شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 9
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 9 من 14 الأولىالأولى 1234567891011121314 الأخيرةالأخيرة
النتائج 161 إلى 180 من 279
4اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #161
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (158)


    - (باب التشديد في ترك الجماعة) إلى (باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن)

    افترض الله تعالى على عباده الصلاة في جماعة وحذر أشد التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة إلا لعذر من نوم أو مرض، ولذا كان الصحابة يحكمون على من لم يشهد الجماعة بالنفاق.
    التشديد في ترك الجماعة

    شرح حديث: (... فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في ترك الجماعة.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن زائدة بن قدامة حدثنا السائب بن حبيش الكلاعي عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لي أبو الدرداء رضي الله عنه: أين مسكنك؟ قلت: في قرية دوين حمص، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)، قال السائب: يعني بالجماعة: الجماعة في الصلاة].يقول النسائي رحمه الله: التشديد في ترك الجماعة. عقد النسائي هذه الترجمة يريد بها التنبيه على عظم شأن صلاة الجماعة والاهتمام بها، وأن المسلم يحرص على أداء الصلاة في جماعة، ولا يتخلف عن الصلاة في جماعة؛ لأن شأنها عظيم، والنصوص جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أهميتها، وفي عقوبة المتخلف عنها.وقد أورد النسائي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال معدان بن أبي طلحة: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ فقلت: قرية دوين حمص، يعني: قريبة منها، ودوين: تصغير دون؛ لأنها قريبة جداً من حمص، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية). فـأبو الدرداء سأل معدان بن أبي طلحة عن مسكنه، فأخبره أنه في قرية قريبة جداً من حمص، فأرشده إلى أن الجماعة واجبة ولازمة، وأن على كل أهل قرية وكذلك كل بدو يرتحلون وينتقلون من مكان إلى مكان وينزلون في مكانٍ معين من الفلاة، أن يصلوا جماعة، ولا يصلي كل واحد وحده، وقد أسند إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو)، أي: سواء كانوا من أهل القرى، أو من أهل البادية، يعني: إذا كانوا ثلاثة ولا تقام فيهم الجماعة استحوذ عليهم الشيطان، يعني: استولى عليهم، وتغلب عليهم، وصاروا من أوليائه، وممن يكونون حوله، فحصل لهم الضرر، وصاروا منقادين له، أو أتوا بما يريده الشيطان من الفرقة وترك الجماعة، وعدم الإتيان بالصلاة في جماعة. ثم إنه قال: (فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، قوله: (عليكم بالجماعة)، هذه يمكن أن يكون المراد بها: جماعة المسلمين عموماً، وأن الإنسان يكون مع أهل السنة والجماعة، ويلزم جماعة المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد بها: الجماعة الصغرى، التي تكون في بلد، أو في مكان، أو في منزل، فإنهم يصلون جماعة، ولا يصلي كل واحد على حدة، وإن الإنسان إذا خرج عن جماعة المسلمين فإنه يشذ عنهم، ويكون عرضة لاستيلاء الشيطان عليه، وتغلب الشيطان عليه، وكذلك أيضاً إذا تعود أن يصلي منفرداً ولا يصلي مع غيره جماعة فإن ذلك أيضاً يكون مما يحبه الشيطان، ومما يحرص على حصوله.ثم قال: قال السائب، وهو: السائب بن حبيش، أراد بالجماعة: جماعة الصلاة، وهذا هو مقصود النسائي من إيراد الحديث في هذا الباب؛ لأنه أورده في جماعة الصلاة، وإن كان الحديث يحتمل أن يراد به جماعة المسلمين، وأن يكون من أهل السنة والجماعة، لا من أهل البدعة والفرقة، وقد جاءت النصوص تدل على لزوم الجماعة، والمراد بها: جماعة المسلمين، ولكن النسائي عندما عقد هذه الترجمة، وأراد في قوله: التشديد في ترك الجماعة، أي: الجماعة في الصلاة، والسائب بن حبيش قال: أراد بقوله الجماعة: جماعة الصلاة، فهذا هو وجه إيراده في كتاب الصلاة، وفيما يتعلق بوجوب صلاة الجماعة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (... فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو رواية عبد الله بن المبارك .[عن عبد الله بن المبارك].وهو المروزي أيضاً، ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد ذكر جملة من صفاته الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي].وهو أبو الصلت، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن السائب بن حبيش الكلاعي].وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن معدان بن أبي طلحة].وهو شامي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أبو الدرداء].وهو عويمر بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    التشديد في التخلف عن الجماعة

    شرح حديث أبي هريرة في هم النبي بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في التخلف عن الجماعة. أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: التشديد في التخلف عن صلاة الجماعة، والفرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة: التشديد في عدم إقامة الجماعة، وأنها هنا تصلى، ولكن يتخلف بعض الناس عنها، هي مقامة، والمساجد قائمة، ويصلى فيها، لكن هناك من يتخلف عن صلاة الجماعة.وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب)، يعني: أنه يكلف من يجمع حطباً ويهيئه ويعده، ثم يأمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم يأمر رجلاً فيؤم الناس، ثم يذهب إلى أناس لا يشهدون الصلاة، فيحرق عليهم بيوتهم، في الوقت الذي هم متلبسون بالمعصية، وهي التخلف عن صلاة الجماعة، الجماعة قائمة وهي تصلى، والرسول صلى الله عليه وسلم هم بالتخلف عن الجماعة؛ ليذهب إلى أولئك الناس الذين لا يحضرون الجماعة، أو يتخلفون عنها، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وذلك في الوقت الذي يكونون فيه مرتكبين للمعصية، لا يحرقها عليهم في غير الصلاة، وإنما في نفس الوقت الذي الناس يصلون وهم جلوس في بيوتهم لا يخرجون منها. فهذا الهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لأن كونه يهم بهذه العقوبة التي هي التحريق بالنار فهو وإن لم يفعل إلا أن مجرد همه يدل على عظم الذنب، وعلى خطورته، وقد جاء في بعض الروايات: أنه منعه ما فيها من النساء والذرية الذين فيها وليسوا مكلفين بالجماعة؛ لأن الجماعة لا تجب عليهم، فلولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فكونه يقول هذا الكلام وإن لم ينفذ فهذا كافٍ في بيان خطورة هذه المعصية، وبيان شدتها، وأن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد هم بهذا الهم، فدل على أن الجماعة واجبة، وعلى أن تاركها عرض نفسه للعقوبة. والتخلف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، هكذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، يتهمون من يتخلف عن الجماعة بالنفاق، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: (كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه)، وعبد الله بن مسعود كما سيأتي في الأثر أنه قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -أي: الصلاة- إلا منافق معلوم النفاق)، ثم بين عليه الصلاة والسلام أن شأن المنافقين الذين يتخلفون عن الصلاة أنهم همهم الدنيا، وليس همهم الآخرة، وأن الواحد منهم لو علم بأن هناك لحم في المسجد يؤكل ولو كان ذلك اللحم هزيلاً، ولو كان يسيراً، ولو كان قليلاً، فإنه يأتي إلى المسجد من أجل أن يظفر بنصيب من الدنيا، فقال: (والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً)، يعني: عظماً عليه لحم، واللحم سمين، (أو مرماتين حسنتين)، قيل: هما ظلف الشاة وما بينهما من اللحم، وذلك كناية عن حقارة هذا الشيء الذي يحرص عليه المنافقون ولو كانوا يعلمون أن في المسجد مثل هذا اللحم الذي هذا وصفه لحضروا لصلاة العشاء من أجل أن يحصلوا نصيباً من هذا المتاع الدنيوي، ويتركون ما أعده الله عز وجل من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ولهذا قال: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما -أي: صلاة العشاء، والفجر- ولو حبواً).وقوله: (يشهد العشاء) أي: لحضر صلاة العشاء، ومن المعلوم: أن صلاة العشاء هي إحدى الصلاتين الثقيلتين على المنافقين كما مر بنا سابقاً.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في هم النبي بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك]. وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد].وهو عبد الله بن ذكوان، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. وهو عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. وهو عبد الرحمن بن صخر، على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه من أصحابه، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.والحديث الذي مر يدل على أن الصلاة في البيوت لا تقام جماعة، وإنما الجماعة في المساجد؛ لأنها لو كان إقامتها جماعة في البيوت كافياً لما استحقوا هذه العقوبة، ويمكن أنهم يصلون جماعة في البيوت، لأن البيوت ليست محلاً لإقامة صلاة الجماعة، وإنما محل إقامة صلاة الجماعة هي المساجد، كما جاء ذلك موضحاً في أثر عبد الله بن مسعود الآتي.
    المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن

    شرح حديث ابن مسعود: (... ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن المسعودي عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يقول: ( من سره أن يلقى الله عز وجل غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله عز وجل شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، وإني لا أحسب منكم أحداً إلا له مسجد يصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يمشي إلى الصلاة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوةٍ يخطوها حسنة، أو يرفع له بها درجة، أو يكفر عنه بها خطيئة، ولقد رأيتنا نقارب بين الخطى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، النداء هو: الأذان، ويكون في المساجد، ويدعى الناس للصلاة في المساجد، والمؤذن يقول في أذانه: حي على الصلاة، حي على الفلاح، معناه: هلموا وأقبلوا تعالوا، لا يقول: صلوا في بيوتكم، وإنما يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، تعالوا، فإن المساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل، وبنيت لاجتماع الناس للصلاة فيها، يجتمعون فيها في اليوم والليلة خمس مرات لأداء الصلوات الخمس التي فرضهن الله عز وجل، وهي لا تقام في البيوت، والذي يصليها في بيته يأثم لتخلفه عن الجماعة، ويكون ترك أمراً واجباً عليه، والواجب على كل مسلم إذا سمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أن يبادر إلى الإتيان إلى الصلاة، وأن يصلي مع المسلمين، وهذه الاجتماعات التي تكون منهم في اليوم والليلة خمس مرات، هذه من أعظم المكاسب والفوائد التي يستفيدونها من صلاتهم: وهي التقاء بعضهم ببعض، واستئناس بعضهم ببعض، واطلاع بعضهم على أحوال بعض، وما إلى ذلك من الأمور التي تحصل بهذه اللقاءات اللازمة، التي يجب على كل مسلم أن يأتي إلى المساجد، وأن يؤدي تلك الصلوات الخمس التي فرضهن الله عز وجل على عباده.يقول عبد الله بن مسعود: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى. يعني: مطلوب من الناس الذين هم الرجال أن يحضروا إلى المساجد وأن يؤدوا الصلاة، وليس المقصود أن يصلوا في بيوتهم، فمن سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، أي: يحافظ عليهن جماعة، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولا أحسب أحداً منكم إلا وله مسجد في بيته، معناه: كل واحد له مسجد في بيته أو مكان في بيته يصلي فيه، لكن يصلي فيه النوافل، ولو أنها صليت الفرائض والصلوات الخمس في البيوت كما تصلى النوافل لتركت المساجد، وإذا تركت المساجد ترك الناس سنة نبيهم، وإذا تركوا سنة نبيهم ضلوا.ثم بين ما يترتب على صلاة الجماعة من الفضل والأجر، وأن الصلاة في البيوت لا يحصل فيها هذا الأجر، وهو أن الإنسان إذا خرج من بيته إلى الصلاة لا يخطو خطوة إلا يرفع الله له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا لا يحصله من صلى في بيته، ولو صلى مع غيره جماعة، فإنه لا يحصل هذا الأجر، بل يأثم؛ لأن الجماعة واجبة على الناس في المساجد، وليس المقصود أنها واجبة عليهم في البيوت، بل يجب على كل مسلم يسمع: حي الصلاة، حي على الفلاح، أن يخرج إلى المسجد، وأن يأتي إلى المسجد، ويؤدي صلاة الجماعة. قوله: [(ولقد رأيتنا نقارب بين الخطى)]، معناه: حتى تكثر الخطى، ولا يسرعون، يعني: يمشون مشياً وئيداً، أي: بسكينة ووقار، وبدون استعجال، وبذلك تكثر الخطى، ويحصلون الأجر في كل خطوة يخطوها ويحطها، فإن الله تعالى يكتب له بها حسنة، ويحط عنه بها خطيئة.وقوله: [(ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها)].(ولقد رأيتنا)، يعني: أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، (وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق)، يعني: علامة المنافق عند الصحابة: أن يكون متخلفاً عن صلاة الجماعة، وأنه لا يأتي إلى المساجد، هذه علامة النفاق عند أصحاب رسول الله، (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق)، ومثل هذا قول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه الذي أشرت إليه: (كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه).وقوله: (ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين؛ حتى يقام في الصف)، يعني: من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، يعني: يصيب الواحد منهم المرض، ويكون معذوراً لو صلى في بيته، ولكن من أجل حرصه على الجماعة، وعلى الإتيان إلى المسجد، فإنه يحرص على ذلك، مع ما يتحمل من المشقة، وإن كان لا يستطيع أن يأتي مشياً على رجليه، وإنما يأتي يهادى بين رجلين، أي: واحد يمسك عضده اليمنى، والثاني يمسك عضده اليسرى، ورجلاه تخط في الأرض، لا يستطيع المشي حتى يقام في الصف؛ حرصاً على صلاة الجماعة؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين يعلمون الأجر الذي أعده الله لمن يصلي جماعة؛ ولهذا يأتون وهم مرضى، ويحرصون على الإتيان إلى المساجد وهم مرضى، مع أنهم معذورون لو صلوا في بيوتهم، والمنافقون بعكس ذلك، وقد قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، ولكن همهم الدنيا، وليس همهم الآخرة، أما أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم فهمهم الآخرة، ولهذا يتجشم الواحد منهم المشاق، ويأتي إلى المسجد وهو مريض، لا يمشي على رجليه، وإنما يأتي يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (... ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما قريباً. [عن المسعودي].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي صدوق اختلط قبل موته، قال الحافظ ابن حجر: علامة ذلك: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، وما كان قبل ذلك فإنه لا ضير فيه؛ لأن المحذور هو ما كان بعد الاختلاط، وأما ما كان قبل الاختلاط فهذا هو الذي لا يؤثر على الرواية عن المختلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة. [عن علي بن الأقمر].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الأحوص].وهو عوف بن مالك الكوفي، ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وأبو الأحوص يطلق على جماعة، وقد مر بنا أبو الأحوص وهو سلام بن سليم الحنفي، وهو متأخر عن هذا، وأما هذا فهو في طبقة متقدمة يروي عن الصحابة. [عن عبد الله].وهو عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد فقهاء الصحابة، وهو من المهاجرين رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو ليس أحد العبادلة الأربعة المشهورين بهذا اللقب؛ لأن ابن مسعود متقدم، والعبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وهم متأخرون عنه في الوفاة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عن الجميع.
    شرح حديث أبي هريرة في أمر النبي للأعمى بحضور الجماعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (جاء أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى الصلاة، فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فأذن له، فلما ولى دعاه، وقال له: أتسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب)].أورد النسائي: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أعمى، وهو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه، جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: إنه رجلٌ أعمى، وليس له قائد يلائمه، فهل له رخصة أن يصلي في بيته؟ فأذن له، فلما ولى ناداه، وقال له: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، يعني: لم يرخص له، وكأنه في الأول رخص له لعله ظن أنه لا يسمع النداء، فلما علم بأنه يسمع النداء قال له: (أجب)، أو أنه أوحي إليه، أو أنه حصل منه أولاً باجتهاده، وكان على ما يقوله بعض أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد، لكنه لا يقر إلا على حق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والحديث دال على وجوب صلاة الجماعة، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر رجلاً أعمى جاء في بعض الروايات الأخرى: أنه شاسع الدار -أي: بعيد الدار- وليس له قائد يلائمه إلى المسجد، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يرخص له مع وجود هذا الوصف فيه، الذي هو العمى، وبعد الدار، وليس له من يلائمه في الذهاب والإياب من وإلى المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص له، بل قال: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، أي: أجب النداء واحضر الصلاة ولا تتخلف عنها، دل ذلك على وجوبها، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتخلف عنها، إذا كان هذا رجل أعمى داره بعيدة ولم يرخص له الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بمن يكون صحيح الجسد، سليم العينين، عنده القدرة وعنده النشاط؟! فهذا يدل على وجوب الجماعة.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في أمر النبي للأعمى بحضور الجماعة
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، وفقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. [حدثنا مروان بن معاوية].وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة، وقيل: إنه يدلس أسماء الشيوخ، وذلك أن التدليس قسمان: تدليس في الإسناد، وهو: أن يروي عن شيخه، ما لم يسمع منه، وهذا فيه احتمال سقط، يعني: فيه احتمال سقط راو، وأما تدليس الشيوخ، فهو بأن يذكر شيوخه بغير ما اشتهروا به، هذا يسمى تدليس الشيوخ، وهذا فيه تعمية؛ لأنه لا يذكر الشخص بما اشتهر به، وإنما يذكره بشيء صحيح، كأن ينسبه إلى جده، أو يذكره بكنية أبيه، أو ما إلى ذلك من الأمور التي هي حقيقة وواقعة، ولكنها خلاف ما اشتهر به الإنسان، هذا يسمى تدليس الشيوخ، ومن المعروفين بهذا الخطيب البغدادي، فإنه يستعمل ذلك كثيراً، يعني: كونه يدلس في أسماء شيوخه ويذكرهم بغير ما اشتهروا به، وقد يحكم بجهالته مع أنه معروف؛ لأنه ذكر بغير ما اشتهر به. [حدثنا عبيد الله بن عبد الله]. وهو عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، مقبول، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن عمه].وهو يزيد بن الأصم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي هريرة].وهو: صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد مر ذكره قريباً.
    شرح حديث ابن أم مكتوم في أمر النبي له بحضور الجماعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا سفيان، (ح) وأخبرني عبد الله بن محمد بن إسحاق حدثنا قاسم بن يزيد حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، قال: هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فحي هلا، ولم يرخص له)].أورد النسائي حديث: عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه الذي فيه، أنه قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إن المدينة كثيرة السباع والهوام، وطلب منه أن يرخص له أن يصلي في بيته، فقال له: (هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب، ولم يرخص له)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله عن أبي هريرة، وهو دال على وجوب صلاة الجماعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يعذر هذا الرجل الأعمى، وقد أبدى هذا العذر لكونه أعمى، وشاسع الدار، ويخشى من السباع والهوام، وكذلك ليس له من يلائمه، ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال له: (أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب)، ذلك واضح الدلالة على وجوب صلاة الجماعة.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن أم مكتوم في أمر النبي له بحضور الجماعة
    قوله: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء]. وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن أبيه]. وهو زيد بن أبي الزرقاء، ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي أيضاً.يعني: كل منهما موصلي هارون وأبوه زيد. [عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. ثم حول النسائي الإسناد وانتقل إلى إسناد آخر، فأتى بلفظ: (ح) الدالة على التحويل، والتحول هو: التحويل من إسناد إلى إسناد، ثم بعدها بدأ بإسناد جديد، وذكر واحداً من شيوخه يروي عنه بإسناد آخر، وقال: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن إسحاق]. وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. [حدثنا القاسم بن يزيد].هو قاسم بن يزيد الموصلي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا سفيان].وهو الثوري، وهنا التقى الإسنادان من النسائي يلتقيان بـسفيان الثوري، حدثنا عبد الرحمن بن عابس.وهو: عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وهو النخعي الكوفي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً. [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].وهو تابعي، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن أم مكتوم].وهو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم، مشهور بهذه النسبة، حيث يقال له: ابن أم مكتوم، وهو صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    الأسئلة

    الجمع بين همه صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت المنافقين، ونهيه عن الإحراق
    السؤال: كيف نجمع بين همه صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت المتخلفين، وبين نهيه عن الإحراق؟الجواب: كما هو معلوم: الرسول نهى عن التحريق بالنار، وأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، ولعل هذا كان قبل أن يحصل منه النهي عن التحريق بالنار، لكن مجرد همه يدل على وجوب صلاة الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أرسل رجلين من أصحابه، وقال لهما: إذا لقيتم فلان وفلان فحرقوهما بالنار، ثم دعاهما، وقال: (إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، فإذا لقيتموهما فاقتلوهما).
    كيفية التسليم على النبي عند قبره
    السؤال: ما هي الطريقة الصحيحة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه؟ وهل يخاطبون بالتسليم، ويسمى كل واحد منهم؟ الجواب: ما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يزورون القبر، وذلك أنهم يصلون ويسلمون عليه، وصلاتهم وسلامهم عليه تبلغه بواسطة الملائكة، لكن جاء عن عبد الله بن عمر، أنه إذا كان قدم من سفر، جاء وسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى أبي بكر، وعلى أبيه رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وإذا جاء وسلم يخاطب، فيقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: صلى الله وسلم وبارك عليك، وجزاك أفضل ما جزا نبي عن أمته، لا بأس، وكذلك يخاطب أبو بكر يقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنك وأرضاك، وكذلك عن عمر، فإنه يسلم عن عمر ويخاطبهما؛ لأن السلام فيه خطاب.
    قضاء الفائتة هل يكون جماعة أم فرادى
    السؤال: إذا فاتت الصلاة جماعة من الناس لعذر شرعي، فأيهما الأولى أن يصلوا جماعة في بيت أحدهم، أم كل واحد يصلي منفرداً؟الجواب: الأولى أو الواجب على كل مسلم أن يأتي إلى المسجد لأداء الصلاة، فإذا فاتت الصلاة وجاءوا إلى المسجد وقد صلى الناس، فإنهم يصلون في المسجد، أما إذا كان مضى الوقت وقد فاتت الصلاة فإنهم يصلون في بيوتهم جماعة، لكن الواجب عليهم أن يحرصوا على الذهاب إلى المسجد، ويصلوا في المسجد إذا جاء وقد فاتت الصلاة، وقد قضيت الصلاة، لكن إذا كان قضيت الصلاة، وخرج الوقت، وخرج الناس، فيصلون في بيوتهم يعني: جماعة، لكن يحذروا من أن يتكرر منهم ذلك؛ لأن الإنسان إذا تعود على التخلف عن الجماعة، يسهل عليه ذلك، فيكون ذلك سبباً في ابتلائه بترك الجماعة والعياذ بالله.
    من تخلف عن صلاة الجماعة وصف بالنفاق
    السؤال: من ترك الجماعة الآن وصلى في بيته، هل يطلق عليه أن فيه علامة نفاق؟ الجواب: الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يعتبرون ذلك من علامات النفاق، والإنسان الذي لا يصلي في المسجد ويصلي في بيته ما الذي لا يجعله منافقاً أو متصفاً بعلامات النفاق؟! إذا كان الصحابة في زمنهم يعتبرون من يتخلف عن الصلاة أنه منافق، فلماذا الذي يحصل منه ذلك، أن يكون متصفاً بهذا الوصف؟
    لفظة سيدنا في التشهد غير واردة
    السؤال: ما حكم قول المصلي: اللهم صل على سيدنا أو نبينا محمد في التشهد، هل هذا جائز أم لا؟الجواب: الإنسان في التشهد يأتي باللفظ الوارد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فلا يقول في اللفظ: لا سيدنا ولا نبينا؛ لأن اللفظ ورد بهذه الصيغة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فيأتي به كما جاء لا يزيد ولا ينقص، يأتي بالنص كما علم رسول الله عليه السلام أصحابه، لا يزيد على ذلك ولا ينقص، لكن في غير الصلاة، فيقول: اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وعلى سيدنا، وعلى إمامنا، وعلى قدوتنا، وما إلى ذلك من أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام، لا بأس بذلك، لكن ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة يؤتى بها كما جاءت دون أن يضاف إليها شيء، ودون أن ينقص منها شيء.
    وجوب صلاة الجماعة في السفر
    السؤال: هل صلاة الجماعة في حال السفر واجبة؟ الجواب: نعم، صلاة الجماعة واجبة في الحضر والسفر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالجماعة في السفر، كان يصلي جماعة بأصحابه وهم مسافرون، بل في الخوف، وفي شدة الخوف كانت صلاة الجماعة تقام، وهذا من أوضح الأدلة على وجوبها، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليها حتى في الخوف يقسم الناس قسمين، فهذا يدل على وجوب الجماعة، وعلى أن الجماعة لازمة.
    هل خروج الدم ينقض الوضوء؟
    السؤال: هل ينقض الوضوء بخروج الدم من الجسد؟ وهل تصح الصلاة إذا كانت على الثياب قطرات من الدم؟ الجواب: نعم، بعض العلماء يقول: إن خروج الدم الكثير، يحصل به نقض الوضوء، ومنهم من يقول: بأنه لا يحصل نقض، وأما كون الدم على الجسد أو على الثوب، فإذا كان يسيراً فإنهم يقولون: إنه لا يؤثر، وأما إذا كان كثيراً فيتعين غسله.
    تقبيل اليد بعد المصافحة
    السؤال: بعض الناس بعد المصافحة يقبل يده، أو يضعها على صدره، فهل هذا من السنة؟ الجواب: لا أعلم شئاً يدل على هذا المصافحة، يعني: يد تمسك باليد، ثم يطلق كل يده، ولا نعلم أنها يذهب بها إلى الصدر، ولا أنها تقبل.
    ما صحة حديث اتقوا فراسة المؤمن
    السؤال: ما صحة هذا الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن)؟الجواب: الذي أعرف أن هذا الحديث ضعيف ليس بصحيح، لكن لا شك أن بعض الناس يكون له فراسة في الأشخاص، مثل ما يقول الشاعر: والنفس تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديهايعني: وهذا عن طريق الفراسة، لكن الحديث لم يثبت.
    هل الجماعة في المسجد تجب على المسافر؟
    السؤال: هل صلاة الجماعة واجبة في المسجد بالنسبة للمسافر؟الجواب: صلاة الجماعة واجبة على الحاضر والمسافر، لكن المسافر الذي هو جاد به السير، إذا مر في مسجد تقام فيه الصلاة، فيلزمه أن ينزل، لكن المسافرين مع بعض يصلونها جماعة مع بعضهم وإن كان لهم رخصة الجمع في السفر إلا أن هذا لا يعفيهم عن صلاة الجماعة، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مع أصحابه جماعة.

    لماذا لم يرو مسلم عن المسعودي

    السؤال: الحديث الذي روي عن عبد الله بن مسعود الذي مر بنا الآن أخرجه مسلم ذكره المحقق، فلماذا المسعودي لم يرو له مسلم؟ الجواب: لا، فكما هو معلوم، أنه ليس بلازم أن كل محدث يروي عن كل راوي، بل لا يروي عن كل ثقة، فلا يقال: إن كل ثقة يروي عنه مثلاً شخص، والمسعودي كما هو معلوم فيه كلام من حيث الاختلاط، لكن هناك ثقات لم يرو عنهم مسلم، وعدم الرواية عن الثقة لا يدل على تضعيفه عنده، لكن الحديث يكون رواه مسلم ما دام أن المسعودي ليس من رجاله، معناه: أنه من طريق آخر غير طريق ابن مسعود .
    يكتب للماشي الأجر عند رجوعه من المسجد
    السؤال: هل يكتب للماشي إلى الصلاة حال رجوعه؟الجواب: نعم، جاء في بعض الأحاديث ما يدل على هذا، يعني: في حال ذهابه وإيابه، يرفع له حسنة ويحط عنه خطيئة بكل خطوة يخطوها، ورد فيه حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن رجلاً قال له: (إنني أرجو أن يكتب الله لي في ذهابي وإيابي إلى المسجد، فقال له رسول الله: إن الله كتب لك ذلك كله)، وهذا فيه ذكر الإياب كما أن فيه ذكر الذهاب.
    من صلى في بيته لا يؤذن
    السؤال: هل من صلى في بيته منفرداً يؤذن أو لا؟الجواب: أقول: لا يؤذن الإنسان إذا صلى في بيته منفرداً؛ لأن الأذان هو نداء، وإعلام لدخول الوقت، نعم الإنسان إذا كان في سفر يؤذن، ولو كان وحده، ويرفع صوته، ولا يسمعه شجر ولا حجر ولا إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة.
    حكم تكبيرات الانتقال
    السؤال: ما حكم تكبيرات الانتقال؟الجواب : تكبيرة الانتقال واجبة، يجب على الإنسان أن يأتي بها، وإذا تركها سهواً يجبرها بسجود السهو.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #162
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (159)



    باب العذر في ترك الجماعة - باب حد إدراك الجماعة

    من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة مدافعة الخبث، ولهذا يستحب أن يبدأ به أولاً، كما يعذر بحضور العشاء، ونزول المطر، ومن جاء إلى المسجد وقد صلى الناس كتب له مثل أجر من حضرها.
    العذر في ترك الجماعة

    شرح حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [العذر في ترك الجماعة. أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: (أن عبد الله بن أرقم رضي الله عنه كان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة يوماً فذهب لحاجته ثم رجع، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)].لما ذكر النسائي في الأبواب السابقة التشديد في التخلف عن صلاة الجماعة، وأورد الأحاديث التي وردت في ذلك، وأن التخلف عنها من علامات النفاق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص لرجل أعمى استأذنه بأن يتخلف ويصلي في بيته؛ لأنه شاسع الدار، وليس له قائد يلازمه إلى المسجد، وهو أعمى، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يرخص له، وقال: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب)، لما ذكر ذلك ذكر هذه الترجمة وهي: العذر في التخلف عن الجماعة.يعني: لما ذكر الترجمة السابقة ذكر هذه الترجمة التي بين فيها شيئاً من الأعذار التي يرخص ويؤذن للإنسان أن يتخلف ويترك صلاة الجماعة، وقد أورد في ذلك بعض الأحاديث، ومنها حديث: عبد الله بن أرقم في قصة كونه ذهب مع جماعة من أصحابه، وجاء عند أبي داود: أنه خرج حاجاً ومعه جماعة وهو يؤمهم، فلما أقيمت الصلاة وجد أنه بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، فقال: ليؤمكم أحدكم، ثم ذهب، وجعل واحداً منهم يصلي بهم، ثم روى الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أورده النسائي هنا.قوله: [(إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة)]، يعني: إذا كان يحس أنه بحاجة إلى قضاء الحاجة، فإنه يقضي الحاجة أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة، ولا يصلي وهو يدافعه؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، فأمر واحداً منهم أن يصلي بهم، وذهب هو ليقضي حاجته، ولما رجع أخبرهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)، يعني: لا يصلي وهو بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، وإنما يقضي حاجته أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة وهو مستريح البال ليس مشوشاً، وليس عنده ما يشغله، وليس مدافعاً للبول أو الغائط، فحديث عبد الله بن أرقم هذا يدل على أن الإنسان إذا جاء وقت الصلاة وهو مصاب بإسهال، فإنه معذور بأن يتخلف عن الجماعة؛ لوجود هذا الأمر الذي اقتضى التخلف.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)
    قوله: [أخبرنا قتيبة]. وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك]. وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة؛ مذاهب أهل السنة، والتي حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع أقوالهم وآرائهم، وتدوينها وتنظيمها والعناية بها، وقد حصل في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة مثلهم أجلة، ولكنه ما حصل لهم من الأتباع الذين يعنون بجمع فقههم وترتيبه، وتنظيمه والعناية به كما حصل لهؤلاء الأربعة، رحمة الله على الجميع، والإمام مالك رحمه الله أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن هشام بن عروة]. وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عروة].وهو عروة بن الزبير بن العوام، من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة، وإذا جاء ذكر الفقهاء السبعة في مسألة فيراد بهم سبعة من فقهاء التابعين في المدينة، ومنهم: عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً، مع تكرر أسماء هؤلاء السبعة الذين هم مكثرون من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يأتي ذكرهم، وتأتي الإشارة إليهم في مناسبات متعددة، لوجود الأحاديث الكثيرة التي يأتي في أسانيدها هؤلاء السبعة من فقهاء التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن الأرقم].وهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاه عمر رضي الله عنه بيت المال في زمن خلافته، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
    شرح حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)].أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا حضر العشاء)، وهو: الطعام الذي يكون في آخر النهار أو في أول الليل، (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)، إذا حضر وقدم، وأقيمت الصلاة، والنفوس متعلقة بالطعام، ولاسيما إذا كان هناك جوع، والإنسان إذا صلى ينشغل عن صلاته بشدة جوعه وحاجته إلى الطعام، فإنه يبدأ بالعشاء؛ لأنه لو دخل في صلاته لاشتغل فيها بتعلق نفسه بالعشاء الذي قدم؛ لكونه بحاجة إليه، وهذا فيما إذا قدم وحضر والنفوس متعلقةٌ به، أما إذا لم يكن حاضراً، فإن الصلاة تؤدى، وزمن تأديتها قصير، ويرجع الإنسان إلى الطعام إذا نضج وهيئ، والحديث جاء فيما إذا حصل حضوره، وتعلقت النفوس به، فإنه يبدأ به ويقدم على الصلاة؛ لأنه لو دخل في الصلاة وهو يتوق إليه، لاسيما إذا كان جائعاً، فإنه يتشاغل في صلاته، ويحصل له التشويش والتعلق بذلك الطعام، فجاءت السنة بأن الإنسان يقضي حاجته أولاً إذا قدم الطعام، ثم يذهب إلى الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].وهو الجواز المكي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وقد عرفنا فيما مضى: أن محمد بن منصور اثنان: أحدهما هذا الجواز المكي، والثاني: الطوسي، لكن حمله على محمد بن منصور المكي هو الأقرب؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وإذا أهمل الشخص فإنه يحمل على من يكون له بالراوي، أو بالشيخ علاقة، كأن يكون مكثراً عنه، أو يكون ملازماً له، أو يكون من أهل بلده، بخلاف الثوري فإنه كوفي، ومحمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً: محمد بن منصور هو المكي الجواز. [عن سفيان].وهو ابن عيينة، محدث، فقيه، مشهور، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وهو مكثر من الرواية عنه، أما سفيان الثوري فقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أنه لا يروي عنه إلا بواسطة، وعلى هذا فيحمل ما جاء من ذكر سفيان غير منسوب، يروي عن الزهري، يحمل على أنه ابن عيينة، والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، وزهرة بن كلاب، أخو قصي بن كلاب، يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب أبو قصي وأبو زهرة، وهو إمام جليل، ومحدث فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من جلة أهل المدينة من صغار التابعين، وهو الذين كلفه أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة وتدوينها وكتابتها، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس]. وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا وعاشوا حتى أدركهم صغار التابعين؛ لأن الزهري من صغار التابعين، وقد أدرك صغار الصحابة، مثل: أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى عنه كما هنا، وهذا الإسناد رباعي، من رباعيات النسائي، التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي، التي فيها بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند النسائي التي هي الرباعيات، وليس عنده ثلاثيات، بل أعلى ما عنده الرباعيات، مثل هذا الإسناد الذي معنا.
    شرح حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فأصابنا مطر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن صلوا في رحالكم)].أورد النسائي حديث والد أبي المليح، وهو: أسامة بن عمير، أنهم كانوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حنين، فأصابهم مطر، فنادى منادي رسول الله: (أن صلوا في رحالكم)، يعني: صلوا في منازلكم، وهذا يدل على أن المطر إذا غزر وكثر وشق على الناس الخروج إلى المسجد، فلهم أن يصلوا في منازلهم، وهذا من الأعذار التي يرخص للإنسان فيها بالتخلف عن الجماعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر مناديه أن ينادى في ذلك الوقت: (أن صلوا في رحالكم)، أي: في منازلهم التي هم نازلون فيها؛ لأن خروجهم واجتماعهم للصلاة فيه مشقة ومضرة عليهم بسبب المطر، إذاً: المطر من جملة الأعذار في التخلف عن الجماعة.
    تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله: محمد بن بشار الملقب بندار، وكذلك: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، فهؤلاء جميعاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، أما محمد بن المثنى هذا الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فكانا متماثلين في أمور كثيرة، اتفقا في سنة الولادة، واتفقا في سنة الوفاة، واتفقا بأنهما من أهل البصرة، واتفقا بأن الشيوخ لهما متماثلون، وأن التلاميذ لهما متماثلون، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما في التقريب: وكانا كفرسي رهان، وهما الفرسان المتسابقان اللذان كل واحد منهما ما يسبق الآخر، وذلك لاتفاقهما في سنة الولادة وسنة الوفاة، وهما من صغار شيوخ البخاري؛ لأن البخاري توفي سنة مائتين وست وخمسين، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، توفيا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، يعني: بين سنة وفاتهما وسنة وفاة البخاري أربع سنوات، فهما من صغار شيوخه الذين أدركهم من بعد البخاري، ولهذا هما شيخان لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنهما مباشرة وبدون واسطة. [عن محمد بن جعفر].وهو الملقب غندر، ويأتي أحياناً بلقبه وأحياناً يأتي باسمه، ونسبه كما هنا، وكثيراً ما يأتي بلفظ: محمد غير منسوب، يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والمراد به: محمد بن جعفر هذا، وفي بعض الأحيان يأتي منسوباً كما هنا محمد بن جعفر، ومر بنا مواضع عديدة فيها اسمه فقط، يروي عن شعبة والمراد به: محمد بن جعفر الملقب بـغندر، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو ابن الحجاج الواسطي، الذي لقب بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة، ومن أعلى صيغ التعديل، وهي صفة لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة هذا، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، ومثل: الدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف العالي، ولقبوا بهذا اللقب الرفيع، ألا وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المدلسين، ولكن المعروف عن شعبة أنه إذا روى عن مدلس، فإنه لا يروي عن شيخه المدلس شيئاً دلس فيه، وإنما الذي يرويه شعبة عن شيوخه المدلسين، فقد أمن تدليسهم، وحديث قتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي المليح]. وأبو المليح كنية اشتهر بها عدد من الرواة، وأبو المليح هذا من المتقدمين، وهو من طبقة التابعين، وهو يروي عن أبيه، واسم أبي المليح قيل: إنه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو أسامة بن عمير صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
    حد إدراك الجماعة

    شرح حديث أبي هريرة فيمن خرج إلى المسجد متوضئاً فوجد الناس قد صلوا
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حد إدراك الجماعة:أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن طحلاء عن محصن بن علي الفهري عن عوف بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فوجد الناس قد صلوا، كَتَب الله له مثل أجر من حضرها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)].أورد النسائي هذه الترجمة: باب حد إدراك الجماعة، والمراد من ذلك: الفضل الذي يحصل الإنسان فيه أجر صلاة الجماعة، والذي أراده النسائي هنا وقصده من إيراد هذه الترجمة، وأورد الحديثين تحتها: أن من توضأ، وقصد المسجد، وفاتته الصلاة، فإنه يحصل مثل أجر الذين قد صلوا من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وذلك لكونه يحافظ على الصلاة ويحرص عليها، وإذا حصل أن فاتته الصلاة في يوم من الأيام، فإنه يكون محصلاً الفضل، ومحصلاً الأجر؛ لأن وضوءه وذهابه إلى المسجد، وحرصه على الصلاة، وقد فاتته في بعض الأحيان، فإن الله يثيبه ويأجره، ويحصل أجر من حضرها من غير أن ينقص من أجور الذين حضروها وصلوا جماعة شيئاً، وهذا من فضل الله عز وجل وكرمه، وهذا بالنسبة للفضل وإدراك الفضل. أما الجماعة -التي هي جماعة المسجد- فإنها لا تدرك، إلا بإدراك ركعة، أو بإدراك الإمام لم يسلم، فبإدراك ركعة يكون الإنسان أدرك شيئاً يعتد به إذا قام لقضاء ما فاته، وأما إذا أدركه بعد الركوع من الركعة الأخيرة، فإنه يدخل معه في الصلاة، ويكون قد أدرك الجماعة، ولكنه لم يدرك شيئاً يعتد به، وإذا قام يقضي بعد سلام الإمام، يأتي بالصلاة كاملة، ولكنه أدرك فضل الجماعة؛ لكونه أدرك جزءاً يسيراً منها، وذلك في حال كون الإمام لم يسلم، لكن بالنسبة للفضل، ولإدراك الفضل الذي أراده النسائي من هذه الترجمة، أن من توضأ وقصد إلى المسجد، وفاتته الصلاة، فإن الله تعالى يكتب له من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها، وذلك فضلاً من الله عز وجل، وهذا - كما هو معلوم - إنما يحصل في بعض الأحيان ليس دائماً، فالذي من عادته أن يتخلف عن الجماعة، لا شك أنه مقصر، وهذه عادة سيئة، لكن من كان محافظاً على صلاة الجماعة، ويحرص عليها، لكن في يوم من الأيام، أو في بعض الأحيان حصل له ما يشغله، وما يعوقه، لما ذهب وجد الناس قد صلوا، فإن الله تعالى يأجره هذا الأجر العظيم.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة فيمن خرج متوضئاً فوجد الناس قد صلوا
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، المحدث، الفقيه، من الفقهاء المجتهدين، ومن المحدثين البارزين، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأحد القلة الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد العزيز بن محمد].وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن طحلاء]. وهو: محمد بن طحلاء، وهو المدني، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن محصن بن علي الفهري].وهو الفهري، قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.والمست ر هو مرادف لمجهول الحال، وهو الذي روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وقد وثقه ابن حبان،كما ذكر ذلك صاحب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، وهنا قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أي: مجهول الحال. [عن عوف بن الحارث].وهو مقبول، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[عن أبي هريرة].وهو أبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث مما ذكره الشيخ الألباني في الصحيح من سنن النسائي، ولا أدري وجه تصحيحه، هل هو للشواهد أو لشيء آخر؟! لا أدري! لكن الحديث الذي بعده وهو حديث: عثمان بن عفان رضي الله عنه، دال على ما دل عليه من حصول الأجر لمن ذهب إلى المسجد وقد فاتته الصلاة، وصلى في المسجد مع الناس، أو أنه ما أدرك الجماعة، فحديث عثمان بن عفان الذي بعده، هو شاهد له من حيث بيان حصول الأجر، وأنه يدرك الفضل العظيم لخروجه وقصده إلى المسجد، وحرصه على الذهاب إليه.
    شرح حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن الحكيم بن عبد الله القرشي حدثه: أن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة حدثاه أن معاذ بن عبد الرحمن حدثهما عن حمران مولى عثمان بن عفان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه)].حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه يتعلق بالترجمة، وهي: حد إدراك الجماعة، أي: إدراك فضلها، وأن الإنسان بقصده واتجاهه إلى المسجد، وعزمه وحرصه وسعيه إلى الصلاة، فإنه مأجور على ذلك، سواء أدرك الصلاة مع الجماعة، أو لم يدركها وصلى مع غيره، أو صلى وحده؛ لأن سعيه وحرصه وذهابه وتعلقه بالمسجد، وكونه حصل منه في بعض الأيام أمر أخره كنوم، أو انشغال، أو غفلة، أو ما إلى ذلك، فإن الله تعالى يأجره ويثيبه على سعيه وقصده وذهابه إلى المسجد.
    تراجم رجال إسناد حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة
    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن ابن وهب]. وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عمرو بن الحارث].وهو أيضاً مصري ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الحكيم بن عبد الله].وهو الحكيم بن عبد الله القرشي، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحكيم بالتصغير.[عن نافع بن جبير وعبد الله].وهو نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.وعبد الله بن أبي سلمة، هو: الماجشون، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن معاذ بن عبد الرحمن].وهو معاذ بن عبد الرحمن التيمي، وهو صدوق، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. [عن حمران].وهو مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن عفان].وهو أمير المؤمنين، ذو النورين، وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وصاحب المناقب والفضائل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد من الأسانيد النازلة عند النسائي؛ لأنه من الثمانيات، يعني: فيه ثمانية، وفيه اثنان يكونان في طبقة واحدة، فيعتبران بمنزلة الراوي الواحد، وهؤلاء هم أولاً: سليمان بن داود، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، والحكيم بن عبد الله القرشي، ونافع بن جبير، وفي درجته عبد الله بن أبي سلمة ؛ لأنهما في طبقة واحدة، يعني: يعتبران بمثابة الراوي الواحد، ومعاذ بن عبد الرحمن، وحمران، وعثمان، ثمانية أشخاص. وهناك أنزل من الثمانيات عند النسائي، قيل: إن عنده العشاريات، أي: أن عنده إسناد عشاري يتكون من عشرة رجال.
    الأسئلة

    أكثر الأحاديث عند النسائي صحيحة
    السؤال: فضيلة الشيخ عبد المحسن حفظه الله، لماذا لا تذكر الإسناد وتوثيق الرجال قبل المتن، وذكر مرتبة الحديث على ضوء هذا الإسناد؟ الجواب: أولاً: الكلام على الحديث، وعلى لفظ الحديث هو الأهم، وهو المقصود، يعني: بيان الحديث وشرحه وما اشتمل عليه، ثم بعد ذلك يأتي ذكر الرجال، ونحن كما عرفنا فيما مضى لا ندرس الإسناد ونبين الحكم عليه؛ لأنه كما قلت: الأحاديث الصحيحة والحسنة عند النسائي هي الكثرة المتكاثرة، والنادر هو الضعيف، وقد ذكرت لهذا أمثلة، ومنها: هذا الباب الذي نحن فيه، كتاب: الإمامة والجماعة، فيه مائة حديث كاملة، الصحيح منها تسعة وتسعون، والضعيف حديث واحد، فالأحاديث الضعيفة قليلة جداً، ولهذا كما قلت: نبدأ بالمتن، والكلام على الترجمة، ومقصود الترجمة، والحديث ومطابقته للترجمة، وما يدل عليه الحديث، ثم بعد ذلك نأتي إلى ذكر الإسناد.
    من دخل المسجد قبل المغرب هل يصلي أم يبقى واقفاً
    السؤال: ما هو الأفضل لرجل دخل المسجد قبل أذان المغرب بدقائق، هل يصلي تحية المسجد، أو ينتظر واقفاً، أو يجلس؟الجواب: الصلاة عند دخول المسجد في أوقات النهي فيها خلاف بين العلماء، وأنا أقول: إن الأمر في ذلك واسع، من جلس لا حرج عليه، ومن صلى لا حرج عليه، فلا ينكر على أحد منهما، ولكن إذا كان الأذان ما بقي عليه إلا دقيقة أو دقيقتان، فلو بقي واقفاً لكان أولى.
    فضل الصلاة في الصفوف الأمامية قبل الروضة في مسجد المدينة
    السؤال: هل الأفضل الصلاة في الروضة أو في الصفوف الأولى؟ الجواب: صلاة الفريضة في الصفوف الأُول أفضل من الصلاة في الروضة، وكذلك ميامن الصفوف التي تقع غرب الروضة هي أفضل من الروضة بالنسبة للصلاة، وسبق أن مر بنا الكلام على ما يتعلق بالأولى لمن يكون وراء الإمام، أين يكون؟ وأنه يكون عن يمينه، وسئلت في ذلك الوقت عن حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وما درجته من الصحة؟ وقلت: إنني لا أدري، ثم وجدت بعد ذلك أن الحافظ ابن حجر حسنه في فتح الباري، (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).والحاصل: أن الصفوف التي أمام الروضة، كل الصفوف التي قبل الروضة، وفي الزيادة الأمامية، الصلاة فيها أفضل من الروضة، وكذلك الميامن المحاذية للروضة هي أفضل من الروضة، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس في الروضة، ومن المعلوم: أن بعض ميامن الصفوف كانت خارج الروضة.
    المقصود بقوله: (له أجر مثل أجر من حضرها)
    السؤال: قوله: (مثل أجر من حضرها)، هل المراد أجور الجماعة مجموعةً له، أو مثل أي فرد حضرها؟ الجواب: المقصود هو أن الذين حضروا الصلاة وأدركوها، وحصلوا أجرها، له مثل أجرهم، أقول: له مثل أجر من حضرها؛ لأن غيره سبقه إلى حضورها وأدركها، وهو فاتته بأكملها، فسعيه واجتهاده وحرصه على أداء الصلاة، الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا الأجر تفضلاً منه وإحساناً.
    الجمع بين الصلاتين لأجل المطر
    السؤال: هل من السنة جمع الصلاتين في المسجد أو غيره من أجل المطر، أرجو التفصيل في ذلك؟الجواب: نعم، إذا حصل مطر شديد، فيجوز الجمع بين الصلاتين كالمغرب والعشاء، بأن تقدم العشاء مع المغرب في وقت المغرب، من أجل الدحض والمطر، وقد جاء في السنة ما يدل على ذلك.
    حكم العنعنة في الحديث
    السؤال: إذا ورد في الحديث: حدثنا فلان عن فلان، فهل العنعنة تفيد شيئاً من النقص في المرتبة بالنسبة لحدثنا؟الجواب: العنعنة إذا كانت من شخص لا يعرف بالتدليس، فإنها لا تؤثر، فالعنعنة من شخص غير مدلس هي بمعنى الاتصال، لا تقلل ولا تقدح في الاتصال، وإنما العنعنة تؤثر إذا جاءت عن المعروف بالتدليس، أما العنعنة من غير المدلس فهي من قبيل المتصل.
    درجة حديث من قيل فيه: صدوق يخطئ، صدوقٌ يهم، مقبول لا بأس به
    السؤال: ما درجة حديث من قيل عنه: صدوق يخطئ، وصدوق يهم، مقبول لا بأس به؟الجواب: هذه عدة أشياء، فصدوق تعني أن حديثه حسن، وكذلك صدوق يهم، يعني :إذا كان قليلاً، فإنه لا يؤثر؛ لأن بعض الناس تكون أوهامهم وأخطاؤهم محصورة معينة، فهي التي يكون فيها الضعف، وما عداها يكون على السلامة، وأما كلمة (مقبول) فإن معناها: أنه يعتد به عند الاعتضاد، فإذا وجد ما يعضده ويسانده ويؤيده فعند ذلك يعتبر، و(لا بأس به) أيضاً مثل هذا الذي هو مقبول.
    الصلاة منفرداً خلف الصف
    السؤال: هل تصح صلاة الفرد خلف الصف؟ وهل يوجد قول عند الحنابلة ببطلان الصلاة؟ الجواب: نعم، القول: ببطلان الصلاة فيما إذا صلى فرداً جاء به الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أمر رجلاً أن يعيد الصلاة، فقد صلى فرداً خلف الصف، هذا إذا كان إنسان صلى وحده وهو مقصر، بمعناه: أنه حصل منه تقصير بحيث وجدت منه الصلاة، أما إذا كان مضطراً، وأمره دار بين أن يصلي مع الناس جماعة أو تفوته الصلاة، فإنه في هذه الحالة، وفي حال هذه الضرورة تصح صلاته، أما إذا كان قد قصر بأن كانت بعض الصفوف -مثلاً- فيها مجال، ولكنه ما ذهب ليكملها، وإنما جاء ووقف في مكان يصلي وحده، فهذا عليه أن يعيد الصلاة، لكن إذا كان الصف مكتملاً، ولا يؤمل أن يأتي أحد، ودخل وصلى وحده فرداً خلف الصف، فإن صلاته صحيحة؛ لأنه هناك أمور تسقط عند الاضطرار وهي واجبة ولازمة، مثل القيام مع القدرة، فالإنسان إذا كان قوياً على القيام، فلا يصلي عن جلوس، لكنه إذا لم يستطع القيام فيجلس، فهذا كذلك؛ إذا كان حاله إما أن تفوته الصلاة، أو أنه يصلي فرداً خلف الصف، فيصلي فرداً خلف الصف، أما إذا قصر والأماكن موجودة، ولكن حصل منه التقصير، وصلى فرداً مع إمكان أن يصلي مع الناس في الصف، فإن هذا هو الذي عليه الإعادة، والحديث صح في هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #163
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (160)


    - (باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه) إلى (سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة) -

    من كان قد صلى الفريضة في بيته ثم أتى المسجد ووجد الجماعة قائمة، فليصل مع الجماعة، وتكون الأولى هي الفريضة والثانية نافلة.
    إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه

    شرح حديث: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه. أخبرنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن عن محجن رضي الله عنه (أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع ومحجن في مجلسه، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى، ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت)].المقصود من هذه الترجمة أن الإنسان إذا صلى المكتوبة سواء كان صلى وحده أو صلى مع غيره، ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد، فيشرع له أن يصلي تلك الصلاة، وتكون الأولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة، وقد أورد النسائي حديث: محجن بن أبي محجن رضي الله تعالى عنه، أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فأذن للصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع، يعني: أنه بعدما صلى وجده في مكانه الذي كان فيه، فقال: (ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟)، يعني: ما الذي منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ والمسلم من شأنه ألا يصلي الناس وهو جالس، بل يكون مع الناس، ويصلي كما يصلي الناس، فقال: بلى، ولكني صليت في أهلي، يعني: أديت الواجب الذي علي، وأديت ما فرض الله علي بأن صليت قبل أن آتي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت).معناه: أن الإنسان إذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة فلا يجلس؛ لأنه يساء به الظن، وينظر إليه بارتياب وإذا صلى مع الناس، فإنه يكون استفاد هذه النافلة، وصلى هذه الصلاة نافلة، والفريضة هي التي صلاها أولاً، وقد جاءت الأحاديث كثيرة في إعادة الصلاة لمن صلى، منها ما سيأتي بعد هذا في قصة الرجلين اللذين في مسجد الخيف، وكذلك قصة الجماعة الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأخير الأمراء الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (يصلونها لوقتها، ثم يصلي معهم فتكون له نافلة)، وكذلك قصة الرجل الذي قال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ )، فإن الذي يصلي معه قد صلى الفريضة فتكون صلاته له نافلة، كل هذه الأدلة تدل على أن الإنسان يشرع له أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد، وتكون تلك الصلاة التي صلاها أخيراً نافلة، والصلاة التي صلاها أولاً، سواءً كان منفرداً أو كان مع جماعة، هي الفريضة، فالتي دخل فيها ليؤدي ما أوجب الله عليه هي الفريضة، وما بعدها، أي: الصلاة التي أعيدت بعد ذلك مع الجماعة، تكون نافلة. فالرسول عليه الصلاة والسلام، لما كان مع محجن بن أبي محجن الصحابي الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذن للصلاة، فقام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لما فرغ من الصلاة، رجع وإذا محجن في مجلسه، فأنكر عليه وقال: (ما لك لم تصل؟ ألست برجل مسلم؟)، يعني: ومن شأن الرجل المسلم أن يكون مع الناس، وأن يصلي مع الناس، وألا يظهر بمظهر ينكر عليه أو ينتقد عليه أو يعاب عليه، لكونه لم يصل مع الناس، بل عليه أن يصلي، وتكون تلك الصلاة الثانية نافلة، والأولى هي الفريضة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وبغلان قرية من قرى بلخ. [عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة المشهورة، التي حصل لأصحابها أتباع وأصحاب عنوا بجمعها وتنظيمها وترتيبها والتأليف فيها، فصار لها الحفظ، وإن كان هناك مذاهب للأئمة الآخرين، مثل هؤلاء الأربعة، قبلهم وفي زمنهم وبعدهم، لكن ما حصل لهؤلاء، مثل ما حصل لهؤلاء، من وجود أتباع يعنون بجمع فقههم وترتيبه وتنظيمه والتأليف فيه، وحديث الإمام مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم المدني].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن بسر بن محجن].عن رجل من بني الديل اسمه بسر بن محجن، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده. [عن أبيه محجن].وهو محجن بن أبي محجن، صحابي قليل الحديث، خرج له النسائي وحده.
    إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده

    شرح حديث يزيد بن الأسود في إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى وحده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء أخبرنا جابر بن يزيد بن الأسود العامري عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، قال: علي بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله، إنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إعادة الفجر إذا صلاها وحده. يعني: إعادتها مع الجماعة إذا كان قد صلاها وحده، وتكون الفريضة هي الأولى، وتلك المعادة هي النافلة، وهذه الإعادة سائغة، حتى في وقت النهي؛ لأن هذا الحديث فيه إعادة صلاة الفجر، ومعلوم أن الذي صلى الفجر أعاد في وقت النهي؛ لأنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فهو قد صلى الفجر، لكن هذه مستثناة، هذا مما جاءت به السنة على أنه مستثنى، أي: أن الصلاة المعادة مع الجماعة -وهي نافلة- أنها سائغة، وأنه لا مانع منها، وإنما الممنوع أن الإنسان يتطوع ويتنفل بعد صلاة الفجر؛ لأنه لا يسوغ له ذلك حتى تطلع الشمس، لكن يستثنى من ذلك إعادة الجماعة، سواء كان بعد العصر أو بعد الفجر؛ لأن الحديث ورد في الفجر، والوقت بعد الفجر منهي عنه، ولكن هذا استثني من النهي، فيكون هذا مستثنى من النهي في قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فإن من ذلك من صلى مع الجماعة، وقد صلى الفرض قبل وجود هذه الجماعة، فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فيكون من التنفل السائغ الذي استثني من المنع من الصلاة بعد الفجر، ومن الصلاة بعد العصر. والنسائي رحمه الله أورد في هذه الترجمة حديث يزيد بن أسود العامري أنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف، وكان ذلك في حجة الوداع في منى، فلما فرغ من صلاته، وإذا اثنان قد جلسا ناحية في المسجد لم يصليا، فدعا بهما، وطلب أن يحضرا إليه، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، والفريصة هي: اللحمة التي تقع بين الكتف والجنب، ويحصل ذلك عند الفزع، يحصل تحركها واضطرابها بسبب الخوف والذعر والفزع الذي يحصل للإنسان، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، ومن المعلوم: أن الناس كانوا محرمين في ذلك الوقت، والفرائص بادية وظاهرة ويتبين تحركها واضطرابها، وذلك من شدة الفزع؛ لأنه من خشية أن يكون حصل لهما أمر يسوؤهما، وأنه نزل فيهما شيء، فحصل لهما ذعر وخوف، لماذا دعا بهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن سلم وأُتي بهما إليه؟ فلما جاءا إليه سألهما: (ما لكما لم تصليا؟)، قالا: صلينا في رحالنا، فقال: (إذا صليتما في رحالكما وأتيتما والإمام يصلي فصليا معه، تكون لكما نافلة)، فدل هذا على إعادة الصلاة ولو كان ذلك في وقت النهي، وأن ذلك سائغ وجائز، وقد جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث يزيد بن الأسود في إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى وحده
    قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب]. وهو البغدادي، لقبه دلويه، وهو ثقة، وصفه أحمد بأنه شعبة الصغير، وذلك لحفظه، وأخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا هشيم].وهو ابن بشير الواسطي، ثقة، ثبت، مشهور بالتدليس، والإرسال الخفي، والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه، أي: سمعه منه بواسطة، وأما الإرسال الخفي فهو: أن يروي عمن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه؛ لأن هذا مرسل خفي، ويقابل المرسل الخفي المرسل الواضح، وهو أن يروي الإنسان عمن لم يلق، أي عمن عرف أنه لم يدرك عصره، فإن هذا أمره واضح أن فيه سقطاً، لكن إذا كان الشخص معاصراً له ولم يعرف أنه لقيه ثم روى عنه فيسمى المرسل الخفي، أما إذا كان من شيوخه الذين عرف بالرواية عنهم، ولكنه روى عنه ما لم يسمع منه، فهذا يسمى المدلس، وهذا هو التدليس.فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهذا هو المرسل الخفي، وهشيم بن بشير الواسطي عنده التدليس، وعنده الإرسال الخفي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يعلى بن عطاء].وهو يعلى بن عطاء الطائفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [جابر بن يزيد بن الأسود].وهو جابر بن يزيد بن الأسود العامري، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. [عن أبيه].وهو يزيد بن الأسود العامري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أيضاً أبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني: الذين خرجوا لابنه هم الذين خرجوا له، وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج لهما الشيخان البخاري، ومسلم، ولا ابن ماجه. وذكر مسجد الخيف يفيد بأن الزمن متأخر، وأن هذا الذي حصل في حجة الوداع، يعني: أن هذه الحادثة وهذا الحكم وهذا التشريع متأخر فلا يكون منسوخاً؛ لأنه حصل في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يعش بعد حجة الوداع إلا ما يقرب من ثلاثة أشهر، ثم توفاه الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فذكر الشيء وذكر تأخره، يفيد أنه محكم، وأنه لا يكون منسوخاً.
    إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة

    شرح حديث أبي ذر في إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن إبراهيم بن صدران واللفظ له عن خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن بديل قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب فخذي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمر؟ قال: صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)].ثم أورد النسائي: إعادة الصلاة جماعة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة، هذه الترجمة تدل على أن الإنسان إذا صلى الفريضة في وقتها، ثم وجد جماعة تصلى، أو جماعة يصلون، ولو كان أداؤهم للصلاة بعد خروج الوقت، أي: إنه قضاء، فإنه يشرع للإنسان أن يصلي معهم، وتلك الصلاة له نافلة، وهذا على القول بأن تأخيرهم حتى خروج الوقت، فتكون الصلاة مقضية، وليست مؤداة، قيل: ويحتمل أن تكون أخرت عن وقتها المندوب، أي: الأولى، يعني: أخرت إلى آخر وقتها الاختياري، والإنسان يصليها في أول وقتها ولا يؤخرها، لكنه إذا وجد الجماعة بعد ذلك في آخر الوقت، أي: بعد ذهاب الوقت المندوب، فإنه يصلي معهم، وتكون له نافلة، لكن النسائي ترجمته تفيد بأنه يرى أن المقصود من ذلك بعد خروج الوقت؛ لأنه قال: بعد خروج وقتها يصليها مع الجماعة، إذا وجدت بعد خروج وقتها، فإنه يعيدها معهم، ويصليها معهم، والصلاة الأولى هي الفريضة.وقد أورد النسائي حديث: أبي ذر رضي الله عنه الذي سبق أن مر، قال: (كيف بك وقد ضربه بيده على فخذه -أي: فخذ أبي ذر - إذا صرت، واستعمل عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فماذا تأمرني؟ قال: صل الصلاة في وقتها، ثم اذهب لحاجتك).(فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)، معناه: أنه يصلي معهم، وتكون تلك الصلاة المعادة نافلة، والأولى هي الفريضة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى هذا، لما فيه من اجتماع الكلمة، يعني: في الصلاة وراء الأمراء.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر في إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة
    قوله [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. وهو بصري ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[ومحمد بن إبراهيم بن صدران].وهو صدوق، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له ابن ماجه، ولا الشيخان. [قال: واللفظ له].أي: أن اللفظ المذكور هو للشيخ الثاني الذي هو محمد بن إبراهيم بن صدران، أي: اللفظ ليس لـمحمد بن عبد الأعلى الأول، وإنما هو للثاني من الشيخين.[عن خالد بن الحارث].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن بديل].وهو بديل بن ميسرة العقيلي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[قال: سمعت أبا العالية يحدث].وهو البراء، يعني سبق أن مر ذكره، وهو مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه على عدة أقوال، وهو غير أبي العالية الرياحي الذي هو نفيع، فإن هذا شخص آخر، وأبو العالية البراء ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم والنسائي. [عن عبد الله بن الصامت].وهو الغفاري البصري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي ذر].وهو جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة

    شرح حديث: (لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة.أخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي حدثنا يحيى بن سعيد عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهما جالساً على البلاط والناس يصلون، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما لك لا تصلي؟ قال: إني قد صليت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد في جماعة، معناه: أنه إذا أدى الفرض في المسجد مع الإمام، فإنه لا يصلي، أو لا يلزمه صلاة أخرى، وأورد النسائي: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان الناس يصلون في البلاط، وهو مكان خارج المسجد، يعني بجوار المسجد، وهو قد صلى في المسجد مع الإمام، ثم خرج وجلس في هذا المكان الذي هو البلاط الذي خارج المسجد، والناس يصلون في البلاط، وهو ما يصلي معهم، فقال له سليمان بن يسار مولى ميمونة: ما لك يا أبا عبد الرحمن لا تصلي؟ يعني: والناس يصلون، قال: إنه قد صلى، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تعاد صلاة في يومٍ مرتين)، والمقصود من ذلك: أنه لا يلزمه الإعادة، ثم أيضاً هذه الصلاة ليست في المسجد، وإنما هي خارج المسجد، والأحاديث التي وردت أن الإنسان عليه أن يعيد الصلاة إذا وجدت الجماعة، وهو في المسجد، أو جماعة في المسجد تصلي وهو قد صلى، فإنه يصلي معهم، أما إذا حصلت الصلاة في المسجد، ثم وجدت جماعات أخرى، يعني: خارج المسجد، أو في داخل المسجد، فإنه لا يلزمه، ولكن الأولى له إذا كان في المسجد أن يصلي، ولا يكون مع الناس جالساً والناس يصلون، لكن إذا كانت غير الجماعة الأولى، وأعيدت، فله أن يصلي، لكن ذلك ليس بلازم، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دخل وهو لم يصل: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، معناه: أن الناس الباقين ما يصلون معه؛ لأن الجماعة توجد عن طريق واحد يتصدق عليه، ويكون هو وإياه جماعة.ويوفق بين هذا وبين ما جاء في الأحاديث أن الصلاة تعاد نافلة، أن الذي دل عليه الحديث أنها لا تعاد، أي: لا تصلى مرتين، يعني: على أساس أنها فرض، أما إذا صليت الأولى فريضة والثانية نافلة، فهذا هو الذي جاءت الأحاديث دالة عليه، لكن لا تصلى مرتين على سبيل الفرض، وإنما يصليها مرة واحدة، والمرة الثانية تكون نافلة، ثم أيضاً كون الناس يصلون في البلاط، يعني: ما كان الصلاة في المسجد، وابن عمر كان صلى في المسجد، فلم ير أن يصلي معهم، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تعاد صلاةٌ في يومٍ مرتين).
    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)
    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي].وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. [حدثنا يحيى بن سعيد].وهو القطان المحدث الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن حسين المعلم].وهو حسين بن ذكوان المعلم البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن شعيب].وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سليمان]. وهو ابن يسار، وهو مولى ميمونة أم المؤمنين، ويقال له: الهلالي نسبة ولاء؛ لأن ميمونة بنت الحارث، يقال لها: الهلالية وهو يقال له: سليمان بن يسار الهلالي، وهو ثقة، فاضل، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وقد سبق أن مر ذكرهم مراراً وتكراراً، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة متفق على عدهم من الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسليمان بن يسار هذا هو أحد هؤلاء الفقهاء السبعة، وهو مولى ميمونة، وأبوه يسار، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهم أربعة متقاربون في السن، وهم من صغار الصحابة، ابن عمر رضي الله عنه عرض يوم أحد وعمره أربع عشرة سنة، فلم يجزه، أي: ما أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكون في الجيش، وبعد ذلك لما بلغ عمره خمس عشرة سنة أجازه، فصار من ضمن الجيش المجاهد في سبيل الله عز وجل، وابن الزبير هو أول مولود ولد لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولدت به أمه أسماء بنت أبي بكر في قباء، في أول وصول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. وابن عباس في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وعبد الله بن عمرو أيضاً كذلك من صغار الصحابة، فهم أربعة من صغار الصحابة متقاربون في السن، وقد أدركهم الكثير من التابعين، ممن لم يدرك ابن مسعود، وابن مسعود ليس منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، إذ كانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، رضي الله تعالى عن الجميع، وعبد الله بن عمر أيضاً هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، والذين قال فيهم السيوطي: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبي
    الأسئلة

    من نوى العمرة من بلده ولم يحرم من الميقات
    السؤال: جئت من مصر عبر البحر ولم أحرم بالعمرة، ثم قعدت في جدة ثلاثة أيام وأحرمت منها فهل علي شيء؟الجواب: إذا كنت ناوياً الإحرام وأنت في بلدك أو وأنت في الباخرة، ثم أحرمت من جدة، فعليك فدية بلا شك؛ لأنك تجاوزت الميقات، أما إذا ما كان عندك نية إحرام، والنية إنما طرأت عليك في جدة وفي البحر ما كان عندك نية أن تحرم، فهذا ما عليك شيء؛ لأنك أحرمت من جدة وهي ميقاتك، أما إن كنت ناوياً قبل ذلك، وتجاوزت ميقاتك الذي هو ما يحاذي رابغ، وأحرمت من جدة، فيكون عليك فدية، وهي شاة تذبحها وتوزعها على فقراء الحرم في مكة. سؤال: طيب إذا ذهبت من جدة إلى المدينة وأحرمت من المدينة؟الجواب: ما عليك شيء، إذا جئت إلى جدة وأنت غير محرم ثم جئت من جدة إلى المدينة وأحرمت من المدينة فما عليك شيء، تحرم من المدينة ولا شيء عليك؛ لأنك ما أحرمت دون الميقات، إحرامك من الميقات.
    الدعاء الجماعي عند الافطار
    السؤال: رجل يدعو بصوت مرتفع قبيل الإفطار، ومن حوله يؤمنون على دعائه، فهل يجوز ذلك؟الجواب: ليس هذا من السنة، كل يدعو لنفسه، السنة أن كل واحد يدعو لنفسه.
    الاحتجاج بالقدر في فعل المعصية
    السؤال: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنب بعد التوبة منه؟الجواب: الإنسان لا يحتج بالقدر، ولا يجوز له إذا ليم على الذنب أن يقول: والله حصل بقدر. نعم كل شيء بقضاء وقدر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لكن كون الإنسان إذا ليم أو إذا تاب، وقال: إن هذا شيء قدره الله علي، والحمد لله الذي رزقني التوبة منه، فهذا لا بأس به، أما الاحتجاج بالقدر فلا يجوز، فكون الإنسان إذا أنكر عليه أمر من الأمور، يقول: والله هذا مقدر علي، نعم كل شيء مقدر، وإذا احتج بالقدر يعاقب، ويقال: هذا قدر أيضاً، والعقوبة قدر، فأنت أذنبت، وهذا قدر، وتعاقب، وهذا قدر، وكل شيء بقضاء وقدر حتى العقوبة، كل ما يقع في الكون فهو بقضاء الله وقدره، لكن كون الإنسان عندما يحصل له ذنب، ويتوب منه، ثم يقال له شيء ويقول: هذا شيء قدره الله علي، والحمد لله الذي رزقني منه التوبة، هذا لا بأس به، وهذا مثل ما حصل لآدم عليه الصلاة والسلام مع موسى في قضية تحاجهما، وقول الرسول: (حاج آدم موسى).واحتجاج آدم في قصته مع موسى هو على المصيبة، لكن المصيبة حصلت بالذنب، والإنسان إذا أذنب وتاب من ذنبه وعوتب على ذلك أو بعد التوبة، فإذا قال: هذا شيء قدره الله علي وقضاه، والحمد لله الذي نجاني منه، وسلمني من مغبته، فهذا لا بأس به، واحتجاج آدم على المصيبة مع موسى عليه الصلاة والسلام لما حاجه، كان على المصيبة لا على الذنب، فما لامه على الذنب، وإنما لامه على المصيبة التي ترتبت على الذنب، وانبنت على الذنب، وهي كونهم أخرجوا من الجنة بسبب حصول ذلك الذنب.
    حكم قتل النمل
    السؤال: هل يجوز قتل النمل؟الجواب: الذي لا يؤذي لا يقتل، والشيء الذي يؤذي يقتل، فما آذى فإنه يقتل، وما لم يحصل منه أذى فإنه لا يقتل.
    هل يقبل الحديث الغريب الحسن؟
    السؤال: الحديث الغريب الحسن هل يقبل؟الجواب: الحديث الغريب إذا كان المقصود بالغرابة كونه جاء من طريق واحد فالحسن يكون حسناً لذاته؛ لأنه جاء من طريق واحد طبعاً فهو مقبول؛ لأن الغرابة هي كونه جاء من طريق واحد، وقد يكون صحيحاً، ويكون غريباً، ويكون مقبولاً ، والغرابة أنه جاء من طريق واحد، وهذا مثل حديث أبي هريرة آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب جاء من طريق واحد، ولما أخرجه الترمذي في جامعه قال: حديث حسن صحيح غريب، فيوصف بأنه غريب من أجل مجيئه من طريق واحد، والصحيحان فيهما جملة كبيرة من الأحاديث الغريبة التي جاءت من طريق واحد، ولكنها صحيحة؛ لأنها جاءت عن طريق أناس ثقات.
    هل للمريض قصر الصلاة مع جمعها؟
    السؤال: هل للمريض جمع الصلاة مع قصرها؟الجواب: له أن يجمع، وليس له أن يقصر، له أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يجوز له أن يقصر.
    أفضل الكتب في المصطلح والجرح والتعديل
    السؤال: ما هو أوثق كتاب في المصطلح يعتمد عليه، وكذلك في الجرح والتعديل؟الجواب : كتب المصطلح كثيرة، منها المختصر ومنها المطول، ومن المختصرات المتقنة التي مع اختصارها فيها دقة، لكون المؤلف من أهل التمكن في هذا الفن: نخبة الفكر للحافظ ابن حجر، فنخبة الفكر هذه مختصرة جداً ومحررة، وصاحبها من المتمكنين في هذا الفن، وله عليه شرح وهو نزهة النظر، شرحه هو بنفسه، وشرحه غيره، لكن شرحه اسمه نزهة النظر، وهو كتاب مفيد، وقد نظمه الصنعاني في أبيات اسمها قصب السكر، يعني: نظم نخبة الفكر في أبيات، فهو كتاب مختصر مفيد جداً. وأما بالنسبة للمطولات فهناك كتب لا أستطيع أن أقول: هذا هو الكتاب الذي يعتبر أحسن من غيره، لكن أنا أذكر جملة من الكتب المفيدة المهمة في هذا، وهي تدريب الراوي لـلسيوطي، وكتاب السخاوي الذي هو فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، فهذان من أحسن الكتب الواسعة في هذا الفن.أما الجرح والتعديل فكتبه أيضاً متعددة، ومن المعلوم أن الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر عنوا بهذا الجانب، وألف الحافظ الذهبي كتاب الميزان، وابن حجر كتاب اللسان، وكتاب الميزان ذكر فيه أناس ضعفاء، وأناس ثقات، ولكنهم ضعفوا بما لا يقدح فيهم وأوردهم للدفاع عنهم، وجاء بعده الحافظ ابن حجر فترك كل من كان له رواية في الكتب الستة الذين هم موجودون في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب، وأتى بالأشخاص الزائدين على الكتب الستة حتى لا يكون هناك تكرار في هذا الكتاب الذي هو لسان الميزان وبين تهذيب التهذيب أو تهذيب الكمال والكتب التي بنيت عليه، فيعتبر لسان الميزان من الكتب التي من فيها زائد على رجال الكتب الستة، ففيه إضافة أسماء جديدة على رجال الكتب الستة، والكتاب يقع في ثمانية أجزاء، ويوجد غيره من الكتب التي تتابعت عليه، فهما كتابان عظيمان، والكتب كثيرة، فهناك كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم، وكتاب الجرح لغيره من العلماء، لكن هذان الكتابان وهما: كتاب الذهبي، وابن حجر هما من أحسن الكتب التي عنيت بهذا الجانب.
    الدعاء الجماعي
    السؤال: قلتم: إن الدعاء الجماعي ليس من السنة، فإذا قال هذا الرجل: إن الصحابة كان يدعو لهم أحدهم ويؤمن الباقون، كما حدث هذا لـعمر وأنس رضي الله عنهما؟الجواب: مثل هذه الأعمال التي سأل عنها السائل أولاً، وهي أن الإنسان عند الإفطار يقوم ويدعو ويرفع صوته والناس يؤمنون، هذا هو الذي ما جاءت به السنة، مثل: بعد الصلاة، فإنه ما جاء أن الإمام يدعو والناس يؤمنون، وكذلك عند الإفطار، ما جاء أن شخصاً يدعو والناس يؤمنون، نعم إذا حصل في بعض الأحيان أنه دعا واحد والناس أمنوا، ولم يكن هذا متخذاً في مناسبة من المناسبات، مثل: بعد الصلوات، ومثل: عند الدفن، ومثل: عند الإفطار وما إلى ذلك، بحيث واحد يدعو والبقية يؤمنون، فهذا ما نعلم شيئاً يدل عليه، أما كون واحد يدعو والناس يؤمنون فيما إذا حصل في بعض الأحيان فلا بأس بذلك، أما أحوال تتكرر فهذا ما نعلم شيئاً يدل عليه.
    الجماعة الثانية في المسجد
    السؤال: إذا فاتت الجماعة، هل يجوز أن تقام جماعة مرة ثانية في نفس المسجد؟الجواب: نعم، إذا فاتت الجماعة، وكان سبب فوتها أن الإنسان ما قصد التأخر عن صلاة الجماعة الأولى، وإنما كان حريصاً على إدراك الجماعة الأولى، ولكنه فاته أن يدركها، أو كانوا جماعة فاتهم أن يدركوها، وما قصدوا التأخر حتى لا يصلوا مع هذا الإمام الذي يصلي بالناس، فلا بأس أن يصلوا جماعة أخرى في المسجد.السؤال: وهل على هذا دليل؟الجواب: نعم، قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء وهو لم يصل، فقال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن توجد الجماعة لشخص فاتته الصلاة، فإذا جاء اثنان وليسوا بحاجة إلى صدقة ألا يجوز لهما أن يصليا؟ لا مانع من صلاتهما.
    هل الأفضل للمسافر أداء السنن الرواتب؟
    السؤال: هذا السائل يقول: هل الأفضل في حق المسافر أداء السنن الرواتب وغيرها، أم يقتصر على أداء سنة الفجر والوتر؟الجواب: الأفضل للإنسان المسافر أن يقتصر على ركعتي الفجر والوتر، ولا يصلي الرواتب التي هي السنن المتعلقة بالصلوات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا هديه: أنه كان يحافظ على هذه الصلوات، وجاء عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (لو كنت مسبحاً لأتممت)، يعني: لو كنت متنفلاً لأتممت، وهو قد قصر الصلاة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #164
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (161)


    - (باب السعي إلى الصلاة) إلى (باب التهجير إلى الصلاة)

    حث الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على الصلاة في جماعة، وأرشدهم إلى آدابها، فنهاهم عن الإتيان إليها وهم يسعون، وأمرهم بأن يأتوها وعليهم السكينة والوقار، لذا شرع لهم التبكير إلى الصلاة.

    السعي إلى الصلاة


    شرح حديث: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ..)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السعي إلى الصلاة.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) ].يقول النسائي رحمه الله: السعي إلى الصلاة، أي: حكمه، وقد أورد النسائي فيه حديث: أبي هريرة الذي فيه النهي عن إتيان الصلاة والإنسان ساعياً، حيث قال: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، إذاً المراد بالترجمة هو: بيان حكم السعي الذي هو: الإسراع الشديد البليغ وأن ذلك غير سائغ؛ لنهي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والمراد بالسعي هو: الإسراع الشديد البليغ الذي يكون الإنسان كأنه شبيه بالذي يجري، وهذا العمل أو الهيئة بالإضافة إلى كونها غير لائقة فهي أيضاً إثارة النفس عندما يصل الإنسان إلى المسجد يكون نفسه ثائراً؛ بسبب ذلك السعي والجري، فيكون منشغلاً بنفسه، وقد ظهر نفسه وهو يصلي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن السعي إليها أو أن الذهاب إليها يكون بالمشي، والمشي فيه تكثير الخطى، وقد مر بنا قريباً أثر ابن مسعود الذي يقول: كنا نقارب بين الخطى؛ وذلك لتكثر الحسنات؛ لأن الإنسان لا يخطو خطوة إلا يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، فكانوا يقاربون بين الخطى، معناه: أنهم يمشون ولا يسعون، وقد جاء في القرآن قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وليس المراد بالسعي المأمور به في قوله: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، هو هذا الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، وإنما المقصود من ذلك: الإسراع الخفيف الذي لا يترتب عليه مشقة، ولا يترتب عليه مضرة، هذا هو المراد بالسعي الذي جاء في الآية، وليس المراد به: العدو والجري الذي يترتب عليه ثوران النفس، فيأتي الإنسان مشغولاً بنفسه في أول صلاته، بل الأمر كما جاء في حديث أبي هريرة : (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون).يعني: إذا أردتم الإتيان إليها، وقصدتم الإتيان إليها، فلا تأتوها وأنتم تسعون، إذا خرج الإنسان من منزله يريد الصلاة، وأراد الذهاب إليها، فيأتي إليها وهو يمشي، ولا يأتي إليها وهو يسعى، (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون)، فنهى عن إتيانها ساعياً، وأرشد إلى الإتيان إليها ماشياً.وقد عرفنا الفرق بين السعي والمشي، وأن السعي يترتب عليه من المضرة ما يترتب عليه، والمشي يترتب عليه من الفوائد ما يترتب، فمن ذلك: كثرة الخطى، وكثرة الدرجات، ومن ذلك: كون الإنسان يمشي بسكينة ووقار، ويصل ونفسه هادئ ليس ثائر النفس، فيكون متشوشاً في صلاته مشغولاً بنفسه، فإن هذا مما يترتب على الإتيان ساعياً عادياً جارياً.ثم قال: [(وعليكم السكينة)]، وهذا يؤكد الأمر في قوله: (وأتوها وأنتم تمشون)؛ لأن الإتيان والإنسان عليه السكينة، أي: كونه يمشي بهدوء، وعدم سعي وجري.فقوله: (عليكم السكينة)، مؤكد للجملة التي قبلها وهي قوله: (وأتوها وأنتم تمشون). ثم قال: [(فما أدركتم فصلوا)]، يعني: ليس معناه إذا كانت الصلاة مقامة فللإنسان أن يسرع ويجري من أجل أن يحصل الركعة الأولى، أو الركعة الأخيرة، يحصل الركوع، أو يحصل الدخول في الصلاة إذا أقيمت الصلاة، لا، وإنما الإنسان يمشي، فما أدركه صلى، وما فاته قضى، (وما أدركتم فصلوا)، أي: إذا مشيتم وعليكم السكينة، فإذا وصلتم صلوا ما أدركتم واقضوا ما فاتكم، وقد جاء في هذه الرواية (وما فاتكم فاقضوا)، وجاء في أكثر الروايات عن جماعة من الصحابة، (وما فاتكم فأتموا).وقد اختلف العلماء في مسألة، وهي: ما يقضيه المسبوق، هل هو أول صلاته أو آخر صلاته؟من العلماء من قال: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته؛ لأن هذا الذي أدركه مع الإمام هو آخر صلاة الإمام، فيكون آخر صلاة المأموم، ويتفق نية المأموم مع نية الإمام، هذا آخر صلاته وهذا آخر صلاته، وإذا سلم قام يقضي أول صلاته، وهذا القول يترتب عليه أن الإنسان يطيل الركعتين الفائتتين؛ لأنه ما دام أنها أول صلاته فإنه يطيل، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويمكن أن يجهر أيضاً في الصلاة الجهرية، بحيث لا يؤذي أحداً، هذا على القول: بأن ما يقضيه هو أول صلاته.وقال الآخر: إن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته، فيكون الأول هو الأول، أي: أول الصلاة هو أولها، ما أدركه، هو أول صلاته، وما أتى به بعد سلام الإمام يكون هو آخر صلاته، فالأول هو الأول، والآخر هو الآخر، ولا يكون الآخر الذي أدركه مع الإمام هو الآخر، والذي يأتي به بعد ذلك هو الأول، بل ما فعله أولاً هو أول صلاته، وما فعله آخراً هو آخر صلاته، وإن اختلفت نية الإمام والمأموم هذا في أول صلاته وهذا في آخر صلاته، أي: الإمام في آخر صلاته، والمأموم في أول صلاته لا محظور في ذلك ولا مانع، وأكثر الروايات على: أتموا، وهي تؤيد، أو ترجح هذا القول؛ لأن قوله: (وما أدركتم فأتموا)، معناه: أن الذي يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، أي: ما يقضيه المسبوق بعد سلامه إمامه هو آخر صلاته؛ لأن قوله: (وما أدركتم فأتموا)، وهي أكثر الروايات تدل على هذا.ثم أيضاً الذين قالوا: بأن ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته يستدلون بهذه الرواية: (وما فاتكم فاقضوا)؛ لأنه أدرك آخر الصلاة فيقضي أول الصلاة، لكن القضاء يمكن أن يفسر بمعنى الأداء، وهو يأتي بمعنى الأداء والإتمام، يأتي بمعنى الإتمام، (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فتفسر اقضوا بمعنى: أتموا، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت:12]، أي: أتمهن، أو أتم خلقهن، فالقضاء يأتي بمعنى الإتمام، وعلى هذا فتكون رواية (أتموا)، دالةً على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، ورواية: اقضوا، تفسر بمعنى الإتمام وهو سائغ في اللغة، وبه يتفق مع الروايات الكثيرة التي هي أرجح وأقوى من رواية: فاقضوا التي هي رواية: (فأتموا).إذاً: فما يقضيه المسبوق وهو آخر صلاته، وما يدركه هو أول صلاته. وهذا هو القول الأظهر في هذه المسألة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ...)
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وسفيان هنا مهمل، يحتمل الثوري، ويحتمل ابن عيينة، لكن كونه يروي عن الزهري في هذا الإسناد، تبين بأنه ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، وقد قال الحافظ ابن حجر: إن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة.إذاً: إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة ؛ لأنه مكثر من الرواية عنه.وهذه هي الطريقة التي يميز بها المهمل؛ لأن المهمل نوع من أنواع علوم الحديث، وهو: أن الرواة تتفق أسماؤهم، أو أسماؤهم وأسماء آبائهم، ولا يعرف لكونه يحتمل عدة أشخاص، فلتمييز هذا من هذا يسلك لذلك معرفة الشيوخ والتلاميذ، وإذا كانوا متفقين بالشيوخ والتلاميذ فينظر لمن يكون أكثر رواية، ولمن يكون من أهل بلده، ولمن يكون ملازماً له، فيتبين أنه أحد الاثنين بمعرفة كونه مكثراً للرواية عن ذلك الشيخ، أو ملازماً له، أو من أهل بلده، أو ما إلى ذلك، وأيضاً يمكن أن يعرف عن طريق النظر في الأسانيد الأخرى لهذا الحديث؛ لأنه قد يكون الحديث مثلاً عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد واحد، فيكون في أحد الكتب ينسب المهمل فيقال: فلان بن فلان، فيتميز.
    الإسراع إلى الصلاة من غير سعي

    شرح حديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإسراع إلى الصلاة من غير سعي. أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو أخبرنا ابن وهب حدثنا ابن جريج عن منبوذ عن الفضل بن عبيد الله عن أبي رافع رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع، فقال: أف لك، أف لك، قال: فكبر ذلك في ذرعي، فاستأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ امش، فقلت: أحدثت حدثاً؟ قال: ما ذاك؟ قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا فلان بعثته ساعياً على بني فلان فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار)].أورد النسائي باب: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، يعني: لما ذكر السعي إلى الصلاة، وأنه قد جاء النهي عنه، والمراد به: الإسراع الشديد البليغ، أتى بعده بهذه الترجمة، وهي: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، أي: الإسراع الخفيف الذي ليس فيه جري وعدو وركض، وإنما هو إسراع خفيف؛ لأن المشي منه ما هو بطيء، ومنه ما هو فوقه، ومنه ما هو شديد، وهنا يريد: الإسراع الخفيف، وأن ذلك سائغ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعله في هذا الحديث الذي أورده النسائي، وهو حديث: أبي رافع أن النبي عليه الصلاة والسلام: كان إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم، حتى يقرب المغرب، ثم ينحدر، أي: ينزل، وكأنه يأتي من مكان مرتفع مائل، يعني: يكون فيه شيء من الإسراع الخفيف بسبب الانحدار، وكون الإنسان ينزل من مكان عال، يكون فيه شيء من الحركة والإسراع الخفيف، قال أبو رافع: (فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إلى المغرب)، أي: يمشي مشياً سريعاً ليس بالشديد، وإنما هو إسراع خفيف، إذ مر بالبقيع، فقال: (أف لك أف لك)، فـأبو رافع ظن أنه يعنيه فتأخر، فلم يمش معه كالمشي الأول بل تأخر عنه، فقال: (ما لك امش، فقلت: أحدثت حدثاً؟ قال: ما ذاك؟).والذي جعله يتأخر: ظن أنه يريده في قوله: (أف لك، أف لك)، يعني: هذا التأفيف ظن أنه هو المعني به فشق ذلك عليه، وضاق ذرعاً ولم يطق ذلك، وظن أنه حصل منه شيء استوجب هذا التأفيف، فقال: (امش ما لك)؛ لأنه تأخر، (فقال: أحدثت حدثاً؟)، هذا سؤال حذفت منه الهمزة، أأحدثت حدثاً، يعني: أحصل مني أن أحدثت حدثاً استوجب ذلك الذي حصل؟ قال: (وما ذاك؟ قال: إنك أففت بي)، أي: قلت: أف لك، أف لك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا، ولكن ذلك رجل بعثته ساعياً إلى بني فلان فغل نمرة، يعني: أخذها من الغنيمة وهي الخيانة، فخان في أمانته، وأخذ تلك النمرة التي هي: كساء أو ثوب، قال: (فدرع الآن مثلها من نار).الآن مثل تلك النمرة، يعني: يعذب بها، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله عز وجل على هذا العذاب الذي حصل في قبر ذلك الرجل، وكذلك أعلم بالسبب الذي حصل فيه ذلك العذاب، وهو أنه قد غل.
    إثبات عذاب القبر ونعيمه
    والحديث يدل على: إثبات عذاب القبر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أف لك أف لك)، وأنه درع مثلها من نار، يعني: مثل تلك النمرة، معناه: أنه يعذب بها في قبره، والنبي صلى الله عليه وسلم يطلعه الله عز وجل على ما يجري في القبور وكذلك يسمع ما يجري في القبور، كما جاء في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحديث في صحيح مسلم، فهو عليه الصلاة والسلام أطلعه الله عز وجل على ما يجري في القبور من الأهوال، ويسمع أصوات المعذبين الذين يعذبون في قبورهم، وهذا الحديث فيه: أنه أطلع على أن ذلك الشخص معذب في قبره وأن سبب عذابه نمرة غلها وأنه عذب بمثلها في النار، ففيه: دليل على إثبات عذاب القبر، وأن عذاب النار يصل إلى المقبورين، كما أن نعيم الجنة يصل إلى المقبورين، لمن كان من أهل ذلك، كما جاء في حديث البراء بن عازب المشهور الطويل: (يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، والآخر يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها)، وهذا فيه حصول العذاب لمن يستحقه، ويشبه ذلك ما جاء في حديث صاحبي القبرين اللذين قال عنهما: (يعذبان، وما يعذبان بكبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)، فهذا يدل على حصول عذاب القبر ووقوعه، وعلى بيان سببه، وهذا الحديث الذي معنا كذلك يدل على حصول عذاب القبر، وعلى حصول سببه الذي هو الغلول من الغنائم، كون الإنسان يغل من الغنائم فهذا من أسباب العذاب في النار، بل من أسباب حصول عذاب القبر، وأن صاحب الغلول يعذب في قبره بعذاب النار، بحيث يصل إليه عذاب النار وهو في قبره، وقد جاء في القرآن: في آل فرعون قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فدل على أن الكفار من آل فرعون يعذبون في النار، وهنا دل على أن الذي غل يعذب، وإن لم يكن الغلول كفراً، ولكنه كبيرة من الكبائر، كذلك عدم الاستبراء من البول، والمشي بالنميمة، هذه من الكبائر، وهي من أسباب العذاب للمؤمنين والمسلمين، من شاء الله تعالى عذبه،وإن شاء عفى عنه، وعلى هذا فمن مات من المسلمين على كبيرة ولم يتب فإن أمره إلى الله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء تاب عليه فلم يعذبه.ومحل الشاهد منه: (فبينما هو يسرع)، أي: محل الشاهد من الحديث، في باب الترجمة، وهي: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، المقصود منه: إسراعاً خفيفاً ليس بالشديد الذي جاء النهي عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: (فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة).
    تراجم رجال إسناد حديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود].وهو عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو المصري، ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه .[أخبرنا ابن وهب]. وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، فاضل، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بنسبته إلى جده عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، إذاً هو مشهور بالنسبة إلى جده جريج فيقال له: ابن جريج . [عن منبوذ].منبوذ، وهو المدني، من آل أبي رافع، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده. [عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع].وهو أيضاً مقبول، خرج حديثه النسائي وحده. [عن أبي رافع].وهو أبو رافع القبطي مولى مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، اختلف في اسمه فقيل: اسمه إبراهيم، وقيل: غير ذلك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    طريق أخرى لحديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...) وتراجم رجال إسنادها
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن ابن جريج أخبرني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع: نحوه].أورد النسائي إسناداً آخر، ولم يسق المتن، بل قال: نحوه، لما فرغ من ذكر الإسناد قال: نحوه، أي: أن متن الحديث بهذا الإسناد على النحو من المتن السابق، ليس مماثلاً له وإنما هو نحوه، ومن المعلوم: أن الفرق بين (مثل) و(نحو)، أن (مثل): تقتضي التماثل في المتن بين المحال والمحال إليه الذي لم يذكر متنه، ويقال: مثله، والذي أحيل إليه هو المتن السابق، فإذا كان المتنان متماثلين قيل: مثله، وإذا كان يختلف عنه فيقال: نحوه، أي: أنه ليس مماثلاً له، ولكنه نحوه.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].وهو هارون بن عبد الله البغدادي، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا معاوية بن عمرو].وهو معاوية بن عمرو البغدادي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو إسحاق]. وهو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري، ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج إلى آخره].وعند هذا يتفق الإسناد، إلا أن في الإسناد الثاني كون ابن جريج يقول: أخبرني منبوذ، وفي الإسناد الأول يعنعن ابن جريج يقول: عن، إذاً: فالإسناد الثاني فيه فائدة، وهي: كون ابن جريج وهو مدلس صرح بالسماع في هذا الحديث عن منبوذ الذي روى عنه بالعنعنة في الإسناد الأول الذي قبله، يعني: في الأول يقول ابن جريج: عن، وهنا يقول: أخبرني منبوذ.
    التهجير إلى الصلاة

    شرح حديث: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التهجير إلى الصلاة.أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر: أن أبا هريرة رضي الله عنهما حدثهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البقرة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الدجاجة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البيضة)].أورد النسائي التهجير إلى الصلاة، يريد به: بيان فضله والحث عليه، والمراد بالتهجير: التبكير إلى الصلاة، يعني: يذهب إليها مبكراً، ثم أورد النسائي حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما مثل الذي يهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة)، أي: الذي يكون مبكراً قبل غيره، ويسبق غيره إلى الوصول إلى المسجد هذا كالمهدي بدنة، ثم الذي يكون على إثره كالمهدي بقرة، ثم الذي على إثره كالمهدي كبشاً، ثم الذي على إثره كالمهدي دجاجة، ثم الذي على إثره كالمهدي بيضة، وهذا يدل على فضل التبكير إلى الصلوات، وأن الإنسان إذا بكر إليها يكون بهذه المثابة وبهذه المنزلة، ومن المعلوم: أن الإنسان إذا بكر إلى الصلاة حصل الصف الأول الذي هو خير الصفوف، والذي يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف والأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، ثم أيضاً إذا جلس في المسجد، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، فكل ما زاد جلوسه في المسجد في انتظار الصلاة فهو في صلاة، وهذه زيادة في ثوابه وأجره، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبكر إلى الصلاة قبل غيره بالمهدي بدنة.والمراد بالإهداء، قيل: هو كونها تكون هدياً، وقيل: إن المراد بذلك التصدق، ومن المعلوم: أن الهدي أو الإهداء لا يكون بالدجاجة والبيضة؛ لأن الهدي والأضاحي إنما يكون في بهيمة الأنعام خاصة التي هي: الإبل، والبقر، والغنم، وليس بالدجاج والبيض، لكن الصدقة تكون في كل ما هو نافع، دجاج أو غير دجاج، لكن المقصود من هذا: هو بيان عظم ما تقرب به الإنسان إلى الله عز وجل، وأن الإنسان الذي تقرب إلى الله عز وجل بالبدنة، ثم بالبقرة، ثم بالكبش، ثم بالدجاجة، ثم بالبيضة، يعني: أنه فعل أمراً يقربه إلى الله عز جل، ويرجو من الله عز وجل الثواب، ولكن ليس المقصود من ذلك: الإهداء إلى الكعبة؛ لأن الهدي لا يكون إلا بالإبل، والبقر، والغنم، لا يكون بالدجاج، والبيض، ولكن بالنسبة للصدقة والتقرب إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، والإحسان إلى الناس يكون بكل ما هو نافع.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ...)
    قوله: [أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة].وهو أحمد بن محمد بن المغيرة الحمصي، صدوق، خرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا عثمان].وهو ابن سعيد بن كثير الحمصي، ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أثبت الناس في حديث الزهري، وهو يروي عن الزهري، والزهري سبق أن مر بنا قريباً.[أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وأحد الفقهاء السبعة، على أحد الأقوال في السابع، الذين أشرت إليهم قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكذلك أيضاً أبو عبد الله الأغر، وهو: سلمان الأغر، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. أبو هريرة رضي الله عنه، وقد مر ذكره قريباً.
    الأسئلة

    هل يجوز للرجل أن يأخذ زكاة ذهب زوجته؟
    السؤال: هل يجوز لي أن آخذ زكاة ذهب زوجتي، علماً بأنني أزكي الذهب من مالي، ويعلم الله بحاجتي الشديدة للمال لفقري وعدم استطاعتي للتزكية دائماً؟الجواب: المالك هو الذي يزكي، وما دام أنه هو الذي يخرج الزكاة عن زوجته، فهذا يعني: أنه شيء زائد عن حاجته بحيث يدفع الزكاة، فمن المعلوم: أن الزكاة تدفع للفقراء والمساكين، وإذا كان هو فقير فالزوجة لها أن تعطي الزكاة لزوجها، لكن الآن هو الذي يدفع الزكاة عنها؛ لأنه ما دام أنه هو الآن عنده زيادة مال، هو الآن يعطي من ماله زكاة.
    من قال: علي لعنة الله ألا أفعل كذا ثم فعله
    السؤال: من حلف وقال: علي لعنة الله إن ساعدته، يعني: رجلاً، ثم بعد ذلك بدا لي خطئي، ما ظننت فيه سوء؟الجواب: أقول: مثل هذا الكلام كلام سيئ، أي: كون الإنسان يلعن نفسه ويدعو على نفسه بالطرد عن رحمة الله؛ لأن معنى اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، فلا يجوز للإنسان أن يفعل ذلك، لكن هل هذه يمين أو ليست يمين تحتاج إلى تفكير؟ لا أدري، لكن كون الإنسان يتكلم بمثل هذا الكلام لا يجوز.
    كفارة اليمين
    السؤال: من حلف وقال: والله الذي لا إله غيره لا أدخل منزل فلان، ثم دخله فماذا عليه؟الجواب: يكفر عن يمينه بأن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، أو يعتق رقبة، فإن لم يستطع لا العتق ولا الإطعام ولا الكسوة فإنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام، وهذه هي كفارة اليمين، فيها ترتيب وتخيير، وليس في الكفارات تخيير وترتيب إلا كفارة الأيمان؛ لأن فيها تخيير بين العتق والكسوة والإطعام، وترتيب بين هذه الأمور وبين الصيام، يعني: الصيام ليس مخيراً فيه، وإنما التخيير بين الأمور الثلاثة التي هي: عتق، أو كسوة، أو إطعام، وإن لم يستطع هذه الأمور الثلاثة ينتقل إلى الصيام، ففيها تخيير وترتيب، تخيير بين الثلاثة، وترتيب بين الصيام وما قبله.
    في زكاة الحلي
    السؤال: هل على المرأة زكاة في الذهب الذي تلبسه وتتحلى به أم لا؟الجواب: نعم، الحلي تجب فيه الزكاة، ولو كان معداً للزينة؛ لأن عموم الأحاديث التي وردت في زكاة الذهب تشملها، (ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار)، فعموم هذا يشمله، ثم أيضاً ما جاء في الحديث الذي فيه: (أن امرأةً جاءت وعليها مسكتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بسوارين من نار؟)، فهذه الأحاديث تدل على وجوب الزكاة في حلي النساء.
    صلاة المرأة في بيتها أفضل من الصلاة في المسجد النبوي
    السؤال: هل حضور المرأة إلى المسجد النبوي لشهود صلاة الجمعة أمر محمود، أم الأفضل أن تبقى في بيتها وتصلي ظهراً؟الجواب: الأفضل هو صلاتها في بيتها بلا شك، كما جاءت بذلك الأحاديث، يعني: جاءت الأحاديث تدل على أن أفضل صلاة المرأة إنما تكون في بيتها، لكن مجيئها إلى المسجد إذا طلبته أو أرادته سائغ، لكن بشرط أن تخرج بعيدة عن المحظور، فلا تظهر متجملة ولا متعطرة، ولا يحصل منها شيء يكون سبباً في فتنتها أو فتنة غيرها بها، وصلاتها في بيتها أفضل، في جميع الصلوات الجمعة وغير الجمعة، فصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، وخير من صلاتها في المسجد، لكن إذا أرادت المسجد لا بأس، لها أن تذهب إليه وليس لوليها أن يمنعها إلا إذا كان هناك محظور تمنع بسببه.
    إذا صلت المرأة الجمعة في بيتها تصليها ظهراً
    السؤال: إذا صلت المرأة في البيت هل تصلي ظهراً أم جمعة؟الشيخ: لا، تصلي ظهراً، الإنسان إذا ما أدرك الجمعة يصلي ظهراً، بل الذي يأتي إلى المسجد ولا يدرك الركعة الثانية، أي إذا فاته الركوع من الركعة الثانية يدخل مع الإمام وإذا قام يقضي ظهر لا يقضي ركعتين، أي: إذا دخل مع الإمام بعد رفعه من الركوع في الركعة الثانية، ثم سلم الإمام قام يقضي يصلي أربعاً، لا يصلي ثنتين.
    النهي عن الإسراع والسعي للصلاة للتحريم
    السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، هل النهي للتحريم أو للكراهة؟الجواب: الأصل أنه للتحريم.
    يوجد في سنن النسائي أحاديث ضعيفة لأنه لم يشترط الصحة
    السؤال: نعلم أن الإمام النسائي من المتشددين في التعديل، ومع ذلك فقد أورد في سننه أحاديث ضعيفة، فكيف ذلك؟الجواب: لأنه لم يشترط الصحة، أقول: لم يلزم نفسه بالصحة حتى يعترض عليه بذلك، أو حتى يستدرك عليه؛ لأنه لم يقل عن كتابه هذا: هو كتاب صحيح، وأنه لا يرد فيه إلا أحاديث صحيحة، وإنما لما عقد التراجم وأتى بالتراجم، أتى بما يدل على هذه الترجمة، من ذلك ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف فيغني عنه الصحيح، يعني: ضعيف وصحيح في موضع واحد وفي معنى واحد، وقد يكون أيضاً في معنى واحد؛ لأنه قد يكون هذا الذي وجده فيما يتعلق بهذا الموضوع أو بهذه الترجمة، لكن كونه يورد أحاديث ضعيفة، لا إشكال فيه؛ لأنه ما التزم ألا يأتي إلا بأحاديث صحيحة.
    تراجم الأبواب في صحيح مسلم من عمل النووي
    السؤال: هل تراجم كتب صحيح مسلم ككتاب الإيمان والطهارة إلى آخره من الإمام مسلم أم من النووي؟الجواب: تراجم الأبواب في صحيح مسلم هي من عمل النووي وغيره؛ لأن النووي ذكر: أن العلماء ذكروا تراجم لهذه الأبواب وأنه اعتنى بوضع تراجمه، أما الكتب فهي من وضع الإمام مسلم، والأبواب هي من وضع النووي وغير النووي، ولكن المشهور الموجود مع شرح النووي، وكذلك الذي طبع مع المتن الذي اعتنى به عبد الباقي، يعني: الأبواب هي أبواب النووي أدخلها في الصحيح، والنووي في الشرح، فالأبواب تأتي مع الشرح لا تأتي مع الكتاب في داخل المتن، فالمتن في الأعلى وليس فيه إلا الكتب، والأبواب تأتي في الشرح، ومسلم رحمه الله لما عمل كتابه جعله في حكم المبوب وإن لم يبوبه، يعني: يجمع الأحاديث الذي في موضوع واحد ويسوقها مساقاً واحداً، ثم ينتقل إلى موضوع آخر، فهو في حكم المبوب، وإن لم يكن فيه تسمية أبواب، أما الكتب فهي من عمل مسلم، وليست من عمل النووي ولا غيره، والدليل على هذا: أن الذين ألفوا في رجال مسلم قبل النووي، مثل: كتاب ابن منجويه في رجال مسلم، والجمع بين رجال الصحيحين للمقدسي، عندما يأتون بترجمة شخص يقولون: روى عنه مسلم في كتاب الإيمان، روى عنه مسلم في كتاب الزهد، هؤلاء قبل النووي، فذكروا في ترجمة الشخص: أنه روى عنه مسلم في كتاب كذا، وروى عنه في كتاب كذا، وروى عنه في كتاب كذا إذا كان مقلاً، وإلا يكتفوا بأن يقولوا: روى عن فلان وفلان عندهما، أو روى عن فلان وفلان عند غيره إذا كان مكثراً، فالكتب من عمل مسلم، والأبواب ليست من عمله.
    ضابط التبكير إلى المسجد
    السؤال: ما ضابط التبكير إلى الصلاة، هل هو الوصول إلى المسجد قبل الأذان، أم إدراك الصف الأول، أم الوصول أول الناس؟الجواب: التبكير إلى الصلاة كما هو معلوم ليس مقصوراً على الأذان، بل يكون قبل الأذان، والإنسان يأتي إلى المسجد ويبكر ويصلي ما أمكنه ويجلس، وإذا أذن المؤذن قام يؤدي الرواتب إذا كانت الصلاة ذات رواتب كالظهر، وإذا كانت غير ذات رواتب يقوم يصلي ركعتين أو ما شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، يعني: بين الأذان والإقامة، فالتبكير إلى الصلاة يكون ليس من حصول الأذان، بل يكون قبل ذلك؛ لأنه كلما طال جلوسه في المسجد وانتظاره الصلاة فهو يعتبر مبكراً، ويعتبر في صلاة ما انتظر الصلاة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #165
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (162)


    - (باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة) إلى (باب المنفرد خلف الصف)

    لا يجوز الشروع في نافلة إذا أقيمت الصلاة المكتوبة، فإن أقيمت الصلاة وقد شرع في النافلة فإن كان انشغاله بها يؤدي إلى فوات شيء من الركعة فإنه يقطعها، أما إن كان في آخرها وقد مضى أكثرها فإنه يتمها خفيفة.
    ما يكره من الصلاة عند الإقامة

    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يكره من الصلاة عند الإقامة.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن زكريا حدثني عمرو بن دينار سمعت عطاء بن يسار يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ].يقول النسائي رحمه الله: ما يكره من الصلاة عند الإقامة. المقصود من هذه الترجمة أن إيجاد الصلاة أو إحداث الصلاة بعد الإقامة أن ذلك مما يكره، والمقصود بالكراهة هنا كراهة التحريم؛ لأن الحديث الذي أورده وكذلك الأحاديث الأخرى تدل على ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يعني ليس للإنسان أن يتشاغل بالنفل عن الفرض، وإنما إذا أقيمت الصلاة المفروضة فعلى الإنسان ألا يبدأ بصلاة بعد الإقامة أو عند الإقامة، وإنما عليه أن يدخل في الصلاة المكتوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).والمكر وه يطلق في عرف المتقدمين ويراد به ما يشمل الحرام، وأما عند الفقهاء فإن المكروه دون المحرم، كما أن المندوب عندهم دون الواجب، فالمكروه عندهم دون المحرم، والمعروف عند المتقدمين وهو الذي يأتي في الشرع أن المكروه يراد به المحرم؛ لأن الله عز وجل لما ذكر جملةً من المحرمات في سورة الإسراء قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، هذا إذا دخل الإنسان في الصلاة النافلة بعد الإقامة، أما إذا كان قبل الإقامة، ففيه خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إنه يتمها خفيفة، يتمها خفيفة ويستدل بالآية: لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، قالوا: فقطعها هذا من إبطال العمل، ومنهم من قال: إنه يقطعها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)؛ وهذا يدل على أنه يتركها، لكن فصل بعض العلماء فقال: إن كان في أولها وكان انشغاله بها يؤدي إلى فوات شيء من الركعة فإنه يقطعها، أما إذا كان في آخرها وقد مضى أكثرها فإنه يتمها خفيفة؛ لأنه إذا أتمها خفيفة فيمكنه أن يتم ذلك في زمن الإقامة أو بعيد زمن الإقامة قبل الدخول في الصلاة، وهذا القول المفصل يظهر أنه هو الأولى؛ فإذا كان في أول الركعتين اللتين قد دخل فيهما قبل الإقامة فإنه يقطعها؛ لأن انشغاله بالركعتين يفوت عليه جزءاً من الصلاة، وأما إذا كان في آخرها فإنه يتمها خفيفة.فإذا ابتدأها بعد الدخول في الصلاة أو بعد الإقامة، فإن ذلك غير سائغ وغير جائز، ويدخل ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريقين، وهما بلفظ واحد، (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، ومن عبارات الفقهاء التي تتفق مع النص هذه العبارة، فيأتي في كتب الفقه: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).(لا صلاة)، خبر بمعنى النهي مثل: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، (فلا رفث)، يعني: فلا يرفث ولا يفسق، وهنا (لا صلاة)، يعني: لا يصل، فهو خبر يراد به النهي، المعنى: أنه نهي عن أي صلاة إلا المكتوبة التي أقيمت، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان متنفلاً وقد صلى المكتوبة من قبل، فإن صلاته تلك تكون نافلة، ولا يقال: إنها فريضة؛ لأن الفريضة هي الأولى، وتلك التي صلاها مع الجماعة التي أقيمت بعد أدائه الفريضة تعتبر نافلة، وقد مر بنا جملة من الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مسجد الخيف صلاة الصبح، فلما فرغ من الصلاة وجد رجلين قد جلسا ناحيةً، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما لكما لم تصليا؟ قالا: إنا صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما وأتيتما والإمام لم يصل فصليا معه تكن لكما نافلة)، فتلك الصلاة هي نافلة في حقهما، وإن كانت التي أقيمت مكتوبة وهي صلاة جماعة مفروضة، لكنها في حق من أدى فريضة من قبل تكون نافلة.(إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، هذا لمن لم يكن قد صلى المكتوبة من قبل أما من سبق أن صلى المكتوبة فلا تكون الصلاة المقامة مكتوبةً في حقه، ولا تكون فريضة في حقه، وإنما تكون نافلة، فيكون هذا مما يستثنى من كون الإنسان يؤدي نافلة في وقت المكتوبة، أو في وقت أداء المكتوبة؛ لأنه سبق أن أدى المكتوبة، والمكتوبة لا تؤدى مرتين، وإنما تؤدى مرة واحدة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر ]. هوسويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي. [أخبرنا عبد الله بن المبارك ].هو عبد الله بن المبارك المروزي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، ذكر ابن حجر في التقريب جملةً من صفاته، ثم عقبها بقوله: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن زكريا ].هو زكريا بن إسحاق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار ].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يسار ].هو عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً. [عن أبي هريرة ].و أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد عن شعبة عن ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو باللفظ المتقدم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) من طريق أخرى
    قوله: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله ].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم، ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.[ ومحمد بن بشار ].هو شيخ النسائي الثاني، الملقب بندار، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لهم جميعاً، كلهم رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.[ حدثنا محمد ].و محمد، المراد به ابن جعفر، الذي هو غندر ؛ لأنه إذا جاء محمد بن بشار، يروي عن محمد، ومحمد يروي عن شعبة، فالمراد به غندر الذي هو محمد بن جعفر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن شعبة ]. شعبة هو شعبة بن الحجاج الواسطي، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، وصفة عالية، لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني.[ عن ورقاء بن عمر ]. ورقاء بن عمر صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار عن عطاء عن أبي هريرة ].وهؤلاء في الإسناد المتقدم.
    شرح حديث عبد الله بن بحينة فيمن صلى نافلة الصبح والمؤذن يقيم
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن ابن بحينة رضي الله عنه أنه قال: (أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعاً؟) ].أورد النسائي حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعاً؟)، يعني أنه إذا تشاغل بالركعتين في وقت أداء الفريضة وصلاهما ثم دخل في الفريضة فيكون قد صلى بعد الإقامة أربع ركعات، وهذا استفهام إنكار؛ لأن الصلاة عندما تقام لا يصلى غيرهما وهي ركعتان، فلا يتشاغل بالنافلة عن الفريضة، وإنما يدخل الإنسان في الفريضة، وإذا فرغ من الصلاة يقوم ويصلي الركعتين، وهذا سائغ جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني بعد صلاة الفجر نهي عن الصلاة، لكن قضاء ركعتي الفجر جائز؛ لأنه جاءت السنة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كلمة نسبها إلى بعض العلماء، فقال: قال بعض الأكابر: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور؛ لأن كونه يؤدي الواجب ويشتغل به عن النفل عذر له؛ لأن الفريضة مقدمة على النافلة، لكن من يتشاغل بالنوافل ويقصر في الفرائض أو تشغله عن الفرائض فإنه يكون مغروراً؛ لأنه ترك ما هو واجب عليه، وما هو مطلوب منه حتماً إلى ما ليس بمطلوب منه حتماً، وإنما هو مطلوب منه على سبيل الاستحباب، ثم يمكنه أن يقضيه لو اشتغل بالفرض كما هو مطلوب منه.الحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليه، وقال: (أتصلي الصبح أربعاً؟)، وذلك لأنه في وقت الصلاة صلى النافلة ثم دخل مع الناس في الفريضة، فيكون في ذلك الوقت الذي الناس يصلون الفريضة فيه ركعتين، يكون قد صلاها ركعتين نافلة، ثم لحق بالإمام وصلى معه الفريضة، فهذا استفهام إنكار يدل على أن مثل ذلك العمل لا يجوز، لكن كان أنه إذا كان الدخول في الصلاة قبل الإقامة، فإن كان في أول الصلاة فإنه يقطعها ويدخل في الصلاة مع الإمام، وإن كان في آخر النافلة فإنه يتمها خفيفة ويدخل مع الإمام، ولا يفوته بذلك شيء.
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن بحينة فيمن صلى نافلة الصبح والمؤذن يقيم
    قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة، هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، واسمه من الأسماء المفردة، التي ليس له مشارك فيها، وهذا يسمونه الأسماء المفردة، يعني: التي يقل التسمية فيها، أو تكون التسمية فيها نادر؛ لأنه ليس في رجال الكتب الستة، من يسمى قتيبة إلا هو، فهو من الأسماء المفردة؛ لأن هناك أسماء يكثر التسمية بها، وأسماء يندر التسمية بها، بل قد يكو واحداً، أو لا يعرف بها إلا شخص واحد مثلاً، ورجال الكتب الستة ليس فيهم من يسمى قتيبة إلا قتيبة بن سعيد هذا.[حدثنا أبو عوانة ].وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وهناك أبو عوانة متأخر، صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال لكتابه: مسند أبي عوانة، ويقال له: صحيح أبي عوانة، ويقال له: مستخرج أبي عوانة، فذاك متأخر عن هذا، وهذا متقدم؛ لأن هذا يروي عنه النسائي بواسطة، وأما ذاك فله مستخرج على صحيح مسلم، فهو يروي أحاديث مسلم بأسانيد لا يمر فيها على مسلم، وإنما يلتقي فيها مع مسلم في شيخه أو شيخ شيخه أو من فوق ذلك، وهذا هو معنى المستخرج.[عن سعد بن إبراهيم ].وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حفص بن عاصم ].وهو حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن بحينة ].ابن بحينة، وهو عبد الله بن مالك بن القشيب، مشهور بـابن بحينة، وهو صحابي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة

    شرح حديث عبد الله بن سرجس فيمن صلى ركعتي الفجر والإمام في الصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا عاصم عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (جاء رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فركع الركعتين ثم دخل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: يا فلان، أيهما صلاتك: التي صليت معنا، أو التي صليت لنفسك؟) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة، يعني: أنه يدخل في ركعتي الفجر، والإمام داخل في صلاة الفجر المفروضة.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً دخل فصلى الركعتين، أي: ركعتي الفجر، و(أل) هنا للعهد الذهني، وهما: ركعتا الفجر، السنة المؤكدة المستحبة قبل الفجر، فصلاهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يعني أنه صلى الركعتين، ثم دخل مع الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى الركعتين معه؛ لأن صلاة الفجر تطول فيها القراءة، لا سيما في الركعة الأولى، فيدخل الداخل ويصلي ركعتين، ثم يدخل مع الرسول صلى الله عليه وسلم فيصلي، فيكون صلى الفريضة بركعتيها، وصلى الركعتين وحده، يعني في وقت صلاة الإمام، لكن هذا غير سائغ؛ لأن الأحاديث التي مرت، تدل على منعه، حيث قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وكذلك هنا جاء في هذا الحديث لما صلى الرجل قال له:(أيهما صلاتك التي صليتها وحدك أو التي صليتها معنا؟)؛لأن الإنسان صلى في وقت إقامة الصلاة ركعتين وحده بعدما دخل الناس في الصلاة، ثم صلى ركعتين مع الإمام، وقد فاته جزء كبير من الركعة الأولى، وهو متشاغل بالركعتين التي هي ركعتا الفجر.لذا قال له: أيهما صلاتك؟ الركعتان اللتان صليتهما وحدك أو اللتان صليتهما معنا؟ وذلك أن الإنسان جاء من بيته يريد الصلاة التي هي الصلاة المكتوبة، فكونه يأتي والإمام يصلي ثم يدخل في شيء ليس هو المقصود من الإتيان فذاك خلاف المقصود، بل النافلة يمكن أن تصلى في البيت وصلاتها في البيت أفضل، فإذا جاء الإنسان في قرب الصلاة أو قرب إقامة الصلاة فأن يصليها في البيت أفضل، لكن إذا جاء قبل الفجر، وأذن لصلاة الفجر وهو في المسجد، فإنه يصلي الركعتين في المسجد، لكن أن يتأخر ثم يجد الإمام يصلي ثم يتشاغل بالركعتين، وقد جاء لصلاة الصبح، فيكون قد اشتغل بنافلة كان أداؤها في البيت أفضل، وترك أو تشاغل عن المكتوبة التي جاء من أجلها، والتي نودي لها بحي على الصلاة حي على الفلاح، ثم بعد ذلك تشاغل عن هذه الصلاة المكتوبة بصلاة نافلة كان أداؤها في البيت أفضل لو أداها قبل أن يأتي، وأيضاً فإنه لا يفوت قضاؤها، بل قضاؤها ممكن بعد صلاة الصبح، إذا فرغ الإنسان من صلاة الصبح فإنه يؤديها، فهذا إنكار عليه، وعتب ولوم يدل على أنه فعل أمراً غير سائغ، وأن الصلاة التي جاء من أجلها، وهي المقصودة في مجيئه وإتيانه، قد تشاغل عنها بنافلة كان إتيانه بها في البيت أولى، وإذا لم يأت بها فيمكنه أن يأتي بها بعد الصلاة كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن سرجس فيمن صلى ركعتي الفجر والإمام في الصلاة
    قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب ].هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد ].و حماد، هو ابن زيد، وحماد هنا مهمل غير منسوب، يحتمل ابن زيد، ويحتمل ابن سلمة، وهما في طبقة واحدة، وفي بلد واحد، فهما من أهل البصرة، لكن في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي، ما ذكر في شيوخه ابن سلمة، بل ذكر في شيوخه حماد بن زيد ؛ لأن المزي في تهذيب الكمال، لما ذكر شيوخ يحيى بن حبيب بن عربي، لم يذكر فيهم ابن سلمة، وإنما ذكر حماد بن زيد، إذاً هذا المهمل هو حماد بن زيد، وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عاصم ].و عاصم، هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن سرجس ]. و عبد الله بن سرجس، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأن فيه يحيى بن حبيب، وحماد بن زيد، وعاصم الأحول، وعبد الله بن سرجس، أربعة أشخاص، وهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن النسائي ليس عنده ثلاثيات، بل أقل عدد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة ليس عندهم شيء أعلى من الرباعيات، فليس عندهم ثلاثيات، فالذين عندهم الثلاثيات: البخاري، عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، يعني رجال هذه الثلاثيات من الأول إلى الآخر هم جماعة واحدة، يعني لا يأتي في إسناد شخص وفي إسناد شخص آخر، بل كل الخمسة إسنادها واحد، وإن كانت موضوعاتها مختلفة، فليست حديثاً واحداً، وإنما هي أحاديث لكن جاءت بإسناد واحد، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات.
    المنفرد خلف الصف

    شرح حديث أنس: (صليت ويتيم لنا خلف رسول الله، وصلت أم سليم خلفنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ المنفرد خلف الصف.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان حدثني إسحاق بن عبد الله سمعت أنساً رضي الله عنه قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا، فصليت أنا ويتيم لنا خلفه، وصلت أم سليم خلفنا) ].أورد النسائي باب المنفرد خلف الصف، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي سبق أن مر وتعلق بالإمامة بالجماعة، وهنا أورده من أجل الانفراد خلف الصف، والمراد بذلك: المرأة التي صلت وراءهم، وهي أم سليم؛ لأنها منفردة خلف الصف، فالمرأة لها أن تصلي وحدها، يعني خلف الصفوف، بل لو كانت وراء إمام، وليس هناك رجال، فإنها تصلي وراء الرجل، وتكون صفاً وحدها، ولا تصف بجوار الإمام؛ لأن الإمام إذا كان يصلي معه رجل عن يمينه، فإذا صلت معه امرأة فتكون صفاً وراءه.فالحديث هنا يعني يقول أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم زارهم في بيتهم، وأن أنساً ويتيماً صلوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: صفاً، وأم سليم وراءهم في صف، فهي منفردة خلف الصف، فانفراد المرأة خلف الصف، وكونها تصف وحدها، ذلك سائغ، إذا لم يكن معها نساء أخريات يصلين معها، فتصف وحدها، ولا تصف مع الرجال، بل ولا تصف بجوار الإمام، فلو صلى رجل هو وزوجته فلا تصلي بجواره، وإنما تكون صفاً وراءه؛ لأن أم سليم لما صلت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنها واليتيم صلت وراءهم وحدها، فدل ذلك على: أن كون المرأة تصلي وحدها خلف الصف، أن ذلك سائغ، بل هو متعين إذا لم يكن معها نساء؛ لأنها لا تصاف الرجال، فإن كان معها نساء صف بعضهن مع بعض، وكن صفاً مستقلاً، وإن كانت واحدة فإنها تكون صفاً وحدها، ولا تصاف الرجال في صفوفهم، ولا تصاف الإمام بأن تكون بجواره عن يمينه كما هو الحال بالنسبة للرجال.الحديث مطابق للترجمة، من جهة أن فيه منفرداً خلف الصف، وهي المرأة التي صلت، وأما بالنسبة للرجال فإن الإنسان ليس له أن ينفرد خلف الصف مع القدرة على أن يصلي مع الصف إلا إذا كان مضطراً ولم يكن هناك مجال، بل إما أن يصلي جماعةً وحده وراء الصف أو تفوته الصلاة، فإنه في هذه الحالة يصلي، أما إذا كان مقصراً والصف موجود في طرفه مكان ثم صلى وحده فإن عمله غير صحيح، ويجب عليه أن يعيد صلاته؛ لأنه جاء في الحديث: (أنه رأى رجلاً صلى وحده فأمره بالإعادة)، هذا بالنسبة للرجال، أما بالنسبة للنساء، فقد عرفنا الحديث الدال على أن المرأة تصف وحدها إذا لم يكن معها نساء.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صليت ويتيم لنا خلف رسول الله، وصلت أم سليم خلفنا)
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ].عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن المسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا سفيان ].سفيان، وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثني إسحاق بن عبد الله ].هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وأنس هو عمه أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة، أخو أنس بن مالك لأمه، وأم سليم هي جدة إسحاق، وهي أم عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك، فهما ابنا أم سليم.وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة الذي هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.[ عن أنس بن مالك ].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، يروي عن سفيان بن عيينة، وسفيان يروي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسحاق يروي عن أنس، فهم أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كما ذكرت في الإسناد المتقدم من أعلى الأسانيد عند النسائي التي هي الرباعيات.

    شرح حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا نوح يعني: ابن قيس عن ابن مالك وهو عمرو عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت امرأةٌ تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ [الحجر:24])].أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ليس واضح الدلالة على الترجمة؛ لأنه ليس فيه دلالة على انفراد خلف الصف، وإنما فيه أن بعضهم كان في الصف الأول، وبعضهم في الصف المؤخر، لكن ليس واضحاً بأنه يكون وحده، وإنما يعني أنه يكون في الصف المؤخر الذي هو شر الصفوف، كما جاء في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيره: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، فيكون شر صفوف الرجال قريباً من شر صفوف النساء، وهذا الذي جاء في هذا الحديث يعتبر مثالاً من الأمثلة التي تبين شر الصفوف بالنسبة للرجال والنساء؛ لأن آخر صفوف الرجال الذي هو قريب من النساء هو شر صفوفهم، وأول صفوف النساء الذي هو قريب من الرجال هو شر صفوفهن، وكلما كان الرجال بعيدين عن النساء والنساء بعيدات عن الرجال كان ذلك أفضل، فالرجال يتقدمون للصفوف الأول، الأول فالذي يليه، والنساء إذا صرن في الصف المؤخر فإنهن يصرن في خير الصفوف، وإذا صرن في المقدم صرن في شر صفوفهن، وهذا كما هو معلوم إذا كان معهن رجال، وأما إذا كان النساء يصلين وحدهن، فصفهن الأول هو خير صفوفهن، لكن الوصف بالشر فيما إذا كن مع الرجال، فأول صفوفهن هو شرها، وآخر صفوف الرجال هو شرها.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس: أن امرأةً كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد وكانت حسناء، وكان بعض القوم يأتي ويصلي في أول الصفوف، فيكون بعيداً عن النساء، وبعضهم يصلي في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، وهذا الحديث استنكره بعض العلماء كـابن كثير في تفسيره في سورة الحجر، وبعضهم صححه وقال: إنه يحمل على أن هذا من بعض المنافقين، أو من بعض الجهلة من الأعراب الذين يحصل منهم مثل ذلك الشيء، فأنزل الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِ ينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِ ينَ [الحجر:24]، والمعروف والمشهور في هذه الآية أن المقصود بذلك الخليقة أولهم وآخرهم، فالله تعالى يعلم من تقدم ومن تأخر، وكذلك من يكون متقدماً في الصف ومن يكون متأخراً، فالحديث فيه تقدم وفيه تأخر، لكن الآية تعني السابق واللاحق، فتدل على شمول علم الله عز وجل لأول الخليقة وآخرها، وأن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأن الله تعالى يحصر الجميع الذين هم الأولون والآخرون ويحاسبهم، وكما قال الله عز جل: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25-26].
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة، وقد مر ذكره.[حدثنا نوح ].نوح، وهو ابن قيس .[ ابن مالك ].وهو عمرو، وهو النكري، وهو صدوق له أوهام، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي الجوزاء ].أبو الجوزاء، وهو أوس بن عبد الله الربعي، وهو ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو الجوزاء . [عن ابن عباس ].ابن عباس وهو عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    الأسئلة

    صلاة النافلة على الراحلة خاص بالسفر
    السؤال: أحياناً تقام الصلاة في المسجد الذي بجوارنا وأنا أريد الصلاة في الحرم، فهل لي أن أؤدي السنة وأنا أسير بالسيارة إلى الحرم؟الجواب: لا، لا يصلي الإنسان النافلة وهو يمشي في السيارة أبداً، وإنما تجوز صلاة النافلة على الدابة في حال الركوب في السفر، وليس في الحضر؛ لأن السفر لو توقف الإنسان ليتنفل سيمضي عليه الوقت وهو ما مشى، فيجمع بين السير، وقطع الطريق والمسافة والصلاة، والنوافل المطلقة هي التي يصليها، وكذلك النوافل الأخرى، وإنما الفريضة هي التي يجب عليه أن ينزل ويصليها، وأما النوافل فإنه يصليها وهو على دابته، وهذا في السفر، أما في حال الحضر فلا يتنفل الإنسان وهو راكب؛ لأنه يمكنه أن يتنفل وهو يركع ويسجد ويستقبل القبلة.
    من كان يصلي فريضة فائتة وأقيمت فريضة حاضرة فلا يقطعها
    السؤال: إذا كان الرجل يقضي فريضة الظهر، وأثناء صلاته أقيمت صلاة العصر، فهل يقطعها؟ الجواب: لا، لا يقطعها، فالإنسان الذي عليه فريضة الظهر مثلاً جاء وهو مسافر، وجاء وقت العصر، ودخل في صلاة الظهر؛ لأن الظهر تقدم على العصر، فدخل في الظهر، ثم أقيمت صلاة العصر وهو في الصلاة، فيكملها؛ لأنه مشتغل بفريضة، فتتقدم تلك الفريضة التي أقيمت، فإذا فرغ من صلاته التي دخل فيها وهي فرض الظهر دخل مع الإمام وصلى ما أمكنه، فإن أدرك الصلاة كلها أدركها، وإن فاته شيء منها قضاه، لكن لا يقطع الفريضة من أجل أن يصلي فريضة، ثم أيضاً لو قطعها فسيدخل مع الإمام على نية أنها الظهر، وليس له أن يصلي العصر قبل الظهر، ولو جاء والصلاة تقام وهو لم يصل فلا يدخل في الصلاة، بل يدخل مع الإمام الذي يصلي العصر بنية الظهر، وإذا فرغ من صلاة الظهر مع الإمام الذي يصلي العصر، صلى العصر وحده.
    التهجير عام لجميع الصلوات
    السؤال: مر بنا حديث أبي هريرة في فضل التهجير إلى الصلاة، فهل هذا خاص بصلاة الجمعة أم عام؟الجواب: بل هو عام في جميع الصلوات، وليس خاصاً بصلاة الجمعة.

    هل تقطع النافلة لإدراك الفريضة بسلام أو بدون سلام؟

    السؤال: إذا أقيمت الصلاة وكان الرجل يتنفل في أول نافلته، فهل يقطعها بالتسليم أو بدون تسليم؟الجواب: الذي أفهمه أنه يقطعها بدون تسليم، لكن جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي صلى خلف معاذ، وأطال الصلاة، وكان يشتغل في النضح طول النهار، وأنه جاء وقد أتعب، ودخل معه وقد قرأ بالبقرة، فطول في صلاته فانقطع، جاء في بعض الروايات: أنه سلم، ولكن أكثر الرواة الذين رووا الحديث ما ذكروا السلام، وإنما ذكروا أنه انفصل عن إمامه وأنه أكمل صلاته.
    من صلى الفريضة ثم وجد الجماعة مقامة ودخل معهم بنية النافلة فليقضِ ما فاته
    السؤال: من صلى الفريضة ثم جاء إلى المسجد ووجد الصلاة مقامة فدخل معهم لتكون له نافلة وفاتته ركعة، فهل يقضيها بعد سلام الإمام؟الجواب: نعم، إذا دخل مع الإمام، وهو متنفل أو مسافر فرضه ركعتان فإنه يتم، وإذا فاته شيء من الصلاة يقضيه، بل لو دخل مع الإمام قبل أن يسلم، فعليه أن يقوم ويصلي أربعاً، حتى المسافر إذا دخل مع الإمام قبل أن يسلم قام وقضى أربعاً؛ لأنه إذا صلى صلاة المقيم وصلى وراء إمام مقيم فإنه يصلي أربعاً، ولا يقصر الصلاة، وليس له أن يصلي ركعتين ويجلس، أو ركعتين ويسلم، بل يصلي صلاة الإمام، ولو جاء في آخرها فعليه بعدما يقوم أن يؤدي الصلاة كاملة، فيصليها أربعاً.
    هل تصلى نافلة الفجر في البيت وقد أقيمت الصلاة؟
    السؤال: إذا كان الرجل في بيته وسمع إقامة صلاة الصبح، فهل له أن يصلي سنة الفجر ثم يذهب إلى المسجد؟ الجواب: لا، ليس له ذلك، بل إذا سمع الإقامة فعليه أن يبادر إلى الصلاة ليصلي الفرض، ولا يتشاغل بالنفل، ولو كان في بيته، فما دام أنه سمع الإقامة قبل أن يدخل في الصلاة فعليه أن يبادر.مداخلة: جاء في رواية لحديث أبي هريرة : (فلا صلاة إلا التي أقيمت)، فهل هذه الرواية صحيحة؟الشيخ: لا أدري.
    هل ينكر على من يصلي النافلة بعد إقامة الصلاة؟
    السؤال: نرى بعض الناس يصلون سنة الفجر والإمام يصلي، وبعضهم يبدأ في السنة بعد دخول الإمام بالصلاة، وهل يجب علينا إنكار ذلك؟الجواب: نعم، الإنسان ينكر هذا الشيء؛ لأن هذا خلاف السنة، والرسول أنكر على من فعل هذا، ولكنه يرشد إلى السنة، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يدل على منع هذا، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان يصلي النافلة قضاءً بعد أداء الفريضة.
    حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...) يدل على أن المرأة كانت كاشفة وجهها
    السؤال: حديث ابن عباس الأخير، أليس فيه أن تلك المرأة كانت كاشفة لوجهها؟الجواب: بلى، يدل عليه؛ لكن يمكن أن يكون هذا قبل فرض الحجاب.
    حكم الأدوية التي قد يكون فيها شيء ضئيل من الكحول
    السؤال: ما حكم الأدوية والعقاقير التي تعطى للمرضى في هذا الزمان، مع احتمال وجود بعض المحرم في تركيبها؟الجواب: العقاقير والأدوية التي تعطى للناس جائزة، ولو كان فيها شيء ضئيل جداً من الكحول، فذلك لا يؤثر.
    حكم تمريض المرأة الرجال
    السؤال: ما حكم تمريض المرأة للرجال كما هو الحال الآن في المستشفيات مع سفورهن وملامستهن للمرضى؟الجواب: هذا غير جائز، وإنما النساء يمرضن النساء، والرجال يمرضون الرجال، هذا هو الواجب.
    من لم يقل في سجوده سبحان ربي الأعلى يسجد للسهو
    السؤال: هل على من قال: سبحان ربي العظيم في السجود ناسياً أن يسجد للسهو؟الجواب: ما يسجد للسهو؛ لأن هذا تعظيم لله عز وجل، ولكنه يأتي بسبحان ربي الأعلى التي هي مطلوبة في السجود، لكن إذا كان ما أتى بسبحان ربي الأعلى فإنه يسجد للسهو.
    جمع أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة
    السؤال: وردت عدة أدعية استفتاح غير هذه الأدعية المعروفة ذكرها صاحب زاد المعاد، فهل يجوز الاستفتاح بجميعها؟الجواب: كل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدعية الاستفتاح، فللإنسان أن يأتي به، لكن النبي لم يجمعها، فلا يؤتى بها في صلاة واحدة مجموعة، فيقرأ أدعية الاستفتاح المتنوعة المتعددة جميعها، وإنما إذا صلى فليصل صلاة بهذا الاستفتاح، وصلاة أخرى بهذا، وأتى بما ثبت، يعني كل دعاء على حدة في صلاة، هذا سائغ لا بأس به، وإنما الذي لا يسوغ أن الإنسان يأتي بأدعية الاستفتاح ويجمعها، ويأتي بها في صلاة واحدة، كل ما ثبت به الاستفتاح يأتي به جميعاً، الرسول ما أتى بها جميعاً، أتى بهذا في صلاة، وأتى بهذا في صلاة، وأتى بهذا في صلاة، فيمكن أن تؤدى أو يكون أداؤها بهذه الطريقة، التي هي كل استفتاح يؤتى به في صلاة.
    صفة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
    السؤال: ما هي صفة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟الجواب: الزائر عندما يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقف تجاه القبر مستقبلاً القبر مستدبراً القبلة، ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: صلى الله وسلم وبارك عليك، وجزاك أفضل ما جزى نبي عن أمته فلا بأس بذلك؛ لأن هذا دعاء للرسول صلى الله عليه وسلم.
    الكلام مع الرجل وهو يصلي
    السؤال: هل يؤخذ من حديث ابن بحينة جواز التحدث مع المصلي وهو في صلاته؟الجواب: ما فيه تحدث مع مصل وهو في صلاته، من أين يدل حديث ابن بحينة على ذلك؟ الملقي: أنا لا أدري.الشيخ: الرسول ما قال: تصلي الصبح أربعاً وهو في الصلاة.
    أين موقف الصبي الذي لم يبلغ الحلم من الإمام؟
    السؤال: إذا كان الإمام يصلي ومعه مأموم وصبي لم يبلغ الحلم، فهل يصفان خلف الإمام؟الجواب: نعم، يصليان خلف الإمام، مثل أنس واليتيم الذي معه، واليتيم هو الذي لم يبلغ الحلم؛ لأنه لا يتم بعد احتلام، فالصبي يكون صفاً مع البالغ ولا يكونون بجوار الإمام، وإنما يكونون وراءه.
    من صلى سنة الفجر بعد الإقامة فلا قضاء عليه
    السؤال: إذا صلى الرجل سنة الفجر في المسجد والإمام يصلي الصبح، فهل يعيد صلاة سنة الفجر؟الجواب: لا، ما يعيدها، لكنه فعل أمراً لا يسوغ.
    لماذا لا يوجد لمسلم ثلاثيات مع تقدمه على ابن ماجه؟
    السؤال: ابن ماجه متأخر كثيراً عن مسلم، فكيف وقعت له ثلاثيات ولم تقع لـمسلم رحمهما الله؟الجواب: ما يعني قضية التقدم والتأخر؛ لأن الإمام مسلماً رحمه الله أورد هذه الأحاديث التي في صحيحه، والتي اختارها لإيرادها في الصحيح، وأعلى ما فيها الرباعيات، فهو ما قصد أن يجمع كل حديث صحيح أو غير صحيح، أما ابن ماجه فالأحاديث هذه الخمسة التي عنده الإسناد فيها ضعيف؛ لأن الرجال الذين فيها فيهم ضعف، فليست القضية أن هذا تأخر وهذا تقدم، ولكن ابن ماجه روى بإسناد ضعيف، فله ثلاثيات ولكنها بإسناد ضعيف.
    دلالة الأحاديث على التراجم
    السؤال: مر بنا في هذا الكتاب كثير من الأحاديث التي لا تكون دالة على ما ترجم لها، فما الداعي لذلك؟ وما تعليله؟الجواب: ما أدري ما وجه ذلك. هل هو وهم أو أنه خفي؟ فيمكن أن يكون وهماً، يعني كونه يطابق الترجمة، ويمكن أن يكون خفياً، يعني يمكن مثلاً في باب المنفرد خلف الصف أنه يعني وحده فيكون في الصف المؤخر وحده، ويمكن أن يكون مع غيره، لكنه ليس واضحاً بأنه يكون وحده.
    بعض شروح النسائي
    السؤال: أرجو أن تدلنا على بعض الشروح على سنن النسائي؟الجواب: كما هو معلوم في كتاب النسائي لم يحصل له العناية بشرحه، كما حصل لـأبي داود، وكما حصل للترمذي، فما نعلم أن كتب المتقدمين اعتنت بشرح النسائي، والمشهور هو هذه الحاشية للسيوطي وللسندي، فهاتان الحاشيتان هما المشهورتان، وما نعلم شروحاً وافية، لكن في المتأخرين أو المعاصرين من بدأ بشرحه، مثل الشيخ محمد المختار رحمه الله، فإنه شرح جزءاً قليلاً من سنن النسائي، وكذلك أيضاً أبو إسحاق الحويني من مصر بدأ بشرحه، فليس هناك شروح نقول: إنها موجودة ووافية والكتاب كامل، ما نعلم بهذا.
    ما صحة أن من صلى أربعين صلاة في المسجد النبوي أنه يحجب جسمه عن النار
    السؤال: الذي يصلي أربعين صلاة في هذا المسجد، هل يحجب جسمه عن النار؟الجواب: ما نعلم شيئاً يدل على أن من صلى في هذا المسجد أربعين صلاة أنه ينجو من النار، الذي ثبت أن الصلاة بألف صلاة، والحديث الذي ورد أنه يكون له براءة من النفاق وكذا هو حديث ضعيف.
    أفضل صفوف النساء آخرها ولو كان هناك حاجز
    السؤال: إذا كان بين الرجال والنساء حاجز، فهل الأفضلية بالنسبة للنساء الصف الأول أو الآخر؟الجواب: حرص النساء على الصف المؤخر هو الذي ينبغي، حتى ولو كان هناك حاجز؛ لأن حصول الأصوات وحصول الكلام إذا تكلمن يوجب سماع الرجال لأصواتهن، فكلما ابتعدن كان أفضل، سواءً كن بحاجز أو بغير حاجز، اللهم إلا إذا كان الحاجز لا يحصل معه سماع الصوت، وتتقدم والحاجز موجود، ولا يحصل منها كلام بحيث يسمعها الناس، فإن ذلك كما هو معلوم مخرج صحيح، لكن إذا لم يكن هناك حاجز، فالصف المؤخر لا شك هو الأفضل، وما دام أن الصوت موجود عن طريق المكبرات، فإن حرصهن على آخر الصفوف هو الأولى؛ لأن قوله: (خير صفوف النساء آخرهن)، عام فيما إذا صلين مع الرجال.
    تكرار الكفارة على نفس الأشخاص
    السؤال: إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، هل يجوز تكرار الكفارة على نفس هؤلاء العشرة؟الجواب: الكفارة إن كان عليه يمين لم يحصل بر بها، فيكفر عنها بإطعام عشرة مساكين. أيش معنى تكرار الكفارة؟مداخلة: هل يجوز تكرار الكفارة على نفس هؤلاء العشرة؟ الشيخ: إذا كان هناك كفارتان فيجوز أن يطعم عشرة ثم يطعمهم مرةً ثانية عن يمين أخرى، إذا كان هذا هو السؤال. ويمكن أنه يعطي طعام يومين أو يطعم أهل بيت مثلاً خمسة يعطيهم طعام يومين؛ لأنه إطعام عشرة مساكين في يومين، وليس معناه أنه لازم أن يبحث عن عشرة مساكين بالضبط، بل يطعم عشرة مساكين، إما في يوم واحد يعطيهم جميعاً، أو يعطي مثلاً بيتاً مكوناً من خمسة طعام يومين؛ لأنه إطعام عشرة مساكين، يوم ويوم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #166
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الإمامة
    (163)


    - (باب الركوع دون الصف) إلى (باب الصلاة قبل العصر)

    إن من سماحة هذا الدين أن جاء ليدل المسلم على ما ينفعه، ومن ذلك الأمر بإحسان الصلاة، وعدم إتيانها سعياً، وإنما يأتي وعليه السكينة والوقار، كما دلت السنة على ما يتعلق بالسنن الرواتب لصلاتي الظهر والعصر.
    الركوع دون الصف

    شرح حديث أبي بكرة: (أنه دخل المسجد والنبي راكع فركع دون الصف...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الركوع دون الصف.أخبرنا حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن زياد الأعلم حدثنا الحسن : أن أبا بكرة رضي الله عنه حدثه: (أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد)]. يقول النسائي رحمه الله: الركوع دون الصف، أي: ليدرك الركعة قبل أن يصل إلى الصف فيركع وحده، ثم بعد ذلك يدب ويقف في الصف وهو راكع، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنه ركع دون الصف، ثم دخل فيه، ولما سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال لـأبي بكرة : (زادك الله حرصاً ولا تعد)، يعني: لا تعد إلى مثل هذا العمل، الذي هو الركوع دون الصف، وإنما الذي يأتي إلى الصلاة يمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وصل في الصف ودخل في الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام ثم ركع واستقر راكعاً قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فإنه يكون مدركاً للركعة بذلك، وإذا لم يتمكن من الوصول إلى الصف إلا بعدما يرفع الإمام فإنه يدخل في الصلاة ويوافق الإمام في بقية الركعة، وإذا قام يقضي ما فاته فلا يعتد بالركعة التي لم يدرك ركوعها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما فعل أبو بكرة رضي الله عنه هذا العمل، الذي هو ركوعه دون الصف ثم دخوله في الصف قال له صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً)؛ لأن الذي حمله على هذا هو الحرص على إدراك الجماعة، وإدراك فضل الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بأن يزيده الله حرصاً، ولكنه أرشده إلى عدم العود، وأن الحرص ينبغي أن يكون على وفق ما هو مشروع، وعلى الوجه المشروع، فلا يحصل من الإنسان الحرص ولكن يحصل منه مخالفة أو فعل شيء غير مشروع، وإنما يكون الحرص في حدود المشروع، وعلى ما هو مشروع، ويكون الإنسان يقدم إلى صلاة الجماعة يمشي، وعليه السكينة والوقار، فما أدرك صلى وما فاته أتم، كما جاء ذلك مبيناً في الحديث الآخر، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، والحديث الذي مر بنا: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)، أي: أن عمل أبي بكرة رضي الله عنه نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العود إليه، فدل ذلك على أنه غير سائغ، وأن الإنسان لا يركع إلا إذا وصل في الصف وكان في الصف، فعند ذلك يركع، فإذا استقر راكعاً والإمام لم يرفع رأسه من الركوع يكون قد أدرك الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام، وإذا فاته إدراك الركوع تكون قد فاتته الركعة، لكنه يدخل مع الإمام ويقضي ما فاته بعد ذلك.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة: (أنه دخل المسجد والنبي راكع فركع دون الصف...)
    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].وهو حميد بن مسعدة البصري، صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن يزيد بن زريع].وهو يزيد بن زريع البصري، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد].وهو ابن أبي عروبة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زياد الأعلم].وهو زياد بن حسان بن قرة الأعلم، المعروف بـالأعلم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي. [حدثنا الحسن].وهو ابن أبي الحسن البصري، المحدث، الفقيه، المشهور، وهو: ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي بكرة].وهو أبو بكرة رضي الله تعالى عنه، نفيع بن الحارث، صحابي مشهور بكنيته أبي بكرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (...ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثني أبو أسامة حدثني الوليد بن كثير عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم انصرف، فقال: يا فلان! ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه؟ إني أبصر من ورائي كما أبصر بين يدي)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وهو: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه فلما انصرف قال: [(يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر أحدكم كيف يصلي لنفسه؟)]، والحديث جاء في صحيح مسلم، وفيه: (ألا ينظر كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه)، يعني: أن العاقل صلاته نفعها يعود عليه، فعليه أن يعنى بها وأن يأتي بها على الوجه المشروع، وألا يحصل منه إخلال بها؛ لأن فائدة ذلك ومنفعته تعود عليه، والعاقل هو الذي يفعل ما يعود عليه بالخير، ويحذر مما يعود عليه بالشر، أو يعود عليه بنقصٍ في صلاته التي يصليها ويرجو ثوابها برها ويرجو الجزاء عليها عند الله عز وجل.قال: [(فإني أراكم من ورائي كما أراكم بين يدي)]، الحديث ليس واضح الدلالة على الترجمة؛ لأن الترجمة هي الركوع خلف الصف، وهذا ليس فيه شيء يدل على الركوع خلف الصف، ولكنه يتعلق بتحسين الصلاة والعناية بها والإتيان بها على وجه الإحسان والإتقان وعدم الإخلال، هذا هو الذي يدل عليه الحديث، وفيه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلعه الله عز وجل فيرى من ورائه كما يرى من أمامه، ولهذا فقد رأى هذا الشخص الذي كان يصلي وراءه، والذي نبهه هذا التنبيه، وأرشده هذا الإرشاد؛ لأنه يرى من ورائه كما يرى من أمامه، وهذا من معجزاته وخصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وسبق أن مر بنا ما يدل على ذلك، وهنا جاء يتعلق بتحسين الصلاة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (... ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].وهو محمد بن عبد الله بن المبارك، المخرمي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثني أبو أسامة].وهو حماد بن أسامة، مشهور بكنيته أبو أسامة، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أباه أسامة، وكنيته أبو أسامة، وهذا النوع من أنواع علوم الحديث التي نبهت مراراً عليه، وهو: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة ذلك: دفع توهم التصحيف فيما لو قيل: حماد أبو أسامة بدل حماد بن أسامة، فمن لا يعرف يظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، والذي يعرف يقول كل ذلك صواب، أي: إن قيل: حماد بن أسامة فهو حماد بن أسامة، وإن قيل: حماد أبو أسامة، فهو حماد أبو أسامة؛ لأن الكنية مطابقة لاسم الأب، وحماد أبو أسامة، ثقة، ثبت، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثني الوليد بن كثير].وهو الوليد بن كثير المخزومي، صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن أبي سعيد].وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبوه اسمه كيسان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه].وهو كيسان أبو سعيد المقبري، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]وهو أبو هريرة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، أكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله عنه، والسبعة هم الذين ذكرهم السيوطي في الألفية في قوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر هو ابن عباس .فـأبو هريرة رضي الله عنه هو أول هؤلاء السبعة، وهو أكثر هؤلاء السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسبق أن ذكرت في دروس مضت سبب هذا الإكثار مع أنه متأخر في الإسلام؛ لأن إسلامه عام خيبر في السنة السابعة، ومع ذلك فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، ولهذا بعض المضلين الحاقدين على الصحابة وعلى أهل السنة والجماعة يتكلمون في رواية أبي هريرة، ويقولون: إن أبا هريرة حديثه بالآلاف مع أنه متأخر الإسلام، والذين هم ملازمون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل: الخلفاء الراشدين أحاديثهم دون ذلك بكثير، فهذا يدل على ماذا؟! يعني: يريدون أن يلمزوا، وأن يقدحوا، وأن يشككوا، ومن المعلوم: أن هناك أموراً هي السبب في هذه الكثرة، منها: دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، ومنها: أنه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أسلم، فقد بين ذلك أن المهاجرين والأنصار يشتغلون بالأسواق والبيع والشراء والزروع والحرث، وأما هو يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأكل مما يأكل، ثم أيضاً مما كان سبباً في كثرة حديثه: كونه بقي في المدينة وعاش بها وطالت مدته، ومعلوم أن المدينة يفد إليها الناس صادرين وواردين ويلتقون بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيأخذون منهم، ويتلقون عنهم، ثم الصحابة يأخذ بعضهم من بعض، ويروي بعضهم عن بعض، وإن كان ذلك الصحابي المتأخر إسلاماً لم يدرك هذا الذي يرويه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه يكون أخذها عن الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، فهذه من أسباب كثرة حديثه مع تأخر إسلامه، ولا يقدح في روايته ولا يعاب على كثرة روايته، وإنما الذين يعيبون ذلك ويتكلمون في ذلك بعض أهل الزيغ، وبعض الفرق الضالة الذين في قلوبهم غل وحقد على الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
    الصلاة بعد الظهر

    شرح حديث: (أن النبي كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بعد الظهر.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وكان يصلي بعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [الصلاة بعد الظهر]، يعني: النافلة الراتبة التي تكون بعد الظهر، والرواتب: الصلوات الراتبة التي هي متعلقة بالفرائض قبلها أو بعدها ثبت فيها اثنتا عشرة ركعة، جاء في حديث: عائشة اثنتا عشرة ركعة، وكذلك في حديث علي رضي الله تعالى عنه: (وأن قبل الظهر أربعاً)، وفي حديث ابن عمر أنها عشر، يعني: ثنتين قبل الظهر وثنتين بعدها، وحديث عائشة، هي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، ولا تنافي بين ما جاء في حديث الأربع والثنتين وأن ذلك يحصل منه أحياناً هذا، وأحياناً هذا، وجاء الحث على الإتيان بتلك الرواتب والترغيب فيها، وبيان فضلها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وحديث ابن عمر الذي ثبت عنه أنها عشر: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، والحديث الذي معنا هنا في هذه الرواية ذكر ثمان ركعات ولم يذكر الركعتين قبل الفجر، لكنها ثابتة عنه، أي: عن ابن عمر في بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها عشر ركعات، وهنا فيه ذكر ثمان ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، هذه ثمان، وليس فيه تعارض لذكر ركعتي الفجر، لكن جاء الحديث عنه من رواية أخرى صحيحة ثابتة، وفيها ذكر العشر وتفصيلها، وأن منها ركعتي الفجر، بل ركعتي الفجر هي آكد الرواتب، وآكد السنن، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على شيء في الحضر والسفر مثل ما كان يحافظ على ركعتي الفجر والوتر، لكن هذه الرواية التي أوردها المصنف هنا هي من أجل ما بعد صلاة الظهر، وهي مشتملة على ما ترجم له المصنف.قوله: [(لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ..)].يعني: يصلي في بيته، وجاء ما يدل على أنه يصلى أربع بعد الجمعة، فجاء أربع، وجاء ركعتان بعد الجمعة، لكن الذي جاء هنا من الرواتب هو ثمان، ومحل الشاهد منه: أن الصلاة بعد الظهر، أي: الراتبة، ركعتان.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبتٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة المشهورة، التي حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع أقوالهم، والتأليف فيها، والعناية بها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمر] وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وهم من صغار الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين أشرت إليهم آنفاً عند ذكر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد من رباعيات النسائي، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: قتيبة، ومالك، ونافع، وابن عمر، ثم هذا الإسناد الذي هو مالك عن نافع عن ابن عمر، يعتبر أصح الأسانيد عند البخاري، إذاً: أصح الأسانيد عند البخاري هو: مالك عن نافع عن ابن عمر، ويسمى السلسلة الذهبية، أي: رجال هذه السلسلة هم في غاية الإتقان، وغاية الحفظ، ويروي بعضهم عن بعض، مالك عن نافع عن ابن عمر، فالإسناد رباعي، ورجاله جميعاً أخرج لهم أصحاب الكتب الستة.
    الصلاة قبل العصر

    شرح حديث علي في الصلاة قبل العصر
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة قبل العصر وذكر اختلاف الناقلين عن أبي إسحاق في ذلك.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة : (قال: سألنا علياً عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أيكم يطيق ذلك؟ قلنا: إن لم نطقه سمعنا، قال: كان إذا كانت الشمس من ها هنا كهيئتها من ها هنا عند العصر صلى ركعتين، فإذا كانت من ها هنا كهيئتها من ها هنا عند الظهر صلى أربعاً، ويصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ثنتين، ويصلي قبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين)].أورد النسائي: الصلاة قبل العصر، واختلاف الناقلين عن أبي إسحاق، والمراد من ذلك: السنة أو ما يستحب للإنسان أن يفعله قبل صلاة العصر، وهي ليست من الرواتب ولكنها من الأمور المستحبة، والرواتب هي: إما اثنتي عشرة ركعة كما في حديث عائشة، وإما عشر كما في حديث ابن عمر، وأما الركعات التي تكون قبل الصلوات، مثل: ما قبل العصر، وما قبل المغرب، وما قبل العشاء فإن ذلك مستحب، ولكنه ليس من الأشياء الراتبة التي يحرص الإنسان عليها ويداوم عليها ويكون فعلها دائماً وأبداً يحرص عليه، فلم يأت ذكر ركعات قبل العصر، أو قبل المغرب، أو قبل العشاء في الرواتب التي يداوم عليها، لكن جاء ما يدل على الصلاة بين كل أذان وإقامة الذي فيه راتبة، والذي ليس فيه راتبة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [(بين كل أذانين صلاة)]، يعني: بين الأذان والإقامة، يصلي الإنسان ما شاء من الصلوات، ركعتين، أو أكثر، وهذا شيء مستحب ولكنه ليس براتب، إلا أن السنن بعضها آكد من بعض، والسنن الرواتب العشر، أو الاثنتا عشر هي آكد من غيرها، فالعشر جاء فيها أحاديث تدل على ذلك، منها: هذا الحديث الذي أورده النسائي هنا، ويتعلق بصلاة العصر وأنه يصلي أربعاً، كما يشتمل على عدة صلوات، اشتمل على صلاة الضحى، وكذلك الصلاة عند ارتفاع الضحى عند ارتفاع الشمس، وكذلك قبل الظهر وبعدها، وقبل العصر، هذا الحديث اشتمل على هذه الأمور. فـعاصم بن ضمرة يقول: سألنا علياً عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار؟ فقال: إنكم لا تطيقون ذلك، يعني: المداومة على هذا، والملازمة لذلك، قالوا: إن لم نطق سمعنا، وفي بعض الروايات: [(نفعل ما استطعنا)]، فعند ذلك بين لهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار، فقال: إذا كانت الشمس من هاهنا وأشار إلى جهة المشرق، مثلها من هاهنا، أي: عند العصر، بمعنى: أنها عندما تطلع وترتفع فإنه يصلي في ذلك الوقت، فإذا كانت الشمس من جهة المغرب، يعني: مرتفعة لم تصل إلى الغروب، مثلها من جهة المشرق إذا طلعت وارتفعت وصار ارتفاعها من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب الذي هو في وقت العصر فإنه يصلي ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا، أي: من المشرق كهيئتها من هاهنا، معناه: أنها ارتفعت حتى صارت قريبة من الزوال، مثل ما إذا كانت الشمس من جهة المغرب قد زالت الشمس، ومضى شيء من وقت الظهر، يعني: أن هيئتها من المشرق قريبة من الزوال، كهيئتها من المغرب، يعني: بعد الظهر، حيث تكون قريبة من الزوال، وذلك في شدة الحر، وفي شدة الظهيرة قبل الزوال صلى أربعاً.وقد جاء في صحيح مسلم تسمية هذه الصلاة: صلاة الأوابين، قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، والفصال هي: أولاد البهائم، أولاد الإبل، عندما تشتد الحرارة تصيبها الرمضاء وتتألم من شدة الحرارة، فصلاة الأوابين حين ترمض الفصال، يعني: في وقت شدة حرارة الشمس، أي: قبل الزوال، فذكر أنه يصلي بعد طلوع الشمس إذا ارتفعت ركعتين، وعند اشتداد الحر قبل الظهر يصلي أربعاً، ويصلي ركعتين بعدها، ويصلي أربعاً قبل العصر، وهذا هو محل الشاهد، الصلاة قبل العصر أربعاً، هذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا.قال: [(ويصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة)].قوله: يفصل بين كل ركعتين من تلك الركعات التي هي أربع، يعني: التي هي قبل الظهر، والتي قبل الزوال، والتي قبل العصر، (يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين).والمق صود بذلك التشهد، معناه: أنه يتشهد بين كل ركعتين، يفصل بين كل ركعتين بتشهد، يسلم فيه على الملائكة، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، والمقصود من ذلك: ما جاء في التشهد: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ لأن معنى السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين: أن الإنسان يسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، في شروط الصلاة وبيان أركانها وما إلى ذلك، ذكر تفسير التحيات، وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، وهنا الحديث يقول: على الملائكة والنبيين الذين هم في السماء وفي الأرض، الملائكة في السماء، والنبيين في الأرض، الملائكة والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، فكون الإنسان يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، سلم على هؤلاء جميعاً.المقصود من ذلك: بالتشهد هذا، هو التسليم الذي يفصل فيه، يعني بالتسليم، ليس التسليم بالخروج من الصلاة، وإنما المقصود من ذلك التشهد، أي: أنه يفصل بين كل ركعتين بتشهد وتسليم، ويسلم كل ركعتين ويتشهد، والتشهد مشتمل على السلام على عباد الله الصالحين الذين هم الملائكة، والنبيون، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
    تراجم رجال إسناد حديث علي في الصلاة قبل العصر
    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو إسماعيل بن مسعود، وكنيته أبو مسعود البصري، ثقة، خرج حديثه النسائي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، مثل: حماد بن أسامة أبو أسامة، الذي مر قريباً، ومثل: هناد بن السري أبو السري، ومثل: أبو عمرو الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، كثير من المحدثين توافق كناهم أسماء آبائهم.[حدثنا يزيد بن زريع].وهو يزيد بن زريع، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو بصري واسطي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو قد وصف بوصف رفيع، من أعلى صيغ التعديل، وهو الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وقد حصل هذا الوصف لعددٍ قليل من المحدثين، منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني. وشعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وكونه بصرياً بعد كونه واسطياً، أي: أنه كان في واسط أولاً ثم كان في البصرة آخراً.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع هم جزء من همدان، وهمدان نسبة عامة وسبيع نسبة خاصة، وهو مشهور بالنسبة الخاصة، يقال: أبو إسحاق السبيعي، ومشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره مع النسبة فيقال: أبو إسحاق السبيعي، وأحياناً يأتي أبو إسحاق بدون النسبة؛ لأنه مشهور بالكنية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عاصم بن ضمرة].وهو عاصم بن ضمرة السلولي، صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[عن علي].وهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بل هو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصهره زوج ابنته فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (... كان رسول الله يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، قال: (سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار قبل المكتوبة؟ قال من يطيق ذلك؟ ثم أخبرنا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات، يجعل التسليم في آخره)].أورد حديث: علي رضي الله عنه من طريق أخرى وهو مختصر مشتمل على شيئين: أحدهما: أنه يصلي بعد أن تزيغ الشمس ركعتين، يعني: أن السنة أو الراتبة قبل الظهر اثنتان والروايات السابقة أربع قبل الظهر، أي: بعد الزوال قبل الظهر أربع ركعات، وفي هذه الرواية: ركعتين بعد الزوال التي هي راتبة الظهر قبلها وقبل نصف النهار أربع ركعات، وهذا مطابق لما تقدم في الروايات السابقة؛ لأن قبل نصف النهار، أي: إذا كانت الشمس من ها هنا، يعني: من جهة المشرق، مثلها من هاهنا في وقت الظهر، معناه: في وقت شدة الحرارة، فإنه يصلي أربعاً، وهذا مطابق لما تقدم من ذكر الأربع قبل الظهر، ولكنه غير موافق أو غير مطابق لما تقدم في الرواية السابقة من كونه قبل الظهر يصلي أربعاً وإنما هنا يصلي ركعتين، لكن ليس فيه ذكر ما يتعلق بالعصر التي هي موضوع الترجمة، وهي الصلاة قبل العصر؛ لأن الصلاة قبل العصر ليس فيها إلا ذكر الرواية الأولى، وهو أنه يصلي قبل العصر أربعاً، وقد ذكر في الرواية السابقة أنه يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة، والنبيين، وعلى من تبعهم من المؤمنين والمسلمين.وهنا قال: يجعل التسليم في آخره، وهذه الرواية مخالفة للروايات السابقة، ففيها: ذكر التسليم في الآخر، والروايات السابقة: أنه يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة، والنبيين، وعلى من تبعهم من المؤمنين والمسلمين، وهنا يقول: التسليم في آخره، فيحتمل أن المراد به: الخروج من الصلاة، أي: أن التسليم يكون المراد به الخروج من الصلاة، وهذا هو الذي يظهر من هذه الرواية، لكنها تختلف مع الراويات السابقة المتقدمة التي فيها الفصل بين كل ركعتين بالتشهد، ومن المعلوم: أن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل وكذلك في النهار مثنى مثنى، يعني: صلاته التي كان يداوم عليها والتي هي ثابتةٌ عنه أنه كان يصلي ركعتين ركعتين، يعني: في الليل وفي النهار، وهنا يقول: إن التسليم في آخره، فإن كان ثابتاً ومحفوظاً، فهو يدل على أن الأربع تصلى ويكون التسليم في آخرها.
    تراجم رجال إسناد حديث: (... كان رسول الله يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو محمد بن المثنى العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو من صغار شيوخ البخاري، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[أخبرنا محمد بن عبد الرحمن]وهو محمد بن عبد الرحمن، صدوق يهم خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا حصين بن عبد الرحمن].وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق وهو السبيعي، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا. عن عاصم بن ضمرة عن علي].
    الأسئلة

    لا يجوز تأخير الزكاة إلا للحاجة
    السؤال: هل يجوز تأخير زكاة المال بعد حولان الحول عليه إلى شهر رمضان؟الجواب: ليس للإنسان أن يؤخر دفع الزكاة عن وقت وجوبها إذا كان الفقراء موجودين، بل عليه أن يبادر إلى إيصالها إليهم؛ لأن هذا حق ثبت لهم، فيجب عليه أن يوصله إليهم ولا يؤخره، أما إذا كان المكان الذي هو فيه ليس فيه فقراء وأخر من أجل أن يأتوا أو أن يذهب إليهم ويوصل ذلك إليهم، إذا كان هذا من أجل أمر يدعو إليه وهو عدم وجود الفقراء يمكن أن تؤخر؛ لأنه دفعها لهم، أما إذا كانوا موجودين فلا يؤخر دفع الزكاة عن وقت وجوبها.
    التعريف اللغوي للإيمان
    السؤال: هل الإيمان باللغة: التصديق، أو الإقرار، بين لنا بدليل؟الجواب: الإيمان في اللغة: هو التصديق، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، يعني: بمصدق لنا، هذا هو المراد بالإيمان في اللغة الذي هو التصديق.
    لا فرق بين مصطلح أهل السنة ومصطلح السلف
    السؤال: هل هناك فرق بين أهل السنة والجماعة وبين كلمة السلف؛ لأن كثيراً من الطوائف يقولون: نحن أهل السنة، وينفرون من السلفية، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟الجواب: لا فرق بينهما، أهل السنة والجماعة هم سلف هذه الأمة، ومن سار على منهاجهم وعلى دربهم، لكن كلمة السنة والجماعة كل يدعيها المحق والمبطل، لكن السلفية، أو الانتساب للسلف، أو أنه سلفي، هذا لا يقدم عليه الكثيرون الذين يقدمون على أن يكون من أهل السنة والجماعة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #167
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (164)


    - (باب العمل في افتتاح الصلاة) إلى (باب رفع اليدين حيال الأذنين)

    إن على المسلم تطبيق السنة فيما يتعلق برفع اليدين في الصلاة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الصلاة حيال أذنيه أو منكبيه، فكان يرفعهما عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، والرفع منه، وبعد القيام من التشهد الأول.
    العمل في افتتاح الصلاة

    شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الافتتاح، باب العمل في افتتاح الصلاة.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم (ح) وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد عن شعيب عن محمد وهو الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود)]. يقول النسائي رحمه الله: كتاب الافتتاح، المراد بالافتتاح هو: الأفعال والأقوال التي تحصل عند بداية الصلاة، سواء كان ذلك عند الدخول فيها أو ما يكون في أوائلها، هذا هو المراد بالافتتاح، ثم عقبه بالترجمة وهي:باب العمل في افتتاح الصلاة، أي: ما الذي يعمله حين يفتتح الصلاة؟ افتتاح الصلاة يكون بالتكبير، ويقال لها: تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان إذا كبر تكبيرة الإحرام يكون دخل في الصلاة، فيمتنع عما كان حلالاً له قبل أن يدخل فيها، من الأكل، والشرب، والكلام، والالتفات، وغير ذلك من الأعمال التي يعملها الإنسان قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الصلاة بدايتها التكبير، أي: تكبيرة الإحرام، هذا هو الابتداء يكون بها، وعند حصولها يحرم عليه بعدها ما كان حلالاً عليه قبلها، مثل الإحرام، أو نية الإحرام في الحج، إذا دخل الإنسان في الإحرام في الحج حرم عليه بذلك الإحرام ما كان حلالاً عليه قبل ذلك، وهنا إذا أتى بتكبيرة الإحرام، وبدأ بالصلاة مفتتحاً الصلاة بهذا التكبير الذي هو تكبيرة الإحرام حرم عليه ما كان حلالاً له قبل ذلك.ويعرفون الصلاة بأن يقولوا: هي أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هذه هي الصلاة، أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدئة بالتكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام، مختتمة بالتسليم، وجاء في الحديث: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، أي: إذا سلم الإنسان حل له بعد التسليم ما كان حراماً عليه قبل أن يدخل في الصلاة، فالتكبير تحريم، والتسليم تحليل، التكبير تحريم لما كان حلالاً قبل ذلك، والتسليم تحليل لما كان ممنوعاً منه في الصلاة.فأورد النسائي رحمه الله حديث ابن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا افتتح التكبير في الصلاة، يعني: أنه أتى بالتكبير الذي هو مفتاح الصلاة، أو ابتداء الصلاة، يرفع يديه حين يكبر لهذا الافتتاح فيرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند التكبير للركوع، وعند التكبير للرفع منه، هكذا جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، من أن رفع اليدين عند التكبير يكون في ثلاثة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.وجاء في حديث: أبي سعيد الخدري موضع رابع، وهو عند القيام من التشهد الأول في الصلاة التي لها تشهدان، كالمغرب، والظهر، والعصر، والعشاء.قوله: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه)]. يعني: يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، أي يرفع يديه حتى تحاذيا المنكبين.قوله: (وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك).فعل مثل ذلك، أي: رفع يديه حذو منكبيه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قام من الركوع فعل مثل ذلك، يعني: رفع يديه حذو منكبيه.قوله: (وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود).يقول: إنه إذا قال: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع فإنه يرفع يديه ويقول بعد ذلك: ربنا ولك الحمد، يجمع بين التسميع والتحميد، أي: بين التسميع الذي هو: سمع الله لمن حمده، والتحميد الذي هو: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك عند السجود ولا عند الرفع منه، فالذي هو رفع اليدين حذو المنكبين يفعله في هذه الثلاثة المواضع.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه...)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو النسائي، ثقة، ثبت، خرج له النسائي وحده، وهو من بلد النسائي، وهو ممن انفرد به عن بقية أصحاب الكتب الستة؛ لأنه لم يرو له إلا النسائي.[حدثنا علي بن عياش].وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعيب].وهو ابن أبي حمزة الحمصي، ثقة، عابد، قيل: إنه من أثبت الناس في الزهري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، وهو إمام جليل، ومحدث فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، الذين أدركوا صغار الصحابة، ورووا عنهم مثل: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وقال فيه السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: أول من قام بجمعه بتكليف من السلطان، أما الكتابة وكون بعض المحدثين والعلماء يكتب فإن الصحابة فيهم من كان يكتب الحديث، والتابعون كذلك فيهم من كان يكتب الحديث لنفسه، لكن كون ذلك يتم بتكليف من السلطان، فهذا لم يحصل إلا في زمن عمر بن عبد العزيز، على رأس المائة الأولى، والذي كلف بهذه المهمة هو: ابن شهاب الزهري رحمة الله عليه.[أخبرني سالم].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن فقهاء المدينة السبعة، ستة منهم متفق على عدهم من فقهاء السبعة والسابع فيه ثلاثة أقوال: أحد هذه الأقوال: أنه سالم بن عبد الله بن عمر الذي هو الراوي في هذا الإسناد.
    مسألة تحويل السند (ح) واستعمالها لدى المحدثين
    [وحول الإسناد قال: أخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة].ثم حول الإسناد فقال: ح، وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة، و(ح) هذه تدل على التحويل، أي: والتحول من إسناد إلى إسناد، فيؤتى بـ(ح) مفردة ثم يؤتى بإسناد جديد بعدها، ثم يتلاقى هذا الإسناد الجديد بعدها مع ذلك الإسناد الذي تقدم قبلها، فيحصل تلاقيهما عند مكان معين، فتستعمل هذه الحاء الدالة على التحويل، والبخاري يستعملها قليلاً، ومسلم يستعملها كثيراً، والنسائي يستعملها قليلاً، والسبب في كون البخاري، والنسائي يستعملانها قليلاً: أنهما يأتيان بالأحاديث على الأبواب، والتراجم المختلفة، ويحصل تكرار الحديث والاستدلال به على موضوعات متعددة، فهم لهذا لا يحتاجون كثيراً إلى التحويل؛ لأن الحديث يروى في عدة مواضع، مستدلين به في موضع على مسألة معينة ويكون ذلك بإسناد، ثم يأتون به في موضع آخر للاستدلال به على مسألة معينة ويكون ذلك بإسناد، وأحياناً يتفق الإسنادان في الموضع الأول والثاني، ولهذا لا يحتاجان إلى التحويل، والذي أكثر من التحويل هو الإمام مسلم، وسبب ذلك: أنه يجمع الأحاديث في موضوع واحد، في مكان واحد، فيحتاج إلى أن يتحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه يجمعها في مكان واحد، لا يفرقها على الأبواب كما يفعل البخاري والنسائي، وإنما يأتي بالأحاديث المتعلقة بالموضوع في مكانٍ واحد، ثم لا يأتي بها، إلا أنه حصل منه التكرار في مواضع معينة تبلغ مائة وسبعة وثلاثين موضعاً، وقد حصرها الشيخ فؤاد عبد الباقي في الفهرس الذي عمله في صحيح مسلم، في الطبعة التي خدمها في أربعة مجلدات، والمجلد الخامس فهارس كان من جملة هذه الفهارس ذكر الأحاديث التي تكررت في أكثر من موضع على خلاف عادة مسلم، وبلغت جملتها مائة وسبعة وثلاثين حديثاً، جاءت في أكثر من موضع، وإلا فإن الغالب عليه أنه يأتي بالأحاديث في موضع واحد ولا يكرر الأحاديث، فمن أجل ذلك يحتاج إلى التحويل كثيراً؛ لأنه لم يعمل مثل ما عمل البخاري في التراجم والأبواب المختلفة التي يحتاج إلى أن يورد الحديث في أبواب متعددة، ليستدل برواية من روايات الحديث بإسناد من أسانيده على موضع من المواضع، فهذا هو المراد بالتحويل، والنسائي مقل منه، والبخاري مقل منه، والسبب هو ما ذكرت، ومسلم مكثر منه، والسبب هو ما ذكرت.[و أحمد بن محمد بن المغيرة].هو الحمصي، صدوق، خرج له النسائي وحده.[حدثنا عثمان هو ابن سعيد].الحمصي أيضاً.[عن شعيب].وهو حمصي أيضاً، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وكلمة (هو ابن سعيد) هذه الذي قالها، من دون أحمد بن المغيرة الذي هو التلميذ؛ لأن أحمد بن المغيرة لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن سعيد، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن لما كان أحمد بن محمد بن المغيرة، اقتصر على اسمه ولم ينسبه، الذي جاء بعده، إما النسائي، وإما من دون النسائي، أضاف كلمة (هو ابن فلان) ليعينه، وليبين من هو هذا المهمل، فقال: هو ابن سعيد، فقائلها من دون تلميذ عثمان هذا، إما النسائي، أو من دون النسائي.[عن شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة، الراوي في الإسناد المتقدم، وهو: حمصي، ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن محمد وهو الزهري].يعني: الإسناد الثاني فيه: أن شعيباً قال: عن محمد لم ينسبه، لكن من دون شعيب نسبه، فقال: هو الزهري، وأما الإسناد الأول فـشعيب يقول: الزهري، وهنا يقول: عن محمد، ثم من دون شعيب نسبه فقال: هو الزهري.[أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر].يعني: الإسنادان حصل تلاقيهما في شعيب.الإسناد الأول [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم ح].والإسناد الثاني [وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد عن شعيب عن محمد وهو الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر].يعني: هنا التحويل جعله بعد سالم، مع أن التلاقي كان قبل سالم، أي: عند شعيب التلاقي، فلا أدري ما وجه مد الإسناد الأول إلى سالم، ثم بعد ذلك يأتي الإسناد الثاني، مع أن التلاقي يكون قبل سالم، وقبل الزهري، وإنما هو عند شعيب الذي هو الراوي عن الزهري.يعني: هو الفرق بين الإسنادين: أن الإسناد الأول فيه: ذكر الزهري، أي شعيب عبر عن الزهري بقوله: الزهري، وأما الإسناد الثاني، الذي فيه: أحمد بن المغيرة، فـشعيب عبر عنه بـمحمد، أي: عبر عن الزهري بـمحمد، ثم أيضاً في الإسناد الأول لم ينسب سالم، الذي هو: ابن عبد الله بن عمر، وفي الإسناد الثاني نسب سالم فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلعل هذا هو السبب الذي جعله يجعل الإسناد الأول يمتد إلى سالم، مع أن التلاقي بين الإسنادين الأول والثاني إنما هو عند شعيب بن أبي حمزة الحمصي.[قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر].وابن عمر رضي الله تعالى عنه، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    رفع اليدين قبل التكبير

    شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين قبل التكبير.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري أخبرني سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين قبل التكبير، أي: عندما يدخل في الصلاة، وعندما يريد أن يكبر فإنه يرفع يديه ثم يكبر، وهذا استنبطه من قوله: ثم يكبر في نفس المتن.قال: [(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم يكبر)]، فكلمة [(ثم يكبر)]، هذا يدل على أن الرفع يحصل قبل التكبير، ليس معناه أنه يكبر ثم يرفع، وإنما يرفع ثم يكبر، يرفع يديه أولاً ثم يحصل منه التكبير، وليس معنى ذلك أنه يرفع يديه ثم ينزلهما ويكبر بعد ذلك، ولكن يرفع يديه ويوجد التكبير، لا يكبر ثم يرفع يديه، وهذا الحديث مثل الذي قبله، إلا أنه أورده من أجل ما ترجم له، وهو أن الرفع يكون قبل التكبير، وذلك وجهه التعبير بثم، أي: كونه يقول: ثم يكبر، يعني: بعدما يرفع
    يديه حذو منكبيه ثم يكبر.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر...)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله بن المبارك].وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن عدد جملة من صفاته في التقريب: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وسويد بن نصر، هو راوية عبد الله بن المبارك، ولهذا كل ما مر بنا في الأسانيد عن سويد، من روايته عن عبد الله بن المبارك، ولم يمر بنا حتى الآن إسناد فيه سويد، وهو يروي عن غير عبد الله بن المبارك، فهو راويته الذي يروي عنه، وهو مروزي، وشيخه عبد الله مروزي، فهما مروزيان ينسبان إلى مرو.[عن يونس].وهو ابن يزيد الأيلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وقد مر ذكره قريباً.[عن سالم عن ابن عمر].وقد مر ذكرهما.
    رفع اليدين حذو المنكبين

    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين حذو المنكبين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود)]. أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: رفع اليدين حذو المنكبين، وأورد حديث: ابن عمر من طريق أخرى، وهو نفس الحديث المتقدم، إلا أنه أورده هنا من أجل الاستدلال على الترجمة، وقبل ذلك أورده من أجل الاستدلال على العمل عند افتتاح الصلاة وأن رفع اليدين يكون قبل التكبير، ثم هنا أورده من أجل الاستدلال على أن رفع اليدين حذو المنكبين، وهو متقدم في الروايات السابقة، إلا أنه أورده هنا من أجل الاستدلال على هذه المسألة بالذات، وهي: أن الرفع عند التكبير للإحرام، وعند التكبير للركوع، وعند قوله: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع يكون حذو المنكبين.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة: ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة التي حصل لهذه المذاهب أتباع عنوا بجمعها، وتنظيمها، وترتيبها، والتأليف فيها، والإمام مالك رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر]. وقد مر ذكر الثلاثة في الأسانيد السابقة.
    رفع اليدين حيال الأذنين

    شرح حديث وائل حجر: (صليت خلف رسول الله فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين حيال الأذنين.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما افتتح الصلاة كبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين يرفع بها صوته)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين حيال الأذنين، والترجمة السابقة: حيال المنكبين، وهنا حيال الأذنين، وأورد فيه حديث: وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه: [أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يرفع يديه حين يكبر حتى تكونا حيال أذنيه]، وهذا هو المقصود من إيراد الترجمة.[وإذا أراد أن يركع، يعني: كبر وجعل يديه حيال أذنيه]، وكذلك عندما يرفع رأسه من الركوع، وليس في هذه الرواية ذكر رفع اليدين في غير الموضع الأول الذي هو عند التكبير للإحرام، والمقصود منه: أنه يرفعهما حيال الأذنين وقد جاء الرفع حيال الأذنين والرفع حيال المنكبين، وكل منهما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيفعل هذا، ويفعل هذا، كل هذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رفعهما إلى الأذنين، ورفعهما إلى المنكبين، ثم يقرأ الفاتحة، فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، وهذا فيه أن الإمام يؤمن عندما يقرأ الفاتحة، قال: [وإذا قال: آمين يرفع بها صوته].يرفع بها صوته، يقول: آمين ويرفع بها صوته، فيدل على أنه يقول: آمين، ويدل على أنه أيضاً يرفع بها الصوت.
    تراجم رجال إسناد حديث وائل بن ججر: (صليت خلف رسول الله فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. [حدثنا أبو الأحوص].وهو سلام بن سليم الحنفي، ثقة، متقن، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو الأحوص، توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وقتيبة، توفي سنة مائتين وأربعين، يعني: بين وفاتيهما إحدى وستون سنة، وقتيبة عمره تسعون سنة، كانت ولادته سنة خمسين، فهنا يأتي طول الإسناد، أو علو الإسناد، أي: كون الإنسان يكون معمراً ثم يروي عن شخص توفي ويعيش بعده مدة طويلة، ثم يروي عنه، مثل ما حصل لـقتيبة، فـأبو الأحوص سلام من السابعة، وقتيبة من العاشرة، فتجد من في العاشرة يروي عمن في السابعة، وذلك بسبب أنه عُمر وأنه عاش بعده، فليس الذي في العاشرة يروي عن التاسعة فقط، أو يروي عن الثامنة فقط، بل قد يروي عمن هو في السابعة، ومن هنا تتداخل الطبقات بسبب كون الإنسان يعمر ويعيش بعد موت شيخه الذي روى عنه، مثل هذا إحدى وستون سنة عاشها قتيبة بعد وفاة أبي الأحوص، ومثل: سفيان بن عيينة، يروي عن الزهري، والزهري توفي مائة وأربع وعشرون، أو مائة وخمس وعشرون، سفيان بن عيينة، توفي فوق المائة والتسعين، يعني: مسافة طويلة بين التلميذ والشيخ؛ لأنه عمر بعد وفاة شيخه، ومن هنا أيضاً تأتي الأسانيد العالية، مثل الثلاثيات عند البخاري، يعني: كونه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة، صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، أي: بهذه الطريقة، يعني: كون الراوي عمر، ثم روى عنه تلميذ، ثم عمر ذلك التلميذ الذي روى عنه في آخر حياته بعده مدة طويلة، وهكذا فيكون الإسناد عالياً، مع أن الأسانيد عند البخاري أحياناً تصل إلى ثمانية أشخاص، أي: بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً تكون ثلاثة، والسبب هو هذا التفاوت، أو كون الإنسان يدرك شيخاً في آخر حياته، وهذا التلميذ في أول حياته، ثم يعيش ذلك التلميذ وتطول حياته، فيروي عنه تلميذ له في أول عمره، وهذا في آخر عمره، فيأتي عند ذلك العلو في الأسانيد، وقلة الرواة بين المحدث وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الجبار بن وائل].وهو عبد الجبار بن وائل بن حجر، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقال عنه الحافظ ابن حجر: لكنه أرسل عن أبيه، أي: أنه لم يسمع من أبيه، فروايته عنه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه، والحديث من روايته عن أبيه، ولكن له شواهد تدل على ما دل عليه هذا الحديث الذي فيه كونه الإمام يقول: آمين، وأنه يرفع يديه حيال أذنيه، [وأبوه وائل بن حجر الحضرمي] صحابي، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري في جزء القراءة.وأما ابنه فأخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة سمعت نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)].أورد النسائي حديث: مالك بن الحويرث، وهو يشتمل على رفع اليدين حيال الأذنين، في الثلاثة المواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، يرفع يديه حيال أذنيه، وهو دال على ما دل عليه حديث وائل بن حجر، من حيث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام حيال الأذنين، أورد النسائي حديث: مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)].قوله: (وإذا أراد أن يركع)، أي: فعل مثل ذلك، يعني: يرفع يديه حيال أذنيه، وقد عرفنا أن السنة ثبتت في هذا وفي هذا، فالإنسان له أن يرفع حيال منكبيه، وله أن يرفع حيال أذنيه، وله أن يفعل أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا، كل هذا صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه)
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. وهو البصري، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[خالد].وهو ابن الحارث البصري، ثقةٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[شعبة]. وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة البصري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [سمعت نصر بن عاصم].وهو نصر بن عاصم، وهو بصري أيضاً، ثقة، خرج حديثه، البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن مالك بن الحويرث].وهو مالك بن الحويرث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً سكن البصرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد مسلسل بالبصريين، فإنهم من أهل البصرة، أولهم:محمد بن عبد الأعلى بصري، وخالد بن الحارث بصري، وشعبة بن الحجاج بصري؛ لأنه واسطي ثم بصري. وقتادة بصري.ونصر بن عاصم بصري، ثم مالك بن الحويرث بصري، فهو مسلسل بالرواة البصريين.
    شرح حديث مالك بن الحويرث: (رأيت رسول الله حين دخل في الصلاة رفع يديه... حتى حاذتا فروع أذنيه)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة رفع يديه، وحين ركع، وحين رفع رأسه من الركوع، حتى حاذتا فروع أذنيه)].أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتملت عليه الطريق الأولى، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفع يديه حيال أذنيه عند التكبير للدخول في الصلاة، أي: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، فهو دال على ما دلت عليه الرواية السابقة مما ترجم له المصنف، وهو أن رفع اليدين يكون حيال الأذنين عندما يدخل في الصلاة، وعندما يركع، وعندما يرفع رأسه من الركوع.
    تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث: (رأيت رسول الله حين دخل في الصلاة رفع يديه... حتى حاذتا فروع أذنيه)
    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد توفي قبله بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثل: يعقوب بن إبراهيم الدورقي في هذا، يعني: في كونه من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، هؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أي: سنة اثنتين وخمسين ومائتين.[عن ابن علية].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، [عن ابن أبي عروبة].وهو سعيد بن أبي عروبة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
    الأسئلة

    الصلاة في الروضة ليست من ذوات الأسباب
    السؤال: هل الصلاة في الروضة تعتبر من ذوات السبب فتصلى في أوقات النهي؟الجواب: لا، كون الإنسان يذهب للروضة إذا جاءها يصلي وتكون من ذوات الأسباب، لا، هي من جملة المسجد وحكمها حكم المسجد، إلا أنها لها فضيلة على غيرها من حيث أنه ورد فيها حديث خصها، هو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وهذا إنما هو في النافلة، وأما في الفريضة فالصفوف التي أمامها أفضل منها، والصفوف التي هي عنها من جهة الغرب، يعني: في ميامن الصفوف المحاذية لها أفضل منها.
    من السنة رفع اليدين بعد القيام من التشهد الأول
    السؤال: المذكور في الأحاديث عند النسائي ثلاث مواضع لرفع اليدين عند التكبير فيها، ولكن هل رفع اليدين بعد القيام من التشهد الأول في الثلاثية والرباعية من السنة أيضاً؟الجواب: نعم من السنة، والحديث عنها جاء من حديث أبي سعيد، وهو في صحيح البخاري، في رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.
    رفع اليدين في كل خفض ورفع
    السؤال: هل ورد حديثٌ يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؟الجواب: لا أدري، لا أعلم فيه شيء يدل عليه، لكن التكبير يكبر، فقد جاءت في ذلك الأحاديث أنه يكبر عند كل خفض ورفع، ولهذا في سجود التلاوة في الصلاة، يعني: كون الإنسان يكبر عندما يسجد، وعندما يقوم يشمله هذا الحديث: (كان يكبر في كل خفض ورفع)، يعني: أن هذا خفض ورفع، والتكبير يكون في الخفض والرفع، والإنسان إذا سجد في الصلاة للتلاوة فإنه يكبر، وإذا قام فإنه يكبر؛ لأنه يدخل تحت عموم ما جاء في أنه يكبر عند كل خفض ورفع، فالشيء الثابت هو: أنه يكبر عند كل خفضٍ ورفع، أما كونه يرفع يديه هذا جاء في هذه المواضع التي ذكرت الأربعة، ثلاثة في حديث ابن عمر، والموضع الرابع في صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه.
    حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده
    السؤال: هل على المأموم أن يقول مثل الإمام: سمع الله لمن حمده؟الجواب: اختلف العلماء في هذا، منهم من يقول: إنه لا يقول، ويستدلون على ذلك بالأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما وصف الصلاة قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، ولم يقل: إذا قال: سمع الله لمن حمده قولوا: سمع الله لمن حمده، وإنما قال: (قولوا: ربنا ولك الحمد)، فهذا التفصيل في الأقوال في الصلاة، أنه إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، يدل على أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وبعض العلماء يقولون: إنه يقول: سمع الله لمن حمده، ويستدلون على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده، إذاً المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، لكن هذا التفصيل في عمل المأموم حيث قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، يدل على أن الأولى ألا يقول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا ولك الحمد، كما أرشد إلى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رتب أو عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده بقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ولم يقل: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #168
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (165)


    - (باب موضع الإبهامين عند الرفع) إلى (باب القول الذي يفتتح به الصلاة)

    جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مبينة لكل أفعال الصلاة ومن ضمنها رفع اليدين وموضع الإبهامين عند الرفع، كما بينت أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها.
    موضع الإبهامين عند الرفع

    شرح حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين للتكبير
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع الإبهامين عند الرفع.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا فطر بن خليفة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أنه: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه) ].يقول النسائي رحمه الله: موضع الإبهامين عند رفع اليدين، فالمقصود من ذلك: أنهما تكادان تحاذيان شحمة الأذنين، وقد أورد النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه. والمراد بذلك ما كان بأسفلهما، أي: القطعة الرقيقة اللينة التي في أسفل الأذنين، هذه هي المراد، وهذا يتفق مع الأحاديث المتقدمة عن مالك بن الحويرث: حتى يحاذي فروع أذنيه، والمراد بذلك الأعالي، الفروع هي أعالي الأذنين، وإذا كانت الإبهامان تكاد، أي: تقرب أن تحاذي شحمة الأذنين، فإن الأصابع تحاذي أعلى الأذنين أو أعالي الأذنين، فهو متفق مع ما تقدم من ذكر الرفع حتى محاذاة فروع الأذنين، فهذا الحديث موافق لما جاء في الأحاديث المتقدمة من جهة رفع اليدين، وهذه إحدى الحالات التي ترفع اليدين فيها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنها حذو المنكبين.
    تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين بالتكبير
    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].محمد بن رافع هو القشيري النيسابوري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه أخرج له اصحاب الكتب الستة عدا ابن ماجة، وهو: من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، ومن طريقه روى حديث صحيفة همام بن منبه، أو أحاديث صحيفة همام بن منبه التي أوردها في مواضع كثيرة من صحيحه، فإنها كلها بإسناد واحد، وهي من طريق شيخه محمد بن رافع.[حدثنا محمد بن بشر].وهو الكوفي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا فطر بن خليفة].وهو صدوق، رمي بالتشيع، وأخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [عن عبد الجبار بن وائل].عبد الجبار بن وائل الحضرمي، وهو ثقة، أرسل عن أبيه، روايته عن أبيه مرسلة، وأخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه]وائل بن حجر الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وسبق أن مر بنا حديث أو حديثان من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وعرفنا أنها مرسلة، لكن قد جاء ما يعضد هذه الروايات التي جاءت عنه فيما يتعلق برفع اليدين، مثل حديث مالك بن الحويرث، فإنه دال على ما دل عليه حديث وائل بن حجر فيما يتعلق بالنسبة لرفع اليدين.والشيخ الألباني وضع هذا الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي، ولا يظهر لي وجه إدخاله؛ لأن الحديث الذي قبله الذي من طرق عبد الجبار بن وائل، والذي ذكره في جملة الصحيحة، هذا من جنسه، وأيضاً له شاهد كما أن لذاك شاهد، وهو الحديث الذي تقدم في الدرس الفائت.
    رفع اليدين مداً

    شرح حديث: (ثلاث كان رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين مداً.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد بن سمعان قال: (جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد، وإذا رفع) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين مداً، أي عندما يرفع الإنسان يديه للتكبير، فإنه يرفعهما مداً، والمد إما أنه يراد المبالغة في الرفع، أو يراد به أن اليدين تكونان ممدودتين، أي: ما تكونا عندما يرفعهما مقبوضتين، وإنما تكون ممدودة الأصابع، وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ثلاثٌ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وقد تركهن الناس: كان يرفع يديه مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد وإذا رفع).فقوله: (يرفع يديه مداً)، هذا هو المقصود بالترجمة، والمراد منه أنه يرفع يديه عند التكبير، يعني عند افتتاح الصلاة، ومثل ذلك عند الركوع، والرفع منه، والقيام للتشهد الأول كما عرفنا في الدرس الماضي، (ويسكت هنيهة)، قيل: إن المراد من ذلك هو السكوت عند افتتاح الصلاة، يعني بعد التكبير، في الصلاة الجهرية، فإنه يسكت، ويأتي بدعاء الاستفتاح، وأبو هريرة رضي الله عنه هو الذي سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عما يقوله في سكوته، أي في هذه الحال، وأخبره بدعاء الاستفتاح، وأنه كان يأتي بدعاء الاستفتاح، (ويكبر عند السجود وعند الرفع)، يعني أنه عندما يسجد يكبر، وعندما يرفع يكبر، قد جاء في بعض الأحاديث أنه يكبر عند كل خفض، ورفع طبعاً، ويستثنى من ذلك الرفع من الركوع؛ لأنه لا تكبير فيه، وإنما فيه التسميع، وما عدا ذلك فجميع ما يذكر عند الانتقال هو التكبير، إلا في موضع واحد وهو القيام من الركوع، فإنه يؤتى بالتسميع: سمع الله لمن حمده.
    تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاث كان رسول رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال فيه الذهبي وعبد الرحمن بن مهدي: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. يعني: أنهما يصيبان الهدف إذا اتفقا على جرح شخص.[حدثنا ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [قال حدثنا سعيد بن سمعان].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [أبو هريرة] وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    فرض التكبيرة الأولى

    شرح حديث المسيء صلاته
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فرض التكبيرة الأولى.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي فرض التكبيرة الأولى، يعني: أنها فرض لازم، وذلك أن الصلاة لا تنعقد إلا بها، ولا يكون الإنسان داخلاً في الصلاة إلا بهذه التكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام، وتسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان إذا أتى بها دخل في الصلاة لإتيانه بها، فيحرم عليه بعدها ما كان حلالاً له قبلها؛ لأنه قبل أن يكبر، ويدخل في الصلاة، له أن يأكل، ويشرب، وله أن يمشي، وله أن يتكلم مع غيره، وله أن يلتفت، وله أن يتصرف التصرفات التي يسوغ له أن يتصرفها، فإذا حصل منه التكبير فإنها تحرم عليه، وتكبيرة الإحرام هي مثل النية في الإحرام في الحج، يحرم عليه عند الإحرام، وعند نية الإحرام ما كان حلالاً له قبلها، وقد جاء في الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، تحريمها التكبير، يعني: أن الإنسان يكون دخل بها، وحرم عليه بالدخول بها، أي: الصلاة ما كان حلالاً قبل ذلك، وذلك بالتكبير، وتحليلها التسليم، هذا التحريم وهذا الامتناع الذي يكون والإنسان يصلي، ينتهى منه بالتسليم، فإذا وجد التسليم يعود الإنسان إلى ما كان عليه قبل تكبيرة الإحرام، فله أن يتكلم، وله أن يلتفت، وله أن يشرب، وله أن يأكل، وله أن يخاطب غيره؛ لأن (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، فكما قلت: يقولون في تعريف الصلاة شرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فبدايتها تكبير ونهايتها تسليم، (تحريمها التكبير، وتحليها التسليم)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتكبيرة الإحرام فرض، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، وإذا وجدت تكبيرة الإحرام، عند ذلك دخل الإنسان في الصلاة، وبدونها لا يكون الإنسان دخل في الصلاة.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة، وهذا الحديث مشهور بحديث المسيء في صلاته؛ لأنه ما أحسن في صلاته، وما أصاب في صلاته، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشده، وأمره بأن يعيد الصلاة، وأنه لم يصل، ولما قال له: (والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني)، علمه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، والحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً..(أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجلٌ).فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، جاء إلى النبي وسلم عليه، فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، يعني: أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، ولهذا قال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)؛ لأن قوله: (فإنك لم تصل)، يبين أن صلاته الماضية غير معتبرة، ولو لم يقل: (فإنك لم تصل)، لقال: إني قد صليت، لكنه أرشده إلى أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، فرجع وصلى كما صلى، ثم جاء وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم جاء إليه، وفي كل مرة يأتي، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه السلام، وفيه دليل على أن الإنسان إذا تكرر دخوله، ومجيئه إلى مكان معين، يأتي إليه، ثم يذهب، ثم يرجع، فإنه يسلم في كل مرة؛ لأن هذا تكرر منه السلام، ثم يذهب، فيصلي، ثم يأتي، فيسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد علي السلام، ففي هذا تكرار السلام في المجلس الواحد، إذا ذهب الإنسان ورجع إليه فإنه يسلم مرةً أخرى، ولا يكفي سلامه الأول الذي حصل قبل ذهابه منه، وإنما في كل مرة يأتي يسلم، كما فعل هذا الصحابي، ورد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عليه. وعندما فعل هذا ثلاثاً، فلم يكن ما حصل منه أولاً خطأ في تلك المرة فقط، فحصل منه استعجال أخلّ بالصلاة، وإنما كان على وتيرة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وصلاته على هيئة واحدة، فعند ذلك قال: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني)، حلف وأقسم بأنه لا يعرف غير هذا، وأن هذا هو الذي يعرفه من كيفية الصلاة، وطريقة الصلاة، وطلب منه أن يعلمه، وهذا الذي حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم كونه يعيده ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يأتي، ثم يحلف بأنه ما يعرف إلا هذا، ويطلب التعليم، لا شك أنه عندما يعلم يقع ذلك التعليم في نفسه، وسينتبه جيداً لتلقيه؛ لأن كونه فعل ذلك ثلاث مرات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم بعد ذلك يحلف بأنه لا يعرف غير هذا، ويطلب التعليم، فيعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام، لا شك أن التعليم بعد هذه الأمور فيه رسوخ، وفيه تمكن من الأخذ والتلقي، ما دام أنه سبقه هذه الأحوال.فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث: فرض التكبيرة الأولى، (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، معناه: أن الإنسان يدخل في الصلاة بالتكبير، فالتكبير أمر لازم، وهي أول فروض الصلاة، أول أركان الصلاة؛ لأن الدخول يكون بها، فهي أول فرض يكون في الصلاة، عند إيقاعها، وتنفيذها، فإن أول فرض فيها هو التكبير للدخول في الصلاة الذي هو الإحرام، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرت: (تحريمها التكبير).(إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وهذا استدل به بعض العلماء على أن قراءة الفاتحة ليست بلازمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وقد يتيسر مع الإنسان من القرآن غير الفاتحة، لكن جاءت الأحاديث الخاصة الدالة على تعين قراءة الفاتحة، وعلى لزوم قراءة الفاتحة، فدل على أن ما جاءت به السنة من بيان لزومها، أن هذا هو المتعين، ويحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (ما تيسر معك من القرآن)، على ما بعد الفاتحة، أو يكون في حق الإنسان الذي ما تعلم الفاتحة، يعني قبل أن يتعلمها إذا كان يحفظ شيئاً فإنه يؤدي الصلاة به، لكن يتعين عليه أن يأتي بسورة الفاتحة وأن يحفظها، وأن يتعلمها؛ لأنها مطلوبة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وقد جاءت الأحاديث الدالة على فرضها، ووجوبها، ولزومها، وأنه (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فهي متعينة.(ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، معناه: أنه يطمئن في ركوعه، أي: ما يكون هناك استعجال، وإنما يكون فيه اطمئنان في هذه الأفعال التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع يعني من الركوع؛ حتى تعدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام نبهه على الشيء الذي رآه أخل به، وهو هذه الأفعال، وأنه لم يطمئن فيها، بل كان مستعجلاً، فنبهه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يطمئن في هذه الأفعال، ولم يعلمه الأمور الأخرى التي هي التشهد، والسلام وما إلى ذلك، ولعله لم يكن مخلاً في تلك، وإنما أخل في الركوع، وفي القيام، وفي السجود، وفي الجلوس بعد السجود الذي بين السجدتين، فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاطمئنان في هذه الأفعال. ثم قال: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، أي: كل ركعات الصلاة تعمل فيها مثل ما عملت في هذه الركعة، وهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في بيان كيفية الصلاة، وكذلك فيما يتعلق بالاطمئنان بها، وفيه أن الإنسان إذا ما اطمأن في أفعاله: الركوع، والسجود، والجلوس، والقيام، أنه لا يعتبر مصلياً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإنك لم تصل)، أي: ما وجدت منك الصلاة المشروعة المطلوبة التي تحصل براءة الذمة بها، فأرشده النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بعد هذا الترداد وبعد حلفه بأنه لا يحسن غير ذلك.
    تراجم رجال إسناد حديث المسيء صلاته
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو محمد بن مثنى العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو: رفيق محمد بن بشار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفقا معه في الشيوخ، والتلاميذ، واتفقا في كونهما جميعاً من أهل البصرة، ولهذا قال عنهما الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان. ولدا في سنة واحدة، ومات في سنة واحدة، وهم من أهل البصرة، واشتركا في الشيوخ والتلاميذ، فصارا كفرسي رهان.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان، تقدم ذكره قريباً.[حدثنا عبيد الله بن عمر]. هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بخلاف أخيه المكبر الذي هو عبد الله فإنه ضعيف، عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وأما أخوه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب فهو ضعيف، فالمصغر ثقة، والمكبر ضعيف.[حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].كيسان أبو سعيد المقبري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره.
    القول الذي يفتتح به الصلاة

    شرح حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول الذي يفتتح به الصلاة.أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة وعن أبي عبد الرحيم حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (قام رجلٌ خلف نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صاحب الكلمة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً) ].أورد النسائي القول الذي يفتتح به الصلاة، يعني: الدعاء الذي يفتتح به الإنسان صلاته، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجلٌ خلفه: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال: من قائل هذه الكلمة؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسول الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)، أي: كل واحد يبادر ويسارع إلى كتابتها، فهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء في افتتاح الصلاة، ويدل أيضاً على أن الكلمة تطلق على الكلام؛ لأن قوله: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً)، أطلق عليه أنها كلمة؛ لأن الكلمة تأتي ويراد بها الكلام، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثل هذا الحديث، ومثل حديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيءٍ ماخلا الله باطل) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالمراد بالكلمة هنا الكلام، وليس المراد بها كلمةً واحدة مفردة، ولهذا يقول ابن مالك في أول ألفية: واحده كلمة والقول عموكلمة بها كلام قد يؤموقد يقصد بالكلمة الكلام، ولهذا يقال: فلان ألقى كلمة، والمراد بالكلمة كلمة طويلة، وليست كلمةً واحدة ولفظاً واحداً، فالكلمة تأتي للفظة مفردة واحدة، وتأتي أيضاً ويراد بها الكلام، ومن مجيئها مراداً بها الكلام هذا الذي في هذا الحديث: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، قال: من قائل هذه الكلمة؟)، يعني الكلام الذي قيل، وهو ليس كلمة واحدة، لكن كلمة يراد بها الكلام. ثم أيضاً فيه بيان عظم شأنها، وأن الاثني عشر ملكاً يبتدرونها كل واحد منهم يبادر إلى كتابتها.(لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً).أي: كل واحد يبادر إلى كتابتها، وهذا يدل على فضل هذه الكلمة، ولهذا جاء عن ابن عمر أنه ما ترك ذلك منذ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا.
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة
    قوله: [أخبرنا محمد بن وهب].محمد بن وهب الحراني، وهو صدوق، أخرج له النسائي وحده.[حدثنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهناك محمد بن سلمة آخر وهو: الجملي المرادي، وهو ثقة، وهو متأخر عن هذا، وهو الذي يروي عنه النسائي مباشرة، إذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي فالمراد محمد بن سلمة المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه بواسطة، فالمراد به هذا الذي معنا الذي هو محمد بن سلمة الحراني.[وعن أبي عبد الرحيم].وهي كنية اشتهر بها خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو مشهور بكنيته أبي عبد الرحيم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.[حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة].ابن أبي أنيسة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وقوله: هو ابن أبي أنيسة، هذه قالها من دون أبي عبد الرحيم؛ لأن أبا عبد الرحيم لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن أبا عبد الرحيم أتى بـزيد فقط عند روايته عن شيخه، ولم ينسبه، فمن بعد أبي عبد الرحيم هو الذي أتى بهذه النسبة، وذُكرت بقوله: هو؛ حتى لا يظن أنها من التلميذ؛ لأنه لو لم يأتِ بـ(هو) لظن أنها من التلميذ، والتلميذ ما نسبه، وإنما أتى به بلفظ مفرد الذي هو زيد، ومن دونه أراد أن يوضح، لكنه أتى بكلمة هو الدالة على أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ.[عن عمرو بن مرة].عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن عبد الله].هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن عمر].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    شرح حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا إسماعيل عن حجاج عن أبي الزبير عن عون بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟، فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، وذكر كلمة معناها: فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله)]. أورد حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيها ما في التي قبلها، إلا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال له: من قائل هذه الكلمة؟ وقال: أنا، قال: عجبت لها، ثم قال كلمةً معناها: فتحت لها أبواب السماء. يعني: قال كلمة معناها، معنى هذه الكلمة: فتحت لها أبواب السماء، معناه: أن الكلمة هذه لم يتقن لفظها، ولكنه أتى بمعناها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر:[ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله].
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى
    قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي].بتشديد الراء، والمراد بالمروذي نسبة إلى مر الروذ، ويقال: مرو الروذي، ويؤتى بها مختصرة فيقال: المروذي، وهي نسبة إلى بلد أو إلى مدينة اسمها مر الروذ، وقيل لها: مر الروذ؛ حتى تتميز من مرو الشاهجان التي ينسب إليها مروزي، ينسب إليها فيقال: المروزي، وأما مر الروذ فينسب إليها فيقال: المروذي، وأكثر النسب تأتي المروزي نسبة إلى مرو الشاهجان، وهما بلدان متقاربان، قيل: إن بينهما أربعون فرسخاً، فينسب إلى مرو الشاهجان المروزي، وينسب إلى مر الروذ المروذي، ومحمد بن شجاع شيخ النسائي ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا إسماعيل].وهو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، وهو ثقة، ثبت، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، هو مشهور بـابن علية.[عن حجاج].وهو ابن أبي عثمان الصواف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزبير].محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
    الأسئلة

    جمع أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة
    السؤال: كم عددٍ من أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة؟الجواب: لا تجمع أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة، وإنما يؤتى بدعاء واحد، وإذا أتى بهذا مرة، وبهذا مرة، وبهذا مرة، فلا بأس، والرسول صلى الله عليه وسلم ما جمعها، وإنما أتى بها في أحوال مختلفة، جاء عنه هذا في موضع، وهذا عنه في موضع، وعلم هذا، وعلم هذا، لكن لا يجمعها؛ لأن الرسول ما جمعها، وإنما أتى بكل واحد منها على حدة، أو علم هذا، وعلم هذا، وعلم هذا وهكذا، فهي أنواع من أنواع الاستفتاح، أي: أن أي واحد منها يأتي به وقد ثبت، فإنه موافق للسنة، أما كونه يجمعها، فهذا لا أعلم له دليل يدل عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله، وهذا الذي يسمونه اختلاف التنوع، كون واحد يأخذ مثلاً بنوع من أنواع الاستفتاح الثابت عن رسول الله لا بأس بذلك، هذا ما يقال فيه اختلاف تضاد؛ لأن هذا حق، وهذا حق، فأي واحد منها أخذ به فقد أخذ بحق.
    الاكتفاء بـ(الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا) في دعاء الاستفتاح
    السؤال: من قال: الله أكبر كبيراً إلى آخره، هل تكفي عن الاستفتاح؟الجوا ب: تكفي، لكن لو أتى بـ: الله أكبر وحدها، ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فهذا هو الأولى، وإن أتى به قال: الله أكبر، وهي التي حصل بها الدخول، والباقي أضافه إليها استفتاحاً جاز.
    حالة استخلاف الإمام أحد المأمومين وكيفيته
    السؤال: متى يجوز للإمام أن يستخلف إماماً بدلاً منه من المصلين؟الجواب: إذا اضطر إلى الخروج من الصلاة لأمر اقتضى ذلك، كأن يكون غلبه الحدث، وهو بحاجة إلى أن يذهب لقضاء حاجته، فإنه يستخلف، بمعنى أنه يرجع وراءه القهقرى، ويمسك واحداً يجعله يتقدم، ولا يستدير بل يستخلف وهو مستدير، ثم يقطع صلاته.
    الاختلاف بين الضمير ووجوه في قول ابن عمر
    السؤال: لماذا ذكر ابن عمر: ما تركته منذ سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، مع أن الصلاة عائد على الكلمة، ما تركتها؟الجواب: لأن الكلمة يراد بها الكلام، أي: ما تركت الكلام أو ما تركت الكلمة، فهو أتى به على أن المراد بها الكلام؛ لأن الكلمة يراد بها الكلام، فلا تنافي بين رجوع الضمير مذكراً أو مؤنثاً، فإن كان مؤنثاً فالمراد به الكلمة، وإذا جاء مذكراً فالمراد به الكلام.فيقال: ما تركت هذا الدعاء مثلاً.يمكن أن يكون المراد هذا الذكر أو هذا الكلام.
    حكم صلاة المنفرد خلف الصف
    السؤال: إذا قصر إنسان في الصف، ووقف منفرداً وصلى ركعةً واحدة منفرداً، ثم لحق به آخر واصطف معه، فما حكم صلاته؟الجواب: إذا حصل منه التقصير، فدخل في الصلاة منفرداً، مع وجود أماكن خالية في الصف لم يدخل فيها، فلا شك أنه فعل أمراًمنكراً، وأمراً غير سائغ، ولا تصح صلاته في تلك الحال، لكن كونه جاء معه أحد هل يقضي تلك الركعة التي ما اصطف معه أحد فيها؟ إذا كان دخل في الصلاة، ولم يركع، لم يحصل الركوع إلا بعد ما جاء أحد، فالأمر واضح ما فيه إشكال، وإنما الإشكال فيما لو مضى ركعة من الركعات، فهل يعيدها كما أمر بإعادة الصلاة كلها لما حصل منه من التقصير؟ لا أدري، ما أستطيع أقول فيها شيئاً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #169
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (166)

    - (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة) إلى (باب النهي عن التخصر في الصلاة)

    بينت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم صفة وضع اليدين في الصلاة عند القيام، وهي وضع اليد اليمنى على الكف والرسغ والساعد من اليد اليسرى، وللإمام الأعظم إذا رأى رجلاً على خلاف ذلك أن يعلّمه.
    وضع اليمين على الشمال في الصلاة

    شرح حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وضع اليمين على الشمال في الصلاة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن موسى بن عمير العنبري وقيس بن سليم العنبري، قالا: حدثنا علقمة بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)]. يقول النسائي رحمه الله: وضع اليمين على الشمال في الصلاة، أي: أن هذا من سنن الصلاة التي يفعلها الإنسان في صلاته عندما يكون قائماً، فإنه يضع يده اليمنى على يده اليسرى، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أورد فيه النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، فدل هذا على أن السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، وأن إرسال اليدين من دون قبض خلاف السنة، بل يقبض على اليسرى باليمنى، وتوضع اليمنى على اليسرى، وهذا فيما يتعلق بما كان قبل الركوع، وما بعد الركوع أيضاً يدل عليه هذا الحديث؛ لأن عموم قوله في الحديث: (أنه إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، يشمل ما كان قبل الركوع وما كان بعد الركوع، يعني: هذا لفظ يشمله؛ لأنه يطلق عليه أنه قائم، ومن المعلوم أن أحوال المصلي أربعة لا خامس لها: إما قيام، وهو قبل الركوع وبعده، وإما ركوع، وإما سجود، وإما جلوس بين السجدتين أو في التشهد، فهذه أحوال المصلي الأربعة التي لا خامس لها. وقوله: إذا كان قائماً في الصلاة، يشمل بلفظه ما قبل الركوع وما بعد الركوع، ومما يؤيد هذا ويدل عليه أن جميع أفعال الصلاة وجميع أحوال الصلاة الأيدي قد جعل لها عمل، ففي حال الركوع توضع على الركبتين، وفي حال السجود توضع على الأرض عند الأذنين، وبين الجلستين وفي التشهد الأول توضع اليسرى على الركبة وعلى الفخذ، واليمنى كذلك على الفخذ اليمنى عند الركبة، ويقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، فجميع أحوال الصلاة ما فيها ترك شيء بدون تعيين عمل يكون للأيدي، بل جميع الأحوال قد جاءت السنة بها، ومن المعلوم أن هذه الحال التي هي بعد الركوع المعول فيها على وضع اليمنى على اليسرى على حديث وائل بن حجر: أنه إذا كان قائماً في الصلاة، وضع اليمين على الشمال، فكلمة (قائماً) تشمل ما قبل الركوع وما بعده، والذين ذهبوا إلى أنها لا توضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، قالوا: إن الأحاديث المفصلة لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم والمبينة لجميع أفعالها ما نصت على وضع اليدين أو على حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع، فليس فيها: بعد الركوع يكون كذا وكذا، ما جاء فيها شيء، لكن هذا اللفظ الذي ورد في هذا الحديث لفظ يشمل أحوال القيام، والقيام هو إما قبل الركوع وإما بعد الركوع، وكلام وائل بن حجر أنه إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال، يدل بعمومه على الحالتين: ما كان قبل الركوع، وما كان بعد الركوع. ثم أنه ستأتي في حديث وائل بن حجر كيفية الوضع؛ لأن اليد اليمنى توضع على الكف، والرسغ، والساعد، بمعنى أن الأشياء الثلاثة من اليد اليسرى تأتي عليها اليد اليمنى التي هي الساعد والرسغ والكف، والرسغ هو: المفصل الذي بين الساعد والكف، فتفصيل ذلك وتبيين كيفية الوضع بينها حديث وائل بن حجر الذي سيأتي، وهذا الحديث فيه وضع اليد اليمنى على اليسرى، لكن ليس فيه تفصيل هذا الوضع؛ لأن قوله: وضع اليمنى على اليسرى، يحتمل أن يكون اليمنى كلها على الساعد، ويحتمل أن تكون على الكف، لكن جاء حديثه الآخر فبين أنه يكون على الثلاثة: على الساعد، وعلى الرسغ، وعلى الكف.
    تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله بن المبارك المروزي].وهو إمام، محدث، عابد، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن عدد جملةً من صفاته الحميدة في التقريب، قال: جمعت فيه خصال الخير. وحديث عبد الله بن المبارك أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن عمير].وهو موسى بن عمير العنبري التميمي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[قيس بن سليم]. قيس بن سليم يروي عنه عبد الله بن المبارك ، وهو قيس بن سليم العنبري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، والنسائي.[حدثنا علقمة بن وائل].علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي، وهو صدوق خرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبيه].وائل بن حجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحضرمي، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وذكروا في ترجمة علقمة بن وائل: أنه لم يسمع من أبيه، ونقل هذا عن يحيى بن معين، والذي فيه الكلام الكثير حول عدم سماعه من أبيه هو عبد الجبار الذي سبق أن مر ذكره في بعض الأحاديث الماضية، وأما علقمة بن وائل، فجاء عن ابن معين أنه قال: إن حديثه مرسل، لكن صحح بعض العلماء سماعه، وأثبت سماعه من أبيه، وقد ذكر ذلك الصنعاني في سبل السلام عند شرح حديث زيادة: (وبركاته) في السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الخروج من الصلاة؛ لأنها جاءت من طريق علقمة بن وائل عن أبيه، وقال الحافظ عنها: إسناده صحيح، يعني: في البلوغ، وقال الصنعاني: إن سماعه ثابت من أبيه، وإنما الكلام في عبد الجبار، هذا هو الذي الكلام كثير في عدم سماعه من أبيه، لكن مع هذا فإن هذا الحديث الذي جاء في هذا الإسناد قد جاء من طريق أخرى ليس من طريق علقمة، وإنما من طريق شخص آخر ليس من أبنائه، وفيه وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، يعني بعدما يكبر يضع اليمنى على اليسرى على الرسغ والكف والساعد، فهو يعتبر شاهداً أو يعتبر متابعاً لما جاء في حديث وائل بن حجر هذا الذي من رواية علقمة بن وائل عن أبيه.
    في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه

    شرح حديث ابن مسعود في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب سمعت أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ بيميني، فوضعها على شمالي) ].أورد النسائي ما على الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه في الصلاة، أي: عكس ما هو مشروع، فأورد فيه حديث ابن مسعود: أنه رآه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الصلاة قد وضع شماله على يمينه، فجاء إليه وهو يصلي وأطلق يديه وجعل اليمنى على اليسرى بدل أن تكون اليسرى على اليمنى، وهو في صلاته، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مصلياً في تلك الحال؛ لأنه جاء في سنن ابن ماجه: (مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي قد وضعت شمالي على يميني، فأخذ يميني وجعلها على شمالي)، وهنا قال في الترجمة: الإمام الذي هو: الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المسلمين عليه الصلاة والسلام، فأطلق يديه، ووضع اليمنى على اليسرى، يعني عكس ما هو موجود، وهذا فيه الدليل على جواز مثل ذلك فيما إذا كان الأمر واضحاً جلياً، أما إذا كانت القضية فيها خلاف، وفيها أن الإنسان يخفى عليه بعض الأحكام، فلا يقدم على فعل مثل هذا العمل، والنسائي رحمه الله ما أطلق الترجمة فقال: الرجل يرى، وإنما قال: الإمام يرى الرجل قد وضع شماله على يمينه، ولم يقل: الرجل يرى، يعني حتى يكون يعني ذلك عاماً شاملاً، لكن لو وجد الإنسان ولده وضع شماله على يمينه، ويعرف أنه جاهل، فإنه يفعل هذا الفعل بأن يطلق اليسرى ويجعل اليمنى هي العليا والشمال تحتها، عكس ما فعل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن هذا لا يسوغ لأي إنسان يرى إنساناً يعمل عملاً في الصلاة، والمسألة خلافية، فيأتي ويتصرف التصرف الذي يمنعه، بل يرشده إلى ما هو الأولى، اللهم إذا كان الأمر واضحاً، وهذا الشخص جاهل ليس على علم، أما إن فعله عمداً، وكان متبعاً في ذلك لقول من الأقوال، فمثل هذا لا ينفع فيه التغيير؛ لأنه لو أخرها سيرجعها كما كانت، أو لا يمكن أنه يسيء إليه، يعني هذا المصلي.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، وهو ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشيم].وهو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، وقد مر بنا بيان الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وأن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي؛ لأنه لا يتنبه إلى الإرسال، أما إذا كان الراوي يروي عن شخص لم يدرك عصره يروي عنه بعن أو قال فإن هذا مرسل واضح جلي، أما إذا كان معاصراً له ولكنه لم يلقه، وروى عنه، فيكون من قبيل المرسل الخفي، إذاً هناك تدليس، وهناك إرسال خفي، فالتدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، أي: اعتبر لقيه، وأخذ عنه، فيروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، أما إذا عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهذا هو الذي يقال له: المرسل الخفي؛ لأنه ليس كل يعرف هذا، بخلاف المرسل الجلي الواضح الذي يكون فيه الراوي لم يدرك عصر من روى عنه، فـهشيم معروف بالتدليس، وبالإرسال الخفي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الحجاج بن أبي زينب].وهو صدوق يخطئ، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [قال: سمعت أبا عثمان].أبو عثمان النهدي، واسمه: عبد الرحمن بن مل، أو مَل، أو مُل، مثلث الميم، وفيها الرفع، مُل، والفتح مَل، والكسر مِل، كلها يقال فيه هذا الاسم الذي هو اسم أبيه، وهو ثقة، ثبت، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن مسعود].عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء المشهورين في الصحابة رضي الله تعالى عنه، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه متقدم الوفاة، والعبادلة الأربعة متقاربون في الوفاة، وهم من الصغار، وأما هو فليس من صغار الصحابة، وهو متقدم الوفاة عن العبادلة الأربعة، الذي هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة، وابن مسعود ليس منهم، وإن كان قال بعض العلماء: إنه منهم، إلا أن المشهور أنهم كلهم من الصغار الذين تأخرت وفاتهم وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يدركوا زمن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    موضع اليمين من الشمال في الصلاة

    شرح حديث وائل بن حجر في موضع اليمين من الشمال في الصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن زائدة حدثنا عاصم بن كليب حدثني أبي: أن وائل بن حجر رضي الله عنه أخبره أنه قال: (قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فنظرت إليه فقام فكبر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، قال: ووضع يديه على ركبتيه، ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: موضع اليمين من الشمال في الصلاة، أي الموضع الذي توضع فيه اليمين على الشمال في الصلاة؛ لأنه لو جاء غير مفصل، لاحتمل أن يضعها على الساعد كلها، ويحتمل أن تكون كلها على الكف، لكن حديث وائل بن حجر هذا بين أنها تكون على الثلاثة التي هي الساعد والرسغ الذي هو المفصل الذي بين الكف والساعد والكف، فتكون على الثلاثة، هذا هو موضعها كما جاء في حديث وائل بن حجر هذا الذي يصف به صفة صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذاً ليس من السنة أن الإنسان يضعها كلها على ساعده أو على مرفقه أو يجعلها على كفه، وإنما يجعل اليمنى على الثلاثة: على الساعد، وعلى الرسغ الذي هو المفصل كما جاء في الحديث: (كان كم رسول الله إلى الرسغ)، أي: هذا المفصل الذي بين الساعد والكف، وعلى الكف، فهذه الثلاثة هي التي تكون عليها اليد اليمنى كما جاء مبيناً في هذا الحديث.إذاً الترجمة معقودة لبيان الموضع، والموضع هو: أن اليمنى توضع على الساعد والرسغ والكف. وائل بن حجر رضي الله عنه قال: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، أي: ينظر إليه حتى يعرف أفعاله عليه الصلاة والسلام، فنظر إليه فرآه حين كبر رفع يديه حتى حاذتا الأذنين، يعني في الرفع عند تكبيرة الإحرام، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى على الرسغ والساعد والكف.(ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها).أي: مثل الرفع الأول عند تكبيرة الإحرام، أي: أنه يرفع إلى أن يحاذي الأذنين.(ووضع يديه على ركبته).ثم لما ركع وضع يديه على ركبتيه، أي: كل يد وضعت على ركبة في حال الركوع.(ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها).يعني: مثل الرفع الأول، أي: ثلاثة مواضع ترفع فيها الأيدي، وهذا جاء في حديث وائل، وجاء في حديث ابن عمر الذي سبق أن مر أنها ترفع في المواضع الثلاثة، وأيضاً الرفع مثل الرفع في الموضعين الأولين حتى يحاذي الأذنين.(ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه).أي: وضعهما على الأرض بحذاء الأذنين.(ثم قعد وافترش رجله اليسرى).أي: جلس على اليسرى وجعل اليمنى منتصبة أطرافها إلى القبلة، وأما اليسرى فافترشها ولم يتورك، وإنما جلس عليها، بخلاف التورك، فإن التورك يكون الورك على الأرض وما يكون على الرجل، والرجل تخرج من تحت القدم اليمنى في حال التورك، لكن في حالة الجلوس بين السجدتين السنة هي الافتراش، وهي الجلوس على الرجل اليسرى.(ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى).أي: في حال الجلوس بين السجدتين، جعل الكف على الركبة وعلى الفخذ جميعاً.(وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض اثنتين من أصابعه). وهما: الخنصر والبنصر.(وحلق).أي : وحلق الوسطى مع الإبهام، وجعلها حلقة، وجعل يشير بإصبعه يدعو بها يحركها، فهذه الهيئة تقبض الركبة مع الفخذ، وتلك توضع على الفخذ مع رفع المرفقين عن الفخذين.وهذا الحديث مشتمل على كيفية صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتفصيل في كثير من المواضع: في حال التكبير رفع اليدين عند الإحرام وعند الركوع، والرفع منه، وكذلك وضع اليمنى على اليسرى، وكذلك وضع اليدين على الركبتين في الركوع، ووضع اليدين حيال الأذنين عند السجود، وافتراش الرجل اليسرى عند الجلوس، ووضع اليد اليسرى في حال الجلوس بين السجدتين على الركبة والفخذ، واليمنى تحلق الإبهام مع الوسطى مع قبض الخنصر والبنصر، والإشارة بالسبابة يحركها يدعو بها.
    تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع اليمين من الشمال في الصلاة
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما قريباً.[عن زائدة].وهو ابن قدامة الثقفي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عاصم بن كليب].وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[يروي عن أبيه].أبوه عاصم بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.[عن وائل بن حجر]. وائل بن حجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره قبل هذا.
    النهي عن التخصر في الصلاة

    شرح حديث: (أن النبي نهى أن يصلي الرجل مختصراً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن التخصر في الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن هشام (ح) وأخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك واللفظ له عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصراً)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب النهي عن التخصر في الصلاة، والتخصر هو: وضع اليد على الخاصرة، أي يجعل يده على خاصرته، فبدلاً من أن يجعل اليمنى على اليسرى يجعل اليد على الخاصرة، فهذا هو المراد بالتخصر في الصلاة الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي الرجل مختصراً، أي: واضعاً يده على خاصرته، أي: حال كونه مختصراً، بل السنة أن يضع اليمنى على اليسرى على صدره، هذه السنة، ووضعها على الخاصرة نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى أن يصلي الرجل مختصراً)
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[حدثنا جرير]. وهو ابن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. وهو ابن حسان، وهو ثقة، قيل: إنه أثبت الناس في حديث ابن سيرين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا سويد بن نصر]. (ح)، وهذه حاء التحويل من إسناد إلى إسناد، قال: وأخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك واللفظ له، وقد مر ذكرهما، ولما ذكر النسائي الإسنادين بين من له اللفظ، وأنه لـعبد الله بن المبارك. [عن ابن سيرين].وهو محمد بن سيرين البصري، وهو محدث، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة].أبو هريرة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث ابن عمر في نهي النبي عن وضع اليدين على الخصر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب عن سعيد بن زياد عن زياد بن صبيح قال: (صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما فوضعت يدي على خصري، فقال لي هكذا ضربة بيده، فلما صليت قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر ، قلت: يا أبا عبد الرحمن ، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه) ].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنه أن زياد بن صبيح، قال: صليت إلى جنب عبد الله بن عمر، فوضعت يدي على خصري، فقال برجل جنبه هكذا، وضرب بيده على يده التي وضعها على خاصرته، يريد أن يترك هذا العمل الذي هو فيه، وكان لا يعرفه، فلما فرغ قال لرجل إلى جنبه: من هذا؟ أي: هذا الذي جواره، فقال: هذا عبد الله بن عمر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ يعني لما ضربه وهو في الصلاة على يده، قال: إن هذا هو الصلب، وقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالصلب أنه يكون كهيئة المصلوب الذي يصلب على الجذع، فتكون هذه الهيئة تشبه هيئة المصلوب الذي يصلب على الجذع، فتكون يداه يد من هنا ويد من هنا على الخاصرة، فيكون كهيئة ذلك، وقد نهانا عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي فيه إسناد ذلك إلى الرسول؛ لأنه قال: قد نهانا عن ذلك، أي: أن نعمل هذا العمل الذي يشبه الصلب، وهو صلب المقتول الذي يقتل ويصلب في النخل، بحيث تجعل يداه تشبه هذه الهيئة التي يكون الإنسان فيها وهو يصلي. فقال لي هكذا، وهذا فيه إطلاق القول على الفعل؛ لأنه ما قال شيئاً، وإنما ضرب ضربة فقال هكذا، والقول يطلق على الفعل، وهذا منه، ويؤتى بالقول ويراد به الفعل، لأنه قال هكذا، وفعل هكذا، يعني فعل هكذا ضربة.(فلما صليت قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه).يعني ما رابك مني إذ ضربت على يدي؟ ماذا فعلت حتى تعمل هذا العمل؟ فقال: إن هذا هو الصلب، يعني عملك الذي عملته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في نهي النبي عن وضع اليدين على الخصر
    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سفيان بن حبيب].وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سعيد بن زياد].سعيد بن زياد الشيباني، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود والنسائي.[زياد بن صبيح]. وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن ابن عمر]. ابن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    الأسئلة

    بيان موضع الخنصر والبنصر من الأصابع
    السؤال: أين موضع الخنصر والبنصر من الأصابع؟الجواب: الخنصر والبنصر مقبوضتان، وأما الوسطى مع الإبهام فيحلق بهما، أي: تجعلان كالحلقة.
    هل ثبت حديث في السكتة التي بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة؟
    السؤال: هل ثبت حديث في السكتة التي بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة؟الجواب: ما أعلم، السكوت الذي ثبت هو السكوت الذي بعد التكبير وقبل القراءة كما جاء في حديث أبي هريرة الذي سيأتي: أن الرسول كان إذا كبر سكت هنيهةً ثم قرأ، فسأله أبو هريرة فقال: ما تقول؟ فأخبره بدعاء الاستفتاح، وأنه يقول دعاء الاستفتاح، أما السكوت بعد الفاتحة فما أعلم شيئاً يدل عليه.والسكوت كما هو معلوم قبل الفاتحة هو لدعاء الاستفتاح، فالإمام عندما يصلي بالناس يكبر ثم يأتي بدعاء الاستفتاح سراً بينه وبين نفسه، ثم يبدأ القراءة، وبعد الركوع ما أعلم شيئاً يدل على أنه يشرع له أن يسكت، لكن إذا كان يعني مثلاً أنه سكت ليختار سورة أو شيئاً ليقرأ به، فما هناك حرج في هذا، لكن كونه يسن أو يشرع للإنسان أن يسكت في هذا الوقت، ما نعلم شيئاً يدل عليه.
    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول
    السؤال: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول: واجبة أو مستحبة؟الجواب: ليس بواجب في التشهد الأول، لكن من العلماء من قال: إنه يتشهد فقط، ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه يصلي على النبي، لكن ليس بواجب في التشهد الأول، وإنما هو في التشهد الأخير، ويعتبر من أركان الصلاة عند بعض العلماء.
    التختم للرجال إنما يكون بالفضة
    السؤال: ما حكم تختم الرجل أو المرأة بخاتم من حديد أو نحاس؟الجواب: جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه حلية أهل النار، فلا يتختم بالخاتم من الحديد، وإنما الخاتم يكون من الفضة بالنسبة للرجال.
    أي شيء يباع ويشترى وبلغ النصاب وحال عليه الحول يزكى عليه
    السؤال: هل في الدكان والبقالة الصغيرة التي تبيع بعض المواد الغذائية زكاة؟الجواب: كل ما يعد للبيع والشراء إذا بلغ نصاباً ففيه الزكاة، يعني إذا بلغت هذه البضاعة نصاباً، فإنه يكون فيها زكاة بقالة أو غير بقالة، فأي شيء يباع ويشترى وله تجارة معينة قلت أم كثرت إذا حال الحول وبلغ القيمة مع النقود المتوفرة نصاباً فأكثر، فإنه يزكى.
    السنة بعد دفن الميت أن يقال استغفروا له واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل
    السؤال: هل السنة بعد دفن الطفل الصغير أن يقال: استغفروا لوالديه، أم هناك سنة غير ذلك؟الجواب: ما نعلم شيئاً يدل عليه، ما نعلم أنه يقال: استغفروا لوالديه، وإنما ورد في الكبير قال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل)، هكذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الصغير فما نعلم شيئاً يدل عليه.وكما هو معلوم فهؤلاء الذين هم غير مكلفين يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء النتيجة يتبين السعادة من الشقاوة، أو السعداء من الأشقياء.
    حكم تشميت المرأة الأجنبية
    السؤال: إذا عطست امرأة أجنبية عني وهي تمر بجانبي فقالت: الحمد لله، فهل من الواجب أن أشمتها؟الجواب: يمكن أن يشمتها مثل ما يرد السلام، لكن إذا كان الكلام هذا يصير فيه مدخل ووسيلة إلى التحدث فلا يجوز ذلك، أما إذا كان مجرد أن حمدت الله وقلت: يرحمك الله، وقالت: يهديكم الله ويصلح بالكم وهي ماشية في الطريق فما في ذلك شيء.
    التوفيق بين حديث: (التمس ولو خاتماً من حديد) وحديث: (هو حلية أهل النار)
    السؤال: جاء في الحديث (التمس ولو خاتماً من حديد)، فكيف نوفق بينه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هو حلية أهل النار)؟الجواب: الحديث الأول معلوم وهو حديث الواهبة، والحديث في الصحيحين، وقال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، فبحث ولم يجد حتى خاتماً من حديد، والمقصود من ذلك التفاهة، ولهذا قال: ولو، إشارة إلى حقارته وقلته، فالتعبير بـ(لو) يعني يشعر بهذا، فالتختم كما هو معلوم لا يتختم به، لكن يمكن أن يكون ذلك قبل أن يأتي ما يدل على التحريم، أو أنه يتخذ ولكنه لا يعني أن يتختم به، بمعنى أنه يمكن أن يستعمل في أمور أخرى، ويحتمل كما ذكرت أن يكون قبل أن يأتي النهي عنه، وبيان أنه من حلية أهل النار، والمقصود من ذلك الإشارة إلى حقارة وقلة المهر عند الحاجة إلى ذلك.
    حكم توصيل بعض النساء إلى مدارس التحفيظ بسيارة الأجرة
    السؤال: هذا السائل صاحب سيارة يسأل عن حكم توصيل بعض النسوة إلى مدارس تحفيظ القرآن، وإرجاعهن إلى بيوتهن؟الجواب: ما يصح للإنسان أن يركب معه امرأة أجنبية في سيارته، هذا لا يجوز للإنسان؛ لأن هذا فيه وسيلة إلى إيقاع الشيطان بينهما، ويمكن أن يهرب بها ويذهب بها كما يريد وهي في هذه السيارة، فليس للإنسان أن يفعل هذا، ولا يجوز له، بل إذا كان معها محرم فعل وإلا تركها.ولو كان ذلك في داخل البلد؛ لأن المحظور يحصل ولو كان في داخل البلد، فلا يجوز لصاحب سيارة أجرة أن تركب معه امرأة، فقد يوقع الشيطان بينهما ويذهب بها حيث أراد وهي في داخل السيارة ما تستطيع تنزل.
    المقصود من تبويب النسائي في قوله: (الإمام إذا رأى الرجل..) المقصود به إمام المسلمين
    السؤال: بوب النسائي رحمه الله في الإمام إذا رأى الرجل، هل الإمام إمام الصلاة أو إمام المسلمين؟الجواب : الذي يظهر أنه إمام المسلمين؛ لأنه قال: (مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فدل هذا على أنه الإمام الأعظم والإمام الأعظم هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #170
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (167)


    (باب الصف بين القدمين في الصلاة) إلى (باب نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة)

    حث الشارع المصلي على رص قدميه في الصلاة، وعلى محاذاة من على يمينه ومن على شماله من أجل تسوية الصفوف، وألا يدع فرجات للشيطان الذي يدخل من الخلل.
    الصف بين القدمين في الصلاة

    شرح طريقي حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصف بين القدمين في الصلاة. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن سفيان بن سعيد الثوري عن ميسرة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة: أن عبد الله رأى رجلاً يصلي قد صف بين قدميه، فقال: خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة أخبرني ميسرة بن حبيب سمعت المنهال بن عمرو يحدث عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه رأى رجلاً يصلي قد صف بين قدميه، فقال: أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إلي].يقول النسائي رحمه الله: [الصف بين القدمين في الصلاة].مراده بهذه الترجمة هو أن المصلي عندما يقوم في الصلاة يقارب بين قدميه فيصفهما ويعتمد عليهما جميعاً، هذا هو المراد، لعل هذا هو المراد بالترجمة، وأورد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريقين: أنه رأى رجلاً قد صف بين قدميه فقال: خالف السنة، ولو راوح بينهما لكان أفضل. والرواية الثانية: ولو راوح بينهما لكان أعجب إليَّ.والمراد بالمراوحة: أنه يعتمد على هذه تارة، وعلى هذه تارة، فعندما يعتمد على الثانية تستريح الأخرى، ثم بعد أن تستريح وتكون الأخرى قد اعتمد عليها، يعتمد على الأخرى التي قد استراحت، ثم تحصل الراحة للرجل الأخرى، هذا هو المقصود بالمراوحة بين الرجلين. والحديث من هذين الطريقين فيه انقطاع؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو مرسل، يعني: فيه انقطاع، وعلى هذا فالحديث غير ثابت، يعني: كون أن المشروع هو المراوحة، وأنه لا يجوز صف القدمين، ليس هناك شيء يدل عليه، وإنما المشروع هو التقارب، كل إنسان يقرب من جاره إلى جهة الإمام، ويقرب رجله إلى رجله، ويكون منكبه بجوار منكبه، وليس هناك شيء يدل على مشروعية المراوحة، ولا على صفهما جميعاً وتلاصقهما، وكون المصلي يعتمد عليهما جميعاً، وإنما يكون الأمر في ذلك واسعاً، المهم أن الإنسان يقرب من جاره إلى جهة الإمام، ولا يكون هناك فرجة، بل تتقارب الصفوف ويحصل التراص فيها، هذا هو الذي جاءت فيه الأحاديث: رص الصفوف والتقارب بينها، وكون كل واحد يقرب من جاره حتى لا يدع فرجة للشيطان.إذاً: فالحديث من هاتين الطريقين غير ثابت؛ لما فيه من الانقطاع بين أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبيه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة من الطريق الأولى
    قوله: [عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس، مشهور بهذه النسبة، وهو ناقد من النقاد، وكلامه في الرجال كثير، عندما يأتي الإنسان للتراجم وينظر في كلام المعدلين والمجرحين، يجد كلام الفلاس، أو نسبة التجريح أو التعديل إلى الفلاس كثيرة، وهو يأتي كثيراً بلفظ الفلاس، عندما يأتي في التعديل والتجريح للرجال، يقال: وثقه الفلاس أو ضعفه الفلاس، فهو مشهور بهذا، وهو لفظ مختصر يطلقونه كثيراً في التراجم عند ذكر توثيق الفلاس وتعديله للرجال، وهو عمرو بن علي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].يحيى، وهو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، الذي كلامه في الرجال كثير، ويأتي ذكره كثيراً يقال: وثقه القطان ضعفه القطان، فهذا هو الذي يأتي ذكره به كثيراً في كتب الرجال عند ذكر التراجم، وهو الذي قال فيه الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، أن يحيى بن سعيد القطان إذا اجتمع هو وعبد الرحمن بن مهدي على تضعيف شخص، وعلى جرحه فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: معناه أنهما يصيبان الهدف، ويصيبان في قولهما، ولا يكادان يخطئان، وهذه الكلمة من الذهبي تبين عظم شأن كلام هذين الرجلين إذا اجتمعا واتفقا على تضعيف شخص، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان بن سعيد الثوري].سفيان بن سعيد الثوري، هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، الثبت، الحجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف عال، ولقب رفيع، لم يظفر به إلا النادر القليل من المحدثين، مثل: سفيان هذا، ومثل: شعبة بن الحجاج، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل البخاري، والدارقطني، وغير هؤلاء، وصفوا أو كل واحد منهم وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل.وعندما يكون الثقات في القمة من الثقة والعدالة، يميزون بين الشخصين بأن يعدوا أخطاء هذا وأخطاء هذا، فإذا كان بالإحصاء أن أخطاء هذا أقل، اعتبروه أعلى ممن زادت أخطاؤه ولو قليلاً، وإذا كانت الزيادة يسيرة بين هذا وهذا، يقدمون هذا الشخص على ذاك الشخص بالتفاوت بينهما في قلة الخطأ، وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ميسرة].ميسرة، هو: ميسرة بن حبيب النهدي، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن المنهال بن عمرو].المنهال بن عمرو، هو: الأسدي الكوفي، وهو صدوق، خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري روى عنه أثراً في أول تفسير سورة فصلت عن ابن عباس طويل، وكان من عادة البخاري أنه يأتي بالإسناد في الأول، ويأتي بالمتن في الآخر، إلا أنه في هذا الإسناد عكس فجعل المتن في الأول والإسناد في الآخر، وذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الأثر: أن صنيع البخاري هذا يشعر بأن الإسناد يقلَّ عن شرطه، أو أنه لا يصل إلى شرطه، ولكنه من قبيل ما يحتج به، وفي إسناده المنهال بن عمرو الأسدي هذا، وقد خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي عبيدة].أبو عبيدة، هو: ابن عبد الله بن مسعود وقيل: إن اسمه كنيته: أنه لا اسم له غيرها، وقيل: إن له اسم آخر غير الكنية، واختلف فيه على أقوال، لكن هو مشهور بالكنية أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، خرج أحاديثه أصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله].وهو: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من المهاجرين، وهو رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وليس من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه متقدم عليهم، وهم متأخرون، وهم من صغار الصحابة، وهو ليس من الصغار، وقد عاشوا بعده زمناً، وأدركهم من لم يلق ابن مسعود، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، فهؤلاء هم المشهورون بلقب العبادلة إذا قيل: وقال به العبادلة من الصحابة، أي: هؤلاء الأربعة، وابن مسعود ليس منهم، وبعض العلماء عد ابن مسعود منهم، وأسقط واحداً من الأربعة، لكن ليس هذا هو الصحيح، بل الصحيح المشهور هو: أن العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، والذين كانوا في زمن متقارب، والذين عاشوا بعد ابن مسعود زمناً، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وروى عنهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن مسعود خرجه أصحابه الكتب الستة.هذا هو الطريق الأول، والإسناد كما عرفنا فيه: أبو عبيدة عن أبيه، وروايته عن أبيه منقطعة، لم يسمع من أبيه، فهو من قبيل المرسل، لكن هذا الإرسال ليس هو المرسل المشهور في عرف المحدثين: لأن المشهور في عرف المحدثين: أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المشهور، وعند الفقهاء: المرسل هو الذي فيه انقطاع، رواية الراوي عن من لم يلقه، فهذا من قبيل المرسل، وعلى هذا فالإسناد ضعيف، يعني: ليس بثابت لما فيه من الانقطاع.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة من الطريق الأخرى
    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود، وهو: أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وكنيته أبو مسعود، وقد ذكرت فيما مضى أن من أنواع علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وأن فائدة ذلك دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بالكنية، مع أنه مشهور بالنسب، إسماعيل بن مسعود لو جاء إسماعيل أبو مسعود، فمن لا يعرف أن كينته أبو مسعود يظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، ولكنه صواب، إن جاء إسماعيل أبو مسعود، أو جاء إسماعيل بن مسعود، الكل صواب؛ لأن أباه مسعود وكنيته أبو مسعود.[حدثنا خالد].خالد، هو: خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة، هو: شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، إمام في الجرح والتعديل، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، مثل ما حصل بالنسبة لسفيان الثوري، فقد أشرت إليه آنفاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني ميسرة بن حبيب سمعت المنهال بن عمرو].ثم بعد ذلك يتفق الإسنادان ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن أبيه، والعلة التي في الإسناد الأول، هي في هذا الإسناد؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وروايته عن أبيه مرسلة وهو منقطع، فلا يثبت الحديث من هذين الطريقين.وقول الصحابي: من السنة كذا، أو خالف السنة، يريدون بذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابي إذا قال: من السنة كذا، أو السنة كذا، أو تلك السنة، يقصد بذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، و(أل) فيها للعهد الذهني، يعني: ليس المراد بها سنة أخرى، يعني: سنة التابعين، أو روايات الصحابة، يعني الأقوال التي قيلت عنهم، وإنما المقصود بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما غير الصحابي لو قال: من السنة كذا، فلا يكون مثل قول الصحابي: من السنة كذا؛ لأنه يحتمل أن يكون عن الصحابة، وأن هذا مما هو معروف عن بعض الصحابة.
    سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة

    شرح حديث: (أن رسول الله كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)].أورد النسائي [سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة].يعني: بعد التكبير، بعد كونه يفتتح الصلاة بالتكبير يسكت، وذلك في الصلاة الجهرية كما هو معلوم؛ لأنها هي التي يتبين بها السكوت، بخلاف السرية فإنها كلها سكوت، فإذا كبر سكت، ثم أتى بالفاتحة، فهذه السكتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا افتتح الصلاة يسكت؛ ليأتي بدعاء الاستفتاح، كما جاء في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، وهذا مختصر من الحديث الذي بعده؛ لأن الحديث الذي بعده: سأل أبو هريرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ماذا تقول في هذا السكوت الذي بين التكبير والقراءة فبين له الدعاء الذي هو دعاء الاستفتاح، أو نوعاً من أنواع أدعية الاستفتاح الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: السكوت بعد تكبيرة الإحرام، وقبل القراءة للإتيان بدعاء الاستفتاح، هذه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما يدخل الإمام في الصلاة ويكبر، يسكت وقتاً يقرأ فيه دعاء الاستفتاح بينه وبين نفسه سراً، ثم بعد ذلك يأتي بالقراءة، فيبدأ بقراءة الفاتحة ثم بالسورة.والحديث هنا أورده المصنف من أجل السكوت بعد التكبير، وهذا هو مقصوده من إيراد هذه القطعة من الحديث، التي فيها ما يدل على السكوت، مع أنه جاء عن أبي هريرة مطولاً، وفيه ذكر دعاء الاستفتاح.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)
    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].محمود بن غيلان، هو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له أبو داود.[حدثنا وكيع].وكيع وهو: ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].سفيان وهو: ابن سعيد بن مسروق الثوري، الذي تقدم ذكره قريباً، وهو هنا مهمل لم ينسب، وفي طبقته سفيان بن عيينة، وهما في زمن واحد، ويشتركان في التلاميذ والشيوخ كثيراً، ولهذا يقال في بعض التراجم فيمن دونهما: روى عن السفيانين، وفيمن فوقهما: روى عنه السفيانان، والمراد: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، فهما في زمن واحد، إلا أن الثوري كوفي وابن عيينة مكي.والطريقة المتبعة عند العلماء في معرفة تمييز المهمل: إما بالرجوع إلى الأسانيد إذا كانت الأسانيد متعددة، وبذلك قد ينسب هذا المهمل في بعضها فيتضح المقصود؛ لأنه جاء في إسناد نفس الحديث إلا أنه عند مخرج آخر خرجه، وجاء مسمى منسوباً. إذاً: يعرف المهمل بهذه الطريقة.الطريقة الثانية: أن يعرف هل هذا الراوي الذي هو وكيع، أو الشخص الذي فوقه الذي روى عنه سفيان، وهو عمارة بن القعقاع.فـوكيع روى عن سفيان، وسفيان روى عن عمارة بن القعقاع.يعني: ينظر في تلاميذ الشيوخ، هل روى عنه الاثنان معاً، أو روى عنه أحدهما؟ فإذا وجد مثلاً في مثل تهذيب الكمال: أنه ما روى له إلا أحدهما، عرف بأن هذا هو الذي روى عنه؛ لأنه سمي ولم يسم الآخر، ما ذكر في الشيوخ ولا في التلاميذ مثلاً.والطريقة الثالثة: إن اشتركا في الشيوخ والتلاميذ، بأن يكون الذي دونه روى عن الاثنين، وهما رويا عن من فوقهما، عند ذلك ينظر إلى كثرة الملازمة وكثرة الاتصال، وكونه من بلده، فهذه ترجح أحد الشخصين على الآخر، هذا إذا اتفقا في الشيوخ والتلاميذ.وهنا: وكيع بن الجراح كوفي، وسفيان الثوري كوفي، ووكيع معروف بالإكثار عن الثوري والإقلال عن ابن عيينة، وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إنه يحمل على أنه الثوري؛ لأن وكيعاً معروف بكثرة الرواية عنه، وليس ابن عيينة؛ لأنه مقل من الرواية عنه، فعندما يأتي مهملاً، والراوي وكيع يحمل على أنه الثوري؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن الثوري، مقل من الرواية عن ابن عيينة، فيحمل على من يكون أكثر رواية عنه.ووكيع خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وسفيان الثوري كما ذكرت تقدم ذكره قريباً، وأنه ممن وصف بأمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عمارة بن القعقاع].عمارة بن القعقاع، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير]هو ابن عبد الله البجلي، جده جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو زرعة هذا ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي زرعة، واختلف في اسمه على أقوال، لكن شهرته إنما هي بكنيته أبي زرعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأبو زرعة هذه الكنية اشتهر بها جماعة، لكن إذا جاء في عصر التابعين، يعني: ممن يروي عن الصحابة، فالمراد به هذا ابن عمرو بن جرير؛ لأنه يروي عن الصحابة، وإذا جاء في القرن الثالث الهجري فهو: أبو زرعة الرازي، الذي روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً، وهو عبيد الله بن عبد الكريم، وهناك أبو زرعة الدمشقي، وهو بعده بقليل، وهناك أبو زرعة العراقي، وهو متأخر في القرن التاسع، يعني: ابن عبد الرحيم العراقي صاحب الألفية، ابنه مشهور بكنيته أبو زرعة، فأبو زرعة كنية اشتهر بها عدد، لكن بمعرفة أزمانهم يعرف كل واحد ولا يلتبس، وأبو زرعة هذا متقدم؛ لأنه في زمن التابعين، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
    الدعاء بين التكبيرة والقراءة

    شرح حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)].أورد النسائي الترجمة [باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة].التكبيرة التي هي: تكبيرة الإحرام، والقراءة التي هي: قراءة الفاتحة، يعني: ما هو الدعاء الذي يدعى به بين التكبيرة الأولى، التي هي تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة؟ أورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يقول فيه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسكت بعد التكبير هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول بين التكبير والقراءة؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، هذا هو الدعاء الذي كان يدعو به الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في الاستفتاح، بعد أن يأتي بتكبيرة الإحرام، وقبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة، يدعو بهذا الدعاء، الذي سأله عنه أبو هريرة، وأجابه صلى الله عليه وسلم عن سؤاله.وهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء؛ لأن من أدعية الاستفتاح ما هو ذكر، مثل: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، هذا ذكر وثناء على الله عز وجل، وفي أدعية الاستفتاح ما هو دعاء، مثل هذا الحديث الذي معنا: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، فهذا دعاء، والحديث يدل على استحباب الإتيان بهذا الدعاء، وكذلك بغيره من الأدعية، لكن لا تجمع كلها في موضع واحد، ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى به، لكن لا يجمع بينها، وإنما يؤتى بهذا في بعض الأحيان، وبهذا في بعض الأحيان.ثم أيضاً يدل على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن أبا هريرة سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدعاء، أو ماذا يقوله في هذا السكوت، فأجابه بذكر هذا الدعاء عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على معرفة أمور الدين، وتلقيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وسؤالهم إياه عن ما يحتاجون إلى سؤاله عنه، وتحملهم ذلك عنه، وتأديتهم ذلك الذي أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيرهم.وقوله: (بأبي أنت وأمي) هذا ليس قسماً، وإنما هو فداء، يعني: أنت مفدي بأبي وأمي، فداؤك أبي وأمي، هذا هو المقصود به، وليس من قبيل القسم، وهذه عبارة كانوا يستعملونها ولو كان الأب والأم توفيا؛ فإنها مستعملة عندهم، وجارية على ألسنتهم في التفدية، ولو كان هؤلاء الذين سيفدي بهم قد ماتوا، إلا أنه يدل على عظم شأن الذي يفديه ويعظمه، فقول أبي هريرة: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله)، أي: أنت مفدي بأبي وأمي يا رسول الله.والحديث سبق أن مر في أبواب الوضوء، وجاء هنا من أجل دعاء الاستفتاح.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة...)
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].علي بن حجر، وهو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي.[أخبرنا جرير].جرير، وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة].وهم رجال الإسناد المتقدم، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا، الذي جاء المتن فيه مختصراً، وهنا مطولاً.
    نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة

    شرح حديث: (كان النبي إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة.أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي أخبرني شعيب بن أبي حمزة أخبرني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت)].أورد النسائي نوعاً آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة، نوعاً آخر من أنواع الاستفتاح، وهو دعاء أيضاً كالذي قبله؛ لأن فيه طلب ورجاء، فهو دعاء، والذي قبله دعاء، وسيأتي ما هو ذكر وثناء على الله عز وجل، وهذا الحديث يقول فيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي).(كان عليه الصلاة والسلام إذا استفتح الصلاة كبر)، يعني: إذا أراد أن يستفتح الصلاة كبر؛ لأن افتتاح الصلاة بالتكبير، فالدخول بالصلاة هو بالتكبير، وقبل التكبير الإنسان ليس في صلاة، فإذا قال: (الله أكبر) لتكبيرة الإحرام دخل فيها، أي: الصلاة، ولهذا يقال: تحريمها التكبير، فإذا أراد أن يستفتح الصلاة كبر، يستفتحها بالتكبير، فهو بدايتها.قوله: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت).ففيه ثناء وفيه دعاء، في أوله ثناء وفي آخره دعاء، وقال: [نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة]، تغليباً لما جاء في آخره من الدعاء لسؤال أحسن الأخلاق، وأحسن الأعمال، وأنه لا يهدي إلى أحسنها إلا هو سبحانه وتعالى، ثم طلب الوقاية من سيئ الأعمال، فهو ذكر ودعاء، وهو نوع من أنواع الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي...)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد].عمرو بن عثمان بن سعيد، وهو: الحمصي، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي].شريح بن يزيد الحضرمي، وذكر في ترجمته: أنه وثقه ابن حبان، ولم يذكر في ترجمته شيء من الحكم عليه سوى توثيق ابن حبان له.[أخبرني شعيب بن أبي حمزة].شعيب بن أبي حمزة، وهو: الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني محمد بن المنكدر].هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر بن عبد الله].هو: جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
    الأسئلة

    الاسترقاء لانصراف الخطاب بدون سبب يذكر
    سؤال: أنا شابة أبلغ من العمر أربع وثلاثون سنة، كلما جاءني خطيب لا يقع النصيب، وبدأت أشك أن أكون مسحورة، خصوصاً وأن بعض الخطاب يوافقون ويتم كل شيء، ثم يغيرون رأيهم بدون أي سبب يذكر، فهل لي أن أذهب إلى بعض المشايخ أنا ومحرمي حتى يقرأ علي لعل الله أن يشفيني؟الجواب: لا بأس بالقراءة، أن تذهب إلى أحد ليقرأ عليها قرآناً ويرقيها برقية مشروعة، لا بأس؛ لأن من أصيب بمرض أو من حصل له شيء يكرهه، له أن يرقي نفسه، وله أن يرقيه غيره، لكن بالرقية المشروعة، المشايخ الذين هم أهل دين ما هم مشعوذون ودجالون، أما كونه يذهب إلى سحرة، أو إلى من يرقي رقى غير مشروعة، ليست من القرآن ولا من الأدعية المباحة، فهذا لا يجوز، أما الرقية إذا كانت من أحد مأمون لا يتهم بسوء فإنها مشروعة وسائغة.
    عمل وليمة لرجل شيعي إذا كان مسئولاً في العمل
    السؤال: يوجد رئيس في عملي شيعي، ولكنه لا يدعو إلى التشيع، والآن فصل من العمل لتقاعده لكبره، فهل لنا زملاؤه في العمل أن نعمل له وليمة وداع، ونحن أهل سنة؟الجواب: أبداً لا تعملوا له وليمة.
    منع الزوجة من أداء كل الفروض في المسجد النبوي
    السؤال: أنا من سكان جدة وأتيت إلى المدينة لزيارة بعض الأقارب لمدة أسبوع، ولكن زوجتي تريد أن تصلي كل الفروض في المسجد النبوي، وأنا أقول لها: يكفيك فرض في اليوم، فمن منا المصيب؟الجواب: على كل إذا أرادت أن تأتي لا تمنع، إذا كانت تأتي على هيئة ليس فيها محذور، لا تمنع من الإتيان للمسجد، إذا طلبت أن تأتي تأتي، حيث لا محذور في مجيئها، أما إذا كان لا يوافق على مجيئها لأمر محذور: كونها تخرج بحالة ما هي طيبة، فله منعها، فيمنعها من استعمال الطيب مطلقاً ليس في حال الذهاب إلى المساجد، بل في حال الخروج مطلقاً، حتى لا تفتن الناس، لكن لا تمنع النساء إذا أردن المساجد كما مرت بنا الأحاديث في ذلك:
    (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
    درجة حديث: (من صلى في مسجد أربعين صلاة كتبت له براءة من النفاق)
    سؤال: حديث: (من صلى في مسجد أربعين صلاة يدرك التكبيرة الأولى ..) هل هو صحيح؟الجواب: الحديث ليس ثابت (من صلى في مسجد أربعين صلاة كتبت له براءة من النفاق)، ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #171
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (168)


    (باب نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة) إلى (باب نوع آخر من الذكر بعد التكبير)

    وردت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنواع من الأدعية عند ابتداء الصلاة، منها ما فيه ثناء، ومنها ما اشتمل على دعاء، وهذا يجعل العبد في صلاته أمام ربه بين الثناء والدعاء، فيثني على ربه بين يدي سؤاله؛ فإن الأمر كله لله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
    نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة

    شرح حديث: (إن رسول الله كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءةأخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)]. يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة بين التكبير للدخول في الصلاة -الذي هو الإحرام- والقراءة التي هي قراءة الفاتحة، وقد سبق أن مر في حديث أبي هريرة: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي ماذا تقول؟ يعني: بين التكبير والقراءة، فقال: أقول كذا) الحديث.وقد مر أيضاً بعد حديث أبي هريرة نوع آخر من أنواع الذكر أو من أنواع الدعاء، وهنا قال: نوع آخر من أنواع الذكر والدعاء، قال: الذكر والدعاء، جمع بينهما لأن هذا الاستفتاح أو هذا الدعاء والذكر مشتمل على ذكر ودعاء، ليس ذكراً فقط وليس دعاءً فقط، وإنما هو جامع بين الذكر والدعاء، فأوله ثناء على الله عز وجل.. (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)، كل هذا ذكر لله عز وجل، ثم جاء بعد ذلك الدعاء، وهو سؤال الله عز وجل بأن يهديه لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنه سيئها لا يصرف عنه سيئها إلا هو، وأن يغفر له الذنوب لا يغفر الذنوب إلا هو، فهذا كله دعاء؛ لأن فيه ذكر وثناء على الله، ودعاء هو طلب من الله وسؤال من الله عز وجل.قوله: عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)].قوله: (إذا استفتح)، أي: إذا أراد أن يستفتح؛ لأن التكبير وهو: الاستفتاح، وهو البداية، هو: التحريم، يعني: أنه إذا أراد أن يدخل في الصلاة كبر؛ لأن تحريمها التكبير، وقبل أن يقول الإنسان: الله أكبر، له أن يفعل ما يشاء مما كان يفعله قبل الدخول في الصلاة، فإذا قال: الله أكبر دخل في الصلاة، فحرم عليه بعدها ما كان حلالاً عليه قبلها مما لا يجوزه في الصلاة من الكلام والأكل والشرب وغير ذلك من الأمور، والذهاب والالتفات، وغير ذلك من التصرفات التي لا تسوغ.قوله: (ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).(وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين)، فهو اتجه إلى الله عز وجل، وأقبل على الله، ودخل في صلاة يناجي فيها الله، ولهذا فقد وجه وجهه إليه، وأقبل بقلبه وكليته إليه، يسأله ويرجوه، ويعبده ويثني عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى.ثم قال: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، (إن صلاتي)، الصلاة التي هي هذه الصلوات الركوع والسجود، (ونسكي): الذبح، والذبح هو لله عز وجل، الصلاة لله والذبح لله وجميع أنواع العبادة لله عز وجل، ثم أتى بعد ذلك بما هو عام يشمل الدنيا والآخرة، والحياة والممات، (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، كل شيء له، وكل شيء بيده، وكل شيء في تصرفه؛ فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، هو الخالق وحده لا شريك له، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فكما أنه لا خالق إلا الله ولا رزاق إلا الله، فلا معبود بحق سواه.قال: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت).وهذا من التوسل بأسماء الله عز وجل، وأن الإنسان يجعل بين يدي دعائه ثناء على الله عز وجل، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت! ظلمت نفسي.. أو يثني على الله عز وجل، وأنه هو الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، المالك لكل شيء، ثم أيضاً كما أنه هو الملك المتفرد بالملك فهو المتفرد بالعبادة، والمستحق للعبادة، ففي ذلك ثناء على الله عز وجل بأفعاله، وبأسمائه، وبربوبيته، وملكه، وكذلك أيضاً اعتراف بأنه هو الإله الحق الذي لا تصلح العبودية إلا له سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره سبحانه وتعالى؛ لأنه الخالق وغيره مخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق، ولا تكون للمخلوق؛ لأن هذا الذي يتعبد مخلوق، فالمخلوق لا يعبد مخلوقاً، ولا يتعبد إلى مخلوق، وإنما يعبد الخالق، والله عز وجل خلق الخلق لعبادته، قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالعبادة حق الخالق، ولا يجوز أن يصرف المخلوق منها شيئاً للمخلوق، بل هي كلها للخالق وحده لا شريك له.
    الاعتراف بالخضوع والعبودية لله في استفتاح الصلاة
    وقوله: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنا عبدك ظلمت نفسي)، فيه اعتراف بالذل والخضوع والعبودية لله عز وجل، والله عز وجل ذكر في كتابه العزيز، وصف رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الذي هو كونه عبد لله، وهذا من أخص أوصافه أن يكون عبداً لله عز وجل، ولهذا عندما يأتي ذكر الأمور العظام يذكر بلفظ العبد، كقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، في الإسراء، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19]، فيأتي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله عز وجل، وأنه عبد لله في المقامات العالية والمقامات الشريفة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضاً يعجبه ذلك، ويحب أن يوصف بأنه عبد الله، ولهذا قال في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، إنما أنا عبد لله، فقولوا: عبد الله ورسوله، فهو عليه الصلاة والسلام، يحب أن يثنى عليه وأن يذكر بأنه عبد لله ورسوله، أنه عبد لله ورسول له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فوصف العبودية والرسالة من أخص أوصافه، وكان يحب أن يذكر بهذين الوصفين، ولهذا قال: (فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، فما دام أنه عبد لله، فالعباد يعبدون الله ولا يُعبدون، وهو رسول الله فلا يكذب، بل يطاع ويتبع، ويصدق في كل ما جاء به عن الله سبحانه وتعالى.وقوله: (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)، يعني: هذا كله تذلل وخضوع لله عز وجل، أولاً: ثناء على الله عز وجل بأنه الملك، وأنه الذي لا إله إلا هو، ثم اعتراف بذله وخضوعه وعبوديته لله بقوله: أنا عبدك، ثم قال بعد ذلك: (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)، ثم بعد ذلك دخل في المطلوب الذي مهد له بهذا التمهيد، وهو السؤال والطلب من الله عز وجل: فقال: (فاغفر لي).قوله: (فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت)، فهو سؤال من الله عز جل أن يهديه لأحسن الأخلاق، وأن يقيه سيئ الأخلاق، وأن يصرف عنه سيئ الأخلاق، ومع طلبه يثني على الله عز وجل، طلبٌ أولاً وثناء بعد ذلك، فإن قوله: (واهدني لأحسن الأخلاق) هذا دعاء، (لا يهدي لأحسنها إلا أنت) ثناء على الله عز وجل، (واصرف عني سيئها) هذا دعاء، (لا يصرف عني سيئها إلا أنت) ثناء على الله عز وجل.وقوله: [(لبيك وسعديك والخير كله في يديك)].يعني: أنك دعوتني وأمرتني بأن أصلي لك، وها أنا أوجه وجهي إليك، وأتجه إليك، وأصلي لك، وأستجيب لأمرك، وأخضع لأمرك، (والخير بيديك)، كل خير فهو من الله عز وجل، ما بالناس من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فالخير كله من الله.
    معنى قوله: (والشر ليس إليك)
    ثم قال: [(والشر ليس إليك)]، من المعلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن كل ما يقع في الكون والوجود، فهو بقضاء الله وقدره، وبخلقه وإيجاده، لا يكون في الكون شيء بغير إرادته ومشيئته وبغير خلقه وتكوينه سبحانه وتعالى؛ فالله تعالى خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فكل ما يقع في الكون فهو خلق الله، وهو إيجاد الله، ولا يقع إلا بمشيئة الله وإرادته سبحانه وتعالى.وقوله: [(والشر ليس إليك)]، ليس معنى ذلك: أن الله سبحانه وتعالى ليس خالق الشر، بل هو خالق كل شيء، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، فكل شيء خلقه، وكل مخلوق خلقه، وليس هناك إلا الخالق والمخلوق، والله تعالى هو الخالق وغيره المخلوق، والمخلوق منه ما هو خير ومنه ما هو شر، وكل ذلك خلق الله عز وجل وإيجاده، لكن الله عز وجل لا يخلق شراً محضاً لا يترتب عليه فائدة ولا يترتب عليه مصلحة، ويكون شراً من جميع الوجوه بحيث لا يكون فيه خير أصلاً، ولا يؤدي إلى خير، ولا يفضي إلى خير، فالله تعالى لا يخلق خلقاً يكون كذلك، ولكنه يخلق كل شيء لحكمة وبحكمة سبحانه وتعالى؛ فخلقه الشر لحكمة، وإيجاده الشر لحكمة، وهذه الحكمة منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو غير ظاهر، لكنه لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه خير بوجه من الوجوه، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله عز وجل، لما شرعه الله وأوجده، وجعله من أحب الأعمال وخير الأعمال، فهو لا يكون إلا بوجود الخير والشر، وبوجود الأخيار والأشرار، ولو جعل الله الناس أمة واحدة، ولو جعل الله الناس كلهم على الهدى، ما حصلت مقتضى هذه الحكمة، التي هي تميز أولياء الله من أعداء الله، والله عز وجل يقول: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149]، وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13]، فالله عز وجل قدر وقضى أن يكون الناس فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، وهؤلاء الذين هم فريق السعير، والذين هم أهل السعير، الله تعالى يبتلي بهم أولياءه ليجاهدوا في سبيله، وليدعوا الناس إلى الحق والهدى، كما قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، يعني: يدعو كل أحد، إلى دار السلام، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].إذاً: فالحديث لا يدل على أن الشر لا يضاف إلى الله خلقاً وإيجاداً وأن الشر له خالق غير الله، أبداً؛ كل شيء هو خلق الله وإيجاده، لكن الله عز وجل لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه خير ولا يترتب عليه مصلحة وفائدة بوجه من الوجوه.ثم أيضاً مما يناسب هذا المعنى أن يقال: إن الشر لا يضاف إليه استقلالاً وانفراداً، ولا يثنى على الله عز وجل بإضافة الشر إليه بأن يقال: يا خالق الشر! أو يا خالق الحيات! أو يا خالق العقارب! أو ما إلى ذلك من الأمور التي فيها شر، فلا تضاف إليه استقلالاً، ولكنها تضاف إليه في العموم، مثل قوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2]؛ لأن كل شيء خلقه، وفيه خير وفيه شر، فالاستعاذة من شر ما خلق، فلا يضاف الشر إلى الله عز وجل على سبيل الانفراد، وأن يخاطب ويدعى بكونه خالق الشر، وإنما يدعى بأنه خالق الخلق، وخالق السماوات والأرض، وكل ذلك الخير والشر يدخل في عموم خلقه سبحانه وتعالى، لكن كونه يدعى به استقلالاً وينادى به استقلالاً فلا يصلح ولا يناسب.ولهذا لما ذكر الله عز وجل عن الجن في سورة الجن عند ذِكر الخير والشر، جاء ذكر الشر غير مضاف وغير منسوب إليه، وبني للمجهول، وأما الخير فأضيف إلى الله عز وجل: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، مع أن الله تعالى هو الذي يريد الخير وهو الذي يريد الشر، لكن هذا من الأدب بأن الشر لا يضاف إليه على سبيل الاستقلال، والخير يضاف إليه، وكل شيء يضاف إليه هو على سبيل الإجمال، وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، فعند الخير قال: أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ، وعند الشر قال: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ، والذي أراد هو الله عز وجل.إذاً: هذا هو معنى قوله: [(والشر ليس إليك)]، ولهذا لا حجة للمعتزلة القائلين بأن العباد يخلقون أفعالهم، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والمعاصي هم التي يوجدونها، والله تعالى ليس خالقاً لها، الله تعالى يقول: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فالله تعالى خالق العباد، وخالق أفعال العباد، وكل شيء في الوجود فهو خلقه، ما يكون حركة ولا سكون، ولا وجود لذرة، ولا وجود لخير أو شر إلا بمشيئة الله وإرادته؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22].قوله: [(أنا بك وإليك)].(أنا بك): عائذ بك، ومعتصم بك، وملتجئ إليك، وصائر إليك، وآيل إليك، فأنا بك وإليك.[(تباركت وتعاليت)].ثناء على الله عز وجل.[(أستغفرك وأتوب إليك)].استغفار وتوبة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو: الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن مهدي].عبد الرحمن بن مهدي، وهو كذلك محدث، ناقد، ثقة، ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وهو: الماجشون، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عمي الماجشون].هو الماجشون بن أبي سلمة، الماجشون هو: أخو عبد الله؛ لأن ذاك عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وهذا الماجشون بن أبي سلمة.[عن عبد الرحمن الأعرج].عبد الرحمن الأعرج، وهو: عبد الرحمن بن هرمز، ولقبه الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن أبي رافع].عبيد الله بن أبي رافع، أبو رافع هو: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبيد الله هذا ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان كاتب علي بن أبي طالب.[عن علي بن أبي طالب].أمير المؤمنين، أبي الحسنين، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره على ابنته فاطمة، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً...)

    [أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي حدثنا ابن حمير حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ثم يقرأ)].ثم أورد النسائي بعد ذلك حديث محمد بن مسلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتعلق بالذكر والدعاء بعد التكبير، وكان هذا في صلاة التطوع، وهو قريب من الذي قبله، يعني: ما ورد فيه قريب مما ورد في الذي قبله.وهذا في الحقيقة هو ثناء وذكر، وليس فيه دعاء، ليس فيه دعاء، وإنما هو ذكر فقط، واشتمل الحديث الذي قبله على أكثر هذا الذكر، وليس فيه دعاء؛ لأنه ليس فيه طلب، وإنما كله ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً...)
    قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي].يحيى بن عثمان الحمصي، وهو صدوق، خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه .[حدثنا ابن حمير].ابن حمير هو محمد بن حمير وهو صدوق، خرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا شعيب بن أبي حمزة].هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[وذكر آخر قبله].قوله: (وذكر آخر قبله)، يعني: راو آخر قبل محمد بن المنكدر، والذي ذكر هذا شعيب.يعني أن شعيباً ذكر آخر قبل محمد بن المنكدر، يعني يروي عن اثنين، محمد بن المنكدر وآخر قبله، والذي يقول: (وذكر) هو من دون شعيب بن أبي حمزة، وفاعل ذكر هو شعيب، فاعل ذكر ضمير مستتر يرجع إلى شعيب بن أبي حمزة، يعني قال: من دون شعيب بن أبي حمزة، وذكر شعيب آخر قبل محمد بن المنكدر، ومن المعلوم عدم ذكره وعدم تسميته لا تؤثر؛ لأن الإسناد لا ينبني عليه، وإنما هذا المذكور، وهذا المثبت، وهذا المظهر الذي هو محمد بن المنكدر هو الذي عليه المعول، وذاك سواء جاء أو لم يأت، وسواء ذكر أو لم يذكر، يعني عدمه لا يؤثر وجهله لا يؤثر.[عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج].عبد الرحمن بن هرمز، وهو الأعرج وقد مر ذكره.[عن محمد بن مسلمة].محمد بن مسلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، قال الحافظ: إنه أكبر من يسمى محمد في الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة

    شرح حديث: (أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال: (سبحانك اللهم وبحمدك...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءةأخبرني عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق حدثنا جعفر بن سليمان عن علي بن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي نوع آخر من الذكر، وهنا ما قال: والدعاء، قال: والذكر؛ لأنه ذكر وليس فيه دعاء، هو ثناء وليس فيه طلب، وإنما كله تعظيم لله وثناء عليه سبحانه وتعالى، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، فهذا كله ذكر وثناء على الله عز وجل.قوله: [(سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك)]، المراد بالجد هنا الجلال والعظمة، يعني: تعالت عظمتك، تعالى جلالك، هذا هو المراد بلفظ (الجد)، ولفظ (الجد) يأتي لمعاني منها: العظمة والجلال كما هنا، وكما في قول الله عز وجل عن الجن: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3]، فهنا المراد به الجلال والعظمة في الآية والحديث، ويأتي مراداً به الحظ والنصيب، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، يعني: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، فالجد يراد به الحظ والنصيب، ويأتي ويراد به اسم الجد الذي هو أبو الأب أو آباء الأب، فكلهم أجداد، ويقول الشاعر: (الجد بالجد)، يعني: الحظ والنصيب بالجد والاجتهاد لا بالكسل والخمول..الجَد بالجِد والحرمان بالكسلفانصب تصب عن قريب غاية الأملفقوله: الجد بالجد، يعني: الحظ والنصيب والفوائد تحصل بالجد والاجتهاد، والحرمان بالكسل؛ لأن الحرمان يقابل الجَد، والكسل يقابل الجِد.فإذاً: الجد يأتي بمعنى الجلال والعظمة كما في الحديث الذي معنا والآية في سورة الجن، ويأتي بمعنى الحظ والنصيب، ومنه الحديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ويأتي مراداً به اسم أبي الأب الذي هو الجد.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك...)
    قوله: [أخبرني عبيد الله بن فضالة].هو: عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي وحده.[أخبرنا عبد الرزاق].عبد الرزاق، وهو: ابن همام بن نافع الصنعاني، ثقة، حافظ، مصنف، وصاحب كتاب المصنف، وهو موسوعة كبيرة في الأحاديث والآثار، مثل مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، فمثل هذه الكتب فيها مظان الآثار عن السلف وكلامهم من الصحابة ومن بعدهم، فهو مشتمل على الأحاديث والآثار، أي: كتابه المصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ الإمام أحمد، وهو الذي روى عنه الإمام مسلم، وكذلك البخاري، فرووا أحاديث صحيفة همام بن منبه؛ لأنه من طريق عبد الرزاق، وصحيفة همام بن منبه تروى من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.[حدثنا جعفر بن سليمان].جعفر بن سليمان الضبعي وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وكان يتشيع، وكذلك عبد الرزاق قالوا عنه: كان يتشيع، لكن سبق أن ذكرت أن تشيع عبد الرزاق هو من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه كما ذكرت مسألة خلافية عند أهل السنة لا يبدع من قال بها، وقد قال بها جماعة منهم: عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، والأعمش، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري.[عن علي بن علي].علي بن علي اليشكري البصري، وهو لا بأس به، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي المتوكل].أبو المتوكل الناجي، وهو: علي بن داود بن المتوكل الناجي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سعيد].أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
    [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب حدثني جعفر بن سليمان عن علي بن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)].أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى، وهو بلفظه، وهو مثله، إلا أنه جاء من طريق أخرى.قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].أحمد بن سليمان، وهو: الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه النسائي.[حدثنا زيد بن الحباب].زيد بن الحباب، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني جعفر بن سليمان عن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
    نوع آخر من الذكر بعد التكبير

    شرح حديث: (... الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه... قال النبي: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بعد التكبيرأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا حجاج حدثنا حماد عن ثابت وقتادة وحميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، إذ جاء رجل فدخل المسجد وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أيكم الذي تكلم بكلمات؟ فأرم القوم، قال: إنه لم يقل بأساً، قال: أنا يا رسول الله! جئت وقد حفزني النفس فقلتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي نوع آخر من الذكر بعد التكبير، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل رجل قد حفزه النفس)، يعني: نفسه ثائر، ويسمع نفسه يخرج منه لشدة ثورانه، فقال: (الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم قال تلك الكلمات؟ فأرم القوم)، يعني: سكتوا ولم يتكلموا بشيء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه ما قال بأساً؛ لأنهم أولاً خشوا أن يكون أتى بأمر ينكر عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم بادر وقال: إنه لم يقل بأساً، يعني: ما قال شيئاً يذم عليه، فقال: أنا يا رسول الله! فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها، يعني: أيهم يأخذها ويرفعها إلى الله عز وجل، فهذا نوع من الذكر، وهو ذكر فقط وليس فيه دعاء، ولهذا جعل الترجمة نوع آخر من الذكر، ولم يقل: والدعاء.
    تراجم رجال إسناد حديث: (... الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه... قال النبي: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها)
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى، وهو: أبو موسى الزمن، كنيته أبو موسى ولقبه الزمن، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وحديثه كما قلت عندهم بل هو من شيوخهم، وهو قرين محمد بن بشار بندار، الذي قال عنهما ابن حجر: وكانا كفرسي رهان.[حدثنا حجاج].حجاج هو حجاج بن المنهال البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد].حماد، هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن ثابت وقتادة وحميد].وهم ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكذلك أيضاً حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والثلاثة يروون عن أنس.[عن أنس].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وثابت وقتادة وحميد كلهم شيوخ يروي عنهم حماد، ويروون ثلاثتهم عن أنس، والإسناد خماسي يعتبر من حيث العدد، من حديث الدرجات خماسي، وهؤلاء لا يحسبون في طول الإسناد؛ لأنهم في درجة واحدة، لأن بعضهم معطوف على بعض، وليس كل واحد يروي عن الثاني، فعند ذكر الطبقات، أو ذكر كونه من الرباعيات، أو الخماسيات، أو السداسيات يقال: خماسي؛ لأن فيه ثلاثة في طبقة واحدة: ثابت وحميد وقتادة، وهم من أهل البصرة.ثم أيضاً هؤلاء كلهم من أهل البصرة، لأن محمد بن المثنى بصري، والحجاج بن المنهال بصري، وحماد بن سلمة بصري، والثلاثة الذين هم في طبقة واحدة وهم: ثابت وقتادة وحميد كلهم بصريون، وأنس بن مالك بصري، فهو مسلسل بالرواة البصريين، وثلاثة منهم كما ذكرت في طبقة واحدة، فهو من الخماسيات.
    الأسئلة

    معنى اليد في قوله: (الخير كله في يديك)
    السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (والخير كله في يديك)، هل يديك هنا على حقيقتها؟الجواب: نعم، قال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ينفق كيف يشاء [المائدة:64]، فقوله: (والخير كله بيديك) هي من جنس: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وفيها إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى.
    أمور تزداد بها الخشية
    السؤال: كيف تزداد خشية العبد ربه ويشعر دائماً أنه في مراقبة حتى يبتعد عن المعاصي؟الجواب: تزداد الخشية بأمور، منها: تذكر الآخرة، وتذكر الموت، وتذكر أن كل ما يعمله الإنسان فإنه يجده أمامه؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #172
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (169)



    - باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة - باب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم)

    دلت الأحاديث الواردة في شأن البسملة أنها آية من سورة الفاتحة، ولا حرج في الإسرار بها أو الجهر، لورود ذلك كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الإسرار بها أولى لثبوت الأدلة على ذلك في الصحيحين.
    البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة

    شرح حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] )].يقول النسائي رحمه الله: باب البداءة بالفاتحة قبل السورة. لما فرغ النسائي رحمه الله من ذكر التكبير، وأنه تفتتح به الصلاة، وذكر ما يكون بين القراءة والتكبير، وهو أدعية الاستفتاح التي جاءت من طرق مختلفة، وبألفاظ وبصيغ متعددة، انتقل بعد ذلك إلى القراءة، إلى قراءة القرآن في الصلاة، فبدأ بهذه الترجمة وهي البداءة بقراءة الفاتحة قبل السورة، المصلي يقرأ ما تيسر من القرآن، ولكن الإتيان بسورة الفاتحة هذا أمر مطلوب ومتعين ولابد منه، ويقرأ بعدها ما تيسر من القرآن، وقراءة الفاتحة مقدمة على قراءة غيرها.وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، يستفتحون القراءة، يعني: أول شيء يقرأونه الفاتحة، وليس المقصود الاقتصار على: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؛ لأن المقصود من هذه الجملة أنهم يبدءون بالفاتحة، وكلمة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يراد بها الفاتحة، ولا يراد بها هذه الجملة التي هي أنه يقتصر عليها، وإنما يريدون بذلك أنهم يقرءون الفاتحة، وعبر عن ذلك بهذه الجملة منها، وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]. فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر، وعمر الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما وأرضاهما: أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.والنسا ي جعل الترجمة البداءة بقراءة الفاتحة قبل السورة. قوله: قراءة الفاتحة.. ثم أورد الحديث تحتها ليبين أن المقصود من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هو السورة كلها من أولها إلى آخرها، ولا يعني ذلك أن الفاتحة ليست من السورة، وأن البسملة ليست جزءاً من السورة، وإنما أراد بذلك الذي اشتهرت به هذه السورة وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، بخلاف (بسم الله الرحمن الرحيم) فإنها موجودة في أول كل سورة من القرآن، لكن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، موجودة في أول سورة الفاتحة، فلهذا يقال لها أحياناً: الحمد، يقال: من الحمد إلى الناس، فالحمد يعني الفاتحة التي أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، والمقصود من ذلك أنها أول شيء بعد البسملة؛ لأن البسملة موجودة في أول كل سورة، والعلماء قد اختلفوا هل هي جزء من كل سورة في أولها، أم أنها تذكر تبركاً وتيمناً بذكر اسم الله عز وجل قبل قراءة السورة؟ ولكن كون الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم جعلوا البسملة في أول كل سورة في المصحف ما عدا أول سورة براءة، هذا يدل على أن البسملة من القرآن؛ لأنهم لا يجعلون مع القرآن شيئاً ليس من القرآن، فإثباتهم إياها داخل المصحف، وهم لا يثبتون بداخله إلا ما كان قرآناً، يدل على أن البسملة من السورة.لكن قوله: [(يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])]، لا يعني أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما يعني أنهم يبدءون بسورة الفاتحة، وسورة الفاتحة منها: بسم الله الرحمن الرحيم، بل إنها معدودة في آياتها، ولها رقم من أرقام تلك السورة التي هي بسم الله الرحمن الرحيم، هي الآية الأولى، والآية الثانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فهي قد جُعلت أول آية من سورة الفاتحة.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان بلدة أو قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وليس في رجال الكتب الستة من يسمى قتيبة سواه، فهو من الأسماء المفردة التي لم تتكرر التسمية بها، أو لم تتعدد التسمية بها. [حدثنا أبو عوانة].هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، واسمه الوضاح، وأبو عوانة هذا متقدم من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهناك شخص آخر مشهور بهذه الكنية وهو أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم، ويقال لكتابه: صحيح أبي عوانة، ويقال له: مستخرج أبي عوانة، ويقال له: مسند أبي عوانة، وهذا الذي معنا متقدم، وأما ذاك فهو متأخر، استخرج على مسلم، حيث يأتي بأحاديث مسلم بأسانيد يلتقي فيها مع مسلم في شيخه أو من فوق شيخه، ولا يمر على مسلم ؛ لأن هذا هو شأن المستخرج أن يروي أحاديث الكتاب بأسانيد لا يمر بها على صاحب الكتاب، وإنما يلتقي معه في شيخه أو شيخ شيخه أو من فوق ذلك، فهذا هو المستخرج.وأبو عوانة المتأخر هو صاحب هذا الكتاب، وأما أبو عوانة المتقدم فهو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي. [عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خدمه عشر سنين منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن توفاه الله، وعاش عمراً طويلاً حتى أدركه صغار التابعين، ورووا عنه، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوهذا الإسناد رباعي، من الأسانيد الرباعية التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي، ليس عند النسائي أعلى من الرباعيات، وكما ذكرت مراراً أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين عندهم الثلاثيات: البخاري، عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، والثلاثة الباقون وهم مسلم، وأبو داود، والنسائي ليس عندهم شيء من الثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، يكون بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينهم أربعة أشخاص، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأنه من رواية قتيبة عن أبي عوانة عن قتادة عن أنس، فهؤلاء أربعة هم رجال الإسناد بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً هؤلاء الأربعة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فافتتحوا بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])].ثم أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو أنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، الحمد على الحكاية، الحمدُ إذا جاءت مرفوعة فالمقصود بها على الحكاية، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذا هو أول الفاتحة، فيأتي الحرف الجر، ويأتي.. ويبقى اللفظ على ما هو عليه على الحكاية، يعني: حكاية اللفظ كما جاء، مثلما يقال: سورة المؤمنون، لأنها: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، وسورة المنافقون: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ [المنافقون:1]، يعني: على الحكاية، وإلا بالنسبة للإضافة ... سورة المنافقين أو سورة المؤمنين، لكن إذا جاءت سورة المؤمنون فهي على الحكاية، وكذلك هنا الحمد، إذا جاءت الدال مرفوعة فهو على الحكاية، حكاية اللفظ أو حكاية صيغة الآية، حيث جاءت وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].وهو مثل الذي قبله، وهو رواية، يعني: هو الحديث الذي قبله إلا أنه من طريق أخرى.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة من طريق أخرى
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد].وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سفيان].سفيان، وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة حجة إمام، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أيوب].وهو ابن أبي تميمية كيسان السختياني، وهو ثقة، ثبت، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة عن أنس].قتادة عن أنس، قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.هذا إسناد خماسي، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري يروي عن سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة يروي عن أيوب السختياني، وأيوب السختياني يروي عن قتادة، وقتادة يروي عن أنس فهو خماسي، يعني: أنزل من الإسناد الذي قبله؛ لأن فيه زيادة رجل، والإسناد الذي قبله أربعة، وهذا خمسة.
    قراءة بسم الله الرحمن الرحيم

    شرح حديث أنس في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم أول السورة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قراءة بسم الله الرحمن الرحيم.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (بينما ذات يوم بين أظهرنا -يريد النبي صلى الله عليه وسلم- إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا له: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة آنيته أكثر من عدد الكواكب، ترده علي أمتي فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقول لي: إنك لا تدري ما أحدث بعدك)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: مع السورة، وأنها جزء منها، وقد أورد النسائي في ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة)، يعني: النوم القليل، وكان يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، فلما تنبه تبسم، فسألوه عن تبسمه، (فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله)؟ ما الذي أضحكك؟ (فقال: أنزل علي آنفاً سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، فهو قال: (سورة)، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فجعل البسملة من السورة، وهذا يدلنا على أنها من السورة؛ لأنه قال: سورة بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، يعني: هذا هو الذي قرأه وأنزل عليه، وكان من جملة ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم، فقرأها كما قرأ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وما بعدها.إذاً: هذا يدل على أن البسملة تقرأ كما يُقرأ الذي بعدها، كما تقرأ السورة بأكملها تقرأ البسملة في أولها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذه الترجمة.ثم إنه قال: (أتدرون ما الكوثر)؟ يعني: هذا الذي جاء في هذه الآية، أوفي هذه السورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، قال: (أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي في الجنة.. نهر)؟(نهر وعدنيه ربي في الجنة، آنيته أكثر من عدد الكواكب)، وفي هذا أن السنة تبين القرآن وتوضحه وتدل عليه؛ لأن الكوثر جاء ذكره في هذه السورة في القرآن، والسنة بينت المراد به، وأنه نهر في الجنة، وعده الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، آنيته عدد الكواكب لكثرتها، ثم قال: ترد..؟(ترده علي أمتي فيختلج العبد منهم فأقول: إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك)، أي: العبد، ثم ما جاء في الحديث: (نهر وعدنيه ربي في الجنة ترده أمتي فيختلج منه العبد)، المعلوم أن من يدخل الجنة فإنه يشرب ويتمتع بما فيها، ويتنعم بما فيها، ولا يذاد عنه أحد، ولا يمنع أحد من التنعم بالجنة، ويقال: (إنك لا تدري ما أحدث بعدك)، يعني: معنى هذا حرمان، ومن المعلوم أن هناك حوض تواترت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو قبل الجنة وقبل دخول الجنة، واختلف في مكانه، هل هو قبل الصراط أو بعد الصراط؟ والمشهور أنه قبل الصراط، والناس يخرجون من قبورهم عطاشاً، فيردون هذا الحوض، فيذاد عنه من يذاد، ويمنع من الشرب بسبب الإحداث الذي حصل منه في الدنيا كما جاء ذلك مبيناً في الحديث، فيقال: (إنك لا تدري ما أحدث بعدك).وهذا الذي يحصل فيه المنع والاختلاج هو الحوض، وأما من دخل الجنة ووصل إلى الجنة، فإنه يتنعم بما فيها، ولكن المقصود بالمنع بسبب الإحداث، هو: الذي يكون قبل ذلك في عرصات القيامة قبل دخول الجنة، والحوض يصب ماؤه.. يأتي من الكوثر كما جاء ذلك مبيناً في بعض الأحاديث: (أنه يمده أو يمد بماء من الكوثر)، يعني: يصب في ذلك الحوض، فهذا هو الذي يحصل فيه الذيادة أو يذاد عنه، وإنما قيل: ترده، يعني: ترد ماءه، وماؤه يأتي إلى الحوض، فهذا هو وجه أو توضيح معنى هذا الحديث، ودفع ما قد يتوهم من الإشكال، وهو أنه كيف من يدخل الجنة والنهر في الجنة، وأن من دخله يذاد عنه؟ من دخل الجنة أو بعض من دخل الجنة يذادون عن الشرب بسبب الإحداث؟! المقصود به أن ذلك في الحوض الذي في عرصات القيامة، والذي يكون قبل دخول الجنة، ويمد من ذلك النهر الذي في الجنة، فهذا الذي يذاد عنه هو ماء ذلك الكوثر، لكنه يذاد عنه وهو ليس في الجنة، وإنما يذاد عن مائه الذي صب في الحوض، يذاد عن الحوض كما جاء ذلك واضحاً في الأحاديث الكثيرة: أنه ترد أمته على الحوض، وأنه يذاد أناس عنه، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وفي بعض الروايات: أنه يعرفهم أنهم غر محجلين من أثر الوضوء، يعني: علامة أمته أنهم (غر محجلون من أثر الوضوء)، وهذا هو معنى الحديث.وفي هذا الحديث دلالة على إكرام الله عز وجل لرسوله بأن أعطاه ذلك النهر العظيم الذي في الجنة، وامتن عليه به، وأخبر عن هذه المنة بقوله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3].
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .قوله: [حدثنا علي بن مسهر] وهو ثقة، له غرائب بعدما أضر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن المختار بن فلفل].خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [عن أنس].أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره قريباً.وهذا الإسناد رجاله أربعة، علي بن حجر، وعلي بن مسهر، والمختار بن فلفل، وأنس بن مالك، هؤلاء أربعة، فهو إسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي.
    شرح حديث نعيم المجمر في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب حدثنا الليث حدثنا خالد عن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه صلى، وكان مما فعله في صلاته أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ الفاتحة، ولما فرغ قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يشعر بأنه مرفوع، لأن قوله: إني أشبهكم صلاة برسول الله عليه الصلاة والسلام، يفيد بأنه مرفوع، والمقصود من ذلك هذه الأفعال التي فعلها.. ماذا قال في الأول؟ قال: صليت؟عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن..).(فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، وهي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، (فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]).قال: [حتى إذا بلغ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، فقال الناس: آمين].ثم لما بلغ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، هو، فقال الناس: آمين). وهو يفيد بأن الإمام يؤمن عند قراءة الفاتحة، إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وقد مر ذلك في أحاديث عديدة أن الإمام يؤمن عندما ينتهي من قراءة الفاتحة، وكذلك المأمومون يؤمنون.(ويقول كلما سجد: الله أكبر)، يعني: عند كل سجود يقول: الله أكبر.(وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر)، والحديث جاء أنه يكبر عند كل خفض ورفع يقول: الله أكبر، إلا عند القيام من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، وإلا فجميع التنقلات في الصلاة من خفض ورفع، كل ذلك يكون عند الانتقال الله أكبر، عند الانتقال من فعل إلى فعل يقول: الله أكبر، إلا عند القيام من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ولا يقول: الله أكبر.[وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم].عندما يسلم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يفيد بأنه مرفوع، وأنه مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العمل الذي عمله أبو هريرة، وبعض العلماء يقول.. الذين لا يقولون بالجهر بالبسملة يقولون: إن قوله: أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلزم منه أن يكون جميع ما ورد في هذا الفعل، أو في هذه الصلاة، أنه يكون فيه موافقاً لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد جاء أحاديث تدل على أنه لا يجهر أو أنه لا يأتي أو لا يسمعهم بسم الله الرحمن الرحيم في الصلوات الجهرية، وإنما يبدأ بالحمد لله رب العالمين، لا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، لا قبل الفاتحة ولا بعدها، يعني: في السور التي يقرؤها بعد الفاتحة، وأولها بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه لا يجهر بها.ومن العلماء من تكلم في إسناد هذا الحديث، والشيخ الألباني ذكره ضمن الضعيفة وقال: إنه ضعيف الإسناد.
    تراجم رجال إسناد حديث نعيم المجمر في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده. [عن شعيب].وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة، نبيل، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا الليث]هو الليث بن سعد، عن والده الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، مشهور بالحديث، والفقه، وهو فقيه مصر، ومحدثها في زمانه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا خالد].وهو خالد بن يزيد الجمحي المصري هو أبو عبد الرحيم المكي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هلال].هنا أبو هلال لم أجد في آخر التقريب في الكنى من يكنى بأبي هلال، لكن المزي في تحفة الأشراف عندما ذكر هذا الحديث وهو من أفراد النسائي، مما انفرد به النسائي قال: رواه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث عن أبيه عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، فـسعيد بن أبي هلال هو مصري أيضاً، وهو صدوق خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فجاء عند بعض العلماء: أنه اختلط. [عن نعيم المجمر].وهو نعيم بن عبد الله المجمر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، ولا أدري وجه ضعف إسناده عند الشيخ ناصر إلا أن يكون ذلك يتعلق بـسعيد بن أبي هلال، هذا الذي هو قال عنه بعض العلماء: أنه اختلط، ومن المعلوم أن المختلط روايته ما كان مسموعاً منه قبل الاختلاط هذا لا يؤثر، وما كان مسموعاً منه بعد الاختلاط هذا هو الذي يؤثر على الإسناد، فلا أدري وجه تضعيف الشيخ ناصر له إلا أن يكون هذا.
    الأسئلة

    حكم حداد المرأة على زوجها الذي لم يدخل بها
    السؤال: رجل عقد على امرأة، وتوفي الرجل قبل أن يدخل بها، فهل يجب عليها الحداد، مع العلم أن المرأة طالبة، فإذا كان عليها حداد هل تترك الدراسة وتحد على زوجها، ولو ترتب على ذلك فصلها من الدراسة؟الجواب: أما قضية الإحداد أربعة أشهر وعشر، وقد جاء في الحديث أن المرأة إذا توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها فعليها العدة ولها الميراث؛ لأنها تعتبر زوجة، وأيضاً تعتد وتحد وقت العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، هذه العدة كما هو معلوم في حال الوفاة، أما المطلقة قبل الدخول بها فإنه لا عدة عليها، أما قضية أن كونها طالبة، وكونها تذهب للدراسة، لا أستطيع أن أقول فيها شيء، والله تعالى أعلم.
    دجل القرامطة في تفسير بعض الآيات من سورتي الكوثر والرحمن
    السؤال: ما مدى صحة تفسير من فسر الكوثر بـفاطمة وعلي وذريتهما؟الجواب : هذا من جملة تفسيرات القرامطة الذين يفسرون القرآن بمثل هذا الكلام، مثلما ذكر عن الباطنية أنهم يفسرون قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19] .. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، قال: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19]، علي وفاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22] الحسن والحسين، هذا تلاعب بكتاب الله، فكذلك تفسير الكوثر، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنه نهر وعدنيه ربي) إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1].
    وجه كون البسملة معدودة ضمن آيات الفاتحة دون غيرها
    السؤال: لماذا كانت البسملة معدودة في آيات سورة الفاتحة وغير معدودة في السور الأخرى؟الجواب: ما ندري عن وجه يعني كونها معدودة في الفاتحة دون غيرها، لا أدري وجه ذلك.
    حكم طاعة المرأة زوجها في شيء ترى خلافه
    السؤال: يا شيخ، أثابكم الله، أنا طالب علم، وزوجتي طالبة علم، وهناك بعض المسائل مختلف فيها بين العلماء بين الإباحة والكراهة، والأحوط والأورع لطالب العلم وطالبة العلم أن يتركا الشبهات، فإذا اختلفت أنا وزوجتي أنا أرى الكراهة وهي ترى الإباحة في مسألة معينة، فهل عليها أن تطيعني في ذلك؟ وهل تأثم إذا لم تطعنِ في ذلك؟الجواب: أولاً: التمثيل، ما عرفنا مثالاً حتى نستطيع أن نتبين الأمر في المسألة المختلف فيها، لكن الطريقة المثلى في مثل هذا إذا اختلفوا يرجعون إلى من يكون عنده علم ليبين لهم.
    وصل الصفوف في صلاة الجنازة
    السؤال: هل يجب وصل الصفوف في صلاة الجنازة؟الجواب: نعم، الصفوف توصل في صلاة الجنازة وفي غيرها، إلا أن صلاة الجنازة كما هو معلوم قد تكون صف واحد، يعني: ما فيه إلا صفاً واحداً يكون ثلاثة صفوف، وأما الوصل فتوصل ما تكون متقطعة، الناس يصلون الصفوف.
    قول المأمومين آمين بعد قول الإمام آمين
    السؤال: هل يدل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على أن المأمومين يقولون: آمين بعد قول الإمام: آمين؟الجواب: نعم، هو وغيره، جاءت أحاديث كثيرة غير حديث أبي هريرة يدل على هذا، لكن غيره من الأحاديث كذلك يدل عليه، يعني جاء: (وإذا أمن فأمنوا)، (إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين)، أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحة في هذا، وقد مر بنا جملة منها.
    صلاة المسافر بعد المقيم
    السؤال: أنا مسافر، لو أدركت الصلاة والناس في الركعة الثالثة من صلاة الظهر، فصليت معهم ركعتين ثم سلمت وذلك؛ لأن الله شرع للمسافر ركعتين؟الجواب: الواجب على الإنسان المسافر إذا صلى مع إمام مقيم أن يصلي بصلاة الإمام المقيم، وأنه يصلي أربعاً، ولا يجوز له أن يصلي ركعتين فقط؛ لأنه جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل فقيل له: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين وإذا صلى مع إمام مقيم صلى أربعاً؟! فقال: تلك السنة)، يعني: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، أو المسافرون إذا صلوا مع بعض صلوا ركعتين، وإذا صلوا وراء إمام مقيم فإنهم يتمون، بل لو أدرك آخر الصلاة فإنه إذا قام يقضي مقدار الصلاة الذي صلاها ذلك الإمام المتم وهي أربع ركعات، لو دخل معه قبل السلام في التشهد، ثم قام يقضي، فإنه يصلي أربعاً، هذه هي السنة كما جاء عن ابن عباس، (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى مع إمام مقيم صلى أربعاً؟ فقال: تلك السنة). يعني: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابي إذا قال: السنة، يعني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.ومن المعلوم أن الإنسان المسافر إذا صلى خلف مقيم قد يكون أدرك الصلاة كلها، وقد يكون أدرك بعضها، فمعناه صلاته صلاة المقيم، فإنه يفعل كما يفعل المقيم، ليس معناه إذا جاء وهو في آخر الصلاة معه يصلي ركعتين، أو إذا جاء وهو يصلي باقي عليه ثلاث يصلي ركعتين ويجلس، لا، وإنما يصلي بصلاته ويقضي ما فاته.
    مدى دلالة حديث أبي هريرة الأخير على الجهر بالبسملة
    السؤال: هل يمكن أن يقال في حديث أبي هريرة الأخير: إن السنة جاءت بالجهر بالبسملة والإسرار جمعاً بين الأدلة خاصة إذا صح الحديث؟الجواب: نعم، إذا صح الحديث يمكن أن يقال: إنه يجهر بها في بعض الأحيان.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #173
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (170)

    - باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

    بين أنس رضي الله عنه حكم الإسرار بالبسملة حيث اختلف فيها كثير من الناس، فبين أن الإسرار بها هو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، وأنه صلى خلفهم جميعاً فلم يسمع أحداً منهم يجهر بالبسملة.
    ترك الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)

    شرح حديث أنس: (صلى بنا رسول الله فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن منصور بن زاذان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما)].يقول النسائي رحمه الله: باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. هذه الترجمة معقودة لبيان أن التسمية قبل السورة لا يجهر بها ولكنه يسر بها، أي: أن الإمام عندما يصلي بالناس يأتي بالبسملة سراً، ثم يأتي بالسورة بعدها، وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم). أي: أنهم ما سمعوه يجهر بها كما سمعوه يجهر بالسورة، وكذلك (صلى أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما)، يعني: لم نسمع بسم الله الرحمن الرحيم، لم يكونوا يجهرون بها فنسمعها منهم، وإنما كانوا يسرون، وقد جاء في بعض الروايات، وقد ذكرها الحافظ في بلوغ المرام: (كانوا يسرون)، يعني: يأتون بها سراً، وما جاء في هذا الحديث يدل على عدم الجهر بها، وهذا هو المعروف عن الخلفاء الراشدين، وعن عدد كبير من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، أنهم يسرون بها، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، كانوا لا يجهرون بها، وإنما يأتون بالسورة يجهرون بالقراءة، لكنهم لا يجهرون بالبسملة. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك الدال على هذا، يعني: لبيان ترك الجهر، أي: ومعناه أنه يكون الإسرار، وقد حصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم فلم يسمعوها منه، وكذلك صلى بهم أبو بكر وعمر فلم يسمعوا البسملة منهما رضي الله تعالى عنهما.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صلى بنا رسول الله فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن علي].محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[سمعت أبي يقول].يروي عن أبيه وهو علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبو حمزة].أبو حمزة، وهو: السكري، وهو: محمد بن ميمون السكري المروزي، ويلقب السكري قيل: إن سبب تلقيبه بذلك أنه كان حلو المنطق، وأنه كلامه حلواً ومنطقه حسناً، فكان يقال له: السكري، يعني: أن كلامه مثل السكر، أي: أنه حلو، وليست النسبة إلى السكر إلى بيعه أو إلى عمله، وإنما لكونه حلو المنطق، وكان جميل المنطق، وعذب الكلام، كان يقال له: السكري لهذا السبب، وهو محمد بن ميمون المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، يقال: أبو حمزة.ومن المعلوم أن من أنواع علوم الحديث معرفة الذين اشتهروا بكناهم، وذلك حتى لا يلتبس الأمر فيما لو ذكروا بأسمائهم، فإن من لا يعرف يظن أن الشخص شخصان، وإنما هو شخص واحد، إذا ذكر بكنيته مرة، ثم ذكر باسمه مرة، فمن لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، لكن من يعرف الأسماء والكنى يعلم أن هذا هو هذا، وأنه أحياناً يأتي بالكنية وأحياناً يأتي بالاسم والنسب، ولا لبس على من يعلم ذلك، وأما من يجهل ذلك، فيظن أن الشخص الواحد شخصين، يظن أنه إذا ذكر في الكنية في موضع يكون شخص، وإذا ذكر بالاسم في موضع آخر يكون شخص آخر، لكن من يعلم هذا لا يلتبس عليه الأمر.وكثير من المحدثين اشتهروا بكناهم، وقد ألف مؤلفات في الكنى، من ذلك كتاب: الكنى للإمام مسلم، وكذلك كتاب: الكنى للدولابي، وغيرهم ممن ألف في الكنى، يعني: الذين اشتهروا بالكنى يذكرونهم ويذكرون أسماءهم، وهذه فائدة في معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، فلو جاء في بعض الروايات محمد بن ميمون، وجاء في بعضها أبو حمزة، يظن أن أبا حمزة غير محمد بن ميمون، لكن من يعرف أن هذا هو هذا لا يلتبس عليه الأمر.[عن منصور بن زاذان].منصور بن زاذان، وهو ثقة، ثبت، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي وفقه الله لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه عشر سنين منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى توفاه الله وهو يخدمه، وكان عمره حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فخدمه عشر سنين، ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بطول العمر، فعمر حتى أدركه التابعون، بل أدركه صغار التابعين الذين رأوا كبار الصحابة، فهو ممن أدركه الصغار، ولقيه الكبار والصغار والمتوسطون؛ لكن لكونه عمر أدركه صغار التابعين فرووا عنه الحديث، ومن أولئك الزهري، فإنه كان يروي عن أنس بن مالك وهو من صغار التابعين. وحديث أنس بن مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكما قلت: هو أحد السبعة الذين هم: أبو هريرة وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك هذا، وعائشة أم المؤمنين، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي زوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي الصحابية الوحيدة التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغ أحد من النساء مثلما بلغت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فقد روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي من أوعية سنته صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يتعلق بأمور البيت التي لا يطلع عليها إلا النساء، وما يكون بين الأزواج وزوجاتهم، فإنها روت الشيء الكثير رضي الله تعالى عنها وأرضاها.وهي الصديقة بنت الصديق التي هي أحب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، والتي رميت بما رميت به من الإفك، وأنزل الله براءتها في آيات تتلى في أول سورة النور، ومع هذا الإكرام الذي أكرمها الله تعالى به، وأنزل براءتها في آيات تتلى في القرآن الكريم، تتواضع لله عز وجل، وتحتقر نفسها، ولا يحصل منها ما لا ينبغي من الترفع، وما إلى ذلك مما ابتلي به بعض الناس الذين لم يوفقوا، ولم يكرمهم الله عز وجل بالاتصاف بالأخلاق الكريمة، فكانت مع ذلك تتواضع لله عز وجل، وتقول كما جاء في الصحيح: وكنت أتمنى أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. يعني: أنا ما أستحق أن ينزل في قرآن، وهذا من تواضعها، وهذا من نبلها وكمالها، و( من تواضع لله رفعه الله عز وجل )، فرضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    ذكر ابن القيم لتواضع عائشة وبيان التواضع عند السلف
    ولهذا ابن القيم لما ذكر في كتابه: جلاء الأفهام، وهو كتاب نفيس، من أحسن ما كتب في الصلاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أحكام الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، اسمه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، فهو من أحسن ما ألف، بل هو أحسن ما ألف في ما يتعلق بأحكام الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث إيراد الأحاديث والآثار وكلام العلماء في المسائل المختلفة المتعلقة بالصلاة عليه صلى الله وسلم وبارك عليه، وكان من جملة ما اشتملت عليه الصلاة ذكر الآل، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فهو بمناسبة ذكر الآل تعرض لأمهات المؤمنين، وأتى بتراجم مختصرة لهن، كل واحدة أتى لها بترجمة، كل أمهات المؤمنين عقد لهن تراجم بين شيء من فضائلهن، ومن ميزات كل واحدة منهن، وكان مما ذكره عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها هذا الذي أشرت إليه، أنه مع إكرام الله عز وجل لها، وإنزاله فيها آيات تتلى، كانت تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. فيقول: هذه الصديقة بنت الصديق التي هي من هي، وتقول عن نفسها ما تقول، ثم قال: فأين هذا ممن يصلي لله ركعة أو يصوم يوماً من الدهر، ثم يقول: أنا كذا وأنا كذا وأنا كذا؟ فهذا الإكرام، وهذا الشرف العظيم، وهو أن الله تعالى يبرئها بآيات تتلى، ومع ذلك تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. وهذا شأن أولياء الله عز وجل أن من تواضع لله رفعه الله.ومنه قول أبي بكر: (إني وليت عليكم ولست بخيركم). يقول هذا تواضعاً، وإلا فهو خيرهم وهو أفضلهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكذلك ما جاء في قصة أويس القرني التي جاءت في صحيح مسلم: وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه خير التابعين، أن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وذكر شيئاً من صفاته، وقال: (من وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له)، فكان عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يسأل في أمداد أهل اليمن الذين يأتون لإمداد الجيوش الإسلامية التي تذهب لقتال الفرس، وللجهاد في سبيل الله، فكانت الأمداد تأتي من اليمن، الأمداد جمع مدد، وهو ما يؤتى لتقوى به الجيوش، وليضاف إلى الجيوش؛ لتقويتها ولكثرة سوادها، فكانت الأمداد تأتي من اليمن، وهذا هو معنى ما جاء في الحديث:(إني أجد نفس الرحمن من جهة اليمن)، فإن المراد بالنفس ليس صفة من صفات الله، وإنما المراد به ما يحصل من التنفيس للمسلمين بهذه الجيوش والأمداد التي تأتي من جهة اليمن، هذا هو النفس، هذا هو نفس الرحمن، فليس في الحديث ما يدل على أن الله تعالى يوصف بأن له نفس، وإنما المراد بالنفس هو هذا التنفيس، وهذا الجند الذي يأتي من جهة اليمن لتمد به الجيوش الإسلامية التي تذهب لقتال الفرس والروم، فكانت الأمداد تأتي من جهة اليمن.فكان عمر يسأل عن أويس في الأمداد التي تأتي من جهة اليمن، حتى وهم مارين بالمدينة إلى جهة بلاد فارس للجهاد في سبيل الله، فظفر به -وجده- ولما سأله الأسئلة التي أخبر عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجدها متوفرة فيه، فأخبره أن الرسول قال كذا وكذا، وأنه قال: (من وجده فليطلب منه أن يستغفر له)، فأنا أطلب منك الاستغفار. ماذا قال أويس؟أولاً: عمر يتواضع لله عز وجل، هو من أهل الجنة، وأخبره الرسول بأن له قصر في الجنة، رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذا لـعمر بن الخطاب، وقال: (ذكرت غيرتك فلم أدخله، فقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ ثم بكى)، فبشر بالجنة وأخبر بأن له قصر في الجنة، لكن لكون الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة، صار يبحث عن أويس حتى اهتدى إليه ووجده، وطلب منه أن يستغفر له، ثم هذا عمر من جانبه يطلب من تابعي لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا، ثم أويس ماذا قال؟من جانبه قال: أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، فهذا هو النبل، وهذا هو الشرف، وهذا هو الفضل، إن المؤمن يجمع إحساناً وخوفاً، بخلاف المنافق فإنه يجمع بين الإساءة والأمن وعدم الخوف، والله وصف المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، فهم يعملون الأعمال الصالحة ويتقربون إلى الله عز وجل، ومع ذلك يخافون أن لا تقبل منهم، فهم خائفون وجلون، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].فـأويس من جانبه يقول ما قال، وعمر بن الخطاب يقول من جانبه ما قال، وكل منهما يتواضع لله عز وجل، وهذا شأن الكمل، وشأن ذوي النبل والشرف، أنهم إذا أكرمهم الله عز وجل لا يتبجحون، ولا يظهرون، ولا يحرصون على إبداء ذلك الذي أكرمهم الله عز وجل به والذي شرفهم به، فهذا شأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.فالحاصل: أن ابن القيم رحمه الله في هذا الكتاب العظيم قال لما ذكر ترجمة عائشة، وذكر شيئاً من فضلها، ذكر هذا من تواضعها، وأنها قالت ما قالت، مع أنها عالية المنزلة، وهذا يدل على كمالها، وعلى فضلها ونبلها رضي الله عنها وأرضاها، وكما قلت: هذا كتاب نفيس. السخاوي المتوفى سنة 902هـ له كتاب اسمه: القول البديع في الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع، فإنه ذكر في آخره الكتب التي ألفت في الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فذكر جملة منها، فذكرها وذكر الخامس منها كتاب ابن القيم جلاء الأفهام، لما سردها وذكرها قال في آخرها: وبالجملة فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها، يعني: كتاب ابن القيم هذا الذي هو جلاء الأفهام، يعني: في آخر كتابه القول البديع، ذكر جملة من المؤلفات، ثم لما فرغ من عدها قال: وبالجملة فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها، وخامسها هو: كتاب ابن القيم الذي هو جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، فلا يستغني عنه طالب العلم.
    شرح حديث أنس: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج حدثني عقبة بن خالد حدثنا شعبة وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو بمعنى ما تقدم: ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ). يعني: أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسمع أحداً منهم، أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة، لم يسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أن السنة بها هو الإسرار، وأنه لا يجهر بها، يجهر بالسورة ولكنه لا يجهر بالبسملة، وقد جاء عن علي رضي الله عنه كذلك؛ لأن الترمذي رحمه الله نقل هذا عن أكثر أهل العلم وقال: منهم أبو بكر، وعمر ،و عثمان، وعلي أنهم لا يرون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، يعني: لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كانوا يسرون بها.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله...)
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن سعيد].عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، وهو ثقة، خرج له الجماعة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، فأبوه سعيد وكنيته أبو سعيد، وهذا من النوع الذي ذكرت مراراً وتكراراً أنه من أنواع علوم الحديث، وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدته دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بنسبه ثم ذكر بكنيته بدون النسب، فإن من لا يعرف يظن أن (أبو) مصحفة من (ابن)، لو قيل: عبد الله بن سعيد الأشج، لو قيل بدلها: عبد الله أبو سعيد الأشج، الذي لا يعرف أن كنيته أبو سعيد يظن أن (أبو) مصحفة من (ابن)؛ لأنه عبد الله بن سعيد، فالذي ما يعرف أنه أبو سعيد يظن أن (أبو) جاءت بدل من (ابن)، وأنه تصحيف، لكن الذي يعرف أن كنيته أبو سعيد، إذا جاء هكذا صواب، وإذا جاء هكذا صواب، إذا قيل: عبد الله بن سعيد الأشج صواب، وإذا قيل: عبد الله أبو سعيد الأشج صواب؛ لأن أبو سعيد، وابن سعيد، فلا إشكال، ولا محذور، ولا تصحيف، بل (أبو) صحيحة، و(ابن) صحيحة، (أبو) إن جاءت قبل سعيد صحيحة، وهي كنية، و(ابن) إن جاءت قبل سعيد فهي صحيحة وهي نسبة، والأشج لقب. [حدثني عقبة بن خالد].وهو صدوق صاحب حديث، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، يعني: وافق اسمه واسم أبيه اسم جده وجد أبيه؛ لأنه عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، فالاسم الأول والثاني مكرر؛ لأن اسم جده وافق اسمه، واسم جد أبيه وافق اسم أبيه، فهو عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، وهذا مثل خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، يأتي اثنان مكرران، وهذا ليس كثيراً عند المتقدمين، أي: أنه يكون هذا التكرار بين الأسماء، أي: بين الاسم، واسم الأب، بحيث أنه يدور اسمان، ويتكرران، وذا قليل. [حدثنا شعبة وابن أبي عروبة].شعبة، وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل.وابن أبي عروبة، هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، حافظ، كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
    شرح حديث عبد الله بن مغفل: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فما سمعت أحداً منهم قرأ بسم الله...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا عثمان بن غياث أخبرني أبو نعامة الحنفي حدثنا ابن عبد الله بن مغفل (كان عبد الله بن مغفل رضي الله عنه إذا سمع أحدنا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر رضي الله عنهما، فما سمعت أحداً منهم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)].أورد النسائي حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وخلف عمر، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، معناه: أنه ينكر على من فعل هذا، وأن هذا خلاف ما هو معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وهو بمعنى حديث أنس المتقدم من الطريقتين الماضيتين.

    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن مغفل: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فما سمعت أحداً منهم قرأ بسم الله...)

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو البصري أبو مسعود، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وهو مثل الذي مر بنا قريباً هذا عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد، يعني: مما وافقت كنيته اسم أبيه، وإسماعيل بن مسعود أبو مسعود، وعبد الله بن سعيد أبو سعيد، وهناد بن السري أبو السري، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، فعدد كناهم توافق أسماء آباءهم. [حدثنا خالد].هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عثمان بن غياث].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. [أخبرني أبو نعامة].وهو قيس بن عباية، وهو ثقة، نعم خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن والأربعة. وهو الحنفي. [حدثنا ابن عبد الله بن المغفل].قيل: اسمه يزيد.هو ذكر أنه مجهول، ورأيت بعض العلماء ذكر أنه تكلم فيه؛ لأنه مجهول، لكن أنا ما وقفت له على ترجمة، وعبد الله بن المغفل أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والحديث ذكره الألباني في ضعيف سنن أبي داود، وفي ضعيف سنن النسائي، وفي ضعيف سنن ابن ماجه، لكن ما رأيت كلامه عليه، وإنما إشارة إلى ضعفه والإحالة إلى ابن ماجه ، وابن ماجه أحال إلى التعليق على ابن ماجه ، فلا أدري الكلام، لكن المتن هو مثل الذي قبله، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله، ليس فيه إثبات حكم جديد، وإنما نفس الحكم الذي في حديث أنس من الطريقين المتقدمتين، هو نفس الكلام الذي جاء عن عبد الله بن المغفل من جهة الإسرار بالبسملة، وعدم الجهر بها.
    الأسئلة

    مدى صحة الاستدلال في ترك الجهر بالبسملة على أنها ليست من الفاتحة

    السؤال: أليس في ترك الجهر بالبسملة دليل على أنها ليست من الفاتحة؟الجواب: ليس فيه دليل، ترك الجهر لا يدل على أنها ليست من الفاتحة، ولا أيضاً من سور القرآن، أنها ليست منها، وإنما لما جاءت السنة في الإسرار بها، دل على أنه يسر بها، لكن لا يدل على أنها ليست من القرآن؛ لأن إدخال الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم إياها في داخل المصحف، وكتابتها مع المصحف ككتابة المصحف دون أن يشيروا إلى شيء، يدل على أنها من القرآن؛ لأنهم لا يضيفون شيئاً ليس منه.ثم الذي مر بنا حديث الكوثر: ( أنزل علي سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] ) فقرأ السورة من بسم الله الرحمن الرحيم إلى آخرها.
    حكم إلزام الأب لابنه بتربية اللحية وعدم الإسبال
    السؤال: هل يجب على الأب أن يلزم ابنه على تربية اللحية وعدم الإسبال، وإن كان الابن كبيراً قد تزوج، ويسكن في غير دار أبيه؟الجواب: هو لا شك أنه يغلظ عليه، ويقسوا عليه، وينكر عليه، ويظهر له عدم الرضا، مثلما حصل من بعض الصحابة، يعني: في قضايا متعددة، منها: ما حصل لـابن عمر في قصة ابنه، أو أحد أبنائه حينما قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، قال: والله لنمنعهن، فغضب عليه وأنكره وهجره حتى مات، قيل: لعل الفترة كانت وجيزة بين هذا وبين وفاته، وكذلك عبد الله بن المغفل أيضاً ابنه الذي كان يخذف ونهاه قال: الرسول نهى عن الخذف، ثم رآه يخذف بعد ذلك فقال: أقول لك: نهى رسول الله ثم أنت تخذف، لا أكلمك. فهجره وتركه ولم يكلمه.فالوالد يؤدب الصغير، والكبير أيضاً كذلك يؤدبه بما يناسبه من الإغلاظ عليه، ومن إظهار عدم الرضا، ومن ترك تكليمه، يعني: حتى يزدجر وحتى يرعوي.
    الحكم على من يفعل أركان الإسلام دون نطق الشهادتين
    السؤال: إذا فعل شخص أركان الإسلام، ولم يظهر لنا أنه نطق بالشهادتين، كأن يصلي ويصوم ويحج ويزكي، وقد لا ينطق بالشهادتين في صلاته، فبماذا نحكم عليه؟من يأتي ويصلي مع المسلمين يحكم بإسلامه، ومن المعلوم أن الشهادتين هي المدخل للإسلام، والصلاة هي بعد المدخل؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، فالذي يصلي مع المسلمين فهو واحد منهم، والشهادتان موجودتان في الصلاة.
    مصير أطفال المشركين والمسلمين يوم القيامة
    السؤال: حكم أطفال المشركين، ما مصيرهم؟ وكذلك أطفال المسلمين؟الجواب : أطفال المشركين جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: المقصود من ذلك أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء نتيجة الامتحان تكون السعادة، أو الشقاوة، يعني: مثل الذين ما بلغتهم الرسالة، هؤلاء يمتحنون، ومثلهم صبيان المشركين أولاد المشركين، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: عندما يمتحنون، الله أعلم بما كانوا عاملين، يعني: يمتحنوا، هل يعملون ما يكونون فيه سعداء أو يعملون ما يكونون فيه أشقياء؟أما أولاد المسلمين، فجمهور العلماء على أنهم في الجنة، وبعضهم يقول: إنه لا يقطع لهم لكن يرجى لهم ذلك، ولا يقال: أنهم في الجنة، ولكن الجمهور على أنهم من أهل الجنة، الذين هم صبيان المسلمين.
    الحكم على الجهر بالبسملة بأنه مخالف للسنة مطلقاً
    السؤال: هل الجهر بالبسملة مخالف للسنة مطلقاً، فإن ابن القيم ذكر في زاد المعاد أن النبي صلى الله عليه وسلم، يجهر بها أحياناً، وغالب ما داوم عليه هو الإسرار بها؟الجواب: هو إذا ثبت الحديث فهو يدل على أنه يجهر بها أحياناً.
    اختصاص الملاعنة للزوج دون المرأة في القذف
    السؤال: قرأت في تفسير ابن كثير في آية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، أن الشعبي قال: لو قذف الرجل زوجته لاعنها، ولو قذفته جلدت. هل هذا صحيح؟الجواب: كما هو معلوم الملاعنة هي تكون من جهة الزوج؛ هو الذي -يعني- بيده الطلاق، فإذا قذف تحصل الملاعنة، وبذلك يفرق بينهما، عندما يكون كل منهما حصل منه الإتيان بالنصوص التي جاءت في الملاعنة، وأما بالنسبة للمرأة إذا قذفت زوجها كما هو معلوم لا تلاعن، ولا شك أن ما قاله الشعبي هذا هو.. إما أن يكون هناك شهود على ما قالت، وإما الحد. السؤال: قول: اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، عند إقامة الصلاة، هل هذا القول مشروع؟الجواب: ما أعرف، أقول: ما أعرف شيئاً في هذا، لا علم لي. السؤال: فضيلة الشيخ! وفقه الله، هل هذا الحديث من قبيل الضعيف، وهو دعاء الصباح والمساء: (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر)؟الجواب: لا أدري.
    التوفيق بين غفران الله للذنوب جميعاً عدا الشرك وبين عذابه لبعض عصاة المسلمين
    السؤال: كيف يكون التوفيق بين الحديث: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، وقول مشهور عند أهل السنة: بأن الله تعالى قد يعذب بمشيئته أهل العصيان من المسلمين؟الجواب : لا تنافي بينهما، يعني: هذا وعد من الله عز وجل بأنه يعفو، وعفوه كما هو معلوم لمن شاء؛ لأنه يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، فمن شاء أن يعفو عنه من هؤلاء فإنه لا يعذب، ومن شاء تعذيبه على ما حصل منه من المعاصي فإنه يعذب؛ لأن ذلك بمشيئته، إن شاء عفا وتجاوز، وإن شاء عذب على مقدار المعصية، ولكنه لا يخلد في النار إذا عذب، بل لا بد وأن يخرج من النار ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبداً إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا يخرجون منها أبداً، ولا سبيل لهم إلى دخول الجنة.
    حكم رفع الأيدي عند التكبير على الجنازة
    السؤال: نرى البعض يرفعون أيديهم عند التكبير على الجنازة، والبعض الآخر لا يرفع، فما الحكم؟الجواب: الحكم في هذا، يعني: بعض العلماء يقول: بأن الرفع في التكبيرات.. قبل التكبيرة التي بعد الأولى أن هذه لم تثبت مرفوعة، وإنما جاءت موقوفة على ابن عمر، فهم لا يرفعون أيديهم، بعض العلماء يقولون: بعدم الرفع، وبعضهم يقول: بالرفع، ويستدل على ذلك بأنه قد جاء في بعض طرق الحديث زيادة الرفع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والذي زادها عمر بن شبة وهو ثقة، وقد ذكر هذا الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري في الجزء الثالث من كتاب الجنائز، وقال: إن الرفع جاء من طريق عمر بن شبة وهو ثقة، بل زيادته مقبولة، وذكر هذا الحديث المرفوع أنه في علل الدارقطني.
    توجيه الحصر في حديث أنس بذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي بن أبي طالب
    السؤال: لماذا حصر في حديث أنس بذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟الجواب: ما أدري، ما أدري هل رأى هذا عن علي أو بلغه عن علي -الذي هو أنس-؛ لأن أنس ذكر هؤلاء الثلاثة، ومن المعلوم أن هؤلاء الثلاثة كانوا في المدينة، وأما علي رضي الله عنه فإنه انتقل إلى العراق، وأنس رضي الله عنه انتقل إلى العراق، إلا أنه بالبصرة وعلي بالكوفة، وانتقاله ما أدري متى كان، لكن كونه ما ذكر علياً؛ لعل ذلك ما بلغه، أو ما علم هذا عن علي رضي الله عنه، ولكنه حصل منه الصلاة خلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يرهم يجهرون.لكن العلماء الذين ذكروا الأحكام، أو أقوال الصحابة، والتابعين ذكروا أن الخلفاء الراشدون على هذا ومنهم علي.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #174
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الصلاة
    (كتاب الافتتاح)
    (171)


    - (باب ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب) إلى (باب فضل فاتحة الكتاب)

    بيّن الشرع الحكيم وجوب قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من كل صلاة، وبطلان صلاة من لم يقرأها؛ لأنها ركن من أركان الصلاة، وفي هذا دلالة على عظم شأن الفاتحة، كما أنها أيضاً من النور الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤته أحدٌ من الأنبياء قبله.
    ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب

    شرح حديث أبي هريرة في ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب.أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.. هي خداج.. هي خداج غير تمام، فقلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء الإمام؟ فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا، يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يقول الله عز وجل: حمدني عبدي، يقول العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، يقول الله عز وجل: مجدني عبدي، يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)].يقول النسائي رحمه الله: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب. هذه الترجمة أورد تحتها حديث أبي هريرة الحديث القدسي الذي فيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال: حمدني عبدي)، ولم يأت قبلها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو وجه إيراد المصنف هذا الحديث تحت هذه الترجمة، لكن الحديث ليس بواضح الدلالة على الترك، وعلى أنها لا تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن بسم الله الرحمن الرحيم هي آية، وهي قرآن، وقد أثبتها الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم في المصحف، وهم لا يثبتون شيئاً في المصحف وهو ليس من كتاب الله عز وجل، وإنما كل ما أثبتوه في داخل المصحف فإنما هو كلام الله عز وجل، ومن ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة، وقبل غيرها من سور القرآن، وإنما جعل المصنف يقول هذا؛ لأن هذا الحديث قال فيه: فإذا قال عبدي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ولم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا لا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم أنها لا تقرأ، وأنها ليست من القرآن، وإنما الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فأتى بالشيء الذي اختصت به سورة الفاتحة، وأما بسم الله الرحمن الرحيم فإنها يؤتى بها في أول كل سورة، وهي من القرآن، ولكن ليس متفقاً على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، ولهذا لو لم يأت بهذا لا يقال: إن الصلاة لا تصح، وأنها تبطل، ولكن كون الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بها كما جاء في الحديث الذي مر، سورة بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، فجعلها من السورة، فهنا قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، يعني القراءة، فذكر الذي هو خاص بسورة الفاتحة، ولا يوجد في غيرها، أما بسم الله الرحمن الرحيم فإنها توجد فيها، وفي غيرها، وكل سورة من سور القرآن فأولها بسم الله الرحمن الرحيم إلا سورة براءة، فإنها خالية من كونه يأتي بين يديها بسم الله الرحمن الرحيم.فإذاً: ليس في الحديث دليل على ترك القراءة؛ لأن الحديث جاء في بيان ما اختصت به سورة الفاتحة، ولا يوجد في غيرها، وهو ما بدئ بالحمد لله رب العالمين، وأما بسم الله الرحمن الرحيم فليس خاصاً بالفاتحة، بل فيها وفي غيرها، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما كانوا ليدخلوا في المصحف شيئاً ليس من القرآن، حاشهم من أن يحصل منهم ذلك رضي الله عنهم وأرضاهم، بل كل ما في المصحف فهو من القرآن، ولهذا سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، لما قام من إغفاءته قال: أنزلت علي سورة: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] .. إلخ، وأتى في أولها ببسم الله الرحمن الرحيم، فكذلك بسم الله الرحمن الرحيم هي من الفاتحة، لكن الشيء الذي جاء في الحديث القدسي، ونص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي اختصت به الفاتحة.والحديث يدل على عظم شأن الفاتحة، وعلى قراءتها في الصلاة، وأن قراءتها وصفت بأنها الصلاة، فلهذا: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي)، يعني: القراءة، فدل على أن الصلاة لابد فيها من هذه القراءة التي هي قراءة الفاتحة، كما أن فيها قراءة شيء آخر غير الفاتحة وهو: السورة، لكن المتعين واللازم هو سورة الفاتحة، ولهذا جاء فيها أحاديث تخصها، وهي التي ستأتي: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهنا وصفت قراءة الفاتحة بأنها صلاة، وذلك لعظم شأنها، وتعين هذه القراءة فيها، وأن الصلاة لابد فيها من هذه القراءة التي هي قراءة الفاتحة.قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام)].هذه الجملة كررها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، (من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج) وتفسيرها غير تمام، أي: أنها ناقصة، ولما قال ذلك أبو هريرة لهذا الرجل الذي هو أبو السائب، قال: (إنني أحياناً أكون وراء الإمام، قال: فغمز في ذراعي وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي)، ثم تلا عليه الحديث القدسي الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي يدل على أن الإنسان في قراءته للفاتحة يكون مثنياً على الله، ومعظماً له، وممجداً له، وسائلاً لحاجته ومطلوبه، وأن القراءة هي قراءة هذه الفاتحة، وهي على قسمين: قسم لله عز وجل، وقسم للعبد، قسم لله يعني ثناء عليه وتعظيم له، وقسم للعبد وهو طلب ورجاء من الله عز وجل، والله عز وجل يعطي عبده ما سأله.

    قسمة الله سبحانه وتعالى الفاتحة بينه وبين عبده

    قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني). أي: القراءة، قراءة الفاتحة، الصلاة هي خاصة بالله عز وجل، وكذلك قراءة القرآن يرجى ثوابه من الله عز وجل، لكن هذه القسمة المقصود بها أن الفاتحة مشتملة على شيء هو تعظيم لله، وعلى شيء هو طلب للعبد، وحاجة للعبد، وهو أحوج ما يكون إليها، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، ويسأل هذا الأمر العظيم الذي هو أحوج ما يكون إليه، والله تعالى يعطيه سؤله، فلهذا قال: (ولعبدي ما سأل). فإذاً: هذا يدل على أهميتها، وعلى عظم شأنها، وأنه لا يفرط فيها، ولا تترك في أي ركعة من ركعات الصلاة؛ لأنها مشتركة، أو لأن هذه القراءة، أو هذه السورة ما جاء فيها مشترك بين العبد وبين ربه، ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له في أولها، وطلب من العبد شيئاً من الله عز وجل هو أعظم ما يكون إليه حاجة، وحاجته إليه أعظم من حاجته إلى الشراب، والطعام، يعني: حاجته إلى الهداية إلى الصراط المستقيم؛ لأن الحاجة إلى الطعام، والشراب إقامة لهذا الجسد في هذه الحياة التي لابد أن تنتهي، وأما الهداية إلى الصراط المستقيم هي سبب للحياة الباقية في نعيم مقيم، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، فالعبد أحوج ما يكون إلى هذه الهداية أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، ولهذا جاء في هذه السورة هذا الطلب، والعبد يقرؤها في كل ركعة من ركعات الصلاة، ويكررها، ويسأل الله عز وجل هذا المطلب الذي هو في أشد الحاجة إليه، وفي أمس الحاجة إليه، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم.ثم بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذه القسمة بقوله: ( يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال: هذه بيني وبين عبدي )، يعني: أولها لله عز وجل وآخرها للعبد، (إياك نعبد) هي حق لله، (وإياك نستعين) هي للعبد، يعني: يطلب الإعانة، معناه أنه يسأل الإعانة من الله عز وجل، ولا يحصل شيئاً، ولا يدرك أمراً من الأمور التي يريدها ويقصدها إلا بمعونة الله عز وجل، ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال في الحديث الصحيح: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. ثم قال: احرص على ما ينفعك، ثم قال: واستعن بالله)، فالعبد يفعل الأسباب، ولكنه يعول على مسبب الأسباب، والاستعانة به سبحانه وتعالى، يجتهد في طلب حاجته من الطرق المشروعة، ولكنه لا يعول على الأسباب، وإنما يسأل مسبب الأسباب أن ينفع بتلك الأسباب، ولهذا قال: (واستعن بالله)، فلابد من الأمرين: أخذ بالأسباب، والاستعانة بالله، ولهذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، (إياك نعبد) هذه حق لله عز وجل، العبادة حق الله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، (وإياك نستعين)، يعني: نطلب العون، وأنت المستعان الذي تطلب منك الحوائج، ويطلب منك المطلوب، قال: (هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)، يعني: إياك نعبد لله، وإياك نستعين هذه للعبد، فهي مقسومة بين الله وبين العبد، هذه الآية نصفها الأول لله، وهو تابع لما تقدم، والنصف الثاني الذي هو: (إياك نستعين)، للعبد، وهو تابع لما وراءه؛ لأنه ما وراءه مطلوب العبد من ربه.ثم قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، طلب الهداية إلى الصراط المستقيم يشتمل على طلب التثبيت على الهداية الحاصلة، والمزيد من الهداية، يعني: يطلب التثبيت على ما هو موجود، وطلب تحصيل هداية زائدة على ما هو موجود، يعني: والله عز وجل يزيد هدى إلى هدى، وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، يعني: يطلب التثبيت على ما هو موجود، وطلب المزيد، مزيد الهداية، ولا يقال: إنه قد اهتدى فكيف يطلب الهداية؟ فإنه من المهتدين، بل هو أحوج ما يكون إلى هذه الهداية؛ لأن الهداية إذا ما حصل التوفيق بثباتها تزول، وكذلك هو أيضاً بحاجة إلى المزيد من الهداية، الذي يزيده سمواً، ويزيده علواً، ويزيده رفعة عند الله عز وجل.ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون في درجاتهم، ومنازلهم، بتفاوتهم في الهداية، والناس ليسوا على حد سواء في الهداية، فهم متفاوتون فيها، ولهذا فالعبد عندما يسأل الله عز وجل الهداية يسأله التثبيت على ما هو موجود، والمزيد من الهداية، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].ثم بين أن هذا الصراط بصراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، ثم بعض العلماء استنبط من هذه الآية صحة إمامة أبي بكر الصديق وخلافته، وذلك أن الله عز وجل في هذه السورة قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، ومن المعلوم أن المنعم عليهم منهم الصديقون، وأبو بكر من الصديقين، والسؤال هو سؤال أن يهديه الله صراط المنعم عليهم، ومن المنعم عليهم أبو بكر الصديق؛ لأنه من الصديقين، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأبو بكر رضي الله عنه هو من الصديقين.فإذاً يدل على أن إمامته إمامة حق، وأنه إمام هدى، وأنه من الصديقين الذين نسأل الله عز وجل أن يسلك بنا طريقهم، نسأله في كل ركعة من ركعات صلاتنا أن يسلك بنا طريق هؤلاء الذين ثبتوا على الصراط المستقيم، ومنهم الصديقون وفيهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا ذكره شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في أضواء البيان عند سورة الفاتحة، وقال: إن هذه الآية دالة على صحة ولاية أبي بكر الصديق، وصحة خلافته؛ لأن المسلمين يسألون الله عز وجل أن يهديهم الصراط المستقيم الذي هو صراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وفيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، يعني: يسأل الإنسان ربه أن يهديه صراط المنعم عليهم، وأن يحفظه من أن يقع في ما وقع فيه من حاد عن الصراط المستقيم، وهم المغضوب عليهم والضالون، والمغضوب عليهم هم: اليهود، والضالون هم: النصارى، وإن كان كل من النصارى مغضوب عليهم، واليهود ضالون، إلا أن اليهود غلب عليهم ذلك؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى غلب عليهم الضلال؛ لأنهم يعبدون الله على جهل وضلال، ولهذا يقول بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى يعبدون الله على جهل وضلال.وهذا الحديث من الأحاديث القدسية التي ترجع الضمائر فيها إلى الله عز وجل، والتي هي كلامه سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن الأحاديث القدسية هي: كلام الله لفظاً ومعنى إذا تحقق بأن الحديث ما روي بالمعنى، أما إذا كان مروياً بالمعنى، أو دخلته الرواية بالمعنى فلا يصلح أن يقول: أنه لفظ الله، وأنه لفظه من الله عز وجل؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان عندما يتقن المعنى ولا يتقن اللفظ، فإنه يرويه