تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد) - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 152

الموضوع: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (61)


    منهج أتباع التابعين باختصار


    ونستطيع مما سبق أن نلخص منهج أتباع التابعين في أمور ثلاثة :
    الأول/ أنهم نقدوا الإسناد والمتن :
    كانوا يحفظون الروايات ويقارنون بعضها ببعض، وقد أكسبهم ذلك خبرة تامة في نقد المتون، وبصيرة ناقدة في أحوال الرواة .

    الثاني/ أنهم كشفوا عن الكذابين وحذروا الناس منهم :
    لقد تتبعوا الكذبة في كل مكان، وكشفوا عن أحوالهم، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولا منعهم عن تجريحهم والتشهير بهم ورع ولا حرج، وحذروا الناس من سمومهم حتى أصبح عند عوام الناس وعي جيد يميزون به بين المتطفلين على الحديث وأهله ورجاله الثقات، يدل على هذا ما رواه الحافظ بن حجر عن يزيد بن هارون قال : ( كان جعفر بن الزبير وعمران بن حدير في مسجد واحد مصلاهما، وكان الزحام على جعفر بن الزبير، وليس عند عمران أحد، وكان شعبة يمر بهما فيقول : يا عجبا للناس !! اجتمعوا على أكذب الناس، وتركوا أصدق الناس، قال يزيد فما أتى عليه قليل حتى رأيت ذلك الزحام على عمران، وتركوا جعفر وليس عنده أحد )(1).

    الثالث/ أنهم بينوا من تقبل روايته ومن لا تقبل :
    يدل على ذلك قول الإمام مالك المتقدم : لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ مما سوى ذلك : لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا أتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث(2).
    وقيل لشعبة بن الحجاج : ( متى يترك حديث الرجل ؟ قال : إذا روى عن المعروفين مالا يعرفه المعرفون فأكثر، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتهم بالكذب، وإذا روى حديثا غلطا مجتمعا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه، طرح حديثه ، وما كان غير ذلك فارووا عنه )(3).
    وبهذا المنهج الفريد حفظ الله السنة في عصر اتباع التابعين كما حفظها من قبل في عصر الصحابة والتابعين .





    (1) تهذيب التهذيب : ج 2ص 91( ترجمة جعفر بن الزبير ) .
    (2) الجرح والتعديل : ج 1ص 32.
    (3) نفس المصدر والموضع .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)


    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (62)



    أشهر المحدثين في هذا العصر ومنهجهم في التدوين

    اشتهر كثير من أتباع التابعين برواية الحديث في الأمصار المختلفة فكان أشهرهم بالمدينة : الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المشهور.

    وبالشام : أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي الدمشقي.
    وبالكوفة : وكيع بن الجراح، وسفيان الثوري .

    وبالبصرة : يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، وشعبة بن الحجاج ، وعبدالرحمن بن مهدي العنبري.
    وبمصر : الليث بن سعد بن عبدالرحمن المصري، والإمام الشافعي حين نزل مصر في أخريات حياته وأقام بها .
    وكانت طريقتهم في تدوين الحديث أن يصنفوا كل باب على حدة بأن يجمعوا الأحاديث التي من نوع واحد ويجعلوها بابا، ثم يضمون الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد، وكانوا يمزجون الأحاديث المرفوعة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، كما كانوا كذلك يذكرون ما عليه عمل أهل المدينة، والأمر المجمع عليه عندهم، كما فعل الإمام مالك في موطئه(1)، ولذلك سنكتفي بالكلام عن الإمام مالك وموطئه فيما يلي :

    الإمام مالك بن أنس :
    هو الإمام الحافظ، فقيه الأئمة شيخ الإسلام إمام دار الهجرة، وعالم المدينة أمير المؤمنين في الحديث : أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي(2) المدني .
    ولد عام 93 وقيل 95 بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومهجره الذي هاجر إليه، وموطن الشرع، ومبعث النور، ومهد السنن ، وموطن الفتاوى المأثورة، اجتمع بها الرعيل الأول من علماء الصحابة ثم تلاميذهم من بعدهم .
    والإمام مالك : حدث عن نافع ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وأيوب السختياني، وعامر بن عبدالله بن الزبير بن العوام، وصالح بن كيسان، وأبي الزناد، وابن المنكدر، وهشام بن عروة وخلق كثير .
    وحدث عنه أمة منهم: محمد بن الحسن الشيباني، والإمام الشافعي، وحماد بن سلمة، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير .
    وحدث عنه من شيوخه : الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبدالله بن الهاد وغيرهم .
    وحدث عنه من أقرانه : الأوزاعي، والثوري، وشعبة، وابن جريح والليث بن عسد، وابن عيينة وغيرهم .
    ومناقب الإمام مالك كثيرة جدا، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر، ومن ذلك :
    قول الإمام الشافعي : ( إذا جاء الحديث فمالك النجم )وقال : ( من أراد الحديث فهو عيال على مالك ) وقال : ( لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز ) وقال : ( مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين ) .
    وقال فيه ابن عيينة : ( ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم ) .
    روى الترمذي عن سفيان بن عيينة بسنده عن أبي هريرة : ( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدن أحد أعلم من عالم المدينة )(3) وقد روى عن ابن عيينة راوي الحديث أنه قال : هو مالك بن أنس .
    وقال فيه ابن حبان : ( كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، مع الفقه والدين والفضل والنسك، ولم يكن يروى إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة، وبه تخرج الشافعي ) .
    وقال الذهبي نفسه : ( لم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم والفقه والجلالة والحفظ ) .
    وقال أيضاً : ( وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره ) :
    أحداها : طول العمر وعلوم الرواية .
    وثانيهما: الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم .
    وثالثهما : اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية .
    ورابعتها : تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن .
    وخامستها : تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعد .
    وقال البخاري : ( أصح الأسانيد : مالك عن نافع عن ابن عمر )
    قال أبو مصعب : سمعت مالكا يقول : ( ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وكان إذا أراد أن يحدث تنظف وتطيب وسرح لحيته ولبس أحسن ثيابه، وكان يلبس حسنا، وكان نقش خاتمه : حسبي الله ونعم الوكيل، وكان إذا دخل منزلة قال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، وكان منزله مبسوطا بأنواع المفارش، ولما احتضر قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم جعل يقول : لله الأمر من قبل ومن بعد، ثم قبض في ربيع الأول وقيل في صفر عام ( 179هـ ) ودفن بالبقيع، فرضي الله عنه وأرضاه (4).
    موطأ الإمام مالك :
    ألف الإمام مالك كتابه الموطأ بناء على طلب من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور المتوفي سنة ( 158) هـ، وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يحمل الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال : ( إن الناس قد جمعوا وأطلعوا على أشياء لم نطلع عليها )(5) .
    وقد استغرق تأليفه ( الموطأ ) أربعين سنة، قال الإمام الأوزاعي : ( عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال : كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما ما أقل ما تفقهون فيه )(6) .
    وقد اختلف في سبب تسميته بـ ( الموطأ ) قيل : إن مالكا قال : عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ (7).
    وقيل سمي بذلك : لأنه وطأ العلم والحديث ويسرهما للناس.
    طريقته في الموطأ :
    صنف الإمام مالك كتابه الموطأ في الحديث على طريقة الأبواب، ولم يتقيد فيه بالأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جمع فيه أيضا أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، فيذكر في مقدمة الباب ما ورد فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقوال الصحابة، ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وقل أن يكونوا من غير أهل المدينة، وأحيانا يذكر ما عليه العمل المجمع عليه بالمدينة، وقد يذكر بعض الآراء الفقهية له، لأنه ممن جمعوا بين الفقه والحديث فهو من محدثي الفقهاء .
    رواة الموطأ ونسخه :
    روى الموطأ عن مالك رواة كثيرون ذكر القاضي عياض في ( المدارك ثمانين وستين راويا رووا الموطأ عن الإمام مالك مباشرة دون واسطة(8)، ثم قال القاضي عياض : والذي اشتهر من نسخ الموطأ مما رويته أو وقفت عليه أو كان في رواية شيوخنا رحمهم الله أو نقل منه أصحاب اختلاف الموطأ نحو عشرين نسخة وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة ) (9).
    وقال الغافقي(10) : ( نظرت الموطأ من اثنتى عشرة رواية رويت عن مالك، وهي : رواية ابن وهب، وابن القاسم، والقعنبي، وابن يوسف، ومعن، وابن عفير، وابن بكير، وأبي مصعب الزهري، ومصعب بن عبدالله الزبيري، ومحمد بن المبارك الصوري، وسليمان بن برد، ويحيى ابن يحيى الليثي )(11).
    وقال السيوطي : ( وقد وقفت على الموطأ من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغافقي : أحداهما رواية سويد بن سعيد، والأخرى : رواية محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة )(12) .


    (1) انظر محاضرات في علوم الحديث للأستاذ/ مصطفى أمين التازي : ص 197 ص 205.
    (2) نسبة إلى ذي أصبح من ملوك اليمن .
    (3) سنن الترمذي : أبوال العلم، باب ما جاء في عالم المدينة ، ج 4 ص 152، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
    (4) انظر ترجمته في : تذكرة الحفاظ : ج 1ص 207، تهذيب التهذيب : ج10ص 5، وفيات الأعيان لابن خلكان : ج 4 ص 135، طبقات الحفاظ للسيوطي : ص 89، البداية والنهاية، المجلد الخامس ص 684، سير أعلام النبلاء : ج 8 ص49، الكامل لابن الأثير : ج6 ص 147.
    (5) اختصار علوم الحديث لابن كثير ، ص 25.
    (6) كشف المغطأ لابن عساكر ، ص 54.
    (7) مقدمة تنوير الحوالك على موطأ مالك : ج 1 ص 7 ط عيسى البابي الحلبي .
    (8) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض : ج 2 ص 86ط ، دار مكتبة الحياة بيروت، بتحقيق أحمد بكير .
    (9) المصدر السابق، ج 2ص89.
    (10) هو أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله المصري المالكي الغافقي المتوفي ( 385هـ ) .
    (11) تنوير الحوالك للسيوطي ، ج 1 ص 10.
    (12) المصدر السابق ، وانظر الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ،ص 24.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)


    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (63)



    يتبع/ موطأ الإمام مالك
    عدد رجال الموطأ :
    قال الحافظ صلاح الدين العلائي : ( عدة رجال مالك الذين روى عنهم في هذا المسند وسماهم خمسة وتسعون رجلا ، وعدة من روي له فيه من رجال الصحابة خمسة وثمانون رجلا، ومن نسائهم ثلاث وعشرون امرأة، ومن التابعين ثمانية وأربعون رجلا كلهم من أهل المدينة إلا ستة رجال وهم : أبو الزبير من أهل مكة، وحميد الطويل من أهل البصرة، وعطاء بن عبد الله من أهل خراسان، وعبد الكريم من أهل الجزيرة ، وإبراهيم بن أبي عبلة من أهل الشام (1).
    عدد أحاديث الموطأ :
    قال أبو بكر الأبهري : جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنا وعشرون حديثا ، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن أقوال التابعين مائتان وخمسة وثمانون(2) .
    وقال ابن حزم : ( أحصيت ما في موطأ مالك فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيه أحاديث وماما جمهور العلماء )(3).
    درجة أحاديث الموطأ:
    اختلف العلماء في منزلة الموطأ من كتب السنة، فمنهم من جعله مقدما على الصحيحين كالإمام أبي بكر بن العربي، قال : ( الموطأ هو الأصل الأول واللباب وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بني الجميع كمسلم والترمذي )(4).
    ويدل على ذلك أيضا قول الشافعي : ( ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك)(5)، قال السيوطي : ( هذا قبل وجود صحيح البخاري ومسلم ) (6).
    ومنهم من جعله في مرتبتهما كالإمام الدهلوي(7)، حيث قسم كتب الحديث إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى منحصرة في ثلاثة كتب : الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم.
    وممن ذهب إلى ذلك الشيخ أحمد شاكر حيث قال : إن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعد في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره(8).
    وبعض العلماء كان يرى أن أصول الحديث سبعة، هي الكتب الستة ومعها الموطأ، ويجعل بعضهم بدلا منه سنن الدارمي .
    وليست أحاديث الموطأ كلها مسندة، بل فيه المرسل، والمعضل، والمنقطع وغير ذلك، وقد ذكر العلماء أن جميع ما فيه من قوله ( بلغني ) وقوله : ( عن الثقة ) من غير أن يسنده ( 61) لكنها مسندة من طرق أخرى غير طريق مالك نفسه، ولذلك تصدى ابن عبد البر النمري إلى تأليف كتاب حاول به أن يصل ما في ( موطأ مالك ) من الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة(9).
    شروح الموطأ :
    اعتنى الناس بكتاب الموطأ، وعلقوا عليه كتبا جمة، ومن أجود ذلك : كتابا ( التمهيد) و ( الاستذكار ) للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة ( 463 ) هـ(10).
    كذلك شرح الموطأ أبو محمد بن السعيد النحوي البلطيوسي المتوفى سنة ( 525هـ ) وسماه ( المقتبس ) ، والقاضي أبو بكر محمد بن العربي المغربي المتوفى سنة ( 546هـ ) وسماه : ( القبس ) .
    وشرحه الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ( 911هـ ) وسمى شرحه : ( كشف المغطى في شرح الموطأ ) واختصره في شرحه : ( تنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك ) وألف السيوطي في رجال : ( إسعاف المبطأ برجال الموطأ ) وقد طبع مع شرحه : ( تنوير الحوالك ) بمصر .
    وممن ألف في شرح غريبه : البرقي، وأحمد بن عمران الأخفش، وأبو القاسم العثماني المصري (11).
    وشرحه الإمام عبد الحي اللكنوي الهندي وسمى شرحه : ( التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد ) .






    (1) مقدمة تنوير الحوالك : ج 1ص10.
    (2) مقدمة تنوير الحوالك: ج 1ص9.
    (3) نفس المصدر، وانظر تدريب الراوي :ج 1ص111.
    (4) مقدمة تنوير الحوالك : ج 1ص6.
    (5) المصدر السابق : ج 1ص7.

    (6) تدريب الراوي : ج 1ص91.
    (7) في كتابه : حجة الله البالغة : ج 1ص133 ط : دار المعرفة بيروت .
    (8) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث : ص 24.
    (9) علوم الحديث ومصطلحه للدكتور / صبحي الصالح : ص 387.
    (10) اختصار علوم الحديث لابن كثير : ص 25.
    (11) مقدمة تنوير الحوالك ص 12.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)


    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (64)



    السنة في القرن الثالث الهجري

    جاء القرن الثالث الهجري فشهد قمة ما بدأه الصحابة ومن بعدهم من الأئمة من أجل المحافظة على السنة من حيث التدوين والنقد والتأليف فيهما،وكان هذا العصر، كما يقول الدكتور السباعي : " أزهى عصور السنة وأسعدها بأئمة الحديث وتآليفهم العظيمة الخالدة "(1) .
    1 - ففي مجال التدوين تعددت الطرق وتنوعت ، وهي ترجع إلى الطرق التالية :
    أ ـ منهج التدوين على المسانيد :
    ويتحقق بجمع المؤلف ما يروى عن الصحابي في باب واحد غير تقييد بوحدة الموضوع ، واتسم هذا المنهج بإفراد الحديث وتجريده من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، وجمع كل ما يروى عن الصحابي وإن اختلفت موضوعات الأحاديث ، فمثلا يوجد حديث للصلاة بجانب حديث للصوم وهكذا ، مع الجمع بين الحديث الصحيح وغيره .
    فيذكر صاحب المسند مثلا أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ويجمع ما رواه من الأحاديث ، ثم يذكر عمر ـ رضي الله عنه ـ وما رواه من الأحاديث وهكذا .
    وكان منهم من يرتب أسماء الصحابة على القبائل فيقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب ، ومنهم من رتبها على السبق في الإسلام فقدم العشرة المبشرين بالجنة ، ثم أهل بدر ، ثم أهل الحديبية ، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح ، ثم من أسلم يوم الفتح ، ثم أصاغر الصحابة سنا ، ثم النساء ،وممن سار على هذه الطريقة الإمام أحمد بن حنبل ، ومنهم من رتبهم على حروف المعجم كالطبراني في المعجم الكبير ، ومن طرق التصنيف على المسانيد نصنيفه معللا ، بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه ، فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث ، وبها يظهر إرسال ما عد متصلا ، أو وقف ما ظن مرفوعا وغير ذلك من الأمور المهمة ، وقد ألف الحافظ الكبير يعقوب بن شيبة البصري المتوفى سنة ( 262 هـ ) مسندا معللا غير أنه لم يتم ، ولو تم لكان في نحو مائتي مجلد ، والذي تم منه مسند العشرة والعباس وابن مسعود وعتبة بن غزوان وبعض الموالي وعمار.(2)
    وطريقة المسانيد هذه هي التي ابتدأ التأليف عليها في القرن الثالث الهجري ، وأول من قام بذلك هو عبد الله بن موسى العبسي الكوفي ومسدد بن مسرهد البصري وأسد بن موسى الأموي ونعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر، ثم انتشر التأليف على هذه الطريقة بعد ذلك بين الأئمة والحفاظ كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وكان منهم من جمع بين طريقة المسانيد وطريقة الأبواب في مصنفه كأبي بكر بن أبي شيبة(3)
    ومن أعظم المسانيد مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وهو المراد عند المحدثين عند الإطلاق وإذا أرادوا غيره قيدوه باسم صاحبه(4).
    وقد يطلق المسند على الكتاب المرتب على الأبواب أو الحروف أو الكلمات لكون أحاديثه مسندة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كصحيح البخاري ، فإنه يسمى ( المسند الصحيح ) وصحيح مسلم ، وسنن الدارمي فإنها تسمى بالمسند ، وهناك مسانيد لم تصل إلينا كمسند الحارث بن الحارث بن أبي أسامة المتوفى ( 282 هـ ) ومسند عبد بن حميد المتوفى ( 249 هـ )(5).



    (1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 103 .

    (2) تاريخ فنون الحديث ص 15 .
    (3) هدي الساري لبن حجر ص5 .
    (4) الرسالة المستطرفة ص61 .
    (5) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 302 .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (65)




    السنة في القرن الثالث الهجري (2-4)






    وكان لهذه الطريقة مزايا وعيوب :

    أما مزاياها : فهي تجريد الأحاديث النبوية عن غيرها ، فقد أفردت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالتدوين ، وجردت من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، ففي هذه الطريقة إذا نوع استقلال الحديث عن الفقه .

    وأما عيوب هذه الطريقة : فهي صعوبة الوقوف على الحديث في المسند ، لعدم جمع الأحاديث المتناسبة في موضوعاتها في باب خاص ، كما كان من عيوبها كذلك تعذر معرفة درجة الحديث من الصحة والضعف والاحتجاج به أو عدمه ، لاحتمال أن يكون كل حديث في نظر القارئ صحيحا أو ضعيفا ، لأنها جمعت بين الصحيح وغيره فلا يستطيع إدراك هذا كله إلا الحافظ المتضلع .

    وكان الباعث لأصحاب هذه الطريقة على تدوين الأحاديث التي لم تبلغ مرتبة الصحة هو أن الطرق قد تتعدد فيصل الحديث إلى درجة القبول ، كما أنها أيضا صالحة للاعتبار بها ، وقد تتبين صحة الحديث لنقاده بعد ذلك . ومما هو جدير بالذكر أن العلماء في هذا العصر كانوا على درجة عالية في معرفة الصحيح من الأحاديث التي دونوها ، أو دونت لهم ، ومعرفة الضعيف منها ، ومعرفة عللها ، فكانوا على علم بحال المتون والأسانيد التي في هذه المسانيد .



    ب - منهج التصنيف على الأبواب :

    ويقوم على تخريج الحديث على أبواب الفقه وغير ذلك ، وتبويب الأحاديث وترتيبها ترتيبا موضوعيا وتنويعها أنواعا مختلفة ، بحيث يجمع المصنف ما ورد في كل حكم وفي كل باب على حدة ، فيجمع الأحاديث المتعلقة بالصلاة في باب والمتعلقة بالصوم في باب وهكذا .

    وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على إيراد ما صح فقط كالشيخين ( البخاري ومسلم ) ، ومنهم من لم يقتصر على ذلك كأبي داود والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم .

    وكان من مزايا هذه الطريقة سهولة الحصول على الحكم الشرعي وغيره من الباب الخاص به ، والوقوف على درجة الحديث بيسر وسهولة بخلاف الطريقة الأولى ( طريقة المسانيد ) حيث يصعب فيها الحصول على المطلوب ، وهذا ما دعا الإمام البخاري إلى أن يتجه في كتابه إلى الاقتصار على الحديث الصحيح وتبعه الإمام مسلم سيرا على منهجه ، وكان لهما الفضل في تمهيد الطريق أمام طلاب الحديث ليصلوا إلى الصحيح من الأحاديث دون عناء ، ولعل أقدم كتاب يمثل طريقة التصنيف على الأبواب هو ( موطأ ) الإمام مالك ، غير أنه مزجه بأقوال الصحابة والتابعين ، بخلاف عمل الشيخين فقد أفردا الحديث عن تلك الأقوال والفتاوى .

    وكان الداعي لهذه الطريقة هو أن تكون عونا للفقهاء وتسهيلا لهم في الوقوف على الأحاديث التي يستنبطون منها أحكامهم أو يستدلون بها أو يجتهدون على ضوئها .



    ج - التأليف في مختلف الحديث ورد الطعون عن السنة .

    مختلف الحديث فن من أهم الفنون التي يضطر العلماء إلى معرفتها والوقوف عليها ، ومعناه : أن يأتي حديثان ظاهرهما التناقض في المعنى فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما على الآخر . والتوفيق بين الأحاديث قد يكون بتقييد المطلق أو تخصيص العام أو الحمل على تعدد الحادثة وما إلى ذلك من الوجوه .

    وأول من تكلم في هذا الفن هو الإمام الشافعي في كتاب ( الأم ) وذكر السيوطي أن الشافعي لم يقصد استيفاءه ولا إفراده بالتأليف(1)، ولكنه في الجزء السابع ألف على هامشه كتابا خاصا باسم ( اختلاف الحديث ) ثم صنف بعد ذلك ابن قتيبة( ت 270 أو 271 أو 276 ) كتابه ( مختلف الحديث ).

    وكان الباعث لابن قتيبة على تأليف هذا الكتاب : هو تنزيه ساحة السنة النبوية عن تلك الطعون الزائفة التي وجهها إلى الحديث وأهله أعداء السنة ، ذلك أن أهل الرأي عادوا أهل الحديث وحملوا عليهم حملات عنيفة وتأولوا الأحاديث تأويلا لا يقره دين ، فوقف ابن قتيبة منهم موقف المدافع عن الدين ، ففند آراءهم ، ورد أباطيلهم .

    وأما أهل الكلام فكان موقفهم من الحديث موقف الشك ، لأنهم يحكمون العقل في كل شيء ولا يثقون في الحديث إلا إذا اتفق مع عقولهم ، وأحلوا العقل مكانة كبيرة ، وجعلوا له سلطانه مع ما فيه من جموح ، فكان غلوهم في تحكيم العقل وتعصبهم لبعض آرائهم هو الذي فتح سبيلا للغي فامتهنوا أهل الحديث ، وأسهبوا في ذمهم ، ورموهم بحمل الكذب ورواية المتناقض ، وهذا هو الذي حفز ابن قتيبة ليناهضهم ويتصدى للرد عليهم وعلى غيرهم من أعداء الحديث ، ويذود عن حمى الدين في إخلاص وحمية ، وذلك في كتابه الماتع ( مختلف الحديث )(2).








    (1) - تدريب الراوي ص 387 .
    (2) - انظر : السنة النبوية وعلمومها للدكتور أحمد عمر هاشم ص 117 ــ 119 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (66)



    مسند الإمام أحمد ( 1-5 )



    وهذا تعريف بأبرز المصنفات في هذا العصر .

    1 ــ مسند الإمام أحمد

    التعريف بالمؤلف :

    هو الإمام الجليل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي ، واشتهر بنسبته إلي جده فقيل : أحمد بن حنبل .

    ولد سنة أربع وستين ومائة ( 164 هــ ) وطلب العلم في مقتبل عمره حيث قال :

    ( طلبت الحديث سنة تسع وسبعين ومائة ) .

    روي عن : عفان بن مسلم، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحي بن سعيد القطان ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وسفيان بن عيينة وغيرهم كثير من أجلة الشيوخ ، وقد بلغ عدد شيوخ الإمام أحمد الذين روي عنهم في المسند : ( 292 ) .

    وروي عنه : البخاري ، ومسلم ، وأبوداود ، وابناه عبد الله وصالح ، وعلي بن المديني ، ويحي بن معين ، وأبوزرعة وأبوحاتم الرازيان ، كما روي عنه بعض شيوخه كالشافعي ، وابن مهدي ، وعبد الرزاق ، وروي عنه كثيرون غيرهم .

    ثناء العلماء عليه : أثني علي الإمام أحمد كثير من العلماء ، فقال عنه الإمام الشافعي كما في تاريخ بغداد ( 4 / 419 ) : (( خرجت من بغداد ، فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقي من أحمد بن حنبل )) .

    وقال أبو زرعة كما في الجرح والتعديل ( 1 / 296 ) : (( كان أحمد صاحب حفظ

    وصاحب فقه ، وصاحب معرفة ، ما رأت عيناي مثل أحمد في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير )) .

    وقال ابن حبان في الثقات ( 8 / 18 ) : (( كان أحمد بن حنبل حافظا متقنا ، ورعا ، فقيها ، لازما للورع الخفي ، مواظبا علي العبادة الدائمة ، به أغاث الله أمة محمد صلي الله عليه وسلم وذلك أنه ثبت في المحنة ، وبذل نفسه لله عز وجل حتي ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله من الكفر ، وجعله علما يقتدي به )) .

    وفاته : توفي رحمه الله تعالي سنة إحدي وأربعين ومائتين للهجرة ، عن سبـع وسبعين سنة .

    التعريف بالكتاب :

    1 - اسم الكتاب : المسند ، وذلك لأن أحاديثه مسندة ، أي مروية بسند متصل إلي الرسول صلي الله عليه وسلم .

    2 - موضوعه : مرويات الإمام أحمد مرتبة علي مسانيد الصحابة رضي الله عنهم

    3 - مشتملاته : يشتمل المسند :

    أ - من حيث عدد المسانيد : ذكر العلامة محمد بن جابر الوادي آشي( ت 749 هــ ) في برنامجه ( ص198 ) : أن عدد مسانيد الإمام أحمد ستة عشر مسندا ، وقال الحافظ ابن حجر في المعجم المؤسس ( 2 / 32 ) : (( مسند أحمد يشتمل علي ثمانية عشر مسندا ، وربما أضيف بعضها إلي بعض )) ، وذكر في ( إطراف المسند المعتلي 1 / 172 ) أنها سبعة عشر مسندا ، وبتوجيه ابن حجر السابق يجمع بين هذه الأقوال .

    وتلك الأرقام هي لأعداد المسانيد الرئيسة التي جعلها الإمام أحمد في مسنده كالكتب وترجم بها كقوله - مثلا - : ( مسند بني هاشم ) والحقيقة أنه يدخل تحتها عدة مسانيد للصحابة ، وربما اقتصر علي مرويات صحابي واحد فيها إذا كان من المكثرين ، ويترجم له بقوله : ( حديث ابن عباس ) - مثلا -(1)

    وأما عدد مسانيده من حيث التفصيل علي حسب ما أورده الحافظ علي بن الحسين ابن عساكر ( ت 571 هــ ) فهي : 1056 مسندا(2)

    ب - من حيث عدد أحاديثه : ذكر أهل العلم أن المسند يشتمل علي ثلاثين ألف حديث من غير المكرر ، وبالمكرر علي أربعين ألف حديث ، كما يشتمل علي ثلاث مئة حديث ثلاثية الإسناد .

    قال الحافظ أبو موسي المديني : ( فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفا ، إلي أن قرأت علي أبي منصور بن زريق القزاز ــ بزايين ــ ببغداد قال : حدثنا أبو بكر الخطيب قال حدثنا ابن المنادي قال : لم يكن أحد في الدنيا أروي عن أبيه منه ــ يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل ــ لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا ،

    والتفسير وهو مائة وعشرون ألفا ....الخ

    فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به مالا مكرر فيه ، أو أراد غيره مع المكرر ، فيصلح القولان جميعا .. الخ ) (3)

    هذا ما ذكره أهل العلم ، لكن عدد أحاديث المسند المطبوع أقل من ذلك ، ويحتمل ذلك عدة أمور ، منها :

    1 - كون النسخة المخطوطة المعتمد عليها في الطباعة ناقصة .

    2- ربما تم اعتبار مجموعة من الأحاديث حديثا واحدا ، بينما هي أكثر من ذلك كمرويات النسخ .

    3- ربما لم يتم اعتبار المرويات التي يسوقها الإمام أحمد من أقوال التابعين ونحوهم في شرح الغريب ، ونحو ذلك . (4)

    ج - من حيث نوع المرويات : يشتمل المسند علي المرفوع وهو الغالب، وعلي قليل من المرسل ، وقليل من الموقوف ، وعلي المقطوع ، وقد بوب الحافظ ابن حجر في كتابه إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي فقال : ( فصل في الموقوفات غير ما تقدم ) (5) يعني غير ما تقدم من المرويات الموقوفة التي ذكرها في كتابه هذا ، وبوب أيضا في موضع آخر فقال : ( ذكر ما وقع فيه من المراسيل والموقوفات بغير استيعاب ) (6) ، وأراد الحافظ ابن حجر بالموقوف عموم الأقوال التي رواها الإمام أحمد ما عدا المرفوع والمرسل






    (1) انظر : طرق التخريج بحسب الراوي الأعلي للدكتور عبد العزيز اللحيدان ص31

    (2) انظر : ترتيب أسماءالصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند ص 171 .

    (3) المصعد الأحمد ( ص 32 ــ 33 )

    (4)انظر : طرق التخريج بحسب الراوي الأعلي ص 32 .

    (5) ( 8 / 369 ) .

    (6) ( 9 / 490 ) .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (67)


    مسند الإمام أحمد ( 2-5 )




    4ــ أقسام أحاديث المسند :

    قال العلامة الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي : ( بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلي ستة أقسام :

    1 - قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد ــ رحمهما الله ــ عن أبيه سماعا منه ، وهو المسمي بمسند الإمام أحمد ، وهو كبير جدا يزيد علي ثلاثة أرباع الكتاب .

    2 - وقسم سمعه عبد الله من أبيه وغيره ، وهو قليل جدا .

    3 - وقسم رواه عبد الله عن غير أبيه ، وهو المسمي عند المحدثين بزوائد عبد الله ، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول .

    4 - وقسم قرأه عبد الله علي أبيه ولم يسمعه منه وهو قليل .

    5 - وقسم لم يقرأه ولم يسمعه ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده وهو قليل أيضا .

    6 - وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه -رحمهم الله - وهو أقل الجميع(1).

    قال : فهذه ستة أقسام تركت الأول والثاني منها بدون رمز ، ورمزت للأقسام الباقية في أول كل حديث منها ، فرمزت للقسم الثالث بحرف ( ز ) إشارة ألي أنه من زوائد عبد الله بن الإمام - رحمهما الله - ، ورمزت للقسم الرابع هكذا ( قر ) إشارة إلي أن عبد الله قرأه علي أبيه ، ورمزت للقسم الخامس برمز ( خط ) إشارة إلي أنه وجده في كتاب أبيه بخط يده ، ورمزت للقسم السادس برمز ( قط ) إشارة إلي أنه من زوائد القطيعي .

    قال :وكل هذه الأقسام من المسند إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله ، والسادس فإنه من زوائد القطيعي) (2)

    5 - درجة أحاديث المسند : للعلماء في درجة أحاديث المسند أقوال هي :

    الأول : ذهب قوم إلى أن جميع ما في المسند صحيح أو مقبول ، فمن ذلك : قال أبو موسى المديني : لم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته ، دون من طعن في أمانته .

    وأشار في موضع آخر : إلى أن الإمام أحمد في مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتنا ، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده (3)

    وقال السيوطي في مقدمة الجامع الكبير : وكل ما في المسند أحمد فهو مقبول ، فإن الضعيف الذي فيه يقترب من الحسن.

    وقال الصنعاني في سبل السلام : هذا أعظم المسانيد وأحسنها وضعا وانتقاء ، فإنه لا يدخل فيه إلا ما يحتج به

    وذهب جماعة من الأئمة إلى أن الإمام أحمد لا يروي إلا عمن هو ثقة عنده

    2 - وذهب قوم إلى أن فيه الصحيح والضعيف والواهي ، فقد ذكر ابن الجوزي في كتابه ( الموضوعات ) تسعة وعشرين حديثا منه وحكم عليها بالوضع ، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء .

    3 - وذهب قوم إلى أن فيه الصحيح والحسن والضعيف ، وقد يوجد في الضعيف جدا ، ولكنه قليل .

    قال عبد الله بن أحمد : هذا المسند أخرجه أبي من سبعمائة ألف حديث ، وأخرج فيه أحاديث معلولة ، بعضها ذكر عللها ، وسائرها في كتاب ( العلل ) لئلا يخرًّج في الصحيح (4)

    وقال ابن تيمية : وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم ، وشرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف .

    وقال أيضا : وقد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم ، لاتهام رواتها بسوء الحفظ ونحو ذلك ، ليعتبر بها ويستشهد بها (5).

    وقال الذهبي : فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ، ولا يجب الاحتجاج بها ، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ، ولكنها قطرة في بحر (6).

    وقال ابن رجب : والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين ، والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ ، ويحدث عمن دونهم في الضعف ، مثل من في حفظه شيء ، ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه (7).

    وقال الحافظ ابن حجر : ومسند أحمد ادعى قوم فيه الصحة ، وكذا في شيوخه ... والحق أن أحاديثه غالبها جياد ، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات ، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد ، أخرجها ، ثم صار يضرب عليها شيئا فشيئا ، وبقي منها بعده بقية (8)

    وخلاصة ما تقدم أن أحاديث المسند ليست كلها صحيحة ، ولكن يوجد فيها الضعيف ، وقد يوجد الضعيف جدا ، ولكنه نادر ، كما تقدم من أقوال العلماء .






    (1) وإنما يدرك التمييز بينها بالنظر في الأسانيد ، فكل حديث يقال في أول سنده : حدثنا عبد الله حدثني أبي فهو من المسند ، وكل حديث يقال في أول سنده : حدثنا عبد الله حدثنا فلان ــ بغير لفظ أبي ــ فهو من زوائد عبد الله ، وكل حديث يقال في أوله : حدثنا فلان ــ غير عبد الله وأبيه ــ فهو من زوائد القطيعي .

    (2) الفتح الرباني ( 1 / 21 ، 22 ) .

    (3) ــ خصائص المسند ص 16 ، 14 .

    (4) ــ فهرسة ابن خير ص 140 .

    (5) ــ منهاج السنة النبوية ( 4 / 15 ، 27 ) .

    (6) ــ السير ( 11 / 329 ) .

    (7) ــ شرح العلل ( 1 / 386 ) .

    (8) ــ مقدمة تعجيل المنفعة .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (68)



    مسند الإمام أحمد ( 3-5 )

    ما الذي جعل الإمام أحمد يدخل في المسند أحاديث ضعيفة ؟
    لعل ذلك يعود إلى عدة أسباب ، منها :

    1- أن يكون هذا الحديث أورده للمتابعة والاستشهاد ، يدل على ذلك قوله : ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك ، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال ، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده ، لا أنه حجة إذا انفرد .
    وقال : كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي ، ثم كتبته اعتبر به (1)
    وتقدم قول ابن تيمية ، والحافظ ابن حجر : والضعاف إنما يورده للمتابعات .
    2 - أن يكون الحديث في فضائل الأعمال ، أو المغازي و نحوها : لما روى النوفلي عنه أنه قال : إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال ، وما لا يضع حكما أو يرفعه ، تساهلنا في الأسانيد .
    وقال : الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها ، حتى يجئ فيه حكم (2)
    3 - أو أن هذا الحديث الضعيف لا يوجد في الباب غيره ، ولم يرد خلافه ، لما روي عنه أنه قال : والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي .
    وفي رواية : ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال (3)
    وقال ابن القيم : وللضعيف عنده مراتب ، إذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ، ولا قول صاحب ، ولا إجماع على خلافه ، كان العمل به عنده أولى من القياس (4).
    4 - وقد يكون كتبه لينظر فيه ، وتوفي قبل أن يخرجه من المسند ، أو أمر بإخراجه ونسي ، كما قال الحافظ ابن حجر فيما سلف : وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد ، أخرجها ، ثم صار يضرب عليها شيئا فشيئا ، وبقي منها بعده بقية .
    وذكر إخراجه لحديث ضعيف ، ثم قال : والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه ، فترك سهوا ، أو ضُرب وكُتب من تحت الضرب (5).
    5 - وقد يكون هذا الضعيف ثقة عنده ، وإن كان ضعيفا عند غيره .
    معنى الضعيف عند الإمام أحمد .
    تقدم أن الإمام أحمد يأخذ بالحديث الضعيف أحيانا ، لكن الضعيف الذي يحتج به الإمام أحمد هو الحسن في عرف المتأخرين أو قريب منه ، وليس مراده الضعيف على ما اشتهر عند من جاء بعده
    قال ابن تيمية : ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين : صحيح وضعيف . والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك .
    وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح وحسن وضعيف - هو أبو عيسى الترمذي في جامعه . والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ . فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما . (6)
    وقال ابن رجب : ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن (7).

    هل في المسند أحاديث موضوعة ؟
    أول من أشار إلى وجود أحاديث موضوعة في المسند الإمام ابن الجوزي ، حيث أورد في كتابه الموضوعات ( 38 ) حديثا من المسند ، وذكر أنها موضوعة .
    وتقدم قول الإمام الذهبي:وفيه أحاديث شبه موضوعة ، وقال العراقي:فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء (8).
    وبالغ ابن دحية في ذلك ، فقال عن أحاديث المسند : أكثرها لا يحل الاحتجاج به (9).
    وقد رد على هذه الدعوى غير واحد .
    فأنكر أبو العلاء الهمذاني أن يكون في المسند حديث موضوع .
    وعرض ابن تيمية لقول ابن الجوزي والهمذاني ، ثم قال : ولا منافاة بين القولين . فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب ، بل غلط فيه ، ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع ، وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل ، بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء .
    وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب(10)
    هذا وقد ألف الحافظ ابن حجر جزءا سماه : ( القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ) وذكر فيه الأحاديث الموضوعة والواهية التي انتقدت في مسند الإمام أحمد ، وأجاب عنها ، ولكن لا تخلو إجابته في بعض المواضع من نظر ، إذ حسن أحاديث كان قد حكم عليها بالوضع بعض الأئمة ، وليس أدل علي هذا مما قاله الحافظ ابن حجر في كتابه : ( تعجيل المنفعة ) : (( ليس في المسند حديث لا أصل له
    إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة ، منها : حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة حبوا ، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا )) ومع هذا فقد حاول الحافظ نفي الوضع عنه .



    (1) ــ شرح علل الترمذي ( 1 / 385 ) .
    (2) ــ الكفاية ص 213
    (3) ــ القول البديع ص 255 .
    (4) ــ إعلام الموقعين ( 1 / 31 ) .
    (5) ــ القول المسدد ص 23 .
    (6) ــ مجموع الفتاوى ( 18 / 25 ) .
    (7) ــ شرح العلل ص 259 .
    (8) ــ التقييد والإيضاح ص 57 .
    (9) ــ النكت للزركشي ( 1 / 354 ) .
    (10) ــ مجموع الفتاوى ( 1 / 248 ).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (69)




    مسند الإمام أحمد ( 4-5 )

    السبب في وجود الموضوعات في المسند :
    الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ من كبار أئمة الحديث الذين جمعوا بين الرواية والدراية والفقه ، وقد شهد له بالإمامة في التعديل والتجريح ومعرفة تاريخ الرجال ، وتمييز الصحيح من السقيم ، كبار أئمة هذا الشأن ، وهذا أمر لا يكاد يختلف فيه اثنان ، وقد عنيت ــ القائل الدكتور محمد أبو شهبة ــ بالبحث عن السر في وقوع الموضوعات في المسند ، وإن كان على ندرة حتى تكشف لي بعد البحث والتنقيب أن السبب يرجع إلى ما يأتي :
    1 - أن الإمام أحمد كان يرى تخريج أكبر عدد ممكن من الأحاديث المشهورة أعم من أن تكون صحيحة أو ضعيفة ، وأنه كتبه في أوراق متفرقة ، وفرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودات وذلك على نية أن يهذب الكتاب وينقحه ، ويحذف منه ما يطمئن إليه ، ويزيد ما عسى أن يعثر عليه من الأحاديث الصحيحة ، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية ، وهكذا كان شأن أئمة الحديث لا ينفكون عن التنقيح والتهذيب والحذف والإثبات حتى يوافيهم الأجل ، وقد مر بك آنفا أنه كان يأمر بالضرب على بعض الأحاديث ، فلعل ما أمر بالضرب عليه قد ترك سهوا.
    2 - التساهل في رواية الفضائل ، وقد روي عن الإمام أنه قال : ( نحن إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا ) ، وليس معنى هذا أن الإمام أحمد كان يخرج بعض الأحاديث الموضوعة وهو يعلم ذلك ثم يسكت عليه ، فحاشا أن يكون هذا ، وإنما هو اختلاف الأنظار ، فما هو في نظره غير موضوع قد يراه غيره موضوعا ، وأئمة الجرح والتعديل مختلفون في مناهجهم ، فمنهم المشدد ، ومنهم المتساهل ، ومنهم المتوسط .
    3 - من جهة زيادات ابنه عبد الله وتلميذ ابنه أبي بكر القطيعي ، ومما ينبغي أن يعلم أن العلماء يريدون بالمسند ما يشمل الأصل وزياداته ، وللإمام ابن تيمية في هذا كلام حسن ذكره في كتابه " منهاج السنة " الذي ألفه في الرد على أحد الروافض ، قال "
    وليس كل ما رواه احمد في المسند يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم و شرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف ، و شرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه
    و أما كتب الفضائل فيروي ما سمعه من شيوخه ، سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، ثم زاد ابن احمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعى زيادات ، وفي تلك الزيادات أحاديث كثيرة موضوعة ، فظن الجاهل - يريد الرافضي - أن تلك من رواية احمد ، وأنه رواها في المسند و هذا خطأ قبيح ، فإن الشيوخ المذكورين شيوخ القطيعي وكلهم متأخر عن أحمد ، وهم ممن يروى عن أحمد ، لا ممن يروي أحمد عنه"(1)
    ومهما يكن من شيء فإن ما وقع فيه من الأحاديث المختلف في أنها موضوعة على قلتها لا تغض من شأن هذا الكتاب الجليل ومنزلته كديوان من دواوين السنة المعتمدة(2)

    6- طريقة ترتيب المسند : رتب الإمام أحمد أحاديث كتابه علي مسانيد الصحابة ، وقسمها بضعة عشر مسندا من المسانيد أو مجامع المسانيد الرئيسة ، وقد عدها العلامة محمد بن جابر الوادي آشي ، فقال :( مسند الإمام أبي عبد الله : أحمد بن حنبل المشتمل علي ستة عشر مسندا : الأول : مسند العباس وبنيه ، الثاني : مسند أهل البيت ، وهم العشرة ، الثالث : مسند ابن عباس وحده ، الرابع : مسند أبي هريرة ، الخامس : مسند ابن مسعود ، السادس : مسند ابن عمر ، السابع : لجابر بن عبد الله ، الثامن : لأنس بن مالك ، التاسع : لعمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري معا ، العاشر : لعائشة ، الحادي عشر : للمدنيين والمكيين ، الثاني عشر : للشاميين ، الثالث عشر : للبصريين ، الرابع عشر : للكوفيين ، الخامس عشر:للأنصار ، السادس عشر : مسند النساء ) (3)
    وعدها الحافظ ابن حجر ، فقال : ( هذه أسماء المسانيد التـي اشتمل عليها أصل المسند : مسند : العشرة وما معه ، ومسند : أهل البيت ، وفيه: العباس وبنيه، ومسند : عبد اله بن عباس ، ومسند : ابن مسعود ، ومسند : أبي هريرة ، ومسند : عبد الله بن عمر ، ومسند : جابر ، ومسند : الأنصار ، ومسند : المكيين والمدنيين ، ومسند : الكوفيين ، ومسند : البصريين ، ومسند : الشاميين ، ومسند : عائشة ، ومسـند : النساء ) (4) ، وعدد ما ذكر ابن حجر هنا ( 17 ) مسندا ، وذكر الحافظ في موضع آخر أنه اشتمل علي ثمانية عشر مسندا ، وقال : ( ربما أضيف بعضها إلي بعض ) (5)، وبهذا يوجه الاختلاف في عدد المسانيد الرئيسة في الكتاب ، لكن يظهر فيه الاختلاف في ترتيب هذه المسانيد ، فالوادي آشي بدأ بمسند العباس وبنيه ، وابن حجر بدأ بالعشرة وهو يوافق المطبوع ، بينما لم يزد ذكر العشرة المبشرين بالجنة في وصف الوادي آشي إلا قوله في الثاني : ( مسند أهل البيت ، وهم العشرة ) ، والعشرة غير أهل البيت ، فلعله أضافهم هنا كما أشار ابن حجر ، ومن المعلوم أن الإمام أحمد توفي قبل تهذيبه وترتيبه ، وإنما قرأه لأهل بيته قبل ذلك خوفا من العوائق العارضة ، وقد أجاب الإمام ابن عساكر بهذا (6)
    ومن خلال ما سبق يتبين :

    1 - أن المسند مقسم إلي عدة مسانيد رئيسة , وهي التي ترجم لها غالبا بقوله مثلا : ( مسند العشرة وما معه ، ومسند أهل البيت ) وهي تشتمل علي مجموعة من مرويات عدد من الصحابة ، وقد بوب أيضا علي مرويات صحابي واحد بقوله : ( مسند ) ، مثل : ( مسند عبد الله بن عباس ، ومسند ابن مسعود ، ومسند أبي هريرة ) ويلحظ أن هؤلاء الذين أفردهم بهذا التبويب من المكثرين في الغالب ، وفي المسانيد التي يترجم بها ويبوب وهي جامعة كقوله : ( مسند العشرة ) ، يفصل مرويات كل صحابي علي حدة ، ويبوب عليها بقوله ( حديث أبي ، وحديث عمر بن الخطاب ) .
    2 - بدأ مسند الرجال بالعشرة المبشرين بالجنة ، وقدم حديث الأربعة الخلفاء ، ثم رتب البقية بعد ذلك بحسب البلدان ، مثل قوله : مسند البصريين ، ومسند المكيين ، ومسند المدنيين ، ومسند الكوفيين ، أو بحسب القبائل ، وأهل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، والأنصار وغير ذلك ، وربما كررت مرويات الصحابي في أكثر من موضع تارة باعتبار بلده ، وتارة باعتبار قبيلته ، أو أسبقيته في الإسلام ، ومن ذلك أنه أخرج مرويات ( حارث بن أقيش ) في مسند الأنصار ، ثم أخرجها في مسند الشاميين ، وكذا ( حارث بن زياد الأنصاري ) أخرج له في موضعين : مسند المكيين ، ومسند الشاميين ، وقد رتب ابنه عبد الله مسانيد المقلين ، قال الحافظ ابن حجر : ( لم يرتب - يعني الإمام أحمد - مسانيد المقلين ، فرتبها ولده عبد الله ، فوقع منه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ، ونحو ذلك ) (7)
    وأما مرويات النساء فقد فرقت في المطبوع من المسند في عدة مواضع ، وجمعت مرويات أكثرهن في أواخر المسند متتابعة ، وقدم : حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، ثم : حديث فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، إلي بقية أحاديث أمهات المؤمنين ، وبقية النساء رضوان الله عليهن ، وترجم لأحاديث المبهمات من أزواج النبي صلي الله عليه وسلم في مواضع أخري ، مثل قوله : ( حديث بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم ) .
    3 - ترجم أيضا لمسانيد المبهمين والمبهمات من الصحابة رضوان الله عليهم ، بحسب ما جاء في الرواية ، : ( حديث رجل من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم )
    4 - في آخر المسند بعد مرويات النساء ، أخرج مرويات أربعة من الصحابة ، حيث ترجم لأولهم ، فقال : ( حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث أبي بكر بن زهير الثقفي رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث والد بعجة بن عبد الله رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث شداد بن الهاد رضي الله عنه ) ، وبه ختم المسند المطبوع ، وأحاديث صفوان جاءت في موضع آخر ، وكذا أبو بكر بن أبي زهير ، وشداد بن الهاد . (8)



    (1) ــ منهاج السنة ( 7 / 97 ).
    (2) ــ أعلام المحدثين للدتور محمد أبو شهبةص 84 ، 85 .
    (3) برنامجه ص 198 .
    (4) إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي ( 1 /173 ).
    (5) المجمع المؤسس ( 2 / 32 ) .
    (6) ترتيب أسماء الصابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند ص 33 .
    (7) المعجم المؤسس ( 1 / 199 ) .
    (8) انظر : تخريج الحديث بحسب الراوي الأعلي ص 37 ــ 40 .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (70)



    مسند الإمام أحمد ( 5-5 )

    7 - أهم مميزات المسند :
    1 - يعتبر مسند الإمام أحمد من المصادر الحديثية المسندة ، ولذلك أثره في علوم الحديث إسنادا ومتنا .
    2 - يعد من أنقي المسانيد ، حيث إن الإمام أحمد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث ، كما ذكر الإمام أحمد نفسه (1) ، ويقول الحافظ ابن حجر : ( لا يشك منصف أن مسنده أنقي أحاديث وأتقن رجالا من غيره وهذا يدل علي أنه انتخبه ) (2)
    3 - يعتبر من الموسوعات الحديثية الجامعة المسندة ، لأنه احتوي غالب المرويات وأصولها الثابتة ، فلا يكاد يوجد حديث صحيح إلا وهو فيه بنصه ، أو أصله ، أو نظيره ، أو شاهده (3) ، ويقول ابن الجوزي : ( ما من حديث غالبا إلا وله أصل في هذا المسند ) (4) ، ويقول الحافظ ابن كثير : ( يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيئ كثير مما يوازي كثيرا من أحاديث مسلم بل والبخاري أيضا ، وليست عندهما ، ولا عند أحدهما ، بل لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة ) (5)
    8 - رواية المسند : المسند من رواية أبي بكر : أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك بن شبيب البغدادي القطيعي ( ت 368 هــ ) عن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ( 290 هــ) عن أبيه .
    9 - جهود العلماء في العناية بالمسند : لقد عني العلماء بالمسند عناية كبيرة لما له من أهمية كبيرة ومنزلة عظيمة ، وقد تمحورت هذه الأهمية في الآتي :
    أ - ترتيبه كترتيب كتب الأطراف :
    - رتبه علي معجم الصحابة والرواة عـنهم كترتيب كتب الأطراف الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت .
    - ثـم أخذ الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير كتاب المسند بترتيب ابن المحب الصامت ، وضم إليه الكتب الستة ، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلي الموصلي ، ومعجم الطبراني الكبير ، ورتبها جميعا علـي نفس ترتيب ابن المحب للمسند وسماه ( جامع المسانيد والسنن ) .
    قال ابن الجزري : ( ... وجهد نفسه كثيرا وتعب فيه تعبا عظيما ، فجاء لا نظير له في العالم ، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة ، فإنه مات قبل أن يكمله لأنه عوجل بكف بصره ، وقال لي : رحمه الله تعالي ـ لا زلت أكتب فيه في الليل والسـراج ينونص ــ يعني يضعف ــ حتي ذهب بصري معه ، ولعل الله أن يقيض له مــن يكمله مع أنه سهل ، فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيئ من مسند أبي هريرة رضي الله عنه ) (6)
    - ورتبه علـى الأطراف أيضا الحافظ ابن حجر وسماه : ( إطراف المسند ــ بكسر النون وضم الميم - المعتلي بأطراف المسند الحنبلي ) ثم ضمه أيضا مـع الكتب العشرة في كتابه ( إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة ) .
    ب - ترتيبه علي الكتب والأبواب الفقهية :
    - رتبه غلي الكتب والأبواب الفقهية الشيخ العلامة أحمد بن عبد الرحمن البنا ، الشهير بالساعاتي وسماه : ( الفتح الرباني بترتيب مسند الإمـام أحمد بن حنبل الشيباني ) غير أنه اقتصر علي جزء من إسناد الحديث مع تمام متنه ، ثـم عاد وشرحه وخرج أحاديثه في كتاب سماه ( بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ) لكن المنية عاجلته قبل إتمامه ، فأتمه الشيخ الدكتور محمد عبد الوهاب البحيري ، وقد طبع الكتابان معا في أربعة وعشرين جزءا .
    - ورتبه علي نفس ترتيب الفتح الرباني الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عثمان القرعاوي غير أنه استوعب الأسانيد وطرق الحديث كلها في المسند ، وسمي كتابه ( المحصل لمسند الإمام أحمد بن حنبل ) ، قال في أوله : ( وطريقتي في ذلك هي أني أذكر الترجمة ( كباب في معرفة حق الله تبارك وتعالي ..... ) وبعدها أجعل لكل صحابي رقما مبتدئا برقم واحد ( 1 ) وبجانب الرقم أذكر اسم الصحابي ، ثم اذكر حديثه واجعل لهذا الحديث ولطرقه أرقاما من الجانب الأيمن علي التسلسل تبين عدد طرقه ، إلا إن تكرر ذكر الحديث فيما سبق فإني أشير إلي أنه قد تكرر في قولي : (( قال مقيده عفا اله عنه ... )) وقد جعلت قبل هذا الرقم رقما يشير إلي تعداد أحاديث المحصل كاملا من أوله إلي آخره مبتدأ برقم ( 1 ) ومنتهيا برقم ( 29258 ) .

    ج - تحقيقه تحقيقا علميا :
    - قام الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر بتحقيق المسند ، فحقق النص ، وقابله علي نسخ خطية ، ورقم الأحاديث ، وخرجها ، وتكلم على أحوال رواتها ، وحكم عليها ، ووضع فهارس علمية دقيقة في آخر كل مجلد ، لكن المنية عاجلته قبل أن يتمه ، والمطبوع منه إلي مسند أبي هريرة رضي الله عنه في سبعة عشر مجلدا ، وقد شرع الشيخ الدكتور الحسيني هاشم في إتمام ما بدأ به الشيخ أحمد شاكر إلا أن المنية عاجلته أيضا قبل إتمامه ، لكن أتمه مــ-ن بعد الجزء الذي انتهي إليه الشيخ شاكر الأستاذ حمزة الزين وطبع كاملا في عشرين مجلدا .
    - قام جملة من الباحثين في الدراسات العليا بقسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة بتحقيق المسند كاملا ــ وذلك ضمن رسائل الماجستير والدكتوراه ــ فخرجوا أحاديثه ، وترجموا لرواته ، وشرحوا غريبه ، وعلقوا علي بعض أحاديثه ، وهذا العمل مع شموله واستيعابه لا زال قيد المخطوطات بمكتبة كلية أصول الدين بالقاهرة
    ـ قام الشيخ العلامة شعيب الأرنؤوط مع مجموعة من العلماء بتحقيق المسند ، وتخريج أحاديثه ، والتعليق عليه ، وقد قامت بطباعة هذا العمل مؤسسة الرسالة ببيروت في خمسين مجلدا ، وأشرف علي إصدارها معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ، وقد تميزت هذه الطبعة بالعناية الفائقة في تحقيق النص علي عدة نسخ خطية ، وتجنبت كثيرا من التصحيفات التي وقعت في الطبعات السابقة ، كما تمم كثير من المواضع الساقطة من المسانيد في الكتاب ، مـع تخريج الأحاديث تخريجا شاملا ، وإعداد فهارس متنوعة .
    د - ترتيب أطراف الأحاديث علي أوائل ألفاظ المتون بحسب حروف الهجاء :
    مثل :
    1 - فهرس أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل ، إعداد أبي هاجر : محمـد السعيد بن بسيوني زغلول
    2 - مرشد المحتار إلي ما في مسند الإمام أحمد بن حنبل من الأحاديث والآثار ، لحمدي عبد المجيد السلفي .
    3- المنهج الأسعد في ترتيب أحاديث مسند الإمام أحمد ( ومعه الفتح الرباني ، وشرح العلامة أحمد شاكر علي المسند ) إعداد عبد الله ناصر رحماني .
    هـ - ترتيب أسماء الصحابة المخرج حديثهم بحسب حروف الهجاء : كما في
    1 - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند ، للحافظ أبي القاسم : علي بن الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر ( ت 571 هــ ) .
    2- فهرس العلامة محمد ناصر الدين الألباني ، لأسماء الصحابة الذين أخرج الإمام أحمد حديثهم .



    (1) انظر : خصائص المسند لأبي موسي المديني ص 21 .
    (2) النكت علي كتاب ابن الصلاح ص149 .
    (3) انظر للفائدة في هذا الباب : كتاب الفروسية لابن القيم ص 69 .
    (4) المصعد الأحمد ( 1 / 31 ) .
    (5) اختصار علوم الحديث ص 27 .
    (6) الفتح الرباني ( 1 / 8 )+


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (71)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(1-20)




    التعريف بالإمام البخاري :

    هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم ، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ ، أمير المؤمنين في الحديث ، كان مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، ومات سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة.

    وإذا كانت هناك صفات ينبغي أن تتوافر في أئمة الحديث ونقده ، وأهمها :

    1 - حفظهم للحديث ، صحيحه وسقيمه ، وتمييز هذا من ذاك .

    2- أنهم من العلماء والفقهاء بالسنن والآثار .

    3 - أن لهم معرفة واسعة برواة الآثار ، معرفة تمكنهم من الحكم عليهم ومعرفة العدول منهم من المجروحين .

    4 - توافر التقوى فيهم والورع والزهد وطهارة الخلق وصفاء النفس .

    5 - أنهم من الذين يجهرون بالحق ، لا يخافون في الله لومة لائم عند السلطان أو المنحرفين عن الدين من ذوي البدع .

    6 - أنهم أصحاب عقل سديد ، ومنطق حسن ، وبراعة في الفهم (1).

    إذا كان الأمر كذلك فقد توافر بحمد الله تعالى للإمام البخاري كل هذا ، كما تترجم عنه السطور التالية من حياته :

    أولا : حفظ الإمام البخاري القرآن الكريم كله ، وشيئا من الحديث النبوي الشريف ولما يتجاوز العاشرة من عمره ، وبعدها خرج إلى شيخ الحديث يكتب عنهم ويسمع منهم ، ولم يبلغ الحادية عشرة من عمره حتى كانت له معرفة بالحديث تمكنه من مراجعة الشيوخ الكبار وبيان أخطائهم . يقول الإمام البخاري مؤرخا لهذه الفترة من حياته ــ فيما يرويه عنه ــ وراقه محمد بن أبي حاتم الوراق قال : " سمعت البخاري يقول : ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب . قلت : وكم أتى عليك إذ ذاك ؟ فقال : عشر سنين أو أقل ، ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوما فيما كان يقرأ للناس : " سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم " فقلت : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم ، فانتهرني ، فقلت له ارجع إلى الأصل إن كان عندك ، فدخل فنر فيه ، ثم رجع فقال : كيف هو يا غلام فقلت : " هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم " فأخذ القلم ، وأصلح كتابه ، وقال لي : صدقت . قال : فقال له إنسان : ابن كم حين رددت عليه فقال : ابن إحدى عشرة سنة "(2)

    ثانيا : وازدادت معرفة الإمام البخاري بالحديث رواية ودراية ، يساعده على ذلك ملكته الحافظة ، ورحلاته العديدة إلى مدن العالم الإسلامي ، كي يسمع من شيوخها ويكتب عنهم بعد أن سمع من الشيوخ في موطنه وحفظ ما عندهم من الحديث .

    وبدأ رحلاته بمكة المكرمة ليلتقي هناك بكثير من العلماء في موسم الحج ، ثم رحل بعد ذلك إلى بغداد ، والبصرة ، والكوفة ، والمدينة ، والشام ، وحمص ، وعسقلان ، ومصر ، وبعض هذه البلاد رحل إليه أكثر من مرة ، حتى يستقصي ما عند شيوخه من الحديث كتابة وسماعا .

    يقول : " دخلت إلى الشام ، ومصر ، والجزيرة مرتين ، وإلى البصرة أربع مرات ، وأقمت بالحجاز ستة أعوام ، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين "(3)

    وكانت له همة عالية وإخلاص وافر في تحصيل العلم وتدوينه ، يؤثره على نومه وراحته ، فقد روي أنه كان يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه ويكتب الفائدة تمر بخاطره ، ثم يطفئ سراجه . وقد يفعل ذلك قريبا من عشرين مرة في الليلة الواحدة .(4)

    ثالثا : وكانت نتيجة هذا كله الإلمام الواسع بالأحاديث صحيحها وسقيمها ، وبجميع الرواة العدول منهم والمجروحين ، فحفظ في سن مبكرة كتب إمامين كبيرين من أئمة الحديث ، وهما عبد الله بن المبارك و وكيع بن الجراح (5) ، وكان ذلك في السادسة عشرة من عمره ، وفي الثامنة عشرة كان قد بلغ درجة من العلم في فقه الصحابة تمكنه من التصنيف فيه . يقول : " لما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك و وكيع ، وعرفت كلام هؤلاء ، يعني أصحاب الرأي ، فلما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين(6).

    ويقول مبينا مدى معرفته بأحاديث الصحابة والتابعين : " لا أجئ بحديث عن الصحابة والتابعين غلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة والتابعين ــ يعني من الموقوفات ــ إلا وله أصل أحفظ عن كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم "(7)

    رابعا : ولم يكن البخاري جماعا للعلم الكثير دون تريث ، وإنما كان ينتقي رجاله ، ويستوثق من أحاديثهم .

    يقول : " لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء ، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه ، وكنيته ، ونسبته ، وحمل الحديث إن كان الرجل فهما ، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلىَّ أصله ، ونسخته ، أما الآخرون فلا يبالون بما يكتبون " (8)







    (1) - راجع صفات أئمة الجرح والتعديل في تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم .

    (2) - هدي الساري ص 478 ، 479 .

    (3) - هدي الساري ص 479 .

    (4) - هدي الساري ص 483 ، طبقات الشافعية ( 2 / 220 )

    (5) - تذكرة الحفا ( 2/ 555 ) .

    (6) - هدي الساري ص 479 .

    (7) - هدي الساري ص488 .

    (8)- تاريخ بغداد ( 2 / 25 ) .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (72)


    الجامع الصحيح للإمام البخاري(2-20)




    خامسا: كما أودع ثمرة هذا كله في كتبه المختلفة التي ألفها في علوم الحديث والفقه(1) ، ومن أهم هذه المؤلفات : الجامع الصحيح ، والمسند الكبير،والأدب المفرد،والتاريخ الصغير والكبير،والتفسي ر الكبير.

    والجامع الصحيح ، والتاريخ الكبير : يدلان دلالة كبيرة على علمه الواسع بالرواية والدراية في علوم الحديث ، والأول يدل على علمه بالفقه .

    أما (الجامع الصحيح ):فإنه وإن لم يحص فيه جميع الأحاديث الصحيحة ، كما سنعرف بعد قليل ، وإنما انتقى فيه بعضها ــ فقد أودع فيه مادة تدل على سعة علمه وحفظه ــ وطبيعي أنه لا يمكنه الاختيار والانتقاء ، كما فعل في هذا الكتاب إلا إذا كانت عنده مادة حديثيه كبيرة تمكنه من الاختيار والموازنة والمقارنة ، كما أثبت في هذا الكتاب اتجاها فقهيا قد يختلف كثيرا عن الاتجاهات التي سبقته أو عاصرته ، كما سنعرف إن شاء الله تعالى.

    وأما كتابه ( التاريخ الكبير ):ففيه أكثر من اثنتي عشرة ألف ترجمة للرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى عصره.

    سادسا : وشهادات أئمة الحديث له ــ وما أكثرها ــ تحمل في طياتها مقدار علم الرجل وسبقه في ميادين علوم الحديث ، سماه الإمام مسلم : " سيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله " ، ويقول الإمام الترمذي : " لم أر أحدا بالعراق ، ولا بخراسان في فهم العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل " ، وقال ابن خزيمه : " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري"(2).

    وقصته مع أهل بغداد تدل على سعة علمه ، كما تدل على ذكائه وقوة حافظته :

    لما قدم بغداد اجتمع عليه علماؤها وأرادوا امتحانه ، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ــ يعني جعلوا متن هذا لإسناد ذاك ، وإسناد ذاك لمتن هذا ــ ثم أعطوا كل واحد منهم عشرة أحاديث منها ، فألقى عليه الأول العشرة التي عنده ، فكان كلما ذكر حديثا قال له البخاري : لا أعرفه وهكذا حتى انتهى العشرة من سرد ما عندهم ، فصار الجهلاء من الحاضرين يحكمون على البخاري في أنفسهم بالعجز والتقصير ، وأما العلماء منهم فيقولون : فهم الرجل ، ثم التفت البخاري إلى الأول ، فقال له : أما حديثك الأول فصحته كذا ، وأما حديثك الثاني فصحته كذا ، حتى انتهى من أحاديثه العشرة ، ثم التفت إلى الثاني والثالث وهكذا إلى العاشر ، يذكر الحديث المقلوب ، ثم يذكر صحته ، فلم يجد علماء بغداد بدا من الاعتراف له بالحفظ والتبريز والإحاطة.

    والعجيب ــ كما قال ابن حجر ــ هو سرده للأحاديث على الترتيب الذي سمعه من الممتحنين مرة واحدة ، إن هذا ولا شك ــ كما قدمنا ــ يدل على حافظة قوية ، وبديهة حاضرة ، وحفظ متمكن (3).






    (1) ــ انظر إحصاء بتآليف البخاري عند ابن حجر في هدي الساري ص492 ــ 494 .

    (2) ــ هدي الساري ص486 .

    (3) ــ هدي الساري ص 487 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (73)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(3-20)





    سابعا : ويزين علم الرجل هذا ورع وتقوى وزهد :فتنأى به كلها عن الغرور الذي يفسد بعض العلماء ، وعن الانشغال بالدنيا وتسخير العلم لمغرياتها والتكالب عليها ، فيتخلق بأخلاق لا تليق بما يحمله من العلم النبوي الشريف ، ومن مظاهر هذا في حياة الرجل :

    1 ــ أنه كان لا يشتري لنفسه شيئا ولا يبيعه ، وإنما يوكل في هذا غيره ، لخوفه من أن ينزلق فيما يغضب الله تعالى ، ولو من غير قصد منه ، وللنأي بسمعه ولسانه عن السوق ، وما يحدث فيه من لغو وباطل ، يقول : " ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه ، كنت آمر إنسانا فيشتري لي ، قيل له : ولم ؟ قال : لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط "(1)

    2 ــ وكان له مال كثير ينفق منه سرا وجهرا على طلاب العلم وما يلزمه في طلب العلم من شراء الورق والرحلة ، يقول : كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم فأنفقها في الطلب ، وما عند الله خير وأبقى (2).

    3 ــ خرج يوما إلى أحد شيوخه فتأخرت نفقته ، فجعل يتناول من خضروات الأرض ، ولا يسأل أحدا شيئا ، حتى وصل إليه المال (3).

    4 ــ كان يخشى الله أن يقدم إليه وقد أساء إلى أحد من عباده ، فأحسن معاملة الخلق وسار فيهم سيرة حسنة ، يقول : " لا يكون لي خصم يوم القيامة ، فقيل له : إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ ، يقولون فيه اغتياب الناس ، فقال : إنما روينا ذلك رواية ، ولم نقله من عند أنفسنا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بئس أخو العشيرة ) ، وقال : ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام (4).

    5 ــ وأحسن صلته بالله تعالى فكان يدعوه فيستجيب له دعاءه ، يقول : " دعوت ربي مرتين فاستجاب لي ، فلن أحب أن أدعو بعد ، فلعله ينقص من حسناتي "(5) .

    6 ــ وكان يرى أن ينبغي أن يزكيها بالصلاة والركوع لله رب العالمين ، فعسى الموت أن يفاجئها نفس المرء عبء عليه فلا تجد ما تقدمه يوم الحساب ، فكان يقول :

    اغتنم في الفراغ فضل ركوع فعسى أن يكون موتك بغتة

    كم صحيح رأيت من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

    ونعى إليه أحد أحبابه ، فأنشد :

    إن عشت تفجع بالأحبة كلهم وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع (6)

    7 ــ ولحرصه على نظافة لسانه من أن تدنسه كلمة قد لا تكون حقا أنه كان في نقده للرجال لا يطلق على الكذابين ألفاظا صريحة تدل على كذبهم ، وإنما يطلق عليهم ــ في غالب الأحيان ــ ما يبين حالهم بشيء من الأدب ، وبالعبارات المهذبة ، فكثيرا ما يقول في الرجل الذي يعرف كذبه : " فيه نظر " ــ " تركوه " ــ " سكتوا عنه " وأصرح ما قاله في رجل " منكر الحديث " .

    قال ابن حجر : " وللبخاري في كلامه على الرجال توق زائد ، وتحر بليغ ، يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل "(7).

    ثامنا : وكان يعتز بعلمه ، ويرى أنه يجب على كل مستفيد أن يسعى إليه ، ويرد إليه كل طالب ورده ، حتى لو كان هذا سلطانا أو أميرا ، فهو لا يخشى في الله ودينه لومة لائم .

    بعث إليه أمير بخارى يطلب منه أن يحمل إليه كتابي الصحيح والتاريخ ليسمعهما منه ، فقال الإمام البخاري للرسول : قل له : إني لا أذل العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي ، أو في داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم(8).








    (1) ــ هدي الساري ص 480 .

    (2) ــ هدي الساري ص480 .

    (3) ــ هدي الساري ص440 .

    (4) ــ هدي الساري ص 481 .

    (5) ــ هدي الساري ص 481 .

    (6) ــ هدي الساري ص 482 .

    (7) ــ هدي الساري ص81 .

    (8) ــ هدي الساري ص 494 .، وكتب السنة ، دراسة توثيقية ص 58 ــ 62 .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (74)

    الجامع الصحيح للإمام البخاري(4-20)
    والخلاصة :
    أنه كان لممارسة الإمام البخاري للحديث وعلومه ، تحصيلا وتدريسا وتصنيفا وحفظا وضبطا ــ على النحو الذي ذكرنا جانبا منه ــ أثره الكبير فيه ، فتوفر له بذلك أمور منها :
    1 ــ مادة علمية غزيرة بمتون الأحاديث وأسانيدها .
    2 ــ إلمام واسع بتاريخ الرجال ومروياتهم ، وخبرة بثقاتهم وضعفائهم مما هيأ له أسباب الانتخاب والاختيار من مروياتهم .
    فضلا عن التقائه بشيوخ عصره في مختلف الأمصار الإسلامية وإفادته منهم بالتحصيل والمراجعة والاختبار ، وتهيأ له بهذا كله بعد توفيق الله تعالى أن يقدم للأمة تراثا أصيلا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه ( الجامع الصحيح ) الذي اتفقت كلمة العلماء على أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم وتلقته الأمة بالقبول .

    التعريف بالجامع الصحيح:
    تمهيد : تبين لنا أن البخاري حين أقدم على تأليف كتابه ( الجامع الصحيح ) كان قد توفرت له وسائل النضج العلمي .
    أ ــ من حيث مادة التأليف وجمعه لها من صدور الرجال في وطنه وفي أقطار العالم الإسلامي التي طوف بها شرقا وغربا .
    ب ــ ومن حيث مادة الإفادة من مناهج التأليف ممن سبقه في هذا الفن بحيث لم يجئ تكرارا وإنما ابتكارا ورائدا أوفي فيه على الغاية .
    ج ــ ومن حيث الانتخاب والاختيار فكانت عنايته بالكيف أكثر منها بالكم سواء فيما يتعلق بمتون الأحاديث أو بأسانيدها .
    وحسبنا أن نعلم أن مجموع ما اختاره في صحيحه من المتون لا يبلغ( 3%)مما يحفظ هو من الصحيح ، وأن مجموع من روى لهم من رجال الصحيح الثقات لا يتجاوز( 5 % ) ممن أجمع العلماء على تصحيح حديثهم.
    وتعتبر مؤلفاته قبل ( الجامع ) تمهيدا ووسيلة أهلته ( للجامع ) ولذلك لم يبدأ فيه إلا بعد رحلة واسعة في رحاب العلم وأقطاره والتأليف فيه تدل على ثبات قدم ومعرفة بالحديث ورجاله .

    الاسم العلمي للكتاب وبيانه :
    هو ( الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ) هكذا ذكره ابن حجر في كتابه هدي الساري (1).
    وأسماه ابن الصلاح ( الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ) .
    وليس بين التسميتين كبير اختلاف إلا أن الاسم على كلتا الروايتين فيه طول غير مألوف في أسماء الكتب ، ولذلك كان البخاري نفسه يجتزئ ببعض ألفاظ الاسم تحاشيا للطول ، فأحيانا يسميه ( الجامع الصحيح ) (2)، وأحيانا يسميه (الجامع ) كما جاء في قوله : " ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح مخافة الطول ) (3) ، وربما اقتصر في التسمية على كلمة (الصحيح ) .
    على أن هذا الاسم وإن كان غير مألوف كعنوان لطوله ، إلا أنه جعله بهذا الطول عنوانا دقيقا شاملا لكل مزايا الكتاب وخصائصه ، وموضحا لمنهجه في تأليفه كما يتضح في السطور الآتية :
    فهو ( جامع ) : لأنه جمع جميع أقسام الحديث الثمانية ، والتي اصطلح العلماء على أنها إذا وجدت في كتاب سمي جامعا ، وهي ( العقائد ، الأحكام ، الرقاق ، الفتن ، الشمائل والمناقب ، الآداب ، المغازي والسير ، التفسير ) وقد جمعها البعض في كلمة ( عارف شامت ).
    وهو ( صحيح ) : في كل ما أورده من أحاديثه الأصول : وهي التي أخرجها في متون الأبواب موصولة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفردها بطابع يميزها وينبه إليها وهو التصريح بقوله : ( حدثنا ) وما يقوم مقامها ، والعنعنة بشرطها الذي التزمه وتشدد فيه ، فكل حديث ورد في كتابه على هذا النحو فهو صحيح عنده .
    وإذا كان الكتاب قد اشتمل على أحاديث أخرى ليست من شرط صاحبه ، فإن ذلك لا يضيره ما دام قد أعطى كل نوع ما يميزه عن الآخر ، وعلى هذا يفسر قوله : ( ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح ) بأن المراد : أنه لم يدخله على هذا النحو وبهذا الطابع الخاص المشروط من وصله على الطريقة المعينة ، ومعنى ذلك : أنه لم يورده على غرار ما التزمه في أحاديثه الأصول .
    وهو ( مسند ) : أي أحاديثه متصلة السند ، فما من حديث في الصحيح إلا وهو متصل ، عدا المعلقات ، فليست مذكورة فيه للاحتجاج بها ، وإنما للاستشهاد أو للاعتبار ، أو هي مروية في الصحيح مسندة وموصولة في غير الكتاب الذي أتت فيه معلقة ، فالعبرة بالمسندة لا بالمعلقة .
    وهو ( مختصر ) : لأن البخاري لم يستوعب فيه كل الأحاديث التي صحت عنده على شرطه ، بل اقتصر فيه على مقدار يسير مما كان يحفظه من الصحاح التي بلغ حفظه منها مائة ألف حديث ، وذلك خشية التطويل ، فلم يبلغ ما أورده فيه إلا قرابة عشر المعاشر بالنظر إلى ما يحفظه ، ومما يدل على عدم استيعابه للصحيح ، قوله الذي سبق : ( ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح مخافة الطول ).
    وقوله ( من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : أي : من أقواله وأفعاله وتقريراته ، وكل أموره مما يهم الخلق في دينهم ودنياهم ، ومن للتبعيض ، أي أنها ليست كل أموره صلى الله عليه وسلم ، وإنما هي بعض منها .
    وقوله ( وسننه ) : أي : طريقته المسلوكة وشمائله المنظورة ، حتى يتحقق بهما الاقتداء والهداية .
    وقوله ( وأيامه ) : أي : تواريخه ، وغزواته ، ومبعثه ، ودعوته للقبائل وللملوك في عصره إلى الإيمان والإسلام ، وكل أحواله مما لم يره الرائي أو لم يحضره القارئ .
    وبذلك يتبين لنا شمول كتاب البخاري لكل ما يحتاجه المسلم في أمر دينه ودنياه،بل حياته ومماته،بل يوجد فيه ما يكون بعد الممات من بعث وغيره لذا استحق أن يسمى جامعا .

    (1) ــ هدي الساري ( 1 / 5 ) .
    (2) ــ انظر : هدي الساري ص 91 .
    (3) ــ مقدمة ابن الصلاح ص 91 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (75)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(5-20)



    الباعث على تأليفه :

    يعتبر صحيح البخاري مرحلة مهمة من مراحل تطور علم الحديث ، إذ كانت المؤلفات في هذا العلم قبله لا تفرد الحديث الصحيح بالتأليف ، وإنما تضم إلى جانب هذا ــ الحديث الحسن والضعيف ، وكان علماء الحديث يفعلون ذلك ثقة منهم بأنه في إمكان أي محدث أو فقيه أن يميز هذا من ذاك ، إذا لم ينص المؤلف على كل منها ، لأنهم وضعوا ــ إلى جانب المؤلفات التي تضم رواية الحديث ــ مؤلفات أخرى في علله ، وتاريخ الرجال وأحوالهم من حيث العدالة والجرح .

    ولكن يبدوا أن هذا الأمر أصبح عسيرا في النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، فقد استطال السند ، وكثر الرواة ، وكثرت طرق الحديث ، وبالتالي كثرت الأحاديث ، مما أصبح من العسير على غير الأئمة التمييز بين الحديث الصحيح والحسن ، وبين غيرهما وأصبحت الحاجة ماسة إلى كتاب مختصر يضم الحديث الصحيح فقط ، ويبعد ما لم يصح ، لعلة فيه ، أو لضعف في بعض رواته .

    وقد أعلن هذه الحاجة المحدث الكبير إسحاق بن راهويه في مجلس من مجالسه العلمية ، وكان هذا المجلس يضم الإمام البخاري ، إذ كان تلميذا من تلاميذه ، فقال : لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم !

    وكان أقدر الحاضرين على عمل ذلك الإمام البخاري ، لأنه ــ كما قدمنا ــ توافرت فيه صفات الأئمة القادرين على تمييز الصحيح من غيره ، والموازنة بين المرويات ، وانتقاء ما تتوافر فيه عناصر الثقة والصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم

    يقول الإمام البخاري مبينا الصلة بين كلام أستاذه وتأليفه كتابه ( الصحيح ) : " فوقع في قلبي ، فأخذت في جمع الجامع الصحيح (1).

    والحقيقة أنه كانت هناك رغبه نفسية بالإضافة إلى ذلك في تحقيق هذا الأمل وتمثلت فيما رآه في نومه من أنه يذب بمروحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وفسرت هذه الرؤيا بأنه يدفع الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويبين الإمام البخاري أن هذه الرؤيا كانت دافعا إلى تأليف الجامع الصحيح ، إذ رأى أن تحقيق هذه الرؤيا يكون على هذا النحو ، يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه ، وبيدي مروحة أذب بها عنه ، فسألت بعض المعبرين ، فقال لي : أنت تذب عنه الكذب ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح (2).

    ولهذا فقد تناول الإمام البخاري المصنفات في عصره ، وقبل عصره ، واستخرج منها ما صحت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني : " رأى البخاري هذه التصانيف ورواها ، وانتشق ريَّاها ، واستجلى محياها ، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين،فحرك همته لجمع الحديث الصحيح،الذي لا يرتاب فيه أمين"(3)



    (1) ــ هدي الساري ( ص5 ).

    (2) ــ هدي الساري ( ص5 ) .
    (3) ــ هدي الساري ( ص5 ) .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (76)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(6-20)



    مدة تأليفه وطريقة تصنيفه:

    ما علم بالتحديد بداية تأليفه ولا فراغه منه ، غير أنه معلوم أنه حين ألفه عرضه على شيوخه : الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ( 241هـ ) ، والإمام علي بن المديني المتوفى سنة ( 234هـ )، والإمام يحيى بن معين المتوفى سنة ( 233هـ ) .

    وأولهم وفاة يحيى بن معين ، فإن سنة وفاته ( 233هـ ) ، فعلم من ذلك أنه فرغ من تأليفه قبيل ( 233هـ 9 سوى ما ألحقه بعد ذلك ، وقد صنفه في ست عشرة سنة .

    قال الإمام الذهبي : قال البخاري : " خرّجته من نحو ست مائة ألف حديث ، وصنفته في ست عشرة سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى "(1).

    فإن سُلّم فراغه من تأليفه قبيل ثلاث وثلاثين ومائتين ، وزمان تأليفه ست عشرة سنة ، فأقصى ما يقال فيه : " إنه بدأ تأليفه سنة سبع عشرة ومائتين ، إذ كان عمره ثلاثا وعشرين سنة "

    وقال البخاري أيضا : ما كتبت في الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين .

    وقال : صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته .

    وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري دون تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين

    قال ابن حجر : الجمع في أنه كان يصنفه في البلاد أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها ويدل عليه قوله : إنه أقام فيه ست عشرة سنة فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها .

    وقال: سمعته يقول: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء ، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث، إن كان الرجل فهما. فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته، فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون، وكيف يكتبون.

    وحين انتهى من تأليف كتابه عرضه على مشايخه فاستحسنوه ، قال أبو جعفر العقيلي : " لما صنّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحي بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث ". قال العقيلي : "والقول فيها قول البخاري وهي صحيحه " (2)




    عدد أحاديثه:

    قال ابن الصلاح في عدها ، هي : ( 7275) بالمكرر ، وبإسقاط المكرر ( 4000) .

    وتعقب ذلك الحافظ ابن حجر فقال :

    - الأحاديث المرفوعة بالمكرر ( 7397) - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثا سوى المعلقات والمتابعات .

    - الأحاديث المرفوعة بلا تكرار ( 2602) ألفا حديث وستمائة وحديثان .

    قال: وبين هذا العدد الذي حررته والعدد الذي ذكره بن الصلاح وغيره تفاوت كثير، وما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك ، ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العاد الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولا في موضع ومختصرا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول ، إما لبعد العهد به ، أو لقلة المعرفة بالصناعة ، ففي الكتاب من هذا النمط شئ كثير ، وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين والله الموفق

    - ( المعلقات المرفوعة ) : ( 159) حديثا

    وإذا ضم إليه المتون المعلقة المرفوعة وهي مائة وتسعة وخمسون حديثا صار المجموع الخالص ( 2761) ألفي حديث وسبعمائة وإحدى وستين حديثا

    ( جميع المعلقات ) وجملة ما فيه من التعاليق ( 1341) ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون حديثا وأكثرها مكرر .

    وليس فيه من المتون التي لم تخرج من الكتاب ولو من طرق أخرى إلا مائة وستون حديثا وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمائة وأربعة وأربعون حديثاً .

    فجملة ما فيه بالمكرر ( 9082) تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا خارجا عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين (3)






    (1) ــ مقدمة القسطلاني ص 15 .

    (2) ــ هدي الساري ص 513 ، 514 .


    (3) ــ هدي الساري ص 489 ــ 493 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (77)




    الجامع الصحيح للإمام البخاري(7-20)



    عدد كتبه و أبوابه ومشايخه :



    لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن حمويه ( ت381 هـ) جزء مفرد فيه عدد أبواب صحيح البخاري وما في كل باب من حديث .

    وقد أودع الحافظ النووي هذا الجزء في أول شرحه لصحيح مسلم ( 1/7) .

    أما كتبه : فـعددها ( 100) مائة وشيء

    وأما أبوابه :فـعددها ( 3450) ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسون بابا مع اختلاف قليل

    وأما مشايخه الذين خرج عنهم في الصحيح : فعددهم ( 289) مائتان وتسعة وثمانون

    عدد من تفرد بالرواية عنهم دون مسلم ( 134) مائة وأربعة وثلاثون

    وتفرد أيضا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم لبقية أصحاب الكتب الخمسة إلا بالواسطة - ووقع له اثنان وعشرون حديثا ثلاثية الإسناد

    مجمل منهجه في ترتيب كتابه :

    - بدأ البخاري بقوله ( كيف بدء الوحي ) ولم يقل كتاب بدء الوحي .

    قال ابن حجر : ويظهر لي أنه إنما عراه من باب لأن كل باب يأتي بعده ينقسم منه فهو أم الأبواب فلا يكون قسيما لها ، وقدمه لأنه منبع الخيرات وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات ومنه عرف الإيمان والعلوم .

    - ثم ذكر ( كتاب الإيمان ) و ( كتاب العلم ) لأن الإيمان أشرف العلوم فعقبه بكتاب العلم

    - ثم ذكر ( كتاب الطهارة ) و ( كتاب الصلاة ) لأنه بعد العلم يكون العمل وأفضل الأعمال البدنية الصلاة ولا يتوصل إليها إلا بالطهارة .

    - ثم ( كتاب الزكاة ) ثم ( المناسك ) ثم ( الصوم ) على ترتيب ما جاء في حديث بني الإسلام على خمس واختلفت النسخ في الصوم والحج أيهما قبل الآخر .

    قال ابن حجر : ظهر لي أن يقال في تعقيبه الزكاة بالحج أن الأعمال لما كانت بدنية محضة ومالية محضة وبدنية مالية معا رتبها كذلك فذكر الصلاة ثم الزكاة ثم الحج ولما كان الصيام هو الركن الخامس المذكور في حديث ابن عمر بني الإسلام على خمس عقب بذكره وإنما أخره لأنه من التروك .

    - وعقد ( باباً لزيارة المسجد النبوي ، وحرم المدينة ) لأن الغالب أن من يحج يجتاز بالمدينة الشريفة فذكر ما يتعلق بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بحرم المدينة.

    - ثم ( كتاب البيوع ) لأنه التراجم المتقدمة كلها معاملة العبد مع الخالق ، وبعدها معاملة العبد مع الخلق فقال كتاب البيوع و ذكر بعده ما يتعلق به من كتب و أبواب وختمها بكتاب الوصايا و الوقف

    - ثم ( كتاب الجهاد ) لما انتهى ما يتعلق بالمعاملات مع الخالق ثم ما يتعلق بالمعاملات مع الخلق أردفها بمعاملة جامعة بين معاملة الخالق وفيها نوع اكتساب فترجم كتاب الجهاد

    - ثم ( كتاب بدء الخلق ) قال ابن حجر : ويظهر إلى أنه إنما ذكر بدء الخلق عقب كتاب الجهد لما أن الجهاد يتشمل به على إزهاق النفس فأراد أن يذكر أن هذه المخلوقات محدثات وأن مآلها إلى الفناء وأنه لا خلود لأحد انتهى .

    - ثم ( كتاب الأنبياء ) ثم ( كتاب المناقب ) ثم ( كتاب فضائل الصحابة )

    - ثم ( كتاب المغازي ) على ترتيب ما صح عنده وبدأ بإسلام ابن سلام تفاؤلا بالسلامة في المغازي ثم بعد إيراد المغازي والسرايا ذكر الوفود ثم حجة الوداع ثم مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته وما قبض صلى الله عليه وسلم إلا وشريعته كاملة بيضاء نقية وكتابه قد كمل نزوله فأعقب ذلك

    - ( كتاب التفسير ) ثم ( كتاب فضائل القرآن ) .

    - ثم ( كتاب النكاح ) ف( الطلاق ) و ( النفقات ) .

    ولما انقضت النفقات وهي من المأكولات غالباً ذكر

    - ( كتاب الأطعمة ) و ( العقيقة ) و ( الذبائح والصيد ) و ( الأضاحي) ثم ( الأشربة) ولما كانت المأكولات والمشروبات قد يحصل منها في البدن ما يحتاج إلى طبيب ذكر :

    - ( كتاب المرضى ) و ( كتاب الطب ) ولما انقضى الكلام على المأكولات والمشروبات وما يزيل الداء المتولد منها ، ذكر

    - ( كتاب اللباس ) وكان كثير منها يتعلق بآداب النفس فأردفها

    -( بكتاب الأدب ) ثم ( الاستئذان ) ولما كان السلام والاستئذان سببا لفتح الأبواب السفلية أردفها

    - ( بالدعوات ) التي هي فتح الأبواب العلوية ، ثم ( الرقاق ) . ثم

    - ( كتاب القدر ) و ( كتاب الأيمان و النذور ) و ( كفارات الأيمان ) ولما تمت أحوال الناس في الحياة الدنيا ذكر أحوالهم بعد الموت فقال

    - ( كتاب الفرائض ) ثم أعقبه ( بكتاب الحدود ) وما يتعلق بذلك ويلحق به ويناسبه من كتب و أبواب .

    ولما كان أصل العصمة أولا وآخرا هو توحيد الله ختم كتابه به فقال :

    - ( كتاب التوحيد ) وكان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفتها ، فجعله آخر تراجم كتابه، فقال : باب قول الله تعالى ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) وأن أعمال بني آدم توزن ، فبدأ بحديث ( إنما الأعمال بالنيات) وختم بأن أعمال بني آدم توزن ، وأشار بذلك إلى أنه إنما يتقبل منها ما كان بالنية الخالصة لله تعالى وهو حديث ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) .

    وذكر بعض الشرح من المناسبة فيه أن الإنسان يبدأ عمله مستشعراً الإخلاص في العمل ، ويختمه بالتسبيح والحمد لله على التوفيق

    قال ابن حجر : والذي يظهر انه قصد ختم كتابه بما دل على وزن الأعمال لأنه آخر آثار التكليف(1) .








    (1) ــ هدي الساري ص 494 ــ 497.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (78)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(8-20)



    منهج البخاري في تراجم كتابه:

    لقد قصد الإمام البخاري في صحيحه إلى أمرين أساسيين :

    الأول : صحة الأحاديث المخرجة .

    الثاني : استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية .

    وقد استخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرقها في أبوابه بحسب المناسبة واعتنى فيها بآيات الأحكام وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة .

    أولاً : طريقته في صياغة الترجمة :

    1- أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورده ، وقد تكون بلفظ المترجم له أو ببعضه أو بمعناه .

    2- وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام وبأمر ظاهر وبأمر يختص ببعض الوقائع

    3-وكثيراً ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه ،

    4-أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة ويورد في الباب ما يؤدي معناه بأمر ظاهر تارة وتارة بأمر خفي ، فكأنه يقول : لم يصح في الباب شيء على شرطي ، ومنها قوله : ( باب اثنان فما فوقهما جماعة ) وهذا حديث يروي عن أبي موسى الأشعري ، وليس على شرط البخاري ، وأورد فيه ( فأذن وأقيما وليؤمكما أحدكما)

    5-وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معها أثراً أو آية ، فكأنه يقول : لم يصح في الباب شيء على شرطي .

    وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض .

    ولابن المنير كتاب ذكر فيه أربعمائة ترجمة وتكلم عليها ، ولخصها القاضي بدر الدين ابن جماعة وزاد عليها أشياء، ولبعض العلماء كتاب سماه ( فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة ).

    ولأبي عبد الله بن رشيد كتاب في مجلد اسمه ( ترجمان التراجم ) وصل فيه إلى كتاب الصيام ، و ذكر ابن حجر أنه لو تم لكان في غاية الإفادة وإنه لكثير الفائدة مع نقصه (1) .


    ثانياً : منهجه في سياق الأحاديث في التراجم :

    1-يقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة .

    2-وفي بعضها ليس فيه إلا حديث واحد ، أو بعض الآثار .

    3-وفي بعضها ليس فيه إلا آية من كتاب الله .

    4-وبعضها لا شيء فيه البتة ، ومن هنا وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب فأشكل فهمه على الناظر فيه .

    قال ابن حجر : وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة جداً .








    (1) ــ انظر :هدي الساري ( 1 / 22 ــ 25 ).ط / دار طيبة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (78)




    الجامع الصحيح للإمام البخاري(9-20)


    منهجه في تكرار الحديث وأسبابه :
    عرف عن البخاري تكرار الحديث في صحيحه ، لكن قلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد .
    و ذكر ابن حجر عن بعض الشراح أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ بعد باب ( قصر الخطبة بعرفة ) باب (تعجيل الوقوف) .
    قال أبو عبد الله : يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ولكني لا أريد أن أدخل فيه معاداً انتهى
    قال ابن حجر : وهو يقتضي أنه لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ومتنه وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد وهو قليل جدا


    أسباب تكرار الحديث :
    1- رفع الغرابة ، يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة .
    2- إزالة الشبهة عن الرواة ، كأن يخرج أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليه .
    3- بيان اختلاف الرواة ، أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ويفرد لكل يسير بابا مفردا .
    4- دفع الإعلال الحديث ، أحياناً يروي أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل
    5- ومنها أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك .
    6- ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإسناد ونقصه بعضهم فيوردها على الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقي الآخر فحدثه به فكان يرويه على الوجهين
    7- بيان التصريح بالسماع ، ربما أورد حديثا عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحا فيها بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن (1) .

    منهجه في تقطيع الحديث :
    كان من طريقة الإمام البخاري أن يقطع الحديث الواحد في مواضع من " صحيحه" ولا يسوقه بتمامه ، ولهذا أسباب عديدة من أهمها :
    1- اشتماله على أكثر من حكم ، قد يكون المتن قصيرا أو مرتبطا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدا فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ، ويستفاد من ذلك تكثير الطرق .
    2- ضيق مخرج الحديث ، فإن كان الحديث له طريق واحد وقد اشتمل على حكمين فصاعداً أورده مرة موصولاً و أخرى معلقاً .
    3- أن يكون المتن مشتملاً على جمل متعددة ، لا تعلق لأحدها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة في باب مستقل فراراً من التطويل ، وربما نشط فساقه بتمامه .
    والتي ذكرها في موضعين سنداً ومتنا معاداً ثلاثة وعشرون حديثاً .
    وأما اقتصاره على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التي حكم لها بالرفع ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه .
    وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه كما وقع له في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : ( إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون ) .
    هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله ( جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : أني أعتقت عبداً لي سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثا فقال عبد الله : إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت وتحرجت في شئ فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال ).
    فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف وهو قوله : ( إن أهل الإسلام لايسبون ) لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك الحكم واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة (2) .




    (1) ــ انظر : هدي الساري ( 1 / 26 ، 27 ) .
    (2) ــ انظر : هدي الساري ( 1 / 27 ــ 28 ).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,821

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (80)



    الجامع الصحيح للإمام البخاري(10-20)

    المعلقات في صحيح البخاري:

    المعلق من المرفوعات على قسمين :
    1-( الموصول في الصحيح) ما يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولاً ، يورده معلقاً مع أنه قد ورد موصولاً في صحيحه حيث يضيق مخرج الحديث إذ من قاعدته أنه لا يكرر إلا لفائدة فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام فاحتاج إلى تكريره فإنه يتصرف في الإسناد بالاختصار خشية التطويل
    2-( غير الموصول ) ما لا يوجد فيه إلا معلقاً فإنه على صورتين :
    أ-( بصيغة الجزم ) كـ( قال ) و( ذكر )
    حكمه : يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق.
    أما ما يلتحق فالسبب في كونه لم يوصل إسناده ، إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفي السياق ولم يهمله ، بل أورده بصيغة التعليق طلبا للاختصار ، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعا ، أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه ، أو سمعه من شيخه مذاكرة فما رأى أن يسوقه مساق الأصل ، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه ، فمن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة : قال عثمان بن الهيثم ، حدثنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال : ( وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة رمضان ... الحديث بطوله ) . وأورده في مواضع أخرى منها في فضائل القرآن، ، وفي ذكر إبليس ، ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان ، فالظاهر أنه لم يسمعه منه .
    وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث ، فيوردها عنهم بصيغة قال فلان ، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم .....
    وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحا على شرط غيره ، وقد يكون حسنا صالحا للحجة ، وقد يكون ضعيفا لا من جهة قدح في رجاله ، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده ... والسبب في إيراده أنه أراد أن لا يسوقه مساق الأصل
    فمثال ما هو صحيح على شرط غيره قوله في الطهارة وقالت عائشة : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) وهو حديث صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في صحيحه .
    ومثال ما هو حسن صالح للحجة قوله فيه : وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : ( الله أحق أن يستحيا منه من الناس ) وهو حديث حسن مشهور عن بهز أخرجه أصحاب السنن
    ب-( بصيغة التمريض ) كـ ( قيل ) و ( روي )
    حكمه : لا يستفاد منها صحة ولا ضعف إلى من علق عنه .
    فمنه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح .
    وذكر ابن حجر أن ما هو صحيح لم يجد فيه ما هو على شرطه إلا مواضع يسيره جداً ، قال : ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى .
    وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة :
    أ- فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه
    ب-ومنه ما هو حسن ومنه ما هو ضعيف فرد إلا أن العمل على موافقته
    ج-ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له .
    فمثال الأول أنه قال في الصلاة : ويذكر عن عبد الله بن السائب قال : ( قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع ) وهو حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه في صحيحه إلا أن البخاري لم يخرج لبعض رواته
    وقال في الصيام : ويذكر عن أبي خالد عن الأعمش عن الحكم ومسلم البطين وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد عن ابن عباس قال قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين . الحديث ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح إلا أن فيه اختلافا كثيرا في إسناده وقد تفرد أبو خالد سليمان بن حيان الأحمر بهذا السياق وخالف فيه الحفاظ من أصحاب الأعمش
    ومثال الثاني وهو الحسن : قوله في البيوع ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل ) .
    وهذا الحديث قد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن المغيرة وهو صدوق عن منقذ مولى عثمان وقد وثق عن عثمان به ، وله طرق .
    ومثال الثالث : وهو الضعيف الذي لا عاضد له إلا أنه على وفق العمل قوله في الوصايا : ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالدين قبل الوصية .
    وقد رواه الترمذي موصولا من حديث أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن علي، والحارث ضعيف ، وقد استغربه الترمذي ثم حكى إجماع أهل العلم على القول به.
    ومثال الرابع : وهو الضعيف الذي لا عاضد له وهو في الكتاب :
    أ*- قليل جداً .
    ب ــ وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله
    فمن أمثلته قوله في كتاب الصلاة : ويذكر عن أبي هريرة رفعه : " لا يتطوع الإمام في مكانه " ولم يصح .
    وهو حديث أخرجه أبو داود من طريق ليث بن أبي سليم عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة . وليث بن أبي سليم ضعيف وشيخ شيخه لا يعرف وقد اختلف عليه فيه .
    ثم ذكر الحافظ ابن حجر عن النووي اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبار التفريق بين ( صيغ الجزم و صيغة التمريض ) وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح .
    قال : وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتد إنكار البيهقي على من خالف ذلك وهو تساهل قبيح جداً من فاعله إذ يقول :
    في الصحيح ( يذكر، ويروي) وفي الضعيف ( قال) (وروى ) وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب .
    قال : وقد اعتنى البخاري رحمه الله باعتبار هاتين الصيغتين وإعطائهما حكمهما في صحيحه ، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه بجزم مراعياً ما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وورعه .
    وعلى هذا فيحمل قوله : ( ما أدخلت في الجامع إلا ما صح ) أي مما سقت إسناده والله تعالى أعلم (1)اهـ .



    (1) ــ انظر : هدي الساري ( 1 / 29 ــ 34 ) .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 4 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •