شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 7
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 7 من 14 الأولىالأولى 1234567891011121314 الأخيرةالأخيرة
النتائج 121 إلى 140 من 279
4اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (118)


    - (باب الأذان في غير وقت الصلاة) إلى (باب رفع الصوت بالأذان)

    بين الشرع الحكيم العلة من الأذان قبل دخول الوقت، وذلك ليوقظ النائم ويرجع القائم، وبين وقت أذان الصبح، وأنه عندما يظهر الفجر الصادق المعترض في الأفق، وأن السنة في الأذان رفع الصوت فيه؛ والسنة للمؤذن عند الحيعلتين تحريك الرأس يميناً وشمالاً.
    الأذان في غير وقت الصلاة

    شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الأذان في غير وقت الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم، وليس أن يقول هكذا، يعني في الصبح)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: الأذان في غير وقت الصلاة.أي: قبل دخول الوقت، والمراد من ذلك أذان الفجر الأول الذي يكون في آخر الليل قبل طلوع الفجر، والغرض منه كما جاء في الأحاديث: إرجاع القائم، وإيقاظ النائم.وقد أورد النسائي فيه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن بلالاً يؤذن بليل)، أي: قبل طلوع الفجر، (ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم) أي: الذي كان مشتغلاً بالتهجد، فإنه ينام نومة خفيفة يستريح بها قبل دخول الوقت، ويوقظ النائم حتى يستعد ويتهيأ للصلاة.ثم قال: (وليس أن يقول هكذا، يعني: في الصبح)، وهذا إشارة إلى أن ذلك الأذان يكون عند طلوع الفجر الكاذب الذي يكون ممتداً في الأفق، وليس المعترض في الأفق الذي هو الفجر الصادق، فإنه أشار إلى أنه ليس أن يقول هكذا -هذا الأذان- عند دخول الوقت الذي يكون فيه الفجر معترضاً في الأفق، ويتزايد الضوء حتى تطلع الشمس؛ لأن الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، والفجر الكاذب: هو الذي يكون مستطيلاً في الأفق، يظهر من جهة المشرق ويمتد فوق.أما الفجر الصادق: فهو الذي يكون معترضاً في الأفق، ويتزايد حتى تطلع الشمس، فهنا أشار: (وليس أن يقول هكذا)، أي: في الصبح، اي: ليس ذلك الوقت الذي يؤذن فيه هو الوقت الذي يكون فيه الصبح أو الفجر معترضاً، بل الذي يكون مستطيلاً يقال له: الفجر الكاذب.والمقصود من هذه الترجمة: أن الأذان حصل قبل دخول الوقت، وذلك للاستعداد والتهيؤ ممن يكون نائماً؛ ليستيقظ ويستعد ويتهيأ، لاسيما إذا كان عليه اغتسال، ثم من يكون متهجداً مشتغلاً بصلاة، فإنه يعلم قرب الوقت، فينام نومة خفيفة يستعد فيها لصلاة الفجر.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم...)
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو المحدث، الفقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأوصاف العالية التي لم يظفر بها إلا قليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا المعتمر بن سليمان].هو ابن سليمان بن طرخان التيمي، ويلقب بـالطفيل، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو سليمان بن طرخان التيمي، ويقال له: التيمي ليس لأنه من بني تيم، ولكنه نزل في التيميين فنسب إليهم، يعني: هذه النسبة ليست لكونه منهم، ولكنه نزل فيهم فنسب إليهم، وهو ثقة، ثبت، عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي عثمان].هو النهدي، وهو: عبد الرحمن بن مل أو مل مثلث الميم، يعني: يصلح في الميم الأوجه الثلاثة: الضم، والفتح، والكسر، فكل ذلك صحيح، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مخضرم من المخضرمين.[عن ابن مسعود].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد علماء الصحابة، وهو ليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأنه متقدم الوفاة، والمراد بالعبادلة الصغار المتقاربون في السن، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    وقت أذان الصبح

    شرح حديث أنس في وقت أذان الصبح
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت أذان الصبح.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصبح؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن حين طلع الفجر، فلما كان من الغد أخر الفجر حتى أسفر، ثم أمره، فأقام فصلى، ثم قال: هذا وقت الصلاة)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب: وقت أذان الصبح.أي: أنه يكون عند طلوع الفجر، والمراد بذلك الفجر الثاني المعترض في الأفق، والذي يتزايد الضوء والنور في الأفق حتى تظهر الشمس، فوقت أذانه عند طلوع الفجر، وأورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصبح؟ فأمر بلالاً أن يؤذن حين طلع الفجر). فهذا هو وقت أذان الفجر.قال: (وفي اليوم الثاني أخر الفجر حتى أسفر، ثم أمره فأقام فصلى، ثم قال: هذا وقت الصلاة)، أي: أن وقت الصلاة ممتد، ولكنها تفعل في أول الوقت، ويبكر بها، ويبادر بها، ويجوز تأخيرها في الوقت، ولكن المبادرة بها هي الأفضل، وهي المطلوبة؛ لأن فيها المبادرة إلى الخير، والمسارعة إلى التخلص من أداء الواجب والفرض الذي افترضه الله عز وجل. إذاً: فـالنسائي ذكر الترجمتين، الترجمة الأولى قبل الوقت، والترجمة الثانية في الوقت، فالترجمة الأولى تعتبر في الأذان الأول الذي يكون في الليل، والترجمة الثانية تكون في الوقت، أي: في أوله، أي: عند طلوع الفجر الذي يكون عنده أو يحل معه الإتيان بالصلاة ويحرم معه -الأذان- الأكل والشرب لمن يريد الصيام.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في وقت أذان الصبح
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن راهويه الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا يزيد].هو ابن زريع، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد].هو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وقد خدمه عشر سنوات، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا، وأدركهم صغار التابعين ورووا عنهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد الذي هو: إسحاق بن إبراهيم يروي عن يزيد بن زريع، ويزيد بن زريع عن حميد، وحميد عن أنس من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه رباعي، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، ومثل النسائي في هذا: مسلم، وأبو داود، فهؤلاء الثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم ثلاثيات، أما الثلاثة الباقون، وهم: البخاري، والترمذي، وابن ماجه فعندهم أسانيد ثلاثية، فعند البخاري اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه خمسة أحاديث كلها بإسناد واحد ثلاثيات.
    كيف يصنع المؤذن في أذانه

    شرح حديث أبي جحيفة في انحراف المؤذن يميناً وشمالاً
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يصنع المؤذن في أذانه.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فخرج بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه هكذا؛ ينحرف يميناً وشمالاً)].هنا أورد النسائي رحم الله هذه الترجمة: باب كيف يصنع المؤذن في أذانه.أي: هل يثبت على هيئة واحدة مستقبلاً القبلة، أو أنه يلتفت يميناً وشمالاً؟ السنة جاءت بأنه يستقبل القبلة في أذانه إلا في الحيعلة فإنه يلتفت يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح، يلتفت لليمين والشمال، عند حي على الصلاة حي على الفلاح.وقد أورد النسائي حديث أبي جحيفة وهو ابن عبد الله السوائي رضي الله تعالى عنه: (أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج بلال فأذن فجعل يقول بأذانه هكذا، ينحرف يميناً وشمالاً)، ويقول هنا بمعنى يفعل، وهي من إطلاق القول ويراد به الفعل، والمراد من ذلك أنه يلتفت عند الحيعلة يميناً وشمالاً، وأما غير ذلك فإنه يكون مستقبلاً القبلة، يعني: في حال أذانه.والمقصود بذلك رأسه؛ أي: لا يلتفت بجسمه، وإنما يلتفت برأسه.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي جحيفة في انحراف المؤذن يميناً وشمالاً
    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا وكيع].هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان].وهو غير منسوب والمراد به الثوري؛ لأنه إذا جاء سفيان غير منسوب ويروي عنه وكيع فالمراد به الثوري وليس ابن عيينة، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن أبي جحيفة].عون بن أبي جحيفة ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو وهب بن عبد الله السوائي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    رفع الصوت بالأذان

    شرح حديث أبي سعيد الخدري في رفع الصوت بالأذان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الصوت بالأذان.أخبرنا محمد بن سلمة أنبأنا ابن القاسم عن مالك حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: رفع الصوت بالأذان.لأن المقصود بالأذان هو: إعلام الناس بدخول الوقت، فيرفع الصوت حتى يحصل إسماع الناس، وحتى يحصل بلوغ ذلك إلى الناس، فيحضرون إلى الصلاة، ويتوجهون إلى الصلاة، والأذان فيه: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ أي: تعالوا هلموا وأقبلوا، فيرفع الصوت به حتى يحصل المقصود من الأذان الذي هو إبلاغ الناس دخول الوقت، فيتوجهون إلى المساجد لأداء الصلوات، وكذلك تقوم النساء اللاتي صلاتهن في البيوت في الإتيان بالصلاة؛ لأنهن علمن بأن الوقت قد دخل حيث حصل الأذان. وأورد النسائي فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي قال فيه لـعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك؛ فإنه لا يسمعك إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة)، والمقصود منه قوله: (فارفع صوتك).ثم قال أبو سعيد: (سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا يبين بأنه مرفوع -هذا الذي قاله- لأنه أولاً أرشده إلى أن يفعل هذا الفعل، ثم بين له بأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك الكلام الذي قاله أبو سعيد لـابن أبي صعصة مرفوعاً، ومسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم هذا من الأمور التي لا مجال للاجتهاد فيها، ولا مجال للرأي، ولو لم يأت التصريح برفعه فهو مرفوع حكماً؛ لأنه إخبار عن أنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له، فهذا لا يقال بالرأي، ولكن مع هذا فالتنصيص قد وجد برفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال أبو سعيد رضي الله عنه: (سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم).وفي هذا بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من التنبيه إلى فعل الخير، وإلى الترغيب في السنن والأخذ بها وتعليمها، وبيان ما اشتملت عليه من الأجر، حتى يأخذ من أرشد إلى ذلك بها، ويعلم الأجر الذي جعله الله عز وجل لمن يقوم بهذا العمل، فالحديث دال على رفع الصوت، بل إن الأذان هو المقصود به رفع الصوت؛ حتى يحصل إعلام الناس، وحتى يحصل توجه الناس إلى المساجد؛ بكونهم علموا بأن الوقت قد دخل بحصول الأذان وبسماعهم الأذان، وقد جاء في حديث قصة ابن أم مكتوم الذي جاء وقال: (إنه بعيد الدار، وأنه ليس له قائد يلائمه إلى المسجد، قال: هل تسمع النداء؟ -هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح- قال: نعم، قال: فأجب)؛ أي: هذا هو المقصود بالأذان، وهذا المقصود بالنداء؛ وهو أن الناس يعلمون دخول الوقت، فيتوجهون إلى المساجد، ثم أيضاً فيه فضل الأذان، فالحديث يدل على فضل الأذان، وأن المؤذن يشهد له يوم القيامة من يسمع صوته من جن وإنس وأي شيء، فإنه يشهد له يوم القيامة.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في رفع الصوت بالأذان
    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء خرجوا حديث محمد بن سلمة.[أنبأنا ابن القاسم].هو عبد الرحمن صاحب مالك، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب الأربعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبيه].وأبوه ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، أي: الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه. [أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له].أبو سعيد هو راوي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سعيد هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهور بكنيته ونسبته أبو سعيد الخدري، وهو من الصحابة المشهورين، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـأبو سعيد الخدري رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    شرح حديث أبي هريرة: (المؤذن يغفر له بمد صوته ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا يزيد يعني: ابن زريع حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عثمان عن أبي يحيى عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤذن يغفر له بمد صوته، ويشهد له كل رطب، ويابس)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو دال على ما ترجم له المصنف من مد الصوت أو رفع الصوت بالأذان، وحديث أبي هريرة يقول: (إن المؤذن يغفر له بمد صوته، ويشهد له كل رطب، ويابس)، فهو دال على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن رفع الصوت بالأذان هو المقصود من الأذان؛ لأن المقصود به: إسماع الناس في بيوتهم حتى يحضروا إلى المساجد، وفيه فضل الأذان، وأن الإنسان يغفر له، وأنه يشهد له كل رطب ويابس، فهو دال على فضيلة الأذان، وعلى عظم أجره عند الله عز وجل، وأنه من أسباب المغفرة لصاحبه، وأنه يشهد له كل رطب ويابس يوم القيامة بما حصل منه من هذا العمل الصالح الذي هو ذكر الله عز وجل، ورفع الصوت بذلك؛ لمناداة الناس لأن يحضروا إلى المساجد.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (المؤذن يغفر له بمد صوته...)
    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود هذا هو البصري، كنيته أبو مسعود، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده. [ومحمد بن عبد الأعلى].أما محمد بن عبد الأعلى فهو صنعاني، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[قالا: حدثنا يزيد يعني: ابن زريع].هو ابن زريع، والراويان عن يزيد هما: إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى، وقد قالا: يزيد في روايتهما عنه، لكن من دون تلميذيه هو الذي يقول: يعني: ابن زريع؛ لأن من دون التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن يعبر بمثل هذه العبارة، وأما التلميذ فلا يحتاج إلى أن يعبر، بل ينسب شيخه كما يريد، وقد يذكر نسبه من خمسة أسماء أو ستة أسماء؛ لأن الكلام كلامه، وأما من دونه فإنه لا يزيد على كلام التلميذ، وإذا أراد أن يوضح فليأت بعبارة مثل: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، فكلمة يعني تقدمها اثنان، وهما محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود، فالمناسب أن يقال: يعنيان، أو يعني: كل واحد منهما، إذا بقيت على ما هي عليه، يعني: كل واحد منهما، يعني: ابن زريع .ويزيد بن زريع ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو صف من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عثمان].موسى بن أبي عثمان، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبي يحيى].هو المكي، يقال: اسمه سمعان، وهو مقبول، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبي هريرة].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن صخر، أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عن أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث البراء بن عازب: (... المؤذن يغفر له بمد صوته)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي إسحاق الكوفي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب، ويابس وله مثل أجر من صلى معه)].ثم أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم)، أي: الصف الأول، وهذا يدلنا على فضل الصف الأول، وهو من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل الصف الأول، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، وهو دال على فضل النداء، وقوله: (لو يعلم الناس ما في النداء)، أي: الأذان، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها)، فهو من الأحاديث الدالة على فضل الصف الأول، والمؤذن يغفر له بمد صوته، وهو بمعنى حديث أبي هريرة المتقدم. وقوله: (ويصدقه من سمعه من رطب ويابس)، معناه: يشهد له بالصدق، وأنه قد صدق فيما قال.وقوله: (وله مثل أجر من صلى معه)؛ لأنه هو الذي تسبب في دعوة الناس إلى الخير، (ومن دعا إلى هدى فله مثل أجر فاعله)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على فضيلة الأذان من وجوه متعددة، منها: كونه يغفر له، ويصدقه من سمعه ويشهد له، وله مثل أجر من صلى معه، أي: صلى معه إذا كان إماماً، أو مع إمامه الذين يقتدي به، وسبب حصول هذا الأجر أنه تسبب في دعوة الناس إلى الخير، وندائهم إلى الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دل إلى هدى فله مثل أجر فاعله)، وقال: (من دعا إلى هدى كان له من أجره مثل أجور من تبعه)، فهو يدل على فضيلة الأذان، وعلى عظم أجر المؤذن. وليس فيه دليل على أنه يقول: صدقت وبررت عند قوله: الصلاة خير من النوم، هذا قد قاله بعض الفقهاء، لكن ليس فيه حديث يدل عليه، وعموم الحديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، يدل على أنه يقول: الصلاة خير من النوم كما يقول المؤذن، ولا يخالف السامع المؤذن إلا في حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أما ما عدى ذلك فمقتضى الحديث أنه يقول كما يقول.
    تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب (... المؤذن يغفر له بمد صوته ...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الزمن، وكنيته أبو موسى ولقبه الزمن، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله في ذلك محمد بن بشار، ومثله في ذلك يعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ أي: سنة اثنتين وخمسين ومائتين. [حدثنا معاذ بن هشام].هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، ومعاذ هذا صدوق يهم، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثني أبي].وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي إسحاق الكوفي].وهو السبيعي، وأبو إسحاق السبيعي، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع هم جزء من همدان، وهي نسبة خاصة، وينسب إلى همدان نسبة عامة؛ أي: الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة، فهو مشهور بالنسبة إلى سبيع وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن البراء بن عازب].صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصحابي ابن الصحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    الأسئلة

    المقدم في الإمامة بالناس
    السؤال: كيف نجمع بين رواية مالك بن الحويرث الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)، وحديث عمرو بن سلمة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً)؟الجواب: أنا أجبت على هذا في الدرس الفائت، وهو أن حديث عمرو بن سلمة يدل على من يقدم في الإمامة وهو الأكثر قرآناً، ومثله حديث أبي مسعود، وعقبة بن عامر الأنصاري البدري الذي رواه مسلم في صحيحه، والذي فصل فيه من يتولى الإمامة ورتبهم، فقال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً)، فجعل السن متأخراً بعد القراءة وبعد السنة وبعد التقدم في الهجرة، وحديث مالك بن الحويرث قال: (ليؤمكم أكبركم)؛ لأن هؤلاء الذين جاءوا وتعلموا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا متماثلين فيما أخذوه من القرآن، وفيما أخذوه من السنة، وحديث عمرو بن سلمة يدل على أن المقدم هو من يحفظ القرآن، وحديث أبي مسعود يدل على أن المقدم هو من يكون أكثر حفظاً للقرآن، ثم يليه من يكون أعلم بالسنة، ثم يليه من يكون أقدم هجرة، ثم يليه من يكون أكبر سناً.
    لا يشترط أن يتولى المؤذن الإقامة
    السؤال: إذا أذن المؤذن للصلاة، فهل بإمكان أي شخص آخر إقامتها؟ أعني هل يشترط أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة؟الجواب: يمكن أن يقيم غير المؤذن، ليس من شرط الإقامة أن يكون الذي يقيم هو الذي يؤذن، بل يجوز أن تكون الإقامة من شخص، والأذان من شخص آخر.
    حكم أكل غير الصائم من الطعام الذي يوضع في المسجد النبوي للصائمين
    السؤال: هل يجوز لغير الصائم أن يجلس ويأكل من سفر الصائمين التي تقام في المسجد النبوي يوم الاثنين والخميس؟الجواب: أولاً: إذا كان صاحب الطعام أذن لمن يأكل سواء كان صائماً أو غير صائم، فهذا إليه؛ لأن صاحب الطعام هو الذي يملك الإذن لمن يأكل، فإذا كان يخصه بالصائمين فلا يأكل معهم سواهم، وإن كان مبذولاً لمن يتقدم للأكل، سواء كان صائماً أو غير صائم، فالأمر يرجع إلى المالك الباذل، فإنه يكون بإذنه، وهو الذي يكون عليه التعويل، لكن كون الإنسان يأكل وهو غير صائم فقد يظن به أنه صائم، فيخشى عليه أن يكون من الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؛ أي: يأكل مع الناس الصائمين، ويظن أنه صائم وهو غير صائم، ويكون في ذلك محذور. السؤال: هل صحيح ما ينسب إلى مقاتل بن سليمان بأنه اتهم بوضع الحديث، أرجو أن تعطي ترجمة موجزة له؟الجواب: لا أدري، ولا أعرف شيئاً عنه الآن.

    حكم الأذان في المسجد وعدم الالتفات يميناً وشمالاً

    السؤال: ما حكم الأذان داخل المسجد وعدم تحريك الرأس يميناً وشمالاً عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح؟الجواب: الأذان لا يكون إلا داخل المسجد، ما دام المكبرات أمام الإنسان والسماعات على رءوس المآذن، فالأذان الآن يكون داخل المسجد، ولا أحد يصعد للمئذنة؛ لأنه لا حاجة للصعود إليها؛ لأن الصوت يصعد وينطلق من بواسطة الكهرباء، ويسمعه الناس من قرب ومن بعد.أما عدم الالتفات فهذا خلاف السنة، ويصح الأذان بدون التفات، لكن السنة أن الإنسان يلتفت عند الحيعلة يميناً وشمالاً، وإذا حصل أذان بدون التفات فإنه يصح.
    حكم استخدام الوسائل الحديثة في الأذان وغيره من الشعائر
    السؤال: هل يجوز لنا أن نقدم التطورات العلمية مثل مكبر الصوت على الشرع، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض العلماء يرخصون في عدم تحريك الرأس؛ لأن علة التحريك ذهب بسبب المكبر؟الجواب: أولاً: قضية استخدام مكبر الصوت ليس فيه معارضة للسنة، بل هو وسيلة أدت إلى إسماع الناس، وتبليغ الصوت إلى أماكن بعيدة، وهذا من فضل الله عز وجل على الناس، إذ يسر لهم هذه الوسائل التي يصل الصوت إلى أماكن بعيدة بواسطة الكهرباء، فاستعمال مكبر الصوت ليس فيه تقديم لاستعمال التطورات العلمية على الشرع، بل هو تسخير لهذه الوسائل العلمية التي حصلت أخيراً في تطبيق وتنفيذ الشرع؛ لأن الشرع جاء بأنه يمد الصوت بالأذان، وأنه يرفع الصوت بالأذان، وهذا مما يحقق رفع الصوت، ويحقق بلوغ الصوت إلى أماكن شاسعة، فما فيه تقديم وتأخير، بل فيه استعمال لهذه الوسائل في الأذان، وتطبيق ما جاء في الشرع. أما بالنسبة للحيعلة والالتفات، فإنه يلتفت ولو وجد مكبر الصوت، فإن الإنسان يلتفت يميناً وشمالاً عند الأذان ولو كان في داخل المسجد، والسنة يجب أن تنفذ دائماً وأبداً، وإن كان المكبر موجوداً عند الإنسان فإنه يلتفت يميناً وشمالاً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (119)


    (باب التثويب في أذان الفجر) إلى (باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة)

    يستحب التثويب في أذان الفجر، وهو قول: الصلاة خير من النوم، وإذا نزل المطر يزاد في الأذان عبارة: صلوا في رحالكم.
    التثويب في أذان الفجر

    شرح حديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر
    قال المصنف رحمه الله: [باب: التثويب في أذان الفجر.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سفيان عن أبي جعفر عن أبي سلمان عن أبي محذورة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أقول في أذان الفجر الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: التثويب في أذان الصبح. المراد بالتثويب هنا هو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، هذا هو المراد بالتثويب، والتثويب في الأصل هو: العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ولهذا قيل للإقامة: تثويب، وقد جاء في الحديث: ( إن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط، فإذا انتهى الأذان رجع حتى يوسوس للناس، فإذا ثوب -إذا نودي بالإقامة- هرب كما هرب عند الأذان ) فهنا قيل في الإقامة: ثوب، وقيل لها: تثويب؛ لأنها عود إلى الإعلام، وكما أن الأذان إعلام بدخول الوقت، فالإقامة إعلام بالقيام إلى الصلاة.وقيل لقول المؤذن: الصلاة خير من النوم: تثويب؛ لأن له وجه؛ يعني: في العود بعد الإعلام، لكن ليس بواضح، وإنما الواضح هو الإقامة، لكنه أطلق على الصلاة خير من النوم تثويب، ولهذا بوب النسائي فقال: باب التثويب في أذان الفجر, أي: قول: الصلاة خير من النوم.وقد أورد النسائي فيه حديث أبي محذورة رضي الله تعالى عنه (أنه كان يقول في أذانه عندما يقول: حي على الفلاح، يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وهذا في الأذان الأول من أذان الصبح -أذان الفجر- والحديث واضح في أن التثويب إنما هو في الأذان الأول، أي: الذي يكون قبل دخول الوقت، والموجود في بلاد المسلمين هو أن التثويب يكون في الأذان الثاني، وقد جاء في بعض الأحاديث فيها ذكر إطلاق التثويب في أذان الصبح، كما جاء عن أنس: ( من السنة أن المؤذن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم ), فهذا لفظ مطلق، وحديث أبي محذورة فيه بيان أن التثويب إنما يكون في الأذان الأول, والذي يكون في آخر الليل, وقبل طلوع الفجر، والغرض منه إيقاظ النائم، وإرجاع القائم؛ أي: لينام نومة خفيفة؛ ليتهيأ لصلاة الصبح, وكون التثويب في بلاد المسلمين يكون في الأذان الثاني والذي هو عند دخول الوقت؛ لأن الأذان الأول ليس بلازم أن يحصل في كل مسجد من المساجد، بل لو لم يحصل لم يكن هناك المحذور الذي يحصل فيما إذا ترك الأذان لصلاة الصبح. وأما الأذان الذي هو النداء للصلاة، فهذا أمر لازم لابد منه، ولا يجوز تركه, والأذان الثاني هو الذي فيه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وهو كغيره من حصول الأذان في الأوقات الأخرى؛ لأن كل صلاة يؤذن لها عند دخول الوقت فيها، ولابد من الأذان، فكل مسجد من المساجد يؤذن عند دخول الوقت. أما بالنسبة للأذان الأول فليس بلازم أن كل مسجد يؤذن، ولا يلزم لزوم الأذان الثاني، وصار الإتيان بالصلاة خير من النوم إنما هو في الأذان الثاني، ولا شك أن في ذكر الصلاة خير من النوم تمييز بين الأذانين، ومعرفة للأذان الأول من الأذان الثاني، وإذا عرف عند الناس بأن الصلاة خير من النوم إنما تكون في الأذان الأول اتضح لهم ذلك، وإذا عرف أنها تكون في الأذان الثاني اتضح لهم ذلك، فيكون العلم بالتمييز بين الأذانين الأول والثاني بهاتين الجملتين: الصلاة خير من النوم, الصلاة خير من النوم, وموضعها كما جاء في الحديث بعد حي على الفلاح، وقبل الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، وهو ثقة، وخرج له الترمذي, والنسائي. [حدثنا عبد الله].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة, ثبت, إمام، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام, المحدث, الفقيه, الثقة, الثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي جعفر].قال عنه في التقريب: شيخ لـسفيان الثوري وهو مجهول، وخرج له النسائي، وقيل: إنه أبو جعفر الفراء، وأبو جعفر الفراء ثقة، وخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والنسائي. وقد جاء في الإسناد الثاني الذي ذكره النسائي أن أبا عبد الرحمن قال: وليس هو الفراء، وفي نسخة تحفة الأشراف أن الذي قال ليس هو الفراء هو: عبد الرحمن بن مهدي أحد الرواة في الإسناد، وقد ذكر في تحفة الأشراف أنه جاء من بعض الطرق أن الراوي الذي روى عنه سفيان هو أبو جعفر الفراء، وكذلك جاء من طرق أخرى أنه الفراء، فيحتمل أن يكون الفراء، ويحتمل أن يكون شيخاً مجهولاً لـسفيان، وسواء كان أبا جعفر الفراء الذي هو ثقة، أو ذلك المجهول الذي هو شيخ لـسفيان فإن ذلك لا يؤثر؛ لأن أحاديث التثويب، وقول: الصلاة خير من النوم جاءت عن أبي محذورة من طرق أخرى، وقد تقدم بعضها، وجاءت أيضاً في بعض الأحاديث الأخرى التي هي غير حديث أبي محذورة، فتلك الجهالة لا تؤثر على صحة الحديث؛ لأن الحديث ثابت من طرق أخرى. [عن أبي سلمان]. هو أبو سلمان المؤذن، وهو مقبول، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وقد خرج حديثه النسائي وحده.[أبي محذورة].أبو محذورة قيل: اسمه أوس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذنه، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية.
    طريق أخرى لحديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر وتراجم رجال إسنادها
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه, قال أبو عبد الرحمن: وليس بـأبي جعفر الفراء].هذا إسناد آخر ذكره وأشار إلى أن المتن نحو هذا المتن، وفيه قال أبو عبد الرحمن: ليس هو الفراء أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن هو النسائي. لكن -كما ذكرت- في تحفة الأشراف التنصيص على أن الذي قال هذا الكلام هو: عبد الرحمن بن مهدي الذي هو أحد الرواة في هذا الإسناد، والذي يروي هو ويحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري، وعلى هذا فيكون شيخاً لـسفيان الثوري، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب. قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو ثقة, ناقد، وله كلام كثير في الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي في التراجم -تراجم الرجال- وقال الفلاس:كذا، والمراد بـالفلاس هو عمرو بن علي هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى وعبد الرحمن].هو ابن سعيد القطان, المحدث, الثقة, الثبت, الناقد، المتكلم في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وعبد الرحمن بن مهدي أيضاً كذلك محدث, ناقد، ومتكلم في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهذان الرجلان وهما: يحيى بن سعيد القطان, وعبد الرحمن بن مهدي ذكرهما الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا جرحا شخصاً، أو اتفقا على جرح شخص، فإنه لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما يصيبان الهدف فيما يقولان.[قالا: حدثنا سفيان].هو الثوري وقد تقدم، وكذلك بقية الإسناد الذين هم: الثوري, وأبو جعفر, وأبو سلمان, وأبو محذورة، فهؤلاء هم الذين في الإسناد الذي قبل هذا.
    آخر الأذان

    شرح حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: آخر الأذان.أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى حدثنا الحسن بن أعين حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه قال: آخر الأذان: الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله].هنا أورد النسائي رحمه الله الترجمة هذه وهي: باب: آخر الأذان؛ أي: ختام الأذان ونهايته، بم يختم؟ وما هي نهايته؟ فأورد حديث بلال: (أن آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله).قال بعض الشراح: ولعل التنصيص على آخرية الأذان بقوله: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)؛ حتى لا يتوهم أن التكبير في آخر الأذان, كالتكبير في أول الأذان؛ لأن التكبير في أول الأذان يربع؛ أي: يؤتى به أربع جمل، وأما في آخر الأذان يؤتى به مثنى؛ يعني: جملتان فقط، وكذلك كلمة التوحيد: لا إله إلا الله مفردة، وهي اللفظة الوحيدة التي تأتي مفردة في الأذان؛ لأن بقية الألفاظ مكررة، إما مرتين، وإما أربع مرات، فالتكبير في الأول أربع مرات، وشهادة أن لا إله إلا الله مرتين، وشهادة أن محمداً رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، والله أكبر قبل الآخر مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة.وجاءت مرة واحدة؛ لأن إفرادها يناسب معنى التوحيد، وهو إفراد الله وحده لا شريك له، وأن الله تعالى هو الواحد في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.وكلمة الإخلاص التي جاءت النصوص على أنه يحرص على أن تكون بها ختام هذه الحياة الدنيا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فمن ختم له بلا إله إلا الله فهو على خير.
    تراجم رجال إسناد حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
    قوله: [أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى].هو الحراني، وهو ثقة، وخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا الحسن بن أعين].هو الحسن بن محمد بن أعين، وأحياناً ينسب إلى جده -كما هنا- فيقال: الحسن بن أعين، وهو صدوق، وخرج له البخاري, ومسلم, والنسائي.[حدثنا زهير].هو ابن معاوية الكوفي، وهو ثقة, ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعمش، ويأتي ذكره أحياناً باسمه ونسبه، فيقال: سليمان بن مهران، وأحياناً يقال: سليمان، وكثيراً ما يأتي في لقبه الأعمش، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفتها ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين, إذا ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وسليمان شخص آخر، والذي يعلم بأن سليمان بن مهران لقب لـالأعمش, فلا يلتبس عليه الأمر. [عن إبراهيم].هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث, فقيه, ومعروف بالفقه, وكما أنه معروف بالحديث، وهو الذي ذكرت -فيما مضى-: أنه عبر بعبارة وهي قوله: (ما لا نفس له سائلة, في مثل الجراد، والذباب، وأمثالها التي لا دم لها، فقد عبر عنها بـ (ما لا نفس له سائلة)؛ يعني: ليس له دم سائل، ويقولون: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ويذكرون لذلك حديث الذباب؛ أي: الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم ليلقه وليشرب)، قالوا: فإن الغمس قد يكون الماء حاراً، فإذا غمس مات، والرسول أرشد إلى استعماله، فلو كان يتنجس لما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى استعماله وغمسه، ثم استعمال الماء بعد غمسه، فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وذكر ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد حيث قال: وأول من حفظ عنه أنه عبر بهذه العبارة، فقال: ما لا نفس له سائلة هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة, مخضرم، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بلال].هو ابن رباح مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو من السابقين الأولين، ومؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه قال: ( كان آخر أذان بلال: الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله )].ثم أورد النسائي رحمه الله الحديث من طريق أخرى، عن إبراهيم عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وهو مثل الذي قبله، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، هذا هو نهاية الأذان، التكبير مرتين، وكلمة التوحيد مرة واحدة، هذا هو آخر الأذان، وهذا هو ختام الأذان. قوله: [أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله].هو سويد بن نصر, وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وقد مر ذكرهما في الإسناد الماضي.[عن سفيان].هو الثوري، وقد مر ذكره أيضاً.[عن منصور].هو ابن المعتمر، وهو كوفي, ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم, عن الأسود].عن إبراهيم عن الأسود، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
    طريق ثالثة لحديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد أخبرنا عبد الله عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود مثل ذلك].ثم أورد النسائي رحمه الله إسناد آخر هو مثل الإسناد الذي قبله، إلا أن فيه الأعمش, بدل منصور بن المعتمر، والأعمش مر ذكره في إسناد قبل هذا.وقد وقع في بعض النسخ التنصيص على مثل ما كان في العبارة في المتن الذي قبله، كان آخر أذان بلال: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)، وهنا قال: (مثل ذلك)؛ يعني: في بعض النسخ كلمة (مثل ذلك)، وفي بعضها نفس العبارة التي مرت، وهي آخر أذان بلال: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)، وكلمة (مثل ذلك)، تعني: هي هذه؛ لأنه إذا قيل: (مثل) فمعناه: أنه مطابق للمتن الذي قبله تماماً بألفاظه ومعانيه، وبخلاف إذا قيل: (نحوه)، فإنه لا يطابقه في الألفاظ، ولكن يتفق معه في المعنى، وقد يخالفه في بعض الألفاظ.
    حديث أبي محذورة: (أن آخر الأذان: لا إله إلا الله) وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله عن يونس بن أبي إسحاق عن محارب بن دثار حدثني الأسود بن يزيد عن أبي محذورة: ( أن آخر الأذان: لا إله إلا الله )].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي محذورة أن آخر الأذان: (لا إله إلا الله)؛ يعني: كلمة الإخلاص مفردة مرة واحدة. قوله: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله].وقد مر ذكرهما في الأسانيد الماضية.[عن يونس بن أبي إسحاق].هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو أبو إسرائيل، وهو صدوق, ويهم قليلاً، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محارب بن دثار].هو محارب بن دثار، وهو ثقة, عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني الأسود بن يزيد].الأسود عن أبي محذورة وقد مر ذكرهما في الأسانيد الماضية.
    الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة

    شرح حديث رجل من ثقيف في النداء في الليلة المطيرة بالصلاة في الرحال
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس أنه كان يقول: أخبرنا رجل من ثقيف، أنه سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم - يعني: في ليلة مطيرة - في السفر يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في ليلة مطيرة. يعني: الأذان المشتمل على الإذن بالتخلف عن الجماعة في ليلة مطيرة، وقد أورد النسائي فيه حديث رجل من ثقيف: (أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح قال: صلوا في رحالكم)، وهذا إذن وترخيص، وليس إيجاباً وإلزاماً؛ لأن من أراد أن يأتي فليأت، لكن من أراد أن يتخلف فله مندوحة، وله عذر، وقد أذن له في ذلك، فمن أراد أن يصلي في رحله، أي: في منزله، فله ذلك، لكن من أراد أن يأتي وقد سمع حي على الصلاة حي على الفلاح، يعني: هلموا وأقبلوا, فليأت، ومن أتى فعلى خير، ومن بقي فقد رخص له أن يبقى، وأن يتخلف عن الجماعة.
    تراجم رجال إسناد حديث رجل من ثقيف في النداء في الليلة المطيرة بالصلاة في الرحال
    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو المكي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عمرو بن أوس].هو عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي، وهو من كبار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا رجل من ثقيف].قال: (أخبرنا رجل من ثقيف)، وهذا يقال له: المبهم، فعندما يقال: رجل، فهو مبهم، وإذا ذكر الشخص غير منسوب يقال له: مهمل، مثل: سفيان غير منسوب، هل هو ابن عيينة أو الثوري؟ فيقال له: مهمل، ولكن إذا قيل: رجل أو امرأة، هذا يسمى المبهم، وهذا في غير الصحابة يؤثر، أما في الصحابة فإن الإبهام لا يؤثر مادام عرف أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنها لا تؤثر جهالته، ولا يؤثر عدم علم عينه ولا حاله؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول بتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين، وتوثيق الموثقين بعد أن عدلهم رب العالمين وعدلهم رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا يكفي أن يقال عن الواحد: من أصحاب رسول الله، أو عن رجل من أصحاب رسول الله، أو عن رجل صحب رسول الله، أو ما إلى ذلك من العبارات، فالجهالة في الصحابة لا تؤثر، رضي الله تعالى عنهم وأرضهم.
    شرح حديث ابن عمر في النداء في البرد والمطر بالصلاة في الرحال
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع: (أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في الرحال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر وهو أنه كان في ليلة باردة وريح شديدة، فقال في الأذان: صلوا في رحالكم، ثم أسند ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمناديه، أي: لمؤذنه، أن يقول في الأذان: (صلوا في رحالكم)، والمقصود من ذلك -كما ذكرنا- هو الترخيص والإذن، وليس الإيجاب والإلزام، فإن من أراد أن يأتي إلى المسجد وقد سمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح فليأت، ولكن من أراد أن يتخلف فله رخصة، ولهذا جاءت الترجمة: الأذان في التخلف عن حضور الجماعة في ليلة مطيرة؛ يعني: من أراد أن يتخلف فليتخلف.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في النداء في البرد والمطر بالصلاة في الرحال
    قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث, الفقيه، صاحب المذهب المعروف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].هو مولى ابن عمر، وهو ثقة, ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن ابن عمر].رضي الله تعالى عنهما، وقد فعل ذلك وأسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن عمر هو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عمرو, وعبد الله بن عباس, وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الثلاثة الذين في الإسناد، وهم: مالك عن نافع عن ابن عمر هي السلسلة التي قال عنها البخاري: إنها أصح الأسانيد.
    الأسئلة

    تحديد التثويب في الأذان
    السؤال: هل تحديد التثويب بالأذان الأول ثبت من طرق أخرى غير طريق أبي جعفر؟الجواب: نعم؛ لأن نفس الطريق هذه التي عن أبي محذورة سبق أن مرت عند النسائي من طريق أخرى ليست من هذه الطريق، وفيها ذكر التثويب، وكذلك أيضاً عند غير النسائي.
    حكم حلق الرأس كاملاً
    السؤال: هل يجوز للرجل حلق رأسه كاملاً، وهل يكون ذلك تشبهاً بالخوارج، وقد جاء في وصفهم في الحديث: (سيماهم التحليق)؟الجواب: نعم، هذا هو المعروف عن الخوارج، أن سيماهم التحليق، والمعروف من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يحلق رأسه في النسك، يعني: في الحج والعمرة، وكما هو معلوم أن مجرد الحلق عندما يحصل لا يكون فيه تشبه بالخوارج، لكن الخوارج هذا شأنهم، وهذه طريقتهم، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يحلق رأسه في النسك.
    معرفة رمز البخاري في جزء القراءة
    السؤال: ما هو رمز البخاري في جزء القراءة؟الجواب: رمزه في جزء القراءة زاي.
    كيفية معرفة القبول بعد الاستخارة
    السؤال: كيف يعرف الإنسان إذا صلى الاستخارة أن الله اختار له هذا الأمر، ورضي له بفعله؟الجواب: إذا مالت نفسه إليه، فإنه يقدم عليه، وهذا هو الطريق المشروع؛ يعني: أن الإنسان عندما يستخير، فإذا مالت نفسه إلى الفعل فعل، وإذا مالت نفسه إلى الترك ترك، وهذا هو الذي يستطيعه الإنسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
    طرق معرفة علامات الاستخارة
    السؤال: هل يكون ذلك بالرؤيا، أم بالراحة النفسية، أم بغير ذلك؟الجواب: كما هو معلوم: قضية الرؤيا ما نعلم شيء يدل عليها، لكن الإقدام -كما هو معلوم- إنما يكون بانشراح الصدر، أو الإحجام، فقد ينشرح صدره لأن يقدم، ويرى أنه ارتاح، فيقدم عليه، أو يرى أن نفسه منشرحة ومرتاحة إلى الترك، فإنه يترك.
    معنى قوله: (في رحالكم)
    السؤال: ما معنى قوله: في رحالكم؟الجواب: المراد بالرحال: المنازل, هذا المراد بها، سواء كان في السفر، أو في الحضر، يعني: رحل الإنسان منزله، وسواء كان بيتاً أو خيمة، وهذا هو المقصود بالرحال، والحديث في قصة: ( صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف، فلما صلى، وإذا برجلين قد جلسا ناحية، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، قال: ما لكما لم تصليا معنا؟ قالا: إنا قد صلينا في رحالنا )؛ يعني: منازلهم من منى، كان ذلك في مسجد الخيف في منى، (صلينا في رحالنا) يعني: في منازلنا، كذلك الحديث الآخر: ( إن الإنسان يصلي، ثم يرجع إلى رحله في أقصى المدينة )، يعني: منزله، فالرحل هو المنزل، كما أن الرحل أيضاً يطلق على ما يوضع على البعير، ويركب عليه الراكب، يعني: يطلق على هذا ويطلق على هذا.
    أجر من صلى في بيته عند وجود العذر
    السؤال: إذا صلى الرجل في بيته على حصير رخصة المطر، هل يكون له أجر من صلى في المسجد جماعة؟الجواب: لا شك أن من رخص له وأذن له، فله أجر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل وهو قائم مقيم)؛ لأنه مرخص له في حال السفر أن يأتي بتلك الأعمال التي كان يأتي بها في الحضر، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له أجرها، فمن رخص له، فهو يرجى أن يكون له ذلك الأجر.
    حكم اقتناء التلفاز
    السؤال: هل التلفاز حلال شراؤه؟ وهل يجوز أن ينظر إليه أم لا؟الجواب: ينبغي للإنسان أن يستغني عن التلفاز, وفي ذلك الخير الكثير له.
    حكم مجالسة صاحب المرض المعدي
    السؤال: بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم، فقوله: (قل بسم الله توكلاً على الله)، فهل معنى هذا: أن الأكل مع من فيه مرض مؤذٍ خطير متوكل على الله؟الجواب: لا بأس بذلك، لكن كون الإنسان يأخذ بالأسباب المشروعة، وهي عدم الإقدام على الشيء الذي فيه مضرة لا شك أن ذلك خير، وإذا فعل فالأمر كما قال الرسول: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: أن الأمور كلها ترجع إلى قضاء الله وقدره، وإلى إرادته ومشيئته، ومن المعلوم: أن أول مجذوم ما حصل له إعداء، وإنما حصل بإيقاع البلاء عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك بقوله: (فمن أعدى الأول؟)، فإذا كانت القضية أن المرض يأتي من مريض، أو الصحيح ينتقل إليه مرض المريض، فالمريض الأول من أعداه؟ أي: المسألة كلها ترجع إلى إرادة الله تعالى ومشيئته.
    حكم الدخان والشيشة
    السؤال: ما حكم الدخان والشيشة؟الجواب: الشيشة هي نوع من أنواع الدخان فيه زيادة في الخبث والسوء، وأما الدخان فهو حرام بلا شك، والأدلة على تحريمه منها قول الله عز وجل في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، ومن المعلوم: أن هذا ليس من الطيبات، فإذاً: هو من الخبائث، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وهذا لا شك أنه من إضاعة المال، بل يضاف إلى ذلك أن فيه إهلاك للنفس، وقتل للنفس، وجلب للأمراض والأسقام، والله عز وجل يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، ومن المعلوم: أن شرب الدخان فيه جلب المضرة إلى النفس.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (120)


    - (باب الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما) إلى (باب الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة)

    بينت السنة أحكام صلاة الفوائت والصلاتين المجموعتين بالنسبة للأذان والإقامة، وأنه يكتفى بأذان واحد لجميعها وأن الإقامة تتعدد بتعدد الصلوات.
    الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما

    شرح حديث جابر في الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما.أخبرنا إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله قال: (سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما. مراد النسائي بهذه التراجم كما هو واضح منها: أن الأذان لمن يجمع بين الصلاتين يكون في وقت الأولى منهما، وكذلك يكون في وقت الثانية منهما كما سيأتي، ولكن هذه التراجم معقودة للأذان في الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى من الصلاتين، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى عرفة في حجة الوداع وجد القبة قد نصبت له بنمرة، فنزل بها حتى زاغت الشمس، ثم إن الناقة رحلت له، ثم إنه سار حتى جاء بطن الوادي فخطب الناس في ذلك المكان، ثم أذن بلال وأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين، ولم يصل بينهما شيئاً )، أي: أنه أذن أذاناً واحداً قبل الأولى منهما، وأقام للأولى, ثم أقام للثانية, ولم يتنفل بينهما، ولم يصل بينهما، أي: بين الصلاتين، والحديث واضح للدلالة على ما ترجم له المصنف, من جهة الاستدلال به على الأذان للجمع بين الصلاتين في وقت الأولى من الصلاتين، وهذا الذي حصل إنما هو الجمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع في يوم عرفة، جمع بين الظهر والعصر، وأذن في وقت الأولى منهما، ثم أقيم للظهر، ثم أقيم للعصر، وهذا الحديث قطعة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الطويل في صفة حجة الوداع.
    تراجم رجال إسناد حديث جابر في الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما
    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن هارون]. وهو البلخي العابد، وهو ثقة, خرج له النسائي, والترمذي في الشمائل. [حدثنا حاتم بن إسماعيل] .وهو صدوق يهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وجعفر هذا هو المشهور بـالصادق، وهو أحد أئمة أهل السنة, الذين يحبونهم أهل السنة، وينزلونهم منازلهم؛ وذلك أن أهل السنة والجماعة من كان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, من المتقين ومن المؤمنين فإنهم يحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو مذهبهم، وهذه طريقتهم في أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، يحبونهم ويتولونهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، فكل من كان مؤمناً تقياً يحبونه لله ومن أجل الله، ولكنه إذا كان من أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام فيحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم: أن المؤمن الذي يكون من أهل البيت جمع له بين شرف الإيمان, وشرف النسب، ولكن إذا وجد شرف النسب، وما وجد الإيمان، أو وجد العصيان، فإن النسب لا يفيد شيئاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، يعني: من بطأ به عمله عن دخول الجنة فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها، وإنما المعول على الأعمال الصالحة، كما قال الله عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، ويقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك النسيب أبا لهبفـسلمان الفارسي رفعه الله بالإسلام، وأعزه الله بالإسلام، وأما أبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم فخذله الله عز وجل بالشرك، ووضعه بالشرك.فـجعفر الصادق صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه]. وهو محمد بن علي بن الحسين الملقب بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن جابر بن عبد الله].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابي ابن الصحابي، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
    الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما

    شرح حديث جابر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما.أخبرني إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله قال: (دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئاً) ].هنا أورد النسائي الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما، أي: في وقت الثانية, يعني: الأذان للجمع بين الصلاتين جمع تأخير يكون في وقت الثانية منهما، والتراجم السابقة في وقت الأولى منهما، والثانية في وقت الثانية منهما، يعني: بعد ذهاب وقت الأولى, ودخول وقت الثانية يؤذن للصلاتين المجموعتين التي ذهب وقتها، والتي دخل وقتها؛ لأنه إذا كان في وقت الأولى، فهو جمع تقديم، وإذا كان في وقت الثانية, فهو جمع تأخير.وأورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو بالإسناد المتقدم من رواية إبراهيم بن هارون البلخي عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دفع إلى المزدلفة، ووصل إليها أذن, أو أمر بلالاً فأذن وأقام وصلى المغرب، ثم أقام وصلى العشاء، ولم يصل بينهما. فهو مثل الذي قبله إلا أن ذاك في الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، وهذا في الجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء، فهو شاهد لما ترجم له النسائي، وهو حصول الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما، وبعد دخول وقت الثانية منهما، ويكون ذلك بأذان واحد وإقامتين، هكذا فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    شرح حديث ابن عمر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: (كنا معه بجمع، فأذن ثم أقام فصلى بنا المغرب، ثم قال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هكذا صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان) ].وهنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان بجمع -أي: المزدلفة- أُذن للصلاة، ثم أقيمت الصلاة للمغرب، ثم صلاها، ثم قال: الصلاة، فصلى العشاء ركعتين)، وهو مثل الذي قبله، يعني: من حيث أنه حصل الأذان، ثم أقيمت الصلاة، أي: المغرب، ثم بعد الفراغ منها أقيمت صلاة العشاء، لكن في هذا الحديث: (ثم قال: الصلاة)، وهذا غير محفوظ، يعني: بعدما فرغ من الصلاة التي هي المغرب لم يثبت أنه قال: (الصلاة)، ولكن المحفوظ أنه: (ثم أقام)، يعني: كما حصلت الإقامة للمغرب حصلت الإقامة للعشاء، وهذا هو المحفوظ، وقد نبه على هذا الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود، حيث قال: إن قوله: (ثم قال: الصلاة) هذا غير محفوظ، والمحفوظ أنه: (ثم أقام) يعني: بدل (قال) (ثم أقام)، وهذا هو المتفق مع الروايات الأخرى، أن فيه أذان، ثم إقامة لصلاة المغرب، ثم إقامة لصلاة العشاء، ولم يأت في شيء من الأحاديث أنه قال: الصلاة بين تلك الصلاتين، وإنما المحفوظ أنه أقام، أي: حصلت الإقامة لصلاة العشاء بعد الفراغ من صلاة المغرب.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي ثقة, حافظ، خرج حديثه البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي. [حدثنا شريك].وهو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[سلمة بن كهيل].وهو سلمة بن كهيل الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي ابن الصحابي، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وعبد الله بن الزبير بن العوام, وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فهؤلاء أربعة صحابة أبناء صحابة، اشتهروا بوصف العبادلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قيل في مسألة من المسائل: قال بها العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد بهم هؤلاء الأربعة، وليس ابن مسعود منهم, كما ذكر ذلك بعض أهل العلم؛ لأن: ابن مسعود توفي قبلهم بمدة، حيث توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وأما هؤلاء أربعة فكانوا في زمن واحد، وعمروا, وعاشوا, حتى لقيهم كثير من التابعين, الذين لم يلقوا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع، وعبد الله بن عمر بن الخطاب هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
    الإقامة لمن جمع بين الصلاتين

    شرح حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن جمع بين الصلاتين.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن حدثنا شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير: (أنه صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة، ثم حدث عن ابن عمر أنه صنع مثل ذلك، وحدث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك)].هنا أورد النسائي هذه التراجم, وهي الإقامة لمن جمع بين الصلاتين، وأورد تحت هذه التراجم حديث عبد الله بن عمر (أنه صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة)، يعني: هذا اللفظ الذي هو أن المغرب والعشاء جمع بينهما بإقامة واحدة غير محفوظ، والمحفوظ أنه بإقامتين، كما جاء ذلك في صحيح البخاري, وفي غيره، فيكون هذا اللفظ الذي هو الاكتفاء بإقامة واحدة شاذاً، والمحفوظ أنه حصل بإقامتين؛ لأن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم هي واحدة، وجمعه في مزدلفة إنما هو مرة واحدة، وقد جاء في بعض الروايات: أنه بإقامتين، وجاء في بعضها أنه بإقامة، والمحفوظ أنه بإقامتين، فيكون ما جاء من الرواية أنه بإقامة واحدة شاذاً، والشاذ: هو ما يرويه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، ورواية الأوثق هي أنه حصلت إقامتان، ورواية الثقة أنه حصلت إقامة واحدة.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين
    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو المكنى بـأبي موسى الملقب الزمن، وهو ثقة, من صغار شيوخ البخاري، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة، وبدون واسطة، فهو شيخ للبخاري, ولـمسلم، ولـأبي داود, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه. [حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي، المحدث, الثقة, الثبت, المشهور, المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، الثقة, الثبت, الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا النادر أو القليل من المحدثين، ومنهم: شعبة هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة, فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وسلمة بن كهيل].وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
    شرح حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا إسماعيل وهو ابن أبي خالد حدثني أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع بإقامة واحدة)].وهنا أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، والإسناد المتقدم كما عرفنا رجاله كلهم ثقات، وكلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، فأولهم: محمد بن المثنى الملقب الزمن، وبعده عبد الرحمن بن مهدي، وبعده شعبة بن الحجاج.وهذا الإسناد أيضاً هو من قبيل الشاذ، ومقابله المحفوظ، وهو أن ذلك بأذان واحد وإقامتين، والمقصود بإقامة لكل من الصلاتين، هذا هو الذي يتفق مع الرواية الأخرى، وأما أن يكون بإقامة واحدة للصلاتين فهذا شاذ مخالف لما جاء في الروايات الكثيرة التي فيها أن ذلك حصل بأذان واحد وبإقامتين.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين من طريق أخرى
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس المحدث، الناقد، الثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو ثقة, ناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إسماعيل وهو ابن أبي خالد].المقصود من ذلك أن يحيى بن سعيد القطان قال في روايته: إسماعيل فقط، ولم يزد عليها، ولكن من دون يحيى بن سعيد القطان أراد أن يوضح من هو إسماعيل، فأتى بنسبه باسم أبيه، ولكنه قال: هو ابن أبي خالد حتى لا يظن أن هذا كلام يحيى بن سعيد القطان؛ لأن يحيى بن سعيد القطان لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما من دون يحيى هو الذي يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، أو هو ابن أبي فلان، وإسماعيل بن أبي خالد هذا ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه لما مثل للطبقة الأولى من الرواة الذين يعول على روايتهم إذا وجدها ذكر منهم: إسماعيل بن أبي خالد .[حدثني أبو إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، مشهور بكنيته وهي أبو إسحاق.والهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع جزء من همدان، وهو مشهور بالنسبة إلى سبيع، حيث يقال له: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وقد تقدم ذكره.
    شرح حديث ابن عمر في الإقامة مرتين لمن جمع بين الصلاتين
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن وكيع حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم، عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بالمزدلفة؛ صلى كل واحدة منهما بإقامة، ولم يتطوع قبل واحدة منهما ولا بعد) ].وهنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وفيه: أن كل صلاة من الصلاتين في المزدلفة لها إقامة، وهذا هو المحفوظ الذي جاء عن النسائي وجاء عن غيره، فيكون ما تقدم من ذكر الاكتفاء بإقامة واحدة، أو الدلالة على الاجتزاء بإقامة واحدة أن ذلك غير محفوظ، بل المحفوظ أنه إقامتان؛ إقامة للمغرب, وإقامة للعشاء، والأذان واحد لهما، فما جاء في هذا الإسناد هذا هو المحفوظ، وهو الذي متفق مع ما جاء في الطرق الأخرى: من أنه بأذان واحد، وإقامتين، ولم يتنفل قبلها ولا بعدها، يعني: قبل هاتين الصلاتين ولا بعدهما.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة مرتين لمن جمع بين الصلاتين
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة, وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من المحدثين القلائل الذين وصفوا بهذا الوصف العالي، ولقبوا بهذا اللقب الرفيع، ألا وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن وكيع].وهو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة, ثبت, مصنف، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، من مؤلفاته الزهد لـوكيع بن الجراح.[حدثنا ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، وإلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، ويقال له: الزهري، وهو من المحدثين، ومن الفقهاء، ومن المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو الذي يقول فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: أنه أول من جمعه بتكليف من الخليفة، أما القيام بالكتابة وبجمع السنة فهذا حصل من أشخاص بجهود خاصة وليس بتكليف من ولي الأمر، ولكن الذي حصل من الزهري هو جمع بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.[عن سالم].وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من الفقهاء المحدثين، من ثقات التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، والفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين هم سبعة، ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه خلاف، فمن العلماء من قال: السابع: سالم بن عبد الله هذا، ومنهم من قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومنهم من قال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أما الستة الذين لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فهؤلاء الستة لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة.سالم بن عبد الله بن عمر حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].عن أبيه، وقد تقدم ذكره.
    الأذان للفائت من الصلوات

    شرح حديث أبي سعيد الخدري في الأذان للفائت من الصلوات
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان للفائت من الصلوات.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: (شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس؛ وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عز وجل: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها) ].هنا أورد النسائي هذه التراجم وهي: باب الأذان للفائت من الصلوات. ثم أورد فيه حديث: أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، لكن ليس فيه الأذان للفائت، وإنما فيه ذكر الأذان للحاضرة التي هي المغرب، ولكن جاء في بعض الروايات أن الأذان كان في الأول، وعلى هذا فهو يكون للفائت التي هي الظهر والعصر، هذه هي الفائتة؛ لأنه بعد ما غربت الشمس فالمغرب وقتها موجود، ولكن التي فات وقتها هي الظهر والعصر، والأذان إنما هو للفوائت وللحاضرة، فأذن في الأول، فيكون الأذان للفوائت، يعني: أذن قبل الفوائت، وقد جاء أيضاً الأذان للفوائت بعد خروج الوقت في أحاديث أخرى، مثل: النوم عن صلاة الفجر، فإنه بعدما قام بعد طلوع الشمس أمر بلالاً فأذن، فصلوا الركعتين التي هي ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر، فحصل الأذان للفوائت، فجاء في بعض الروايات أن الأذان إنما حصل في الأول، فعلى ذلك يكون للفوائت، وأما على ما جاء في نفس الحديث الذي معنا، وبنفس الرواية فإن الأذان إنما هو للمغرب، والمغرب ليست فائتة؛ لأن المغرب في وقتها، وإنما الذي فات الظهر والعصر.يقول أبو سعيد رضي الله عنه: (شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس؛ وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل).يعني: وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، يعني: من مشروعية صلاة الخوف. (فأنزل الله عز وجل: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام لصلاة العصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها).
    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في الأذان للفائت من الصلوات
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس، وقد تقدم ذكره قريباً.[حدثنا يحيى] .وهو ابن سعيد القطان، وقد مر ذكره قريباً.[حدثنا ابن أبي ذئب].وقد مر ذكره أيضاً.[حدثنا سعيد بن أبي سعيد].وهو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن أبي سعيد].وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة خرج البخاري تعليقاً, وأخرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].وهو أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سعد بن مالك بن سنان، ولكنه مشهور بكنيته ونسبته أبي سعيد الخدري، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، المكثرين من رواية حديثه، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد والإقامة لكل واحدة منهما

    شرح حديث ابن مسعود في الاكتفاء بأذان واحد للفائت من الصلوات
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد، والإقامة لكل واحدة منهما.أخبرنا هناد عن هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة أنه قال: قال عبد الله: (إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء) ].وهنا أورد النسائي هذه التراجم وهي الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد، والإقامة لكل واحدة منهما. قوله: (الاجتزاء لذلك كله بأذن واحد)، يعني: للفوائت يكتفى بأذان واحد، ويقام لكل صلاة من الصلوات الفائتة، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.قوله: (إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق).شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولكن كما هو معلوم المغرب والعشاء يجمع بينهما، ووقت كل واحدة منهما وقت للأخرى. قوله: [عن عبد الله].وهو ابن مسعود، وقد تقدم ذكره.
    الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة

    حديث ابن مسعود في الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة.أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار حدثنا حسين بن علي عن زائدة حدثنا سعيد بن أبي عروبة حدثنا هشام أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: (كنا في غزوة، فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فلما انصرف المشركون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم) ]. قوله: [أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار].وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه .[حدثنا حسين بن علي].وهو الجعفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد بن أبي عروبة].تقدم ذكره.[حدثنا هشام].وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن أبا الزبير المكي حدثهم].تقدم ذكره.[عن نافع بن جبير].أيضاً تقدم ذكره.[أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
    الأسئلة

    أداء صلاة الوتر في مزدلفة
    السؤال: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يتنفل قبل صلاة المغرب ولا العشاء في مزدلفة ولا بعد، فهل يسقط الوتر في تلك الليلة؟الجواب: ما يسقط، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يحافظ على شيء من الصلوات في الحضر والسفر مثلما كان يحافظ على الوتر، وركعتي الفجر، فما كان يتركهما لا في حضر ولا في سفر، وإنما الذي حصل أنه ما تنفل بعدما صلى، ولا قبل ما صلى، لكنه لا يمكن أن يكون ما صلى في الليل وتره؛ لأنه كان يحافظ عليه في السفر، وكذلك ركعتا الفجر يحافظ عليهما في السفر، فالذي حصل أن النفي إنما هو للرواتب المتعلقة بالصلوات، أما الوتر فإنه لا يتعلق بالصلاة، وقته إلى طلوع الفجر، وقد جاء أنه كان يحافظ عليه، فهذا يدل على أن الإنسان لا يترك الوتر وهو في مزدلفة، بل يوتر.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (121)


    - (باب الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة) إلى (باب إقامة كل واحد لنفسه)

    يسن الأذان لمن أراد أن يصلي ولو كان منفرداً، والجماعة يكفيهم أن يؤذن ويقيم أحدهم، وأما بالنسبة لكيفية الأذان والإقامة فإن الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة، وهذا في الغالب، وإلا فإنه يوجد في الأذان ما يفرد وفي الإقامة ما يكرر.
    الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة

    شرح حديث معاوية بن حديج في الإقامة لمن نسي ركعة من الصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس حدثه عن معاوية بن حديج: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فدخل المسجد، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه فمر بي، فقلت: هذا هو، قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله)].يقول النسائي رحمه الله: (الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة) التراجم التي ذكرها النسائي لفظها واضح، ومراده منها بين، وهو الإقامة عند إضافة الركعة التي نسيت من الصلاة، يعني: عندما يمضي عليها وقت يسير، وقد أورد النسائي فيه حديث معاوية بن حديج رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، ثم لما انتهى من الصلاة أدركه رجل وقال له: إنه بقي ركعة، فدخل المسجد وأمر بلالاً بأن يقيم، فصلى تلك الركعة، قال: فأخبرت الناس بذلك، قالوا: أتعرف الرجل؟ -يعني: الذي أدركه، وأخبره بأنه نسي شيئاً من الصلاة- فقلت: لا، إلا أن أراه -يعني: أنه يعرفه بوجهه، ولكنه لا يعرف اسمه- فلما رآه قال: إن هذا هو، فإذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه).فالحديث معناه: هو أن من نسي ركعة من صلاته، ومضى عليه وقت يسير، ثم عاد وأتى بتلك الركعة، فإنه يقيم ويأتي بتلك الركعة، ثم يسلم، ومن المعلوم أن هذا فيه سهو، ولابد من سجود السهو وإن لم يذكر في الحديث، فعدم ذكره لا يدل على عدمه؛ لأن السهو للصلاة جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن حديج في الإقامة لمن نسي ركعة من الصلاة
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو ابن سعد المصري، الثقة، الفقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب].وهو يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن سويد بن قيس حدثه].وسويد بن قيس ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن معاوية بن حديج].وهو معاوية بن حديج بالحاء، وهذا غير والد زهير بن معاوية بن حديج فوالد زهير متأخر، ومعاوية بن حديج -صحابي الحديث- متقدم، وهو صحابي صغير، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي فقط.
    الكلام اليسير لمصلحة الصلاة لا يبطلها
    (والحديث لفظه واضح، وقد خرجه أبو داود، والشيخ الألباني صححه، ولكن ما تكلم عليه في عون المعبود بشيء، ولم يأت له بشرح، وإنما أتى بالكلام المختصر، ولم يشرحه إلا في شيء يسير، ليس فيه توضيح هذه المسألة وبيان حكمها، وقد قال السندي في التعليق: لعل هذا الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من كونه أمر بلالاً فأقام من قبيل ما هو مباح، يعني في أثناء الصلاة؛ لأنه لما بنيت الركعة الأخيرة على الركعات المتقدمة كانت الصلاة كأنها متصلة، والكلام في أثنائها حصل لمصلحتها، وهذا - كما هو معلوم - شيء يسير، وقوله: (أدركه) معناه: أنه خرج، ثم إنه أدركه وأخبره فرجع، ومن المعلوم أنه عندما يصلي عليه الصلاة والسلام بأصحابه يذهب إلى بيته، وبيته متصل بالمسجد، وليس بينه وبين مصلاه إلا خطوات، فالمسافة يسيرة).
    أذان الراعي

    شرح حديث عبد الله بن ربيعة في أذان الراعي
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أذان الراعي.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن ربيعة: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فسمع صوت رجل يؤذن، حتى إذا بلغ: أشهد أن محمداً رسول الله)، قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا لراعي غنم، أو رجل عازب عن أهله، فهبط الوادي فإذا براعي غنم، وإذا هو بشاة ميتة، قال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)].وهنا أتى النسائي بهذه الترجمة وهي باب أذان الراعي، والراعي هو راعي الغنم الذي يرعاها، يعني: راعي غنم أو إبل، وهنا راعي غنم، والمقصود بذلك هو الشخص المفرد الذي يكون وحده في الفلاة، فإنه يؤذن، وإنما ذكر الراعي ونص على الراعي -وإن كان المقصود من ذلك هو المفرد الذي يكون وحده- لأن القصة والحادثة إنما وقعت مع راعي، ولهذا جاءت التراجم منصوصاً فيها على الراعي، قال فيها: أذان الراعي، وإن كان المقصود منها أذان الشخص المفرد الذي يكون وحده فإنه يؤذن، ولا يقول: إن الأذان لا يكون إلا للجماعة، بل الإنسان يؤذن وحده ويرفع صوته بالأذان، وقد مر بنا أنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، ولا يسمعه رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة.فإذاً: حصول رفع الصوت بالأذان، ووجود الأذان من المفرد ولو لم يكن معه غيره هو السنة التي جاءت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا الحديث الذي أورده النسائي حديث عبد الله بن ربيعة، يحكي فيه أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فسمع صوت راع، أو صوت رجل يؤذن، فقال: هذا راعي غنم، أو هذا عازب عن أهله، فلما هبطوا الوادي وجد أنه راعي غنم يؤذن، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى شاة ميتة فقال: (أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)، يعني: من هذه الميتة على أهلها.المقصود منه أنه سمع صوت مؤذن، وقال الرسول: هذا راع، فهبطوا ووجدوه راعياً يؤذن، وقد جاء في هذا اللفظ الذي ذكره المصنف: قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، وهذا في بعض النسخ، وفي بعضها لم تذكر هذه الجملة، وقال الشيخ الألباني: إن هذه النسخة التي فيها ذكر: قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، إن هذه نسخة ليست معتمدة، ولم يذكرها المزي في كتابه: تحفة الأشراف، وما نص عليها، والمعتمد غيرها الذي ليس فيه ذكر هذا النفي من الحكم أنه لم يسمع من ابن أبي ليلى، يعني: هذا إنما جاء في بعض النسخ، وفي بعضها ليس فيه هذا النفي، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال مثلما قال ذلك المؤذن، والحديث شاهد على ما ترجم له من حصول الأذان، وأن الرعاة الذين يرعون الإبل والغنم، ويكونون في الفلاة، وكذلك غيرهم ممن يكون في الفلاة فإنه يؤذن إذا جاء الوقت ويرفع صوته بالأذان؛ لأن ذلك فيه ذكر لله عز وجل، وفيه أيضاً رفع الصوت بذكر الله سبحانه وتعالى، وقد يسمعه أحد من بعد فيأتي ويهتدي إليه بسبب هذا الأذان، وحتى لو لم يكن هناك أحد يسمعه من الناس ويأتي إليه، فإنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مرَّت بعض هذه الأحاديث، وفي آخر الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى شاة ميتة، قال: (أترون هذه هينة على أهلها؟)، وكان عليه الصلاة والسلام يريد من تقديم هذا السؤال أن يبني عليه ما وراءه، ومن المعلوم أنهم سيقولون: إنها هينة، وهذا أمر معلوم؛ لأنهم ما تركوها إلا لهوانها عليهم؛ لأن الميتة لا تحل لهم، ولا قيمة لها عندهم، وهم يتركونها ويأنفون منها، فهي هينة على أهلها ليس لها قيمة عند أهلها، فلما قرر بهذا السؤال لهم هوانها على أهلها بيّن عليه الصلاة والسلام أن الدنيا أهون على الله من هذه، يعني: معناه أن الدنيا هينة، وأنها ليست بشيء عند الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)، فالدنيا كلها ليست بشيء، ولا قيمة لها بالنسبة للآخرة، و( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء )، وقد جاء في الحديث: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فهي لا قيمة لها عند الله عز وجل، وإنما العبرة بالتزود فيها بالأعمال الصالحة، كما جاء في الحديث: (الدنيا ملعونة معلون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم)، هكذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان التنبيه على قيمة الشيء، أو على دناءة الشيء وهوانه بتقرير شيء قبله، فواضح أنها هينة، وأنها لا قيمة لها، ولا عبرة بها، وذلك كونه سألهم: (أترون هذه هينة على أهلها؟)، فلما قالوا: نعم، بعد ذلك أتى بالكلام الذي أراده، وجعل هذا تمهيداً له، وهو قوله: (الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها).
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن ربيعة في أذان الراعي
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].وهو ابن بهرام الكوسج، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي المحدث، الناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج، قد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].وهو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، كثيراً ما يأتي ذكره في الكتب خطأً فيقال فيه: الحكم بن عيينة، وليس هو الحكم بن عيينة، وإنما هو الحكم بن عتيبة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي ليلى].وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى المحدث، الفقيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله ابن اسمه محمد وهو ضعيف، وهو فقيه معروف بالفقه ومشهور بالفقه، ولكنه ضعيف في الحديث، وأبوه عبد الرحمن هذا من التابعين، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي روى عن كعب بن عجرة حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي قال فيه: (لقيني كعب بن عجرة وقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، فاهدها إلي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذه هي الهدية التي أهداها كعب بن عجرة إليه، وهذا هو عبد الرحمن راوي حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب بن عجرة، والذي صدره كعب بن عجرة بقوله لـعبد الرحمن هذا ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن عبد الله بن ربيعة].وهو صحابي صغير، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي .
    الأذان لمن يصلي وحده

    شرح حديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأذان لمن يصلي وحده.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه عن عقبة بن عامر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة؛ يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)].هنا أورد النسائي (أذان المصلي وحده) أي: الرجل الذي يصلي وحده وليس معه أحد، وهو مثل التراجم السابقة، إلا أن التراجم السابقة أتى بها بأذان الراعي، يعني: راعي الغنم أو راعي الإبل، وهنا أذان المصلي وحده، وهو بمعنى تلك التراجم؛ لأن الراعي هو وحده، يعني: يرعى الغنم ويرعى الإبل، ويؤذن ويصلي، وأتى بلفظ (الراعي) حيث قال: أذان الراعي؛ لأن القصة كانت مع راعي، وهنا قال: أذان المصلي وحده، وكما قلت: ليس المقصود هو الراعي، بل المقصود المنفرد الذي يكون وحده في الفلاة، فإنه يؤذن ويرفع صوته بالأذان. وقد أورد النسائي هنا حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل)، يعني: قطعة من جبل منبسطة، فيكون فيها راع ومعه غنمه يرعى، يؤذن ويصلي، يعني: يكون في ذلك الجزء من الجبل المكان المرتفع المنبسط، ترعى غنمه في ذلك المكان، وإذا جاء الوقت أذن وصلى، فيعجب الله عز وجل منه، ويقول: (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة؛ يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)، والحديث يدل على مشروعية الأذان للمنفرد، وأن في ذلك الأجر العظيم من الله عز وجل، وأن الله تعالى يعجب من صنيع هذا أو من يكون كذلك، وفيه إثبات صفة العجب لله عز وجل على ما يليق بكماله وجلاله، وفيه: أن المنفرد يؤذن ويقيم، وفيه: أن ذلك من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب المغفرة من الله عز وجل.
    تراجم رجال إسناد حديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: مسلم من صاحبي الصحيح، وثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، وهم من عدا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن الحارث].وهو عمرو بن الحارث أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن أبا عشانة المعافري].واسمه حي بن يؤمن، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له الترمذي، ولا خرج له مسلم، ولا خرج له البخاري في الصحيح، وإنما خرج له في الأدب المفرد، وهو ثقة، وهو مصري أيضاً.[حدثه عن عقبة بن عامر الجهني].وهو أيضاً قد سكن مصر، فالحديث مسلسل بالمصريين، كله مسلسل بالمصريين، محمد بن سلمة المرادي المصري، وعبد الله بن وهب المصري، وعمرو بن الحارث المصري، وأبو عشانة المعافري المصري، وعقبة بن عامر الجهني، وهو أيضاً سكن مصر، فهو مسلسل بالمصريين.
    الإقامة لمن يصلي وحده

    شرح حديث رفاعة بن رافع في الإقامة لمن يصلي وحده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن يصلي وحده.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه عن جده عن رفاعة بن رافع: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس في صف الصلاة ...)، الحديث].هنا أورد النسائي هذه التراجم وهي الإقامة لمن يصلي وحده، والترجمة السابقة الأذان لمن يصلي وحده، وهو مشتمل على الإقامة؛ لأنه (يؤذن ويقيم، يصلي يخاف مني)، الحديث الذي مرّ، ففيه ذكر الإقامة، وهو دال على نفس التراجم، إلا أن النسائي رحمة الله عليه يأتي بتراجم ، ويأتي بحديث آخر، وقد يأتي بالحديث من طريق أخرى وهو نفسه؛ لأن طريقته كما عرفنا مثل طريقة البخاري، يكثر من التراجم، ويكثر من الاستدلال والاستنباط، وإيراد الأحاديث بالطرق المتعددة من أجل الاستدلال على المسائل المختلفة، وقد أورد النسائي في هذا حديث الصحابي رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان الزرقي الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس في صف الصلاة ...)، الحديث، يعني: معناه أنه أتى بأوله ولم يأت بآخره، ومعنى كلمة (الحديث) يعني: اذكر الحديث، أو أكمل الحديث، هذا هو المقصود منها، مثل الآية، فعندما يذكر أول الآية ثم يقول: الآية، يعني: إلى آخر الآية، أو أكمل الآية، أو اقرأ الآية، وهنا الحديث، أي: أكمل الحديث، أو اذكر الحديث، هذا هو المقصود بمثل هذه اللفظة، والحديث في بعض الطرق عند أبي داود أنه قال: (توضأ وأذن وأقام وكبر)، ففيه الدلالة أو اشتماله على ما ترجم له، ولكن محل الشاهد ليس موجوداً؛ لأنه ذكر أول الحديث ولم يذكر بقيته، ومحل الشاهد موجود في البقية، محل الشاهد اشتملت عليه بقية الحديث التي أشار إليها بقوله: الحديث.
    تراجم رجال إسناد حديث رفاعة بن رافع في الإقامة لمن يصلي وحده
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[أخبرنا إسماعيل].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد].وهو يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع الزرقي، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، أعني: يحيى الأول الحفيد؛ لأن عندنا يحيى (الحفيد) ويحيى (الجد)، فـيحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع، هذا مقبول خرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.[عن أبيه].وهو علي بن يحيى بن خلاد، وهذا ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وأما جده يحيى فهو أيضاً ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم.ويحيى بن خلاد يروي عن جده رفاعة بن رافع، ورفاعة بن رافع صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان حديثه عند البخاري والأربعة، كحفيده يحيى بن خلاد بن رفاعة؛ لأن يحيى بن خلاد وجده رفاعة بن رافع، كل منهم خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهما مسلم، والحديث فيه رواية الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد؛ لأن فيه رواية ابن عن أب عن جد، ورواية حفيد عن جد؛ لأن يحيى بن علي يروي عن أبيه، ثم أبوه يروي عن أبيه، عن أبيه علي، عن جده يحيى، وجده يحيى يروي عن جده رفاعة بن رافع، فهو من أمثلة رواية الأبناء على الآباء، وهو شيء كثير، يعني: هذه الجادة، وهذا هو الأصل كون الصغير يروي عن الكبير، ولكن الذي هو قليل رواية الآباء عن الأبناء، يعني: الكبار عن الصغار.
    كيف الإقامة

    شرح حديث ابن عمر في صفة الإقامة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف الإقامة.أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد العريان، عن أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع، قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن الأذان؟ فقال: (كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك إذا قلت: قد قامت الصلاة، قالها مرتين، فإذا سمعنا: قد قامت الصلاة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة)].أورد النسائي هذه الترجمة ، وهي: كيف الإقامة، يعني: كيفية الإقامة، والمراد من ذلك ألفاظها كيف تكون؟ وقال: إنها مرة مرة، إلا عند قد قامت الصلاة فإنها تكون مرتين، وقد عرفنا فيما مضى أن هذا على الغالب، وإلا فإنها تكرر؛ لأن، (الله أكبر، الله أكبر)، في أولها مرتين، وفي آخرها: (الله أكبر، الله أكبر)، مرتين، و(قد قامت الصلاة) مرتين، فإذاً: قوله: مرة مرة، يعني: في الغالب، كما أن الأذان مثنى مثنى، يعني: أنه مكرر، هو في الغالب، وإلا فإن بعضه يكون مرة واحدة، وهو لا إله إلا الله. فإذاً: الإقامة مرة مرة، يعني: في الغالب؛ لأن من ألفاظ الإقامة ما هو مكرر مثل: الله أكبر في أول الإقامة، والله أكبر في آخرها، فإنها تأتي مرتين في الأول وفي الآخر، وقد قامت الصلاة فإنها تأتي مرتين، وقد جاء في الحديث: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)، إلا قد قامت الصلاة فإنها تكون مرتين، ولكن الإيتار هو في الغالب، وليس في جميع الألفاظ؛ لأن لا إله إلا الله هي مفردة في الأذان والإقامة.وقوله: (فإذا سمعنا: قد قامت الصلاة توضأنا)،من المعلوم أنهم ما كان هذا شأنهم، وإنما شأن من يكون قد تأخر، أو يكون هذا هو الذي يفعل كذا، وإلا فإنهم كانوا عندما يسمعون الأذان يخرجون إلى المسجد، ومن المعلوم أنهم كانوا يبادرون إلى الصلاة. ولعل قول ابن عمر: (فإذا سمعنا) لأنه من صغار الصحابة، وصفوفهم في الأواخر كما هو معلوم صفوف الصغار، وعبد الله بن عمر من صغار الصحابة؛ لأنه -كما هو معلوم- يوم أحد عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين، ولم يجزه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يمكنه من القتال، فلعل المقصود من ذلك أنه يشير إلى عمل بعض صغار الصحابة الذين يحصل منهم أحياناً التأخر، وأنهم عندما يسمعون الإقامة يتوضئون ويأتون إلى الصلاة.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صفة الإقامة
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم].وهو المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].قد مر ذكره.[سمعت أبا جعفر].وأبو جعفر هذا محمد بن إبراهيم بن مسلم، وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه النسائي، وأبو داود، والترمذي. وقد مر بنا ذكره فيما مضى.[عن أبي المثنى].وهو مسلم بن مثنى أبو المثنى، كنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، فهو مثل تلميذه أبي جعفر، فقد روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو ثقة.[سألت ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، فهم صحابة أبناء صحابة، وهم من صغار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأربعة كلهم من الصغار؛ لأن عبد الله بن عباس في حجة الوداع يقول: (ناهزت الاحتلام) كما جاء في الحديث في الصحيحين: وابن عمر أيضاً من الصغار؛ لأنه يوم أحد تقدم يريد الجهاد وعمره أربعة عشر سنة، والرسول ما أجازه، وعبد الله بن الزبير ولد في قباء أول ما هاجروا إلى المدينة ولدت به أمه في قباء عندما وصلوا إليها، فهو من صغار الصحابة؛ لأنه توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره عشر سنوات؛ لأنه ولد في أول الهجرة، والرسول بقي في المدينة عشر سنوات ثم توفاه الله، فهو من صغار الصحابة، وعبد الله بن عمرو أيضاً هو من صغار الصحابة، فهم عبادلة أربعة في طبقة واحدة، وأسنانهم متقاربة، وقد عاشوا ولقيهم كثير من التابعين الذين لم يلقوا مثل عبد الله بن مسعود الذي توفي سنة: (32هـ)، وبعض العلماء يعده في العبادلة الأربعة، والصحيح أنه ليس منهم، وإنما هم هؤلاء الأربعة الذين ذكرت، وابن عمر أيضاً هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـابن عمر رضي الله تعالى عنهما هو أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً من المعروفين بكثرة الفتوى كما عرفنا في المصطلح، فهو معروف بكثرة الحديث، ومعروف بكثرة الفتوى.
    إقامة كل واحد لنفسه

    شرح حديث مالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة كل واحد لنفسه.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولصاحب لي: إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أحدكما)].هنا أورد النسائي إقامة كل واحد لنفسه. هذه التراجم إذا كان المقصود بها أنهم إذا كانوا جماعة كل واحد يقيم لنفسه فهذا ليس بواضح، وهذا هو الحديث الذي أورده أنهم جماعة، أما لو كانوا متفرقين، وكان كل واحد وحده، وليسوا جماعة فمن المعلوم أن الواحد يؤذن ويقيم، كما مر بنا في حديث الراعي، والحديث الذي بعده أن الإنسان يؤذن ويقيم ويصلي وحده، ولكن إذا كانوا جماعة فالذي يؤذن واحد منهم، ويقيم واحد منهم، وليس كل واحد يؤذن، وكل واحد يقيم، ولفظ هذه الترجمة قد يكون ظاهره أن كل واحد يقيم في نفسه، والحديث لا يدل على ذلك؛ لأن قوله: (أذنا وأقيما)، معناه: أنه يتعين عليهما أن يوجد الأذان منهما، ووجوده بفعل واحد منهما، ولكن الخطاب موجه إليهما جميعاً، وليس معنى ذلك أن كل واحد يؤذن، ثم ينادون بالأذان وهم في مكان واحد، وهم جماعة واحدة، لا، وإنما المقصود من ذلك أنهم مأمورون بأن يوجد الأذان، لكن الذي يقوم به واحد منهما، ولهذا جاء في بعض الروايات: (يؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم)، كما جاء في بعض روايات حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، فالظاهر أن المقصود من الحديث هو أنهم لا يؤذنان جميعاً، ولا يقيمان جميعاً، وإنما يؤذن واحد منهم ويقيم واحد منهم، فهذا هو الذي يفهم من لفظ الحديث، ولكن ترجمة النسائي تفيد أن كل واحد يقيم، والأظهر أن الجماعة سواء كانوا اثنين أو أكثر لا يقيم كل واحد منهم الصلاة، وإنما يقيمها واحد منهم فقط، والباقون يقولون كما يقول المؤذن. قوله: (أذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما)، هنا قال: (فليؤمكما أحدكما)، قد جاء بعض الروايات: (وليؤمكما أكبركما)، كما سبق.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #125
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (122)


    - (باب فضل التأذين) إلى (باب القول مثل ما يتشهد المؤذن)

    بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الأذان، وأن من فضله أن المؤذن لا يسمع صوته شيء إلا شهد له يوم القيامة، وأن الشيطان يفر من سماع الأذان، ولذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على التنافس فيه والمسابقة إليه، ويستحب الترديد والقول مثلما يقول المؤذن.
    فضل التأذين

    شرح حديث: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فضل التأذين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظل المرء إن يدري كم صلى)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: فضل التأذين.هذه الترجمة عقدها النسائي رحمه الله لبيان فضل التأذين في نفسه، وأن من فضله أنه يطرد الشيطان، وأنه يهرب الشيطان منه، أما بالنسبة لفضل المؤذنين وما لهم من الأجر العظيم، فقد مر جملة من الأحاديث التي تدل على ذلك، ومنها ما جاء في الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المؤذن يرفع صوته، وأنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة)، فذلك من فضل المؤذنين.وأما هنا فهو في بيان فضل التأذين، وأنه يطرد الشيطان، وأن الشيطان يهرب عندما يسمع ذكر الله عز وجل الذي يرفع وينادى به.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط؛ حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل)، يعني: إذا نودي بالإقامة، (حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر)، يعني: كما أدبر عند سماع الأذان فإنه يدبر عند سماع الإقامة؛ لأنه يهرب إذا حصل الأذان، ثم إذا فرغ منه عاد، فإذا ثوب بأن حصلت الإقامة، فإنه يهرب عند سماعها كما يهرب عند سماع الأذان، ثم يعود بعد الفراغ من الإقامة حتى يخطر بين الإنسان ونفسه، فيذكره أموراً كان قد نسيها، فيقول له: (اذكر كذا، اذكر كذا)، حتى يشغله في صلاته بتلك الأمور التي يذكره بها من أمور الدنيا، ثم تكون النتيجة أنه لا يدري كم صلى؛ لأنه انشغل عن صلاته بتلك الأمور التي وسوس له الشيطان بها، والتي ذكره إياها الشيطان، حيث شغله بها عن صلاته، فصار لذلك لا يعرف مقدار ما صلى من الركعات، فالحديث دال على فضل الأذان كما ترجم له المصنف.قوله: (أدبر وله ضراط)، هذا الكلام محمول على الحقيقة، وأن الشيطان يحصل منه ذلك؛ لفزعه ورعبه واستيائه، فإنه يولي وهو على هذه الحالة التي بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه فضل الأذان، فإذا فرغ من الأذان عاد حتى يوسوس ويخطر بين الإنسان ونفسه، فيشوش عليه في صلاته، وفي إقباله على صلاته، وفي استعداده لصلاته، وقوله: (فإذا ثوب)، أي: رجع إلى ذكر الله عز وجل؛ لأن التثويب هو الرجوع، وثاب بمعنى: رجع، ثم إنه يعود بعد الفراغ من الإقامة حتى يخطر بين الإنسان ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا لأمور كان قد نسيها، حتى لا يدري الإنسان كم صلى نتيجة لهذه الوسوسة، ولهذا الشغل الذي حصل للإنسان من الشيطان.ثم إنه من المعلوم أن الصلاة فيها قراءة قرآن، وهو ذكر لله عز وجل، ومع ذلك ما جاء أن الشيطان يهرب كما جاء الهروب من الأذان والإقامة، وقال العلماء في ذلك أجوبة، منها: أن الأذان ألفاظه محصورة، ويرفع ذكر الله عز وجل بها، ويرفع الصوت بها، فيسوءه ذلك كثيراً، لأنه لا ينشغل عنها عندما يأتي بها المؤذن، ولا يشغله عنها شاغل، بل يأتي بها لأنها تؤتى بها على هيئة، وألفاظ معروفة، وبصوت مرتفع، بخلاف القرآن فإنه قد يشغله عن قراءة القرآن، وينسيه ما هو فيه، ويشغله عن القراءة بالأمور التي يشغله بها؛ لأنه يتمكن من شغل الإنسان عن قراءة القرآن، لكنه لا يشغله عن الأذان، ولا يشغله عن الإقامة؛ لأنها ألفاظ محصورة، ويؤتى بها برفع الصوت، والإنسان مقبل عليهما، ولا ينشغل عنهما بشيء آخر.أما الصلاة، ومنها: قراءة القرآن، فإنه قد ينشغل حتى ينسيه قراءة القرآن، ويصرفه عن قراءة القرآن بالأمور التي يفكر بها، والأمور التي يشتغل بها، فهذا هو الفرق بين الأذان والإقامة التي منهما يحصل الهروب، وبين الصلاة التي هي مشتملة على القراءة، ومشتملة على الذكر، ومع ذلك يأتي الشيطان ويوسوس فيها.فالمقصود من ذلك: أن الفرق أن القراءة يمكن للشيطان أن يصرف عنها المصلي، بأن يذكره ما يشغله عنها، وأما الأذان فإنه لا يشغله عنه ولا يصرفه عنه؛ لأن ألفاظه محصورة، وألفاظه معدودة يأتي بها بصوت مرتفع، ثم ينتهي منها.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، بل هو أول شيخ روى عنه النسائي في سننه؛ لأن أول حديث في سنن النسائي هو من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد هذا، وقتيبة هذا اسمه من الألفاظ المفردة التي لم يتعدد التسمية بها؛ لأنه ليس في الكتب الستة من يسمى قتيبة سواه، فهو من الأسماء المفردة التي لم تتكرر، أو لم تتعدد التسمية بها.وقتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني أسماء أبوه وأجداده هي على وزن فعيل: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف فكلها على وزن فعيل.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة هذه المدينة المباركة، وهو من العلماء المشهورين فيها في عصر أتباع التابعين، ويمكن أن يقال: في عصر التابعين؛ لأن مالك أدرك زمنه زمن صغار الصحابة، فإذا كان لقي أحد منهم فإنه يعتبر من صغار التابعين، وهو إمام مشهور، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب الأربعة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن أصحاب المذاهب الأربعة هناك أناس مثلهم في العلم وعلو المنزلة قبل زمانهم وفي زمانهم وبعد زمانهم، ولكن ما حصل لهؤلاء العلماء مثلما حصل لهؤلاء الأربعة من وجود أتباع يعنون بفقههم وجمعه وترتيبه وتنظيمه والعناية به، فلهذا اشتهرت هذه المذاهب الأربعة، وهي مذاهب أهل السنة والجماعة، وحديث الإمام مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد].هو عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].الأعرج لقب به عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي أحياناً باسمه ونسبته، فيقال: عبد الرحمن بن هرمز، ومعرفة ألقاب المحدثين هي من أنواع علوم الحديث، وفائدتها: حتى لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر مرة بلقبه ومرة باسمه، فإن من لا يعرف أن الأعرج لقب لـعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص، وأن عبد الرحمن بن هرمز شخص آخر، أما إذا عرف فإنه لا يلتبس عليه، وذلك إذا جاء في بعض الأسانيد عبد الرحمن بن هرمز، وفي بعضها الأعرج، فإنه يعرف أن هذا هو هذا، وأن الأعرج هو لقب لـعبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبي هريرة].هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهو أكثر السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالبحر هو ابن عباس، وزوجة النبي يعني: عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكثر الصحابة حديثاً، وأكثر هؤلاء السبعة: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهؤلاء الخمسة الذين هم رجال الإسناد: قتيبة بن سعيد، ومالك بن أنس، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو هريرة، هؤلاء الخمسة حديثهم أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    الاستهام على التأذين

    شرح حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول... لاستهموا عليه)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستهام على التأذين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً )].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب: الاستهام على الأذان.الاستهام هو الاقتراع؛ يعني: عمل قرعة حتى يميز من يكون الأحق، ومن يكون الأولى؛ لشدة التنافس والحرص على التأذين، فيكون الفاصل والمميز لهم هو القرعة، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، يعني: لو يعلمون ما في النداء الذي هو الأذان، والصف الأول الذي هو أول الصفوف، لو يعلمون ما فيها من الأجر لتنافسوا وتسابقوا حتى لا يميز بينهم إلا بالقرعة، وكل يقول: أنا المستحق ولا يتنازل عن حقه، فيكون الفاصل بينهم القرعة، وهذا يبين لنا فضل التأذين، وعظم شأنه، وأن هذا دال على فضله، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا)، يعني: لم يجدوا شيئاً يميز بينهم، ويقدم بعضهم على بعض إلا الاستهام لاستهموا، وهذا فيه بيان فضل الصف الأول، وفضل التأذين، وأنهم لو يعلمون ما فيه من الأجر لكان التنافس والتسابق بينهم، بحيث لا يميز بعضهم على بعض، ويقدم بعضهم على بعض إلا القرعة، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الباب.وقوله: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، هذا من الأدلة الدالة على مشروعية القرعة، فقد جاء فيها أحاديث منها هذا الحديث، وجاء ذكرها في القرآن في قصة مريم: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، وجاءت أيضاً في قصة يونس: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، يعني: عملوا قرعة على من يرمى في البحر، فوقعت القرعة عليه فرمي في البحر فابتلعه الحوت، فجاء ذكرها في القرآن وجاء ذكرها في السنة في مواضع، منها هذا الموضع الذي معنا: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، فهو دال على مشروعية القرعة.ثم أيضاً قوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه)، التهجير: هو التبكير إلى الصلوات، قيل: إنها صلاة الظهر، وقيل: مطلقاً؛ يعني: لو يعلمون ما فيه من الأجر لاستبقوا إليه، ولكانوا يتنافسون في الوصول إلى المسجد مبكراً.ثم قال: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)، العتمة: هي العشاء، يعني: لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما، أي: لأتوا المساجد ليصلوهما، وليأتوا بهاتين الصلاتين اللتين هما صلاة العشاء وصلاة الفجر، وقوله: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)؛ أي: لأتوا إلى المسجد لأدائهما ولو حبواً على الركب، يحبون على ركبهم لوجود المانع والعائق الذي يعوق ويحول بينهم وبين ذلك من شدة المرض، فإنهم يكون هذا حالهم لو يعلمون ما فيهما من أجر، وقد جاء في الحديث من حديث أبي هريرة من طريق أخرى أنه قال: (أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما)؛ أي: لأتوا إلى المسجد لأدائهما ولو حبواً على ركبهم، وكلمة: (ولو حبواً)، حبواً هذه خبر لكان واسمها، يعني: كان واسمها قد حذف وبقي الخبر، ولو كان إتيانهم إليهما حبواً على ركبهم، ففي هذا مثال على حذف كان واسمها.وجاء أيضاً في الحديث الذي أشرت إليه أنه قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)؛ يعني: لو كان يعلم أحدهم أنه يجد في المسجد لحماً يوزع في وقت صلاة العشاء ووقت صلاة الفجر، ولو كان ذلك اللحم شيئاً هزيلاً، ولم يكن نفيساً وثميناً، فإن ذلك يؤدي إلى أنهم يأتون ليحصلوا نصيبهم من الدنيا، وأما الآخرة فإنهم لا يفكرون فيها، ولا يشتغلون بها، ولا يستعدون لها، فهذا هو شأن المنافقين، وعلى عكس ذلك ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: [من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]؛ يعني: من شدة المرض لا يستطيع أن يمشي على رجليه، ولكنه يأتي بمن معه يسنده على يمينه، ويسنده على شماله، فيمسك بعضده اليمنى وعضده اليسرى حتى يأتي إلى المسجد، ويقام في الصف من شدة المرض.وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم لما كانوا يعلمون الفضل ويعلمون الأجر كانوا يبادرون ويأتون مع شدة المرض.أما المنافقون فإنهم يتخلفون، ولو يعلمون أن هناك لحماً يوزع في المسجد، ولو كان ذلك اللحم يسيراً وتافهاً لأتوا؛ لأن همهم الدنيا وليس همهم الآخرة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم همهم الآخرة، ولهذا يعلمون ما فيها من الأجر، ويأتي الواحد منهم يهادى بين الرجلين، فهذا الحديث يدلنا على فضل التأذين، وعلى فضل الصف الأول، ويدلنا على فضل التبكير إلى المساجد، ويدلنا على أن من علامة خسران المنافقين أنهم لا يعلمون الأجر الذي أعده الله تعالى لمن يصلي العشاء والفجر، فلهذا يتخلفون عنها.وإنما خصت العشاء والفجر دون بقية الصلوات؛ لأن العشاء تكون في أول الليل، والفجر تكون آخر الليل، ومن المعلوم أن الناس عندما يكدحون في النهار لتحصيل الرزق في أعمالهم، فإنه إذا جاء الليل فإنهم يبادرون إلى النوم، فيأتي وقت العشاء وقد ناموا عنها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ وذلك لأن ذلك يؤدي إلى تفويتها، فهي تأتي في أول الليل، وفي الوقت الذي الناس بحاجة إلى النوم، وأما صلاة الفجر فتأتي في آخر الليل، وفي الوقت الذي يكون الناس قد تلذذوا بالنوم، وطاب لهم الفراش، فيكون هذا شأن الذين لا يعلمون الأجر، ولا تهمهم الآخرة، وإنما تهمهم الدنيا والعياذ بالله.
    تراجم رجال إسناد حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول... لاستهموا عليه)
    قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وقد مر ذكرهما.[عن سمي].هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم[عن أبي صالح].هو ذكوان السمان، أبو صالح ذكوان السمان، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
    اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً

    شرح حديث عثمان بن أبي العاص في اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: (قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة باب: اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً.وقد أورد النسائي فيها حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه: أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله إمام قومه، فقال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم)، يعني: في الإمامة عندما يصلي بالناس يلاحظ الضعيف، بحيث لا يشق عليه، ولا يطيل الصلاة إطالة تشق على من كان ضعيفاً، وإنما يلاحظ جانب الأضعف، فيكون هو الذي يحسب حسابه في الصلاة من حيث الإطالة والتقصير، فلا يطيلها إطالة تشق على من كان ضعيفاً، أو تضر به وهذا يماثله ما جاء في كلامه صلى الله عليه وسلم مع معاذ، عندما شكاه بعض الصحابة الذين قالوا: إنه أطال في صلاته، فقال: (أفتان أنت يا معاذ!)، وهنا قال: (واقتد بأضعفهم)؛ يعني: في إطالتك للقراءة، وإطالتك الصلاة اعتبر الضعيف هو الذي يقاس عليه المقدار، فلا ينظر إلى القوي، بل ينظر إلى الضعيف، ويراعى جانب الضعيف ولا يراعى جانب القوي.قوله: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً).وهذا هو محل الشاهد، والعلماء اختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان، فمنهم من أجاز ذلك واعتبره مثلما جاء في أخذ الأجرة على الرقية من اللّدغة في قصة اللديغ الذي رقاه أحد منهم، وأعطوه قطيعاً من الغنم، ولما أخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، فقالوا: هذا منه، ومن العلماء من منع ذلك، وقال: إن هذا من قبيل القرب التي يكون الباعث عليها الإخلاص، ولا يكون الباعث عليها الدنيا، قالوا: فيمنع الأجر، ولكن يجوز أن يؤخذ الجعل، وهو ما يجعل من أوقاف، وما يجعل من التبرعات، وما يجعل من أعطيات ومنح، وخاصة لمن يقوم بهذه المهمة، فإن هذا جعل يعطاه من يتولى هذا العمل، ومن يهيئ نفسه لهذا العمل.والذين قالوا: بعدم أخذ الأجرة على الأذان، قالوا: إن هذا على سبيل الكراهة، وليس على سبيل التحريم؛ بحيث أنه لا يتخذ أجراً، وأنه لا يجوز غيره، قال: إن هذا هو الأولى؛ أي: الأولى هو المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً، أما كونه يأخذ فإن ذلك سائغ، ومن المعلوم أن الإنسان يلاحظ الإخلاص، ويكون الباعث له على ذلك هو رجاء الأجر والثواب من الله عز وجل الذي أعده الله تعالى للمؤذنين، ولكنه إذا وضع شيء، وخصص شيء من بيت المال، أو من أوقاف توقف لمن يقوم بهذه المهمة، فإن أخذه إياها لا بأس به، ولا مانع منه.
    تراجم رجال إسناد حديث عثمان بن أبي العاص في اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً
    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، وقد أخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا عفان].هو ابن مسلم الصفار، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن سلمة].هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سعيد الجريري].هو سعيد بن إياس الجريري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي العلاء].هو يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير الذي يروي عنه في هذا الإسناد، وهو مشهور بكنيته أبو العلاء، فهو يروي عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مطرف].هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، زاهد، عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن أبي العاص].هو عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي، وقد استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على الطائف، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    القول مثلما يقول المؤذن

    شرح حديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول مثلما يقول المؤذن.أخبرنا قتيبة عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)].يعني: مشروعية القول مثلما يقول المؤذن، والمقصود من ذلك: أن من يسمع النداء يقول مثلما يقول، ولكن يستثنى من ذلك: حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله عند كل منهما، أما ما عدا ذلك فإنه يقول كما يقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله مثل ذلك تماماً، وعند حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح يقول عند كل منها: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مثله تماماً، والصلاة خير من النوم يقول: (الصلاة خير من النوم)، وكذلك في الإقامة يقول كما يقول في الأذان إلا عند قد قامت الصلاة فإنه يقول: (قد قامت الصلاة)، يعني: أن من يسمع النداء يقول مثل قوله، ويستثنى من ذلك حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهو عام مراد به الخصوص؛ لأنه لا يقول: حي على الصلاة؛ لأن حي على الصلاة هي نداء، والإنسان لا ينادي، بل المؤذن هو الذي ينادي، وأما الباقي فهو ذكر لله عز وجل.أما حي على الصلاة حي على الفلاح فيقولها المؤذن لكي ينادي الناس.وقد أورد النسائي في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، والنداء هنا يشمل الأذان والإقامة، فإن الإقامة يقال فيها مثلما يقال في الأذان؛ لأن العموم يشملها: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، ويستثنى من ذلك -كما قلنا- حي على الصلاة حي على الفلاح، فيقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)
    قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وقد مر ذكرهما.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، وهو ينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو محدث فقيه مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين الذين رأوا صغار الصحابة، فإنه روى عن أنس بن مالك كما سبق أن مر بنا بعض الأحاديث التي يرويها الزهري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهو من صغار التابعين، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يزيد].هو عطاء بن يزيد الليثي المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي سعيد الخدري].هو سعد بن مالك بن سنان، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وكنيته أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم قريباً عند ذكر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
    ثواب القول مثلما يقول المؤذن

    شرح حديث أبي هريرة في ثواب من قال مثلما يقول المؤذن
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب ذلك.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أن علي بن خالد الزرقي حدثه أن النضر بن سفيان حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ثواب ذلك.يعني: ثواب القول مثلما يقول المؤذن؛ لأن ذلك يرجع إلى التراجم السابقة، وهي القول كما يقول المؤذن، وهذه الترجمة وهي باب: ثواب ذلك؛ أي: ثواب القول مثلما يقول المؤذن أورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بلال، فلما سكت قال: (من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة).وقوله: (من قال مثل هذا) يعني: مثلما قال هذا الذي قاله المؤذن، (يقيناً)؛ يعني: مخلصاً من قلبه، صادقاً في قوله، يرجو ثواب الله عز وجل، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة، فهذا دال على فضل القول كما يقول المؤذن؛ لأن فيه هذا الأجر العظيم الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ثواب من قال مثلما يقول المؤذن
    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ولا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن الحارث].هوعمرو بن الحارث وهو المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن بكير بن الأشج حدثه].هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن علي بن خالد الزرقي حدثه].علي بن خالد الزرقي صدوق، وقد أخرج له النسائي وحده. [أن النضر بن سفيان حدثه].وهو مقبول، وأخرج له النسائي وحده.[أنه سمع أبا هريرة].وقد مر ذكره قريباً في الإسناد الذي قبل الذي قبل هذا.الزرقي هو نفسه الدؤلي، وقال الحافظ ابن حجر يقال: إنهما اثنان، لكن هو ذكره شخصاً واحداً، وكذلك في الخلاصة، وقال: إنه روى عنه بكير بن الأشج، وروى هو عن النضر بن سفيان، وقال: المدني الدؤلي، والحافظ في التقريب قال: (إنه مقبول).وغالب رجال الإسناد مصريين، بكير مصري، ومحمد بن سلمة مصري، وابن وهب مصري، وعمرو بن الحارث مصري، وبكير بن الأشج مصري، وعلي بن خالد الزرقي مدني، وشيخه مدني، وأبو هريرة مدني.والزرقي صدوق، وأما النضر بن سفيان هو المقبول.والزرقي هو بضم الزاي، نسبة إلى جماعة من الأنصار.
    القول مثلما يتشهد المؤذن

    شرح حديث معاوية بن أبي سفيان في القول مثلما يتشهد المؤذن
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول مثلما يتشهد المؤذن.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن مجمع بن يحيى الأنصاري قال: (كنت جالساً عند أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه، فأذن المؤذن، فقال: الله أكبر الله أكبر، فكبر اثنتين، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فتشهد اثنتين، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فتشهد اثنتين، ثم قال: حدثني هكذا معاوية بن أبي سفيان عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم)].ثم قال النسائي رحمه الله باب: القول مثلما يتشهد المؤذن.يعني: أن من يسمع المؤذن يتشهد، بأن يقول مثلما يقول، وهذه تعتبر جزء من التراجم السابقة؛ لأن التراجم السابقة عامة، فيقول مثلما يقول المؤذن، والمؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وقد أورد النسائي فيه حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه: (أنه لما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الله تشهد)، قال: مثل ذلك مرتين.قوله: (فكبر اثنتين)، يعني: أن هذا الذي قاله قاله مرتين، حتى يكون موافقاً لما جاء من ألفاظ الأذان بأنها أربع قبل الشهادتين، فقوله: (الله أكبر الله أكبر، كبر اثنتين)، يعني: قال ذلك مرتين، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فعلى هذا يكون أربع، وعلى هذا يتفق ما جاء في الروايات الأخرى أن المؤذن يقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فتربيع الأذان في الأول؛ يعني: إذا كان مرتين فسر؛ لأنه قال: الله أكبر الله أكبر، وكررها مرتين؛ معناه: أنه ربّع الأذان، فصار مطابق للروايات الأخرى.قوله: (فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فتشهد اثنتين)، يعني: أنه قال مثلما قال المؤذن، وهذا هو محل الشاهد من الحديث، ثم قال: إنه يرويه عن معاوية، ومعاوية يحدث بذلك عن رسول الله.(قال: حدثني هكذا معاوية بن أبي سفيان عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم).قوله: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا هو الذي يدل على أنه مرفوع؛ لأن معاوية حدّث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يتشهد عندما يتشهد المؤذن؛ أي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول كما يقول تماماً.
    تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن أبي سفيان في القول مثلما يتشهد المؤذن
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله بن المبارك].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في التقريب بعدما ذكر جملة من صفاته: (جمعت فيه خصال الخير)، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مجمع بن يحيى الأنصاري].هو مجمع بن يحيى الأنصاري، وهو صدوق، وخرج له مسلم، والنسائي. [عن أبي أمامة حدثني معاوية بن أبي سفيان].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #126
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (123)


    - باب القول إذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح - باب الصلاة على النبي بعد الأذان

    من الأذكار التي حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها بقوله وفعله أذكار الأذان، فينبغي لمن سمع الأذان أن يقول مثلما يقوله المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويصلي على النبي بعد الأذان ثم يدعو له بالوسيلة والفضيلة؛ من أجل أن تناله شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
    القول الذي يقال إذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح

    شرح حديث معاوية فيما يقوله من سمع الحيعلتين من المؤذن
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول الذي يقال إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.أخبرنا مجاهد بن موسى وإبراهيم بن الحسن المقسمي قالا: حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمر: أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن علقمة بن وقاص أنه قال: (إني عند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية رضي الله عنه كما قال المؤذن، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل ذلك)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة: القول عند قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي: أنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد أورد النسائي حديث: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أن مؤذنه كان يؤذن فكان يقول مثلما قال، حتى إذا جاء عند حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد ذلك قال مثلما يقول المؤذن، يعني: ما قبل حي على الصلاة، حي على الفلاح، وما بعدها، يقول كما يقول إلا في الحيعلتين: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    تراجم رجال إسناد حديث معاوية فيما يقوله من سمع الحيعلتين من المؤذن
    قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].وهو مجاهد بن موسى الخوارزمي، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[وإبراهيم بن الحسن].وهو إبراهيم بن الحسن المصيصي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.[قالا: حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال ابن جريج: أخبرني].هذا من تقديم الاسم على الصيغة، وهي مستعملة من بعض المحدثين، يقدم اسم الراوي على الصيغة التي هي صيغة التحمل، قال ابن جريج: أخبرني، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني عمرو بن يحيى].وهو عمرو بن يحيى المازني المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن عيسى بن عمر أخبره].وعيسى بن عمر مقبول، أخرج له النسائي وحده.[عن عبد الله بن علقمة بن وقاص].وعبد الله بن علقمة بن وقاص، هو مقبول أيضاً، خرج له البخاري في خلق أفعال العباد، والنسائي.[عن علقمة بن وقاص].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[إني عند معاوية].وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.
    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان

    شرح حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول وصلوا علي ..)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان.أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله عن حيوة بن شريح أن كعب بن علقمة سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي يحدث أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، وصلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)].وهنا أورد النسائي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وقد أورد النسائي فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).الحديث دال على ما ترجم له من الأمر بالصلاة، أو مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، فإن سامع المؤذن يقول مثلما يقول، وإذا فرغ صلى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم سأل الله عز وجل أو أتى بالدعاء الذي هو: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، فإن هذا الحديث مشتمل على سؤال الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، والوسيلة منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله عز وجل، ويرجو الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك العبد الذي لا تنبغي تلك المنزلة إلا له، ففيه مشروعية القول كما يقول المؤذن، ومشروعية أن يصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، ومشروعية أن تسأل الوسيلة من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالدعاء المشهور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).وفيه أيضاً بيان فضل من يسأل الله عز وجل هذه الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها تحل له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول وصلوا علي ...)
    قوله: [أخبرنا سويد].وهو سويد بن نصر أنبأنا عبد الله، وهو: ابن المبارك، وقد مر ذكرهما.[عن حيوة بن شريح].وهو حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن كعب بن علقمة ].وكعب بن علقمة صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. لم يخرج له البخاري في الصحيح، ولا خرج له ابن ماجه . [أنه سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي].وهو عبد الرحمن بن جبير، وهو ثقة، خرج له الذين خرجوا للذي قبله، باستثناء البخاري في الأدب المفرد، أي: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.وقوله: [مولى نافع بن عمرو القرشي] هذا ليس من رجال الإسناد.[أنه سمع عبد الله بن عمرو].وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي ابن الصحابي، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فهو أحد العبادلة الأربعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويقال في ترجمته: إنه ليس بينه وبين أبيه إلا ثلاث عشرة سنة، معناه: أنه ولد وأبوه عمره ثلاث عشرة سنة، يعني: أن أباه احتلم، وبلغ في سن مبكرة، وتزوج، وولد له وعمره ثلاث عشرة سنة.
    الأسئلة

    رفع اليدين في تكبيرات الجنائز
    السؤال: هل من السنة رفع اليدين في تكبيرات الجنائز؟ وهل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟الجواب: نعم، جاء هذا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً وموقوفاً، والمرفوع صحيح؛ لأنه جاء من طريق عمر بن شبة فهو الذي رفعه، وهو ثقة، فمن السنة رفع اليدين عند التكبيرات في تكبيرات الجنازة كلها.
    المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء)
    السؤال: هل المقصود بلفظ (ما في النداء)، أي: التبكير في حضور المسجد، لحضور الأذان؟الجواب: لا، ليس هذا، بل المقصود هو القيام بالأذان، هذا هو المقصود من (لو يعلم الناس ما في النداء)، والصف الأول، أي: ما في الأذان، ولهذا في الترجمة أتى بالاستهام على الأذان.
    إجزاء الهدي عن الفدية
    السؤال: حاج متمتع وجبت عليه فدية، فهل يجزيه الهدي عن ذلك؟الجواب: لا، من عليه فدية فهي غير الهدي؛ لأن الهدي هو دم شكران، وأما الفدية فهي دم جبران، أي: جبر للنقص، فمن عليه فدية، فإن الهدي لا يجزئ عنها؛ لأن الهدي مشروع وواجب، وهو دم شكران، وأما هذا فهو جبران للنقص الذي قد حصل، فلا يجزئ هذا عن هذا، ولا هذا عن هذا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #127
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الأذان
    (124)

    - (باب الدعاء عند الأذان) إلى (باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام)

    الأذان عبادة من العبادات، له شروط وأذكار وأحكام، ومن أحكامه: أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بغير حاجة، والأذان يطلق على الإقامة، لأن الأذان هو الإعلام، وقد ورد في السنة النبوية تسمية الإقامة بالأذان.
    الدعاء عند الأذان

    شرح حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الدعاء عند الأذان.أخبرنا قتيبة عن الليث عن الحكيم بن عبد الله عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: الدعاء عند الأذان، قد علمنا فيما مضى أن الإنسان عندما يسمع المؤذن، فإنه يقول مثلما يقول، وقد جاء في هذا الحديث أنه يقول: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وأن من قال ذلك حين يسمع المؤذن، فإنه يغفر له ذنبه، وهذا يدلنا على مشروعية هذا الذكر عند الأذان، وقد قيل: إن هذا يكون عند أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وقيل: إنه يكون بعد الأذان.لكن قوله: (وأنا أشهد) تفيد العطف، يدل على أنه يقوله عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فهو يقول مثلما يقول، ويقول هذه الجملة التي هي: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً).
    تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
    قولة: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف بن البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الليث].وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الثبت، المحدث، الفقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكيم بن عبد الله].وهو الحكيم بن عبد الله، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عامر بن سعد].وهو عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن أبي وقاص].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في مجلس واحد، وفي حديث واحد، فقال عنهم: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)، فهؤلاء عشرة أشخاص بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في حديث واحد، وقد بشر عليه الصلاة والسلام غيرهم بالجنة، ولكن هؤلاء اشتهروا بهذا اللقب؛ الذي هو لقب العشرة؛ لأنهم ذكروا في حديث واحد، وسردهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، مبشراً لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وسعد بن أبي وقاص هو آخر العشرة موتاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.إذاً: فهذا الإسناد رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا الحكيم بن عبد الله؛ فإنه أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    شرح حديث جابر فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قال حين يسمع النداء -يعني: قال ذلك بعدما يفرغ المؤذن من النداء- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، وقد جاء في هذا الحديث: أن من قال ذلك حلت له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعا للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعطيه الله تعالى الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده إياه، فتحل له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يكون قد دعا للرسول، والرسول يشفع له عند الله عز وجل، وهذا الدعاء يشرع الإتيان به بعد الفراغ من الأذان، فيقول السامع مثلما يقول المؤذن، وإذا فرغ صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الأحاديث، ثم يدعو بهذا الدعاء قائلاً: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة)، قوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، يعني: اللهم يا رب هذه الدعوة التامة، والمراد بالرب هنا الصاحب، يعني: صاحب الدعوة التامة، والدعوة التامة التي هي الأذان؛ لأنها دعوة إلى الصلاة، التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهو في نفسه، - أي: الأذان -، ذكر لله عز وجل وتوحيد له؛ لأن فيه: الله أكبر، الله أكبر، وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وفي آخره: لا إله إلا الله، فهي دعوة تامة، والمراد بها الأذان.قوله: (والصلاة القائمة)، أي: هذه الصلاة التي ينادى لها، هي الصلاة القائمة.قوله: (آت محمداً الوسيلة)، الوسيلة: سبق أن مر في الحديث أنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأرجو أن أكون ذلك العبد)، فالوسيلة هي: درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو أن يكون ذلك العبد، التي لا تنبغي هذه الوسيلة إلا له، قوله: (والفضيلة)، أي: المرتبة العالية، والمنزلة العالية، ومن المعلوم: أن الله تعالى فضل النبي عليه الصلاة والسلام، وجعله أفضل المرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، وخير البشر هم المرسلون، وخير المرسلين، وأفضلهم وسيدهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، فهو سيدهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكنه قال: إنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأن ذلك اليوم هو الذي يظهر فيه السؤدد والفضل على العالمين، على البشر جميعاً من أولهم إلى آخرهم، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، وذلك أنهم يجتمعون في صعيد واحد، فيموج بعضهم في بعض، ويسألون عن الخلاص، ويبحثون عن الطريق التي بها يحصل لهم الخلاص من هذا الذي هم فيه من شدة المحشر، فيموج بعضهم في بعض، فيقول بعضهم لبعض: ألا تأتون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون إلى آدم فيستشفعون به فيعتذر، ثم يحيلهم إلى نوح، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى موسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى عيسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى محمد عليه الصلاة والسلام فيقول: (أنا لها)، ثم يشفع ويشفعه الله عز وجل، ويأتي الله لفصل القضاء بين عباده.فيظهر سؤدده صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ويظهر فضله على الجميع.والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، التي تكون في تخليص الناس من الموقف، فإن هذا هو المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة.إذاً فهذا هو المقام المحمود: الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي الشفاعة في أن يأتي الله للفصل بين الناس، والقضاء بينهم ومحاسبتهم، حتى يذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فيحصل الخلاص من ذلك الموقف، بهذه الشفاعة العظمى.قوله: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وهذا يدلنا على استحباب الإتيان بهذا الدعاء، وعلى بيان عظم أجره وثوابه، وهو أنه يكون سبباً لحصول الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حصل منه ذلك، ولمن أتى بهذا الذكر، ولمن أتى بهذا الدعاء بعد الأذان.
    تراجم رجال إسناد حديث جابر فيما يقال عند سماع المؤذن
    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].علي بن عياش ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعيب].وهو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].وهو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي ابن الصحابي، أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفهذا جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية الحديث عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    الصلاة بين الأذان والإقامة

    شرح حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بين الأذان والإقامة.أخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن كهمس حدثنا عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)].أورد النسائي هذه التراجم، وهي: الصلاة بين الأذان والإقامة، (الصلاة)، أي: التنفل بين الأذان والإقامة، وأورد فيه هذا الحديث؛ حديث عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة؛ لأن الإقامة هي أذان؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والإقامة هي الإعلام بالقيام للصلاة، فكلها إعلام وكلها أذان، ولهذا قال: بين كل أذانين صلاة، أي: المقصود من ذلك هو التنفل؛ النوافل التي تكون بين الأذان والإقامة، وهذا الحديث يدل على استحباب ذلك، وعلى ندبه وأنه مستحب، والرسول صلى الله عليه وسلم كرر ذلك ثلاث مرات، وقال: (لمن شاء)، يعني: حتى يبين أن هذه ليست سنناً مؤكدة أو سنناً راتبة، ولكن بعض هذه الصلوات يكون فيها بين الأذان والإقامة رواتب، مثل الظهر، والفجر، فإنه بين الأذان والإقامة ركعتا الفجر، وهما آكد النوافل، وآكد السنن، وهي مع الوتر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحافظ عليهما في الحضر، والسفر، وبين الأذان والإقامة في الظهر، جاء في حديث ابن عمر: ركعتان، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أربع ركعات، وهي من السنن المؤكدة.أما ما عدى ذلك من الصلوات مثل: بين الأذان والإقامة في العصر، وفي المغرب والعشاء، فليس هناك سنن رواتب مؤكدة، ولكن هذا الحديث يدل على استحباب التنفل بين الأذان والإقامة، ولهذا يشرع للإنسان إذا كان في المسجد وجاء الأذان أن يقوم ويتنفل بين الأذان والإقامة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، والحديث كما قلت: يدل على أن الإقامة يقال لها: أذان، ومما يدل على ذلك أيضاً حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، قال: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، المراد بالأذان الإقامة، والإمساك عن السحور الذي يكون عند الأذان؛ لأن الإمساك عن السحور يكون عند الأذان، فيكون المدة التي بين الأذان والإقامة، هي مقدار قراءة خمسين آية، فالأذان في الحديث المراد به الإقامة.وقوله: (لمن شاء)، يدل على أن الاستحباب ليس مؤكداً، وليس من السنن الرواتب، ولكنه مستحب، ولكن السنن الرواتب التي هي اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء، واثنتان قبل الفجر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، وفي حديث ابن عمر: عشر ركعات، قبل الظهر ركعتان وليس أربعاً، ومن المعلوم: أن حديث عائشة صحيح، فالأخذ بالأربع هو الأفضل، وهو الأكمل.
    تراجم رجال إسناد حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، خرج له صاحبا الصحيح، ومعهم النسائي من أصحاب السنن الأربعة.[عن يحيى].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن كهمس].وهو كهمس بن الحسن، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الله بن بريدة].وهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي فيبتدرون السواري يصلون ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيبتدرون السواري يصلون، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، ويصلون قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من أن الصحابة كانوا إذا أذن المؤذن قاموا وابتدروا السواري يصلون، أي: يتخذونها سترة، فيخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، وكانوا يصلون بين الأذان والإقامة في المغرب، وليس بينهما شيء، يعني: ليس بينهما وقت كبير، ومع ذلك كانوا يصلون، أي: يصلون النوافل بين الأذان والإقامة، فهذا يدلنا على ما ترجم له النسائي من حصول الصلاة بين الأذان والإقامة؛ لأن الحديث الأول هو من قوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (بين كل أذانين صلاة)، وهذا من فعل أصحابه الذين كانوا يفعلون ذلك، وهو يراهم ويقرهم على ذلك.وفيه اتخاذ السترة؛ لأنهم كانوا يبتدرون السواري، أي: يصلون، فيتخذوا السواري سترة لهم، ويدل أيضاً على مشروعية الصلاة واستحبابها بين الأذان والإقامة، ويدلنا أيضاً على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الحرص على أداء العبادات، وعلى التنفيذ، وعلى الإتيان بالسنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي فيبتدرون السواري يصلون ...)
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الصفات العالية، والألقاب الرفيعة التي هي من أعلى صيغ التعديل، أي: أن يقال عن شخص: أمير المؤمنين في الحديث، وقد قيل في إسحاق بن إبراهيم هذا: أنه أمير المؤمنين في الحديث، وقيل في عدد آخر غيره، مثل البخاري، وشعبة، وسفيان، الثوري، والدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، ولقبوا بهذا اللقب العالي، الذي هو من أعلى صيغ التعديل، وإسحاق بن راهويه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا أبو عامر].وهو عبد الملك بن عمرو العقدي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وصف أيضاً بهذا الوصف، وهو من أرفع صيغ التعديل، وأعلى صيغ التعديل، وحديثه - أي: حديث شعبة بن الحجاج - خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن عامر الأنصاري].وهو عمرو بن عامر الأنصاري، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم عند ذكر جابر بن عبد الله قريباً.
    التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان

    شرح حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان.أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن عمر بن سعيد عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه أنه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه ومر رجل في المسجد بعد النداء حتى قطعه، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي هذه التراجم: وهي التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان.وفيه بيان خطورته وشدته، وأنه أمر خطير، وأنه يحذر منه، أي: يحذر الإنسان أن يقع فيه، ويحذر المسلم أخاه بأن يقع فيه.وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه رأى رجلاً مر في المسجد حتى قطعه -يعني: رآه يمشي حتى خرج من المسجد- فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، (أما هذا)، أي: الذي خرج من المسجد بعد الأذان، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقال بالرأي؛ لأن الإطلاق على الشيء بأنه معصية للرسول صلى الله عليه وسلم يدل على رفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي أن يقال لمن فعل، أو لمن خالف ذلك أنه عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، والخروج من المسجد بعد الأذان إذا لم يكن لضرورة هو الذي فيه هذا التشديد، وأما إذا كان لضرورة، بأن كان الإنسان غلبه الحدث، وأراد أن يخرج ليقضي حاجته فهذا لا يدخل تحت هذا؛ لأنه مضطر، وأما إذا كان الإنسان غير مضطر وخرج فهذا هو الذي يستحق أن يقال فيه هذا الكلام، ويوصف بأنه قد عصى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً الخروج بعد الأذان من غير ضرورة فيه تشبه بالشيطان؛ لأن الشيطان يهرب إذا سمع الأذان كما سبق أن مر بنا في الحديث في فضل التأذين: (إذا نودي في الصلاة أدبر الشيطان وله ضراط)، يعني: يهرب حتى لا يسمع الأذان، فالذي يخرج من المسجد بعدما يأتي الأذان فيه شبه بالشيطان الذي يهرب عندما يسمع النداء.وقول أبي هريرة: (فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، يدلنا على تحريم ذلك، وأن أبا هريرة رضي الله عنه ما قال هذا إلا لشيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقتضي أن يقال لمن فعله: أنه عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا لا يقال بالرأي، ولا يقال بالاجتهاد، بل له حكم الرفع.ثم قول أبي هريرة رضي الله عنه: (أبا القاسم)، وهي كنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، كما قال ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن، بأن يقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان
    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].وهو الجواز المكي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وهناك: محمد بن منصور الطوسي، وقد عرفنا أن الذي يروي عن سفيان بن عيينة، أو الذي هو أخص بـابن عيينة هو الجواز ؛ لأن ابن عيينة مكي، والجواز مكي، فيكون المراد به هنا المكي، وقد سبق أن مر بنا في بعض الأسانيد عند النسائي أنه نص على نسبته فقال: أخبرنا محمد بن منصور المكي، ومعنى هذا أنه لا ينسبه في بعض المواضع؛ لشهرته ولمعرفته.[عن سفيان].وهو ابن عيينة، وهو مكي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عمر بن سعيد].وهو عمر بن سعيد بن مسروق الثوري، أخو سفيان الثوري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أشعث بن أبي الشعثاء].وهو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[رأيت أبا هريرة].وأبو هريرة هو راوي الحديث وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو الشعثاء يقول: إنه رأى أبا هريرة، وقد رأى رجلاً يمر في المسجد حتى قطعه وخرج، وهو ينظر إليه، فقال: أما هذا، ويشير إلى الرجل، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
    شرح حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا جعفر بن عون عن أبي عميس حدثنا أبو صخرة عن أبي الشعثاء أنه قال: (خرج رجل من المسجد بعدما نودي بالصلاة، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)].وهنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، أن أبا هريرة رأى رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فهو بمعنى الذي قبله، وهو نفس الحديث إلا أنه من طريق أخرى.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذن من طريق أخرى
    قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].وهو ابن حكيم الأودي بن ذبيان الكوفي، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا جعفر بن عون].وهو جعفر بن عون بن الحارث صدوق روى له الجماعة.[عن أبي عميس].وهو عتبة بن عبد الله المسعودي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو صخرة].وهو جامع بن شداد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي الشعثاء].وهو سليم بن أسود المحاربي، ويروي عن أبي هريرة، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا؛ لأن أبا الشعثاء اثنان: جابر بن زيد، والمحاربي والمراد به هنا: سليم بن أسود .
    إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة

    شرح حديث عائشة في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة.أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب ويونس وعمرو بن الحارث: أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ويسجد سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، ثم يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر ركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج معه)]، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث.هنا أورد النسائي هذه التراجم، وهي: إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة.يعني: إذا جاء وقت الصلاة يخبر المؤذن الإمام، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة، وأنه كان يطيل، وكان يسجد قدر قراءة خمسين آية، أي: كان يطيل السجود، ويطيل القراءة عليه الصلاة والسلام، وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يعني: ركعتين ركعتين، والوتر ركعة مفردة هي الآخر، فيكون ما مضى وتراً بها فإذا أذن المؤذن لصلاة الصبح الذي هو الأذان الثاني، أذان الفجر، صلى ركعتين خفيفتين، وهما ركعتا الفجر، وهما آكد السنن، وكان عليه الصلاة والسلام يحافظ على ركعتي الفجر والوتر في الحضر والسفر، ثم يضطجع حتى يأتي إليه بلال ويؤذنه بالصلاة فيقوم معه، ويذهب معه للصلاة، يعني: كان ذلك في منزله، وكان ذلك على خطوات من مصلاه صلى الله عليه وسلم.قال بعضهم: -أي: إن الثلاثة الذين يروون عن الزهري، وهم: يونس، وعمرو بن الحارث، وابن أبي ذئب- هؤلاء الثلاثة، بعضهم يزيد على بعض، أي: أن هذا أحد الألفاظ، وبعض هؤلاء الثلاثة يزيد على بعض في الحديث.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
    قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].وهو أحمد بن عمرو بن السرح، وهو أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[أخبرني ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ويونس].وهو يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وعمرو بن الحارث].وهو عمرو بن الحارث، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرهم عن عروة].أي: أخبر هؤلاء الثلاثة، عن عروة، وهو عروة بن الزبير بن العوام ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، الذين أطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، فـعروة بن الزبير أحدهم، وقد جمعهم بعض الشعراء في بيت فقال:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام الذي هو معنا، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والسابع اختلف فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهؤلاء هم الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين، فإذا جاء في مسألة قيل فيها: وقال بها الفقهاء السبعة، فالمراد بهم هؤلاء السبعة.[عن عائشة].وهي عائشة رضي الله تعالى عنها، الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين، التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك، في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يقول فيهم السيوطي:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي المراد بها عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    شرح حديث ابن عباس في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن مخرمة بن سليمان أن كريباً مولى ابن عباس أخبره، قال: (سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قلت: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فوصف أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى استثقل، فرأيته ينفخ، وأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فصلى ركعتين، وصلى بالناس ولم يتوضأ)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس وفيه أنه سئل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل؛ وذلك أنه كان قد نام عند خالته ميمونة، وعرف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، يعني: هذه صلاته من الليل، وآخرها الركعة التي هي الوتر، ثم إنه لما أذن الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم نام، فاضطجع حتى استثقل، يعني: نوماً ثقيلاً حتى نفخ، يعني: مما يدل على أنه استغرق في نومه، ثم قام وصلى ركعتين، صلى الركعتين بعد النوم، ثم صلى بالناس ولم يتوضأ، ومن المعلوم كما جاء في الحديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه)، يعني: فلا يحصل له ما يحصل لغيره من الحدث، ومن المعلوم أيضاً، أن النوم ناقض للوضوء إذا كان مستغرقاً، وكان طويلاً فإنه ناقض للوضوء، وأما إذا كان نعاساً خفيفاً، والإنسان جالس متمكن، أو قائم، وحصل له نعاس فإن هذا لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض إذا كان الإنسان مضطجع، وحصل له النوم فإنه ينقض الوضوء، فقد جاء في الحديث: (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يحصل له انتقاض الوضوء؛ لأنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وأما غيره فإنه إذا حصل منه النوم الطويل الذي يكون عن طريق اضطجاع أو تمكن في النوم فعليه أن يتوضأ؛ لأنه انتقض وضوءه بنومه؛ لأن النوم من نواقض الوضوء؛ لأنه مظنة الحدث.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].وهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[عن شعيب].وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، خرج له أبو داود، والنسائي فقط.[عن الليث].وهو ابن سعد المصري، ثقة، محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا خالد].وهو خالد بن يزيد المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي هلال].وهو سعيد بن أبي هلال الليثي، وهو صدوق، أخرج له الجماعة.[عن مخرمة بن سليمان].وهو مخرمة بن سليمان، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[أن كريباً مولى ابن عباس أخبره].كريب، وهو مولى ابن عباس، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[سألت ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة فتوى، أي: معروف بكثرة الفتوى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.
    إقامة المؤذن عند خروج الإمام

    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة المؤذن عند خروج الإمام.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)].هنا أورد النسائي هذه التراجم، وهي: باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون في بيته، فإذا جاء وقت الإقامة خرج، فيقيم المؤذن عندما يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم.وأورد فيه حديث: أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)، فليس هناك مطابقة بين الحديث والتراجم؛ لأن التراجم كونه يقول: إقامة المؤذن عند خروج الإمام، وهذا قد يفهم منه أن المؤذن قد يحصل منه الإقامة قبل أن يخرج الإمام، فليس هناك مطابقة بين الحديث والتراجم، والمقصود من ذلك: (أنهم لا يقومون في انتظاره، ولكن كونهم يقومون ليسووا الصفوف، ويتراصون، ويقرب بعضهم من بعض، ويسدوا الخلل، لا بأس بذلك).
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)
    قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].وهو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، مثل: إسحاق بن راهويه، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا الفضل بن موسى].وهو الفضل بن موسى، هو المروزي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن معمر].وهو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن يحيى بن أبي كثير].وهو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي قتادة].وهو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو الحارث بن ربعي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    الأسئلة

    قول المؤذن الدعاء بعد الأذان كالسامعين
    السؤال: هل يقول المؤذن هذا الدعاء بعد الفراغ من الأذان؟ أم يقوله السامعون فقط؟الجواب: يقوله الجميع؛ المؤذن، والسامعون، فيدعون به بعد الفراغ من الأذان.
    دعاء الاستفتاح بالنسبة للمأموم
    السؤال: هل المأموم يقول دعاء الاستفتاح؟الجوا ب: نعم، دعاء الاستفتاح يدعو به الإمام والمأموم، بعد تكبيرة الإحرام، فكل منهما يشرع له أن يأتي بدعاء الاستفتاح.
    حكم الصلاة بين السواري
    السؤال: ما حكم الصلاة بين أعمدة المسجد؟الجواب: الصلاة بين الأعمدة فيها قطع للصفوف، ولا يصلى بينها إلا إذا امتلأ المسجد، وصار هناك حاجة إلى الصلاة بينها، فيصلي بينها، ولكن يصلي مجموعة، وليس واحداً، وإنما يصلي عدد، وهذا إنما يكون إذا امتلأ المسجد، واحتاج الناس إلى أن يصلوا بين الأعمدة، أما إذا لم يكن هناك حاجة -فكما هو معلوم- فهي تقطع الصفوف، ولا يصلى بينها.
    تفسير المقام المحمود بجلوس النبي على الكرسي فوق العرش
    السؤال: قرأت في كتاب السنة للخلال: أن المقام المحمود هو جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي فوق العرش؟الجواب: هذا ليس بثابت، الثابت هو: أن المقام المحمود هي الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون، فهذا هو المقام المحمود.
    حقيقة وجود ذنوب غير الشرك لا تدخل تحت مشيئة الله في غفرانها
    السؤال: هل توجد ذنوب لا تدخل تحت المشيئة غير الشرك؟الجواب: أبداً، كل الذنوب تحت المشيئة إلا الشرك، الشرك هو الذي لا يغفره الله عز وجل، والله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فكل ذنب دون الشرك فأمره إلى الله عز وجل، إن شاء عفا عن صاحبه، وإن شاء عذبه، إلا الشرك فهو الذنب الذي لا يغفر، أما ما دون الكفر والشرك فإنه تحت المشيئة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #128
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (125)


    - (باب الفضل في بناء المساجد) إلى (باب ذكر أي مسجد وضع أولاً)

    إنما بنيت المساجد للعبادة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زخرفتها وتحميرها وتصفيرها بغرض التباهي، وبين أن ذلك من علامات الساعة.
    الفضل في بناء المساجد

    شرح حديث: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المساجد، باب الفضل في بناء المساجد.أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن بحير عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله عز وجل له بيتاً في الجنة)].هنا أورد قول النسائي رحمه الله: كتاب المساجد.الإمام النسائي وغيره من العلماء يفردون المساجد بكتب تخصها في مؤلفاتهم؛ والنسائي رحمه الله عقد هذا الكتاب للمساجد، وجمع فيه الأحاديث المتعلقة بالمساجد، من حيث فضلها، وفضل بنائها، وتفاضل بعض المساجد على بعض، والأحكام الأخرى التي تتعلق بالمساجد.والمسا د: جمع مسجد، والمراد بها: مواضع الصلاة، وقيل لها: مساجد مع أن الصلاة فيها قيام وركوع وسجود؛ لأن المصلي يتمكن من الأرض في حال سجوده، ولأنه إذا سجد على الأرض تكون قدماه وركبتاه ويداه وجبهته وأنفه كلها على الأرض، فلهذا قيل لمواضع الصلاة: مساجد إشارة إلى المواضع التي يصلي عليها، ولم يقل لها: مراكع، ولا مواقف إشارة إلى القيام وإلى الركوع؛ لأن التمكن من الأرض إنما يكون أكثر في حالة السجود، ولهذا وصفت بهذا الوصف، وسميت بهذا الاسم فقيل لها: مساجد.والمساجد هي خير البقاع، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (أنه سئل عن خير البلاد؟ فقال: مساجدها، وشر البقاع أو شر البلاد: أسواقها)، فبين صلى الله عليه وسلم أن المساجد هي خير البلاد، وهي خير مواضع فيه؛ لأنها أماكن ذكر الله عز وجل، وأماكن الصلاة، وشرها الأسواق التي يكون فيها اللغط والأصوات، وأحياناً الكلام الذي لا ينبغي، فتلك إنما تكون في الأسواق.ثم إن النسائي رحمه الله بدأ الأبواب في هذا الكتاب: باب: الفضل في بناء المساجد.أي: الترغيب في بناء المساجد، والحث على إيجادها، والإنفاق في بنائها؛ لأن ذلك فيه تمكين من ذكر الله عز وجل ومن إقامة الصلاة، ومن تمكين الناس، وتمكين أهل البلد من أن يجتمعوا في مكان مخصص للصلاة، وهو المسجد، فيذكرون الله عز وجل، ويؤدون الصلوات الخمس، ويؤدون ما شاء الله من النوافل، فبدأ النسائي رحمه الله بالفضل في بناء المساجد.وأورد فيه حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، فهذا دال على فضل بناء المساجد وعمارتها، وإيجادها، وصرف الأموال في بنائها والإنفاق عليها، فهذا من خير الأعمال، وهو من الإنفاق في سبيل الله عز وجل؛ لأنه إقامة لأماكن الذكر وأماكن العبادة وأماكن الصلاة.ففي الحديث ترغيب وحث على بناء المساجد، وبيان الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يكون لمن يبني المساجد، وهو أن الله تعالى يبني له بيتاً في الجنة، فالجزاء من جنس العمل، وكثيراً ما يأتي في الأحاديث ذكر الجزاء من جنس العمل، مثل هذا الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومثل حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)؛ يعني: هذه من النصوص التي فيها بيان أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنه في هذا الحديث العمل الذي عمله هو بناءه للمساجد، فالله تعالى يثيبه على ذلك بأن يبني له بيتاً في الجنة.ثم في الحديث: دليل على أن الجنة موجودة، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة على وجودها، وأنها قد خلقت، ولكن الله عز وجل يخلق فيها، ويوجد فيها ما شاء الله تعالى أن يوجد؛ لأن أصلها موجود، ولكن الله ينشئ فيها، ويوجد فيها من الثواب لأهل الثواب ما شاء الله عز وجل كما جاء في الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، فإذا وجد البناء من العبد المسلم للمسجد، فالله تعالى يبني له بيتاً في الجنة يجده أمامه إذا غادر هذه الدار، وانتقل إلى الدار الآخرة ودخل الجنة، فإنه يجد ذلك البيت الذي بناه الله عز وجل له.ثم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه)، بيان الحكمة من بناء المساجد، والفائدة من بناء المساجد، وأنه لماذا تبنى المساجد؟ وهو أنها لإقامة ذكر الله عز وجل، ولهذا جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي في صحيح مسلم، الذي تكلم في الصلاة لما عطس وحمد الله، فجعل الناس يضربون على أفخاذهم؛ لأنه تكلم في الصلاة، فجعل يتكلم، يعني: لما رآهم قال: ما لكم؟ فلما فرغ من الصلاة، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله عز وجل)؛ يعني: الصلاة ليس فيها كلام، وإنما هي ذكر لله عز وجل، وقراءة القرآن، وتسبيح له سبحانه وتعالى، ولا يصلح فيها شيء من كلام الناس، والناس يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضاً، أو يرد بعضهم على بعض، وإذا عطس يشمته، والإنسان إذا عطس في صلاته فإنه يحمد الله عز وجل، ولا يرفع صوته؛ لأن هذا ذكر لله عز وجل، لكن غيره لا يقل له: يرحمك الله، ولا يخاطب غيره وهو يصلي، فلا يقل له: يرحمك الله، وهو لا يرد حتى لو قيل له: يرحمك الله، فلا يقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإنما له أن يحمد الله عز وجل، فالصلاة فيها ذكر الله، ولهذا في الحديث قال: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه)، والذكر يشمل الصلاة وغير الصلاة، فالصلاة هي من ذكر الله عز وجل، وهي مشتملة على ذكر الله عز وجل؛ لأنها قرآن وتكبير وتسبيح وتحميد، وغير ذلك من الثناء على الله سبحانه وتعالى، فهي مشتملة على ذكر الله سبحانه وتعالى.إذاً: فالمساجد بنيت للصلاة، ولذكر الله عز وجل أي: أنه في غير الصلاة فالإنسان يجلس فيها يسبح ويحمد الله ويهلله وكبره، هذا من ذكر الله سبحانه وتعالى، فهذا الحديث فيه: ترغيب في بناء المساجد، وبيان أن الجزاء من جنس العمل، وأن من بنى بيتاً لله عز وجل -مسجد يصلى فيه- بنى الله له بيتاً في الجنة، وأن المساجد إنما تبنى لذكر الله عز وجل ولإقامة الصلاة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو الحمصي، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي.[حدثنا بقية].هو ابن الوليد الحمصي، وهو صدوق، وكثير التدليس عن الضعفاء، وقد روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. ومسلم روى له حديثاً واحداً متابعة، فبهذا رمز له بأنه من رجال البخاري تعليقاً، ومن رجال مسلم، ومن رجال أصحاب السنن الأربعة.[عن بحير].هو ابن سعد الحمصي، وهو ثقة، ثبت، وخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري في صحيحه، ولا مسلم في صحيحه.[عن خالد بن معدان].هو خالد بن معدان الحمصي، وهو ثقة، يرسل كثيراً، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن كثير بن مرة].هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وما خرج له البخاري شيئاً.[عن عمرو بن عبسة].هو عمرو بن عبسة السلمي الخزرجي صحابي مشهور، وقد خرج له مسلم حديثاً واحداً، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة، وليس له في البخاري شيء، وله ثمانية وأربعون حديثاً كما ذكر ذلك صاحب خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، وعمرو بن عبسة سكن الشام.
    المباهاة في المساجد

    شرح حديث: (من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المباهاة في المساجد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المباهاة في المساجد.المباها : هي المفاخرة، يعني: بناؤها تفاخراً وتباهياً شيء مذموم؛ لأن التباهي والتفاخر من المقاصد السيئة، ولهذا جاء في الحديث: (من أشراط الساعة)، يعني: من علاماتها؛ لأن الأشراط جمع شرط، والشرط هو العلامة، فالأشراط؛ أي: العلامات، من علامات الساعة أن يتباهى الناس في المساجد، يعني: يتفاخرون في بنائها، فيكون همهم والباعث لهم على بنائها هو المفاخرة والمباهاة، وهذا مقصد ذميم، وإنما فيكون المقصود في بناء المساجد هو إرادة وجه الله عز وجل، لا تفاخراً وتباهياً، وإنما رجاء ثواب الله عز وجل، ودون قصد سيئ.ثم إن بناء المساجد على هذا الوصف -الذي هو التباهي- مذموم.أما إذا بنيت على وجه فيه متانة، وفيه قوة؛ يعني: أنه يطول أمدها، ولا يسرع إليها التأثر، فإن هذا أمر مطلوب، لكن لا يكون فيه مغالاة، ولا يكون في مباهاة، ولا يكون فيه مفاخرة، وإنما يكون المقصود من ذلك ابتغاء وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ثم أيضاً زخرفتها من الأمور التي جاءت الشريعة بمنعها، فبين عليه الصلاة والسلام أن هذا القصد -الذي هو المباهاة- مذموم، وهو من أشراط الساعة، أي من العلامات الدالة على قربها.
    تراجم رجال إسناد حديث: (من أشراط الساعة أن يتباهي الناس في المساجد)
    قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].هو المروزي، ويلقب الشاه، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي .[ أخبرنا عبد الله بن المبارك ]. هو المروزي، وهو ثقة، إمام، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته: إنه ثقة، حافظ، جواد، مجاهد، قال بعد ذلك: جُمِعَتْ فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن حماد بن سلمة ].هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أيوب ].هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وأبو تميمة اسمه كيسان، وهو ثقة، ثبت، حجة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً بصري مثل حماد بن سلمة.[ عن أبي قلابة ].هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو أيضاً ثقة إلا أنه كثير الإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأبو قلابة مشهور بكنيته، ومعرفة الكنى مهمة، وهي من علوم مصطلح الحديث؛ وذلك أن الشخص إذا كان مشهوراً بكنيته، فقد يذكر باسمه فيظنه من لا يعرفه أنه شخصين؛ وذلك إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بكنيته مرة أخرى، فيظن من لا يعرف أن هذا غير هذا، لكن من عرف أن أبا قلابة كنية لـعبد الله بن زيد الجرمي يعرف أن هذا شخص واحد.[ عن أنس ].هو أنس بن مالك الأنصاري ، وهو أيضاً بصري، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وقد خدمه عشر سنوات، من حين قدم المدينة وهو يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت مدة بقائه صلى الله عليه وسلم في المدينة وهي عشر سنوات خدمه فيها أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم سبعة عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تميزوا على غيرهم بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وابن عباس الذي هو الحبر، وعائشة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة هم أكثر الصحابة حديثاً، وأنس بن مالك أحد هؤلاء السبعة، وهو أيضاً من المـُعمِّرين الذين عاشوا وطالت حياتهم، واستفاد الناس من علمهم؛ لأنه أدركهم كبار التابعين، ومتوسط التابعين، وصغار التابعين، وصغار التابعين هم الذين أدركوا من تأخرت وفاتهم من الصحابة، فأدركهم الكبار والمتوسطون والصغار، وهذا من أسباب كثرة الرواية عنه؛ لأنه عُمِّر وعاش، وقدم الناس عليه يتلقون منه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بصري أيضاً؛ لأنه سكن البصرة.والحديث في إسناده مروزيان، وهما: سويد بن نصر ، وعبد الله بن المبارك ، والباقون بصريون، وهم: حماد بن سلمة ، وأيوب السختياني ، وأبو قلابة ، وأنس بن مالك فأربعة بصريون، واثنان مروزيان.
    ذكر أي مسجد وضع أولاً

    شرح حديث أبي ذر في بيان أي مسجد وضع أولاً
    قال المصنف رحمه الله: [ باب: ذكر أي مسجد وضع أولاً.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم قال: ( كنت أقرأ على أبي القرآن في السكة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت: يا أبت! أتسجد في الطريق؟ فقال: إني سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي مسجد وضع أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاماً، والأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصل ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب: ذكر أي المساجد وضع أولاً.هذه الترجمة التي عقدها النسائي، أورد فيها حديث أبي ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان ما ترجم له وهو: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: أي المساجد وضع أولاً؟ فقال: المسجد الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قيل: وكم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً )، فالمطابقة واضحة؛ لأن السؤال عن أي مسجد وضع أولاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بأنه المسجد الحرام، ثم سئل عن المسجد الذي بني بعده أو وضع بعده؟ فقال: (المسجد الأقصى)، فسئل: (كم كان بينهما من السنين) فقال: (أربعون سنة)، وقد جاء في القرآن أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، ثم جاء كذلك في بعض الأحاديث أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، لكن -كما هو معلوم- المدة بين إبراهيم وبين سليمان طويلة جداً؛ لأن موسى كان بعد يوسف بزمن، ومن المعلوم أن داود وسليمان بعد موسى؛ لأنه كما جاء في قصة موسى في سورة المؤمن -غافر- أنه ذكر يوسف من قبله، وأنه قد جاء بالبينات، ثم ذكر في سورة البقرة في الجند أو القوم الذين ذكرهم الله عز وجل من بني إسرائيل: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ [البقرة:251]، وأول القصة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [البقرة:246]، فداود وسليمان بعد موسى، وموسى كان بعد يوسف، ويوسف هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فليس في المدة أربعين سنة، ففي هذا إشكال، لكن أجاب بعض العلماء عن هذا الإشكال: أن الذي حصل من إبراهيم ومن سليمان إنما هو تجديد للبناء، وأن البناء كان أولاً؛ أعني: إن بناء المسجد الحرام كان قبل إبراهيم، وبناء المسجد الأقصى كان قبل سليمان، وهنا في الحديث ليس فيه ذكر الباني، وإنما هو مطلق، وما قيل: إنه بناه إبراهيم، وهذا بناه سليمان، لكن ما جاء في القرآن من إضافة البناء إلى إبراهيم، وما جاء في السنة -في بعض الأحاديث- من إضافة البناء إلى سليمان لا يعني أن هذا هو الأول؛ لأن المدة بين إبراهيم وبين سليمان مدة طويلة جداً ليست أربعين سنة، والحديث إنما قال: أنها أربعين سنة بين وضع هذا ووضع هذا، وبناء هذا وبناء هذا، فيكون البناء لهما أولاً، ولكن إبراهيم جدد المسجد الحرام، وسليمان جدد المسجد الأقصى، فما جاء في القرآن من إضافة البناء إلى إبراهيم، وما جاء في السنة من إضافة بناء المسجد الأقصى إلى سليمان إنما هو تجديد للبناء، هذا من أحسن ما أجيب به عن هذا الإشكال .والحديث ساقه النسائي للاستدلال به على ما ترجم له، وهو مطابق، وقد ذكر للحديث سبباً في إيراده، وهو أن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي كان مع أبيه يزيد بن شريك، وكان كما جاء في بعض الروايات: (كل واحد يقرأ القرآن على الثاني)، فكان أبوه يزيد بن شريك وكان ذلك في السكة، وقيل: إنه كان في رحبة البيت، يعني: مكاناً على طرف البيت في فنائه في دكته من جهة الشارع من جهة السوق والسكة، فكان إذا مر بآية فيها سجدة سجد، فقال إبراهيم بن يزيد لأبيه: (أتسجد في الطريق؟) فأورد الحديث، قال: (سمعت أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المساجد وضع أولاً؟ فقال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم قال: والأرض لك مسجد، فأينما أدركتك الصلاة فصل)، وهذا هو محل الشاهد من استدلال يزيد بن شريك على ولده عندما استشكل؛ لأن قوله: (والأرض لك مسجد)، وهو قد سجد في هذا المكان، والأصل في الأرض الطهارة، والمراد بذلك أنها ما دامت على هيئتها وعلى حقيقتها، أما إذا عرف أنها تنجست، وأنه أصابها نجاسة، فعند ذلك تجتنب النجاسة أو تزال النجاسة.فالمقصو من أن الأرض مسجد، يعني: مادامت على هيئتها، أما إذا تنجس شيء منها فلا يصلى عليها إلا بعد إزالة النجاسة، أو وضع ساتر يستر عن النجاسة؛ لأنه لابد من طهارة البقعة في المكان الذي يصلى فيه .ومحل الشاهد من إيراد يزيد بن شريك في الحديث هو آخره، وفي الحديث دليل على ما كان عليه سلف هذه الأمة إذا حصل شيء يستشكلونه أنهم يوردون الإشكال؛ لأن إبراهيم بن يزيد التيمي لما رأى أباه يسجد، وذلك الموضع هو طريق، وليس في داخل البيت، وليس في مسجد، وإنما هو في مكان في فناء البيت، وعلى مقربة منه، فأنكر واستشكل، فاستدل عليه أبوه بالحديث.ثم أيضاً فيه بيان ما كان عليه السلف من اتباع السنن والاحتجاج بالآثار، وأنه قد يورد الحديث والمراد بعضه؛ لأن يزيد بن شريك التيمي أورد الحديث بكامله، فمقصوده آخره الذي هو الاستدلال على الصلاة في المكان الذي يصلى فيه، فهم يذكرون الحديث بكامله، ومقصودهم جزء منه؛ لأن المقصود في هذا الحديث هو آخره وهو قوله : (والأرض لك مسجد)؛ يعني: أي مكان أدركت الصلاة فيه فصل، فإنه لك مسجد.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر في بيان أي مسجد وضع أولاً
    قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له أبو داود ، ولا ابن ماجه، أي: خرج له أربعة من الكتب الستة، ومسلم أكثر من الرواية عنه.[ حدثنا علي بن مسهر ]، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأعمش ].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، مدلس، وهو مشهور بلقبه، واسمه سليمان بن مهران، ومعرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في علوم الحديث؛ لأن فائدة ذلك أن لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف أن الأعمش هو سليمان بن مهران يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكن من يعلم أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، ولا يظن الشخص الواحد شخصين، وإنما يعرف أن هذا شخص واحد، ولكن ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم ].هو ابن يزيد بن شريك التيمي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبوه يزيد بن شريك التيمي ثقة أيضاً، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمعت أبا ذر ]. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    الأسئلة

    حكم حديث بقية بن الوليد إذا عنعن
    السؤال: الحديث الأول فيه بقية، وهو مدلس وقد عنعن، فهل هذا الحديث متصل؟الجواب: بقية مدلس، وهنا دلس عن ثقة؛ لأن بحير بن سعد ثقة، ثبت كما ذكره صاحب التقريب، لكن الفضل في بناء المساجد، وحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، جاء من طرق أخرى، وفي حديث آخر يقول: ( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة )، فهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض.
    حكم حلق الرجل عانة أبيه عند عدم الاستطاعة
    السؤال: هل يجوز للرجل أن يحلق عانة أبيه إذا لم يستطع الوالد؟الجواب: ليس بلازم الحلق؛ إذا لم يتمكن الوالد من حلاقتها فإنه يقصها قصاً، والقص كلٌ يستطيعه.أما إذا كان مقعداً، ولا يستطيع أن يخدم نفسه فممكن، وذلك مثلما يقوم بالأمور الأخرى لاستنجائه وإخراج القاذورات منه، كذلك يفعل بعانته، أما إذا كان يستطيع قصها، فإنه لا يحتاج إلى أن يحلقها غيره، أي: هذه ليست ضرورة، فيمكن بالقص.
    ما يلزم من قرأ على غير ترتيب المصحف في الصلاة
    السؤال: هل يلزم الشخص في القراءة في الصلاة أن يلتزم بترتيب المصحف؟الجواب: الأولى للإنسان أنه إذا قرأ القرآن فإنه يكون مرتباً في الصلاة وفي غير الصلاة، يعني: عندما يقرأ السور بالترتيب، لكن لو عكس جاز؛ بمعنى: أنه قرأ سورة، ثم قرأ سورة قبلها في ترتيب المصحف، فيجوز ذلك؛ لأن الحديث الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران)، وكذلك الحديث الذي في قصة الرجل الذي كان يصلي بقومه، ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ويختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؛ لأنه إذا كان في كل ركعة يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، يعني: أنه يقرأ شيء قبلها؛ لأن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ليس بعدها في المصحف إلا سورتين، سورة الفلق وسورة الناس؛ معناه: أنه لابد أن يقرأ شيئاً قبلها، فهذا مما استدل به العلماء على أنه يجوز أن تقرأ السورة بعد سورة هي بعدها في ترتيب المصحف.
    حكم بناء المساجد على القبور
    السؤال: هل يجوز أن تبنى المساجد على القبور ؟الجواب: لا يجوز أن تبنى المساجد على القبور، وقد قال ابن القيم رحمه الله في كتاب زاد المعاد: لا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، فإذا بني المسجد أولاً فلا يجوز إدخال القبر فيه، وإنما ينبش الميت ويخرج؛ لأن المسجد كان قبل، وإذا كان القبر أولاً، ثم أتي بالمسجد وبني على المقبرة فإنه يهدم المسجد، وتبقى المقبرة كما كانت. أما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بناه بيده الشريفة ومعه أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحجراته التي بناها كانت خارج المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يسكن في حجراته ومنها حجرة عائشة التي فيها قبره الآن صلى الله عليه وسلم، ولما مات دفن في بيته، ولم يدفن في المسجد، وظل الأمر كما كان بعد وفاته؛ أي: في زمن الخلفاء الراشدين، وفي زمن معاوية، وفي مدة طويلة من عهد بني أمية، ثم في عهد عبد الملك وسَّع المسجد فأدخل الحجرات في المسجد، فالمسجد فضيلته ثابتة دخل القبر أو ما دخل، وإدخاله إنما كان في زمن بني أمية، فلا يجوز أن يستدل على أن المساجد تبنى على القبور، أو أن الأموات يدفنون في المساجد استدلالاً بوجود قبره صلى الله عليه وسلم في مسجده، بل الحجة في المنع ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر لحظاته، وفي أواخر أيامه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس )، وقوله: (قبل أن يموت بخمس)، فالرسول توفي يوم الإثنين، والكلام هذا قاله يوم الأربعاء، وقبل الأربعاء الخميس والجمعة والسبت والأحد الإثنين؛ يعني: هذا الكلام قاله يوم الخميس، (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك )، فهذا كلام محكم غير منسوخ قاله الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس ليال، ثم بعد ذلك وبعد هذه المدة وهو في النزع كما جاء في الحديث المتفق على صحته: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، فهذه أحاديث محكمة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دخلها نسخ، وقالها في أواخر أيامه، بل في آخر لحظاته صلى الله عليه وسلم، فالحجة بها.أما وجود قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده فإن هذا ليس من فعله، ولا فعل خلفائه الراشدين، والقبر كان خارج المسجد، والفضل ثابت للمسجد أدخل القبر فيه أو لم يدخل، فلا يجوز أن يتخذ حجة، بل الحجة ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التي قالها في آخر أيامه، وفي أواخر لحظاته صلى الله عليه وسلم وبارك عليه.
    الواجب على من عليه كفارة صيام شهرين متتابعين
    السؤال: عليه صيام شهرين متتابعين، ونوى أن يصومها في هذه المدينة، ولكن مع ظروف العمل لا يستطيع ذلك، فماذا يعمل؟الجواب: عليه صيام شهرين متتابعين؟مداخلة : نعم، لا يستطيع أن يصوم هنا إلا شهراً واحداً.الشيخ: ليس له مادام أن الواجب عليه صيام شهرين متتابعين، فلابد من التتابع فيهما، ولا يجوز له أن يفرقهما.ولكن مادام أنه ما حصل منه النذر أنه يصوم شهرين متتابعين في المدينة، وإنما عليه صيام كفارة، وصيام الكفارة ما له دخل في بلد معين، أما إذا نذر أنه يصوم مثلاً في المدينة أو يصوم في مكة، فإنه يوفي بنذره، وأما مجرد كونه عليه صيام شهرين متتابعين، ولكنه لا يتمكن من صيامها في المدينة، فليس بلازم أنه ينفذها في المدينة، فاللزوم هو أن تكون متتابعين، فإذا صام في المدينة شهراً ثم سافر وهو متابع للصيام في السفر، ووصل إلى البلد الذي استقر فيه، وواصل الصيام حتى أكمل شهرين متتابعين، فقد أدى ما عليه.
    حكم العمل بالحديث الذي قيل عنه لا بأس به
    السؤال: الحديث الذي قيل فيه: لا بأس به، هل يعمل به؟الجواب: الحديث الذي لا بأس به معناه أنه يحتج به، وهذا يعمل به.
    مدى جواز تأخير الظهر إلى آخر وقتها
    السؤال: شخص يصلي الظهر دائماً قبل العصر بربع ساعة، هل يعيد؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى وقت العصر؛ لأن هذا تعريض لإخراجها عن وقتها، لكن الإنسان مطلوب منه أن يبادر إليها في أول أوقاتها، والظهر يؤخرها إذا اشتد الحر فيبرد بها، لكن لا يبرد بها إلى قرب العصر؛ لأن تأخيرها إلى قرب الوقت عرضة لأن يخرجها عن الوقت، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يأتي بها في أول وقتها، ومادام أنها وقعت قبل دخول وقت العصر فهي في وقتها، لكن ليس للإنسان أن يؤخرها إلى قرب الآخر؛ لأن هذا عرضة لخروجها عن الوقت، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه )؛ يعني: يمكن أن الوقت يخرج فيكون أخرجها عن وقتها، فيكون فعله قضاء لا أداء، لكن مادام أنه صلاها قبل دخول وقت العصر فهو أداء، لكنه مخاطر بالصلاة؛ حيث يعرض نفسه لتأخيرها عن وقتها.مداخلة: لا يؤمر بإعادتها؟الشيخ: لا، أبداً لا تعاد، فهي صلاة في الوقت، حتى لو صلاها في غير وقتها فهي قضاء ولا تعاد.
    مدى ثبوت حديث فيه إهداء الصلاة للميت في صحيح مسلم
    السؤال: هل ثبت في صحيح مسلم حديث فيه جواز أداء صلاة النوافل للميت؟الجواب: ما أعلم شيئا فيه إهداء الصلوات، والذي ثبتت به السنة وجاءت به النصوص في إهداء الثواب هو في الحج والعمرة والصدقة، وكذلك في الأضحية، وكذلك الدعاء -أي: ينفع الأموات- وكذلك الصيام جاء بالنسبة للصيام الواجب: ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ).أما الصلاة فلا نعلم لا في صحيح مسلم ولا في غيره شيئاً يدل على إهداء ثواب الصلاة، والذين قالوا بإهداء القرب غير ما ورد دليلهم القياس.
    الأحاديث التي لا يعمل بها
    السؤال: ما هي الأحاديث التي لا يعمل بها، ولو كان هناك شواهد؟الجواب: الحديث الذي ثبت فإنه يعمل به، سواء كان له شواهد أو ثبت بشواهده، أو ثبت استقلالاً بدون حاجة إلى شواهد.
    حكم فصل قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
    السؤال: هل يجوز فصل قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟الجواب: لا شك أن هذا هو الذي ينبغي وهو أن يفصل من المسجد، ويكون خارج المسجد حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي دفن بها كان فيها باب بينها وبين المسجد، لكن كونه يفصل ويكون خارج المسجد، وليس داخلاً ضمن المسجد -بأن يكون مفصل وبينه وبينه أبواب- هذا هو الذي ينبغي؛ كما كان موجوداً في زمن الخلفاء الراشدين وزمن معاوية رضي الله تعالى عنه وكذلك بعده بمدة.
    حكم التبرك بالصالحين
    السؤال: ما حكم التبرك بالصالحين؟ وإذا كانت الإجابة بالمنع فما هو جوابكم عما حصل لبعض السلف مع بعض؟ كفعل جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حديث مسلم في صفة الحج: أنه وضع يده على صدر أحد أبناء محمد بن علي بن الحسين؟الجواب: التبرك بالذوات والأشخاص إنما هو خاص برسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وبعرقه، وببصاقه ومخاطه صلى الله عليه وسلم، كانوا يتبركون به، وما فعلوا هذا مع أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي بعده، وقد ذكر الشاطبي في الاعتصام أن الصحابة أجمعوا على عدم فعل هذا مع أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #129
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (126)


    - (باب فضل الصلاة في المسجد الحرام) إلى (باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه)

    للبركة مجالات كثيرة، فمن ذلك الصلاة في المسجد الحرام، فإنها تفضل على غيره من المساجد بمائة ألف صلاة إلا المسجد النبوي فإنها تفضل على الصلاة فيه بمائة صلاة، ومعنى ذلك: أن المسجد النبوي يفضل على غيره من المساجد بألف صلاة.
    فضل الصلاة في المسجد الحرام

    شرح حديث: (الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) يعني المسجد النبوي
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل الصلاة في المسجد الحرام.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ( من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الكعبة ) ].يقول النسائي رحمه الله: باب فضل الصلاة في المسجد الحرام، هذه الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله لفضل الصلاة في المسجد الحرام، أورد تحتها حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وذلك أنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى في هذا المسجد -أي: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- فإن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)، فمقصود النسائي ما جاء في آخره من قوله: (إلا مسجد الكعبة)، والحديث يدل على فضل الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويدل على فضل الصلاة في المسجد الحرام على ما فهمه النسائي وغيره من أن الاستثناء في قوله: (إلا مسجد الكعبة)، أي: فإن الصلاة فيه أفضل من المسجد النبوي، أو الصلاة فيه أفضل من هذا المسجد، وهذا هو الذي فهمه جمهور العلماء، واستدلوا به على تفضيل مكة على المدينة، وكذلك تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد جاء عن مالك رحمه الله أنه يرى أن المدينة أفضل من مكة، وأن الحديث لا يدل على تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل قيل عنه أنه قال: إلا مسجد الكعبة فإنه ليس أفضل منه بألف صلاة، وإنما هو أفضل منه بأقل من الألف، وهذا على القول بتفضيل الصلاة في المسجد النبوي على الصلاة في المسجد الحرام، يعني: معناه: أن الاستثناء إلا مسجد الكعبة، فإنه لا يفضله بألف كغيره من المساجد، وإنما يفضله بدون الألف. ولكن الذي فهمه النسائي، وأورد الحديث بالاستدلال على فضله فهمه جمهور العلماء؛ على أن المقصود من ذلك هو تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات، أن الاستثناء الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام جاء تفسيره وبيانه بأن المسجد الحرام الصلاة فيه أفضل من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة، وعلى هذا فتكون الصلاة في المسجد الحرام أفضل من غيره من المساجد بمائة ألف؛ لأن المائة بألف، فتكون مائة ألف.ومما يدل على تفضيل مكة على المدينة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخرج منها ونظر إليها وقال: ( إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا إني أخرجت لما خرجت )، يعني: أنه إنما خرج بإيذاء الكفار له، وأن سببه إيذاء الكفار له، وأنه خرج منها مهاجراً إلى المدينة؛ لأنه أخرج ولأن الكفار آذوه، ولا يعني: أن المدينة أفضل من مكة، فإن التفضيل إنما المعول عليه ما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء الحديث واضحاً بأن مكة أحب بلاد الله إلى الله، وكذلك أيضاً تفضيل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف على غيره من المساجد، وأما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره بألف ضعف: ( الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ). وهذا الحديث كذلك عن ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، والحديث جاء بلفظ: (من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيحتمل أن يكون المقصود به استفهام، يعني: من صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ تستفهم وتبين الفضل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)، وقد جاء هذا الحديث في بعض الكتب الأخرى، مثل مسند الإمام أحمد أن ميمونة قالته تخاطب امرأة كانت قد نذرت؛ حصل لها مرض إن شفاها الله عز وجل أن تذهب إلى المسجد الأقصى وتصلي فيه، فقالت لها: صل في هذا المسجد؛ في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة).فيكون على هذا احتمال أن يكون فيه شيء من التصحيف أو التحريف، أي: اللفظ، وأن الحديث أصله أن ميمونة قالت لامرأة: صلي، ويحتمل أن يكون على ما جاء هنا: من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني: استفهام، وتبين أو تريد أن تبين الفضل لمن صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
    بيان اختلاف العلماء في المراد بالمسجد الحرام
    وقد جاء في الحديث: (إلا مسجد الكعبة)، وجاء في بعض الأحاديث: (إلا المسجد الحرام)، بلفظ: (المسجد الحرام)، ومسجد الكعبة هو المسجد المحيط بالكعبة، ويحتمل أن يكون المراد بذلك المسجد الحرام مطلقاً. والمسجد الحرام اختلف العلماء في المراد به، هل يراد به المسجد المحيط بالكعبة؟ أو يراد به مكة كلها، وأنها يقال لها: المسجد الحرام، وأن التضعيف يكون لمن صلى في أي مكان منها؛ لأن مكة كلها يقال لها: المسجد الحرام؟ وقد قال بهذا جماعة من أهل العلم، وقال بعضهم بأن المراد بالمسجد الحرام هو المسجد المحيط بالكعبة. وإطلاق المسجد الحرام على مكة كلها جاء في القرآن، ومن ذلك قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، فإن المسجد الحرام ليس المراد به المسجد المحيط بالكعبة، وإنما يراد به مكة كلها، فالكفار لا يجوز أن يدخلوا مكة، والله عز وجل يقول: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، وهو إنما أسري به من بيت من بيوت مكة، فأطلق على مكة كلها أنها المسجد الحرام، فلهذا فإن بعض أهل العلم يقولون: إن قوله: (إلا المسجد الحرام)، يراد به مكة كلها، وأن الصلاة فيها بمائة ألف صلاة.أما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه جاء تقييده، وعلى هذا فلا يتعدى إلى المدينة، وعلى غير مسجده صلى الله عليه وسلم، بل يكون التضعيف خاصاً في مسجده صلى الله عليه وسلم، وأما المساجد الأخرى والأماكن الأخرى التي هي خارج مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها لا تكون داخلة ضمن مسجده عليه الصلاة والسلام، والتضعيف الذي ورد في الحديث إنما هو لمسجده خاصة، ولكن ليس المراد بالمسجد هو المسجد الذي كان في زمنه فقط، وأن الزيادات التي زيدت عليه بعد ذلك لا يكون لها هذا الفضل، نعم، قال بهذا بعض أهل العلم: أن التضعيف خاص بالمسجد الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وأن الزيادات التي زيدت عليه يختلف حكمها عما كان في زمنه، ولكن القول الواضح الجلي: أن الزيادات لها حكم المزيد، وأن الإضافات التي تضاف إلى المسجد مهما وسع المسجد، ومهما زيد في مساحته، سواء كان مغطىً أو مكشوفاً ما دام أن الجدران والأبواب تحيط به، فإن ذلك يشمله التضعيف، وأن الصلاة في الجميع بألف صلاة، والدليل على هذا أن الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما زادا في المسجد من جهة الأمام؛ من الجهة القبلية، ومعلوم أن عمر وعثمان خليفتان راشدان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )، والصحابة أقروهما على ذلك، ولم ينكروا عليهما، والإمام يصلي في الزيادة، والصفوف الأول تكون في الزيادة، فلولا أن الزيادة لها حكم المزيد ما كان عمر وعثمان يزيدان المسجد من جهة الأمام، ويحرمان الإمام والصفوف الأُول من ألف صلاة، ويكون التضعيف إنما هو للصف العاشر، أو ما وراء ذلك، لكن لما زاداه من جهة الأمام، والصحابة متوافرون ولم ينكروا ذلك، والإمام يصلي في الزيادة، والصفوف الأول في الزيادة دل هذا على أن الزيادة لها حكم المزيد، وأن المسجد مهما وسع، ومهما أضيف إليه من التوسعات، ما دام أن الجدران والأبواب تحيط به، سواء كان مغطى أو مكشوفاً فإن كل ذلك يدخل تحت اسم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والصلاة في الجميع بألف صلاة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ).
    تراجم رجال إسناد حديث: (الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) يعني المسجد النبوي
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد أكثر عنه النسائي، واسمه من الأسماء المفردة التي لم يشاركه أحد في هذه التسمية، يعني: من رجال الكتب الستة فليس له مشارك فيقال لمثل هذا النوع الأسماء المفردة، يعني: التي هي قليلة الاستعمال أو نادرة الاستعمال، وهو ثقة ، إمام ، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث]. وهو ابن سعد المصري ، الفقيه، المحدث، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، إمام، مشهور بالحديث والفقه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ].وهو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وفي هذه النسخة أنه يروي عن ميمونة، وفي بعض النسخ أنه يروي عن ابن عباس، وهو يروي عن عم أبيه عبد الله بن عباس ؛ لأن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، فـعبد الله بن عباس هو عم أبيه؛ لأنه عم عبد الله بن معبد ؛ لأن معبد هو أخو عبد الله بن عباس، وهو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب، فهو يروي عن عم أبيه عبد الله بن عباس، وعلى هذا فيكون ابن عباس يروي عن خالته ميمونة أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها وعن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.وذكر أن إبراهيم بن عبد الله بن معبد روى عن ميمونة مباشرة وبدون واسطة، وعلى هذا فيكون ما جاء في هذه النسخة أنه من قبيل المتصل، وما جاء في بعض النسخ أنه عن ابن عباس، فيكون بينه وبينها واسطة، وميمونة بنت الحارث الهلالية هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    الصلاة في الكعبة

    شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي في الكعبة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في الكعبة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، صلى بين العمودين اليمانيين ) ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب الصلاة في الكعبة، أي: في داخل الكعبة، وأورد فيها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، يعني: حاجب الكعبة، فأغلقوا عليهم الباب، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج، قال ابن عمر : كنت أول من ولج، أو في أول من ولج، يعني: أول من دخل البيت، فسألت بلالاً، وكان بلال ممن دخل معه في الكعبة، ومن المعلوم أن الذين معه هم الذين يعرفون ماذا فعل، وهل صلى أو لم يصل، فسأل عن الصلاة: هل صلى فيه؟ يعني: بادر ابن عمر وسأل بلالاً : هل صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.فالصل ة في الكعبة الدليل عليها هو هذا الحديث الذي يقول فيه بلال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى فيها، أي: في الكعبة، بين العمودين اليمانيين، والصلاة إنما هي نافلة، وقد ثبتت السنة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه تنفل بها، وأما بالنسبة للفرض فلم يأتِ عنه أنه صلى فيها، والعلماء اختلفوا في الفرض: هل تصلى في الكعبة في داخلها أو لا تصلى؟ فمنهم من قال: إنها لا تصلى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما صلى فيها، وإنما صلى نافلة فقط، ومنهم من قال: يصلى فيها؛ لأن ما جاء في النفل يسري على الفرض. والنفل الحديث الذي ساقه المصنف هو دال عليه، وأما بالنسبة للفرض فلم يأتِ شيء يدل عليه، فالأولى من الأقوال هو عدم الصلاة في الكعبة، يعني: الفريضة. ومن المعلوم أن الحجر هو من الكعبة، وكان على قواعد إبراهيم، ولكن قريشاً لما قصرت بهم النفقة أخرجوا مكان الحجر منها، فكان جزءاً من الكعبة، فالطواف يجب أن يكون من ورائه ولا يجوز أن يكون من داخله، ومن طاف من داخل الحجر فإن طوافه غير صحيح؛ لأنه يعتبر ما طاف بالبيت، ومن صلى في الحجر كأنه صلى في البيت؛ لأنه من الكعبة.ثم أيضاً يدل الحديث على ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص الشديد، والتتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفتها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وأغلق عليه الباب حرص الذين لم يكونوا معه على أن يعرفوا ماذا فعل في داخلها، هل صلى أو لم يصل؟ فـ ابن عمر رضي الله عنه سأل بلالاً: هل صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يدلنا على حرص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم على معرفة السنن، وعلى معرفة الحق والهدى الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنهم تحملوا السنن وأخذوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخذها بعضهم عن بعض، وأدوها وبلغوها لغيرهم كما تحملوها وكما تلقوها، فكان لهم هذا الفضل العظيم، الذي هو كونهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل حق وهدى وصل إلى الناس إنما جاء عن طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإن ما حصل من ابن عمر من مبادرته إلى سؤال بلال: هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ دال على ما ذكرت.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي في الكعبة
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ]. وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا الليث ]، وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، كما أنه مشهور بالنسبة إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب، الذي هو أخو قصي بن كلاب، ويلتقي مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي بن كلاب أخوه زهرة بن كلاب، وجده شهاب هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فهو جد جده.وهو أي: الزهري إمام، جليل، من الفقهاء، ومن المحدثين، ومن أوعية العلم، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته بأن يجمع السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان غيره كان قد اشتغل بجمعها بجهود خاصة، إلا أنه كلف من الخليفة ومن الإمام في وقته عمر بن عبد العزيز بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمراً له عمريعني: أول من قام بجمعه بتكليف من الدولة، وأما جمعه وكتابته فقد كانت موجودة في الصحابة، وموجودة في غير الصحابة، ولكن كونه يتم عن طريق تكليف من الدولة، إنما كان من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، للزهري رحمة الله تعالى عليه، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سالم ].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عن عبد الله وأبيه وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله سالماً وسائر علماء المسلمين. وسالم هذا هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر هذا، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأما الستة الباقون الذين هم لا خلاف في عدهم، فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب. [ عن أبيه ].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العبادلة الأربعة المشهورين بهذا اللقب أربعة، هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير؛ لأنهم من صغار الصحابة، وعاشوا واستفاد الناس منهم، والذين يسمون عبد الله كثير، ومن أشهر من يسمى عبد الله: عبد الله بن مسعود، وليس من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما هؤلاء فقد عاشوا، وكانوا من صغار الصحابة وعمروا وأدركهم الكثير من التابعين، ورووا عنهم، ولهذا اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة. وهو أيضاً أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه

    شرح حديث عبد الله بن عمرو في فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن ابن الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثة: سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه.والمسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ).وقد عقد النسائي هذه الترجمة، وأورد تحتها هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثة؛ سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وحين فرغ من بناء المسجد سأل الله عز وجل أن من أتاه لا ينهزه إلا الصلاة أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ).والنسائي رحمه الله أورد الحديث من أجل الجملة الأخيرة التي فيه، وهي: أن سليمان سأل هذه المسألة؛ أن من أتى هذا المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، يعني: لا يخرجه ولا يحركه ولا يجعله يتجه إلى هذا المسجد إلا لهذا الغرض، وهو الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه، والحديث رواه ابن ماجه، وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقد أوتي الخصلتان الأوليان، وأرجو أن يكون أوتي الثلاثة )، والنسائي رحمه الله، أورده للاستدلال به على فضل المسجد الأقصى، وفضل الصلاة فيه من أجل الجملة الأخيرة التي فيه، وقد عرفنا في حديث قريب: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله أبو ذر : أي مسجد وضع أول؟ فقال: المسجد الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قال: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة )، وقد عرفنا عند ذكر ذلك الحديث أن بعض العلماء استشكل كون إبراهيم هو باني المسجد الحرام، وباني الكعبة، وكون سليمان هو باني المسجد الأقصى، وأن بينهما أربعين سنة، ومن المعلوم أن المدة التي بين إبراهيم وبين سليمان مدة طويلة، وأنه أجيب بأجوبة من أفضلها: أن بناء إبراهيم وبناء سليمان للمسجدين إنما هو تجديد، وليس البناء لأول مرة، بل كان بناؤهما قبل ذلك، وإبراهيم إنما هو مجدد للبناء، وسليمان إنما هو مجدد لبناء المسجد الأقصى. والحديث فيه: أن سليمان سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه، يعني: حكماً يوافق حكمه، أنه إذا اجتهد في مسألة من المسائل يوافق اجتهاده حكم الله عز وجل، وقد أوتي ذلك. ومن الأفراد الدالة على هذا المعنى العام ما جاء في سورة الأنبياء: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79]، يعني: كلاً من داود وسليمان، ففيه تفهيمه للحكم وإصابته في اجتهاده، وهو من أفراد ما يدل عليه هذا الحديث أنه سأل الله حكماً يصادف حكمه، وسأل الله عز وجل أن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وقد حصل ذلك، فإنه حصل له ملك ما يحصل لأحد من بعده، ولا ينبغي لأحد من بعده، وقد جاء في القرآن وجاء في السنة النصوص الواضحة الجلية في تمكين الله عز وجل له، وتسخير الطير، وتسخير الجن والإنس، وتسخير الحيوانات لتنفيذ ما يريده، كما جاء ذلك مبيناً في القرآن، ومن المعلوم أن قصة إحضار عرش بلقيس من اليمن، وكان ذلك في وقت يسير، كما جاء مبيناً في سورة النمل، هذا الذي حصل له ما حصل لأحد من بعده، حتى في هذا العصر الذي حصلت فيه هذه الحضارة المادية، وحصل فيه ما حصل، فالذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام هو فوق هذه الأشياء التي حصلت في هذا الزمان، فأعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، حيث سخرت له الطير، وسخرت له الريح، وسخرت له الجن والإنس، وكما جاء في القرآن الشياطين منهم البناء ومنهم الغواص، فمنهم الذي يبني البنيان، ومنهم الذي يغوص في البحار؛ كل ذلك تسخيراً لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام.
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو في فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه
    قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].وهو النسائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه النسائي وحده، وهو نسائي؛ من بلد النسائي.[ حدثنا أبو مسهر ].وهو عبد الأعلى بن مسهر، يعني: كنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وهذا من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن من لا يعرف أن كنيته توافق اسم أبيه، وكان يعرفه مشهوراً بنسبه، فإذا سمع عبد الأعلى بن مسهر، وهذا مشهور عنده، ثم رآه مرة أخرى: عبد الأعلى أبا مسهر، يظن أن (أبا) تصحيف من (ابن)، وهو ليس بتصحيف، بل هو صواب؛ لأنه أبو مسهر وهو ابن مسهر، فإذا قال: أبو مسهر فهو صواب، والكل صواب؛ لأنه هو أبو مسهر وهو ابن مسهر؛ لأن كنيته توافق اسم أبيه، وعبد الأعلى بن مسهر هذا ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا سعيد بن عبد العزيز ].وهو سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، وذاك دمشقي أيضاً الذي هو عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي هو أيضاً ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ربيعة بن يزيد ].وهو الدمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي إدريس الخولاني].واسمه عائذ الله بن عبد الله، وهو ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن كبار الصحابة، وقال عنه سعيد بن عبد العزيز التنوخي الذي جاء في الإسناد: عالم الشام بعد أبي الدرداء ، مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن الديلمي ].هو عبد الله بن فيروز، وهو ثقة من كبار التابعين، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ عن عبد الله بن عمرو ].وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين مر ذكرهم قريباً عند ذكر عبد الله بن عمرو، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه

    شرح حديث: (صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)
    [ فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر مولى الجهنيين، وكانا من أصحاب أبي هريرة : أنهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ( صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد، قال أبو سلمة وأبو عبد الله : لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعنا أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث، حتى إذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك، وتلاومنا أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك، حتى نسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان سمعه منه، فبينا نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكرنا ذلك الحديث والذي فرطنا فيه من نص أبي هريرة، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم : أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آخر الأنبياء، وإنه آخر المساجد ) ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر، وكانا من أصحاب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: (صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد)، يعني: هذا اللفظ الذي ساقاه يشعر بأنه من كلام أبي هريرة وأنه لفظ أبي هريرة؛ لأنه قال: (فإنه آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد)، فهذا يشعر بأن اللفظ هو لفظ أبي هريرة وليس لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول أبو سلمة وأبو عبد الله الأغر: إننا لم نشك أن أبا هريرة يقول من حديث رسول الله، لكنهم ما ضبطوا النص، فمضت الأيام دون أن يستثبتوا من أبي هريرة، وأن يسألوه حتى يتثبتوا من كون أبي هريرة صرح بأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن هذا لو لم يصرح فيه أبو هريرة بأنه مضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لكان له حكم الرفع؛ لأن هذا من الأمور التي ليس للرأي فيها مجال، فله حكم الرفع، وهم قالوا: لم نشك أن أبا هريرة كان يقول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يستثبتوا، ومضت الأيام دون أن يستثبتوا.فلما مات أبو هريرة تلاوموا فيما بينهم كيف أنهم لم يستثبتوا من أبي هريرة، ثم جالسوا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكروا ما حصل لهما من عدم استثباتهما، ومن تفريطهما في عدم سؤال أبي هريرة للتثبت، فقال: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد )، يعني: الآن الضمير يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الكلام هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد )، ولفظ أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر : فإنه آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد، معناه أنه من كلام أبي هريرة، لكن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ يقول: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد )، يعني: فالذي فات أبا سلمة وأبا عبد الله الأغر أدركاه بواسطة عبد الله بن قارظ، حيث روى لهما، وحيث شهد بأنه سمع من أبي هريرة أنه يصرح بإضافة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ذكر الحديث بالضمائر، حيث قال: ( فإني آخر الأنبياء، وإنه آخر المساجد )، يعني: مسجده عليه الصلاة والسلام.والأحاد ث جاءت بالتنصيص على تفضيل الصلاة في مسجده، وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، في أحاديث أخرى صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً حديث أبي هريرة هذا ثابت من جهة أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ سمع من أبي هريرة إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإضافته الحديث إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دال على ما ترجم له المصنف من جهة إثبات فضل هذا المسجد وفضل الصلاة فيه، وأن الصلاة الواحدة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد، والإطلاق الذي فيه يشمل الفرض والنفل، فالفريضة بألف فريضة، والنافلة بألف نافلة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)
    قوله: [ أخبرنا كثير بن عبيد ].وهو الحمصي , وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ حدثنا محمد بن حرب].وهو أيضاً الحمصي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة, ثبت، وهو من كبار أصحاب الزهري .[ عن الزهري ].وقد تقدم ذكره قريباً، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، يعني: يأتي مرة منسوباً إلى جده زهرة كما هنا، ويأتي منسوباً إلى جده شهاب كما مر.[ عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر ].أبو سلمة هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع كما مر قريباً في سالم بن عبد الله بن عمر؛ لأننا ذكرنا أن السابع قيل: هو سالم، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .وأبو عبد الله الأغر . اسمه سلمان أبو عبد الله الأغر، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة.[عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أو إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ].يعني: جاء هكذا وهكذا، وقال ابن حجر : وهم من ظن أنهما اثنان، بل هو واحد يقال فيه: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويقال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وهو صدوق, خرج له البخاري في الأدب المفرد , ومسلم ,وأبو داود , والترمذي , والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه .[ عن أبي هريرة] .وأبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً , الذين عرفوا بكثرة الحديث، وهم الذين ذكرتُ أن السيوطي قال فيهم:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
    الأسئلة

    المقصود بقول النبي: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)
    السؤال: ما معنى الحديث الصحيح: ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )، وفيم تكون الرؤيا له صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟الجواب: الحديث: ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )، قيل في معناه: أن هذا قاله لمن كان موجوداً في زمانه ولم يكن رآه، فإنه من رآه في المنام فسيراه في اليقظة، فيطابق بين ما رآه في اليقظة وبين ما رآه في المنام، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتشبه الشيطان به على هيئته التي هو عليها، فمن رآه على الهيئة التي هو عليها فإنما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل في معناه: أن هذا محمول على ما كان في زمانه، وقيل: إنه محمول على أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة، يعني: في الدار الآخرة، وأنه يكون هذا الذي رآه، يعني: في اليقظة، مطابقاً لهذا الذي رآه في منامه، هذا هو المقصود منه, وهذا إذا كان الذي رآه مطابقاً للهيئة التي هي معروفة عن أصحابه، والتي ذكرها أصحابه، أما إذا رآه على هيئة غير الهيئة التي وصفها أصحابه فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في شمائل الترمذي : أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال له رجل من التابعين: إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: صف لنا هذا الرجل الذي رأيت، فوصفه، فلما وصفه، قال: لو كنت رأيته كما رأيناه ما زدت على هذا الوصف شيئاً، معناه: أن هذا الذي رآه مطابق للذي يعرفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن رآه في المنام على الهيئة التي وصفها أصحابه فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الشيطان لا يتمثل به، ولكن من رآه على هيئة أخرى ليست هي هيئة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يعرفها أصحابه، بأن رأى رجلاً قزماً صغيراً فهذا ليس رسول الله؛ لأن الرسول متوسط، ومن رآه عملاقاً فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول متوسط؛ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، فهذا هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا رأى أحد رسول الله ما عليه لحية فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب لحية، وكان كث اللحية عليه الصلاة والسلام.الحاصل: أن من رآه على هيئته التي يعرفها أصحابه فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رآه على هيئة أخرى فليس هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.
    حكم صلاة من صلى مستقبلاً الحجر ومستدبراً الكعبة
    السؤال: صلى رجل في الحجر واتجه إلى جهة الشمال وظهره إلى الكعبة، بحجة أن الحجر من البيت فهل فعله صحيح؟الجواب: على كلٍ ما كان ينبغي له هذا، ولو كان من البيت، يعني: عليه أن يستقبل البناء الأكثر الموجود. وعلى كل: الصلاة صحيحة، ما دام أنه في ذات الكعبة، مثلما لو صلى في الكعبة، وهو مستقبل الباب، ولكن لا ينبغي هذا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #130
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (127)

    - (تابع باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه) إلى (باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه)

    بيّن الشرع الحكيم فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وأنه المسجد الذي أسس على التقوى، وبيّن فضل مسجد قباء والصلاة فيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً أو ماشياً، وجعل الصلاة فيه تعادل عمرة، وهو المسجد الذي أسس على التقوى على رأي بعض العلماء.
    تابع فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه

    شرح حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) ].هذه الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله هي: فضل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وقد أورد فيه الحديث المتقدم، حديث أبي هريرة، وهو يدل على فضله عموماً، أي: أن كل ما يطلق عليه المسجد، فإن التضعيف يحصل فيه، كما عرفنا ذلك سابقاً، ثم بعد ذلك أورد بعض الأحاديث التي تتعلق بشيء خاص منه، لا تتعلق به عموماً، ولكن تتعلق بجزء منه، أو بشيء خاص منه، وهو الروضة الواقعة بين المنبر وبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي آل الأمر بعد ذلك إلى أن يكون فيه قبره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا أورد هذا الحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).والمراد ببيته: هو حجرة عائشة التي هي محاذية للمنبر؛ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بيوته عليه الصلاة والسلام -التي هي حجر زوجاته رضي الله تعالى عنهن- متجاورة، ولكن حجرة عائشة هي التي محاذية للمنبر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، والحديث جاء بهذا اللفظ، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين منبري وبيت عائشة )، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )، لكن هذا لم يثبت، وما جاء لعله روي بالمعنى؛ لأن الحجرة التي هي بيته -وهي حجرة عائشة رضي الله عنها- قبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل ذلك لو ثبت يكون مروياً بالمعنى، مع أنه لم يثبت، وإنما الذي ثبت: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (روضة من رياض الجنة)، العلماء منهم من قال: إن هذا على حقيقته، وإن هذا أو هذه البقعة -التي هي الروضة- تؤول إلى الجنة، أو أنها من الجنة، ومنهم من قال غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، يدل على فضل هذه البقعة، وعلى تميزها على غيرها من المسجد، وهذا إنما يكون في النوافل دون الفرائض، أما الفرائض فإن الصفوف التي أمامها، والتي هي قبلها بعدما زيد المسجد في عهد عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، من الجهة القبلية، والصفوف الأُول التي أمامها، صلاة الفريضة فيها أفضل من صلاتها بالروضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها )، فهذا يدل على تفضيل الصف الأول مطلقاً، أو الصفوف الأول التي أمامها، والتي هي متقدمة عليها إلى جهة القبلة هي أفضل منها، بل إن ميامن الصفوف أفضل من مياسر الصفوف، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم بيان فضل ميامن الصفوف، وميامن الصف: التي هي محاذية للروضة وليست في الروضة، يعني: غربي المنبر، أفضل في صلاة الفريضة من الصلاة في الروضة؛ لأن الروضة تقع في مياسر الصف، وما كان على اليمين، فإنه يقع في ميامن الصف، وكانت ميامن الصف التي هي غربي المنبر موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأحاديث الدالة على ذلك، فدل على أن ما كان أمام الروضة أفضل منها، وكذلك ميامن الصفوف التي هي محاذية للروضة، تكون أفضل منها، وهذا إنما هو في الفريضة.أما بالنسبة للنافلة، فإن هذه البقعة يشملها عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، يشملها ويشمل غيرها، لكن هذا الحديث يدل على خصوصيتها، وأنها روضة من رياض الجنة، وأن هذا وصف أُطلق على هذه البقعة الواقعة بين البيت والمنبر، فيكون لها ميزة، ويكون لها فضيلة على غيرها من المسجد، ولكن هذا إنما يكون في النوافل، وليس في الفرائض كما ذكرت، وإنما الفرائض الصفوف الأول، وما كان من ميامن الصفوف غرب الروضة فصلاة الفريضة في ذلك أفضل، وأما بالنسبة للنافلة: فلكونها متميزة على غيرها بهذه الميزة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، يدل على أن النافلة فيها أفضل من النافلة في سائر المسجد، ولكن إذا كان الإنسان عندما يصلي في تلك البقعة -التي هي الروضة- لا يؤذي أحداً؛ لأنه إذا كان الوصول إليها لا يترتب إلا بالأذى، وبإلحاق الضرر بالناس، فإن الصلاة فيها مستحبة، وإلحاق الأذى والضرر بالناس حرام، والإنسان لا يجوز له أن يُقدم على أمر مستحب يرتكب في سبيل الوصول إليه إثماً، أو يحصل إثماً، أو يلحق ضرراً بالغير، فإن ذلك لا يسوغ للإنسان إذا كان سيترتب عليه مضرة إيذاء أحد من الناس، وهذا مثل تقبيل الحجر الأسود، هو مستحب، لكن إذا كان الوصول إليه لا يتأتى إلا بإيذاء أحد من الناس، فإنه لا يجوز للإنسان أن يرتكب الأمر المحرم ليصل إلى أمر مستحب، بل يترك الأمر المستحب ما دام أنه لا يصل إليه، أو يعلم أنه لا يصل إليه إلا بارتكاب أمر محرم وهو إيذاء الناس، فصلاة النافلة في الروضة لا شك أن لها ميزة لهذا الحديث، ولكن حيث لا يلحق ضرراً بأحد، وحيث لا يترتب على صلاته فيها أو الذهاب إلى صلاته فيها إيذاء أحد من الناس في سبيل الوصول إلى هذه البقعة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والنسائي يكثر من الرواية عن هذا الشيخ الذي هو قتيبة، بل إن أول حديث أورده النسائي في سننه شيخه فيه هو قتيبة بن سعيد، وكثيراً ما يمر بنا ذكر شيخه: قتيبة بن سعيد، فإن النسائي رحمه الله مكثر من الرواية عنه. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، صاحب المذهب الذي هو أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وغير هؤلاء الأربعة كما هو معلوم من العلماء لهم اجتهادات، ولهم أقوال اجتهدوا فيها، ولهم منازل عالية، ومكانة رفيعة، ولكن هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بجمع أقوالهم وبترتيبها وتنظيمها ما لم يحصل لغيرهم، فمن أجل ذلك اشتهرت هذه المذاهب، ولا يعني أن غيرهم من الأئمة والعلماء ليسوا كذلك، وأنهم دونهم، أو يقلون عنهم، ليس الأمر كذلك، وإنما اشتهار هذه المذاهب لكونه حصل لها أصحاب عنوا بهذه المذاهب، وبجمع الأقوال فيها، وبترتيبها وتنظيمها والتأليف فيها، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة لذلك، وإلا فإن العلماء المجتهدين الآخرين لهم أقوال، وهي مبثوثة في الكتب، لا سيما الكتب التي تعنى بجمع أقوال فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإن الدارس لكتب الفقه التي تعنى بذكر الأقوال للفقهاء في مختلف العصور، وكذلك الرجوع إلى كتب التفسير، وكذلك الرجوع إلى كتب شروح الحديث، فإنهم يذكرون الأقوال المختلفة عن هؤلاء الأربعة وعن غيرهم، مثل سفيان الثوري، ومثل الأوزاعي، ومثل إسحاق بن راهويه، ومثل إبراهيم النخعي، وكذلك الليث بن سعد، وغيرهم من الفقهاء الذين اشتهروا بالأمصار في الأزمان المختلفة، وتشتمل مثل هذه الكتب التي أشرت إليها على أقوالهم وعلى آرائهم، لكن -كما ذكرت- هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بتدوين أقوالهم، والتأليف في مذاهبهم، فحصل اشتهار هذه المذاهب.
    الموقف من الأئمة بين الغلو والجفاء
    من المعلوم أن هؤلاء الأئمة الأربعة كغيرهم من الفقهاء المجتهدين, يصيبون ويخطئون، ولا يقال: إن الحق مع واحد بعينه، فإن هذا لا يقال في واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال في حق من جاء بعدهم؟! وإنما الذي يجب أن يعتقد في حق الجميع -هؤلاء الأئمة الأربعة، وغيرهم من العلماء المجتهدين- أنهم بذلوا وسعهم، وأنهم أتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب للوصول إلى الحق، وإلى معرفة الحق بدليله، وهم لا يعدمون أن يكونوا مأجورين، إما أجرين إذا كانوا مصيبين، وإما أجراً واحداً إذا كانوا مخطئين؛ كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر )، وهذا يدل على أن المصيب والمخطئ كلهم على أجر، وكلهم على خير، وكلهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، المجتهد المصيب له أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته، والمجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور، هذا هو الذي يجب أن يعتقد في الأئمة وفي غيرهم، ولا يجوز الغلو ولا الجفاء، فلا يغلو فيهم أو في أحد منهم بأن يقال: الحق مع فلان، وأن الدليل يكون مع فلان، وأنه لو كان في المسألة دليل لما خفي على فلان، لا يجوز أن يقال هذا؛ هذا غلو، وكذلك الجفاء لا يجوز، ليس للإنسان أن يجفو، وأن يتكلم في حق الأئمة الأربعة وغيرهم بكلام لا يليق، وإنما يحترمهم ويعظمهم ويستفيد من علمهم، ويرجع إلى كتبهم، لكن لا يكون التعويل على قول واحد منهم بعينه، وإنما يكون التعويل على ما يدل عليه الدليل؛ لأن هذا هو الذي أوصوا به، وهذا هو الذي رغبوا فيه وحثوا عليه رحمة الله عليهم، فـأبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد، كلٌ منهم جاء عنه أنه يقول: إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف ما جاء عنه، فإنه يترك ما جاء عنه، ويصار إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما ذاك إلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يجب تجريد المتابعة له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وما يأتي به وحي يوحيه الله عز وجل إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو الذي قوله لا يجوز لأحد أن يعدل عنه إذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].فلا يجوز الغلو ولا الجفاء، لا يقال: إن فلان عنده العلم المحيط بكل شيء، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يخفى عليه، وأنه مصيب دائماً، وأنه لا يخطئ، فهذا لا يجوز أن يقال في أحد، وكذلك أيضاً لا يقال: أن الأئمة الأربعة وغيرهم لا يرجع إلى أقوالهم، بل يرجع إلى أقوالهم، ويرجع إلى كتبهم، ويستفاد من علمهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الإنسان مع الأئمة الأربعة ومع غيرهم، يستعين بهم على الوصول إلى الحق، ويستفيد من علمهم ما يصل به إلى الحق. وضرب لذلك مثلاً فقال: إن هذا مثل النجم الذي يستدل به الإنسان إلى القبلة إذا كان في الفلاة، وإذا كان في مكان لا يعرف القبلة، فإنه يستدل على القبلة بالنجم، فإذا وصل إلى القبلة وصار عند الكعبة، لا يحتاج إلى أن ينظر في السماء، يبحث عن القبلة في النجوم؛ لأن القبلة أمامه، فكذلك العلماء رحمة الله عليهم يستعان بهم، ويستفاد منهم في الوصول إلى الدليل، والوصول إلى الحق، والوصول إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه عند ذلك لا يحتاج إلى أن يؤخذ بقول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي أوصى به الأئمة الأربعة، ومما قاله الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.الحاصل: أن الواجب على طلبة العلم وغيرهم بالنسبة للعلماء - الأئمة الأربعة وغيرهم - أن يحترموهم، ويوقروهم، ويثنوا عليهم، ويعظموهم، ويستفيدوا من علمهم، ويستفيدوا من كتبهم، لكن الحق وسط بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. هذه كلمة جميلة قالها الطحاوي رحمة الله عليه في العقيدة التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الأثر والخبر: الذين هم المحدثون، وأهل الفقه والنظر: الذين هم الفقهاء، لا يذكرون إلا بالجميل، وعلماء السلف لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، يعني: غير سبيل المؤمنين الذين يثنون على أهل العلم، ويستفيدون من أهل العلم، ويرجعون إلى كلام أهل العلم، هذه كلمة استطرادية عند ذكر الإمام مالك رحمة الله عليه، وبيان ما يجب أن يكون عليه طالب العلم نحو العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، وأن الإنسان يعظمهم ويستفيد منهم، وأن يحذر من الغلو ومن الجفاء، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الخطابي :ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميمُالذي هو الإفراط والتفريط؛ لأن الحق وسط بين الطرفين، الذي هو طرف الجفاء وطرف الغلو، طرف الإفراط وطرف التفريط، ولهذا الإنسان إذا رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في المسائل المختلفة في العقيدة، يجد أنهم متوسطون بين جفاة وغلاة، أو بين مُفَرطّين ومُفْرِطين، بين غالين وجافين، والإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد أفراد السلسلة التي قال عنها الإمام البخاري رحمه الله: إنها أصح الأسانيد، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر، فهو: إمام جليل محدث فقيه مشهور، انتشر علمه، واستفاد الناس من علمه على مختلف العصور.
    تابع تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
    قوله: [عن عبد الله بن أبي بكر].هو ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عباد بن تميم].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.يروي عن [عبد الله بن زيد بن عاصم المازني]، وهو عمه أخو أبيه لأمه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد الذي معنا في هذا الحديث وهو: قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد .. كل هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمار الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة ) ].أورد النسائي رحمه الله هنا حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة )، رواتب: جمع راتبة، والراتب: هو المنتصب المستقر على شيء، والمراد بذلك كما بينه الحديث الذي قبله هو: روضة من رياض الجنة، فقوائم منبره رواتب، يعني: منتصبة في هذه البقعة التي هي روضة من رياض الجنة، أو هذا المكان الذي هو روضة من رياض الجنة، والكلام فيه كالكلام في الحديث الذي قبله، وهو قوله: (روضة من رياض الجنة)، والله تعالى أعلم بمعناه، هل يكون أنه أصله من الجنة، أو أنه ينقل ويذهب به إلى الجنة بعد ذلك، أو غير ذلك؟ الله تعالى أعلم. ومن العلماء من قال: إن فيه تشبيه حذفت فيه الأداة، وهو الذي يسمونه التشبيه البليغ الذي يذكر فيه المشبه والمشبه به، وتحذف منه الأداة ووجه الشبه، يعني: أنه كروضة من رياض الجنة، من العلماء من قال هذا؛ وذلك لما يحصل فيه من الاشتغال بالعبادة، والتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمار الدهني].وهو عمار بن معاوية أبو معاوية الدهني، وهو صدوق، يتشيع، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد فقهاء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنه كما ذكرت سابقاً أن الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين يقال لهم: الفقهاء السبعة، عندما تأتي مسألة من المسائل في كتب الفقه، يقال: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، الفقهاء السبعة في عصر التابعين هم ستة متفق عليهم، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالستة المتفق عليهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: إن السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم من قال: إن السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف , ومنهم من قال: إن السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه ثلاثة أقوال في السابع من الفقهاء السبعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن الذي معنا في هذا الإسناد هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع من الفقهاء السبعة.وقد ذكرهم ابن القيم رحمه الله، وذكرهم العلماء في كتب مصطلح الحديث، يذكرونهم عندما يأتون بذكر التابعين، يذكرون منهم الفقهاء السبعة، عندما يأتي بحث التابعين، أو المبحث الخاص بالتابعين في علم المصطلح، يذكرون الفقهاء السبعة هؤلاء فيهم، وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ لأنه بدأه بالفقهاء من الصحابة ومن بعدهم في البلاد المختلفة، ولما جاء عند ذكر المدينة، في عصر التابعين، وذكر الفقهاء من التابعين، ذكر منهم الفقهاء السبعة، ولكنه ذكر أن السابع هو: أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر اشتمل البيت الثاني على ذكر السبعة، وهذان البيتان هما:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةهذا البيت الثاني يشمل هؤلاء السبعة، الاسم الأول، يقول: هم عبيد الله: وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة: هو عروة بن الزبير، وقاسم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد: هو سعيد بن المسيب، وسليمان: هو سليمان بن يسار، وخارجة: هو خارجة بن زيد بن ثابت .وحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عند أصحاب الكتب الستة.[عن أم سلمة ].وأم سلمة أم المؤمنين، وهي: هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها موجود في الكتب الستة.
    ذكر المسجد الذي أسس على التقوى

    شرح حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر المسجد الذي أسس على التقوى:أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو مسجدي هذا ) ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: المسجد الذي أسس على التقوى، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( أنه تمارى رجلان )، أي: تجادلا، فقال أحدهما: (إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، قال الثاني: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: هو مسجدي هذا)، فهذا الحديث يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في القرآن ذكر المسجد الذي أسس على التقوى عند ذكر مسجد الضرار، ومسجد الضرار الذي أسس هو قريب من مسجد قباء، ولهذا من العلماء من قال: المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ومنهم من قال: إنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إن كلاً من المسجدين يوصف بأنه أسس على التقوى، أو أنه مؤسس على التقوى، وممن ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة عليه فإنه قال: إن مسجد قباء هو أسس على التقوى، وكذلك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى، فما جاء في القرآن من قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، قال: إنه يراد به مسجد قباء، ويراد به مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل منهما أسس على التقوى، قال: ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم فيه، يعني: في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، وكان عليه الصلاة والسلام يذهب إليه كل سبت راكباً وماشياً كما جاء في بعض الأحاديث، وفي بعضها الإطلاق أنه كان يذهب إليه راكباً وماشياً كما في الحديث الذي سيأتي.فإذاً: الحديث يدل على أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس على التقوى، وهو صريح في ذلك، وكذلك ما جاء في ظاهر القرآن من أن مسجد قباء أسس على التقوى أيضاً كذلك، وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية : أن ذلك يطلق عليهما معاً، وأن كلاً منهما أسس على التقوى من أول يوم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، فيه امتثال للقرآن، أو بيان لما جاء في القرآن من أنه أحق أن يقوم فيه، وأنه كان يقوم في هذا وفي هذا، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد ذكر ابن تيمية رحمة الله عليه مما يشبه هذا: أن آية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، فإن السياق في حق أمهات المؤمنين، ثم إنه لما نزلت هذه الآية جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين، وجعل الكساء عليهم وقال: ( إن هؤلاء أهلي )، فإذاً: الآية تدل على أن أمهات المؤمنين هن من أهل البيت كما هو ظاهر القرآن، وكما أن السياق في حقهن، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هم داخلون ضمن أهل البيت الذين تشملهم الآية.فإذاً: ابن تيمية رحمه الله ذكر هذا الذي هو مسجد قباء مع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر هذه الآية التي هي آية التطهير، وأنها كما أنها تشمل أمهات المؤمنين -لأن السياق في حقهن- فكذلك أيضاً بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل أيضاً على أنها شاملة لـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع.
    تراجم رجال إسناد حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].مر ذكره في الإسنادين السابقين.[حدثنا الليث].وهو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر ومحدثها، وأحد الأئمة المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمران بن أبي أنس].وهو العامري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن ابن أبي سعيد].وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وأبوه مشهور بكنيته، واسمه: سعد بن مالك بن سنان الخدري وعبد الرحمن بن أبي سعيد ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].وهو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو: سعد بن مالك بن سنان، صحابي مشهور من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء سبعة من الصحابة أكثر من غيرهم حديثاً.
    فضل مسجد قباء والصلاة فيه

    شرح حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد قباء والصلاة فيه.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي قباء راكباً وماشياً ) ].أورد هنا النسائي فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وأورد فيه حديث: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى قباء راكباً وماشياً، يعني: أحياناً راكباً، وأحياناً ماشياً، وجاء في بعض الروايات: (أنه كان يذهب إليه كل سبت)، وقوله: كل سبت، يحتمل أن يكون المراد كل أسبوع, ويحتمل أن المراد يوم السبت، وهذا هو الذي أشار إليه ابن تيمية في كلامه الذي ذكرته آنفاً؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى مسجد قباء فيقوم به يوم السبت، ومن العلماء من يقول: إن المراد بذلك أسبوع، أنه يذهب إليه كل سبت، يعني: كل أسبوع، والأسبوع يطلق عليه سبت، ويطلق عليه جمعة، ولهذا جاء في الحديث في قصة خطبة استسقاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر يوم الجمعة؛ أنه لما دخل رجل وقال: ( هلكت الأموال... فادع الله أن يغيثنا، فسأل الله عز وجل، فنشأت سحابة وأمطرت قبل أن يذهبوا إلى منازلهم )، واستمرت أسبوعاً إلى يوم الجمعة الثانية، ولهذا جاء في الحديث: ( فما رأينا الشمس سبتاً )، يعني: أسبوعاً، فيحتمل أن يكون المراد بالسبت الذي جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه يوم السبت، ويحتمل أن يكون المراد به الأسبوع، وأنه يقال عن الأسبوع: سبت، كما يقال عنه: جمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً وماشياً، وهذا يدل على استحباب زيارته، واستحباب قصده لمن كان في المدينة، لكن لا يأتي الإنسان ويشد الرحل من بلد من أجل مسجد قباء؛ لأن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد، لكن من جاء إلى المدينة لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاء لغرض من الأغراض، ووصل إلى المدينة، فإنه يستحب له أن يذهب إلى مسجد قباء ويصلي فيه، وقد ثبتت مشروعية واستحباب الذهاب إليه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فعله، وهذا الحديث الذي معنا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وكان يذهب إليه راكباً أحياناً، وأحياناً يذهب إليه ماشياً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر، والأحاديث التي مرت اليوم كلها عن قتيبة، أربعة أحاديث مضت وشيخه فيها قتيبة بن سعيد، ولهذا كما قلت: هو مكثر من الرواية عن شيخه قتيبة .[عن مالك].وقد مر ذكره أيضاً في الحديث الأول من الأحاديث الأربعة هذا اليوم.[عن عبد الله بن دينار] .وهو عبد الله بن دينار المدني، مولى عبد الله بن عمر؛ ولهذا يقال له: العدوي ولاءً، يعني: نسبة إلى عبد الله بن عمر العدوي، من بني عدي، وهو- عبد الله بن دينار- ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فالمولى الذي حصلت له النعمة يُقال له: مولى من أسفل، والذي حصلت منه النعمة يقال له: مولى من أعلى، فكلمة: (مولى) من الأضداد، تطلق على السيد المنعِم، وعلى المنعَم عليه، يقال: هذا مولى، ويقال: هذا مولى، ولهذا كلمة: (مولى) تطلق على المولى من أعلى والمولى من أسفل، فـعبد الله بن عمر هو مولاه من أعلى، وعبد الله بن عمر هو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد رباعي، هو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات كما عند البخاري والترمذي وابن ماجه ، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، ومسلم ليس عنده ثلاثيات، وأعلى ما عنده الرباعيات، وأبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، والنسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أعلى ما عند النسائي من الأسانيد العالية ، والتي بين النسائي فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.
    شرح حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا مجمع بن يعقوب عن محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة ) ].أورد النسائي حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة )، يعني: ما يساوي عمرة أو يماثل عمرة، وهذا يدل على فضل هذا المسجد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكرنا مشروعية الذهاب إلى مسجد قباء، جاءت من فعله ومن قوله، فالحديث الأول من فعله، وهذا الحديث من قوله، بل هذا الحديث فيه الترغيب، وفيه بيان فضل الصلاة فيه، وأن من ذهب وصلى فيه صلاة، فإنه كعدل عمرة، وهنا الصلاة مطلقة، فسواء كان صلى فرضاً أو صلى نفلاً، فإنه يدخل تحت عموم هذا الحديث، وهو كما ذكرت يدل على فضل الصلاة في هذا المسجد الذي هو مسجد قباء.
    تراجم رجال إسناد حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهذا حديث خامس شيخه فيه قتيبة، فأحاديث اليوم كلها شيخه فيها قتيبة، وقد مر.[حدثنا مجمع بن يعقوب] .وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن محمد بن سليمان الكرماني] .وهو المدني القبائي، ونزل كرمان فنسب إليها، وهو مقبول، خرج له النسائي، وابن ماجه .[عن أبي أمامة].وهو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وهو مشهور بكنيته، واسمه أسعد، ويقال: سعد، وله رؤية، يعني: أنه ثبتت له رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا هو معدود في الصحابة من حيث الرؤية، وأنه من صغار الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، والذين لم يرووا عنه، ولم يسمعوا منه، فهو معدود في صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه سهل بن حنيف].رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    الأسئلة

    حكم شرب الماء في صلاة النافلة
    السؤال: ما حكم شرب الماء في النافلة، أي: في صلاة النافلة؟الجواب: الإنسان في صلاة النافلة عليه أن يعمل فيها مثلما يعمل في الفريضة، فلا يشرب الماء فيها، وإنما يقبل عليها كما يقبل على الفريضة، وليس له أن يشرب، وليس له أن يعمل الأعمال التي لا تسوغ في الصلاة، يعني: النفل مثل الفرض. مداخلة: يقول: أنه وجد أثراً عن عمر أنه فعل ذلك.الجواب: ما أدري عن صحته.
    من جامع زوجته ناسياً في صيام النفل
    السؤال: ما حكم من جامع ناسياً في صيام نفلٍ، هل يتم صيامه؟الجواب: لا أدري، لكن كما هو معلوم بالنسبة للنافلة ليس عليه شيء فيه، يعني: من حيث الكفارة.
    حكم قول: سيدنا محمد في صلاة الجنازة
    السؤال: هل يجوز أن نقول في صلاة الجنازة: اللهم صل على سيدنا محمد؟الجواب: تسييد الرسول صلى الله عليه وسلم، لا شك أنه سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن الألفاظ التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقتصر عليها، ولا يزاد فيها شيء، على الإنسان أن يحرص على أن يؤديه كما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام هو سيدنا، وسيد البشر، وسيد ولد آدم، بل هو سيد الأولين والآخرين كما جاء عنه في حديث الشفاعة، حيث قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )، ثم ذكر حديث الشفاعة، وأن الناس يجتمعون في صعيد واحد، ويموج بعضهم في بعض، ويبحثون عمن يشفع لهم إلى ربهم ليخلصهم مما هم فيه، فينتهي الأمر إلى أن كل واحد من الذين طلبت منهم الشفاعة قبله، يعتذر حتى ينتهي الأمر إليه، ويقول: أنا لها، فيشفع ويشفعه الله، ويأتي الله لفصل القضاء، ويحصل سؤدده وفضله على الجميع، وهو سيد الناس في الدنيا والآخرة، لكن قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )؛ لأنه ذلك اليوم الذي يظهر سؤدده على الناس، وأما في الدنيا ففيهم المتجبر، وفيهم المتكبر، وفيهم الكفار، لكن يوم القيامة يجتمع الخلق كلهم من آدم إلى الذين تقام عليهم الساعة، فيشفع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع )، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    حكم السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بُعد
    السؤال: ما وجه الإنكار على من يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم عن بعد؟ وما دليل وجوب التسليم أو السلام على النبي مواجهة القبلة أو القبر؟الجواب: معلوم أن الإنسان عندما يأتي إلى القبر ويريد أن يسلم على صاحبه فيأتي إلى جهة الأمام؛ يأتيه من جهة أمامه، وعبد الله بن عمر الذي جاء عنه من الصحابة: أنه إذا قدم من سفر يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأبيه، كان يقف من جهة الأمام، فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسلم على أبي بكر، ثم يسلم على أبيه عمر رضي الله تعالى عن الجميع، وأما السلام من بعد، فهذا ما فيه شيء يدل عليه، ثم أيضاً هو يخالف ما كان معروفاً عن الصحابة في حياته؛ لأنه ما كان الواحد منهم يسلم عليه من بعد، الرسول كان قبل أن يتوفاه الله وهو بين أصحابه أو يكون في حجرته، ما وجد واحداً يقف في طرف المسجد، أو أي مكان يستقبل الحجرة التي فيها الرسول، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الحجرة، في حياته ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان الواحد يأتي حتى يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ويقول: السلام عليك يا رسول الله، فكذلك بعد وفاته عندما يسلم الإنسان يقف مستقبلاً القبر، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسلام من بعد ما فيه شيء يدل عليه، ما كانوا يفعلون هذا معه في حياته، وكذلك ما كان معلوماً عنهم أنهم يفعلونه معه بعد وفاته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو محدث مبتدع.
    حكم الاحتباء يوم الجمعة
    السؤال: ما حكم الاحتباء يوم الجمعة؟الجواب: الاحتباء فيه احتمال، يعني: يكون الإنسان يحصل منه النعاس، ثم يحصل منه انتقاض الوضوء بالريح التي تخرج منه؛ لأنه غير متمكن، المحتبي غير متمكن من الجلوس، فيمكن أنه يحصل منه نعاس فيحصل منه انتقاض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء وذهب يتوضأ، فاتته الخطبة أو يفوته شيء من الصلاة، فكونه يؤدي إلى هذا الشيء، جاء النهي عنه.
    معنى قولهم: ورجاله رجال الصحيح
    السؤال: ما معنى قوله: ورجاله رجال الصحيح؟الجواب: المقصود برجاله رجال الصحيح، يعني: أن هؤلاء الرواة الذين جاءت الرواية عنهم في غير الصحيحين هم رجال الصحيح، يعني: إذا جاء الإسناد عند النسائي فيه قتيبة، وفيه مالك، وفيه.. كذا، رجاله رجال الصحيح؛ لأن هؤلاء هم من رجال الصحيح، يعني: خرج لهم صاحبا الصحيح، معناه: أن كل واحدٍ منهم هو من رجال الصحيح.
    الفرق بين الحديث المرسل والمنقطع وبين الأثر والخبر
    السؤال: ما هو الحديث المرسل والمنقطع؟ وما الفرق بين الأثر والخبر؟الجواب: المرسل عند المحدثين: هو الذي يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المرسل في اصطلاح المحدثين، هذا هو المشهور في تعريف المرسل: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهو من قبيل الضعيف، أو من قبيل المردود عند العلماء، المشهور من أقوال العلماء: أنه ليس بثابت، وإنما يكون من قبيل المردود إذا ما جاء إلا من هذا الطريق، لماذا؟ لأن المحذوف الذي بين التابعي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ثقة، وأن يكون ضعيف، فإذاً: احتمال الضعف موجود، يعني: ليس الإشكال أنه يكون ساقط صحابي، لو علم أنه ما سقط إلا الصحابي ما فيه إشكال؛ لأن الصحابة لا يؤثر جهالتهم؛ لأنهم عدول والجهالة فيهم لا تؤثر، يكفي أن يقال عن الواحد منهم: عن رجل صحب رسول الله وإن لم يعلم شخصه، لكن بالنسبة لغيرهم لا بد من معرفة شخصه وحاله، فيعتبر من قبيل المردود؛ لأنه يحتمل أن يكون الساقط صحابي، وأن يكون تابعي، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ذلك التابعي الساقط الذي روى عنه ذلك التابعي ثقة، أو أن يكون ضعيفاً، فمن أجل هذا الاحتمال صار من قبيل المردود، ومن قبيل غير الثابت، وأما عند الفقهاء -وهو يستعمل أيضاً عند المحدثين- فهو يراد به الانقطاع، إذا قال: أرسل، روى عمن لم يلقه، معناه: فيه انقطاع، فعند المحدثين المشهور: أن المنقطع ما كان فيه سقوط في أثناء الإسناد، سواء كان متفرق، أو الساقط واحد، يقال له: منقطع، هذا عند المحدثين، والمرسل هو: ما قال فيه التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند الفقهاء المرسل أعم، يشمل المرسل عند المحدثين، ويشمل المرسل في أثناء الإسناد الذي هو الانقطاع؛ لأنه أعم، وإذا قيل: أرسل فلان، وفلان يرسل أو كثير الإرسال، يعني: معناه أنه يروي عمن فوقه، يروي عمن لم يلقه، والرواية عمن لم يلقه تكون مرسلة؛ ليست متصلة. والفرق بين الأثر والخبر، قيل: إن الخبر والأثر بمعنى واحد، وقيل: إن الأثر هو ما انتهى إلى الصحابي أو إلى التابعي، يعني: ما انتهى إلى الصحابي والتابعي يقال له: أثر، وهذا هو الذي اشتهر، يعني: يقال: الأحاديث والآثار، عندما يقال: الأحاديث والآثار، يقصدون بالآثار المأثور عن الصحابة والتابعين، هذا يقال له: الآثار، ومنهم من يطلق الأثر كما يطلق الخبر، وأن ذلك يشمل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن غيره.
    مدى صحة قول: إن الدين الإسلامي من التراث
    السؤال: هل يصح القول: بأن الدين الإسلامي هو من التراث، وإن صحت هذه العبارة فما تعريف كلمة: تراث؟الجواب: الدين الإسلامي كما هو معلوم هو الدين الذي جاء به نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه كتاباً وسنة، هذا هو الدين، لكن يطلق على كتب الحديث التي هي أحد نوعي الوحي، الوحي الذي هو غير متلو، يطلق عليها كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا الأسلاف، والتي ورثناها عنهم، يعني: هذا هو المقصود منها، لكن لا يقال عن الدين: إنه تراث، وإنما يقال: عن كتب السنة هي كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا أصحابها الذين ألفوها فيطلق عليها التراث، وهي خير ميراث، ومن المعلوم أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ميراثه، والعلماء ورثة الأنبياء، و(العلماء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، فإذا قصد بالتراث ميراث النبوة، فميراث النبوة هو الكتاب والسنة، هذا الذي ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي هو ميراث عام مشاع؛ ذلك أن الأنبياء إنما جاءوا لهداية البشر، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولهذا ما جاءوا به ميراثهم لا يختص به أقرباءهم، إنما هو للناس كلهم، مشاع مشترك.
    فوات دعاء الاستفتاح للمسبوق في الصلاة
    السؤال: إذا أدرك المصلي الصلاة بعد التكبير للركوع في ركعة من الركعات، ثم قام للركعة الثانية، فهل يلزمه دعاء الاستفتاح؟الجوا ب: لا، لا يلزمه دعاء الاستفتاح؛ لأن دعاء الاستفتاح سنة فات محلها.
    معنى وصف الراوي بالتشيع
    السؤال: ذكرتم في عمار الدهني: أنه يتشيع، فما المقصود بهذا التشيع؟الجواب: ما أذكر، لكن المعروف عن التشيع هو التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر، يعني: مثلما قال الذهبي في أول كتابه الميزان: أن الجماعة الذين يوصفون بوصف التشيع، أنه ليس المراد بهم الغلاة، وليس المراد بهم الذين يسبون أبا بكر وعمر، فهؤلاء لا يروى عنهم ولا كرامة، فالتشيع معناه: أنهم عندهم ميل إلى أهل البيت، لكن لا يعني ذلك أنهم يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسبون أبا بكر وعمر .
    شواهد في ثبوت أجر العمرة لمن صلى في مسجد قباء
    السؤال: هل لـمحمد بن سليمان الكرماني متابع من حيث ثبوت أجر العمرة لا العمل وحده؟الجواب: الحديث جاء بألفاظ مختلفة، ما أذكر الآن.. يعني: أذكر أن من طرقه: ( من تطهر في بيته ثم ذهب إلى قباء لا يخرجه إلا الصلاة، ثم صلى فيه صلاة كان كعدل عمرة )، فأنا ما أذكر الآن، لكن الحديث ثابت، واستدل به العلماء على فضل الصلاة في مسجد قباء.والمقبول المقصود به عند ابن حجر : أنه الذي يحتاج إلى متابع، ومن المعلوم أن هذه كلمة ابن حجر، أيضاً؛ الحكم هذا هو حكم ابن حجر، لكن على رأي ابن حجر يحتاج إلى متابع.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #131
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (128)


    - (باب ما تشد الرحال إليه من المساجد) إلى (باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً)

    إن أفضل البقاع إلى الله هي المساجد، وأفضلها المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والنبوي وبيت المقدس، فلا تشد الرحال إلا إليها، وأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليها بقصد التبرك بها أو اعتقاد فضلها، وأما إن كان شد الرحال من أجل زيارة أخ ونحو ذلك فلا بأس.
    ما تشد الرحال إليه من المساجد

    شرح حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ما تشد الرحال إليه من المساجد.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) ].يقول النسائي رحمه الله: (ما تشد إليه الرحال من المساجد).الترجمة معقودة لبيان المساجد التي يشرع شد الرحال إليها، والتي للمسلم أن يسافر من أجلها، وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى )، وهذا الحديث واضح الدلالة على الترجمة؛ لأن الحديث دل على أن السفر، وشد الرحل للوصول إلى بقعة، أو الوصول إلى أرض من أجل فضلها، ومن أجل ميزتها إنما يكون لهذه المساجد الثلاثة.وعلى هذا فإن السفر للوصول إلى أرض من أجل التقرب إلى الله عز وجل فيها لذاتها إنما يكون لهذه الأماكن الثلاثة، فلا تشد الرحال إلى مقابر في مكان معين من الأرض، ولا تشد الرحال للوصول إلى بقعة من أجل فضلها، ومن أجل قداستها وميزتها، فإن ذلك لا يكون إلا لهذه المواضع الثلاثة، أو لهذه المساجد الثلاثة التي بينها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.أما إذا كان السفر ليس من أجل فضل الأرض، ولا من أجل ميزة الأرض، ولا من أجل التقرب إلى الله عز وجل في أرض معينة، وإنما يكون السفر المقصود منه زيارة أخ، أو كذلك طلب علم، أو ما إلى ذلك فإن السفر مطلوب ولا مانع منه، وإنما المنع في قصد بقعة من الأرض لذاتها، فإن هذا لا يكون إلا لهذه المساجد الثلاثة التي هي: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، فهي التي تشد إليها الرحال، والحديث دال على فضل هذه المساجد الثلاثة، وعلى ميزتها، ودال على أنه لا تشد الرحال إلا إليها.وقوله: (لا تشد الرحال)، الرحال: جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير، ويركب عليه الراكب، وهو للبعير بمنزلة السرج للفرس؛ لأن الذي يوضع على الفرس ليركب عليه الراكب يقال له: سرج، والذي يوضع على البعير ليركب عليه الراكب يقال له: رحل، والرحل له أعواد، وقد جاء في سترة المصلي أنها تكون مثل مؤخرة الرحل، وهي: العود الذي يكون في الرحل؛ ليستند عليه الراكب، فهذا هو مؤخرة الرحل التي جاء ذكرها في سترة المصلي، فهو شيء بارز وشيء بيّن يصلي إليه المصلي، وقد مثل به النبي صلى الله عليه وسلم للسترة، وأنها مثل مؤخرة الرحل.
    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...)
    قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].سبق أن عرفنا فيما مضى أن محمد بن منصور من شيوخ النسائي، وله شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور، وكل منهما روى عن سفيان بن عيينة، ولكن هناك شيء يستدل به على تعيين أحدهما، وتمييزه عن الآخر إذا جاء غير منسوب، وكذلك فيما إذا كان سفيان غير منسوب.ومحمد بن منصور أحدهما المكي، والآخر طوسي، فـمحمد بن منصور الجواز هذا مكي، ومحمد بن منصور الطوسي هذا طوسي، فنسبة كل منهما مختلفة من حيث البلد، ومن المعلوم أنه إذا جاء الإبهام فإنه يحمل على من يكون له بالشيخ صلة، وعلى من يكون له به علاقة، أو يكون من أهل بلده، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة مكي، ومحمد بن منصور مكي، فيحمل على أنه محمد بن منصور الجواز المكي ؛ لأن هذا هو الأقرب في أن يكون هو المراد، وأن يكون هو مقصود النسائي في قوله: محمد بن منصور الذي أهمله، ولم ينسبه النسبة التي يتميز بها عن الآخر.فإذاً: يحمل على أنه المكي؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، ومما يوضح أن سفيان هو سفيان بن عيينة أيضاً، كونه يروي عن الزهري، وسفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وهو قريب منه في البلد؛ لأن الزهري في المدينة، وسفيان بن عيينة في مكة، فيحمل على أنه سفيان بن عيينة، وسبق أن عرفنا فيما مضى أن الثوري قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وهنا الرواية عن الزهري مباشرة، فهو سفيان بن عيينة، ومحمد بن منصور الجواز ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.وأما سفيان بن عيينة فهو محدث مشهور، ثقة، حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، أحياناً يأتي بلفظ الزهري، وأحياناً يأتي بلفظ ابن شهاب ويراد به محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يعني: شهاب جد جده، يعني: جد جد محمد بن مسلم.والزهري إمام جليل، ومحدث فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد ].وهو ابن المسيب، وسعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي هريرة ].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو عبد الرحمن بن صخر على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو صحابي جليل مشهور، أكثر الصحابة حديثاً، والمكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، وأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    اتخاذ البيع مساجد

    شرح حديث طلق بن علي في اتخاذ البيع مساجد
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ اتخاذ البيع مساجد.أخبرنا هناد بن السري عن ملازم حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي رضي الله عنه أنه قال: ( خرجنا وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا فقال: اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً، قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيباً، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيء، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي باب اتخاذ البِيَع مساجد، والبيع هي معابد أهل الكتاب، معابد اليهود أو النصارى يقال لها: بيعة، فهي محل العبادة التي يتعبدون بها.وقد أورد النسائي حديث طلق بن علي اليمامي رضي الله تعالى عنه، قال: ( قدمنا وفداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا معه، وقلنا له: إن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل وضوئه، فأمر بماء يتوضأ به، فتوضأ، ثم وضع فضل وضوئه في إداوة وأعطاهم إياها، وقال: اخرجوا، يعني: اذهبوا إلى بلدكم، وإذا وصلتم فاكسروا البيعة التي لكم، وانضحوا على مكانها من هذا الماء، وصلوا فيها، قالوا: يا رسول الله! إن المسافة بعيدة، والحر شديد، والماء ينشف، يعني: يتلاشى ويضمحل ويتبخر وينتهي، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً) )، يعني: أن هذا الماء الذي يضاف إلى هذا الماء الذي هو فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم لا يزيد هذا الماء الجديد المضاف إليه إلا طيباً، يعني: أن البركة التي في هذا الماء الذي توضأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم تسري وتمتد إلى ذلك الماء المضاف إليه حتى لا ينشف، وحتى لا يتلاشى ويضمحل مع طول الوقت، ومع طول المسافة، ومع شدة الحر، فلما وصلوا فعلوا ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكسروا البيعة، ونضحوا أرضها بالماء، واتخذوها مسجداً، أي: اتخذوا ذلك المكان -الذي هو مكان البيعة- مسجداً، وكان فيها راهب، فلما أذنوا فيها، وسمع ذلك الراهب صوت الأذان، - وكان من طيء - قال: دعوة حق، ثم إنه خرج واستقبل تلعة من تلاعهم فلم يروه بعد ذلك، والتلعة هي مجرى الوادي، أو التي تكون بين جبلين، فهذا يقال له: تلعة.والحديث مطابق لما ترجم له النسائي من اتخاذ البيع مساجد، حيث أن تلك البقعة التي كانت متعبداً لأهل الكتاب أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذها مسجداً، فبعدما كان يتعبد الله فيها على باطل، وعلى ضلال -كما هو معلوم من شأن النصارى؛ فإنهم يعبدون الله على جهل وضلال- صار يتعبد فيها المسلمون على حق وهدى، وعلى طريقة سليمة، وعلى هدى مستقيم؛ اتباعاً لما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث واضح الدلالة على الصلاة في المكان الذي كان بيعة ومتعبداً لأهل الكتاب، وأن كونهم تعبدوا فيه لا يؤثر ولا ضير فيه؛ لأن تعبدهم وإن كان بباطل إلا أنه خلفهم من يعبد الله عز وجل عليه بحق.وأما نضحه بالماء فذلك للبركة، وليس لكون الأرض نجسة.
    تبرك الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم
    ثم إن طلبهم منه أن يعطيهم فضل وضوئه هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ أنهم كانوا يحرصون على فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام، وعلى ما يسقط من جسده الشريف من شعر، وما يخرج منه من بصاق ومخاط وعرق، فكانوا يتنافسون عليه، وكانوا يحرصون عليه، وكانوا يتسابقون إليه، وكان يعطيهم ذلك، ويمكنهم من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دليل على التبرك بما حصل من جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو تبرك أصحابه الذين ظفروا بهذا منه، والذين شرفهم الله بصحبته والنظر إليه، والتمكن من أخذ شيء من شعره، ومن بصاقه، ومن عرقه، ومن فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم، وتبركهم بذلك هو دليل دال على هذا، ولكن لا يقال: إن هذا دليل على جواز التبرك بالصالحين؛ وأنه يتبرك بالصالحين، أخذاً بهذا الحديث، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا تبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم، وغيره لا يقاس عليه، والدليل على هذا أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم الذين كانوا يتبركون بفضل وضوئه، وغير ذلك مما مس جسده صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا هذا مع أحد بعده عليه الصلاة والسلام، ولم يفعلوا هذا مع أحد غيره عليه الصلاة والسلام، وخير الصحابة، وخير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومع ذلك ما فعل الصحابة، وما فعل التابعون الذين أدركوهم معهم مثلما كان الصحابة يفعلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أنه من خصائصه، وأنه لا يصح أن يقال: إن هذا دليل على جواز التبرك بالصالحين، وأن من كان معروفاً بالصلاح فإنه يتبرك بفضل وضوئه، أو يتبرك بعرقه، أو يتبرك ببصاقه، أو مخاطه، أو ما إلى ذلك، فهذا لا يقال إلا في حق الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن هذا هو الذي حصل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يحصل منهم مع أحد غيره.وقد ذكر هذا الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام، وقال: إن الصحابة أجمعوا واتفقوا على فعل هذا معه، ولم يفعلوه مع غير خير الخلق، ولم يفعلوه مع أهل الفضل؛ الذين هم: أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، فدل إعراضهم وعدم فعلهم مثل ذلك مع غيره صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يفعل مع أحد غيره كما كان يفعل معه صلى الله عليه وسلم، بل إن هذا يكون من خصائصه، ولهذا بعض الشراح وبعض المؤلفين عندما يأتي مثل هذا الحديث الذي فيه التبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم يطلق ويقول: إن هذا فيه دليل على التبرك بالصالحين؛ لأن أهل الصلاح أو من كان في مقدمة أهل الصلاح؛ وهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الذين هم مقدمة أهل الصلاح على الإطلاق ما فعلوا هذا مع خيرهم ومع أفضلهم أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عن الجميع، فدل هذا على فعل الصحابة ذلك مع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو من خصائصه، وأنه لا يتعداه إلى غيره، وأنه لا يفعل مع أحد غيره صلى الله عليه وسلم، بل يعتبر هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.والحديث عن طلق بن علي رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا).وعندما يذكرون ترجمة طلق بن علي يقولون: له وفادة، يعني: له وفادة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث يدل على وفادته؛ لأنه يقول: (خرجنا وفداً)، يعني: من بني حنيفة من اليمامة على الرسول صلى الله عليه وسلم، (فبايعناه، وصلينا معه)، بايعوه على الإسلام وصلوا معه عليه الصلاة والسلام، يعني: مدة من الزمان، وأخبروه بالذي في بلدهم من البيعة التي كان يتعبد بها أهل الكتاب، وأخبرهم ماذا يصنعون فيها، وأنهم يصلون في موضعها، وأنهم يتخذون ذلك الموضع مسجداً، وأن ذلك لا يؤثر.قوله: (فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة).هذا الفضل يحتمل أن يكون الذي تساقط من جسده وضع في طست، ثم صب في إداوة، ويحتمل أن يكون الذي بقي في الإناء بعد وضوئه؛ لأن يده الشريفة مسته، حيث غمسها فيه، فلامست يده الشريفة هذا الماء، فصار فيه بركة؛ لحصول ملامسة الرسول صلى الله عليه وسلم له، فلما أعطاهم إياها ليذهبوا بها إلى بلدهم قال: (انضحوا عليها من هذه الإداوة)، قالوا: إن المسافة بعيدة، والحر شديد، والماء ينتهي، فقال: (مدوه)، يعني: أضيفوا إليه ماء، يعني: من المدد، يضاف إليه ماء حتى لا ينتهي ذلك الماء، (فإنه) أي: الذي في الإداوة والذي هو فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام لا يزيد ذلك الماء الجديد المضاف الذي ألحق به أخيراً، لا يزيده إلا طيباً، يعني: أن ذلك الطيب وتلك البركة التي في ذلك الماء الذي مسه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أضيف إليه ماء فإنها تسري عليه وتشمله، وليس الماء الجديد إذا أضيف إلى ماء هو فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له هذا الفضل، ولا يحصل له هذه البركة، بل قال عليه الصلاة والسلام: (فإن ذلك لا يزيده إلا طيباً).
    أمر النبي بنضح مكان البيعة بفضل وضوئه واتخاذه مسجداً
    قال: (وأمرنا فقال: اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً).وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث الطويل هذا، قال: (واتخذوها مسجداً)، ثم إن الصلاة في البيع -وهي معابد النصارى أو اليهود- العلماء اختلفوا في الصلاة فيها -يعني: في أماكن عبادتهم- فمنهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من فصل: إذا كان فيها تصاوير فإنه لا يصلى فيها، وإذا كان ليس فيها تصاوير فإنه يصلى فيها، وقد ذكر الأقوال ابن القيم رحمه الله، في كتاب أحكام أهل الذمة، وهو كتاب نفيس، فهو مرجع عظيم فيما يتعلق بأحكام الكفار، ومعاملة الكفار، والتعامل مع الكفار، فهو من أحسن المراجع التي يرجع إليها، وقد بين فيه كثيراً من الأحكام المتعلقة بالكفار، والتعامل مع الكفار، ومن ذلك أنه ذكر ما يتعلق بالصلاة في البيع والكنائس، وذكر أقوال العلماء الثلاثة، وأن منهم كرهها مطلقاً، ومنهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من فصل فيما إذا كان فيها تصاوير فإنه لا يصلى فيها، وإذا لم يكن فيها صور فإنه يصلى فيها، وذكر وجهات العلماء في هذه الأقوال المختلفة.والحاص أن ذلك الكتاب نفيس، وطالب العلم يحتاج إليه في الرجوع إلى ما يتعلق بالكفار، وأحكام الكفار، والتعامل مع الكفار.قال: ( قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: مدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيء، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد ).قوله: (دعوة حق)، هذا لا يعني أنه دخل في الإسلام، وأنه أسلم، ومن المعلوم أن اليهود والنصارى يعلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى باعثه، وأنه يبعث رسول، وقد جاء ذكره في كتبهم، بل جاء ذكر الصحابة في كتبهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كما جاء في آخر سورة الفتح: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ [الفتح:29]، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وذكر أصحابه في الكتب السابقة، فهم يعلمون ذلك، وما كانوا يجهلون، ولكن الحسد والحقد هو الذي دفعهم إلى أن يعارضوه، أو لا يدخلوا في دينه، وأن يقول من قال منهم: إنه رسول إلى العرب خاصة، وليس رسولاً إليهم، وأن اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى، والعرب أتباع محمد، فكل هذا من الحسد، ومن الحقد الذي حصل منهم، والخذلان الذي حصل لهم. بقوله: (دعوة حق)، يعني هذا الذي قاله حق، وهذا لا يدل على أنه دخل في الإسلام، وإنما شهد بأن هذا الذي حصل حق، وهم يعلمون بأن الرسول حق، ولكنهم ما آمنوا به، ثم إنه استقبل تلعة من التلاع، وخرج وذهب ولم يروه، ومعناه: أنه ذهب ولا يعرفون عنه خبراً، ولا يقال -كما قال بعض الشراح-: إنه صار من رجال الغيب، يعني: مثلما يقال عن الخضر، وإنه موجود غائب، وما إلى ذلك، فإن هذا لا يصح، وليس بجيد، بل لا ينبغي أن يقال مثل هذا، وإنما هذا الرجل ذهب، ثم لا يعرفون عنه خبراً، فقد يكون هلك وأكلته السباع أو أكلته الذئاب، أو ما إلى ذلك.. أو لم يوقف له على خبر، ولكن ليس معنى ذلك أنه صار من أهل الغيب الذين يكونون في الدنيا ولا يعرف عنهم شيئاً، والناس لا يرونهم، مثلما يقال عن الخضر: إنه موجود، وإنه يطوف بالبلاد، وإن بعض الناس يراه، فصار فتنة لمن شاء الله تعالى فتنته من الناس.
    تراجم رجال إسناد حديث طلق بن علي في اتخاذ البيع مساجد
    قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].وهو هناد بن السري الكوفي، وكنيته أبو السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وقد تكرر مثل هذا، وعرفنا أن فائدة معرفة هذا النوع -وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه- أن لا يظن أنه لو ذكر بالكنية أنه تصحيف عن ابن، فلو قيل مثلاً: هناد بن السري، ووجد في بعض الأسانيد: هناد أبو السري، فالذي لا يعرف أن كنية هناد أبو السري يظن أن كلمة ابن صحفت وصارت أباً بدل ابن، والواقع أنه لا تصحيف، فحيث قيل: هناد بن السري صحيح، وحيث قيل: هناد أبو السري صحيح، ففائدة ذلك: حتى لا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالكنية، وهو معروف أنه ابن السري، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، وقد تكرر مثل هذا، وأقرب ما مر بنا عمار الدهني الذي مر في الدرس الماضي، فهو ابن معاوية، وكنيته أبو معاوية، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وكنيته أبو عمرو، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ملازم ].وهو ابن عمرو اليمامي من اليمامة، واليمامي واليماني متقاربة في اللفظ، ويأتي التصحيف أحياناً بين اليمامي واليماني، فإنه في بعض النسخ التي ترجمت لـملازم هذا قالوا: اليماني، وهو تصحيف، بل هو اليمامي نسبة لليمامة وليس لليمن، والتصحيف يأتي بين هذين اللفظين للتقارب فيما بينهما، وهو صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الشيخان البخاري، ومسلم .[ حدثني عبد الله بن بدر ].الحنفي اليمامي، فهو أيضاً من اليمامة، وهو ثقة، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[ عن قيس بن طلق ].اليمامي أيضاً، الحنفي اليمامي، وهو صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[ عن أبيه طلق بن علي ].وهو الصحابي الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى القصة، وحديثه خرجه أصحاب السنن الأربعة.إذاً فالإسناد فيه ملازم بن عمرو، وعبد الله بن بدر، وقيس بن طلق، وطلق بن علي، وهؤلاء الأربعة خرج لهم أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهم البخاري ولا مسلم، وكلهم من أهل اليمامة.
    نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً

    شرح حديث أنس في نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً.أخبرنا عمران بن موسى حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل في عرض المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار، فجاءوا متقلدي سيوفهم، كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر رضي الله عنه رديفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، فيصلي في مرابض الغنم، ثم أمر بالمسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا، فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، قال أنس : وكانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالنخل فقطعت، وبالخرب فسويت، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهم يقولون: اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً. عقد النسائي هذه الترجمة وأورد فيها حديث أنس بن مالك في قصة بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة نزل في عرضها، يعني: في ناحية من نواحيها، والمراد بها أرض قباء، وهي المكان الذي يسكن فيه بنو عمرو بن عوف من الأنصار، وهم أهل قباء، يعني: أنه نزل في منطقة قباء، ومكث فيها أربع عشرة ليلة، وبنى مسجد قباء، يعني: بدأ تأسيسه، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلب من بني النجار أن يأتوا إليه، فجاءوا متقلدي سيوفهم، ورافقوه في ذهابه إلى المدينة؛ إلى حيث أرض مسجده صلى الله عليه وسلم، ثم نزل في فناء دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ونزل ضيفاً عليه، عليه الصلاة والسلام حتى بنيت الحجرات وبني المسجد، ثم انتقل من دار أبي أيوب الأنصاري إلى الحجرات، وقد جاء في الحديث الصحيح: أن أبا أيوب كانت داره مكونة من طابقين، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم في الطابق السفلي، وهو في العلوي، ثم عزم عليه وألح على أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق العلوي، وأن يكون هو في الطابق السفلي؛ إكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل في فنائه، وفناء الدار هو: المكان الذي يكون أمامها؛ الذي يكون تابعاً لها أمامها، ثم إنه أمر بالمسجد، وكان لجماعة من الأنصار، فدعاهم وقال: ثامنوني، يعني: معناه اذكروا الثمن الذي تبيعون به، يعني: معناه حدثت مساومة بينه وبينهم ليشتريه منهم بثمن، فقالوا: لا نبغي ثمنه إلا من الله، يعني: معناه أنهم لا يريدون له ثمناً، وإنما يتنازلون عنه، ويتركونه يرجون ثواب الله عز وجل، قال أنس : وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، أي: أخرجت تلك العظام التي هي عظام المشركين، ووضعت في مكان آخر، ثم أمر بالخرب فسوي، وأمر بالنخل فقطع، ووضع في قبلة المسجد، وبنى مسجده صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وجعلوا عضادتيه من الحجارة، وهما الجانبان للباب، يعني: الذي يقوم عليها سقف الباب ويكون الباب بينهما، جعلوها من الحجارة، وكانوا ينقلون الحجارة وهم يرتجزون: (اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة). المقصود من الحديث قوله: (وكان فيه قبور المشركين فأمر بها فنبشت)، واتخذ مكانها مسجداً، يعني: مكان تلك الخرب، ومكان تلك النخل، وتلك القبور التي نبشت اتخذه مسجداً، فصار مسجده صلى الله عليه وسلم، فقوله: باب نبش القبور واتخاذها مساجد، أطلق المصنف هنا العبارة، يعني: بالنسبة للقبور، والحديث الذي أورده إنما هي قبور المشركين، ومعلوم أن المشركين لا حرمة لهم، فإذا نبشت قبورهم، وأخرجت عظامهم، وذهب بها إلى مكان آخر، واتخذ مكانها مصلى فإنه لا بأس به؛ لأن المشركين لا حرمة لهم، وعظامهم لو كسرت لا بأس بذلك، بخلاف المسلمين فإنه لا يصار إلى نقلهم ونبشهم إلا لضرورة تلجئ إلى ذلك.قوله: (وكان يصلي حيث أدركته الصلاة)، يعني: كانت الأرض له مسجداً وطهوراً، كما جاء ذلك في الحديث، وهو من خصائصه ومن خصائص هذه الأمة حيث قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء من قبلي -ومنها- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره )، ويصلي في مرابض الغنم، وهذا يدل على طهارتها، وعلى عدم نجاستها، وهو دال على طهارة أبوالها أيضاً؛ لأن مرابضها هي موضع تبولها، فكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها يدل على طهارة أبوالها؛ لأنها لو كانت الأبوال نجسة لكانت الصلاة في مكان متنجس، فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما صلى في مكان طاهر، فدل على طهارة أبوال الغنم، وكذلك أبوال الإبل طاهرة، بل كل ما يؤكل لحمه فإن روثه وبوله يكون طاهراً، ومما يدل على ذلك كون النبي صلى الله عليه وسلم أذن للعرنيين بأن يشربوا من أبوالها لما أصابهم الوباء في المدينة، وأمرهم بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فكونهم يشربون من أبوالها دليل على طهارتها وعلى عدم نجاستها، ثم كذلك إدخاله البعير للمسجد الحرام وهو يطوف عليه، ومن المعلوم أن البعير عرضة لأن يحصل منه الروث والبول، ولولا أنه طاهر لما عرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد لأن يلوث بالنجاسة، فذلك دال على طهارة بوله وروثه، فقوله: كان يصلي في مرابض الغنم، يدل على طهارتها.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً
    قوله: [ أخبرنا عمران بن موسى ].عمران بن موسى، وهو البصري، وهو صدوق، خرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[ حدثنا عبد الوارث ].وهو ابن سعيد البصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي التياح ].وهي كنية اشتهر بها يزيد بن حميد الضبعي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ولكنه مشهور بكنيته أبي التياح .[ عن أنس بن مالك ].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بصري، وعلى هذا فالإسناد مسلسل بالبصريين، وأيضاً هو رباعي من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أشخاص، فهو أعلى إسناداً عنده، وأقل رواة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وهذا الحديث منها؛ من الأحاديث الرباعية التي هي أعلى ما يكون عند النسائي ؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات كما عرفنا ذلك في الدرس الماضي.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #132
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (129)


    - (باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد) إلى (باب النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد)

    حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد، وبين أن ذلك مستوجب للعنة، وبين أيضاً فضيلة المشي إلى المساجد وأجر ذلك، ونهى عن منع النساء من الذهاب إليها إن أردن ذلك، ولم يترتب عليه محذور شرعي.
    النهي عن اتخاذ القبور مساجد

    شرح حديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن اتخاذ القبور مساجد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر ويونس قالا: قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، قال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن اتخاذ القبور مساجد.هذه الترجمة معقودة لبيان أن اتخاذ القبور مساجد مما نهى عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل نهى عنه وكرر، وكان ذلك في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن هذا الحكم محكم وأنه غير منسوخ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما عاش بعده مدة من الزمان حتى يكون فيه احتمال النسخ، بل كان ذلك في آخر لحظاته، وفي آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، وهذا من كمال نصحه لأمته وشفقته عليها، وحرصه على إبعادها عن كل ما فيه خلل في عقيدتها، وفي سيرها إلى الله عز وجل.فقد حذر عليه الصلاة والسلام من اتخاذ القبور مساجد، وحذر من فتنة القبور والافتتان بها، والغلو بها وبأهلها، وقد جاء ذلك عنه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته، كما في هذا الحديث الذي أورده النسائي، فإنه في حال النزع، وفي حال خروج الروح كان ينهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام، بل أيضاً قبل هذا بمدة وجيزة، وفي مرض موته نهى عن ذلك نهياً بليغاً بعبارات مختلفة، وبتأكيدات متنوعة متعددة، وذلك في حديث جندب بن عبد الله البجلي الذي أخرجه مسلم في صحيحه، والمشتمل على جملتين، وعلى أمرين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل )، يقول جندب بن عبد الله البجلي : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -يعني: بخمس ليالٍ فقط، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، وهذا الكلام قاله يوم الخميس الذي قبل يوم الإثنين- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته هاتين الكلمتين، أو هاتين الجملتين، إحداهما مبينة فضل أبي بكر وميزته على غيره، وفيه الإشارة إلى أنه الأحق بالأمر من بعده؛ لأن كونه يقول هذا الكلام في مرض موته، وقبل أن يموت بخمس ليالٍ فإنه ينوه بفضله، ويبين عظيم قدره، وأنه الشخص الوحيد الذي لا يساويه مساوٍ، ولا يدانيه مدان، حيث قال: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، لأن الله اتخذه خليلاً، لكنه لو كان هذا الحق لأحد، ولو كان هذا الاتخاذ حاصلاً لأحد، ما حصل لأحد غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فدل هذا على عظيم فضله، ودل هذا على الإشارة إلى أنه الأحق بالأمر من بعده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يموت بخمس.والأمر الثاني يتعلق باتخاذ القبور مساجد، وهذا فيه التنبيه إلى تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، وأن يحصل منها ما حصل من الأمم السابقة، من فتنة اتخاذ القبور مساجد، والغلو في الأنبياء والصالحين، فإن الأمرين كليهما يتعلقان بما يكون بعد موته عليه الصلاة والسلام.الأمر الأول: أبو بكر والتنبيه إلى أنه الأحق بالأمر من بعده، والأمر الثاني: فيما يتعلق باتخاذ القبور مساجد، وأن لا يُعمل معه ما عملت الأمم السابقة مع أنبيائها وصالحيها.فقوله عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد )، هذه جملة فيها تنبيه، ثم قال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد)، ثم قال: (فإني أنهاكم عن ذلك)، وهذا تأكيد بعد تأكيد؛ لأن قوله: (ألا فلا تتخذوا)، نهي، وقوله: (إني أنهاكم) نهي كذلك، ولكنه نهي بصيغ متعددة، وبتأكيدات متنوعة؛ بصيغة النهي، وبلفظ النهي، بصيغة النهي التي هي لا الناهية وذلك في قوله: (ألا فلا تتخذوا)، وبلفظ النهي في قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك)، وهذا من كمال بيانه، ومن كمال نصحه وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا الكلام قاله قبل أن يموت بخمس ليالٍ، كما في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم.
    تحذير النبي من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد في آخر كلامه من الدنيا ودلالة ذلك
    أما حديث عائشة وابن عباس، فإنهما يحكيان شيئاً حصل بعد هذا، بل في حال النزع، وفي حال قبض الروح.وعلى هذا : فهذا من آخر ما تكلم به، وأما آخره فإنه قال: ( اللهم في الرفيق الأعلى )، فهذا آخر ما تكلم به، وبعدها خرجت الروح، ولكنه قال وهو في النزع: ( لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد )، قال هذا متى؟ قال هذا وهو في النزع، تقول عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: (لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني: لما نزل به الموت.وقوله: (طفق يطرح خميصة له على وجهه)، (وطفق)، يعني: جعل خميصة، وهي كساء له أعلام فيه خطوط، وكان متغطياً به ومغط وجهه، فإذا اغتمَّ وحصلت حرارة، وحصل انحباس النفس كشفه، ثم بعد ذلك أعاده، يعني: يغطي وينزع، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، قال: (وهو كذلك)، يعني: في هذه الحالة التي يغطي وينزع ويغطي وينزع في حال خروج الروح من جسده الشريف صلى الله عليه وسلم، يقول وهو كذلك : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)، ومقصوده صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذير أمته أن تقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وأن تقع أمته فيما وقعت فيه الأمم السابقة، من الغلو في الأنبياء والصالحين، والوقوع فيما وقعوا فيه، ولكن الكلام الأخير الذي ما بعده كلام فهو: (اللهم في الرفيق الأعلى)، هذا هو الذي قاله، وبعد ذلك خرجت الروح، كما جاء ذلك عن عائشة، مبيناً في بعض الأحاديث، ولكن الحديث الذي معنا يبين أنه حذر من فتنة القبور وهو في النزع، وهذا -كما قلت- من كمال نصحه، وكمال بيانه وفصاحته وحرصه وشفقته على أمته من أن تقع في الأمر الذي يعود عليها بالمضرة.واللعن يدل على أن الفعل من الكبائر؛ لأن الكبائر عند العلماء هي الذنب الذي جعل عليه حد في الدنيا، أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار، يعني: الذي جعل فيه وعيد، كأن لعن صاحبه، أو أن الله غضب عليه، أو أنه من أهل النار، هذه علامة الكبائر، فالكبائر أصح ما قيل في تعريفها، والفرق بينها وبين الصغائر: أن الكبائر هي الذنب الذي جعل عليه حد في الدنيا، يعني: كالقطع في السرقة، وكالجلد في الخمر وفي الزنا، وكذلك الرجم، أي حد من الحدود الشرعية المقدرة التي جاءت في الكتاب والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه علامة الكبيرة، أو توعد عليها بغضب، أو لعنة، أو نار، وهنا توعد باللعنة: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يعني: ثم بين سبب هذا اللعن، وأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.ومن المعلوم أن النصارى أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، وعيسى هو آخر الرسل، وليس بينه وبين نبينا أحد، بل هو الذي يليه، وعيسى لم يمت، وإنما رفع إلى السماء، وسينزل من السماء في آخر الزمان، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتخذوا قبور أنبيائهم)، فالعلماء قالوا في الجواب عن هذا: إن الحديث جاء: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)، أن المقصود بالأنبياء، الأنبياء وأتباع الأنبياء الذين هم صالحو أتباع الأنبياء، وهذا هو الذي بينه حديث جندب : ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم )، وهنا حصل الاكتفاء بذكر الأنبياء دون ذكر أتباعهم، وذكر الأتباع جاء مبيناً في حديث آخر: ( اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد )، فهذا مما قاله العلماء في كون عيسى الذي هو رسول النصارى، كونه رفع حياً وأنه لم يمت، وأنه لم يقبر، ولم يتخذ على قبره مسجداً؛ لأنه لم يمت حتى الآن؛ لأنه رفع وهو حي إلى السماء عليه الصلاة والسلام، وسينزل في آخر الزمان كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث كما هو واضح يدل على التحذير من هذا العمل، والتنفير منه، وأن ذلك يؤدي إلى الشرك؛ لأن الغلو في الأنبياء والصالحين يؤدي إلى صرف شيء لهم من حق الله عز وجل، وجعل لهم نصيباً في العبادة مع الله، والعبادة يجب أن تكون خالصة لله عز وجل، لا تركة لغيره فيها، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل.إذاً: فالحديث صريح وواضح في النهي، بل بتأكيد النهي، وبيان أنه من الكبائر، وكما ذكرت في حديث جندب أن فيه تأكيداً بعد تأكيد، وبألفاظ مختلفة؛ بلفظ (لا) التي هي الناهية، وبلفظ النهي التي هي قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك)، و(إن) من أدوات التوكيد، فأُكد بـ(إن)، وكرر لفظ النهي بلفظ النهي بعد أن ذكر بصيغة النهي التي هي (لا) الناهية الداخلة على الفعل: ( ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ).ثم مما بلي به الناس، أو كثير من بلاد المسلمين في هذا الزمان البناء على القبور، وبناء المساجد على القبور، ودفن الموتى في المساجد، فلا يخلو قطر من أقطار البلاد الإسلامية -إلا ما شاء الله- إلا ويوجد قبور في المساجد حيث دفن الموتى في المساجد، كوّن لهم بنايات مزخرفة، وعُمل فيها ما فيه الغلو الذي يجعل بعض الناس يعظمون، ويقعون في الأمر المحرم الذي حذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس عندما يذكر له المنع من هذا، والتحذير من هذا يستدل أو يذكر وجود قبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجده، فيقول: كيف لا تبنى المساجد على القبور، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، ومسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام، وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها؟! وهذه شبهة هي من تسويل وتسويف الشيطان، ومن عمل الشيطان الذي يلحق الضرر بالإنسان، بحيث يزين له الباطل، ومن المعلوم أن مسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه الكرام، وبنى حجراته بجواره، فكانت حجرات أمهات المؤمنين، ومنها حجرة عائشة يبيت الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، ويجامع أهله، ويحصل في الحجر أمور لا تحصل في المسجد، فلما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام، دفن في حجرة عائشة ؛ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، فالمكان الذي مات فيه الرسول صلى الله عليه وسلم دفن فيه، وبقيت الحجر خارج المسجد وفي زمن الخلفاء الراشدين الهادين المهديين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ثلاثين سنة، ثم بعد ذلك مدة طويلة في عهد معاوية مقدار عشرين سنة؛ لأن معاوية بعد أن بويع له بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه بقي في الخلافة عشرين سنة؛ لأنه تولى أربعين سنة على الشام؛ عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، ثم بعد ذلك بعد زمن معاوية مدة طويلة، وعهد الذين بعده، حتى جاء الوليد بن عبد الملك، ووسع المسجد وأدخلت الحجرات في المسجد.فإذاً: هذا عمل جديد، وعمل طارئ في زمن بني أمية، فلا يتخذ حجة بأن تبنى القبور على المساجد، في الأماكن المختلفة في الدنيا، ويغفل عن الأحاديث المتواترة التي جاءت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أواخر لحظاته، وفي أواخر أيامه، فهي أحكام محكمة ليست منسوخة ولا سبيل لنسخها، ولا مجال لنسخها؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الكلام وهو في مرض الموت، وهو في النزع؛ وروحه تنزع، فلا يمكن أن يكون بعده نسخ، بل هو آخر أو من آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يحتج على ذلك بعمل حصل في زمن بني أمية، وتترك الأحاديث المحكمة المتواترة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي منها ما قاله وهو في النزع، ومنها ما قاله قبل أن يموت بخمس ليالٍ، كما في حديث مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
    قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].وهو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[ أخبرنا عبد الله بن المبارك ].هو المروزي وهو ثبت، إمام، ذكر الحافظ ابن حجر جملة من صفاته الحميدة، وقال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن معمر ويونس ].معمر هو ابن راشد الأزدي البصري، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.و يونس هو ابن يزيد الأيلي، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ قال الزهري ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً، وهو من أوعية العلم، ومن الفقهاء المحدثين، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وفي كتب الفقه، وفي العلماء الذين تعزى إليهم الأقوال في المسائل المختلفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني عبيد الله بن عبد الله ].وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن عائشة وابن عباس ].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق، أكثر نساء هذه الأمة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو امرأة من النساء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها من الحديث، فهي مكثرة من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أوعية حديث رسول الله، وحفّاظه رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد روت الكثير، وحفظت الكثير، لاسيما ما يتعلق في بيوته عليه الصلاة والسلام التي لا يطلع عليها إلا أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء السبعة هم المكثرون، وعائشة هي من هؤلاء السبعة، وهي الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. وابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي دعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يفقهه في الدين، وأن يعلمه التأويل، فكان من أوعية العلم، وكان من حفاظ السنة، وكان من المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين ذكرتهم، والذين هم سبعة مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلٌ منهما، أي: عائشة، وابن عباس، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    شرح حديث: (إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى حدثنا هشام بن عروة حدثني أبي، عن عائشة رضي الله عنها: ( أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله، حديث أم سلمة وأم حبيبة، أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وكانتا ذهبتا إلى أرض الحبشة، فذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة فيها تصاوير، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين حال هؤلاء الذين يتخذون البناء على القبور؛ على قبور الأنبياء والصالحين، فقال: ( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة )، فهاتان المرأتان من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، أخبرتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رأتاه، وهذا يدل على أن الإنسان إذا رأى شيئاً من الأمور التي رآها وشاهدها مما يلفت الأنظار فإنه يخبر به، ويقصه ويبين ما رآه؛ لأن أمي المؤمنين ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشيء الذي رأتاه في أمر تلك الكنيسة، والرسول صلى الله عليه وسلم بين الأساس الذي بنى عليه أولئك هذا العمل، وأنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور. ثم قال: ( أولئك شرار الخلق عند الله )، فكونهم شرار الخلق عند الله بسبب هذه الأمور؛ بسبب اتخاذ القبور مساجد، وبسبب التصاوير، بالإضافة إلى ما عندهم من الأمور الموبقة، وبالإضافة إلى ما عندهم من الكفر بالله عز وجل، لأن الكنيسة هي معبد النصارى، وكذلك أيضاً تطلق على معبد اليهود.فقوله: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)، يدل على التحذير من اتخاذ القبور مساجد -وهو ما ترجم له النسائي- وبيان أن الذين يفعلون ذلك شرار الخلق عند الله، ثم أيضاً يدل على تحريم التصاوير، وأنه لا يجوز أن تتخذ الصور التي هي صور ذوات الأرواح، سواء كانت مجسمة، أو غير مجسمة، سواء كانت على ورق، أو على قماش، أو ما إلى ذلك فكل هذا داخل في التصاوير الممنوعة التي حذر منها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالحديث دال على التحذير من هاتين الفتنتين: فتنة الغلو في القبور، وفتنة التصاوير، أي: تصوير ذوات الأرواح، ومن المعلوم أن الغلو، وأن عبادة الأوثان إنما حصلت في قديم الزمان بسبب الصور، كما جاء ذلك عن قوم نوح، وأنه حصل الشرك، ودخل فيهم باتخاذ الصور.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)
    قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].وهو الدورقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة جميعاً، فكلهم رووا عنه، وهو من صغار شيوخ البخاري، وذكرت فيما مضى أن ثلاثة من شيوخ البخاري ماتوا في سنة واحدة، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة؛ شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه والنسائي، وقد مات الثلاثة في سنة واحدة، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار , وكانت وفاة الثلاثة في سنة: (252هـ)، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة: (256هـ)، وهؤلاء الثلاثة، وهم من صغار شيوخه ماتوا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين.وصغار شيوخه هم الذين أدركهم مثل النسائي، وأما كبار شيوخه فإن النسائي ما أدركهم، فالذين ماتوا قبل أن يولد النسائي، وأدركهم البخاري وروى عنهم، فهؤلاء من كبار شيوخه، وأما الذين تأخرت وفاتهم، وصار عهدهم قريباً من وفاة البخاري فهؤلاء يقال لهم: صغار شيوخه، ولهذا أدركهم من كان بعد البخاري، ولكنه بعده في الميلاد، وبعده أيضاً في الوفاة مثل فـالنسائي، النسائي ولد سنة: (215هـ)، وتوفي سنة: (303هـ)، والبخاري ولد قبل المائتين، ومات سنة: (256هـ)، فكبار شيوخه لم يدركهم النسائي، ولكن صغار شيوخه مثل: يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى أدركهم النسائي وغير النسائي وروى عنهم.وحديثه أي: الدورقي أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما ذكرت.[ حدثنا يحيى ].وهو ابن سعيد القطان، فهو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، ثبت، ناقد، محدث، من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام بن عروة ].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، فقيه، فاضل، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثني أبي ].وهو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، والذين يأتي ذكرهم مراراً وتكراراً، وقد مر ذكرهم قريباً عند ذكر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من الفقهاء السبعة، وعروة بن الزبير من الفقهاء السبعة .[ عن عائشة ].عروة بن الزبير يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها قريباً.والحديث من مسند عائشة ؛ لأنها تحكي أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للرسول صلى الله عليه وسلم فقال كذا وكذا، يعني: فتكون عائشة قد حضرت، هذا هو الذي يبدو.وأم حبيبة.هي رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.و أم سلمة هي هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    الفضل في إتيان المساجد

    شرح حديث: (حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده فرجل تكتب حسنة ورجل تمحو سيئة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الفضل في إتيان المساجد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي عن أبي سلمة -هو ابن عبد الرحمن- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده، فرِجل تكتب حسنة، ورِجل تمحو سيئة ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي الفضل في إتيان المساجد، يعني: الفضل في الذهاب إلى المساجد، وأن ذلك فيه فضل عظيم، وأجر جزيل من الله عز وجل، وقد جاء فيه أحاديث كثيرة، منها ما أورده النسائي هنا: أن الإنسان عندما يذهب إلى المسجد فإن رِجلاً تكتب حسنة، ورِجلاً تمحو سيئة، يعني: أنه يحصل له بكل خطوة يخطوها حسنة، أو يمحى عنه سيئة، بل جاء أيضاً في الحديث: أن ذلك في حال الذهاب والإياب، حتى في حال الإياب، كل خطوة يخطوها يكتب له بها درجة، ويمحى عنه بها خطيئة، يعني: في ذهابه إلى المسجد، وإيابه من المسجد إلى بيته وإلى منزله، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل، وفيه بيان الحث على الذهاب إلى المساجد، وحضور صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة كما هو معلوم واجبة على الرجال، ومن تخلف عنها فإنه يأثم؛ لأنه ترك أمراً واجباً عليه، والإنسان إذا فعل ذلك الأمر الواجب عليه فإنه يكتب له درجة، ويحط عنه خطيئة بكل خطوة يخطوها إلى المسجد في ذهابه وإيابه، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل.
    تراجم رجال إسناد حديث: (حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده فرجل تكتب حسنة ورجل تمحو سيئة)
    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو الفلاس، وهو ثقة، إمام، ناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، فعندما يأتي الكلام في الرجال يأتي ذكره بـالفلاس، فهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى ].وهو ابن القطان الذي مر ذكره قريباً.[ حدثنا ابن أبي ذئب ].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، وهو ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأسود بن العلاء بن جارية ].الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي؛ واحد من صاحبي الصحيح، وواحد من أصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن ].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، والأسود بن العلاء بن جارية تلميذه، قال: عن أبي سلمة، ما قال: ابن عبد الرحمن، ولكن من دونه هو الذي قال: هو ابن عبد الرحمن ؛ لأن الأسود بن العلاء ما يحتاج إلى أن يقول: هو ابن عبد الرحمن بل ينسب كما يشاء، ويأتي بنسبه كما يريد، ولكن إذا كان تلميذه ذكره بلفظ مختصر، فمن بعد يأتي بنسب غير ما قال التلميذ.
    النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد

    شرح حديث: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد.حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد، يعني: نهي أولياء أمور النساء من أن يمنعوهن من الإتيان إلى المسجد إذا أرادت ذلك.وأورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها). وهذا نهي للأزواج أن يمنعوا زوجاتهم من الذهاب إلى المسجد إذا أردن ذلك، ولكن هذا النهي مقيد في أنها لا تخرج على هيئة لا يجوز الخروج عليها، كأن تخرج متجملة متزينة، وكأن تخرج متعطرة، وما إلى ذلك فإن هذا لا يجوز لها ، وله أن يمنعها أن تذهب بهذه الحالة، وبهذه الصورة التي هي عليها، ولكن إذا خرجت بدون ريبة، وبدون محذور، وبدون ما يكون سبباً في الفتنة فهذا هو الذي يقتضيه المنع، أو يقتضيه نهي الرسول صلى الله عليه وسلم للأزواج أن يمنعوا النساء.ثم إن النساء يرغبن في الصلاة في البيوت، وينبغي أن يكون أكثر صلاتهن في بيوتهن، وإذا أردن في بعض الأحيان أن يخرجن إلى المساجد فإنهن لا يمنعن إلا إذا كان هناك أمر يقتضي ذلك؛ من كونهن يخرجن على هيئة لا يجوز لهن أن يخرجن عليها، فعند ذلك لأزواجهن أو لأولياء أمورهن أن يمنعوهن.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)
    قوله: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من الأوصاف العالية والألقاب الرفيعة التي لم يظفر بها إلا العدد القليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ أنبأنا سفيان ].سفيان هو ابن عيينة ؛ لأنه يروي عن الزهري، والمعروف بالرواية عن الزهري سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].الزهري قد مر ذكره قريباً.[ عن سالم ].وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم كما ذكرت ذلك قريباً عند ذكر أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .[ عن أبيه ]. وهو عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المشهورين في الصحابة، وأحد المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، فهم أربعة من صغار الصحابة أطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من الصحابة رضي الله عنهم وأراضهم.وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
    الأسئلة

    حكم من حكم بغير شرع الله مع اعتقاده وجوب تحكيم شرع الله
    السؤال: ما حكم من لم يحكم شرع الله جملة وتفصيلاً، مع اعتقاده بوجوب تحكيم شرع الله؟الجواب: الذي لا يحكم شرع الله ويحكم شرع غيره إذا كان لا يحكمه استنقاصاً له، أو يعتقد بأنه لا يكفي، أو أنه لا يناسب العصر، أو أن الأحكام هذه ليس هذا وقتها فهذا كفر وردة عن الإسلام؛ لأن شريعة الله عز وجل صالحة لكل زمان ومكان، وأما إذا كان يعتقد بأن الحكم يجب أن يكون لشرع الله، وأنه لا يجوز أن يحكم شرع غيره، ولكن فعل ذلك معتقداً أنه مخطئ، وأنه مذنب، وأنه فعل أمراً كبيراً فهذا العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من قال: إنه يكفر؛ لأنه حكم غير شرع الله ولم يحكم شرع الله في كل شيء، ومنهم من يقول: إن من المعروف والمشهور أن القاضي إذا حكم في مسألة واحدة بخلاف حكم الله، مع معرفة أن الحكم بخلافه، ولكن قاده إلى ذلك الهوى فإنه يكون كفراً دون كفر، وإنه لا يكفر بذلك، وبعض العلماء يقول: إنه لا فرق بين المسألة، والمسألتين، والثلاث، والأربع، والخمس، والست، والسبع، والعشر، فليس فيه حد فاصل يميز بين مسألة، ومسألة، ولا شك أن الأمر خطير، وهذا مما ابتلي به الحكام في هذا الزمان إلا ما شاء الله.
    حكم من شرع قانوناً وضعياً مع اعتقاده عدم جوازه
    السؤال: ما حكم من شرع قانوناً وضعياً، مع اعتقاده أفضلية حكم الله، وعدم جواز الحكم بغيره؟الجواب: هذا من جنس الكلام السابق، وهو نفس السؤال السابق، يعني: كونه وضع شيئاً، وحكم به، أو وضع له وحكم به النتيجة واحدة.فكونه يقول: إن هذا شرع الله، وإنه يجوز في الشرع أن يحكم غير شرع الله، ولا يقول: إنه مذنب، وإن هذا ليس خطأ فهذا اعتقاد، ولكن إذا كان وضعها، ويعتقد أنه مذنب، وأنه مخطئ، وأنه أقدم على أمر منكر فهذا هو الذي فيه الكلام، وأما إذا قال: إنه لا فرق بين هذا وهذا، هذا شرع، وهذا شرع فهذا -كفر والعياذ بالله- واضح.
    حكم اقتناء لعب الأطفال التي تسمى بالعرائس
    السؤال: ما حكم اقتناء لعب الأطفال التي تسمى بالعرائس؟الجواب : اللعب المصورة ، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة -كما عرفنا- كلها محرمة ، ويدخل في ذلك لعب الأطفال؛ لأنه لا فرق، فمادام أنها صورة مجسمة، سواء كانت لطفل أو لغير طفل، وما جاء عن عائشة رضي الله عنها، واللعب التي كانت تعملها ليست من هذا القبيل، فتلك أعواد تعترض بعضها ويلف عليها خرق، وهذه ليست كالصور التي تعمل في هذا الزمان على هيئة الإنسان، وشكل الإنسان، فهذه شيء، وهذه شيء، فلعب الصبيان، ولعب الأطفال التي هي سائغة مثلما كانت تفعلها عائشة، أعواد تعترض بعضها في بعض، ويلف عليها خرق، أو تعمل مثلاً على شكل أرجل من خرق، وأيدي على شكل خرق، فهي غير هذه الصور التي على شكل إنسان، إلا أنها صورة، فتلك لا يجوز اقتناؤها، ولا يجوز بيعها، ولا يجوز تعاطيها.
    أصحاب الفترة وبيان مصيرهم يوم القيامة
    السؤال: هل هناك أهل فترة؟ وما الدليل على ذلك؟الجواب: أهل الفترة هم الذين في زمان ما بلغتهم الدعوة، يعني: ما بلغتهم الرسالة، فالذين لم تبلغهم رسالة، هؤلاء يقال لهم: أهل فترة.وهؤلاء أحسن ما قيل فيهم: أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء ذلك الامتحان تكون النتيجة، إن كانوا من السعداء، أو كانوا من الأشقياء.وغالبا يذكر العلماء هذه المسألة عند تفسير قول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] .
    المفاضلة بين خديجة وعائشة رضي الله عنها
    السؤال: من أفضل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هي خديجة أم عائشة ؟الجواب: المعروف أن هاتين الأمين من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن هن خير أو أفضل أمهات المؤمنين، ولكن أيهما أفضل؟ كل واحدة لها ميزة حصلت لها ما حصلت للثانية، فـخديجة رضي الله عنها حصل لها من النصرة لرسول الله، ومن مساعدته في وقت الشدة، وفي الوقت الذي آذاه قومه، وهي تؤانسه، وتصبره، وتعينه، وحصل منها في تلك الفترة شيء ما حصل من عائشة، وعائشة حصل منها رضي الله عنها وأرضاها ما تلقته من العلم، وما حفظته من السنن، وما وعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي هي نبراس، والتي هي منهاج يسير عليه الناس؛ ولاسيما فيما يتعلق بأمور البيت، وأمور الأزواج، وما يجري بين النساء والأزواج، فحصل من عائشة شيء ما حصل من خديجة، وتفضيل أي واحدة على الأخرى ليس بواضح، ولكن مثلما قال بعض العلماء: أفضلهما أتقاهما لله، فإن استوتا في التقوى استوتا في الدرجة، فليس فيه نص يبين بأن هذه أفضل من هذه، ولكن هذه جاء فيها فضل يخصها، وهذه جاء فضل يخصها، وما هناك شيء واضح بين يقول: إن هذه أفضل بلا شك من هذه، ولكن يقال: كل منهما في الغاية من الفضل، وأفضلهما أتقاهما لله، فإن استوتا في التقوى استويتا في الدرجة.
    إخراج قبر النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد النبوي
    السؤال: لماذا لا يخرج قبر النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد، ونخرج من هذا الوعيد الشديد؟الجواب: معلوم أن القبر دخوله في المسجد -كما ذكرت- ليس من فعل الخلفاء الراشدين، ولا من فعل معاوية الصحابي الجليل، ولا من فعل من بعده من بني أمية، وإنما حصل بعد ذلك، ومن المعلوم أنه دخل القبر واستمر على هذا، ولو أخرج لكان خيراً وكان أولى، والفضل حاصل في المسجد، دخل القبر أو ما دخل، فلا يقال: إن هذا المسجد مثل المساجد الأخرى التي بنيت على القبور، بل هذا الفضل دائم ومستمر، ولا يؤثر فيه كون القبر دخل أو ما دخل .
    زمن بناء القبة الخضراء على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم هدمها
    السؤال: متى بنيت القبة الخضراء على قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟الجواب: لا أدري.مداخلة: هل الواجب هدمها، أم يراعى في هذا جهل الناس؟الشيخ: والله كما هو معلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الكعبة ولم يبنها على قواعد إبراهيم، كما جاء في حديث عائشة : ( لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم )، يعني: فهو ترك أمراً خشية أن يحصل للناس شيء بسبب هذا العمل الذي كانوا توارثوه، وبقاؤها واستمرارها من حين بنيت.ففعلها أولاً لا يجوز، ولكن بقاؤها إذا بقيت من قبيل بقاء الكعبة على غير قواعد إبراهيم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #133
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (130)


    - (باب من يمنع من المسجد) إلى (باب ضرب الخباء في المساجد)

    رفع الله قدر المساجد وأعلى مكانتها؛ وذلك لما يؤدى فيها من أعمال صالحة ولوجود الملائكة فيها، فنهى الشرع من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يقرب المسجد حال الصلاة؛ لأنه بذلك يؤذي عباد الله، ويؤذي أيضاً ملائكته، وقد ورد جواز نصب الأخبية في المسجد أثناء الاعتكاف أو كان للحاجة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    من يمنع من المسجد

    شرح حديث جابر في المنع من إتيان المسجد في حق من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من يمنع من المسجد.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثنا عطاء عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أكل من هذه الشجرة، قال أول يوم: الثوم، ثم قال: الثوم، والبصل، والكراث، فلا يقربنا في مساجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ) ].يقول النسائي رحمه الله: من يمنع من دخول المسجد، وهذه الترجمة عقدها النسائي رحمه الله لبيان أن جماعة من الناس اتصفوا بوصف من الأوصاف، ففي حال اتصافهم بهذا الوصف فهم منهيون عن دخول المسجد أو دخول المساجد؛ وذلك لما يترتب على دخولهم في مواضع العبادة من إيذاء الناس بروائحهم الكريهة، بل وإيذاء الملائكة الذين يتأذون مما يتأذى منه الإنسان.وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، والذي يقول فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل من هذه الشجرة، قال في أول يوم: الثوم ) يعني: هذا بيان للشجرة، وأنه قال في أول الأمر: الثوم، ثم قال بعد ذلك: ( الثوم، والبصل، والكراث ) يعني: أن هذه الأنواع الثلاثة التي هي: الثوم، والبصل، والكراث، من أكل منها فلا يقربنا في مساجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه الإنس، فهذا نهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أكل الثوم والبصل والكراث أن يدخل المسجد؛ لأنه يؤذي الناس برائحته، ونهيه عن دخول المسجد فيه حرمان له، وحيلولة دون حصوله على هذا الخير الذي يفوته لمنعه من دخوله المسجد، وفيه أيضاً إراحة للناس وإراحة للملائكة؛ حيث يسلمون من الأذى بهذه الرائحة الكريهة.وهذا النهي المراد منه ومقتضاه: أن الإنسان إذا أراد أن يأكل الثوم، أو البصل، أو الكراث، فإنه يأكله مطبوخاً، ويأكله وقد ذهبت رائحته، وكذلك أيضاً إذا أكله نيئاً لا يأكله قرب وقت الصلاة وقرب وقت الذهاب إلى المسجد، بل يأكله في وقت مبكر، ثم إذا جاء الوقت الذي هو وقت الصلاة فتكون قد ذهبت تلك الرائحة، أو يأكل بعده شيئاً يزيل هذه الرائحة إذا كان يقضي عليها ويزيلها، فإذاً: هو ليس ترخيصاً، ليس رخصة، وإنما هو حرمان، ليس رخصة لمن أكل الثوم والبصل، وأن الإنسان له أن يأكل الثوم والبصل ويترك المسجد، ويقول: بحجة أن الرسول قال: ( لا يقربن مساجدنا )، بل عليه أن لا يفعل ذلك؛ حتى لا يحصل له هذا الحرمان، فليست القضية قضية ترخيص، بل القضية قضية حرمان من حصول خير لما يترتب على المجيء، وعدم المنع من دخول المسجد، وذلك لما يترتب عليه من الضرر، وما يترتب عليه من الأذى للملائكة وللناس، ثم أيضاً فيه دليل على الابتعاد عن كل ما يؤذي الناس، وعن إلحاق ضرر بالناس.ومن المعلوم أن الاجتماع بالناس قد يكون في الأسواق، وفيه هذه الرائحة، لكن الأسواق ليست كالمساجد؛ لأن الأسواق ليست لها حرمة المساجد، ثم أيضاً يمكن للإنسان إذا وجد الرائحة أن يذهب إلى مكان آخر، لكن المسجد.. ما يترك الإنسان المسجد، بل يبقى في المسجد، لكن الذي يتسبب في الإيذاء عليه أن لا يقصد ولا يعمد إلى فعل شيء يؤذي الناس، وإذا كان قد أكله وحصل منه الأكل ووجدت منه الرائحة، فإنه يتعين عليه أن يتأخر، وأن لا يأتي المسجد في ذلك الوقت الذي أكل فيه الثوم والبصل والكراث، ولكن عليه أن لا يفعل ذلك في المستقبل؛ حتى لا يتسبب في حرمان نفسه من هذا الخير، وذلك لكونه يؤذي الناس إذا أتى المسجد وهو على هذه الحالة.ثم أيضاً فيه دليل على أن الملائكة تتأذى من الروائح الكريهة، وتتأذى مما يتأذى منه الإنسان، ومن ذلك التأذي بالروائح؛ لأن الحديث إنما جاء في التأذي من الرائحة، وإذاً: فالملائكة تتأذى من الرائحة الكريهة كما أن الإنس يتأذون من الرائحة الكريهة، وإذا كان هذا الحديث جاء في المنع من دخول المسجد لمن أكل من هذه الأنواع الثلاثة لما فيها من رائحة كريهة، إلا أن الأصل يبقى فيها أنها طيبة، وأنها من الطيبات، ولكن المحذور إنما هو بالرائحة التي تكون عند الأكل أو بعد الأكل بوقت ليس بالطويل، فإنه يجب على الإنسان أن يعلم.أيضاً يجب على من ابتلي بشرب الدخان أن يعلم بأنه قد آذى نفسه وآذى غيره، وكذلك إيذاؤه لنفسه يكون بأنواع من الأذى وليس بنوع واحد؛ فإنه يؤذي نفسه بإضرار جسده، وبإقدامه على إهلاكه وإلى إمراضه وحصول المرض له، وكذلك أيضاً الأذى الذي فيه يرجع إلى إضاعة ماله، وإلى إتلاف ماله في أمر يعود عليه بالمضرة، ثم أيضاً قد يكون في ذلك إضرار بمن يعولهم وبمن تجب عليه نفقتهم؛ حيث يصرف جملة من المال الذي يحتاج إليه في مصالح الأهل ومن يعوله، فيصرفه في أمر محرم، أو يعود عليه بالمضرة والخسران.ثم كذلك أيضاً فيه إيذاء للناس، وإيذاء للملائكة؛ وإذا كانت الملائكة والإنس يتأذون من رائحة البصل والثوم والكراث -مع أنها من الطيبات، وقد منع من أكلها أن يأتي إلى المسجد- فإن امتناع الإنسان من الدخان وابتعاده عنه، والحيلولة بين نفسه وبين أن تبتلى فيه، فإن هذا من آكد الأمور المطلوبة التي يتعين على الإنسان أن يكون على علم بها، وأن يكون حذراً، وأن يكون يقظاً بأن لا يبتلى بشرب هذا البلاء الذي ابتلي به كثير من الناس.وشرب الدخان حرام من وجوه كثيرة؛ من جهة أن فيه إيذاء للناس وإيذاء للملائكة، ومن جهة أن فيه إضرار بالجسد وإمراض للنفس، وقد يكون سبباً للهلاك، وقد يكون سبباً للقضاء على الإنسان، ثم أيضاً فيه إضاعة للمال، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال )، ثم إضاعة المال بماذا؟ هل إضاعة المال بأمر يعود عليه بمنفعة؟ بل بأمر يعود عليه بالمضرة.ومن المعلوم أن الذي يقضي على ماله بإتلافه أن ذلك يعتبر سفهاً منه، ولا شك أن هذا أحسن حالاً ممن يضيع المال في شرب الدخان؛ لأن من أضاع المال بدون أن يلحق بنفسه ضرراً في استعماله في الدخان الذي يشربه فإن المال هو الذي ضاع، والجسم ما حصل له شيء نتيجة لاستعماله، ولكن إذا كان يضيع المال في إتلاف الجسم وفي إضعافه، فإنه يكون جمع بين مضرتين وبين خطرين كبيرين، هما: تضييع المال، وتضيعه بأي شيء؟ بقتل الإنسان نفسه، وبإهلاك الإنسان نفسه، وإذا كان من يضيع ماله ومن يتلف ماله من غير أن يستفيد منه شيئاً أصلاً، فإن ذلك يعتبر سفهاً منه، ومن يستعمله في شرب الدخان أشد سفهاً من هذا السفيه الذي يضيع المال في غير طائل وفي غير فائدة؛ لأن هذا ضيعه وأضاف إلى تضييعه أنه يكون بما فيه قتل النفس، فلو رأيت إنساناً معه نقود يمزقها ويرميها في الهواء، لاعتبرته سفيهاً؛ لأنه ضيع ماله وأتلف ماله، وهذا السفيه أحسن حالاً ممن يشتري به دخان ويشربه، هذا أحسن حالاً من هذا إذا كانت النفوس تعتبر، أو الناس يعتبرون أن مثل هذا هو غاية السفه، فإن هذا أحسن حالاً من ذاك، وهذا يبين لنا ويوضح لنا خطورة الوقوع في هذا الأمر، وفي هذا الإثم، وفي هذا الأمر الضار بالإنسان، والذي يعود على الإنسان بالمضرة.والحاصل أن الحديث الذي معنا فيه نهي الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل بصلاً أو ثوماً أو كراثاً من قربان المسجد؛ وذلك لما يترتب عليه من إيذاء الناس وإيذاء الملائكة، مع أن هذان في الأصل من الطيبات، ولكن المحذور إنما هو من الرائحة الكريهة، وكذلك الدخان والتحذير من إيذاء الناس منه داخل فيه، ويكون من باب أولى وأحرى.
    تراجم رجال إسناد حديث جابر في المنع من إتيان المسجد في حق من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً
    قوله: [ إسحاق بن منصور ].إسحاق بن منصور، وإسحاق بن منصور يلقب بـ: الكوسج، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود .[ حدثنا يحيى ].يحيى، وهو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الإمام في الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الإمام الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي، يقول عن هذين الرجلين: إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: معناه أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما مصيب، وأنهما مصيبان فيما قالا، فإنه يعول على تجريحهما وعلى حصول التجريح منهما إذا جرحا أحداً.فإنه يعول عليه؛ فهو إمام في الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن جريج ].ابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو: ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا عطاء ].حدثنا عطاء وهو ابن أبي رباح عطاء بن أبي رباح المكي وهو: ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن جابر ].وهو ابن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وجابر بن عبد الله الأنصاري أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـجابر رضي الله عنه هو أحد هؤلاء السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه عبد الله بن حرام استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
    من يخرج من المسجد

    شرح حديث في إخراج من وجد منه ريح البصل والثوم من المسجد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين؛ هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً ) ].أورد النسائي حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي يقول فيه، وهو يخاطب الناس: (إنكم أيها الناس، تأكلون من شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين؛ هذا البصل، والثوم، ولقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً)، يعني: حتى تذهب هذه الرائحة؛ لأنه إذا حصل الطبخ تذهب الرائحة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يخرج الرجل من المسجد، وذلك تأديباً له لما حصل منه من الأذى للناس، وهو أيضاً حرمان له بسبب فعلٍ اقترفه، وهو كونه ارتكب أمراً يلحق ضرراً بالناس، ويلحق ضرراً بالملائكة، وذلك بالتأذي من هذه الرائحة الكريهة، ولكن عندما يريد الإنسان أكلهما، فيمتهما طبخاً، بمعنى: أنهما يكونان مطبوخين، وأكلهما وهما مطبوخان، غير أكلهما وهما نيئان؛ وذلك لخبث الرائحة. وقوله: (ما أُراهما إلا خبيثتين)، يعني: معناه الخبث خبث الرائحة، وإلا فإن الأصل فهما من الطيبات التي أحلها الله عز وجل، ولكن المنع إنما هو في الرائحة، أو في إيذاء الناس بالرائحة، فإذا ذهب المحذور، وزال المحذور الذي هو هذه الرائحة الخبيثة، فللإنسان أن يأكلهما، لاسيما إذا كان ذلك عن طريق الطبخ، فإن ذلك يذهب الرائحة، أو يخففها كثيراً.والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث الإخراج.. من يخرج من المسجد، يعني: الترجمة الأولى من يمنع من المسجد، وهذه من يخرج من المسجد، يعني: معناه يمنع من الدخول، وهنا إذا وجد الدخول يخرج من المسجد، إذا وجد الدخول يؤمر بالخروج، والمقصود من ذلك كله: هو التوجيه الكريم من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإنسان عندما يكون وقت الصلاة قريباً، وعندما يكون الوقت الذي يأتي وقت الصلاة، والرائحة موجودة معه، فإنه لا يأكله في ذلك الوقت، وإنما يأكله في وقت مبكر تذهب الرائحة قبل أن يأتي الوقت، أو يكون ذلك بإماتتهما طبخاً؛ بحيث لا تكون الرائحة، التي تؤذي الناس.
    تراجم رجال إسناد حديث عمر في إخراج من وجد منه ريح البصل والثوم من المسجد
    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].محمد بن المثنى العنزي الملقب بـ: الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، فـالبخاري رحمه الله هو أول أصحاب الكتب الستة، وهو أقدمهم، والمتقدم فيهم ولادة ووفاة، ولهذا فإن محمد بن المثنى هو من صغار شيوخه، والذي أدركه من بعد البخاري من هو متأخر عن البخاري، مثل: النسائي الذي توفي سنة: (303هـ)، ومحمد بن المثنى توفي سنة: (252هـ)، والبخاري مات سنة: (256هـ)، أي: بعد وفاة محمد بن المثنى بأربع سنوات، فهو من صغار الشيوخ للبخاري الذين أدركهم من تأخر عن البخاري، بخلاف كبار الشيوخ الذين ماتوا والبخاري عمره خمسة عشر سنة، أو عمره عشر سنين أو قريباً من ذلك، فهؤلاء من كبار الشيوخ الذين ما أدركهم النسائي ولا أدركهم غيره، ولهذا يقال للمتقدمين أو الذين أدركهم البخاري في صغره، وكانوا في أواخر حياتهم، فهؤلاء يقال لهم: كبار شيوخ البخاري، والذين أدركهم وعايشهم، وكان زمن وفاته قريباً من وفاتهم، وأدركهم من كان بعد البخاري، هؤلاء يعتبرون من صغار شيوخ البخاري، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة: (252هـ)، أي: قبل وفاة البخاري رحمه الله بأربع سنوات.و محمد بن المثنى يماثله تماماً محمد بن بشار، فيوافقه في سنة الولادة وسنة الوفاة، والاتفاق في التلاميذ والشيوخ، وكون كل واحد منهما من أهل البصرة، ولهذا قال عنهما ابن حجر : وكان هو ومحمد بن بشار كفرسي رهان؛ لأنهم في عصر واحد، وفي زمن واحد، وعمرهما متفق، فهما كفرسي رهان، يعني: المتسابقين الذي أحدهما لا يسبق الثاني، أي: متساويان كفرسي رهان.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].يحيى بن سعيد، وهو: القطان الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا هشام ].وهو ابن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام الدستوائي ].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا قتادة ].وهو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سالم بن أبي الجعد ].و سالم بن أبي الجعد ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن معدان بن أبي طلحة ].هو معدان بن أبي طلحة اليعمري، وهو: شامي ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عمر ].هو: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، وصاحب المناقب الجمة الكثيرة، التي منها قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم له: ( إنك ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك )، أي: معناه أنه لا يجتمع عمر والشيطان في طريق واحد، فإما عمر وإما الشيطان، فيهرب الشيطان من الطريق الذي يكون فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا من أجل مناقبه، ومن خير مناقبه، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره عن قصر رآه له في الجنة، وأنه قيل: هذا لـعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ فهو صاحب المناقب الكثيرة، وهو الذي حصل في زمن خلافته الفتوحات العظيمة، حيث قُضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان، وهما دولتا فارس والروم، فإنه قُضي عليهما وانتهت في زمن خلافته، وأنفقت كنوزهما في سبيل الله على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من إنفاق كنوزهما في سبيل الله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    ضرب الخباء في المساجد

    شرح حديث: (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ... فأمر فضرب له خباء ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود حدثنا يعلى حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر فضرب له خباء، وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها أمرت فضرب لها خباء، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آلبر تردن؟ فلم يعتكف في رمضان، واعتكف عشراً من شوال ) ].أورد النسائي رحمه الله، ضرب الأخبية بالمسجد، وهي الخيمة أو المكان الذي يوضع في المسجد ليختص به الإنسان ليعتكف به، وكذلك لغير هذا كما يأتي في الحديث الآخر الذي بعد هذا، فأورد النسائي هذه الترجمة وأورد تحتها حديثين: حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف العشر دخل معتكفه بعد صلاة الصبح، فأراد أن يعتكف، فأمر بضرب الخباء، ثم أمرت أو استأذنت بعض نساء الرسول صلى الله عليه وسلم أن تضرب خباء وأن تعتكف، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن أمهات المؤمنين تتابعن على ذلك وتبع بعضهن بعضاً، يعني: من غير استئذان، ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم الأخبية في المسجد قال: (آلبر تردن؟)، ثم إنه ترك الاعتكاف، وأمر بالخباء فنقض، ثم اعتكف عشراً من شوال، يعني: بدلاً من هذه العشر في رمضان التي تركها من تتابع أمهات المؤمنين على أن يعتكفن معه.وهذا الذي قاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: (آلبر تردن؟)؛ لأنه خشي أن يكون الذي دفعهن على ذلك هو الغيرة، والتنافس على القرب منه، وأنه ليس المقصود من ذلك العبادة التي هي الاعتكاف، فيكون هناك أمر دنيوي أو حظ من الحظوظ التي هي تتعلق بصلتهن بالرسول صلى الله عليه وسلم، فتكون تلك الرغبة أو تلك النية طغت على المقصود من الاعتكاف الذي هو الخلوة، يعني: كون الإنسان يخلو بنفسه، ويتقرب إلى الله عز وجل، ويذكر الله عز وجل، ويقرأ القرآن، ويبتعد عن مشاغل الدنيا، ومتاعها، فخشي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا هو الذي دفعهن، وهو الغيرة والتنافس الذي يكون بينهن أو منهن للقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم والاتصال به.ثم أيضاً قالوا: إن ذلك إذا حصل -أي: اعتكافهن معه جميعاً ويكون بينهن- كأنه ما حصل الاعتكاف كما ينبغي، من جهة أن وجودهن معه في المسجد كأنه موجود معهن في البيت؛ فيكثر الاتصال والقرب منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكنه عليه الصلاة والسلام كان إذا عمل شيئاً أثبته وداوم عليه، فاعتكف بدلاً من ذلك عشراً من شوال لما ترك الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان بسبب هذا الذي حصل من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، ومن ذلك أيضاً جاء أنه ترك سنة الظهر وقضاها بعد العصر في يوم من الأيام، وداوم عليها واستمر على ذلك بعد العصر، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.[عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر فضرب له خباء، وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها..)].ودخول المعتكف يكون من أول المدة التي يراد اعتكافها؛ فإذا كان يريد أن يعتكف الأيام فإنه يبدأ من أول اليوم، وإذا كان يعتكف الليالي، فإنه يبدأ من أول ليلة من الليالي، والأيام تكون تبعاً لها، فالعبرة بالبداية فيما يريده الإنسان، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وكان يتحرى ليلة القدر، وليلة القدر هي ليلة من ليالي العشر، فكان يعتكف ويتحرى ليلة القدر، ويطلبها في تلك الليالي.ومن المعلوم أن ليالي العشر أولها ليلة إحدى وعشرين، وعلى هذا فيكون الاعتكاف قبل غروب الشمس من ليلة واحد وعشرين؛ لأن الليلة هي التي تسبق اليوم، ليلة اليوم هي التي تسبقه، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح، فمن العلماء من قال: إن المقصود من ذلك أن اعتكاف العشر إنما يكون بعد صلاة الصبح من يوم واحد وعشرين، ومنهم من قال: إن المراد بالدخول في المعتكف، يعني: المكان الذي كان لاعتكافه، وقبل ذلك كان في المسجد وليس في المعتكف، وهو موجود في المسجد في تلك الفترة التي هي ليلة واحدٍ وعشرين، ومنهم من قال: إن المقصود من ذلك هو كونه يكون في صبيحة عشرين، يعني: بمعنى أنها تكون ليلة واحد وعشرين موجودة، ويضاف إليها بياض النهار الذي يكون قبلها، وجمهور العلماء على أن اعتكاف العشر إنما يكون عند غروب الشمس في يوم عشرين، بمعنى أن ليلة إحدى وعشرين تبدأ من غروب الشمس يوم عشرين، حينئذ تبدأ ليلة إحدى وعشرين، وجمهور العلماء على هذا، ويقولون: إن دخول الرسول صلى الله عليه وسلم يكون محمولاً على أنه بعد صلاة الصبح في اليوم الذي قبل تلك الليلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ويتحرى ليلة القدر، وليلة القدر إنما هي في العشر، وليلة واحد وعشرين هي منها، وقد وافق أنها كانت ليلة إحدى وعشرين في ليلة من الليالي في سنة من السنوات كما في حديث أبي سعيد الخدري في كونه يسجد على ماء وطين، وكان ذلك في صبيحة إحدى وعشرين، فمن العلماء من أخذ بظاهر الحديث وقال: إن اعتكاف العشر يكون بعد صلاة الصبح من ليلة واحد وعشرين، ومنهم من قال: إن ليلة واحد وعشرين داخلة في الاعتكاف، وهي من جملة ليالي العشر، واعتكاف ليالي العشر إنما يكون بفعلها من أولها، وأولها يكون بغروب الشمس يوم عشرين حيث تبدأ ليلة واحد وعشرين، وقالوا: إن دخوله يكون في صبيحة عشرين، وعلى هذا فيكون ليلة واحد وعشرين من ضمن المعتكف، وقد قال بعض العلماء: إن هذا هو أقرب الاحتمالات التي يحمل عليها الحديث.قالت: [( وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها أمرت فضرب لها خباء، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آلبر تردن؟ فلم يعتكف في رمضان، واعتكف عشراً من شوال )].فلما ترك تركن أيضاً معه، ولكنه إذا فعل شيئاً أثبته وداوم عليه وقضاه، فقضى بدلاً من هذه العشر عشراً من شوال صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ... فأمر بضرب خباء ...)
    قوله: [ أخبرنا أبو داود ].وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، ثبت، وخرج له النسائي وحده.[ حدثنا يعلى ].وهو ابن عبيد الطنافسي، يعلى بن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].وهو: الأنصاري المدني، هذا من صغار التابعين، يروي عن مالك، ويروي عنه يعلى بن عبيد، فهو غير يحيى بن سعيد الذي تكرر في الأسانيد السابقة، والذي يروي عنه النسائي بواسطة شخص واحد، وهنا يروي عنه بواسطة شخصين، وهذا الشخص يروي عن عمرة، يعني: بنت عبد الرحمن التي تروي عن عائشة، وهي من التابعين، فهو من صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرة ].وهي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وهي ثقة، وخرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرة من الرواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[ عن عائشة ].عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو عنه امرأة من الحديث مثلما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهي من أوعية السنة، وهي من حفاظها الذين حفظوها، لا سيما في الأمور التي تتعلق في البيوت، والتي لا يراها إلا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن وأرضاهن، فقد روت الكثير، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر جابر بن عبد الله، والسيوطي قال فيهم:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِزوجة النبي: عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
    شرح حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش رمية في الأكحل، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب ) ].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن سعداً، وهو: سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله تعالى عنه، كان قد رمي على أكحله -وهو عرق- رماه رجل من قريش فأصيب، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم له خيمة ليكون قريباً منه ليعوده من قرب، والمقصود من الحديث هو ذكر بناء الخيمة في المسجد؛ ليعوده الرسول صلى الله عليه وسلم من قريب، فهذا هو الشاهد في الترجمة، وأن جواز مثل ذلك عند الحاجة كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذاً: بالنسبة للاعتكاف، وبالنسبة لهذا الصحابي الجليل الذي هو سيد الأوس، والذي ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وسعد بن معاذ هو سيد الأوس، وأما سعد بن عبادة هو سيد الخزرج، وقد مات سعد بن معاذ بسبب هذا الجرح الذي أصابه بعد مدة، يعني: انفجر جرحه، وسأل الله عز وجل أن تكون وفاته بذلك، فانفجر الجرح، فكان موته بسبب ذلك وكان شهيداً، أما سعد بن عبادة فقد عاش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أراد الأنصار أن يجعلوه أميراً كما يوم سقيفة بني ساعدة، حتى جاءهم أبو بكر رضي الله عنه وأخبرهم بما أخبرهم به، فجرى ما جرى، واتفقوا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فـسعد بن معاذ سيد الأوس متقدم الوفاة، وكان ذلك بعد الخندق، وأما سعد بن عبادة سيد الخزرج، فعاش بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].وهو اليشكري السرخسي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة مأمون سني، وقال عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وقد خرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.[ حدثنا عبد الله بن نمير ].وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام بن عروة ].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].عروة بن الزبير، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين، ومنهم عروة بن الزبير بن العوام هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة رضي الله عنها ].يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.

    الأسئلة


    زمن قراءة المأموم للفاتحة إذا لم تكن هناك سكتة من قبل الإمام
    السؤال: كيف يتم لنا قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية إذا لم تكن هناك سكتة من الإمام؟الجواب: ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم سكتات إلا السكتة التي تكون قبل القراءة، وهي للاستفتاح، وهذا هو الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من السكتات، ولكن قراءة الفاتحة من المأموم في حالة الصلاة الجهرية تكون أثناء قراءة الإمام للسورة بعد الفاتحة، يعني: بعدما ينتهي من قراءة الفاتحة ويبدأ بقراءة السورة، ففي ذلك الوقت يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ السورة، لكن لا يقرأ غيرها.
    الجمع بين قوله تعالى: (إذا قُرئ القرآن فاستمعوا له ..) وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
    السؤال: كيف نوفق بين قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )؟الجواب: يوفق بينهما بأن تحمل الآية: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204] على غير الفاتحة، وأما الفاتحة فإنه يقرؤها لما جاء في الحديث: ( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ).
    شرب الدخان قبل الصلاة شر فوق شر
    السؤال: بعض من ابتلي بشرب الدخان عندما يحضر لصلاة الجماعة يضع عمامته على فمه ويتلثم بالعمامة، وقد جاء النهي عن ذلك.الجواب: الرائحة الكريهة لا تمنعها العمامة، وإنما على الإنسان أن لا يشرب الدخان مطلقاً، وإذا ابتلي به لا يشربه قرب وقت الصلاة، بل لا يجوز له أن يشربه مطلقاً؛ لأن شربه حرام، وإيذاء الناس في المسجد زيادة شر على شر، وزيادة أمر منكر؛ لكونه فعل المحرم بشربه، وأيضاً كونه تسبب في إيذاء الناس.
    التعليق على كلام السيوطي في جواز اتخاذ مسجد بجوار قبر رجل صالح
    السؤال: ما تعليقكم على قول السيوطي في الشرح، يقول: فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالحٍ، وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد؟الجواب: الوعيد الذي جاء في النهي عن اتخاذ القبور مساجد لا شك أنه واضح الدلالة على حرمة هذا العمل، لكن هذا الذي ذكره بعض الشراح، وهو أن الإنسان إذا لم يسجد على القبر أو لم يتخذ القبر مسجداً، ولكنه قصد أن يبني المسجد بقرب رجل صالح تبركاً أن هذا لا يدخل في الوعيد، فهذا كلام ليس بصحيح؛ لأن المنع من اتخاذ القبور مساجد هو التحذير من الغلو في الصالحين الذي يؤدي إلى عبادتهم وإلى صرف شيء من حق الله لهم، ومن المعلوم أنه إذا قصد التبرك بالقبر أن المحذور موجود، ولو قال الإنسان: إنه لا يريد التعظيم إلا أنه يئول الأمر إلى التعظيم، ولو لم يحصل من الإنسان الذي بنى ، لكن من الناس الذين يبتلون بذلك فيما بعد، فالواجب هو الحذر من هذا والابتعاد عنه، وأن لا تقصد القبور، لا بأن يبنى عليها، ولا أن يبنى عندها مسجد، فلا تبنى المساجد على القبور، ولا تبنى عند القبور قصداً للبركة بالقرب من هذا الرجل.
    نوع النهي الوارد في عدم قرب المسجد عند أكل الثوم أو البصل ونحوه
    السؤال: هل النهي الوارد في عدم القرب من المسجد من أكل هذه الأشجار نهي تحريم أو كراهة؟الجواب: لا، نهي تحريم؛ لأن المقصود هو منع إيذاء الناس، والإنسان الذي يفعل هذا يأثم.
    الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة ..) وقوله: (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
    السؤال: كيف نوفق أو نجمع بين الآيتين: قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:8]؟الجواب: كما هو معلوم، إذا حصل العفو والتجاوز فإنه لا يرآه، فهو يراه إذا شاء الله أن يعاقبه عليه أو شاء أن يناله ضرر، أما إذا تجاوز عنه وعفا فإنه يسلم من مغبته ولا يناله ضرره، ويمكن أن يقال: إنه يراه، لكن يتذكر، أو يكون الله قد عفا عنه وحصل له فضل الله عز وجل مع كونه رأى ما هو سبب في عذابه لو لم يعف الله عنه، فيكون ذلك فيه ظهور فضل الله عز وجل عليه؛ حيث رأى سبب الهلاك والله تعالى قد عفا عنه وتجاوز عنه من الهلاك.فهو إما أن يكون أنه ما رآه وأنه ما حصل، أو رأى هذا الذي فعله ولكن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه ، فلا تناله مضرته ومغبته، فلا تنافي بين الآيتين.
    المقصود بوصف البصل والثوم وغيرها بأنها خبيثة
    السؤال: ما معنى الحديث الذي فيه أن البصل والثوم من الأشجار الخبيثة؟الجواب: قضية الخبث الذي في الحديث بهذا اللفظ أنا لا أعرف، لكن الذي جاء عن عمر : (ما أُراهما إلا خبيثتين)، والخبث إنما هو خبث الرائحة كما هو معلوم.
    كيفية الفتح على الإمام من قبل المأموم
    السؤال: هل الفتح على الإمام بتذكيره بالآية أو بسورة أخرى؟ وهل إذا فتح عليه بقول المأموم سورة كذا صحيح؟ يعني: يتكلم ويقول.الجواب: لا، ما يفتح عليه بكلام يقول: سورة كذا، وإنما يفتح عليه بالآية، والغلط الذي وجد يأتي به على الصواب، فما يقول له: سورة كذا؛ لأن هذا من كلام الناس وليس قرآناً، وإنما يأتي به على هيئته، فيأتي بالآية ويقرأها ويسمعها الإمام، لكن لا يقول: سورة كذا، فهذا لا يجوز؛ لأن (سورة كذا) من كلام الناس، والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
    دخول خلفاء وأمراء الأقطار تحت السمع والطاعة
    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فالزم جماعة المسلمين وإمامهم ) الوارد في حديث حذيفة وغيره من الأحاديث التي توجب على المسلم السمع والطاعة، هل هما خاصة بالإمامة العظمى والخليفة العام، أم أنها تشمل خليفة كل قطر من الأقطار؟الجواب: لا.. تشمل خليفة كل قطر من الأقطار إذا وجد، إذا ما وجد خليفة عام وما وجد خليفة يتولى أمر المسلمين، ولكن وجد أئمة يتولون أمور المسلمين في أقطار، وهم يحكمونهم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يسمع ويطيع لذلك الذي تولى عليه، وليس معنى ذلك أن الإنسان ما يسمع ويطيع إلا إذا وجد إمام أعظم، وإذا ما وجد إمام أعظم يبقى بدون سمع وطاعة، لا .. يا ليت المسلمين مع تفرقهم يحكمهم حكامهم بكتاب الله عز وجل وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستحقون السمع والطاعة لهم فيما يأمرونهم به ويستحقون أن تلزم إمامتهم، لكن التفرق موجود، والبعد عن الدين موجود.
    تعدد البيعات لكل إمام في كل قطر كما هو الحال اليوم بسبب التفرق
    السؤال: هل يجوز تعدد البيعات في الأقطار الإسلامية؟الجوا ب: الأصل أن يكون إمام المسلمين واحداً، لكن إذا ما وجد هذا، فلا مانع من وجود أئمة ويبايعون، وكل قطر يبايعون من يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بأس بذلك، مثلما كان موجوداً في زمن ابن الزبير، وزمن عبد الملك بن مروان، كان هذا في الشام يسمع له ويطاع، وهذا في الحجاز يسمع له ويطاع، فليس فيه بأس؛ إذا ما حصل الشيء الأحسن، فالحسن الذي يليه أحسن من الضياع والظلام، يعني: مثلما يقال في المثل: إما سراجان وإما ظلماء، يعني: حتى سراج واحد أحسن من الظلماء، يعني: إذا كان إمام يلي أمر المسلمين يسمع ويطاع، وإذا كان أئمة للمسلمين يحكمونهم بكتاب الله، وكل واحد يحكم له قطر من الأقطار، فكلٌ يسمع ويطيع لذلك الذي يحكمه.
    مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء
    السؤال: ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج؟الجواب : المشهور عن أهل السنة والجماعة والمعروف هو أنه لم يره، فلم ير ربه بعيني رأسه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث؛ فإنه لما سئل: ( أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه )، فلو كان رآه لقال: نعم، أو قال: رأيت ربي، وإنما قال: (نور أنى أراه)، فقوله: (نور أنى أراه) يدل على عدم الرؤية، وفي بعض الأحاديث قال: ( رأيت نوراً )، والذي رآه هو النور الذي قال: (نور أنى أراه)، في الحديث الذي قال فيه: (رأيت نوراً)، واللفظ الذي يقول: (نور أنى أراه)، يعني: رأى النور الذي هو نور الحجاب، كما جاء في الحديث: ( حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعيني رأسه عندما عرج به إلى السماء، ولم يثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولو كان ذلك حصل لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا شيء عظيم ليس بالهين ولا بالسهل.ثم إن الله عز وجل لم يشأ أن يرى في الدنيا، بل شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة؛ لأن رؤيته أكمل نعيم يحصل في الجنة، فلو رؤي في الدنيا لحصل نعيم الآخرة قبل الآخرة، والله تعالى ادخر نعيم الآخرة حتى يكون غيباً، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، في صحيح مسلم؛ لأن الله تعالى شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة ولا تكون في الدنيا؛ لأنه لو رؤي في الدنيا أو حصلت رؤيته في الدنيا لكان حصل هذا النعيم في الدنيا قبل الآخرة، فلا يكون للآخرة ميزة على الدنيا، والرسول صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف، ورأى عناقيد العنب متدلية، ومد يده ليأخذ عنقوداً، وترك، فهو رأى الجنة، ورأى العناقيد، والصحابة وراءه يرون اليد الممدودة، ولا يرون الذي مدت إليه، فسألوه، قالوا: ( رأيناك مددت يدك كأنك تأخذ شيئاً؟ فقال: إنها عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فمددت يدي لأخذ عنقوداً منه، ثم تركت، قال: ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا )، لكن الله شاء أن يكون نعيم الآخرة في الآخرة، ولا يأتي في الدنيا، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج، وإنما رؤيته ادخرها الله عز وجل في الدار الآخرة؛ لأنها أكمل نعيم يحصل لأهل دار النعيم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، والحديث في صحيح مسلم.
    رؤية الرب في المنام وتقريرها عند علماء السنة
    السؤال: كيفية رؤية الله عز وجل في المنام وتقريرها عند علماء السنة؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في أحسن صورة في حديث اختصام الملأ الأعلى، يعني: هذا ثابت، وأما رؤية غيره فما أعلم شيئاً يدل عليه، والله تعالى أعلم.
    معنى مكاشفة الأولياء
    السؤال: ما هي مكاشفة الأولياء؟الجواب : أولياء الله حقاً هم الذين إذا حصلت لهم الكرامة لا ينشرونها ولا يشيدون بها ولا يفخرون بها، وإنما يخفونها ويحبون أن لا يدري عنها أحد، وهذا هو شأن أولياء الله عز وجل، أما أدعياء الولاية فهم الذين يحبون إظهار ذلك حتى يقدسهم الناس، وحتى يعظمهم الناس، وحتى يبجلهم الناس، وأما أولياء الله حقاً فهم الذين إذا حصل منهم شيء يخفونه؛ كما حصل لـأويس القرني، وهو خير التابعين كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، فإنه قال: ( إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وذكر شيئاً من صفاته، قال: فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له، وإنه من أهل اليمن، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له )، فكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يسأل أمداد اليمن التي تأتي من اليمن وتذهب لبلاد فارس للجهاد في سبيل الله، كان يسأل عن أويس حتى لقي أويساً وهو مار في المدينة ذاهب إلى طريق البصرة والكوفة، فسأله عن الصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها متوفرة فيه، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأنا أطلب منك أن تستغفر لي، ماذا قال أويس؟ قال أويس : أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، لست أنا الذي يطلب منه الاستغفار، أنتم أصحاب الرسول، أنتم الذي يطلب منكم الاستغفار، يعني: فـعمر رضي الله عنه وهو من أهل الجنة، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجده فليطلب منه أن يستغفر له ) فذلك طلب منه، وأويس أخبر بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك تواضع، وقال: أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، ثم إنه قال له: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى البصرة أو الكوفة، فقال: ألا أكتب لك إلى أميرها؟ قال: لا، دعني أكون في غبراء الناس، يعني: ما يريد أحد يدري عنه يبجله، ويقدره ويعظمه، ويفعل معه الأفعال التي تفعل مع كثير من الدجالين في هذا الزمان.وكذلك أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عائشة، أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، ثم تقول: وكنت أتمنى أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى، يعني: يحصل لها الشرف ويحصل لها الفضل، وتتواضع لله عز وجل، وتقول: لا أستحق أن ينزل في قرآن، ولشأني في نفسي أهون من هذا، هذا هو شأن أولياء الله عز وجل، فحصول المكاشفة أو الكشف، فقد يكشف للإنسان ويرى شيء بعيد، مثلما جاء في قصة عمر رضي الله عنه في قوله: يا سارية الجبل! حيث كشف له عما حصل في الميدان في بلاد الشام، وتكلم والصوت وصل، والله تعالى على كل شيء قدير، لكن ليس كل ما يزعم يصدق به، ولكن ما يثبت عن أولياء الله حقاً فإنه من إكرام الله عز وجل لأوليائه، لكن من شأن الله عز وجل أنهم لا يتبجحون، ولا يحصل منهم الاغترار لما يحصل لهم من الكرامة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكرامات الأولياء ويصدقون بها، ولكن ليس كل ما يزعم وكل ما يقال يصدق به، لكن ما ثبت أنه يصدق به، ومن حصل له هذا لا يغتر به.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #134
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (131)

    - (باب إدخال الصبيان المساجد) إلى (باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد)

    للمساجد في الإسلام منزلة عظيمة، وقد بين الشرع الحكيم بعض الأمور الجائزة فيها، ومنها: إدخال الصبيان إليها، وربط الأسير فيها، وإنشاد الأشعار الحسنة، وإدخال البعير لحاجة.
    إدخال الصبيان المساجد

    شرح حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال الصبيان المساجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عمرو بن سليم الزرقي : أنه سمع أبا قتادة رضي الله عنه يقول: ( بينا نحن جلوس في المسجد، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ) ].يقول النسائي رحمه الله: إدخال الصبيان المساجد، وهذه الترجمة معقودة لبيان جواز إدخال الصبيان المساجد، والمراد بالصبيان الذين عقدت الترجمة لهم: هم الذين دون التمييز، أما المميز فهو مأمور بالصلاة حتى يتعود عليها، وحتى يكون على معرفة بها منذ صغره، وأما إذا لم يكن مميزاً وهو صغير يحمل، أو الذي فوقه بقليل، فإن هذا هو الذي عُقدت الترجمة من أجله، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: ( بينما نحن جلوس في المسجد، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وهي ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى بهم وهي على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام إلى الركعة الثانية حملها، ويفعل ذلك بها في صلاته ).المقصود من الترجمة: كونه أدخل معه أمامة بنت ابنته زينب، وأبوها أبو العاص بن الربيع، ويحملها في الصلاة، فدل ذلك على جواز إدخال الصبيان في المساجد، لكن هذا الإدخال مقيد حيث لا يكون ضرر من وراء إدخالهم، أما إذا أدخلوا، وتركوا يلعبون في المسجد، ويحصل منهم أصوات، وتشويش على الناس، فمثل هذا لا يجوز، ولا يسوغ، وإدخالهم، وإحضارهم جائز، لكن مع المحافظة عليهم، ومع عدم إفلاتهم يشوشون على الناس، ويحصل منهم الصخب واللعب الذي يحصل به الأذى، والإضرار بما هو موجود في المسجد، فمن أحضرهم فإنه يؤدبهم ويعودهم على عدم حصول إضرار، وعلى عدم حصول تشويش على أحد من الناس.ومما يدل على إدخال الصبيان المساجد وهم صغار: الحديث الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة وهو يريد التطويل، فيسمع بكاء الصبي -أي: الصبي الرضيع الصغير- فيخفف في صلاته شفقة على أمه)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث أيضاً فيه أن مثل هذا العمل في الصلاة، أنه سائغ حيث يكون هناك حاجة إليه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليدل على الجواز، ومن العلماء من قال: إن هذا من خصائصه، والخصائص لا تثبت بمجرد الاحتمال، بل إنما تثبت بالدليل، وأن هذا يخصه، ولا يتعداه إلى غيره، لكنه فعله صلى الله عليه وسلم ليبين أن ذلك جائز عند الحاجة، وإذا لم يكن ضرورة إليه فإن الأولى الابتعاد عنه وتركه، وليس لأن كل ما هو جائز ينبغي أن يفعل، وإنما عند الحاجة الأمر سائغ وجائز، ولا سيما إذا كان عن ضرورة، فإن الأمر في ذلك واضح، وأما إذا كان من غير ضرورة فهو جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليبين على أنه ليس بحرام، ولكنه جائز، لكن ليس كل جائز يفعله الإنسان؛ لأن هذا ليس من الأمور المستحبة التي يتعبد الإنسان بها، وإنما هو من الأمور الجائزة التي عند الحاجة تفعل، وعند عدم الحاجة إليها لا تفعل.وقوله: [وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم] المقصود منه بيان صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أولاً: نسبها إلى أبيها، ثم ذكر أنها ابنة ابنته، وقد أحضرها، فهو يبين صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها ابنة ابنته.ثم قوله: (وهي صبية يحملها)، قد جاء قبل ذلك: [خرج يحمل]، وقال في الآخر: [وهي صبية يحملها]، يعني: أنها تحمل عادة، يعني إنها صغيرة، المقصود بالثانية أن هذه من عادته، أو من العادة أنها تحمل؛ لأنه في الأول ذكر حملها في الحال الواقعة هذه القصة، خرج وهو يحملها، لكن في الآخر قوله: [وهي صبية يحملها]، يعني: في العادة أنها صغيرة تحمل، لم تكن تمشي على رجليها، وإنما تحمل، وهي صبية يحملها، أي: عادة.ثم قال: ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ).
    تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الليث ].هو الليث بن سعد المصري، الثقة، المحدث، الفقيه، محدث مصر وفقيهها، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].هو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن عمرو بن سليم الزرقي ].هو عمرو بن سليم الزرقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمع أبا قتادة ].هو الحارث بن ربعي الأنصاري، وهو صحابي مشهور بكنيته أبي قتادة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد رواته كلهم من رجال الكتب الستة: قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعمرو بن سليم الزرقي، وأبو قتادة الأنصاري، فهؤلاء خمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
    ربط الأسير بسارية المسجد

    شرح حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ربط الأسير بسارية المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد : أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط بسارية من سواري المسجد ) ]، مختصر.هنا أورد النسائي ربط الأسير بسارية من سواري المسجد، والمقصود من ذلك: الدلالة على جواز مثل ذلك العمل، وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً قبل نجد فأتوا برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطه بسارية من سواري المسجد ) مختصر، قال النسائي : مختصر؛ أي: أن هذا الحديث مختصر في اللفظ، وهو مطول، قد جاء في الصحيحين وغير الصحيحين بقصة طويلة قبل ربطه وبعد ربطه.وفيه: أن الرسول كان يأتي إليه ويسأله ما عندك يا ثمامة، وبعد ذلك أطلقه الرسول فذهب واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخل في الإسلام، ثم ذهب إلى مكة معتمراً، ولما جاء إلى أهل مكة كفار قريش جعلوا يتكلمون عليه ويقولون: إنك صبأت، هذا هو الصابئ الذي خرج عن دين قومه، واتبع دين محمد، فقال لهم: أنه اتبع دين محمد، وأنه دخل في الإسلام، وهو سيد أهل اليمامة، وكانت تأتيهم الحنطة من اليمامة، أي: تجلب عليهم إلى مكة، فقال: والله لا يأتيكم حبة حنطة إلا إذا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: يمنع جلب الحنطة عليهم، وقد كانت تجلب عليهم، فأسلم، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فالمقصود من الترجمة هو ما ذكره مختصراً من أجل محل الشاهد؛ وهو أنه أتي به فربط بسارية من سواري المسجد، ثم إنه بعد ذلك أسلم، والحديث مطول في الصحيحين وفي غيرهما.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا الليث ].قد مر ذكره أيضاً.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].أيضاً قد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن أبي هريرة ].أبو هريرة رضي الله عنه، هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً، بل هو أكثر السبعة حديثاً.والإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهذا كذلك؛ لأن فيه قتيبة عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، فهم أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وقد ذكرت فيما مضى: أن أصحاب الكتب الستة عند ثلاثة منهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالثلاثة الذين عندهم الثلاثيات: البخاري، والترمذي، وابن ماجه ؛ فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثيات كلها بإسناد واحد، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فهؤلاء الثلاثة ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية التي هي أعلى ما عند النسائي، ورجاله حديثهم عند أصحاب الكتب الستة فثلاثة مروا في الإسناد الذي قبل هذا، والصحابي هنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
    إدخال البعير المسجد

    شرح حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال البعير المسجد.أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله إدخال البعير المسجد، والمقصود من ذلك: بيان الجواز، ولكنه أيضاً يدل على أمر آخر، وهو طهارة بول البعير وروثه، ومثله كل ما يؤكل لحمه فروثه وبوله طاهران، ولكن المقصود هنا من إيراد الحديث هو إدخال البعير المسجد، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير يستلم الركن بمحجن )، الركن هو الحجر الأسود، وبمحجن، المحجن هو العصا المحنية الرأس، المحجن هو العصا التي هي محني رأسها، فكان على بعير لا يصل الحجر تحته، فكان يمد يده إلى الحجر بواسطة المحجن، فيستلم الحجر بالمحجن عليه الصلاة والسلام.والمقصو هنا ما عقد الترجمة له؛ وهو إدخال البعير المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم أدخل البعير بحاجته إلى ذلك؛ لأنه كان يريد أن يراه الناس؛ فأراد أن يكون عالياً حتى يراه الناس؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (أن الناس غشوه)، يعني: أحاطوا به حتى لا يراه الناس الآخرون، فكان طوافه على بعير، حتى يكون عالياً يرى الناس حركاته، وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على ما ترجم له النسائي، ويدل أيضاً على طهارة أبوال الإبل وأرواثها، ووجه الدلالة: أن إدخالها المسجد مع معرفة أنها عرضة لأن يحصل منها الروث، ويحصل منها البول، فلولا أنها طاهرة لما عرض الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد لحصول النجاسة فيه، فلما أدخلها دل على طهارتها، ومما يدل على طهارتها أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شرب أبوالها في التداوي، وهذا يدل على طهارتها وعلى عدم نجاستها، فكونه أذن بشربها، وكذلك هنا كونه أدخل البعير المسجد وهو عرضة لأن يبول، وأن يحصل منه الروث، فدل على طهارة البول، ودل أيضاً على صحة طواف الراكب عند الحاجة إلى ذلك، كما فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، أي: إذا كان راكباً أو محمولاً فطوافه صحيح.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ...)
    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود ].هو أبو الربيع المصري، ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[ عن ابن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني يونس ].هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام جليل، معروف بالفقه والحديث، وقد مر أيضاً أنه هو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمع السنة، وكتابة الحديث، وهو الذي قال فيه السيوطي :أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمروحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله ].هو ابن عتبة بن مسعود، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين بهذا اللقب في عصر التابعين؛ لأنه قد عرف في كتب الفقه، وفي شروح الحديث عندما يأتي مسألة خلافية، وتذكر أقوال العلماء فيها، فإذا كان الفقهاء السبعة اتفقوا على القول بها فإنهم يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فهو لقب أطلق عليهم، فإذا قيل: وقال به الفقهاء السبعة، فالمراد بهم فقهاء المدينة السبعة، وكذلك يقال: قال به الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والمراد بالأئمة الأربعة الذين هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفقهاء السبعة الذين هم فقهاء التابعين في المدينة المشهورين بهذا اللقب، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع منهم ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . [ عن ابن عباس ].هو عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المشهورين بالعلم والفقه من الصحابة، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أعلم الناس بتفسير القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالبحر المقصود به ابن عباس، يقال له: البحر، ويقال له: الحبر.فهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي وهو في البلوغ أو ناهز البلوغ؛ لأنه كما جاء في حجة الوداع، أنه كان راكباً على حمار أتان، قال: وكنت قد ناهزت الاحتلام، وكان في حجة الوداع في منى، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر تقريباً، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو أيضاً أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، فإذا قيل: العبادة الأربعة فهو أحدهم، وهم: ابن عباس هذا، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء من صغار الصحابة، وكانوا في سن متقارب، وقد عاشوا، واستفاد الناس من علمهم وحديثهم، ولهذا يطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة في الصحابة، وليس ابن مسعود من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة، وهو من كبار الصحابة، وقد توفي سنة: (32هـ)، وأما هؤلاء فقد عاشوا بعد ذلك بمدة طويلة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود من التابعين، وأخذوا عنهم الحديث، وأخذوا العلم، فـابن عباس رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
    النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة

    شرح حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: النهي عن البيع والشراء في المسجد، وعن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد أورد النسائي الحديث الدال على الأمرين اللذين اشتملت عليهما الترجمة، وهما: البيع والشراء في المسجد، والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والتحلق هو الجلوس حلقاً لعلم أو لغيره؛ وذلك أنه يشغل عن الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها، وكذلك أيضاً الاشتغال بذكر الله عز وجل، والاستعداد لسماع الخطبة، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.ونهى عن البيع والشراء في المسجد؛ وذلك أن البيع والشراء هو شأن الأسواق، وليس شأن المساجد؛ لأن المساجد ما بنيت لتحصيل الدنيا، وللبحث عن الدنيا، وإنما بنيت وعمرت لتحصيل مكاسب الآخرة، والعواقب الحميدة التي تحصل في الدار الآخرة، ولم تبن كما هو شأن الأسواق للبيع والشراء، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد؛ فإن ذلك لا يسوغ، ولا يجوز.فالحديث دال على الترجمة بشقيها، وهي: التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والبيع والشراء في المسجد، فكل من هذين نهى عنه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والنهي عن البيع والشراء في المسجد مطلقاً يوم الجمعة وغير الجمعة، فليس المقصود منه أنه يوم الجمعة، وأنه ذكر التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد جاء في القرآن: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، يعني: في يوم الجمعة، فليس النهي عن البيع والشراء خاصاً بيوم دون يوم، وفي وقت دون وقت، بل هو ممنوع دائماً وأبداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه مطلقاً، وليس مقيداً في وقت دون وقت، أو في يوم دون يوم، فذلك لا يسوغ ولا يجوز.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المشهور بـابن راهويه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه هذا محدث، فقيه، وهو ممن ظفر أو ممن حصل له لقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، ولم يحصل إلا لقليل من المحدثين ومنهم إسحاق بن إبراهيم هذا، وهذا لقب رفيع ومنزلة عالية لم تحصل للكثير من المحدثين، وإنما حصلت للنادر والقليل منهم، وهذا منهم رحمة الله عليه، وهو أيضاً معروف بالفقه والحديث، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.وكلمة (راهويه) هذا المعروف عند المحدثين بهذه الصيغة، تكون الواو ساكنة وما قبلها مضموم، وأما عند اللغويين، فتكون الواو مفتوحة والياء بعدها ساكنة، يعني: مختوم بـ(ويه) بصيغة ويه، أي: هذا عند اللغويين، وأما المحدثون فهم يقولون: راهويه، وأما اللغويون يقولون: راهويه.[ أخبرني يحيى بن سعيد ].هو القطان البصري، المحدث، الناقد، المعروف بكثرة كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عجلان ].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكروا في ترجمته أنه حملت به أمه ثلاث سنين أو أربع سنين.[ عن عمرو بن شعيب ].هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.يروي عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر بأنه ثبت سماعه عن جده عبد الله، وعلى هذا فيكون الذي يروي عن جده هو شعيب، وكذلك أيضاً يقال له: جد عمرو ؛ لأن جد الأب جد للإنسان، لكن الذي هنا في الإسناد المراد به الجد ليس الجد الأدنى، وإنما هو الجد الثاني؛ لأنه شعيب بن محمد بن عبد الله .فإذاً: عمرو يروي عن أبيه شعيب، وشعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو، فليس الضمير في جده يرجع إلى عمرو فيكون محمد الذي هو أبو شعيب ؛ لأن محمد ليس صحابياً، ويكون الإسناد مرسلاً، لو كان الرواية عن محمد، لكن الرواية هي: عن شعيب عن عبد الله الذي هو جده، فالرواية ليست عن جد عمرو الذي هو محمد، وإنما أبوه شعيب يروي عن جده عمرو، وشعيب سمع من جده عبد الله بن عمرو فيكون متصلاً، وإذا ثبت الإسناد إلى عمرو بن شعيب فحديثه من قبيل الحسن، إذا كان ما بقي إلا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذه ما فيها إشكال، وفيها خلاف عند العلماء، ولكن المشهور والمعروف أن روايته ثابتة، وقد احتج العلماء بأحاديث كثيرة، وبمسائل عديدة جاءت من هذه الطريق التي هي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.وكما ذكرت: شعيب يروي عن جده عبد الله، وعبد الله بن عمرو هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    النهي عن تناشد الأشعار في المسجد

    شرح حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، والترجمة معقودة للتناشد، ومفهومها أنها تكون من جانبين، أو من جوانب متعددة، بحيث هذا ينشد وهذا ينشد، وهذا قد يكون فيه شيء من المغالبة، وقد يكون فيه من الشيء المذموم، أي: عندما يكون فيه مقابلة، وكل يريد أن يغلب الآخر، فإن هذا يكون فيه محذور، فيكون من قبيل المذموم، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث؛ لأن الرسول نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، والتناشد يكون من جوانب متعددة أو من جانبين ، بحيث يكون اثنان يتقابلان، فهذا ينشد وهذا يرد عليه، أو هذا يعارضه، وغالباً أن ذلك مظنة الشعر المذموم، حيث يكون كل واحد يريد يغلب الآخر.وفي الحديث الذي بعده، وهو أن حسان رضي الله تعالى عنه، كان ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيجمع بين هذا والذي يأتي بعده بأن هذا فيما إذا كان مذموماً، أو كان فيه شيء من المقابلة والمعارضة، وحسان فيما إذا كان محموداً، ولم يكن فيه شيء من المغالبة التي يكون فيها شيء من تنافر النفوس، وحب الظهور، وحب الغلبة، وما إلى ذلك مما هو محذور.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا الليث بن سعد ].الليث بن سعد أيضاً قد مر ذكره.[ عن ابن عجلان ].ابن عجلان قد مر ذكره في الذي قبله.[ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].هذا الإسناد مثل الذي قبله تماماً، الإسناد هو إسناد الحديث الذي قبله تماماً.
    الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد

    شرح حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: ( مر عمر بـحسان بن ثابت رضي الله عنهما وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم ) ].هنا أورد النسائي حديث حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أنه كان ينشد الشعر في المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن عمر رضي الله عنه مر وهو ينشد، فلحظه؛ يعني: نظر إليه نظرة كأنه ينكر عليه، فقال: قد كنت أنشده وفيه من هو خير منك؛ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استشهد بـأبي هريرة فشهد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، وقال: اللهم أيده بروح القدس، والحديث دال على الترخيص في مثل ذلك، فيما إذا كان الشعر حسناً سليماً، وكان يلقى من شخص ليس فيه معارضة، وفيه مقابلة، ومنافسة، ومغالبة.ثم أيضاً ليس من قبيل ما يسمى في هذا الزمان بالأناشيد الإسلامية التي يجتمع فيه ناس، وينشدون بصوت واحد، ويكون فيها العناية بالأصوات أهم من العناية بالمعاني، فمثل هذا لا يصلح أن يكون في المسجد؛ لأن هذا فيه تلحين، وفيه اهتمام بالصوت أكثر من الاهتمام بالمعنى، وإنما الذي يسوغ مثلما كان يفعله حسان، والذب عن هذا الدين الحنيف الذي جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: فـالنسائي لما ذكر النهي ذكر الرخصة بعد ذلك، والنهي جاء بالتناشد، والرخصة جاءت بالإنشاد، ولكن ذلك فيما إذا لم يكن مذموماً، ولم يكن فيه محذور.
    تراجم رجال إسناد حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].إذا جاء سفيان غير منسوب فالمراد به ابن عيينة ليس الثوري ؛ لأن الثوري ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال ابن حجر : إنه يروي عن الزهري بواسطة، وأما ابن عيينة فإنه ملازم له ومكثر من الرواية عنه، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر، أي: بعد الثوري، ولكنه لازم الزهري وروى عنه كثيراً، وعمر بعده كثيراً، فالزهري توفي سنة: (125 أو 124هـ)، وابن عيينة في حول المائتين، يعني: في العشر الأخيرة من المائة الثانية، فهو متأخر عن الثوري، ولكن هذا قريب منه؛ لأن ابن عيينة مكي، والزهري مدني، وهو على صلة به، وهو مكثر من الرواية عنه، وابن حجر يقول: إن الثوري روى عنه بواسطة، فعلى هذا عندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب، فالمراد به ابن عيينة حيث يروي عن الزهري، وهذا يسمونه في علم المصطلح المهمل؛ وهو أن الشخص غير منسوب، فيحتمل شخصين أو أكثر، ويمكن معرفة أيهما بمن يكون له به علاقة، أو يكون معروفاً بالرواية عنه، أو غير ذلك من الأمور التي يترجح بها أحد الجوانب على الأخرى.[ عن سعيد بن المسيب ].سعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم قريباً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال: مر عمر بـحسان ].حسان ؛ لأن عمر ليس من الرواة، وإنما سبب إيراد الحديث هو هذه القصة، وهي كون عمر مر وهو ينشد فلحظه، وأجاب بإضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحديث من مسند حسان وليس من مسند عمر؛ لأن عمر حصل منه ما حصل ، وسبب إيراد الحديث، وسبب ذكر الحديث، فهو عن حسان رضي الله تعالى عنه، وحسان بن ثابت هو الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    الأسئلة

    الجمع بين حديث: (لا عدوى) وحديث: (فر من المجذوم)
    السؤال: أرجو من فضيلتكم إزالة التعارض الظاهر في الأحاديث التالية، فمنها ما يثبت العدوى ومنها ما ينفيها، حديث: ( لا عدوى ولا طيرة )، أخرجه مسلم، والحديث الآخر: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، وحديث آخر يقول: ( ما يعدي شيء شيئاً )، إلى آخر ما ذكر؟الجواب: الأحاديث التي فيها ذكر نفي العدوى، والأحاديث التي فيها حصولها؛ التوفيق بينها: قيل فيها عدة أقوال في التوفيق، ولكن من أشهرها أن قوله: (لا عدوى ولا طيرة)، أي: أنها لا تعدي بطبعها، وأنه مجرد التقاء المريض بالصحيح ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، وهذه عقيدة جاهلية كانوا يعتقدون أنه بمجرد ما يكون فإنه يحصل، لكن هناك شيء وراء هذا اللقاء؛ وهو قضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، فإذا كان الله قد قدر وقضى بأنه يحصل انتقال المرض انتقل، وإذا شاء الله ألا ينتقل فإنه لا ينتقل، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: ( من أعدى الأول؟ )؛ الذي أصابه المرض أول مرة من أين جاءه المرض؟ جاءه من الله، الله تعالى هو الذي أنزله فيه، فليست القضية قضية أنه مجرد عدوى، فإذا شاء الله عز وجل أنه يوجد السبب، ويتخلف المسبب تخلف، مثل كون الإنسان يتزوج ولا يأتي له ولد، فهو أخذ بالسبب، ولكن تخلف المسبب الذي يريده، فهنا وجد السبب؛ وهو الاختلاط، ولكن الله ما شاء أنه ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، فقوله: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: بطبعها، وأن مجرد الالتقاء يحصل به العدوى.وأما قوله: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، فهو محمول على عدم الأخذ بالأسباب التي فيها الاحتياط، وفيها عدم التعرض لحصول شيء ينتج، أو قد ينتج عن ذلك اللقاء، فإذاً: يحمل هذا على شيء، وهذا على شيء.
    حكم الحديث في المسجد عن أمور الدنيا
    السؤال: بعد صلاة الجمعة يحدث في هذا المسجد تجمع من بعض العمال يتحدثون بأصوات مرتفعة، فما هذا الحكم؟الجواب: الاجتماع في المسجد، والتحدث بأمور الدنيا، لا سيما إذا كان برفع صوت، كل ذلك غير سائغ، أما إذا صاروا خارج المسجد، فالشوارع، والسوق هذا هو محل مثل هذه الأمور، أما المساجد فهي لذكر الله عز وجل، وعبادته، وليست للغط، والأصوات، والاشتغال في أمور الدنيا.
    سماع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله بن عمرو
    السؤال: هل سمع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله ؟الجواب: لا أدري، لكن هو لو كان المقصود بالجد هو محمد لكان مرسلاً؛ لأن محمداً من التابعين، فما يضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون منقطعاً، من قبيل المرسل، ما أدري، هل يمكن يكون في ترجمة عمرو هل سمع منه؟
    حكم دخول الكافر المسجد
    السؤال: لماذا لم تذكر في حديث أبي هريرة الذي مر في حديث ثمامة حكم دخول الكافر للمسجد للحاجة؟الجواب: نعم، هو يدل على ذلك، فالحديث يدل على دخوله المسجد، أو إدخال الكافر المسجد لحاجة، لا بأس بذلك؛ لأن الرسول أدخله المسجد وربطه في سارية من سواريه.
    عدد الأحاديث الضعيفة في كتاب المساجد من سنن النسائي
    السؤال: لماذا لم تذكر صحة الحديث ليستفيد طلابكم وغيرهم؟الجواب: كل الأحاديث هذه صحيحة؛ لأن الأحاديث التي عند النسائي الضعيفة قليلة، وكتاب المساجد الآن الذي نحن نقرأه فيه حديث واحد ضعيف، وذلك على حسب ما عمله الألباني في صحيح النسائي وضعيفه، فكتاب المساجد كله فيه حديث واحد ضعيف فقط.
    حكم الأناشيد خارج المسجد
    السؤال: بينتم حكم الأناشيد في المسجد، فما حكمها في خارج المسجد؟الجواب: حكمها خارج المسجد مثل داخل المسجد؛ لأن إنشاد الشعر بالطريقة التي كان يفعلها حسان هذه التي جاءت، وأما هذه الطريقة من الأناشيد التي تكون بتلحين، وأناس يجتمعون عند المسجل أو عند الميكرفون، وينشدون بأصوات واحدة، أقول: هذا غير معروف، والعناية فيه بالأصوات -كما قلت- أكثر من العناية في المعاني، فيشتغل بما هو خير منه، وبما هو أولى منه.
    تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
    السؤال: ما معنى قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]؟الجواب: الآية فيها عموم وفيها استثناء؛ لأنه معروف أن الشعراء، وتنافسهم، وتغالبهم، وكون كثير من الناس يتبعونهم ويعجبون بهم، وأيضاً كثير من أشعار الشعراء تكون بهجاء، وتكون بذم، وتكون في أمور غير طيبة، ولا يستثنى من ذلك: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227]، الذين استثناهم الله عز وجل، فأهل الغواية هم الذين يتبعون الشعراء، ولكن هذا في الشعر الذي يكون فيه مجون، ويكون فيه هجاء، ويكون فيه أمور غير مرضية.أما إذا كان الشعر سليماً، وقرأه الإنسان أو حفظ منه، فإنه لا بأس، لكن مع هذا فيه انشغال عما هو أهم منه، والرسول صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً )، وهذا يدل على التحذير من الاشتغال بالشعر وإن كان سليماً، أما إذا كان مذموماً فالقليل منه يذم ويحذر منه، ولكن هذا في الشعر السليم الذي يشغل عما هو أهم منه، يكون شغله الشاغل الشعر، ثم ينشغل عن القرآن، وعن الحديث، وعن أمور دينه، وعما ينفعه، فهو مذموم إذا طغى على الإنسان، وغلب على الإنسان، وشغله عما هو أهم منه.
    كيفية معرفة سفيان إذا روى عن غير الزهري
    السؤال: رواية سفيان إذا كانت عن غير الزهري في الكتب الستة يحمل على من؟الجواب: هذا يحمل كما ذكرت على من يكون له باختصاص، ويكون له من أهل بلده، أو يكون في قرابة، وما إلى ذلك، وهذا يعرف بالشيوخ والتلاميذ، أي: كون فلان روى عن فلان، ولم يرو عن فلان، يعرف بهذا الطريق؛ لأن بعض الأشخاص يكون روى عن شخص دون شخص، فيعرف أحد السفيانين بالتلاميذ، وكذلك الحمادين : حماد بن زيد وحماد بن سلمة، يعرف أيهما بالشيوخ والتلاميذ، كونه هذا التلميذ ما روى إلا عن أحد السفيانين، أو عن أحد الحمادين، يعرف إذا جاء سفيان غير منسوب فهو هذا الشخص الذي عرف بالرواية عنه، فهو يرجع إلى من له به خصيصة، ومن له به علاقة، ومن يكون من أهل بلده، أو يكون من المكثرين من الرواية عنه، وما إلى ذلك من الأمور التي يميز بها المهمل.
    أنزل إسناد عند النسائي
    السؤال: ما هو أنزل إسناد عند النسائي ؟الجواب: الظاهر أن أنزل الأسانيد عند النسائي هي التساعيات، أو العشاريات، وما مر بنا إلى الآن حديث تساعي أو عشاري، الذي مر بنا ثماني، لكن في بالي إما التساعي وإما العشاري.وحديث فيه قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أنه عند الإمام أحمد تساعي، وعند النسائي عشاري، وقد ذكره ابن كثير في التفسير.
    تشيع النسائي
    السؤال: وما هو قولكم في تشيع النسائي ؟الجواب: النسائي عرف عنه التشيع، لكن كما هو معلوم تشيعه لا يؤثر ولا يضر؛ لأنه حجة، وعمدة، واعتمد عليه أهل السنة، وسننه هي من المصادر التي اعتمد عليها أهل السنة، فتشيعه من قبيل التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر.
    الفرق بين مذهب الأشاعرة وعقيدة أهل السنة في القدر
    السؤال: ما الفرق بين مذهب الأشاعرة وبين عقيدة أهل السنة في باب القدر؟الجواب: هو فيما يتعلق بالمشيئة والإرادة؛ مشيئة الله وإرادته، فأهل السنة عندهم أن الله تعالى متصف بالمشيئة والإرادة، وأن كل ما يقع في الكون فهو بمشيئة الله وإرادته، وأما الأشاعرة في مسألة المشيئة عندهم فيها فذلكة، قال عنها بعض العلماء: إن مجالات الكلام ثلاث: كسب الأشعري، وطفرة النظام، ولهم فيها كلام يخالف أهل السنة الذي هو الكسب عند الأشاعرة، أي هذا الذي هو بالنسبة لأفعال العباد وخلقها، وأهل السنة كما ذكرت عندهم كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن كل ما كان بمشيئة الله وإرادته، وأن العبد له مشيئة، ومشيئته تابعة لمشيئة الله عز وجل، وأولئك عندهم كما قلت: كسب الأشعري، ولا أتذكر تفصيله ما هو، لكنه كما قال بعض العلماء من مجالات الكلام.
    مدى اعتبار المسعى من المسجد
    السؤال: المسعى هل يعتبر من المسجد أو من خارج المسجد؟الجواب: هو الآن كما هو معلوم داخل المسجد، والأبواب هي خارج المسعى، والإنسان إذا أراد أن يدخل للمسجد، يدخل وهو من خارج المسعى، فالجدران محيطة بالمسعى كما هي محيطة بسائر المسجد، فهو من المسجد، ولكن طواف الحائض عند الحاجة؛ لأن المرأة قد تدخل عند الحاجة، يعني مرور أو ما إلى ذلك، فإذا كانت ما عليها إلا السعي وقد طافت، فإن لها أن تسعى وهي على حيضها؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، وأما الجلوس في المسجد المرأة لا تجلس، والمسعى حكمه حكم المسجد، فهي لا تجلس فيه، ولكن كونها عندما تحتاج إلى السعي، في كونها طافت ولم يبق عليها إلا السعي، فإنها تسعى وهي حائض؛ لأن دخول المرأة المسجد للحاجة مع أمن تلويث المسجد بدمها، بحيث أنها تعمل الاحتياطات التي تمنع من حصول نزول الدم، فإنه لا بأس بذلك.
    مدى منافاة حمل الصبي في الصلاة للخشوع
    السؤال: ألا يقال: حمل الصبي في الصلاة منافٍ للخشوع؟الجواب: ما يقال: إنه منافٍ للخشوع، وإنما هذا عند الحاجة كما هو معلوم يفعل الإنسان، ويكون مقبلاً على صلاته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد الخاشعين، وسيد المتواضعين، وسيد المتوكلين، وسيد البشر عليه الصلاة والسلام، وقد فعل هذا، فيدل على أنه عند الحاجة سائغ، ولا يقال: إنه ينافي الخشوع.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #135
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (132)


    - (باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد) إلى (باب الاستلقاء في المسجد)

    المساجد هي أطهر وأفضل البقاع وأحبها إلى الله، ولها خصوصيات تميزها عن غيرها من البقاع، ومن ذلك: أن الضالة لا تنشد في المساجد، وأما تشبيك الأصابع ووضع إحدى الرجلين على الأخرى مع الاستلقاء في المسجد ؛ لأنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
    النهي عن إنشاد الضالة في المسجد

    شرح حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: ( جاء رجل ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدت ) ].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.إنشاد الضالة المراد به السؤال عنها مع رفع الصوت؛ لأن نشد، وأنشد كلها تتعلق بالصوت، ورفع الصوت، فيقال: نشد ينشد فهو ناشد إذا كان يطلب الحاجة، ويسأل عنها، ويقال: أنشد ينشد فهو منشد إذا كان يعرف بها حيث وجدها، فيقول: من له ضالة فليأتِ إلي، أو من ضاع له شيء فإنه موجود عندي، فيأتي ويصفه، ويعرفه بالهيئات التي هو عليها، وكله فيه رفع الصوت، ومن ذلك ما هو معروف في اللغة، وما جاء في بعض الأحاديث: (أنشدك الله)، يعني: أسألك رافعاً نشيدتي أو صوتي.والنسائي رحمه الله عقد هذه الترجمة التي هي النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وأورد تحتها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا وجدت )، والنفي في قوله: (لا وجدت) دعاء؛ لأن الأظهر فيه أنه دعاء عليه، وأنه لا يجد هذا الذي يسأل عنه؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس هو محل السؤال، وليس من الأماكن التي يبحث فيها عن الدنيا، ويشتغل فيها في الدنيا الذي هو المسجد، بل ذلك شأن الأسواق، وليس شأن المساجد، والمساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل، وعبادته، والصلاة، والذكر، والدعاء، ولم تبنَ للبحث عن الدنيا، وإنشاد الضالة، والسؤال عن الشيء المفقود وما إلى ذلك من الأمور التي هي أمور دنيوية، وليس المسجد محلاً للبحث عنها ولطلبها.ومن العلماء من قال: إن المعنى: أن (لا) ناهية، وأن الفعل المنهي عنه محذوف دل عليه ما تقدم، وتقديره: لا تنشد، أي: لا تسأل، ثم قال: (لا، وجدت)، أي: دعاء له بأن يجد بغيته، وأن يجد حاجته، ولكن الأظهر هو الأول، وهو أنه دعاء عليه، ويكون هذا معاملة للإنسان بنقيض قصده، بأنه كان يريد هذا الذي فقد منه في المسجد، فيبحث عنه، وصار جوابه الدعاء عليه بأن لا يجد هذا الذي فقده؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس له أن يسأل عنه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
    قوله : [ أخبرنا محمد بن وهب ].هو الحراني، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[ حدثنا محمد بن سلمة ].وهو الحراني أيضاً، وهو ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فهؤلاء كلهم خرجوا لـمحمد بن سلمة الحراني.ويماثله في الترجمة محمد بن سلمة المرادي، إلا أنه متأخر عنه؛ لأن ذاك من شيوخ النسائي، وأما هذا فمن شيوخ شيوخه، لم يدركه النسائي، وهو من طبقة شيوخ شيوخه، والنسائي يروي عنه بواسطة؛ لأنه لم يدركه، وأما محمد بن سلمة المرادي فهذا من شيوخه وقد أدركه، وقد جاء في بعض نسخ التقريب الطبعة المصرية: أنه من الحادية عشرة، وليس كذلك، بل هو من التاسعة؛ من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، فهو من التاسعة وليس من الحادي عشرة كما جاء في تلك النسخة.[ عن أبي عبد الرحيم ].أبو عبد الرحيم، هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي ، وهو مشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره بها ليس مذكوراً مع ذلك اسمه.[ حدثني زيد بن أبي أنيسة ].وهو زيد بن أبي أنيسة الجزري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي الزبير].أبو الزبير.هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن جابر رضي الله عنهما ].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين قال عنهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبييعني: عائشة.وجابر هو أحد هؤلاء السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    إظهار السلاح في المسجد

    شرح حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إظهار السلاح في المسجد.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري -بصري- ومحمد بن منصور، قالا: حدثنا سفيان قال: ( قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول: مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم ) ].يقول النسائي رحمه الله: إظهار السلاح في المسجد، يعني: وجوده، وبروزه، والدخول به للمسجد للحاجة.وأورد النسائي هذه الترجمة، وذكر تحتها حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، في قصة مرور رجل بسهام في المسجد، فقيل له: (خذ بنصالها)، ويقول فيه سفيان لـعمرو بن دينار : ( أسمعت جابراً يحدث أنه مر رجل بسهام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم )، وقد روي الحديث في البخاري، وفي غيره، وفي بعض الكتب أنه لم يقل فيه: نعم، ومثل هذا لا يؤثر عند المحققين من المحدثين، بل يكفي في ذلك سكوت الشيخ بعد أن يسأل فلا يجيب بالنفي، فإذا كان متيقظاً متنبهاً، وسئل عن مثل هذا السؤال وسكت فإن ذلك كافٍ، ولا يشترط فيه أن يقول: نعم، وقد اشترط بعض العلماء أن يقول: نعم، ولكن هذا ليس بلازم، وقد جاء في عدد من الأحاديث أن ذكر السؤال بدون ذكر نعم، واعتبره أكثر العلماء المحققين كافياً، ولا يحتاج معه، ولا يشترط أن يقول الشيخ عندما يسأل مثل هذا السؤال: نعم، وفي الحديث الذي معنا أنه قال: نعم، وإنما الخلاف فيما إذا لم يقل: نعم، وإنما سكت.وجاء في صحيح مسلم أن الرجل دخل بها في المسجد يتصدق بها، أي: يوزعها صدقة، والرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ بنصالها، وهي الجزء المحدد منها، أي: طرفه الذي يحصل منه الضرر، فأمره أن يأخذ بنصالها كما جاء في بعض الروايات؛ حتى لا تخدش مسلماً، أي: حتى لا تجرح مسلماً، فإذا كان طرفها المحدد ليس بيده، وإنما هو في جهة أخرى فقد تخدش أحداً من الناس فيحصل بذلك الضرر، وهذا من الأخذ بسد الذرائع؛ لأن كونه يأخذ بنصالها سداً لذريعة حصول الضرر؛ كون النصال بارزة، فقد تلمس أحداً فتجرحه، ويخرج منه الدم، وفي الحديث دليل على حرمة دم المسلم ولو كان قليلاً؛ لأن هذا النهي إنما هو لخدش، أو شيء يحصل سيلان الدم ولو كان يسيراً، وتحريم الدماء، والأموال، والأعراض من الأمور التي جاءت الشريعة بتأكيدها، والتحذير منها، وقد حذر من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في حجة الوداع حيث قال بعد أن سأل عن اليوم، والشهر، والمكان، ويريد أن يقرر حرمة ذلك كما أن هذا معلوم حرمته، فقال: ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا )، فالحديث يدل على حرمة إيذاء المسلم، وعلى حرمة دمه، ولو كان ذلك الدم يسيراً، ولو كان من غير قصد؛ لأن هذا الرجل معلوم أنه لا يقصد، ولكن كون النصال بارزة، وقد تلمس أحداً فتجرحه فيحصل له ضرر بذلك.
    تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)
    قوله: [ أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، وهو ابن مخرمة، وهو بصري، والنسائي رحمه الله نسب شيخه، وأطال في نسبه، وقد ذكرنا فيما مضى أن التلميذ له أن يذكر شيخه بما يريد، وله أن ينسب كما يريد، إن أراد أن يطول نسبته فعل، وإن أراد أن يقصر نسبته فعل، وهذا هو ما يفعله النسائي وغيره، فأحياناً يذكر الشخص بكلمتين؛ اسمه واسم أبيه، وأحياناً يذكره بكنيته فقط، وأحياناً يطيل في نسبه كما هنا: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري بصري، فذكر اسمه واسم أبيه وجده وجد أبيه، وذكر نسبته في النسب ونسبته في البلد، الزهري نسبة نسبية، والبصري نسبة وطنية، وأما غير التلميذ فإنه إذا أراد أن يوضح اسماً مهملاً، ويزيد شيئاً يوضحه فإنه لا يأتي به كما يريد بأن ينسبه، ويأتي بنسبه كما يريد، فإن ذلك قد يظن أنه من التلميذ، ولكن الطريقة التي عملها العلماء، وأخذ بها، وامتلأت بها كتب الحديث أنه عندما يريد أن يضيف شيئاً يقول: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو هو الفلاني، فيأتي بكلمة تفيد بأن الإضافة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وأما التلميذ فلا يحتاج أن يقول: فلان هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، ولكن الذي يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان دون التلميذ، ويريد أن يوضح هذا الشخص الذي أهمله التلميذ؛ لأن المهمل هو اتفاق الأسماء، أو الأسماء وأسماء الآباء، وعدم تمييز الأشخاص، فيكون مشترك يحتمل هذا ويحتمل هذا، مثل سفيان، يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، وحماد يحتمل حماد بن زيد أو حماد بن سلمة، فكلمة (هو) يستعملها من دون التلميذ، وأما التلميذ فهو ينسب كما يريد كما فعل النسائي هنا.وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة البصري الزهري صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة؛ وقد نسبه النسائي هنا حتى وصل إلى الصحابي، الذي هو المسور بن مخرمة.و المسور، ومخرمة كلاهما من الصحابة، وهنا ذكر المسور، ولكنه ما ذكر مخرمة.[ ومحمد بن منصور ].محمد بن منصور شخصان: الطوسي، والجواز المكي، وقد عرفنا فيما مضى أن الأقرب وأن الأرجح أن يكون هو محمد بن منصور الجواز المكي ؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وهو مكي، وعندما يكون الأمر دائراً بين شخصين يرجح من له به اختصاص، إما من حيث الوطن، أو من حيث الملازمة، وكثرة الرواية عن ذلك الشيخ.ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهذا أقرب وأظهر؛ لأن عدم التمييز يكون أحياناً لشهرته، وعدم الحاجة إليه، وقد جاء في بعض المواضع أنه ينسبه ويقول: المكي، كما سبق أن مر بنا، محمد بن منصور المكي، ولكنه ما جاء ذكر محمد بن منصور الطوسي منسوباً، ولكن الغالب أنه يحمل على محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[ قالا: حدثنا سفيان ].وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ قلت لـ: عمرو ].سفيان يقول: قلت لـعمرو، وعمرو هو ابن دينار، وهو مكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فـسفيان بن عيينة مكي، وعمرو بن دينار مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهؤلاء ثلاثة مكيون من أهل مكة.قال سفيان : قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول.وجابر هو الصحابي راوي الحديث، وقد مر ذكره قريباً.
    تشبيك الأصابع في المسجد

    شرح حديث عبد الله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تشبيك الأصابع في المسجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: ( دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال لنا: أصلى هؤلاء؟ قلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فصلى بغير أذان ولا إقامة، فجعل إذا ركع شبك بين أصابعه، وجعلها بين ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) ].وهنا أورد النسائي: تشبيك الأصابع في المسجد، ولكنه أورد تحته حديثاً منسوخاً لا يحتج بما جاء فيه التشبيك والتطبيق؛ الذي هو جعل اليدين بين الفخذين، أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن هذا منسوخ، وثبت نسخه في أحاديث، وقد ذكر النسائي النسخ في أحاديث ستأتي في سننه في كتابه هذا السنن.أورد هذا الحديث، أعني: حديث: أن الأسود قال: دخلت أنا، وعلقمة على عبد الله بن مسعود، فقال: أصلى هؤلاء؟ فقلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فتقدم، وأرادوا أن يصفوا وراءه، فجعل واحداً عن يمينه وواحداً عن شماله، ثم شبك بين أصابعه، يعني: عندما أراد أن يركع، وجعلهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا هو التطبيق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.ومحل الشاهد من إيراد الحديث ذكر التشبيك فيه، وإضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا العمل الذي ذكره قد نسخ، وثبت نسخه في أحاديث عند النسائي وعند غيره، ويسمى التطبيق، وهو وضع اليدين متلاصقة، أو مع التشبيك بينهما، ووضعهما بين الفخذين أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن ذلك نسخ، وأمر الناس بأن يجعلوا أيديهم على ركبهم، فهذا هو الحكم الناسخ، وهذا الذي جاء في الحديث هو الحكم المنسوخ، ويحمل ما جاء عن عبد الله بن مسعود على أنه لم يبلغه الناسخ الذي هو وضع اليدين على الركبتين.ولكن الحديث الذي فيه تشبيك الأصابع في المسجد، أو يصلح شاهداً للترجمة حديث ذي اليدين، الحديث المعروف بحديث ذي اليدين، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس الظهر أو العصر، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فشبك بين أصابعه، واستند عليها، فقال له هذا الرجل الذي هو ذو اليدين : ( يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر، قال: بل نسيت، فالتفتَ إلى الناس وقال: أكما يقول ذو اليدين ؟ قالوا: نعم، فقام وصلى الركعتين الباقيتين )، فالحديث فيه التشبيك، وهو ثابت، وهو الذي يدل على التشبيك، ولكنه جاء بعد الصلاة، وجاء في بعض الأحاديث النهي عن التشبيك بين الأصابع قبل الصلاة.فالحاصل: أن الحديث الذي معنا يدل على التشبيك، ولكنه منسوخ، والناسخ له عند النسائي، وعند غيره، وهو وضع الأيدي على الركب، فيكون الحديث لا حجة فيه، أو هذا الاستدلال لا وجه له؛ لأنه منسوخ، فلم يبق له عمل.ثم في الحديث: أنه جعلهما عن يمينه وعن شماله، وقد قال بعض العلماء: إن المكان كان ضيقاً، ولكن يشكل عليه أنهم كانوا أرادوا أن يصفوا خلفه، أي: معناه أن فيه مجال، فلعل ذلك مثل التطبيق منسوخ، وأن هذا كان في أول الأمر، ثم بعد ذلك جاء بيان الحكم، وهو أنه إذا زاد على الواحد فإن المأمومين يكونون وراءه، ولا يكونون عن يمينه ولا عن شماله، فالأقرب أن يكون مثل التطبيق، وأن هذا كان متقدماً كما كان التطبيق متقدماً.
    تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد
    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم، هو ابن مخلد بن راهويه المشهور، المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، وهو محدث، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا عيسى بن يونس ].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وجده أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مأمون، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وذكره بلقبه، وقد جاء في هذا الإسناد بـالأعمش، وفي الإسناد الذي يليه جاء بـسليمان، وسليمان هو الأعمش، أي أنه جاء في إسناد باسمه، وفي إسناد بلقبه.ومعرفة ألقاب المحدثين هي نوع من أنواع علوم الحديث، ولها أهمية، وتظهر أهميتها بحيث لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي لا يعرف أن هذا اسم وهذا لقب لشخص واحد يظن أن هذا شخص وهذا شخص، أي: إذا كان سليمان موجود في إسناد كما في الإسناد الذي بعد هذا، والأعمش في إسناد كما في هذا الإسناد، يظن أن سليمان غير الأعمش، وأن الأعمش غير سليمان، ولكن الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان لا يلتبس عليه الأمر، فلا يظن الشخص الواحد شخصين، بل يعرف أن هذا شخص واحد ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.وقد أوصلها ابن الصلاح إلى فوق الستين، وزاد عليه غيره، وهذا نوعٌ من أنواع هذه العلوم، وهذه العلوم -التي هي علوم الحديث- نوع من أنواع علوم الحديث. وهو ثقة مدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن إبراهيم ].وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ، وهو ثقة، محدث، فقيه، معروف بالحديث، وبالفقه، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الفقه، فإذا قيل: إبراهيم في عد الفقهاء يحمل على إبراهيم النخعي .وقد ذكر ابن القيم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد عندما جاء عند ذكر الذباب إذا وقع في الإناء، وأن الإنسان يغمسه، ثم يزيله، ويشرب الماء، قال: استدل به بعض العلماء على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ووجه الاستدلال أن الماء قد يكون حاراً، وإذا وقع الذباب، وغمس فيه فيترتب عليه الموت، فيكون الذباب مات في ماء حار، والذباب لا نفس له سائلة، أي: ليس له دم؛ لأن الدم يقال له: نفس، فيقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.قال ابن القيم : وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة): إبراهيم النخعي ، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهو أول من عبر بهذه العبارة عن مثل الجراد، والذباب، وغير ذلك من الحيوانات التي ليس فيها دم، فإن موتها في الشيء لا يؤثر، وإبراهيم النخعي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأسود ].والأسود خال إبراهيم، وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية، والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.[قال: دخلت أنا وعلقمة ].علقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ، وهو ثقة، فقيه، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من رجال الإسناد هنا، وإنما ذكره الأسود ، قال: دخلت أنا وعلقمة على ابن مسعود ، فهو ليس من رجال الإسناد، ولكن الإسناد الذي بعده هو من رجاله؛ لأن إبراهيم يقول: عن علقمة، والأسود معناه: أنه يروي عنهما، فيكون علقمة في الإسناد الثاني من رجال الإسناد، وأما في هذا الإسناد الأول فهو ليس من رجاله، وإنما الذي يسند الحديث هو الأسود ، ويحكي أنه كان معه علقمة عندما فعل، وأن ابن مسعود فعل هذا الذي ذكره.و عبد الله بن مسعود الهذلي هو أحد فقهاء الصحابة، وأحد علماء الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين؛ لأنه متقدم الوفاة عن العبادلة الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، وقد عده بعضهم أنه من العبادلة الأربعة، ولكن الصحيح والمشهور أن المراد بهم أربعة من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير.فـعبد الله بن مسعود ليس معهم؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأن وفاته سنة (32هـ)، وأما أولئك فكانوا بعد الستين، أي: تأخرت وفاتهم، واستفاد الناس منهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    طريق أخرى لحديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد وتراجم رجال إسنادها
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن سليمان سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله فذكر نحوه ].وهنا أورد النسائي الحديث بطريق أخرى من طريق إسحاق بن إبراهيم .قوله: [ أخبرنا النضر ].النضر هو ابن شميل ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا شعبة ].هو شعبة بن الحجاج ، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سليمان ].سليمان ، هو الأعمش ، فهنا ذكر باسمه، وفي الإسناد الذي قبله بلقبه، وهو سليمان بن مهران الكاهلي.[ سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود ].في الإسناد الأول الأعمش عنعن، وهنا صرح بالسماع من إبراهيم ، والأعمش مدلس كما عرفنا، وقد صرح بالسماع في الطريق الثانية.وفي الطريق الثانية إبراهيم يروي عن علقمة، والأسود ، فـعلقمة هو من رجال الإسناد في الطريق الثانية، وليس من رجال الإسناد في الطريق الأولى.[ عن عبد الله ].أي: علقمة والأسود يرويان عن ابن مسعود ، فيكون الحديث من روايتهما جميعاً، ولكن في الطريق الأولى من رواية الأسود وحده.[ قال: فذكر نحوه ].كلمة نحوه ومثله، إذا جاءت (مثله)، معناه، أن اللفظ مطابق للمتن، فالمتن مطابق للمتن، اللفظ مثل اللفظ، هذه كلمة مثله.وأما إذا قيل: نحوه، فهو مقارب له، أي: بالمعنى وليس مطابقاً باللفظ، مثل كلمة مثله؛ لأن قول: نحوه، يشعر بالقرب، وليس بالمماثلة، بخلاف مثله، فإنه يدل بلفظه على المماثلة، فهذا هو الفرق بين مثله ونحوه إذا جاء ذكرهما في مثل هذا الموضع، حيث يُذكر حديث بلفظه دون إسناده، ومتنه، ثم يذكر الحديث بإسناد آخر، ويحال على اللفظ المتقدم بكلمة (نحوه)، فهي تختلف عن كلمة (مثله).
    الاستلقاء في المسجد

    شرح حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاستلقاء في المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد؛ واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى).والترجمة التي عقدها النسائي هي الاستلقاء في المسجد، أي: أن ذلك سائغ وجائز، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه حيث قال: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد)، أي: على قفاه مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وهو يدل على جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى في حال الاستلقاء، ولكن هذا الوضع إذا كانت الرجلان ممدودتين فالأمر ليس فيه إشكال، ولكن لو كانت إحدى الرجلين منصوبة ثم وضع الأخرى عليها فإن هذا يشترط فيه أن لا يكون معه انكشاف العورة، والحديث يحتمل الأمرين؛ لأن وضع الرجل على الأخرى يحتمل أن تكون ممدودتين، ويحتمل أن تكون إحداهما منصوبة والأخرى عليها، ولكن الحالة الأولى الأمر فيها واضح من ناحية ستر العورة؛ لأن كون الرجلين ممدودتين، وواحدة فوق الثانية لا يؤثر شيئاً، مثلما لو كانت ممدودتين جميعاً، ولكن الإشكال فيما لو نصب إحداهما ووضع الثانية عليها فإن هذا قد يكون فيه انكشاف للعورة، فإذا أمن ذلك فمحتمل الوضع أن يكون هذا، وأن يكون هذا، وكل يطلق عليه أنه وضع إحدى الرجلين على الأخرى.
    تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، أحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين لهم مذاهب عني بها ودونت، وصار لهم أصحاب عنوا بجمع أقوالهم ومذاهبهم، واشتهرت بسبب ذلك.وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو مشهور بنسبته الزهري ، وكذلك نسبته إلى جده شهاب ، فيقال: ابن شهاب ، ويقال: الزهري ، وهو ثقة، إمام، جليل، محدث، فقيه، من أوعية العلم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عباد بن تميم ].هو عباد بن تميم المازني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمه ].عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، وهو صحابي مشهور، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو عمه لأبيه ؛ لأن هذا عباد بن تميم بن غزية المازني ، وأما هذا الصحابي عبد الله بن زيد فهو عمه لأبيه، يعني: عم عباد لأبيه؛ لأن تميم وعبد الله أخوان لأم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #136
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (133)


    - (باب النوم في المسجد) إلى (باب تخليق المساجد)

    بين الشرع الحكيم جواز الاستلقاء في المسجد بشرط عدم انكشاف العورة، كما بين النهي عن البصاق فيه، وكفارتها دفنها أو دلكها وجعل شيء من الطيب مكانها.
    النوم في المسجد

    شرح حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النوم في المسجد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم).هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النوم في المسجد.مقصوده من ذلك بيان جوازه، وأن ذلك سائغ، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الذي يحكي فيه قصة نفسه: (أنه كان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عزب لا أهل له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وما جاء عن ابن عمر في هذا الحديث واضح الدلالة بأنه يخبر عن نفسه أنه ينام في المسجد، وهو شاب عزب لا أهل له؛ يعني: لم يتزوج ولم يتأهل، وأورد فيه الحديث الذي فيه قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما حصل بينه وبين فاطمة شيء، ثم إنه غضب وخرج، ونام في المسجد، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته يسأل عنه، وأخبرته بأنه خرج، فذهب ووجده في المسجد قد نام، وقد أثر التراب في جسده، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قم أبا تراب )، فهذا مما يدل على ما دل عليه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من جواز النوم في المسجد.وقوله في الحديث: (أنه كان ينام وهو شاب عزب)، معلوم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان من صغار الصحابة، وكان في غزوة أحد لم يبلغ، وقد جاء يطلب منه أن يكون في الجيش، وأن يكون في المجاهدين، ولكن كونه لم يبلغ الخامسة عشرة، فإنه لم يأذن له، وبعد ذلك أذن له، فهو في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره لم يبلغ الخامسة عشرة، وعند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الخامسة والعشرين تقريباً، فهو شاب عزب، أي: لا أهل له، وكان ذلك في مسجده، وفي عهده عليه الصلاة والسلام.وقوله: (في عهده)، هذا هو الذي يفيد إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كونه فعل في عهده، ولم يمنع منه رسول الله عليه الصلاة والسلام دل على جوازه، بل قصة علي واضحة في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء إليه وهو نام في المسجد، وقد علق التراب في جسده رضي الله تعالى عنه، وقال له: ( قم أبا تراب )، وعزب هي اللغة المشهورة، وأما أعزب فقد قال ابن حجر : إنها لغة قليلة، والمشهور هو عزب، وهو الذي لم يتزوج ولم يتأهل.
    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو اليشكري السرخسي ، وهو ثقة، مأمون، سني، وصف بأنه سني لأنه أظهر السنة في بلده، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي .[ حدثنا يحيى ].هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الذهبي في كتابه: ومن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني بذلك: أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما عمدة في التضعيف إذا ضعفا شخصاً وجرحاه، فإنه يعول على قولهما، وعلى جرحهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبيد الله ].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المصغر تمييزاً له عن أخيه عبد الله الذي يوصف بأنه المكبر، والمصغر هذا الذي هو عبيد الله ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني نافع ].ونافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن مولاه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل من المشهورين بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوحديث عبد الله بن عمر عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال هذا الإسناد خمسة، هم: عبيد الله بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع، وعبد الله بن عمر، وهؤلاء الخمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي: عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، فإنه خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، ولم يخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه ، وإنما خرج له من أصحاب السنن الأربعة النسائي وحده.
    البصاق في المسجد

    شرح حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البصاق في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب البصاق في المسجد.المقصود من ذلك بيان حكمه، وأنه خطيئة، وأنه مذموم؛ لأن البصاق شيء مستقذر، فكونه يوضع في المسجد، فهذا لا يليق بالمسجد، لاسيما إذا كان بارزاً ظاهراً يراه الناس ويتقذرونه، وقد أورد فيه حديث أنس بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها )؛ أي: ذمه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبين أنها خطيئة، وأن هذه الخطيئة إذا وجدت فإن كفارتها دفنها بحيث لا يراها أحد، وأما دفنها فهو يدل على طهارتها، ولكنها شيء مستقذر، ولو كان نجساً لأمر بغسله، ولكنها -البصاق والمخاط- من الأشياء الطاهرة لكنها مستقذرة؛ أي: النفوس تستقذر رؤيتها، وإلا فإنها طاهرة، وليست بنجسة.قال: (وكفارتها دفنها)، أي: الإنسان إذا ابتلي بهذا، فإن عليه أن يبادر إلى دفنها؛ حتى تزول ولا يراها أحد، ومن العلماء من قال: إن دفنها إخراجها، لكن هذا ليس هو ظاهر اللفظ، بل ظاهر اللفظ أن يدفنها، وذلك في المسجد الذي فيه تراب، أولاً: لا يجوز للإنسان أن يبصق، ولكنه إذا بصق فإن عليه أن يبادر إلى دفنها، حتى لا تراها الأعين، وحتى لا يستقذرها أحد عندما يراها.
    تراجم رجال إسناد حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا أبو عوانة ].وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته: أبي عوانة ، ومعرفة كنى المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث؛ لأنه لو وجد في بعض الأسانيد الوضاح بن عبد الله ، ووجد في بعض الأسانيد أبو عوانة ، فمن لا يعرف أن هذه كنية للوضاح يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكنه إذا عرف أن الوضاح بن عبد الله اليشكري كنيته أبو عوانة ، فلا يلتبس عليه الأمر لو جاء مرة باسمه، ومرة بكنيته، وهو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري ، وفي شيوخ النسائي أبو عوانة متأخر، وأبو عوانة الإسفراييني له كتاب له أسماء ثلاثة: يقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، ويقال له: المستخرج؛ أي: المستخرج على صحيح مسلم، وهو متأخر، لأنه بعد مسلم. وأما الوضاح بن عبد الله فهو في طبقة متقدمة.[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة، مدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين، وهو ممن تشرف بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه عشر سنوات، وذلك منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلى أن توفاه الله وهو يخدمه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد عمر وعاش طويلاً، ولقيه صغار التابعين، وأخذوا عنه الحديث، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أحد السبعة الذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر عبد الله بن عمر في الحديث الذي قبل هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الأربعة الذين هم رجال الإسناد، وهم: قتيبة، وأبو عوانة، وقتادة بن دعامة، وأنس بن مالك هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والإسناد من رباعيات النسائي الذي هو أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي أربعة يكونون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد من هذه الأسانيد العالية عند النسائي .
    النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد

    شرح حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، فالرجال والنساء كلهم لا يتنخمون في المسجد، وبالأولى في قبلة المسجد، والتنصيص على القبلة؛ لأهمية ذلك، ولكونه الذي يراه الناس، ويكون بارزاً أمامهم، وليس للإنسان أن يتنخم في المسجد كله، ولكن التنصيص على القبلة؛ لأنها هي البارزة أمام الناس؛ أي: أن الجدار الذي يكون في الصف الأول يكون أول من يصل يراه، وكذلك الذين يلونه يرونه، فهذا هو وجه تخصيصه، وإلا فإن البصاق في المسجد أو التنخم في المسجد كله محذور، وقد مر أن البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، ولكنه نص على جهة القبلة؛ لأهميتها ولشدة الاستقذار فيما كان فيها؛ لأن من يصل إلى المسجد أولاً يراه، فالذين يكونون في أوائل الصفوف هم الذين يأتون مبكرين ويذهبون متأخرين، فيكون في ذلك استقذار أو زيادة في الاستقذار عندما يرونه في القبلة.ثم قال: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه )، وهذا يدل على أن البصاق طاهر، ولهذا حكه، والحك يتساقط وينزل، ولكنه لا يظهر ذلك المنظر، ولو كان نجساً لغسل، ولا يكفي فيه الحك، لكنه إذا حكه وسقط، فيزول ذلك المنظر الكريه المستقذر، فحكه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ( ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه )، لعل ذكره هنا بعد أن حكه وكان في قبلة المسجد أنه قد يكون أحد بصق على الجدار وهو يصلي، يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون البصاق بدون صلاة، ولكنه غالباً يكون في الصلاة؛ لأن المصلي يكون في الصف الأول والجدار أمامه، وقد يحصل منهم ذلك قبل أن يبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم المنع من ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم حكه، ونهى عن البصاق، وهذا يدل على منعه وعلى إزالته عندما يوجد، وإذا كان في تراب فإنه يدفن، وإن كان في جدار -البصاق- فإنه يزال بالحك كما فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم قال: ( فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى )، يعني: أن المصلي يناجي الله عز وجل والله تعالى أمامه، فعليه أن يحترم تلك الجهة التي هو يناجي الله عز وجل متجهاً إليها وهي جهة القبلة، وقوله: (فإن الله عز وجل قبل وجهه)؛ أي: الله عز وجل قبل وجه الإنسان أينما توجه، كما قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، لكن الكلام هنا جاء في الصلاة، والمصلي يناجي الله عز وجل، ويجب أن يكون بجسده وقلبه مقبلا على الله عز وجل، فيناجي الله عز وجل فيحترم تلك الجهة؛ لأن الله عز وجل هو الكبير المتعال، وهو الذي في السماوات والأرضين وما حوته، والمخلوقات كلها في قبضته سبحانه وتعالى كالخردلة في كف أحدنا ولله المثل الأعلى، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن المعلوم أن من كان في داخل الخردلة، فإن الذي يكون خارجها فإنه يكون أمامه؛ لأن الخردلة حقيرة ليست بشيء، لكن هنا جاء التنصيص على قبل وجه المصلي لأنه متجه إلى الله عز وجل يناجيه ويدعوه، ويسأله ويرجوه، فله حالة يجب أن يحترم تلك الجهة التي هو متجه إليها، والتي الله عز وجل أمامه فيها وقبل وجهه، وألا يبصق قبل وجهه، ثم فيه المحذور الآخر -الذي مر- وهو سبب الحديث، حيث رأى الرسول نخامة في المسجد فحكها، ثم قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه)؛ يعني: ففيه الاستقذار، وفيه وجوب تعظيم الله تعالى؛ لأنه يناجي الله عز وجل، والله تعالى أمامه، وهو متجه إلى القبلة، وقد عرفنا أن قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، أنها من آيات الصفات، والإنسان أينما توجه فالله تعالى أمامه، ومعنى ذلك يتضح بمعرفة الأثر الذي جاء عن ابن عباس : أن السماوات والأرضين وما فيهن كالخردلة بكف واحدٍ منا ولله المثل الأعلى.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن مالك ].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].هو مولى ابن عمر ، وقد مر ذكره .[ عن ابن عمر ].قد مر ذكره، وهذه السلسلة التي فيها: مالك عن نافع عن ابن عمر هي التي قال عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد .
    ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته


    شرح حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة، ونهى أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه، وقال: يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أي: لكن عن شماله، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة )، وقال: ( يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى )، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له من النهي عن البصاق في صلاته بأن يكون أمامه أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله؛ حيث يكون فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى، وفي هذا الحديث المنع من التنخم أمام الإنسان أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، وفيه تعظيم جهة القبلة حيث يكون الإنسان يصلي، ويناجي الله عز وجل، وكذلك اليمين، والبصاق يكون عن جهة الشمال أو تحت القدم اليسرى؛ لأن البصاق من الأمور المستقذرة، وهي من شأن الشمال، ولهذا يكون باليسرى، ولا يمتخط الإنسان باليد اليمنى، وإنما يكون باليد اليسرى التي تباشر مثل هذه الأمور، فاليد اليمنى للأمور التي لها شأن والأمور الحسنة، وأما اليسرى فإنها للأمور المستقذرة، وكذلك هنا منع أن يبصق عن يمينه، وكذلك بين يديه، ولكن عن شماله أو تحت قدمه اليسرى.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته
    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو: ابن عيينة ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن حميد بن عبد الرحمن ].هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سعيد الخدري ].هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وقد مر ذكرهم في أبيات السيوطي آنفاً.

    الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله


    شرح حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن ربعي عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك، وابصق خلفك أو تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله ودلكه ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب الرخصة للمصلي أن أيبصق خلفه أو عن شماله.ثم أورد حديث طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبصق المصلي قبل وجهه أو عن يمينه، ولكن خلفه أو عن شماله إن كان فارغاً )؛ أي: لا أحد صاف بجواره، وإلا فعل هكذا وبصقها تحت قدمه اليسرى ودلكها، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا أنه يبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، والبصق خلفه يمكن أن يكون بدون أن يستدير ويتفل وراءه، ويمكن له إذا كان اليسار خالياً ليس فيه أحد أن يبصق عن يساره.أما إذا كان هناك أحد واقف يصلي، أو أحد لا يصلي ولكنه بجواره وهو يصلي، فإنها تكون تحت قدمه اليسرى ويدلكها، أو تكون وراءه بأن يرسل النخامة عن يساره إلى وراء ظهره، وذلك بدون أن يستدير وينحرف عن جهة القبلة، وتكون القبلة وراءه، ثم يبصق ثم يرجع، وإنما يكون بتمايله وإرسال النخامة عن يساره إلى وراء ظهره.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)
    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو: اليشكري السرخسي الذي مر ذكره قريباً.[ حدثنا يحيى ].هو: القطان ، وقد مر ذكره قريباً.[ عن سفيان ].وسفيان هذا يحتمل أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، ولكن كونه الثوري أقرب؛ لأن منصور بن المعتمر الذي يروي عنه من أهل الكوفة، وسفيان الثوري كوفي، فهما من بلد واحد، وأيضاً كذلك يحيى بن سعيد القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة.وأما سفيان بن عيينة فهو مكي، فالأقرب أو الأظهر أن يكون المراد به سفيان الثوري ؛ وإن كان سفيان بن عيينة روى عن منصور بن المعتمر ، لكن كونه من بلده، فيكون أكثر ملازمة له، فيحمل على أنه الثوري ، ولا يؤثر حتى لو لم يعلم أنه هذا أو هذا؛ فالإسناد دائر على ثقة، سواء يكون الثوري أو يكون ابن عيينة؛ لأن كل منهما ثقة.وسفيان الثوري ثقة، ثبت، إمام، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف من أعلى صيغ التعديل، وأعلى صيغ التوثيق، وما حصل إلا للقليل النادر من المحدثين، وقد حصل لـسفيان الثوري كما حصل لـشعبة، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم ممن وصف بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثني منصور ].هو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ربعي ].هو ربعي بن حراش ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن طارق بن عبد الله المحاربي ].هو طارق بن عبد الله المحاربي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج أيضاً حديثه أصحاب السنن الأربعة، وفي نسخة التقريب ذات المجلدين، وكذلك نسخة تهذيب التهذيب رمز له بـأبي داود وحده، وأما المزي في تهذيب الكمال فإنه ليس من عادته أن يرمز، ولكنه يأتي بالألفاظ وبالكلمات، فقال: أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج له الباقون سوى مسلم ، فالرمز الصحيح له (عين خاء) أي البخاري في خلق أفعال العباد، ورمز أصحاب السنن الأربعة، ثم الحديث عند تخريجه ذكر كونه عند أبي داود، والترمذي، وعند ابن ماجه ، أي هو موجود عندهم، فهو من رجالهم، وليس كما جاء في نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة تقريب التهذيب الرمز لـأبي داود فقط، والحديث عند النسائي معنا.فهو صحابي مقل؛ لأنه قيل: إن له حديثان أو ثلاثة أحاديث، فهو مقل.
    بأي الرجلين يدلك بصاقه

    شرح حديث عبد الله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة: باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.وأورد فيها حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى )، المقصود أنه يدلك برجله اليسرى، وكما مر أنه يتنخع تحت قدمه اليسرى ويدلكه، فالتنخع يكون تحت الرجل اليسرى، ويكون الدلك بالرجل اليسرى.
    تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
    قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].هو سويد بن نصر المروزي ، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي .[ أنبأنا عبد الله ].هو ابن المبارك الإمام، الثقة، الثبت، والذي وصفه ابن حجر في التقريب بقوله بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد الجريري ].هو: ابن إياس ؛ أي: سعيد بن إياس الجريري ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي العلاء بن الشخير ].هو: يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].هو: عبد الله بن الشخير ]، وذاك مشهور بكنيته -الذي هو يزيد بن عبد الله- أبو العلاء ، وحديثه -كما ذكرت- عند أصحاب الكتب الستة.أما أبوه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه فهو من مسلمة الفتح، وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    تخليق المساجد

    شرح حديث أنس في تخليق المسجد
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تخليق المساجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عائذ بن حبيب حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا )! ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب تخليق المساجد.أي: تطييبها، والتخليق هو: وضع الخلوق، وهو نوع من الطيب، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه )، وهذا فيه شدة الإنكار والكراهية، والبغض لهذا العمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب واحمر وجهه من شدة الغضب لهذا الذي رآه، وهذا فيه بيان وجوب العناية بالمساجد ونظافتها، وعدم تقذيرها، أو وضع شيء فيه قذر يستقذره الناس مثل: النخام، لاسيما إذا كان في قبلة المسجد الذي يراه من يأتي إلى المسجد مبكراً، ومن يبقى في المسجد، (فقامت امرأة من الأنصار فحكتها -تلك النخامة التي في الجدار- وجعلت مكانها خلوقاً)، وهذا هو محل الشاهد أنها وضعت عليها خلوقاً الذي هو نوع من الطيب، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا)؛ لأنها أزالت الشيء المستقذر، وأتت بالشيء الطيب مكان هذا المستقذر، وجعلت مكانه ما هو مستحب ومحبوب إلى النفوس الذي هو الطيب؛ حيث أزالت القذر، ووضعت مكانه طيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما أحسن هذا!)؛ لأن فيه جمع بين حسنيين؛ وهو إزالة القذر، ووضع شيء طيب مكان هذا الشيء المستقذر الذي أزيل.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في تخليق المسجد
    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو: ابن مخلد بن راهويه وهو ثقة، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو فقيه، محدث، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ حدثنا عائذ بن حبيب ].هو عائذ بن حبيب ، وهو صدوق، وقد رمي بالتشيع، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد الطويل ].هو حميد بن أبي حميد الطويل، وثقوه، وهو يدلس عن أنس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن أنس بن مالك ].وقد مر ذكره قريباً، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي ؛ لأنه فيه :إسحاق بن إبراهيم، وعائذ بن حبيب، وحميد الطويل، وأنس بن مالك، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي.
    الأسئلة

    حكم الصلاة خلف المبتدع
    السؤال: ما حكم الصلاة خلف المبتدع ومن في عقيدته خلل؟الجواب: المبتدع الذي بدعته مكفرة لا يصلى وراءه ولا تصح صلاته، ولا صلاة لمن يصلي وراء من كانت بدعته مكفرة، وليس للإنسان أن يصلي وراءه.أما إذا كانت البدعة مفسقة وليست مكفرة، فإن مثله لا يصلح أن يكون إماماً، ولكنه إذا صلى، وصلي وراءه فالصلاة صحيحة، ولكنه لا يصلح أن يكون إماماً، وإنما يقدم في الإمامة من يكون من أهل السلامة.
    حكم رفع اليدين عند الدعاء يوم الجمعة
    السؤال: ما حكم رفع اليدين عندما يدعو الإمام يوم الجمعة؟الجواب: لا ترفع الأيدي في وقت خطبة الجمعة لا من الإمام ولا من المأمومين، ولا ترفع الأيدي إلا إذا حصل استسقاء فاللإمام أن يرفع، وللمأمومين أن يرفعوا.أما في غير الاستسقاء فإنها لا ترفع الأيدي في الخطبة، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث مالك بن رؤيبة : أن أحد بني أمية كان يرفع يديه، فقال: (قطع الله هاتين اليدين، ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بأصبعه)، أي: في حال خطبته عند ذكر الله عز وجل، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يرفع يديه، فلا ترفع الأيدي؛ اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    مقولة أن حدود الحرم سيصل إلى اليمن
    السؤال: ما حدود الحرم؟ وهل ورد أن الحرم سوف يصل إلى اليمن؟الجواب: أي حرم -حرم مكة أو المدينة- يصل إلى اليمن؟ يعني: يختلط الحرمين، أقول: هذا كلام لا أساس له؛ فالحرم محدد، ومكة حرمها الله وحدودها معروفة، يعني: لا تزيد ولا تنقص، والمدينة حدودها أو حرمها حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ما بين عير إلى ثور، فهذا هو حدها كما حدها بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثور جبل صغير خلف أحد.
    ما يلزم من توضأ بعد غسل الجنابة أو غسل الجمعة
    السؤال: هل يلزم الوضوء بعد الغسل من الجنابة أو الغسل ليوم الجمعة؟الجواب: الغسل يوم الجمعة لا يغني عن الوضوء أبداً، وإنما الإنسان يتوضأ ويغتسل، وإذا اغتسل للجمعة يتوضأ وضوءه للصلاة، أما غسله للجنابة فإنه يكفي، لكن كونه يغتسل ويفيض الماء على جسده، ثم يكتفي عن الوضوء، فلا يكفي؛ لأن هذا الاغتسال لا يرفع حدثاً.أما الحدث الأكبر فإنه إذا ارتفع يرتفع معه الحدث الأصغر، أي: إذا اغتسل الإنسان وأفاض الماء على سائر جسده، وكان قبل ذلك غسل ذكره، وغسل ما يحتاج إلى غسل، فأفاض الماء على جسده، ولم يلمس ذكره وهو يغتسل، فإنه كافٍ في رفع الحدث الأكبر، وكذلك يغني عن الحدث الأصغر؛ لأن الأصغر يدخل تحت الأكبر، والأكمل والأفضل هو كون الإنسان يتوضأ أولاً ثم يغتسل، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غسل الجمعة فإنه لا يجزئ عن الوضوء؛ لأنه ما رفع به الحدث، وأما غسل الجنابة فهو رفع فيه الحدث الأكبر.
    مدى اعتبار سترة الإمام سترة للمأمومين
    السؤال: هل تعتبر سترة الإمام سترة للمسبوق من المأمومين بعد سلام الإمام؟الجواب: لا، فالمأموم سترته سترة إمامه، لكن إذا انتهى الإمام من الصلاة لم تكن سترته سترة لغيره؛ لأن صلاته قد انتهت، وذاك إذا كان عنده سترة له فحسن، وإلا فيمنع من يمر بين يديه إذا كان قريباً، وإذا كان في مسافة مقدار ثلاثة أذرع من قدمه إلى جهة الأمام، فما بعد ثلاثة أذرع لا يرد أحداً؛ لأنه لا يملك الفضاء الذي أمامه وإن بعد، وإنما في حدود ثلاثة أذرع أمامه من قدمه، فيرد من يأتي في هذه المسافة، وإذا كان بعد هذه المسافة، فإنه ليس عليه بأس فيه.
    كيفية التعامل مع المنتسبين لآل البيت إذا كانوا على مذهب الشيعة
    السؤال: يوجد ممن يدعون بالأشراف، وينتسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمون بالتشيع، ولا نعلم عن حال تشيعهم، فما الحكم في التعامل معهم ومخالطتهم؟الجوا ب: إذا لم يكن معروفاً عنهم وقوعٌ في ما وقع فيه الشيعة، وما وقع فيه الرافضة، فالأصل سلامتهم حتى يثبت شيء بخلاف ذلك، ومن المعلوم أن كون الإنسان يكون شريفاً أو ذا نسب شريف فلا يعني ذلك أن يكون ملازماً للتشيع، وأن يكون متشيعاً، ولا يوجد تلازم بين التشيع وبين كونه ذا نسب شريف، فأصحاب النسب الشريف كانوا يقدرون الصحابة، وكانوا يجلون الصحابة، وما في نفوسهم على الصحابة جميعاً شيء رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا كان فقط مجرد أن كونه شريف، وما عرف عنه هذا الوصف الذميم -الذي هو كونه على طريقة الشيعة- فالأفضل سلامته.
    حكم رواية الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي
    السؤال: من المعلوم في علم الحديث أن شعبة بن الحجاج رحمه الله إذا روى عن الأعمش تقبل عنعنة الأعمش ؛ لما ثبت بسند صحيح عن شعبة بن الحجاج أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: أبو إسحاق السبيعي والأعمش وقتادة ، فالسؤال: إذا روى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي هل تقبل عنعنته؟ وما الدليل على ذلك؟الجواب: ما أدري إذا كان هناك شيء محدد للرواية عنهم أنه إذا روى عنه فيعتبر ما ذكره العلماء عنهم، لكن الذي أعرف عن شعبة أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعاً لهم ولم يكن مدلساً، ولهذا إذا كان شعبة يروي عن مدلس، فلا يضر كون المدلس معنعناً، يعني: روى بالعنعنة؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أُمن تدليسهم، أي: إلا ما هو مسموع لهم، وليس مدلساً.
    الراجح في حديث ابن لهيعة
    السؤال: ما هو القول الراجح في مسألة حديث ابن لهيعة ؟الجواب: هو صدوق، واختلط بعد احتراق كتبه، والمختلط طريقة الرواية عنه: أن ما روي عنه قبل اختلاطه، فهذا مأمون ولا يؤثر، وما كان بعد الاختلاط فهذا هو الذي فيه التوقف، ويحتاج إلى مساعدة وعضد.
    مدى جواز البصق في منديل تجاه القبلة
    السؤال: لو بصق المصلي في منديل إلى جهة القبلة، فهل هذا الفعل يشمله النص؟الجواب: النص جهة القبلة سواء كان على منديل، أو على فراش، أو على أي مكان، فالإنسان لا يبصق إلى جهة القبلة، لكن إذا كان معه منديل فإنه يبصق ويضعه في مخبأته، ولا يبصق قدامه.
    تعليق جواز البصق في الصلاة بالفريضة أو بالنافلة
    السؤال: هل جواز البصق في الصلاة خاص بالفريضة أم بالنافلة أم في كليهما؟الجواب: فيهما جميعاً الفريضة والنافلة.
    بيان دلك النخامة بالرجل اليسرى
    السؤال: هل دلك النخامة والبصاق بالرجل اليسرى إذا كانت حافية أم أنها في كل حال وفي كل مكان؟الجواب: إذا كان حافياً فإنه يدلكها برجله، وإذا كان عليه نعل فيدلكها بنعله؛ يعني: الأمر أنه يدلكها برجله، سواء كان حافياً أو منتعلاً.
    مدى صحة التنصيص على أن النهي عن البصق الذي يكون في الصلاة
    السؤال: في حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته، فمن أين استنبط المصنف كون الرجل في صلاته، مع أن الحديث ليس فيه: في صلاته؟الجواب: جاء في بعض الطرق التنصيص على الصلاة، ومن المعلوم أن هذه الهيئة ينبغي للإنسان أن يفعلها دائماً، حتى في غير الصلاة، فالإنسان لا يبصق أمامه ولا عن يمينه، وإنما يبصق عن يساره.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #137
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,705

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب المساجد
    (134)

    - (باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه) إلى (باب صلاة الذي يمر على المسجد)

    خصت المساجد بخصائص منها: أنه يستحب لمن دخلها أن يسأل الله الرحمة، وأن يسأله من فضله العظيم، واستحباب صلاة ركعتين تحية للمسجد.

    القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه


    شرح حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه.أخبرنا سليمان بن عبيد الله الغيلاني بصري حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان عن ربيعة عن عبد الملك بن سعيد سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) ].يقول النسائي رحمه الله: القول عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، أي: الذكر، والدعاء الذي يشرع للإنسان أن يقوله عندما يدخل المسجد، وعندما يخرج منه، وقد أورد فيه حديث أبي حميد، وأبي أسيد الساعديين رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).هذا دعاء يشرع عند الدخول، ويشرع عند الخروج، وجاء في بعض الأحاديث أنه يصلى قبل ذلك ويسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم يؤتى بهذا الدعاء الذي هو عند دخول المسجد سؤال الله رحمته، وعند الخروج من المسجد يسأل الله من فضله، وإنما جاء ذكر الرحمة عند الدخول، وذكر الفضل عند الخروج؛ لأن الإنسان إذا جاء إلى المسجد جاء يرجو رحمة الله، ويرجو مغفرته، ويرجو رفع الدرجات، وحط الخطيئات فناسب أن يكون الدعاء عند الدخول أن يسأل الإنسان ربه أن يفتح له أبواب رحمته، وأما إذا خرج فإنه يطلب الفضل من الله تعالى، أي: خارج المسجد، الذي يناسب طلب الرزق، وطلب الفضل من الله عز وجل، ولهذا جاء في الدعاء عند الخروج: (اللهم إني أسألك من فضلك)، وقد جاء في سورة الجمعة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، أي: ابتغوا الرزق، واطلبوا الله من فضله أن يرزقكم، فجاء ذكر ابتغاء الفضل، وابتغاء الطلب، وطلب الرزق بعد الخروج من المسجد: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، والله تعالى جعل الليل سكناً، والنهار موطناً لابتغاء الفضل وابتغاء الرزق: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص:73]، تسكنوا فيه، أي: في الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني: في النهار، وذلك بطلب الرزق، وهذا يدل على أن الإنسان يفعل الأسباب ويتوكل على الله عز وجل، فلا يترك الأسباب، ولا يأخذ بالأسباب ويغفل عن مسبب الأسباب، وهو الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً، وتروح بطاناً )، (تغدو خماصاً)، خاوية البطون، (وتعود بطاناً)، ممتلئة البطون من الرزق الذي حصلته، فتذهب في الصباح، وتعود في الرواح، وقد أخذت حاجتها، وأخذت نصيبها من الرزق الذي كتب الله لها.ولهذا جاء الدعاء في الدخول مناسباً لما جاء الإنسان من أجله، وهو طلب مغفرة الله ورحمته، وجاء الدعاء عند الخروج لطلب الله من فضله، وذلك بتحصيل الرزق الحلال، والقوت الذي يقيته، ويقيت من يعوله، ومن تلزمه نفقته.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
    قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله].وهو الغيلاني، بصري، وهو صدوق، خرج له مسلم، والنسائي.[ حدثنا أبو عامر ].أبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عامر ، وكذلك مشهور بنسبته العقدي ، وهنا ذكره بأبي عامر فقط بالكنية، واسمه عبد الملك بن عمرو ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة،