التوكل من الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التوكل من الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي التوكل من الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها

    يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله فى مجموع الفتاوى --التوكل من الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه . ----التوكل هو محبوب لله مرض له مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا له مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم : المتوكل يطلب حظوظه .

    وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا حاجة إليه وإن لم يكن مقدرا لم ينفع الدعاء وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا . وكذلك قول من قال : التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما هو عبادة محضة . وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال : إن الدعاء إنما هو عبادة محضة . فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد : وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة - أيضا - تكون من العبد ; ولم يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طرد قولهم يوجب تعطيل الأعمال بالكلية .

    وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأصل مرات فأجاب عنه كما أخرجا في الصحيحين عن عمران بن حصين قال : { قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : نعم . قالوا : ففيم العمل ؟ قال : كل ميسر لما خلق له } وفي الصحيحين عن { علي بن أبي طالب قال : كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه وقال : ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال : فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له .
    أما أهل السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي

    ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم { فأما من أعطى واتقى } { وصدق بالحسنى } { فسنيسره لليسرى } { وأما من بخل واستغنى } { وكذب بالحسنى } { فسنيسره للعسرى } } أخرجه الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد . وروى الترمذي " { أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل فقيل : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هي من قدر الله } .

    وقد جاء هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة وشقاوة هذا بالأعمال السيئة ; فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك يكتبها ; فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة ; ومن كان شقيا ييسر للأعمال السيئةالتي تقتضي الشقاوة ; وكلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى { ولا يزالون مختلفين } { إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } .

    وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التي أمروا بموجبها فذلك مذكور في قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .

    - -----ومن المعلوم أن
    --الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه .

    وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته . والمقصود هنا : أنه صلى الله عليه وسلم بين أن العواقب التي خلق لها الناس من سعادة وشقاوة ييسرون لها بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك ; فهو سبحانه يخلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي فإن كان قد [ ص: 27 ] قضي لي بولد وجد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد يسبق الماء بغير اختياره .

    ومن هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري . قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة } وفي صحيح مسلم عن جابر : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها } . وهذا مع أن الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح ابن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة .

    وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في كثير من دقه كثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر [ ص: 28 ] غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل والجري مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهي عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان الذي يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه فيسوي بين ما فرق الله بينه كما قال تعالى { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } وقال تعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون } وقال تعالى : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } وقال تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } وقال تعالى : { وما يستوي الأعمى والبصير }

    { ولا الظلمات ولا النور }

    { ولا الظل ولا الحرور }

    { وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } وأمثال ذلك . حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في الوجود من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة [ ص: 29 ] وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر ويستشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم .

    وهذا " أصل عظيم " من أعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل الإرادة : إرادة الذين يريدون وجهه ; فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين في الأرض من أهل الظلم والعلو كالذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم أحوال أثروا بها في ذلك كانوا بذلك من أولياء الله - فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما للأبدان ; لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن حيث يجب القود في ذلك - ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم بكشف يكشف له أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن [ ص: 30 ] الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

    فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها قوم إذا أطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك . قال الله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن }

    { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا } ولهذا كان الناس في هذه الأمور على " ثلاثة أقسام " : ( قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في طاعة الله . وقوم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره . وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات [ مجموع الفتاوى باختصار]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •