أثر التقنية الحديثة في الطهارة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي أثر التقنية الحديثة في الطهارة




    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    [1]
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ






    وفيه خمسة مطالب:



    المطلب الأول: في حيض المبتدأة.



    المطلب الثاني: في أقل الحيض وأكثره.



    المطلب الثالث: في الصفرة والكدرة قبل الحيض.



    المطلب الرابع: في حيض الحامل.



    المطلب الخامس: في أكثر مدة النفاس.



    المطلب الأول: في حيض المبتدأة



    وفيه أربع فروع:



    الفرع الأول: ما قرره العلماء في حيض المبتدأة.



    الفرع الثاني: الآثار الفقهية المترتبة على مدة تربص المبتدأة عند الفقهاء.



    الفرع الثالث: إمكان معرفة نوع دم المبتدأة من خلال الطب الحديث.



    الفرع الرابع: الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في حيض المبتدأة.



    الفرع الأول



    ما قرره العلماء في حيض المبتدأة



    كتب الله تعالى الحيض على نساء العالمين، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ}[2]



    وهو دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب ولادة، وله أوقات معلومة، وصفة معلومة[3].



    ودم الحيض هو علامة بلوغ الجارية، إلا أن الفقهاء - رحمهم الله – اختلفوا في السن الذي تبلغ به الجارية بحيث ترى دم الحيض على أقوال كثيرة، أصحها: ما ذهب إليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة، وهو أن أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين قمرية[4].



    ثم إن الحائض لها أحوال ثلاثة:



    فإما أن تكون مبتدأة: وهي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك[5].



    وإما أن تكون معتادة: وهي التي استطاعت ضبط دم الحيض وصفاً ووقتاً[6].



    وإما أن تكون متحيرة: وهي التي لم تضبط دم الحيض لا وصفاً ولا وقتاً[7].



    والمبتدأة لها أحكام كثيرة عند الفقهاء – رحمهم الله – وخاصةً في كيفية ضبط العادة، فإذا رأت المبتدأة الدم، وكان في زمن إمكان الحيض - أي في سن تسع سنوات فأكثر - ولم يكن الدم ناقصاً عن أقل الحيض وهو يوم وليلة، ولا زائداً على أكثره وهو خمسة عشر يوماً بلياليهن- على خلاف بين الفقهاء في أقل الحيض وأكثره - فإنه دمُ حيضٍ , ويلزمها أحكام الحائض؛ لأن دم الحيض جبلة وعادة, ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه, والأصل عدمه.



    ثم إن للمبتدأة أحوالا, بحسب انقطاع الدم، واستمراره.



    الحالة الأولى : انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون[8].



    اختلف الفقهاء – رحمهم الله – في هذه الحالة على قولين:



    القول الأول:



    ما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية[9] والمالكية[10] والشافعية[11] ورواية عند الحنابلة[12] , قالوا: إذا انقطع الدم دون أكثر الحيض أو لأكثره ولم يجاوز ورأت الطهر, طهرت, ويكون الدم بين أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضاً, يجب عليها خلاله ما يجب على الحائض.



    القول الثاني:



    ما ذهب إليه الحنابلة في رواية - هي ظاهر المذهب[13] - من أن الدم، إن جاوز أقل الحيض، ولم يعبر أكثره, فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز؛ لأنه مشكوك فيه, بل تغتسل عقب أقل الحيض، وتصوم وتصلي فيما جاوزه.



    دليل القول الأول:



    استدل الجمهور لما ذهبوا إليه بقولهم: حكمنا بأن ابتداء الدم حيض مع جواز أن يكون استحاضة, فكذلك أثناءه; لأننا حكمنا بكونه حيضاً, فلا ننقض ما حكمنا به بالتجويز, كما في المعتادة؛ ولأن دم الحيض دم جبلة, والاستحاضة دم عارض لمرضٍ عرض؛ وعرقٍ انقطع, والأصل فيها الصحة والسلامة, وأن دمها دم الجبلة دون العلة[14].



    أدلة القول الثاني:



    استدل الحنابلة لما ذهبوا إليه في رواية ظاهر المذهب بما يلي:



    الدليل الأول:



    قالوا: إن في إجلاسها أكثر من أقل الحيض حكماً ببراءة ذمتها من عبادة واجبة عليها؛ فلم يحكم به أول مرة, كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة, ولا يلزم اليوم والليلة؛ لأنها اليقين, فلو لم نجلسها ذلك أدى إلى أن لا نجلسها أصلاً؛ ولأنها ممن لا عادة لها ولا تمييز, فلم تجلس أكثر الحيض, كالناسية[15].



    الدليل الثاني:



    قالوا: إن الدم، إن جاوز أقل الحيض، ولم يعبر أكثره، فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز؛ لأنه مشكوك فيه، بل تغتسل عقب أقل الحيض، وتصوم، وتصلي فيما جاوزه؛ لأن المانع منهما هو الحيض، وقد حكم بانقطاعه, وهو آخر الحيض حكماً, أشبه آخره حساً[16].



    وقد صرحوا بحرمة وطئها في الزمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره؛ لأن الظاهر أنه حيض, وإنما أمرت بالعبادة احتياطاً لبراءة ذمتها, فتعين ترك وطئها احتياطاً.



    ثم إنه متى انقطع الدم يوماً فأكثر أو أقل قبل مجاوزة أكثر الحيض, اغتسلت عند انقطاعه, لاحتمال أن يكون آخر حيضها, ولا تطهر بيقين إلا بالغسل ثم حكمها حكم الطاهرات, فإن عاد الدم فكما لو لم ينقطع[17].



    الترجيح:



    الراجح عندي – والله أعلم – هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء أصحاب القول الأول؛ وذلك لقوة دليلهم، ولمسايرته للأصل؛ إذ الأصل أن الدم الذي ينزل من المرأة ويصلح أن يكون دم حيض، فإنه دم الحيض، فكيف يحكم بأنها طاهر بعد مجاوزة أقل الحيض، والدم مستمر على صفته؟ وكيف تأمر بالصلاة والصيام، وتنهى عن الوطء؟ إذ في هذا تناقض.



    الحالة الثانية: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض.



    اختلف الفقهاء فيما إذا استمر دم المبتدأة، وجاوز أكثر الحيض على قولين:



    القول الأول:



    ذهب الحنفية[18] والمالكية[19] في قول إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض، وطهرها ما جاوزه.



    واستدلوا بما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم - :"الْمُسْتَحَاضَة ُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا"[20] ، أي أيام حيضها؛ ولأن ما رأت في أيام حيضها حيضٌ بيقين، وما زاد على أكثر الحيض استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضاً، فلا تصلي، أو يلحق بما بعده فيكون استحاضةً؛ فتصلي، ولا تترك الصلاة بالشك[21] .



    وقالو: إن هذا دم في أيام الحيض، وأمكن جعله حيضاً، فيجعل حيضاً، وما زاد على العشرة يكون استحاضة؛ لأنه لا مزيد للحيض على العشرة, وهكذا في كل شهر[22].



    القول الثاني:



    التفصيل - وذهب إليه جمهور العلماء من الشافعية[23] ، والحنابلة[24] ، والمالكية في قول لهم - وهو: أن المبتدأة المستحاضة لا تخلو من أمرين:



    الأمر الأول:



    أن يكون دمها متميزاً، بعضه أسود أو ثخين أو منتن الرائحة، وبعضه رقيق أحمر غير منتن الرائحة.



    فحيضها ما كان زمن الأسود أو زمن الثخين أو المنتن، إن صلح أن يكون حيضاً بأن لا ينقص عن أقل الحيض، ولا يجاوز أكثره.



    واستدلوا بما روي عن عائشة – رضي الله عنها - قالت: "قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _ صلى الله عليه وسلم - : إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَت الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي" متفق عليه[25].



    وفي لفظ: "إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ[26] ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَن الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ"[27].



    ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني والمذي[28].



    أما إن تعارضت الصفات، فإنه يرجح بالكثرة، فإن استوت، رجح بالسبق.



    وتثبت العادة بالتمييز كثبوتها بانقطاع الدم، فإذا رأت خمسة أيام دماً أسود في أول كل شهر، وتكرر ثلاثاً، صارت عادتها بالتمييز كثبوتها بانقطاع الدم، فتجلس أول كل شهر، ولو أطبق الأحمر بعده[29].



    الأمر الثاني:



    أن لا يكون دمها متميزاً، بأن كان كله أسود أو أحمر، أو متميزاً، ولم يصلح الأسود ونحوه أن يكون حيضاً بأن نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره[30].



    فإنها تجلس عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر، حتى يتكرر ثلاثاً، فإذا تكرر قعدت من كل شهر غالب الحيض ستاً أو سبعاً.



    واستدلوا على ذلك بما روي عن حمنة بنت حبيش – رضي الله عنها - قالت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ. فَقَالَ – صلى الله عليه وسلم - : تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتّاً أَوْ سَبْعاً, ثُمَّ اغْتَسِلِي"[31].



    فالنبي – صلى الله عليه وسلم - ردها إلى ستٍ أو سبعٍ، ولم يردها إلى اليقين، ولا إلى عادة نسائها، ولا إلى أكثر الحيض؛ ولأن هذه تُردُ إلى غالب عادات النساء في وقتها؛ لكونها تجلس في الشهر مرةً، فكذلك في عدد أيامها[32].



    وتفارق المبتدأة في جلوسها الأقل من حيث إنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب، ولم يتيقن لها دم فاسد، وإذا علم استحاضتها فقد اختلط الحيض بالفاسد يقيناً، وليس ثمَّ قرينة؛ فلذلك ردت إلى الغالب عملاً بالظاهر، وتجلس غالب الحيض من أول وقت ابتدائها - إن علمته - و إلا فمن أول كل شهر هلالي[33].



    الترجيح:



    الراجح – والله أعلم – هو ما ذهب إليه الجمهور من التفصيل؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ووجاهته، وسلامته من المعارضة؛ ولأن الدليل الشرعي يسند هذا القول ويدعمه.
    يتبع






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    [1]
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ





    ثبوت العادة للمبتدأة:
    إذا تقرر هذا، فكيف تثبت العادة للمبتدأة، بمعنى: هل يلزم التكرار لمعرفة العادة أم لا.؟
    اختلف العلماء – رحمهم الله – في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول:
    ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية[34] ، والمالكية[35] ، وهو الأصح عند الشافعية[36] ، وهو: أن العادة تثبت بمرة في المبتدأة.
    القول الثاني:
    ما ذهب إليه الحنابلة[37] ، وهو قولٌ شاذٌ عند الشافعية[38] ، وهو: أن عادة المبتدأة لا تثبت إلا بثلاث مرات، في كل شهر مرة.
    القول الثالث:
    رواية عند الحنابلة[39] ، وهو مقابل الأصح عند الشافعية[40] ، وهو: أن عدة المبتدأة تثبت بمرتين فقط.
    أدلة القول الأول:
    استدل أصحاب القول الأول بدليلين اثنين:
    الدليل الأول:
    قول الله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}[41] ، حيث شبه الله عز وجل العود في الآية الكريمة بالبدء، فيفيد إطلاق العود على ما فعل مرة واحدة[42].
    الدليل الثاني:
    حديث أم سلمة – رضي الله عنها -:"أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الل عليه وسلم - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُك الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِن الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ"[43].
    وجه الدلالة من الحديث:
    دل هذا الحديث على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة؛ ولأن الظاهر أنها فيه كالذي يليه؛ لقربه إليها، فهو أولى مما انقضى، وأولى من رد المبتدأة إلى أقل الحيض، أو أغلبه، فإنها لم تعهده، بل عهدت خلافه[44].
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    أجاب الحنابلة أصحابُ القول الثاني عن الاستدلال بالحديث بما يلي:
    أن لفظة (كان) في قول النبي – صلى الله عليه وسلم - :"لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِن الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا"، يخبر بها عن دوام الفعل وتكراره، ولا يقال لمن فعل شيئاً مرةً: كان يفعل.
    أدلة القول الثاني:
    استدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    حديث عائشة – رضي الله عنها - عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا" متفق عليه[45].
    وجه الدلالة من الحديث:
    قالوا لفظ (الْأَيَّامِ) الوارد في الحديث جاء على صيغة جمع، وأقله ثلاث, ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث، كالأقراء، والشهور في عدة الحرة, وخيار المصراة, ومهلة المرتد[46].
    الدليل الثاني:
    أن الدم إما أن يأتي في الثلاث متساوياً أو مختلفاً، فإن كان الدم في الثلاث متساوياً ابتداءً وانتهاءً, ولم يختلف تيقن أنه حيض، وصار عادة.
    وإن كان الدم على أعداد مختلفة، فما تكون منه ثلاثاً صار عادة لها دون ما لم يتكرر مرتباً كان أو غير مرتب.
    ومثاله: لو حاضت خمسة أيام في الشهر الأول, وستة أيام في الشهر الثاني, وسبعة أيام في الشهر الثالث, فإننا نجلسها الخمسة أيام لتكرارها ثلاثاً, كما لو لم يختلف.
    أما غير المرتب كأن ترى في الشهر الأول خمسة, وفي الشهر الثاني أربعة, وفي الشهر الثالث ستة, فتجلس الأربعة لتكررها[47].
    الدليل الثالث:
    أن العادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة، ولا نفهم من اسم العادة فعل مرةٍ بحال[48].
    دليل القول الثالث:
    استدل أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بأن العادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة[49].
    الجواب عن هذا الدليل:
    يجاب عنه بأن المعاودة لا تحصل من المرة الواحدة، ولا من المرتين، بل من الثلاث، وقد فهم ذلك من لفظ (الْأَيَّامِ) الوارد في حديث عائشة – رضي الله عنها - ؛ إذ جاء على صيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاث؛ ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث[50].
    الترجيح:
    الراجح – والله أعلم – هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن العادة لا تثبت للمبتدأة إلا بثلاث مرات، في كل شهر مرة؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ووجاهته وسلامته من المعارضة، ولورود المناقشة على أدلة المخالفين.
    هذه في الجملة أبرز المسائل الخلافية المتعلقة بحيض المبتدأة، ولا شك أن ما ذهب إليه العلماء - رحمهم الله - فيما اختاروه من تلك المسائل، واستدلوا له، عبارة عن اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، والأخذ بأي من الأقوال التي قررها الفقهاء يترتب عليه أثر في العبادات والأحوال الشخصية وغيرها، وهذا ما سأبينه في المسألة التالية، إن شاء الله.

    الفرع الثاني
    الآثار الفقهية المترتبة على مدة تربص المبتدأة عند الفقهاء

    أولاً: يترتب على الخلاف في حيض المبتدأة في الحالة الأولى - وهي: انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون - ما يلي:
    عند الجمهور أن المبتدأة تُعد حائضاً، إن رأت الدم في المدة بين أقل الحيض[51] وبين ما ترى الطهر، فتتعلق بها جميع أحكام الحيض، سواءً في العبادات كالصلاة والصيام، أو غيرها كالعدة والاستبراء.
    وأما على رواية الحنابلة التي هي ظاهر المذهب عندهم، فإن المبتدأة تُعد حائضاً، أقل مدة الحيض في الحالة المذكورة، ولا تعتبر حائضاً فيما جاوز ذلك، فهي تمتنع عن الصلاة والصيام في أقل مدة الحيض، وبعدها تغتسل، وتصلي، وتصوم، وتتوضأ لكل صلاة؛ لأنهم اعتبروا الدم الزائد عن أقل الحيض استحاضة.
    ثانياً: يترتب على الخلاف في حيض المبتدأة في الحالة الثانية - وهي: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض - ما يلي:
    فعلى القول الأول تُعد المبتدأة حائضاً لأكثر مدة الحيض، فإذا جاوزت أكثر مدة الحيض فتغتسل، وتصلي، وتصوم، وتفعل ما يفعله الطاهرات، والدم الذي تراه بعد ذلك دم استحاضة، وليس حيضاً.
    أما على القول الثاني، فإن كان دمها متميزاً فهي تُعد حائضاً في الدم الذي يصلح أن يكون دم حيض، فتدع الصلاة والصيام عند رؤيتها الدم الأسود الثخين المنتن، فإن انقطع، أو تغيرت صفته، اغتسلت، وصلت، وصامت، وفعلت ما تفعله الطاهرات.
    وإن لم يتميز دمها فإنها تتحيض أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثاً، فتدع الصلاة والصيام في أقل مدة الحيض من كل شهر، ثم تغتسل، وتفعل ما تفعله الطاهرات، وبعد تكرره ثلاثاً فإنها تتحيض من كل شهر غالب الحيض ستاً أو سبعاً، فتدع الصلاة والصيام ستة أيامٍ أو سبعة أيامٍ من كل شهر، وتغتسل بعد ذلك، وتفعل ما تفعله الطاهرات.
    ثالثاً: يترتب على الخلاف في ثبوت العادة للمبتدأة ما يلي:
    فعلى القول أن حيض المبتدأة يثبت بمرة واحدة، فإن رأت دم الحيض أول ما تراه ثمانية أيام فإن ذلك عادتها، فإن رأت في الشهر الثاني الدم لعشرة أيام فإنها تجلس عادتها الثمانية أيام، فتمتنع فيها عن الصلاة والصيام، ثم تغتسل بعد ذلك، وما تراه من الدم يكون استحاضة تتوضأ لكل صلاة.
    وأما على القول الثاني أن المبتدأة لا تثبت عادتها إلا بثلاث مرات، في كل شهر مرة، فإنها، إن رأت دم الحيض في الشهر الأول والثاني والثالث متساوياً ابتداءً وانتهاءً، ولم يختلف، تيقن أنه حيض، وصار عادة، فتمتنع عن الصلاة والصيام في المدة المذكورة.
    وإن كان الدم على أعداد مختلفة، فما تكرر منه ثلاثاً صار عادة لها، مرتباً كان كخمسة أيام في أول الشهر، وستة أيام في الشهر الثاني، وسبعة أيام في الشهر الثالث، فإن عادتها تكون خمسة أيام لتكررها ثلاثاً، فتجلس من كل شهر خمسة أيام، وتغتسل بعد انقضائها.
    وإن كان الدم غير مرتب، كأن ترى في الشهر الأول خمسة أيام، وفي الشهر الثاني أربعة أيام، وفي الشهر الثالث ستة أيام، فإن عادتها تكون أربعة أيام لتكرر الأربعة ثلاثاً، فتجلس أربعة أيام من كل شهر وتغتسل بعد انقضائها.
    أما على القول الثالث - وهو: أن عادة المبتدأة تثبت بمرتين - فإنها عندهم تجلس في الشهر الثالث ما تكرر في الشهر الأول والثاني[52].

    الفرع الثالث
    إمكان معرفة نوع دم المبتدأة من خلال الطب الحديث
    تمر المرأة البالغة الصحيحة بدورة شهرية، يحدث خلالها عدة تغيرات في جسمها؛ بسبب زيادة بعض الهرمونات ونقصانها، وهذه الهرمونات هي التي تتحكم في الرحم[53].
    والرحم هو مستودع الولد، وله غشاء يبطنه من الداخل، فإذا قاربت المرأة سن البلوغ، فإن هذا الغشاء يكون رقيقاً لا يتجاوز نصف المليمتر، ثم تبدأ بعد ذلك مرحلة النمو للرحم بأن يرسل المبيض من حويصلات جراف هرمون الأنوثة (الأستروجين)، فينمو غشاء الرحم من نصف مليمتر إلى خمسة مليمترات تقريباً، ويؤثر هذا الهرمون أيضاً في الأوعية الدموية، فتكبر هذه الأوعية، ويزداد عدد الغدد الرحمية، وتصبح على شكل أنابيب طويلة[54].
    ولا يكتفي هذا الهرمون بهذه التغيرات، بل يقوم - أيضاً - بتنمية عضلات جدار الرحم، ويؤثر في جميع الصفات الأنثوية للفتاة، فتتغير نبرة الصوت، وتنمو الأثداء، ويزداد ترسب الدهن فيها، ويوجد الرغبة الجنسية للفتاة بعد أن كانت تفتقدها في مرحلة الطفولة[55] ، وهذه المرحلة تسمى مرحلة النمو، ويكون سمك الغشاء المبطن للرحم من (4 إلى 8 ملم).
    ثم تبدأ مرحلة الإفراز بحيث ينمو الغشاء المبطن للرحم من (7 إلى 14 ملم) تقريباً[56] ، ويصبح أكثر تماسكاً، وتكثر الغدد الرحمية في هذه الفترة كثرةً بالغة، وتنمو الشرايين المغذية للرحم[57].
    فيصبح الرحم والجهاز التناسلي بل وجسم المرأة بأكمله نتيجة الهرمون الأنثوي مستعداً للحمل، فإذا قدر الله تعالى أن لا يكون هناك حمل، فإن هذا الهرمون يقل فجأةً عندما يعلم المبيض أن لا حمل هناك، ويقل عن الإفراز، وإذا قلت كمية هذا الهرمون في الدم انقبضت الأوعية الدموية المغذية لغشاء الرحم انقباضاً شديداً، حتى إنها تمنع عنه الغذاء منعاً باتاً، ثم يذوي هذا الغشاء، ويتفتت ما تحته من أوعية دموية، فيخرج منها الدم المحتقن، وهو دمٌ أسود ثخين، له رائحة منتنة، ويحتوي على قطع مفتتة من الغشاء المبطن للرحم[58].
    ويستغرق نزول كامل الغشاء المبطن للرحم (الحيض) مابين ستة أيام، وسبعة أيام غالباً، وإلا فإن النساء يختلفن في تلك المدة اختلافاً واضحاً[59].
    ثم إن الدم في الرحم قبل نزوله يتجلط، وبعد ذلك تتسلط علية مواد مذيبة تدعى أنزيم (الليفين)، تساعد في ذوبانه وتساقطه، فينزل بذلك دم الحيض لا يتجلط، ولو بقي سنين طويلة؛ ذلك أنه تجلط في الرحم، ثم أذيبت تلك الجلطة بفعل ذلك الأنزيم (الليفين).[60]
    بهذه الطريقة السابقة يحصل الحيض لدى المرأة، وبمعرفة ذلك وضبطه يمكن معرفة نوع الدم الذي تراه المبتدأة، هل هو دم حيضٍ، أم دم علةٍ وفساد؟
    وتحصل معرفة ذلك عن طريق التقنية الطبية الحديثة، التي ملأت المستشفيات في هذا الزمن، وأهم هذه التقنيات التي لا تخلوا منها عيادة نساء وولادة، جهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية[61] ، والتي من خلاله تم التعرف على الكثير من أمراض النساء، ولهذا الجهاز طرق عديدة في فحص الأعضاء التناسلية للمرأة، منها:
    1. عن طريق البطن.
    2. عن طريق المهبل، وغير ذلك من الطرق الكثيرة المستخدمة في الفحص.
    وما يهمني هو الفحص عن طريق المهبل، حيث يتم إدخال مِجَس خاص على شكل القلم في داخل المهبل، هذا المِجَس يكون ذا تردد عالٍ في حدود (الخمسة إلى سبعة ملايين هيرتز)، ويغطى هذا المجس بغطاء مطاطي واقٍ، ويوضع فيه مادةٌ هلامية خاصة من الجل (gel)، ثم يتم إدخال المجس ببطء دون إحداث ألم للمرأة، ثم تقوم الطبيبة بمراقبة صورة الرحم على التلفاز الطبي.[62]
    وفي حالة كون الفتاة لم تتزوج قبل، فإن الفحص يكون عن طريق البطن، وذلك حفاظاً على سلامة غشاء البكارة، كما أن له فوائد في تحديد مدى انتشار بعض أورام الرحم.
    وهذه التقنية الحديثة مكَّنت الأطباء من التعرف على طبيعة دم الحيض، واستطاعوا من خلالها النظر إلى داخل الرحم، وقياس الغشاء المبطن للرحم، فعندما تصل سماكته إلى أعلى مستوى - كما سبق بيانه – فإن هذا الغشاء يبدأ في الانحلال و النزول، ويتساقط على شكل قطع ثخينة سوداء مُنْتِنَة، وهو المعروف بدم الحيض.
    فتستطيع الطبيبة أن تتعرف على الدم الذي تراه المبتدأة من خلال النظر للرحم، ومعرفة مصدر الدم الخارج، فإن كان صادراً من أثر تفتت بطانة الرحم؛ فهو دم الحيض المعروف، وإن كان المصدر غير ذلك فهو غير دم الحيض المعروف.
    الفرع الرابع
    الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في حيض المبتدأة
    لا شك أن الفقهاء - رحمهم الله - عندما اجتهدوا في الدم الذي تراه المبتدأة لم يكن اجتهادهم ناشئاً عن تصور خاطئ، بل عن تصور تام، وفقه، ونظر في الأدلة.
    ثم إن اجتهادهم هذا كان متناسباً مع ذلك الزمن؛ إذ إنهم – رحمهم الله – لم يوكلوا المرأة الحائض التي رأت الدم أول مرةٍ إلى أمرٍ غيبي، أو أمرٍ غير محسوس، بل جعلوا للحيض علامات، ووقتا، إذا ضبطت المرأة الحائض تلك العلامات وذلك الوقت، تيسر لها فهم الكثير من مسائل الحيض.
    وفي المقابل نجد أن الفقهاء – رحمهم الله – احتاطوا للمرأة الحائض، فأوجبوا التكرار للمبتدأة؛ لكي تضبط العادة، وجعلوا للحيض مدة أقل وأكثر، كل ذلك احتياطاً منهم – رحمهم الله -؛ لكون دم الحيض تتعلق به أحكام كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها.
    ومع تقدم الزمن ظهرت التقنيات العلمية الحديثة من مخترعاتٍ وأجهزةٍ وأبحاث، فتحت للبشرية آفاقاً جديدة من العلم والتصور الصحيح للأمور الحادثة والقديمة، وبينت لنا تلك التقنيات الحديثة - وخاصةً فيما يتعلق بالتقنية الطبية الحديثة - المعاناة التي كان يتكبدها الأوائل في معرفة ما تراه المرأة الحائض من دم، هل هو دم حيض؟ أم دم فساد؟
    ولذلك روي عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ [63] فِيهَا الْكُرْسُفُ [64] فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ [65]. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ". [66]
    وَعَنْ ابْنَةِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ – رضي الله عنهما - : "أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ نِسَاءً كُنَّ يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إلَى الطُّهْرِ، فَكَانَتْ تَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَتَقُولُ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا". [67]
    وفي هذا الزمن أصبح من الممكن التعرف على دم المبتدأة أول ما تراه، من خلال زيارة لعيادة النساء والولادة، فتقوم الطبيبة بفحص دم الفتاة، وتحليل لبولها، فإن كان يحتوى على كمية كبيرة من هرمون الأنوثة (الأستروجين) وكمية قليلة من هرمون (البروجستيرون)، فإن هذه الفتاة معرضة للحيض.
    وبالكشف على الرحم، ومعرفة سماكة بطانته ، واحتوائه على الدم، فإنه عند نزوله يُعَدُّ دم حيض، لا دم فساد، لليقين بأنه نزل من أعلى الرحم، وأنه الدم المعتاد للنساء.
    وإن أظهرت الفحوصات المخبرية أن هذا الدم ليس بسبب تكسر الغشاء المبطن للرحم، وإنما هو نازل بسببٍ آخر، فإننا نحكم بكون هذا الدم دم فسادٍ وعلةٍ، لا دم حيض.
    وبذلك يرتفع خلاف الفقهاء - رحمهم الله -، ويكون الأثر الفقهي المترتب على الأخذ بقول الطب الحديث ما يلي:
    أولاً: الحكم بأن المبتدأة حائض فتدع الصلاة والصيام، وذلك إذا أثبتت الفحوصات المخبرية التي أجراها طبيب ثقة، أن هذا الدم دم حيضٍ، مع انتفاء احتمالية الخطأ في إجراء تلك الفحوصات، سواءً قل الدم عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره.
    والحكم بطهارة المبتدأة، إذا أثبتت الفحوصات المخبرية أن الدم الذي رأته المبتدأة ليس دم حيض، بل بسببٍ آخر، وفي هذه الحالة تصلي، وتصوم، وتفعل ما يفعله الطاهرات، إلا أنها تتوضأ لكل صلاة.
    ثانياً: أن المبتدأة المميزة، إن رأت دماً أسود ثخيناً له رائحةٌ منتنةٌ، فظنت أنه دم الحيض المعتاد، وأثبتت الفحوصات المخبرية خلاف ما ظنت، فإن القول قول الطبيب الثقة؛ لكون احتمالية الخطأ في تمييز صفة الدم أكثر من احتمالية خطأ الفحوصات المخبرية.
    ثالثاً: أن الصحابيات – رضي الله عنهن - كُنَّ يرسِلّْن إلى عائشة – رضي الله عنها - بِالدِّرَجَةِ، فِيهَا الْكُرْسُفُ، لكي تنظر إليها، وتخبرهُنَّ: هل هو دم حيض أم لا؟ فدل ذلك على اعتبار رأي الخبير.
    رابعاً: التكرار لثبوت عادة المبتدأة إنما ذكره الفقهاء – رحمهم الله – احتياطاً لها، للشك في الدم الأول، هل هو دم حيض أم لا؟ والفحوصات الطبية المخبرية فيها يقين ببقاء الدم أو بانتفائه، واليقين لا يزول بالشك، فقول الطبيب الثقة في ذلك معتبر.
    والذي يظهر لي – والله أعلم – أن طريقة الفقهاء أيسر، لتمكن عامة النساء من تطبيقها، أما قول الطبيب الثقة فيبقى قوياً، إلا أنه ليس ميسراً لكل النساء زيارة الطبيب لمعرفة ذلك، وخاصةً أن دم الحيض يتكرر كل شهر على المرأة ففيه مشقةٌ وعنتٌ لو فرضنا قول الطبيب، والمرأة لم تكلف بما يشق عليها، والدين جاء باليسر لا بالعسر، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ، وقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، فتبقى هذه التقنية لها اعتبارها لمن تمكن منها، ويبقى خلاف العلماء – رحمهم الله – على حاله لم يرفع، وإنما تزيد التقنية الحديثة آراء الفقهاء قوةً، ولربما رجحنا قولاً على قول، والله أعلم.





    [1] مبحث من رسالة دكتوراه بعنوان أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي للدكتور هشام بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد آل الشيخ.

    [2] سورة البقرة، الآية (222).

    [3] انظر مغني المحتاج (1/108)، نهاية المحتاج (1/323)، كشاف القناع (1/196).

    [4] انظر البناية (1/614)، بدائع الصنائع (1/157)، شرح فتح القدير (1/111)، حاشية ابن عابدين (1/296)، الفتاوى الهندية (1/36)، شرح الخرشي على مختصر خليل (1/204)، حاشية الدسوقي (1/168)، المجموع شرح المهذب للنووي (2/400)، نهاية المحتاج (1/324)، مغني المحتاج (1/108)، كشاف القناع (1/202)، المغني (1/447).

    [5] انظر حاشية ابن عابدين (1/296)، شرح الخرشي على مختصر خليل (1/204)، كشاف القناع (1/202)، الموسوعة الفقهية الكويتية (18/300).

    [6] المرجع السابق.

    [7] انظر الموسوعة الفقهية الكويتية (18/300).

    [8] اختلف الفقهاء – رحمهم الله – في أقل الحيض وأكثره على أقوال كثيرة، سيأتي ذكرها مع أدلتها في المطلب التالي، إن شاء الله

    [9] انظر فتح القدير (1/111)، البناية (1/614)، بدائع الصنائع (1/158)، الاختيار، للموصلي (1/26)، تحفة الفقهاء للسمرقندي (1/33)، حاشية ابن عابدين (1/297).

    [10] انظر حاشية الخرشي (1/381)، القوانين الفقهية (ص:31)، بداية المجتهد (1/69)، الكافي، لابن عبد البر(1/187).

    [11] انظر المجموع للنووي (2/415)، روضة الطالبين للنووي (1/144-145).

    [12] انظر المقنع و الشرح الكبير مع الإنصاف (2/397)، المغني (1/409)، الفروع (1/381).

    [13] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/397)، المغني (1/409)، الفروع (1/381).

    [14] انظر المغني (1/409).

    [15] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/398)، المغني (1/410).

    [16] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/402)، المغني (1/408).

    [17] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/402)، المغني (1/408).

    [18] انظر فتح القدير (1/111)، البناية (1/614)، بدائع الصنائع (1/158)، الاختيار، للموصلي (1/26)، تحفة الفقهاء (1/33)، حاشية ابن عابدين (1/297).

    [19] انظر المدونة (1/49)، حاشية الخرشي (1/381)، القوانين الفقهية (ص:31)، بداية المجتهد (1/69).

    [20] أخرجه أبوداود - واللفظ له - في كتاب الطهارة، باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر، حديث رقم (297)، وأخرجه النسائي في كتاب الحيض والاستحاضة، باب جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت، حديث رقم (360)، قال الشيخ الألباني v: صحيح، انظر الارواء، الحديق رقم (207).

    [21] انظر بدائع الصنائع (1/158).

    [22] انظر فتح القدير (1/111)، البناية (1/614)، بدائع الصنائع (1/158)، الاختيار للموصلي (1/26)، تحفة الفقهاء للسمرقندي (1/33)، حاشية ابن عابدين (1/297)، والمدونة (1/49)، حاشية الخرشي (1/381)، القوانين الفقهية (ص:31)، بداية المجتهد (1/69).

    [23] انظر المهذب للشيرازي (1/147-148)، روضة الطالبين (1/140)، المجموع للنووي (2/428).

    [24] انظر المغني (1/411)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/653-654).

    [25] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الاستحاضة، برقم: (306)، ومسلم في صحيحه (1/262) برقم (333).

    [26] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الاستحاضة، برقم: (306)، ومسلم في صحيحه (1/262) برقم (333).

    [27] أخرجه الإمام أحمد في المسند (42/399)، وأبوداود في سننه (1/82) برقم:(304) واللفظ له، والنسائي في سننه (1/151)، والحاكم في المستدرك (1/174) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي

    [28] انظر المهذب (1/148)، المجموع (2/428)، المغني (1/411)، غاية المرام (2/653-654).

    [29] انظر المغني (1/411)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/653-654).

    [30] انظر المغني (1/411)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/653-654).

    [31] أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/439)، وأبوداود في سننه (1/76) برقم (287)، والترمذي في سننه (1/149) برقم (128)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/56) برقم (267).

    [32] انظر المغني، لابن قدامة (1/411).

    [33] انظر المجموع، للنووي (2/458)، المغني، لابن قدامة (1/411)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/655-656).

    [34] انظر البناية في شرح الهداية (1/669-670)، المبسوط (1/209)، البحر الرائق (1/225).

    [35] انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/169)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/368).

    [36] انظر المهذب، للشيرازي (1/150)، المجموع، للنووي (2/442-443) وقد نقل إجماع علماء المذهب على ذلك، روضة الطالبين، للنووي (1/143).

    [37] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/397)، المغني، لابن قدامة (1/410)، الفروع، لابن مفلح (1/368)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/650).

    [38] انظر المجموع، للنووي (2/443).

    [39] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/397)، المغني، لابن قدامة (1/410)، الفروع، لابن مفلح (1/368)، غاية المرام شرح مغني ذوي الافهام (2/650).

    [40] انظر المهذب، للشيرازي (1/150)، المجموع، للنووي (2/442-443)،

    [41] سورة الأعراف، الآية (29).

    [42] انظر مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/368).

    [43] أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب المستحاضة، ص:(62)، والإمام أحمد في المسند (6/293)، وأبوداود في سننه، في كتاب الطهارة، باب المرأة تستحاض (1/62)، والنسائي في سننه، في كتاب الحيض، باب المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها (1/149)، وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة، باب المستحاضة عدة أيام أقرائها (1/204)، وهو صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.

    [44] انظر المهذب (1/151)، المجموع، للنووي (2/442)، المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/400).

    [45] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها.

    [46] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/401)، المغني (1/398).

    [47] انظر الموسوعة الكويتية (18/303).

    [48] انظر المجموع (2/443)، المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/400)، المغني (1/397).

    [49] انظر المجموع للنووي (2/443)، المغني (1/397).

    [50] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/401)، المغني (1/398).

    [51] على خلاف بين أصحاب هذا القول في تحديد أقل الحيض وأكثره كما سيأتي في المطلب التالي.

    [52] انظر الموسوعة الفقهية الكويتية (18/303)، المغني لابن قدامة (1/410-412).

    [53] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:110).

    [54] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:110)، والموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والإخصاب، للدكتور/ موسى محمد المعطي (ص:33-34)، والجامع في أمراض النساء "نوفاك" إعداد وترجمة مجموعة من المختصين في أمراض النساء والولادة (2/163).

    [55] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:111).

    [56] انظر المرجع الأجنبي غير المترجم: Current Obstelric And Gynecologic Diagnosis – Alan H. De Chemey Lauren Nathan (ص:59-60)، وقد أفادتني بذلك وزارة الصحة.

    [57] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:111)، الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والاخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:33-34).

    [58] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:126-127)، أمراض النساء الأعراض والوقاية والعلاج (ص:16).

    [59] جاء في ملاحظات وزارة الصحة أن الدورة الشهرية الطبيعية على ثلاثة أقسام:
    أولاً: فترة نزول الدم، وهي تتراوح ما بين يومين إلى ستة أيام، وبمعدل (4,7 يوم)، وأقصاها سبعة أيام.
    ثانياً: كمية الدم النازل، وتتراوح بين (20 إلى 60 ملم) وبمعدل (35 ملم)، وأقصى الكمية قد تصل إلى (80ملم).
    ثالثاً: فترة الطهر، تتراوح بين (21 إلى 35 يوم) وبمعدل (كل 28 يوم). وما تعدى ذلك زيادة أو نقصانا يعد حالة مرضية. انظر المرجع الأجنبي:Novak's Gynecology – Bedition (ص:160 و 358).

    [60] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:127).

    [61] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والاخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:19).

    [62] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والاخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:25).

    [63] الدرجة: بكسر الدال، وفتح الراء، والجمع درج بالضم، وهو كالسفط الصغير تضع فيه المرأة خف متاعها وطيبها. قاله ابن الأثير في النهاية (2/111).

    [64] أي القطن.

    [65] القصة البيضاء: هي أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها الحائض كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة، وقيل: القصة البيضاء شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقضاء الدم كله. قاله ابن الأثير في النهاية (4/71).

    [66] أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب طهر الحائض (1/59-60)

    [67] أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب طهر الحائض (1/59-60).








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (2)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ




    المطلب الثاني: في أقل الحيض وأكثره


    وفيه أربعة فروع:
    الفرع الأول: ما قرره العلماء في أقل الحيض وأكثره.
    الفرع الثاني: الآثار الفقهية المترتبة على مدة الحيض عند الفقهاء.

    الفرع الثالث: إمكان معرفة مدة الحيض من خلال الطب الحديث.
    الفرع الرابع: الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في أقل الحيض وأكثره.
    الفرع الأول :ما قرره العلماء في أقل الحيض وأكثره
    هذه المسألة من أكثر مسائل الحيض التي اهتم بها العلماء – رحمهم الله – في كتب الفقه، فقلَّما تجد كتاباً فقهياً يتحدث عن مسائل الحيض إلا وتطرق لمسألتنا هذه.
    وهذه المسألة ( أقل الحيض وأكثره) هي في الحقيقة مسألتان:
    المسألة الأولى: أقل الحيض.
    المسألة الثانية : أكثر الحيض.
    وسأتكلم عن كل مسألة من هاتين المسألتين على حدة.

    المسألة الأولى: أقل الحيض.
    صورة المسألة:
    لو رأت امرأة دم الحيض لساعات معينة من ليل أو نهار، أو استمر معها الدم، ثم توقف ليوم أو يومين؛ فهل هذا الدم الذي تراه هذه المرأة دم حيضٍ، أم دم فساد؟
    خلاف العلماء – رحمهم الله – في أقل الحيض:
    اختلف العلماء – رحمهم الله – في أقل مدة تُعَد المرأة فيها حائضاً على أقول هي:
    القول الأول:
    ما ذهب إليه الحنفية، وهو: أن أقل مدةِ الحيضِ ثلاثة أيام بلياليها، فلو رأت المرأة الدم لأقل من ثلاثة أيام بلياليها فهو دم استحاضة، وليس دم حيض.[1]
    القول الثاني:
    ما ذهب إليه المالكية، وهو: أنه لا تحديد لأقل الحيض، فما خرج يعتبر حيضاً في العبادة، وأما في العدة والاستبراء فيومٌ واحد.[2]
    القول الثالث:
    ما ذهب إليه الشافعية في أحد الوجهين[3]، وهو رواية عند الحنابلة[4]، وهو: أن أقل الحيض يوم بلا ليلة.
    القول الرابع:
    ما ذهب إليه الشافعية على الأصح[5]، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة[6]، وهو: أن أقل الحيض يوم بليلته.
    القول الخامس:
    ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية [7] بقوله: لا حد لأقل الحيض، ولا فرق في ذلك بين العبادة والعدة والاستبراء، قال في مجموع الفتاوى: "اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللَّهُ بِهِ أَحْكَاماً مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَا أَقَلَّهُ وَلَا أَكْثَرَهُ، وَلَا الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِم ْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدّاً فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يَحُدُّ أَكْثَرَهُ وَأَقَلَّهُ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّحْدِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحُدُّ أَكْثَرَهُ دُونَ أَقَلِّهِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَصَحُّ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَا لِأَقَلِّهِ، وَلَا لِأَكْثَرِهِ، بَلْ مَا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فَهُوَ حَيْضٌ"[8]، وهو مذهب ابن حزم الظاهري.[9]
    سبب الخلاف:
    سبب الخلاف في هذه المسألة - والله أعلم - هو النظر إلى التجربة والعادة وغالب أحوال النساء وطبائعهن، فكل واحد من أهل العلم نظر إلى نساء بلده وزمانه، فاعتبر غالب أحوالهن.
    أدلة القول الأول:
    استدل الحنفية لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    حديث عائشة رضي الله عنها - عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا" متفق عليه.[10]
    وجه الدلالة من الحديث:
    قالوا: لفظ (الأيام) الوارد في الحديث جاء على صيغة جمع، وأقله ثلاث.[11]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    أجاب ابن حزم الظاهري: "وَالْعَجَبُ مِنْ انْتِصَارِهِمْ هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ الْأَيَّامِ إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ لَا أَقَلَّ, وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}[12] أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى أَخَوَيْنِ فَقَطْ، فَهَلَّا جَعَلُوا لَفْظَةَ الْأَيَّامِ تَقَعُ هَهُنَا عَلَى يَوْمَيْنِ؟".[13]
    الدليل الثاني:
    استدلوا - أيضاً - بعدة أحاديث :
    1. عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : "أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرً يَوْماً".[14]
    2. عن أبي أمامة – رضي الله عنه - أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: "أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ".[15]
    3. عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول:"لَا حَيْضَ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, وَلَا حَيْضَ فَوْقَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ, فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إلَّا أَيَّامَ أَقْرَائِهَا".[16]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    ونوقشت هذه الأحاديث: بأنها أحاديثُ ضعيفة، لا تقوم بمثلها حجة.[17]
    الدليل الثالث:
    روي عن جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، ثمان، تسع، عشر، ولم يرو عن غيرهم خلافه، فيكون إجماعاً.[18]
    أدلة القول الثاني:
    استدل المالكية لما ذهبوا إليه بما روي عن عائشة – رضي الله عنها - ، قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش – رضي الله عنها - :"إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ[19]، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ".[20]
    وجه الدلالة من الحديث:
    قالوا: إن النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يعلق الحيض في الحديث السابق بالقليل أو الكثير، وإنما علقه بوجوده ورؤيته، فلا يجوز تخصيص وقت دون وقت بذلك، وما دام يوجد الحيض فله حكمه الذي جعله الله تعالى له، حتى يأتي نص أو إجماع على أنه ليس حيضاً، ولا نص، ولا إجماع هنا.[21]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    قالوا: كون النبي – صلى الله عليه وسلم - علق حكم الصلاة بوجود دم لم ينازع فيه أحد، فالاستدلال خارج عن موضع النزاع؛ لأن الأئمة يقولون بموجبه، وإنما المطلوب إثبات أن الحديث يبين أقل الحيض وأكثره، وهذا الحديث لم يتطرق لذلك فلا شاهد فيه.
    ثم إن تفريقهم بين العبادة والعدة والاستبراء في أقل الحيض تفريق لا محل له، وقد أجاب ابن حزم عن ذلك بقوله: "أَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، وَبَيْنَ الْعِدَّةِ, فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ, وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلاً, لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ, وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ, فَوَجَبَ تَرْكُهُ".[22]
    أدلة القول الثالث:
    استدل أصحاب هذا القول أن الحيض ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد, ولا حد له في اللغة, ولا في الشريعة, فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة , كما في القبض, والإحراز, والتفرق, وأشباهها, وقد وجد حيض معتاد يوماً.[23]
    روي عن الإمام الشافعي[24] أنه قال:"رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْماً لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ".[25]
    وروي عن الأوزاعي[26] أنه قال:"عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً، وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً".[27]
    وروي عن عطاء[28] قال:"رَأَيْتُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْماً، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً".[29]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    يمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بأن الآثار السابقة على فرض صحتها فإنها محتملة اليوم بليلته[30]، وأما قولهم: إن هذا هو المعهود من حيض النساء فلا حجة في هذا؛ لأنه لم يوجب مراعاة ذلك قرآن، ولا سنة، ولا إجماع, وقد يوجد في النساء من لا تحيض أصلاً فلا يجعل لها حكم الحيض, فبطل حملهن على المعهود, وقد يوجد من تحيض أقل وأكثر, فسقط هذا القول.[31]
    أدلة القول الرابع:
    استدل أصحاب القول الرابع بعدة أدلة هي في الجملة أدلة القول الثالث، إلا أنهم جعلوا الليلة مع اليوم، وقالوا: إن هذا الذي ثبتت به عادة النساء.[32]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    يجاب عن هذا الاستدلال بمثل الجواب عن دليل القول الثالث السابق.
    وقال الإمام ابن حزم الظاهري جواباً على هذا القول - أيضاً -:"ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ, فَوَجَدْنَاهُ - أَيْضاً - لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ, فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ إجْمَاعاً فِي ذَلِكَ فَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: إنَّهُ يَعْرِفُ امْرَأَةً تَطْهُرُ عَشِيَّةً، وَتَحِيضُ غُدْوَةً,[33] وَأَيْضاً، فَإِنَّ مَالِكاً وَالشَّافِعِيَّ قَدْ أَوْجَبَا بِرُؤْيَةِ دَفْعَةٍ مِنْ الدَّمِ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَفِطْرَ الصَّائِمَةِ وَتَحْرِيمَ الْوَطْءِ, وَهَذِهِ أَحْكَام الْحَيْضِ, فَسَقَطَ - أَيْضاً - هَذَا الْقَوْلُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
    ثم قَالَ: ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا: بِمَاذَا تُفْتُونَهَا ؟ فَلَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي أَنَّهَا حَائِضٌ، وَلَا تُصَلِّي، وَلَا تَصُومُ, فَنَسْأَلُهُمْ: إنْ رَأَتْ الطُّهْرَ إثْرَهَا ؟ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: تَغْتَسِل وَتُصَلِّي, فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ, وَكَانَ يَلْزَمُهُمْ -إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا- أَلَّا تُفْطِرَ، وَلَا تَدَعَ الصَّلَاةَ، وَأَلَّا يَحْرُمَ وَطْؤُهَا إلَّا حَتَّى تُتِمَّ يَوْماً وَلَيْلَةً فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ, أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ, فَإِذْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - فَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ".[34]
    أدلة القول الخامس:
    استدل شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذهب إليه بأنه لم يرد في الشرع تحديد مدة معينة لا لأقل الحيض، ولا لأكثره، فقال في مجموع الفتاوى: "اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللَّهُ بِهِ أَحْكَاماً مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَا أَقَلَّهُ وَلَا أَكْثَرَهُ، وَلَا الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ، مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِم ْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدّاً فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يَحُدُّ أَكْثَرَهُ وَأَقَلَّهُ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّحْدِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحُدُّ أَكْثَرَهُ دُونَ أَقَلِّهِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَصَحُّ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَا لِأَقَلِّهِ، وَلَا لِأَكْثَرِهِ، بَلْ مَا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فَهُوَ حَيْضٌ"[35]

    ثم إن كل أمر احتيج إلى تحديده، ولم يرد في الشرع تحديده؛ فإن الرجوع فيه إلى العرف والعادة، والعرف والعادة تختلف باختلاف النساء.[36]
    الترجيح:
    الراجح عندي – والله أعلم – هو القول الخامس، لسلامة أدلته من المعارضة، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى، ومناقشتها؛ ولأنه لم يرد في الشرع دليل صحيح يحد أقل الحيض بحد معين، وإنما المستند عند الجميع الوجود، وهو ليس بدليل أبداً.
    يتبع





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (2)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ



    المسألة الثانية : أكثر الحيض.
    صورة المسألة:
    لو كانت هناك امرأة تحيض كل شهر سبعة أيام، ثم زاد عليها الدم بعد ذلك، فأصبح لا ينقطع عنها إلا بعد ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو عشرين يوماً، فكم تكون أقصى مدة تعدها هذه المرأة حيضاً؟
    تحرير محل النزاع:
    اتفق الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر؛ لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً.[37] واختلفوا في أكثر الحيض، على ثلاثة أقول:
    القول الأول:
    مذهب الحنفية، وهو: أن أكثر الحيض عشرة أيام.[38]
    القول الثاني:
    مذهب المالكية[39]، والشافعية[40]، والحنابلة[41] وهو: أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
    القول الثالث:
    ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميةv وهو: أنه لا حد لأكثر الحيض، فقد يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً. أو أكثر من ذلك ما لم تصر مستحاضة.
    قال في مجموع الفتاوى: "اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللَّهُ بِهِ أَحْكَاماً مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَا أَقَلَّهُ وَلَا أَكْثَرَهُ، وَلَا الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ، مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِم ْ إلَيْهِ".[42]
    سبب الخلاف:
    سبب الخلاف في هذه المسألة - والله أعلم - ، هو النظر إلى غالب أحوال النساء وطبائعهن، فمنهن من يزيد حيضها على عشرة أيام، ومنهن من يزيد على خمسة عشر يوماً، ومنهن من يزيد على ذلك، فكل واحد من أهل العلم نظر إلى نساء بلده وزمانه فاعتبر غالب أحوالهن.
    أدلة القول الأول:
    استدل الحنفية لما ذهبوا إليه بدليلين هما:
    الدليل الأول:
    عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرً يَوْماً"[43]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    ونوقش هذا الدليل: بأنه حديثٌ ضعيف، لاتقوم بمثله حجة.[44]

    الدليل الثاني:
    روي عن جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، ثمان، تسع، عشر، ولم يرو عن غيرهم خلافه، فيكون إجماعاً.[45]
    أدلة القول الثاني:
    استدل الجمهور لما ذهبوا إليه بعدة أدلة، أذكر منها:
    الدليل الأول:
    يروى عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه قال في النساء: ("َمْكُثُ إِحْدَاَكُنَّ شَطّرَ دَهْرِهَاَ لاَ تُصَلِي".[46]
    وجه الاستدلال من الحديث:
    قالوا: إن النبي – صلى الله عليه وسلم - سوى بين ما تفعل فيه الصلاة، وبين ما تتركها، فتصلي خمسة عشر يوماً، وتدع الصلاة خمسة عشر يوماً، فدل على أنه أكثر الحيض.[47]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    ونوقش هذا الدليل بأمرين:
    الأول: أن هذا الحديث ضعيف.[48]
    الثاني: على فرض صحته، فليس المراد من الشطر المذكور النصف؛ لأنا نعلم قطعاً أنها لا تقعد نصف عمرها، ألا ترى أنها لا تقعد حال صغرها، وإياسها، وكذا زمان الطهر يزيد على زمان الحيض عادة، فكان المراد ما يقرب من النصف، وهو عشرة، وكذا ليس من ضرورة انقسام الشهر على الطهر والحيض، أن تكون مناصفة، إذ قد تكون القسمة مثالثة، فيكون ثلث الشهر للحيض، وثلثاه للطهر.[49]
    الدليل الثاني:
    قول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه :"مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ".[50]
    الدليل الثالث:
    قالوا: إنه ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، كما في القبض، والإحراز، والتفرق، وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يوماً، وخمسة عشر يوماً.[51]
    أدلة القول الثالث:
    استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بما يلي:
    الدليل الأول:
    قال: إن الله تعالى علّق على الحيض أحكاماً متعددةً في الكتاب والسنة، ولم يقدّر أقله ولا أكثره، ولا أقل سن تحيض له المرأة ولا أكثره.[52]

    الدليل الثاني:
    أن كل أمر احتيج إلى تحديده، ولم يرد في الشرع تحديده؛ فإن الرجوع فيه إلى العرف والعادة، والعرف والعادة تختلف باختلاف النساء.[53]
    الترجيح:
    الراجح عندي – والله أعلم – هو القول الثالث، لسلامة أدلته من المعارضة، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى، ومناقشتها.

    الفرع الثاني: الآثار الفقهية المترتبة على مدة الحيض عند الفقهاء
    يظهر الأثر الفقهي المترتب على أقل الحيض فيما إذا طهرت امرأة بعد ما رأت الدم ليومين؛ فيجب عليها الاغتسال في اليوم الثاني عند المالكية، والشافعية، والحنابلة، وكذا عند شيخ الإسلام ابن تيمية والظاهرية، أما عند الحنفية فيجب عليها ما يجب على الطاهرات من صلاة، وصيام، وغير ذلك.
    وأما إذا رأت الدم لأقل من اليوم فعند شيخ الإسلام ابن تيمية v و الظاهرية والمالكية أنه حيض، يلزمها ما يلزم الحائض، من اجتناب الصلاة، والصيام، وغير ذلك من الأمور التي تمتنع عنها الحائض، ويجب عليها الاغتسال عند انقطاعه، أما عند الحنفية والشافعية والحنابلة فليس بحيض، بل هو دم فساد.
    وأوضح ذلك في الجدول التالي:
    الأقوال
    مدة الحيض
    ساعة من نهار
    يوم بلا ليلة
    يوم وليلة
    ثلاثة أيام بلياليها
    القول الأول
    ليس حيضاً
    ليس حيضاً
    ليس حيضاً
    حيض
    القول الثاني
    حيض في العبادة
    حيض في العباده
    حيض
    حيض
    القول الثالث
    ليس حيضاً
    حيض
    حيض
    حيض
    القول الرابع
    ليس حيضاً
    ليس حيضاً
    حيض
    حيض
    القول الخامس
    حيض
    حيض
    حيض
    حيض

    وأما الأثر المترتب على الخلاف في أكثر الحيض فيظهر فيما إذا حاضت امرأة ستة عشر يوماً؛ فيجب عليها الاغتسال في اليوم العاشر عند الحنفية، وفي اليوم الخامس عشر عند الجمهور؛ ولو لم ينقطع الدم، ويجب عليها ما يجب على الطاهرات من صلاة، وصيام، وغير ذلك.
    وأما عند شيخ الإسلام ابن تيمية فالدم دم حيض، ويلزمها ما يلزم الحائض، من اجتناب الصلاة، والصيام، وغير ذلك من الأمور التي تمتنع عنها الحائض.

    الفرع الثالث: إمكان معرفة مدة الحيض من خلال الطب الحديث


    لا تختلف طريقة معرفة مدة الحيض من خلال التقنية الطبية الحديثة، عن طريقة تحديد نوع الدم الذي تراه المرأة، التي ذكرتها في المسألة السابقة[54]؛ وذلك أن خروج دم الحيض المعروف يكون أسود ثخيناً، له رائحة نتنة، ويحتوي على قطع مفتتة من الغشاء المبطن للرحم.[55]
    ثم إن الدم في الرحم قبل نزوله يتجلط، وبعد ذلك تتسلط علية مواد مذيبة تدعى أنزيم (الليفين)، تساعد في ذوبانه وتساقطه، فينزل بذلك دم الحيض لا يتجلط، ولو بقي سنين طويلة، ذلك أنه تجلط في الرحم ثم أذيبت تلك الجلطة بفعل ذلك الأنزيم (الليفين).[56]
    ويستغرق نزول كامل الغشاء المبطن للرحم (الحيض) مابين يومين إلى سبعة أيام غالباً في الحالات الطبيعية، وإلا فإن النساء يختلفن في تلك المدة اختلافاً واضحاً.
    يقول الدكتور دوجالد بيرد في كتابه المرجع في أمراض النساء والولادة:(وكمية دم الحيض تختلف من امرأة إلى أخرى، وما هو طبيعي بالنسبة لامرأة يعتبر غير طبيعي لامرأة أخرى، فكل امرأة وما اعتادته، وقد قيست كمية الدم النازل في فترة الحيض وزناً وحجماً فوجد ما بين أوقيتين (20ملم – 60ملم)، وبمعدل 35ملم، وأقصى الكمية تصل إلى 80ملم).[57]
    ويمكن معرفة مدة نزول الحيض لكل امرأة على حدة، وذلك عن طريق التقنية الطبية الحديثة، ومن خلال جهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية[58]، الذي مكَّن الأطباء من النظر إلى داخل الرحم، وقياس الغشاء المبطن له، فعندما ينزل دم الحيض، ويستغرق نزوله من اليوم إلى الثلاثة أيام مثلاً، ثم يتوقف، فإن كان الرحم قد قذف الغشاء كله خارجاً، فقد انتهت مدة الحيض عند هذه المرأة، وهكذا فكل امرأة لها مدة تختلف عن الأخرى.
    ولا يمكن من خلال التقنية الطبية الحديثة تحديد مدةٍ للحيض - أقله أو أكثره - ثابتةٍ لكل نساء العالمين، وإنما يمكن تحديد ذلك لكل امرأة على حدة.
    وقد جاء في التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة في دولة الكويت عام1987م ما يلي:( اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل: إن أقل الحيض نقطة، أما تحديد أكثره فيرجع فيه إلى عادة كل امرأة ).[59]
    الفرع الرابع: الأثر الفقهي لأخذ بقول الطب الحديث في أقل الحيض وأكثره

    الذي يظهر لي - والله أعلم - أن الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في هذه المسألة هو ترجيح قول شيخ الإسلام ابن تيمية[60]، وهو أن لا تحديد لأقل الحيض ولا لأكثره، وإنما يرجع في ذلك إلى عادة النساء المطردة.
    والقول بارتفاع الخلاف في هذه المسألة صعبٌ، لا سيما فيما يتعلق بأكثر الحيض، وذلك لأن التقنية الحديثة في هذا المجال لم تثبت شيئاً، ولا تزال قيد البحث والدراسة.
    فيبقى خلاف العلماء – رحمهم الله – على حاله إلى حين ورود اليقين من قبل الجهات أو الأبحاث الطبية المعتمدة.
    وقول شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب للصواب، لقوة أدلته وسلامتها من المعارضة، ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.





    [1] انظر فتح القدير، لابن الهمام (1/111)، البناية، للعيني (1/614)، بدائع الصنائع، للكاساني (1/154)، الاختيار، للموصلي (1/26)، تحفة الفقهاء، للسمرقندي (1/33)، حاشية ابن عابدين (1/297).

    [2] انظر المعونة للقاضي عبدالوهاب (1/187)، حاشية الخرشي (1/381)، الكافي لابن عبد البر (1/185)، التمهيد، لابن عبد البر (16/71)، بداية المجتهد، لابن رشد (1/68

    [3] انظر الأم (1/67)، مغني المحتاج، للشربيني (1/109)، المجموع، للنووي (2/403).

    [4] انظر المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف (2/392)، المغني، لابن قدامة (1/388)، الفروع (1/364).

    [5] انظر الأم (1/67)، مغني المحتاج، للشربيني (1/109)، المجموع (2/403)، روضة الطالبين (1/134).

    [6] انظر المقنع و الشرح الكبير مع الإنصاف (2/392)، المغني (1/388)، الكافي (1/163)، الفروع، لابن مفلح (1/364)، كشاف القناع، للبهوتي (1/480)، المستوعب، للسامري (1/97).

    [7] هو: أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم النميري الحراني ثم الدمشقي، تقي الدين ابن تيمية، الإمام الحافظ المجتهد، شيخ الإسلام، سجن في مصر بسبب تعصب جماعة من أهلها، واعتقل بدمشق سنة 720هـ، ثم أطلق، وأعيد ليموت معتقلاً بقلعة دمشق سنة 728هـ، نبغ في العلوم كلها، من مؤلفاته الكثيرة: مجموع الفتاوى، درء تعارض النقل والعقل، الاستقامة، منهاج السنة.
    انظر: الفتح المبين (2/131)، فوات الوفيات (1/35)، الدرر الكامنة (1/144)، البداية والنهاية (18/295)، النجوم الزاهرة (9/271)، الأعلام، للزركلي (1/144).

    [8] مجموع الفتاوى (19/237)، وانظر الإنصاف، للمرداوي(1/384).

    [9] انظر المحلى لابن حزم (2/197).

    [10] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها

    [11] انظر المحلى، لابن حزم (2/195).

    [12] سورة النساء الآية (11).

    [13] انظر المحلى، لابن حزم (2/197).

    [14] أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/383)، وفيه أبو دؤاد النخعي، قال ابن الجوزي: كان هو وأبو البختري يضعون الحديث.

    [15] أخرجه الدارقطني في سننه، في كتاب الحيض برقم(60)، (1/218)، وفي سنده رجل اسمه عبد الملك، قال عنه الدارقطني: رجل مجهول، وفيه العلاء بن كثير وهو ضعيف، والحديث من رواية مكحول عن أبي أمامة، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئاً هكذا قال الدار قطني

    [16] أخرجه ابن عدي في الكامل (6/141)، وفيه محمد بن سعيد الشامي، فالبخاري وابن معين والثوري قالوا: إنه يضع الحديث. انظر البناية شرح الهداية، للعيني (1/617)، المحلى، لابن حزم (2/197)، نصب الراية، للزيلعي (1/274).

    [17] انظر أسنى المطالب، للأنصاري (1/99)، والبناية شرح الهداية، للعيني (1/617)، المحلى، لابن حزم (2/197).

    [18] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/40)، الأثر عن أنس، وعثمان بن أبي العاص dفي مصنف ابن أبي شيبة (4/200). وأما عمران بن حصينt فلم أجد الأثر عنه

    [19] قال الصنعاني: قوله(يُعرِف)بضم حرف المضارعة وكسر الراء: أي له عرف ورائحة، وقيل: بفتح الراء أي تعرفه النساء.

    [20] أخرجه الإمام أحمد في المسند (6/194)، وأبوداود في الطهارة، باب من قال تتوضأ لكل صلاة، الحديث رقم (304)، والنسائي في الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، الحديث رقم (363)، والحاكم في المستدرك (1/174) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

    [21] انظر المعونة، للقاضي عبد الوهاب (1/187)، المحلى، لابن حزم الظاهري (2/192).

    [22] انظر المحلى، لابن حزم (2/193).

    [23] انظر المجموع، للنووي (2/403)، المغني، لابن قدامة (1/389).

    [24] هو: الإمام، الحبر، أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي المطلبي القرسي، أحد الأئمة الأربعة، نسبته إلى جده شافع الذي لقي النبي ﷺ ، ولد سنة 150هـ ، وأفتى، وهو ابن عشرين سنة، وهو أول من صنف في علم الأصول، توفي سنة 204هـ. انظر: طبقات الشافعية (1/185)، شذرات الذهب(2/9)، تذكرة الحفاظ(1/329)، حلية الأولياء (9/63)، الأعلام، للزركلي (6/26).

    [25] انظر الأم للشافعي (1/64)، المجموع للنووي (2/403)،المغني (1/389)، المحلى (2/193).

    [26] هو: شيخ الإسلام ، وعالم أهل الشام، أبو عمرو، عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، سكن بيروت إلى أن مات بها، ولد سنة 88هـ ، و توفي سنة 157هـ. انظر: السير (7/107)، طبقات ابن سعد (7/488)، الحلية (6/135)، وفيات الأعيان (3/127)، ميزان الاعتدال (2/580)، تهذيب التهذيب (6/238)، تذكرة الحفاظ (1/178)، شذرات الذهب (1/241)

    [27] روى هذا الأثر عن الإمام الأوزاعي الدارقطني في سننه، في كتاب الحيض، برقم (17)(1/208)، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/228)، وانظر المجموع (2/403)، المغني (1/389)، المحلى (2/193).

    [28] هو: الإمام، وشيخ الإسلام، مفتي الحرم، وفقيه أم القرى، أبو محمد، عطاء بن أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم ، المكي ، ولد في أثناء خلافة عثمان، وتوفي سنة 114هـ وقيل 115هـ. انظر: السير (5/78)، طبقات ابن سعد (5/467)، طبقات الشيرازي (ص:69)، وفيات الأعيان (3/261)، ميزان الاعتدال (3/70)، تهذيب التهذيب (7/199)، شذرات الذهب (1/147).

    [29] أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً في كتاب الحيض، باب إذا حاضت في الشهر ثلاث حيض (1/89)، وأخرجه الدارقطني في سننه، في كتاب الحيض، برقم (15)(1/208)، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/227)، وانظر المجموع (2/403)، المغني، لابن قدامة (1/389)، والمحلى، لابن حزم (2/193).

    [30] انظر المجموع، للنووي (2/402).

    [31] انظر المحلى، لابن حزم (2/195).

    [32] انظر المجموع، للنووي (2/403)، المغني، لابن قدامة (1/389)، والمحلى، لابن حزم (2/193).

    [33] روى هذا الأثر عن الإمام الأوزاعي الدارقطني في سننه، في كتاب الحيض، برقم (17)(1/208)، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/228)، وانظر المجموع (2/403)، المغني (1/389)، المحلى (2/193).

    [34] انظر المحلى لابن حزم (2/198).

    [35] مجموع الفتاوى (19/237)، وانظر الإنصاف، للمرداوي (1/384).

    [36] انظر المنتقى، للباجي (1/122-123).

    [37] انظر المحلى لابن حزم (2/200)، و المجموع للنووي (2/404).

    [38] انظر بدائع الصنائع (1/40)، تبيين الحقائق (1/55)، العناية (1/161)، البحر الرائق (1/201).

    [39] انظر الفواكه الدواني (1/119-120)، المعونة للقاضي عبد الوهاب (1/72). وللمالكية في ذلك تفصيل بين المبتدأة، والمعتادة، فالمبتدأة تمكث خمسة عشر يوماً، وأما المعتادة - وهي التي سبق لها حيض ولو مرة - تستظهر ثلاثة أيام على أكثر عادتها إن تمادى بها. فإذا اعتادت خمسة ثم تمادى مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر. فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر، فإن تمادى في مرة أخرى مكثت يوماً، ولا تزيد على الخمسة عشر. انظر التاج والإكليل (1/541-542)، وحاشية الدسوقي (1/169)، وحاشية الصاوي (1/209)، منح الجليل (1/167-168).

    [40] انظر الأم (1/85)، المجموع (2/404)، أسنى المطالب (1/99)، تحفة المحتاج (1/385)، مغني المحتاج (1/278).

    [41] انظر الإنصاف (1/358)، المغني (1/189)، الفروع (1/267)، كشاف القناع (1/203)، مطالب أولي النهى (1/249)، والإقناع (1/101).

    [42] انظر مجموع الفتاوى (19/237)، الإنصاف، للمرداوي (1/358).

    [43] أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/383).

    [44] انظر أسنى المطالب، للأنصاري (1/99).

    [45] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/40)، الأثر عن أنس، وعثمان بن أبي العاص c في مصنف ابن أبي شيبة (4/200). وأما عمران بن حصينt فلم أجد الأثر عنه.

    [46] قال الحافظ ابن حجر: "قال الحافظ أبو عبد الله بن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في الإلمام عنه: ذكر بعضهم هذا الحديث، ولا يثبت بوجه من الوجوه. وقال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا، وقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ولم أجد له إسناداً. وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا لفظ يذكره أصحابنا، ولا أعرفه. وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء. وقال النووي في شرحه: باطل لا يعرف. وقال في الخلاصة: باطل لا أصل له. وقال المنذري: لم يوجد له إسناد بحال". انظر التلخيص الحبير لابن حجر (1/286).

    [47] انظر المعونة، للقاضي عبد الوهاب (1/72).

    [48] انظر فتح القدير، لابن الهمام (1/163).

    [49] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/40).

    [50] ذكره ابن قدامة في المغني (1/189)، ولم أعثر عليه مسنداً.

    [51] انظر المغني لابن قدامة (1/189).

    [52] انظر مجموع الفتاوى (19/237).

    [53] انظر المنتقى للباجي (1/122-123).

    [54] انظر الصفحة رقم:(89) من هذا البحث.

    [55] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:126-127)، أمراض النساء الأعراض والوقاية والعلاج، للدكتور/ زكريا الشيخة (ص:16).

    [56] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:127).

    [57] نقله عنه الدكتور/محمد علي البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص:124).

    [58] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والإخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:19).

    [59] انظر التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية، التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، عام 1987م.

    [60] انظر الصفحة رقم (ص:113) من هذا البحث.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة


    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (3)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ





    المطلب الثالث: في الصفرة والكدرة قبل الحيض
    وفيه ثلاثة فروع:
    الفرع الأول: ما قرره العلماء في الصفرة والكدرة قبل الحيض.
    الفرع الثاني: إمكان التفريق بين الصفرة والكدرة وبين الحيض من خلال التقنية الطبية الحديثة.
    الفرع الثالث: الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في الصفرة والكدرة قبل الحيض.
    الفرع الأول: ما قرره العلماء في الصفرة والكدرة قبل الحيض
    الصفرة والكدرة من المسائل المهمة التي يعم وقوعها، وتكثر الحاجة إلى معرفة حكمها قبل الحيض وبعده؛ لما يترتب على ذلك من أثر بيِّن في العبادات والمعاملات وغيرها من أبواب الفقه.
    ولما كانت الإفرازات التي تخرج من قعر رحم المرأة الصحيحة، والتي ليست من صفات دم الحيض، ولا من صفات دم الاستحاضة، وهي ما يسميه الفقهاء بالصفرة والكدرة[1]، لما كانت هذه الافرازات تشابه دم الحيض من جهة، وتشابه دم الاستحاضة من جهةٍ أخرى؛ اختلف الفقهاء في تكييفها الفقهي على أربعة أقوال:
    القول الأول:
    مذهب الحنفية، وهو قول عند المالكية، وهو: أن الصفرة والكدرة حيض، سواءً رأتها قبل دم الحيض، أو بعده.[2]
    القول الثاني:
    مذهب أبي يوسف[3] من الحنفية، وأبي ثور[4]، واختاره ابن المنذر[5]، وهو: أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً إلا إذا سبقها دم.[6]
    القول الثالث:
    مذهب جمهور أهل العلم من المالكية[7]، والشافعية[8]، والحنابلة[9]، وهو اختيار الثوري[10]، والأوزاعي، وهو: أن الصفرة والكدرة إن كانتا في زمن الحيض فهما حيض، وإن كانتا في غير زمن الحيض فليستا بحيض.[11]
    القول الرابع:
    مذهب الظاهرية، وهو: أن الصفرة والكدرة لا تكونان حيضاً بحال.[12]
    أدلة القول الأول:
    استدل الحنفية لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    ما قالت أم علقمة مولاة عائشة- رضي الله عنها - :"كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ[13] فِيهَا الْكُرْسُفُ[14] فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ[15]. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ".[16]
    وجه الاستدلال من الأثر:
    قالوا: إن عائشة – رضي الله عنها - جعلت ما سوى البياض الخالص حيضاً، فالصفرة والكدرة حيضٌ، سواءً كانا قبل الحيض أو بعده، وقول عائشة – رضي الله عنها- هذا لا يعرف إلا سماعاً، أي سمعته من النبي – صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن العقل لا يهتدي لمثل هذا.[17]
    الدليل الثاني:
    أن الصفرة والكدرة من ألوان الدم، وسواءً كانت أولاً أو آخراً فهي كغيرها من الألوان.[18]
    ولون الدم يختلف باختلاف الأغذية، فلا معنى للقصر على لون واحد، فالصفرة والكدرة حيض.[19]
    الدليل الثالث:
    استدلوا بالقياس فقالوا: لما كان السواد حيضاً، وكانت الحمرة جزءاً من أجزاء السواد، وجب أن تكون حيضاً, ولما كانت الصفرة جزءاً من أجزاء الحمرة، وجب أن تكون حيضاً, ولما كانت الكدرة جزءاً من أجزاء الصفرة، وجب أن تكون حيضاً, ولما كان كل ذلك في بعض الأحوال حيضاً وجب أن يكون في كل الأحوال حيضاً.[20]
    الجواب عن هذا الدليل:
    يجاب عن دليلهم هذا بأنه قياس مع الفارق؛ لأنه لما كانت القصة البيضاء طهراً وليست حيضاً بالإجماع, ثم كانت الكدرة بياضاً غير ناصع, وجب أن لا تكون حيضاً, ثم لما كانت الصفرة كدرة مشبعة وجب أن لا تكون حيضاً, ثم لما كانت الحمرة صفرة مشبعة وجب أن لا تكون حيضاً, ولما كان ذلك في بعض الأحوال ليس حيضاً، وجب أن يكون في جميع الأحوال ليس حيضاً, فهذا أصح من قياسهم.[21]
    أدلة القول الثاني:
    استدل أصحاب القول الثاني لما ذهبوا إليه بعدة أدلة وتعليلات منها:
    الدليل الأول:
    الأثر عن أم عطية – رضي الله عنه - قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ شيْئَاً"[22]، وفي رواية قالت:"كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً".[23]
    وجه الدلالة من الحديث:
    قالوا: إن العمل في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم - على أن الصفرة والكدرة بعد الطهارة لا تُعدان شيئاً، فدلَّ على أنه لو رأت قبله دم حيضٍ فإنه يلحق به، ويحكم بأنه حيض.
    الجواب عن هذا الدليل:
    يمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال فيقال: ليس في الحديث ما يدل على مقصدكم، بل هو دال على أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض، وفي زمن الطهر طهر، وقول أم عطية- رضي الله عنها - :"كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً" يدلُّ التقييد (بَعْدَ الطُهْرِ) على أنهم كانوا يعدون الصفرة والكدرة قبل الطهر وفي زمن الحيض حيضاً.[24]
    الدليل الثاني:
    ما روي عن عائشة- رضي الله عنها - في قصة فاطمة بنت أبي حبيش – رضي الله عنها - أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذَا أَقْبَلَت الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ, فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ, وَصَلِّي" متفق عليه.[25]
    وجه الدلالة من الحديث:
    أن الصفرة والكدرة في آخر الدم من الدم؛ لأن الدم إذا كان دماً سائلاً كان حكمه حكم الدم حتى ترى النقاء، وكذا الصفرة والكدرة حكمها حكم الدم، إذا كانت بعده لا قبله.[26]
    الدليل الثالث:
    علَّلوا قولهم بأن الكدرة ما يتكدر، وأول الشيء لا يتكدر، والكدرة من الشيء تتبع الصافي، فلو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي، فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكدرة حيضاً تبعاً، وأما إذا لم يتقدم الكدرة دمٌ فلو جعلناها حيضاً كانت مقصودةً لا تبعاً.[27]
    الجواب عن هذا الدليل:
    أن هذا الكلام يكون صحيحاً، إذا لم يكن المخرج من أسفل، وفم الرحم من أسفل لا من الأعلى، فيخرج الكدر أولاً، ثم الصافي، كالجرة إذا ثقب أسفلها فإنه يخرج الكدر أولاً، وإن من خاصة الطبيعة أنها تدفع الكدر أولاً كما في الفصد والبول والغائط.[28]
    أدلة القول الثالث:
    استدل أصحاب القول الثالث لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}[29]
    وجه الاستشهاد من الآية:
    أن الآية الكريمة تتناول دم الحيض والصفرة والكدرة.[30]
    الدليل الثاني:
    ما روي عن أم علقمة مولاة عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ، فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ".[31]
    وما روي عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ شيْئَاً"[32]، وفي رواية قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً".[33]
    وجه الاستدلال من الأحاديث:
    أن الصفرة والكدرة زمن الحيض حيض، فلو رأيّْنَ الصفرة والكدرة بعد رؤية الطهارة لم تُعَد من الحيض.
    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (3)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ



    أدلة القول الرابع:
    استدل أصحاب القول الرابع لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    ما روي عن عائشة -رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها - : "إِذَا كَان الْحَيْضُ فَإِنَهُ أَسْوَدَ يُعْرِف[34] فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاة، وإِذَا كَانَ الآخَرُ فتَوَضَّئِي، وصَلِّي؛ فَإِنَّمَا هُو دَمُ عِرْق".[35]
    وجه الاستدلال من الحديث:
    أن الحديث نصٌّ في كون ما عدى الدم الأسود ليس حيضاً، ولا يمنع من صلاةٍ ولا صومٍ ولا وطءٍ، فالصفرة والكدرة دم عِرْقٍ ليست حيضاً بحال.[36]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    إن وصف النبي – صلى الله عليه وسلم - لدم الحيض بأنه أسود لا يدل على أن غيره من الأشياء كالصفرة والكدرة ليست حيضاً؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.[37]
    الدليل الثاني:
    ما روي عن أم عطية – رضي الله عنها - قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ شيْئَاً"[38]
    وجه الاستدلال :
    دلَّ الأثر عن أم عطية - رضي الله عنها - أن الصفرة والكدرة لا تعدان من دم الحيض، وهذا إسناده صحيح عند البخاري.[39]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    أن المقصد من الأثر هو أن الصفرة والكدرة لا تعدان من الحيض بعد الطهارة، وقد دلَّ على هذا الفهم الرواية الأخرى قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً".[40]
    فالصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضٌ، وفي زمن الطهر طهر.
    الدليل الثالث:
    أن الصفرة والكدرة ليستا بدم، وإنما هما من سائر الرطوبات التي يرخيها الرحم.[41]
    الجواب عن هذا الدليل:
    يمكن أن يجاب عن هذا الدليل بعدم التسليم أن الصفرة والكدرة ليستا دماً، بل هما دم أرخاه الرحم في وقت الحيض، فيكون حيضاً، وإن أرخاه الرحم في غير وقت العادة، فلا اعتبار له، بل تتوضأ لكل صلاة.
    سبب الخلاف:
    الذي يظهر - والله أعلم – أن سبب الخلاف هو مخالفة ظاهر ما روي عن أم عطية – رضي الله عنها لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ، وذلك أنه روي عن أم عطية – رضي الله عنها - أنها قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً".[42]، وروي عن أم علقمة مولاة عائشة- رضي الله عنها - قالت: "كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ".[43]
    فمن رجح قول عائشة – رضي الله عنها - جعل الصفرة والكدرة حيضاً، سواءً ظهرتا في أيام الحيض أو في غير أيامه، وسواءً مع الدم أو بدون الدم، فإن حكم الشيء الواحد في نفسه ليس يختلف.
    ومن رجح قول أم عطية – رضي الله عنها - لم يجعل الصفرة والكدرة من الحيض بحال، لا في أيام الحيض، ولا في غيرها، ولا في أثر الدم، ولا بعد انقطاعه.
    ومن ذهب للجمع بين القولين قال: إن قول أم عطية – رضي الله عنها - هو بعد انقطاع الدم، وفي غير أيام الحيض، وقول عائشة – رضي الله عنها - قبل انقطاع دم الحيض وفي أيامه.[44]
    الفرع الثاني: إمكان التفريق بين الصفرة والكدرة وبين الحيض من خلال التقنية الطبية الحديثة
    من صفات دم الحيض أنه ثخين منتن الرائحة، وقد دلَّت السنة المطهرة على هذا الوصف واعتبرته، كما جاء في حديث عائشة – رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش – رضي الله عنها - :"إِذَا كَان الْحَيْضُ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرِف[45] فَأَمْسِكِي عَن الصَّلَاة، وإِذَا كَانَ الآخَرُ فتَوَضَّئِي، وصَلِّي؛ فَإِنَمَا هُو دَمُ عِرْق".[46]
    ودم العِرْق يكون عادةً دماً أحمر مشرقاً، سائلاً، ليس بالثخين، وليس له رائحة كريهة، ويتجلط بعد خروجه بزمن يسير، خلافاً لدم الحيض الذي لا يتجلط أبداً؛ لأنه سبق له أن تجلط في الرحم، ثم أذيبت الجلطة بفعل هرمون أو أنزيم (الليفين).[47]
    يقول الدكتور دوجالد بيرد في كتابه المرجع في أمراض النساء والولادة[48]: "لون دم الحيض أسود، أما الأحمر المشرق فإنه دم غير طبيعي، ودم الحيض لا يتجلط، ويمكن إبقاؤه سنين طويلة على تلك الحالة دون أن يتجلط، فإذا ظهر دم متجلط أثناء الحيض فإن الحائض سرعان ما تعرف ذلك، ويعتبر ذلك غير طبيعي".[49]
    ثم قال: "وعند فحص دم الحيض بالمجهر فإننا نرى كريات الدم الحمراء والبيضاء، وقطعاً من الغشاء المبطن للرحم".[50]
    والصفرة والكدرة اللتان تراهما المرأة عبارة عن تجمع لبعض المياه داخل الرحم، وليستا من الغشاء المبطن للرحم، ولا جزاءً منه، بل هما كالعرق الذي ينفضه الرحم، فيخرج كدراً، لمخالطته بقية إفرازات الرحم الأخرى.
    والجهاز التناسلي للمرأة المكون من المهبل والرحم مبطن بنسيج مخاطي، كما هو الحال في العينين والأنف، وهذا النسيج يفرز عادةً مواد شبه سائلة، تعمل على القضاء على البكتيريا والجراثيم، فكما تكون الدموع والإفرازات الأنفية طبيعية، فكذلك هي الإفرازات المهبلية، لكن في بعض الأحيان ولأسباب عديدة تختلف طبيعة الإفرازات فتزيد في الكمية، أو تتغير في خاصيتها.[51]
    ومن الأسباب المؤدية لظهور الإفرازات المهبلية ما يلي:
    1. تغير الهرمونات، كما هو الحال في الحمل، أو الرضاع، أو استعمال حبوب منع الحمل.
    2. استعمال الكريمات المهبلية، أو الصابون المعطر الذي يمكن أن يسبب حساسية.
    3. الحساسية الموضعية بسبب وسائل منع الحمل، كالحاجز المهبلي، أو الكبوت.
    4. وجود جسم غريب داخل المهبل، كاللولب.
    5. ضمور في منطقة المهبل بسبب انقطاع الحيض.
    6. داء السكري وما يمكن أن يسببه من نقص في المناعة، وزيادة الإصابة بالالتهابات الفطرية.
    7. بعض الأورام الرحمية، مثل: الورم الرحمي الليفي، أو السليلة العنقية الرحمية.
    8. الإصابة ببعض الالتهابات الرحمية، مثل: التهاب المهبل الفطري، والالتهابات البكتيرية، والتهابات عنق الرحم، والتهابات الحوض.
    9. اضطرا بات الحالة النفسية.[52]
    وقد تكون الصفرة و الكدرة بقايا حويصلة (جراف)، والتي تتكون بفعل الهرمون المنشط للجريب (FSH) والصادر من الغدة النخامية، ومهمته تنمية الخلايا التناسلية الموجودة بالمبيض حتى تفرز البويضة، وتكون محاطة بمجموعة من الخلايا، ثم تزداد كمية السائل فيما بين البويضة والخلايا المحيطة حتى تتكون حويصلة تسمى حويصلة (جراف).[53]
    ويزداد نمو هذه الحويصلة أو الكيس، ويمتلئ بالماء الأصفر، ويقترب من سطح المبيض حتى ينفجر، وتخرج منه البويضة.[54]
    وهناك نوع آخر من الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية، وهو الهرمون المنمي والمنشط للجسم الأصفر، ويدعى: (الهرمون الملوتن L.H)، فعندما تخرج البويضة من حويصلة (جراف) يندمل الجرح، ويزداد الاصفرار، ويسمى عندئذ: الجسم الأصفر (Corpus Luteum)، فتقوم الغدة النخامية بتنمية هذا الجسم الأصفر؛ لأن له مهمة كبيرة، وهي إفراز هرمون (البروجسترون) الذي يهيئ الرحم للحمل.[55]
    فإذا ما تم الحمل، وعلقت البويضة الملقحة (نطفة الأمشاج) بجدار الرحم، استمر نمو هذا الجسم الأصفر؛ ليواصل المحافظة على الجنين.[56]
    أما إذا لم يحصل الحمل فإن الجسم الأصفر يتحلل، ويمتص داخل البطن[57]، ويتوقف عن إرسال الهرمونات، وبالتالي ينهار الجدار المبطن للرحم، ويخرج دم الحيض، أما الجسم الأصفر فإنه يتلاشى تدريجياً، لكن إن كانت نسبته عالية فإنه يخرج بعد رؤية الطهارة من المبيض إلى الرحم، ثم إلا الخارج.[58]
    ومن خلال الفحص السريري، والمجهري، وعمل مزرعة بكتيرية، يمكن التعرف على الصفرة والكدرة والتفريق بينهما وبين دم الحيض، ومعرفة مسبباتهما.[59]
    فدم الحيض عند فحصه بالمجهر، نرى كريات الدم الحمراء والبيضاء، وقطعاً من الغشاء المبطن للرحم[60]، أما الصفرة والكدرة فهي غالباً عبارة عن ماء مختلط بهرمون (البروجسترون)، يخرج من الرحم بعد خروج دم الحيض.
    وفي السنة ما روي عن أم عطية – رضي الله عنها - أنها قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الكُدّْرَةَ والصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُهْرِ شيْئَاً".[61]
    أما الصفرة والكدرة قبل نزول دم الحيض فهما عبارة عن ماء مختلط بالغشاء المبطن للمهبل، وهو في العادة خفيف شفاف مخاطي، مهمته منع جفاف القناة المهبلية، ولا رائحة له، وتتغير كميته من وقت لآخر، ويتراوح لونه بين الشفافية والابيضاض والاصفرار.[62]
    ويظهر مما سبق أن الصفرة والكدرة لا علاقة لهما بدم الحيض، سواءً كانتا قبله أو بعده، أما الصفرة والكدرة في زمن الحيض فينظر إليهما من خلال فحصهما بالمجهر فإن كانتا محتويتين على كريات الدم الحمراء والبيضاء وقطعاً من الغشاء المبطن للرحم، فهما دم حيض لهما حكم الحيض، وإن كانتا غير ذلك، فهما ليستا من الرحم، ولا علاقة لهما بالحيض.
    الفرع الثالث: الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في الصفرة والكدرة قبل الحيض
    الذي يظهر لي - والله أعلم - أن الأثر الفقهي للأخذ بقول الطب الحديث في هذه المسألة هو ترجيح قول الجمهور[63]، وهو إن كانت الصفرة والكدرة في زمن الحيض فهما حيض، وإن رأتهما المرأة في غير زمن الحيض فليسا بحيض.
    والقول بارتفاع الخلاف في هذه المسألة صعبٌ؛ وذلك لأن ما توصلت إليه التقنية الحديثة في هذا المجال لا يزال قيد البحث والدراسة، إضافةً إلى كون الفحوصات المخبرية وإن كانت نسبت صحتها مرتفعة جداً، إلا أن الخطأ في التقدير أو في العينة المجرى عليها البحث وارد.
    فيبقى خلاف العلماء – رحمهم الله – على حاله إلى حين ورود اليقين من قبل الجهات أو الأبحاث الطبية المعتمدة.





    [1] قال الشيخ أبو حامد الغزالي الصفرة والكدرة هما: (ماء أصفر وماء كدر، وليسا بدم)، وقال إمام الحرمين :(هما شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة ليسا على لون شيء من الدماء القوية ولا الضعيفة)، انظر المجموع، للنووي(2/417)، وانظر الصحاح، للجوهري مادة (صدد).

    [2] انظر البناية، للعيني (1/623)، الاختيار، للموصلي (1/27)، المبسوط، للسرخسي (3/151)، فتح القدير، لابن الهمام (1/112)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (1/202)، بدائع الصنائع، للكاساني (1/153)، وانظر المدونة (1/50)، التاج والإكليل (1/540)، بداية المجتهد، لابن رشد (1/72)، حاشية الخرشي (1/379)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/168)، مواهب الجليل (1/365).

    [3] هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، البغدادي، أبو يوسف، القاضي، الفقيه الحنفي ، ولد سنة 113هـ ، وأخذ الفقه عن شيخه أبي حنيفة النعمان، ولازمه سبع عشرة سنة، وهو المقدَّم من أصحابه، ولي القضاء لثلاثة من خلفاء بني العباس، قال عنه ابن معين وابن المديني: ثقة، صنف كتباً منها: النوادر، والخراج، والآثار، واختلاف الأمصار، وأدب القاضي وغيرها، و توفي سنة 182هـ، .
    انظر : السير (8/535) ، الجواهر المضية (3/611) ، الفوائد البهية (ص:225)، شذرات الذهب (1/298)، الأعلام (8/193) .

    [4] هو: الإمام الحافظ ، الحجة المجتهد ، مفتي العراق ، إبراهيم بن خالد ، أبو ثور ، الكلبي البغدادي ، الفقيه المشهور ، ولد سنة 170هـ و توفي سنة 240هـ في شهر صفر .
    انظر : السير (12/72) ، تاريخ بغداد (6/65) ، طبقات الفقهاء، للشيرازي (ص:75) ، الفهرست (ص:265) ، وفيات الأعيان (1/26) ، تهذيب التهذيب (1/118) ، تذكرة الحفاظ (2/512) ، شذرات الذهب (2/93) .

    [5] هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر ، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري نزيل مكة ، ولد سنة 241هـ، وصنف في اختلاف العلماء كتباً لم يصنف أحد مثلها ، و احتاج إلى كتبه الموافق و المخالف ، توفي عام 318هـ.
    انظر تهذيب الأسماء و اللغات (3/196) ، وفيات الأعيان (4/207) ، تذكرة الحفاظ (3/782) ، سير أعلام النبلاء (14/490) ، طبقات الشافعية (3/102) .

    [6] انظر البناية، للعيني (1/623)، الاختيار، للموصلي (1/27)، المبسوط، للسرخسي (3/151)، فتح القدير، لابن الهمام (1/112)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (1/202)، بدائع الصنائع، للكاساني (1/153)، الأوسط، لابن المنذر (2/235-237)، المجموع، للنووي (2/421)، المغني، لابن قدامة (1/413).

    [7] انظر المدونة (1/50)، التاج والإكليل (1/540)، المعونة، للقاضي عبد الوهاب (1/194)، بداية المجتهد، لابن رشد (1/72)، حاشية الخرشي (1/379)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/168)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (1/365).

    [8] انظر المهذب، للشيرازي (1/145)، روضة الطالبين، للنووي (1/152)، المجموع، للنووي (2/415)، تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (1/401)، نهاية المحتاج، للرملي (1/340)، مغني المحتاج، للشربيني (1/285).

    [9] انظر المقنع و الشرح الكبير مع الإنصاف (2/449)، المغني، لابن قدامة (1/413)، الفروع (1/367)، غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام (2/681)، شرح متنهى الإرادات، للبهوتي (1/229).

    [10] هو: الإمام الفقيه المجتهد، أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه، كان رأساً في الزهد، والتأله، والخوف، والحفظ، والآثار، والفقه، توفي سنة 161هـ .
    انظر :الطبقات الكبرى لابن سعد (6/371)، التاريخ الكبير (4/92)، الحلية (6/356)، تاريخ بغداد (9/151)، تهذيب الأسماء واللغات (1/222)، وفيات الأعيان (2/386)، سير أعلام النبلاء (7/669) ، تذكرة الحفاظ (1/203)، شذرات الذهب (1/250) .

    [11] انظر الأوسط، لابن المنذر (2/233)، والمجموع، للنووي (2/415)، المغني، لابن قدامة (1/413).

    [12] انظر المحلى، لابن حزم (2/165).

    [13] الدرجة: بكسر الدال، وفتح الراء، جمع درج بالضم، وهو كالسفط الصغير تضع فيه المرأة خف متاعها وطيبها. قاله ابن الأثير في النهاية (2/111).

    [14] أي القطن.

    [15] القصة البيضاء: هي أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها الحائض كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة، وقيل: القصة البيضاء شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقضاء الدم كله. قاله ابن الأثير في النهاية (4/71).

    [16] أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب طهر الحائض (1/59-60).

    [17] انظر البناية شرح الهداية (1/628)، بدائع الصنائع، للكاساني (1/152).

    [18] انظر الاختيار لتعليل المختار، للموصلي (1/27).

    [19] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/152-153).

    [20] انظر المحلى، لابن حزم (2/170).

    [21] انظر المحلى، لابن حزم (2/170).

    [22] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، حديث رقم (326).

    [23] أخرجه أبوداود، في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر، حديث رقم (307).

    [24] انظر البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (1/202).

    [25] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الاستحاضة، برقم: (306)، ومسلم في صحيحه (1/262) برقم (333).

    [26] سط، لابن المنذر (2/235).

    [27] انظر البناية، للعيني (1/623)، الاختيار، للموصلي (1/27)، المبسوط، للسرخسي (3/151)، فتح القدير، لابن الهمام (1/112)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (1/202)، بدائع الصنائع، للكاساني (1/153)، الأوسط، لابن المنذر (2/235-237)، المجموع (2/421)، المغني، لابن قدامة (1/413).

    [28] انظر البناية (1/623)، الاختيار، للموصلي (1/27)، المبسوط (3/151)، فتح القدير (1/112).

    [29] سورة البقرة، الآية رقم (222).

    [30] انظر المغني، لابن قدامة (1/413).

    [31] أخرجه البخاري في الحيض، باب إقبال المحيض، وأخرجه مالك في الطهارة، باب طهر الحائض (1/59).

    [32] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، حديث رقم (326).

    [33] أخرجه أبوداود، في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر، حديث رقم (307).

    [34] قال الصنعاني: قوله(يُعرِف)بضم حرف المضارعة وكسر الراء: أي له عرف ورائحة، وقيل بفتح الراء أي تعرفه النساء.

    [35] أخرجه الإمام أحمد في المسند (42/399)، وأبوداود في سننه (1/82) برقم:(304) واللفظ له، والنسائي في سننه (1/151)، والحاكم في المستدرك (1/174) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي

    [36] انظر المحلى، لابن حزم (2/165،170).

    [37] انظر البناية، للعيني (1/629).

    [38] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، حديث رقم (326).

    [39] انظر المحلى، لابن حزم (2/167)، والبخاري هو: أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجٌعْفي، مولاهم، البخاري. ولد في شوال سنة 194هـ. من أعلام رجال الحديث. من مؤلفاته: الجامع الصحيح ، و التاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، و الأدب المفرد، و غيرها. توفي سنة 256هـ. انظر: السير (12/395)، تاريخ بغداد (2/4)، طبقات الشافعية الكبرى (2/212)، تهذيب التهذيب (9/47)، تذكرة الحفاظ (2/555)، وفيات الأعيان (4/188)، شذرات الذهب (2/134).

    [40] أخرجه أبوداود، في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر، حديث رقم (307).

    [41] انظر بداية المجتهد، لابن رشد (1/72).

    [42] أخرجه أبوداود، في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر، حديث رقم (307).

    [43] أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب طهر الحائض (1/59-60).

    [44] انظر بداية المجتهد، لابن رشد (1/72).

    [45] قال الصنعاني: قوله(يُعرِف)بضم حرف المضارعة وكسر الراء: أي له عرف ورائحة، وقيل بفتح الراء، أي تعرفه النساء.

    [46] أخرجه الإمام أحمد في المسند (42/399)، وأبوداود في سننه (1/82) برقم:(304) واللفظ له، والنسائي في سننه (1/151)، والحاكم في المستدرك (1/174) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

    [47] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/محمد علي البار (ص:127).

    [48] نقله عنه الدكتور/ محمد علي البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص:124)، وبعد طول البحث والتقصي لم أجد الكتاب المذكور.

    [49] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:124).

    [50] المرجع السابق.

    [51] انظر الموسوعة الصحية، للدكتورة/ ضحى بنت محمود بابللي (ص:153).

    [52] انظر الموسوعة الصحية، للدكتورة/ ضحى بنت محمود بابللي (ص:154).

    [53] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:92).

    [54] المرجع السابق.

    [55] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:93)، والحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب (ص:20).

    [56] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:93).

    [57] انظر المرجع الأجنبي غير المترجم: Current Obstelric And Gynecologic Diagnosis – Alan H. De Chemey Lauren Nathan (ص:59-60)، وقد أفادتني بذلك وزارة الصحة.

    [58] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:198)، أمراض النساء الأعراض والوقاية والعلاج (ص:16).

    [59] انظر الموسوعة الصحية، للدكتورة/ ضحى بنت محمود بابللي (ص:156).

    [60] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار (ص:124).

    [61] أخرجه أبوداود، في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر، حديث رقم (307).

    [62] انظر الإفرازات الطبيعية عند المرأة بين الطهارة و النجاسة، للدكتورة/ فاطمة بنت عمر نصيف (ص:7).

    [63] انظر الصفحة رقم: (122)من هذا البحث.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (4)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ





    المطلب الرابع: في حيض الحامل
    وفيه أربعة فروع:
    الفرع الأول: خلاف العلماء في إثبات الحيض للحامل.
    الفرع الثاني: الأثر الفقهي لإثبات الحيض للحامل.
    الفرع الثالث: ما أثبته الطب الحديث في أن الحامل لا تحيض.
    الفرع الرابع: أثر الأخذ بقول الطب الحديث في حيض الحامل.

    الفرع الأول: خلاف العلماء في إثبات الحيض للحامل
    من سنة الله تعالى في هذا الكون، أن خلق الذكر والأنثى، قال تعالى:{وَخَلَقْنَاكُم ْ أَزْوَاجًا}[1]، وجعل بينهم مودةً ورحمةً، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[2]، ومن لوازم هذا السكن التكاثر والتناسل، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِل ِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}.[3]
    والمرأة هي المسؤولة عن الحمل، وقد هيأ الله تعالى رحمها لسكنى الجنين فيه، وجعل سبحانه دم الحيض غذاءً له، فإذا تم التلقيح بين مادة الرجل ومادة المرأة، فإن النطفة الملقحة تستقر في الرحم، وجميع ما ينزل من الدم يجتمع حول الجنين، فيصير غذاءً له، ويدخل الغذاء عن طريق السرة، فيتغذى، وينمو الجنين.[4]
    وعلى هذا فإن دم الحيض ينحبس لتغذية الجنين في الرحم، فإذا ما رأت المرأة الحامل دماً يصلح أن يكون دم حيضٍ، فإن الفقهاء - رحمهم الله - اختلفوا في ذلك على قولين:
    القول الأول:
    أن الدم الذي تراه الحامل أثناء الحمل - سواءً كان في وقت الحيض أو كان على صفة دم الحيض - إنما هو دم استحاضةٍ، أي: دم علةٍ وفسادٍ، لا يمنع الصلاة والصوم، وحكم المرأة حكم الطاهرات، وإلى ذلك ذهب الحنفي[5]، والحنابلة[6]، والظاهرية[7]، وهو قول الشافعي في القديم[8]، وإليه ذهب سعيد بن المسيب[9]، وعطاء[10]، والحسن البصري[11]، وعكرمة[12]، والشعبي[13]، والثوري، والأوزاعي[14]، وأبو ثور، وابن المنذر.[15]
    القول الثاني:
    أن الدم الذي تراه الحامل موافقاً لوقت العادة، وصفته كصفة دم الحيض، يعتبر دم حيضٍ، فتدع المرأة الحامل الصلاة والصوم، وحكمها حكم الحائض في جميع الأمور، وإلى ذلك ذهب المالكية[16]، والشافعية[17]، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.[18]
    أدلة القول الأول:
    استدل أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    قول الله تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}[19]
    وجه الاستشهاد من الآية:
    ذكر الله تعالى في هذه الآية عدة الحامل، بعد ذكر عدة غير الحامل من ذوات الاقراء، فدل على أنها ليست من ذوات الحيض؛ إذ لو كانت كذلك لما خصص لها حكم، ولما أفردت بالذكر، والمانع من حيضها هو انسداد فم الرحم بالحمل.[20]
    الجواب عن هذا الاستشهاد:
    قالوا: إن الآية سيقت لبيان عدة الحامل بالوضع[21]، وهذا لا نزاع فيه، والآية الكريمة لم تتعرض لحيض الحامل بنفي أو إثبات؛ فلا تصلح أن تكون دليلاً لنفي الحيض عن الحامل.
    الاعتراض على هذا الجواب:
    قالوا: أفرد الله تعالى في هذه الآية عدة الحامل بعد أن ذكر عدة ذات الإقراء في آيات أخرى، فلو كانت تحيض لجاز اجتماع العدتين في المرأة الواحدة: عدة حيض، وعدة حمل، وليس هناك ثمة فائدة من تخصيص حكم، إلا إذا قلنا: إنهما لا يجتمعان معاً.[22]
    وظهور الحيض دليل على براءة الرحم من الحمل، فلو جاز أن تحيض لما كان الحيض دليلاً على براءة الرحم من الحمل.[23]
    الدليل الثاني:
    قول الله تعالى:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}[24]
    وجه الاستشهاد من الآية:
    أخبر الله تعالى أن الحيض يغيض مع الحمل، فدل على أن ما ظهر من دم للحامل ليس بحيض.[25]

    الدليل الثالث:
    عن سالم مولى ابن عمر، عن ابن عمر- رضي الله عنهما : "أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضٌ - فَسَأَلَ عُمَرُ – رضي الله عنه - النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَ ا, ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً، أَوْ حَامِلاً" متفق عليه.[26]
    وجه الاستدلال من الحديث:
    أن النبي – صلى الله عليه وسلم - جعل الحمل علماً على عدم الحيض, كما جعل الطهر علماً عليه.[27]
    الدليل الرابع:
    ما روي عن رويفع بن ثابت - رضي الله عنه - قال سمت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يوم حنين يقول: "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ".[28]
    وما روي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في سبايا أوطاس[29] :"لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ, وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً".[30]
    وما روي عن ابن عباس – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ".[31]
    وجه الاستدلال من الأحاديث:
    جعل الرسول – صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث وجود الحيض دليلاً على براءة الرحم من الحمل، ولو جاز الحيض على الحامل لم يكن دليلاً على براءته بعد الاستبراء بحيضة، ولا يحل بذلك الوطء لاحتمال الحمل، واحتياطاً في أمر الأبضاع.[32]
    ثم إن في إجماع العلماء على أن الأمة إذا حاضت حلَّ وطؤها - مع إجماعهم على أن الحامل لا يحل وطؤها حتى تضع - دليلاً بيناً على أن الحامل مُحَالٌ وجود الحيض فيها؛ إذ لو جاز ذلك لبطل معنى ما اجتمعت عليه الأُمَّة من أن الحامل المطلقة أو المسبية لا توطأ، ولو وجد حيضٌ مع الحمل لما كان الاستبراء يدل على أن لا حمل بها.[33]
    الجواب عن هذا الاستدلال:
    أجاب أصحاب القول الثاني عن هذا الاستدلال بعدة أمور هي:
    أولاً: أن الشارع إنما حكم ببراءة الرحم من الحمل بالحيض على الغالب، فإن وقوع الحيض من الحامل نادرٌ، فإذا حاضت حصل الظن ببراءة الرحم؛ إذ الظاهر عدم الحمل، فإن بان خلافه على الندور بأن ظهر أنها حائض عمل بالظاهر.[34]
    الرد على هذا الجواب:
    إن في هذا الكلام تناقضاً، حيث أثبتم الحيض للحامل في النادر، ثم ذكرتم أنه إذا حصل حيض حكم ببراءة الرحم من الحمل، وكيف تكون البراءة من الحمل بالحيض مع ثبوت الحمل عندكم؟ ثم كيف يكون كافياً في العدة بنزول الحيض مع وجود الحمل؟ وهذا الكلام منافٍ لصريح الآية التي ذكرت عدة الحامل بالوضع لا بالحيض، قال الله تعالى :{وأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }.[35]
    ثانياً: هذه الأحاديث جاءت في بيان حكم استبراء السبايا لا في مطلق النساء[36]، وليس فيها إثبات لحيض الحامل أو عدمه.
    الرد على هذا الجواب:
    هذه الأحاديث و إن كانت واردة في أسباب خاصة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.[37]
    ثالثاً: الدم الذي تراه الحامل متردد بين كونه دم حيضٍ أو دم علةٍ وفساد، والأصل السلامة من العله.[38]
    الرد على هذا الجواب:
    أن العادة المستمرة هي عدم خروج الحيض من الحامل لانسداد فم الرحم، ثم يخرج الدم بخروج الولد، وخروج الدم من الحامل نادر، وقد لا تراه المرأة في عمرها، فيجب أن يحكم في كل حامل بانسداد رحمها، اعتداداً بالغالب من بنات جنسها.
    وإذا رأت المرأة الحامل الدم حكم بأنه خارج من غير رحمها، فلا يكون حيضاً؛ ولذلك حكم الشارع بأن وجود دم الحيض دليلٌ على فراغ الرحم من الحمل.[39]
    الدليل الخامس:
    ما روي عن عائشة – رضي الله عنها - أنها قالت: "إِنَّ الحُبْلَى لاَ تَحِيض، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ فَلْتَغْتَسِل وَتُصَلِي".[40]
    وروي عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - أنه قال :"إِنَّ الله تَعَالىَ رَفَعَ الحَيْضَ عَنْ الحُبْلىَ، وجَعَلَ الدَّمَ مِمَّا تَغِيضُ الأَرْحَام".
    وروي عن ابن عباس – رضي الله عنه - أنه قال: "إِنَّ الله رَفَعَ الدَّمَ عَنْ الحُبْلَى، وجَعَلَهُ رِزْقَاً للْوَلَد".[41]
    وجه الاستدلال من الآثار:
    هذه الآثار عن الصحابة – رضي الله عنهم - صريحة في أن الحامل لا تحيض، وهذا يدلُّ على أنه كان شيئاً معروفاً عندهم – رضي الله عنهم - ، أو سمعوا ذلك من النبي – صلى الله عليه وسلم - .
    الجواب عن هذه الآثار:
    قالوا: إن أعلم الأمة بمثل هذه المسائل نساء النبي – صلى الله عليه وسلم - وأعلمهن عائشة – رضي الله عنها - ، فقد صح عنها من رواية أهل المدينة "أَنَّهَا لا تُصَلِي"[42] أي الحامل إذا رأت الدم، وقد شهد لهذه الرواية الإمام أحمد بأنها أصح من الرواية الأخرى.[43]
    وهذه الآثار، وإن صحت فهي مسألة نزاع بين الصحابة –رضي الله عنهم - ولا دليل يفصل.[44]
    الرد على هذا الجواب:
    لا شك أن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - أعلم الأمة، ولا يلزم من ذلك أنها تعلم كل شيء، وخصوصاً في هذه المسألة التي ليس لها سابق تجربه؛ لأنها لم تلد، والإمام أحمد يخالف رواية عائشة.
    قال الموفق ابن قدامة[45]:"مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ, وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ"، ونَقَلَ عنه أيضاً أنه قال: "إنَّمَا يَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ, وَقَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ, جَمْعاً بَيْنَ قَوْلَيْهَا, فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ قَرِيباً مِنْ وِلَادَتِهَا فَهُوَ نِفَاسٌ, تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ".[46]
    ثم إن الآثار الدَّالة على نفي الحيض عن الحامل مؤيدة بالأحاديث المرفوعة الثابتة، فالعمل بها والرجوع إليها أولى من غيرها.
    الدليل السادس:
    أن ظهور الحيض دليلٌ على براءة الرحم من الحمل، فلو جاز أن تحيض الحامل لما كان الحيض علامة على عدم الحمل[47]، وبالحمل ينسد فم الرحم، والحيض يخرج من قعر الرحم؛ لأن الله تعالى أجرى عادته بذلك؛ لئلا يخرج ما فيه لكون الثقب من أسفل، وليس بدم نفاس، لكونه يخرج بعد انفتاحه بخروج الولد، فظهر أنه دم علة وفساد، فتكون المرأة مستحاضة.[48]
    الجواب عن هذا الدليل:
    جعل الحيض دليلاً على براءة الرحم من الحمل ليس قطعياً، ولكن مع الاحتمال والظن، وإلا فالغالب أنها لا تحيض.[49]
    الرد على هذا الجواب:
    براءة الرحم بالحيض دليل ظاهر، ونحن مخاطبون بالظاهر لا باليقين، ثم إن الغالب عدم الحيض، وهو نادِرٌ وشاذٌ في حق الحامل، والشاذ لا حكم له، فيكون دم علةٍ وفساد.[50]

    أدلة القول الثاني:
    استدل أصحاب القول الثاني لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها:
    الدليل الأول:
    قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ}[51]
    وجه الاستشهاد من الآية:
    بين الله تعالى في الآية الكريمة حكم وطء الحائض في زمن الحيض وفي مكان الحيض، فذكر سبحانه أن فيه ضرراً وقذارة، وأمر باعتزال كل امرأة في هذه الحالة.
    والآية مطلقة في إصابة كل امرأة حائض، ولم تخص امرأة دون امرأة، سواءً كانت حاملاً أو حائلاً.[52]
    ودلت الآية الكريمة على أن الحامل، إن نزل معها الدم على هيئة الحيض يُعد حيضاً.
    الجواب عن هذا الاستشهاد:
    أن الآية الكريمة ليست مطلقة لإثبات الحيض لكل امرأة، بل الآية خاصةٌ في المرأة التي يمكن أن يأتيها الحيض، فتخرج الصغيرة دون تسع سنين، والكبيرة الآيسة التي زاد عمرها على الخمسين، وكذلك الحامل، وليس كل دم يخرج من قبل المرأة يكون حيضاً، وإنما الحيض ما ينزل حسب المعتاد لا مطلقاً.
    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (4)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ
















    الدليل الثاني:



    قول الله تعالى:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}[53]



    وجه الاستشهاد من الآية:



    دلَّت الآية الكريمة على أن الحامل تحيض، قال ابن عباس – رضي الله عنهما - في تأويل{تَغِيضُ الْأَرْحَامُ}: (إِنَّهُ حَيْضُ الحُبْلىَ)، وكذا روي عن عكرمة[54]، ومجاهد[55]، رحمهم الله.[56]



    الدليل الثالث:



    ما روي عن عائشة – رضي الله عنها - :"قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم - فِي حَجِّهِ لَا نَرَاهُ إلَّا الْحَجَّ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفٍ[57], أَوْ قَرِيباً مِنْهَا حِضْت، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا بَالُكَ أَنَفِسْتِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي الْحَجَّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" متفق عليه.[58]



    وما روي - أيضاً – عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش – رضي الله عنها - :"إِذَا كَان الْحَيْضُ فَإِنَّهُ أَسْوَدَ يُعْرِف[59]، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةْ، وإِذَا كَانَ الآخَرَ فتَوَضَئِي وصَلِّي؛ فَإِنَمَا هُو دَمُ عِرْق".[60]



    وجه الدلالة من الحديثين:



    أن النبي – صلى الله عليه وسلم - ذكر أن الحيض يأتي عموم النساء والحامل من جملتهم، إذ تشترك مع عموم النساء في ذلك، كما يشترك الرجال والنساء في إخراج الفضلات من البول والغائط[61]، والدم إذا خرج من الحامل على صفة الحيض يكون حيضاً في زمن إمكانه[62]، والحكم عام يشمل جميع النساء: الحامل وغيرها.[63]



    الجواب عن هذا الاستدلال:



    يجاب عن هذا الاستدلال بأمور هي:



    أولاً: حديث عائشة- رضي الله عنها - لا يدل على حيض الحامل؛ لأن الحامل ينسد فم رحمها، فيمنع نزول دم الحيض منها، والحديث في من ليس عندها مانع من حمل ونحوه.[64]



    ثانياً: أن زمن الحمل لا يرى فيه دم الحيض غالباً، فلم تكن ما تراه من الدم حيضاً كالآيسة، فإنه دم فساد، وهكذا الحامل.[65]



    ثالثاً: أن صفة دم الحيض أسود في الغالب، بدليل أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض، والحيض اسم للدم الخارج من الرحم، ودم الحامل لا يخرج من الرحم، ولأن الله تعالى أجرى العادة في النساء إذا حملن أن ينسد فم الرحم، فلا يخرج منه شيء، وإذا كان كذلك فلا يكون الدم النازل من الحامل حيضاً بحال.[66]



    الدليل الرابع:



    ما روي عن عائشة – رضي الله عنها - قالت: "فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ[67]، وفي رواية (إنَّهُ حَيْضٌ).[68]



    وروي عـن الإمام مـالك بن أنـس[69]:"أَنَّهُ سَـأَلَ ابْنَ شِـهَابٍ الزُّهْرِي[70]



    عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، فَقَالَ: تَكُفُّ عَن الصَّلَاةِ".[71]



    وروي عن عكرمة أنه قال في قوله تعالى:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ }[72]، قال: "هُو حَيْضٌ عَلى الحَبْلِ".[73]



    وجه الاستدلال من الآثار:



    أن هذه الآثار تدلُّ على وجود الحيض من الحامل، وأنه يمنع الصلاة وغيرها من العبادات التي تمنع الحائض.



    الجواب عن هذا الاستدلال:



    الأثر عن عائشة - رضي الله عنها - معارض بأثر آخر يدل على عدم حيض الحامل، قالت :"إِنَّ الحُبْلَى لاَ تَحِيض، فَإِذَا رَأَت الدَّمَ فَلْتَغْتَسِل، وَتُصَلِي".[74]



    ويمكن الجمع بين الأثرين، بما رواه الموفق ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: "قَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ , جَمْعاً بَيْنَ قَوْلَيْهَا".[75]



    ويحمل كذلك أثر الزهري وعكرمة – رحمهم الله – على الحامل التي قاربت الوضع، فإنها تأخذ حكم الحائض، وهو النفاس، ويؤيد ذلك ما روي عن الحسن البصري أنه قال: "فِي المَرْأَةِ الحَامِلِ إِذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، وَرَأَت الدَّمَ عَلَى الوَلَد فَلتُمْسِك عَن الصَّلاَة".[76]



    الدليل الخامس:



    أن الدم الذي تراه الحامل في أثناء الحمل، إن وافق العادة وكان على صفة دم الحيض فهو حيض؛ لأن الحمل لا يمنع نزول الحيض، كما لا يمنع الرضاع من نزول الحيض، وإن كانت المرضعة لا تحيض غالباً، وكذلك الحكم في الحامل.[77]



    الجواب عن هذا الدليل:



    هناك فرق بين نزول دم الحيض من المرضعة ونزوله من الحامل، فالمرأة إذا حملت انسد فم رحمها، فلا يخرج منه شيء، بل يتحول دم الحيض غذاءً للجنين في البطن، وما ينزل من المرأة الحامل يقيناً ليس من الرحم، فلا يسمى حيضاً، أما المرضعة فلا يوجد مانع من نزول دم الحيض منها.[78]







    الفرع الثاني: الأثر الفقهي لإثبات الحيض للحامل



    هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبيرة عند العلماء – رحمهم الله –، والتي أنتجت أثراً فقهياً في العبادات والمعاملات، فالقائلون بحيض الحامل يرون ترتب أحكام الحيض على الحامل التي ترى الدم في وقت العادة، على صفة دم العادة، فتدع الصلاة والصيام، ولا يجامعها زوجها، ولا تمس المصحف، ولا تطوف بالبيت.



    إلا أن هذا الدم الذي تراه الحامل لا تنقضي به العدة، ولا يحصل به الاستبراء؛ إذ انقضاء العدة وحصول الاستبراء يكونان بوضع الحمل، فقد اتفق الفقهاء – رحمهم الله – على أن عدة الحامل بوضع الحمل لا بالحيض ولا بغيره[79]، وقد جاء النص القرآني بذلك قال الله تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }.[80]



    أما على القول بعدم اعتبار الدم النازل من الحامل حيضاً، فإن المرأة الحامل عندهم التي رأت الدم في زمن العادة على صفة دم العادة، يحكم عليه بأنه دم فساد وعلة، فلا تدع الصلاة ولا الصيام، ويجامعها زوجها، بل هي في حكم الطاهرات، تتوضأ لكل صلاة.



    والطلاق في زمن الدم للمرأة الحامل ليس ببدعي، بل هو طلاق السنة عند أصحاب هذا القول[81]، معتمدين في ذلك على حديث ابن عمر- رضي الله عنهما: "أَنَّهُ طَلَّقَ - امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - فَسَأَلَ عُمَرُ – رضي الله عنه - النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَ ا, ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً، أَوْ حَامِلاً" متفق عليه.[82]



    أما الذين يثبتون الحيض للحامل، فإن طلاقها زمن نزول الحيض ليس ببدعي أيضاً؛ لأن عدة الحامل بالوضع كما عند أصحاب القول الأول.[83]



    قال الإمام الشافعي في كتابه الأم: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ عَلَى الْحَمْلِ تَرَكَت الصَّلَاةَ، وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، إنَّمَا أَجَلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا".[84]



    فيكون الأثر المترتب على الخلاف في هذه المسألة منحصراً في الصلاة، والصيام، والجماع، ومس المصحف، والطواف، والمكث في السجد، لا في العدة والاستبراء؛ لأن الفقهاء – رحمهم الله – متفقون على أن عدة الحامل بوضع الحمل لا بغيره.[85]







    الفرع الثالث: ما أثبته الطب الحديث في أن الحامل لا تحيض



    لم تختلف كلمة الأطباء قديماً وحديثاً في نفي الحيض عن الحامل، فقد جاء عن الطبيب اليوناني أبقراط[86]: "أن المرأة إذا حبلت، لم تألم من اجتماع الدم الذي ينزل ويجتمع حول رحمها، ولا تحس بضعف كما تحس إذا انحدر الطمث؛ لأنها لا يثور دمها في كل شهر، لكنه ينزل إلى الرحم في كل يوم قليلاً قليلاً، نزولاً ساكناً من غير وجعٍ، فإذا أتى إلى الرحم اغتذى منه الجنين ونما".



    ثم قال: "وعلى غير بعيد من ذلك، إذا خلق للجنين لحم وجسد، تكون الحجب، وإذا كَبُرَ كَبُرَتْ الحجب - أيضاً - وصار لها تجويف خارج من الجنين، فإذا نزل الدم من الأم جذبه الجنين، واغتذى به، فيزيد في لحمه، والرديء من الدم الذي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب، وكذلك تسمى الحجب التي إذا صار لها الدم المشيمة".



    وقال: "إذا تم الجنين، وكملت صورته، واجتذب الدم لغذائه بالمقدار، اتسعت الحجب، وظهرت المشيمة التي تكون من الآلات التي ذكرنا، فإن اتسع داخلها اتسع خارجها؛ لأنه أولى بذلك، ولأن له موضعاً يمتد إليه".[87]



    ثم قال الإمام ابن القيم رحمه الله - معقباً على كلام الطبيب اليوناني أبقراط: "ومن ها هنا لم تحض الحامل، بل ما تراه من الدم يكون دم فسادٍ، ليس دم الحيض المعتاد".[88]



    وقد أثبتت التقنية الطبية الحديثة أن الحامل لا تحيض؛ لأن بويضة المرأة إذا تم تلقيحها في قناة فالوب أعلى الرحم، تسير هذه اللقيحة عبر قناة فالوب، حتى تصل إلى الرحم، فتنغرس في جدار الرحم، وتتغذى من الغشاء المبطن للرحم، ويتحول هذا الغشاء بكامله لتغذية النطفة.[89]



    ونزول دمٍ من الرحم حال الحملِ قد يدل على أن غذاء الجنين قد انقطع، أو فسد الحمل فلم يتوجه له الغذاء، ويخرج الدم من مكانه الطبيعي بعد أن انصرف لتغذية اللقيحة.



    لكن على فرض نزول دم من الحامل - والحمل صحيح معافى - فقد ذكر بعض الأطباء أن هذا الأمر راجع لأسباب عصبية وظيفية فحسب.



    ويطلق على الدم النازل حال الحمل في العلم البيولوجي، بالحيض الكاذب، حتى ولو كان في موعده، ويحال نزول الدم إلى أسباب عصبية وظيفية كثيرة.[90]



    وقد يحدث في بعض حالات الحمل أن يظهر الحيض في موعده بالرغم من وجود الحمل، وقد يتكرر نزوله من مرتين إلى ثلاث مرات، ولكن النزيف في كل مرة منها شحيح، ولا يستمر أكثر من يومين اثنين فقط، فهو حيض كاذب، لا يؤذي صحة الحمل.[91]



    ثم إن هرمون (البروجسترون) يجعل انقباضات الرحم بطيئة وممتدة، ويحافظ على انغلاق العضلة المحيطة بفم الرحم، فتكون مغلقة طول فترة الحمل، فلا ينزل منها دم، ولا غيره.[92]



    ويمكن بالفحص بجهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية على المرأة التي تعاني من خروج دم العادة في فترة الحمل، أن يبين مصدر الدم النازل معها، ومن خلال مشاهدة صورة الرحم والجنين، يتبين للطبيب المعالج حالة الجنين والمشيمة المحيطة به، والرحم بوجه عام.



    ومن ثم يتم تحديد سبب نزول الدم مع المرأة الحامل، ومصدر هذا الدم.



    ويكاد الأطباء يجمعون على أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من دم إنما هو دم علةٍ وفساد، فلا يخرج حيض بعد حصول الحمل، كما سبق بيانه، بل إن انقطاع دم الحيض عن المرأة من أقوى الأدلة على وجود الحمل، ولا يمكن أن يجتمع حمل صحيح وحيض صحيح؛ لأن ذلك من الجمع بين المتناقضات.



    ومن خلال جهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية[93]، أصبح بالامكان معرفة سبب نزول دم مع الحامل.[94]



    وقد أظهرت الدراسات المجراة على الكثير من النساء اللواتي يريْنَ دماً مع الحمل - من خلال الفحص بجهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية - أن مصدر هذا الدم غير الرحم، وهذا في حالة كون الجنين صحيحاً معافى، أما في حالة كون الجنين عَرَضَ له عارِض، بأن انقطع عنه الغذاء، وخرج دم الحيض، فهذا دليل واضح على فساد الحمل في البطن، أو هو دليل على خروج الجنين من البطن بحثاً عن الغذاء، فيكون النازل دم نفاس، لقرب الولادة، وانتهاء فترة الحمل.[95]



    وقد دلَّت الدراسات الطبية الحديثة على أن نزول الدم أثناء الحمل يعود إلى أسباب عديدة منها:



    أولاً: نزيف ينذر بالإجهاض في الشهور الأولى للحمل، وقبل الأسبوع الثامن والعشرين.



    ثانياً: الحمل خارج الرحم يكون مصحوباً بآلام بالبطن، وهبوط بالضغط، وهي حالة في حاجة للتدخل الجراحي فوراً.



    ثالثاً: الحمل العنقودي، وهو حمل غير طبيعي، يكون عبارة عن كتل من الخلايا، لها قدرة على الانتشار في داخل الرحم، ولها خطورة على حياة الأم، ويجب التخلص من هذا الحمل بأسرع ما يمكن، حفاظاً على صحة الأم، كما يجب إجراء الفحوصات باستمرار بعد ذلك.



    رابعاً: أسباب تعود إلى الجهاز التناسلي، ومن هذه الأسباب:



    1. وجود زوائد لحمية بعنق الرحم.



    2. حصول التهاب في عنق الرحم أو المهبل.



    3. وجود دوالٍ في عنق الرحم أو المهبل.



    خامساً: وجود مشيمة متقدمة.[96]



    كما أن هذه الدراسات تؤكد استحالة نزول الدم أثناء فترة الحمل؛ لأن الرحم يكون في حال الحمل واقعاً تحت تأثير الهرمونات التي تفرزها المشيمة لاستمرار الحمل، ولا يمكن أن يحدث نزيف إلا إذا حدث إجهاض.[97]















    الفرع الرابع: أثر الأخذ بقول الطب الحديث في حيض الحامل



    للطب الحديث كلمة يستأنس بها في هذا المجال، فالتقنية الطبية الحديثة قد بينت بوضوح ويقين، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن الحامل لا تحيض، والدم الذي تراه دم علةٍ وفسادٍ.



    وعلى هذا فيكون القول بعدم حيض الحامل هو القول الراجح الذي تسنده الأدلة الشرعية الصحيحة السالمة من المعارضة، وتسنده أيضاً التقنية الطبية الحديثة.



    وينبغي في نظري أن يرتفع الخلاف في هذه المسألة، فلا يكون فيها إلا قولٌ واحدٌ، هو: عدم حيض الحامل.



    وهذا الحكم ينبغي أن يصدر عن المجامع الفقهية، والهيئات الشرعية المعتبرة لا عن آحاد الناس.



    وعلى هذا القول فإن الدم الذي تراه المرأة الحامل ليس دم حيضٍ، بل هو دم فساد، لا تترك الصلاة والصيام لأجله، وحكمها في كل الأحوال حكم الطاهرت.













    [1] سورة النبأ، الآية (8).




    [2] سورة الروم، الآية (21).




    [3] سورة النحل، الاية (72).




    [4] انظر تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم (ص:206)، الاختيار، للموصلي (1/27).




    [5] انظر بدائع الصنائع (1/159)، الهداية (1/33)، البناية (1/691)، فتح القدير (1/187)، الاختيار (1/27)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (1/230)، رد المحتار على الدر المختار (1/296).




    [6] انظر المغني (1/443)، المحرر في الفقه (1/26)، الفروع (1/365)، كشاف القناع (1/202).




    [7] انظر المحلى لابن حزم (2/190).




    [8] انظر المهذب، للشيرازي (1/145)، المجموع شرح المهذب للنووي (2/412)، مغني المحتاج (1/294).




    [9] هو: الإمام، العالم سعيد بن المسيَّب بن حَزَن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، و سيد التابعين في زمانه. ولد بالمدينة في خلافة عمر t، و سمع من كبار الصحابة. كان يفتي مع وجود صحابة رسول الله ﷺ. توفي سنة 94 هـ. انظر في ترجمته: السير (4/217) ، طبقات ابن سعد (5/119) ، حلية الأولياء (2/161) ، طبقات الفقهاء (ص:57) ، تذكرة الحفاظ (1/51) ، البداية والنهاية (9/99) ، تهذيب التهذيب (4/84) ، شذرات الذهب (1/102) .




    [10] رواه عنهما عبد الرزاق، في كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم (1/316)، وابن أبي شيبة في المصنف، في كتاب الصلوات، باب الحامل ترى الدم أتصلي أم لا؟ (2/212)، وابن المنذر في الأوسط (2/238).




    [11] رواه عنه عبد الرزاق في المصنف، في كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم (1/316)، وابن أبي شيبة في المصنف، في كتاب الصلوات، باب الحامل ترى الدم أتصلي أم لا؟ (2/212)، والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب الحبلى إذا رأت الدم (1/227). والحسن البصري هو: الإمام، الحافظ، الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، البصري، مولى زيد بن ثابت، كانت أمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، وأبوه من سبي ميسان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر توفي سنة 110هـ. انظر في ترجمته: السير (4/563)، طبقات ابن سعد (7/156)، تذكرة الحفاظ (1/66)، تهذيب التهذيب (2/263)، طبقات الحفاظ (ص: 28).




    [12] رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف، في كتاب الصلوات، باب الحامل ترى الدم أتصلي أم لا؟ (2/213).

    وعكرمة هو: عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس c ، تابعي محدث مفسر ، ولد سنة 25هـ وتوفي بالمدينة سنة 105هـ.

    انظر: السير(5/12)، طبقات ابن سعد(5/287)، حلية الأولياء(3/326)، وفيات الأعيان(3/265)، تذكرة الحفاظ(1/95)، ميزان الاعتدال(3/93)، تهذيب التهذيب(7/267)، شذرات الذهب(1/130).




    [13] رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف، في كتاب الصلوات، باب الحامل ترى الدم أتصلي أم لا؟ (2/213).

    والشعبي هو: الإمام العلاّمة، أبو عمرو، عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الهمداني ثم الشعبي، ولد في إمارة عمر بن الخطاب t، و توفي في سنة 104هـ.

    انظر: السير (4/294)، طبقات ابن سعد (6/246)، الحلية (4/310)، تاريخ بغداد (12/227)، وفيات الأعيان (3/12)، تذكرة الحفاظ (1/74)، شذرات الذهب (1/126).




    [14] حكاه عنهما ابن المنذر في الأوسط (2/238)، وابن قدامة في المغني (1/443).




    [15] حكاه عنهما الحافظ ابن حجر في الفتح (1/499)، والنووي في المجموع (2/414)، وابن قدامة في المغني (1/443)، وانظر ابن المنذر في الأوسط (2/238).




    [16] انظر المقدمات الممهدات (1/58)، القوانين الفقهية (ص:39)، المعونة (1/193)، التمهيد (16/86)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/169)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (3/139).




    [17] انظر المهذب (1/145)، المجموع للنووي (2/412)، الوجيز للغزالي (1/31)، مغني المحتاج (1/294).




    [18] انظر مجموع الفتاوى (19/239)، الاختيارات الفقهية، للبعلي (ص:59).




    [19] سورة الطلاق، الآية (4).




    [20] انظر المبسوط، للسرخسي (2/20)، الأوسط، لابن المنذر (2/241).




    [21] انظر تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (4/381).




    [22] انظر أحكام القرآن، للجصاص (1/368).




    [23] انظر المحلى، لابن حزم (1/263).




    [24] سورة الرعد، الآية (8).




    [25] انظر كتاب العدد من الحاوي، للماوردي (1/286-287).




    [26] أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في أول تفسير سورة الطلاق، برقم (4908)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بدون رضاها، برقم (3659).




    [27] انظر المغني، لابن قدامة (1/444).




    [28] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب وطء السبايا، برقم (2158)، والترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب الرجل يشتري الجارية، وهي حامل، برقم (1131)، وقال: (حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت t والعمل على هذا عند أهل العلم) ، والإمام أحمد (28/207) برقم (16997).




    [29] أوطاس: واد في ديار هوازن، كما في معجم البلدان (1/281).




    [30] أخرجه أبو داود، في النكاح، باب وطء السبايا، برقم (2157)، والإمام أحمد (17/326) برقم (11228).




    [31] أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب البيع، باب بيع المغانم قبل أن تقسم (6/72) برقم (6196).




    [32] انظر الأوسط، لابن المنذر (2/240)، المغني، لابن قدامة (1/444)، زاد المعاد، لابن القيم (5/732).




    [33] انظر الأوسط، لابن المنذر (2/240-241).




    [34] انظر المجموع، للنووي (2/363)، حاشية الشيخ عميرة على شرح المحلي (1/109).




    [35] سورة الطلاق، الآية (4).




    [36] انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر (3/232).




    [37] انظر سبل السلام، للصنعاني (3/206).




    [38] انظر المجموع، للنووي (2/414)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (1/118).




    [39] انظر فتح القدير، لابن الهمام (1/187).




    [40] أخرجه الدارقطني، كتاب الحيض (1/227)، والدارمي، كتب الحيض، باب إذا رأت الحبلى الدم (1/245)، وعبد الرزاق في المصنف في كتاب الحيض، باب الحامل ترى الدم (1/316).




    [41] رواهما أبو حفص بن شاهين، ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد (5/733)، والتهانوي في إعلاء السنن (1/257)، وبعد طول البحث والتقصي لم أقف على إسنادهما.




    [42] أخرجه الإمام مالك في الموطأ، في جامع الحيضة (1/78).




    [43] انظر المحرر في الفقه (1/26)، الفروع (1/365)، زاد المعاد، لابن القيم (5/735).




    [44] انظر زاد المعاد لابن القيم (5/735).




    [45] هو: الشيخ، الإمام، القدوة، العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، إمام الحنابلة بجامع دمشق، وصاحب التصانيف البديعة النافعة، ولد بجماعيل من أعمال نابلس سنة 541هـ ، وتوفي سنة 620هـ.

    انظر: السير (22/165)، معجم البلدان (2/113)، فوات الوفيات (1/433)، البداية والنهاية (13/99)، شذرات الذهب (5/88)، التاج المكلل (ص:229).




    [46] انظر المغني، لابن قدامة (1/444).




    [47] انظر المحلى، لابن حزم (1/263)، زاد المعاد، لابن القيم (5/732).




    [48] انظر العناية شرح الهداية (1/187).




    [49] انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/169).




    [50] انظر زاد المعاد، لابن القيم (5/736).




    [51] سورة البقرة، الآية (222).




    [52] انظر مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (1/118).




    [53] سورة الرعد، الآية (8).




    [54] أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الحيض، باب في الحبلى إذا رأت الدم (1/225).




    [55] هو: الإمام، مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب المخزومي، من كبار التابعين، وشيخ القراء والمفسرين، توفي سنة 102هـ، وهو ساجد. انظر: السير (4/449)، طبقات ابن سعد (5/466)، الحلية (3/279)، طبقات الفقهاء (ص:69)، تذكرة الحفاظ (1/86)، تهذيب التهذيب (10/42)، طبقات الحفاظ (ص:35).




    [56] انظر تفسير القرطبي (9/287).




    [57] سَرِف: بفتح السين وكسر الراء، مكان بين مكة والمدينة بالقرب من مكة على أميال منها، انظرشرح النووي على صحيح مسلم (1/388).




    [58] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف، برقم: (305)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز الإفراد، برقم (1211).




    [59] قال الصنعاني: قوله(يُعرِف)بضم حرف المضارعة وكسر الراء: أي له عرف ورائحة، وقيل بفتح الراء أي تعرفه النساء.




    [60] أخرجه الإمام أحمد في المسند (42/399)، وأبوداود في سننه (1/82) برقم:(304) واللفظ له، والنسائي في سننه (1/151)، والحاكم في المستدرك (1/174) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.




    [61] انظر شرح النووي على صحيح مسلم (8/146).




    [62] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (1/499).




    [63] انظر شرح منهاج الطالبين، لجلال الدين المحلي (1/108).




    [64] انظر الهداية شرح بداية المبتدي، للمرغناني (1/33).




    [65] انظر شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (1/226-227).




    [66] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/160).




    [67] أخرجه الإمام مالك في الموطأ، في جامع الحيضة (1/78).




    [68] أخرجها الدارمي في سننه، كتاب الحيض، باب في الحبلى إذا رأت الدم (1/225)




    [69] هو: الإمام، العالم، شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة وفقيهها، أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، ولد عام 93هـ، وتوفي 179هـ. انظر: السير (8/48)، ترتيب المدارك (1/102)، طبقات الفقهاء (ص:76)، تذكرة الحفاظ (1/207)، النجوم الزاهرة (2/96)، طبقات الحفاظ (ص: 98)، حلية الأولياء (6/316)، صفة الصفوة (2/177)، الكامل، لابن الأثير (6/147)، تهذيب التهذيب (10/5).




    [70] هو: الإمام، الحافظ، العالم، أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ابن الزهرة القرشي الزهري المدني نزيل الشام ولد سنة 51هـ، مات سنة 124هـ. انظر: السير (5/326)، حلية الأولياء (3/360)، طبقات الفقهاء (ص: 63)، وفيات الأعيان (4/177)، تذكرة الحفاظ (1/108)، ميزان الاعتدال (4/40)، البداية والنهاية (9/340)، تهذيب التهذيب (9/445)، طبقات الحفاظ (ص: 42)، شذرات الذهب (1/162).




    [71] أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الحيض، باب في الحبلى إذا رأت الدم (1/225).




    [72] سورة الرعد، الآية (8).




    [73] أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الحيض، باب في الحبلى إذا رأت الدم (1/225).




    [74] أخرجه الدارقطني، في الحيض (1/227)، والدارمي، في الحيض، باب إذا رأت الحبلى الدم (1/245).




    [75] انظر المغني، لابن قدامة (1/444).




    [76] أخرجه الدارمي في سننه، كتب الحيض، باب إذا رأت الحبلى الدم (1/245).




    [77] انظر المجموع، للنووي (2/412-413).




    [78] انظر بدائع الصنائع، للكاساني (1/160).




    [79] انظر بداية المجتهد، لابن رشد (1/89)، أحكام القرآن، للجصاص (3/685).




    [80] سورة الطلاق، الآية (4).




    [81] انظر المغني، لابن قدامة (10/335)، زاد المعاد، لابن القيم (5/736-737).




    [82] أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في أول تفسير سورة الطلاق، برقم (4908)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بدون رضاها، برقم (3659).




    [83] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (4/497).




    [84] انظر كتاب الأم، للشافعي (5/235).




    [85] انظر بداية المجتهد، لابن رشد (1/89)، أحكام القرآن، للجصاص (3/685).




    [86] هو: الطبيب والحكيم الإغريقي القديم، يلقب بأبي الطب، زاول الطب في جزيرة كوسة اليونانية، واسمه أبقراط بن إيراقليدس بن أبقراط بن غنوسيديقوس بن نيروس، من أشرف أهالي بيته وأعلاهم نسباً، كانت مدة حياته 95سنة، وأبقراط بمعنى ضابط الخيل، وقيل ماسك الصحة، وأصل اسمه باليونانية إيفوقراطيس، وقيل هو بقراطيس، وإنما العرب عادتها تخفيف الأسماء واختصار المعاني، فخففت هذا الاسم، فقالوا: أبقراط وبقراط - أيضاً – ويقال بالتاء: أبقرات وبقرات.

    انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي اصيبعة (ص:43)، الموسوعة العربية العالمية (1/84).




    [87] ذكر ذلك ابن القيم عنه، انظر تحفة المودود بأحكام المولود (ص:250).




    [88] انظر تحفة المودود بأحكام المولود، للإمام ابن القيم (ص:250).




    [89] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/ محمد البار (ص:112-114).




    [90] انظر الحيض وأحكامه الشرعية، للدكتور كامل موسى (ص:56).




    [91] المرأة في سن الإخصاب وسن اليأس (ص:115).




    [92] انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور/ محمد البار (ص:98).




    [93] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والإخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:19).




    [94] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والإخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:48-50)، وقد أفادني عدد من أطباء مستشفى النساء والولادة بالرياض بأن هذا الجهاز (دوبلر) ليس في كل الأحوال يمكن من خلاله معرفة سبب نزول الدم وقت الحمل، وإنما هنا تحاليل تعمل، وبعض الفحوصات التي يتبين من خلالها معرفة السبب.




    [95] انظر طفلي الحمل الولادة الأيام الأولى، للدكتور/ عصام عيتاني (ص:110).




    [96] أفادني بذلك مشافهةً عدد من أطباء مستشفى النساء والولادة بالرياض.




    [97] انظر الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب، للدكتور عمر بن سليمان الأشقر (ص:34-35).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: أثر التقنية الحديثة في الطهارة

    أثر التقنية الحديثة في الطهارة
    (5-5)
    د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ



    المطلب الخامس: في أكثر مدة النفاس

    وفيه ثلاثة فروع:

    الفرع الأول: خلاف العلماء في أكثر مدة النفاس.

    الفرع الثاني: إمكان معرفة مدة النفاس من خلال التقنية الطبية الحديثة.

    الفرع الثالث: أثر التقنية الطبية الحديثة في مدة النفاس.



    الفرع الأول: خلاف العلماء في أكثر مدة النفاس

    تمر المرأة في فترة الحمل بتغيرات جسمية كثيرة، ذلك أن جانباً من التغذية ينصرف للجنين، فإذا ما تكون هذا الجنين، وتمَّ أجله في البطن، وأذن الله له بالخروج إلى الدنيا، انصرف هذا الغذاء الذي كان متناسباً مع حاجة الجنين في البطن إلى الخارج، وهو ما يعرف بدم النفاس.

    وتعرف فترة النفاس بفترة نقاهة الرحم، والجهاز التناسلي عند المرأة؛ إذ يعود الرحم والجهاز التناسلي خلال هذه الفترة إلى الحالة الطبيعية التي كانت قبل الحمل والولادة.[1]

    وتمتد فترة خروج الدم (النفاس) إلى أوقات تختلف باختلاف تكوين المرأة والبيئة التي تعيش فيها، وقد تحدث الفقهاء – رحمهم الله – عن المدة التي تمكثها النفساء، قلةً وكثرة، وفيما يلي تفصيل القول في ذلك:

    تحرير محل النزاع:

    اتفق الفقهاء – رحمهم الله – على أنه لا حد لأقل النفاس، فأي وقت رأت المرأة الطهر اغتسلت، وهي طاهر.[2]

    واختلفوا في أكثره على ثلاثة أقوال:

    القول الأول:

    أن أكثر النفاس أربعون يوماً، وإلى هذا ذهب الحنفية[3]، والحنابلة.[4]

    القول الثاني: أن أكثر النفاس ستون يوماً، وإلى هذا ذهب المالكية[5]، والشافعية.[6]



    القول الثالث:

    أنه لا حد لأكثر النفاس، فلو أن امرأةً رأت الدم أكثر من أربعين، أو ستين، أو سبعين، وانقطع؛ فهو نفاس، وإلى هذا ذهب المالكية في رواية[7]، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.[8]

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وَالنِّفَ اسُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ، أَوْ سِتِّينَ، أَوْ سَبْعِينَ، وَانْقَطَعَ فَهُوَ نِفَاسٌ، لَكِنْ إن اتَّصَلَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَدُّ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّهُ مُنْتَهَى الْغَالِبِ جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ).[9]

    سبب الخلاف:

    الذي يظهر لي أن سبب الخلاف في هذه المسألة، هو النظر إلى غالب أحوال النساء وطبائعهن، فمنهن من يكون نفاسها أربعين يوماً، ومنهن من يكون أكثر من ذلك، فكلٌ من أهل العلم نظر إلى نساء بلده وزمانه، فاعتبر غالب أحوالهن.

    أدلة القول الأول:

    استدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة صريحة في التحديد بأربعين منه ما يلي:

    الدليل الأول:

    عن أنسٍ – رضي الله عنه - قال: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ".[10]



    الدليل الثاني:

    عن أم سلمة– رضي الله عنها - قالت: "كَانَتْ النُّفَسَاءُ يَقْعُدْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعِينَ يَوْماً, وَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ[11] مِنْ الْكَلَفِ[12]".[13]

    الجواب عن هذين الدليلين:

    بأنه محمول على الغالب، أو على نسوة مخصوصات[14]، ففي رواية: "كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم - تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً".[15]

    أدلة القول الثاني:

    استدل أصحاب القول الثاني بتعليلات منها:

    التعليل الأول:

    قالوا: إن الاعتماد في ذلك على الوجود، وقد وجد الستون، فتعين المصير إليه.[16]

    التعليل الثاني:

    قالوا: إن غالب النفاس أربعون يوماً، فينبغي أن يكون أكثره زائداً على ذلك.[17]

    دليل القول الثالث:

    استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الله سبحانه وتعالى علّق على الحيض أحكاماً متعددةً في الكتاب والسنة، ولم يقدّر أقله ولا أكثره، ولا أقل سن تحيض له المرأة ولا أكثره، والنفاس في حكمه؛ لأن الموجب واحد، وهو خروج الدم.[18]

    الترجيح:

    الراجح عندي في هذه المسألة – والله أعلم – هو القول الأول، وهو أن أكثر النفاس أربعون يوماً؛ وذلك لصراحة الأدلة التي استدلوا بها مع ضعف بعضها، إلا أن بعضها يعضد بعضاً، وقد نصت تلك الأدلة على أن النفساء تقعد في نفاسها أربعين يوماً.

    ثمرة الخلاف في المسألة:

    من نفست أكثر من أربعين يوماً؛ فالدم الخارج بعد ذلك دم فساد لا يعتد به، فلا يمنع الصوم، ولا يحرّم الصلاة عند الحنفية، والحنابلة، وكذلك هو عند المالكية والشافعية؛ إن تجاوز ستين يوماً، وأما عند شيخ الإسلام v فهو دم نفاس، يمنع الصوم، والصلاة، إذا انقطع بعد ذلك، ولم يتصل.



    الفرع الثاني:إمكان معرفة مدة النفاس من خلال التقنية الطبية الحديثة

    يعرَّف النفاس من الناحية الطبية بأنه: الفترة التي تلي الولادة أو الإجهاض، ويتخللها نزول بعض الدم من المرأة بسبب انفصال المشيمة من جدار الرحم[19]، ويعود الرحم وجهاز المرأة التناسلي إلى حالته الطبيعية قبل الولادة.

    وتتراوح المدة التي يستغرقها الرحم وجهاز المرأة التناسلي ليعود إلى حالته الطبيعية قبل الحمل بين ستة وثمانية أسابيع (ستين يوماً).[20]

    ويعرَّف دم النفاس وما يتبعه من إفرازات بأنه الدم والإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، وتستمر لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع، وقد تطول إلى ستة أسابيع (أربعين يوماً).[21]

    ويوصف دم النفاس بأنه: قانٍ غليظٌ فيه جلطات دم متخثر، ثم يخف تدريجياً، ويصير بني اللون، ويختلط بمادة مخاطية، وفي النهاية تظهر القصة البيضاء، وهي ماء أبيض اللون يخرج من المرأة، ويدل على الطهر من النفاس.[22]

    ويرى الأطباء أن المرأة يجب عليها مراجعة الطبيب في حال كون الدم غزيراً جداً، وفي حال نزول الدم أكثر من ستة أسابيع (أربعين يوماً)؛ لكون ذلك يدل في الغالب على مرض، ويجب التَّدخل الطبي.[23]

    ومعدل المدة لنزول دم النفاس لدى غالب النساء هي (24يوماً)، وتزيد هذه المدة في حال كون المرأة غير مرضع.

    ودم النفاس قلوي التفاعل في الرحم، وليس له رائحة عفنة، وإذا حدثت عفونة فإن ذلك دليل على وجود التهابات ميكروبية بالرحم، أو أن الرحم انقلب إلى الخلف بدلاً من الوضع الطبيعي إلى الأمام.[24]

    وتحصل معرفة مدة دم النفاس عن طريق التقنية الطبية الحديثة، فمن خلال جهاز (دوبلر) للموجات فوق الصوتية[25]، والذي مكَّن الأطباء من التعرف على طبيعة دم النفاس، واستطاعوا من خلاله النظر إلى داخل الرحم، وقياس الغشاء المبطن للرحم، والتعرُّف على المتبقي من المشيمة.

    فتستطيع الطبيبة أن تتعرف على الدم الذي تراه النفساء من خلال النظر للرحم، ومعرفة مصدر الدم الخارج، فإن كان صادراً من أثر تفتت بطانة الرحم؛ فهو دم الحيض المعروف، وإن كان صادراً من إثر بقايا المشيمة والدم المتبقي من الولادة فهو دم النفاس المعروف.



    الفرع الثالث :أثر التقنية الطبية الحديثة في مدة النفاس



    ليس لأقل النفاس مدة عند الأطباء[26]، بل إذا رأت المرأة الطهارة، ولو بعد الولادة بلحظات عُدَّت طاهراً، وهذا ما يتفق مع ما ذهب إليه الفقهاء جميعاً كما سبق.[27]

    أمَّا أكثر مدة دم النفاس، فإن التقنية الطبية الحديثة تتفق مع أصحاب القول الأول الذين يرون أن أكثر مدة دم النفاس أربعون يوماً، وهو القول الذي رجحته لموافقته النصوص الشرعية.

    ولم يكن أصحاب القول الثاني الذين يرون أن أكثر مدة دم النفاس ستين يوماً، بالبعيدين عمَّا توصلت إليه التقنية الطبية الحديثة في تعريف النفاس، فإنهم قالوا: تتراوح المدة التي يستغرقها الرحم وجهاز المرأة التناسلي ليعود إلى حالته الطبيعية قبل الحمل بين ستة وثمانية أسابيع، أي ما يقارب (ستين يوماً).[28]

    لكن الاختلاف بينهما في التعريف، فالأطباء حين يتحدثون عن النفاس، يريدون به حالة الرحم حتى يعود إلى وضعه الطبيعي، ويسمى (Peurpurim)، أما الدم والإفرازات التي تصحبه فتسمى (Lochia) أي دم النفاس، ومدته عند الأطباء لا تزيد على ستة أسابيع (أربعين يوماً).[29]

    أما القول الثالث الذي يرى عدم التحديد بمدة معينة، فإن التقنية الطبية الحديثة لم تبطل هذا القول من أساسه، بل إن الأطباء يرون أن الزيادة على الأربعين يُعَد مرضاً ينبغي متابعته، والتعرف على مسبباته.[30]

    فمن المحتمل أن تنتهي مدة دم النفاس، ويعقبها مباشرةً دم الحيض المعتاد، ونظراً إلى التشابه بين دم الحيض ودم النفاس، فإن أكثر النساء لا يفرقن بينهما مما يجعلهن يظنن أنهن في نفاس طوال هذه المدة.

    والخلاصة أن القول الراجح هو الذي تؤيده التقنية الطبية الحديثة، والله أعلم.








    [1] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899).




    [2] انظر المحلى، لابن حزم (1/413).




    [3] انظر بدائع الصنائع (1/41)، المبسوط (3/210)، العناية شرح الهداية (1/188)، فتح القدير (1/188)، البحر الرائق (1/231)، حاشية ابن عابدين (1/300).




    [4] انظر الإنصاف (1/383)، المغني، لابن قدامة (1/209)، الفروع، لابن مفلح (1/282)، كشاف القناع، للبهوتي (1/218)، الإقناع، للحجاوي (1/110).




    [5] انظر المعونة، للقاضي عبد الوهاب (1/73)، القوانين الفقهية، لابن جزي (ص:38)، حاشية الخرشي (1/210)، حاشية الدسوقي (1/174)، حاشية الصاوي (1/217)، منح الجليل (1/166).




    [6] انظر المجموع، للنووي (2/541)، مغني المحتاج، للشربيني (1/294)، نهاية المحتاج، للرملي (1/356-357)، حاشيتا قليوبي وعميرة (1/125)، حاشية الجمل (1/260).




    [7] انظر المعونة، للقاضي عبد الوهاب (1/73).




    [8] انظر الفتاوى الكبرى (5/315)، مجموع الفتاوى (19/239)، الاختيارات الفقهية، للبعلي (ص:46).




    [9] انظر مجموع الفتاوى (19/239).




    [10] أخرجه الدارقطني (1/220)، وقال: لم يروه عن حميد غير سلام هذا، وهو سلام الطويل، وهو ضعيف الحديث.




    [11] الوَرْسُ: نبت أصفر يصبغ به. انظر النهاية، لابن الأثير (5/172).




    [12] الكلَف: شيء يعلو الوجه كالسِّمسم. يقال: كَلِفَ وجهُه يَكْلَفُ كلَفاً، وهو أَكلف: تَغَيَّر. انظر لسان العرب، لابن منظور( 9/307)، مادة كلف.




    [13] أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، حديث رقم (312)، و الترمذي، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النفساء، حديث رقم (139).




    [14] انظر أسنى المطالب (1/114)، المجموع (2/542).




    [15] أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، حديث رقم (312).




    [16] انظر المجموع، للنووي (2/541).




    [17] انظر المرجع السابق.




    [18] انظر مجموع الفتاوى (19/237).




    [19] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899).




    [20] انظر خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:407).




    [21] المرجع السابق.




    [22] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899)، خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:408).




    [23] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899).




    [24] انظر خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:407)، سيدتي الحامل، د/ عبد الله باسلامة (ص:182).




    [25] انظر الموجات فوق الصوتية في أمراض النساء والحمل والاخصاب، للدكتور/موسى المعطي (ص:19).




    [26] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899)، خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:410-411).




    [27] انظر الصفحة رقم: (166) من هذا البحث.




    [28] انظر خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:407).




    [29] انظر خلق الإنسان، د/ محمد البار (ص:411).




    [30] انظر الموسوعة الطبية الفقهية، د/ أحمد كنعان (ص:899).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •