تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 16
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 16 من 17 الأولىالأولى ... 67891011121314151617 الأخيرةالأخيرة
النتائج 301 إلى 320 من 328

الموضوع: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

  1. #301
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (76)
    الحلقة (300)

    تفسير سورة النساء (79)

    لعن الله تعالى بني إسرائيل لجحودهم وعتوهم عن أمره سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله بعض أفعالهم التي جعلتهم يستحقون اللعن، فذكر منها سبحانه نقضهم للعهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بما في التوراة، وكفرهم بآيات الله المنزلة على عيسى ومن بعده ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقتلهم أنبياء الله، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً، وادعائهم قتل عيسى عليه السلام.
    تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم والأيام الثلاثة بعده ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الخمس، فهيا نتغنى بها أولاً ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها؛ لنكون بالفعل قد تدارسنا كتاب الله، وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159].تأملوا يفتح الله عليكم، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [النساء:155]، هذه أربع جرائم، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159].نوجز في شرح هذه الآيات ثم نأخذ في بيانها من الكتاب، فأولاً: هذه الآيات نزلت من أجل تسلية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحمله على الصبر والثبات، وذلك مما يعانيه من اليهود وما يطرحونه من فظائع الكلام، لأنه كان في المدينة ثلاث قبائل من قبائل اليهود الكبرى، وهم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، وكان فيهم العلماء، ووراءهم من جهة الشام خيبر وفدك إلى غير ذلك، فكانوا يؤلمون النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل الله تعالى عليه هذه الآيات تفضحهم وتكشف سوءتهم وتريهم الحق لو أرادوا قبوله، وفي نفس الوقت هي تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ‏
    من أسباب لعن اليهود نقض العهود والمواثيق
    فَبِمَا نَقْضِهِمْ [النساء:155]، أي: بسبب نقضهم ميثاقهم، فما آمنوا بعيسى ولا التزموا بشريعة التوراة، فقد قتلوا زكريا وقتلوا ولده يحيى، والميثاق المأخوذ عليهم أيام موسى قد نقضوه وحلوه وما التزموا به، وهذه جريمة باقية على جباههم. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، وقد ذمهم الله تعالى على نقض الميثاق، والميثاق هو العهد المؤكد باليمين، وميثاقنا نحن المسلمين هو أن كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد عقد مع ربه عقداً وميثاقاً، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، فمن شهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد وجب عليه ألا ينقض هذا العهد، ونقضه يكون بعبادة غير الله، أو بترك عبادة لله تعالى، أو اتباع غير رسول الله، والميثاق الذي بيننا وبين الله إن وفينا به أكرمنا بنعيم دار السلام، وإن نقضناه كما نقضه بنو عمنا من اليهود فالمصير معروف، ولذلك من قال: أشهد أن لا إله إلا الله فيجب عليه أن يعبد الله الذي شهد له بالعبادة، ثم كيف يشهد أنه المعبود الحق ولا يعبده؟! أيضاً ألا يعبد معه غيره؛ لأنه قال: لا يعبد إلا الله، فكيف يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات؟! ولذا ومن شهد أن محمداً رسول الله فيجب أن يمشي وراءه لا أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، وإنما يتبعه، فيأكل كما يأكل، ويشرب كما يشرب، فضلاً عن أن يجاهد كما يجاهد، ويصوم ويصلي كما صام وصلى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد خان عهده ونقضه.
    من أسباب لعن اليهود كفرهم بآيات الله المنزلة على محمد وعيسى عليهما السلام
    فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، أولاً، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ [النساء:155]، ثانياً، فقد كفروا بالقرآن الكريم، وكفروا بآيات الله في الإنجيل، وكفروا بآيات الله في التوراة التي تحمل الهداية والوصايا الربانية.
    من أسباب لعن اليهود قتلهم الأنبياء
    وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ [النساء:155]، كم نبياً قتلوا؟ يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً في يوم واحد، وفي المساء أسواقهم عامرة يبيعون ويشترون، وكأن شيئاً لم يحدث، وذلك لقساوة قلوبهم. وعلى سبيل المثال فقد قتلوا زكريا وولده يحيى بنص القرآن، كما أنهم حاولوا قتل عيسى وصلبه، وحاولوا قتل النبي الخاتم محمد ثلاث مرات حتى سقوه السم والعياذ بالله. وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [النساء:155]، وهل يقتل نبي بحق؟ إن هذا من باب المبالغة، وفرضاً لو كان قتله حقاً فلا بأس، ولكن هم قتلوا الأنبياء بغير الحق.
    من أسباب لعن اليهود قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام
    وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [النساء:155]، وغلف جمع: أغلف، والأغلف هو المملوء والمغطى بالعلم، فلا يحتاج إلى معرفة، ولك أن تقول: غلف بمعنى: قلوبنا مملوءة، أي: ما عندنا ما نأخذ من علمك يا محمد، أو لسنا في حاجة إلى ما تقوله لنا، أو ما نحن بحاجة إلى هذا العلم يا محمد، فقلوبنا ملأى بالعلم والمعرفة قبلك، وقد كانوا يقولون له هكذا حتى لا يؤمنوا به ولا يتابعوه.
    طبع الله على قلوب اليهود بسبب جرائمهم الشنيعة
    فرد الله تعالى عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا [النساء:155]، أي: على تلك القلوب، فتراكمت عليها الذنوب والآثام والجرائم فأصبحت أكواماً على تلك القلوب، فغطتها وحجبتها من أن تقبل الهداية. بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155]، و(الباء) هنا سببية، أي: بسبب كفرهم، وكفرهم أنواع. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155]، أي: ما دام أن الطبع قد وقع على القلب فقلَّ من يؤمن، ولذا فقد كانت دعوة الرسول بين اليهود كذا من السنين، ومع ذلك لم يؤمن أكثر من عشرة أنفار من علماء اليهود، وهذا إخبار الله تعالى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155] .
    تفسير قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ...)
    وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157].ومع ربنا في بيان هذه الجرائم اليهودية، قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ [النساء:157]، أي: وبقولهم، إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء:157]، وهذه صيغة التبجح والتعنتر، وهل يتبجح العاقل بالكفر؟! وهل لمؤمن أن يقتل مؤمناً ويقول: قتلته؟! إن هذا قلبه ميت، لكن هؤلاء يتبجحون بأنهم قتلوه، وهل فعلاً قتلوه؟ قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، وذلك لما حاصروا برجالهم بيته ومنزله، وما فتح لهم الباب فاقتحموه، فرفعه الله عز وجل من السقف وألقى الشبه على رئيس شرطتهم يهوذا، فلما شاهدوه ظنوا أنه عيسى، فاجتمعوا عليه وسحبوه وأخرجوه من البيت، ثم أعدوا له المشنقة وصلبوه على خشبة وقتلوه وهو على تلك الخشبة. ولذا لو يجتمعون كلهم ويقولون: إن الذي صلب هو عيسى، والله يقول: ليس بعيسى، فمن تصدقون؟ الله، إذ إننا لا نحتاج إلى كلامهم الباطل، مع أنهم قد كتبوا في هذا الكثير من الكتب، بل وجادلوا النصارى على أنهم قد قتلوا عيسى علبه السلام، ونحن يكفينا فقط كلام ربنا: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء:157]، والصلب هو الوضع على عود أو على خشبة ثم القتل. وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ [النساء:157]، بعدما صلبوه صار الشك بينهم، فمنهم من يقول: عيسى، ومن يقول: ليس بعيسى، وما وجدوا من يحل مشكلتهم، حتى الذين قالوا: قتلناه هم في شك أيضاً، إذ إنهم يدعون أنه بعد ثلاثة أيام من دفنه نبشوا عن قبره فما وجدوا إلا الكفن، أين ذهب عيسى؟! الله أعلم، وكلها أباطيل وترهات وأكاذيب، ونحن والحمد لله قد بين الله لنا الطريق حتى لا نرتاب ولا تشك أبداً.
    تفسير قوله تعالى: (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً)
    بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]، أي: رفعه الله إلى الملكوت الأعلى كما رفع محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد خرج عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانئ بجوار المسجد وأجريت له عملية غسل القلب وتطهيره بماء زمزم ليصبح أهلاً لأن ينزل بالملكوت الأعلى، ثم أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى الملكوت الأعلى، وتم ما علمتم من حوار بينه وبين ربه في فرضية خمسين صلاة، ثم عاد عليه الصلاة والسلام، قالت أم هانئ رضي الله عنها: وفراشه ما زال دافئاً ما برد. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، أي: إلى الملكوت الأعلى في جواره، وسينزله في آخر الزمان، ونزوله علم وعلامة من علامات قيامة الناس، إذ قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف:61]، فإذا نزل عيسى على المنارة البيضاء بمسجد دمشق فقد انتهى أمر الإيمان والإسلام أو الإيمان والكفر، إذ المؤمن مؤمن والكافر كافر. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا [النساء:158]، أي: غالباً لا يغالب أبداً، ولا يحال بينه وبين أمر يريده، حَكِيمًا [النساء:158]، أي: حكيماً في كل أعماله وحكمه وقضائه.
    تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب ليؤمنن به قبل موته...)
    وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159]. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:159]، و(إن) هنا نافية بمعنى: (ما)، أي: ما من أهل الكتاب أحد، إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159]، أي: قبل موت الكتابي لا قبل موت عيسى، وذلك أن النصراني كان يقول في عيسى: هو ابن الله، وهذا كفر والعياذ بالله، وكان يقول: هو ثالث ثلاثة مع الله، وهذا أيضاً كفر بالله تعالى، ولما يجيء ملك الموت وأعوانه لقبض روحه، تغرغر النفس وتنتهي الحياة فيعرف أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن تلك الترهات والأباطيل والخرافات كلها باطلة.وكذلك اليهودي ما إن يحتضر ويأتي ملك الموت لقبض روحه، ويكون بانقطاع عن الدنيا، حتى يعلم أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس بساحر ولا دجال ولا أمه زانية عاهرة، إذ إن اليهود يقولون: إن مريم البتول قد زنت بيوسف النجار وكان عبداً صالحاً، كذبوا ورب الكعبة، ولعنة الله على الكاذبين، ونحن والحمد لله بعدنا عن اليهود وبعدوا عنا، وإلا فهذه العجائب في كل يوم يوجدونها ويثيرونها. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ [النساء:159]، أي: على اليهود والنصارى، شَهِيدًا [النساء:159]، أي: على كفر الكافرين وإيمان المؤمنين.
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير
    هيا نتلو الآيات مرة أخرى ونأخذ في شرحها من الكتاب لنزداد علماً وبصيرة، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159]، أي: يشهد على إيمان المؤمنين وكفر الكافرين.
    معنى الآيات
    قال الشارح غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق المبارك الكريم، وهي: أولاً: نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بما في التوراة ]، وتذكرون لما أخذ موسى السبعين رجلاً ليتوب الله عليهم بعد جريمة عبادة العجل، لما انتهوا أخذ الله عليهم الميثاق أن يعملوا بالتوراة فرفضوا وقالوا: ما نستطيع، نحن ضعاف، فرفع الله الجبل فوقهم فقال: تقبلون أو نسقطه فوقكم؟ فقالوا: آمنا بالله، ونعاهده أن نعمل بها، وما إن عادوا حتى نقضوها، فهذه واحدة.قال: [ ثانياً: كفرهم بآيات الله المنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، ثالثاً: قتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى وغيرهم، وهم كثير في عهود متباينة، رابعاً: قولهم: قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به، وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر ألا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم، فران عليها الران فغطاها فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، والباء سببية ] كما بينا، أي: فبسبب نقضهم، قال: [ والميم صلة ]، وذلك لتقوية الكلام، قال: [ والأصل فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155]، أي: إيماناً قليلاً، كإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً، خامساً: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، سادساً: قولهم على مريم بهتاناً عظيماً، حيث رموها بالفاحشة، وقالوا: عيسى ابن زنا لعنهم الله.
    زعم اليهود قتلهم لعيسى عليه السلام وافتخارهم بذلك
    سابعاً: قولهم متبجحين متفاخرين: أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، أي: برحل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه، وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158] أي، غالباً على أمره، حكيما في فعله وتدبيره.وأما قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النساء:157] ] أي: هل هو عيسى أو يهوذا؟ قال: [ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157]، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه، هؤلاء اختلفوا في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره؟ ]، ما استطاع واحد أن يثبت شيئاً معيناً، قال: [ إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام ]، فهم دخلوا المنزل فرفع الله عيسى إليه من السقف، ومع هذا ألقوا الحديد الشبه وسحبوه، وما عندهم اليقين الجازم أنه عيسى، وإنما هم مختلفون في ذلك.قال: [ ولذا قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157] ]، أي: باليقين، [ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]. أما الآية الأخيرة في هذا السياق ] والآية الأخيرة هي قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159].
    إيمان اليهود والنصارى بعيسى عند معالجتهم لسكرات الموت وعدم انتفاعهم بذلك
    قال: [ أما الآية الأخيرة في هذا السياق فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ] أي: ساعة الموت، [ ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو بابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى ].وكذلك الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بلقائه ماذا يشاهدون عند سكرات الموت؟ يعرفون أنهم قد هوت بهم الهاوية وزلت أقدامهم، وأنهم من أهل الشقاء والبلاء، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93]، ففي هذه الآية المجرمون الظالمون تهددهم الملائكة بإخراج أرواحهم بالضرب وإن كنا لا نشاهد ذلك.قال: [ أما الآية الأخيرة في هذا السياق فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن ]، وصدق يقيناً، [ بأن عيسى عبد الله ورسوله ]، أي: عبد من عباده الصالحين، ورسول من رسله المبعوثين لهداية الخلق وإصلاح فاسدهم، [ وليس هو ابن زنى كما يقول اليهود ]، واليهود إلى الآن وإن كانوا يخفون هذا أمام النصارى، يقولون: إن عيسى ابن زنا؛ لأن مريم زنت بـيوسف بن النجار، وهو عبد صالح، وهذا الكلام يروج له، ولولا أن الله عصمنا وأبعدنا عن اليهود فقد يقبله الغافلون منا، ويئولون الآيات ويحرفونها.قال: [ ولا ساحر ]، إذ قالوا: إن عيسى ساحر، فتلك الآيات والمعجزات العظام من إحياء الموتى، ويخلق من الطين صورة لطائر فيطير، وإنزال مائدة من الملكوت الأعلى لم تعرف الدنيا مثلها، وأكلها الآباء والأبناء منها، كل هذه قالوا عنها: إن عيسى ساحر. ومما يروى عنهم أن عيسى مر في الشارع وإذا بجنازة طفل صغير، وأمه تبكي عليه، فقالت لعيسى: يا روح الله! ادع الله أن يرد علي ولدي، فدعا الله فانتفض الولد في النعش وقال: حطوه، ومشى مع أمه، فماذا قال اليهود؟ قالوا: هذه مؤامرة تمت بين عيسى وهذه الأم، وطفلها ما مات، وإنما كفنته وادعت أنه قد ميت، ولما مرت بعيسى قالت له: ادع الله لي أن يرد علي ولدي، فدعا والولد ما مات، وهذا هو مكرهم وكيدهم.وقد عرفتم أن العلة هي أنهم يريدون أن يبنوا مجدهم ودولة ومملكة إسرائيل الكبرى، ولهذا هم لا يقبلون نظاماً ولا حزباً ولا جماعة خارجة منهم، ويدل على هذا أن اليهودي لا يزوج ابنته من غير اليهودي إلا لحيلة ومكرة سياسية؛ ليبقى هذا الشعب كما هو من عهد موسى، فهل بلغكم أن يهودية تزوجها مسيحي أو مسلم؟ لا والله، لكن اليهودي قد يتزوج غير اليهودية، ولا يدخلها في ملته إلا في حالات خاصة للكيد والمكر فقط، وللإبقاء على شعب الله المختار كما يزعمون، وأذكركم دائماً فأقول: كان المسيحي لا يستطيع أن يفتح عينيه في اليهودي، وذلك من شدة بغضه له، فهو ينظر إليه على أنه قاتل إلهه، فكيف ينظر إليه؟!إذاً: كيف أصبح اليهود الآن في قلب العالم الصليبي يديرون أمواله وحياته كاملة؟ بالسحر؟ نعم هم يفعلون السحر، بمبدأ البلشفة: لا إله والحياة مادة؟ إن هذا المبدأ الشيوعي هو الذي سخر لهم المسيحية بكاملها، فقد كفر أكثر المسيحيين بوجود الله وأصبحوا بلاشفة، فهذه روسيا العظمى أنكرت وجود المسيح، وتغلغلت الشيوعية حتى دخلت بلاد المسلمين، والذي صنع هذا والله هم اليهود، وذلك حتى يخففوا الضغط عنهم، إذ لو أن المسلمين أو العرب بالذات يكونون دولة في إسرائيل وتبقى إلى الآن والله ما كان، فأولاً: ضربوا القلوب ومزقوا أنوار الله فيها، وهم ما زالوا يحلمون في يوم ما أنهم سيسوسون العالم ويسودونه، فهل عرفتم السر أم لا؟ وإن فشلت الشيوعية فهناك مجالات أخرى، وهي نشر الفسق والفجور في العالم بأسره، وذلك حتى لا يبقى حياء ولا مروءة ولا كرامة، وإنما تهبط البشرية كالبهائم. قال: [ ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإيمان لا ينفع صاحبه؛ لأنه حصل عند معاينة الموت ]، أي: لما يؤمن المسيحي بأن عيسى عبد الله ورسوله وهو يغرغر، أو يؤمن اليهودي بأن عيسى عبد الله ورسوله وليس بساحر ولا ابن زنا، لا ينفعهم ذلك الإيمان أبداً.قال: [ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18] ]، يقول تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، حقاً وصدقاً، لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:17-18]، فهل يتوبون بعد الموت -أي: يوم القيامة- وتقبل توبتهم؟قال: [ هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] ]، لا قبل موت عيسى، وإن قال بهذا من قال؛ لأن أهل الكتاب موجودون من قرنين، فلا يؤمن إلا بعد وجود عيسى، وذلك أن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما أخبرنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فهل ينفع النصارى يومئذ إيمانهم به؟ والله ما ينفع، وهل ينفع اليهودي إيمانه به؟ والله ما ينفع. قال: [ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] ]، أي: موت اليهودي الكتابي أو النصراني، [ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159]، أي: يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به ].
    هداية الآيات
    هيا نستخرج درر هذه الآيات أو بما يسمى بهداياتها: [ أولاً: بيان جرائم اليهود ] وهل بينت هذه جرائم اليهود؟ كم جريمة؟ سبعة، أول جريمة يرحمكم الله نقضهم الميثاق ثاني جريمة كفرهم بآيات الله ثالثاً قتلهم الأنبياء بغير حق رابعاً قولهم: (قلوبنا غلف) كذبوا على الله ورسوله، كفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً. هذه الجرائم لولا أن الله بينها من يبينها لنا؟ هم يقولون عنها؟ هم يخفونها. [ بيان جرائم اليهود ] والجرائم جمع جريمة، من الجرم الذي هو القبح والظلم والشر والفساد. [ ثانياً: بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل ] وإلا لا؟ [ بيان بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل ] والله ما صلب ولا قتل أبداً، خالقه قال: رفعته إلي وتقول أنت: قتل أو صلب؟ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157] . قال: [ بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى ] اليهود ما نجوا لأن الله رفع عيسى ما قتلوه، هم في حكم من قتل لأنهم قتلوا الشبيه به، متعمدين ذلك قاصدين قتل عيسى، فلهذا دائماً نقول: اليهود جريمتهم أنهم قتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم. الذي يطعمه السم ليموت ما قتلوه؟ أوضح من هذا هنا شرق المدينة على كذا كيلو متر في بني النظير جاءهم صلى الله عليه وسلم في أمسية يطلب منهم مساعدة مالية بحسب الاتفاقية التي بينه وبينهم ليسدد دية نفرين ماتا، فأفرشوا له الفراش تحت الجدار في الظل والمباني كانت كما تعرفون طابق واحد، وقالوا: أبشر يا محمد ودخلوا البيت وتآمروا قالوا: فرصة ذهبية نأتي بمطحنة راحة ونطلقها من فوقه على رأسه وتنتهي المشكلة إلى الأبد. والله لقد جاءوا بالمطحنة وقد طلعوا بها وقبل أن يلقوها عليه أوحي إليه باللاسلكي الإلهي قم فقام ومشى وراءه أصحابه ووصل إلى المدينة وأعلن نقضهم للميثاق والمعاهدة وأعلن الحرب عليهم، وما هي إلا ساعات حتى طوق بني النظير برجاله والحادثة في سورة الحشر مبينة ومفصلة يعتبرون قتلوه وإلا لا؟ قتلوه، لو كانوا هم من أنفسهم عفوا قالوا: اتركوه ما نقتل نبياً لا ما قتلوه، أما وقد عزموا ولكن الله عز وجل أنجى رسوله ونجاه فهم في عداد من قتل النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يقتلوا محمداً قتلوا أنبياء قتلوا رسل عيسى وزكريا ويحيى. قال: [ فهم مؤاخذون على قصدهم ] وإلا لا؟ [ حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام.ثالثاً: تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا ] أما قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158] سينزل عيسى وبلغنا أنه يكمل ثلاثين سنة أو ثلاثة وثلاثين ليكون عمره كعمر الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخبرنا الرسول قال: كأني بابن مريم في فج الروحاء يلبي بحج أو عمرة أو بعمرة وحج، وعند المالكية قرأنا في كتب الفقه من يقول من الجائز أن عيسى يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: الروضة الشريفة أستغفر الله الحجرة الشريفة فيها ثلاثة قبور وبقي مكان قبر آخر رابع، لعل الله تعالى احتفظ به وأبقاه لعبده ورسوله عيسى عليه السلام، لا تقل هذا يا شيخ؟ قد يسمع الناس ويقولون: ندفن نحن، والله لو تجتمع الدنيا كلها على أن تدفن مع رسول الله أحد من المشركين ما قدروا، يصرفهم الجبار أو يرسل عليهم النار، من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: [ تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزلوه في آخر أيام الدنيا ] أي السماء الدنيا أو الثانية؟ السابعة حيث الجنة دار السلام. رابع أنوار الهداية قال: [الإيمان كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل أبداً ]. عرفتم؟ الكافر إذا آمن عند معاينة الموت يدخل في الإيمان؟ والله ما يقبل منه لأنه كشف الغطاء ورأى الآخرة كذلك المذنب سواء بزنا بربا بخمر بأية جريمة بقتل نفس إذا شاهد ملك الموت وقال: أتوب ما ينفع، ما تقبل توبته فلهذا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعجل بالتوبة وأخذها المسلمون سلف عن سلف إلى يوم القيامة أن التوبة يجب أن تكون على الفور لا يصح أن تقول: بعد عام بعد أن أتزوج أن أوظف بعد أن يأتي فلان، هذا انزعه من قلبك التوبة أجرمت قل: أستغفر الله وأتوب إليك لا تدري متى تسقط لا يصح تأخير التوبة أبداً. ثم الاستمرار في المعصية قد يكون في يوم من الأيام ران على قلب العبد وحينئذ إذا ذكرته بالله يضحك، قيل لشخص هلك وهو مولع بالباطل والأغاني وكذا هم يقولون عند موته على الفراش لا إله إلا الله وهو يغني مات على ألفاظ الغناء وهو يموت، لم؟ لأنه توغل ذلك الظلام فيه والران على قلبه ختم على قلبه ما يقبل أبداً لا إله إلا الله.والله تعالى أسأل أن يبصرنا بعيوبنا وأن يتوب علينا ويعود بنا إلى رضاه وساحة رضوانه، اللهم آمين.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #302
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (77)
    الحلقة (301)

    تفسير سورة النساء (80)



    بعد أن بين الله عز وجل الوراثة بالنسب وما يأخذه كل وارث، جاء هنا وذكر وراثة الزوجين أحدهما للآخر، وهما من فئة الوارثين بالمصاهرة، فإن ماتت الزوجة فلزوجها النصف مما ترك، أما إن خلفت أولاداً فينزل نصيبه إلى الربع، وأما الزوج إن مات فترث الزوجة الربع، وإن كان له أكثر من زوجة تشاركن في الربع، وهذا كله في حال لم يخلف أولاداً، فإن خلف أولاداً فللزوجات الثمن يشتركن فيه.
    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل.وأذكركم ونفسي بأننا مع آيات الوصية، والآية الأولى نعيد تلاوتها، فتأملوا معانيها، وتذكروا ما علمتم من أحكامها، ومن غلط فسوف يصحح غلطه، ومن جهل إن شاء الله يتعلم.تلاوة هذه الآية الكريمة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11].نبتدئها بالأسئلة ولنستمع إلى الإجابة.
    معنى قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)
    قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، من الله الذي يوصينا؟ ربنا، خالقنا إلهنا، معبودنا الحق الذي لا معبود لنا سواه. يوصينا في أولادنا بأي شيء؟ وما هذه الوصية؟ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، هذه الكلمة مجملة، بين لنا: يوصينا في ماذا؟ قال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، هذه جملة بيانية؛ لأن الأولى تقتضي سؤالاً. اسمعوا عباد الله: يوصيكم ربكم في أولادكم، فتتطلعون أو لا؟ بأي شيء؟ قال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. هلك زيد وترك بنين وبنات ذكوراً وإناثاً، فكيف نقسم التركة عليهم؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. ترك ولداً وثلاث بنات، فالتركة تقسم من خمسة؛ للولد اثنان، ولكل بنت واحد، هذه خمسة.ترك عشرة آلاف، للولد ألفان، ولكل بنت ألف.. وهكذا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].والأنثى لها واحد، والذكر له مثل حظ الأنثيين. هذه الجملة واضحة.الجزء الأول: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، هلك هالك وترك أولاداً بنين وبنات، كيف نقسم التركة عليهم؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، أتعجز عن هذه الكلمة؟ مات إبراهيم بن سعد وترك أولاده بنين وبنات فكيف تقسم هذه التركة؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].ترك بنتين وولداً: الولد له النصف، والبنتان لهما النصف.. وهكذا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].
    معنى قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين)
    ثم قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، ما ترك ذكوراً بل ترك بنات صغيرات أو كبيرات، (فإن كن) أي: المتروكات، (نساء فوق اثنتين) فلهن (ثلثا ما ترك). ترك إبراهيم ثلاث بنات.. أربع.. خمس.. ست.. سبع.. عشر بنات، ما حظهن؟ لهن ثلثا ما ترك. نقسم التركة على ثلاثة، ثلثان للبنات سواء كنّ اثنتين أو ثلاث أو عشر، والثلث الباقي للعصبة كالعم والأخ وابن الأخ .. العصبة الأولى رجل ذكر.الأولى: هلك هالك وترك أولاداً بنين وبنات. كيف تقسمون عليهم التركة؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذا أعطينا للولد ألفاً، نعطي البنت خمسمائة.. وهكذا.فإن ترك نساء فقط: اثنتين، ثلاث، أربع خمس بنات، كيف نقسم التركة عليهن؟ نعطي البنات الثلثين، والثلث للعصبة.وإن كنّ سبعين بنتاً، حظهن ثلثا التركة، دل على هذا قوله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11].وإن كان الرجل ترك بنتاً واحدة، ما ترك ولداً ولا مجموعة من البنات، كيف نقسم هذه؟ ماذا نعطيها؟ نعطيها النصف، والنصف الباقي للعصبة، قال تعالى: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وإن كانت واحدة فقط فلها من التركة النصف.
    معنى قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس...)
    وإن كان له أبوان، أم وأب أيضاً: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، ما المراد بالأبوين؟ الأم والأب، هذا يسمى من باب التغليب، نغلب اسم على اسم، كالقمران، في الشمس والقمر.إذاً: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [النساء:11] أي: الأم والأب السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [النساء:11] قلّ أو كثر إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] هذا القيد، أقول: متى يرث الأب والأم السدس فقط؟ إذا كان ولدهم الذي مات له ولد، إذا كان الهالك ترك أباه وأمه وترك أولاداً، واحد.. ثلاثة.. عشرة، ماذا يرث الأب والأم؟السدس: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ [النساء:11] فقط الأم والأب، كيف نقسم التركة؟ الأم الثلث والأب الثلثان الباقيان، على قاعدة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، هذا الهالك الذي خلف أمه وأباه، وله إخوة ولم يكن له أبناء فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11] لا أخ واحد، اثنان، ثلاثة فأكثر، فما الحكم؟ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، نزلت من الثلث إلى السدس، من نزلها؟ هذا الولد حجبها، هذا يسمى حجب نقصان، كانت ترث الثلث الآن ورثت السدس فقط، والأب يأخذ كل شيء، لِم؟ لأن الأب ينفق على الأولاد ويزوجهم وما إلى ذلك، والأم ليس لها في ذلك شيء.اسمع الآيات: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11] الميت له إخوة فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11] وباقي المال للأب، لماذا تحجب الأم من الثلث إلى السدس، ووجود الإخوة هؤلاء؟ الأب يقوم عليهم، ويتولى إنفاقهم وتزويجهم وما إلى ذلك، وهي لا علاقة لها بذلك، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11] هذا الهالك، له إخوة فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11].الإخوة لا يرثون؛ لأن الأب موجود، كيف يرثون مع الأب؟ فالأب لا يرث معه الابن. يقول تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] بماذا؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] قاعدة عامة فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، ما فيهم ذكر، مات الرجل وترك بناته اثنتين فأكثر: فَلَهُنَّ [النساء:11] ماذا؟ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، والثلث الباقي؟ للعصبة. وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً [النساء:11] ليس مجموعة بنات، وإنما واحدة ماذا لها؟ النصف. وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وللأبوين، الأبوان موجودان؟ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [النساء:11] بقيد: إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11] والثلثان الباقيان للأب. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، حجبت، كانت تأخذ السدس، وجود هذا الأخ للميت حرمها، فتأخذ السدس فقط، هذا الأخ حرم هذه الأم. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، هذا عدد أو انفراد، فإن كان له أخ فقط ما تحجب بالأخ، لابد وأن يكون له إخوة، اسمع الآية الكريمة: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، ما قال: فإن كان له أخ، لماذا؟ لأن الإخوة كما قدمنا الأب هو الذي يقوم عليهم، فله الحق أن يأخذ الثلث الباقي، وإن كان أخ فقط ما يؤثر فيها، تأخذ هي الثلث، ما ينفق أبوه على شيء، على واحد بدل مجموعة. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11].ذكرنا سر تقديم الوصية على الدين؛ وذلك لأن الدين أهله واقفون بسيوفهم، لا يشك أحد في أن ينالوا نصيبهم، وأما الوصية لله، أهلها أموات غرباء مسجد .. فقدم تعالى ذكر الوصية على الدين؛ لأن الدين أصحابه موجودون ما يتنازلون.
    مسائل في علم الفرائض
    مسألة: رجل عنده أولاد مات ولده، هل إخوته يرثون أخاهم وأبوهم موجود؟لا. هو العاصب.أفتونا رحمكم الله: في مؤمن هلك، وترك بنين وبنات، كيف تقسمون التركة؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. لا خلاف في هذا، نقسم التركة عليهم: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذا أعطينا للرجل ألفين، نعطي للبنت ألفاً.. وهكذا.هذا الرجل الذي هلك وترك بنين وبنات وقسمنا التركة، فرضنا ترك نساء ما ترك أولاداً، ترك بنتين فأكثر؟فلهما الثلثان، والدليل على الحكم الأول: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].والدليل على الثاني؟ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11].وإن فرضنا: هلك هالك وترك بنتاً فقط؟البنت لها النصف.هلك هالك لكن يوجد له أب وأم ، ماذا نعطيهم في هذه الحالة؟لكل واحد منهما السدس، في الأول لما كانوا بنين وبنات، وفي الثاني لما كانوا بنات فقط، ولا في الثالث لما كانت واحدة، الأبوان لكل واحد منهما السدس.فإن فرضنا: أن له ولد: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، واحد، اثنين، عشرة كما قدمنا، ذكراً أو أنثى، ولد يحجب الأب والأم من الثلث إلى السدس، انتبهتم؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ [النساء:11] فقط، ما ترك بنتاً ولا ولد، المال يقسم بين الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، الأم الثلث والأب الثلثان.فإن فرضنا بأن كان له إخوة، اثنان ثلاثة فأكثر، الأم تنزل من الثلث إلى السدس، يقال حجبها الأولاد، الأب هو الوارث، يأخذ الباقي، والولد ليس له قيمة.إذاً: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا [النساء:11]، الأم يحجبها الإخوة من الثلث إلى السدس.كذلك: لو قسم الهالك التركة قبل موته؟ يجوز، لكن هل يدري متى يموت، قد تأتي أموال جديدة، قد تخرج الأموال، الأحسن ما يفعل هذا، إلا إذا خاف ضياع أموال ورثته في ظروف معينة.
    ملخص لما جاء في تفسير الآيات
    إذاً: نتلو هذه الآية تلاوة أخرى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ [النساء:11] فقط فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11] والثلثان الباقيان للأب، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11] لا أخ واحد فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، حجبت من الثلث إلى السدس لوجود الإخوة، أخ واحد ما يحجبها، ماذا تقول؟كما تقدم، لا فرق بين الذكر والأنثى؟ الإخوة الإخوة، لا يرثون مع وجود الوالد، فقط الأم الرحيمة لما يتعدد الإخوة لا ترث إلا السدس، لو ما في إخوة له، أو أخ واحد لها الثلث. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، وقوله: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ [النساء:11] إذا تساءلتم: لِم يعط الثلث ولا يعطي الخُمس؟ لا، هذا ما هو شأنكم، أليسوا آباء وأبناء؟ هل تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً؟ ما تدري، فلهذا سلموا لله تعالى هذه القسمة، وقولوا: آمنا بالله.وقوله: فَرِيضَةً [النساء:11]، ما هي سنة أو واجب أو مستحب، هذا فرض مفروض لا بد من تطبيقه.وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11]، إذا فهمت معنى الصفتين؛ سلمت لله في هذا الحكم.أولاً: العلم الذي أحاط بكل شيء، يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، يعلم ما تجيء به الأيام والليالي، فهو أحق بأن يقسم أو لا؟ أما أنت ما تعلم ما يجيء به الغد؟ فكيف تعطي هذا النصف أو الثلث؟ثانياً: الحكمة، من شأنه تعالى أنه لا يضع شيئاً إلا في موضعه، تلك الأكوان كلها، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، فإذا علمت أن الله عليم حكيم، تتأسف أو تقول: لِم؟ أو ما هذه القسمة؟ يجب أن تطأطئ رأسك، وتقول: آمنت بالله، آمنت بالله. ‏
    أسباب الميراث
    اعلموا: أن أسباب الميراث ثلاثة: النسب، والمصاهرة، والولاء.أسباب الميراث ثلاثة: النسب: ابن، أب، أخ، هذا النسب.والمصاهرة: زوجة، زوج.والولاء: انتهينا منه، ما عندنا جهاد ولا عبيد، وإن قالوا: يوجد في موريتانيا عبيد، جاهدوا من حتى أخذوهم؟الجهاد في الإسلام فريضة قائمة إلى يوم القيامة، لماذا؟ لأن المسلمين مأمورون بأن يدخلوا البشرية في رحمة الله، ما تنزل الملائكة تقود بريطانيا أو إيطاليا إلى الإسلام؛ لأن الدار دار امتحان، من يدعوهم إلى الإسلام؟ المسلمون الذين ذاقوا لذاذة الإسلام، وعاشوا في أنواره وعدله ورحمته، هذا الجهاد باقٍ ما بقيت الدنيا، وإن يقف في بعض الظروف يقف، لكن لابد وأن يعود ويتجدد، فالمجاهدون إذا هزموا العدو الذي رفض الإسلام ورفض الخضوع لحكمه وأبى إلا أن يقاتل .. إذا هزمناه ماذا نصنع بالنساء والأطفال؟ نصب عليهم البنزين ونحرقهم، كما يفعلون هم -لعنة الله عليهم- ماذا نصنع بهم.. نسجنهم.. نعذبهم؟حرام هذا عندنا، نقسمهم على المجاهدين، والمجاهد إذا أخذ اثنتين ثلاث أربع، يستطيع يهب لمن يشاء من إخوانه، وإن احتاج إلى أن يبيعها، كعاملة يبيعها، وإن شاء عتقها، وأصبح مولاها، هذه العتيقة إذا ماتت من يرثها؟ الذي عتقها، هذا هو الولاء: ( الولاء لمن أعتق ) عرفتم؟ مادام قد أعتقها وحررها، أصبح وليها أو لا؟ إن ماتت وتركت مالاً من يرثه؟ معتقها: ( الولاء لمن أعتق ).إذاً: هذه الآية الأولى في ميراث النسب أو المصاهرة.
    تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم ...)
    يقول الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] هذه واضحة: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] (أزواجكم) هنا بمعنى زوجاتكم أيها الفحول! وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] أي: زوجاتكم، بشرط أو بدون شرط؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] شرط (إن) أو لا؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] افرض في ولد؟ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] هذا الإرث بالنسب هذا؟ بالمصاهرة، تزوج رجل امرأة فماتت، ماتت كما ماتت فاطمة الزهراء ، ماتت من يرثها؟ الزوج يرث ماذا؟ ما نصيبه، ما حظه؟ النصف، اللهم إلا أن يكون لها ولد أو أولاد سبعون.. ينزل الزوج من النصف إلى الربع، يكفي الربع وأولادها ماذا يأخذون؟ لو ما كان لها أولاد نعم أحق الناس بمالها الزوج، أليس كذلك؟ أعطاه الله النصف، والنصف الباقي لأبيها.. للورثة.اسمع: وَلَكُمْ نِصْفُ [النساء:12] من أعطانا؟ الله، لكم، عطية الله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ [النساء:12]، الرُّبْع والرُّبُع كله واحد مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] أي: الزوجات، كما قدمنا، ولكم نصف ما ترك زوجاتكم مما تركن: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] ما الذي يقدم في القسمة؟ الدين أولاً، ثم الوصية والباقي للورثة. لِم قدمت الوصية؟ لأن الوصية من يعطاها؟ جهة ربما غير موجودة؛ فللاهتمام بشأنها والخوف من ضياعها تذكر هي أولاً، والدين معلوم هو الأول، في القسمة الدين أولاً، إذاً: ما أبقى الدين شيء، لا بد من الدين ثم الوصية إن بقي شيء، بقي شيء بعد الوصية قسمت التركة، ما بقي شيء مع السلامة.أعيد هذا الجزء من الآية، اسمع ما يقول تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12]، ما قال (مما تركنا) مما ترك النساء، الزوجات: مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا [النساء:12]، (يوصين) هذا جمع النساء أو لا؟ لو واحدة قال: توصي أو يوصي، الرجال يوصون، والنساء يوصين، يوصون قوية أو لا؟ كالفحولة، والنساء يوصين، رقيقات الحواشي، ضعيفات البنية.ثم قال تعالى: وَلَهُنَّ [النساء:12] أي: الزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيضاً أنتم، وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ [النساء:12].مات الرجل وما ترك ولداً ولا بنتاً، الزوجة ماذا تأخذ؟الربع، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيها الرجال، ما قال: (مما تركن) كالأولى، مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، من بعد وصية توصون بها غيركم، أو دين تثبتونه وتقررونه.هنا إذا كان الهالك قد ترك زوجتين أو ثلاث أو أربع، وليس فوق الأربع زوجة قط، فهذا الربع أو الثمن كيف يقسم؟ يقسم إذا كانت واحدة لها الثمن، وإذا كانت زوجات اثنتين لهما الثمن، ثلاثة الثمن، أربع الثمن فقط.قال الحذاق من العلماء: لأن الأصل في النكاح زوجة واحدة، فأعطاها الله تعالى الربع، فإذا زاحمتها أخرى، ضرة من الضرات قسم الثمن بينهن، فالأصل أن الرجل يتزوج امرأة، كما تزوج آدم حواء، فهذا الزوج إذا مات تأخذ زوجته الربع والباقي للورثة، فإن كان له ولد، أو أكثر بنين أو بنات، تأخذ الثمن وحسبها ذلك ويكفيها، فإن زاحمتها ضرة أو ضرتان ما لهما إلا ذلك الجزء يقتسمونه؛ لأن الغالب أن الرجل يكتفي بالمرأة، فإذا تعذر وما اكتفى وأضاف، له أن يضيف اثنتين أو ثلاث، إذا إلى وصل الرابعة وقف السيل، انتهت طاقته وقدرته، مع الشرط الذي ما ينسى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:12] ذلك أمر واسع.إذاً: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، المراد بالأزواج هنا الزوجات أو الرجال؟ الرجال؛ لأن الأصل في الزوج ما يجعل الفرد زوجاً، انتبهتم؟ كل ما يجعل الفرد زوج هو زوج، آدم فرد أو لا؟ زوجه الله وجعله زوجاً بحواء، الرجل فرد زوجه الله بامرأة، أصبح هو زوج وهي زوج أيضاً.المرأة الفردة تزوجها أنت، يقال: زوجوا البنت أو لا؟ كيف زوجوها؟ أعطوها للرجل أصبحت زوجة. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] هذا القيد لا بد منه أو لا؟ لا ترث النصف إلا بقيد، ألا وهو: أن لا يكون للرجل ولد: فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12].إذاً: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ [النساء:12]، ماتت المرأة الزوجة، ورثها زوجها كذا؟ ماذا يرث كم؟ النصف، وإن كان لها ولد؟ ينزل من النصف إلى الربع، حجب نقصان .. بنت .. ولد .. عشرة كله واحد، لأن لفظ (ولد) اسم جنس.قال: فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] بقيد أو لا؟ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] وَلَهُنَّ [النساء:12] أي: الزوجات، عرفنا حق الزوج والزوجة؟ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيها الرجال: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ [النساء:12] أو أكثر فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12].وهنا تأتي تلك الفريضة التي لا تنسى، وهي أن الزوجات إذا تعددن ليس لهن إلا ما ترثه الواحدة.هلك هالك وترك أولاداً، لها الثمن هذه الزوجة، فإن كانت لها ضرة أو ضرات يقتسمن الثمن فقط بلا خلاف بإجماع الأمة.واللطيفة قبلتموها أو لا؟ بعضكم يقبل والبعض لا؛ لأن الأصل أن الزوجة واحدة، كذا أو لا؟ فالتي تأتي بعدها تزاحمها أو لا؟ أخذت عليها ليلة في أربع ليالي، أخذت عليها كذا، وأخذت عليها أيضاً التركة، وهي ترضى لأنها ساعدتها، وقامت إلى جنبها وخدمت مع الزوج؛ فتفرح بأن تقتسم معها هذا الفرض الربع أو الثمن.وهكذا يورث الله الولاء والحب بين المؤمنين والمؤمنات، ولا تستطيع امرأة ولا رجل أن يولي رأسه، اسكت! هذه فريضة الله، ذي وصية الله، في من يعصي الله في وصيته؟ أيهما أبلغ الوصية أو الأمر؟ الوصية أعظم من الأمر، والله العظيم، نبين لك أو لا؟ يا راضي ! غداً إن شاء الله تعال الساعة الثامنة؟ هذا أمر أو لا؟ وإذا كتبتُ وصية أوصيك يا فلان بأن لا تتخلف على كذا، أيهما أشد؟الوصية؛ ولهذا قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ [النساء:11] ما قال: يأمركم، الوصية أبلغ من الأمر، هذا معروف، الذي يوصي ولده كالذي يقول: يا ولدي افعل كذا؟ الوصية أعظم.( لا وصية لوارث ) نعم، الوارث ما يوصى له، يكفيه حظه، كيف نوصي له؟ هذه الآية من سورة البقرة نسخت بهذا الحديث، هذا من عجيب أن السنة نسخت الآية.( لا وصية لوارث )؛ لأن الله قال من سورة البقرة: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180]، هذه مجملة، لما جاءت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، بينت ذلك، فنسخت تلك الآية، وجاء الحديث فوضحها: ( لا وصية لوارث ).قال: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] من الزوج هذا أو من زوج آخر، لها ولد أو لا؟ جاءت به ربيب، من زوج مات أو طلقها، أصبحت أم ولد أو لا؟ فإذا ماتت الزوج يأخذ النصف؟ ما يصلح، وهذا الولد! مطلقاً ولد من هذا أو من غيره. وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] إذا مات الزوج وما عنده ولد ماذا ترث المرأة؟الربع، وإن كان له ولد منها أو من نساء أخريات مطلقاً، كبار أو صغار، تنزل من الربع إلى الثمن لوجود من يأخذ هذا المال.
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير
    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نسمعكم الآن شرح الحكمين أو إرث المصاهرة. ‏
    معنى الآيات
    يقول المؤلف غفر الله لنا وله وإياكم والمؤمنين: [ معنى الآيات: كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب ] الآية الأولى كانت في بيان الوراثة بالنسب أو لا؟ من نسبك؟ أنت تنسب لأبيك أو لا؟ هذي تنسب لأمها أو لا؟ هذا النسب، نسب الأم والأب والقبيلة [ كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب، وجاءت هذه في بيان الوراثة بالمصاهرة ].ما معنى المصاهرة هذه؟ تعرفون الصَّهْر أو لا؟! بالنار! لا إله إلا الله، انصهر فيها وانصهرت فيه، أصبحا كجزءاً واحداً.قال: [ والوارثون بالمصاهرة هما: الزوج والزوجات ] فقط [ قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] فمن ماتت وتركت مالاً ولم تترك ولداً ولا ولد ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها النصف، وإن تركت ولداً أو ولد ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها الربع لا غير؛ وذلك لقول الله تعالى: فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] أي: الزوجات، وهذا من بعد سداد الدين إن كان على الهالكة دين، وبعد إخراج الوصية إن أوصت الهالكة بشيء؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا [النساء:12] أي: الزوجات أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، هذا ميراث الزوج.أما ميراث الزوجة من زوجها: فهو الربع إن لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ولدٍ، ذكراً كان أو أنثى، فإن ترك ولداً أو ولد ولدٍ فللزوجة الثمن فقط، وهذا معنى قوله تعالى: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12].هذا وإن كان للزوج الهالك زوجتان أو أكثر فإنهن يشتركن في الربع بالتساوي إن لم يكن للهالك ولد، وإن كان له ولد فلهن الثمن يشتركن فيه بالتساوي ].والحمد لله رب العالمين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #303
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (78)
    الحلقة (302)

    تفسير سورة النساء (81)


    إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلاً، وما استحق إبراهيم عليه السلام لهذه الخلة إلا بعد أن تعرض لصنوف من الابتلاءات والمحن، والتي وقف إزاءها بكل إيمان وتسليم، فتعرض عليه الصلاة والسلام للإلقاء في النار، وتعرض هو وزوجه سارة للفتنة عند ملك مصر، وترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع بأمر من الله عز وجل، ثم آخر ذلك امتثل لأمر ربه طائعاً حين أمره بذبح ولده إسماعيل، فلما أن كاد ينفذ فيه أمر ربه فداه سبحانه بذبح عظيم، فاستحق بذلك إبراهيم أن يكون خليل الرحمن.
    تفسير قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الرجاء، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الخمس، فهيا نتغنى بها عدة مرات ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد ربنا تعالى منها، فإن كان عقيدة عقدناها في قلوبنا فلا تنحل عقدتها حتى نلقى ربنا، وإن كان مراد الله منها أمراً تهيئنا للنهوض به، وصممنا على القيام به؛ لأنه أمر مولانا وسيدنا ومالك أمرنا، إذ كيف لا نطيعه؟! وإن كان نهياً عن عقيدة فاسدة، عن خلق سيء، عن عمل باطل، فإننا من الآن وكلنا عزم وتصميم ألا نأتي ما حرم الله علينا، وإن كانت الآيات تحمل بشرى استبشرنا وحمدنا ربنا وطلبناه المزيد، وإن كانت تحمل تحذيراً من خطر أو وقوع في شر، حذرنا مستعينين بربنا سائلين أن يقينا كل مكروه، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:163-166].
    تقرير مبدأ الوحي الإلهي
    معشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات ترد على اليهود الذين فضحهم الله بالأمس وأزح الستار عنهم في الآيات التي درسناها، إذ لما بلغهم ذلك خافوا واضطربوا وأعلنوا عن مكرهم وخداعهم، وقالوا: إن محمداً لا يوحى إليه، وما قاله من كلام إنما هو من تلقاء نفسه، وليس وحياً من الله وكلامه، والله ما أوحى إليه ولا يوحي إليه، وأشاعوا هذه بين أقوامهم للخروج من الورطة التي تورطوا فيها، فرد الله تعالى عليهم بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى [النساء:163] النبيين والمرسلين، فكيف تستطيعون يا يهود أن تنكروا الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أوحى إلى الأنبياء والمرسلين من قبله؟ ثم بأي حجة وبأي منطق أو حق تقولون ذلك؟
    أول الرسل إلى الأرض هو نوح عليه السلام
    إِنَّا [النساء:163]، أي: رب العزة والجلال والكمال، أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [النساء:163]، يا رسولنا! محمداً صلى الله عليه وسلم، كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، ونوح -هذا الاسم- مشتق من النوح، من ناح ينوح نوحاً، إذا بكى وناح، ونوح عليه السلام هو أول المرسلين الذين حملوا رسالة التوحيد؛ ليدعو إلى عبادة الله وحده دون سواه، وهو أول رسول حارب الشرك، وقد عاش مع قومه أكثر من ألف سنة، أي: تسعمائة وخمسين سنة كان فيها داعياً إلى الله عز وجل، ولاقى من جهلة قومه ما لاقى وصبر، وأخيراً رفع كفيه إلى ربه ودعا على قومه، واستجاب الله عز وجل دعاءه فأغرقهم أجمعين، اللهم إلا نيفاً وثمانين رجلاً وطفلاً وامرأة، وغرقت البشرية كلها، وكانت في إبان عهدها الأول، وقصة نوح مكررة في القرآن الكريم، وحسبنا السورة المسماة باسمه وهي سورة نوح بين سورة الجن وسورة المعارج.
    تعريف الوحي
    إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، والوحي والإيحاء من وحى يحي وحياً، إذا ألقى إليه الكلمات بمعانيها دون حروفها، فهو كالإشارة والرموز، وأوحى إليه يوحي إيحاءً، إذا أبلغه مراده بطريقة الإيحاء، أي: السريع الخفي، فقد يكون الرجل بين إخوانه ويلقى إليه، ويفهم عن الله والحاضرون لا يعرفون شيئاً.والوحي: إعلام سريع قد يُعلم الله تعالى به غير الأنبياء والمرسلين، كما أوحى إلى أم موسى في شأن ولدها أن تضعه في تابوت وترمي به في اليم حتى لا يأخذه فرعون ورجاله، ومريم البتول أيضاً أُوحي إليها، فقد أعلمت بطريق خفي من قبل ربها تبارك وتعالى.
    ابتلاء الله لإبراهيم بقذفه في النار
    وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [النساء:163]، ومعنى لفظ (إبراهيم) باللغة السريانية أو العبرية: الأب الرحيم، ، وإبراهيم سرياني من أرض بابل بالعراق، وهو خليل الرحمن عز وجل، ولم يسبق إلى الخلة إنسان قبل إبراهيم عليه السلام، ولم يظفر بها بعد إبراهيم إلا سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال عليه الصلاة والسلام: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن يكفي خلة الإسلام )، وقد ابتلي بما لم يبتل به غيره، فقد ألقي عليه السلام في النار، وذلك أنهم أججوا له النار أربعين يوماً، بل وكانت المرأة تنذر لآلهتها بحزمة من الحطب تلقيها في نار إبراهيم! وفعلاً وضع القيد في يديه ورجليه وألقي بمنجنيق؛ لأن النار كانت شديدة الالتهاب لم يقدر أهلها أن يقربوا منها، وقد عرض له جبريل يمتحنه في تلك الساعة الحرجة فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟! فقال: أما إليك فلا، ولما عرف الله وأقبل عليه وتنكر لما سواه ولم يبال به، عرف أنه لا ينقذه من هذه النار إلا مولاه، فقال تعالى للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فصدر أمر الله تعالى إلى النار وهي مخلوق من مخلوقاته، تعرف عن الله وتسمع وتطيع كسائر المخلوقات، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فلم تعد النار إلا على القيد الذي في يديه ورجليه، ثم خرج منها يتفصد عرقاً، وودع القوم وقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، فكانت أول هجرة تقع على الأرض من عبد من عباد الله الصالحين، ولذلك كان أول من هاجر من ديار الكفر والشرك والظلم والشر والفساد إبراهيم الخليل بن آزر، وقال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:99-100]، فكان هذا من البلاء.
    ابتلاء الله لإبراهيم في زوجه
    ثم اتجه غرباً نحو ديار الشام وتجاوزها إلى الديار المصرية، وذلك مع زوجه سارة بنت عمه وابن أخيه لوط، وكأنه تركه في الديار الفلسطينية ولم يواصل معه السير متجهاً غرباً، وقد حدث أن بعض المجرمين أخبروا ملك مصر بأن غريباً من الرجال معه فتاة حسناء جميلة، وأنها لا تليق إلا به، فقال: أتوني بها، وجاء أولئك يطلبون امرأة إبراهيم عليهما السلام، فقال لها إبراهيم: يا سارة! إنه لا يوجد على هذه الأرض مؤمن إلا وأنت، فأنا أخوك وأنت أختي، فإذا سألك الطاغية عني فقولي: هو أخي، ولا تقولي: إنه زوجي؛ لأنها إذا قالت: إنه زوجي، سيقتله ليتخلص منه ثم يتزوج بامرأته، لكن كلمة: (أخ) لا يبالي بها، إذ الأخ يزوج أخته من شاء.ومن عجائب تدبير الله وآياته وكراماته لأوليائه وصالح عباده رجالاً أو نساءً، أنهم لما حسنوا ثيابها وأصلحوا حالها، ووضعوها على سرير الطاغية ليداعبها ويكلمها ويؤانسها، فكان كلما وضع يده على كتفها يصاب بالشلل الفوري، فتيبس يده ويصرخ، ويقول لها: ادع مولاك، ثلاث مرات، ثم في الأخير قال: أخرجوها عني، لقد أتيتموني بشيطانة، ولكن مع هذا فقد أعطاها خادمة وبغلة ومالاً، ثم جاءت إبراهيم فقالت: أهلك الله العدو وخيبه وأذله وأخزاه، وهذه الجارية لك فخذها، وكانت الجارية هي هاجر أم إسماعيل، إذ إن إبراهيم عليه السلام تسراها لنفسه، ثم شاء الله أن تحمل بإسماعيل، وسارة لها سنوات كثيرة وهي مع إبراهيم لم تلد أبداً، فلما أنجبت هاجر إسماعيل أخذت سارة الغيرة وآلمتها، كيف أن هذه الجارية تلد وأنا لا آلد؟! والآن قلب إبراهيم كله سيكون مع طفله وجاريته، فماذا يصنع إبراهيم؟ وهو ما يصنع إلا بتدبير الله له، فأمر هاجر أن تحمل ولدها وأن تخرج معه ليلاً، وكانت عليها السلام تعفي أثرها بدرعها، ومشى بها إبراهيم من أرض القدس حتى وصل بها الوادي الأمين مكة قبل أن تعرف مكة، وهنا قد يقول قائل: كيف وصل بها؟ من الجائز أن البراق الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس قد حمل إبراهيم إلى مكة مع هاجر وطفلها.
    ابتلاء الله لإبراهيم بأمره بترك زوجه وطفله في واد غير ذي زرع
    وكانت هذه أيضاً عظيمة من العظائم، وبلوى من البلايا، أي: أن يترك امرأته وطفله في وادٍ ما به أنيس ولا شجر ولا ثمر ولا زرع، من يقوى على هذا؟ لكن صبر إبراهيم عليه السلام، وهذا مظهر من مظاهر التكلان على الرحمن، فيا عباد الله! هل نحن متوكلون، أم أننا ندعي التوكل، أم لا ندعيه ولا نحن فيه؟ لما تركها مع إسماعيل الطفل الرضيع، ومعها جراب فيه بعض الطعام، وما طعامه إلا الخبز الجاف وشن فيه ماء، وتركهما وقفل راجعاً إلى الشام إلى بيت القدس، فلما أدبر وتركها وراءه مع طفلها، نادته: أن يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ أي: بأن تتركني وطفلي في هذا الوادي وليس معنا أحد؟ ثلاث مرات، فقال: إي يا هاجر! أمرني ربي، قالت: إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا، فأين إيماننا؟ وأين معرفتنا بالله؟ وذهب إبراهيم وترك هاجر وإسماعيل.وتمضي الأيام ويعود إبراهيم يتعهد تركته، وفي يوم من الأيام مرت قافلة من قوافل العرب وهي قبيلة جرهم، واحتاجوا إلى الماء وهم في طريقهم إلى ديارهم، فشاهدوا طائراً يحوم في السماء، فقالوا: لابد أن يكون هناك ماء، وفعلاً فقد كانت هناك بئر زمزم الشفاء والدواء، فلما جاء طالب الماء لهم والمرتاد له وجد إسماعيل ووالدته حول زمزم، وكيف نبع ماء زمزم؟ أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بأن إسماعيل عطش لما نفد الماء الذي كان معهم، فأخذ يتلوى في الأرض من شدة العطش، وهاجر عليها السلام لا أقول: تبكي، ولكن أقول: قلبها يحترق على ابنها؛ لأنه ربما قد يموت عطشاً بين يديها، فنظرت فرأت أقرب جبل منها الصفا، فمشت إلى الصفاء مسرعة، فصعدت فوقه ونظرت يميناً وشمالاً علها ترى ماء أو من يحمل الماء أو من يرشدها إلى الماء، فما وجدت، فهبطت من الصفا فقابلها جبل المروة فمشت، ولما وصلت الوادي أسرعت حتى تجاوزت الوادي، وهذا هو الوادي الذي نسرع فيه نحن الساعين، وهي سنة سنها لنا نبينا عليه السلام إحياء لذكرى هاجر أم إسماعيل، ولكن يعفى المؤمنات من الإسراع في ذلك المكان، إذ يمشين على عادتهن فقط، أما الرجال فإنهم يسرعون إحياءً لذكرى هاجر أم إسماعيل، ثم صعدت على المروة مرة أخرى والتفتت يميناً وشمالاً، فما رأت شيئاً، واستمرت تجري وتسعى بين الجبلين سبع مرات، ولهذا فالسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم وإذا بها تسمع هاتفاً يهتف فتقول: أسمعت أسمعت، فنظرت فإذا بجبريل عليه السلام واقفاً على رأس إسماعيل وإسماعيل يتلوى من شدة العطش، فلما وصلت هاجر مسرعة وهي تقول: أسمعت أسمعت، هل من غياث؟ فضرب جبريل الأرض بعقبه ففارت زمزم، وأخذت هاجر تجمع التراب وتحيطه بها حتى لا تسيح في الأرض، ولذا قال الحفيد الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كما في صحيح البخاري: ( رحم الله أم إسماعيل لو تركته لكان عيناً معيناً تسيل الدهر كله، ولكن حصرته فأصبح بئراً )، وسمي زمزم من الزم، كما تزم أنت الحيوان أو الفرس، وزمزم آية من آيات الله في البلد الحرام، إذ قال تعال: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، فأي بئر في العالم تبقى آلاف السنين لا تنضب؟ وها أنتم تشربونه دائماً في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كانت بئراً من الآبار لجفت، ولما جاءت السيول في عهد الجاهلية وردمت البئر وغطته هيأ الله جد نبينا فحفر زمزم واستخرج ماءها مرة أخرى.وبقيت هاجر هناك وجاءت قبيلة جرهم -كما قدمنا- تطلب الماء، فنزلت إلى جنبها، وهنا لطيفة أخرى وهي: أن رجالات جرهم قالوا لها: هل تأذني لنا يا امرأة بالنزول هنا معك؟ والعجيب أنها أمة أو قبيلة برجالها وسلاحها وكثرة أفرادها تطلب الإذن من امرأة معها طفل يرضع! إذ لو كانوا أشراراً لقالوا: أبعدوها من هنا، فكيف تحللون هذه الظاهرة؟ إن تحليل هذه الظاهرة -واسمعوا وعوا- هي: أن البشرية كانت في أيامها الأولى أفضل وأكمل منها اليوم، فقد كان الكمال فيها من عهد آدم وشيث وإدريس ونوح، ثم أخذ ينقص شيئاً فشيئاً حتى وصلنا الآن إلى هذه الحال، بل وما زلنا لا يأتي يوم إلا والذي بعده شر منه، فانظر إلى ذلك الالتزام والاحترام، عجوز مع طفل في واد وقبيلة بكاملها تطلب الإذن منها أن تسمح لهم بالنزول عند الماء! فقالت: نعم، على شرط أن يكون الماء مائي ولا حق لكم فيه، فإن شئت أعطيتكم أو منعتكم، فقالوا: نعم.ولعل السامعين ما فهموا كلمتي هذه، أقول مرة أخرى: البشرية كانت في طهر وكمال، ثم أخذت تنقص شيئاً فشيئاً، إذ إن الذي خلق آدم هو الله تعالى، والذي وهبه أخلاقه وكمالاته البشرية هو الله تعالى، وتوارث أولاده هذه الصفات وهذه الكمالات، وبالتالي فالبشرية كانت في كمال من الأخلاق، والعرب المشركون كانت أخلاقهم أرفع من أخلاقنا نحن المؤمنين في مجالات كثيرة.
    ابتلاء الله لإبراهيم بأمره بذبح ولده إسماعيل
    وكان إبراهيم عليه السلام يتعهد تركته، فيأتي من أرض المقدس إلى مكة المكرمة، فجاء يوماً وإذا بإسماعيل الذي كان رضيعاً قد أصبح غلاماً زكياً طاهراً نقياً، وقد قارب أن يعمل مع أمه ولو يخرج لها الماء، فجاء إبراهيم وناجى إسماعيل وقال له: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، ورؤيا الأنبياء وحي، وهذا خاتمهم صلى الله عليه وسلم كانت الستة الأشهر الأولى من نبوته تأتيه في المنام، يقول صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة )، ومعنى (جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة): أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عاش نبياً ورسولاً ثلاثاً وعشرين سنة، والسنة فيها اثنا عشر شهراً، أي أن فيها جزأين كل جزء مكون من ستة أشهر، عندها نضرب ثلاثاً وعشرين سنة في اثنين فينتج ستة وأربعون جزءاً، جزء واحد منها وهو ستة أشهر كانت مناماً.فلهذا الرؤيا الصالحة من العبد الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ [الصافات:102]، أي: الغلام الزكي الطاهر، يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، فأين أبناؤنا؟ وأين آباؤنا؟ هل آباؤنا يستشيروننا في قضية كهذه وبهذا اللفظ؟ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، أي: أنه قد أوحي إليَّ أن أذبحك، وأنت انظر ما الذي تراه يا إسماعيل! فماذا قال الغلام الزكي؟ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102]، أي: افعل ما يأمرك الله به، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، وقال لـهاجر: طيبيه وطهريه وألبسيه أحسن ثيابه، ثم خرج به إلى منى حيث تراق الدماء.ومن عجيب هذه الحادثة أن إبليس اعترضه في العقبة عند الجمرة الأولى، وذلك ليصرفه عن تنفيذ أمر ربه، فطرده إبراهيم ورماه بسبع حصيات كما نفعل في حجنا، فهرب إبليس ومشى إسماعيل مع إبراهيم حتى وصلا مكان الجمرة الوسطى، فوقف له فقال له: ماذا يفعل ربك بهذا الصغير؟ مالك يا إبراهيم؟ أين يذهب بعقلك؟ ربك لا يحتاج إلى ذبح هذا الولد، فعرفه فلعنه ورماه بالحجارة، ثم مشى حتى وصل الجمرة الثالثة، وهناك تله للجبين، أي: صرعه على الأرض، والمدية في يده، فأي ابتلاء أعظم من أن يؤمر العبد بأن يذبح طفله؟! والله إن المدية لفي يديه، وأراد أن يضعها على حلق الغلام، بل قد وضعها لكنها كلَّت وأصبحت خشبة، والتفت إبراهيم وإذا بجبريل عليه السلام آخذ بكبش أملح وقال: اترك هذا واذبح هذا، قال تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107].
    أمر الله لإبراهيم بأن يبني بيتاً في الوادي الأمين
    ثم تمضي الأيام والأعوام ويؤمر إبراهيم بأن يبني لله بيتاً في ذلك الوادي الأمين، وانظر لو أن شركة من الشركات أمرت بذلك والله لعجزت، ويبني إبراهيم البيت مع إسماعيل، وكأنكم وهما يتقاولان ويبنيان البيت: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، ولما ارتفع البناء وعجز إبراهيم عن رفع الحجارة أكثر حتى يعلو البناء، طلب من إسماعيل أن يأتيه بحجر يصعد عليه، فجاءه بالحجر المعروف -المقام- من جبل أبي قبيس، وعلا فوقه، وكلما بنى جانباً أداره حتى انتهى ما بين الحجر والباب، ثم جاءت السيول فرجعت به إلى مكانه الآن من عهد إبراهيم، وهنا قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]، وهذه الكلمات هي الأوامر القاسية الشديدة، وقد استعرضناها واحدة بعد أخرى، وهنا حق لإبراهيم أن يتوج بتاج العز والفخار، وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، فأنت إمام الناس بالامتحان والنجاح، فأي امتحان أعظم من هذا الامتحان؟ ذبح الولد، وقبله الهجرة، وقبله كذا وكذا، قال: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124]، وهذه هي الرحمة الإبراهيمية إذ إنه هو الأب الرحيم، قال: ومن ذريتي يا رب اجعل فيهم الأئمة، وهذا ما يسمى بولاية العهد، فهو طلب ولاية العهد في ذريته، فقال الله تعالى له: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، فأبناؤك الصالحون المستقيمون العادلون فنعم، أما الظالم فلا ينال عهدي، ولهذا من أراد أن يعهد إلى ولاية فينبغي أن يختار أعدل أولاده وأصلحهم وأرحمهم، وهذا قد علمناه الله عز وجل، ولا تختار فاجراً من فجار الأولاد وتقول: هذا يخلفني! بل اختار أصلحهم وأتقاهم وأبرهم وأعدلهم وأقدرهم على المهمة، بل وهذا في كل من يريد أن يولي غيره على مهمة من المهام حتى في بيتك.ثم أخبر الله عن إبراهيم الأب الرحيم أنه قال بعدما بنى البيت وسكن إسماعيل وأمه: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:37]، وقال: (من ذريتي)، لعله كان يتطلع إلى ذرية آخرين، وقد رزقه الله إسحاق من سارة ابنة عمه، ولعل في هذا الوقت كانت سارة قد ولدت، قال تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]. رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37]، وقال: (ليقيموا الصلاة)، أي: يا رب! ارزقهم من الثمرات من أجل أن يصلوا، ولذا فاعلموا يا معشر المسلمين! أن سر الحياة هو أن يُعبد الله فيها، بل علة هذا الوجود بكامله هو أن يُعبد الله فيه، ولذلك أنزل آدم وحواء إلى الأرض من أجل أن يُعبد الله فيها، وأعظم عبادة ولا تساويها أخرى هي إقام الصلاة؛ لأنها تجعل العبد متصلاً بربه ويقف بين يديه ويناجيه ويكلمه خمس مرات في الأربعة والعشرين الساعة، ولهذا فإن تارك الصلاة كافر ما آمن بالله ولا عرفه، والمقيم للصلاة هو العابد لله تعالى، وقد فهم هذا إبراهيم لما قال: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم:37]، أي: إن أقاموا الصلاة فاجعل لهم كذا وكذا، إذ هو قد فهم أننا ما خلقنا إلا للعبادة، وبين هذا تعالى في كتابه فقال عز من قائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].ثم قال إبراهيم في دعائه: رَبِّ إِنَّهُنَّ [إبراهيم:36]، أي: الأصنام، أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي [إبراهيم:36] أي: على ملتي وديني، فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي [إبراهيم:36] فاحرقه بالنار؟! ومن عصاني فجوعه؟! ومن عصاني فاطرده؟! لا، فماذا قال؟ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36]، أي: اغفر له وارحمه. وهذا عيسى عليه السلام قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، وما قال: اغفر لهم، وإنما إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118]، فمن يعترض عليك؟ هم عبيدك ولك أن تعذبهم، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].وهنا يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر موقف الرسولين الكريمين ويدعو لهذه الأمة بالمغفرة والرحمة، ويشفع لها في عرصات القيامة.هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يفرج كروبنا، وأن يشفي أمراضنا، وأن يجمعنا دائماً على ذكره وحبه وحب أوليائه.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #304
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (79)
    الحلقة (303)

    تفسير سورة النساء (82)


    جاءت هذه الآيات تكذيباً لليهود الذين زعموا أنه لم يوح إلى أحد من البشر غير موسى عليه السلام، فذكر الله عدداً من الأنبياء والرسل، ثم أخبر نبيه عن وجود آخرين لم يقصهم عليه أرسلهم سبحانه إلى أقوامهم، وفوق ذلك أخبره أنه كلم موسى تكليماً، فأسمعه كلامه بدون واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك كله، وقد بعث الله الرسل مبشرين لمن آمن بالجنة، ومنذرين من أشرك وكفر بالنار.
    تابع تفسير قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.وها نحن مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:163-166].
    تقرير الوحي الإلهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات الخمس الكريمة ترد على أهل الكتاب دعاواهم بأن الرسول النبي الخاتم محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بنبي ولا رسول، وادعوا أنه ليس هناك من يشهد له بالنبوة ولا بالرسالة، أما الأنبياء الصادقون قبله فقد كانوا يتواجدون في الوقت الواحد أو في البلد الواحد فيشهد هذا لهذا، وهذا الذي يدعي النبوة ليس هناك من يشهد له بأنه نبي أو رسول، فجاءت هذه الآيات تبطل تلك الدعاوى وتجتثها من أصولها، وحسبنا أن يشهد الله عز وجل له، ثم أبعد شهادة الله تطلبون شهادة؟! ما قيمة شهادة العباد بالنسبة إلى شهادة رب العباد؟! فهيا بنا نتدارس هذه الآيات تدبراً وتأملاً.قوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [النساء:163]، هذا إخباره تعالى عن نفسه، إِنَّا ، أي: رب العزة والجلال والكمال، أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ، أي: هذا القرآن الكريم، وهذه الشرائع وهذه الأحكام وهذه الآداب، فهل كنت يا محمد تعلم شيئاً من ذلك؟ وهل كان أحد يعرف أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم -قبل أن نبأه الله بعد أن بلغ الأربعين من السنين من عمره- سيكون رسولاً؟ إذاً من أوحى إليه بهذا القرآن؟! إنه الله تعالى، وليس هذا ببدع ولا بغريب، إذ أوحينا إليك كما أوحينا إلى الرسل والأنبياء من قبلك، فأية غرابة في هذا الباب ما دام أن الله عز وجل يوحي إلى الأنبياء والمرسلين وأنتم تعترفون بذلك؟! فلمَ إذاً ينفى الوحي عن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم؟!
    نبذة مختصرة عن نبي الله نوح عليه السلام
    كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ [النساء:163]، وقد علمنا ومن حقنا أن نعلم أن نوحاً كان أول رسول حمل الرسالة إلى البشرية وهي متورطة في الشرك والآثام، وأما ما قبل نوح وهما إدريس عليه السلام وشيث من ولد آدم، فما كانوا في أمم أشركت بالله عز وجل غيره وعبدت سواه، وكسلت وهبطت حتى ينقذها الله بنبوة ورسالة، أما نوح عليه السلام فحسبنا أنه أرسل إلى قوم يعبدون خمسة تماثيل، وهذه التماثيل الخمسة هم في الواقع عباد صالحون، وهم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، إذ قال تعالى حاكياً قولهم: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ [نوح:23]، أي: لا تتركن، آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، فهؤلاء قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا عباداً صالحين، فلما ماتوا وضعوا على قبورهم تماثيل تمثلهم بحجة الرغبة في العبادة والطاعة والإقبال على الله تعالى، والتوسل والاقتداء بهؤلاء الصالحين، لكن مع مرور الزمان جاء جيل ظنهم أنهم آلهة وعبدوهم من دون الله تعالى، ولهذا حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من كل عمل من شأنه أن يتولد عنه الشرك والعياذ بالله.
    نبذة مختصرة عن نبي الله إبراهيم وأبنائه عليهم السلام
    وأما إبراهيم عليه السلام فهو أبو الأنبياء، وعامة أنبياء بني إسرائيل من ولد إبراهيم عليه السلام، ومعنى إبراهيم باللغة السريانية: الأب الرحيم، وقد كلفه الله بأوامر فنهض بها فاستوجب بذلك الإمامة، ولنقرأ قول الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، ونذكر من هذا أنه كلفه بأن يذبح ولده إسماعيل قرباناً لله رب العالمين، فما تردد في ذلك أبداً، بل أطاع ربه ووضع طفله إسماعيل بين يديه ليذبحه تقرباً إلى ربه عز وجل.واليهود والنصارى لا يجحدون نبوته، إذ الكل يؤمن بإبراهيم نبياً ورسولاً، وإسماعيل هو ابن إبراهيم الخليل، وهو ابن هاجر التي أهداها ملك مصر إلى سارة زوج إبراهيم وابنة عمه، فتسراها إبراهيم فأنجبت له إسماعيل، ثم بعد فترة أنجبت له إسحاق، وإسحاق هو ابن سارة وقد ولد بعد إسماعيل، قال تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، ويعقوب هو ابن إسحاق، وهذه تسمى بالبشرى المزدوجة، أي: بشره بولد يولد له ويكبر ويتزوج ويولد له ولد آخر، وهذا لا يقدره عليه إلا الله تعالى.
    بيان من هم الأسباط عليهم السلام
    وأما الأسباط فهم أحفاد يعقوب عليه السلام، والأسباط جمع: سبط، والحقيقة هو ابن الابن، وهؤلاء الأسباط كانوا اثني عشر رجلاً، وكانوا أنبياء، واليهود يعرفون هذا ويؤمنون به.
    نبذة مختصرة عن نبي الله عيسى عليه السلام
    وأما عيسى عليه السلام فهو روح الله وكلمته، وعبد الله ورسوله، وقد أراد الله عز وجل أن يخلق هذا المخلوق على خلاف سنته في تواجد بني آدم وتكاثرهم في الأرض، فأمر الله تعالى ملكه جبريل عليه السلام أن ينفخ في كُمِّ درع أم عيسى مريم عليها السلام، وبالفعل نفخ في كم الدرع فسرت النفخة -وهي روح- فدخلت في جوف مريم عليها السلام، وما هي إلا أن هزَّها الطلق وألجأها إلى مكان لتلد فيه تحت نخلة في قريتهم التي كانوا بها، فكان عيسى بكلمة التكوين، أي: كن، فكان، والذي عليه أكثر أهل العلم: أنه ما مكث في بطنها أكثر من ساعات، وتجلت حقيقة أنه عبد الله ورسوله في أنه وهو يرضع قالت لهم أمه: اسألوه، فأنطقه الله فقال: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:30-33]، ثم قال الله تعالى: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [مريم:34]، وقد أنزل الله عليه الإنجيل، والإنجيل بعد التوراة، إذ إن بني إسرائيل كانوا يعيشون على التوراة التي أوحاها الله إلى موسى الكريم منذ قرون، لكن الله نسخ بالإنجيل بعض الأحكام التي كانت في التوراة، وأقر أحكاماً أخرى، وأضاف أيضاً إلى ذلك أحكاماً أخرى، لكن لا منافاة بين التوراة والإنجيل.وقد ولد عيسى في بيت لحم، وأخذ الخصوم يحاربونه، بل أدى بهم الحال إلى أن عزموا على قتله، وبالفعل حاصروه في بيته ورفعه الله تعالى من روزنة البيت وألقى الشبه على رئيس الشرطة الذي دخل ليخرجه، فلما تباطأ دخلوا عليه فألقوا القبض على ذاك الشرطي أو المسئول وظنوه عيسى، فأخذوه وصلبوه وقتلوه، وهم مختلفون هل هو عيسى أو لا؟ أما عيسى فقد رفعه الله تعالى إليه، قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158].وقد آمن بعيسى عليه السلام بعض الصلحاء والمعروفين بالحواريين، وأحداثهم في سورة المائدة وفي غيرها، والشاهد عندنا: أن عيسى رفع إلى الملكوت الأعلى، والحواريون نشروا دعوته التوحيدية الإسلامية في جنوب أوروبا، وانتشرت الدعوة الإسلامية التي جاء بها عيسى عليه السلام، فكاد اليهود ومكروا فبعثوا بولس، وأخذ يتقرب إلى الحاكم المسيحي، واستطاع أن يفسد الديانة المسيحية كما كانت على عهد عيسى، حتى قيل: لم يعبد النصارى ربهم عبادة حقيقية تزكي نفوسهم وتؤهلهم للجنة إلا سبعين سنة، ويدل لذلك أن الإنجيل الآن هو خمسة أناجيل، بل قد عبثوا بالإنجيل فقسموه إلى أكثر من خمسة وثلاثين إنجيلاً، ثم بمرور الأيام والفضيحة اجتمعوا وحولوا الخمسة والثلاثين إلى خمسة أناجيل.إذاً: الذي مكر بالمسيحيين هم اليهود، ولا زالوا إلى اليوم يمكرون بأي دين يظهر؛ لأنهم يريدون أن يكونوا هم أهل الدين فقط، كما قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيسى سينزل من الملكوت الأعلى في آخر أيام هذه الحياة، وإنا لمنتظرون، وسوف ينزل فيحكم ويملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً، ولكن العلامة المؤكدة له ولظهوره أن تتغير أحوال المسلمين، ويحكمهم إمام صالح اسمه محمد بن عبد الله المهدي، وينزل عيسى والمهدي يؤم ويحكم هذه الأمة، وإذا نزل عيسى فقد أغلق باب التوبة، فالمؤمن مؤمن، والكافر كافر، والبار بار، والفاجر فاجر؛ لأنها العلامة الكبرى من علامات قيام الساعة.
    نبذة مختصرة عن نبي الله أيوب عليه السلام
    وأما أيوب عليه السلام فقد ذكر تعالى قصته وأنه مرض ثمانية عشر سنة، ثم سأل ربه بتلك الدعوة: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، فاستجاب الله له وكشف ضره.
    نبذة مختصرة عن نبي الله يونس عليه السلام
    وأما يونس عليه السلام فقد قال فيه نبينا: ( لا تفضلوني على ابن متَّى )؛ لأن يونس باللغة السائدة إن صح التعبير فشل في الدعوة وما استطاع مقاومة المعاندين والمشركين من قومه، فما كان منه إلا أن تركهم وخرج من بلادهم، ولم يثبت كثبوت محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك خاف الرسول على أصحابه من أن يقولوا: إن يونس قد ضعف أو أن يونس كذا وكذا، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تفضلوني على يونس بن متَّى )، ولما ملَّ يونس وسئم من عناد قومه وانصرافهم عنه ومقاومتهم لدعوته ترك البلاد وخرج، فلما وصل إلى شاطئ البحر صادف السفينة تريد أن تقلع فركب معهم، والتدبير لله عز وجل، ولما أصبحوا في البحر قال ربان السفينة: إن الشحنة أو الحمولة ثقيلة، فخيروا أنفسكم، إما أن تسقطوا واحداً منكم وإما أن تغرقوا كلكم، فأقرعوا فيما بينهم فخرجت القرعة على يونس، قال تعالى مصوراً ذلك: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، فما كان منهم إلا أن ربطوه بحبل ورموه في البحر، فأمر الله سمكة من السمك العظيم أن تفتح فاها ليدخل يونس في بطنها، وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات:139-142]، ثم أخذ يسبح: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلما سمعت ملائكة العرش صوت يونس في قعر البحر وفي بطن الحوت شفعوا له عند الله تعالى، فأمر الله تعالى تلك السمكة أن تلفظه على شاطئ البحر، وكان قد نضج لحمه من حرارة بطن الحوت، إذ إن من يمكث كذا يوماً أو أسبوعاً في بطن الحوت فإن لحمه سيتهرى، وبعد أن ألقته السمكة على الشاطئ شاء الله أن ينبت عليه شجرة اليقطين، وذلك لتصبح كمستشفى خاصاً بنبي الله يونس، وتعرفون ورق الدباء؟ إذ إنه ورق ناعم والذباب لا يقع عليه، كما سخر الله له واحدة من الغزلان تأتي بنفسها وتدني بثديها ويرضع منها، فهذا غذاؤه وهذا دواؤه حتى تماثل للشفاء، ولنقرأ ذلك: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات:145-146]، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب اليقطين، أي: يحب ثمره وهو الدباء، وكان يلتقطها من حافتي القصعة، وهي ناعمة حقيقة، ولا ألذ منها إذا أُحسن طبخها.ولما تماثل للشفاء عاد إلى قومه، فوجدهم ينتظرونه بفارغ الصبر، قال تعالى: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُم ْ إِلَى حِينٍ [الصافات:145-148]، فلم تؤمن أمة بكاملها إلا أمة يونس، إذ ما من أمة بعث الله فيها رسولاً أو نبأ نبياً إلا آمن البعض وكفر البعض إلا أمة يونس فقد آمنوا عن آخرهم، وكان عددهم مائة ألف وزيادة، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُم ْ إِلَى حِينٍ [الصافات:148]، أي: إلى نهاية آجالهم وإلا استوجبوا العذاب، وقال العلماء: لما خرج يونس من بلادهم تجلت سحب سوداء في سماء تلك المدينة، فنصح بعض المصلحين في تلك الأمة أن العذاب قد قرب، وأن عليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى، وأن يصرخوا بين يديه، فتقول الروايات: أبعدوا الأطفال عن أمهاتهم ليصرخوا وليبكوا، وحتى الحيوانات أبعدوا صغارها عن كبارها، وضجت البلاد كلها بالبكاء لله عز وجل، فتقشعت تلك السحب وآمنوا، وهذا تدبير من رب العزة والجلال، فعاد يونس فإذا بهم يستقبلونه بحفاوة ويقبلونه.
    نبذة مختصرة عن نبي الله هارون عليه السلام
    وأما هارون فهو أخو موسى عليه السلام، وقد ولد قبل موسى بسنة أو بسنتين في العام الذي كان لا يقتل فيه ذكور بني إسرائيل من قبل جنود فرعون، والسبب في ذلك: أن السحرة أو رجال السياسة قالوا لفرعون: إن دولتك أو سلطانك سيكون زوالها على يد هذه الفئة من بني إسرائيل؛ لأنهم أولاد الأنبياء، ولا بد وأن يكون لهم يوم يملكون، وقد حصلت أيضاً تجربة وهي أنه لما قدم موسى إلى فرعون وهو يحبو، فإذا به يحاول أن يقف فمسك بلحية فرعون وجذبها، فتطير فرعون وقال: إذاً هذا هو، وهم بذبحه، وهذا مبين في سورة القصص، فشفعت له آسية وقالت: جربه أو امتحنه، فامتحنوه فجاءوا بطبق فيه جمر وآخر فيه تمر، وقالوا: إن تناول التمر فهو واع وبصير وقد أراد إهانة فرعون بجذب لحيته، وإن تناول الجمر فهو صغير لا يفرق ولا يميز بين الحسن والقبيح، فأخذ الجمر وألقاها في فمه فكانت سبب لُكنة لسانه، ولما كبر موسى وحمل الرسالة عابه فرعون بهذه اللكنة، إذ لم يكن فصيحاً.وعلى كلٍ لما أصدر فرعون أمره بقتل ذكور بني إسرائيل قام رجال الدولة وقالوا: ستنتهي اليد العاملة إذا قضينا على بني إسرائيل كلهم، فمن الرأي أن عاماً نقتل وعاماً نعفي، ففي عام الإعفاء ولد هارون، وفي عام القتل ولد موسى، فأوحى الله تعالى إليها بما بينه في كتابه العزيز: أن ضعيه في التابوت وألقيه في اليم إلى آخر القصة.إذاً: هارون هو أخو موسى وشقيقه، وموسى هو الذي سأل ربه أن ينبئه ويرسله معه، وقد استجاب الله عز وجل له، وخلف موسى في بني إسرائيل أيام ذهابه إلى المناجاة، ومات في التيه في صحراء سينا قبل موسى، وقد اتهم اليهود موسى بقتل أخيه، وهذه من أخلاقهم إلى الآن.
    نبذة مختصرة عن نبي الله سليمان عليه السلام
    وأما سليمان عليه السلام فهو ابن داود عليه السلام، وهو أحد ثلاثة الذين ملّكهم الله المعمورة من أقصاها إلى أقصاها، وهم: ذو القرنين، وسليمان، وبختنصر، كما أنه أوتي من الكمالات ما لم يؤتها غيره، ومنها: أنه يفهم نطق الطير، قال: وعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]، فإذا صاح الطير فإنه يعرف ما يقول، وهذه من أعظم الكرامات والمعجزات، وعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16].ومما يذكر عن فهمه للطير أنه سئل مرة عن صياح صرد وهو طائر معروف إلى الآن، فقال لهم: يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وهي كلمة حق، أي: لدوا أيها الوالدين من الرجال والنساء للموت، إذ لو لم نلد ماذا سيأخذ الموت؟ والذين يبنون العمارات والمنازل إنما يبنونها لتكون خراباً وإن بلغت عنان السماء، بل والله لا بد وأن تئول إلى خراب، وكانت هذه موعظة عجيبة من هذا الطائر.
    نبذة مختصرة عن نبي الله داود عليه السلام
    وأما داود عليه السلام هو أبو سليمان عليه السلام، وقصته موجزة في سورة البقرة، وهو أنه كان في جيش يقوده طالوت لقتال جالوت، وذلك أن بني إسرائيل لما استعمروا وشردوا وطردوا كما هي حالهم في وقت مضى، سألوا الله عز وجل بواسطة نبي من أنبيائهم أن يملك عليهم رجلاً يجاهدون معه ويستردون ملكهم ويعودون إلى ديارهم، وهذا مبين بإجمال في سورة البقرة، قال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة:248] الآية، ثم جاءهم الأمر من الله بأن فلاناً هو الذي سيقودكم، فحملهم الكبر وقالوا: كيف يحكمنا هذا ويقودنا ولم يؤت كذا وكذا من المال والجسم، فألزمهم الله بقبول ولايته، وذلك أنه أعطاهم آية يندهشون أمامها ويسلمون له، وهذه الآية هي أن الملائكة تأتيهم بالتابوت من أرض بابل بالعراق التي احتلها العدو، وبالفعل جاء التابوت وفيه آثار موسى وهارون، فما كان منهم إلا أن سلموا له، أي: سلموا بقيادة طالوت لهم، ومشى معهم ليحارب من احتل بلادهم، وامتحنهم في الطريق ليرى الصابر من العاجز الجزع الذي لا يقاوم ولا يقاتل، فقال لهم: سوف نمر بنهر فلا تشربوا منه، ومن أُلجئ واضطر إلى الشرب فلا يزيد على غرفة يغرفها بيده، وما إن وصلوا إلى النهر حتى أكبوا عليه كالبهائم، ولم ينج إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً على عدة أهل بدر، والباقون قال لهم: أنتم لا تصلحون للقتال، فعادوا منهزمين قرابة أربعين ألفاً، وقاتل طالوت بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وانتصر، وسبب الانتصار هو أن جالوت خرج من جيشه يطالب المبارزة، وكان جباراً من الجبابرة، فنادى طالوت: من يبارزه؟ من يبارزه؟ فما استطاع أحد أن يخرج إليه، فخرج إليه داود وكان شاباً صغيراً، فتقاتلا فنصره الله على جالوت، ومن ثم رفعه الله تعالى، وأصبح ولي عهد ثم أصبح هو الملك، وأوحى الله إليه ونبأه وأرسله.ومما أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن داود أنه كان يأكل من عمل يده، وكان يصوم يوماً ويفطر يوم، ومع هذا كان لا يقعد عن الجهاد، وقد كان ينسج الدروع، قال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ [الأنبياء:80]، أي: لتحفظكم من عدوكم، وهنا يروى أن لقمان الحكيم عليه السلام مر بداود وهو عند منزله ينسج الدروع للقتال ويبيعها، فوقف لقمان وهم أن يسأله لماذا هذه؟ أو ماذا تصنع بها؟ فأدركته الحكمة فسكت، فلما فرغ داود من نسج الدرع أخذ يقيسه على جسمه، ثم قال: نعم لبوس الحرب أنتِ، فقال لقمان عليه السلام: الصمت حكمة وقليل فاعله، إذ لو ما صمت وسأل كان أهان نفسه وأذلها، وسأل عما لا يعنيه ولا حاجة له به، لكن لما صبر وصمت وآثر الصمت على النطق استفاد العلم بدون ما سأل.كما أن داود عليه السلام حكم فترة من الزمن، ولما توفي ولى ولده سليمان، وهناك أيضاً حادثة أشير إليها وهي أن سليمان كان أمام المحكمة وهو طفل يلعب مع الأولاد، فاختصمت امرأتان في طفل لهما، فلم خرجتا من مجلس القضاء سألهما سليمان: بم حكم أبي؟ قالوا: حكم بكذا وكذا، والقضية هي أن امرأتين نامتا في مكان ما، فجاء فاختطف ذئب أو حيوان فأخذ أحد الطفلين لهما، ولما استيقظت إحداهن وجدت أن طفلها غير موجود، فضمت إليها طفل جارتها، وقالت: هذا ولدي، فبكت الأولى وترافعا وتقاضيا عند الملك داود، فحكم بالطفل للكبرى اجتهاداً، إذ الصغيرة لا يمكن أن تصدق، ثم كيف تلد وهي لازالت صغيرة؟ بينما الكبرى معقول أن تكون هي أمه، فقال سليمان لأبيه: اذبح هذا الولد، فالتي ترضى بذبحه ليست بأمه، فلما قال: هاتوا الولد ليذبح، صاحت الأم وقالت: لا يذبح، إنه ليس بولدي، بينما الأخرى قدمته ليذبح، إذ لو كان طفلها وفلذة كبدها فإنها لا تعطيه ليذبح.وهناك حادثة أخرى وهي حادثة الزرع، وقد قال الله فيها كما في سورة الأنبياء: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، والشاهد عندنا هو أن سليمان تربى في حجر داود، وكان من أنبياء الله ورسله.

    بيان المراد بالزبور في قوله تعالى: (وآتينا داود زبوراً)

    وقوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء:163]، والزبور هو الكتاب، وهو مأخوذ من الزبر الذي هو الكتب، والزبور مائة وخمسون سورة، وليس فيه حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هو حكم ومواعظ، والتوراة هي التي تطبق ويحكم بها وتنفذ أحكام الله فيها، أما الزبور فهو كتاب فقط فيه عظات وحكم فقط، وكان داود عليه السلام إذا قرأه بصوته الحسن يلتف حوله الإنس والجن والطير والحيوان.
    تفسير قوله تعالى: (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ...)
    وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [النساء:164]، أي: ورسلاً أرسلناهم يا نبينا وقصصنا عليك قصصهم في القرآن الكريم. وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]؛ لأنه لا فائدة من ذكر قصصهم، إذ لا يستفيد منها شيئاً، مع أن هناك أمماً في شرق أوروبا وفي الصين وفي اليابان وفي مناطق بعيدة ما أوحى الله تعالى على نبينا من شأنهم شيئاً، إذ ليس هناك فائدة في ذلك، لكن الجهات القريبة من الجزيرة هي التي ينتفع أهل القرآن بمعرفة قصصها، وإلا ما من أمة إلا وقد نبأ الله فيها وأرسل إليها رسولاً، بل ما خلت أمة من نذير قط، لكن الذي ذكر تعالى لنا هذه المنطقة حول الشرق الأوسط، أما الرسل الذين أرسلوا خارج الشرق الأقصى أو الغرب الأبعد فما ذكر تعالى عنهم شيئاً، ولكن نؤمن إيماناً يقينياً أنه ما من أمة إلا وقد خلا فيها نذير، ولهذا قال تعالى: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]؛ لأنه لا فائدة في قصصهم والتحدث عنهم؛ لأن العرب واليهود وغيرهم ما عرفوا هؤلاء ولا سمعوا عنهم، فما يستفيدون من قصصهم والحديث عنهم.ثم قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وهذه حجة أخرى، إذ إن اليهود يعترفون بأن موسى عليه السلام الكليم قد كلمه الله كفاحاً بلا واسطة في جبل الطور، وهذا الذي كلم موسى تكليماً لا يرسل نبياً آخر محمداً ويوحي إليه، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، و(تكليماً) مصدر لتأكيد الكلام لا مجرد إيحاء وإعلام سريع، وإنما كان كلاماً حقيقة، ويدل لذلك أنه لما سمع موسى كلام ربه قال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، فلولا أنه سمع كلام الله حقيقة ما كانت تتطلع نفسه إلى رؤية الله عز وجل، أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، فعجز عن رؤية الجبل لما تهدم وتحطم.
    تفسير قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ...)
    رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [النساء:165]، أي: مبشرين أهل الإيمان وصالحي الأعمال، ومنذرين أهل الشرك والذنوب والآثام، وعلة ذلك: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، فلولا الرسل الذين يُرسلون لكان لأهل البلاد حجة يوم القيامة ولقالوا: يقولون: ما جاءنا من نذير، وبالتالي فكيف نعبدك؟ ما بلغنا أمرك ولا نهيك، فلمَ تؤاخذنا؟ إذاً فلقطع هذه الحجة ما خلت أمة إلا وأرسل الله فيها رسولاً أو بعث فيها رسولاً، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وحتى الأمم التي تُهلك وتدمر، ما دمر الله أمة ولا قرية ولا أهلك بلاداً إلا بعد إقامة الحجة عليها، أو قبل أن يرسل الرسول ويدعوهم ما أهلك الله أمة لا بالجوع ولا بالمرض ولا بغير ذلك. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]، غالباً قاهراً لا يمانع فيما يريد أن يفعله، وحكيماً في كل أفعاله، إن أعطى لحكمة، وإن منع لأخرى، وإن أعز لحكمة، وإن أذل لحكمة، لا يصدر أبداً أمره إلا مع حكمة مسلَّمة لا ينازع فيها العقلاء.
    تفسير قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ...)
    لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]. لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ [النساء:166]، يا بني إسرائيل! يا من أنكرتم على محمد نبوته ورسالته، وقلتم: من يشهد له؟! فمثلاً داود شهد لسليمان، ويحيى شهد لزكريا، ومحمد من يشهد له؟ لا أحد، إذاً تريدون من يشهد له؟ الله هو الذي شهد له، أبعد شهادة الله تطلبون شهادة؟! إن شهادة البشر كلهم لا تساوي شهادة الله؛ لأن الله عليم حكيم. لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، أنك أهْلٌ لهذه الوظيفة، وأنك متهيئ لحمل هذه الرسالة، وَالْمَلائِكَةُ [النساء:166]، أيضاً، يَشْهَدُونَ [النساء:166]، أبعد شهادة الملائكة تطلبون شهادة؟ إن جبريل هو الذي يأتي بالقرآن، فكيف لا تُقبل شاهدته؟! وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166].
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير
    نسمع بعد هذه البيانات موجز لهذه الآيات فلنتأمل.
    معنى الآيات
    قال الشارح: [ روي أن اليهود عليهم لعائن الله لما سمعوا ما أنزل الله تعالى فيهم في الآية السابقة أنكروا أن يكون هذا وحياً، وقالوا: لم يوح الله تعالى إلى غير موسى ]، أي: لما نزلت الآيات الأولى وأبطلت حجتهم، فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا [النساء:160] إلى غير ذلك، ذكر أربعة أو خمسة عيوب من عيوبهم، فقالوا: ما نسلم أن هذا يوحى إليه، إذ ما أوحى الله إلا إلى موسى فقط.قال: [ فرد الله تعالى عليهم بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] ]، فأي حجة بقيت لهم؟ قال: [ فذكر عدداً من الأنبياء، ثم قال: ورسلاً، أي: وأرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل، أي: قص عليه أسماءهم وبعض ما جرى لهم مع أممهم، وهم يبلغون دعوة ربهم، وأرسل رسلاً لم يقصصهم عليه، وفوق ذلك أنه كلم موسى تكليماً، فأسمعه كلامه بلا واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك ويزعمون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، وقد أرسلهم تعالى رسلاً مبشرين من آمن وعمل صالحاً بالجنة، ومنذرين من كفر وأشرك وعمل سوءاً بالنار، وما فعل ذلك إلا لقطع حجة الناس يوم القيامة، حتى لا يقولوا: ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً، هذا معنى قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، أي: بعد إرسالهم، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ، غالباً لا يمانع في شيء أراده، حَكِيمًا [النساء:165]، في أفعاله وتدبيره.هذا بعض ما تضمنته الآيات الثلاث، أما الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166].فقد روي أن يهوداً جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبلغهم أنه رسول الله صدقاً وحقاً، ودعاهم إلى الإيمان به وبما جاء به من الدين الحق، فقالوا: من يشهد لك بالرسالة إذ كانت الأنبياء توجد في وقت واحد فيشهد بعضهم لبعض، وأنت من يشهد لك؟ فأنزل الله تعالى قوله: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ [النساء:166]، يريد بإنزال الكتاب إليك شهادة منه لك بالنبوة والرسالة ]، أي: كيف ينزل عليه الكتاب وما هو برسول ولا نبي؟ لا يعقل هذا أبداً.قال: [ وبكل ما تحتاج إليه البشرية في إكمالها وإسعادها، إذ حوى هذا الكتاب أعظم تشريع تعجز البشرية لو اجتمعت أن تأتي بمثله، أليس هذا كافياً في الشهادة لك بالنبوة والرسالة؟ بلى، والملائكة أيضاً يشهدون، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]، فلا تُطلب شهادة بعد شهادته تعالى لو كانوا يعقلون ].
    هداية الآيات
    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير مبدأ الوحي الإلهي ]، أي: تقرير وجود وحي يوحيه الله تعالى إلى من يصطفي من الناس، فما من نبي إلا وأوحى الله إليه، ومعنى الإيحاء: الإعلام السريع الخفي يقع في قلب الرجل فيفهم عن الله تعالى ما طلب منه، إذ إن الله يعد الإنسان إعداد خاصاً بتطهير روحه وتزكية نفسه، ثم يلقي إليه بذلك الحكم أو المعنى فيجده في نفسه وهو موقن بأن هذا كلام الله تعالى، كما تسمع أخاك يكلمك فلا تشك أبداً في أنه كلمك، والله عز وجل قد كلم موسى وكلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كفاحاً، أي: وجهاً لوجه، إلا أن نبينا في الملكوت الأعلى وموسى في الملكوت الأسفل، كما أنه كان سبحانه يبعث بالملك فيكلمه نيابة عن الله.والشاهد عندنا: تقرير مبدأ الوحي، والوحي قد انقطع، إذ آخر من يوحى إليهم الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.قال: [ ثانياً: أول الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.ثالثاً: إثبات صفة الكلام لله تعالى ]، إذ الله يتكلم، فقد كلم موسى، وكلم محمداً، وكلم من شاء أن يكلم من أنبيائه ورسله، وصفة الكلام صفة كمال لا صفة نقصان، لكن لا يخطر ببالك أن كلام الله ككلامك، إذ الله عز وجل سميع بصير، فهل يخطر ببال عاقل أن سمع الله كسمع المخلوق أو بصره كبصر المخلوق؟ مستحيل أبداً.ودائماً اجعلوا هذه الظلة على رءوسكم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فاذكر يد الله، وقدم الله، وكلام الله تعالى، وكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربنا، ولكن لا يخطر ببالك شيء اسمه يشبه كلام الله أو ذات الله أو صفات الله، إذ سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].قال: [ رابعاً: بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي قطع الحجة على الناس يوم القيامة ]، فلو سئلت: لم يرسل الله الرسل؟ لكان الجواب: من أجل ألا يحتج الناس يوم القيامة لما يأتي الحساب والجزاء فيقولون: ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً، لم تعذبنا؟ فإرسال الرسل من أجل قطع الحجة على البشر يوم القيامة، وهذا الوجه الأول، والوجه الثاني: إرسال الرسل من أجل هداية الخلق وإصلاحهم وإكمالهم وإسعادهم، لا لمجرد العبادة فقط.قال: [ خامساً: شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ] وتذكرون شهادة الله لنفسه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، فهذه شهادة الله عز وجل لنفسه، وهو أعلم بنفسه وبخلقه وكائناته أنه لا إله إلا هو، لكن لو قيل لك: كيف عرفت أنه لا إله إلا الله؟ فأيسر جواب أن تقول: لأن الله قد شهد بذلك، وملائكته شهدوا بذلك، وأهل العلم شهدوا بذلك، فكيف لا أشهد أنا؟ هل أنا أعلم منهم؟مرة أخرى: هذه الجملة: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، أكبر حجة لك إذا سئلت: كيف شهدت أن لا إله إلا الله؟ فتقول: أنا شهدت ذلك بشهادة الله وبشهادة ملائكته وأنبيائه ورسله؛ لأن أهل العلم هم الأنبياء والرسل، فهل تقبل شهادة بعد شهادة الله تعالى؟قال: [ خامساً: شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ]، إذاً فكيف يكفر به النصارى أو اليهود، والله يشهد له بأنه نبيه ورسوله فقال: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ [النساء:166]؟!قال: [ سادساً: ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة ]، أي: أن القرآن قد حوى العلوم والمعارف بكل فنونها وأصنافها، وأعظمها التاريخ البشري، فهل صاحبه لا يكون رسولاً؟! يأتيك ورقة من رجل مكتوب فيها كلمة فتصدق أن هذا قد بعثه فلان، فكيف إذاً بصاحب هذا الكتاب العظيم الجليل وتقول ما هو برسول؟! كيف يعقل هذا الكلام؟! ولكن الشهوات والأهواء والأطماع والعادات السيئة ودفع الشياطين لهم، جعلهم ينكرون الحق، وليس بعجيباً هذا ولا غريباً، والهداية بيد الله تعالى.فاللهم اهدنا، اللهم اهدنا، وخذ بأيدينا إلى رضاك يا رب العالمين.وصلى الله على سيدنا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #305
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (80)
    الحلقة (304)
    تفسير سورة النساء (83)


    إن الكافرين المعرضين عن منهج الله لا يكتفون بالإعراض عن الحق ورفضه، وإنما يسعون جاهدين للصد عن سبيل الله ومنع نور الهداية أن يصل إلى الناس، وليس هذا فحسب بل إنهم يظلمون الناس ممن أرادوا سلوك طريق الهداية، ويستعملون معهم كل الوسائل الممكنة لردعهم وصدهم عن السبيل، فمن كان هذا حاله فإنه في ضلال بعيد، ولن يغفر الله له ولن يهديه إلى طريق النجاة، وإنما سيهديه إلى طريق جهنم التي يستحقها كل من كفر بالله وأعرض عن سبيله.
    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع هذه الآيات من سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، فهيا بنا نتغنى بتلاوة هذه الآيات الأربع قبل تدريسها ودراستها، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:167-170].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! إن صاحب هذه الأخبار هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، الذي لو قدرناه حق قدره لما استطعنا أن نتكلم ولكنا نقع على الأرض، ولكن تدبير الله عز وجل، إذ يخبر تعالى ويؤكد خبره فيقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، فأولاً: بالله، إذ إنهم جحدوا ألوهيته لعباده، وجحدوا أسماءه وصفاته، وجحدوا آياته، وجحدوا أقداره وشرائعه وقوانينه، وجحدوا لقاءه والوقوف بين يديه، فهؤلاء الكفار أضافوا إلى كفرهم أن صدوا الناس عن سبيل الله حتى لا يؤمنوا به ولا يعبدوه ولا يوحدوه. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، وسبيل الله أو الطريق الموصل إلى الله هو الطريق الموصل إلى رضاه على عباده ثم إنزالهم في جواره في دار السلام، وهذا الطريق واضح بين على جنباته الأعلام الهادية المرشدة، ولكن الذين كفروا عموا وصموا وجهلوا، فلهذا صدوا عن سبيل الله تعالى.لكن أين هذا الطريق الموصل إلى رضا الله وجواره؟ إنه الإسلام، إنه الدين الإسلامي دين الله الذي ارتضاه للخليقة جمعاء، فقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، ولا دين سواه، إذ يوصل أصحابه إلى رضا الله وإلى جواره في دار السلام.وبالأمس كنا مع اليهود والنصارى، ووقفنا على كفرهم وعنادهم، وقد أبطل الله دعواهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا شاهد له من الأنبياء يشهد بأنه نبي، فقال تعالى: لكن أنا أشهد، فهل بقي سؤال بعد هذا؟ أتطلبون من يشهد له بالنبوة من الأنبياء والمرسلين، والله عز وجل يشهد؟ فأي شهادة تعادل شهادة الله تعالى؟!ولذا كان المفروض أن يطأطئوا رءوسهم وأن ينحنوا وأن يقولوا: آمنا بالله، شهدنا أن لا إله إلا الله وأنك يا محمد رسول الله، ولكن أصروا على الكفر والجحود والتكذيب والعناد، فأصدر الله أحكامه عليهم، فاسمع هذا الحكم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، أي: عن الإسلام، وذلك بالإشاعات المغرضة والأباطيل الفاسدة والفتاوى المنكرة، إذ هذا موقف اليهود دائماً وأبداً. قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، أي: لا يستطيعون معه الرجعة، إذ قد ضلوا وتاهوا تيهاناً لا يمكنهم العودة معه إلى بلادهم وديارهم.معاشر المستمعين والمستمعات! كثيراً ما نبين الضلال البعيد بالمعنى القريب، فأقول: نحن الآن بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فالشام وراءنا واليمن أمامنا، والغرب عن يميننا والشرق عن شمالنا، فلو أن شخصاً أراد أن يسافر إلى مكة فاتجه شاماً ومشى يوم وليلة، ثم قيل له: إلى أين ستذهب؟ فقال: إلى مكة، فقيل له: إن مكة وراءك، فارجع، فقال: الحمد لله لا زال معي بعض الزاد، وما زلت قادراً على أن أعود، فعاد والحمد الله، لكن إن مشى وتجاوز الشام ووصل إلى حدود أوروبا، فهل يبقى له زاد؟ ينفد ماءه وطعامه، ولا يقوى على أن يعود، بل ويهلك هناك وما وصل إلى غايته بعد، ولا فاز ولا ظفر ببغيته، فهذا هو الضلال البعيد. إذاً: في باب العمل الصالح والعمل الفاسد، شخص غرته الحياة الدنيا بزخارفها فاطرح في أحضانها يأكل الربا ويزني ويغني، وسنة كاملة وهو في هذه المحنة، ثم سمع نداء الله فوصل إلى قلبه أن: يا عبد الله! لم أعرضت عنا وانصرفت عنا؟ ما الذي غرك؟ ما الذي أصابك؟ ألست المؤمن ابن المؤمنيَن في ديار الإسلام والمسلمين؟ تب إلى الله، ثم على الفور اغتسل وصرخ بين يدي ربه: أستغفر الله، أستغفر الله وأتوب إليه، فهذا ضلاله قريب، ولهذا أمكن أن يعود، لكن إن قضى أربعين أو خمسين سنة في الزنا والجرائم والموبقات والآثام، وأصبحت من طباعه، فإذا لم يكذب ما يستريح، وإذا لم يفجر ما يسعد، فهذا ضلاله بعيد والعياذ بالله، ولا يستطيع أن يرجع. ومثال أقرب من هذا: أيام ابتليت هذه الأمة بالتدخين تقليداً للكافرين؛ لأنهم استعمروهم واستغلوهم وتفوقوا عليهم وعلموهم، وأصبحوا أئمتهم ومعلميهم، أقبل الناس على التدخين، فكم من شخص لما يسمع بتحريم التدخين، وأنه لا يحل لمؤمن أن يلوث فمه وهو يجري اسم الله الأعظم على فيه، فإنه عند باب المسجد يدوس العلبة بنعليه، ويتخلى عنه؛ لأنه ما تأصل فيه تأصلاً كبيراً، والذي عاش خمسين أو ستين سنة وهو يدخن، وعلبة السيجارة لا تفارقه عند نومه وعند يقظته، فهذا قل أن يرجع؛ لأن ضلالهم بعيد والعياذ بالله، فخذوا هذه الحقيقة، إذ إن هؤلاء كفروا وأضافوا إلى الكفر جريمة أخرى، فما أصبحوا أهلاً أبداً لأن يعودوا إلى الله فيستغفروه ويتوبوا إليه ويعبدوه، فكفروا وصدوا عن سبيل الله.وهنا لطيفة من لطائف العلم وهي: نحن لسنا بيهود ولا نصارى، لكن ذكر الصد عن سبيل الله يزيد في كفر الكافرين وبعد البعداء، ولهذا ينبغي أن نفهم أن الله لا يرضى عن عبد يصد آخر عن دين الله، بل إن هذا مما يغضب الله تعالى علينا ويسخطه، فلنحذر أن يرانا الله نصرف مؤمناً أو مؤمنة عن دعوة الله، وذلك بأن نزين له القبائح أو نحسن له الباطل أو نشجعه على فعل منكر مما هو معلوم لدى المستمعين، ولو كان المصدود ولدك أو امرأتك أو أخاك، إذ المفروض فينا أن ندعو إلى سبيل الله القريب أو البعيد، فكيف إذا رآنا الله نصرف عباده عن دينه وعبادته؟!وهنا أقول للذين يستوردون الحرام ويعرضونه على المسلمين ويبيعونه في أسواقهم: إن هؤلاء يصدون عن سبيل الله وهم لا يشعرون، فالذي يستورد صور الخلاعة والدعارة ومجلات الباطل والشر والفساد وكتب الإلحاد وما إلى ذلك ليبيعها فيكسب من ورائها مالاً قد صد عن سبيل الله، وكذلك الذي يستورد أنواع التدخين من الأفيون والكوكايين والحشيشة وغيرها من أجل المادة ليبيع ويستفيد فقد صد عن سبيل الله وهو لا يشعر، والذي يفتح دار بغاء أو دار غناء أو دار باطل ومنكر، ويصد شبيبة المسلمين عن دينهم بما يعرض أمامهم ويزين لهم فقد صد عن سبيل الله، والذي يبتدع بدعة من البدعة، ويصور له الشيطان خرافة من الخرافات ويدعي الولاية، وأنه يدعو إلى الرحمن وإلى عبادة الله وهو جاهل ما عرف الله ولا الطريق إليه، واستغل ذلك الموقف، وأخذ الناس يقبلون يده ورجله، وهو صارف لهم عن طريق الله، فقد صد عن سبيل الله، نسأل الله تعالى أن يعافينا مما ابتلى به غيرنا، وألا يرانا نصد عن سبيله لا إنساناً كافراً ولا مؤمناً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، فأنى لهم أن يتوبوا ويعودوا؟ وإذا لم يتوبوا ولم يعودوا إلى الله فكيف لهم أن يدخلوا دار السلام بعد فقدهم هذه الحياة؟! ما إن تؤخذ أرواحهم منهم وتسلب من أبدانهم حتى تلقى في عالم الشقاء، فمن ينقذها؟وهذا كله منطبق تمام الانطباق على اليهود والنصارى والمشركين من باب أولى، لكن اليهود والنصارى كفروا وصدوا وصرفوا الناس عن الإسلام، وإلى الآن النصارى وخاصة المسئولين منهم ورجال الدين يصدون عن سبيل الله، أما اليهود فلا تسأل.
    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً)
    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168]. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، أي: كفروا وظلموا أنفسهم وغيرهم، والكفر والظلم لا ينجو صاحبهما، فلو كان كافراً فقط ما ظلم فمن السهولة أن يعود إلى الطريق ويمشي في طريق السعادة والكمال، لكن كفر وظلم.
    تعريف الظلم وبيان خطره على العبد
    معاشر المؤمنين والمؤمنات! هل تعرفون الظلم؟ القاعدة اللغوية الشرعية هي: أن وضع الشيء في غير موضعه هو الظلم، فإذا سئلت عن الظلم فقل: هو وضع الشيء في غير موضعه، فعلى سبيل المثال: الآن نحن في هذه الحلقة ندرس كتاب الله عز وجل، والملائكة والله تحفنا، والسكينة مشاهدة نراها، فلا ضجيج ولا صخب ولا بكاء ولا كلام؛ لأن السكينة نزلت علينا، والرحمة قد غشيتنا بدليل أنه لا يتأذى أحد منا الآن بأي أذى، لكن لو قام أحدنا وأدخل أصبعيه في أذنه وأخذ يغني في الحلقة، فهذا قد وضع الشيء في غير موضعه، وهو ظالم، وأوضح من هذا: أن يدفع الرجل من عن يمينه وعن شماله الجالسين لطلب الهدى وينام بينهم، فهذا قد ظلم، إذ ليس هذا محل النوم، أو يأتي إلى الشارع ممر المؤمنين والمؤمنات ويضع الحجارة أمامهم، فهذا قد ظلم، فكيف إذا نام في الشارع؟!ونتتبع ما جاء في الشريعة: الذين يرتكبون الذنوب كالكذب والسرقة والخيانة والغش والخداع وبغض المؤمنين وسبهم وشتمهم وأخذ أموالهم والاعتداء على أعراضهم، كل هذه الذنوب سبب في الظلمة والعفن والنتن الذي يوضع على النفس، إذ المفروض في النفس البشرية أن تبقى طاهرة نقية كأرواح الملائكة، وذلك في إشراق هذا النور، لكن إن هو ارتكب هذه الذنوب فإن هذه النفس البشرية تصاب بالظلمة والعفن والنتن، ويكون بهذا قد ظلم نفسه، إذ بدل أن يزيد في طهرها وصفائها ونورها وإشراقاتها -لأنها تنزل بجوار الله بعد ساعات أو أيام- فإنه يخبثها ويلوثها فتعفن وتنتن وتصبح مبغوضة لله وللملائكة، بل ولا يرضاها الله عز وجل أن تكون في جواره أبداً، فنفسك مظلومة أيها العاصي، فما حملك على أذيتها؟ وهل ترضى من يأتيك بالأوساخ ويلطخك بها ويلبسك لباس العفن والنتن؟ لا ترضى بذلك؛ لأن هذا ظلم، وهذه الأوساخ إنما ضعها في المزبلة ولا تحطها عليَّ، إذاً: ونفسك تصرخ فتقول: لم خبثتني ولوثتني يا ظالم؟معشر المستمعين! تأملوا يفتح الله عليكم، لما يولد المولود كأن هذه النفس هو هذا النور، إذ لا ذنب عليها أبداً، فلا يعرف خداعاً ولا غشاً ولا ظلماً ولا شراً ولا فساداً أبداً، وإنما كأرواح الملائكة، فإذا ترعرع وكبر وأصبح أهلاً لأن يتلقى ما يؤثر على نفسه من خير أو شر، ثم إذا بلغ وأصبح عاقلاً وارتكب الإثم نكت في قلبه أو على نفسه نكتة سوداء فيحجبها عن شيء كثير من الخير والنور، وكلما أذنب ذنباً زيد النكت على القلب، فإذا تكاثرت الذنوب وغشيت النفس وغطتها أصبح لا يعرف المعروف ولا يؤمن به، وأصبح سلوكه كله سلوك المبطلين الفاجرين المفسدين، فتأثرت نفسه، إذ إنه هو الذي ظلمها وصب عليها هذه الأوساخ.إذاً: ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، وما من ظالم لنفسه إلا وقد ظلم غيره، فالذي يدني الباطل من الناس ويغريهم عليه ويحرضهم عليه ويزينه لهم حتى يصرفهم عن الصلاة أو عن العبادة أو عن الطاعة أو عن توحيد الله، فقد ظلم غيره، إذ ما دام أنه قد ظلم نفسه فسوف يظلم غيره، ولا يوجد ظالم لنفسه إلا وقد ظلم غيره، ونحن في القرية نبني مسجداً لا نبني ملهى أو ملعباً، وذلك لأننا مسلمون، فإن بنينا ملعباً أو ملهى فقد ظلمنا أنفسنا وغيرنا.واسمعوا إلى هذا البيان النبوي: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، والذي يمشي يوم القيامة في الظلام هل يدخل الجنة؟ كيف يمشي؟ إليكم هذه الصورة أو هذه الشاشة قرآنية فتأملوها: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، فاذكروا هذا أيها المؤمنون ويا أيتها المؤمنات! إن هذه ساحة فصل القضاء، ساحة العدل والقضاء الرباني في عرصات القيامة، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، كيف هذا؟ لأنهم لما جُمعوا في ساحة فصل القضاء، فالمنافق مع المؤمن، والموحد مع المشرك، وإذا بالمؤمنين تشرق وجوههم بالأنوار من آثار هذه العبادات المزكيات للنفوس البشرية، وما إن يراهم المنافقون الكافرون حتى يقولوا: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]؛ لأن وجه هذا المؤمن كأنه البدر، فيقول المنافق والظلمة تعلوه: انظر إليَّ، فماذا يقول لهم المؤمنون؟ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، أي: يقال لهم: يا معاشر من يعيشون في الظلمة! يا من صرخوا من شدة الظلام وما عرفوا كيف يمشون على الصراط؟ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، في أي ساحة؟ هم يظنون أنهم يرجعون وراءهم في الأرض التي هم عليها، والمراد: عودوا إلى الدنيا واقتبسوا النور منها، أما في هذا اليوم أو في هذه الحياة فلا يُطلب النور ولا يُقتبس أبداً، وإنما هذا في الدار الدنيا، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ووحدوا الله وأخلصوا قلوبكم ووجوهكم له، ثم تكتسبون هذه الأنوار، إذ إنها ليست هنا في الدار الآخرة، وما إن رجعوا حتى يضرب بينهم وبين السعداء بسور، قال تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد:13-14]، أي: ألم نكن معكم في المدينة النبوية في بلد كذا؟ قَالُوا بَلَى [الحديد:14]، أي: كنتم معنا، وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14]، أي: فتنتم أنفسكم بالشهوات والأهواء، وغرتكم الحياة الدنيا [الحديد:14]، فما عبدتم الله عبادة تزكي النفس وتطهر الروح، وإن عبدتموه تملقاً وخوفاً فقط لا لوجه الله، فتلك العبادة لا تنتج الطاقة النورانية، بل هي عبادة باطلة.
    الشرك بالله من أفظع أنواع الظلم
    ومن أفظع وأبشع أنواع الظلم الشرك بالله تعالى، وحرام على مؤمن أو مؤمنة يسمع هذا الكلام ويعرض عنه، ونبرأ إلى الله أن يكون بيننا هذا، ولكنها الغفلة وعدم المبالاة، وهذه هي الحقيقة أن الظلم أفظع أنواعه وشرها هو الشرك بالله عز وجل، فإن قيل: كيف ذلك يا شيخ؟! بين لنا.فأقول: لما يمر الشيخ الآن وتمشي وراءه وتسلبه قلمه تكون قد ظلمته، أو ما إن دخل إبراهيم المسجد حتى أخفيت نعله ومشيت، تكون أيضاً قد ظلمته، أو نظر إليك مؤمن فصفعته على خده فقد ظلمته، وبالتالي فالعبادات هي حق الله عز وجل، فهو مالكها وصاحبها، إذ ما خلق هذا العالم الأرضي وأعده وهيأه للحياة، وجاء بآدم وحواء وبارك في نسلهما وتكاثر النسل وكثرت البشرية من أجل والله أن يعبدوا الله، لا ليحرثوا لله ولا يزرعوا له، وإنما أعد هذه الحياة بكل ما فيها كنزل أو كفندق عظيم، ثم جاء بآدم وحواء وزوجه بها، وأنجب البنين والبنات، وانتشروا في الأرض، كل ذلك من أجل أن نعبد الله تعالى.إذاً: العبادة كلها حق لله تعالى، فمن أخذ منها شيئاً وأعطاه لغيره فقد ظلمه أعظم الظلم، واعتدى على الله، وليس كاعتداء على فلان، كأن أخذت شاته أو زنبيله، وإنما اعتداء عن حق الله الذي استوجبه بخلق الإنسان ورزقه، وخلق الحياة كلها من أجله.وهناك في تلك الروضة في مجلس أقدس من هذا وأبرك وإن كنا لنا بعض الشيء منه، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة الأنعام وفيها: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ [الأنعام:80]، من هؤلاء الذين حاجوا إبراهيم؟ إنهم البابليون، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [الأنعام:80]، أي: كيف يعقل هذا؟ أتريدون أن تصرفوني عن ربي لنكفر به ونجحده كما فعلتم أنتم، وهو الذي هداني وعرفت الحق؟ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذ لو كان ما استثنى ومشى ثم عثر في حجرة لقالوا: لقد آذته الآلهة! وهذا قد حصل الآن في المدينة، وذلك أن أحد المهاجرين جاء مهاجراً فمرض، فقالوا: قد آذاه الرسول؛ لأنه ما يدعوه ولا يستغيث به، كما أنه يمنع الناس من دعائه والاستغاثة به! إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [الأنعام:80-81]، إذاً، أَحَقُّ بِالأَمْنِ [الأنعام:81] أنا أم أنتم؟ أي: الذين أشركوا بربهم أو الذي وحد ربه وما أشرك معه غيره؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]؟ والجواب من الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، الآن أيما عامل من أبنائنا فهم هذه هل يعرف؟ من أحق الناس بالأمن من النار؟ الذي آمن وما أشرك بربه، الذين آمنوا أولاً ولم يخلطوا إيمانهم بظلم؛ لأن اللبس هو الخلط، فالثوب تخلطه مع بدنك، أي: لبسته، آمَنُوا [الأنعام:82]، أولاً، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، والظلم هنا والله إنه للشرك، لكن إن عبدوا الله ولم يشركوا في عبادته كائناً من كان أبداً، فهؤلاء لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فكبرت عن الأصحاب وقالوا: يا رسول الله! من ينجو منا إذاً؟ أي: ما منا أحد إلا وقد لبس إيمانه بظلم، فهذا عق أباه، وهذا أكل مال فلان، فمن ينجو إذاً من ذلك؟ إذ إنه ما من أحد إلا ويقع في ذنب في يوم من الأيام، ففرج الحبيب عنهم بما أوتي من العلم والحكمة فقال: ( إن هذا الظلم ليس هو ظلمك لنفسك بغشيان ذنب أو ارتكاب محرم، وإنما هو الشرك بالله تعالى )، ثم قال لهم: ( ألم تسمعوا قول لقمان الحكيم إلى ولده وهو بين يديه يربيه ويعلمه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟ )، فهذا لقمان النوبي الحبشي الأسود الذي عايش داود عليه السلام، وهو القائل: الصمت حكمة وقليل فاعله، وضع طفله بين يديه ليربيه، ولا أدري هل أنتم تضعون أطفالكم بين أيديكم تربونهم؟ ولنخرج بعد صلاة التراويح فلننظر أين نجد أولادكم؟ وما زال لقمان يعظ ابنه حتى مات بين يدي، ولنذكر الآيات الكريمة التي حملت هذا النور الإلهي عن لقمان: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:16-18]، فهذه هي العظات وهذه هي العبر التي قالها لقمان الحكيم لابنه، وما كان نبياً ولا رسولاً، وإنما أكرمه الله وأعلى قدره وسجل كلامه الذي كلم به ولده، وذلك حتى نعلم، ونحن بعد آلاف السنين كأننا نعيش مع لقمان، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16]، وهذه هي التي مزقت قلب الغلام.والشاهد عندنا هو قوله: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13]، لم يا أبتاه؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ففرح أصحاب رسول الله وحمدوا الله وصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم.
    بعض مظاهر الشرك
    ونستعرض معكم الآن ولا تكربوا ولا تحزنوا بعض مظاهر الشرك التي عشناها وعاشها آباؤنا وأجدادنا قروناً عديدة، فاسمعوا: الذي ينادي ميتاً قد مات من سنين عديدة ويقول: يا سيدي فلان! اشفع لي، أو ادع الله لي، أو أعطني كذا، أو كن في جواري، فهذا النداء وهذا الإقبال بالقلب والوجه واللسان على عبد من عباد الله الموتى والله لمن أعظم الشرك، وإنه لظلم عظيم، إذ إنه ترك خالقه الذي وهبه سمعه وبصره، والذي بيده حياته ومماته، علام الغيوب، مالك الملك، المحيي المميت، وينادي ميتاً من الأموات، فأي عقل هذا؟ لولا الشيطان زين هذا وحسنه والله ما يقدر عليه، إذ هو عاقل، فكيف تأتي إلى قبر أخيك أو أبيك في المقبرة وتقول: يا بني! قم وأعطني كذا وكذا؟ هل هناك عاقل يفعل هذا؟ لا شك أنهم سيضحكون منه، إذ كيف ينادي ميتاً من ألف سنة وبينه وبين بلاده ألف كيلو متراً؟! وكم وكم نودي عبد القادر الجيلاني؟! يا عبد القادر! يا سيدي! يا مولى بغداد! يا راعي الحمراء! يا راكب كذا! بل وفي المغرب يوجد من يناديه، وبين المغرب والعراق ألف كيلو، وألف سنة من يوم أن مات عبد القادر، فكيف تناديه؟! هل يسمعك؟ وهل يقدر على أن يعطي؟ آلله أذن لك وقال: ادع؟ إن الله يقول: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا برهان له فإنما حسابه عند ربه [المؤمنون:117]. وهكذا قبل أن توجد هذه الحكومة الربانية القرآنية المحسودة من الجن والإنس الذين يعملون ليل نهار على إبطالها وإحباطها، لا أعانهم الله ولا أقدرهم عليها، فتأتي إلى الروضة وتسمع نداءات أمتك: يا رسول الله! يا أبا فاطمة! أنا جئت من كذا وكذا، وترى البكاء والصراخ، فلا إله إلا الله! وبين يدي الله ما دعا بربع ما يدعو غير الله تعالى! ومن أراد أن يشاهد وينظر فليذهب إلى ضريح عبد القادر في العراق، أو إلى البدوي في مصر، أو إلى سيدي مبروك في الجزائر مثلاً، أو محيي الدين في الشام، وليشاهد وليسمع.
    بيان سبب تفشي مظاهر الشرك في الأمة
    وإن قيل: ما سبب هذا؟قلنا: إنه الجهل الذي صبه علينا العدو، أعني: اليهود والنصارى والمجوس، فهم الذين حرمونا من العلم وطلبه، وأدلل وأبرهن للأبناء والإخوان على الحقيقة هذه، وهي أن العدو هو الذي صرفنا عن العلم الذي به نحيا وبه نعرف الله والطريق إليه: أما سبق أن علمتم أن علماءنا منذ أكثر من ثمانمائة سنة يقولون: القرآن الكريم تفسيره خطأ إن أصاب، أي: صوابه خطأ وخطؤه كفر، وأهل المذهب المالكي يراجعون حاشية الحطاب على خليل يجدون هذه العبارة: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، إذاً: كيف نفسر كلام الله؟ يجلس الشيخ طوال أيام الشتاء يعلم الناس كيف يتوضئون وكيف يصلون فقط، أما تفسير كلام الله فلا، بل إذا قلت: قال الله فإنه يغلق أذنيه بأصبعيه حتى لا تنزل الصاعقة، إذ كيف يفسر كلام الله تعالى؟! والدليل الواضح: هل يجتمع المسلمون الآن في عصر النهضة والصحوة كما يقولون على تفسير كلام الله تعالى؟! لقد صرفونا عن القرآن لنموت، إذ القرآن روح ولا حياة بدون روح، وقد جاء هذا مبين في سورة النحل وفي سورة غافر وفي سورة الجاثية أو الدخان، فمن سورة الشورى قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]، والروح الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم، وسمي روحاً لأن الحياة لا تقوم إلا به، إذ الروح فيها الحياة، سواء في النملة أو في طائر العقاب أو في البقر أو في الإنسان، فالروح هي الحياة، وكذلك القرآن روح متى فقده الآدمي مات، وأصبح في عداد الأموات، فلا يعي ولا يفهم ولا يأخذ ولا يعطي. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، فالقرآن نور، فماذا صنع الأعداء؟ قالوا: خذوه من أيدي المسلمين وحرفوه، ولا ننسى حرب الصليبيين على القرآن وقد فشلوا، لكن قالوا: الانتصار على أن نأخذ القرآن من أيديهم ما نستطيع، إذ إنه محفوظ في صدورهم، نساؤهم كرجالهم، إذاً الطريقة هي أن نصرفهم عن دراسته وفهمه والعمل به، وقد نجحوا أعظم نجاح، فقد حولوا القرآن ليقرأ على الموتى.ومن اللطائف: أن حاكماً فرنسياً في مدينة من مدننا بالجزائر ما عنده بصيرة ولا علم، فد رأى الكتاتيب في المساجد يقرءون القرآن بالألواح، فقال للمسئولين تحته من العرب: ما فائدة هذه الكتاتيب؟ الحكومة تبني المدارس وتأتي بالمعلمين وتوزع الكتاب، فأمر بإغلاق الكتاتيب وإيقافها، فجاءه ذو حيلة وبصيرة بتدبير الله عز وجل فقال: يا مسيو! قد أزعجت الناس، والآن هم يقلقون ويضطربون كيف تمنع أولادهم من القرآن؟ فقال لهم: فأي فائدة من هذا؟ قال: إنهم يقرءونه على الموتى، فيأكلون به اللحم والرز، فقال: فقط من أجل هذا؟ قال: نعم، قال: إذاً اقرءوا، فأصبحتَ وللأسف إذا دخلت القرية أو المدينة من إندونيسيا إلى موريتانيا وسمعت القرآن في بيت تعلم أن هناك ميتاً، إذ لولا الميت ما يجتمعون على أن يقرءوا القرآن أبداً، فمن فعل هذا؟إنه الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية أعداء الإسلام، إذ إنهم رأوا الأنوار الإلهية تغمر أرض الإسلام والمسلمين، وهم في ظلمة أسوأ الظلمات، فالقبح والشر والفساد يغشاهم ويغطيهم، فقالوا: كيف ينجو هؤلاء ونخفر نحن؟ هل نترك ديننا وندخل معهم؟ إذاً نهون ونزول، إذاً لا بد من حربه، وسعوا لإطفاء ذلك النور لولا الله عز وجل.
    قيام دولة التوحيد على أرض الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز
    وعندنا مثال وانقلوه، ولكن للأسف ليس هناك من ينقل: عرفتم كيف استعمرنا الشرق والغرب؟ ما سبب استعمارهم لنا؟ والله إنه لجهلنا وظلمنا وفسقنا وإشراكنا بربنا، فعم ديارنا الظلام وغشاها وغطاها، وما أصبحنا أولياء الله فيها، فمن ثم سلط علينا أعداءنا وأعداؤه لتكون ذكرى للذاكرين، وحاشا لله أن يسلط على أوليائه أعداءه، والله يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، لكن لما هبطنا وعبدنا غيره عبدنا كم واحداً؟ حفنة من التراب أو كوماً من التراب تجد المؤمنات عاكفات حولها! بل ليس هناك من يقسم بالله إلا من نذر، حتى إنه في بعض المحاكم أصبحوا لا يحلفون الظالمين بالله؛ لأنهم سيحلفون سبعين مرة ولا يبالون، وإنما احلف له بسيدي فلان، وفعلاً هبطنا فركبوا علينا، بل وزغردوا وهللوا وكبروا: انتهى الإسلام.وأراد الله عز وجل أن يقيم الحجة له على خلقه، إذ قد أصبح الإسلام مكروهاً ومبغوضاً عند اليهود والنصارى، فالإسلام الذي يذل أصحابه ويهينهم ويسلط عليهم أعداؤهم فيسوموهم الخسف والعذاب، يُقبل أبداً، وإنما قد انتهى أمره، وشاء الله عز وجل أن يقيم الحجة له، فجاء السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن من آل سعود مع مجموعة من طلبة العلم ودخلوا الرياض وأعلنوا عن دولة القرآن، وأخذت هذه الدولة في الانتشار حتى سادت هذه البلاد وعلت فوقها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهدموا القباب والقبور، وطهروا الأرض من الشرك، إذ إن الشرك في تلك الأزمنة وخاصة في هذه الديار أكثر من أي ديار أخرى، وكأننا ما سمعنا بكتاب الله وقرآنه، فطهرت البلاد في فترة من الزمن قليلة وسادها أمن وطهر، وأقسم بالله ما عرفته أمة الإسلام إلا في القرون الثلاثة الأولى، إذ إن الإنسان كان يمشي ويحمل الذهب على رأسه لا يخاف إلا الله، بل والله لدكاكين الذهب مفتوحة الأبواب الليل والنهار، فكان أمن وطهر لا نظير لهما، وسبب تحقق ذلك أنه أقام دولته القرآنية على قواعد أربع وضعها الله لإقامة الدولة الإسلامية، وهي في قوله تعالى من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، أي: حكموا وسادوا، ماذا فعلوا؟ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فلا فلسفة ولا شيطنة ولا وطنية ولا قوانين.وهذه الدعائم الأربع هي: الأولى: إقام الصلاة، ولذلك لن تجد سعودياً وطنياً يمشي والصلاة قائمة أبداً، بل ولن تجد باباً مفتوحاً أبداً والصلاة قائمة، والثانية: أخذ الزكاة، والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعلاً ظهرت دولة أشبه ما تكون بدولة الراشدين، وما إن شاهد ذلك العدو من الإنس والجن حتى أخذ يضرب ويحطم، لكن يأبى الله إلا أن تظهر حجته على البشر، وفعلاً فقد استقل المسلمون في الشرق والغرب، لكن لم تشأ أمة من تلك الأمم أن تقيم دولتها على هذه القواعد الأربع، والتي ما قامت عليها دولة إلا سادت وعزت وطابت وطهرت وأمنت، فمن صرف المسلمين عن هذا؟ أمس كنا تحت إيطاليا والآن استقللنا، فلم لا نذهب إلى عبد العزيز ونقول: كيف نقيم دولتنا؟ومرة أخرى وسوف تسمعون هذا يوم القيامة: كان الواجب والله على كل إقليم من إندونيسيا إلى موريتانيا إذا استقل عن فرنسا أو بريطانيا أو أي دولة أخرى، أن يأتي إلى السلطان عبد العزيز ويطلب منه قضاة وآمرين بمعروف وناهين عن المنكر، وذلك حتى يطبقوا شرع الله فيهم، لكن لما كاد العدو ماذا صنع؟ تستقل دويلات حول المملكة وتأبى أن تنضم إلى السعودية، حتى لا يؤمر فيها بمعروف ولا ينهى فيها عن منكر، وحتى لا تقام فيها صلاة ولا يحرم فيها ما حرم الله، والله ليس إلا هذا، سواء كان هذا من كيد الثالوث وتعليماته أو من جهلنا، ولو أن كل إقليم يستقل وانضم إلى دولة الإسلام، أي: دولة عبد العزيز، لعادت لنا الخلافة الراشدة، لكن للأسف كل دولة لما تستقل تعرض عن الله وذكره، فلا تأمر بصلاة ولا بجباية زكاة، بل واستعاضوا عن الزكاة المفروضة بالضرائب القاتلة الفادحة، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فكيف نعز؟ وكيف نسود؟ وكيف نطهر حتى يرضى الله عنا ويدخلنا دار السلام؟فمن فعل هذا بنا؟ إنه العدو، أعني: اليهود والنصارى والمجوس، فهيا نخرج منهم ونبتعد عن ساحتهم، وكل مظاهر البذخ والباطل والشر نتركها، لكن للأسف ما أفقنا بعد، إذ ما زلنا نمشي وراءهم.وصلى الله على نبينا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #306
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (81)
    الحلقة (305)
    تفسير سورة النساء (84)


    الكفر بالله عز وجل مع الصد عن سبيله، وظلم المؤمنين به والسالكين لطريقه والمصدقين برسالاته هو الضلال البعيد، وقد توعد الله سبحانه وتعالى هؤلاء الكافرين الظالمين بحرمانهم من مغفرته سبحانه، وحرمانهم من طريق الهداية، إذ مآلهم النار، خالدين فيها وبئس القرار.
    تابع تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الفوز الكبير، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المباركة الميمونة المدنية، وما زلنا أيضاً مع هذه الآيات الأربع التي تلونها بالأمس ورددناها وأخذنا في شرحها وبيان ما تحمله من الهدى والنور، والآن نكمل إن شاء الله دراستها، فهيا بنا نتغنى بها أولاً متأملين متدبرين متفكرين فيما تحمله من الهدايات الإلهية، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:167-170].
    الكفر بالله تعالى مع الصد عن سبيله هو الضلال البعيد
    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه أحكام الله تعالى وأخباره، فهو الذي أوحاها إلى رسوله ومصطفاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد حواها كتابه القرآن العظيم، فالخبر الأول المؤكد بأداة التوكيد: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، ويقابل الكفر الإيمان. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، أي: لم يؤمنوا، وإنما كفروا بالله خالقهم ومالك أمرهم، وجحدوه سبحانه وتعالى، وأبوا أن يعترفوا بألوهيته، وأبوا أن يعترفوا برسالاته التي يرسل بها رسله، وأبوا أن يؤمنوا بلقائه والوقوف بين يديه للحساب والجزاء بعد نهاية هذه الدنيا، بل وأضافوا إلى كفرهم -والكفر موت، بل أسوأ من الموت- صدهم عن سبيل الله غيرهم بعد أنفسهم. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، وسبيل الله هو دينه الإسلام، وهو الطريق الموصل إلى رضاه والنزول بجواره في دار الكرامة يوم القيامة، فهم قد صدوا أنفسهم أولاً، وما اكتفوا بذلك، وإنما أخذوا يصرفون الناس عن الدخول في الإسلام بالأكاذيب والأباطيل والادعاءات، وتقبيح الإسلام وتشويه ما فيه من النور والهدى، وهذا شأنهم، فهم أئمة الضلال ودعاة الباطل، فلا هم لهم إلا أن يترأسوا ويسودوا ويعيشوا في دنياهم، ولا يضرهم أن يهلك الناس عن آخرهم. كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، أخبر تعالى عنهم بأنهم ضلوا الطريق الموصل إلى الرضوان الإلهي، الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، الموصل إلى الطهارة والصفاء والحب والولاء، فهذا الطريق قد ضلوه والضلال بعيد، فأنى لهم أن يهتدوا ويعودوا، فنبرأ إلى الله تعالى من الجريمتين: جريمة الكفر، وجريمة الصد عن سبيل الله.وقد نبهت أبناءنا وإخواننا إلى أنه لا ينبغي لأحد منا أن يصد عن سبيل الله ولو بكلمة، فإياك يا عبد الله! وإياك يا أمة الله! أن يراك الله وأنت تصرف عن دينه ولو عن شعيرة من شعائره، ولو عن فضيلة من فضائله، ولو عن سنة من سننه، فإما أن تدعو إلى سبيل الله، وإما أن تكف لسانك ويدك ولا تدعو إلى غير سبيل الله، كما قد لفتنا النظر إلى أن الذين يوجدون أسباب الصد والصرف عن سبيل الله يعتبرون صادين وصارفين عن سبيل الله، فالذي يفتح مقهى يملؤها باللهو والباطل من أجل الدينار والدرهم، ويشاهد إخوانه لا يخرجون للصلاة ولا يجيبون نداء الله، وإنما هم يلعبون ويضحكون، وهو فرح بذلك مسرور؛ لأنه يحصل على مال، فقد صد عن سبيل الله، إذ كان المفروض إذا أذن المؤذن أو دقت ساعته أن يغلق باب مقهاه ويقول للجالسين: الآن أجيبوا ربكم، إنكم مدعوون إلى مولاكم، اذهبوا فأدوا واجبكم، ثم عودوا إن شئتم، والذين يستوردون أو يفتحون استديوهات للتصوير، فهؤلاء أيضاً صدوا عن سبيل الله، أما الذي يفتح بنكاً على مصراعيه في بلد إسلامي، فهو يدعو الناس إلى الوقوع في هذه الكبيرة العظيمة، وهو أيضاً قد صد عن سبيل الله، وكذلك الذي يفتح دكان حلاقه يحلق وجوه الفحول من أجل أن يأخذ الريال والدرهم، فقد صد عن سبيل الله تعالى، والذي يستورد ملابس الخلاعة والدعارة، وما عرف بلباس العواهر، فينشره بين المؤمنات في بلاد المسلمين فقد صد عن سبيل الله.
    الواجب في حق من وقع في الذنب سرعة الرجوع والتوبة
    قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، كل ما أريد أن أقوله للمستمعين والمستمعات: نحذر في حياتنا أن يرانا الله نصرف مؤمناً أو مؤمنة عن طريق الله، لا بكلمة ولا بنظرة ولا بأية حركة، والمفروض أننا ندعو إلى سبيل الله لا أن نصد عنه، وقد بينت لكم أن الضلال إذا بعد فصاحبه لا يرجع، ومن هنا قال أهل العلم: التوبة عندنا معاشر المسلمين والمسلمات! تجب على الفور، ولا يحل التراخي فيها أبداً، فإياك أن تقول: أتوب يوم أن يحصل كذا، أو عندما يجيء كذا، أو عندما يحصل لي كذا، فهذا لا يصح أبداً، وإنما الواجب إذا زلت القدم، وسقط عبد الله في المعصية، أن يرفع صوته: أستغفر الله، وكله نية صادقة ألا يعود لهذه الرذيلة ولا ينغمس في هذه البؤرة من الإثم والذنوب، أما حتى أتزوج، أو حتى أوظف، أو حتى يعود كذا، فهذا باطل، فعلى الفور يا عبد الله تب إلى الله تعالى، فأنت ما تريد تلك السقطة ولا الزلة، لكن أوقعك فيها عدوك الشيطان وأعوانه، فإذا أفقت وعرفت أنك زللت وارتكبت إثماً يغضب ربك، فعلى الفور تمسح ذلك الأذى، واغسله بدموعك واستغفارك، فإن من واصل الذنب يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، فإنه يصبح ضلاله بعيداً، وحينئذٍ أنى له أن يعود، لا يستطيع.وتذكرون ما جاء في سورة المطففين، إذ قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، ويقول الرسول الحكيم والمبين لكلام الله ولمراد الله منه: ( إذا أذنب العبد ذنباً )، صغيراً كان أو كبيراً، إذ النكرة دالة على العموم، ( إذا أذنب العبد )، أو الأمة، والرسول منهجه هو القرآن، إذ لا يذكر النساء من أجل أن الفحول لا يريدون أن تذكر نساؤهم في كل ميدان، ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع على قلبه نكتة سوداء )، أي: مظلمة، ( فإن هو تاب )، بالاستغفار والعزم ألا يعود، ( صقل ذلك المكان )، ومسح، وأصبح كالزجاجة يقع فيها شيء فيحجبها ثم تمسحه فيُمسح، وتعود كما كانت والله العظيم، فإن هو لم يتب وأذنب ذنباً آخر وقعت إلى جنب الأولى نكتة أخرى، وإذا لم يتب وزاد الثالثة والرابعة والخامسة، فيغطى القلب كله بظلمة الذنوب والآثام، فيقول عليه السلام: ( فذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).ولذلك فالتوبة هي الرجعة الصادقة إلى الله عز وجل، فإن كان ذنبي ترتب عن ذمي لمؤمن أو سبي له أو تعييري له، فآتيه وأطرح بين يديه، وأطلب منه أن يعفو عني أو يقتص مني، وإن كان مالاً أخذته منه بغش أو خداع أو بأي ضرب من ضروب الحصول على المال بغير الطريقة الشرعية، كالسرقة مثلاً، فنأتيه ونطرح بين يديه ونقول له: أتوب إلى الله، يا أخي! سامحني، والذي في ذمتي لك أسدده يوم أن يغنيني الله أو يعطيني الله تعالى من فضله. أما الذنوب المتعلقة بترك واجب من واجبات الله، أو غشيان محرم مما حرم الله، فالتوبة هي المبادرة الفورية على الندم والاستغفار والعزم الأكيد على ألا يعود إلى ذلك الذنب، والله تعالى يقول في التوبة النصوح: (يا أيها الذين آمنوا) لبيك اللهم لبيك، سبحان الله! ربنا نادانا، الحمد لله، من نحن حتى ينادينا رب العالمين؟! الذي يطوي السموات بيمينه يوم القيامة، والذي يقول للشيء: كن فيكون، والذي خلق هذا الكوكب النهاري، أعني: الشمس، وهو أكبر من أرضنا بمليون ونصف مليون مرة، هذا الواهب للحياة والموت ينادينا وما نفرح ولا نسر! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِ مْ [التحريم:8]، فما معنى قوله: (توبوا) يا شيخ؟ ترجع إلى الحق والصواب بعد أن فارقته واعتزلته، وقال: توبة نصوحاً، ولم يقل: ناصحة، قال أهل العلم: التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها الذنب أبداً، كما لا يعود اللبن في الضرع، فمن حلب شاة أو بقرة أو بعيراً وأخذ اللبن في إنائه، فهل يمكن أن يعود اللبن في الضرع؟ مستحيل، حتى بالإبرة لا يستطيع، فالتوبة النصوح هي التي لا يعاود المذنب ذلك الذنب أبداً، فيجعل هذا من باب المستحيل أن نعود إلى الخنا والزنا والباطل والشر بعد أن تبت منه وأنقذني الله منه.
    قبح الجمع بين الكفر بالله تعالى والظلم وبيان جزاء ذلك
    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، وهذه أخرى، فهل بعد الكفر من ذنب؟ ما إن كفر هلك، وحرم رضا الله وجواره، لكن إذا أضاف الكفر ظلماً، فإن ضرره يعود على المجتمع البشري، فهو كالأول، ما اكتفى بكفره وإنما يحمل الناس على الكفر ويدعوهم إليه بصدهم وصرفهم عن رضا الله وطلب هداه، وهذا أيضاً في القبح كالأول، فهو قد كفر وظلم، ولا شك أن اليهود والنصارى متورطون في هذا، وعندنا أبناؤنا الذين أسلموا يعرفون عن القسس والرهبان كيف يصدون عن الإسلام بشتى الوسائل والحيل، فيبنون المستشفيات ويوزعون الأموال ويوزعون كذا من الطعام والشراب لأجل إدخال الناس في بؤرة الكفر، فاليهود كفروا وظلموا، إذ إنهم يصدون عن سبيل الله لا من أجل أن يتهود الناس، وإنما يريدون أن تبقى لهم عقيدتهم ودينهم خاص بهم، بخلاف النصارى فإنهم يريدون أن يتنصر الناس ويصبحون على دينهم.ثم يقول تعالى مبيناً الجزاء على كفرهم وظلمهم: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168]، اللهم إلا طريق جهنم فنعم، فإنه يهديهم إليه ويسوقهم، وهم سائرون فيه سالكونه حتى نهايتهم إلى جهنم. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء:168]، أولاً، وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168]؛ لأن المغفرة يا معاشر الأبناء والإخوان! سببها التوبة والرجعة الصادقة إلى الله تعالى، وهؤلاء أضافوا إلى كفرهم ظلماً، فهم غير مستعدين والله للتوبة، فلهذا كيف يغفر لهم؟ من لم يتب لا يغفر الله له، بل لا بد من توبة صادقة، فلما كانوا على هذه الحال فالله لا يغفر لهم، ولا تقل: وإن تابوا، فإن باب الله مفتوح لعباده من الإنس والجن، فما من إنسي ولا جني يقارف ذنباً أو يرتكب كبيرة أو يكفر أو يشرك بالله، ثم يتوب إلى الله، فالله عز وجل يقبله، ولنذكر الحديث: ( إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار )؛ لأن الله غني غنىً مطلق، وهو ليس في حاجة إلى عبادة زيد أو يهاب أو يخاف كفر زيد أو عمرو، لكن كما قدمنا أن الإنسان إذا توغل في الظلم والشر والكفر قد لا يرجع ولا يتوب، أما طريق جهنم وهو الكفر والشرك والذنوب والمعاصي فهذا مفتوح والشياطين تدعوا وتؤهل وتسهل لكل من أجابهم.
    عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة
    خَالِدِينَ فِيهَا [النساء:169]، وهنا حقيقة علمية عقدية، وهي: اعلموا يرحمكم الله! أن أهل التوحيد والإيمان الذين ما كفروا ولا أشركوا، ولكن قارفوا ذنوباً وارتكبوا جرائم، ثم ماتوا قبل التوبة منها، فهؤلاء يوم القيامة إما أن يغفرها الله لهم فلا يدخلهم عالم الشقاء، وإما أن يدخلهم النار ويلبثون فيها دهراً ثم يخرجهم منها بإيمانهم وصالح أعمالهم التي عملوها؛ لأن الله يخبر عن نفسه فيقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].مرة أخرى: يا معشر المستمعين والمستمعات! هذه عقيدة رسول الله وأصحابه، عقيدة سلف هذه الأمة، وليست اعتزالية ولا خارجية ولا جهمية ولا باطنية، وإنما هي العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأن هذه الأمة ستفترق كما افترقت الأمم، وقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع ما أخبر به، فقد افترقت هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وذلك بزيادة فرقة عن النصارى، ومن أراد الوقوف على أسماء هذه الفرق فعليه بتفسير القرطبي رحمه الله في سورة آل عمران عند قول الله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فقد ذكرها طائفة بعد أخرى.والشاهد عندنا: لما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن افتراق هذه الأمة كالأمم السابقة، إذ الكل بشر والعدو واحد وهو إبليس عليه لعائن الله، قال عليه السلام: ( كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة )، فألهم الله أحد أصحابه فقام وقال: ( من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟ )، فأجاب صلى الله عليه وسلم بجواب يجب أن نحفظه الآن، وحرام عليك يا بني ألا تحفظه وتخرج من الدرس ناسياً له، إذ لو حفظنا هذا الجواب ما ضل فينا ضال، والجواب هو: قال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، إذاً الفرقة الناجية هم الذين يكونون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه عقيدة وعبادة وقضاء وآداباً وأخلاقاً، بل قل ما شئت، تفكيراً وذوقاً وفهماً، فلهذا نعمل الليل والنهار على أن نكون مثل رسولنا وأصحابه في عقيدتنا وفي صلاتنا وفي عباداتنا وفي آدابنا وفي أخلاقنا، حتى يتوفانا ربنا ويلحقنا بهم، فلا بد من بذل جهد، ولا بد من معرفة.فعقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هي: أن من مات كافراً أو مشركاً فهو مخلد في النار لا يخرج منها أبداً، ومن مات من المؤمنين مقارفاً للذنوب، ولكن له أعمال صالحة، ولكن مات على كبيرة الذنب، فهذا يوم القيامة هو بين أمرين: بين أن يغفر الله له، فمن يرد على الله حكمه؟ أو يدخله النار فيمكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم ينقذهم الله منها ويخرجهم ويدخلهم الجنة دار السلام، لكن الخوارج يقولون: من مات على كبيرة من كبائر الذنوب لن ينجو من النار، وهذا مضادة للكتاب والسنة، فما الذي حملهم على هذا؟ سوء فهم، وقد أصروا عليه للحفاظ على تلك الكتلة أو تلك الجماعة من أجل أن تفوز بالسيادة والحكم بين الناس.إذاً: معشر المستمعين والمستمعات! من مات على الكفر أو الشرك بالله، فهذا خالد في دار الخلد لا يخرج من النار أبداً، أما إن كان مؤمناً موحداً غير مشرك ولا كافر ولكن قارف ذنوباً وله صالحات أيضاً، وشاء الله أن يموت على شرب الخمر أو على إتيانه الزنا أو على أكله الربا بدون توبة، فكيف تحكمون على هذا العبد؟ فوضوا أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء أدخله النار فطهره فيها ثم يخرجه، والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].وأعود إلى ما أوصيتكم به: من هي الفرقة الناجية من فرق أمة الإسلام؟ هم الذين يعيشون في عقيدتهم على ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فلا ننسى هذا، فنتعلم كيف كان الرسول يعتقد؟ وكيف كانت عقيدة أصحابه؟ وكيف كانوا يعبدون الله؟ حتى في التيمم كيف يتيممون؟ وهذا يتطلب منا طلب العلم، وملازمة أهل العلم ليل نهار حتى نتعلم كيف نعبد الله عبادة تزكي أنفسنا وتطهر أرواحنا؟ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، فلنحذر الكفر والظلم، وقد قلت لكم: الظلم أنواع، وهو يوم القيامة ظلمات كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، والذين يجدون أنفسهم يوم القيامة في ظلمة لا يدخلون الجنة، وقد شاهدنا هذا لما انطفأ النور عنهم ووقفوا حيارى ينادون أهل الجنة: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد:13]، فرجعوا، وفجأة ضرب بينهم وبين أهل النور بسور له باب، باطنه فيه الرحمة بالجنة، والآخر بالعذاب، قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ [الحديد:13]، فالنساء موجودات أيضاً في هذه الآية، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، فهل عرفتم النكتة في: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]؟ أي: عودوا إلى الدار التي يكتسب فيها النور، أما هذه الدار فلا كسب فيها، فهل يعودون إلى الحياة مرة ثانية ويؤمنون ويوحدون ويعبدون الله عز وجل؟ مستحيل، فقد انتهت الحياة الدنيا، وبالفعل يظنون أنهم يكذبون عليهم، فيرجعون وعلى الفور يحال بينهم وبين أهل النور، بِسُورٍ لَهُ بَابٌ [الحديد:13]، واحد، بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:13-15]، وهذا كلام الله الذي نقرؤه على الموتى ونحرم منه الأحياء!
    الشرك بالله تعالى أفظع وأبشع أنواع الظلم
    أقول: ما هو أفظع أنواع الظلم؟ ما هو قتل أبيك أو أمك فقط، أو سرقة جارك، أو الزنا بامرأة جارك، أو بانغماسك في البنك تأكل الربا، إن أفظع وأعظم أنواع الظلم هو الشرك بالله عز وجل؛ لأنه ذنبٌ لا يُغفر إلا بالتوبة النصوح قبل أن يغرغر، أما إذا حشرجت في الصدر فلا ينفع توبة، وحشرجة في الصدر الروح هي أن تؤخذ الروح من الجسم شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الحلقوم، فلا ترجع بعد ذلك، ويشاهد المحتضر ملك الموت وأعوانه أمامه، وهنا إذا قال: أتوب إلى الله، استغفر الله، وهذا على فرض، وإلا فإنه لا يلهم لهذا أبداً، قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:17-18]، إذاً أفظع أنواع الظلم هو الشرك بالله تعالى، والشرك بالله تعالى كأن تعلق الصليب في عنقك وتعبد المسيح، أو اتخاذك تمثالاً من ذهب أو من فضة أو من طين أو من خشب في بيتك وتنحني أمامه وتسجد بين يديه.وبالتالي فالشرك هو عبادة غير الله كيفما كان المعبود، حتى لو كان جبريل أو ميكائيل عليهما السلام، إذ قد عبد المشركون من العرب الملائكة وقالوا: إنهم بنات الله، وأن الله قد أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة، فأنكر الله عليهم فقال: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:153-154]، فعبادة غير الله هي الشرك الأعظم، سواء كان المعبود ملكاً في السماء أو نبياً في الأرض أو ولياً صالحاً بيننا، أو كان غير ذلك، فالله عز وجل لم يسمح ولم يأذن ولم يرض لعبد من عباده أن يعبُد غيره، إذ خلقه ورزقه وحفظه من أجل أن يعبده، فإذا رآه يلتفت إلى غيره ويعبده بأي نوع من أنواع العبادة فقد أغضب عليه ربه عز وجل، وظلم مولاه، واعتدى على حقه، إذ حق الله ثابت علينا وهو: أن نعبده مقابل خلقنا ورزقنا وحفظنا، ومقابل إيجاد هذه الحياة كلها لنا ومن أجلنا.
    الدعاء هو العبادة ولا يجوز صرفه لغير الله
    واسمعوا! والذي نفسي بيده، لا يرضى الله عز وجل عن عبد ينادي غيره ويتركه هو، وذلك لينقذه أو يسعفه، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة )، ومعناه: من لم يدع الله ما عبد الله تعالى، ومعناه: من دعا غير الله فقد كفر بالله، إذ الدعاء هو العبادة، فلا عبادة تصح أبداً من عبد يدعو غير الله أو لا يدعو الله تعالى.ومن لطائف الدرس: أن جماعة من المتصوفة وغلاتهم احتالوا على مريدين وقالوا لهم: كيف تدعون الله؟ الله ما يعرفكم؟! ما يعلم بحاجاتكم حتى ترفعون إليه أيديكم وتقولون: أعطني كذا وكذا، وافعل لي كذا وكذا؟! ووضعوا لذلك قاعدة لا تحفظوها، فقالوا: حالي يغني عن سؤالي، أي: هو يعرف مرضي إن كنت مريضاً، وجوعي إن كنت جائعاً، وغربتي إن كنت غريباً، فلمَ ندعوه؟ ومعنى هذا الكلام: لا تدعوا، واستشهدوا لهذا بقضية خاصة وهي أن الخليل إبراهيم عليه السلام يوم أن حكم عليه بالإعدام بأرض بابل بالعراق، وأججت النيران، وأعدت إعداداً خاصاً، وجيء به بالفعل مكتوف اليدين والرجلين، ووضع في المنجنيق ودفعوه إلى النار؛ لأنهم ما استطاعوا أن يقربوا منها، فقد كانت من مسافات بعيدة ملتهبة وحارة جداً، حتى الطير لا يستطيع أن يحوم فوقها، فلما ألقي عرض عليه جبريل على الفور فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟ فقالوا كذباً عليه: حالي يغني عن سؤالي! ونحن قد أخبرنا حفيده صلى الله عليه وسلم بأنه قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، أي: لا حاجة لي عندك، وإنما حاجتي عند ربي، فصدر أمر الله عز وجل إلى النار، إذ هي مخلوقة من مخلوقاته، ومربوبة من مربوباته: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، وقد علمنا من قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله لو ما قال: وَسَلامًا [الأنبياء:69]، لمات إبراهيم في النار بالبرد، إذ البرد قاتل كالحر، والآن يموتون في الثلج، لكن قوله: بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69]، فخرج -بعدما احترق القيد من يديه ورجليه- وهو يتفصد عرقاً، فانبهر ذلك الشعب واندهش، وقال: هيا نترك هذه الديار وأهلها، فخرج مع ابن أخيه لوط وزوجه سارة، إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26] سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، ولا يدري أين يذهب، وقد هداه ربه عز وجل، والشاهد عندنا في كلمة: حالي يغني عن سؤالي، إذ معناها: لا تدعو الله!! أعوذ بالله، إنه لا أعظم من الدعاء، فاصرخ يا عبد الله بين يدي ربك، إذ إن هذه أعظم عبادة لله تعالى، حتى قيل: إن الدعاء مخ العبادة، فمخ الحيوان إذا زال مات، وكذلك إذا نزع الدعاء ما بقيت عبادة.ولنا صورة دائماً نمثلها للحاضرين: قف يا إدريس! وارفع يديك إلى الله، فماذا تقرءون في هيئته هذه؟ أنا أقرأ وأنتم تسمعون: إن هذا العبد فقير محتاج إلى الله تعالى، والدليل أنه رفع كفيه إلى السماء، وهي علامة على فقره، والله يحب من عبده أن يعلن عن فقره، وأنه لا غنى له عن ربه، وثانياً: أن هذا العبد قد علم وأيقن أن ربه يسمع كلامه وإن أسره وأخفاه، فهو بين يديه يسمعه، ولولا أنه يعلم أن الله يسمعه هل يدعو بهذا الدعاء فقط؟ وإذا رفع صوته فربه قريب منه في الملكوت الأعلى؟ لكن علم هذا العبد أن الله عليم بذات الصدور، وأنه يعلم السر والنجوى، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الظلمات، وما في الليل والنهار، وما في البر والبحر، وبالتالي فهذا مؤمن بأن الله يسمعه ويراه، وثالثاً: لولا علمه أن الله يرى مكانه في المدينة أو في مراكش أو في الليل أو في النهار فكيف يدعو هنا؟ ليذهب إلى مكان يراه الله، أو إلى كعبته وبيته، إذاً هو مؤمن بأن الله يراه حيث ما كان، وأضف إلى هذا: لو عرف أن غير الله يعطيه حاجته لعمل بيديه هكذا، أي: مدها إلى من يطلب منه، لكنه ما رفع يديه إلا إلى أعلى، علماً منه أنه لا يوجد أبداً في الكون من يعطيه أو يقضي حاجته إلا الله تعالى، وإلا لنكَّس يديه إلى أسفل، أو قال يا فلان.فهل عرفتم أن الدعاء هو العبادة؟ إذاً فادعوا الله عز وجل وابكوا وعفروا وجوهكم في التراب، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، إذ إن أعظم حالة لاستجابة الدعاء وأنت ساجد بين يدي الله تعالى، فتعفر وجهك بين التراب، لا على هذا الحرير، والدموع تسيل، فلا ترفع رأسك حتى تُعطى حاجتك، واقرءوا: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )، واحفظوا هذه الكلمة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فهيا بالبالون نطلع خمسين عاماً في السماء، هل نقرب إلى الله أكثر ممن هو هنا؟ والله ما كان، حتى لو تخترق السموات السبع ما تقرب من الله كما تقرب منه وأنت ساجد ووجهك في التراب على الأرض؛ لأن الملكوت كله في يديه وقبضته.معاشر المستمعين! إن الشرك أعظم ذنب وصاحبه إن لم يتب منه فهو خاسر خسراناً أبدياً.
    ذكر بعض مظاهر الشرك بالله تعالى
    كما يجب علينا أن نعرف مظاهر الشرك مظهراً بعد آخر، وذلك حتى ننقذ إخواننا من الشرك، والحمد لله فقد أنقذ الله بهذه الدعوة من المؤمنين والمؤمنات الكثير، وذلك ممن كانوا يعيشون والله على أفظع الشرك، فقد كانوا يستغيثون ويدعون ويصرخون وينادون بأسماء غير أسماء الله تعالى! وقد كانت قلوبهم متعلقة بالأولياء وبالقبور والأضرحة، ولذا فقد كانوا يحلفون بها ويستغيثون بها وينذرون لها ويحبون فيها ويبغضون فيها، والحمد لله قد نجانا الله من ذلك، ونجى أيضاً من عاشرناه.وخلاصة القول: من الآن إياك يا عبد الله ويا أمة الله أن تحلف بغير ربك، صادقاً كنت أو كاذباً؛ لأن الحلف بغير الله شرك في عظمة الله عز وجل، إذ إن الذي تحلف به يكون قد عظمته وأعطيته منزلة حتى أصبح لأن يُحلف به، ومعناه أنك رفعته إلى مستوى الألوهية والربوبية، فإياي وإياكم أن يسمعنا الله نحلف بغيره، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في رواية الترمذي في جامعه الصحيح: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، صدقت يا رسول الله، إذ لما نقول: وحقك، ورأسك، وسيدي فلان، يكون قد عظمته، وأعطيت من عظمة الله لهذا المخلوق عظمة وأشركته فيها، وهذا أمر واضح للمتأمل.والرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: ( ألا )، ألو، أستغفر الله، ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ألو، لكن أنتم تعرفونها أكثر من ألا، ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، وفعلاً فقد كانوا يحلفون بآبائهم، وقد كانوا يحلفون باللات والعزى، إذ إن الرجل أسلم أمس، فلا يستطيع أن يترك الحلف بإلهه الذي عاش معه أربعين سنة، إذ إنه ما يشعر حتى يقول: واللات أو والعزى، فكانت مشكلة عالجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أستاذ الحكمة ومعلمها، فقال عليه السلام: ( من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله )، وهل استفاد إخواننا الذين تعودوا: بحق سيدي عبد القادر، والنبي؟ قل: لا إله إلا الله تمحها على الفور، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وبعضهم قد عاش في مكة على القمار سنين عديدة، فما يدري إلا وقد بدون شعور أو بدون قصد: تعال أقامرك، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ومن قال: تعال أقامرك فليتصدق )، بصدقة مطلقاً، فإنها تمحو هذه الكلمة، فهذا هو العلاج للمجتمع الذي تعود على القمار؛ لأنه بقوله: تعال أقامرك أو ألعب معك، يكون قد زلت قدمه، ومع هذا قد تدست النفس، فإنه يحتاج إلى محو وإزالة هذا الأثر بصدقة ولو بحفنة تمر.وأما من يقول: علي الطلاق، أو بالطلاق، أو والطلاق، فما هو الطلاق؟ جبل أحد هذا؟ ماذا عليه؟ إن هذه من ألفاظ الجهال، إذ حقيقة الطلاق يا عباد الله أن المؤمن وهو ولي الله، والمؤمنة وهي ولية الله، إذا تأذى هذا الرجل من امرأته وصبر وبقي في آلامه، فإن سيده ومولاه لا يرضى له أن يعذب طول حياته، فله أن يطلق، وكذلك المؤمنة أمة الله، فإن تأذت من هذا الزوج، وصبرت عاماً وعامين، فإن الله لا يرضى لأمته أن تعذب، فلها عند ذلك أن تطلب الطلاق، إذ إن الطلاق هو لرفع الضرر على عباد الله الصالحين، فكيف أصنع؟ نأتي باثنين من الرجال العدول، ونجلس معاً في البيت، ونقدم لهم طعاماً أو شراباً، ثم نقول لهما: أشهدكما أني قد طلقت فلانة، يا فلانة أنت طالق، ابق في بيتك حتى تنتهي عدتك، ثم الحقي بأهلك، فهذا هو الطلاق، وأي طلاق غير هذا فهو بدعة وضلال ومنكر.مرة أخرى: يكون الطلاق عندما يؤذى عبد الله أو أمة الله عاماً أو عامين، ولا يستطيع أن يصبر أكثر من ذلك، إذ كيف يرضى الله بأذيته وهو وليه؟ وكذلك المؤمنة لا يرضى الله لها أن تبقى معذبة، ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، إذاً: فأذن الله في الطلاق، فكيف نطلق؟ علي الطلاق؟! وبالطلاق؟! وبجامعة الأيمان؟! كل هذه ألفاظ مبدعة محدثة، إذ إن الطلاق هو أن تأتي باثنين من عدول القرية أو من جماعتك أو من حيك، وتدخلون المنزل وتقول لهما: أشهدكما أني قد طلقت فلانة، فقط بهذه الكلمة، وهي تسمع، ثم يقول لها: يا فلانة! ابق في بيتك، وكلي واشربي واستريحي حتى تنتهي العدة، وهي ثلاثة حيض أو أقراء، ثم تذهبين إلى أهلك، وإن قالت: لا، اسمح لي من الآن اذهب إلى بيتنا، فلا يمنعها، ثم يسألها: هل لك عندنا شيء؟ قالت: نعم، لي عليك ألفين ريال من يوم كذا، فيعطيها إياها، وإن قالت: أمتعني وأكرمني بشيء فأنا الآن ذاهبة إلى بيت أبي، فأعطها ألف ريال، ومع السلامة يا أمة الله، فهذا هو الطلاق، وهذا هو الإسلام، وهذا الموضوع طويل كموضوع الشرك، وسنعود إليه إن شاء الله يوم غد.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #307
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (82)
    الحلقة (306)
    تفسير سورة النساء (85)


    بعث الله عز وجل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام، وأنزل عليه القرآن، وأمره بتبليغ دينه لكل من على وجه البسيطة من الإنس والجن، وأمر الناس من جانب آخر باتباع هذا النبي الخاتم، الذي ختمت برسالته الرسالات، وجاء الكتاب المنزل عليه مهيمناً على الكتاب كله، مبيناً لهم أن إيمانهم به هو خير لهم، ومن كفر منهم فإن الله غني عنه.
    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق رجاءنا، فإنك ولينا ولا لي لنا سواك.ومازلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات الأربع، ولكنا سندرس الآية الرابعة الأخيرة منها، وتلاوة هذه الآيات الأربع تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين بعد أعوذ بالله من الشيطان: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:167-170].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! علمنا -والحمد لله- أن الصد عن سبيل بعد الكفر صاحبه ضال ضلالة لا يهتدي بعده، فيا ويل من كفر وصد عن سبيل الله، وذلك لقول ربنا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167].ثانياً: أن الذي يكفر ويزيد فوق كفره ظلماً، أي: ظلم نفسه وظلم غيره، إذ الظلم يتناول أولاً ظلمه لنفسه ثم ظلمه لغيره، وقد يظلم ربه فيأخذ حق سيده ومولاه ويعطيه لعبيده ومخلوقاته، ألا وإن الشرك من أعظم أنواع الظلم، إذ هو اعتداء على حقوق الله عز وجل، فهذا الذي كفر وظلم يخبر تعالى عنه أنه لن يغفر له، ولن يهديه طريق السلامة والنجاة والسعادة، ولكن سيهديه طريق جهنم والخزي والعذاب الأبدي، وتأملوا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:168-169]، فما هو بالصعب أبداً ولا الشاق الممتنع، فالله أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فهو والله يكون، فلا يعجز أن يدخل البشرية كلها والجن كلهم والملائكة كلهم في عالم الشقاء، إذ إنه على كل شيء قدير.ومن أراد أن ينظر إلى قدرة الله فليرفع رأسه إلى الشمس، ويسأل علماء الفلك: من أوجد هذا الكوكب العظيم؟ بنو فلان؟! الدولة الفلانية؟! إن هذا الكوكب كتلة من النار، فمن أوجد هذه الكتلة من النار؟ ما مادتها؟ إن هذا الكوكب العظيم أكبر من كوكبنا الأرضي بمليون ونصف المليون مرة، فمن أوجده؟ من سخره وأداره في فلكه لحكمة أرادها؟ أبعد هذا تشك في قدرة الله تعالى يا ابن آدم؟! وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284].
    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم...)
    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:170]. ‏
    نداء الله للخلق كافة وإخبارهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم
    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:170]، هذا النداء عام، فيشمل الكتابي والمشرك والمؤمن والكافر والأبيض والأصفر، أي: كل بني آدم، ولكن في الدرجة الأولى يتناول اليهود والنصارى؛ لأنهم كفروا بالنبي الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مع علم علمائهم ورجال العلم عندهم أنه النبي الخاتم محمد بن عبد الله الذي يخرج في جبال فاران، والله ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن الحفاظ على المنصب والكرسي والطعام والشهوات حرمهم أن يعترفوا بالحق، قال تعالى: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، قال عبد الله بن سلام الحبر العظيم من بني إسرائيل من اليهود في المدينة، وقد أسلم أول من أسلم: والله إني لأعرف رسول الله أكثر مما أعرف ابني، لم؟ قال: لأن أم ولدي يمكن أن تخونني وأنا لا أدري، أما هذا فوالله لرسول الله، وقد ورد ذكره في الكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل، إذ إن فيهما صفات ونعوت رسول الله، بل تكاد هذه الكتب أن تنطق بها، واسمع ما قاله عيسى عليه السلام لبني إسرائيل: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، وهو موجود في الإنجيل.والشاهد عندنا: ثقوا وصدقوا بأن التوراة والإنجيل تحملان صفات رسولنا ونعوته التي تكاد أن تنطق بها، لكن أعداء الله وأعداء البشرية وأرباب المادة وعباد الشهوات والشياطين والأهواء، قد جحدوا الحق بعدما عرفوه، ولا تعجب، بل ولا غرابة في هذا، إذ إن المسلمين بينهم وفيهم من جحد الحق وأنكره وتنكر له وكذب به أيضاً، لا لشيء إلا لمصالح دنيوية هابطة ولشهوة البطن والفرج.فاسمع يا عبد الله! إلى نداء الحق جل جلاله وعظم سلطانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ [النساء:170]، ما قال: قد جاءكم رسول، وإنما (الرسول) المعهود عندكم، والمعروف بينكم، والذي جحدتموه وأنكرتموه وكذبتموه، وقلتم فيه ما قلتم، الرسول الأعظم الأكمل في رسالته وكمالاته، وإنه والله لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني، من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام.فهذا النداء ينبغي أن تصغي إليه الآذان، إذ إنه نداء خالقنا ومالك أمرنا ومولانا، فهو يقول لنا: قد جاءكم الرسول، فقولوا: مرحباً به، وأهلاً وسهلاً بمجيء حبيب الله ورسوله ومصطفاه، لكن قالوا: لا، هذا يريد أن يحكم ويسود، ويريد أن يستغلنا وأن يستعبدنا، فأخذوا يحرفون كلام الله ويبدلونه ويغيرونه، فيا ويلهم من عذاب جهنم، وثَّم يذكرون حالهم ويبكون ولا يجديهم البكاء، وتتمزق قلوبهم حسرات ولا ينفعهم ذلك في شيء.إن هذه إنعامات الله وإفضالاته علينا، إذ إنه ينادي البشرية بعنوانها العام: يا أيها الناس! قد جاءكم الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم بالحق يحمله إليكم من أجل أن تكملوا في دنياكم وتسعدوا فيها وفي أخراكم، وما جاء ليجمع أموالكم أو ليتسلط عليكم أو ليسودكم، وإنما جاء بالحق يحمله، من أين؟ قال: مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:170]، فكيف نرد ما جاءنا من ربنا؟! مجانين نحن لا عقول لنا؟! أيجيئنا رسولٌ يحمل الهدى والنور من ربنا وسيدنا وخالقنا والذي إليه مصيرنا فنرده؟! لماذا لا نقول: أهلاً وسهلاً ومرحباً؟! لكن إبليس وأعوانه وقفوا في الطريق؛ لأنهم ما يريدون لهذا الآدمي أن يكمل أو يسعد أبداً، ولذا حسبنا أن نسمع كلمة العدو وهو بين يدي الله تعالى، وهو يحلف بالله فيقول: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُ مْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، أي: فبعزتك يا الله لأغوين بني آدم عن آخرهم، لم يا عدو الله؟ قال: لأنني أُبلست وأيست من الخير بسببهم، بل وطردت من الجنة وحق عليَّ القول بأنني من أهل النار، وبالتالي فسأعمل أيضاً على إضلالهم وإغوائهم حتى يدخلوا معي النار.وأنت يا أبا مرة! يا عدو الله، يا عدو الإنسانية! ألست أنت الذي أخرجت أبانا وأمنا من دار السلام بفتنتك؟ بل أنت ما أبلست ولا طردت إلا لأنك تكبرت، إذ أمرك مولاك أن تسجد لآدم، فحملك الكبر كيف تسجد لهذا المخلوق من الطين وأنت المخلوق من النار؟ فمن سبب الشقاء إذاً؟ أنت يا إبليس عليك لعائن الرحمن.ولذلك لما خلق الله آدم بيديه، وهذه ميزة خاصة بآدم، ونفخ فيه من روحه، أمر ملائكته أن يحيوه، وذلك بأن يسجدوا لآدم، فسجد الملائكة كلهم، كم ملياراً؟ والله لا تعرف عددهم، وهذا الملعون عدو الله الذي يوجد الفتن بيننا، ويوغر صدورنا، وينفخ فينا الخبث والباطل، قال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]؟ أي: كيف أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]؟ ثم قال: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62]، أي: إذا طولت في عمري إلى آخر الدنيا سأفعل وسأفعل بأولاده وذريته كذا وكذا.إذاً: إبليس عدو الله هو السبب، لكن لسنا بأنعام ولا أبقار ولا أغنام، فينفخ فينا روح الباطل فننتفخ ونهتز، بل يجب أن نحذر هذا العدو، وعندك مشعل من نار لا يقوى هذا العدو أبداً على أن يقرب منك إذا قلته، ألا وهو قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا شعرت به وحام حول قلبك، فاستعمل هذا الجهاز الإلهي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يرجل عنك بعيداً.ولكن معاشر المستمعين! هذه القضية تحتاج إلى إيجاد جهاز سليم صحيح، فالذي لا يملك هذا الجهاز لا يستطيع، فاسمعوا هذه الآية من سورة الأعراف، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ [الأعراف:201-202].فتأملوا هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الأعراف:201]، اتقوا ماذا؟ الحر والبرد والجوع والظمأ؟ لا والله ، وإنما اتقوا الله ربهم، فلم يجاهروا بمعاصيه، ولم يعلنوا العصيان والخروج عن طاعته، وإنما إذا قال: صوموا صاموا، وإذا قال: أفطِروا أفطَروا، وإذا قال: امشوا مشوا، وإذا قال: قفوا وقفوا، وبهذا يتقى الله عز وجل، إلا أنه لابد من معرفة فيمَ نطيع الله تعالى؟ وما هي أوامره التي نقف عندها وننهض بها؟ وما هي نواهيه ومحرماته التي نتجنبها ونبتعد عنها؟ لابد من العلم، أحببنا أم كرهنا، إذ من لم يعلم لن يصل إلى مستوى الكمال بحال من الأحوال. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الأعراف:201]، فانظر إلى حالهم: إِذَا مَسَّهُمْ [الأعراف:201]، طيف، طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، فالعدو يحوم كالطائرة الغازية للعدو حول مركز حي في البلد، وإذا بالأجهزة المتهيئة لذلك تشعر بها وتطردها، والذي ما عنده جهاز صالح فإن الشيطان يحوم ويدخل قلبه، ويتصرف فيه ويسخره كالبقرة، فيقوده ويدفعه إلى الجرائم والشهوات التي قد تشمئز منها الحيوانات.وتأمل ا هذه الكلمة من كلام الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الأعراف:201]، أي: ربهم، بماذا؟ بطاعته، في ماذا؟ فيما أمرهم به ففعلوه، وفيما نهاهم عنه فتركوه، فأصبحت قلوبهم مشرقة وأرواحهم زكية، والأنوار تملأ قلوبهم، إذ ما إن يحوم الشيطان حول قلوبهم حتى يتفطنوا له ويلعنوه فيبعد، والذي ما عنده إشعاع ولا نور ولا حراسة، يأتي إليه الشيطان وينزل على قلبه، ثم يسخره كما يشاء، والرسول الكريم قد علمنا فقال: ( إذا اعتراك الشيطان -أي: اعترضك- وأنت في الصلاة فالتفت عن يسارك وقل ثلاث مرات: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يرحل )، وبالتالي فما من إنسان يشعر بأنه يريد أن يرتكب معصية قد زينها له العدو، فتفطن وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والله لقد نجا، ولا يقع في تلك المعصية. يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ [النساء:170]، و(أل) في (الرسول) للتفخيم والتعظيم، وللإجلال والإكبار، وهي للعهد، أي: الرسول المعهود عندكم في التوراة والإنجيل، ومع ذلك تحاولون تحريف كلام الله تعالى، وتقولون: هذا الرسول ليس هو، وهذا الرسول كذا وكذا، وهو في الحقيقة الرسول المعروف، وقد جاءكم بالحق، فهل جاء رسول الله بالباطل؟ والله لو تجتمع البشرية وتأخذ تحلل وترتب وتقدم وتؤخر في شريعته الثابتة عنه في كتابه، والله ما عثروا على شيء اسمه باطل، لا في الآداب ولا في الأخلاق ولا في السياسة ولا في الحرب ولا في السلم ولا في التقنين ولا في التشريع، إذ مستحيل أن يكون هناك باطل يحويه كتاب الله وتثبته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    بيان مجيء الحق من الله تعالى
    ومن أين جاء هذا التشريع والتقنين والآداب والعبادات وهذه الكمالات؟ أي: من أين مصدرها؟ قال: مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:170]، قالوا: مَن ربنا؟! سبحان الله! قل لي: من ربك أنت؟ كوكب؟! هل رأيت الكوكب قد صنعك؟ جبل؟ هل رأيت الجبل قد صنعك؟ إنه لا يسعك إلا أن تقول: ربي اسمه الله، أي: خالقي ورازقي وواهب حياتي ومعطيني ما طلبته منه، ولا رب سواه عز وجل.ملحوظة: قبل المذهب الشيوعي البلشفي الأحمر، والذي قد أراحنا من الصليبية! مزقها؟ داسها؟ ماذا فعل بها؟ سلبها عقيدة وجود الله والإيمان به وبلقائه، إذ إن ثلاثة أرباع المسيحيين ملاحدة بلاشفة، وثلاثة أرباع الصليبيين في هذا القرن لا يؤمنون بالله ولا بالجنة ولا بالأنبياء ولا بالرسل، فمن فعل بهم هذا؟ بنو عمنا اليهود؛ لأنهم حجر عثرة في طريقهم من أجل إيجاد مملكتهم وسيادتهم، وقد قلت ألف ما مرة: أيام كان المسيحي يؤمن بالله وبلقائه وبدار السلام، كان ينظر إلى اليهودي لا يستطيع أن يفتح عينيه فيه أبداً، وذلك لشدة بغضه له؛ لأنه قد قتل إلهه وصلبه كما يزعم! وبالتالي فكيف ينظر إليه؟! فاستطاعوا بهذه الحيلة العجيبة أن يرموا النصارى بالبلشفة ولا إله والحياة مادة، كما واستطاعوا أن يكسبوا مغانم كبيرة لا يشك في هذا ذو علم ومعرفة، وهم الآن يتحكمون في أوروبا وأمريكا والعالم، وقد نجحوا، لكن الذي أردت أن أقوله: إنه قد تهيأت لنا أوروبا وأمريكا واليابان، فقبل وجود البلشفة والشيوعية الحمراء كان لا يستطيع المؤمن أن يؤذن في أوروبا أو يدخلها أبداً، لكن شاء الله وهو يدبر، وهو العليم الحكيم، أن تأتي هذه البلشفة وتهبط تلك العقيدة وتزول، وتصبح أوروبا كأمريكا داراً مفتوحة للإسلام والمسلمين، فتجد فيها المساجد والتعليم، ووالله لقد صلينا في المطارات، وقبل ذلك لا يمكن أن يظهر مسلم أبداً.فهيا نغتنم هذه الفرصة وننشر دعوة الله في تلك الديار التي فتح الله لنا أبوابها، وقد نادينا وصرخنا: يجب أن تتكون لجنة عليا للعالم الإسلامي يشارك فيها كل قطر وإقليم بعالم أو عالمين، وتضرب تلك اللجنة العليا فريضة على كل مؤمن بدرهم أو دينار في العام أو في الشهر، فتوجد ميزانية ضخمة لا تعادلها أي ميزانية في الدنيا، وتقوم فقط بنشر دعوة الله في تلك الأرض التي فتح الله لنا أبوابها، وتبعث بالمرشدين والمعلمين البصراء، وتبني المسجد وتعطي تكاليف المسجد من الإمام وما إلى ذلك، وتوزع الكتاب في هدوء، وتربي تلك الجماعات، وتنتزع من نفسها ذاك الشرك والخرافة والضلالات والحزبيات والوطنيات، فيصبح المسلمون في أوروبا أو في أمريكا جسم واحد، لا قبلي ولا بربري ولا عربي، لا حنفي ولا شافعي ولا مالكي، وإنما مسلم فقط، وكأنهم الملائكة، وما إن ينظر إخواننا الكفار هذه الأنوار حتى يتدفقوا عليها، إذ من يكره هذه الأنوار؟! فيشاهدون المسلمون وهم كلمة واحدة، والصوت ليس مرفوعاً، فلا ضجيج ولا صخب ولا حرب ولا قتال، وإنما الطهر والصفاء والمودة والإخاء، والتعاون على البر والتقوى، والبعد عن الإثم والعدوان، وكأنهم كالملائكة، ووالله ما تمضي خمسة وعشرون سنة وإلا تدفق الناس على الإيمان والإسلام، لكن للأسف الفرصة الآن قد ضاعت، فالفتنة دائرة في بلاد العرب، إذ إنهم يقتلون النساء والأطفال، ويذبحون بعضهم بعضاً، ويفعلون الأعاجيب، فيقولون: انظروا إلى هذا الإسلام! ووقفوا الآن موقفاً، وأنا أخشى ذلك، وقد قلت لكم: والله إن لم نستقم حقاً ونعود فإن إخواننا المسلمين في أوروبا وفي أمريكا سيرمونا في البحر وينهون وجودنا، فما لنا لا نستيقظ ولا نفيق ولا ننهض ولا نتحرك؟! أين الصحوة هذه؟ إنها سكرة من أعظم السكرات، والعجب أنهم سموها صحوة!
    الهدف من مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم
    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ [النساء:170]، يحمله معه، مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:170]، لا من جهة من الجهات، ولا طائفة من الطوائف، ولا زعيم من الزعماء، ولا ملك من الملوك، وإنما مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:170]، إذاً: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:170]، أي: آمنوا بهذا الرسول خيراً لكم من الكفر ألف مرة، إذ إن إيمانكم يكن خيراً لكم من الكفر، فهذه دعوة الله بين أيدينا نحن بني آدم على هذه الأرض، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ [النساء:170]، ولا تقل: جاء من ألف وأربعمائة سنة، لا، إذ إن رسالته هي هي، وكلماته التي قالها محفوظة بالحرف الواحد، إذ ما ضاع منها شيء أبداً، قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا [النساء:170]، وهذا أمر الله، وآمنوا، أي: صدقوا بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامشوا وراءه يصل بكم إلى دار السلام، فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:170]، فالله هو خالق الخير والشر، يعلمنا أن إيماننا به خيرٌ لنا من الكفر به، وهو والله لكذلك، خير لنا في الدنيا والآخرة على حد سواء.
    غنى الله المطلق عن عباده
    ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا [النساء:170]، فهل معنى ذلك أنكم انتصرتم؟ أي: إن رفضتم أمر الله وما قبلتموه وكفرتم به، فهل معناه: أنكم سوف تغلبون الله، ولا تبالون بسلطانه ولا بدولته؟! يقول تعالى: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النساء:170]، فكل شيء في الملكوت الأعلى والأسفل بيده سبحانه وتعالى، فأين تذهبون؟ أنتم كالنعاج فقط بين يدي الله، فلا تفهموا أنكم إذا رددتم أمر الله وقلتم: ما نؤمن بهذا الرسول ونكفر به، تظنون أنكم غلبتم الله، واستطعتم أن تعجزوه؛ لأنكم ما آمنتم، لا، إذ إن له ما في السموات وما في الأرض، وهم في قبضته وملكه، فيعطي ويمنع، ويرفع ويضع، ويحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
    إثبات صفتي العلم والحكمة لله تعالى
    وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:170]، بخفايا الأمور وبظواهرها وعلانيتها، عليماً بالكافر من هو؟ وبالمؤمن من هو؟ والبار والفاجر والصالح والطالح والحاضر والغائب والحي والميت، حكيماً [النساء:170]، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، ومعنى هذا: إن كفرتم فقد وقعتم في المحنة ولن تخرجوا منها، ألا وهي خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ لأن الملك جل جلاله يملك كل شيء فينا، ومما يملكه فينا رقابنا، فهو يسوقنا حيث شاء، ويدخلنا حيث يريد، وهو حكيم، والحكيم لا يضع أبداً أهل الإيمان والطهر في أتون جهنم، ولا يضع أهل الكفر والشرك والنفاق والمعصية في دار السلام، إذ حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك.
    معنى الإيمان برسول الله ولوازمه
    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ [النساء:170]، الحق الكامل المعروف عندكم في كتبكم، وقد جاءكم بالحق مصحوباً به يحمله إليكم، ألا وهو دين الله الإسلام، وبناء على هذا: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:170]، أي: الإيمان خير لكم من الكفر، وَإِنْ تَكْفُرُوا [النساء:170]، وقد فعلوا، فلتعلموا أن لله ما في السموات وما في الأرض، وأنتم من جملة ما يملك سبحانه وتعالى، وسوف يجزيكم بعملكم، فإنه عليم بخلقه، حكيم في قضائه وتدبيره، فلا إله إلا الله! فمن يبلغ هذا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ ومن يقرأ هذا عليهم؟ لا نستطيع الآن، لكن أيام كنا سادة وقادة، وكانت الأنوار تغمرنا والعالم يتطلع إلى وجودنا، مشينا وغزونا وفتحنا ونشرنا دين الله تعالى، أما اليوم والظلام معتم علينا، ونحن في محنة الجهل والظلم والشر والفساد، فمن يقبل منا الإسلام؟! لقد صرفناهم عن الإسلام! بل وصددناهم صداً كاملاً بسلوكنا وبعجزنا وضعفنا وبمكرنا وخداعنا لبعضنا البعض!معاشر المستمعين! نعود مع رسولنا صلى الله عليه وسلم، فأولاً: هل نحن مؤمنون به أم لا؟ يا رب! آمنا برسولك الذي أرسلته إلينا بالحق، فاجعل إيماننا خيراً لنا يا ربنا، ويبقى السؤال التالي وهو: ما هو الإيمان بالرسول؟ الإيمان به يعني أن تؤمن به رسولاً لله تعالى، ولا يتم هذا ولا يصدق صاحبه فيه إلا إذا أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ إذ الذي لا يطيع رسول الله ما آمن به، والذي لا يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوامره ونواهيه الملزمة للفعل والترك ما آمن به أيضاً، وهو القائل: ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني )، فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي دليل الإيمان وبرهانه، والذي يأمره الرسول فلا يمتثل، وينهاه فلا يترك، ويرغبه فلا يرغب، ويخوفه فلا يخاف، فكيف نقول: إنه قد آمن؟ وفوق الطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم الحب له عليه السلام، إذ من لم يحب رسول الله ما آمن به، واسمعوه وهو يقرر هذه الحقيقة فيقول فداه أبي وأمي: ( والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )، أي: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم، ويصبح المؤمن بحق، والصادق في إيمانه، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فهل نحب رسول الله فعلاً؟ ولذا فالحب له عليه السلام: أن يحب شيئاً فتحبه بحبه، ويكره شيئاً فتكرهه لكرهه، وهذه علامة الحب، أي: علامة الحب، فإذ كان يحب المحبوب شيئاً فتحبه بحبه وإن كان غير موافق لمزاجك وطبعك، وغير محقق لرغبتك، لكن مادام حبيبك يحبه فأنت تحبه، وإذا كان حبيبك يكره الشيء فإن كنت محباً صادقاً فتكره ذلك الشيء، وإن كانت نفسك تريده وترغب فيه وتتلذ به، لكن مادام الحبيب قد كرهه، فتحمل نفسك على كرهه والابتعاد عنه، وقد سمعتموه وهو يقول: ( والذي نفسي بيده! )، وهو الله تعالى، ( لا يؤمن أحدكم )، معاشر المؤمنين والمؤمنات! ( حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ).وقد جاء عمر إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيه فقال له: ( يا رسول الله! والله إنك لأحب إليَّ من ولدي ووالدي والناس أجمعين إلا نفسي، فقال عليه السلام: والله لا تؤمن حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر )، أي: الآن آمنت يا عمر، فهل بلغكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع زمارة راع في السفر فأدخل أصبعيه في أذنيه وأبى أن يسمع؟ هو يكره الزمارة، والزمارة هي البيانو والكمان وغيرها من آلات اللهو والعبث، فكيف أنت تصغي إليها وتجعلها في غرفتك، بل وتجلس أنت وأبناؤك دونها تسمعون؟! وهل هذا يحب رسول الله؟! لا، ووالله لولا الجهل لقلنا: ما آمن، إذ إن أغلب الناس جهال لا يعرفون ما يحب الله ولا ما يكره، وهذا مثال واحد فقط، ولذلك فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب كذا فيجب أن تحبه وإن كان منافياً لغرائزك وطباعك وعاداتك، وذلك حتى تصبح المحب والمؤمن الصادق، واسمع إلى هذا البيان من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى )، يخاطب أمته في صورة أصحابه، ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ )، أحمق هذا أو مجنون؟ كيف يأبى فلا يدخل الجنة؟! فقال عليه السلام: ( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى )، فكلكم أيها المستمعون! تدخلون الجنة إلا من أبى فقال: لا أدخل، فهل يوجد عاقل يقول: أنا لا أدخل؟ قال: ( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى )، أي: أبى أن يدخل.فأين أهل العلم والدرس في هذه الحلقة المباركة؟ ما السر في هذا؟ هل أراد فقط أن يستعبد الناس ويخضعهم لطاعته، وبذلك يدخلون الجنة أو لا يدخلونها؟ اسمع وهو يقول: ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى )، فإنه لا يدخل، فعجباً يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: ( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى )، فهل يريد منا أن نطيعه ويستعبدنا ويستغل طاقاتنا وأن يرأسنا؟! إياك أن تفهم هذا، إن سر هذه يا معشر المستمعين هي: أن طاعة رسول الله هي طاعة لله تعالى، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، أي: أن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى، والذي لا يطيع رسول الله والله ما أطاع الله تعالى، ومن لم يطع الله يكرمه ويدخله في جواره في دار السلام؟! حاشا وكلا والله، وإنما يدخله دار البوار ومقرات الفجار والكفار.والسر والحكمة في طاعة الله وطاعة الرسول معاشر المستمعين هي: أن هذه الطاعات عبارة عن عبادات مقننة بالكمية والكيفية والأزمنة والأمكنة والهيئات والصفات، فتولد وتنتج الحسنات المعبر عنها بالنور، فمن عمل بها طاعة لله ولرسوله زكت نفسه وطابت روحه، وأصبحت أهلاً للملكوت الأعلى حيث النور والملائكة، ومن عصى الله ورسوله فعمل بالملوثات لروحه والمدسيات لها والمخبثات لها، فأصبحت روحه كأرواح الشياطين والكافرين، فيستحيل في حقه أن يدخل دار السلام.وأمامكم هذه الآية الكريمة فاسمعوها، وهي بيان إلهي: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، أي: حتى يدخل البعير في عين الإبرة، وهذا مستحيل جداً، فكذلك صاحب الروح الخبيثة العفنة المنتنة بأوضار الشرك والمعاصي، يستحيل في حقه أن تدخل روحه دار السلام، وهذه هي الحقيقة، أي: أن طاعة رسول الله هي طاعة الله تعالى، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله تعالى، والسر في فعل الأوامر هي تزكية النفوس وتطهيرها والله العظيم، وإن أحببتم أن أريكم صورة، فخذوا هذا المثل: أعطوني عالماً بربه عارفاً بعبادة مولاه يعبد الله، وأحضروه أمامكم، هل يزني ويسرق ويكذب ويغش ويخدع ويتكبر ويسب ويشتم؟ لا والله؛ لأن روحه طاهرة، ونفسه زكية، وليس عليها ظلمات الخبث والنتن والشر والفساد، وأعطني مجرماً من مجرمي المدينة أو فاسق من فساق البلاد، وانظر إلى حاله، ستجد فيه الجهل وارتكاب الذنوب والمعاصي، فهذه هي الحقيقة التي يقول عنها صلى الله عليه وسلم: ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى )، أي: أن يدخل، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ( من أطاعني يدخل الجنة ) لماذا؟ لأنه زكى نفسه وطيبها طهرها، ولأنه استعمل أدوات التزكية من أنواع العبادات من الحج إلى الجهاد، إذ هذه كلها موضوعة لتزكية النفس، كما أنه أبعد نفسه عن الشرك والخرافات والضلالات والبدع المدسية للنفس الملوثة لها، فمات وروحه طاهرة نقية، فأين ينزل؟ والله في الملكوت الأعلى، ومن لم يطع رسول الله فما أطاع الله، وعلى أي شيء تزكو نفسه؟ على لعب الكرة؟! أعطونا ألعاباً تزكو بها النفس؟ أغاني، رقص، أكلات، شطحات تزكو بها النفس؟ على عقاقير وضعها الجبار، فقولك: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم مائة مرة تمحو كل ما على نفسك من قذر ووسخ؛ لأنها فعالة، وصلاة ركعتين مستقبل بهما بيت الله الحرام، فتتكلم مع ربك وعيناك هكذا حياءً منه، تخرج بعدهما وكأنك كتلة من نور، فلو تُعرض لك الدنيا كلها أمامك والله لتعزف نفسك عنها ولا تقبلها.إذاً: الإيمان برسول الله يحمل صاحبه على أن يحب رسول الله أكثر من نفسه فضلاً عن غيره، وأن يطيعه في أمره ونهيه، ويؤثر طاعته على طاعة هواه ودنياه وأهله وقبيلته.
    ذكر بعض الآداب التي تجب على المسلم تجاه نبيه عليه السلام
    وأخيراً: الأدب معه صلى الله عليه وسلم، إذ إن الذين لا يتأدبون مع رسول الله فإيمانهم ليس بشيء، فاسمع يا عبد الله! إن من الآداب التي أمرنا الله بها مع نبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:1]، لبيك اللهم لبيك، مرنا يا ربنا، لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، امشوا وراءه، ولا تأتي عن يمينه وتريد أن تقنن وتشرع كما يشرع هو ويقنن، ولا تمش أمامه تهديه وتدل على ما هو خير ومصلحة! بل يجب أن تمشي وراء رسول الله، فما أحله هو الحلال، وما حرمه هو الحرام، وما قبحه هو القبيح، وما مدحه هو الممدوح، وما أعطاه هو المعطى، وما منعه هو الممنوع، ومن أراد أن يمشي أمام رسول الله هلك، ومن أراد أن يمشي إلى جنبه الأيمن والأيسر يتصرف كما يتصرف، فيبيح ويمنع بهواه، فهذا ليس والله بالمؤمن، لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1].وهذا نداء آخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:2]، لبيك اللهم لبيك، مرنا يا ربنا، لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، فلا يحل لمؤمن الآن في مسجد عليه السلام وخاصة عند حجرته أن يرفع صوته، فهذا عمر رأى رجلاً من الطائف قد رفع صوته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتوني به لأؤدبه، فجيء به ترتعد فرائصه، فقال له عمر: ما لك ترفع صوتك في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل: يا عمر! إن هذا الرجل ليس من أهل البلاد، إذ إنه ما تأدب بعد ولا تعلم، فقال عمر: لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضرباً، فهل عرفتم الأدب مع رسول الله؟ لا ترفع صوتك في حضرته عليه السلام، فكيف بالذي يترك العمل بسنة رسول الله ويعمل ببدعة ابتدعها الشيطان عدو الله؟! وهذا مالك وهو يدرس السنة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد أن يدرس السنة يتطهر ويتطيب، ويستحي أن يرفع صوته في مسجد رسول الله وهو يعلم. ومن الآداب أيضاً مع رسولنا صلى الله عليه وسلم: ألا تناديه فتقول: يا محمد! لقول الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، وإنما قل: يا نبي الله، أو يا رسول الله، أما يا محمد! فقد أسأت الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: معاشر المؤمنين والمؤمنات! نسأل الله تعالى أن يحقق إيماننا به وبرسوله، اللهم إنا آمنا بك وبرسولك، وآمنا بكل ما أمرتنا أن نؤمن به، فأعنا ربنا على ذلك وثبتنا، وحقق لنا الإيمان يا رب العالمين، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك، وتوفنا وأنت راض عنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم اجمع كلمة المؤمنين، اللهم أذهب هذه الغفلة عنهم، رب أنقذهم يا رب العالمين، وحد كلمتهم واجمع قلوبهم على تقواك، ليتعانقوا ويتحابوا ويدفعوا الشر والبذاءة والأذى عنهم يا رب العالمين.
    الأسئلة

    حكم الصلاة خلف إمام يدعو الأولياء ويستغيث بهم
    السؤال: هنا سؤال وهو: إمام يصلي بنا في ديارنا وهو يدعو الأولياء ويستغيث بهم! فهل تصح الصلاة خلفه؟الجواب: والله لا تصح، وحرام أن يبقى هذا الرجل يؤم الناس، بل ترفع به شكوى إلى حاكمكم ليبعده، إذ كيف مشرك يدعو ويستغيث غير الله، ويحاد الله بذكر فلان وفلان؟! لا يصح السكوت أبداً عن هذا، إذ الدعاء هو العبادة، فمن دعا غير الله فقد انمسخ وسقط، ووالله لو يموت قبل التوبة ما رأى الجنة ولا شم ريحها، وإن كان ابن النبي أو أباه؛ لأن حكم الله قاطع: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].فإن قيل: إذا الإمام يحلق لحيته، قلنا: حلق الإمام لوجهه شيء آخر، فلا تساوي الشرك بالحلق للحية، إذ إن حلق الوجه معصية وصاحبه آثم، لكن داعي غير الله مشرك هالك، وما هو بالمؤمن.فيا معاشر المستمعين! بلغوا إخوانكم: أنه لا يصح لمؤمن أبداً أن يقول: يا رسول الله المدد،! أو يا سيدي فلان أعطني كذا! أو يا مولاي فلان كن لي كذا! إذ إن الذي ينادي غيره إنما ينادي غائباً لا يسمع صوته ولا يرى مكانه، بل ولا يستطيع أن يعطيه حاجته، ومع ذلك فقد أشرك بالله وكفر به، ولم يعترف بكتابه ولا برسوله، والذي ندعوه في البر والبحر، في الظلام والضياء، في الحاجة وغيرها هو الذي يسمع الدعاء، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، فهذا الذي نرفع أصواتنا به، أما يا فاطمة! يا رسول الله! يا سيدي فلان! يا عبد القادر! والله لمغضبة لله عز وجل، ولو سمعها الرسول لغضب غضباً شديداً، ولذلك قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قل: ما شاء الله وحده، ما زدت أن جعلتني لله نداً )، فكيف يرضى رسول الله بذلك؟ وكيف أن الله خالقك ورازقك وأنت بين يديه تعمى عنه وتقول: يا رسول الله! أعطني كذا، أو يا سيدي عبد القادر، أو يا فلان اعمل لي كذا؟! تغضب ربك هذا الغضب وأنت لا تدري، ولا نلوم أكثر؛ لأننا ما عرفنا، ما دلونا عن الطريق، فقد صرفونا عن الحق، ونحن أيضاً قد شردنا وبعدنا، إذ لا نجتمع على قال الله وقال رسوله، وإنما نقضي أوقاتنا في الملاهي والمقاهي، وهذا جزاؤنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #308
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم

    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (83)
    الحلقة (307)
    تفسير سورة النساء (86)



    نهى الله عز وجل أهل الكتاب عن الغلو في الدين من التكلف والتنطع، والرهبنة واعتزال النساء، وغير ذلك من البدع التي حملهم عليها الغلو، كما حذرهم من قول غير الحق من زعم وجود الولد لله سبحانه وتعالى، مبيناً لهم أن هذا الذي ادعوه ولداً له سبحانه وهو عيسى عليه السلام لن يستنكف عن عبادة الله وحده، فهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها على مريم، لأن كل من يستنكف عن عبادة الله فإن مصيره العذاب الأليم في نار الجحيم.
    تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا نتغنى بها بعض الدقائق ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، فإن كان عقيدة عقدناها في نفوسنا فلا تنحل بإذن ربنا حتى نلقى الله مولانا، وإن كانت أمراً من أوامره من أجل إسعادنا أو إكمالنا، فإننا نعزم على النهوض بهذا الواجب والقيام بهذا الأمر الإلهي، وإن كانت تحمل منهياً عنه؛ لأنه ضار ومفسد، عزمنا على التخلي عنه والابتعاد من ساحته، وإن كانت تحمل نوراً وهداية سألنا الله تعالى تحقيقها لنا، وأصبحنا من أهل النور والهداية، وإن كانت تحمل آداباً رفيعة وسامية، عزمنا على التأدب بها والتزامها؛ لنسمو ونكمل بين الناس، وإن كانت تحمل خلقاً أحبه الله ورسوله ورغب فيه، عزمنا على التخلق به مادمنا قادرين نعي ونسمع ونقدر على أن نفعل ونترك، ولذا فمن أجل هذا يُدَّرس كتاب الله عز وجل، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:171-173]، إنه كلام عالي وسامي، ولا عجب إذ إنه كلام الله رب العالمين.
    النهي عن الغلو في الدين
    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، من القائل؟ إنه الله عز وجل الذي أنزل هذا القرآن الكريم، على من أنزله؟ على نبيه ومصطفاه ومختاره الذي اختاره من بين البشر وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وها نحن في مدينته النبوية وفي مسجده وذاك قبره الشريف في حجراته الطاهرة، وكلنا يقين على ذلك، وما عندنا أدنى شك ولا وهم. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، ومن هم أهل الكتاب؟ غالباً هم اليهود والنصارى، لكن في هذا السياق هم النصارى، واليوم النصارى هم المسيحيون أو الصليبيون، فيناديهم الرب تبارك وتعالى في كتابه ليبلغهم رسوله ما دعاهم الله إليه وأمرهم به ونهاهم عنه، وذلك من أجل أن يكملوا ويسعدوا لأنهم عبيد الله تعالى. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، والغلو من غلا يغلو، إذا تجاوز الحد وازداد وابتعد، والغلو في الدين حرام، وهو الزيادة في الدين؛ لأن الدين إذا زيد فيه أو نقص منه فقد بطل مفعوله، فلا يزكي الأرواح البشرية ولا يطهرها ولا يحقق أمناً ولا طهراً ولا محبة؛ لأنه قد فسد بالزيادة أو النقصان.فأما اليهود فقد غلوا في سب عيسى وشتمه وانتقاصه، إذ رموه بالسحر، ورموا والدته بالزنا، فأفرطوا -والعياذ بالله- في الغلو، أو فرَّطوا أعظم تفريط في شأن عيسى عبد الله ورسوله، وأما النصارى فقد غلوا في عيسى حتى جعلوه هو الله، وجعلوه ابن الله، وجعلوه ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة التي تكوِّن الله، وهذا كفر -والعياذ بالله- بشع قذر، إذ إن الله رب العالمين، ومالك الملك، وهو الذي أوجد العوالم كلها وأدارها ونظمها في الأكوان كلها، فهل يحتاج إلى ولد فينسب إليه فيقال: عيسى ابن الله؟ وهل هذا الرب العظيم الجليل يتكون من عناصر ثلاثة حتى يكون الإله الرب؟ لقد عبث بهم اليهود، فهم الذين أفسدوا عقيدة المسيحيين، وحسدوهم وأبغضوهم، إذ كيف يظفرون بعيسى وباتباعه والهداية على يديه؟ وما هي إلا فترة سبعين سنة واحتالوا على النصارى وجعلوهم من أبشع المشركين والكافرين والعياذ بالله رب العالمين.فاسمع الله عز وجل وهو يناديهم فيقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، وأهل الكتاب المفروض فيهم أن يكونوا علماء صلحاء عرفاء عدولاً أوعياء مستقيمين. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، ناداهم لينهاهم عن الغلو في الدين، فقال: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، ونحن مثلهم، فلا يحل لنا أن نغلو في ديننا بزيادة كلمة أو حركة، واسمعوا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( إياكم -احذروا- ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة )، أحدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعملها رسول الله وأصحابه، ولم يبينها لأمته، فاحذروا المحدثات، ( فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، فإياكم يا معشر المسلمين! ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فهاهو تعالى ينهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، فهل يسمح لنا بذلك؟ معاذ الله عز وجل.مرة أخرى: يا معشر المستمعين والمستمعات! إن الدين عبارة عن قانون أنزله الله عز وجل ووكل إلى رسوله بيانه، وهذا القانون أُنزل وشرع من أجل أن يسعد الإنسان عليه في هذه الدار، ويكمل ويسعد عليه في الدار الآخرة، فمن هنا إذا زاد فيه من زاد فقد أفسده، ومن نقص منه شيئاً فقد أفسده أيضاً.وعندكم مثال محسوس لا يجهله إلا من لا عقل له، وتأملوه: صلاة المغرب ثلاث ركعات، فقد نزل جبريل وعلم رسول الله في مكة وصلى به ثلاث ركعات، فلو قال قائل: نحن في فراغ وفي شوق إلى لقاء الله فنصلي المغرب أربع ركعات! وصلى أربع ركعات، فهل يفتيه عالم فقيه في المسلمين ويقول: صلاتك صحيحة؟ والله ما كان، بل كل فقيه يقول له: صلاتك باطلة؛ لأنك زدت فيها ركعة، وكذلك لو قال قائل: نحن في شغل وفي تعب، وسوف نصلي العصر ثلاث ركعات! وصلوا العصر فعلاً ثلاث ركعات، فهل يوجد عالم في الإنس في بني آدم من فقهاء الإسلام من يقول: صلاتكم صحيحة؟ الجواب: لا والله، ولو قال آخر: يا معشر المسلمين! إننا في شوق إلى عبادة الله، وطالما كنا مفرطين، فهذه السنة نصوم واحداً وثلاثين يوماً! وفعلاً صمنا واحداً وثلاثين يوماً، فهل يوجد فقيه فيقول: لا بأس وصيامكم صحيح؟ لا والله، بل صيامكم باطل فاسد، أو لو قلنا: إن هذا العام نكتفي بتسعة وعشرين يوماً، وصمنا تسعة وعشرين يوماً وأفطرنا وما زال من رمضان يوم، فهل يوجد من يقول: صيامكم صحيح؟ والله ما يوجد، بل باطل، ومعنى بطلانه: أن هذه العبادة لا تزكي النفس ولا تطهرها ولا تؤهل الإنسان للكمال والإسعاد إلا إذا أداها كما نزلت من السماء وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن هذه العبادة لا تزكي النفس، أو لا توجد الطهارة والصفاء في الروح البشرية التي بين جنبينا، ومن هنا فالزيادة في الدين كالنقصان، فإن قال قائل: يا شيخ! إن هذا بعيد، فأقول: أرأيتم من قال: أنا لا أغسل وجهي إلا أربع فقط ما نكتفي بثلاث، فيزيد غسلة رابعة متعمداً، فهل تجد فقيهاً يقول له: لا بأس؟ لا والله؛ لأنها عبادة مقننة بتقنين حكيم، فالزيادة تبطلها والنقص يبطلها، فإما أن تؤدى كما هي وإلا ما تنتج أو ما تولد النور للقلب البشري.وها نحن نسمع ما يقول تعالى لأهل الكتاب فيقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، أي غلو، وأي زيادة.
    حرمة القول على الله بغير علم
    قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، أي: الثابت القطعي الثبوت بوحي الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الثابت بالعقل السليم الصحيح، فلا تقولوا على الله قولاً إلا أن يكون حقاً ثابتاً، أما أن نقول: الله له ولد أو له زوجة! فبأي حق أثبتنا هذا؟ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، أي: لا تكذبوا على الله فتقولون: قال الله كذا وهو ما قال، ولا حرم الله كذا والله ما حرم، ولا أحل الله كذا والله ما أحل، ولا شرع الله كذا وهو ما شرع، إذ لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول كلمة عن الله إلا إذا علمها يقيناً في كتابه وفي هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [الصف:7]، فهل يوجد من هو أظلم ممن يكذب على الله؟ لا والله، والذين يكذبون على الله إنما يكذبون لأجل تحقيق مصالح، أو لأجل الدينار والدرهم، أو من أجل حب العلو والرياسة والسلطان، أو من أجل أن يحصلوا على مادة فاسدة في هذه الحياة الدنيا.ونحن معاشر المؤمنين والمؤمنات! لا نكذب على إنسان فكيف نكذب على الله الرحمن؟! إذ الكذب حرام، فلا يحل لمؤمن أن يقول: قال فلان وهو ما قال، أو يقول: رأيت كذا وهو ما رأى، أو فعل فلان وهو ما فعل، فكيف إذاً يكذب على الله؟!
    المعتقد الحق في عيسى عليه السلام
    ثم قال تعالى مبيناً غلوهم وباطلهم: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [النساء:171]، والمسيح هو عيسى عليه السلام، وسمي بالمسيح لأنه ممسوح الذنوب، إذ إنه لم يقارف ذنباً قط، وقد عاش ثلاث وثلاثين سنة ولم يذنب ذنباً قط، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا في حديث الشفاعة الكبرى أو العظمى يوم القيامة، إذ يأتي الناس إلى آدم وهم في عرصات القيامة في ساحة فصل القضاء، فيعتذر آدم على أن يكلم لهم الله ليقضي بينهم ويحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، فكل من أحيل إليه ذكر ذنباً وقال: كيف أكلم ربي اليوم وقد غضب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله؟ عليكم بفلان، ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( إلا عيسى فإنه لم يذكر ذنباً قط )، ومع هذا قال: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم.وإذا نزل من السماء -ولا ندري متى ينزل غداً أو بعد غد؟- فإنه يحج ويعتمر، والحبيب يقول: ( كأني بابن مريم في فج الروحاء ملبياً بحج وعمرة أو بعمرة أو حج )، لكن لا يفرحن النصارى واليهود بنزوله فيقولون: حينئذ نسلم، إذ لن يجزهم إسلام ولم ينفعهم إيمان؛ لأن الساعة قد دقت وانتهى العمل، فالمؤمن مؤمن والكافر كافر، قال تعالى في هذه الحقيقة، وهي إذا ظهرت علامات الساعة أغلق باب التوبة: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:158]، فيؤمنون، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:158]، عز وجل فيؤمنون، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158]، فيؤمنون، ثم ماذا قال تعالى؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ونزول عيسى من العلامات الكبرى.والمسيح عيسى بن مريم ليس له أب، إذ لو كان له أب لسماه الله عز وجل، وإنما له أم اسمها مريم بالعبرية، وبالعربية: خادمة الله.قال تعالى في الإخبار عنه: رَسُولُ اللَّهِ [النساء:171]، وليس هو ابن الله، وإنما رسول الله أرسله إلى اليهود فقط، فرسالته خاصة وليست عامة كرسالة الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فلهذا ناداهم فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف:6]، أما محمد: أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158]، أبيضهم وأسودهم.ثم قال تعالى أيضاً في الإخبار عنه: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [النساء:171]، ما هذه الكلمة التي ألقاها إلى مريم؟ اللفظ يدل دلالتين سليمتين صحيحتين: الأولى: اقرءوا من سورتها: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:16-19]، إذاً فهذه الكلمة هي كلمة الله عز وجل التي بعث بها عبده ورسوله جبريل فبلغها مريم، أي: ألقاها إلى مريم.والثانية: كلمة التكوين؛ لأن عيسى كان بكلمة الله (كن)، إذ بعث الله جبريل عليه السلام وأمره أن ينفخ في كم درعها، فنفخ فسرت النفخة الهوائية فدخلت في بطنها وقال الله لعيسى: كن، فكان. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ [النساء:171]، وهذا أولاً، وثانياً: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [النساء:171]، وثالثاً: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، أي: روح من الله عز وجل، فجبريل هو الذي نفخها، والذي أمره أن ينفخ هذه الروح هو الله عز وجل.وهنا النصارى قالوا: إن كلمة (منه) في الآية: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]معناها: أن عيسى جزء من الله عز وجل! وقد حدث على عهد الرشيد العباسي أن طبيباً نصرانياً كان عنده في مجلسه وهناك عالم جليل، فقال هذا النصراني: سبحان الله! الله يقول في كتابه العزيز: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، وأنتم تقولون: ليس هو بجزء من الله! فكيف ذلك؟ فألهم الله ذلك العالم الجليل فقال له: اسمع قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]، ثم قال: إذاً هذه الأكوان كلها جزء من الله أو عيسى وحده فقط؟! فأسكته وأسلم وتاب إلى الله عز وجل ونجا من عذاب الله.
    نهي الله لأهل الكتاب أن يقولوا: إن الله ثالث ثلاثة
    قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ [النساء:171]، وهذا نهي من الله تعالى، انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أي: كفوا عن هذا الباطل وهذا الهراء والكلام الماجن. وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171] لماذا؟ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء:171]، أي: إنما الله معبود واحد، و(إله) بمعنى: معبود، فلا ثاني ولا ثالث، ما هو إلا الله الواحد الأحد، فالذي أوجد الخلائق هو الذي يعبد، والموجود هو في حد ذاته محتاج إلى أن يعبد من أوجده، بل الخلائق كلها مفتقرة إلى الله والله غني عنها، فكيف يوجد من يعبد مع الخلائق؟ إن المعبود هو الخالق الغني فقط، أما ما عداه فيجب أن يَعبد لا أن يُعبد مع الله، فلهذا كلمة الحق: (لا إله إلا الله) لن ينقضها ذو عقل أبداً، وتنقض بأحد أمرين: إما بأن يوجد مع الله إله آخر أو ثاني أو ثالث، ومن ثَمَّ نقول: لا إله إلا فلان وفلان وفلان، وما نقول: إلا الله، أو تنقض بأنه لا وجود لله، فإن قلنا: تنقض بوجود آلهة، فأين الآلهة التي خلقت مع الله وأدارت الحياة والكون؟ لا أحد، وإن قلنا: يوجد إله خلق ورزق، فنقول: دلونا عن إله خلق أو رزق أو دبر الكون؟ إذاً فلم يبق إلا كلمة: (لا إله إلا الله) التي لا تنقض بحال من الأحوال لا بالنفي ولا بالإثبات، ومن أراد أن يدخل في الإسلام من عهد آدم إلى اليوم فلا بد وأن يعترف يقيناً على علم أنه لا يوجد من يُعبد إلا الله، وثَمَّ ينبغي ألا يعبد إلا الله الذي اعترف أنه لا إله إلا هو، وألا يعترف بعبادة غير الله كائناً من كان، إذ لا يستحق العبادة إلا الله.ثم يقول الله تعالى لهم: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء:171]؛ لأن اليهود يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل يقتلون الرسل، والنصارى أيضاً لمَ ما يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم كما يؤمنون بزكريا وموسى وعيسى وإبراهيم؟ ثم هل من المنطق أو الذوق العقلي أو العرفي أن ملكك أو حاكمك يأمرك بأن تقول كذا وكذا، أو تصدق بكذا وكذا، فتقول: نعم يا سيدي إلا فلاناً فأنا ما أؤمن به أو لا أقول به! فهل يقبل هذا الكلام؟ وهل يعتبر مطيعاً لحاكمه؟ يقطع رأسه، فكيف تؤمنون برسل الله وتقولون: هذا ما نؤمن برسالته؟ إن الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، فالذي يكذب واحداً كفر بإجماع المسلمين من عهد آدم، والأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً، فلو أنكر وقال: أنا لا أؤمن برسالة يوشع فهو كافر؛ لأن من كذب الله في جزء اعتبر أنه قد كذبه في الكل، وما أصبح مؤمناً أبداً. وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ [النساء:171]، أي: أن الله ثالث ثلاثة، وهذه للمسيحيين، انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أي: من الآن قولوا: لا إله إلا الله، أما أن عيسى ابن الله، أو أن الله وابنه وروح القدس -جبريل- هي الله، أو أن عيسى وأمه والله عز وجل، وكلها أباطيل وترهات لا يقبلها عقل ولا فهم آدمي أبداً ولا تقبل. انتَهُوا [النساء:171]، أي: انتهوا عن هذا القول وعن هذا الاعتقاد، خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أليس انتهاؤهم به خيراً لهم؟ نعم؛ لأنهم إذا انتهوا فقد أسلموا ودخلوا في رحمة الله تعالى، لكن ما داموا أنهم يصرون أن الله جزء من ثلاثة أجزاء فهذا هو الكذب والكفر والعياذ بالله، والقول على الله بدون علم، فهل الله أعلمهم بأنه مكون من ثلاثة أقانيم؟ثم قال تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء:171]، لا ثاني له ولا ثالث له، و(إله) أي: معبود واحد، لماذا كان المعبود الأوحد؟ لأنه لا يُعبد بالقلب والإذعان والخضوع والحب والطاعة إلا الذي وهبني حياتي، وأعطاني سمعي وبصري، وأعطاني عقلي وفهمي، وأعطاني ذاتي، وأوجد لي هذه الأرض وما فيها من نعيم لأعيش عليها، فهذا هو الذي أعبده، أما الذي حاله كحالي ومثله مثلي فهو فقير محتاج مخلوق مربوب، فكيف أرفعه إلى مستوى الإلهية وأدعوه مع الله أو أتقرب إليه مع الله؟! لا يعقل هذا ولا يقبل أبداً.معاشر المستمعين! وهل المسلمين نجوا من هذا الخلط والخبط والسقوط؟ ما نجوا، بل ما إن انتهت القرون الثلاثة التي أخبر عنها رسول الله بأنها خير القرون حتى ظهرت الضلالات في أمة الإسلام، فوجد أولئك الذين يدفنون أخاهم ويبنون عليه قبة ويجعلون على قبره تابوتاً ويكسونه بالأزر الحريرية، ثم يوقدون الشموع له، ثم يأتون ويعكفون حوله، ثم يحلفون به، ثم يتقربون إليه ويدعونه ويستغيثون به، فكم إلهاً عبدوا؟! وما انتهت هذه المشكلة إلا في هذه البلاد على يد السلطان عبد العزيز تغمده الله برحمته، فهو الذي هدم القباب والقبور وقطع الأشجار وصرف الناس بالحديد والنار عن عبادة غير الله، أما العالم الإسلامي عربه كعجمه القباب إلى الآن، وإن اتضح الحال وعرف الناس ربهم، لكن ما زال آلاف أو ملايين يستغيثون بالأولياء ويستعيذون بهم ويدعونهم: يا سيدي! يا فلان! وكأنهم آلهة، وما قرءوا هذه الآية: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:171]، أي: تنزه وتقدس أن يكون له ولد. لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:171]، فلو أن شخصاً يملك مدينة بكاملها، فهل تنسب إليه خروفاً من الغنم أو شاة من الماعز وتقول: هذه له؟! إن الذي يملك كل ما في الكون يكون له ولد يعينه؟! ماذا يصنع به؟ سُبْحَانَهُ [النساء:171]، أي: تقدس وتنزه وتطهر أن يكون له ولد، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:171]. وقضية نسبة الولد أن اليهود تورطوا فيها وقالوا: عزير ابن الله، وهذا في كتاب الله ويعترفون به، ومن العرب قبيلة كبيرة اسمها: بنو لحيان كانت تقول: إن الملائكة بنات الله! بل إن هناك أمماً ينسبون إلى الله عن جهل أشياء وأشياء، ولهذا احفظ هذه الكلمة: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:171].
    تفسير قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله...)
    قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172].ثم قال تعالى واسمعوا يا بني إسرائيل واسمعوا يا أهل الكتاب، ولنسمع نحن أيضاً: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172]، أي: أن المسيح عليه السلام والملائكة المقربون لن يتكبروا أو يأنفوا أن يكونوا عبيداً لله تعالى، فالمسيح العبد الطاهر النقي الصالح ما يتكبر ويقول: كيف أطأطئ رأسي لله أو أعبده؟ وكذلك الملائكة المقربون، فماذا تعرفون عن الملائكة؟ جبريل عليه السلام والله له ستمائة جناح، ولما تجلى وظهر لرسول الله في مكة سد الأفق كله بأجنحته، وهذا ملك تحت العرش رأسه ملوية ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، فهذه العظمة عندهم وهذه القدرة والله ما يستنكفون عن عبادة الله، بل يسبحون الليل والنهار لا يفترون.فعيسى عليه السلام لا يتكبر ولا يستنكف أبداً ويقول: لا أكون عبد لله، بل هو عبد الله ورسوله، وأنتم تريدونه أن يكون مثل الله، فأين يُذهب بعقولكم؟ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ [النساء:172]، عنها فلا يعبده، فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172]، في ساحة واحدة من آدم إلى آخر مولود، في ساحة فصل القضاء، في أرض غير هذه، في عالم غير هذا، فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172]، للحساب أولاً ثم الجزاء.
    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ...)
    قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:173]. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:173]، من هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟ نسأل الله أن نكون منهم، آمنا بالله ولقائه، آمنا بالله ورسوله، آمنا بالله وبعبادته ولم نعبد غيره، بل لو نقطع أو نصلب أو نحرق فلا نعبد غير الله أبداً، فهؤلاء آمنوا إيماناً كاملاً صادقاً لا دخن فيه أبداً، فآمنا بالله وبكل ما أمرنا الله أن نؤمن به، سواء أدركناه بعقولنا أو عجزنا عن إدراكه لضعفنا وقلة قدرتنا، آمنا بالله وبكل ما أمرنا الله أن نؤمن به من شأن الغيب والشهادة، ولا نفرق بين أحد من رسله. آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النساء:173]، ما هي الصالحات التي عملوها؟ هل البدع يقال فيها: صالحة؟ لا والله، وإنما عملوا الصالحات، أي: عبدوا الله تعالى بما شرع لهم، فلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، لا في الزمان ولا في المكان، وسر ذلك أن هذه العبادات -منها كلمة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم- مشروعة لتزكية النفس وتطهيرها، فمثلاً ركعة الوتر إن أديتها كما هي فإنها تولد لك النور كالذي تولده أمامك الآلات وذلك في قلبك فتزكو به نفسك وتطيب وتطهر، فإذا طبت يا عبد الله وطهرت فحاشا لله أن يبعدك من جواره، بل ينزل ملائكته ليرفعوك إليه.واسمع هذا البيان مرة أخرى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:173] أولاً؛ لأن الأعمال الصالحة بدون إيمان باطلة، ولا تتأتى أيضاً ولا يأتي بها عبد على الوجه المطلوب، وإذا فعلها نافقاً فقط فإنما ليضلل الآخرين أو ليخدعهم، فالإيمان أولاً والعمل الصالح ثانياً، والعمل الصالح كل العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والرباط والجهاد والذكر وتلاوة القرآن، حتى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين عبادة تعبدك الله بها، فهذه هي التي تزكي النفس، وأصحابها قال الله فيهم: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء:173]، أي: مقابل أعمالهم، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:173]، فلا يجزيهم فقط بالحساب الدقيق، صلى كذا ركعة، تصدق بكذا دينار، وإنما يجزيهم ويزيدهم من فضله، وهذا هو الصنف الأول.وأما الصنف الثاني فقد قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا [النساء:173]، عن عبادة الله والاعتراف بألوهيته وطاعة رسوله، والاستنكاف هو الاستكبار، مثل أنف، فلا يريد أن يطأطئ رأسه أو يعترف بالحق، إذ كيف يعفر وجهه بالتراب؟! أو يقول: كيف أنقض ما اعتقدته عن أمي وأبي؟ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:173]، ولكي تعرف العذاب الأليم راجع صفحات القرآن تقف على صنوف العذاب وألوانه، إذ إن العذاب الأليم ذاك الذي يسلب الإنسان كل عذوبة في حياته، وحسبنا منظر من مناظر عذاب الدار الآخرة، قال تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، والخصمان هم المؤمنون والكافرون، فالمؤمنون قالوا: لا إله إلا الله، والكافرون قالوا: الآلهة متعددة، هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22]، والشاهد عندنا في العذاب الأليم الموجز في هذه الكلمات مبين ومفصل غاية التفصيل والبيان في كتاب الله عز وجل. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا [النساء:173]، أي: عن عبادة الله واستكبروا عنها، استنكفوا واستكبروا أن يوحدوا الله، أن يقولوا: لا إله إلا الله، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:173]، فهل في ساحة القيامة والجزاء يجدون ولياً يتولاهم أو ناصراً ينصرهم؟ مستحيل، إذ لا ناصر لهم إلا الله، فإذا خذلهم الله فمن ينصرهم؟!
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير
    معاشر المستمعين! نسمعكم الشرح الموجود في الكتاب لنزداد يقيناً ومعرفة، فتأملوا.
    معنى الآيات
    قال [معنى الآيات: ما زال السياق مع أهل الكتاب، ففي الآية الأولى نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإنجيل، ونهاهم عن الغلو في دينهم من التنطع والتكلف، كالترهب واعتزال النساء ]، فالرهبان عند النصارى يعتزلون النساء، فلا يجامعون النساء ولا يتزوجون، وإنما ينقطعون إلى الصوامع ولا يخرجون منها، وبذلك يوقفون الحياة، وهذا كله ابتداع ابتدعوه وغلو غلوا في دين الله.قال: [ وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلو، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى غير الحق، وذلك بنسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأخبرهم بأن عيسى لم يكن أبداً غير رسول الله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم، حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ -وهو روح الله- في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي (كن)، وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام، فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله، فارجعوا إلى الحق، وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام، ولا تقولوا زوراً -وبهتاناً- وباطلاً: الله ثالث ثلاثة آلهة، انتهوا عن القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً -الآن- ومآلاً -يوم القيامة- إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد لا شريك له ولا ند ولا ولد، سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة -أي: زوجة- ولم يكن ذا حاجة، وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً، فحسبكم الله تعالى رباً وإلهاً، فإنه يكفيكم كل ما يهمكم، فلا تفتقرون إلى غيره ولا تطلبون سواه، هذا ما دلت عليه الآية الأولى.وأما الآيتان الثانية والثالثة، فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله، وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال: عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية، فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد الله تعالى كل من استنكف عن عبادته واستكبر عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، آمنوا بألوهيته تعالى وحده، وعبدوه وحده، بما شرع لهم من أنواع العبادات وهي الأعمال الصالحة، فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة، ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف.وأما الذين استنكفوا واستكبروا، أي: حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه، فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد، فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً، أي: موجعاً، ولا يجدون لهم من دونه ولياً ولا نصيراً، فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون ].
    هداية الآيات
    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: حرمة الغلو في الدين، إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال ]، الغلو في الدين محرم؛ لأنه سبب في الابتداع والزيادة في دين الله، والزيادة في الدين تفسده وتبطل مفعوله، وهذه قصة ثلاثة تعهدوا فقال أحدهم: أنا لا أطأ النساء حتى الموت، وآخر قال: أنا أصوم ولا أفطر أبداً، وآخر قال: أنا أصلي ولا أنام، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستدعاهم وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما أنا فأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأصلي وأنام )، ونهاهم عن الغلو؛ لأن الغلو إذا انفتح أفسد الدين.قال: [ ثانياً: حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً، والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة ]، فهل يجوز لأحد أن يقول: الله صفته كذا وكذا بدون علم؟ أو الله أمر بكذا وهو ما أمر؟ ليس هناك أفظع من القول على الله بدون علم.قال: [ ثالثاً: بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، كان بكلمة الله ونفخة جبريل ]، أي: كان بكلمة الله: (كن) فكان، ونفخة جبريل التي أمره الله أن ينفخها، وجبريل هو روح الله وروح القدس.قال: [ رابعاً: حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله ]، فاحذر يا عبد الله! أن يبلغك عن الله أو عن رسوله شيئاً وتستنكف وتستكبر عنه.قال: [ خامساً: بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم ]، فهل هناك شيء آخر؟ الجزاء الأخروي إما نعيم وإما جحيم، والله أسأل أن ينجينا من عذابه، وأن يبعدنا من كل موجبات عذابه.وصلى الله على نبينا محمد وآله.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #309
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (84)
    الحلقة (308)

    تفسير سورة النساء (87)





    ينادي الله عز وجل الناس في أرجاء الأرض ممتناً عليهم بأنه بعث إليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعله برهاناً على قدرته وعظمته، حيث بعثه وهو أمي إلى أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وأنزل عليه القرآن معجزة أبدية، أذهلت ألباب العرب الفصحاء، وعقدت ألسنتهم أن يأتوا بمثله، وقد جعل الله ثواب من يؤمن برسوله ويصدق بكتابه أن يدخله في رحمته وفضله ويهديه صراطاً مستقيماً.
    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هاتين الآيتين الكريمتين، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لقد سبق في الآيات السابقة أن الله عز وجل قد أبطل حجج اليهود ولا حجة لهم والله، ولكن أبطل ترهاتهم وأباطيلهم ودعاواهم الباطلة الكاذبة، إذ قالوا: لا نشهد أبداً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نقر بها ولا نعترف بها؛ لأن الأنبياء من قبله كانوا يشهدون لبعضهم البعض، وهو وجدت في وقت لا نبي فيه ولا رسول، فكيف إذاً نؤمن به ونقبل رسالته؟! فرد الله تعالى عليهم بحجج لإقامة الحجة عليهم، وآخر ما سمعتم قول الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]، أي: أتطلبون شهادة مخلوق وترفضون شهادة الخالق؟! أتطلبون من يشهد لي بالنبوة والرسالة والله خالقي وخالقكم قد شهد لي بالرسالة؟! وَالْمَلائِكَةُ [النساء:166]، فجبريل الذي يتردد عليَّ صباح مساء يحمل أنوار الله إلي في هذا الكتاب، ثم بعد تحتاجون إلى شهادة أخرى؟! فألقمهم الحجر وقطع حجتهم وأذلهم وأخزاهم.أما النصارى فقد تبجحوا وقالوا وقالوا، لكن قال تعالى لهم: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ [النساء:172]، أي: عيسى بن مريم، أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172]، وأنتم ما شأنكم؟ كما علمهم أن عيسى ما هو بابن لله، ولا هو ثاني اثنين مع الله، ولا ثالث ثلاثة، وإنما هو عبد الله ورسوله، عبد كسائر عبيده الذين خلقهم لعبادته، ورسوله أرسله برسالته إلى بني إسرائيل، وكونه ولد بدون أب فهذا أمر الله تعالى، فلقد أوجد آدم بلا أب ولا أم، وأوجد حواء بدون أم، وأوجد البشرية كلها من أب وأم، أما عيسى فقد كان بكلمة الله أو كلمة التكوين، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، فهو روح من الله، إذ أرسل الله جبريل روح الله عليه السلام، فوجد البتول العذراء في مكان في ديارها فبشرها فقال: إني رسول ربكِ إليكِ لأهب لكِ غلاماً زكياً، فنفخ من فيه في كم درعها فسرت النفخة إليها ودخلت فرجها، وقال تعالى لعيسى: كن، فما هي إلا ساعة وإلا والطلق يهزها، فتذهب إلى جذع النخلة لتنتظر متى يسقط هذا الولد، وما إن سقط حتى صاح إخوانها وأعمامها وأقرباؤها كيف هذا يا بتول؟ كيف جاء هذا؟ فقالت: كلموه، فقال تعالى مصوراً ذلك المشهد: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29]، فأنطق الله عيسى فقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:30-34].فهل عرفتم عن عيسى بن مريم شيئاً؟ ماذا تقولون أيها المؤمنون؟ إنه عبد الله ورسوله، فلم يتجاوز هذا المستوى، وإنما عبد الله ورسوله أرسله إلى بني إسرائيل فكذبوا برسالته وحاربوه وصلبوه وقتلوا من شبه به، وما زالوا إلى الآن يتبجحون بأن عيسى ابن زنا وساحر ودجال. والآن بعد أن أسقط الله بنيان المفسدين من يهود ونصارى ومشركين، ناداهم بهذا النداء العام، والذي يدخل فيه العرب والعجم، والأبيض والأسود، والكتابي والمشرك، بل وكل واحد؛ لأن لفظ (الناس) يدخل فيه كل إنسي من بني الناس من ذرية آدم، وقيل: ما سمي الإنسان إنسان إلا لأنه من الأنس، أو لأنه من ناس ينوس إذا تحرك، وعلى كل لا حاجة لنا إلى هذا، فكلمة الناس تشمل كل البشر عرباً وعجماً.
    إطلاق البرهان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على وجود الله وعلمه ورحمته
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، هذا نداء الله لكم يناديكم في كتابه القرآن العظيم ليقول لكم: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، والبرهان هو محمد بن عبد الله العربي من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو برهان أكثر من قوة الشمس وإشعاعها، وأكثر من نور القمر، على أنه رسول الله، وعلى أنه لا إله إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يُعبد إلا الله تعالى، وعلى أنه لا سعادة ولا كمال للآدميين إلا إذا آمنوا به ومشوا وراءه وقادهم إلى السعادة والكمال.وإن قلت: ما دليل البرهنة والبرهان عل ذلك؟ فأقول: إن من أبسط الأدلة هي أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قد عاش في مكة، وأهلها لا يقرءون ولا يكتبون، إذ يندر بينهم من يكتب أو يقرأ، وقد عاش عليه السلام هذه الفترة فلم يجلس أبداً بين يدي معلم يعلمه، لا في مسجد ولا في مدرسة، بل آباؤه وأجداده أميون لا يقرءون ولا يكتبون، وقد عاش أربعين سنة وهو فترة من أولاد العرب وفترة من شبانهم وفترة من رجالهم حتى بلغ الأربعين سنة، وفي هذه الفترة حدثت آيات وبراهين نبوته خارقة للعادة، وسنذكر منها نبذاً:
    بعض براهين نبوته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها
    لما ولدته أمه آمنة رأت رؤيا قبل ولادتها أن نوراً خرج منها أشرق له الشرق والغرب، أو لاحت أنواره في الشرق والغرب، وأضاء قصور بصرى والشام، وهذا أقوى برهان، ثم أخذته أمه وأعطته بواسطة جده عبد المطلب من يرضعه، فبعثوا به إلى صحراء بني سعد، فأخذته حليمة السعدية ترضعه وهو يتيم، فشاهدت العجب العجاب من أمره، فالغنم التي كانت قد جف لبنها وانقطع من جدب ذلك العام وقحطه عادت ذات ألبان غزيرة، وفي يوم من الأيام وهو يلعب مع طفل من أطفال بني سعد، فإذا بعملية جراحية تُجرى له في قلبه، فيشاهد ذلك الطفل الرجلين يضجعانه على الأرض، فيصرخ ويأتي إلى أمه السعدية: أخي قتلوه، أخي قد قتل، فذهبوا إليه فإذا به مصفر الوجه يعاني من تعب، حيث قد أخذت منه تلك اللحمة أو تلك القطعة التي هي مقر الشيطان، والتي ينزل فيها ويلقي بالوساوس والفتن، ثم عاد بعد أربع سنوات إلى مكة، وأخذ ينمو نماءً عجباً، وكان يرعى غنماً بمقابل على عادتهم في رعي الأغنام، وفي ليلة من الليالي أقامت قريش حفلاً أو عرساً من الأعراس لأحد أغنيائها، وأخذوا يعدون العدد لحضور العديد من الناس المتفرجين، وبلغ رسول الله الخبر وهو في البادية -خارج مكة- فقال لأخيه الذي يرعى معه أو زميله: اسمح لي أن أذهب الليلة لأشهد حفلاً في مكة، وأنت تتحمل مسئولية الغنم، فجاء بفطرته ليحضر العرس، فوجدهم يعدون الدفوف والطبول والنيران، فأخذه النوم فنام، ووالله ما استيقظ إلا على حر الشمس، وما سمع صوت دف ولا مغنية، ولا رأى راقصاً ولا راقصة، فمن حفظه؟ إنه الله تعالى. وأخرى: لما أخذوا يجددون بناء الكعبة على عهد أبي طالب، فاختلفوا: من الذي يضع الحجر الأسود في مكانه؟ وكادوا يقتتلون، وكل قبيلة تقول: نحن أولى بهذا، ووقف البناء وانتظروا كيف المخرج من هذه الفتنة؟ فجاء محمد صلى الله عليه وسلم الغلام الحسن فقال لهم: ضعوا الحجر في لحاف، ولتأخذ كل قبيلة بطرف منه حتى تشاركوا كلكم في حمله، ثم أخذه ووضعه بيده الشريفة، وانطفأت نار الفتنة التي لو اشتعلت لكان يموت المئات والآلاف، فمن وفقه لهذا؟ إنه الله، فهذه مظاهر النبوة وإعداداتها وإرهاصاتها.وفي مرة من المرات خرج وهو شاب مع عمه أبي طالب إلى الشام، فرآه الراهب فقال لعمه: إن لابنك هذا شأناً عظيماً، وأنا أخاف عليه من اليهود، فارجع بابن أخيك، فشهادة هذا الراهب قاطعة وبرهان قوي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ ما صار يخرج إلى الشام إلا مرة خرج في تجارة لخديجة، فالمرة الأولى كان مع عمه؛ لأن عمه أبا طالب كان يحبه حباً جماً، إذ كان لا يستطيع أن يفارقه، فأخذه معه إلى الشام وهو طفل؛ لتتجلى تلك الأنوار لذلك القس والراهب، ويعترف بأن هذا نبياً من أنبياء الله تعالى.وأخرى: لما خرج أبو سفيان في تجارة إلى الشام، فدعاهم هرقل عظيم الروم وأجلس من يعرفون لغة العرب إلى جنبه، وأخذ يسأل أبا سفيان عن هذا النبي الذي ظهر، فكان كل ما يسأله سؤالاً يجيبه أبو سفيان، وما إن فرغ أبو سفيان حتى قال هرقل: لو قدرت على أن أغسل قدميه لفعلت، فكانت شهادة من هذا الملك على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم إن أعظم شهادة قبيل الوحي الإلهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم شعر بأن المجتمع ليس ملائماً له؛ لما يشاهد من المنكر والباطل والشرك والفساد، فكان عليه السلام ينقطع إلى غار حراء، وهو في جبل يقال له: جبل حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد؛ ليخلص من مشاهدة الشرك والباطل والخبث والفساد، وفي الغار في رمضان فوجئ صلى الله عليه وسلم بجبريل في صورة إنسان من كُمَّل الناس وأفاضلهم، وينزل بين يديه ويضمه إلى صدره ويقول له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، ثلاث مرات، وهنا بدأ الوحي الإلهي، وقبله ستة أشهر كان لا يرى الرؤيا إلا جاءت كانفلاق الصبح.إذاً: سمى الله محمداً صلى الله عليه وسلم برهاناً، برهان على ماذا؟ حجة قوية قاطعة على ماذا؟ أولاً: على أنه نبي الله ورسوله، فالذي يأتي بهذه العلوم والمعارف التي يحويها القرآن الكريم، والذي يأتي بعلوم الأولين والآخرين، وعلوم السماء والملكوت الأعلى، وعلوم كل الكائنات والذرات، هل يقال فيه: إنه غير نبي، ثم نطلب دليلاً على نبوته أو برهان عليه؟! لقد أخبره الله عن عالم الملكوت الأعلى في كتاب الله، فمن يقوى على أن يتكلم بها أو يخبر عن شيء منها؟ إنه ما من ذرة في هذا الكون إلا وفي هذا القرآن إشارة أو عبارة واضحة صريحة، فكيف لا يكون هذا برهان على أنه نبي الله ورسوله؟! وكما قدمنا: حسبنا أن الله تعالى يسميه برهاناً، أي: قد شهد له بالرسالة، والآن هو سبحانه يعلم البشرية كلها على أنه برهان، وبالتالي فلا يحتاج إلى برهان، ونور لا يحتاج إلى نور يُعرف به، فهو في حد ذاته نور وبرهان.وعليه فمحمد صلى الله عليه وسلم برهان أولاً على أنه رسول الله، وثانياً: على أنه لا إله إلا الله، وثالثاً: على أن عامة ما عليه البشرية يوم أوحى الله إليه الهبوط، إذ لا دين لها حق تعبد الله به، فمن يوم أن بعثه ربه تعالى رسولاً للناس أجمعين، ما كان على الأرض دين لا يهودية ولا نصرانية ولا غيرها من سائر الأديان يُعبد الله تعالى بها، وتؤهل العابدين إلى السعادة والكمال في الدنيا والآخرة.
    القرآن نور لما يحصل به من الاهتداء إلى سبيل النجاة
    ثم قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، فالنور المبين الذي أنزله الله تعالى هو القرآن العظيم، فإن قيل: بين لنا وجه النور؟ فأقول: ما من عبد إنسياً كان أو جنياً آمن بالقرآن، وفهمه وعمل بما فيه، والله ما شقي ولا ضل أبداً، بل ما من أمة أو ما من جيل أو ما من شعب أو ما من قرية أخذوا بالقرآن إلا استنارت الحياة أمامهم، وانتهى الظلم والظلمات، وكانوا أطهر الناس وأعزهم وأشهدهم، وأكبر دليل وأقوى برهان على أن القرآن نور: كيف كان العرب في الجاهلية؟ كانوا قبائل شتى، وكيف كانت ديارهم؟ كانت ظلاماً فوق ظلام، فالغزو والقتل وسفك الدماء والوثنية بأبشع صورها، فما من بيت إلا وفيه صنم يُعبد، بل يحملون الأصنام على الإبل حيثما نزلوا في شعب أو وادي وعبدوه، ولنذكر ذلك الأعرابي الذي كان له صنم يعبده، فجاء يوماً لعبادته وهو في شعب من شعاب الأرض، فوجد ثعلباً رفع رجله ويبول عليه كشأن الثعالب والكلاب، فنظر الأعرابي نظرة فاحصة واندفع فقال: رب يبول الثعلبان برأسهلقد ذل من بالت عليه الثعالبوتركه ولم يرجع إليه قط، وأدرك هذا بالفطرة، كما أنهم كانوا يقتلون أطفالهم ويذبحونهم، وذلك مخافة الفقر والجدب والقحط، بل ويقتلون بناتهم خشية العار، وما إن شاعت في تلك البلاد أنوار القرآن الكريم حتى أصبحت مضرب المثل في الكمال البشري، ولم تكتحل عين الوجود بمثلها في الكمال والعز والطهر أبداً، وقد أخفى هذا المغرضون وحرفوا التاريخ الحق لهذه الأمة، وفي الحقيقة والله ما رأت الدنيا أمة أطهر ولا أصفى ولا أعدل ولا أعز ولا أكرم ولا أرحم ولا أعلم من تلك الأمة في قرونها الثلاثة، بسبب ماذا؟ بالاشتراكية؟ بالشيوعية؟ بالفلسفات الكاذبة؟ باليهودية؟ النصرانية؟ بالمجوسية؟ بماذا؟ بالقرآن العظيم، بنور الله تعالى.ومن الأمثلة التي تحضرنا الآن: أن علياً رضي الله عنه ادعى أن الدرع التي مع اليهودي هي درعه، وحاكمه إلى القاضي شريح، فقال القاضي لـعلي : من يشهد لك على أن الدرع درعك؟ فقال: ولدي الحسن أو الحسين، فقال القاضي: الابن لا يشهد لأبيه، وحكم بالدرع لليهودي، وما إن صدر الحكم حتى قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والدرع درعك يا علي، ودخل في رحمة الله، فتأمل كيف أن السلطان أو الملك يحكم عليه قاضيه بأن هذا الدرع لفلان اليهودي، ولا يقبل شهادة ابنه وولده؟! وخلاصة القول: والله ما عرفت البشرية كمالاً بمعناه إلا بأنوار القرآن الكريم.
    حرص أعداء الإسلام على إطفاء نور القرآن وانتزاعه من صدور المسلمين
    وبرهنة أخرى: لما عرف العدو المكون من المجوس واليهود والنصارى أن هذا النور هو الذي أحيا هذه الأمة قالوا: يجب أن نقطع هذا النور عنهم وأن نطفئه، ففي مؤامرات سرية خلال سنين متعددة قالوا: إن هذا القرآن أو هذا النور هو الذي أحياهم، وهو الذي أنار الحياة لهم، ولن نفلح معهم إلا إذا أطفأناه، واجتهدوا وعملوا وعقدوا مؤتمرات لذلك، وفي الأخير قالوا: نحوله ليقرأ على الموتى، فصرفوا المسلمين عن قراءة القرآن إلا على الموتى، وبالتالي لا تجد اثنين تحت شجرة أو تحت جدار أو تحت ظل يقول أحدهما للآخر: اقرأ علي من القرآن، بل ولا تجدهم في بيت أو في مسجد يقول أحدهم للآخر: أسمعني شيئاً من كلام الله، وإنما إذا سمعت قراءة القرآن فاعلم أن هناك ميتاً، ووالله العظيم لقد أصبح القرآن لا يقرأ إلا على الأموات، ولا يصح لواحد أن يقول: قال الله، إذ قالوا: تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ وخطؤه كفر، وراجعوا حواشي المصنفات الفقهية تجدون هذا الكلام، ومعنى ذلك أنك إذا فسرت آية وأصبت فأنت مخطئ، إذ لا حق لك في التفسير، وإن أخطأت فقد كفرت والعياذ بالله، فألجموا الأمة وكمموها، وما أصبح من يقول: قال الله، إذاً ماذا يصنعون بالقرآن؟ قالوا: يقرءونه على موتاهم فقط.ومن قال: كيف هذا يا شيخ؟ فالبرهان: أما أذلونا وسادونا واستعمرونا وحكمونا من إندونيسيا إلى موريتانيا؟ ثم كيف يحكمون المسلمين ويسوسونهم ويسودونهم ويذلونهم؟ وهل لو كانوا أحياء والنور بين أيديهم يُفعل بهم ذلك؟ لا والله، إذ إن القرآن روح ونور، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، وإلى الآن لو أن أمة من الأمم أو بلداً من البلاد أو قرية فقط أقبلت على القرآن تدرسه وتقرؤه وتعمل به لأصبحت ككوكب في السماء بالنسبة إلى البلاد الأخرى.
    سيادة دولة الإسلام بتمكين شرع الله وحفظ كتابه
    والشاهد عندنا فلا ننكره ولا نجحده، بل حرام علينا إن فعلنا ذلك: ألا وهو هذه الدولة المسلمة، أي: دولة عبد العزيز رحمه الله تعالى، فتصفحوا التاريخ قبل ثمانين سنة كيف كانت هذه الديار؟ والله هنا في مدينة الرسول يأتي الرجل فيأخذ باب بيتك ويبيعه في السوق ولا تستطيع أن تتكلم، بل لا تتصوروا الظلم والفساد الذي كان في العالم بكامله، لكن هذه الديار بالذات ما إن رفعت فيها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله وهي تقول: إن أرضاً تظللها كلمة لا إله إلا الله لا يُعبد فيها إلا الله، فما ترك عبد العزيز ورجاله قبة ولا شجرة ولا قبراً ولا في كامل هذه الديار إلا أزالوها، ولم يبق يعبد إلا الله فقط.ثم ماذا تم؟ ساد هذه البلاد أمن وطهر ما رأتهما إلا في القرون الذهبية الثلاثة، وأقسم بالله على ذلك، وسبب هذا هو القرآن، وجربوا ذلك أيها المسلمون، وقد وضع الله للدولة الإسلامية أربع دعائم، قال تعالى في بيان ذلك من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ، أي: حكموا وسادوا، أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فقوله: (أقاموا الصلاة)، كيف يقيمونها؟ يقيمونها بحيث يؤدونها في بيوت الله، فلا يتخلف رجل إلا مريض أو ممرض، والصبح كالظهر وكالعصر وكالمغرب وكالعشاء، وقد طبق هذا عبد العزيز وأولاده بصورة عجب، ووالله لو أن الإمام في القرية لا في مدينة الرسول فقط، عنده قائمة بأسماء أهل القرية كلهم، فيتفقدهم في أوقات الصلوات، فإذا ما أجاب واحد منهم عند التحضير وسكتوا سأل: أين فلان؟ فيذهبون إلى بيته، فإن كان مريضاً أعادوه، وإن كان مسافراً عرفوا ذلك، وإن عبث به الشيطان أدبوه.(أقاموا الصلاة) بحيث إذا أذن المؤذن لا يمكنك أن ترى رجلاً إلا ذاهب إلى المسجد، وبذلك حصل الذي حصل من الأمن والطهر والصفاء. وأما هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل قرية، وليس في حاجة إلى بوليس، وإنما رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا أطيل في هذا الباب، فالله يقول: نور، فماذا نقول؟ إذا لاح النور في أرض هل يبقى فيها ظلام؟ ومن هنا من أراد الله كماله وسعادته يقبل على هذا القرآن العظيم، فإنه نور الله وروح الله، فلا حياة بدونه ولا هداية بدونه. يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لبيك اللهم لبيك، قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، فهو الذي قد أرسله، وهو الذي قد خلقه، وهو الذي أنعم به علينا، وهو الذي أوجده لنا، مِنْ رَبِّكُمْ ، أي: من خالقكم أيها المخلوقون، من رازقكم أيها المرزوقون، من مدبر حياتكم أيها المدبرون، ففوقكم الله هو الذي أنعم بهذا الإنعام عليكم من ربكم، وما أرسلته جهة من الجهات، ولا طائفة من الطوائف، وإنما مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، ألا وهو القرآن العظيم.وعندنا ما نقول به: أنتم تشاهدون العالم الإسلامي كيف هبط أولا ؟ أسألكم بالله، هل يوجد بلد ما يشكو أهله من الخبث ومن الظلم ومن الشر ومن الفساد ومن الجوع ومن الكذب ومن أنواع الهبوط البشري؟ فهيا نطبق القرآن الكريم حتى نرى هذا النور وهذه الروح، وتحيا بها أمة وتستنير بحياتها، فلو أن أهل قرية فقط في جبل أو في سهل يؤمنون ويعلنون عن إسلامهم الحق، أي: إعطاءهم قلوبهم ووجوههم لربهم، إذ الإسلام هو إسلام القلب والوجه لله تعالى، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، فأهل القرية عرباً كانوا أو عجماً فقط يعلنون عن إسلامهم الحق، وباسم الله يجتمعون في مسجدهم الجامع، فإن كان ضيقاً وسعوه، وإن كان ما عندهم القدرة على التوسيع فيوسعونه بالأخشاب وباللبن، وليسوا في حاجة إلى الحديد والإسمنت، والمهم أن يتسع لنسائهم وأطفالهم، وقد أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، فإذا دقت الساعة السادسة مساء ومالت الشمس إلى الغروب، فيغسلون أيديهم وينفضونها من العمل، فالصانع كالتاجر كالفلاح، ويتطهرون ويأتون بنسائهم وأطفالهم يريدون ربهم، وكلهم قلبه متعلق بربه، فيصلون المغرب ويجلسن النساء من وراء الستائر، والأطفال كالملائكة صفوفاً صغاراً لا يتكلمون ولا يتحركون، والفحول أمامهم، ويجلس لهم المربي العليم الرباني، وليلة آية من هذا النور الإلهي، كهذه الآية التي درسناها وندرسها، فيقرءونها بصوت عجيب، ويتغنون بها فتحفظ في ربع ساعة، ثم يأخذ المربي الحكيم فيبين لهم مراد الله منها، فإن كانت تحمل عقيدة اعتقدوها، وإن كانت تحمل واجباً عزموا على النهوض به، وإن كانت تحمل منهياً أو مكروهاً صمموا على تركه والتخلي عنه، وإن كانت تحمل أدباً من الآداب عزموا على التأدب بها، وإن كانت تحمل خلقاً من الأخلاق عزموا على التخلق به، والليلة الثانية يأخذون حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المبينة والمفسرة، فيحفظون ذلك الحديث، وتوضع أيديهم على ما يحمله من هدى وخير ونور، وهكذا يوماً بعد يوم، ووالله ما يبلغون السنة إلا وهم أشبه بالملائكة في السماء، فلا تسمع من أحدهم كلمة سوء أو نظرة شزراً أو معاملة سيئة، بل ولا يمكن أن ترى أو تسمع بخبث بينهم أو يظلم بعضهم بعضاً، أو جوع أو عري إلا إذا جاعوا كلهم أو عروا كلهم.ومن ثم توقن أن رسول الله برهان، وأن هذا القرآن نور، وصاحب النور لا يضل أبداً، ومن طلب برهنة فقد قدمنا، إذ كيف كانت ديار العرب؟! ما إن ارتفعت فيها راية لا إله إلا الله وسادتها حكومة القرآن حتى أصبحت مثلاً للكمال البشري.
    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ...)
    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175]. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء:175] أي: آمنوا بالله واعتصموا بحبل الله وبنور الله وبالقرآن العظيم وبياناته النبوية، فهؤلاء يعدهم الرحمن وعد الصدق، ألا وهو فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء:175]، فهل يخلف الله وعده؟ مستحيل.إن البشرية كلها وليس العرب والمسلمون والعجم فقط، وإنما البشرية كلها من يرفع يده ويقول: إن الإقليم الفلاني في أوروبا الشرقية أو في الغربية، أو في أمريكا الشمالية، أو في الجنوبية، أو وراء الشرق الأقصى، أو الصين، أو اليابان، يدلنا على قرية أو مدينة سادها الطهر والعدل والمودة والإخاء والصفاء، فليرفع يده؟ لا يوجد أحد، إذ إن الدنيا قد تعفنت من الخبث والشر والفساد والعمى والضلال، فقد جربوا الشيوعية، وصاحوا وضجوا: الشيوعية! فماذا أكسبت أهلها ومعتنقيها ودعاتها؟ انفضحت سوأتها في خمسة وسبعين سنة، وهبطت وأصبحوا شر الخلق، ولطالما تبجح بها حتى العرب الهابطون، لكن ما أعطتهم طهراً ولا صفاء ولا مودة ولا محبة ولا إخاء ولا كمالاً بشرياً؟ إذاً فماذا أنتجت لهم؟ الطرق على اختلافها، من المتصوفة وغيرها، فماذا حققت لأمة الإسلام في بلادها؟ هل أطفأت نار الفتن؟ وهل أبعدت الزنا واللواط والجرائم والموبقات والسحر والتدجيل والتكذيب؟ ماذا فعلت؟!هيا نعود إلى الله تعالى، ووالله الذي لا إله غيره لا ترتفع أمة وهي هابطة إلا بهذا القرآن الكريم فقط، وما تأتي من طريق المتحمسين: الجهاد، الجهاد، وهم يوقدون في بلاد المسلمين أشر من الاستعمار، فوالله لن ينتج هذا نوراً ولا هداية، إذ إن الطريق الصحيح هو أن أهل القرية يؤمنون بالله، ويعطون وجوههم وقلوبهم لله، فيجتمعون في بيت ربهم يتعلمون الكتاب والحكمة ويزكون أنفسهم يوماً بعد يوم حتى تلوح أنوار الهداية بينهم، وحينئذ إذا قالوا: يا فلان! أنت إمامنا، قال: مرحباً، فيأمرهم بأمر الله فقد فيمتثلوا، وينهاهم بنهي الله فيمتثلوا، وكلهم مستعد لطاعة الله ورسوله وأولي الأمر.أما بهذه الصيحات وهذه الانتفاضات وهذه الدماء التي تسيل هنا وهناك، وهذا الترويع، فقد أصبح الكفار يضحكون علينا ويقولون: هل هذا هو الإسلام؟! يقتل بعضهم بعضاً؟! وهل المسلم يقتل مسلماً؟! فصرفنا قلوب البشر عن الإسلام بهبوطنا، وبذلنا وبفقرنا وبجهلنا، وبظلمنا وفسادنا، ولا سبب إلا أن العدو الماكر الثالوث الأسود المكون من المجوس واليهود والنصارى قد عرفوا سبب حياتنا وسبب هدايتنا، فحالوا بيننا وبين سبب الهداية والحياة، فأبعدونا عن القرآن والسنة فمتنا، ولما متنا تمزقنا وتشتتنا، وأصبحنا أحزاباً وجماعات وطوائف، فالقرية الواحدة فيها العديد من الفرق، ولما استقللنا أصبحنا ثلاثة وأربعين أمة أو دولة، فلا إله إلا الله! يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أبيضكم وأسودكم، عربكم وعجمكم، قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، فلا توجد جهة بعثت به أبداً مع عميل لها، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، أي: موضح للحياة بكاملها.أتعرفون هذا النور المبين؟ اسمعوا إلى أبي هريرة وهو يقول: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علمنا كل شيء حتى الخراءة، أما كيف نجامع؟ أو كيف نقاتل؟ أو كيف نكتب؟ أو كيف نصلي؟ فلا تسأل، ولكن أبعدونا عن النور المحمدي وعن القرآن، فأصبحنا على ما نحن عليه اليوم، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، ألا وهو القرآن. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ [النساء:175] رباً ولا رب سواه، وإلهاً ولا إله غيره، ولا معبود يعبد سواه، فآمنوا بأسمائه وصفاته وبحقه على خلقه من عبادته وحده دون من سواه، وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء:175]، أي: بالقرآن، فالحلال ما أحله القرآن، والحرام ما حرمه القرآن، والواجب ما أوجبه القرآن، والمحرم ما حرمه القرآن.ثم قال تعالى في وعد الصدق: فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء:175]، والمراد من الرحمة هنا: الجنة دار السلام، والمراد بالفضل هنا: النظر إلى وجه الله الكريم، إذ لا أسعد أبداً من عبد لم ير وجه ربه، فلهذا لما ينعمون في ذات النعيم يناديهم ربهم ويرفع الحجاب عن وجهه وينظر إليهم ويسألهم، فما هناك أعظم من أن ينظر المؤمن إلى وجه الله الكريم، فتغمرهم فرحة ما عرفوها لا في الطعام ولا في الشراب ولا في اللباس ولا في الحياة بكلها. وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ [النساء:175]، فالذين اعتصموا بالقرآن يضلون؟ والله ما يضلون، ولذلك لما اعتصم السلف الصالح بالقرآن والله ما ضلوا، لكن لما تركوه وحولوه إلى أمواتهم ضلوا وما هداهم الله تعالى. وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175]، أي: لا اعوجاج فيه ولا انحراف أبداً، وسكت تعالى عمن لا يؤمنون بالله ولا يعتصمون بحبله، إذ إن مصيرهم معروف، فماذا يقول فيهم؟ إذاً فسيدخلهم في جهنم ويزيدهم عذاباً فوق العذاب، ويحرمهم النظر إلى وجهه الكريم، ويخلدهم في عالم الشقاء، وهذا أمر ضروري، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، فهل هذه السنن تتبدل؟ يعني: أصبحنا في يوم الطعام لا يشبع؟! أعوذ بالله، الحديد أصبح ما يقطع؟! أبداً، وبالتالي فسنن الله لا تتبدل.إذاً فالأخذ بهذا الكتاب العظيم، بهذا الدين الإسلامي على النحو الذي عرفتم، وهو أن يجتمع أهل القرية، أو أهل الحي مقبلين على الله في صدق يتعلمون الكتاب والحكمة، يوماً بعد يوم، حتى تستنير قلوبهم وتتضح الحياة لهم ويصبحون ربانيين وأولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن ثم يعزون ويسعدون ويكملون، أما بدون الأخذ بهذا النور وهذه الهداية فهيهات هيهات أن تنفعنا النسبة: مسلمون أو مؤمنون، والله ما تجزئ إلا من استعصم وتمسك بهذا الحبل العظيم.وأخيراً أسمعكم الآيتين: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174] وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، أي: القرآن الكريم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175]، وأما الذين لم يؤمنوا به، ولم يعتصموا بحبله، فسيدخلهم العذاب والشقاء والخزي والذل والعار في الدنيا، والخلود والبوار في دار البوار يوم القيامة.فالله تعالى أسأل أن يتوب علينا، وأن يرجع بنا إلى كتابه وأنواره حتى نكمل ونسعد، ونشعر بالطمأنينة والطهر، ونرضى بلقاء ربنا ونفرح به في دار السلام، اللهم حقق لنا ذلك يا رب العالمين.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #310
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (85)
    الحلقة (309)

    تفسير سورة النساء (88)


    بين الله عز وجل في أوائل هذه السورة حكم من مات وخلف مالاً، وليس له آباء ولا أبناء ولا زوج وله إخوة من الأم فإنهم يرثونه، فإن كان واحداً فله السدس، وإن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء في الثلث، أما في هذه الآية وهي آخر آية في السورة فقد بين نصيب الإخوة الأشقاء أو من أب، فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما الثلثان، والأخ يرث مال أخته كاملاً، والإخوة مع الأخوات يرثون الأخ أو الأخت فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين.
    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم... ) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا الفضل واجعلنا من أهله يا ذا الفضل العظيم.وها نحن مع آخر آية من سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، سورة الأحكام الشرعية، هذه الآية هي آية الكلالة، وقبل الشروع فيها أذكر نفسي والمستمعين والمستمعات بما اشتملت عليه الآيتان اللتان درسناهما بالأمس، وذلك بعد قراءتهما تذكيراً للناسين: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175].
    هداية الآيات
    قال الشارح: [ من هداية هاتين الآيتين الكريمتين: أولاً: الدعوة الإسلامية دعوة عامة، فهي للأبيض والأصفر على حد سواء ]، وأخذنا هذا من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، فلفظ (الناس) عام في البشر كلهم، لا فرق بين العرب والعجم، ولا بين الأبيض والأصفر، وإنما دعوة الإسلام دعوة عامة، وينبغي أن تنشر في العالم بأسره، وليست خاصة بجيل من الأجيال ولا بقبيلة من القبائل، وإنما هي دعوة الله للبشرية جمعاء من أجل أن تطهر وتكمل وتسعد في حياتها الدنيوية، ثم تسعد في الحياة الخالدة الباقية في العالم الأعلى.فقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، أخذنا منه أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة، فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.قال: [ ثانياً: إطلاق لفظ البرهان على النبي صلى الله عليه وسلم ]، فنبينا اسمه محمد وأحمد، وقد سماه الله برهاناً، قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، والبرهان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ قال: [ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه، برهان على وجود الله وعلمه ورحمته ]، أي: أن محمداً صلى الله عليه وسلم برهان على أنه نبي الله ورسوله، فلا يحتاج إلى حجج أخرى تقوى أو تضعف، فهو أمي لم يقرأ ولم يكتب، فيخرج على البشرية بعلوم ومعارف ما كانت تعلمها ولا تحلم بها، فكيف لا يكون رسول الله؟!قال: [ ثالثاً: القرآن نور ]، إي والله فالقرآن نور، والنور يستفاد منه في الظلام، والحياة كلها ظلام، فلا شمس تغني ولا القمر، ولكن النور الذي به النجاة هو القرآن العظيم، فمن آمن به وقرأه وعرف ما يحمله من الهدى والنور، وأخذ يعمل به فقد نجا، واهتدى إلى دار الكمال والسعادة، ومن رماه وراء ظهره ولم يؤمن به ولم يقرأ ما فيه ولم يتعرف إلى ما يحمله من الشرع والهداية الإلهية، فهو والعياذ بالله في عداد الخاسرين.قال: [ ثالثاً: القرآن نور من أجل ما يحصل به من الاهتداء إلى سبل النجاة وطرق السعادة والكمال ]؛ لأن الله تعالى قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ماذا؟ ما قال: قرآناً، وإنما قال: نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، وفي آية أخرى قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، فهيا نبلغ البشرية أنها إذا لم تؤمن بالقرآن وتعمل بما فيه فهي والله لفي الظلام، ولا يمكنها أن تهتدي لسعادتها وكمالها في الدارين إلا بهذا النور، والواقع شاهد على ذلك، فانظر إلى الشرق والغرب، وانظر إلى البشرية في عصور رقيها وحضارتها، هل تجاوزت موضع شبر البهائم؟ هل خلت من الخبث ومن الظلم ومن الشر ومن الفساد؟ والله لم تخلو منه ولن تخلو.قال: [ رابعاً: ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح، وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام ]، إذ قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُم ْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ [النساء:175]، ألا وهي الجنة دار السلام، وَفَضْلٍ [النساء:175]، أي: ويزيدهم من فضله من أنواع الإنعامات والإفضالات، ومن النظر إلى وجهه الكريم.
    تفسير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...)
    والآن مع آخر آية من سورة النساء، وتلاوة هذه الآية الكريمة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].
    سبب نزول الآية
    تسمى هذه الآية بآية الصيف، وقد ذكر أهل العلم أن سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وعن والده مرض كما يمرض الناس -ووالده هو عبد الله بن حرام، وقد استشهد في غزوة أحد- فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: زاره في مرضه، وزيارة المريض سنة، وتسمى بعيادة المريض، ولذلك إذا مرض أخوك ومضى على مرضه ثلاثة أيام فإنه يسن لك أن تزوره، إذ إن هذه الزيارة من حقه عليك، وعلى كل عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، وأبو بكر هو خليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فأغمي على جابر بن عبد الله من شدة المرض، والإغماء ينتاب المريض ساعة وساعة، وذلك أن المريض قد يفقد شعوره من شدة الألم، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب عليه من فضل وضوئه، أي: توضأ في إناء وبقي في الإناء شيء من الماء فأخذ منه وصبه على جابر رضي الله عنه، فأفاق فقال: يا رسول الله! اقض في مالي، أي: احكم يا سول الله! في مالي، وكان له تسع أخوات، فلم يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية الكريمة.
    ميراث الكلالة
    قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، أي: يستفتونك يا رسولنا! من الذي يستفتيه؟ جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، أي: الله هو الذي يفتيكم فيها، والكلالة قد تقدم نوع منها في أول السورة مع آيات الفرائض، وهذه الآية أيضاً في الكلالة.فالكلال : أن يموت إنسان ولم يترك ولداً، ولا ولد ولد، ولا أباً، ولا جداً، فيرثه إخوته الذين يحوطون به كالإكليل، فإن كان إخوته من أمه فالأخ له السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهما الثلث، وإن كان الإخوة من أب وأم، أو من أب كهذه الآية، إِنْ امْرُؤٌ [النساء:176]، إنسان ذكر أو أنثى، هَلَكَ [النساء:176]، يقال: هلك يهلك إذا مات، فكل من مات فقد هلك، لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، أي: ما له ولد، وليس له والد، إذ لو كان له والد فإن الوالد يرث ولده، ولا يرث معه أخ، لا ولد ولا والد ولا ولد ولد؛ لأن ولد الولد يقوم مقام الولد مباشرة، وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، أي: من أبيه أو شقيقة، فما لها من تركة أخيها الذي توفي وما خلف ولداً ولا ولد ولد ولا أباً؟ فلها النصف فرضاً خاصاً بها، والنصف الباقي للعصبة، قال تعالى: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176] ولا ولد ولد، أيضاً أخوها يرث مالها كله إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد، وهو يرثها بشرط إن لم يكن لها ولد، وهذه هي الأخت.وإن فرضنا أنهما أختان، فقد قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، كأن مات إنسان وترك أختين له من أبيه وأمه أو من أبيه فقط، ولم تترك الأختان ولداً ولا ولد ولد، فقد قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، والثلث الآخر للعصبة كالأعمام وأبناء الأعمام أو لبيت المال. وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، إخوة: بنت وولد، أو بنتان وولدان، أي: خليط من الرجال والنساء، من الذكران والإناث، فهنا قال تعالى: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، فالذكر يأخذ اثنين، والأنثى تأخذ واحداً.ثم قال تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، أي: هذا الذي يبين، أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، أي: لئلا تضلوا أو خشية أن تضلوا، إذ الضلال هو أن توزعوا المال على غير الوجه الذي يرضي الله عز وجل، أو تعطوا المال لمن لا يستحقه فيكون هذا من الضلال قطعاً وعدم الهداية، فكراهة أن تضلوا أنزل الله هذه الآيات وبين هذا الحكم. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، أي: كراهة أن تضلوا، أو لئلا تضلوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176]، فلا يخفى عليه شيء، فاقبلوا إذاً بيانه وحكمه، وقسمته وارضوا بها، فإن الله عليم بأحكامه وقضائه.الآية مرة أخرى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، هذا الخبر من جاء به؟ الله عز وجل، يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، أي: يسألونك، فمن هو الذي يُسأل ويُستفتى؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً الله يكلم الرسول مباشرة؟ إي نعم، إذ كيف لا يكون رسول الله إذاً؟ أين يُذهب بعقول اليهود والنصارى والمجوس؟ أيكلمه مباشرة وتقول: ما هو برسول الله؟ والله ما نفوا رسالته ولا جحدوها ولا أنكروها ولا كذبوا بها إلا لجهلهم ومصالح دنياهم، إذ هل تشك في رجل يكلمه الله ويحدثه في مئات المواطن وتقول: ما هو برسول؟! يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا [النساء:174-175]، أي: بهذا الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم أهل الجنة ودار السلام، وأهل الإنعام الذي لا حد له في الملكوت الأعلى، ومن كفر وكذب وعاش على الشهوات والأهواء فمصيره معلوم، ألا وهو الخسران الأبدي في دار البوار والشقاء. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، أي: أعلمهم يا رسولنا! بأن الله هو الذي يفتيكم؛ لأن الرسول ما عنده علم قبل أن يوحى إليه، قال: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، ولا والد، ولا ولد ولد؛ لأنه يورث كلالة، وهو من الإكليل الذي يوضع على الرأس، فالذي يرثه إخوته يكونون قد أحاطوا به، إذ ما هم أسفل فيكونون أولاداً، ولا هم فوق فيكونون آباءً وأجداداً. إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، فما نصيب هذه الأخت من أخيها الشقيق أو لأب؟ ترث نصف ماله، وإن ماتت هي فأخوها يرث كل مالها، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فما دام أنها ورثت النصف عند موت أخيها، فهو يأخذ نصفين، والنصفان هو كل المال. فَإِنْ كَانَتَا [النساء:176]، أي: الأختان، اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، أو أكثر، فما القسمة؟ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ [النساء:176]، لا زيادة، مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، كأن هلك هالك وترك إخوة له خليطاً من النساء والرجال، أو من البنين والبنات، فكيف يقتسمون تركة أخيهم؟ للذكر مثل حظ الأنثيين.لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ تمشدق وتمنطق وتكلم الملاحدة والزنادقة والهابطون إلى الحضيض، ولو استحوا وخجلوا، بل لو كان لهم عقل لعلموا أن واهب المال يعطي ويمنع من شاء من ماله، فكيف يعترضون عليه فيقولون: لم تعط فلاناً كذا وكذا؟ إن هذا ليس مالك، بل هو مال الله تعالى، ثم هل يعقل أن رب الجلال والكمال الرحمن الرحيم يجور في قسمته ولا يعدل؟! من يخطر هذا بباله فهو كافر، ومع هذا فقد بين لهم أولو العلم والنهى، وعرفوا أن المرأة ما كانت ترث لا في الجاهلية ولا في الصين ولا في اليابان ولا في الروس وفي الأمريكان، بل ولا في العالم نهائياً، فجاء الإسلام فورثها وأعطاها نصيبها بحسب حالها، فالمرأة قد ضمن الله لها عيشها، فما دامت طفلة في حجر أبيها فيجب على أبيها أن ينفق عليها، حتى وإن جاع لتشبع هي، وإذا بلغت سن التكليف وتزوجت فيجب على زوجها أن ينفق عليها حتى وإن جاع وهي تشبع، وإن أصبحت أم أولاد ومات الوالد -أي: الزوج- فعلى أولادها أن ينفقوا عليها وجوباً وإن ماتوا جوعاً.إذاً: ضمن الله قوتها، وما كلفها أن تحمل المسحاة أبداً وتصبح فلاحة، ولا أن تحمل القدوم وتصبح نجاراً، ولا أن تحمل الدنانير وتصبح تاجرة جوالة في الأسواق، بل أراحها الله تعالى، ثم بعد هذا يقولون: لمَ يعطيها الثلث فقط؟ لم ما يسويها بأخيها؟ إن أخاها عليه تكاليف ينهض بها، ومنها أنه ينفق على أبويه وعلى امرأته وأولاده، وهي كذلك يُنفق عليها، فكيف تعطى ما يعطى الرجل الذكر؟! ولكن: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وما هناك عمى إلا الحسد فقط، فقد حسدوا هذه الأمة على أنوار الله التي تغمرها في حياتها، فلم تسموا بهذا الكمال وتعز وتسود وهم يعيشون كالحيوانات؟ يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، يا رسول الله! قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، والكلالة هي أن يورث الرجل من قِبل إخوانه وأخواته، فأبوه غير موجود، وأولاده وأولاد أولاده غير موجودين كذلك، فالذي يرثه هم الذي يحوطون به كالإكليل، فإن كانوا إخوة لأم فالواحد له السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث، وإن كانوا إخوة لأب أو أشقاء فقد بين تعالى ذلك، إذ قال تعالى: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، ولكن له أخت، وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا [النساء:176]، في كل مالها، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، وإلا ليس هو إكليل، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، فأكثر، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، فالذي يقول: لم ما سوى الله بين البنين والبنات فأولاً: والله ما عرف الله ولا آمن به، وثانياً: لو فهم فقط فهم البادية أن الله هو رب هذا المال يعطيه من يشاء، فأي وجه له أن يعترض؟ إن هذا ماله يعطيه من أراد. وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، قولوا: الحمد لله، إذ الله جل جلاله، والغني عنا وعن وجودنا يتولى البيان لنا ولا نحمده؟! يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، كراهة، أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، فتهلكوا، إذ ما يريد ضلالكم أبداً، بل يريد سموكم وكمالكم وعزكم؛ لأنه وليكم وأنتم أولياؤه.
    ذكر ما تنال به ولاية الله تعالى
    بم ثبتت هذه الولاية؟ بالقبلية المعروفة؟! بالشيك والدينار والدرهم؟! يا زائري المسجد النبوي! مرحباً بكم في مسجد نبيكم، وهنيئاً لكم زيارتكم مسجد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وعندنا لكم سؤال وهو: بم نلنا ولاية الله وأصبح الله ولينا ونحن أولياؤه؟قال أحد الأبناء: باتباع سنة الرسول، هذا فيه إجمال، وهذا آخر يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، وهذا لو سألنا وقلنا: ما هو الحكم الإلهي الذي أصدره الله على عباده؟ لقلتَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].نحن نقول: بم تنال الولاية؟ كيف أصبحنا أولياء يا من يرغب أن يكون ولي الله الذي لا خوف عليه ولا حزن، لا في الدنيا ولا في الآخرة؟ بم نحقق ولاية الله تعالى؟ فالجواب: بالإيمان والتقوى تتحقق ولاية الله عز وجل للعبد، والدليل قول الله تعالى من سورة يونس عليه السلام: أَلا [يونس:62]، أتعرفون (ألا) هذه؟ ألو، فإن قيل: لمَ هذا الشيخ يقول في مسجد الرسول: ألو؟ فالجواب: لأننا اعتدنا ألو، ألو، حتى البنت التي تزحف تأخذ السماعة فتقول: ألو، وكذلك النساء والرجال والعوام كلهم تعودوا على ألو، وعندنا في القرآن (ألا) ما نفهم لها معنى أبداً، واسأل عامة الناس عن (ألا) ما يجيبك.إن (ألا) معناها: أأنت حاضر لتستمع وتتلقى عني؟ هل ألقي إليك بالخبر أو لا؟ فهذه (ألا) أخذوا منها (ألو)، ولم لا يقولوا: ألا؟ لأن (ألا) قرآنية ومن كلام الله، فجاءوا بألو فقط، وقد بحث أحد الإخوان قديماً خمسين سنة مع النصارى ومع اليهود عن معنى ألو؟ فقالوا: (ألو) هكذا وجدت مع التليفون، فلا نعرف لها معنى، فقلنا لهم: سبقكم سيبويه العالم اللغوي إذ سألوه عن (أي) في لسان العرب، فمرة تأتي مبنية ومرة معربة ومرة كذا، فما لها؟ فقال: (أي) هكذا خلقت، وكذلك (ألا)، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لو يأتي هذا برقية من حاكم من الحكام فإن أهل البلاد سيطيرون من الفرح بهذا النبأ.
    أوصاف أولياء الله تعالى وذكر جزائهم
    قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن هم أولياء الله؟ الذين لا خوف عليهم لا في هذه الحياة ولا في البرزخ ولا يوم القيامة، ولا يحزنون اليوم ولا بعد اليوم أبداً، ووالله ليجوع ولا يحزن، ووالله ليمرض ولا يحزن، ووالله ليموت أولاده واحداً بعد الواحد ولا يحزن، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].وكأن سائلاً يقول: من هم يا رب أولياؤك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال تعالى في الجواب: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: آمنوا بالله رباً وإلهاً، وآمنوا برسله أنبياءً ورسلاً، وآمنوا بكتبه، وآمنوا بلقائه، وآمنوا بكل ما أمرهم الله أن يؤمنوا به، سواء أطاقته عقولهم أو لم تطقه، وَكَانُوا ، دائماً وأبداً، يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: يتقون غضب الرب وسخطه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إذ الله لا يتقى بالأسوار العالية، ولا أن تدخل في السراديب تحت الأرض، وإنما يتقى الله عز وجل بطاعته فيما أمر به ونهى عنه، فالمأمور يُفعل والمنهي يُترك، وبهذا يتقى الله عز وجل.ثم قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، وهذا خير عظيم، فبكم يقدر؟ لَهُمُ الْبُشْرَى [يونس:64]، الأخبار السارة المثلجة للصدر، والذي تجعل وجهك كأنه قمر من فرحه وسروره، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64]، اليوم، وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64].وقد فسر الحبيب صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته البشرى فقال: البشرى في الحياة الدنيا هي: ( الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له )، فهل فهمتم معشر الأبناء والإخوان! البشرى العظيمة التي لهم من نصيبهم ومن حظهم أعطاهم الله إياها؟ فوالله لا تموتن يا ولي الله حتى تبشر، إما أن تراها أنت أو يراها عبد صالح ويقصها عليك ويقول لك: رأيتك في كذا وكذا. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64]، وأخرى أيضاً عندما يكون الولي على سرير الموت في محط العناية كما يسمونها، وقد قال الأطباء: أخوكم قد انتهى أمره، وهو كذلك حتى يأتي فوج من الملائكة كله نور، أي: ملك الموت وأعوانه، فيشاهدهم ويبتسم في وجوههم ويكاد يطير من الفرح، وينسى الدنيا وما فيها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، أي: ما اعوجوا، وما انحرفوا، وما مالوا، وما زاغوا، وإنما استقامة إلى باب دار السلام، إذ يفعلون أوامر في حدود طاقتهم، وينتهون عن المناهي، فهذه هي الاستقامة، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ بماذا؟ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].
    سر تبشير المؤمن بالجنة عند موته
    معشر المستمعين! يا أهل هذه الحلقة المباركة! ما السر في هذا الكمال والإسعاد؟ ألا إنه طهارة أرواحهم وزكاة نفوسهم؛ لأن فعل الأوامر آلة لتزكية النفس والله وتطهيرها، بل أعظم من الماء والصابون للأبدان والأجسام، ولأن المنهيات أوساخ وأدران تلوث النفس البشرية فتحولها إلى عفنة ومنتنة كأرواح الشياطين، وهم قد تركوا المحرمات فأبعدوا أنفسهم عنها، فبقي طهرها وصفاؤها، فتأتي الملائكة وكأنهم جنس واحد يتكلمون معها، ويتحدثون إليها، ويبشرونها، إذاً فطهارة الروح وزكاة النفس هو الذي أهلهم لهذا الكمال. وأعطيكم مسألة علمية أيها الزوار، لكن مع الأسف ما لا تبلغون، بل ما بلغنا أن زائراً فهم مسألة في المسجد النبوي وبلغها في بلاده أبداً، ولذا فاسمعوا، لقد عاشت أمتنا قروناً لا تعرف ولياً من أولياء الله يمشي في الشارع، أو يبيع ويشتري في السوق، أو يحرث الأرض، إذ ما تعرف الولي إلا الذي قد مات وبني على قبره قبة، ورفع فوق قبره تابوت من خشب، ووضع عليه الأزر الحريرية، وأصبح يزار فتوضع النقود إلى جنبه، وتوقد الشموع في قبره.واسلوا العجائز عندكم يخبرنكم بذلك، فتجد الواحد منهم يقول: وحق سيدي عبد القادر، وحق سيدي مبروك، وحق سيدي إدريس، وحق مولاي فلان، فما فيه ولي حي أبداً، لكن لما يموت يُعبد من دون الله، وأقول: هيا نمشي إلى قرية من القرى عرب وعجم، على شرط ما يكون قد بلغهم هذا الكلام، فندخل على القرية ونلقى أول رجل نقول له: يا سيد! أنا جئت من بلاد بعيدة وأريد أن أزور ولياً من أولياء هذه البلاد، دلني عليه؟ والله ما يأتي بك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن في القرية ولياً بين الناس، ومن أراد أن يجرب فليجرب، وقبل هذا والله لو تدخل إلى القاهرة المعزية وتقول: أنا الآن نزلت من الباخرة أو من الطائرة، وقد جئت فقط لزيارة ولي من أولياء هذه البلاد، فدلني يا فلان؟ والله ما يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، والملايين في السوق ما فيهم ولي! والسر في ذلك أن العدو الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية قد عزموا على إطفاء نور الله من قلوب الناس، وإبعادهم عن رحمة الله، إذ قالوا: لمَ يفوز المسلمون بدار السلام؟ لمَ يفوزون بالطهر والسلام؟ لم يفوزون بالعز والكرامة ونحن نعيش كالبهائم؟ إذاً يجب أن نسوي بيننا وبينهم.فاحتالوا على المسلمين وحصروا الولاية في الموتى، ومن ثم فإن الرجل المسلم في القرية أو في المدينة يزني بامرأة مسلم والله العظيم، أو يزني ببنت مسلم، أو مسلم في القرية يسرق مال مسلم، أو مسلم في القرية يسب آخر ويفلق رأسه لأجل كلمة قالها، ولا طهر ولا أمن ولا صفاء؛ لأنهم ما عرفوا أنهم أولياء الله، وأن الله يقول: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، ويدلك على أن الولي عندهم هو الميت أنهم ترتعد فرائصهم عند زيارته، إذ لا يستطيعون أن يقولوا كلمة سوء عند قبره، بل يعظمونه ويحترمون أهله وذويه لأنهم من إخوان الولي الفلاني، وأما عامة المسلمين فافجر بنسائهم، واسرق أموالهم، وسب واشتم ولا تخف؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله! وبهذه الأذن سمعت في القرية مجموعة من الرجال يتحدثون كما تتحدث عوام الناس، فقالوا: فلان كان إذا زنا لا يمر بسيدي فلان، وإنما يمر من جهة أخرى في القرية حتى لا يمر بالولي وهو ملطخ بالزنا! يخون أخاه المؤمن في أهله، ويفجر عن طاعة ربه فيزني وقد حرم مولاه الزنا، ولا يبالي بالله ولا بشيء أبداً، ويخاف أن يمر على ضريح فلان! أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن هم يا رب أولياؤك؟ عبد القادر الجيلاني؟ البدوي؟ العيدروس؟ إن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فلا يحل لك أن تنظر نظرة شزراً في وجه هذا المؤمن التقي، وحرام أن تقول فيه كلمة واحدة تزعجه، وحرام أن تنال منه ولو لطمة بإصبعك، ولو فلس من ديناره ودرهمه، فكيف تزني بامرأته أو تفجر بابنته؟!
    سر انحطاط المسلمين في العصر الحاضر
    لكن للأسف فعل بنا هذا الأعداء ومددنا أعناقنا وسكتنا، فما سر هذا؟ إنه الجهل، فمن جهلنا؟ هم حملونا على أن نبعد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة لن تعلم إلا إذا كانت في كل ليلة تجتمع في بيوت ربها بنسائها وأطفالها ورجالها، في قراها ومدنها، وطول العمر تشتغل من صلاة الصبح إلى غروب الشمس في دنياها، أما هذا الوقت فهو وقت التلقي للكتاب والحكمة وتزكية النفس البشرية، فيجب أن يكونوا في بيوت الله تعالى، كما كانت على عهد رسول الله، فهذا أبو بكر وعمر كانا يتناوبان هذه الجلسة.ونحن قد أبعدونا عن القرآن بالمرة، وحولوه إلى الموتى فمتنا، وذهب النور حتى كرامة المؤمن وولايته حصروا الولاية في الأموات فقط، إذ الأحياء ما فيهم ولي فافعل بهم ما شئت، وما أفقنا إلى الآن، فدويلاتنا عشرات، ومذاهبنا وطرقنا وأحزابنا عديدة، فلا مودة ولا إخاء، ولا تلاقي لا حب لا ولاء؛ لأننا لسنا بالفعل حقاً بأولياء الله، فأبعدونا عن ولاية الله تعالى.فنقول: إنا لله وإنا إليه راجعون للعزاء، لكن باب الله مفتوح، فمن أراد أن يحقق الولاية والله للباب الله مفتوح، فمن الآن يعزم كل مؤمن على أن يعرف الله معرفة حقيقية، ويؤمن الإيمان الصحيح كما هو في كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، ولا همَّ له إلا رضا ربه عز وجل، إذ هو ولي الله تعالى، فلو رفع يديه وسأل مولاه شيئاً لأعطاه إياه.
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير
    نتلو الآيات: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].
    هداية الآيات
    قال [ من هداية الآية الكريمة: أولاً: جواز سؤال من لا يعلم من يعلم ]، بل وجوب سؤال من لا يعلم من يعلم، أما قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]؟ فهذا جابر قد سأل، وهناك آيتين في كتاب الله توجب السؤال، وذلك من سورة النحل ومن سورة الأنبياء، قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم يجب عليه أن يسأل، ولو يركب ناقته ويرحل حتى يسأل، ومن ثم لا جهل في أمة الإسلام، وقد مضت فترة في القرون الذهبية لا جهل في النساء ولا في الخدم ولا في العبيد، وإنما كلهم علماء؛ لأنهم استجابوا لأمر الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم يجب أن يسأل حتى يعلم، فهل يبقى إذاً جاهل أو جاهلة؟ مستحيل.قال: [ ثانياً: إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ]، أي: وجود الله عليماً حكيماً سميعاً، وأن محمد نبي ورسول، وبعض الآية يقرر هذا بكامله، أي: إثبات وجود الله، أيكون الله معدوماً ويُسأل ويجيب؟ وهل هناك ميت تسأله ويجيبك؟ وهل هناك غائب تسأله ويجيبك؟ كيف يجيب وهو غير موجود؟!قال: [ ثالثاً: بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة، فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما الثلثان، والإخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين، إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد ]. وصلى الله على نبينا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #311
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (86)
    الحلقة (310)

    تفسير سورة النساء (89)



    حوت سورة النساء الكثير من الأحكام الشرعية والهدايات الربانية، حيث ذكر الله فيها لعباده وسائل تزكية النفس والارتقاء بها، وذكر أحكام النساء وما يتعلق بذلك من نكاح ونفقات وغيره، وأحكام اليتيم وكفالته، كما قرر فيها سبحانه مبدأ التوارث، وبين أحكام التركة وكيفية تقسيمها، كما بين المحرمات من النساء وأسباب التحريم وما يترتب على ذلك من أحكام.
    بعض ما حوته سورة النساء من الهدايات والأحكام الشرعية
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن قد فرغنا بالأمس من دراسة سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وظننت أننا اليوم سندرس العقيدة من كتاب عقيدة المؤمن، وقد تبين لي خطئي، وها نحن الآن نريد أن نستحضر بعض الذي حوته سورة النساء من الهدايات والأحكام الشرعية.
    مناداة الله للخلق جميعاً بأن يتقوه
    إن هذه السورة المباركة الميمونة قد دعت البشرية كلها أبيضها وأصفرها إلى أن يتقوا ربهم؛ لأنهم لا يسعدون ولا يكملون إلا على تقوى ربهم، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، ولو عرفوا عظمته وجلاله وكبرياءه وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته لما خرج عن طاعته واحد منهم، وحسبهم أن يعرفوا أنهم مقهورون ومملوكون ومحكومون ومدبرون، وأن مالكهم ومدبرهم وحاكمهم هو الله سبحانه وتعالى، فإن أرادوا السعادة فليعبدوه، وإن أرادوا الشقاء فلهم دار البوار والعياذ بالله، والعجيب أنه من يريد الشقاء؟ ولكن الذي يعرض عن طاعة سيده فقد أراد الشقاء أحب أم كره، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، فأعلم البشرية بأصل خلقتها.فيا ابن آدم! أنت مخلوق مم؟ ما هي مادة خلقك؟ إنها الطين اللازب، إنها الحمأ المسنون، إنه الصلصال كالفخار، فهذا هو أبوك آدم، وأنت أصل وجودك هو الطين، فهل تتكبر يا ابن الطين؟ كيف ترفع رأسك وتستأنف أن تسجد لمولاك وتطرح بين يديه؟ وأما والدتك وجدتك حواء، فقد أخبر العليم الحكيم على أنه خلقها من آدم، وذلك من ضلعه الأيسر، فعلم البشرية أصل خلقتها ومبدأ وجودها.
    وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها
    ثم أمرنا الله أن نتقيه وأن نصل أرحمانا، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ورقيب بمعنى: مراقب، وبالتالي كيف نستطيع أن نقول كلمة سوء وهو يسمعنا؟! وكيف نمد أيدينا أو نمشي بأرجلنا إلى شيء يكرهه وهو معنا يعلم حركاتنا وسكناتنا؟ إن هذه تربي في الإنسان المؤمن ملكة مراقبة الله عز وجل، فيصبح دائماً بين يدي الله، فلا يقوى ولا يقدر على حركة يعلم أنها تتنافى مع رضا الله جل جلاله وعظم سلطانه.
    جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور
    ثم ذكر الله لنا حكماً عظيماً وهو: أن من أراد أن يزوج يتيمة في حجره فلا يبخسها حقها في مهرها وصداقها، وذلك لكونه وليها أو الوكيل عنها، وكذلك لا ينبغي لمؤمن أن يتزوجها ويبخسها مهرها، إذ إن هذا لا ينبغي أن يأتي من مؤمن يؤمن بالله ولقائه، وله أن يتزوج غيرها إذا خاف ألا يعدل معها أو أن يبخسها حقها ، وذلك أن الله تعالى قد فتح له هذا الباب، وبالتالي فله أن ينكح واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، قال تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، فهذا هو إذنه سبحانه وتعالى، ثم أليس هو المالك للنساء والرجال؟ بلى، فلو منع ما يمنع، ولكن أذن لعباده، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى [النساء:3]، أي: اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، ولعلمه وحكمته وعظيم رحمته، يقول: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [النساء:3]، بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع، فماذا تصنعون؟ فَوَاحِدَةً [النساء:3]، ولا تزيدوا على ذلك، أي: إذا ما قدرت على العدل، أو عرفت أنك لا تقوى عليه، فلا تزد على امرأتك أخرى.
    وجوب إعطاء النساء مهورهن وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر
    ثم علمنا ما يجب لاستحلال الفرج، ألا وهو المهر أو الصداق، وبالتالي فلابد لمن أراد أن يتزوج امرأة بيضاء أو صفراء أن يعطيها مهراً، وله أن يؤجله بعلمها ورضاءها، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، وأركان النكاح أربع، وبدون هذه الأركان فالنكاح فاسد وباطل، بل وهو زنا وعهر، ومن بين هذه الأركان الأربعة: المهر، وأما باقي هذه الأركان فهي: الشهود، فلابد وأن تشهد اثنين من عدول المؤمنين على أنك تتزوج فلانة، ومن هذه الأركان أيضاً: الصيغة، كأن تقول: فلان زوجني ابنتك أو وليتك، فإذا قال: زوجتكها على مهر كذا وكذا، فتقول: رضيت بها، وقبلتها زوجاً لنفسي.كذلك من الأركان: وجود الولي، إذ هو الركن الأعظم من أركان النكاح، ولذا فلابد للمرأة أن يكون لها ولي يتولى عقد نكاحها، فإن لم يوجد لها أب ولا أخ ولا جد ولا عم، فالقاضي ولي من لا ولي لها، فإن انعدم القضاء في الصحراء أو في القرى، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: فليتولى عقد نكاحها ذو الرأي من عشيرتها من أهل البلاد، أي: صاحب الحصافة العقلية، والرأي السديد، والوفاء والكمال.
    النهي عن إعطاء المال للسفهاء الذين لا يحسنون التصرف فيه
    ومن هذه الأحكام الإلهية التي تسعدنا وتكملنا لو آمنا بها وعرفناها وطبقناها في حياتنا: يقول تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5]، فالآن الدنيا كلها قائمة على المال، إذ المال قوام الأعمال، والمال قد كفر الناس من أجله، وارتدوا من أجله، وباعوا دينهم من أجله، وباعوا أعراضهم من أجله، وحاربوا وقتلوا وسفكوا من أجله، والقرآن الكريم قد وضع قواعده للدنيا بما فيها، فأموالكم التي جعلها الله لكم قياماً، ماذا تصنعون بها؟ قال: لا تعطوه السفهاء، كالمرأة التي لا تحسن التصرف، وكالولد أو الرجل الذي لا يحسن التصرف، ولو نعمل بهذه فقط ما افتقرنا، فمن هو إذاً هذا السفيه؟ سفيه العقل هو الذي لا يحسن التصرف، والآن تستطيع أن تقول: كل المبذرين والمسرفين في المال هم ممن نهى الله عباده أن يعطوهم أموالهم، وقد جاء الحجر عليهم.وحسبنا أن نذكر أن هذه السورة العظيمة حوت سلالم الرقي والكمال والسعادة البشرية، وهي من مائة وأربعة عشرة سورة، وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5].
    أمر الله للأولياء أن يختبروا اليتيم إذا بلغ سن الرشد
    كما أمرنا بابتلاء اليتيم إذا بلغ سن الرشد، وذلك إذا أردت أن تعطيه أمواله التي ورثها من أبيه أو من أخيه، فامتحنه أولاً ثم أعطه إياه، كأن تعطيه دراهم أو دنانير وتقول له: اشتر لنا كذا وكذا، وبع لنا كذا وكذا، وأنت تراقب سلوكه، فإن وجدته حاذقاً حصيف الرأي لبيباً، فأعطه ماله وأشهد عليه، وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].وقد عاش المسلمون في عصر جهالاتهم إلى اليوم، ولذلك تجد الولي يكون عنده مال اليتيم، فيأخذ من مال يتيمه ويترك ماله، وذلك كأن أراد شاة فيأخذ من غنم يتيمه ويترك غنمه ولا يأخذ منها شيئاً، ويقول: هذا ما زالت حياته مستقبلة، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].
    تقرير مبدأ التوارث في الإسلام
    كذلك من الهدايات في هذه السورة: تقرير مبدأ التوارث الذي كان مجهولاً بين العرب، فقد كانت المرأة لا حق لها في الإرث، وكذلك الولد الصغير قبل البلوغ لا حق له في الإرث والمال، إذ المال فقط للرجال الأبطال الذين يدافعون عن القبيلة، ويقاتلون دون شرفهم، فقررت هذه الآية أن لهم جميعاً نصيباً من الإرث، فقال تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، فقد كان العرب لا يورثون النساء، وذلك بحجة أنهن لا يدافعن ولا يحمين القبيلة، فالمال يرثه الذكر دون الأنثى، والصغار قالوا: يأكل ما تيسر، فيورثون الرجال فقط، فجاءت سورة النساء تحمل هذا الهدى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7].
    استحباب إعطاء من حضر قسمة التركة من قريب أو يتيم أو مسكين
    ثم جاءت الرحمات الإلهية، ونحن أصحاب القرى نعرف هذا، وذلك أننا لما نجز التمر أو نحضر الشعير أو البر لنقسمه على الورثة، يأتي الفقراء والأقارب يتطلعون، فإن كان صاحب المال حي قلبه وحي الضمير، فإنه يضرب لهم شيئاً فشيئاً قبل أن يقسم، فيصرفهم بما يعطيهم، وإن كان صاحب المال شحيحاً فلا يلتفت إليهم، قال ابن عباس: هذه الآية ما عمل بها الناس، وهي قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:8]، أي: أعطه حفنة من البر أو الشعير وقل له: سامحني، هذا الذي تيسر لي، أما أن يرجعوا بلا شيء وهم يشاهدون إخوانهم يقسمون المال بين ورثتهم، فلا ينبغي هذا للمؤمنين.
    بيان ما جاء في التركة وقسمتها
    ثم جاء بيان التركة وقسمتها، فقال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، مع أن العرب ما كانوا يحلمون بهذا، ولا كان الجن ولا الإنس يعرفون هذا قبل هذه الآية المباركة الكريمة، يُوصِيكُمُ [النساء:11]، والوصية لها شأنها عند العقلاء والأحرار، وليست كالأمر فقط، يُوصِيكُمُ [النساء:11]، من؟ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، بماذا؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فلهذا لو قال قائل: كيف أسوي بين ابنتي وولدي؟! لو قال هكذا فمعناه: أنه خان الله في وصيته والعياذ بالله، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].ثم بين كيف تقسم التركة مع الأولاد، وذلك إذا توفي الوالد وترك الأولاد، ثم بين إرث المرأة من زوجها، كم ترث منه؟ وكم يرث الزوج من امرأته؟ وما هي الكلالة؟ فبين ذلك غاية البيان، ثم قال: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:151].
    نسخ حكم المكث في البيت حتى الموت بالنسبة لمرتكبي فاحشة الزنا
    وبعد ذلك جاء حكمٌ منسوخ بحسب العلم الإلهي والرحمة الربانية، فقد كان الرجل أو المرأة إذا زنا في بداية الأمر يسجنان فقط، قال تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16]، وما هي إلا فترة من الزمان حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب الزاني جلد مائة والرجم بالحجارة )، فنسخ الله الحكم السابق حين تهيأت النفوس لقبول الحكم الثاني، فقال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنّ َ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]، ثم فجأة نزلت: ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم )، وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً ).
    بيان ضرورة التعجيل بالتوبة
    وتتوالى الأحكام وبيانها في سورة النساء المباركة الميمونة، فقد جاء بيان التوبة فيها، فيا عباد الله! عجلوا بالتوبة، فالذي يباشر المعصية ويتعاطاها هو في أخطر الظروف والأحوال، إذ قد يموت على الفور فلا ينجو أبداً ولا يسعد، والتوبة في صالح المجتمع، وليست في صالح الفرد فقط، يقول تعالى وقوله الحق: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17]، فالتوبة هي الرجوع من مقارفة الشر وموطن الفساد إلى مكان الطهر والصفاء، والتوبة هي ترك المعصية التي يباشرها عبد الله أو أمته، سواءً كانت رباً أو زناً أو سرقة أو خيانة أو غشاً أو خداعاً أو ترك واجباً من الواجبات أو غشيان محرم من المحرمات، والتوبة هي العودة إلى الطريق السوي، إلى ساحة الطهر والصفاء ورضا الله عز وجل، فانفض يديك يا عبد الله وأعلنها: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكلك عزم على ألا تعود إلى هذا الذنب أبداً ما حييت، ولو تاب أهل المدينة الآن لتغير الوضع في صورة عجيبة، إذ التوبة إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع بكامله؛ لأن هذه الذنوب أصابت الآخرين، فإذا زنيت فأنت قد أصبت ذاك الذي زنيت بامرأته أو ابنته.يقول تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ [النساء:17]، الحق الصحيحة المنجية المزكية المطهرة، ما هي؟ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، وما قال: يعملون الزنا، أو الربا، أو يقتلون النفس، وإنما قال: السُّوءَ [النساء:17]، فما هو السُّوءَ؟ اذهب إلى الطبيب الجسماني يعلمك السوء في بعوضة تلسعك، أو عقرب تلدغك، أو ريح شديدة حارة تؤذيك، أو برد كذلك، أو شبع يقعد بك، أو جوع يحطمك، فيعلمك السوء في بدنك، وهذه الآية تعلمك السوء في روحك الذي هو مركز حياتك، أو المحطة التي بها وجودك وحياتك. إذاً: السوء هو ما يسيء إلى النفس البشرية فيقع عليها كالعفن أو النتن، فهو أذى يؤذيها ويحجبها نور الله عز وجل، ولهذا كل إثم هو سوء، وكل ذنب هو سوء، وكل معصية هو سوء؛ لأن أي مخالفة لتعاليم الله وأوامره وقوانينه يفعلها العبد عامداً عالماً إلا أصابت نفسه بالأذى والسوء.
    خطر إتيان العبد للذنوب والمعاصي بعلم وإصرار
    ثم قال تعالى: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، أما الذي يعمل السوء وهو يتحدى الله ورسوله، والإسلام وأهله، ويسخر ويضحك من المؤمنين، فهذا لن يتوب، بل ولا تقبل له توبة، لكن الذي يعملها بجهالة، كأن غم الجهل على نفسه فأتى المعصية، فهذا قد يتوب الله عليه، لا أن يتحدى فيقول: لا أؤمن بأن هذا حرام أو هذا حلال، إذ إن الذين تحدوا الله قد ماتوا بين أيدينا على غير الإسلام، فتأملوا قول مولانا: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، لا بعلم.والجهالة لها أنواع، وقد عرفنا منها: أن يقول: لو كان هذا حراماً ما فعله الشيخ الفلاني، فيسهل عليه أن يفعل الجريمة، أو لو كان هذا يغضب الله فلماذا لم ينزل فيه قرآن؟ أو لو كان هذا حراماً فلمَ فعل فلان كذا وكذا؟ أو يقول: إن شاء الله لما أحصل على وظيفة نترك هذا! أو لما يأتيني كذا نترك بيع كذا وكذا! فهذه كلها أنواع من الجهالات التي تجعل العبد يفعل تلك المعصية لا متعمداً متحدياً، أما الذي يأتيها على علم فيتحدى الله في شرعه وقوانينه ويخرج عن طاعته، فهذا لن يتوب، ولن تكون له توبة، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، أي: يتوبون من قرب لا من بعد، والقرب والبعد نسبي فقط.والمراد من هذا يا عبد الله! إذا قلت كلمة سوء فالآن قل: استغفر الله، ولا تقل: غداً سأتوب، أو وقعت في زلة أو في سقطة، قم فانفض الغبار عن يديك واجلس وأنت تصرخ: أتوب إلى الله وأستغفره، أما أن تواصل الإثم والجريمة عاماً بعد عام حتى تصل الثلاثين السنة من عمرك، فقد تبلغ مستوى لن تتوب فيه أبداً ولا تقبل التوبة، وهذا ملاحظ ومجرب، فالذي باشر معصية فقط وتاب منها سهل عليه التوبة، والذي عاش خمسين سنة يشرب الحشيش كيف يرجع؟ والذي تعوَّد من صباه للسب والشتم والغيبة والنميمة حتى بلغ أربعين سنة، كيف يتوب من ذلك؟ قد تأصلت فيه تلك المعصية وأصبحت من طباعه، وكذلك الذين لازموا التدخين سنين طويلة يقول لك: ما نستطيع أن نتركه، أما لو دخن اليوم وبعد أسبوع وقيل: يل عبد الله! هذا ضرر بك، هذا حرام مغضب الله عليك، فإنه يتركه بسهولة، بخلاف إذا تضلع فيه وتمكن منه، وحسبنا أن يقول العليم الحكيم: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17].
    حرمة عضل النساء وإبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه
    أيضاً من هدايات سورة النساء: بيان عادة جاهلية مسحها من ديوان أهل الجهل، وهي أنه كان الرجل إذا تزوج أبوه ومات عن امرأته فالولد يرثها، فإن شاء تزوجها أو زوجها وأخذ المهر، فأنزل الله قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19]، فأبطل الله هذه العادة نهائياً، فإذا مات أخوك فللمرأة بعد انتهاء عدتها أن تتزوج من تشاء، ومهرها لها فقط، وكذلك امرأة أبيك، فإن مات أبوك عن امرأة فلاحق لك في أن تزوجها وتأخذ مهرها، أو تعضلها وتمسكها في البيت حتى تموت، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19].
    حرمة نكاح ما نكح الآباء من النساء
    ثم جاء التعليم الإلهي في تصحيح قاعدة الأسرة، فبين تعالى محرمات النكاح، فبدأ بامرأة الأب فقال: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، فامرأة أبيك حرام عليك وإن لم ترضعك، وإن لم تتربى في حجرها، ما دام أنه قد وطئها والدك فهي كأمك، سواء كانت شرقية أو غربية، وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]، ومضى، فالله غفر لكم ما كان في جاهليتكم.
    بيان المحرمات من النسب والرضاعة
    كما بين سبحانه وتعالى في هذه السورة المحرمات من المناكح ومن الرضاعة، وذلك تبييناً شافياً، واسمعوا هذه الآية الكريمة، يقول تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُم ُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، وقال الرسول الكريم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، أي: يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب، فأخذ المجتمع يطهر يوماً بعد يوم؛ لأن هذا القرآن الكريم ما نزل في يوم واحد، وإنما نزل على مبدأ التربية والترقي، وذلك يوماً بعد يوم، فسبحان الله! ما أعظم سورة النساء!
    بيان دعائم المجتمع الإسلامي
    كما جاء في هذه السورة أيضاً: دعائم المجتمع الإسلامي ، فقال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، ثم قال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، وبين إذا حصل نزاع أو صراع -كما يقولون- أو خلاف بين الزوج وامرأته، أو بين الرجل والمرأة، فقد عالج الله ذلك الموقف: فأولاً: يعظها، وثانياً: يهجرها في الفراش، وثالثاً: يصفعها، ثم إذا لم يتم شيء فالحكمان يصلحان بينهما، فهل كانت العرب تعرف هذا؟ لا والله، وهل الصين واليابان والأمريكان وكل بلاد الكفر يعرفون هذه الهداية الإلهية؟ من أين لهم وهم محرومون من نور الله؟ ونحن ما حمدنا الله، ولا أثنينا عليه ولا شكرناه؛ لأننا نعيش في غفلة وفي ظلمة وجهل.
    بيان الحقوق العشرة في سورة النساء
    ومن الهدايات في هذه السورة العظيمة: العشرة الحقوق، قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36]، فهذه عشر حقوق سجلها الله في كتابه، وأمر عباده مؤمنين ومؤمنات على أدائها لأصحابها، وإلا فهم ظلمة خارجون عن النظام متعرضون للغضب والعذاب والنكال، وأعظم هذه الحقوق: حق الله تعالى، وإن قلت: وهل لله حق علي؟ أنسيت أنك مخلوق؟ من خلقك؟ من فتح عينيك؟ من أنطقك فنطقت؟ من أقدرك على أن تمشي فمشيت؟ من أوجد لك الدار والسماء والأرض؟ إن الذي يعطيك عصا فقط له حق عليك، وبالتالي حق الله مقابل خلقه ورزقه لك وتدبيره لحياتك، فإياك أن تهضم الله حقه، فإن قيل: كيف أهضم حق ربي؟ تعصيه ولا تعبده وتعبد عدوه، فأي بشاعة أو قبح أعظم من هذا؟ أي: أن خالقي ورازقي ومدبري المفتقر إليه في كل لحظة من لحظات حياتي، أعرض عنه ولا أذكره ولا ألتفت إليه، وأطيع عدوه إبليس الذي يسوقني كالنعام لمجازر البشر ومفاسد الحياة!وثاني هذه الحقوق: حق الوالدين، فأنت من نطفة ماء أبيك، وأمك قد حملتك في بطنها تسعة أشهر، وتحول دمها إلى لبن حلو أبيض تشربه، فكيف تنسى هذا الحق وتسبها وتشتمها وتفضل امرأتك عليها، بل ويضربون أمهاتهم وآباؤهم والعياذ بالله؟! ما عرفوا الله عز وجل.
    بيان عدل الله ورحمته في المجازاة
    يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، ضع هذا النور في قلبك، فالله لا يظلم عبده مثقال ذرة، وإن تك لك حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف، فأي كرم أعظم من هذا؟ وأي فضل أعظم من هذا؟ وأي إحسان أعظم من هذا؟ ثم تستحي أن تقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، والله لو تقلها طول النهار في الشارع ما وفيت الله حقه.لكن البشر كالبهائم يأكل الزبدة ولا يقولون: الحمد لله، أو يشربون العسل ولا يعرفون الحمد لله، أو يأكلون ألذ الطعام، أو يلبسون أحسن الثياب ولا يعرفون الحمد لله، فمن سقاك؟ ومن كساك؟ ومن آواك؟ ومن أطعمك؟ فاذكر هذه الآلاء وهذه النعم يا هذا، واحمد المنعم سبحانه وتعالى، واخرج من دائرة البهيمة فأنت آدمي.وقد ذكرت لكم قصة وهي: أننا حضرنا غداء عند أستاذ في بريدة، ولهذا الأستاذ شيخ كبير مثلي، فوالله ما إن وضعت السفرة وأخذنا نأكل الطعام إلا وهذا الشيخ: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، حتى فرغ الآكلون من أكلهم، فمن هم الحمَّادون؟ نحن والحمد لله أمة الحمد، وهذه نعوتها في التوراة والإنجيل.
    تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن
    وآية عجيبة أخرى، وقد تأثر بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى، ففي يوم من الأيام قال لـعبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه: ( يا ابن أم عبد -هذه كنيته- اقرأ علي شيئاً من القرآن ) فعجب عبد الله بن مسعود وقال: عليك أنزل وعليك أقرأ يا رسول الله؟! قال: ( إني أحب أن أسمعه من غيري )، فأتحداكم معشر الحاضرين نساءً ورجالاً من هو الذي قال في يوم من الأيام لأحد إخوانه: تعال من فضلك اقرأ عليَّ شيئاً من القرآن؟ أنت وإياه؟ الحمد لله، بيننا سعد السعود والمسلمين لا اليهود.وتذكرون الطيب العقبي أيها الجزائريون! يا من حاربتموه وقلتم: إنه وهابي، إن الطيب العقبي خريج هذا المسجد النبوي، يقول عن نفسه: كنا نخرج من المسجد النبوي بعد العصر إلى أحد، ونأتي بسبعين ثمانين بيتاً من الشعر ننظمها كأجود ما تكون، هذا العقبي الذي لم تكتحل عين الوجود بأعلم من هذا الرجل ولا أبر ولا أتقى ولا أصلح، وهو مؤسس جريدة القبلة وبعدها أم القرى الموجودة الآن، وقد عاش في هذه الديار، وجاء من بلاده بلاد عقبة بن نافع الفاتح لإفريقيا، فقد جاء رضيعاً مع أسرته آل العقبي، فلما كانت الحرب الأولى وخافت الدولة العثمانية من المجاعة رحلت أهل المدينة والحجاز إلى الشام وإلى تركيا وإلى حيث شاءوا خوف المجاعة عليهم، فسافر الشيخ رحمه الله تعالى.والشاهد عندنا: هو الذي ذكر هذا الحديث: ( يا ابن أم عبد! اقرأ علي شيئاً من القرآن )، فحضر للدرس عامل في الميناء، وهو عامي لا يقرأ ولا يكتب، فأخذها وكان يأتي إلى قرانا الصحراوية أيام العطلة عنده، فكان يجلسني بين يديه وأنا غلام في الثامنة أو التاسعة، ويتربع في جلسته ويقول: يا أبا بكر! أسمعني شيئاً من القرآن، وأقرأ عليه القرآن وهو والله ما يقرأ ولا يكتب، وإنما فقط فهم هذه وقررها الشيخ الطيب في نادي الترقي، وأخذها هذا العامي وطبقها فيَّ، وذلك في المسجد، فيثني ركبتيه ويقول: اقرأ علي شيئاً من القرآن.فهل فهمتم هذه؟ أنتم تقرءون القرآن على الموتى، فمن إندونيسيا إلى موريتانيا إذا سمعت القرآن في منزل فاعلم أن هناك جنازة، فيا من يقرءون القرآن على الموتى، تعالوا فبينوا لنا هذا الطريق؟ هل أنت توبخ هذا الميت فيقوم ويتوب؟ أو لما تأمره أو تنهاه يستجيب؟ مات، وهل قرأ الرسول على الأموات؟ أعوذ بالله، فكيف إذاً تقرأ على ميت؟! بين لي؟ ما يفهمون! والله يقول في سورة يس: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70]، لينذر من كان ميتاً أو من كان حياً؟ حياً، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]، وما قال: من كان ميتاً، فلا إله إلا الله! ثم قرأ عبد الله بن مسعود: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، حتى انتهى إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:41-42]، قال: وإذا بعيني رسول الله تذرفان الدموع، ويقول: ( حسبك، حسبك )، فكيف تنسى هذه الآية العظيمة؟! فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ [النساء:41]، أي: أمتك، شَهِيدًا [النساء:41]، كادت نفس الرسول أن تطير.كما جاء في هذه السورة بيان للوضوء والغسل والتيمم، وذلك قبل أن تعرف الأمة الوضوء أو الغسل أو التيمم.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #312
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (87)
    الحلقة (311)

    تفسير سورة النساء (9)


    جعل الله عز وجل من أسباب الإرث النسب، وهذا الصنف يرث فيه الآباء والأبناء للذكر مثل حظ الأنثيين، والصنف الثاني يرث بالمصاهرة، وفيه يرث الأزواج والزوجات، فمن لم يكن له أبناء ولا آباء ولا زوج فإنه يورث كلالة، فيرثه من يحوطونه من الإخوة والأخوات، فإن كان واحداً من أمه فله السدس، وإن كانوا أكثر من واحد من الأم أيضاً فهم شركاء في الثلث.
    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل، وها نحن في سورة النساء ومع آيتي التركات والوراثة:
    معنى قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم ...)
    الآية الأولى اشتملت على بيان وصية الله تعالى لنا بتقسيم التركة حسب علمه تعالى وحكمته؛ إذ قال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، مات مؤمن وترك أهلاً وأولاداً، أربع بنات وثلاثة أولاد، إناث وذكر واحد.هنا التركة تقسم حسب علم الله وأمره: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذا أخذ الرجل ألفاً تأخذ المرأة نصفه، أخذت المرأة ألفاً يأخذ الذكر ألفين.. وهكذا، قاعدة عامة مشى عليها المسلمون منذ أن نزل هذا القرآن إلى اليوم: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، يجب على العامي أن يحفظ هذه الجملة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً [النساء:11] ما ترك ذكوراً، ترك بنات كبيرات أو صغيرات: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11] فماذا يعطون؟ ثلث التركة، والثلث الباقي لأولى رجل ذكر من العصبة، وإن لم يكن عدداً من البنات وكانت بنت واحدة فلها النصف، اسمع الآية: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11].وإذا كان هناك أبوان: أبا الميت وأمه، فقال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:11] مع الذكور والإناث، أو مع الإناث فقط، أو مع البنت الواحدة، مادام الميت ترك ولداً ذكراً أو أنثى، الأب والأم السدس.إذاً: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، الولد يطلق على الذكر والأنثى بمعنى المولود. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ [النساء:11] فقط، مات سعيد ولم يترك ولداً، وإنما ترك والده إبراهيم وأمه زليخة، فكيف يقتسمان التركة؟ الثلث للأم والثلثان للأب: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، مع الأب والأم عنده إخوة له هو فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11] حجبت من الثلث إلى السدس ببركة هؤلاء الإخوة. فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، فإن كان له أخ فقط ما يحجبها، ذراعه ما هو طويل، ما يغطيها أبداً، أما إذا كانوا اثنين وثلاثة نزلوا بها من الثلث إلى السدس؛ وذلك كله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، وقدمت الوصية؛ لأنها عادة لا يوجد من يدافع عنها، وصية للمسجد أو لطلبة العلم أو فقراء، بخلاف الدين فكل من له دين يقف عند الباب يطالب بدينه، ذي لطيفة قرآنية!قد يقول قائل: لِم قدمت الوصية عن الدين، مع أن الدين أوجب أو لا؟ الوصية إذا كانت أكثر من الثلث باطلة، أليس كذلك؟ ولكن الدين الريال والمليون أصحابه يطالبون في الدنيا والآخرة. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا [النساء:11] أي: الميت أَوْ دَيْنٍ [النساء:11].ثم قال تعالى: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ [النساء:11] كلهم هؤلاء: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا [النساء:11]، إذاً: فلا تتململوا وتقول: لِم أعط السدس، لِم أعط الثلث؟ لم أعط الكل؟ ما هو شأنكم أليسوا بآبائكم وأبنائكم؟ أنتم.. أنتم. لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:11]، فرض هذه الفريضة لا تقبل أبداً الاحتيال ولا الإيقاف ولا التصرف لا بد من إيجادها، ومن الفارض لها؟ العليم الحكيم.لو كان الذي فرضها جاهل يراجع القضية ما عنده علم، لكنه الذي علم وأحاط علمه بكل شيء، وعلم بالأشياء قبل أن يوجدها، ولولا ذلك العلم والله ما نوجد في الحياة عام واحد وانتهت، كيف بآلاف السنين؟حكيم، لو كان أحمقاً لا يفرق بين الحق والباطل، ممكن أعطى السدس والحق أنها تستحق الثلث؟ يقع وهذا احتمال أو لا؟ لكنه الحكيم، هو خالق الحكمة وواهبها، فكيف تنقصه، فلا يضع الشيء إلا بموضعه.وأؤكد لكم: هذه البشرية كلها لو تريد أن تنتقد الله في حكم من الأحكام! وتريد أن تستبدله بما هو خير، والله الذي لا إله غيره ما حصلت ولا وصلت إلى هذا المستوى، مستحيل.هذه الآية الأولى فيها بيان ماذا؟ الوراثة بالنسب.
    معنى قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم ...)
    الآن مع الآية التي فيها وراثة بالمصاهرة؛ إذ علمنا أن أسباب الميراث ثلاثة، ما هي؟النسب، والمصاهرة، والولاء، من منكم يذكر آية فيها ذكر النسب والمصاهرة؟قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54]، إما بفلان بفلان، وإما فلان زوج فلانة، كل البشر هكذا، إما نسباً وإما صهراً. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54] آدم فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54].الآن آية النسب عرفناها: كيف نوزع تركتها. مع الآية الثانية أو بعضها، وهي آية المصاهرة، قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، إذا مات الرجل.. لا، إذا ماتت السيدة -باللغة المصرية- إذا ماتت السيدة فلزوجها نصف تركتها، وإذا مات السيد فلزوجته ربع التركة؛ بشرط: ألا يكون هناك ولد. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] أي: الزوجات: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا [النساء:12]، والمرأة توصي أو لا؟ نعم توصي، لها حق في الثلث، توصي به للمسجد، للفقراء، لطلبة العلم، للحجاج، للمسافرين: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، والمرأة قد يكون عليها دين أو لا؟ إي نعم، وَلَهُنَّ [النساء:12] أي: النسوة الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيها الرجال: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، هذه آية المصاهرة مختصرة، واضحة.رجل مات وترك زوجته، ماذا ترث الزوجة هذه؟ترث الربع إن لم يكن له ولد، فإن كان له ولد أو أولاد؛ فلها الثمن.العكس: الزوجة ماتت ولم تترك ولداً، وتركت مبلغ عند الراجحي مليون ريال، فللزوج كم؟ النصف، فإن كان لها ولد منه أو من غيره فله الربع فقط.تأملوا: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ [النساء:12]، أي: الزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيها الرجال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [النساء:12].
    معنى قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة ...)
    ننتقل إلى باقي الآية لا بأس، ونراجع، يقول تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12]، هذه ما جاءت في الآية الأولى لحكمة: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12].هذه الجملة تسمى: الكلالة، إرث الكلالة، ما هي الكلالة؟ هي أن يهلك الهالك- وكلنا هالك إلا وجه الله- ولا يترك أباً ولا أماً ولا ولداً ولا بنتاً، وترك إخوته من أمه؛ فإن كان أخ فقط له السدس، فإن كانوا اثنين فأكثر فهم شركاء ولهم الثلث.لِم سميت الكلالة كلالة؟ لأنها كالإكليل على الرأس؛ لأنهم يحيطون به، ما هم أصول ولا فروع، ولكن يحيطون به، وستأتي كلالة وهي: إخوة من الأب والأم في آخر سورة النساء، غداً إن شاء الله، لكن هذه كلالة خاصة بالإخوة للأم.اسمع النص: يقول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ [النساء:12] أي: يوجد رجل يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12] أي: ما عنده أب ولا أم ولا ولد، أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12] إذ لا فرق بين الرجل والمرأة، الذي يورث كلالة من هو؟ رجل ما ترك أباً ولا ولداً، أو امرأة ماتت وما تركت أباً ولا ولداً، ورثها إخوتها لأمها، لا فرق بين الرجل والمرأة. وَإِنْ كَانَ [النساء:12] أي: وإن وجد رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12] تورث كلالة: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، مات الرجل ولم يترك أباً ولا أماً، ولا ولداً، ولكن ترك أخته فقط، كم لها؟السدس.ما ترك أختها ترك أخاً، كم له؟ السدس: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [النساء:12] على انفراد: السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء:12]، اثنين، ثلاثة عشرة.. عشرين: فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]، انظر إلى ما تقدم، تجد هذه هي تركة المرأة، هذا هو إرث المرأة، المرأة ترث السدس مع الولد أو لا؟إذاً: هذا الولد، انفرد بالأخ هذا يرث كما ترث المرأة السدس، فإن كانوا أكثر من ولد، أكثر من أخ؟ شركاء في الثلث؛ لأن المرأة إذا لم يوجد ولد تأخذ الثلث.هيا نتلو الآية وتأملوا: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12] كان بمعنى: وجد، (كان) تامة: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12]، ما معنى: يورث كلالة، أي: يرثه من يحيطون به من غير الآباء والأولاد.(كلالة) وسميت بذلك لأنهم الإكليل على الرأس، ومن يرث هذا الميت؟ليسوا بأصول ولا فروع، لا أب ولا ابن ولا أم ولا بنت، يرثه من؟ إخوته الذين يحوطون به.قال: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12]، إما ترك أخاً أو ترك أختاً لأمه: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، يأخذ السدس ومع السلامة، والباقي للأعمام، لأبناء الأخ: ( لأولى رجل ذكر )، وهم العصبة.قال: فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء:12] ثلاثة أربعة إخوة لأمه: فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12].لطيفة! أنتم الآن إن شاء الله فهمتم: أن الميت إذا مات وما ترك أباً ولا ولداً ولا أماً، ترك إخوته لأمه فقط، كيف يأخذون التركة؟ إن كان واحد أو واحدة أخذ السدس، كانوا اثنين.. ثلاثة فأكثر أخذوا الثلث، والباقي لمن؟ للعصبة؛ عمه ابن عمه، ابن أخيه مثلاً.
    المسألة الحجرية أو الحمارية
    في قضية تسمى بالحجرية، أو الحمارية نتجت عن هذه، وهي -سلمكم الله-: أن تموت امرأة وتترك زوجها وأمها وإخوة لأمها، وأخاً لأبيها أو لأبيها وأمها، كيف نقسم هذه التركة؟نقول: الزوج صاحب النصف، ما نتردد، والأم ترث الثلث، ما في من يحجبها عن الثلث؟وأما الإخوة لأم، فإذا كان الزوج له النصف، وهو ثلاثة من ستة، والأم لها اثنان وهي الثلث من ستة، وبقي واحد يرثه الإخوة لأم والأخ الشقيق أو لأب ليس له حظ هنا، لأنه ما بقي شيء.هذه القضية رفعت إلى عمر ، فشكا الأخ للأب أو الشقيق، قال: يا عمر افرض أن أبانا حجراً، أليست أمنا واحدة، كيف نحرم؟ فسموها الحجرية.أو: يا عمر : افرض أن أبانا حماراً أليست أمنا واحدة، لِم نحرم نحن؟ قال: ما بقي لكم شيء، الزوج صاحب النصف، والأم صاحبة الثلث، والإخوة للأم لهم السدس.قال: [ وهذا ما يعرف بالحجرية أو الحمارية أو المشتركة يعني: أن تموت امرأة وتترك زوجها وأمها وإخوة لأمها وأخاً لأبيها وأمها: فللزوج النصف، وللأم السدس -لأن الأولاد حجبوها من الثلث- وللأم السدس، والباقي للإخوة لأم، ولا شيء للإخوة لأب، أو لهما معاً، وسميت بالحمارية؛ لأنهم لما منعوا قالوا للقاضي بينهم: هب أن أبانا حماراً، أليست أمنا واحدة، كيف ما تعطينا، وقالوا: هب أن أبانا حجراً، أليست أمنا واحدة، وطالبوا بتشريكهم في الإرث فسميت بالمشتركة ].
    حكم الجور في الوصية من قبل مورث الكلالة
    نعود إلى آية الكلالة، يقول تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12] وإن كانت امرأة لا فرق بين الرجل والمرأة: (يورث كِلالة) أي يرثه من يحوطون به، لا الآباء ولا الأولاد، من الإخوة، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، كذا البنت لها السدس ولد له السدس؛ لأنه واحد فقط، والباقي للعصبة: فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء:12]، ثلاث أخوات مثلاً أو إخوة: فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12] فقط؛ وذلك مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12]، هذه اللطيفة ما جاءت في الأولى؛ لأن المورث يعرف الوارثين له: إخوة لأم، والإخوة للأب والأشقاء ممنوعين، فيوصي، أو يدعي أن لفلان عليه دين كذا، فإذا ثبت أنه ادعى ديناً وهو لا وجود له، أو أوصى بوصية وهو غير صادق فيها فهذه قسمة باطلة، ولا يصادق على الوصية ولا على الدين؛ لأن هذا الدين أراد به الإضرار بالذين يرثون وهو لا يريد أن يرثوا، لاسيما وقد يحرم ابن امرأته من أخ لأب أو لأم وأب.فقال تعالى: أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] حال كونه غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12]، ومضار بمعنى مضارر، للتبعيض أدغمت الراء في الراء: غير مضارر، وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ [النساء:12].. هذا الذي قرأناه كله وصية من الله، وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]، ووصية الله يجب أن تنفذ أو لا؟وسبق أن قلت لكم: إن الأمر أهون من الوصية، الوصية آكد، وكل العقلاء ينفذون الوصية، بخلاف الأمر، وصية هذه في المصاهرة وفي النسب وصية من أين؟ مصدرها الله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12] هنا، حليم رحيم.إذاً: فلا يرضى أبداً أن يضيع حق عبد من عبيده؛ بسبب التعصب أو الشعور بأن فلاناً آذاه، أو ما نال منه خيراً طول حياته؛ يحاول أن يخرجه من التركة بأن يوصي بأشياء ليست لازمة، أو يدعي ديوناً ويسجلها ولا يوجد ثمة ديون، فلحلم الله تعالى لا يرضى بهذا.
    ملخص لما جاء في تفسير الآيات
    الآن نعود من جديد، أولاً: أوصانا الله عز وجل بأن نوزع تركاتنا عند وفاة أحدنا على الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، كذا أو لا؟ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، ما ترك هذا الولد بنين وبنات، بل ترك بنات فقط، فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، ثلث وثلث تثنية ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً [النساء:11] فقط، ما هم نسوة، فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11] بالإجماع، والباقي بالعصبة الأقرب فالأقرب الذكور، وَلِأَبَوَيْهِ [النساء:11] هذا الذي مات وترك بنين أو بنات، مات وترك بنات، مات وترك بنتاً واحدة، ما يكون للأب والأم مع وجودها؟ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، فإن لم يكن له ذكر أو أنثى وورثه أبواه فلأمه الثلث والباقي للسيد للأب: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11] يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، والباقي للأب بكامله، بالعصبة وبالفريضة: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] ولو كانوا شيوخاً مثلي ومثلك، ما في فرق بين الكبير والصغير، ولا الذكر والأنثى. فرغنا من هذه .. هيا إلى المصاهرة.المصاه ة: معناها: أن يموت زوج أو تموت زوجة؛ لأن كلاً منهما يصهر في الثاني ويصبحا كجسم واحد: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، يعني: هنا زوجاتكم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12]، لا من هذا الزوج ولا من غيره؛ إذ من الجائز أن يكون للمرأة ولد من هذا الرجل، وأولاد من رجل آخر: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] إن فرضنا، فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] فماذا للرجل؟ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12]، وهذا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، وهن أي الزوجات: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] أيها الرجال الأزواج إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ [النساء:12] ماذا؟ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12].وسبق أن نبهنا أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع .. إذا كان نصيبها الثمن يقتسمن الثمن كلهن، وإذا كان نصيب الزوجة الربع فيقتسمن الربع، ولهذا إذا توفي وهي تأخذ الربع ما تقبل الضرة، ما تسمح له أن يتزوج بأخرى، فمن هنا مادام هذا الزواج إضافي يجب أن يتحمل النقص إذاً، لما كانت واحدة الربع في ذلك أخذته، لكن لما جاءت أخرى تساعدها على الفراش والطعام والرحى والطحن وما إلى ذلك، لا بد وتقتسم معها هذا الربع، وإن بلغن أربعاً. هذا بالإجماع بلا خلاف بين المؤمنين. مات الرجل وترك زوجتين .. ثلاث، وترك أولاداً؛ فلهن الثمن يقتسمنه بينهن، مات ولم يترك ولداً ولا بنتاً، وإنما الزوجات فلهن الربع يقتسمنه كالواحدة.اسمع الآية: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ [النساء:12] ماذا؟ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12] أي: الزوجات: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ [النساء:12] من هؤلاء الزوجات: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] بشرط أو لا؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [النساء:12]، يجوز الثمُن والثمْن، الربُع والربْع الخمُس والخمْس لغات فصيحة.
    مفهوم الكلالة ومن يرثه
    والآن مع إرث الكلالة. ما الكلالة؟ أن يموت المؤمن ولا يترك أباً ولا جداً ولا ولداً ولا أولاد ولد ولا أماً، من يرثه؟ من يحوطون به من إخوته لأمه أو إخوته لأبيه وأمه، إلا أن الآية التي فيها هذا أتت متأخرة في آخر سورة النساء، لكن إن شاء الله نبينها. عمر على جلالته عاتبه الرسول عتاباً شديداً في هذه القضية؛ لكثرة سؤاله وتردده عليه فيها.اسمع الآية: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ [النساء:12]، أي: وجد رجل يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12]، أو وجدت امرأة تورث كلالة، وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] ما هم بآبائه ولا أولاده، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، إن وجد واحداً، أما إن كانا مع بعضهما البعض فلهما الثلث، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء:12] اثنين فأكثر فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]، ما في أكثر من الثلث، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ [النساء:12] حالية هذه، غير مضار به أحداً؛ إذ يوجد من الضالين أو الضائعين يحسد الورثة، يكتب ويشهد اثنين بأن فلاناً كفل علينا خمسمائة بسبب كذا وكذا، همه أن يحرم ويضر بهذا الدين، ما هو بدين أو وصية، أراد أن يموت وأولاده وإخوانه فقراء، وحسدهم، فقال: أوصينا بالثلث في بني فلان، ولم يرد وجه الله، فقط أراد حرمان هؤلاء الورثة، لمرض نفسه، هل يقبل هذا؟ ما يقبل؛ لأن الله اشترط هذا القيد: غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]، ما قال: حكيم كالأولى، بل حليم ما يرضى الظلم والاعتداء، عبيده كلهم في مستوى واحد، ما يرضى أن يؤخذ حق واحد لا بالكذب ولا بالاحتيال.
    مسائل في الميراث
    الآن من باب التكرار نسأل ونجيب.مسألة: مات رجل وترك أولاداً، وما ترك أباً ولا أماً، كيف تقسم هذه التركة؟نقسمها للذكر مثل حظ الأنثيين لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].مسألة: هلك هالك رحمة الله عليه، ما ترك أولاداً بنين أو بنات بل ترك بنات اثنتين أو ثلاث أو أربع، ماذا نصنع بالقسمة؟لهن ثلثا ما ترك، والثلث الباقي للعصبة، والدليل: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11] .مسألة: هلك هالك وما ترك إلا بنتاً فقط اسمها زليخة، وترك أعمامه وإخوانها، فهذه البنت ماذا نعطيها؟من أدبنا مع الله نقول: نحن لا نعطيها، بل الله يعطيها، الله ما ينزل يقسم بين التركات، الله أعطاها، أعطها من التركة هذه النصف؛ لأن الله أعطاها كذا، والدليل على ما نقول: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11].مسألة: هلك هالك وترك بنتاً فأخذت النصف، وأباه وأمه ما لهما؟البنت تأخذ النصف، والأبوين لكل واحد منهما السدس والباقي للأب تعصيباً؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [النساء:11].لماذا يأخذ الأب السدس هنا؟ لأن له ولد، الولد هو المانع، فلأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ [النساء:11] ، فلأمه الثلث ولأبيه ولأبيه الثلثان الباقيان.والأب هو العاصب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ).مسألة: ماتت امرأة وتركت زوجها وليس لها ولد، كم للزوج؟النصف؛ لقول الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12]، فإن فرضنا أنها تركت ولداً، فلزوجها الربع، ما الدليل؟ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النساء:12].مسألة: هلك رجل وترك زوجة فقط ما أنجب ولا أنجبت، هذه الزوجة ماذا ترث من تركة زوجها؟ تأخذ الربع والباقي للعصبة أولاد العم أو الإخوة شأنهم. فإن هلك وترك أولاداً ماذا ترث زوجته منه؟الثمن فقط بلا زيادة ولا نقصان، ما الدليل؟ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12]، بينا أنه لا فرق بين الزوجة أو الزوجات في هذه القضية، الإرث واحد، الربع يقتسمنه، الثمن يقتسمنه.وأخيراً: ما هي الكلالة؟أولاً: ما هي آية الكلالة؟آية الكلالة هي: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12] وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12] تورث كلالة، فما الحكم؟ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] أو إخوان من أم هؤلاء انتبهتم؟ لا من الأب ولا أشقاء. ترك أخاً أو أختاً أو أخوين أو أختين من أمه، فما الحكم؟ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12] إن كان واحداً فله السدس، واحدة لها السدس، كانوا اثنين فأكثر هم شركاء في الثلث لا للذكر مثل حظ الأنثيين، بل يقتسمون الثلث بالسوية، عرفتم؟ له أخت من أمه وأخ من أمه، يأخذان الثلث يقتسمانه بالتساوي، والآية الكريمة هي قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] أي: من أمه.في مسألة الحجرية أو الحمارية لما منعهم القاضي من حظهم وقسم، أعطى للزوجة النصف، وللأم الثلث، والباقي للإخوة للأم، والإخوة الأشقاء أو لأب ما حصل لهم شيء، قالوا: لم ما نعطى؟ افرض أن أبانا حماراً، لكن أمنا واحدة، فقال: هذا الذي أعطاكم الله، عرفتم الحمارية أو الحجرية أو المشتركة أو المشترِكة.وصلى الله على نبينا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #313
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة النساء - (88)
    الحلقة (312)

    تفسير سورة النساء (52)


    يبين الله سبحانه وتعالى حال المنافقين في المدينة، وما كانوا عليه من الخديعة للمسلمين والغش لهم، فعادوا بعد الإيمان إلى الكفر، ومن الهداية إلى الضلال، ومن كان هذا حاله فلن يكتب الله له الهداية أبداً بما كسبت يداه؛ فهم مع كفرهم وعتوهم يتمنون للمسلمين لو يكفرون مثلهم ويرتدون عن دينهم ليكون حالهم واحداً، حسداً من عند أنفسهم.
    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.وها نحن مع سورة النساء المدينة المباركة، ومع هذه الآيات الخمس، وقد شرعنا البارحة في دارسة آية منها وما وفيناها حقاً، فهيا بنا إليها أولاً، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُ مْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا * فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:87-89].والآيات سياسة حربية في أعلى الدرجات، ومردها إلى إمام المسلمين، وإلا فما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى الشرك والمشركون من الجزيرة؛ لأن آخر ما نزل هو قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وذلك حتى لا يجتمع دينان في الجزيرة، ويبقى خارج الجزيرة فإلى إمام المسلمين، إذ قد يضطر إلى هذه التوجيهات الإلهية ويعمل بها، وسوف نقف عليها إن شاء الله قضية بعد أخرى.
    وجوب توحيد الله في عبادته
    قد علمنا بالأمس أن الله تعالى أخبر عن نفسه فقال: أنه لا إله إلا هو، وتقرر وتأكد وثبت باليقين أنه لا إله حق إلا هو، ولا معبود حق أو معبود يستحق العبادة إلا الله تعالى، فلو بحثت في الشرق أو في الغرب أو في السماء أوفي الأرض عمن يستحق أن يعبد، والله ما وجدت ولن تجد، لماذا يا هذا؟والجواب: لأن الذي نحبه بقلوبنا، ونذل له، ونخضع بألسنتنا وجوارحنا له، ذاك الذي وهبنا حياتنا، فخلقنا ورزقنا وحفظنا، وخلق الأشياء في الكون من أجلنا، حتى الجنة والنار، فهذا الذي نعطيه قلوبنا، وهذا الذي بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء، فكيف لا نركع له ونسجد؟! ومن عدا الله سواء كان ملائكة في السماء أو ملائكة في الأرض أو أنبياء أو صلحاء أو أياً كان لا يستحق أن يكون إلهاً، وما اتخذ الجهال من آلهة فهي إنما آلهة باطلة.وإن شئت أن تضحك: فهذا النصراني الذي يعبد الصليب ويعلقه في عنقه، هو رمز إلى أن عيسى بن مريم قد صلبه اليهود، ووالله ما صلبوه وما قتلوه، ولو كان رباً إلهاً خالقاً مدبراً يقتله أعداؤه؟! أي فهم هذا؟ وأي سقم هذا؟ وأي مرض هذا؟! فالذي يُعبد وتنحني له وتركع وتسجد له يقتله عدوه؟! وهل يصح أن يكون هذا إله؟! إنهم يضحكون عليهم ويسخرون منهم، وأما الأصنام والأحجار والأشجار فهي عبارة عن تماثيل أمام العابدين، وهم يعتقدون أنها تستمد خيراتها وبركاتها من الله، فهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولذلك عبدوها بدل أن يعبدوا الله عز وجل.والخلاصة: لو يصلب أحدنا أو يحرق أو يقتل على أن يقول: يوجد إله مع الله، مستحيل أبداً، إذ لا وجود له، فلا إله إلا الله! وهذه شهادة الله التي حفظناها، وما زلنا نتوسل بها إلى الله، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18]، الذين يجوبون العوالم، فقد شهدوا أنه لا إله إلا الله، وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، أي: من الرسل والأنبياء إلى أتباعهم من أهل العلم، فالكل شهدوا أنه لا إله إلا الله، فكيف توجد لي إلهاً آخر؟!وكما قلنا: هذه الآية بلغوها لإخوانكم، فإذا لم تستطيع أن تستدل على وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته بآيات الكون ولا بآيات القرآن، فعلِّمه فقط، فيقول: أنا أشهد بشهادة الله، أي: مادام أن الله قد شهد فأنا أشهد بأنه لا إله إلا الله، والله لكان من أهل الشهادة، وإذا زاد: (والملائكة) أيضاً، فأنا أشهد بما شهد الله وما شهد به الملائكة، وأولوا العلم أيضاً، وبالتالي أصبح يقيناً ثابتاً مستقراً في نفسه، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18]، أيضاً شهدوا، وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، شهدوا، وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، أبدأ بالرسل والأنبياء وبالعلماء التابعين لأنبيائهم والعالمين بكتب ربهم.وصاحب هذه الشهادة لا تثبت له ولا تصح ولا تقبل ولا يثاب عليها إلا إذا حققت أمرين ضروريين: الأول: أن تعبد الله الذي شهدت ألا معبود إلا هو، فإن لم تعبده فأين أنت من شهادتك؟ فكيف تعلن أنه لا معبود بحق إلا الله ولا تعبده؟! إذاً أنت متهم بأنك تكذب، إذ لو كنت صادقاً فيما علمت وشهدت لعبدت قبل الناس.الثاني: ألا ترضى بعبادة غيره، فإن كنت تجالس من يعبدون غير الله، فتضحك وتأكل وتشرب معهم، وأنت مقتنع بعبادتهم، فإن هذا الموقف يقدح في شهادتك. مرة أخرى: الأمران هما: الأول: أن تعبده وحده، وثانياً: ألا ترضى أبداً بعبادة غيره حتى ولو كان العابد أباك أو أمك؛ لأنك تقرر وتعلن أنه لا يستحق العبادة إلا الله، فكيف إذاً ترى من يعبد غيره وترضى بذلك؟!والآن بم يعبد الله عز وجل؟ يجب على من شهد أنه لا معبود إلا الله أن يعرف بم يعبد الله؟ وكيف يعبده؟ ولا يصح أن يبقى في قريته أو على رأس جبله، بل يجب عليه أن يسأل أهل العلم كيف نعبد الله؟ وبم نعبده؟ لأنه إذا لم يعلم كيف يعبد الله وبم يعبد هل يستطيع أن يعبد؟لا والله، ولهذا فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فما هي أنواع العبادات؟ الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، العمرة، الجهاد، الرباط، ذكر الله، تلاوة كتابه، صلة الأرحام، البر، التقوى، وكلها ينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يعرفها ويعرف كيف يؤديها؟ فمثلاً: الصلاة عبادة قطعاً، وهي عمود الدين، فإذا لم يعرف كيف يصلي فهل ينفعه علمه؟ لا والله، يقول: أنا أعرف أن الصلاة عبادة، إذاً كيف تصلي؟ ما علمت بعد، إذاً تعلم: كيف تتطهر؟ وكيف تستقبل بيت الله؟ وكيف تنوي أنك بين يديه؟ وكيف تعلن عن دخولك في العبادة؟
    الإيمان بالبعث والجزاء
    إذاً: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [النساء:87]، هذا المبتدأ، وعزتي وجلالي يقول: لَيَجْمَعَنَّكُ مْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [النساء:87]، فهل (إلى) صلة بمعنى زائدة، ويصبح الكلام: ليجمعنكم يوم القيامة؟ وهو والله لحق، ليجمعنا يوم القيامة، ويصح أن تبقى (إلى) على معناها، أي: ليجمعنكم في الأرض في قبوركم، ثم يوم القيامة يخرجكم من قبوركم، وها نحن الآن نتجمع في الأرض، أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26]، فالأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، فإذا ما تبنوها تدخله في بطنها، والآخرون كالقمل يمشون على ظهرها، فإذا مات أحدهم تستل وتدخله في بطنها، فهل هناك من يخرج عن الأرض؟ لا، وإنما نتجمع، وهذا التجمع ليوم القيامة حيث يوم الجزاء والحساب الدقيق، ثم إما النعيم المقيم أو العذاب الأليم. لا رَيْبَ فِيهِ [النساء:87]، أي: ليوم لا ريب في وقوعه، ولا شك أبداً في أن يوم القيامة آت لا محالة، وقيل: في يوم القيامة لأننا نقوم من مضاجعنا تحت الأرض، فهل يبقى إنسان لا يقوم فتجحده الأرض أو هناك من يغطي عنه؟ والله لا يتخلفن إنسي ولا جني، وإنما الكل يقوم، فهذا هو يوم القيامة الذي لا ريب فيه أبداً، وكيف نعلم أنه لا ريب فيه؟ قد نفى الخالق أن يكون في هذا اليوم شك في قلب إنسان، ومن أصدق من الله قولاً وحديثاً ووعداً؟ ولذا فما علينا إلا أن نقول: آمنا بالله، وقد حلف الله جل جلاله على أنه سيجمعنا تحت الأرض وذلك ليوم القيامة، وسيجمعنا يوم القيامة ويحشرنا في ساحة واحدة، أبيضنا وأصفرنا، ويجري الحساب في فترة من الزمن مقدارها خمسون ألف سنة من أيامكم هذه.ثم تستقر الحياة على ما هي عليه، فأهل الكمال والطهر والصفاء، وأهل التوحيد وعبادة الرب في الملكوت الأعلى، وأهل الكفر والشرك والفسق والفجور في أسفل سافلين من الكون، وما بقيت سماء ولا أرض، وإنما عالمان: علوي وسفلي، فالعلوي فوق هذه السموات السبع، إذ إن هذه السموات السبع تتبخر وتصبح وردة كالدهان، أي: حمراء تسيل، وكل الذي فيها يذوب ذوباناً، فأين السموات؟ انتهت، وعالم دار السلام فوق ذلك، والعالم السفلي ما هو تحت هذه الأرض، ولا هذه الأرضين السبع، وإنما هو عالم آخر، فهل هناك من هو أصدق حديثاً من الله تعالى؟ ها هو تعالى يحلف أنها سيجمعنا ليوم القيامة، فهل يبقى في نفوسنا شك؟ وهل جربنا على الله كذباً أو خلف وعد وعدنا؟ مستحيل أبداً، فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].إذاً: الإيمان بالله والإيمان بالبعث الآخر هما العقيدة التي إن فقدها الإنسان تمزق وتلاشى، بل وصار شر الخلق، إذ إن الإيمان بالله يعني الإيمان بأن الله موجود حي قيوم ذو جلال وإكرام، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وبيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، وهو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، وهو الله الذي لا إله إلا هو، والثاني الإيمان بالبعث الآخر والحياة الثانية، وما يتم فيها لعباد الله تعالى.فالعقيدة مبناها على هذين المعتقدين، فإذا حصل أدنى ريب أو زلزال أو ضعف في الإيمان بالله أو في البعث الآخر هبط الآدمي، ولا يستطيع أن يستقيم ولو يوماً واحداً، بل لا بد وأن يكذب ويفجر، وذلك إذا لم ترسخ هذه العقيدة في قلب الآدمي، ذكراً كان أو أنثى، وهو أنه لا إله إلا الله، وأن البعث والدار الآخرة حق، فإذا لم تكن هذه في نفسه ما يستطيع أن يستقيم، بل لا بد وأن يعوج، ولا بد أن يكذب ويسرق ويفجر، وممكن أن يقتل أمه، ومن هنا جاءت الآيات القرآنية مثل قوله: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، وقوله تعالى: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232]، حتى النساء الحيض التي تؤمن بالله واليوم الآخر ما تجحد الحيض وتكذب وتقول: أنا طاهرة، وهذه أدنى مسألة، وكذلك إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يكتمن ما في أرحامهن.إذاً: علموا البشرية أنها لا تستقيم على منهج الحق إلا إذا آمنت بالله حق الإيمان، وآمنت بالبعث الآخر والجزاء والحساب، وبدون هاتين القاعدتين من قواعد الإسلام وأركانه لا يمكن للعبد أن يستقيم، لكن قد يستقيم عاماً أو عامين ثم يهبط ويعوج وينحرف، وكل انحراف واعوجاج في الإنسان مرده إلى الكفر بالله واليوم الآخر، أو إلى ضعف إيمانه بالله واليوم الآخر، ولا تتردد في هذا.وهذا ما أفادنا من قول ربنا: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُ مْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وهذا كالتعليل والتشجيع لأن نعمل الحسنات ونتجنب السيئات، إلى أن نشفع فيما هو حبٌ لله ورضاه، ولا نشفع فيما هو غضب لله وسخطه، ولنعيش على السلام والطهر والصفاء، وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، لم؟ لأن الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة.والآن مع هذه الآيات نأخذ في بيانها، فأولاً: أعيد إلى أذهانكم أن هذه الآيات كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستسمعون ما كان يجري في هذه الديار، والذي استقر: أننا لا نقول: هذه الآيات منسوخة، وذلك أحسن وإن قال من قال، وإنما نقول: هذه الآيات عمِل بها في وقتها، ثم قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نسخ الله كل أمر يوقف القتال في هذه الجزيرة، أي: كل أمر يقر الشرك وبقاؤه في هذه الديار، وذلك بقوله: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، لماذا؟ فالرسول قريب سيرحل إلى الملكوت الأعلى، وهذه هي قبة الإسلام وبقعة النور ومصدر الحياة، فلا ينبغي أن يوجد فيها شرك ولا كفر أبداً.وقد أوصى الرسول ونفذ عمر: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة )، أي: في هذه الجزيرة، إذ لا يحل أن توجد كنيسة ولا بيع ولا معبد للمجوس أبداً، إذ إن هذه قبة الإسلام وبيضته، وأعيد إلى أذهان بعض السامعين أن مسيو الفرنسي كتب في الجريدة يقول: لمَ نمنع السعودية من إقامة ديننا ونحن نسمح ببناء المساجد في ديارنا؟! فكتبت كلمة رددت فيها عليه وترجمت، وقد قلت له: يا مسيو! المملكة هي عبارة عن قبة الإسلام، فهل منعناكم من وجود كنيسة في سوريا أو في العراق أو في مصر أو في المغرب أو في أي مكان؟ لا أبداً، لكن الجزيرة قد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجتمع فيها دينان، وإن أردت أن تعلم فأقول لك: أرأيت لو نبني مسجداً في كنيستكم الكبرى، هل تسمحون بذلك؟ مستحيل، إذ كيف يصح أن نبني مسجداً في وسط كنيسة؟! إن هذا ظلم، إذاً: هل يجوز أن تبني كنيسة في داخل المسجد؟ فالمملكة عبارة عن مسجد، فلا يصح أن تبنى فيها كنيسة، ثم بكى وقال: إخواننا يعملون في ليلة من الليالي ما يسمونه قدوس أو قداس، فتأتيهم رجالات الأمر بالمعروف فيطاردونهم ويخرجونهم ويسفرونهم، فلماذا؟ فقلنا له: يا مسيو! لا تعجب، فإن أهل الخرافة بيننا والضلالة وأهل الجهل لما يقيمون مولداً من هذه الموالد تطاردهم الهيئة وتبعدهم، وهذا ليس خاصاً بكم فقط، فسكت.والشاهد عندنا: أنه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، أما وراء الجزيرة فهناك كنائس موجودة، وما قمنا بهدمها ولا أمرنا بهدمها، ولذا أردت أن أقول: إن هذه الآيات العظيمة لا نقول بنسخها؛ لأن إمام المسلمين في أي وقت قد يحتاج إليها سياسياً وحربياً، أما أن نقول بالنسخ فلا؛ لأن الجزيرة قد نسخ الله فيها الشرك وأبطله، ويبقى خارج الجزيرة، فإمام المسلمين ينتفعون بهذه الآيات، وإليكم بيان ذلك.
    تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ...)
    فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88]. فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء:88]، سبق أن من المنافقين من كان يثبط عن القتال ويقول: دعنا أياماً أو أعواماً حتى نستعد ونتسلح، وآخرون قالوا كذا، وجاء السياق كاملاً في هذا الباب، حتى الشفاعة فيشفع لآخر فيقول له: ما هناك حاجة إلى أن تخرج أنت، دعهم يموتون، وآخر يقول كذا، والآن هذه (الفاء) لها علاقة بما تقدم، وإنما جملة: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [النساء:87]، ذكرت لبيان أن الله سيجزينا يا أهل الإحسان على إحساننا، وسيجزي أهل الإساءة على إساءتهم؛ لأنه العدل الرحيم، وذلك يوم القيامة الذي لا ريب فيه. فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء:88]، أي: جماعتين، ففئة تقول: ارحموهم والطفوا بهم، وفئة تقول: شددوا عليهم واضربوهم واقتلوهم، وهذا قد حصل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تظن غير هذا، إذ الحماس والاندفاع موجود في المؤمنين دائماً، فالله عز وجل يقول: فَمَا [النساء:88]، أي: أي شيء جعلكم تختلفون؟ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا [النساء:88]، والارتكاس كالانتكاس، فالأعلى يصبح أسفل، أَرْكَسَهُمْ [النساء:88]، أي: انتكسوا، فقد كانوا مؤمنين وأصبحوا كافرين، وقد كانوا عابدين وأصبحوا ظالمين، وقد كانوا رحماء وأصبحوا قساة، فالانتكاس والارتكاس هو الانقلاب، وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ، بسبب ماذا؟ بِمَا كَسَبُوا [النساء:88]، لا أنه ظلمهم ومسخ قلوبهم ونكس رءوسهم، لا أبداً، وإنما بِمَا كَسَبُوا [النساء:88]، فهذه (الباء) السببية، أي: بسبب كسبهم الباطل، وكسبهم الشر، وكسبهم النفاق، وكسبهم الظلم والاعتداء، وكسبهم بغض الله ورسوله والمؤمنين، فمن ثم نكس الله قلوبهم. ثم قال لنا: أتريدون أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [النساء:88]، يا عمر؟! يا فلان؟! أتريدون أن تهدوا إلى الإيمان والإسلام والصراط المستقيم من أضله الله؟! إن ذلك ليس بممكن، إذ إن الذي أضله الله لا يقوى البشر على هدايته، إذاً فكيف ندعو إلى الهداية وإلى الإسلام؟ ندعو، لكن إذا عرف شخص الحق وتعمد خلافه، وأعلن حربه، فمثل هذا لن يهديه الله، وذلك عقوبة له؛ لأن الظلم والشرك والكفر أصبح وصفاً لازماً له لا ينفك. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88]، إلى هدايته أبداً، والخطاب لرسول الله، ومن يضلل الله حسب سنته في الإضلال فلن تجد له يا عبد الله سبيلاً، أي: الطريق إلى هدايته، وذلك مهما بذلت واحتلت وتصرفت.وهنا أذكركم بأن من استمر على المعصية يوماً بعد يوم، وشهراً بعد آخر، وعاماً بعد عام، فسيأتي يوم يصبح عبد الله أو أمته لا يستطيع أن يترك تلك المعصية، حتى لو يسمع كل ليلة القرآن بكامله، فقد انتهى أمره، ولهذا قال العلماء: التوبة تجب على الفور، فلا يصح أن تقول لأخيك: تب غداً إن شاء الله، أو خليك كما أنت عليه حتى تتزوج، أو حتى تتوظف، أو حتى تكمل دراستك، أو ابق على ما أنت عليه حتى أعود إليكم من سفري، فهذا كله باطل، إذ التوبة التي فرضها الله عندما تقع في الذنب تقول: أستغفر الله، أما أن تؤجل فيا ويلك، فإن التأجيل يورثها في نفسك وتستقر، وتصبح إذا قيل لك: اتق الله، تسخر وتضحك، فالتوبة تجب على الفور، كإنسان سقط في الطريق أو عثر، فلا يقول: غداً نقوم، وإنما على الفور يقوم ويواصل مشيه.فيا عباد الله! ويا أولياء الله! التوبة تجب على الفور، فمتى شعرت بارتكاب الذنب وعلمت، فالهج بكلمة: أستغفر الله، وإن ذرفت الدموع فذلك خير، وأنت عازم على ألا تعود خشية أن تتوالى السيئات ويطبع على القلب، والرسول صلى الله عليه وسلم وهو المبين المفسر لكتاب الله يقول: ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن لم يتب وزاد ذنباً آخر نكت في قلبه نكتة سوداء إلى جنب الأولى وثالثة إلى جنب الثانية ورابعة حتى يختم على القلب، وذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).وعندنا مثل حي فأين الذين يعون؟ وهذا المثال هو: لو أن امرأة أو فتاة مسلمة عاشت زمناً على لباس إلى نصف الساق أو إلى الركبتين، والرأس مكشوف وهي تحمر وتحسن وتخرج في الشوارع، وفي يوم من الأيام مرت بك وقلت لها: يا أمة الله! أما تستحين من الله؟ فكيف تواجهك؟ تخرج لسانها وتضحك عليك، وتقول: هذا رجعي، ولن تتوب، بينما فتاة منذ أسبوعين غرر بها الساقطات والهابطات، لم أنتِ متململة في هذا الإزار الأسود؟ اكشفي عن وجهك، أخرجي فأنتِ حرة، واستجابت لهن وخرجت، فلقيتها في الشارع وقلت لها: أما تخافين الله يا أمة الله؟ فهل تخرج لسانها وتضحك منك؟ لا، بل تهرب أو تغطي وجهها، ومثال آخر: لو عثرت على ولدك وهو يدخن، كأن دخل المدرسة الثانوية ولاقى الأصحاب فأصبح يدخن معهم، فهل يستطيع أن يدخن أمامك؟ ما يستطيع أبداً؛ لأنه يخجل ويستحي منك، لكن إذا واصل التدخين وأنت تراه، بل وتعطيه السيجارة، أو تقول له: اشتري علبة لي وأخرى لك، فهذا بعد فترة من الزمان يصعب عليه أن يترك التدخين. ولذلك كل من رأى أنه يباشر ذنباً من الذنوب أن يعزم من هذه اللحظة عن التخلي عنه وتركه، وإلا ستمضي فيه سنة الله ولا يستطيع أن يتوب، وهذا قوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88]، فكيف يضله الله؟ بالقهر؟! إنما حسب سنته تعالى، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، فهذه سنن لا تتبدل، وكذلك مواصلة الجريمة وألفتها واعتيادها يوماً بعد يوم يجعلك لا ترجع عنها أبداً، لا سيما من كان يحارب الله علناً، كأن يدعو إلى الكفر والنفاق والباطل والشر والفساد، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88].
    تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ...)
    وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89].ثم قال لنا: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء:89]، من يخبر بهذا الخبر؟ خالق القلوب، وَدُّوا ، أي: أحبوا، لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، فالحشاشون واللوط والمجرمون كلهم يودون أن يكون كل الناس مثلهم، وكذلك الضالعون في الفساد يودون أن يكون كل الناس مثلهم، وهذا واضح من قوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].والآن الثالوث المكون من المجوس واليهود والنصارى يعملون الليل والنهار كادحين عاملين من أجل إطفاء نور الإسلام؛ ليكون البشر مثلهم، بل والله الذي لا إله غيره يريدون ألا يبقى إسلام ولا مسلمون، كما كانت الشيوعية تدعو، وقد فشلت وتحطمت، وهذه سنة الله عز وجل، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، أما أن تبقوا بأنواركم ودعوتكم وسيادتكم وجهادكم فما يريدون هذا.ثم قال تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ [النساء:89]، من هم الأولياء؟ الذين تحبونهم وتنصرونهم، وقد تقررت هذه الحقيقية يا أبناء الإسلام! فما هو الولاء؟ الحب والنصرة، فمن لم يحب المسلمين والله ما هو بمسلم، ومن لم ينصر المسمين والله ما هو بمسلم، فالحب والنصرة ذلكم هو الولاء، واقرءوا قول الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فمن قال: لا فقد كذّب الله تعالى، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فما معنى أولياء بعض؟ أي: يحبون بعضهم بعضاً، وينصرون بعضهم بعضاً، فالذي لا يحب المؤمنين والله ما هو بمؤمن، والذي لا ينصرهم ويرى العدو يهزمهم ويكسرهم وهو فرح بذلك، والله ما هو بمؤمن.قال تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ [النساء:89]، أي: تحبونهم وتوالونهم وتنصرونهم، حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، وهنا مجموعة كانت في مكة قد تظاهرت بالإيمان، أو مجموعة كانت خارج مكة من جهة الشمال، أو من جهة أي بلد آخر، وكانت تأتي إلى المدينة لتستفيد، وأنهم يعملون على الهجرة لكن منعوا، وإذا عادوا إلى مكة يسجدون للصنم ويوافقون المشركين في شركهم، وبينهم وبين المؤمنين المهاجرين في المدينة صلات، فقال تعالى في شأن هؤلاء: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، أي: حتى يهاجروا في سبيل الله، لا للمادة والمال أو للنجاة بالنفس والأولاد، وإنما الهجرة في سبيل الله تعالى، فإن تولوا بعد الهجرة وعادوا إلى الشرك والكفر، فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89]، إذ ما هم أهلٌ لأن يوالوكم وتوالوهم، أو تنصرونهم وينصرونكم، والموضوع ذو أثر كبير، وغداً إن شاء الله نواصل الحديث في هذا.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #314
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة المائدة - (1)
    الحلقة (313)

    تفسير سورة المائدة (1)


    الوفاء بالعهود والمواثيق شأنه عظيم، لذلك فقد افتتح الله سورة المائدة بالتنبيه عليه، ثم بين الله في تتمة الآية أنه أحل لعباده بهيمة الأنعام، واستثنى من ذلك ما سيأتي ذكره في سياق الآية التالية، وبالإضافة إلى ما حرم فيها حرم الله كذلك سائر الصيد على كل محرم حتى لو كان خارج الحرم، أما داخل الحرم فإنه لا يحل صيده لا لمحرم ولا غيره، وبعد ذلك حذر الله عباده تحذيراً عاماً من إتيان حرمات الله أو استحلال شعائره سبحانه.
    بين يدي سورة المائدة
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق لنا هذا الفوز واجعلنا من أهله إنك ربنا وولينا ولا ولي لنا سواك.وقد ختمنا سورة النساء، ولنستفتح بحمد الله سورة المائدة، هذه السورة من آخر ما نزل من سور كتاب الله عز وجل، فهي -إذاً- سورة الأحكام، وقد اشتملت على العديد من الأحكام الشرعية، والسورة آياتها مائة وعشرون آية، وهي مدنية بدون ما شك من آخر ما نزل.
    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ...)
    ومعنا الآن آيتان عظيمتان هيا نتغنى بهما ثم بعد ذلك نتدارسهما.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:1-2]. هيا نتدارس هاتين الآيتين الكريمتين. ‏
    مقاصد نداء المؤمنين بلفظ الإيمان
    أولاً: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1]، من الذي ينادي المؤمنين هنا؟ إنه الله، هذا نداء الله جل جلاله وعظم سلطانه يوجهه إلى المؤمنين خاصة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1]، لماذا وجه إليهم هذا النداء؟ لأنهم أحياء؛ لأن المؤمن حي يسمع ويبصر وينطق ويعمل، والكافر ميت.يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً! يا من آمنتم بالله وكتبه ورسله ولقائه وقضائه وقدره! أيها المؤمنون أولياء الله! أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وسبق أن علمنا أن الله لا ينادينا إلا لأمر يريد أن يأمرنا بفعله، أو ينادينا لينهانا عن شيء يضرنا ويفسد نفوسنا، أو ينادينا ليبشرنا بما يزيد به صالح أعمالنا، أو ينادينا ليحذرنا وينذرنا مما هو خطر علينا في دنيانا أو أخرانا، أو ينادينا ليعلمنا ما به نعرفه ونطيعه فنكمل ونسعد.فالله إذا ناداك أصغ بأذنك واسمع، وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: إذا سمعت (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك، فإنك منادى، أعطها أذنك واسمع: فإن أمرت فافعل وإن نهيت فاجتنب، وإن بشرت فاستبشر، وإن أنذرت فاحذر، وإن علمت فتعلم، وحاشا الله أن يناديك لا لشيء.
    عموم الأمر بالوفاء بالعقود وشموله لأنواعها المشروعة
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1] نادانا ليأمرنا بالوفاء بالعقود: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، هذا أمر أم لا؟ أوفوا أيها المؤمنون بالعقود. والعقود: جمع عقد، وهي عقود الإيمان والتوحيد، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فقد عقد عقداً على نفسه أن يعبد الله وحده ولا يترك عبادته بحال من الأحوال، وأن يمشي وراء رسول الله ويتبعه ولا يتقدم عليه ولا يمشي عن يمينه ولا عن شماله، بل يمشي وراءه، يقول ما يقول الرسول ويفعل ما يفعل الرسول، وهذا عقد وهذا عهد، فكل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله قد عقد بينه وبين الله عقداً فيجب أن يفي به، والوفاء به -كما قلت-: أن تعبد الله، وأن تعبده وحده، وأن لا ترضى بعبادة غيره؛ لأنك شهدت وعقدت عقداً بينك وبينه أنه لا إله إلا هو، وأن تطيع رسول الله بعد حبه وتعظيمه وبعد الإيمان به، أن تطيعه فيما يأمر به وينهى عنه من واجب المأمورات ومحرمات المنهيات.ثم تأتي العقود العامة: الصلاة، إذا استقبلت البيت وقلت: الله أكبر ناوياً صلاة تصليها فهل يجوز أن تبطلها؟ أن تنقضها؟ لا يجوز فذلك حرام، إذا عقدت عقداً فوف به، قلت: لبيك اللهم عمرة، ومشيت مائة كيلو وبعد ذلك تقطعها تقول: لقد تركنا مشاغلنا. أيجوز هذا؟ إنه عقد بينك وبين الله! شرعت تتوضأ فغسلت يديك بعد وجهك ثم قلت: سوف نتوضأ في ساعة أخرى. فما يجوز، لا تنقض العقد الذي بينك وبين الله.وتأتي العقود الأخرى عقود البيع والشراء والإيجار والكراء وسائر العقود التي بينك وبين الناس، يجب الوفاء بها ويحرم نقضها ونكثها وعدم الوفاء بها، قلت: بعت. فقال: اشتريت، فلا يحل أبداً أن تقول: رجعت عن البيع. إلا أن تقول: أقلني لوجه الله. ارحمني فأنا ضعيف ما شعرت بكذا، فيمكن أن يرحمك أخوك، أما أن تعقد ثم تتراجع فلا، استأجرت سيارة منزلاً طيارة أي إيجار أي اكتراء أي شيء يجب الوفاء، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فلهذا المؤمنون الصادقون لا ينكثون عهداً ولا ينقضون عقداً أبداً، وإن اضطر أحدهم -كما مثلت- فإنه يتلطف مع من عقد له ويسأله بالله أن يرحمه أو يلطف به ليحل العقد بنفسه.هذا نظام حياتنا معاشر المؤمنين عملاً بهذا الأمر الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وعهود المرأة وعقود الزواج والنكاح أيعبث بها ويلعب بها؟! بالأمس تزوجتها على كتاب الله وسنة رسول الله ثم تسبها وتطلقها خمسين طلقة، ما حملك على هذا، أي نقض في العهود أكثر من هذا؟!بايعت إماماً يجب أن تفي بيعته حتى الموت، أما أن تعاهده وتبايعه ثم تخونه وتبايع آخر فلا يحل هذا في الإسلام أبداً، أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]. وكذلك السياسية الدولية، عقدنا عقداً مع دولة كافرة يجب أن نفي لها بعقدنا ولا نقول: هذه كافرة، وكذلك إذا عقدت عقداً مع يهودي أو مجوسي عدو لله ورسوله يجب أن تفي بعقدك؛ لأنك مؤمن حي وأما هو فكافر ميت.فهل نحن بعد هذا مستعدون للطاعة؟ إي ورب الكعبة، كيف نرضى بالكفر بعد الإيمان وهو تعالى ينادينا تشريفاً لنا بعنوان الإيمان ويأمرنا بأعظم شيء؛ إذ الحياة كلها قائمة على الوفاء، فلولا الوفاء بالعهود لأكل الناس بعضهم بعضاً، وأصبحت الدنيا ناراً مستعرة؟
    معنى قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)
    ثم قال تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1]، هذا امتنان منه تعالى، هذا فضل منه جل وعز، وهو أنه أحل لنا ما كان محظوراً علينا، أحل العقدة التي كانت تحول بيننا وبين أن نأكل اللحوم، فأخبرنا بأنه أحل لنا بهيمة الأنعام: الإبل، البقر، الغنم، الضأن، والماعز، امتن علينا بأنه أحلها لنا، أليس هو مالكها؟ لولا إذنه هل يجوز أن تأكلها وتذبحها؟ لا يجوز. فهذه منته: أولاً: خلقها لنا، ثم أذن لنا في أكلها، قال: رُفع الحظر وانحلت العقدة فكلوا من بهيمة الأنعام، فهيا نشكره: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.هل نحن خلقنا البقر أو الإبل أو الماعز؟ خلقها الله، ولو أنه ما أذن لنا في أكلها لكانت كالذئاب والكلاب ما نأكل منها أبداً، إذاً: له المنة، فالحمد لله.. الحمد لله، ما أعلمنا بهذا إلا لنحمده ونشكره. أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1]، الإبل والبقر والغنم بنوعيها الضأن والماعز.ثم قال تعالى: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1]، إلا الذي سيقرأ عليكم بعد الآية الثانية، وهو ما حرم علينا بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَ ةُ وَالْمَوْقُوذَة ُ وَالْمُتَرَدِّي َةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1] في المستقبل بعد آيتين، فذلك غير مباح، ما أحله، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1] اللهم إلا ما سيتلى عليكم من الحرام فاعرفوا أنه محرم. ولم سميت البهيمة بهيمة؟ قيل: لأنها مبهمة ما تنطق وما تبين وما تعقل وما تفهم، فهي بهيمة، والناس قد يشتم أحدهم أخاه يقول له: أنت بهيمة، لأنه ما فهمه وما عرف عنه، فالبهيمة سميت بهيمة لبهمة فيها، ما تعرف هذا ولا ذاك، هذه البهيمة أحلها الله عز وجل لنا.ولو كانت غير بهيمة لما أحلها لنا، لو كانت تنطق وتعقل وتفهم لما حلت لنا؟ أيحل لنا أكل بعضنا؟ لكن هذه البهيمة أذن لنا في أكلها لنعبده طول حياتنا.
    لا يحل الصيد لمحرم
    وقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، هذا استثناء آخر، إذا كنت محرماً يا عبد الله، أو كنتِ محرمة يا أمة الله؛ فلا يحل لك أن تصيد أرنباً ولا غزالاً ولا يربوعاً ولا حيواناً، اللهم إلا صيد البحر، أنت على سفينتك محرم في طريقك إلى جدة فرميت بسلتك تصطاد الحوت فلا بأس، فالمالك هو الذي أذن.إذاً: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة:1] والحال: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، أما من كان حلالاً فليصد ما شاء أن يصيد، باستثناء أن لا يصيد في الحرم، صيد الحرم حرام لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يصيد في الحرم أرنباً ولا غزالاً ولا ضبياً ولا حيواناً أبداً ولا طيراً ولا حماماً إلا ما أذن الشارع فيه كالحيوانات المؤذية التي تؤذي.
    المراد بالحرم وبيان عظيم حرمته
    والحرم ما هو؟ أولاً: حرم مكة، وهو معلوم، حوالي ثمانية عشر ميلاً من جهة الشرق قريباً من عرفة، وهناك توجد علامة وضعتها الدولة لنهاية الحرم، ومن الجهة الشمالية جبال التنعيم حيث ميقات عائشة كما يعرف الناس، وهو أقرب مكان إلى الحرم، ومن الجهة الغربية البحرة تقريباً وتقع الحديبية دونها، فهذه الأرض ومكة- وشرفها في وسطها- لا يحل فيها صيد حيوان.والمدينة أيضاً؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة وإنى حرمت المدينة ما بين لابتيها )، وقال: ( المدينة حرام ما بين عير إلى ثور )، فالمدينة حرام، فلو مررت بحيوان في الطريق تحت شجرة مستظل لا يحل لك أن تزعجه وتبعده من الظل وتجلس مكانه.و(عير): جبل في جنوب غرب المدينة، كالحمار، ولهذا يسمى بالعير لأنه رابض هناك، ووراء أحد الحل، لكن أحداً نفسه وما دونه إلى المسجد من الحرم، وجبل ثور وراء أحد ملاصق له من الجهة الشمالية الشرقية، فقوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ [المائدة:1] والحال أنكم محرمون، فالمحرم لا يصيد سواء كان في أي مكان ما دام قد أحرم وقال: لبيك اللهم حجة أو عمرة، ولو كان في فلسطين فإنه لا يحل له أن يصيد وهو حرام. والشاهد عندنا في قول ربنا: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، فالمحرم لا يحل له أن يصيد في أي مكان، لو أحرم من بلاد بعيدة وخالف السنة فهل يجوز له هل له أن يصيد وهو محرم؟ لا يحل له، لكن الحلال لا يصيد بالحرم، الحلال بخلاف المحرم لا يحل له أن يصيد في الحرم. والحرم حرمان: الحرم المكي والحرم المدني، فذاك حرمه إبراهيم وهذا حرمه الحفيد محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( إن إبراهيم قد حرم مكة وإني حرمت المدينة )، وقال في تأكيد هذه الحرمة: ( المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، لو يفهم هذا الحديث مؤمن ويبلغه لارتعدت فرائصه ولما استطاع أن يرتكب سوءاً في هذا البلد، كيف وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟! كيف ولا يقبل منه فرض ولا نفل؟! من أحدث فيها حدثاً أو نصر وآوى محدثاً.ولكن جهل الناس تركهم يقعون في هذه وهم لا يشعرون، إذا لم تستطع أن تستقيم في المدينة فارحل منها ولا تقم فيها أبداً نفسك، ما تقوى على أن تعبد الله فيها ارحل إلى مكان آخر، هذا الكلام تكلمنا به منذ ثلاثة وأربعين عاماً ونحن على علم بما نقول، إذا لم تستطع أن تقيم في هذا الحرم فاخرج إلى بلد آخر فزمر أو غنِّ أو احرق وجهك أو اكشف وجه امرأتك! أما هنا فلا.أعيد القول: الحديث في الموطأ وفي البخاري وفي مسلم وفي الصحاح كلها: ( المدينة حرام من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، لا فرض ولا نفل، كيف يعيش هذا العبد؟!
    معنى قوله تعالى: (إن الله يحكم ما يريد)
    وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1]، الأمر له والحكم له، يحل ما شاء ويحظر ويحرم ما شاء، لا رأي لنا ولا عقل فيما أحل الله أو حرم. (( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1]، فها هو ذا تعالى حكم علينا أولاً بالوفاء بعقودنا بيننا وبين الله ورسوله، وبيننا وبين إمام المسلمين، وبيننا وبين كل مسلم ومسلمة، ثم امتن علينا بقوله: (( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ))[المائدة:1]، هذه منته، هو الذي إن شاء حظر وإن شاء أباح وأذن، الملك ملكه، إذاً: فله الحمد والمنة أنه امتن علينا بإحلال بهيمة الأنعام لنا، واستثنى منها ما سيتلى من تلك العشر المحرمات من بهيمة الأنعام، وقوله: (( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ))[المائدة:1] أي: حال كونكم غير محلي الصيد، فلا يحل لمحرم ولا محرمة أن يصيد؛ لأنه تلبس بالعبادة، لما قال: لبيك اللهم حجاً أو عمرة كان كمن أحرم بصلاة الظهر: الله أكبر، فهل الذي دخل في ظهر أو عصر أو نافلة يعبث أو يتكلم أو يعمل شيئاً؟ الجواب: لا، فكذلك المحرم دخل في هذه العبادة فلا يتكلم إلا من ضرورة، لا يأكل ولا يشرب إلا من حاجة، فكيف إذاً يلهو ويلعب والصيد منشؤه اللهو واللعب، فيحرم الصيد حتى ولو كان قد جاع، في هذه الحالة لا يصيد، بل يصبر على جوعه. ولو صاد لك إنسان فقال: أنت محرم وأنا أصيد وأطعمك؛ فلا يحل لك أن تأكل؛ لأنه صاد من أجلك، أما إذا صاده لنفسه وأعطاك فأكلت فلا بأس. فقوله تعالى: (( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1] هذه هي الآية الأولى.
    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ...)

    عدد نداءات القرآن للمؤمنين وغاياتها
    أما الآية الثانية فهي نداء رباني آخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:2]! أجيبوا! لبيك اللهم لبيك.وقد نادانا الله تعالى في القرآن تسعين نداء، ما بقي حكم من أحكام الشرع إلا وحوته هذه النداءات: في الحرب.. في السلم.. في السياسة.. في المال.. في الاقتصاد.. في العبادات.. في العقائد.. في كل شئون الحياة.وتبين بالاستقراء والتتبع أنه ما نادانا إلا لواحدة من خمس: إما ليأمرنا بما فيه صلاحنا، أو ينهانا عما فيه شرنا، أو يبشرنا بما يزيد في عملنا، أو ينذرنا ليخوفنا فنترك ما حذرنا منه، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى علمه ومعرفته، إذاً: فالحمد لك يا رب العالمين، اللهم لك الحمد. اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2]، هذا النداء فيه ما هو محكم وفيه ما هو منسوخ.
    النهي عن استحلال شعائر الله تعالى
    أولاً: قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، شعائر الله: معالم دينه، ما من عباده إلا وهي من شعائر الله، ومناسك العمرة والحج هي شعائر الله، كل عبادة مشعرة بأن الله هو المعبود الحق، وأن هذا عَبدُه يعبده، فكل الشئون الدينية مشاعر وشعائر، فلا يحل لنا أن نحل شعائر الله، فنستبيح ما حرم الله، فنستبيح ما نهى الله عنه أو نهى عنه رسوله، فهذا اللفظ واضح عام عندنا أم لا؟ كل معالم الدين ومظاهره يجب ألا نحلها، يجب أن نقف عندها ونحترمها ولا نعتدي عليها، كل مشاعر الدين.
    النهي عن استحلال القتال في الشهر الحرام وبيان نسخه
    ثم قوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2] هذا منسوخ، كان الشهر الحرام -وهو رجب وغيره من الأشهر الحرم- إذا هل هلاله لا يبقى القتال أبداً، وانتهت الحرب، إذ كان العرب يتمتعون بهذه الأشهر الحرم من تدبير الله تعالى لهم ورحمته بهم، حتى يتم بينهم سلم وعدم اعتداء، فيتجولون ويتجرون ويتنقلون في الجزيرة وفي غيرها، إذا دخل الشهر الحرام وقف السلاح، لم تسمع صوت سلاح أبداً، لكن لما جاء الإسلام وقامت دولته ما بقي حاجة إلى هذا.إذاً: فقوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2] منسوخ؛ لأن الله تعالى قال في الإذن: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].
    النهي عن استحلال الهدي والقلائد
    وقوله تعالى: وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [المائدة:2]، الهدي: ما يهدى إلى الحرم من بعير أو بقرة أو كبش، هذا الهدي، كان العرب يهدون للرب وهم مشركون، يهدون الهدي إلى الحرم لله تعالى ليأكل سكان الحرم وخاصة الحجيج والفقراء والمساكين، هذا الهدي إذا رأيناه مهدى للحرم لا يحل أكله أبداً، وكيف نعرفه؟إذا كان بعيراً فإنه يجرح من سنامه من الجهة اليمنى فيسيل دم فيعمم على وبره، فيعرف بين الناس أن هذا هدي، لو وجدته وحده في الصحراء لا يحل لك أن تقربه، هذا مهدى لله ولحرمه، أو بقرة كذلك، والغنم لا تجرح، ولكن تعلق قلادة في عنقها وتمشي بها، من رآها يقول: هذه للحرم. فلا يختطفها منك ولا يقاتلك من أجلها، فإذا كنت خائفاً من بني فلان أن تمر بديارهم وأنت ذاهب إلى الحرم فعلق في عنقك من شجر الحرم، فيقولون: هذا من أهل الحرم فلا يؤذونك! هذا تدبير الله عز وجل.وقد جاء في السورة في آخرها قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [المائدة:97].إذاً: قوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [المائدة:2]، الشهر الحرام قلنا: إن تحريم القتال فيه منسوخ، يجوز القتال فيه إذا أمر إمام المسلمين بالقتال.والهدي والقلائد هل يجوز أن نعتدي عليها؟ لا أبداً، لو أن شخصاً قلد عنقه لحاء من قشر من شجر الحرم فإنك تقول: هذا كان بالحرم أو هو في طريقه إلى الحرم فلا تؤذوه، ففي الإسلام من باب أولى، في الإسلام لا نؤذي مؤمناً سواء ذهب إلى الحرم أم ذهب إلى أوروبا.
    معنى قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً)
    وقوله تعالى: وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2]، هذا أيضاً منسوخ بقوله تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وأعلن الرسول: ( لا يحج بعد العام مشرك أبداً ). وقد كان في الزمان الأول قبل هذه الآية إذا كان الحجاج محرمين ذاهبين إلى مكة يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً -أي: تجارة ومالاً ودعاء الله- فلا تعترضوهم ولا تؤذوهم، ثم صار هذا منسوخاً أيضاً.مرة ثانية: يقول تعالى منادياً لنا بإيماننا: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، فعلمنا أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحل شعيرة من شعائر الإسلام لا بفتيا يفتي بها ولا بعمل يعمله، يجب أن يحفظ دين الله بيننا.ثانياً: الشهر الحرام كان محرماً على الناس أن يقاتلوا فيه، ثم لما قامت دولة القرآن على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ الله ذلك، فما بقي للشهر الحرام حرمة القتال فيه.ثالثاً: الهدي والقلائد، وهذه محرمة إلى الآن، إذا أراد شخص أن يهدي إبلاً أو بقراً أو غنماً إلى الحرم وأعلمها فلا يحل لك أن تعتدي عليها بحال من الأحوال.رابعاً: آمو البيت الحرام الذين يذهبون للتجارة فيه أو للدعاء؛ لأن المشركين كانوا يحجون للتجارة ويحجون لدعاء الله وسؤاله وطلب حاجاتهم منه، وهو ربهم ويستجيب لهم، قال تعالى: وَلا آمِّينَ [المائدة:2]، قاصدين، الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ [المائدة:2]، ماذا؟ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ [المائدة:2]؛ لأنهم يتجرون يحملون البضائع ويبيعونها في الحج أو يشترون أخرى ويبيعونها في بلادهم، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2].ثم قال تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، أذن لنا: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا، أي: اصطادوا خارج الحرم، أما داخل الحرم فلا صيد، سواء كنت محرماً أو غير محرم، فلا يحل الصيد أبداً.
    معنى قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا)
    ثم يقول تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]. في صلح الحديبية كان بعض المؤمنين ما زال في نفوسهم تغيظ على المشركين؛ من أجل أنهم منعوهم من مكة وردوهم بدون أن يعتمروا، ففي نفوسهم بغض لهؤلاء وشنآن، فقال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]، فتمت تلك العهدة وذلك العقد وذلك العهد، فكان الرجل يمر بقاتل أبيه فما يلتفت إليه، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]، فلهذا قدمنا أنه لا يحل الاعتداء على أي إنسان كافراً كان أو مؤمناً، والاعتداء هو الظلم ومجاوزة الحد، فلا يجوز في مال ولا في عرض ولا بدن. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:2]، لا يحملنكم، شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [المائدة:2]، عام الحديبية، أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2] عليهم أو على واحد منهم أو أكثر.
    أحكام زكاة الفطر

    شروط قبولها وتزكيتها للنفس
    معاشر المستمعين! بعض الإخوان يقولون: حدثنا عن زكاة الفطر بعض الحديث، فأقول: في الحقيقة هي صدقة الفطر، ولكنها زكاة لأنها تزكي النفس وتطهرها كسائر العبادات، ما من عبادة شرعها الله تعالى وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم فيفعلها العبد إيماناً واحتساباً وإخلاصاً لله إلا عملت في نفسه الزكاة والطهر والصفاء، والله العظيم، ولا تتخلف أبداً إذا استوفت الشروط وهي: أن تكون مما شرع الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم.ثانياً: أن يفعلها كما بينها الرسول بلا زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير.ثالثاً: أن يفعلها إيماناً بالله وأن يخلصها لله وحده، فلا بد أن تطهر نفسه وتزكيها.
    مقدارها الواجب إخراجه وما تخرج منه من القوت
    زكاة الفطر أو صدقة الفطر بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الله بن عمر : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب )، هذه أنواع الطعام.والصاع: أربعة أمداد، والمد: حفنة بكفي الرجل المتوسط لا القصير ولا الطويل، أربع حفنات بحفنة الرجل المعتدل هي الصاع، المد حفنة، والمدان حفنتان، والثلاث ثلاث حفنات، والأربعة صاع، مما يقتات ويكون غالب قوت أهل البلد، ننظر إلى البلد الذي نحن فيه ما هو أكثر طعام يأكلونه، فإن قالوا: الأزر، إذاً: فالأرز، وإن قالوا: أكثر ما يأكل أهل البلاد التمر، إذاً: نعطي من التمر، أو أغلب ما يأكلون الأقط، ما عندهم إلا اللبن المجفف فنعطي منه، نعطي صاعاً من تمر أو شعير أو أرز أو أقط أو طعام آخر، هذا المقدار، هذه هي الكمية.
    من تجب عليه زكاة الفطر
    تجب على من؟ على الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والرضيع والمفطوم، وإنما لا تجب على الجنين في بطن أمه، ومن أراد أن يستبشر خيراً ويخرج عما في بطن زوجته فله ذلك، لكن الوجوب لا وجوب أبداً، لا بد أن يكون حياً يرزق بيننا.والذي يعيل أفراداً هو الذي يجب أن يخرج زكاتهم، مثلاً: تعيل اثنين أو ثلاثة من الفقراء طول رمضان وهم معك إذاً: تخرج عنهم زكاتهم، خادم أو خدم معك طول العام في بيتك أنت الذي تخرج صدقتهم وزكاتهم، أما ضيف استضفته ليلة أو ليلتين فما أنت بملزم بأن تخرج زكاة فطره.
    وقت إخراجها
    هذه الصدقة -معاشر المستمعين- يجوز إخراجها قبل العيد بيومين إلى ثلاثة للضرورة. وإخراجها لمن يكون؟ للفقراء والمساكين، للذين ما يجدون ما يقتاتونه يوم العيد، فمن رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم أن قال: ارحموا فقراءكم وسدوا حاجتهم ولا تضطروهم إلى أن يسألوا يوم عيد ويوم فرح المؤمنين.إذاً: فلو أخرجت قبل العيد بيوم أو يومين للضرورة فلا بأس، وأفضل أوقاتها من صلاة الصبح إلى صلاة العيد، أفضل وقت، وبعد صلاة العيد كأنما هي صدقة، بعد زوال يوم العيد تصبح صدقة من الصدقات وليست بزكاة الفطر؛ لأنها ما انتفع بها الفقراء والمساكين.إذاً: فلنحرص على أن نقدمها قبل وقت نهايتها، لكن لو حجزها في جانب ينتظر صاحبها أن يأتي فممكن أن يعفى عنه، فهو أبعدها وقال: يا فلان! تعال لتأخذ زكاة الفطر. وتأخر هذا الإنسان إلى ما بعد الظهر أو حتى المساء فنسأل الله تعالى أن يثيبه عليها، أما أن لا يخرجها إلا بعد زوال يوم العيد فهي صدقة يثاب عليها لكن ما هي بزكاة الفطر التي يبقى الصيام معلقا بها، فلا يقبل صوم الصائم حتى يدفع زكاة الفطر هذا شرط، زكاة الفطر قبول الصيام متوقف عليها، حتى لا يبقى في القرية أو المدينة مؤمن أو مؤمنة جائع بيننا وأهل القرية شباع.ولو أن الدولة هي التي تجمعها وهي التي تقوم بتوزيعها فشأنها؛ إذ إمام المسلمين يطاع في هذا إذا كان صادقاً.وبعض الناس يمرون بمن يبيع البر فيعطيه الفلوس ويقول: أخرج الزكاة عني. فإذا كان ثقة تطمئن إليه أنه صادق ويعطيها لمستحقيها فلا بأس، وإذا كنت تشك أنه ما يخرجها أو يخرجها لمن لا يستحقها فما يجوز، لا تعطه.
    حكم إخراجها نقوداً
    معاشر المستمعين! زكاة الفطر يتجلى فيها الرحمة المحمدية، ما كانت الديار هكذا ملأى بالخبز واللحم، كانت هذه الديار عامة -والعالم بأسره- فيها الفقير الذي لا يجد ما يقتاته، وآخر يأكل ويشرب في شبع، فجاءت الرحمة المحمدية في هذا اليوم؛ لتخلد هذه السنة إلى يوم القيامة، ولو أصبح المال تحت أرجلنا فلا بد أن تمضي هذه السنة، فيجب أن نعرف كيف نخرجها:أولاً: لا يحل لنا أن نخرجها نقوداً في ديار تأكل اللحم وتأكل الخبز والأرز، لكن في بلاد أمريكا وأوروبا قد يوجد من لا يعرف أن يخبز الخبز ولا من يطبخ الأرز ممن أكلهم كله في المطاعم، في هذه الحالة للضرورة تعطي الفقراء نقوداً، تقوم الصدقة كما تساوي وتعطيهم نقوداً، وتسأل الله أن يتقبل منك، أما في البلاد التي فيها التمر والبر والأرز والناس يطبخون ويطحنون ويأكلون؛ فإن أردت أن تفوز برفع صومك وقبوله فلا تخرج عن هذه أبداً.
    مكان إخراجها
    وأخرج زكاة الفطر في قريتك أو مدينتك، وبعض الإخوان يقولون: أنا هنا وأهلي في مصر؟ نقول: إذا كنت تعلم أنهم زكوا عنك فلا تزك، وإذا ارتبت أو شككت أخرجت زكاة نفسك، وهم إذا عهدوا إليك أن تخرج زكاتهم فأخرجها عنهم هنا، وتبرأ بذلك ذمتك وذممهم، وإن كنت لا تعلم على كل حال فأخرج زكاة نفسك واترك أسرتك لأنفسهم.هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم دائماً بما ندرس ونتعلم ونسمع.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #315
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة المائدة - (2)
    الحلقة (314)

    تفسير سورة المائدة (10)


    امتن الله عز وجل على المؤمنين وذكرهم بنعمة عظيمة من نعمه، ألا وهي نجاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم من القتل على يد أعدائهم اليهود، حينما ذهب إليهم ليطلب منهم معاونته في دفع دية قتل رجلين خطأ على يد أحد المسلمين، وهذا وفق ما كان متفقاً عليه في وثيقة العهد التي وقعها معهم، وعلى إثر محاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم ثم إجلاؤهم من المدينة.
    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). حقق اللهم لنا هذا الفوز فإنك ربنا وولينا.وها نحن ما زلنا مع سورة المائدة، ومع هذين النداءين الكريمين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:8-11].
    الأمر بالقيام بعبادة الله تعالى والشهادة بالقسط
    بالأمس تدارسنا النداء الأول، وخلاصته أن علمنا أن الله نادانا وهو مولانا وملكنا، ومن بيده أمرنا، نادانا ليأمرنا بأن نقوم لله عز وجل بعباداته خير قيام، من الوضوء إلى الصلاة، إلى كل العبادات: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، كما أمرنا أن نشهد لله وأن نعدل في الشهادة، ولا نميل يميناً ولا شمالاً، لا حيف ولا جور، ولو كنا نشهد على أقرب قريب، إذ قال عز وجل: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، أي: بعباداته وما فرض عليكم وما شرع لكم من سائر العبادات، منها الوضوء والتيمم والغسل، شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]، أي: بالعدل، ما من مؤمن يدعى لأداء شهادة على صديق أو على عدو أو على كافر، على قريب من أقربائه أو بعيد من الناس، إلا وعليه أن يعدل في شهادته، إن علم شيئاً يقوله كما علم؛ لأن الله أمرنا بأن نكون شهداء بالقسط، ومن حاف وجار وما عدل فقد فسق عن أمر الله وتعرض لعذابه وسخطه.ثم لفت نظرنا إلى أننا قد يكون بيننا وبين أفراد عداوة، فهذه العداوة لا تحمل على أن نشهد شهادة الزور، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:8]، أي: لا يحملنكم، شَنَآنُ [المائدة:8]، والشنآن: البغض والعداء، عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8]، ولا يحملنا بغض شخص على أن نشهد عليه بالباطل، سواء كان قريباً أو بعيداً، وقال: اعدلوا، وبين لنا أن هذه العدل يقربنا من تقوانا لله، إذ هدفنا في الحياة أن نحقق تقوى الله عز وجل، ومما يساعدنا على تقوى الله ملكة العدل في النفس، فالذي تكون له ملكة العدل ما يحيف في عبادة الله تعالى ولا ينقصها: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، ثم أمرنا مرة ثانية بتقواه: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:8]، فيما علمتم، فيما أمرتم به، فيما نهيتم عنه، فيما دعيتم إليه، وعلل فقال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، مطلع على أحوالنا الظاهرة والباطنة، في السر والعلن، في الجهر والخفاء، بل يعلم ذات الصدر، فإذا آمنت يا عبد الله بأن الله عليم خبير -والخبير: من يخبر الأشياء في بواطنها، والعليم قد يعلمها ظاهراً فقط- إذاً: فليتق الله عز وجل، فلا يفسق عن أمره ولا يخرج عن طاعته في كل ما أمر به ونهى عنه، وهكذا تكمل فينا هذه الأخلاق الفاضلة ونصبح أمناء سعداء أطهاراً أصفياء في الحياة.
    الوعد العظيم للمؤمنين بالأجر والمغفرة
    ثم من باب الترغيب والترهيب ليزيد في إقبالنا عليه وفي بعدنا عن معاصيه قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، وعدهم بأي شيء؟ ووعد الله لا يخلف، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:9] أولاً وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9] ثانياً، وعدهم بماذا؟ بين لنا يا ربنا ما وعدتهم به؟ قال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، هذا أبلغ من جملة: وعدهم مغفرة وأجراً عظيماً، فهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن السائل يقول: بم وعدهم؟ نريد أن نطلع على هذا، ماذا يحمل هذا الوعد؟ فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، يغفر ذنوبهم ويدخلهم الجنة، يغسلهم ويطهرهم وينظفهم ويطيبهم ويزفهم كالعرائس إلى دار السلام، هل هناك أعظم من هذا الأجر؟ والله لا أعظم منه، من هؤلاء الذين فازوا بهذا بالعطاء الإلهي والوعد الرباني؟ إنهم مؤمنون عملوا الصالحات، ما عملوا الطالحات، والصالحات: الأعمال المزكية للنفس المطهرة لها، وضدها الأعمال الفاسدة الملوثة للنفس والمخبثة لها، والصالحات فاض بها الكتاب الكريم، وبينتها سنة سيد المرسلين، اسأل الكتاب يخبرك عن الصالحات ويخبرك عن الطالحات، فالصالحات: اعملوا، والطالحات: لا تفعلوا.
    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم)
    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، عرفنا جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: تطهيرهم وإدخالهم الجنة، وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، ما آمنوا، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [المائدة:10]، فلم يعملوا بما فيها من العبادات؛ لأن الآيات تحمل بيان العبادات وأنواعها، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، (الْجَحِيمِ): شدة التهاب النار وعظم حرارتها، واقرءوا قول الله تعال: فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97].فالبابليون لما حكم سلطانهم على إبراهيم بالإعدام قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97]، فبنوا بناية ضخمة وملئوها بالحطب والفحم وأشعلوها، حتى صارت سوداء مظلمة، فالجحيم شدة التهاب النار، وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، ما آمنوا، وَكَذَّبُوا [المائدة:10]، ما عملوا، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، أي: أهل النار الملتهبة التي لا يفارقونها ولا يخرجون عنها، متى هذا؟ يوم موتهم. وهكذا بشر المؤمنين وأنذر وخوف الكافرين. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، وتوعد الذين كفروا وما آمنوا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [المائدة:10]، الذي كذب بالشريعة التي يعبد الله بها، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، أهله الذين لا يفارقونه.
    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم...)
    النداء الثاني: يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، يأمرنا بذكر النعم، لماذا؟ من أجل أن نشكره عليها، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، لم نذكر النعمة؟ حتى نشكرها، فالذي لا يذكر النعم هل يشكرها؟ كلا.ولذا تجد في القرآن الكريم: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله إذ كنتم كذا وكذا. فلماذا يطالب بذكر النعمة؟ من أجل أن يشكروها، فالذي لا يذكر نعمتك عليه والله لا يشكرها أبداً، والذي يذكر فيقول: فلان أعطانا، حملنا، أركبنا؛ مستعد أن يشكر، ولكن إذا كان يقول: ما عندنا شيء، ما نعرف عنه شيئاً، فهل سيشكر؟ وكيف حالنا مع نعم الله، أنفاسنا التي نرددها من نعم الله عز وجل، نظرة ببصرك من نعم الله، إصغاء وسماع بأذنك من نعم الله، نطقك، كل حياتك نعمة الله، فأين الشكر؟ فلهذا لو لم نعص الله أبداً إلا بتقصيرنا في الشكر لكنا عرضة للعذاب.
    سبب نزول الآية الكريمة
    هنا يقول تعالى لأصحاب رسول الله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، يذكرهم بحادثة ذاك الحربي الذي جاء ووجد الرسول نائماً مستظلاً بظل شجرة في غزوة من الغزوات، فلما وصل أخذ السيف وجرده وقال للرسول: من يمنعك مني اليوم؟ ونجى الله تعالى رسولنا وسقط السيف من يده، وأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، ووعد الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يقاتله في المستقبل، وألا ينضم إلى قوم يقاتلونه، هذه واحدة.لكن التي في الآية وهي أقرب إليها -كما سيأتي في الشرح- هي أن بني النضير لما ذهب إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم يطالبهم بدية العامريين؛ لأن وثيقة المصالحة أو المعاهدة بينهم من بين موادها أنهم يساعدون بعضهم في دفع الديات، فالعامريان قتلهما مؤمن ظناً منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمنهم، فجاء قومهما يطالبون بالدية، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان في نفر ونزلوا بديارهم، فتآمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يلقوا عليه رحى من السطح، ولكن الله عز وجل أخبره بواسطة جبريل وانصرف، وستأتي القصة مفصلة في الدرس إن شاء الله.إذاً: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، متى؟ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [المائدة:11]، من شرار الخلق، أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، بالانتقام، بالقتل، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم هو لكل مؤمن ومؤمنة؟ أي نعم إلى يوم القيامة، لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عبدنا الله، ولا عرفنا الله، ولا استقمنا على منهج الله، ولا توالينا إلى يوم القيامة، كل مؤمن ومؤمنة الرسول له، فحفظ الله رسوله حفظه للمؤمنين أجمعين إلى يوم القيامة، والخطاب واضح: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، ما قال: إلى نبيكم فقط، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، أي: أيدي بني النضير، عَنْكُمْ [المائدة:11]، أي: عن رسولكم.
    حقيقة تقوى الله تعالى وثمرتها العظيمة
    وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، والأمر بالتقوى، وخاصة في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه السورة من أخريات ما نزل، وتقوى الله -كما علمتم- إذا فقدها الإنسان هبط، وتمزق وتلاشى وخسر، وإذا رزقها وحافظ عليها فاز بكرامة الولاية في الدنيا وكرامة السعادة في الآخرة.وتقوى الله دائماً لا ننسى أنها: خوفنا من الله الذي يملكنا وما نملك وإليه مصيرنا، نخافه خوفاً يحملنا على طاعته وعدم معصيته، إذا أمرك أن تقتل ولدك تقتله، أمرك أن تنتحر فتنتحر، فتقوى الله عز وجل خوف يملأ النفس، سببه معرفتك بعظمة الله وجلاله، بقدرته وإنعامه، هذا الخوف يجعلك ما تستطيع أن تقول كلمة تعرف أنه لا يريدها، ما تستطيع أن تتحرك حركة تعرف أنه يكرهها، وبذلك يسهل عليك أن تؤدي الواجبات بارتياح وطمأنينة نفس وتتجنب المنهيات بسعادة أيضاً وانشراح صدر، هذه التقوى ملاك الأمر، من لم يتق الله فجر، خرج عن طاعته، أغضب ربه عليه، وكيف ينجو وكيف يسعد، وفوق ذلك أن تقوى الله عز وجل ليست خاصة بالعبادات، تقواه في الحياة بكاملها، فلا تلصص ولا إجرام ولا خلاف ولا بغض ولا عداء، فالتقوى تساعد على المودة والتعاون والحب والولاء بين المؤمنين، فهي تحفظ علينا دنيانا كما تحفظ ديننا وأخرانا، ولهذا في آيتين كرر لفظ التقوى ثلاث مرات.
    التوكل على الله تعالى من خصال المؤمنين
    وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ [المائدة:11]، لا على سواه، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]وعلى الله لا على غيره، هذا قصر حقيقي، التوكل مقصور على الله ولا يصح التوكل على غيره كيفما كانت الحال، وَعَلَى اللَّهِ [المائدة:11]، وحده، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، أهل الإيمان الكامل، ومعنى هذا: لما ننهض بالواجبات والتكاليف قد تعترضنا العقبات والأزمات، قد تعترضنا جماعات الشياطين من الإنس والجن، فلا يحملنا الخوف على أن نترك ما أمرنا به أو نرتكب ما نهى عنه، نتوكل عليه ونمضي في طريقنا حتى نحقق رضا الله لنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، فإنه يكفي من توكل عليه.إذاً: نلفت النظر أيضاً كعادتنا إلى أن الذين يتعاطون المحرمات ويريدون أن يعيشوا عليها خوفاً من الفقر أو المجاعة نقول لهم: توكلوا على الله ولا تبيعوا ولا تشتروا ما حرم الله عليكم، وإن جعتم اليوم فستشبعون غداً، وإن جعتم فقد جاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذين يبيعون المحرمات من أجل الخوف من الفقر أو الجوع نقول لهم: أين التوكل على الله عز وجل؟ وننبه الذين يبيعون المجلات التي فيها صور الخلاعة، يبيعون الأفلام، يبيعون أشرطة الأغاني، لم يبيعون هذه المحرمات في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الذين يعملون في بنوك الربا لم لا يتركون هذا العمل حتى تغلق تلك البنوك؟ لو خرج العمال فهل ستبقى مفتوحة؟ وخاصة في المدينة، حيث لا يستطيعون أن يأتوا بيهود ونصارى، فالمؤمنون إذا قالوا: لن نشتغل، حولوها إلى مصارف إسلامية، فإنها تتحول وتربح وتصبح أفضل مما كانت بمليون مرة. والشاهد عندنا: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، يفوضون أمرهم إليه، ويطرحون بين يديه، ولا يخيبهم أبداً، وقد يمتحنهم الشهر والشهرين والعام والعامين ليظهر كمالهم والروح الحقيقي، فليصبروا.
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات
    والآن مع شرح هذه الآيات في التفسير نفسه فتأملوا. قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ ما زال السياق الكريم ] أي: سياق الآيات [ في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يكملهم ويسعدهم، ففي الآية الثامنة أمر الله تعالى المؤمنين أن يكونوا قوامين لله تعالى بسائر حقوقه عليهم من الطاعات، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا يحيفون ولا يجورون في شيء، سواء كان المشهود عليه ولياً أو عدواً، ونهاهم أن يحملهم بغض قوم أو عداوتهم على ترك العدل وقد أمروا به ] أي: بالعدل [ ثم أمرهم بالعدل وأعلمهم أن أهل العدل هم أقرب الناس إلى التقوى؛ لأن من كانت ملكة العدل صفة له كان أقدر وأقوى على أداء الحقوق والواجبات، وعلى ترك الظلم واجتناب المنهيات، ثم أمرهم بالتقوى مؤكداً شأنها؛ لأنها ملاك الأمر، وأعلمهم بأنه خبير بما يعملون؛ لتزداد ملكة مراقبة الله تعالى في نفوسهم فيفوزون بالعدل والتقوى معاً، هذا ما دلت عليه الآية الأولى. أما الآية الثانية: فقد تضمنت بشرى سارة لهم ]، وهي قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، بماذا؟ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، [ فقد تضمنت بشرى سارة لهم، وهي أن ربهم قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة لذنوبهم والأجر العظيم لهم وهو الجنة، وقلت: بشرى سارة لهم لأنهم هم أهل الإيمان وصالح الأعمال رضي الله عنهم وأرضاهم.أما الآية الثالثة: فقد تضمنت وعيداً شديداً للكافرين المكذبين بآيات الله وحججه التي أرسل بها رسله وأيدهم بها، ولازم لكذبهم وكفرهم خبث أرواحهم، ولذا فهم لا يلائمهم إلا عذاب النار، فكانوا بذلك أصحاب الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً ]، لأن الصحبة ملازمة، فلان صاحبي: ملازمني، أصحاب الجحيم ملازمون لها أبداً، وهي ملازمة لهم، أي: لا يفارقونها أبداً.[ وأما الآية الرابعة: فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه ]، وهي نجاة نبيهم من مؤامرة اليهود والكفار عليهم، [ فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه هي نجاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم من قتل أعدائه وأعدائهم وهم اليهود؛ إذ ورد في سبب نزول هذه الآية ما خلاصته: أن أولياء العامريين اللذين قتلا خطأ من قبل مسلم حيث ظنهما كافرين فقتلهما، جاءوا يطالبون بدية قتيلهم ]، جاءوا إلى المدينة يطالبون الرسول بالدية؛ لأن الذي قتل مسلم، [ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الخلفاء الراشدون الأربعة ] أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [ وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين إلى بني النضير] شرق المدينة [يطالبونهم بتحمل شيء من هذه الدية بموجب عقد المعاهدة]، الاتفاقية التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، فهي مصالحة أو مهادنة، [إذ من جملة موادها] وبنودها [تحمل أحد الطرفين معونة الطرف الآخر في مثل هذه الحالة المالية ]، لو أنهم هم فرضت عليهم دية لجاءوا يطالبون ليعطيهم الرسول صلى الله عليه وسلم حسب المعاهدة، [ فلما وصلوا إلى ديارهم شرق المدينة ]، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، [استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاوة والتكريم ]، يهود! استقبلوه بالحفاوة: مرحباً، أهلاً وسهلاً، نزلت بدياركم، ستقضى حاجاتكم، استقبلوه بالحفاوة والتكريم، [ وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل ]، ما هناك عمارات معروفة من طابق واحد أو اثنين، بل في الظل فرشوا تحت الجدار وأجلسوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.قال: [ وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل من منازلهم وأفهموه أنهم يعدون الطعام والنقود ]، اطمئن يا محمد، فحن نعد الطعام ونعد النقود، أموال تجمع من أفراد عديدين.قال: [ وقد خلوا ببعضهم وتآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم ]، فالفرصة سانحة، والذي دبر هذه هو حيي بن أخطب ، [ وقالوا: فرصة متاحة فلا نفوتها أبداً. وأمروا أحدهم أن يطلق من سطح المنزل حجر رحى كبيرة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فتقتله، وما زالوا يدبرون مكيدتهم حتى أوحى الله تعالى إلى رسوله بالمؤامرة الدنيئة] الهابطة الساقطة، [فقام صلى الله عليه وسلم وتبعه أصحابه ]، قام ومشوا وراءه، [ودخلوا إلى المدينة وفاتت فرصة اليهود واستوجبوا بذلك اللعن وإلغاء المعاهدة وإجلاءهم من المدينة، وقصتهم في سورة الحشر ]، قال تعالى في هذه القصة: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر:1-3]، هذه الآيات نزلت في بني النضير، من هو الذي أخرج بين النضير على قوتهم وقدرتهم؟ الله. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2]، ما إن تجمع الرسول برجاله وأحاطوا بالمنطقة حتى استسلموا وانقادوا للخروج.قال: [ والمقصود من هذا بيان المراد من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، أي: بالقتل للنبي صلى الله عليه وسلم، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، حيث أوحى إلى رسوله ما دبره اليهود فانصرف وتركهم لم يظفروا بما أرادوا، وهو معنى: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11] ]، ونحن نقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، حيث نجى الله نبينا ورسولنا من قتل اليهود، لو قتلوه لما وصل هذا النور إلينا.قال: [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين ]، من هم؟ نحن المؤمنين، ومن شك فما هو مؤمن، فما حملك على ألا تؤمن؟ وبم أمرهم؟ قال: [ بتقواه ]، يا عباد الله! بم تتقون الله؟ هل عندكم قدرة تكافئ قدرة الله؟ لا والله. إذاً: بم نتقيه؟ بالإسلام له والطاعة والانقياد، أمر ففعلنا، ونهانا فانتهينا، بهذا تتم لك تقوى الله وتظفر بالنجاة، يبقى فقط أنه يجب أن تعرف ما أمر الله به وما نهى عنه، فإن لم تجد في القرية من يعرف ذلك فارحل إلى قرية أخرى، ما وجدت في قرى منطقتكم فارحل إلى منطقة أخرى، جاء الناس من الأندلس إلى المدينة يتعلمون الحلال والحرام والطاعات والمنهيات، إذ ليس من المعقول: أن عبداً لا يعرف أوامر الله ولا نواهيه ويتقيه، كيف يتقيه ما دام لا يعرف المأمور به فيتركه وهو لا يدري، ولا يعرف المنهي عنه فيفعله وهو لا يدري! فلا بد من معرفة ما نتقي الله فيه، وهي أوامر ونواه من العقائد إلى الأقوال إلى الأعمال.وما هبطت أمتنا وسادها الشرق والغرب ومزقها إلا بعد أن جهلت وما عرفت فيما تتقي الله، وإلى الآن سكرى، اليوم سمعنا خبراً عجيباً من رجل صالح يقول: إنه سمع في الإذاعة أن البوسنة والهرسك أخذت تجهز شبيبتها وتبعث بها إلى الروافض في إيران، فيا للمصيبة.. يا للمحنة! هذا جزاؤنا لأننا معرضون، إذا تقوت تلك الأمة فستعرف ماذا تفعل بكم! فاليهود والنصارى أرحم منهم، ونحن في سكرة بحب الدنيا وأوساخها.قال: [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه؛ إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم ]، التقوى سلم الكمال وطريق النجاح، وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله، واجتناب نهيهما، مع معرفة ما يأتي:أولاً: بدون علم ما نستطيع أن نتقي الله.ثانياً: مع الفرقة والنزاع والصراع لن نقوم بالواجبات، لو كان أمرنا واحداً فنحن المسلمين فقط يوم يوجد القتال في البوسنة والهرسك نتولى طرد ذلك العدو وإبعاده، وننشر دعوة الله في إخواننا، لكن هل تحركت أمتنا؟قال [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه؛ إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم، وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتناب نهيهما، وأرشدهم إلى التوكل عليه تعالى في جميع أمورهم بقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122] ].بالمناسبة: كتبت كلمة وبعثنا بها إلى جريدة (المسلمون)، وما نشروها، لأننا هابطون، قلت: آن الأوان لأن تكون تركيا هي المركز، بلاد واسعة شاسعة في أوروبا، فعلى كل دولة إسلامية أن تبعث بفريق من جيشها، هذه تبعث خمسة ألاف وهذه تبعث عشرين ألفاً، وهذه عشرة وكذا فيتجمع على الأقل مليون مقاتل، ما إن تتجمع تلك القوات حتى تنهار تلك القوى الكافرة، ولكنا قد حررنا تلك الأمة المضطهدة المعذبة وغمرناها بنور العلم والإسلام والمعرفة، ولكن هزمنا أنفسنا فهزمناها، الآن المسيحيون من جهة يدخلون وينشرون الباطل والكفر، والمجوسية أيضاً، فلا إله إلا الله! وا حسرتاه!
    هداية الآيات
    [ هداية الآيات:أولاً: وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد وهو ذكره وشكره بطاعته ]، لقوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8].[ ثانياً: وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي ومع العدو سواء.ثالثاً: تأكيد الأمر بتقوى الله ]، فلابد منها.[ رابعاً: الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد ]، كما تقدم.[ خامساً: وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها ]، فالذي لا يذكر النعمة والله ما يشكرها، فلنجري نعم الله على ألسنتنا؛ حتى نقول على الأقل: الحمد لله، نركب السيارة وننزل وما نعرف: الحمد لله! نأكل ونشرب وما نعرف: الحمد لله! ننام ونقوم وما نعرف: الحمد لله! إذاً فكيف نشكر؟[ سادساً: وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى ].اللهم أيقظ المسلمين من غفلتم، وابعثهم بعثاً جديداً إليك يا رب العالمين ليعبدوك ويوحدوك وتتحد كلمتهم على رضاك ومحبتك، اللهم يا ولي المؤمنين تولنا ولا تتركنا لغيرنا يا رب العالمين.وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #316
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,153

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة المائدة - (3)
    الحلقة (315)

    تفسير سورة المائدة (11)


    يخبر الله سبحانه وتعالى عن اليهود أنه قد أخذ ميثاقهم على عهد موسى عليه السلام بأن يعملوا بما في التوراة، وأن يقاتلوا الكنعانيين ويخرجوهم من بيت المقدس، وبعث منهم اثني عشر نقيباً، فهؤلاء اليهود قد نقضوا عهدهم وميثاقهم، فكان جزاؤهم عند الله سبحانه وتعالى أن لعنهم، وجعل قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا كثيراً مما جاءهم به أنبياؤهم، فلا تصلح أحوالهم ولا يستقيم أمرهم.
    تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). فهنيئاً لكم معشر الدارسين والمستمعين.ما زلنا مع سورة المائدة المباركة الميمونة، وألفت نظر المستمعين إلى أننا لا نرتل الآيات ترتيل أهل القرآن؛ من أجل أن نفهم معنى مراد الله عز وجل، هذا هو السر، وإلا فلو رتلنا فإن أكثر المستمعين لا يتفطنون لمعنى الآية. يقول تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:12-13].
    المراد ببني إسرائيل
    قول ربنا جل ذكره: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12]، هذا إخبار من الله، الله يخبر عن نفسه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12]، من هم بنو إسرائيل؟ اليهود، لم قيل فيهم: بنو إسرائيل؟ لأن إسرائيل لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، هم بنو إسرائيل، ويحتفظون بنسلهم وذريتهم، فلهذا ما اختلطت بهم الأمم ولا الشعوب، ما يزوجون بناتهم لغيرهم، ولا يتزوجون من غيرهم إلا نادراً، فاحتفظوا بهذه النسبة، وهم المعروفون بعد ذلك باليهود، وقيل في تسميتهم باليهود: إنهم لما فعلوا تلك الجريمة، وطلب الله تعالى منهم التوبة قالوا: هدنا إليك يا ربنا، أي: رجعنا، فقيل فيهم: يهود، من هاد يهود: إذا رجع تائباً.
    مناسبة الآية لما قبلها
    إذاً: من أخذ عليهم الميثاق؟ الله عز وجل. وقد نقضوه: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة:13]، وما هو الميثاق؟ العهد الموثق المؤكد باليمين ذلك هو الميثاق؛ لأنه يربط صاحبه ربطاً كاملاً، وهنا ذكر تعالى هذا لنذكر نحن ميثاقنا مع ربنا، فقد تقدم ذلك في الآيات السابقة، ويكفي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:8-11]، فنحن عاهدنا ربنا ووثقنا المعاهدة عندما قلنا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، فما من مؤمن ولا مؤمنة شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا وقد عاهد الله على أن يعبده وحده وبما شرع في كتابه وعلى لسان رسوله، ويجب الوفاء بذلك حتى الموت، ومن أشرك بالله أو أعرض عن عبادته فقد نقض ميثاقه، ولا عجب أن يحدث النقض، وقد حدث في بني إسرائيل أبناء الأنبياء.ثم المناسبة أيضاً في الآية: أنه تقدم لنا أن الله عز وجل طلب منا شكره على نجاة نبينا من قتل اليهود، وعرفنا كيف تآمر بنو النضير على قتله صلى الله عليه وسلم، وبالفعل هموا وعزموا وأرادوا، ولكن الله سلم ونجى نبينا من غدرهم وخداعهم، فكانت نعمة على كل مؤمن ومؤمنة أن يذكرها ويشكر الله عليها، ولا عجب فها هم بنو إسرائيل أمامكم، واسمعوا ماذا يجري فيهم وما تم لهم، فقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12]، ونقضوه مئات المرات.
    معنى قوله تعالى: (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً)
    وقوله: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة:12]، النقيب فوق العريف، النقيب ذاك المسئول الذي ينقب على الأمور ويبحث عنها ويصلحها وينظمها، والجمع: نقباء، قالت العلماء: هي درجة أعلى من العريف. إذاً: هؤلاء النقباء اختارهم موسى عليهم السلام، وكانوا اثني عشر نقيباً، كل قبيل أو سبط من أسباطهم، أو كل عائلة أو أسرة من أسرهم أخذ منهم رجلاً من خيرتهم، وبعث بهم ليتحسسوا أو ليزنوا قوة العمالقة وقدرتهم على القتال في فلسطين، وهذا يوم خرج موسى ببني إسرائيل في صحراء سيناء وكان الذي كان كما سيأتي؛ حيث جبنوا وما استطاعوا أن يقاتلوا؛ فكتب الله عليهم التيهان أربعين سنة في تلك الصحراء. ولما كان موسى يقودهم في الطريق ليقاتل العمالقة من كفار ومشركين ويخرجهم من أرض القدس بعث هؤلاء النقباء ليعرفوا قيمة قتال الكافرين، وقدرتهم على القتال، فأصيبوا بالخور والجبن والضعف، إلا رجلين منهم فقط، كما سيأتي بيانه في الآيات.
    معية الله تعالى لعباده المؤمنين
    قال تعالى: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12]، باسم الله، قاتلوا العمالقة تنتصروا عليهم، أنا معكم، ومع هذا ما فعلوا، فالنقباء جاءوا يقولون العجب، يروى أن أحدهم قال لهم: إن عملاقاً أخذني وجعلني في جيبه، ووضعني بين أطفال يلعبون بي ويضحكون علي! ومن عاش أيام حرب ألمانيا الأخيرة سمع من العجب أكثر من هذا، فانهرموا فقالوا: لن نقاتل، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].وكتب الله عليهم التيه أربعين سنة: يرحلون وينزلون، ويرحلون وينزلون، وأمدهم باللحم والعسل في تلك الصحراء، آية من آيات الله، ومات موسى عليه السلام وقبله هارون عليه السلام، ثم قادهم يوشع بن نون ، بعدما مات الجيل المهزوم وجاء جيل جديد، بعد أربعين سنة، كل من كان عمره أكثر من عشرين سنة وأربعين مات، فغزا بهم ودخل بيت المقدس وطهرها.والشاهد في قوله تعالى: وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12]، وهل قال الله لنا: إني معكم؟ الجواب: نعم. أما قال في عشرات الآيات: أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]؟ فهيا اعملوا جاهدوا فالله معكم، الخور والجبن والضعف لا يصح، وإلا فكيف يخبر الله بأنه مع المتقين ولا نتقيه، يخبر بأنه مع المحسنين ولا نحسن سلوكنا ولا أعمالنا؟
    اشتراط إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لتحقق الوعد الإلهي
    وقوله تعالى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [المائدة:12]، انظروا إلى هذا الوعد الإلهي: وعزتي وجلالي لئن أقمتم الصلاة. وإقامة الصلاة هي أنه إذا أذن المؤذن وقف العمل، الفلاح يلقي بالمسحاة، الحداد يلقي بالآلة، التاجر يغلق باب تجارته، نادى المنادي فوقف العمل وأقبلت الأمة إلى بيت الرب، فيقيمون الصلاة يصلونها كما أمر الله وبين رسوله، وذلك طول الحياة، الصيف كالشتاء والخريف كالربيع، وحالة الجوع كحالة الغنى، هذا إقام الصلاة؛ لأنها عبادة يومية تلازم الحياة إلى نهايتها، فالمقيمون للصلاة أولئك الذين يتحدثون مع الله ويتكلمون معه ويناجونه خمس مرات في اليوم والليلة، إيمانهم لا يضعف، عقيدتهم لا تتزعزع كمالهم لا ينقص، بل يزدادون كمالاً وثباتاً، ومظهر تلك الإقامة: أنه لا يبقى في المدينة ولا القرية فحش ولا منكر ولا باطل ولا خبث ولا شر ولا فساد، وإن قلت: ها نحن نقيم الصلاة ونشاهد هذا، قلنا: فهل الذين يقيمون الصلاة تجدهم في السجون يتعاطون الحشيش أو الأفيون؟ والله لا أحد منهم، هل الذين يقيمون الصلاة تراهم يشهدون الزور في المحاكم؟ هات واحداً منهم؟ هل الذين يقيمون الصلاة ترى بينهم من يسب ويشتم الناس؟ فالذين خرجوا عن نظام الله في طاعته وطاعة رسوله إما تارك صلاة أو مصلون غير مقيمين للصلاة، يدخلها ويخرج منها ما عرف ماذا كان يقول ولا مع من كان قائماً. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ [المائدة:12]، أي: أعطيتم الزَّكَاةَ [المائدة:12] ثانياً، من كان عنده مال صامت أو ناطق، بين لنا رسولنا كيف نزكي الإبل والبقر والغنم، إذا حال الحول على غنمك أو بقرك أو شاة ضأنك فزك، هذا هو المال الناطق، والصامت كالغلال: البر والقمح والشعير والتمر والثمار، حصدت باسم الله فأخرج الزكاة، والصامت أيضاً: الدينار والدرهم، حال الحول على ما عندك وهو يساوي قيمة سبعين جرام ذهب فأخرج زكاته.
    صورة مثالية لحياة إسلامية اجتماعية
    لو كان أهل القرية أهل الحي من أحياء المدن يجتمعون في بيوت ربهم اجتماعنا هذا، وذلك كل ليلة طول العمر، يتلقون الكتاب والحكمة بالنساء والرجال والأطفال، النساء وراء ستارة والأطفال دونهن في صفوف كصفوف الملائكة وعليهم من يراقبهم والفحول أمام الجميع، ويدرسون كتاب الله كما ندرس الآن طول الحياة، هل يبقى بينهم ظالم جاهل؟ لا يبقى، يصبحون كالملائكة، هذه القرية صندوقها الحديدي أو الخشبي في محراب المسجد؛ لأن مسجد القرية أو الحي يصبح كخلية النحل، يبيت الناس ركعاً وسجداً يبيتون يتلون كتاب الله، لا يخلوا أبداً المسجد من الصالحين طول النهار والليل، ما يغلق باب المسجد، وفيه صندوق يقول المربي: معاشر المؤمنين والمؤمنات! من وجبت عليه زكاة فليأت بها ليودعها في هذا الصندوق، من وجبت عليه كفارة فليودعها في هذا الصندوق، من أراد أن يتصدق عن أبويه فليأت بصدقته، هذا الصندوق يمتلئ، والله ما يبقى في قريتهم أو حيهم من يسأل الناس أو يمد يده أو يفكر في أن يسرق أو يسلب أو يرتكب جريمة، وتظهر ثمار الزكاة، فإن قلت: ما نستطيع أن نفعل هذا يا شيخ؟ إذاً: فليبق هذا الهبوط والسقوط والبلاء والشقاء.
    أركان الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل وجزاء الوفاء به
    والشاهد عندنا: أن بني إسرائيل هؤلاء أخذ الله عليهم هذا العهد والميثاق: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [المائدة:12]، عامة الرسل، كل من أرسله الله فهو رسول، من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [المائدة:12]، ومع الأسف أنهم كفروا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفروا بالرسل، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [المائدة:12]، هذا مما أخذ عليهم من العهد، وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ [المائدة:12]، قويتموهم ونصرتموهم، معظمين مبجلين لهم، لا مهينين ولا محتقرين لهم، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12]، أيضاً، وهو غير الزكاة، الصدقات تسمى: قرضاً، من أراد أن يقرض الله فالله يقبل القرض، ويرد عليك بالأضعاف: الحسنة بعشر، حتى يسد باب الفقر وتنتهي الخلة بين المؤمنين.ثم ذكر الجزاء فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [المائدة:12]، التي قارفتموها وارتكبتموها، وَلَأُدْخِلَنَّ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة:12]، الأنهار تجري من تحت الجنة، من تحت قصورها ومن تحت أشجارها وما فيها من نعيم، فالدنيا الزائلة فيها أنهار، فكيف بالدار الخالدة؟ وقد عرفنا الأنهار في الجنة في كتاب الله، نهر الماء غير الآسن، واللبن الذي لم يتغير طعمه والخمر التي هي لذة للشاربين والعسل المصفى.
    وعيد الله لبني إسرائيل في نقض ميثاقهم
    ثم قال لهم: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12]، أخطأ الطريق الموصل إلى السعادة والكمال، بل تاه في متاهة الضياع والخسران، هذا مما أخذ الله على بني إسرائيل، وتوعدهم، ونحن مثلهم أم لا؟ نحن أولى بهذا، اسمع ما أعطانا نحن: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور:55]، بماذا؟ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، هذا لنا أو لبني إسرائيل؟ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [النور:55] يا أمة محمد، وعدهم بماذا؟ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُم فِي الأَرْضِ [النور:55]، أي: يجعلهم خلفاء يسودون العالم ويحكمون الناس، وهل فعل أو لم يفعل فعل؟ لقد فعل، فثلاثمائة سنة وراية الإسلام في عنان السماء ولا استطاع الشرق ولا الغرب أن ينال منها منالاً، وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55]، كانوا في المدينة ما يستطيع أحدهم أن يتبول في الليل، وبدل الله الخوف بالأمن، ولكن: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، وقال لبني إسرائيل أيضاً: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12].
    تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ...)
    ثم قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، نقضوا، فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، و(ما) هذه زائدة لتقوية الكلام، الأصل: فبسبب نقضهم، لكن (ما) هنا تلفت النظر، فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، أي: بنقضهم، ينقضون ماذا؟ العهد والميثاق، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [المائدة:13]، ماذا فعلنا بهم؟ لَعَنَّاهُمْ [المائدة:13]، ومن لعنه الله هل يسعد، يكمل، يطيب ويطهر؟ لقد أبعده من ساحة الخير كاملة.قال تعالى: لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13]، تعرفون قساوة القلب: يذبح طفله، ويشرب دم أبيه وأمه ولا يبالي، وهذا معروف به اليهود، وانتقل إلى غيرهم، والشاهد عندنا: أن القلب القاسي ذاك الذي لا يرق ولا يعطف ولا يرحم، لا يرى إلا حاجته ومصلحته. قال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]، نوع من بيان القساوة، يحرف كلام الله عن موضعه فيضع بدل هذه الكلمة كلمة أخرى؛ ليضلل الناس، فأي قساوة أعظم من هذه؟ لو كان قلبه يرق أو يخاف فلن يقدم على هذا، كلام الله يبدله للمصلحة أو الفائدة! وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] على ألسنة أنبيائهم ورسلهم، حظاً كبيراً. وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ [المائدة:13] يا رسولنا عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13]، (خَائِنَةٍ): طائفة خائنة أو خيانة بمعنى واحد، وإلى الآن لو كنا بصراء وسادة نكشف خفاياهم ونعرف خيانات رجالهم ونسائهم، هذا إلى يوم القيامة: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13]، وهذا يذكر بحادثة بني النضير، أما انكشفت سوأتهم وظهرت خيانتهم؟ وبعدها بنو قريظة خانوا وانضموا إلى الأحزاب وأرادوا أن يقاتلوا معهم، وإلى الآن وإلى يوم القيامة، ومع هذا قال له: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة:13]، لا تؤاخذهم واصفح عنهم، أعرض عنهم أعطهم صفحة وجهك ولا تلتفت إليهم. فهل هذا منسوخ بالأمر بقتالهم؟ ذلك جائز، وجائز أن يكون كل من يحصلون هذا الفساد ونحن أقوياء وقادرون وحكام وعالمون أنه يصفح عنهم إمامنا وذلك لأن الله يحب المحسنين: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13]، هل قتل الرسول من بني النضير رجلاً واحداً؟ تآمروا على قتله بالفعل واعترفوا وطوقهم برجاله كذا يوماً، وأخيراً قال: اخرجوا، وأذن لهم أن يحملوا أموالهم معهم، حتى الأبواب في المنازل أخذوها، حتى الأخشاب التي لهم حاجة إليها حملوها، هذا امتثال أمر الله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13].
    ملخص لما جاء في تفسير الآيات
    مرة ثانية: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12]، وأخذ الله ميثاقكم أيها المؤمنون، إذاً: فاثبتوا لا تتزعزعوا مهما كانت الظروف والأحوال، لا تخونوا عهدكم مع ربكم، أقيموا الصلاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.قال: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة:12]، وسيأتي بيان هذه الحادثة في الآيات الآتية إن شاء الله، وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12]، وهو أيضاً معنا، إلا من يخون، أما إذا خنا العهد ونقضناه فهو بريء منا فلا ينصرنا ولا يؤيدنا وقد فعل، فهل نصر المسلمين على اليهود؟ما نصرهم؛ لأنهم أبوا أن يكون الله معهم، ما أقاموا الصلاة ولا آتوا الزكاة، ولا أمروا بالمعروف ولا نهوا عن منكر، أشاعوا الربا والزنا والباطل والكذب والخيانة، والشرك والخرافة والضلال، هذا هو العالم الإسلامي، وجاء يريد أن يقاتل اليهود! كلما يتحركون تؤدبهم اليهود إلى اليوم، فكيف يتم هذا؟ لأن الله ليس مع المسلمين، ما سبب ذلك؟ أنهم نقضوا العهد، هل أقاموا الصلاة؟ هل جبوا الزكاة؟ هل أمروا بالمعروف؟ هل نهوا عن منكر؟ ما هي إلا هذه البقعة القليلة، وها نحن نهدم بيد فسقنا وفجورنا! لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12] الجواب: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة:12]، وهذا عهد الله لنا أيضاً، ونحن خير منهم، والله لئن أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وآمنا برسل الله وعزرناهم ولو بعد موتهم، نعظمهم ونجلهم ونحبهم، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12] في مشاريع الخير والهدى لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12]، ومعنى هذا: أنه خسر الدنيا والآخرة، طريق السعادة والكمال ضل عنه وما اهتدى إليه. ثم قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] يدل على قساوتها أنهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]يحرفون كلام الله، يضعون آية موضع آية تبيح لهم ممنوعاً، أو تحرم عليهم مباحاً، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] هل المسلمون الآن ذاكرون لكتاب الله لأوامره ونواهيه؟ لقد نسوا حظاً كبيراً.قال: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13] وها نحن نشاهد هذا في ديار المسلمين، كل عام تظهر خيانة وفساد وباطل وشر، في كل مكان، وكان ذلك مع اليهود.
    تفسير قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به...)
    وكان مع النصارى، حيث قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:14] قالوا: إنا نصارى نسبة إلى النصرانية ملة كاليهودية، وهل هي مشتقة من الناصرة لأن عيسى كان في قرية الناصرة، أو من قول الحواريين: نحن أنصار الله؟ الكل صحيح، النصارى هم عباد المسيح، هم المسيحيون هم الصليبيون.قال تعالى: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ [المائدة:14] كما أخذناه على اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا [المائدة:14]، الذي أخذنا عليهم العهد والميثاق أن يقوموا به ويعملوا به، ويؤدوه من العقيدة إلى العبادة إلى طاعة الله، نسوا حظاً كبيراً وأعرضوا عنه. فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:14] إذاً: ذاك النسيان ورثهم العداوة والبغضاء، فاختلفوا فتباغضوا وتدابروا، كما أخبر تعالى عنهم فقال: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:14].
    مكر اليهود بالنصارى وتحريفهم دينهم وتلبيسهم عليهم
    النصارى -يا معشر المؤمنين والمؤمنات- رجال آمنوا بعيسى عليه السلام، وهم من بني إسرائيل، لما كفر اليهود برسالة عيسى ونبوته، وادعوا أنه ساحر وأنه ابن زنا، وألبوا عليه الأمة بكاملها فتح الله على بعض الناس فآمنوا بعيسى، وسموا بالحواريين وبأنصار الله.واليهود -كما علمتم- حكموا على عيسى بالإعدام وأعدموا من شبهه الله لهم، ثم نزح بعيداً عن بيت المقدس إلى الشمال، وكون جماعة تعبد الله وتوحده، ورفع عيسى وبقيت الجماعة تعبد الله قرابة سبعين سنة فقط بعبادة شرعية كما هي في الإنجيل والتوراة، ثم احتال اليهود عليهم لما شاهدوا رئيس الحكومة الرومانية أسلم ودخل في المسيحية، وأصبحت الدولة تحمل راية التوحيد والإسلام، فـبولس عليه لعائن الله تنصر، وهو من كبار اليهود، وانضم إلى قسطنطين، وأخذ يفسد عليهم في المسيحية، فحولها إلى خرافات وضلالات، وهو الذي أفسدها عليهم، وأصبحت العداوة والبغضاء بينهم؛ لأنهم اختلفوا، هذا يقول كذا وهذا يقول كذا، كما قال تعالى: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:14]، الإنجيل زادوا فيه ونقصوا منه، وتحول إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً! كل ذلك زيادات أضيفت إلى الإنجيل، وما هناك من يحفظه عن ظهر قلب، وأخيراً لما انفضحوا أمام العالم تجمعوا ووحدوا الإنجيل، وجعلوه خمسة أناجيل، فالعاجز كالقوي، والعليم كالجاهل يقول: كيف يصبح كتاب الله خمسة كتب؟! لا شك أن أربعة كلها كذب وخرافات وضلالات.والشاهد عندنا: في مكر اليهود بهم، وفي أن النصارى نقضوا عهد الله عز وجل، أمروا أن يؤمنوا بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يلتفوا حوله، ويرفعوا راية الإسلام، فآثروا الدنيا على الآخرة، والباطل على الحق لشهواتهم وأهوائهم، ونسوا حظاً كبيراً وكثيراً مما ذكروا به في التوراة والإنجيل، وعلى لسان عيسى عليه السلام.كذا يقول تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:14] أيضاً أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ [المائدة:14] كما أخذنا من اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:14]، وإذا نبأهم وأخبرهم بجرائمهم فمعنى ذاك: أنه يجزيهم عليها، وهل ينبئهم لا لشيء فقط؟! بل ينبئهم بجرائمهم وكفرهم وفسادهم ليجزيهم به ويؤاخذهم عليه: بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:14].
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات
    على كل حال نسمعكم الآيات مرة أخرى من التفسير في هذه الصفحة؛ لتزدادوا إن شاء الله معرفة.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان خبث اليهود وغدرهم، فقد أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود الذين أخذ الله ميثاقهم على عهد موسى عليه السلام بأن يعملوا بما في التوراة وأن يقاتلوا الكنعانيين ويخرجوهم من أرض القدس، وبعث منهم اثني عشر نقيباً؛ هؤلاء قد نكثوا عهدهم ونقضوا ميثاقهم، وأنه لذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فقال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13] أي: فبنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة ويطيعوا رسولهم لَعَنَّاهُمْ [المائدة:13] أي: أبعدناهم من دائرة الرحمة وأفناء الخير والسلام وجعلنا قلوبهم قاسية شديدة غليظة، لا ترق لموعظة، ولا تلين لقبول هدى، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] فيقدم