديارهم جاثمين.: أي ساقطين على ركبهم ووجوههم.
    كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يكونوا بها أمس ولم تعمر بهم يوما.
    معنى الآيات:
    مازال السياق في الحديث عن صالح وقومه. إنه لما دعاهم صالح إلى توحيد الله تعالى كذبوه وطالبوه بما يدل على صدق ما دعا إليه فأجابهم صالح بما أخبر تعالى به في هذه الآية {ويا قوم1 هذه ناقة الله لكم آية} وذلك أنهم سألوا أن يخرج لهم ناقة من جبل أشاروا
    إليه فدعا صالح ربّه فاستجاب الله تعالى له وتمخض الجبل عن ناقة عشراء هي عجب في خلقتها وكمالها فقال عندئذ {يا قوم هذه ناقة الله} أضافها إلى الله لأنها كانت بقدرته ومشيئته {لكم آية} أي علامة لكم على صدق ما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان، فذروها2 تأكل في أرض الله أي خلّوها تأكل من نبات الأرض من المراعي العامة التي ليست لأحد، ولا تمسوها بسوء كعقرها أو ذبحها وقتلها فيأخذكم عذاب قريب3 قد لا يتأخر أكثر من ثلاثة أيام. فكذبوه فعقروها فلما رأى ذلك قال لهم بأمر الله {تمتعوا في داركم4 ثلاثة أيام} أي عيشوا فيها. {ذلك وعد غير مكذوب} أي ذلك الوعد وعد صادق غير مكذوب فيه. هذا ما دلت عليه الآيتان (64- 65) وقال تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا} أي لما اكتملت المدة التي حددت لهم وجاء أمر الله بعذابهم نجى الله تعالى رسوله صالحاً والمؤمنين برحمة منه أي بلطف ونعمة منه عز وجل وقوله {ومن خزي5 يومئذ} أي ونجاهم من ذل ذلك اليوم وعذابه، وقوله {إن ربك قوي عزيز} أي إن ربك يا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوي إذا بطش عزيز غالب لا يٌغلب على أمر يريده. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (66) وأما الآيتان بعد فقد أخبر تعالى فيهما عن هلاك ثمود بقوله {وأخذ الذين ظلموا الصيحة6 فأصبحوا في ديارهم جاثمين} أي إنّ الذين أشركوا بربهم وكذبوا بآياته أخذتهم الصيحة فانخلعت لها قلوبهم فهلكوا وأصبحوا في ديارهم جاثمين على ركبهم كأن لم يغنوا بديارهم ولم يعمروها قال تعالى {ألا إن ثموداً كفروا ربّهم ألا بعداً لثمود} أي هلاكاً لثمود، وبهذا التنديد والوعيد بعد الهلاك والعذاب المخزي انتهت قصة صالح مع قومه ثمود الذين آثروا الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد
    هداية الآيات:
    هن هداية الآيات:
    1- إعطاء الله تعالى الآيات للمطالبين بها لا يستلزم الإيمان بها.
    2- آية صالح عليه السلام من أعظم الآيات ولم يؤمن عليها قومه.
    3- إقامة ثلاثة أيام لا يعد صاحبها مقيما وعليه أن يقصر الصلاة.
    4- شؤم الظلم وسوء عاقبة أهله.
    __________

    1 هذه ناقة الله لكم آية مبتدأ وخبر وآية منصوب على الحال.
    2 ذروها أمر، وماضيه وذر شاذ وكذا اسم الفاعل فلا يقال وذر فهو واذر، والمستعمل منه المضارع والأمر لا غير. ومعناه ترك وبه استغنى عن وذر.
    3 أي من يوم قتلها وهو كذلك فلم يتأخر.
    4 ليتمتع كل واحد منكم في داره عن ثلاثة أيام إذ عقروا الناقة يوم الأربعاء فأصبحوا يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة وأصبحوا يوم الجمعة وهو اليوم الثاني من أيام التمتع في ديارهم ووجوههم محمرة وأصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة وأخذوا صباح الأحد.
    5 من فضيحته وذلته وقرأ نافع بنصب يومئذ وقرأ غيره بكسرها على الإضافة.
    6 جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض فخروا على الأرض جاثمين جثوم الطير على الأرض إذا الصقت بطونها بها وسكنت لا تتحرك.

    ****************************** ********
    وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73)
    شرح الكلمات:
    بالبشري: أي بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب.
    فما لبث: أي ما أبطأ.
    بعجل حنيذ: أي مشوي على الحجارة.
    معنى الآيات:
    هذه بشارة إبراهيم عليه السلام التي بشره الله تعالى بها إذ قال تعالى {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى1} والمراد بالرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل، إذ دخلوا عليه داره فسلموا عليه فرد عليهم السلام وهو معنى قوله تعالى {قالوا سلاما2 فقال سلام} وقوله تعالى {فما لبث أن جاء3 بعجل حنيذ} أي لم يبطأ حتى جاء بعجل4 مشوي فحنيذ بمعنى محنوذ وهو المشوي على الحجارة. فقربه إليهم وعرض عليهم الأكل بقوله {ألا تأكلون5} فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أي لم يتناولوه نكرهم بمعنى أنكرهم وأوجس منهم خيفة لأن العادة أن الضيف إذا نزل على أحد فقدم إليه طعاماً فلم يأكل عرف أنه ينوي شراً ولما رأت الملائكة ذلك منه قالوا له لا تخف وبينوا له سبب مجيئهم فقالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لإهلاكهم وتدميرهم بسبب إجرامهم. وكانت امرأته قائمة وراء الستار تخدمهم مع إبراهيم. فلما سمعت بنبأ هلاك قوم لوط ضحكت فرحاً بهلاك أهل الخبث فعندئذ بشرها الله تعالى على لسان الملائكة بإسحق ومن بعده يعقوب أي بولد وولد ولد، فلما سمعت البشرى صكت وجهها تعجباً على عادة النساء وقالت {ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي} تشير إلى زوجها إبراهيم {شيخا} أي كبير السن إذ كان سنه يومئذ مائة سنة وسنها فوق التسعين. {إن هذا لشيء عجيب} أي ولادتي في هذه السن أمر يتعجب منه. قالوا أتعجبين من أمر6 الله {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} أي بيت إبراهيم، {إنه حميد مجيد} أي محمود بإفضاله وإنعامه عليكم {مجيد} أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة إبراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم عليه السلام، والبشارة هنا لإبراهيم {إنه حميد مجيد} أي محمود بإِفضاله وإنعامه عليكم {مجيد} أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة ابراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم عليه السلام، والبشارة هنا لإبراهيم، وزوجه سارة معاً وهي مزدوجة إذ هي بهلاك الظالمين، وبإسحاق ويعقوب.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له ولو بالرؤيا الصالحة.
    2- مشروعية السلام7 لمن دخل على غيره أو وقف عليه أو مرّ به ووجوب رد السلام.
    3- مشروعية خدمة أهل البيت8 لضيوفهم ووجوب إكرام الضيف وفي الحديث الصحيح "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
    4- شرف أهل بيت إبراهيم عليه السلام.
    __________

    1 قيل أن البشرى كانت بإسحاق وقيل بإهلاك قوم لوط والظاهر أنها بإسحق.
    2 سلاماً نصب بوقوع فعل قالوا نحو قال فلان خيراً ويجوز عربيّة الرفع والنصب في قوله تعالى {قالوا سلاماً قال سلام} ، والرفع يكون على تقدير مبتدأ أي هو سلام، وسلام عليكم وجاز الابتداء بالنكرة لكثرة تكرار هذا اللفظ نظيره لا هم حيث حذفوا الألف واللام لكثرة استعمال اللهم.
    3 إن هنا بمعنى حتى قاله كبراء النحو أي فما لبث حتى جاءهم.
    4 في الآية دليل على فضل الضيافة ومشروعيتها والندب إليها إذ هي من خلق البشر وفي الحديث، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه والضيافة ثلاثة أيام".
    5 ذكر الطبري رحمه الله تعالى أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل وقال للملائكة ألا تأكلون! قالوا لا نأكل طعاماً إلا بثمن قال كلوه بثمنه قالوا وما ثمنه؟ قال أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل لأصحابه حق للرجل أن يتخذه ربّه خليلا.
    6 من أمر الله أي قضائه وقدره.
    7 في الآية دليل على أن لفظ السلام ينتهي بكلمة وبركاته.
    8 في الآية دليل على أن امرأة الرجل تعد من أهل بيته.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #500
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,647

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة هود - (10)
    الحلقة (499)
    تفسير سورة هود مكية
    المجلد الثانى (صـــــــ 564الى صــــ 566)

    فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)
    شرح الكلمات:
    الروع1: الفزع والخوف.
    البشرى: أي الخبر السار المفرح للقلب.
    يجادلنا: أي يخاصمنا.
    في قوم لوط: أي في شأن هلاك قوم لوط، ولوط هو رسول الله لوط بن هاران بن عم إبراهيم.
    حليم أواه: الحليم الذي لا يعامل بالعقوبة والأواه كثير التأوه مما يسيء ويحزن.
    أعرض عن هذا: أي اترك الجدال في قوم لوط.
    غير مردود: أي لا يستطيع أحد رده لأن الله تعالى قد قضى به فهو واقع لا محالة.
    معنى الآيات:
    مازال السياق الكريم في الحديث عن بشارة إبراهيم قال تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي الفزع والخوف من الملائكة قبل أن يعرفهم وجاءته البشرى بالولد وبهلاك قوم لوط أخذ يجادل الملائكة في شأن هلاك قوم لوط لأجل ما بينهم من المؤمنين فقال إن فيها لوطاً فأجابوه بقولهم الذي ذكر تعالى في سورة العنكبوت {نحن أعلم بمن فيها لننجيّنه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} وقوله تعالى {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} 2 تعليل لمجادلة إبراهيم الملائكة في قوم لوط، وذلك أن إبراهيم رقيق القلب حليم لا يعامل بالعقوبة فأراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يتوبون، وكان أواهاً ضارعا قانتا يكثر من قول آه إذا رأى أو سمع3 ما يسوء ومنيباً أي توابا رجاعاً إلى ربّه في كل وقت. ولما الحّ إبراهيم في مراجعة الملائكة قالوا له يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال إنه قد جاء4 أمر ربك أي بهلاك القوم. {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} أي غير مدفوع من أحد وهو ما سَيُذْكَرُ في السياق بعد.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- مشروعية الجدال عمن يُرجى له الخير من الناس، وذلك في غير الحدود الشرعية إذا رفعت إلى الحاكم.
    2- فضيلة خلق الحلم.
    3- فضل الإنابة إلى الله تعالى.
    4- قضاء الله لا يرد أي ما حكم الله به لابد واقع.
    __________

    1 يقال ارتاع يرتاع من كذا إذا خاف قال النابغة.
    فارتاع من صوت كلاّب فبات له
    طوع الشوامت من خوف ومن ضرر
    الشاعر يصف ثوراً وحشياً والكلاب: صاحب الكلاب.
    2 المنيب: الراجع يقال أناب إذا رجع وإبراهيم كان راجعاً إلى ربه في أموره كلها والأواه الكثير لقول أوّه وأواه اسم فعل. نائب مناب اتوجع.
    3 جائز أن يكون هذا وحياً أوحاه الله تعالى إلى إبراهيم وجائز أن يكون قول الملائكة، وأمر الله قضاؤه بإهلاك قوم لوط.
    4 في هذا دليل على رحمة إبراهيم القلبية فما أن يرى أو يسمع ما يضر أو يسيء إلاّ أخذ في التأوه والتحسر والتحزن، وقيل اسم إبراهيم مركب من كلمتين: أب رحيم، وظهر هذا في سلوكه ورحمته.

    ****************************** ***************
    وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)
    شرح الكلمات
    سيء بهم: أي حصل له غم وهم بمجيئهم إليه.
    وضاق بهم ذرعا1: أي عجزت طاقته عن تحمل الأمر.
    يوم عصيب: أي شديد لا يحتمل.
    يهرعون إليه: أي مدفوعين بدافع الشهوة يمشون مسرعين في غير اتزان.
    السيئات: أي كبائر الذنوب بإتيان الذكور.
    ولا تخزون في ضيفي: أي لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لضيفي.
    رجل رشيد: أي ذو رشد وعقل ومعرفة بالأمور وعواقبها.
    أو آوى إلى ركن شديد: أي إلى عشيرة قوية تمنعني منكم. ولم تكن له عشيرة لأنه من غير ديارهم.
    معنى الآيات:.
    هذه فاتحة حديث لوط عليه السلام مع الملائكة ثم مع قومه قال تعالى {ولما جاءت رسلنا} وهم ضيف إبراهيم عليه السلام {لوطاً سيىء بهم} أي تضايق وحصل له هم وغم خوفا عليهم من مجرمي قومه. وقال هذا يوم عصيب أي شديد لما قد يحدث فيه من تعرض ضيفه للمذلة والمهانة وهو بينهم هذا ما دلت عليه الآية الأولى (77) أما الثانية (78) فقد أخبر تعالى عن مجيء قوم لوط إليه وهو في ذلك اليوم الصعب والساعة الحرجة فقال عز وجل {وجاءه قومه يهرعون إليه2} أي مدفوعين بدافع الشهوة البهيمية مسرعين ومن قبل3 كانوا يعملون السيئات أي من قبل مجيئهم كانوا يأتون الرجال في أدبارهم فأراد أن يصرفهم عن الضيف فقال {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم4} أي هؤلاء نساء الأمة هن أطهر لكم فتزوجوهن. واتقوا الله أي خافوا نقمته ولا تخزوني في ضيفي أي لا تهينوني ولا تذلوني فيهم. أليس منكم رجل رشيد؟ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فأجابوه لعنهم الله قائلين: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق أي من رغبة وحاجة5، وإنك لتعلم ما نريد أي من إتيان الفاحشة في الرجال. وهنا قال لوط عليه السلام: {لو أن لي بكم قوة} أي أنصاراً ينصرونني وأعواناً يعينوني لحلت بينكم وبين ما تشتهون، أو آوي إلى ركن شديد يريد عشيرة قوية يحتمي بها فتحميه وضيفه من قومه المجرمين.
    هداية الآيات:
    من هداية الآيات:
    1- فضيلة إكرام الضيف وحمايته من كل ما يسوءه..
    2- فظاعة العادات السيئة وما تحدثه من تغير في الإنسان.
    3- بذل ما يمكن لدفع الشر لوقاية لوط ضيفه ببناته6.
    4- أسوأ الحياة أن لا يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
    5- إظهار الرغبة في القوة لدفع الشر وإبعاد المكروه ممدوح.
    __________

    1 أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه، ويقال ضاق وسعه وطاقته وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوه فإذا عمل عليه أكثر من طوقه ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع.
    2 الاهراع السرعة في المشي مع رعدة. يقال أهرع الرجل إهراعاً إذا أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حُمَّى فهو مهرع وفعله على صيغة المبني للمجهول دائماً لأن أصله من مشى الأسير الذي يسرع به.
    3 جائز أن يكون من قبل مجيء لوط إليهم، وجائز أن يكون من قبل مجيء الضيف وهم الرسل عليهم السلام.
    4 أراد نساء الأمة إذ نبي القوم أب لهم شاهده قراءة ابن مسعود، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم الآية من سورة الأحزاب.
    5 قيل أنهم كانوا خطبوا بناته ولم يزوجهم بهن إذ سنتهم أن الرجل إذا خطب امرأة ثم لم يعطها لا تحل له بعد ولذا قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وما في التفسير أوجه.
    6 هذا بناء على أن المراد من قوله هؤلاء بناتي: إنهن بناته لصلبه لا بنات أمته وحتى ولو كان المراد بنات القوم فإن فيه معنى دفع الشر بشر أخف.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •