نقوط الأفراح
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4
2اعجابات
  • 2 Post By أبو البراء محمد علاوة

الموضوع: نقوط الأفراح

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,637

    افتراضي نقوط الأفراح

    نقوط الأفراح


    مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

    لا شكَّ في أنَّ انتشار ظاهرة (دفع النقوط في الأفراح) دلالةٌ على فعالية الدَّور الاجتماعي ومتانته لدى أبناء البلد الواحد، وهذا المقالُ يهدف إلى وضْع التكييف الفقهيِّ المناسب لهذه المُعامَلةِ الشائعة المعروفة بـ (النقوط)؛ ليتمَّ التعامُلُ معها ضمنَ ضوابطَ صحيحةٍ؛ فإسباغُ الوصْفِ الفقهيّ الذي يلائم طبيعة هذه المعاملة طِبْقاً للظروف يُعَدُّ شَكْلاً من أشكال إحيائها والتوعية بأحكامها.
    النقوطٌ معاملةٌ انتشرتْ في كثيرٍ من المجتمعات البشرية منذ عَهدٍ قديم، وسَبَبُ قِدَمِها هو حاجةُ صاحبِ الفرح في كثيرٍ من الأحيان إلى مدَّخراتِ الآخَرين بمختلفِ أشكالها؛ سواء كانت (سِلَعاً أو نقوداً أو خدماتٍ) لتغطية التكاليفِ، وتلبية المتطلَّباتِ التي تستدعيها مِثْلُ هذه المناسَبات، مع إمكانِ ردِّ مِثْلِها في المستقبل.
    توضيحُ المُصطَلَح:
    النُّقوطُ لُغةً: جاء في معجَم اللغة العربية المعاصِرة: نقطَ ينقطُ نقطاً فهو ناقطٌ، والمفعولُ مَنقُوطٌ. يُقال: نقطَ الحرفَ؛ وَضَعَ عليه نُقطةً أو أكثرَ؛ لِتمييزه عن غَيره. ونَقَطَ النَّصَّ: رَقّمَهُ بِعَلاماتِ الترقيم. ونقَّطَ العَرُوسَ: قدّمَ إليها مالاً أو هَدِيَّةً عِندَ زَفافِها([1]).
    النقوطُ اصْطلاحاً: ما يُجْمَعُ مِن المَتاع وغَيره في الأفراح لِصاحب الفرَح([2])؛ وصُورتُه: أنْ يَجمعَ صاحبُ الفرحِ الناسَ لِطعامٍ ونَحْوه، ثمَّ يقومُ إنسانٌ فيُعطيه جميعُ الحاضِرينَ أو بعضُهم ما يليقُ به، فإذا استوعب القائمُ جَمْعَ الأعطياتِ قدَّمَها لصاحبِ الفَرح (العَروس) الذي حضرَ الناسُ لأجْلِ إعطائه ؛ *إمَّا لِكَونِه قد (صنع) معهَم سابقاً نظيرَ ذلك، *وإمَّا لـ(قَصْدِ ابتداءِ معروفٍ معه)؛ لِيُكافِئَهُ الآخذُ بِمِثْلِه إذا وقعتْ له مناسبةٌ مُماثِلَةٌ، *وإمّا بِـ(نِيَّةِ المُكافأةِ الخاليةِ عن أيِّ غرضٍ أو عِوضٍ) سوى قَصْدِ الأجْر والثواب.
    تُستخدَمُ كلمةُ "النقوط" –أيضاً- للدلالةِ على المَبالِغ التي يدفعُها أصحابُها في مقابل التفرُّج على المُهرِّجين (الكوميديا الساخِرة)([3]).
    فوائدُ النُّقوطِ:
    يذكرُ الباحثُ بإيجازٍ أهمَّ الفوائدِ المرجوَّة من النقوط:
    1. يُخفِّفُ كثيراً من ضغْط الأعباء الماليَّة التي خلَّفتْها الأعراسُ من مصاريف التجهيز والإعداد؛ حيث يَجِدُ صاحبُ الفرح بعد انقضاء العرس مَبلغاً ماليَّاً يُواسِيه.
    2. يولِّد علاقاتٍ متينةً بين أطرافه.
    3. يُعَدُّ بمثابةِ وِعاءٍ يدَّخِرُ فيه الدافعُ مبلغَ النقوط؛ ليحصل عليه إذا وقعتْ له مناسبةٌ مُشابِهة.
    التكييفُ الفقهيّ للنقوط:
    التكييف الأوَّل: تُعَدُّ نقوطُ الأفراح هديةً- حتّى وإنْ كان قصدُ المُهدِي أنْ يُثيبَه العروسُ على هديَّتِه- ما لم يتمَّ التصريحُ بِخلاف ذلك، وأمَّا كونُ العادةِ جاريةً بين الناس بِرَدِّ النقوط بمِثْلِه متى حصلتْ للدافع مُناسِبةٌ مُماثِلة، أو كونُ الدافع اتَّجه قصدُه إلى الإثابة على الهديَّة، فلا اعتبارَ لذلك في جَعْلِه قَرْضاً، كما لا يقتضي من الدافع الرجوعُ على (العَرُوس أو المَوهُوب له والمطالبة به) ؛ لعدم وجود الصيغة التي تُصيِّره قرْضاً، ألَا تَرى أنَّه لو أهدى شخصٌ إلى غيره شيئاً لم يَرجِعْ عليه بشيءٍ- حتّى وإنْ كان المُهْدي متوسِّط الحال والمُهدَى إليه ثريَّاً-، مع أنَّ قرينة الحال دالَّةٌ على غَرَضٍ له وراء ذلك، ولو قال الدافعُ: نويت أخْذَ العِوَضِ مُقابِلَ النقوط الذي دفعتُه فلا يلزمُ المُهدَى إليه أنْ يُثيبَه.
    وهذا الرأي قال به الإمامُ "البُلقينيّ" من فقهاء المذهب الشافعيّ([4])، وهو كما ترى يضبطُ المعاملةَ على أساس الهدية، ويُطبِّق عليها أحكامَها، ولا يجعل لِنيَّة الدافع عليها سُلطاناً يصرفُها إلى عَقْدٍ آخرَ سِواها.
    كما اعتمد الفقيهُ "ابن حَجَرِ الهيتميُّ" في كتابه " تُحفة المحتاج " القولُ بأنَّ النقوط المدفوعة في الأفراح هِبَةٌ، ولا أثرَ لِلعُرْفِ في صَرْفِ تكييفها من عَقْدٍ لآخرَ؛ لاضطرابه واختلافه باختلاف أحوال الناس والبلاد؛ إلّا إذا قال الدافعُ لِصاحب الفرح (العَروس): خُذْهُ، وصاحبَ قولَه قصدُ الإقراض، فيكون (قرْضاً) حينئذ؛ لكن يُشترَطُ لِلحُكْمِ بوجوب ردِّ النقوط أنْ يُصدَّق الدافعُ في نِيَّتِه هذه، هو أو وارثُه([5]).
    وكذلك يتَّجِه فقهاءُ الحنابلة إلى تكييف النقوط على أساس (الهِبة)، ويظهرُ هذا التكييف من خلال تعرُّضهم لمسألةِ النقوط في قضيَة رُجوعِ الواهب في هِبَتِه بعد قبْضِها من كتاب الهِبة؛ حيث جاء في كتاب " دقائق أولي النُّهى " ما نصُّه: " ولا يصحُّ رجوعُ واهبٍ في هِبَتِه بَعْدَ قَبْضٍ ولو (نُقوطاً أو حمولةً) في نَحْو عُرْسٍ كما في الإقناع؛ لِلزُومِها به" ([6]).
    التكييف الثاني: تُعَدُّ النقوط (قَرْضاً ضمنياً) يحقُّ لِدافِعه أو وَرثتِه الرجوعُ على العَروس والمطالَبة به؛ لأنَّ العادة الغالبة قاضيةٌ بأنَّ أحداً لا يُعطي من ماله شيئاً لآخرَ- وإنْ صادفَ مناسبةً ما إلّا بِقَصْدِ أنْ يدفع إليه الآخِذُ مِثْلَهُ في مُناسبةٍ أُخرى مُماثِلَة، وقاعدةُ " العادةُ مُحكَّمةٌ" تُؤيِّد ذلك، حتى إنَّ بعض الناس قد يرفعُ بها دعوى على الآخِذ (العروس) ويطلبها منه بعدَ مُدَّةٍ طويلة من زمن دفْعها.
    وبذلك أفتى النجْم البالسي([7])، والأزرقُ اليمنيّ([8])(4).
    ولكن يجبُ لإعمال العادة في مِثل هذه الأحوال جريانُها بين الناس بصفةٍ غالبة؛ وإلَّا فيُرْجَعُ في معرفة تكييف التصرُّف (قرْضاً أو هديَّةً) للظروف والقرائن وتبيُّن القصْد ؛ فمَثلاً: مَنْ قدَّم لعائلةٍ هديَّةً بقصدِ التودُّد إليهم، واستمالة جانبهِم؛ ليوافِقوا على طلبِ خِطْبَتِه، فلم يُجيبوه؛ فإنَّه لا يَرجِعُ عليهم بهديَّتهم على اعتبار أنها كانت (قرْضاً)؛ لِعدَمِ جريان العادة بذلك.
    وهذا التكييف يُورِدُ بين يدي قارئه التساؤلَ الآتي:
    هل يجوز لصاحب الفرح أنْ يَرُدَّ مبلغَ النقوط بأقلَّ من المبلغِ المدفوع له أو أكثرَ؟
    إذا نظرَنا إلى النقوط من ناحية أنَّه تَصرُّفٌ اعتاده الناسُ في مناسباتهم السارَّة، وقد يَردُّونه بأقلَّ مِنه أو أكثرَ، قُلنا هذا قَرْضٌ يشقُّ اعتبارُ المِثْليَّة فيه، وهو مِمَّا تدعو الحاجةُ إلى الترخُّص فيه؛ لإطباق الناس على تعاطيه (أخْذاً وردَّاً) بالزيادة والنقْص على حسب مقتضى حالِ الآخِذ والمُعطي، ومن غيرِ إنكارٍ من أحدٍ، وتدخلُه المسامَحةُ لا أقول الصريحةَ؛ بل الضِّمنيَّة المُستخلَصة من الظروف، ونظير هذا مسألة (قرْض الخُبز) ؛ حيث أجازَه فقهاءُ المالكية والحنابلة دون اعتبارٍ لِلمُماثَلَةِ استناداً لِمَا روتْه أمُّ المُؤمِنينَ الصِّدِّيقةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها قالت: قُلْتُ يا رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: " إنَّ الجيرانَ يَسْتَقْرِضُونَ الخُبْزَ والخَميرَ، ويَردُّونَ زِيادةً ونُقصاناً، فقالَ: لا بأسَ؛ إنَّ ذلك مِن مَرافقِ النَّاسِ لا يُرادُ به الفَضْلُ "([9])، ولِما رُويَ عن مُعاذٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنه سُئِلَ عن استقراضِ الخُبز والخمير، فقال: سُبحانَ اللهِ ! إنَّما هذا مِن مَكارمِ الأخلاقِ؛ فَخُذِ الكبيرَ وأعطِ الصَّغيرَ، وخُذِ الصغيرَ وأعطِ الكبيرَ، خَيرُكُم أحسَنُكُم قضاءً، سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ ذلكَ"([10]).
    لكنْ إنْ شرطَ دافعُ النقوط (المُقرِضُ) أنْ يعطيه (صاحبُ الفرحِ) المُستقرِضُ أكثرَ مِمَّا أعطاه، كان ذلك حَراماً؛ لأنَّ أصبح قَرْضاً بزيادةٍ مشروطة، واشتراطُ الزيادةِ في (قرض النقوط) يَخرُجُ به عن موضوعِه؛ وهو أنه عَقْدُ (إرفاقٍ وقُرْبَةٍ ومَعُونَةٍ)، ويجعلُه رِباً.
    التكييفُ الثالث: يعتمدُ فقهاءُ الحنفيَّة في معرفةِ التكييف الفقهي للنقوط على العُرْفِ؛ فيَقُولون:
    إذا كان (عُرْفُ الناسِ بأنهم يَدفعونَ النقوطَ على وَجْهِ المعاوَضةِ)؛ فإنه يَلْزَمُ المدفوع له الوفاء به؛ فإن كان (مِثْلياً) رَدَّه بِمِثْلِه، وإن كان (قِيمياً) ردَّه بِقيمتِه، وإنْ كان العُرْفُ على خلاف ذلك؛ بأنْ كان ما يدفعونَه لا غَرضَ لهُم فيه إلَّا التودُّد لصاحب الفرح، ولا يلتفِتُونَ في ذلك إلَّا (البدلَ أو العِوَض)؛ فحُكْمُه حُكْمُ الهِبَةِ في سائر أحكامه، فلا رجوعَ فيه بعدَ (الهلاك أو الاستهلاك)، ومُستنَدُ ذلك القاعدةُ الفقهية القائلة: " المعروفُ عُرْفاً كالمَشْرُوطِ شَرْطاً".
    يقولُ المُحقِّقُ "ابنُ عابدينَ": (والعُرْفُ في بلادنا مشتركٌ بين الأمْرَين أو الحُكْمَين: الحُكْمِ بالقرْض أو الحُكْم بالهِبَةِ)؛ ففي بعض البلاد يُعدُّونَه (قرْضاً)؛ حتَّى إنَّهم في كُلِّ (وليمةٍ أو اجتماعٍ) لِجمْعِ النقوط يُحضِرونَ شخصاً وربَّما شخصَين ؛ أحدُهما يذكر (أسماءَ دافِعي النقوط) بصوتٍ مرتفع، والثاني يُسجِّلُ (اسمَ الدافع ومِقدارَ المدفوع في ورقةٍ أو دفتر)؛ حتّى إذا حدثَ لِلدافع عُرْسٌ راجعَ المدفوعُ له الدفترَ لِيَنْظُرَ كَم أعطاه الدافعُ لِيَردَّ له مِثلَ ما أعطاه)([11]).
    وهذا التكييفُ أخذَ به جَمْعٌ من فُقهاءِ الشافعية كونه يجمعُ بين التكييفَين السابقَين ويُعْمِلُهُما، فحَملُوا القولَ بأنَّ النقوطَ هِبَةٌ على ما إذا لم تجْرِ العادةُ برجوع الدافع على المدفوع له، وحَمَلُوا القولَ بأنه قَرْضٌ على الحالة التي يتمُّ فيها الاعتيادُ على الرجوع بالمِقدار المدفوع([12]).
    التكييفُ الرابع: يرى فقهاءُ المذهبِ المالكيّ أنَّ (النقوط تُخرَّجُ على أساس هِبَةِ الثواب)([13])، وبما أنَّ (هِبَةَ الثوابِ بيعٌ)([14])؛ فإنَّه (يجري على النقوطِ من الأحكام ما يَجْري على البيوع)؛ فيدخُل على النقوط وعِوَضِه رِبا النسيئةِ والفضْلِ إنْ اتَّحدا جِنْساً، واختلفا قَدْراً، إذا كان البدلانِ من صِنْفِ الأموال الرِّبوية؛ ولكن إذا كان الموهوبُ عُروضاً قِيمتُه زمنَ دَفْعِه مائةُ دينارٍ ـ مَثلاًـ جاز إعطاءُ المدفوع له مائة دينارٍ أو عُروضاً بالقيمة نَفْسِها([15]).
    وقالوا: لا يُؤثِّر كونُها ؛أيّ: (هِبة الثواب) بيعاً بثمنٍ أو بقيمةٍ مجهولة، ولا تُعَدُّ من بيوعِ الغَرر الباطلة؛ لأنَّ الهِبَةَ وإنْ دَخَلَها العِوَضُ؛ فمَقْصُودها (المُكارَمةُ والإعانةُ والتودُّد)، فلمْ تتمَحضّْ لِلمُعاوَضةِ، والعُرْفُ يشهدُ لذلك؛ ولهذا جاز فيها (الجهالةُ والغَرر) للجانب التبرُّعيِّ الذي تشتملُ عليه؛ فإنه يُغتفَرُ في التبرُّعاتِ ما لا يُغتَفَرُ في غَيرها([16]).
    والموهوبُ له مُخيَّرٌ بين (قَبولِ الهِبة أو رَدِّها) إذا كانت بِقصْدِ الثواب؛ فإنْ قَبِلَها فيَحِلُّ له أنْ يُكافِئَه بقيمةِ الموهوب، ولا يلزمهُ الزيادة عليها، ولا يلزمُ الواهبَ قبولُ ما دُونَ القيمة، وبما أن حُكْمَ هِبَةِ الثواب حُكْم البيع، فإنَّه ـ كما أسلفنا ـ يجوزُ فيها ما يجوزُ في البيوع، ويَمتنعُ فيها ما يمتنعُ فيها من النَّسيئة وغير ذلك، ولا يُشترَطُ في المذهبِ المالكيّ حِيازتُها؛ لأن (الحِيازةَ شرطُ تمامٍ لا شرطَ صِحَّةٍ).
    وإذا أهدى فقيرٌ إلى غنيٍّ طعاماً –مَثلاً- عند قُدومِه من سَفَرٍ ونحْوه، فلا ثوابَ له عليه، وإنْ نشب خِلافٌ حولَها؛ فيُنظَرُ إلى شواهدِ الحال؛ فإنْ كانت بين غنيٍّ وفقيرٍ؛ فالقولُ قولُ الفقيرِ مع يمينِه، فإنْ لم يكنْ ثمَّةَ شاهدٌ حال يُؤيِّد قولَ أحدهِما على الآخَر، فالقولُ قولُ الواهبِ مع يمينِه([17]).
    وتُعتبَرُ قيمةُ المدفوع يومَ الدفْع لا يومَ المُطالَبة؛ فلو صَنعَ رَجُلٌ عُرْساً، فوهبَ له شخصٌ ـ مَثلاًـ جهازاً نقّالاً (موبايل) بقيمةِ مائتي دينار، ثمَّ بعدَ سِنينَ طلبَ الواهبُ دَفْعَ الثوابِ، فيلزمُ الموهوب له أنْ يدفع مائتي دينارٍ أو جِهازاً نقَّالاً أو عَرَضاً آخرَ يُساوي تلك القيمة، إذا كانت العادةُ ماضيةً بين الناس في الإثابة على الهِبة؛ لأنّها قيمةُ الجهاز النقَّال يومَ دفْعِه، ولأنَّ النِّيَّاتِ منعقدةٌ على أنَّ الموهوب له يُهديه (مِثلَ المدفوع أو قِيمته) إذا حصلَ له عُرسٌ.
    وللموهوبِ له أنْ يُحاسِبَ الواهبَ بما أكلَ هو ومَنْ معهَ مِن أصدقائه وعائلته في الفرح؛ حتَّى لو لم يحضر الواهبُ الفرحَ؛ وإنَّما أرسل صاحبُ الفرحِ الطعامَ إلى بيتهِ، فإنَّه يحسمُ ذلك من قيمة هَديَّتِه.
    ولا يجب على الموهوبِ له أنْ يدفعَ أكثرَ من قيمةِ الهبة؛ حتَّى ولو كانت العادةُ جاريةً بذلك، كما لا يلزم الواهب قبول أقلَّ من القيمة([18]).
    ومِمَّا ينبني على ما تقدَّم الصورة الآتية:
    ما يفعلُه بعضُ الناسِ – لاسيَّما الأقارب والجيران – مِن أنهم يُهدون بعضَهم طعاماً، ويمتنع المُهدى له مِن ردِّ الإناء فارغاً إلّا أن يُرْسِلَهُ بِشَيءٍ؛ لأنه لو لم يفعلْ ذلك، وردَّه مِن غير أنُ يُمْلِئَهُ بطعامٍ ونحْوه، أوغرَ ذلك صَدْرَ المُهدِي أو حصلَ له في نفْسه مِنه شيءٌ.
    وهذه الصورةُ استقبحَها بعضُ فقهاءِ المالكية([19])، وكَرِهوا للناسِ تداولَها، وقالوا: بأنَّها مِن قَبيل العادات المذمومة التي اخترعَها الناسُ ولا سالفَ لها فيما سبقَ، وينبغي للناسِ أنْ يتركُوها ويتحفَّظُوا منها لسببَين:
    § أنَّ المُهدَى إليه قد لا يَجِدُ ما يُكافِئ به المُهدي، فيُرجِع الإناءَ إليه فارغاً، وإذا ردَّه فارغاً ولَّد ذلك في قلْبِ المُهدي غَيظاً ربَّما يكون سَبباً لتركِ المُهاداةِ بينَهُما.
    § إذا طبَّقنا على دَفْعِ النقوط أحكام البيع طِبْقاً للتكييف السالف ذِكْرُه وقعَ المحظورُ الشرعيّ؛ من حيث إنّه يدخلُ في هذه المعاملةِ (بيعُ الطعامِ بالطعام) مع اختلال شَرْطِ التقابُضِ الفوريّ للبدَلينِ من جِنْسٍ واحدٍ.
    وبعد عَرْض التكييفاتِ الفقهية السابقة أرى أنّ حَمْلَ النقوط على تكييفٍ واحد لا يَتخلَّفُ (قَرْضاً أو هِبَةً أو بَيعاً) يصطدم مع الواقِع المألوف، ومع قصْد دافع النقوط، والأَولى أنْ يُجعَلَ مِعيارُ التفرقة بينها مرتبِطاً بـ(العُرْفِ) وبظروفِ كلِّ حالةٍ، فكُلَّما كان قَصْدُ المُعاوَضةِ من النقوط قويَّاً بِحُكْمِ العادة الماضية، وظاهراً في التعامُلِ بصِفَةٍ مُطْرِّدةٍ غلبت على النقوط صِفَةُ القرْض، وأسبغَ على العلاقة بين دافع النقوط وصاحبِ الفرح صفةَ عَقْدِ القرْض، ويُعتبَرُ النقوطُ (هديَّةً أو هِبَةً) كلّما انتفتْ صِفَةُ المُعاوَضةِ بين الطرفَينِ، وكان القصدُ منه فقط إنشاءَ روابطِ المحبَّة وتوثيقِها.
    إذا كانت النقوطُ تُنثَرُ على صاحبِ الفرح نَثْراً، ويُعطى له بلا حسابٍ؛ فالغالبُ أنْ يكون (هِبَةً)، ولا أمارةَ تدلُّ على أنَّه (قَرْضٌ) في هذه الحالة.
    وعلى القولِ بأنّ النقوطَ يكون دَيناً في ذِمّةِ آخِذه؛ فإنّه يلزمُ الوفاءُ به في حياةِ الإنسان وبعد مَماتِه، ويُخرَجُ مِن التركةِ قبلَ توزيعِها.
    المُطالَبةُ بالنقوط:
    لِدافع النقوطِ ويُسمَّى (المُواسي) مطالبة صاحبِ الفرح بالنقوط بِدُونِ موجبٍ، ولو كان العُرْفُ جارياً بتأخير المطالَبة إلى أنْ يحصلَ موجبُها، وهو أنْ يَحدُثَ للمُواسي عُرْسٌ، وهذا عند التتائي والأجهوري والخرشيّ من فقهاء المالكية.
    وفي البرزلي: إنْ جَرَى العُرْفُ بتأخيرِ المُطالَبةِ وَجَبَ العملُ بِمَوجبِ العُرْفِ، فلا يحقُّ له مطالبة صاحبِ الفرح إلّا بعدَ أنْ يَحدُثَ له عُرْسٌ، ويتخلَّفَ عن الدفْع له([20]).
    وبناءً على ما تقدَّم عند المالكية من تخريج النقوط على (هِبة الثواب) المُخرَّجةِ على أساسِ عقْد البيع، فإنَّ الوفاء بِبَدَلِ النقوط يمتدُّ وقتُه إلى أنْ يحدُثَ للواهبِ عُرْسٌ؛ فإنْ كان الواهبُ مُتزِّوجاً فيحقُّ له حينئذٍ مطالبة الموهوبِ له بـ(البَدل أو الثوابِ) متى شاءَ دونَ أنْ يتأقَّتَ للمطالبةِ زمنٌ محدود؛ إلّا إذا كان ثَمَّةَ عُرْفٌ دارجٌ، فتكونُ العِبْرَةُ به، ويُلزم الطرفانِ الالتزام بمقتضاه عَملاً بالحديثِ الشريفِ (المُسْلِمُونَ على شُرُوْطِهِم)؛ حيث إنَّ "العُرْفَ المَعْرُوفَ كالشَّرْطِ المَشْرُوطِ".
    ومسألةُ لُزومِ الأجَل في عقْد القرض الحسَن لا الدَّين، أخذَ بها المالكية،ُ وابنُ تيميَّةَ وابنُ القيِّم واختاره المرداوي من فقهاء الحنابلة([21]).
    وأمّا جُمهورُ العلماءِ فالأجَلُ عِندَهُم لا يلزمُ في القرْضِ؛ سواءٌ كان (مشروطاً أمْ غيرَ مشروطٍ)؛ بل ذهبوا إلى حُرمةِ اشتراط الأجَل في عقْدِ القرْض؛ لأنّ (القرْضَ تبرُّعٌ)، ولو لَزِمَ فيه الأجَلُ لم يبقَ تبرُّعاً، كما أنَّ المُتبرِّعَ بالخيار في الرجوع عن تبرُّعه، والأجلُ يمنعُ الرجوعَ، ولو لزمَ الأجلُ في القرْض لأصبح مُعاوَضةً، ولوَجَبَ التقابُضُ في المَجْلِس؛ فإنّه مقابلةُ دراهِمَ بِمِثْلِها، كما أنَّ القرْضَ يسلكُ به مَسلكُ العاريَّة، والأجَلُ لا يلزمُ في العواري([22]).
    ويُرجَّحُ مِمَّا سَبقَ في نظرِ الباحث -كاتبِ هذا المقال- الرأيُ الأوَّل القائل بِلُزومِ الأجَل وصِحَّة اشتراطه في عقْد القرْض؛ لأنّ العادةَ جاريةٌ بين الناسِ على تأجيلِ سِداد النقوط إلى حَدَثٍ مستقبليٍّ مُتوقَّعٍ؛ ولأنَّ معنى التبرُّعِ في القرْضِ لا يكتمِلُ ما لم يَكُنْ مُؤجَّلاً؛ وإلّا فما الفائدةُ في أنْ أعطيكَ اليومَ قرْضاً أوسعُ عليكَ فِيه، ثُمَّ أُضيِّقُ عليه في الغَد بالمُطالَبةِ به!
    ومِن هُنا كان لا بُدَّ مِن تحديدِ الأجَل؛ إمّا (صراحةً بالنَّصِّ على وَقْتٍ معلوم للأداء)، أوْ أنَّه (يتأجَّلُ تِلقائيَّاً بِحُكْمِ العُرْفِ إلى حَدَثٍ مُماثِل للواهب)؛ كـ(فَرَحٍ) ونَحْوه.
    ولو مات دافعُ النقوط قبلَ ذلك، فمِن حقِّ ورَثَتِه المطالبةُ بِحقِّه من صاحبِ الفرح في الأوقاتِ المُحدِّدة للأداء، ولو مات صاحبُ الفرحِ قبْلَه، فعلى وَرثَتِه أنْ يُخْرِجُوا حقَّ دافع النقوط من التركة.
    دفعُ النقوطِ لتغطيةِ نفْقاتِ مُستلْزَماتِ الأفراح:
    ما يُدفَعُ لفِرَقِ الأناشيد أو لِلمُزيِّن (الكوافير) أو لِمُؤجِر منفعة الصالة التي يُقام فيها الفرَح، أو لتجهيز وليمة العرس ونحْو ذلك، لا يُوجِبُ للدافِع أنْ يرجعَ بالمدفوعِ على صاحب الفرح إلّا إذا جَرَى الدفعُ بإذنِ صاحب الفرح (العَروس)، وشرطَ الدافعُ الرجوعَ عليه بعدَ ذلك، ولا يدخلُ في الإذنِ سُكُوتُ صاحبِ الفرح (العروس)، وعلى فَرْضِ تنزيل سُكوت صاحب الفرح منزلةَ الإذن؛ فإنَّه لا يُسوِّغُ –أيضاً- للدافع الرجوعَ على صاحبِ الفرح ومطالبتَه به؛ لأنَّه ليس في ذلك تَعرُّضٌ للرجوع عليه، فلا يُعتبَرُ قَرْضاً حُكْميَّاً (ضِمنيَّاً) ؛ لِما تقرَّر في الفِقه أنَّ القرْض الحُكْميَّ يُشترَط لإلزام المقترِض بِسِدادِه أمران:
    § إذنُ المُقرِضِ للآخِذ بِصَرْفِه.
    § اشتراط المُقرِض الرجوعَ على المُقترِض([23]).
    وقيَّد بعضُ الفقهاء محلَّ الخلاف في هذه المسألة بما إذا جَرتِ العادةُ بأنْ يأخذَ صاحبُ الفرحِ النقوط لِنَفْسِه، أمَّا إذا تمَّ الاعتيادُ على أنْ يأخُذَه لِلمُزيِّن ونحْوه، أو يُعطَى لهم مباشرةً، أو قَصَدَ الدافعُ بتسليم النقوط لصاحب الفرح أو الشخص القائم على جمع النقوط أو بِتَرْكِه في الطاسة أنْ يَصرِفَه على مستلزماتِ الفرح فقط لا أنْ يحظَى به صاحبُ الفرح، فلا خِلافَ في عَدمِ مشروعية رُجوعِ المُعطي على صاحبِ الفرح ولو كان الإعطاءُ إنَّما هو لأجْلِه؛ لأنَّ كونَه لأجْلِه من غَيرِ دُخولٍ في مِلْكِه لا يقتضي رجوعَ المُعطي عليه([24]).
    والأَولى أنْ يُقالَ: ما جَرت به العادةُ في بعض البلاد من وَضْعِ (صينيَّة أوْ وِعاءٍ) بين يدَي صاحب الفرح؛ ليضعَ الناسُ فيه النقوطَ، ومن ثَمَّ يُقسَم على المُزيِّن ونحْوه، فإنْ كان قصدُ الدافع قد اتَّجَه إلى شخصِ المزيِّن وَحْدَه أو مع نظائِره المُعاوِنين له، وَجَبَ إعمالُ القصْد، وإنْ أُطْلِقَ ولم يُحدِّد شخصاً بِعَينه كان المجموعُ في وعاءِ النقوط مِلكاً لصاحب الفرح، يُعطِيه لمَنْ يشاء([25]).
    وإذا تقرَّرَ الحُكْمُ بالرُّجوع؛ فإنَّ الدافعَ يرجعُ على صاحبِ الفرحِ؛ سواءُ كان النقوط مِمَّا يُستهْلَكُ بالاستعمالِ كـ(الأطعمة)، أو مِمَّا يبْقى ولا يُستهْلَك كـ(أدواتِ الطبْخ).
    وينطبقُ حُكْمُ ما تَقدَّمَ في الرُّجوعِ وعَدَمِه؛ على ما جَرتْ به العادةُ من تبادُلِ بعضِ الجِيرانِ للأطعمة في مناسباتٍ مُعيَّنةٍ، وعلى اجتماعِ الناس في المقاهي ودفْعِ بعضِهم عن بَعضٍ.
    توثيقُ النقوطِ:
    التوثيقُ بالكتابة وإنْ كان مُطبَّقاً في مُجتمعاتِنا؛ إلّا أنَّ دفترَ النقوط يبقَى مع صاحبِ الفرح ولا يأخذ الدافعُ نُسخَةً عنه، والإشهادُ ـ وإنْ كان مُمْكِناًـ؛ إلَّا أنَّ ضبْطَ شهادةِ الشهود قد تكون مُتعذِّرةً؛ من حيث معرفةُ مقدارِ مبلغ النقوط، حتَّى لو استخدم صاحبُ الفرح آلةَ تصويرٍ لتسجيل وضبْط مبالغ النقوط المدفوعة؛ لأنَّ الكاميرا قد تدورُ، وقد يطرأُ عليها (تشويشٌ أو عوارضُ) تَحُولُ دونَ المطلوبِ، وأمَّا (الكفالةُ والرهْنُ) فلا وُجودَ لهُما في واقع المعامَلةِ بحسب ما نَعلَمُ.
    نقوطُ الأحزانِ:
    وقد اعتاد الناسُ في وقتِنا الحاضر على نَوعٍ آخرَ من النقوط يُدفع في حالِ (الأحزان) لا الأفراح، وصُورته: إذا ما ماتَ في عائلةٍ ما أحدُ أفرادِها، قام أحدُ الأشخاص من عائلةٍ أُخْرى ـ وقد يكون من العائلةِ نفْسِهاـ فيتحمَّل تكاليفَ تجهيزِ طعامٍ لهُم، حتّى إذا ما وقعَ صاحبُ الدعوة أو أحدُ ذَويه في حُزْنٍ مُماثِلٍ تحمَّلَتِ تلك العائلةُ أو أحدُ أفرادها مَئونةَ إعدادِ الطعام لهم مُعامَلةً بالمِثْلِ، ورَدّاً للجميل.
    جاء في "حاشيةِ الجَمَلِ" ما نصُّه: (فمَنْ فعلَ لأهلِ المَيْتِ شيئاً يَفعلُونَه له وُجوباً أوْ نَدْباً)([26]).
    الاقتراضُ للتنقيط:
    إذا كان يقترضُ ليقولَ الناسُ دفعَ نقوطاً، فأخشَى أنْ يكون ذلك مِن بابِ "التَّشَبُّعِ بِما لم يُعْطَه"، أمّا إذا كان يَقترِضُ لِيَرُدَّ نقوطاً سبقَ لصاحبِ الفرَح أنْ دَفعَه إليه، فإنْ كانت العادةُ في البلد اعتبارَ النقوط قَرْضاً، فلا بأس بالاقتراضِ حينئذٍ؛ لأنّ فيه وَفاءً لِدَينٍ حالٍّ، وإنجازاً لِوَعْدٍ سابقٍ بالأداء، وتنفيذاً لِشَرْطٍ سبقَ أن اشترطَه وألزمَ به نَفْسَه، بينما إذا كان المُعتادُ في البلدِ اعتبارَ النقوط هِبَةً، فلا ينبغي للشخصِ أنْ يَشغلَ ذِمَّتَه، ويُعرِّضَها لِمخاطِر بقائها مَشغُولةً لِعَدمِ القُدرَةِ على السِّدادِ لأجْلِ هِبَةٍ مُستحبَّة.
    المسائلُ التي أُخِذَت أحكامُها بِطَريقِ القياس على مسألة النقوط:
    لقد أحصى الباحثُ على عُجالَةٍ أربعَ مسائلَ قاسَها الفُقهاءُ الأجلّاءُ على مسألةِ النقوط، وحَملوا أحكامَ الأخيرة عليها؛ ألَا وهي:
    *المسألةُ الأولى: أفتى بعضُ الفقهاء في أخٍ أنفقَ على أخيه الرشيد وعِياله سِنينَ وهو ساكِتٌ، ثمَّ أراد الرجوعَ عليهِ، أنَّه يرجع ؛ أخْذاً من القول بالرُّجوع في مسألة النقوط ([27]).
    تعليقٌ: كان ينبغي أنْ يُقيَّد ذلك بما إذا جَرَتِ العادةُ في مِثل هذه التصرُّفاتِ على الرجوع، أو حصل الاتِّفاقُ بينهُما على الرجوع، ولا يُسوَّغُ تركُها على إطلاقِها دونَ ضَبْطِها بالمُقيِّداتِ المذكورة آنفاً؛ لأنَّ قِياسَها على النقوط يستلزمُ إعطاءَ المَقِيسِ الأحكامَ الخاصَّةَ ذاتَها بالمَقِيس عليه ألَا وهو النقوط، لا سيَّما أنّ هذا الإنفاقَ يحتملُ أنْ يكون تبرُّعاً وإعانةً، كما يحتملُ أنْ يكونَ مَبذُولاً على سبيل المُعاوَضةِ الحسَنة؛ أيّ: (القرْض).
    *المسألةُ الثانيةُ لها صورتانِ: فِداءُ الأسيرِ بإذنِه. كسوةُ الحاجِّ مِمَّا جَرَتِ العادةُ بأنَّه يَردُّ([28]).
    تعليقٌ: كسوةُ الحاجِّ ليستْ من قَبيلِ النقوط؛ إلّا إذا كان عُرْفُ الناسِ في بلدةٍ ما يقتضي ذلك؛ حيث إنَّ الأصلَ أنْ تكون الكسوةُ عاريةً للاستخدام خلال زمنِ الحجِّ، ثُمَّ تُرَدّ عند عودةِ الحاجِّ إلى مُعِيرها، وتُعتبَرُ العادةُ في تَبيُّنِ قصدَي (الدافع والآخذ)، وإسباغِ الحُكْمِ المناسب من (قرْض أو هِبَةٍ أو عاريّةِ) على المُعامَلةِ القائمة بينهُما.
    *المسألةُ الثالثةُ: أمرَ الشخصُ غيرَه بإعطاءِ آخرَ مَبلَغاً من النقودِ أو شيئاً ما([29]).
    تعليقٌ: قياسُ هذه المسألة على النقوط قياسٌ مع الفارق؛ لأنّ النقوط تضبُطُه المناسبةُ وعُرْفُها المُعتبَر فيها، بينما مُجرَّد توكيلِ شخصٍ بتسليم مبلغٍ أو شيءٍ لآخَر بلا مُناسبةٍ يحتملُ أنْ يكون (عاريَّةً، أو قَرْضاً، أو سِداداً لقرْض أو دَينٍ، أو تَبرُّعاً، أو هديةً، أو توكيلاً بالدفْع)، ولا تُوجَدُ (مُناسبةٌ أو قرينةٌ) يتخرَّج بها التصرُّف على عَقْدٍ واحد من تلك العُقود السابقة، بينما يدورُ التكييفُ الفقهي للنقوط حول ثلاثةِ عُقود؛ (القَرْضِ، والهِبةِ، والبَيع)، والعادةُ في مِثل هذه المناسباتِ هي المُرجِّحُ لأحدِها على الآخَر.
    المسألةُ الرابعةُ: إطعامُ المُضْطَر إذا وصلَ إلى أدنى رَمَقٍ، وكسوة العاري، وإطعامُ الجائع بقصْد الرجوعِ عليه فيما بعدُ([30]).
    تعليقٌ: هذا المسألةُ كَسابِقَتِها؛ قياسُها على النقوط ينطوي على فارقٍ؛ لأنَّ إطعامَ المُضْطر الذي أشفقَ على الهلاكِ من الجُوع، وتغطيةَ عَورةِ العاري باللباسِ الساتر مِمَّا يَجِبُ على المسلِم فِعْلُه، والنقوط اختلف العلماء في حُكْمِه؛ هل هو (مَندُوبٌ أو جائزٌ)، وعليه؛ لا يصحُّ قياسُ واجبٍ على (جائزٍ أو مندوبٍ)، أمَّا إطعامُ الجائعِ بِقصْدِ الرجوع عليه فيما بعدُ، فمِمَّا لم تَجْرِ العادةُ به، ومُجرَّدُ القصد لا يصحُّ التعويلُ عليه في الحُكْمِ بالرجوع؛ وإلّا لأصبحَ الأمرُ مدعاةً لأيِّ أحدٍ يُريد الرجوعَ في عطيَّتِه أنْ يدَّعِي بأنَّ قَصْدَه من الإعطاءِ الرجوع، ولَرَفَضَ المُحتاجُونَ ما يُقدَّمُ لهُم من تَبرُّعاتٍ خشيةَ العودةِ عليهم فيها لاحِقاً، فلا بُدَّ إذنْ من (قرينةٍ أو ضابطٍ) ينتظمُ به سِلْكُ المسألة، والضابطُ ـ كما أسلفَ الباحثُ ـ إمّا (عُرْفٌ مُعتبَرٌ)، وإمّا (شرطٌ صريحٌ).
    (قُلْ هَذهِ سَبِيلي أدْعُوا إلى اللهِ على بَصِيرَةٍ) والحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ.


    [1])) عمر، أحمد مختار، "معجم اللغة العربية المعاصرة"، ط1، دار عالم الكتب- القاهرة، 1429هـ/2008م، (3/2271).

    [2])) الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر، " تحفة المحتاج في شرح المنهاج "، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، 1357هـ - 1983م، معه حاشيتي عبد الحميد الشرواني وأحمد بن قاسم العبادي، والتعريف الذي في المتن مستفاد من حاشية الشرواني، (3/208).

    [3])) أشار إلى هذا المعنى محمد العبدري (ابن الحاج) في معرض حديثه في فصل اللباس عن بعض المخايلين من أهل اللهو واللعب (ممثِّلي الكوميديا) ؛ حيث يأتي المُهرِّج الساخر بلعبةٍ كانوا يُطلِقُون عليها في زمانهم اسم (أبة القاضي)، يُلْبِسُونَها زيَّ القاضي الذي هو علامته من كِبَر العمامة، وسِعة الأكمام وطُولها، وطُولِ الطَّيلَسان، فيحرِّكونها ويرقِّصونها ويحكونَ أثناء ذلك على لِسانها كلاماً هزْليّاً يدفعون به الحُضور (المشاهِدينَ)إلى الضحك؛ لِيُكْثِرُوا من بذْل النقوط (أي الأموال) عليهم. ابن الحاج، محمد بن محمد الفاسي المالكي، "المدخل"، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار التراث، (1/146).

    [4])) ابن حجر الهيتمي، " تحفة المحتاج في شرح المنهاج " مرجع سابق، (5/44).

    [5])) المرجع السابق.

    [6])) البهوتي، منصور بن يونس، "دقائق أولي النُّهى المعروف بشرح منتهى الإيرادات"، عالم الكتب- بيروت، 1414هـ-1993م، (2/437).

    [7])) هو محمد بن عقيل بن أبي الحسن الشيخ العلامة القاضي نجم الدين أبو عبد الله البالسي ثم المصري، شارح التنبيه، ولد سنة 660هـ، وسمع بدمشق من جماعةٍ، ثم رحل إلى القاهرة، ولازم ابنَدقيق العيد، وانتفع به طلبةُمِصرَ، ودارت عليه الفُتيا بها، قال السبكي: كان أحدَأعيان الشافعية دِيناً ووَرعاً. وقال الاسنوي: كان له في التقوى سابقة قِدَمٍ، وفي الورع رسوخ قَدَمٍ، وفي العلم آثار هي أوضح للسائرين من نارٍعلى عَلَمٍ، كان فقيهاً مُحدِّثاً ورعاً قوَّاماً في الحق. توفي سنة 729هـ. ابن قاضي شهبة أبو بكر بن أحمد الأسدي، " طبقات الشافعية"، عالم الكتب- بيروت، ط1، 1407هـ، (2/289).

    [8])) هو علي بن أبي بكر بن خليفة، موفق الدين، ابن الأزرق، فقيه شافعي، يمني الأصل، من أهل المَوصل، له كُتب؛ منها: "التحقيق الوافي بالإيضاح الشافي" شرح به التنبيه على مذهب الشافعي لأبي إسحق الشيرازي، و"نفائس الأحكام" في فروع الشافعية، و" المعونة" في النحْو، توفي سنة 562هـ.

    [9])) هذا الحديث في إسناده مجهولانِ، ورُوِيَمن طريقَين ضعيفين، ولم أجِدْه في كثيرٍمن الكتب السُّنَّة، ولمزيدٍمن التفصيل حول تخريجه يُنظر: الألباني، محمد بن ناصر الدين، "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"، المكتب الإسلامي- بيروت، 1405هـ-1985م، (5/233).

    [10])) رواه الطبراني في المعجم الكبير (189)، والبيهقي في شُعب الإيمان (10725)، وقال عنه الذهبي: إسناده صالح، وفيه انقطاع.

    [11])) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، " حاشية رد المحتار على الدر المختار "، دار الفكر – بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ - 1992م، (5/696) بتصرُّف.

    [12])) الأزهري المعروف بـ "الجَمَل"سليما ن بن عمر بن منصور، "فتوحات الوهَّاب بتوضيح شرح منهج الطُّلاب"، دار الفكر، بدون طبعة ولا تاريخ، (3/255).

    [13])) هِبَةُالثواب كما عرَّفها "ابنُعَرَفةَ"تعن ي: عطيَّةًقُصِدَ بها عِوضٌماليّ، أبو عبد الله الحطَّابمحمد بن محمد الطرابلسي، "مواهب الجليل شرح مختصر خليل "، دار الفكر، 1412هـ - 1992م (6/66).

    [14])) الأصلُفي الهِبَة انصرافُقصْدِكُل ِّواحدٍمن الطرفَين بِهِبَتهِللآخر التعاطُف والتواصُل ؛ كهِبة النُّظراء والأكفْاء، ولا تحمل إلى المعاوضة إلّا بأحدِثلاثةِأمور ٍ:
    (أ) أنْ يشترط أحدُهما عند الهِبة للآخَر الإثابة. (ب) أنْ تقوم قرينةٌعلى قصْد الثواب الدنيوي، كهِبَة الفقير للغنيِّ. (ج) أنْ يجري العرف بذلك. وعليه؛ إذا قَدِمَشخصٌمن سفَره، وأهدى له شخص هديَّةًلطيفة من فاكهةٍأو حلوى أو شِبه ذلك، وادَّعى أنه قصدَبذلك الثواب، وادَّعى القادمُبخلافِذل ك، فالقولُللقادم، أمَّا الأشياءُالثمينة فإنَّ القولَالمعتبَر هو قولُالواهبِفي ادِّعائه قصدَالإثابة، وعليه فإنْ كان الشيءُالمُهدَى قائماً كان له أخْذُه، وإنْ كان فائتاً بـ(بيع أو هلاك أو استهلاك)؛ لزم الموهوب له دفْع قيمتِه. الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، " حاشية الشرح الكبير "، دارالفكر، بدون طبعة ولا تاريخ، (4/115).

    [15])) جاء في الفواكه والدواني ما نصه: "وما يقع في الأرياف بين العامة من رد الطعام عن الطعام فحرام، ومثله قضاء الدراهم عن مثلها أو عن الذهب، اللهم إلا أن يقع قضاء الطعام عن الطعام قبل تفرقهما بل في مجلس الهبة فيجوز بشرط المساواة عند اتحاد الجنس أو مع الزيادة عند اختلافه كما يفيده قول المدونة لأن هبة الثواب بيع"، النفراوي، أحمد بن غانم، " الفواكه الدواني "، دار الفكر، 1415هـ - 1995م، (2/158).

    [16])) أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، " الذخيرة "، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى 199م، (6/271).

    [17])) ابن جزي، محمد بن أحمد بن محمد، " القوانين الفقهية "، بدون طبعة ولا تاريخ ولا عنوان ناشر، (ص242).

    [18])) أبو الحسن العدوي علي بن أحمد، " حاشية العدوي على كفاية الطالب الرَّبَّاني "، دار الفكر – بيروت، 1414هـ - 1994م، (2/260).

    [19])) ابن الحاج، "المدخل"، مرجع سابق، (2/236). الحطّاب، "مواهب الجليل"، مرجع سابق، (6/76).

    [20])) أبو بكر الكشناوي بن حسن بن عبد الله، " أسهل المدارك شرك إرشاد السالك في مذهب إمام الإمام مالك"، ط2، دار الفكر-بيروت،، (3/93).

    [21])) يُنظر:الذخيرة للقرافي، مرجع سابق،(5/295). ابن تيميّة، أحمد بن عبدالحليم، (الاختيارات الفقهية)، دار المعرفة- بيروت، 1397هـ- 1978م، (ص476)، ابن قيِّم الجوزية محمد بن أبي بكر، " إعلام الموقِّعين عن ربِّالعالمين "، دار الكتب العلمية – بيروت، 1411هـ-1991م (3/275). أبو الحسن المرداوي، علي بن سليمان، " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف "، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي، (5/130).

    [22])) الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود، " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
    <strong>http://giem.kantakji.com/article/det...2#.WmKCknkVvIV
    أبو_جندل و محمود عبدالراضى الأعضاء الذين شكروا.
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي



    نظرةٌ شرعيةٌ في النقوطُ في الأفراح


    السؤال:
    كما تعلمون فمن عادة الناس النقوطُ في الأفراح، فهل يلزم شرعاً ردُّه أم لا؟ أفيدوني؟

    الإجابة:
    النقوط هو ما يُهدى في الأعراس خاصةً، وفي الأفراح والمناسبات السعيدة عامةً، كبناء بيتٍ جديدٍ أو النجاح في التوجيهي أو في الجامعة أو عند الولادة ونحوها.

    والنقوطُ من العادات والأعراف الحسنة في المجتمع، وهو معروفٌ قديماً، ولا زال العملُ به جارياً في كثيرٍ من المجتمعات في وقتنا الحاضر، وللنقوط أثرٌ طيبٌ في التكافل الاجتماعي، وخاصةً في الأعراس، حيث يُسهم النقوطُ في مساعدة العرسان على تلبية متطلبات الزواج المادية.

    والنقوطُ شرعاً يندرجُ تحت الهبات والهدايا والصدقات والعطايا، وهذه الألفاظ متقاربة في المعنى، فالهبةُ هي تمليكُ المال بلا عوضٍ في الحال، وتكون للتوددِ والمحبةِ غالباً، والهديةُ هي المال الذي أُتحفَ به وأُهديَ لأحدٍ إكراماً له، والصدقةُ تمليك مالٍ بلا عوض طلباً لثواب الآخرة، والعطيةُ كالهبة إلا أنها أعمُّ من الهبة والصدقة والهدية، فالهبةُ والهديةُ والصدقةُ والعطيةُ أنواعٌ من البر، يجمعها تمليكُ العين بلا عوضٍ.
    انظر الموسوعة الفقهية 42/120.

    وقد وردت الأدلةُ الشرعيةُ على فضيلة ذلك كله، قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [سورة النساء الآية 4]. وقال تعالى في قصة ملكة سبأ: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [سورة النمل الآية 35].
    وصح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلُ الهدية ويُثيبُ عليها» (رواه البخاري). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أُهـديـت إلـيَّ ذراعٌ لقبـلتُ، ولو دُعيتُ إلى كُراعٍ لأَجبتُ» (رواه البخاري)، والمقصود ذراع الشاة، والكراعُ ما دون الرُّكبة إلى الساق من نحو شاةٍ أو بقرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا» (رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في السنن، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل6/44).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المسلمات، لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاة» (رواه البخاري ومسلم). والفرسن: الظلف.
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أهدت أم حفيدٍ خالة ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم إقطاً وسمناً وأَضبَّاً -جمع ضبٍّ وهو حيوانٌ- فأكلَ النبيُ صلى الله عليه وسلم من الإقط والسمن، وترك الأَضبَّ تقذراً، قال ابن عباس: فأُكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان حراماً، ما أُكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (رواه البخاري).

    قال الحافظ ابن عبد البر: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية وندب أمته إليها، وفيه الأسوة الحسنة به صلى الله عليه وسلم. ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تورث المودة وتذهب العداوة على ما جاء في حديث مالك وغيره مما في معناه. . . عن أبي هريرة عن النبي رضي الله عنه أنه قال: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وَحَرْ الصدور»
    [فتح المالك بتـبـويـب الـتـمـهيـد عـلى مـوطـأ مالك9/358-359]

    وأما التكييف الفقهي للنقوط شرعاً،
    فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من اعتبره قرضاً يجب سدادُهُ مستقبلاً، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.

    وقال الرملي والبلقيني من فقهاء الشافعية النقوط هبةٌ لا تُردُّ.

    وقال الحنفية المرجع في تكييف النقوط يعود لعرف الناس وعادتهم. قال الشيخ القرافي المالكي: [والعادة في هدية العرس والولائم للثواب] الذخيرة 6/276.

    وقال الشيخ عليش المالكي: قال [الباجي ما جرت به عادة الناس ببلدنا من إهداء الناس بعضهم إلى بعض الكباش وغيرها عند النكاح، فقد قال ابن العطار إن ذلك على الثواب، وبذلك رأيت القضاء في بلدنا] منح الجليل شرح مختصر خليل عن الشاملة.

    وقال الشيخ سليمان الجمل الشافعي: [وفي آخر فتاوى البلقيني: أن النقوط لا رجوع به اهـ والظاهر في النقوط الرجوع خلافاً للبلقيني اهـ أقول في العُباب في آخر باب القرض ما نصه: خاتمة: النقوطُ المعتادُ في الأفراح، أفتى الباني والأزرق اليمني أنه كالقرض يطلبه متى شاء. وأفتى البلقيني بخلافه] حاشية الجمل على المنهج لزكريا الأنصاري8/531.

    وقال الشيخ ابن حجر المكي الشافعي وقد سئل: [ما حكم النقوط المعتاد في الأفراح هل يُرجع به أم لا؟

    فأجاب بقوله: الذي أفتى به النجم البالسي وغيره، أنه كالقرض يطلبه هو ووارثه، وخالف في ذلك البلقيني. . . والأوفق بكلامهم ما أفتى به البلقيني] فتاوى ابن حجر الهيتمى2/278.

    وقال المرداوي الحنبلي: [قال الكمال الدميري في شرحه على المنهاج في النقوط المعتاد في الأفراح: قال النجم البالسي: إنه كالدَّين لدافعه المطالبة به، ولا أثر للعرف في ذلك. فإنه مضطرب. فكم يدفع النقوط ثم يستحق أن يطالب به؟] الإنصاف 8/315.

    [وذهب الحنفية إلى أن الذي يحكم النقوط هو العرف والعادة، فإن كان العرفُ السائدُ يعتمد أن النقوط قرض، كان حكمه حكم القرض، وعلى من أخذه أن يردَّه في مثل مناسبته، سواءً بقيمته أو بمثله، فإن زاد في ردِّه كان قرضاً جديداً له، يُسدُّ له في مناسبته القادمة، وأما إن كان العرف القائم يعتبر النقوط هديةً مجردةً، فلا سدادَ فيه لأنه هديةٌ مجردةٌ] أحكام الهدايا ص130.

    وقال ابن طولون الحنفي [النقوط المعتاد من الناس في الأفراح هل يجب ردُّه أم لا؟ أجاب النجم البالسي: أنه كالدَّين، لدافعه أن يطالب به القابض، ولا أثر للعرف في ذلك، لأنه مضطربٌ، فكم من امرئٍ يدفع النقوط ثم يستحي أن يُطالب به. . . وقوله العرفُ مضطربٌ: لم أعرف معناه، فإن عرف بلادنا متفقٌ على القابض لا يطالب، بل صاحب الوليمة إذا وقع لمن نقط عنده لهم كافأه، وهو إلى الهدية أقرب من كل شيءٍ] فص الخواتم فيما قيل في الولائم ص6.

    وما قاله الحنفية هو الراجح، وهو مقتضى العرف في بلادنا، فإن من الناس من يُسجل ما يُدفع لهم من النقوط في الأفراح ليسددوه مستقبلاً، ومن الناس من يدفعُ النقوط على أنه هبةٌ لا يقصد الإثابة عليها. ومنهم من يدفعهُ على سبيل الصدقة المطلقة، ومنهم من يدفعهُ على سبيل الزكاة إن كان المدفوع له من مستحقيها. ومن المعلوم أن العرف السائد له اعتبارٌ في الشرع كما قال الشيخ ابن عابدين: والعرفُ في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار. رسالة ”نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف”رسائل ابن عابدين2/112.

    8فالعادة مُحَكَّمةٌ، والمعروفُ عرفاً كالمشروط شرطاً، واستعمالُ الناس حجةٌ يجب العمل بها. فالأفضل في رأيي هو سداد النقوط مستقبلاً، عملاً بما صح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقبلُ الهديةَ ويُثيبُ عليها» (رواه البخاري).

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما (‏أن أعرابياً وهب للنبي صلى اللّه عليه وسلم هبةً، فأثابه عليها)‏‏ (رواه أحمد والترمذي، ‏وصححه العلامة الألباني).

    قال الشوكاني: [قوله‏: ‏‏(‏ويثيب عليها‏)‏ أي يُعطي المُهدي بدلَها، والمراد بالثواب المُجازاة، وأقلُّهُ ما يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شيبة(ويثيب ما هو خيرٌ منها)] نيل الأوطار11/179.

    وخلاصة الأمر:
    أن النقوطُ من العادات والأعراف الحسنة في المجتمع، وله أثرٌ طيبٌ في التكافل الاجتماعي، وأن النقوطَ شرعاً يندرجُ تحت الهبات والهدايا والصدقات والعطايا، وهذه الألفاظ متقاربةٌ في المعنى، وقد وردت الأدلة الشرعية بفضيلتها، وأن التكييف الفقهي للنقوط شرعاً، محلُّ خلافٍ بين الفقهاء، فمنهم من اعتبره قرضاً يجب سدادُهُ مستقبلاً، ومنهم من اعتبره هبةً لا تُردُّ. وعند الحنفية المرجع في تكييفه يعود لعرف الناس وعادتهم. وهو الراجح، والأفضل في رأيي هو سداد النقوط مستقبلاً، عملاً بما صح في الحديث أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلُ الهديةَ ويُثيبُ عليها. والله الهادي إلى سواء السبيل.


    رابط المادة: http://iswy.co/e11mrp

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي

    السؤال
    هل النقوط ـ الهدايا ـ التي تقدم للعروسين بعد زواجهما تعتبر بدعة، فمن عادات مجتمعنا أنه أثناء حفل الزفاف تقدم أم العروس وأم العريس الذهب للعروس، فهل هذا بدعة؟ وجزاكم الله خيرا.



    الإجابــة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:


    فليست النقوط ـ وهي ما يهدى لأحد العروسين بمناسبة الزفاف ـ من البدع، لأنها من باب العادات، ولكن هل على من أهديت إليه أن يرجع بها على المهدِي أم لا؟ جاء في فتاوى الأزهر ما نصه: النقوط الذي اعتاد الناس تقديمه بمناسبة الزواج قال عنه علماء الشافعية: إنه من باب الإعارة، يرجع به صاحبه سواء أكان مأكولا أم غير مأكول ـ حاشية عوض على الخطيب في باب الهبة، وعلى هذا الرأي تكون الهدايا دينًا يلزم الوفاء به في حياة الإنسان وبعد مماته ويخرج ذلك من التركة قبل توزيعها، كما نص القراَن الكريم في آيات المواريث: من بعد وصية يوصى بها أو دين ـ وبعض الناس يحرصون على رده أو رد مثله في مناسبة مماثلة، وقد يسبب التقصير في ذلك مشاكل كبيرة، والأعراف على كل حال تختلف، فيرجع إلى العرف ليحكم عليه بأنه هبة للمساعدة والمجاملة، لا ينظر إلى ردها، أو بأنه إعارة أو سُلفة لا بد من ردها أو رد مثلها، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطا. انتهى.


    وكذلك تقديم أميّ العروسين الذهب للعروس أثناء حفل الزفاف ليس من البدع، بل كل ذلك من المباحات، وللفائدة يرجى مراجعة هذه الفتوى رقم: 36024.


    والله أعلم.

    http://fatwa.islamweb.net/fatwa/inde...waId&Id=203083

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    15,637

    افتراضي

    جزاك الله خيرًا
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •