شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 23
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 23 من 24 الأولىالأولى ... 131415161718192021222324 الأخيرةالأخيرة
النتائج 441 إلى 460 من 473
4اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #441
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب النكاح

    (438)

    - (باب التزويج على الإسلام) إلى (باب القسط في الأصدقة)




    الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وممن استحضر هذا المعنى في نفسه أم سليم عندما تقدم لها أبو طلحة، حيث قالت له: إنك كافر وإني مسلمة ولا يصلح أن يتزوج كافر بمسلمة، فأسلم فزوجت به. ويجوز تزوج الجارية بعد إعتاقها، ومن فعل ذلك فله أجران، وقد أمر الله تعالى الناس بالقسط في اليتامى، فلا ينقصها عن مهر مثيلاتها، بل يعطيها كما يعطي مثلها. وينبغي للناس أن لا يغالوا في المهور؛ تحقيقاً للمصالح، ودفعاً للمضار، وتأسياً بالنبي القدوة صلى الله عليه وسلم.
    التزويج على الإسلام

    شرح حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على الإسلام.أخبرنا قتيبة حدثنا محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (تزوج أبو طلحة أم سليم رضي الله عنهما، فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينهما)].
    يقول النسائي رحمه الله: التزويج على الإسلام، المقصود من هذه الترجمة: أن الإسلام وهو أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على المسلمين، فقد حصل التزويج عليه من بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو ابن أم سليم زوجة أبي طلحة التي حصل زواجها على الإسلام، [وأنها أسلمت قبل أبي طلحة، فخطبها] وهو كافر، فطلبت منه أن يسلم وأن يتزوجها، قال: [فكان صداق ما بينهما]، أي: الإسلام، هو صداق ما بينهما.
    ومن العلماء من قال: إن هذا هو السبب الذي دفع إلى الزواج، وأنه لا يعني: أنه لا يدفع لها شيئاً، لكن هذا الباعث، وهذا هو الذي جعلها ترغبه في الإسلام من أجل أن يحصل الزواج بها، فكان سبباً مباركاً لـأبي طلحة رضي الله عنه، أن دخل في الإسلام، وتزوج بـأم سليم أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
    ومن المعلوم أن الإسلام نعمة عظيمة لمن أسلم، وأم سليم رضي الله تعالى عنها، ما حصل لها شيء يخصها، أو شيء تتموله من كونه أسلم، اللهم إلا كونها تسببت في إسلامه ورغبته في الإسلام، ودخل في الإسلام وتزوجها، وكان كفئاً لها؛ لأنهما صارا مسلمين، وقال أنس: (فكان صداق ما بينهما الإسلام).

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام

    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا محمد بن موسى].
    وهو محمد بن موسى الفطري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة].
    هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي.
    [عن أنس].
    هو: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تشرف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم عشرة سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل وهو يخدمه، وكان لهذه الملازمة الأثر الكبير في حفظ الكثير من السنن، وتحمل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من أكثر الصحابة حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    ثم أيضاً من أسباب ذلك كونه عُمِّر وطالت حياته، ومن المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يتحملون ما يتحملون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحمل بعضهم من بعض ما يكون عند الآخرين، وما كان من هذا القبيل فهو من قبيل مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة كلها حجة؛ لأنهم إنما يأخذون عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول بتعديل الله عز وجل، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم.

    حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن النضر بن مساور أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (خطب أبو طلحة أم سليم رضي الله عنهما، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجلٌ كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأةٍ قط كانت أكرم مهراً من أم سليم الإسلام، فدخل بها فولدت له)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.
    قوله: [أخبرنا محمد بن النضر بن مساور].
    هو: محمد بن النضر بن مساور، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [أخبرنا جعفر بن سليمان].
    صدوق يتشيع، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن ثابت].
    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس].
    وقد مر ذكره.
    وهذان الحديثان من رباعيات النسائي؛ لأنها من أعلى ما يكون عند النسائي؛ لأن الإسناد الأول فيه أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: قتيبة، ومحمد بن موسى الفطري، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك، وهذا الإسناد فيه محمد بن النضر بن مساور عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، فهؤلاء أربعة، والذي في الإسناد الذي قبله أربعة، وهما من أعلى الأسانيد عند النسائي. إذاً أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات، ومثله من أصحاب الكتب الإمام مسلم، فأعلى ما عنده الرباعيات، وكذلك أبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، أما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف.


    التزويج على العتق


    شرح حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على العتق. أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة وعبد العزيز يعني ابن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، (ح)، وأخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن ثابت وشعيب عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتق صفية رضي الله عنها وجعله صداقها)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التزويج على العتق، يعني: أن يكون عتقه لأمته صداقاً لها، بأن يعتقها، ويتزوجها، ومهرها هو المنة عليها بالحرية، والخروج من الرق، ومن المعلوم أنها ما دامت الأمة مملوكةً فهي مال، ويمكن أن يبيعها، ويأخذ ثمنها، ويمكن أن يكاتبها، وتعمل حتى تأتي له بالمقدار الذي كاتبها عليه، فإذا لم يطلب منها مثل هذا المال، ولم يبعها ويأخذ ذلك المال في مقابل عينها، فإذا أراد أن يعتقها، ويجعل ذلك العتق صداقاً لها، فهذا هو المقصود بالتزويج على العتق، أي: أن يكون العتق صداقاً.
    وقد أورد النسائي حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج صفية وجعل عتقها صداقها)، فدل هذا على أن العتق يكون صداقاً للأمة لمن أراد أن يتزوجها؛ لأنها بهذا خرجت من كونها أمةً ليس لها حق في القسم، إلى كونها حرةً، وواحدةً من الزوجات، ولها حق في القسم، فتغيرت حالها من الرق إلى الحرية، ومن كونها لا قسم لها إلى كونها زوجةً يقسم لها، ولها حقوق الزوجات، ومن المعلوم أن الأمة لها قيمة، وهي تباع، وتشترى وتكاتب، فبدلاً من أن يعمل هذه الأمور، ويتحصل على المال ببيعها، وينتهي ذلك بظفره بمال، جعل هذا الذي سيأخذه لو أراد أن يأخذه، جعل ذلك عتقاً لها، وجعل ذلك العتق صداقاً لها، هذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العلماء من قال: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كونه يعتق، ويتزوج، والمهر هو العتق، ومنهم من يقول: إنه ليس بخاص به عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه نعمة، وتلك النعمة نعمة الحرية، وكان بيعها، ويمكن أن يكون بالمال، ويمكن أن تكاتب على نفسها، وتجمع المال ثم تأتي به، وتحصل الحرية بذلك، فيكون مثل هذا صداقاً، ولا يكون خاصاً بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل من أعتق أمته، وتزوجها وجعل عتقها صداقها، فله قدوة برسول الله عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها

    قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، قد مر ذكره.
    [حدثنا أبو عوانة].
    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ومشهور بكنيته أبو عوانة، وهو متقدم؛ لأنه في طبقة شيوخ، وشيوخ أصحاب الكتب الستة، ومثله ممن اشتهر بهذه الكنية أبو عوانة الإسفراييني الذي له المستخرج على صحيح مسلم، فهو أيضاً مشهور بهذه الكنية وهي أبو عوانة.
    [عن قتادة].
    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وعبد العزيز يعني ابن صهيب].
    وعبد العزيز يعني: ابن صهيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وكلمة (يعني ابن صهيب) يعني هذه الكلمة الذي قالها من دون التلميذ، وهو أبو عوانة قالها: إما قتيبة، أو النسائي، أو من دون النسائي.
    وإذاً فكلمة يعني: هذه فعل مضارع فاعله ضمير مستتر يرجع إلى أبي عوانة الذي هو التلميذ، والذي قال كلمة يعني هو من دون أبي عوانة. فإذاً كلمة يعني لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون تلميذ عبد العزيز بن صهيب وهو أبو عوانة، وأما الضمير المستتر الذي هو فاعل يعني فهو يرجع إلى أبي عوانة.
    [عن أنس].
    رضي الله تعالى عنه، وهذا رباعي أيضاً، وذكر عبد العزيز وقتادة، لا يعني: أنهما في الإسناد يروي بعضهم عن بعض، بل هما في طبقة واحدة، فالحديث رباعي؛ لأن أبا عوانة يروي عن شيخين هما: قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، إذاً هو رباعي، وكون فيه شيخان لـأبي عوانة لا يعني أن يكون خماسياً؛ لأن الاثنين في طبقة واحدة، وهما بمثابة الراوي الواحد، ليس بعضهم يروي عن بعض. إذاً الحديث رباعي مثل الحديثين الذي قبله.
    [قال: (ح)، وأخبرنا قتيبة].
    ثم قال: (ح)، وهذه (ح) تحويل من إسناد إلى إسناد. قتيبة مر ذكره.
    [حدثنا حماد].
    هو حماد بن زيد، إذا جاء حماد غير منسوب يروي عنه قتيبة فالمراد به: حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ثابت].
    وقد مر ذكره.
    [وشعيب].
    هو شعيب بن الحبحاب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن أنس].
    وهذا مثل الإسناد الذي قبله، الإسناد الذي قبله خمسة، ولكن اثنين في طبقة، وهذا مثله خمسة، ولكن اثنين في طبقة، بمعنى: أن الحديث رباعي بالإسنادين الأول والثاني، الذي قبل (ح) التحويل، والذي بعد (ح) التحويل هو رباعي.

    حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان، (ح) وأخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن يونس عن ابن الحبحاب عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أعتق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفية وجعل عتقها مهرها)، واللفظ لـمحمد].أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، (أعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي وجعل عتقها صداقها)، (أعتقها وجعل عتقها صداقها).
    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
    محمد بن رافع هو: النيسابوري القشيري، وهو مثل الإمام مسلم رحمة الله عليهما في النسبة إلى البلد، والنسبة إلى القبيلة، فهو قشيري قبيلةً كما أن مسلم قشيري قبيلةً، وكذلك هو نيسابوري، ومسلم نيسابوري، وقد أكثر عنه من الرواية، وإنما هو من هذه القبيلة أصلاً، يعبروا عنه فيقولون: من أنفسهم، وإذا كان ليس من القبيلة، بل هو مولى قالوا: مولاهم، مثل ما قالوا في البخاري: الجعفي مولاهم، فهو منسوب إلى الجعفيين ولاءً، وأما مسلم منسوب إلى القشيريين أصالةً، ونسباً، فهو منهم أصلاً، ومحمد بن رافع هذا هو الذي روى عنه الإمام مسلم الأحاديث التي انتقاها من صحيفة همام بن منبه، فإنها كلها بإسناده عن شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، كلها بإسناد واحد، وشيخه فيها كلها محمد بن رافع النيسابوري القشيري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [حدثنا يحيى بن آدم].
    هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سفيان].
    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [(ح) وأخبرنا عمرو بن منصور].
    ثم أتى بـ (ح) التحويل فقال: أخبرنا عمرو بن منصور، وهو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [حدثنا أبو نعيم].
    هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سفيان].
    هو سفيان الثوري، وهو ثقة، ثبت، أمير المؤمنين في الحديث، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن يونس].
    هو يونس بن عبيد العبدي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن الحبحاب].
    وهو الذي مر ذكره.
    [شعيب].
    مر في الإسناد الأول الذي قبل هذا شعيب، وهنا قال: ابن الحبحاب ولم يذكر اسمه، وقد مر ذكره، وأنه أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن أنس].
    هو أنس بن مالك، وقد مر ذكره.


    عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها

    شرح حديث أبي موسى في عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أبي زائدة حدثني صالح بن صالح عن عامر عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثةٌ يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، وعبدٌ يؤدي حق الله، وحق مواليه، ومؤمن أهل الكتاب)].
    أورد النسائي عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها، يعني: كونه يحصل منه العتق، ثم يحصل منه التزوج بها، يعني: أنه يحسن إليها بعتقها، ويحسن إليها بأن يتزوجها، في هذه الترجمة يخطبها، وتقبله ويتزوجها، أما الترجمة التي قبلها، فإن العتق هو الصداق، ويتزوجها بناءً على ذلك، وأما هذا يعتقها ثم يتزوجها، يعني: ويدفع لها مهراً غير العتق، فيكون جمع لها بين الإحسانين: إحساناً في كونه أعتقها، وإحساناً في كونه تزوجها.
    وقد أورد النسائي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثلاث يؤتون أجرهم مرتين: رجل كان له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها)، يعني: فجمع لها بين أمور ثلاثة: بين كونه أدبها وأحسن تأديبها، وعلمها وأحسن تعليمها، وكانت في ملكه وولايته، ثم أعتقها، وهذا إحسان آخر، ثم تزوجها، وهذا إحسان ثالث، فثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، أحدهم هذا الذي له أمة، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، هذه الصنف الأول من الناس هو الذي ينطبق عليه الحديث.
    قوله: [(وعبدٌ يؤدي حق الله وحق مواليه)].
    فهو يؤتي أجره مرتين؛ لكونه يحصل منه أداء حق الله فيؤجر على ذلك، ويؤدي حق مواليه فيؤجر على ذلك، فيكون له الأجر مرتين.
    (ومؤمنٌ أهل الكتاب)، الذي آمن بنبيه الذي أرسل إليه، ثم دخل في الإسلام، وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فيكون قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على دين، ومؤمن بنبي، وبعد أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به، ودخل في دينه، فيكون بذلك يؤتى أجره مرتين.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.
    [حدثنا ابن أبي زائدة].
    هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثني صالح بن صالح].
    هو صالح بن صالح بن حي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عامر].
    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي بردة بن أبي موسى].
    هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي موسى].
    هو عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن أبي زبيد عبثر بن القاسم عن مطرف عن عامر عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)].أورد النسائي حديث أبي موسى رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)، يعني: أجر على العتق، وأجر على التزوج الذي هو إحسان إليها، فجمع لها بين أن أعتقها وأن تزوجها، فكان في ذلك هذان العملان، ويؤجر عليهما أجرين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)


    قوله: [أخبرنا هناد بن السري].هو أبو السري الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن أبي زبيد عبثر بن القاسم].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن مطرف].
    هو مطرف بن طريف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عامر عن أبي بردة عن أبي موسى].
    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.


    القسط في الأصدقة

    شرح حديث عروة بن الزبير في القسط في الأصدقة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القسط في الأصدقة.أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، وسليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير: (أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]؟ قالت: يا بن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فيهن، فأنزل الله عز وجل: وَيَسْتَفْتُونَ كَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، إلى قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، قالت عائشة: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى في الكتاب الآية الأولى التي فيها: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن)].
    ثم أورد النسائي ترجمة القسط في الأصدقة، الأصدقة المراد بها: جمع صداق، والقسط فيها، يعني: الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، كون الإنسان الذي يكون ولياً لليتيمة، ويريد أن يتزوجها، لا ينقصها عن مهر مثيلاتها، بل يعطيها كما يعطى مثلها، ولا يكون بسبب ولايته عليها يهضمها حقها، وينقصها، ولا يبلغ بها صداق مثيلاتها ونظائرها.
    وأيضاً أورد بها تحت هذه الترجمة الاعتدال، والتوسط، وعدم المغالاة في المهور، وعدم الزيادة فيها، بحيث يكون ذلك عائقاً عن الزواج الذي يترتب عليه المضرة للطرفين الذكور والإناث بسبب المغالاة، فالذكور الأزواج لا يتمكنون من إحضار المال الذي تريده النساء، والنساء يبقين بسبب ذلك بدون أزواج، فيحصل لهن مضرة بأن تفوت أو تمضي عليهن السنين دون أن يحصل أولياؤهن ما يريدون من الصداق لهن، وكذلك أيضاً يحصل لمريدي الزواج من الرجال، عدم التمكن من ذلك بسبب ذلك أو تلك المغالاة، وكونهم لا يستطيعون أن يأتوا بالشيء الذي يريده أولياء تلك المرأة التي يراد الزواج منها، هذا هو المراد بالقسط في الأصدقة.
    وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، في سبب نزول قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، وبينت رضي الله تعالى عنها، أن سبب نزولها عندما سألها عروة بن الزبير عن ذلك؟ قالت: إنها اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو ولي لها، يريد أن يتزوجها فلا يعطيها ما تستحقه مثيلاتها من الصداق بسبب ولايته عليها، فأمروا أن يقسطوا لهن، وأن يعطوهن ما يستحققنه من المهر، يعني: مثل مثيلاتهن، وأنهم إذا لم يفعلوا ذلك الذي هو إعطاؤهن ما يستحققن له من المهر، فالمجال مفتوح أمامهم يتزوجون من النساء ما شاءوا سواهن مثنى، وثلاث، ورباع، فهذا هو سبب نزول الآية، أي: أنهم إذا لم يقسطوا لهن في المهور والأصدقة، فيمكنهم أن يتزوجوا ما شاءوا من النساء سواهن مثنى، وثلاث، ورباع، وإن تزوجوهن فعليهم أن يقسطوا لهن.
    ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: وَيَسْتَفْتُونَ كَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، وأحيل على الآية السابقة المتقدمة، وفي قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، محتمل بأن تكون الرغبة فيهن، والرغبة عنهن، وكانوا إذا كانت الواحدة ليست بذات مال، وليست بذات جمال رغب عنها، ولا يريدها، وإذا كانت ذات جمال ومال رغب فيها، فهو محتمل للرغبة والرهبة، للرغبة فيها والرغبة عنها، يرغب فيها إذا كانت ذات مال وجمال، ولا يقسط لها، بأن يعطيها ما تستحق، وإن كانت ليست ذات مال ولا جمال رغب عنها، فأمروا بأنهم إذا أرادوا الزواج منها، وهي ذات مال وجمال، فإنهم لا ينقصونها عن مهر مثيلاتها بسبب ولايتهم عليها.

    تراجم رجال إسناد حديث عروة بن الزبير في القسط في الأصدقة

    قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
    [وسليمان بن داود].
    هو سليمان بن داود المصري أيضاً أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [عن ابن وهب].
    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرني يونس].
    هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن شهاب].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرني عروة].
    هو: عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أم المؤمنين عائشة].
    رضي الله تعالى عنها وأرضاها، هي: الصديقة بنت الصديق التي حفظت الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عائشة في القسط في الأصدقة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن ذلك فقالت: فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اثنتي عشرة أوقية ونشٍ، وذلك خمسمائة درهم)].وهذا الترجمة تتعلق ببيان مقدار الصداق الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فيه عدم المغالاة، وقد أورد النسائي حديث عائشة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، أي: أعطى الصداق اثني عشرة أوقية ونشا، والنش هو: نصف الأقية عشرين درهماً، وقيل: إن النش يراد به النصف من كل شيء، وهنا فيما يتعلق بالعدد يراد به نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهماً، والنصف عشرون، وهنا اثني عشر أوقية ونش، يعني ونصف، يكون المجموع خمسمائة درهم؛ لأن اثنا عشر من أربعين تكون أربع وثمانين، وهذه أوقية اثنا عشر أوقية، ويضاف إليها نصف أوقية وهي عشرون درهماً، يكون المجموع خمسمائة درهم، والأوقية: أربعون درهماً، اثنا عشر أوقية ونشا، الذي هو نصف أوقية، وهو عشرون درهماً.
    وهذا يعني فيه: بيان صداق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو خير الناس، وأفضل الناس، وهو الذي دفع لخير النساء أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وفي عدم المغالاة بالمهور تحقيق المصالح، ودفع المضار، المصالح التي تعود على المجتمع، وتعود على المسلمين جميعاً، وتجعل النساء يحصلن الرجال، والرجال يتمكنون من الحصول على النساء، وليست المرأة سلعة تباع وتشترى، ويغالى في مهرها، وإنما هي تحتاج إلى عفة، وإلى صيانة، وإلى ستر، وإلى المتعة الزوجية، وإذا كان الرجل أهلاً للزواج، فإنه يزوج، ولا يمنع من ذلك كونه قليل المال، وليس بكثير المال، فإن الله عز وجل يأتي بالمال، وقد سبق أن مر بنا: (ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم ومنهم: الناكح يريد العفاف)، والله عز وجل يقول: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].
    (فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اثنتي عشرة أوقيةً ونش، وذلك خمسمائة درهم).

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في القسط في الأصدقة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن عبد العزيز بن محمد].
    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن يزيد بن عبد الله بن الهاد].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن محمد بن إبراهيم].
    هو محمد بن إبراهيم التيمي المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي سلمة].
    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة].
    وقد مر ذكرها.

    شرح حديث أبي هريرة: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله عشرة أواق)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أواق)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وقوله: [(كان الصداق إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر أواقٍ)]، يعني: وهو أقل من الذي مر في الحديث السابق؛ لأن السابق (اثنا عشر أوقية ونصف)، وهنا [عشر أواقي]، يعني: أنها متقاربة، يعني: العشر والاثنا عشر أوقية، والرسول صلى الله عليه وسلم دفع هذا المقدار، وكان الصداق كما يقول أبو هريرة: [حيث كان فيهم النبي صلى الله عليه وسلم عشر أواق].

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله عشرة أواق)


    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو: محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
    [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].
    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا داود بن قيس].
    ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن موسى بن يسار].
    ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [عن أبي هريرة].
    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    شرح حديث عمر بن الخطاب: (ألا لا تغلوا صدق النساء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، وهشام بن حسان: دخل حديث بعضهم في بعض، عن محمد بن سيرين قال سلمة: عن ابن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء وقال الآخرون: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأةً من نسائه، ولا أصدقت امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيةً، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوةٌ في نفسه، وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة، وكنت غلاماً عربياً مولداً فلم أدر ما علق القربة، قال: وأخرى يقولونها لمن قتل في مغازيكم أو مات: قتل فلانٌ شهيداً، أو مات فلانٌ شهيداً، ولعله أن يكون قد أوقر عجز دابته، أو دف راحلته ذهباً أو ورقاً يطلب التجارة، فلا تقولوا: ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة)].أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: (ألا لا تغلوا صدق النساء).
    يعني: لا تغالوا فيه، وتزيدوا فيه؛ حتى يكون ذلك عائقاً من الزواج، وحائلاً بين الأزواج وبين الزواج، وكذلك حائلاً بين البنات والزواج بسبب تلك المغالاة، فإنه لو كانت المغالاة وكثرة الصداق مكرمةً في الدنيا وتقوى عند الله عز وجل لكان أحق الناس بها نساء رسول الله.
    قوله: (فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم).
    أي: لو كان فيه مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله عز وجل، لكان الأولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يسبقكم إلى ذلك، وهو القدوة والأسوة عليه الصلاة والسلام، لكنه ما فعل ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم أخبر عمر بأنه ما زاد في مهر نسائه، ولا في مهر بناته، على اثني عشر أوقية، وهذا لا ينافي ما ذكر من أنه (فعل اثني عشر أوقية ونشا)؛ لأن ذاك كسر، يعني: فيكون ذكر العدد الذي هو بدون كسر، فلا ينافي يعني أنه زاد نشا الذي هو عشرون درهماً على اثنتي عشرة أوقيةً التي هي أربعمائة وثمانين درهماً، وإنما يعني حذف الكسر، واقتصر على ذكر العدد الكامل الذي لا كسر فيه.
    وقوله: [(ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأةً من نسائه، ولا أصدقت امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيةً، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوةٌ في نفسه، وحتى يقول: كلفت علق القربة)].
    ثم ذكر أن المغالاة والزيادة في المهور، وأن الرجل يعني: يغلي في المهر، أو يطلب منه مهر زائد، فيقول متذمراً متألماً يعني: يكون هناك في نفسه شيء من العداوة بسبب هذا الغلاء الباهظ، وبسبب هذه الكثرة التي كلف بها حتى يقول: [كلفت لكم علق القربة]، والمقصود به: الحبل الذي تعلق به القربة، أو الذي يشد به فم القربة، إشارة إلى أنه يذكر التكاليف، والأشياء التي لزمته بسبب ذلك.
    وقوله: [(فلم أدر ما علق القربة قال: وأخرى يقولونها لمن قتل في مغازيكم أو مات: قتل فلانٌ شهيداً، أو مات فلانٌ شهيداً، ولعله أن يكون قد أوقر عجز دابته أو دف راحلته ذهباً أو ورقاً يطلب التجارة، فلا تقولوا: ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة)].
    ثم ذكر وأخرى يقولونها يعني: وهي لا تصلح ولا تليق، وهي أنه من قتل قالوا: مات فلان شهيد أو قتل شهيد، مع أنه قد يكون هذا الشخص الذي وصف بهذا الوصف بعينه قد أوقر عجز دابته أو راحلته ذهباً أو فضة، أو دف راحلته أو فضة، معناه: حملها، يعني: يطلب التجارة، إما يكون ذلك على سبيل الغلول، أو يكون على سبيل أنه قصده الدنيا، ويريد من جهاده الدنيا، وما أراد أن يكون ذلك في سبيل الله، فلا تقولوا: ذاك، بأن يقال عن الشخص المعين: بأنه مات شهيداً، ولكن قولوا يعني بالوصف: من قتل دون ماله فهو في الجنة، من قتل في سبيل الله فله الجنة، أو من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ولا يقال: فلان بشهيد؛ لأنه قد يكون هذا الشخص الذي قتل في سبيل الله قصده الدنيا، وما كان قصده الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن (الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل كذا، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
    ومن أمثلة ذلك: قصة الرجل الذي قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه أبلى بلاءً عظيماً، وأنه حصل منه كذا وكذا، وأنه كذا وكذا، وأنه يعني.. قال الرسول: (هو في النار)، يعني: هم أثنوا عليه، وذكروه ذكراً حسناً وجميلاً، وقال: (هو في النار)، فلحقه أو راقبه بعض الصحابة حتى آل أمره إلى أن قتل نفسه، حيث جرح أو أصابه جرح، ثم ضاق ذرعاً بذلك الألم الذي حصل له، فأخذ سيفه ووضع أصله على الأرض، وجعل ذبابة سيفه على صدره، وتحامل عليه حتى مات بسبب ذلك، فرجع وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي رآه، فهذا على حسب ما يرى الناس أنه شهيد، يعني لو كانوا ما عرفوا عنه شيء؛ لأنه أبلى بلاءً عظيماً والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هو في النار)، فلا يعني: أن كل من يموت، يرجى أن يكون شهيداً، لكن لا يجزم بأن الشخص الفلاني الذي قتل في المعركة الفلانية أنه شهيد، لكن يقال: بالوصف، (من قتل في سبيل الله فهو في الجنة)، ولا يشهد لمعين بالجنة أو النار إلا إذا حصلت الشهادة من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث عمر بن الخطاب: (ألا لا تغلوا صدق النساء...)


    قوله: [أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد].النسائي كثيراً ما يذكر هذا الشيخ بعلي بن حجر فقط، وهنا ذكره، وأطال في ذكر نسبه، وكما ذكرت سابقاً: أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، يطول في نسبه يقصر، لكن غيره لا يزيد على ما وجده من كلام التلميذ، وإذا أراد أن يزيد يقول: هو فلان أو يعني ابن فلان، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم].
    هو ابن عليه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أيوب].
    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وابن عون].
    هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وسلمة بن علقمة].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
    [وهشام بن حسان].
    هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    هؤلاء الأربعة يروون عن محمد بن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [قال سلمة عن ابن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء، وقال الآخرون: عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء].
    ثم ذكر أن هؤلاء الأربعة الذين رووا عن ابن سيرين، سلمة منهم ابن علقمة: أن ابن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء، ومعنى هذا أن فيه واسطة بينه وبينه ولم يسمها، وهذا يقدح في الحديث؛ لأن فيه جهالة الواسطة، لكن غيره يعني ذكر الاتصال حيث قال: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء، ومعناه: أنه ما فيه واسطة، وهذا في حق من يكون غير معروفاً بالتدليس، أما من يكون معروفاً بالتدليس، فروايته بالعنعنة تحتمل الانقطاع، وتحتمل أن يكون هناك واسطة، وإذاً هناك فرق بين رواية سلمة بن علقمة؛ لأن فيها التنصيص على أن هناك واسطة وهي محذوفة، حيث قال: نبئت عن أبي العجفاء، يقول محمد بن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء، أما غيره فيقولون: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء، وأبو العجفاء هو البصري السلمي، وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [عن عمر رضي الله عنه].
    هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً يا عمر إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أم حبيبة: (أن رسول الله تزوجها وهي بأرض الحبشة... وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا علي بن الحسن بن شقيق أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)].ثم أورد النسائي حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، وهي: أنها كانت بأرض الحبشة، وأن النجاشي أمهرها أربعة آلاف درهم، وهذا لا ينافي ما تقدم من أن المهور التي دفعها رسول صلى الله عليه وسلم أنها قليلة؛ لأن هذا من فعل النجاشي، وهو الذي قام بذلك، والرسول ما أرسل إليها شيئاً، وإنما هذا عمل عمله النجاشي حيث أعطاها هذا المقدار مهراً لها لزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي ما تقدم من أنه كان يزوجهن على هذا المقدار الذي هو أربعمائة وثمانين، ويضاف إليها نش الذي هو عشرون، فيصير خمسمائة، وهنا قال: أربعمائة درهم، وهناك قال: أربعمائة وثمانين، ويضاف إليها النش الذي هو عشرون، فيحتمل أن يكون مثلاً أن فيه اختصاراً، وأنه حذف ما زاد على الأربعمائة، وأن هذا الأدنى داخل في الأعلى، أو أن بعض نسائه حصل كذا، وبعض نسائه حصل كذا، والحاصل: أنها في حدود هذا المقدار القليل، وما حصل من الأربعة الآلاف التي هي أم حبيبة، هذا ليس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو فعل النجاشي ملك الحبشة.

    تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (أن رسول الله تزوجها وهي بأرض الحبشة... وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)

    قوله: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري].هو: العباس بن محمد الدوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا علي بن الحسن بن شقيق].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا عبد الله بن المبارك].
    هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن معمر].
    هو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الزهري عن عروة].
    وقد مر ذكرهما.
    [عن أم حبيبة].
    أم حبيبة، وهي: رملة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #442
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب النكاح

    (439)

    - باب التزويج على نواة من ذهب - باب إباحة التزوج بغير صداق



    المهر لا بد منه، ويكون بالقليل والكثير، ولا حد لأكثره ولا لأقله، ولكن حذر الشارع من المغالاة في المهور؛ لأن فيها مشقة وضرراً ولأنها تمثل عقبة كبيرة حائلة بين الرجال والنساء. وللمرأة أن تتزوج بغير صداق مسمى؛ فالعقد صحيح والنكاح يجوز؛ لأن لها مهر مثيلاتها.

    التزويج على نواةٍ من ذهب


    شرح حديث أنس بن مالك في التزويج على نواة من ذهب


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على نواة من ذهب.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ لـمحمد عن ابن القاسم عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه أثر الصفرة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أنه تزوج امرأةً من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كم سقت إليها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أولم ولو بشاة)].
    يقول النسائي رحمه الله: التزويج على نواة من ذهب. فالنواة من الذهب قيل: إن المقصود بها مقدار من الذهب قيمته خمسة دراهم، قيل: هذا هو المقدار من نواة من الذهب، والأصل أن النواة هي: ما تكون في داخل التمرة التي هي أصلها يقال لها: نواة، والمراد من النواة من الذهب مقدار من الذهب يعادل ويساوي خمسة دراهم، كما يقال للأوقية: أربعين درهماً، وللنش عشرين درهماً، قالوا: فيقال للخمسة الدراهم أو ما يعادل خمسة دراهم من الذهب يقال له: نواة.
    وقد أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: أنه تزوج امرأةً من الأنصار، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (كم سقت إليها؟)، أي: كم دفعت إليها مهراً؟ فقال: قدر (زنة نواةٍ من ذهب)، يعني: مقداراً من الذهب يوازي نواةً، وهي خمسة دراهم، أي: ما يعادل خمسة دراهم من الفضة من الورق، قال عليه الصلاة والسلام: (أولم ولو بشاة)، الحديث يدل على أن المهر لا بد منه، وعلى أنه يكون بالقليل؛ لأن زنة نواة من ذهب هو شيء قليل، ولا حد لأقله، أي: المهر، كما أنه لا حد لأكثره؛ لأنه ليس هناك تحديد لأوله ولا لآخره، لكن لا تنبغي المغالاة، وكثرته الكثرة التي يكون فيها مشقة، وفيها ضرر كبير على الزوج، ويجوز باليسير والقليل، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي طلب منه أن يزوجه الواهبة التي وهبت نفسه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له بها حاجة، قال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، فهذا الحديث وذاك الحديث يدلان على أن الزواج يتم بالمهر اليسير والقليل؛ لأن الخمسة الدراهم شيء يسير، ومقدار نواة من الذهب شيء يسير، وبعض العلماء قال: إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم، ومنهم من قال: لا يكون أقل من خمسة دراهم، وليس هناك دليل يدل على هذا التحديد الذي أنه لا ينقص عنه، ولا يكون دون هذا المقدار، بل الأمر في ذلك واسع، ويكون المهر بكل ما يتمول، ولو كان يسيراً، ولو قل عن عشرة دراهم، ولو قل عن خمسة دراهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمس ولو خاتماً من حديد).
    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، كذلك لا حد لأكثره، والله عز وجل ذكر ذلك في كتابه: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، يعني: أنه لو أعطي لهن شيء كثير جداً، والإنسان أراد أن يترك المرأة، ويبحث عن امرأة أخرى، فإنه يطلقها ولا يأخذ منها شيئاً، فلا حد لأقله، ولا حد لأكثره، لكن لا تصلح المغالاة في المهور، وتكون عقبةً حائلةً بين الرجال والنساء، وبين الزواج الذي لا بد منه في حق الرجال، وفي حق النساء.
    قوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، فيه، مشروعية الوليمة واستحبابها، وأنها تكون ولو بالشيء اليسير، ولو بشاة في حق الموسرين، وفي حق من كان موسراً يولم ولو بشاة.
    المقصود من ذلك: أن الإرشاد إلى الوليمة ولو كانت قليلة، قوله: (ولو بشاة)، هي إشارة إلى الحد الأدنى فيما يذبح من النعم، وقوله: (ولو بشاة)، يعني: إشارة إلى الشيء القليل، لكن هذا في حق الموسرين، وتجوز أن تكون بشيء غير اللحم كما حصل في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم على صفية، وجعل وليمةً ليست من اللحم، فتجوز أن تكون بغير اللحم، وأن تكون أقل من ذلك، لكن في حق الموسر تكون بهذا المقدار الذي هو لا يقل عن شاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، وهذا اللفظ يشعر بالقلة، ومثله في الإشارة إلى القلة: (ولو خاتماً من حديد)، الذي مر بنا، ومثله أيضاً في القلة ما جاء في الحديث (من بنى لله مسجداً ولو كان كمسحة قطاة)، إشارة إلى الصغر، وكذلك (لا تحقرن جارةً جارتها ولو ظلف شاة)، يعني: ولو كان شيئاً يسيراً، فمثل هذه العبارات تأتي في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يراد بها القلة، ولا يراد بها الكثرة، يعني (أولم بشاة)، أن هذا الحد الأقصى أو الحد الأعلى؛ لأن هذا اللفظ ما عرف في التكثير، وإنما عرف في التقليل، ونظائره كثيرة، ومنها ما أشرت إليه من الأحاديث التي هي مثل هذا الحديث في الإشارة إلى القلة في استعمال لو، (ولو خاتماً من حديد) (ولو فرسِ شاة) (ولو كمسحة قطاة)، (ولو بشاة)، وهكذا.
    وقوله (وبه أثر الصفر)، يعني: الذي هو طيب النساء، وقد استدل به أو فهم منه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تزوج، فسأله: (هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: ما سقت عليها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب، قال: أولم ولو بشاة).


    تراجم رجال إسناد حديث أنس بن مالك في التزويج على نواة من ذهب


    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [والحارث بن مسكين].
    هو الحارث بن مسكين المصري أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [عن ابن القاسم].
    هو عبد الرحمن بن القاسم، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [عن مالك].
    هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، الإمام الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
    [عن حميد الطويل].
    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس].
    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه، خدمه عشر سنوات، وكان من أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن أنس، وعن الصحابة أجمعين.


    شرح حديث عبد الرحمن بن عوف في التزويج على نواة من ذهب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر بن شميل حدثنا شعبة حدثنا عبد العزيز بن صهيب سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: قال عبد الرحمن بن عوف: (رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بشاشة العرس، فقلت: تزوجت امرأةً من الأنصار، قال: كم أصدقتها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب)].ثم أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وعليه طلاقة العرس)، يعني: طلاقة الوجه، على إثر الزواج، وعلى إثر العرس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تزوجت؟ قال: (نعم امرأةً من الأنصار)، فقال: (كم أصدقتها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب)، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث، التزويج على نواة من ذهب، أي: مقدار نواة من ذهب يعادل خمسة دراهم من الورق.


    تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن عوف في التزويج على نواة من ذهب


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [حدثنا النضر بن شميل].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا شعبة].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا عبد العزيز بن صهيب].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [سمعت أنساً].
    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.
    [قال عبد الرحمن].
    هو عبد الرحمن بن عوف صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد، حيث قال عليه الصلاة والسلام في حديث: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)، كل واحد منهم أخبر بأنه في الجنة، مبتدأ وخبر في كل واحد منهم، فلان في الجنة، وفلان في الجنة، وفلان في الجنة، وفلان في الجنة، ولهذا قيل لهم: العشرة المبشرين بالجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سردهم في حديث واحد.
    وذكر العشرة لا مفهوم له بأنه ما بشر في الجنة إلا عشرة، ولكن المقصود أنهم سردوا في حديث واحد، وإلا فقد ثبتت البشارة في الجنة لغيرهم من الصحابة كثيرين، كـالحسن، والحسين، وفاطمة، وكـعكاشة بن محصن، وكـثابت بن قيس بن شماس، وبلال، وعدد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام جاء تبشيرهم بالجنة في أحاديث، لكن غلب على هؤلاء العشرة لقب العشرة، وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أصحاب الكتب الستة.


    شرح حديث: (أيما امرأةٍ نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هلال بن العلاء حدثنا حجاج قال ابن جريج: حدثني عمرو بن شعيب، (ح)، وأخبرني عبد الله بن محمد بن تميم سمعت حجاجاً يقول: قال ابن جريج: عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ أو حباءٍ أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطاه، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته)، اللفظ لـعبد الله].ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ أو حباءٍ أو عدةٍ قبل عصمة النكاح فهو لها)، (أيما امرأةٍ أنكحت على صداقٍ)، يعني: على مقدار معين، هو صداق لها، (أو حباء)، عطية أعطيت إياها من أجل الزواج، (أو عدة)، وعدت بأنها ستعطى كذا وكذا، وكان هذا قبل الزواج فهو لها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه، يعني: سواءً أعطيت هي، أو أعطي أبوها، أو أعطيت أمها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه؛ لأن ما يعطى قبل الزواج هو من أجل المرأة، ومن أجل الحصول على المرأة، وبعد الزواج يكون المهر قد حصل، ويكون ما يعطى إما لها أو لغيرها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه.
    (وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته)، يعني: أنه إذا أعطي شيئاً، وأكرم من أجل ابنته وأخته، أن هذا حق، وأنه يبر، ويحسن إليه، ويعطى من أجل أخته وابنته، حيث كان الإنسان تزوج منه، وكان صهراً له، فإذا أعطاه بعد الزواج شيئاً، فإنه لا بأس بذلك، هذا هو معنى الحديث، وقد أورده النسائي تحت نواة من ذهب، وهو لا يدل على الترجمة، ولكنه يدل من حيث المعنى على أن ما أعطيت المرأة من صداق هو لها، لكن ليس فيه تحديد ذلك الصداق، ولا بيان مقدار ذلك الصداق، لا أنه زنة نواة ولا أكثر ولا أقل، وإنما هو مطلق.


    تراجم رجال إسناد حديث: (أيما امرأةٍ نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها...)

    قوله: [أخبرنا هلال بن العلاء].صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [حدثنا حجاج].
    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [قال ابن جريج].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثني عمرو بن شعيب].
    هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
    ثم ذكر حاء التحويل، وهي التحول من إسناد إلى إسناد، فقال:
    [أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم].
    هو: عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [سمعت حجاجاً يقول: قال ابن جريج عن عمرو بن شعيب].
    وقد مر ذكرهم.
    [عن أبيه].
    هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
    وهنا قال: [عن عبد الله بن عمرو بن العاص]، ما قال: عن جده، وفهم من هذا كما جاء هنا، وكما جاء في بعض الروايات أنه يصرح بالجد فيقال: عبد الله بن عمرو بن العاص، ففهم منه أن شعيباً يروي عن جده الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس يروي عن أبيه الذي هو جد عمرو، وهو: محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه لو كان كذلك يكون مرسلاً؛ لأن محمداً لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فلو انتهى الإسناد إليه فصار عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، يعني جده هو وليس جد أبيه، فيكون الحديث مرسل؛ لأن محمداً لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عمرو بن شعيب يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن جده، وهو نفس جد عمرو بن شعيب؛ لأن جد أبيه جد له، فهي سواءً قال: عن جده هو أو جد أبيه هو جده؛ لأن جد أبيه جد له، وآباء الأب وأجداده هو أجداد لأبنائه، ففي هذا وغيره من الأحاديث التي فيها التصريح باسم الجد، وأنه عبد الله بن عمرو بن العاص الذي هو جد شعيب، وهو نفسه أيضاً جد لـعمرو بن شعيب، يدل على أن الجد في الأحاديث المجملة التي فيها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، المراد به عبد الله بن عمرو، وعلى هذا فالحديث متصل، وليس بمنقطع، لكن لو كان المقصود به محمد بن عبد الله بن عمرو، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فيكون مرسلا؛ لأن التابعي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فهو مرسل، وعلى هذا فتسميته تدل على أن الجد هو عبد الله بن عمرو، وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقالوا: إن الحديث إذا صار صحيحاً إلى عمرو بن شعيب فهو لا يقل عن درجة الحسن؛ لأن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي من قبيل الحسن؛ لأن كل منهما صدوق، عمرو صدوق، وأبوه صدوق، فحديثهم حسن، لكن هذا إذا كان الإسناد إلى عمرو سليم، أما إن كان فيه علة انقطاع أو ضعف أو ما إلى ذلك، فالأمر كما يذكر في حق الرجال، لكن إن كان سليماً ومستقيماً إلى عمرو بن شعيب فهو يكون حسناً؛ لأن حديث عمرو حسن، وحديث أبيه شعيب حسن؛ لأن كل منهما صدوق، أي: حديثه من قبيل الحسن.
    أما عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فهو صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين هم من صغار الصحابة، والحديث ضعفه الشيخ الألباني، وذكره في السلسلة الضعيفة في رقم ألف وسبعة، وحكم بضعفه من أجل أن في إسناده ابن جريج وقد رواه بالعنعنة، لكن كما نرى عند النسائي في الطريق الأولى أنه صرح بالتحديث؛ لأن ابن جريج قال: حدثني عمرو بن شعيب، فهو لم يعنعن عنعنة في الطريقة الثانية التي هي طريق عبد الله بن محمد بن تميم، وأما طريق هلال بن العلاء، فإنه صرح بالتحديث، قال ابن جريج: حدثني عمرو بن شعيب، وعلى هذا فيكون لا تدليس فيه، وزال احتمال التدليس الذي فيه، والشيخ ذكر من خرجه من الأئمة، ومنهم الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال: إنه ضعيف؛ لأن فيه ابن جريج، وهو مدلس وقد عنعنه، لكن الطريق الأولى التي معنا فيها التصريح بالتحديث وليس بالعنعنة، فيزول احتمال التدليس، وإنما احتمال التدليس في الطريق الثانية، لكن المدلس إذا صرح بالسماع في موضع من المواضع، فإنه لا يكون مدلساً، لا يكون الحديث مدلساً أو الإسناد مدلساً، وإنما يكون متصلاً.



    إباحة التزوج بغير صداق


    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إباحة التزوج بغير صداق. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله عن زائدة بن قدامة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا: (أتي عبد الله رضي الله عنه في رجلٍ تزوج امرأةً ولم يفرض لها، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله: سلوا هل تجدون فيها أثراً؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن ! ما نجد فيها يعني أثراً، قال: أقول برأيي، فإن كان صواباً فمن الله: لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة، فقام رجلٌ من أشجع فقال: في مثل هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا في امرأةٍ يقال لها: بروع بنت واشق، تزوجت رجلاً فمات قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل صداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فرفع عبد الله يديه وكبر)، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث الأسود غير زائدة].
    أورد النسائي هذه الترجمة إباحة التزويج بغير صداق، المقصود من هذه الترجمة: أن عقد النكاح يتم، ويجوز، ويباح بغير أن يتفق على صداق، لكن لا يعني ذلك أنه ليس فيه صداق أصلاً، فيرجع في ذلك إلى مهر المثل، هذا هو مقصود النسائي من هذه الترجمة، ليس مقصود النسائي أن التزويج يباح بدون صداق، وأن الصداق يسقط، وأنه لا يلزم؛ لأن الأحاديث التي مرت في قصة الواهبة نفسها وقال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، ثم صار الأمر إلى أن يعلمها شيئاً من القرآن، يدل على أن الصداق لازم، لكن الترجمة المقصود منها أنه ليس من شرط العقد أن يكون هناك مهر متفق عليه، بل يصح العقد ولو لم يسم مهر، ولم يعين مهر، لكن يرجع في ذلك إلى مهر المثل، هذا المقصود من هذه الترجمة، فلا يفهم منها أن النسائي يقول: بجواز الزواج أو بإباحة الزواج من غير أن يكون هناك صداق أصلاً، والفهم للكلام لا بد منه؛ لأن الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة دال على هذا؛ لأنه تزوج رجل بامرأةً ولم يسم لها مهراً، معناه: العقد صحيح، ولو لم يسم مهرا، لكن هل يسقط المهر؟ لا، لا يسقط المهر، بل يرجع إلى مهر المثل.
    وبالمناسبة أقول: إنه ينبغي الاحتياط في فهم الكلام، ومعرفته على حقيقته، وأن لا يفهم شيء غير ما أراده المتكلم، وغير ما قصد المتكلم أو المحدث؛ لأن العبارة إباحة التزويج بغير صداق، هذا هو معناها، وهذا هو مفهومها، يعني معناها: أنه ليس من شرط العقد أن يكون من غير الصداق، فيكون إذا لم يذكر الصداق معناه أنه لا عبرة بالعقد، لا العقد يعتبر، لكن ما يسقط الصداق، ولا يكون الصداق ما له وجود، لا، يوجد ولكن يرجع فيه إلى مهر المثل.
    أورد النسائي حديث معقل بن سنان [رجل من أشجع في أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق، وكانت عقد عليها رجل ولم يسم لها مهراً ومات، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر نسائها]، يعني مهر مثيلاتها، وعليها العدة، ولها الميراث، هذا هو نفس الحديث، وكانت المسألة عرضت على أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان لا يعلم فيها سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (اسألوا هل تجدون فيها أثراً؟) يعني: أثراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبحثوا فلم يجدوا أثراً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فاجتهد برأيه، وقال: [أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله]، (وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان) كما جاء في بعض الروايات، ثم قال: (لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط)، يعني: لا زيادة ولا نقصان.
    (وعليها العدة، ولها الميراث)، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر، ولها الميراث؛ لأنها زوجة مات عنها زوجها فترثه.
    ثم إن الخبر انتشر، فجاء رجل من أشجع، وجاء في الحديث الذي بعد هذا أنه معقل بن سنان الأشجعي، فقال: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في امرأةٍ منا هي بروع بنت واشق بما قضيت به)، يعني: هذا الذي اجتهدت فيها أصبت فيه ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمت بما حكم به رسول الله، وأفتيت بما أفتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن لها مهر نسائها، وعليها العدة ولها الميراث، فعند ذلك رفع يديه وكبر، فرحاً وسروراً بأنه هذا الاجتهاد الذي اجتهده وافق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا إذا نزلت نازلة يجتهد العالم في بيان حكمها، فإن وفق للصواب حصل أجرين، وإن لم يوفق وأخطأ الصواب حصل أجراً واحداً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد).
    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، اجتهد وأتى بهذه الفتوى، وتبين بعد ذلك أنها مطابقة لما أفتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث جاء معقل بن سنان الأشجعي، وأخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ما قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقوله: [فرفع يديه وكبر]، فرحاً وسروراً حيث وافق الصواب، وحيث وافق اجتهاده ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أنه عند الفرح يكبر ويحصل التكبير، ما يحصل التصفيق مثل ما يحصل عند بعض الناس عندما يصفقون، بل السنة هي التكبير كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اعتزل نساؤه، فقال: (طلقت نساءك يا رسول الله؟ قال: لا، فقال: الله أكبر)، يعني: فرحاً وسروراً وكان أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، وكذلك الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أن تكونوا ثلث أهل الجنة، وأن تكونوا نصف أهل الجنة، وفي كل مرة يكبرون يقولون: الله أكبر)، يعني: فرحاً سروراً، وهنا فعل ابن مسعود رضي الله عنه، [رفع يديه وكبر]، يعني فرحاً وسروراً، بأن اجتهاده وافق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
    وهكذا يجري من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، يسألون ويبحثون عن الدليل؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه ما أفتى على طول، وإنما تريث وقال: (اسألوا هل تجدون فيها أثراً؟) يعني: هل تجدون فيها أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أي: تمهل، وفي بعض الروايات: (أنه تركهم ومكث شهراً، وهم يراجعونه ويترددون عليه)، وفي الآخر بعد أن ألحوا عليه اجتهد وقال لهم ما قال، وتبين أن ما قاله مطابق لما جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن ابن مسعود وعن الصحابة أجمعين.
    قوله: (فقام رجلٌ من أشجع فقال:...).
    إذاً المرفوع هو ما جاء عن الأشجعي، وقد جاء تسميته في الرواية الثانية، وأنه معقل بن سنان الأشجعي، هناك رجل مبهم، وهنا قال: رجل من أشجع، فهو مبهم، وهو صحابي، والصحابة سواءً عرفت أسماؤهم، أو لم تعرف، ما دام هو صحابي، فالمجهول فيهم في حكم المعلوم، المجهول فيهم معلوم، ولا تضر الجهالة في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا الرجل المبهم جاء مسمىً في الرواية الثانية، وهو معقل بن سنان الأشجعي، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
    حديث معقل بن سنان الأشجعي أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ومثل هذا الذي حصل لـعبد الله بن مسعود، حصل لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام، ولقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة، وكان الطاعون وقع في الشام، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على الطاعون، معك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرضهم للموت، بعض الصحابة قالوا: ادخل ولا ترجع، ولا تفر من قدر الله، فرضي الله عنه استدعى المهاجرين وسألهم: هل يعلمون فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما كان عندهم شيء، استدعى الأنصار سألهم، استدعى مسلمة الفتح، وكل يختلفون، أحد يشير له بكذا، وأحد يشير بكذا، فاجتهد وعزم على أن يرجع، وقال: إني مصبح على ظهر، يعني: بكرة في الصباح، أي: سأرجع إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة: تفر من قدر الله يا أمير المؤمنين، قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، فقال: نفر من قدر الله، إلى قدر الله، ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما كان حاضراً المحاورة، والكلام الذي جرى، وكان عنده فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وقال: عندي فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا وقع الطاعون في بلدٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه، وإن وقع وأنتم لستم فيها فلا تدخلوا عليه)، فصار اجتهاد عمر، والذي انتهى إليه عمر رضي الله عنه، موافق لما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من كونه اجتهد، ورأى أن يرجع، وألا يدخل على البلد الذي فيه الطاعون، فصار ما صار إليه وما انتهى إليه اجتهاده.
    وكان هذا بعد مشاورات وأسئلة للصحابة المهاجرين، والأنصار، ومسلمة الفتح، ولم يذكر أحد فيها سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عند ذلك اجتهد وعزم على الرجوع، ورجح أنه لا يدخل بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في البلد التي فيه الطاعون، فلا يعرضهم للموت، فكان هذا الذي صار إليه وأداه إليه اجتهاده، مطابقاً لما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي كانت عند عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ففرح عمر رضي الله عنه، عندما بلغه حديث عبد الرحمن بن عوف، وأخبره بالحديث؛ ولأن اجتهاده صار مطابقاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالذي حصل لـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث رفع يديه وكبر فرحاً وسروراً، لكون اجتهاده طابق ما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.


    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى


    قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن].عبد الرحمن هو: أخو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المخرمي، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، يعني: ليس هناك عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، ليس في رجال الكتب من هو كذلك، يعني: الذي يروي عنه النسائي، وإنما الذي يروي عنه هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وهو الذي ذكره في تحفة الأشراف؛ لأن في تحفة الأشراف قال: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المخرمي، صدوق، أخرج له، مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله].
    هو أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له البخاري، وأبو داود في فضائل الأنصار، والنسائي، وابن ماجه.
    [عن زائدة بن قدامة].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن منصور].
    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن إبراهيم].
    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن علقمة والأسود].
    هو علقمة بن يزيد بن قيس النخعي، والأسود أخوه ابن قيس بن يزيد النخعي، وهما ثقتان، أخرج لكل منهما أصحاب الكتب الستة، وهما خالا إبراهيم النخعي، فـإبراهيم النخعي يروي عن خاليه: علقمة، والأسود.
    [عن عبد الله].
    هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن رجل من أشجع].
    رجل من أشجع، هو مبهم، وقد جاء مبيناً في الحديث الذي بعد هذا في الرواية الثانية، وهو معقل بن سنان الأشجعي، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
    والصحابي له اجتهاد يجتهد، يعني: عندما تنزل النازلة يجتهد في معرفة الحق، ثم ينتهي إلى ما يؤدي إلى اجتهاده، فإن أصاب الحق في اجتهاده أُجر أجرين: أجر للاجتهاد، وأجر للإصابة، وإن لم يصب الحق فله أجر واحد على اجتهاد وخطؤه مغفور، الصحابة وغير الصحابة يجتهدون في النوازل.
    وقوله: [(لم يدخل بها)]، فهنا جزم بأنه كما في بعض الروايات (أربعة أشهر وعشر)؛ لأن المدخول بها قد تكون حاملاً، والحامل عدتها وضع حملها، لكن غير المدخول بها، وكذلك المدخول بها التي ليست حاملاً، تكون عدة الجميع أربعة أشهر وعشراً، يعني: في المتوفى عنها وهي غير مدخول بها، ترث، وعليها العدة، والإحداد على الزوج، أربعة أشهر وعشر، وهي والمدخول بها سواء إذا كانت ليست بحامل، أما إن كانت حاملاً، فعدتها وضع الحمل، لكن هذا يختلف عن حال الطلاق؛ لأن الطلاق إذا طلقها قبل الدخول ليس هناك عدة تبين منه.
    [قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث الأسود غير زائدة].
    يعني: قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في الحديث الأسود غير زائدة، يعني: هو الذي جاء في إسناده وفي روايته الأسود مع علقمة، أما غيره يذكر علقمة ولا يذكر الأسود، وهو ذكر علقمة، والأسود، فذكر الأسود مما انفرد زائدة، بخلاف علقمة فإنه جاء عن غير زائدة.


    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أنه أتي في امرأةٍ تزوجها رجل فمات عنها ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها، فاختلفوا إليه قريباً من شهر لا يفتيهم، ثم قال: أرى لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت)].وهذه الطريقة الثانية عن ابن مسعود رضي الله عنه، مثل التي قبلها إلا أن فيها تسمية الرجل المبهم من أشجع، وأنه معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وهو الذي أخبر بأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بمثل هذا القضاء الذي قضى به ابن مسعود، فيكون قضاء ابن مسعود وافق السنة، ووافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الرواية أنهم اختلفوا عليه شهراً يترددون عليه، ما أفتاهم؛ ما وجد فيها نصاً، فلما كثر تردادهم عليه، وأرادوا أن يعرفوا الحكم، اجتهد هذا الاجتهاد الذي وافق فيه الصواب رضي الله عنه وأرضاه.


    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [حدثنا يزيد].
    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سفيان].
    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن منصور].
    هو منصور بن المعتمر، وقد مر ذكره.
    [عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله].
    عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، وهنا ما ذكر الأسود الذي قال النسائي قبل: ما أعلم أحداً ذكر الأسود، يعني في الإسناد إلا زائدة بن قدامة، هذا من الأسانيد التي جاءت من غير طريق زائدة، وليس فيها ذكر الأسود، وإنما فيها ذكر علقمة وحده.
    [عن معقل بن سنان الأشجعي].
    هو معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.


    حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداقٍ مسمى من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه: (في رجلٍ تزوج امرأةً فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟ قال: لها الصداق، وعليها العدة، ولها الميراث، فقال معقل بن سنان رضي الله عنه: فقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به في بروع بنت واشق)]. ثم أورد النسائي حديث ابن مسعود من طريق أخرى حديث معقل بن سنان الذي فيه فتوى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل ما تقدم.
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].
    هو إسحاق بن منصور المشهور بـالكوسج المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
    [حدثنا عبد الرحمن].
    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سفيان عن فراس].
    هو سفيان الثوري، وفراس هو فراس بن يحيى الكوفي، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الشعبي].
    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن مسروق].
    هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
    [عن عبد الله عن معقل بن سنان].
    وقد مر ذكرهما.


    حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه مثله].أورد الحديث من طريق أخرى، وأحال على الرواية السابقة قبلها فقال: مثله، أي: أن المتن مثل المتن الذي قبله، وكلمة (مثله) تعني: المماثلة، بخلاف كلمة (نحوه) فإنها تعني المماثلة في المعنى مع الاختلاف في اللفظ، أما كلمة مثله فتعني المماثلة في اللفظ والمعنى، والاتفاق في اللفظ والمعنى، أي: إن المتن لهذا الحديث الذي لم يذكر متنه مطابق، ومماثل لمتن الإسناد الذي قبله.
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله].
    وكل هؤلاء قد مر ذكرهم.


    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق خامسة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أنه أتاه قومٌ فقالوا: إن رجلاً منا تزوج امرأةً ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد عليّ من هذه، فأتوا غيري، فاختلفوا إليه فيها شهراً، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إن لم نسألك؟ وأنت من جلة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا البلد، ولا نجد غيرك، قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهرٍ وعشراً، قال: وذلك بسمع أناس من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأةٍ منا يقال لها: بروع بنت واشق، قال: فما رئي عبد الله فرح فرحة يومئذٍ إلا بإسلامه)].ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن جماعة من أشجع فيهم معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وذلك في قصة الاستفتاء الذي استفتي عنه في المرأة التي تزوجها رجل، ولم يجمعها إليه، ولم يفرض لها صداق، يعني ما دخل عليها، وما فرض لها صداقاً، فقال: [ما سئلت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة أشد عليّ من هذه]؛ لأنه ما يعرف فيها جواباً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، اسألوا عنها غيري، فقالوا له: [من نسأل غيرك؟ لا نعلم أحداً نسأله في هذا البلد، وأنت من جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم]، يعني: جمع جليل، فليس هناك أحد نسأله فأفتنا، فقال: [أقول فيها برأيي، أو اجتهد رأيي]، ثم ذكر ما انتهى إليه رأيه، وقال في آخره: [إن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له]، وهو المتفضل بالتوفيق والامتنان، [وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله براء من ذلك، لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فشهد أناس من أشجع أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيهم بامرأة مات عنها زوجها ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقاً، وهي بروع بنت واشق، فحكم بأن لها صداق مثيلاتها، وعليها العدة، ولها الميراث، قالوا: فما رأينا عبد الله بن مسعود فرح فرحةً يومئذ إلا بإسلامه]، يعني: ما هناك فرحةً أعظم من هذه الفرحة إلا فرح يوم أنه أسلم، فرحه يوم أسلم هذا يعني أعظم فرح حصل له، وهذا الذي حصل منه فرح شديد ما رأوا مثله إلا فرحته يوم أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ هذا الفرح لأنه وافق الصواب في اجتهاده، ووافق الحق الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث بيان أن الذي شهد عدد جماعة من أشجع، ولكن الذي سمي منهم في بعض الأسانيد: معقل بن سنان الأشجعي، وكما هو معلوم الجهالة في الصحابة لا تؤثر، ولكن قد علم واحد من هؤلاء الذين هم من أشجع، وهو: معقل بن سنان رضي الله تعالى عنه.
    ومثل هذه الكلمة التي قالوها عن عبد الله بن مسعود في فرحه فرحاً شديد، وأن ما هناك أعظم منه إلا فرحه بالإسلام، ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، كما في صحيح البخاري: أنه لما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله، متى الساعة؟ قال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب)، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فو الله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث، فو الله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام، يعني: بعد فرحنا بإسلامنا، وخروجنا من الظلمات إلى النور، ودخولنا في هذا الدين الحنيف الذي هو أعظم نعمة، وأجل نعمة، ما فرحنا بشيء بعد فرحنا بالإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب)، قال أنس: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم وإن لم أعمل مثل أعمالهم.


    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق خامسة


    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .
    [ حدثنا علي بن مسهر ].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن داود بن أبي هند ].
    وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن الشعبي ].
    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن علقمة ].
    هو علقمة بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن مسعود ].
    هو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أشجع].
    وقد مر في بعض الطرق تسمية واحد منهم، وهو: معقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    الاسئلة

    حكم زواج الأخ من جهة الأب بالأخت من جهة الأم

    السؤال: هل يصح زواج أخ من أب بأخته من أمه؟

    الجواب: سبق أني سئلت في هذا الدرس عن رجل أخوه من أبيه يريد أن يتزوج أخته من أمه، وقلت: أن هذا لا بأس به؛ لأن أخته من أم أجنبية عن أخيه من أبيه من النسب وهذا لا بأس به، وكذلك من الرضاع إذا وجد لا بأس به؛ لأن كل واحد أجنبي من الآخر، يعني إنسان ولد لأبيه، ثم أبوه تزوج وصار له ولد من المرأة الثانية، فصار أخاً لأبيه، ثم أمه كانت متزوجة من قبل ولها بنت، ثم تزوجها أبوه وولدت له، فصار له أخ من الأب، وأخ من الأم، وأخت من الأم، فأخوه من أبيه له أن يتزوج أخته من أمه؛ لأن أخاه من أبيه أجنبي عن أخته من أمه، فمثل هذا جائز، وليس فيه أن الإنسان يتزوج أخته من أمه من الرضاع؛ لأن هذه مسألة أخرى، ولا يتزوج الإنسان أخته من أمه من الرضاع؛ لأنه يحرم الرضاع ما يحرم من النسب.
    وإنما المقصود الذي جاء ذكره في السؤال، والذي سئلت عنه وأجبت عليه: أن رجلاً له أخ من أبيه، وله أخت من أمه، وأراد أن يتزوج أخوه من أبيه أخته من أمه، هل أخوه من أبيه محرم لأخته من أمه؟ أبداً أجنبي منها؛ لأن هذه بنت رجل كان زوجاً لأمه من قبل، وهذا الولد لأبيه من امرأة كانت من قبل، وكان هذا الشخص عقب ما تزوج بهذه المرأة التي لها بنت، فولد له ولد صار ذلك الولد أخ للبنت من الأم، وأخ للولد من الأب، فيجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه، وكذلك لو كان بالنسبة للرضاع؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ومثل هذا لا يحرم من النسب فلا يحرم مثله في الرضاع، لكن الأخت من الأم من الرضاع ما أحد يقول: إنها حلال، وأنه يجوز للإنسان أن يتزوجها؛ لأنها أخته، لكن المسألة ليست في هذه، المسألة ينبغي أن تفهم كما ذكر: أخوه من أبيه يتزوج أخته من أمه، وليس هو يتزوج أخته من أمه من الرضاع.

    المراد بالتكبير

    السؤال: ما هو التكبير؟
    الجواب: هو أن يقول: الله أكبر، هكذا مثل ما يكبر في الصلاة، مثل ما يفعل بعض الناس إذا كانوا في الصفا والمروة يقول: الله أكبر الله أكبر، ويشير إلى الكعبة، هذا خطأ والصحيح أن يقول: الله أكبر الله أكبر، ويأتي بالذكر والدعاء، لكنه رافعاً يديه بدون تكبير، وبدون إشارة إلى الكعبة، وإنما بالرفع الله أكبر ومثل ما حصل لـأبي بكر رضي الله عنه لما كان في الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء ودخل هذا وأشار إليه بأن يبقى، فرفع يديه وقال: الحمد لله، ثم تأخر وقال: (ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم). فرفع اليدين ما يلزم أن يكون للدعاء، بل يكون أيضاً مع التكبير ومع الحمد.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #443
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب النكاح

    (440)

    - (باب هبة المرأة نفسها لرجل) إلى (باب تحريم المتعة)




    من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح بلا صداق، أما من عداه فلا يشرع له ذلك، ولأي امرأة أن تهب نفسها له صلى الله عليه وسلم دون غيره، أما نكاح المتعة فقد حرمه النبي صلى الله عليه وسلم وبقي محرماً حتى قيام الساعة.
    هبة المرأة نفسها لرجلٍ بغير صداق

    شرح حديث سهل بن سعد في هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب هبة المرأة نفسها لرجلٍ بغير صداق. أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، قال رسول الله عليه وسلم: هل عندك شيء؟ قال: ما أجد شيئاً، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسورٍ سماها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكها على ما معك من القرآن)].
    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق، هذه الترجمة المراد بها: أن المرأة إذا وهبت نفسها لرجلٍ بغير صداق، فإن ذلك يصح، ولكن هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي اختص بهذا، وقد جاء ذلك في القرآن: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، أي: كون المرأة تهب نفسها له، ويكون ذلك بغير صداق، ولما لم يكن له بحاجة إليها.
    أورد النسائي حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، في قصة المرأة الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءت إليه وهو في مجلسه ومعه جماعة، فوهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم ليتزوجها، فالرسول صلى الله عليه وسلم صوب فيها النظر وخفضه، ولم يرد جواباً، وكأنه ليس له بها حاجة، فجلست، فقال رجل من الحاضرين: (إن لم يكن لك بها حاجة يا رسول الله! فزوجنيها، فقال: هل عندك شيء؟ - تصدقها إياه- فأخبر بأنه ليس عنده شيء، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فالتمس ولم يجد حتى الخاتم من حديد، ثم إنه سأله: هل عنده شيء من القرآن؟ فذكر سوراً من القرآن يحفظها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكها بما معك من القرآن)، فهبة المرأة نفسها بغير صداق، هذا إنما هو للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما لم يكن له بها حاجة، احتاج الأمر إلى صداق، ولهذا قال له: [ابحث حتى ولو عن خاتمٍ من حديد، فبحث ولم يجد]، ثم بعد ذلك انتقل إلى أن يوصل إليها منفعة، وهي أن يعلمها شيء من القرآن، فهذا يدلنا على أن الصداق لا بد منه، ولكن حصول الزواج هبةً من الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم بدون صداق، هو من خصائصه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
    والحديث مر من طرقٍ متعددة في أبوابٍ مختلفة، وقد مر ذكره، وذكر شيءٍ من الكلام فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق


    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا معن].
    هو عن معن بن عيسى، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن مالك].
    وهو الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي حازم].
    سلمة بن دينار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن سهل بن سعد الساعدي].
    صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


    إحلال الفرج

    شرح حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إحلال الفرج. أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن أبي بشر عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (في الرجل يأتي جارية امرأته، قال: إن كانت أحلتها له جلدته مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إحلال الفرج، يعني: يقصد بذلك المرأة التي لها أمة تملكها، وأحلت فرجها لزوجها لأن يطأها، أي: مكنته من وطئها، أي: المرأة زوجته المالكة للأمة، أحلت فرج أمتها لزوجها، يعني: ما حكم ذلك إذا حصل؟ وإذا وقع فما يترتب عليه؟
    ومن المعلوم أن الأبضاع لا تستباح إلا بأمرين اثنين لا ثالث لهما، وهما: الزواج، وملك اليمين، يعني: كون الإنسان يتزوج فيطأ زوجته، أو يملك أمةً فيطؤها بملك اليمين، وليس وراء هذين الطريقين شيءٌ يجوز وتستباح به الفروج، وقد بين الله عز وجل ذلك في كتابه العزيز فقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7]، فأخبر أنه لا يكون استباحة الفرج أو الفروج إلا بالزواج، أو بملك اليمين، وأن من طلب هذا الأمر الذي هو استباحة الفرج من غير هذين الطريقين، فقد سلك مسلكاً خطيراً، وفعل أمراً محرماً، وعلى هذا فإن كل ما يخالف هذا الذي جاء به القرآن من قصر الأمر على الزواج، وعلى ملك اليمين، يدل على أن كل ما كان خلاف ذلك، فهو مخالفٌ لما جاء به الكتاب والسنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذلك لا يجوز، يعني: كل شيءٍ سوى هذين الطريقين فهو غير جائز، ومن ذلك كون الرجل يطأ أمة زوجته، فإن ذلك غير سائغ، ولو مكنته من ذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه تمكين من محرم، والإباحة إنما هي بالطريقين الاثنين، وهما: الزواج وملك اليمين، لأن البضع مقصور الاستفادة منه على أن يكون ذلك من الزوج، أو يكون مالكاً لتلك الأمة التي يستمتع بها.
    وقد أورد النسائي حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، في قصة الرجل الذي وقع على جارية امرأته، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن أحلتها له -يعني: زوجته- فإنه يجلد مائة، وإن لم تحلها له فإنه يرجم)، يرجم لأنه محصن، والمحصن حده الرجم، وأما البكر فحده الجلد والتغريب، والذي جاء في الحديث هنا ليس حداً، من كونه يجلد مائة، هذا ليس حداً؛ لأن مثله محصن، والمحصن حده الرجم، وكونه جاء في الحديث: [أنه يجلد مائة]، ليس ذلك حداً، وإنما هو تعزيراً، ومبالغةً في التعزير؛ لأن هناك شيءٌ عول عليه، وهو الترخيص له من زوجته بأن يطأ أمتها، فيكون ذلك يقتضي التعزير والمبالغة فيه إلى مثل حد البكر، وهو أنه يجلد مائة جلدة الذي لم يكن محصناً، أما من كان محصناً، فإن حده الرجم كما هو معلوم، والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال: [(إن أحلتها له يجلد مائة، وإن لم تحلها له)]، أي: أنه هو الذي أقدم على فعل هذه الفاحشة بها وهو محصن، فيكون حكمه الرجم، وحده الرجم، وقيل: إن هذا كان قبل الحدود.
    وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب جماعةٌ من الصحابة إلى أن حده الرجم؛ لأنه محصن، وقد فعل أمراً لا يسوغ، وهو ليس بزوج، ولا مالك للأمة، بل المالك لها غيره، فيكون عليه الرجم، وجاء عن عبد الله بن مسعود أن عليه التعزير الذي يبالغ فيه، وجاء عن الإمام أحمد وعن غيره أنه يفصل هذا التفصيل الذي جاء في هذا الحديث، وهو أنها إن حصل من الزوجة شيءٌ في تمكينها منه، وإحلالها فرج أمتها، فإنه يجلد مائةً تعزيراً، وإن كان ذلك بإقدامٍ من الزوج، زوج المرأة على فعل الفاحشة في أمة زوجته، فإن الحكم يكون هو الرجم.
    والحديث جاء من طرق متعددة، ولكن بألفاظٍ مختلفة، وفيها اضطراب، وبعض العلماء تكلم عليها من حيث الاضطراب، وقال: إنها لا تصح؛ لأنها مضطربة تأتي على أوجه مختلفة، لا يرجح بعضها على بعض. ومن العلماء من قال: إن فيها ضعف غير الاضطراب، من جهة حصول التدليس من المدلسين، وكذلك الضعف في بعض الرواة.

    تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج


    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو: محمد بن بشار الملقب بندار، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [حدثنا محمد].
    هو ابن جعفر الملقب غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا شعبة].
    هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي بشر].
    هو جعفر بن إياس المشهور بـابن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [خالد بن عرفطة].
    مقبولٌ، أخرج حديثه البخاري في الأدب، وأبو داود، والنسائي.
    [عن حبيب بن سالم].
    وهو لا بأس به، وتعادل صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن النعمان بن بشير].
    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكان من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنين. وصغار الصحابة هناك أشياء يروونها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها يروونها عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وتعتبر ومراسيل الصحابة كلها عمدة، وحجة يعول عليها؛ لأن الغالب عليهم أنهم لا يروون إلا عن الصحابة.
    وقد جاء عن النعمان بن بشير التصريح بسماع أحاديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي ليست من مراسيل الصحابة، ومنها الحديث المشهور: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)، رواه الشيخان البخاري، ومسلم من حديث النعمان بن بشير، وفيه قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، فتحمل في حال صغره، وأدى في حال كبره، تحمل وعمره أقل من ثمان سنوات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمر النعمان بن بشير ثمان سنوات.
    ومعنى هذا: أنه تحمل قبل ذلك، وتحمل الصغير في حال صغره، وتأديته في حال كبره، هذا أمرٌ معتبر؛ لأن المعول عليه هو إخباره وهو مكلف، إخباره، وذكره ما يريد أن يرويه، وهو مكلف، فـالنعمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث، وكان عمره لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ثمان سنين، ومثل ذلك الكافر إذا تحمل في حال كفره، وأدى في حال إسلامه، فإن ذلك معتبر، الصغير يتحمل في حال الصغر، ويؤدي في حال الكبر، معتبر تحمله وتأديته، والكافر يسلم، ويكون متحملاً في حال كفره، ثم يؤدي بعد إسلامه، ذلك معتبر. ومن ذلك حديث هرقل عظيم الروم مع أبي سفيان، وأبو سفيان، كان مشركاً، وكان يحدث، ويخبر عما جرى له من المعارضة، والمخالفة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في حال كفره، وما رواه وأخبر به مما كان تحمله في حال كفره؛ لأن المعتبر في حال الأداء، فإذا أدى وهو أهلٌ للأداء، فإن ذلك هو المعتبر ولو كان تحمله في حال الكفر، فالصغير إذا تحمل في الصغر، وأدى في الكبر، والكافر إذا تحمل في الكفر، وأدى في حال الإسلام، فكلٌ منهما حديثه معتبر ومعولٌ عليه.

    شرح حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا حبان حدثنا أبان عن قتادة عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: (أن رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن حنين وينبز قرقوراً، أنه وقع بجارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير فقال: لأقضين فيها بقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن كانت أحلتها لك جلدتك، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فكانت أحلتها له فجلد مائة)].ثم أورد النسائي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وهو مثل الذي قبله، إن كانت أحلت له من سيدتها فإنه يجلد مائةً، وإن لم تحلها له فإنه يرجم بالحجارة.
    قوله: [قال قتادة: فكتب إلى حبيب بن سالم فكتب إلي بهذا]، معناه: أنه يرويه مكاتبةً، والمكاتبة معتبرة عند العلماء، يعني: كون الإنسان يكتب إلى شخص، ثم يحدثه بالكتاب، ذلك معتبر عند العلماء.

    تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].هو البحراني، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، يعني مثل: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن علي الفلاس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كل هؤلاء من الذين هم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنهم مباشرةً وبدون واسطة.
    ومحمد بن معمر ذكر المزي في تهذيب الكمال: أنه روى عن حبان بن هلال، وفي تهذيب التهذيب ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن معمر الجهني: أنه روى عن حبان بن هلال، فيحتمل هذا وهذا، وكلٌ منهما صدوق، إلا أن البحراني شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، وأما الثاني الجهني فروى له أبو داود، والنسائي فقط.
    [حدثنا حبان بن هلال].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا أبان].
    هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، أي: أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن قتادة].
    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن خالد بن عرفطة].
    وقد مر ذكره.
    [عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير].
    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود حدثنا عارم حدثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رجلٍ وقع بجارية امرأته: إن كانت أحلتها له فأجلده مائة، وإن لم تكن أحلتها له فأرجمه)].قوله: (فأجلده) و(فأرجمه) ما أدري إذا كان الضمير يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون بهمزة قطع، لكن الذي مر في بعض الروايات أنه قال له: إن كان كذا فكذا، وإن كان كذا فكذا، أي: إذا كان النبي يخبر عن نفسه صلى الله عليه وآله وسلم فيكون أجلده وأرجمه، وإن كان أمراً منه صلى الله عليه وسلم لمن يتولى هذه المهمة، فيكون فاجلده، وفارجمه، بدون همزة قطع.

    تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير في إحلال الفرج من طريق ثالثة


    قوله: [أخبرنا أبو داود].هو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [حدثنا عارم].
    هو محمد بن فضل أبو النعمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا حماد بن سلمة].
    هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن سعيد بن أبي عروبة].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن قتادة عن حبيب عن النعمان].
    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.

    شرح حديث سلمة بن المحبق في رجل وقع على جارية امرأته


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق قال: (قضى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل وطأ جارية امرأته، إن كان استكرهها فهي حرةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها)].أورد النسائي حديث سلمة بن المحبق رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً وقع على جارية امرأته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [(إن كان استكرهها فهي حرةٌ، وعليه لسيدتها مثلها)]، يعني: تكون حرة بسبب فعله هذا، وعليه أن يأتي لسيدتها بمثلها عوضاً عنها، قوله: [(وإن كانت طاوعته)]، أي: ليست مكرهة، ثم قال: [(فهي له)]، يعني يملكها، وعليه لسيدتها مثلها، وهذا بيان لما يئول إليه أمر الأمة التي فعل فيها هذا الفعل؛ لأن الأول فيه ما يتعلق للرجل وحكمه، هل يجلد أو يرجم؟ وهنا بيان حال تلك الأمة التي حصل لها ذلك الشيء, هل هي باقية على ما هي عليه أو غير باقية؟ فقال: [(إن كان استكرهها فهي حرةٌ وعليه لسيدتها مثلها)]، يغرم لسيدتها مثلها؛ لأنها صارت حرة بهذا العمل، [(وإن كانت طاوعته)]، أي: الأمة لم يكن هناك استكراه, بل مطاوعة، فهي تكون له, ويكون عليه لسيدتها مثلها.

    تراجم رجال إسناد حديث سلمة بن المحبق في رجل وقع على جارية امرأته


    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].هو: محمد بن رافع النيسابوري القشيري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [حدثنا عبد الرزاق].
    هو ابن همام الصنعاني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا معمر بن راشد].
    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن قتادة].
    قد مر ذكره.
    [عن الحسن].
    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن قبيصة بن حريث].
    صدوقٌ، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [عن سلمة بن المحبق].
    هو صحابيٌ، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    شرح حديث سلمة بن المحبق في رجل وقع على جارية امرأته من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سلمة بن المحبق: (أن رجلاً غشي جاريةً لامرأته، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كان استكرهها فهي حرةٌ من ماله، وعليه الشروى لسيدتها، وإن كانت طاوعته فهي لسيدتها، ومثلها من ماله)].أورد النسائي حديث سلمة بن المحبق من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله إلا أنه [إن كان استكرهها فهي حرةٌ ولسيدتها مثلها]، قوله: [(الشروى)] يعني: مثلها؛ لأن من معاني المثل الشروى، وهذا مما يستعمل عند العوام عندما يقولون: شرواك، يعني: مثلك، وكثيراً ما يأتون بهذه العبارة يستعملونها في البيع وهي لغة عربية، بمعنى: المثل، وشرواك، يعني: مثلك كذا وكذا، والشروى المثل، (فإن كان استكرهها فهي حرة، ولسيدتها الشروى)، يعني: مثلها، يعني واحدةً مثلها عوضاً عنه؛ لأن تلك خرجت من ملكها بالتحرير، حررت، فصارت حرة، (وإن كانت طاوعته فهي لسيدتها وعليها مثلها)، أيضاً، يعني: هذا يختلف عن الذي قبله، فالرواية السابقة [تكون له ولسيدتها مثلها]، وهنا [هي لسيدتها]، وأيضاً يضاف إليها [أمةً أخرى] تعطى لسيدتها.
    وهذه الأحاديث حديث النعمان بن بشير، وحديث سلمة بن المحبق كلها ضعفها الألباني، وقد ذكر العلماء أنها مضطربة، وهذا الاضطراب الموجود فيها من حيث التفاوت في ألفاظها، مثل ما جاء في هذا الحديث، مرة يقول: (إنها إن طاوعته فهي له، ولسيدتها مثلها)، والرواية الثانية يقول: (هي لسيدتها، ولسيدتها مثلها)، أي: يضاف إليها أمة أخرى تملكها السيدة.

    تراجم رجال إسناد حديث سلمة بن المحبق في رجل وقع على جارية امرأته من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].هو: محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا يزيد].
    هو يزيد بن زريع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سلمة].
    وقد مر ذكر هؤلاء الأربعة.


    تحريم المتعة

    شرح حديث علي بن أبي طالب في تحريم المتعة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تحريم المتعة. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن عبيد الله بن عمر حدثني الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما رضي الله تعالى عنه: (أن علياً بلغه: أن رجلاً لا يرى بالمتعة بأساً، فقال: إنك تائهٌ، إنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تحريم المتعة، والمتعة هي: الزواج المؤقت الذي له أمدٌ ينتهي إليه؛ لأن من شأن الزواج أن يكون على التأبيد، يعني: ليس له أمدٌ ينتهي إليه، يتزوج الإنسان وهي زوجته على التأبيد، إلا إذا حصل طلاقٌ منه أو فسخ أو ما إلى ذلك، فإنه ينتهي، لكن الأصل فيه أنه لا يؤجل بأجل، ولا يكون له غاية ينتهى إليها، بل الأصل في الزواج أنه يكون على التأبيد، وهي زوجته دائماً، لا يفرق بينهما إلا الموت، أو الطلاق، ما يفرق بينهما ببلوغ الأجل الذي يحدد، هذا هو الأصل في الزواج.
    والمتعة هي زواجٌ مؤقت له أمدٌ ينتهي إليه، فمثلا مدة شهر يتزوجها لمدة شهر، فإذا انتهى الشهر انتهت مدة وصلاحية العقد، وهي كانت مباحة، وجاءت النصوص في إباحتها، ولكنها حرمت بعد ذلك، وصار تحريمها مؤبداً، وعلى ذلك حكم العلماء على أنها حرام، وأنها لا تجوز، وأن تحريمها مؤبد، والرافضة هم الذين يقولون بها، ويرون بقاءها، ومع هذا فقد جاءت الأحاديث عن علي نفسه رضي الله تعالى عنه، في بيان تحريمها، الذي يعتبره الرافضة أول الأئمة الإثني عشر الذين يصفونهم بالصفات التي هم براء منها، وهم لا يرضونها؛ لأنهم يغلون فيهم غلواً شديداً، ويصفونهم بصفات لا يجوز وصفهم بها، وهم لا يرضون بذلك بلا شك، فهذا النكاح المحرم الذي كان مباحاً ثم نسخ، إنما جاء تحريمه عن علي نفسه، وما جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان الذي ما يعول عليهم الرافضة، والذين يكفرهم الرافضة أو يفسقونهم، ويبغضونهم ويسبونهم، وإنما جاء عن علي نفسه، فهذا زيادة في الثبوت عليهم، وثبوت التحريم أنه جاء ممن يعولون عليه، وممن يصفونه بالعصمة الذي هو علي رضي الله عنه وأرضاه، أول الأئمة الإثني عشر عند الرافضة، وهو رابع الخلفاء الراشدين المهديين عند أهل السنة والجماعة، رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
    فالمتعة وهي: الزواج المؤقت الذي يضرب له أجل ينتهي ببلوغ الأجل كانت مباحةً ثم حرمت، وبقيت محرمةً، وصار حكم ذلك لا يسوغ، بل جاء عن بعض الصحابة بل جاء عن عمر رضي الله عنه: أن من فعل ذلك فإنه زانٍ، وأنه يستحق الجلد أو يستحق الرجم، يعني إن كان محصناً أو كان بكراً.
    قوله: [(أن علياً بلغه: أن رجلاً لا يرى بالمتعة بأساً، فقال: إنك تائهٌ، إنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)].
    علي رضي الله عنه، قال هذا بهذه المناسبة، وهي: أنه بلغه وجاءه رجل يخبره بأن رجلاً لا يرى بها بأساً، فقال: [إنك تائه]، يعني: الذي تقول هذا، وإذ تبحث عن هذا، وإذ تسعى وراء هذا إنك تائه، والتائه هو: الضائع أو الهالك، أو الذي ليس على سبيل، ولا على طريق.
    وقوله: [(إنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها -أي: عن المتعة- وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)]، وكان ذلك في السنة السابعة، ثم أبيحت بعد ذلك، وحرمت تحريماً مؤبداً لا تجوز معه أبداً.

    تراجم رجال إسناد حديث علي بن أبي طالب في تحريم المتعة


    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا يحيى].
    هو يحيى القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبيد الله بن عمر].
    هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثني الزهري].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الحسن وعبد الله ابني محمد].
    الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن الحنفية، وكل منهما ثقة، وكل منهما أخرج له أصحاب الكتب الستة، الحسن، وعبد الله ابني محمد بن علي الذي اشتهر بـابن الحنفية، وهو أيضاً ثقة الذي هو محمد بن الحنفية، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن علي بن أبي طالب].
    محمد بن علي بن أبي طالب الذي هو ابن الحنفية يروي عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يعني هذا الحديث الذي هو تحريم المتعة، وعلي رضي الله عنه، هو أبو الحسنين وأبو السبطين، صهر النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمه، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث علي بن أبي طالب في تحريم المتعة من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له أنبأنا ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن÷2÷ ابني محمد بن علي عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية)].أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، وعن لحوم الحمر الإنسية)، والإنسية هي: الأهلية، التي هي في مقابل الوحشية؛ لأن الحمر الوحشية حلال، وأما الإنسية فكانت حلالاً من قبل، ولكنها حرمت يوم خيبر كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقال لها: الإنسية نسبة إلى الإنس، أو إلى الأنس وهو ضد الوحشة، وهي في مقابل الوحشية التي هي مباحة وحلال، ولا إشكال في حلها وإباحتها.

    تراجم إسناد حديث علي بن أبي طالب في النهي عن متعة النساء من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين].هو: محمد بن سلمة المرادي المصري، ثقةٌ، أخرج له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
    [والحارث بن مسكين].
    هو: الحارث بن مسكين المصري، ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [أنبأنا ابن القاسم].
    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [عن مالك].
    وقد مر ذكره.
    [عن ابن شهاب].
    وقد مر ذكره.
    [عن عبد الله والحسن ابني محمد].
    عبد الله والحسن ابني محمد عن أبيهما عن علي رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكر هؤلاء في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث علي بن أبي طالب في تحريم المتعة من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى أخبرنا عبد الوهاب سمعت يحيى بن سعيد أخبرني مالك بن أنس: أن ابن شهاب أخبره: أن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي أخبراه: أن أباهما محمد بن علي أخبرهما: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء، قال ابن المثنى: يوم حنين)، وقال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه]. أورد النسائي حديث علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو مثل الذي قبله، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية، وذلك يوم خيبر)، وفي رواية ابن المثنى.
    قوله: [قال ابن المثنى].
    قال ابن المثنى الذي هو شيخ النسائي أحد الشيوخ الثلاثة في الإسناد: (يوم حنين)، قال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه. يعني أن محمد بن المثنى يروي الحديث على أنه يوم حنين، وأما غيره الذي محمد بن بشار، وعمرو بن علي الفلاس فيروونه على أنه يوم خيبر، وهو مطابق لما مر في الروايات السابقة.

    تراجم رجال إسناد حديث علي بن أبي طالب في تحريم المتعة من طريق ثالثة


    قوله: [أخبرنا عمرو].هو عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، هؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنهم مباشرةً وبدون واسطة، وكلٌ منهم أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا عبد الوهاب].
    هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [سمعت يحيى بن سعيد].
    هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرني مالك بن أنس].
    قد مر ذكره.
    [أن ابن شهاب أخبره أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه أن محمد بن علي أخبرهما أن علي بن أبي طالب قال].
    ابن شهاب عن الحسن، وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه، وقد مر ذكر هؤلاء جميعاً في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث: (... من كان عنده من هذه النساء اللاتي يتمتع فليخل سبيلها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن الربيع عن سبرة الجهني عن أبيه قال: (أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر فعرضنا عليها أنفسنا، فقالت: ما تعطيني؟ فقلت: ردائي، وقال صاحبي: ردائي، وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إليّ أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني، فمكثت معها ثلاثاً، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده من هذه النساء اللاتي يتمتع فليخل سبيلها)].أورد النسائي حديث سبرة بن معبد رضي الله تعالى عنه، أنه قال: [أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة، فذهبت أنا وصاحبٍ لي إلى امرأةٍ من بني عامر، فعرض نفسه عليها]، يعني: يريد أن يستمتع بها متعة، [فقالت: ما تعطيني؟ قال: أعطيك ردائي، وقال الآخر: أعطيك ردائي، فكان رداء صاحبه أجود من ردائه، ولكنه هو أشب من صاحبه، فكانت المرأة إذا نظرت لرداء صاحبه أعجبها، وإذا نظرت إليه هو أعجبها هو]، وانتهى بها الأمر إلى أن اختارته ورداؤه الرديء، [وقالت: أنت ورداؤك يكفيني]، يعني أنت صاحبي، ورداؤك الذي هو دون صاحبك يكفيني، يعني: اختارته لشبابه ولكونها تراه أشب، واعتبرت الرداء الذي هو دون الرداء الأجود يعني: يكفيها مع ذلك الشخص، فاختارت من كان أشب، ومن كان رداؤه أردى، وتركت من كان رداؤه أجود، فمكث عندها ثلاثاً.
    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك، وقال: [(من كان عنده شيءٌ من النساء يستمتع به فليخل سبيله)]، يعني: فليتركها، معناه: أنه انتهى، يعني: جاء التحريم وانتهت الإباحة، فيخلي سبيلها ولا يستمر معها حتى بلوغ الأجل الذي اتفقا عليه، بل عليه أن يخلي سبيلها، وأن يتركها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... من كان عنده من هذه النساء اللاتي يتمتع فليخل سبيلها)


    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا الليث].
    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الربيع بن سبرة].
    هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، رضي الله تعالى عنه، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، أما أبوه سبرة بن معبد الصحابي فحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #444
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب النكاح

    (441)

    - (باب إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف) إلى (باب البناء بابنة تسع)




    يشرع إعلان النكاح والضرب عليه بالدف للتفريق بينه وبين السفاح، كما يشرع للرجل في وقت الدخول على الزوجة والبناء بها أن يعطيها شيئاً تطييباً لنفسها وإكراماً لها.
    إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف

    شرح حديث: (فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف.أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا هشيم عن أبي بلج عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح)].
    يقول النسائي رحمه الله: إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف، ومقصوده بهذه الترجمة هو أن ضرب الدف، وحصول الصوت بإعلان النكاح، جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالصوت قيل: إن المقصود به صوت الدف؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث: (الصوت بالدف)، أو (الدف في الصوت)، وجاء في بعضها العطف، وجاء في بعضها ذكر (الصوت) بدون الدف، وقيل: إن المقصود بالصوت هو الغناء المباح الذي ليس فيه تحريك، وتشبيب، وإنما فيه إنشاد بكلام حسن، وكلام لطيف، وكل ذلك في حدود النساء الذي هو الغناء، وكذلك ضرب الدف، إنما يفعل ذلك النساء دون الرجال.
    وقد أورد النسائي حديث محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح)].
    يعني: إعلانه، يعني: (فصل ما بين الحلال والحرام)، الحلال يكون بهذا الإعلان، وبهذا الإظهار، وأما الحرام فهو بخلافه؛ لأن فيه تستر، وفيه إخفاء الذي هو الفعل المحرم، والعياذ بالله، والنكاح الذي شرعه الله عز وجل شرع إعلانه، وإظهاره حتى يعلم حصول الزواج، وحتى يظهر حصول الزواج، فهو (فصل ما بين الحلال، والحرام) إعلانه، وإظهاره، ويكون ذلك بضرب الدف، والصوت، وهذا إنما هو في حق النساء، وليس للرجال أن يفعلوهن. والدف هو آلة يضرب عليها فيطلع عليها صوت، ولا يكون فيها شيء مما يكون فيه اللهو، بأن يكون فيها جرس أو فيها أشياء تضاف إليها يطلع لها صوت رنين وما إلى ذلك، وكذلك أيضاً قالوا في الدف: أنه يكون مفتوحاً من إحدى الجهتين، لا يكون مصمتاً؛ لأنه إذا كان مصمتاً، وكان داخله خالياً ومغلقاً من جميع الجهات، فإنه يكون طبلاً، ولا يكون دفاً، والضرب إنما هو بالدف دون غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح)

    قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا هشيم].
    هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس، والإرسال الخفي، والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، وأما الإرسال الخفي فهو أن يروي الراوي عمن عاصره، ولم يلقه، فالتدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، وأما إن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، وقيل له: مرسل خفي في مقابل المرسل الجلي؛ لأنه إذا كان معاصراً له، ولم يلقه وأرسل عنه، فإنه يكون خفياً، أما إذا كان أرسل عن شخص لم يدرك عصره، ولم يدرك زمانه، فإن هذا إرسال جلي، وحديث هشيم بن بشير الواسطي أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي بلج].
    وهو: يحيى بن سليم، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [عن محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه].
    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    شرح حديث: (إن فصل ما بين الحلال والحرام الصوت) من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد عن شعبة عن أبي بلج سمعت محمد بن حاطب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فصل ما بين الحلال والحرام الصوت)].أورد النسائي حديث محمد بن حاطب وهو: بلفظ: (إن فصل ما بين الحلال والحرام الصوت)، والصوت هنا يعني مطلق، ويدخل فيه صوت الدف، ويدخل فيه الصوت بالغناء المباح الذي يكون مع الدف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن فصل ما بين الحلال والحرام الصوت) من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [حدثنا خالد].
    هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن شعبة].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي بلج سمعت محمد بن حاطب].
    وقد مر ذكرهما.


    كيف يدعى للرجل إذا تزوج

    شرح حديث عقيل بن أبي طالب فيما يدعى للرجل إذا تزوج

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف يدعى للرجل إذا تزوج. أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد عن أشعث عن الحسن قال: (تزوج عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه امرأةً من بني جثم، فقيل له: بالرفاء والبنين، قال: قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيكم وبارك لكم)].
    أورد النسائي ما يدعى به للمتزوج، يعني: ما هو اللفظ الذي يدعى به، أو الدعاء الذي يدعى به للمتزوج إذا تزوج؟ وهو أن يقال له: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)، أو [(بارك الله لكم، وبارك فيكم)]، والصيغة الكاملة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)، وكان من عادة أهل الجاهلية أن يقولوا: بالرفاء، والبنين، يعني: أنه يحصل الوئام، والوثاق، والانسجام، وكذلك وجود البنين، والأولاد الذين يحصلون نتيجة أو الذين يأتون نتيجة للزواج، فهذا هو الذي كانوا يتخاطبون به في الجاهلية، وجاء الإسلام بهذا الدعاء العظيم: [(بارك الله لكم، وبارك فيكم)]، وفي بعض الأحاديث: (بارك الله لك، وبارك عليك)، وقال للمتزوج: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)، فهذا دعاء عظيم، دعاء بالبركة له وعليه، وأن يجمع بينه وبين زوجته بخير.

    تراجم رجال إسناد حديث عقيل بن أبي طالب فيما يدعى للرجل إذا تزوج


    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي، وهو: الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [ومحمد بن عبد الأعلى].
    قد مر ذكره.
    [قالا: حدثنا خالد عن أشعث].
    خالد، هو: ابن الحارث، وقد مر ذكره.
    [عن أشعث].
    وهو: ابن عبد الملك الحمراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن الحسن].
    هو: الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عقيل].
    هو: عقيل بن أبي طالب، وهو أخو علي، وأخو جعفر، وهو أسنهما، وحديثه أخرجه النسائي، وابن ماجه.
    إذاً خرج له النسائي وابن ماجه؛ لأن عقيل بن أبي طالب ليس له في الكتب الستة إلا حديثان، هذا الحديث، وحديث آخر، وهو الذي ورث أباه لما مات؛ لأنه ما كان أسلم، وقد جاء في الحديث: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور في مكة).


    دعاء من لم يشهد التزويج

    شرح حديث أنس في دعاء من لم يشهد التزويج


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [دعاء من لم يشهد التزويج. أخبرنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرةٍ فقال: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأةً على وزن نواةٍ من ذهب، فقال: بارك الله لك، أولم ولو بشاة)].
    ثم ذكر الترجمة وهي: الدعاء لمن لم يشهد التزويج، يعني ممن لم يشهد التزويج، فيدعو بعد أن يلقى المتزوج وإن لم يكن حاضراً الزواج، ويكون بالصيغة التي جاءت: [(بارك الله لك أو بارك الله لكم)]، أو يقول: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما بخير)، يعني: سواءً حضر، أو لم يحضر يدعو له بهذا الدعاء الذي هو دعاء بالبركة.
    وأورد النسائي حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة)، وهو الطيب الذي هو من طيب النساء، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك؟ (فقال: إنه تزوج امرأة من الأنصار على نواة من ذهب، قال: بارك الله لك، أولم ولو بشاة)، والمقصود من إيراد الحديث هذه الجملة وهي: (بارك الله لك)؛ لأن هذا هو الدعاء الذي دعي به للمتزوج ممن لم يحضر الزواج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، علم بزواجه لما رأى هذا الأثر عليه علم أنه تزوج وقال له: (بارك الله لك، أولم ولو بشاة).
    وأيضاً يدل على أن الوليمة لا يلزم أن تكون في نفس الوقت الذي حصل فيه الزواج، بل لو تأخرت لا بأس بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عبد الرحمن بعدما تزوج، وقال له: (أولم ولو بشاة)، وقوله: [(أولم ولو بشاة)]، يعني: أن هذا هو الحد الأدنى، وذلك في حق الموسرين، أما من كان ليس كذلك، فإنه يمكن أن يقدم ما تيسر من الطعام ولو لم يصل إلى شاة، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في زواجه بـصفية، أنه لم يذبح شيئاً، وإنما جمع الناس ما عندهم من أزودة، فمنهم من أتى بالسمن، ومنهم من أتى بالتمر، ومنهم من أتى بالأقط، وعملوا حيساً، وأكلوا من ذلك الحيس، فكان هو الوليمة على زواجه من صفية، وكانوا في سفر.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في دعاء من لم يشهد التزويج


    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا حماد بن زيد].
    هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ثابت].
    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس]
    هو أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخادم النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.


    الرخصة في الصفرة عند التزويج

    شرح حديث أنس في الرخصة في الصفرة عند التزويج


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الصفرة عند التزويج. أخبرنا أبو بكر بن نافع حدثنا بهز بن أسد حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن عبد الرحمن بن عوف جاء وعليه ردع من زعفران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مهيم؟ قال: تزوجت امرأة، قال: وما أصدقت؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الرخصة في الصفرة عند التزويج. والمقصود من ذلك: أن الصفرة، وهي الطيب الذي فيه زعفران أو الذي منه أثر زعفران ليس للرجل أن يفعله، بل ولا يكون على ثيابه، لكنه عند الزواج يرخص في ذلك، وهذا هو الذي عقد له النسائي الترجمة.
    ويمكن أن يكون هذه الصفرة التي في عبد الرحمن ما كان فعلها، وإنما علقت به من امرأته، فيكون شيئاً ليس مقصوداً، وليس شيئاً متعمداً، ولم يتعمد التطيب بهذا الطيب، وإنما كان على امرأته فعلق به، فيكون حصول ذلك منه ليس قصداً، ولا يكون ترخيصاً من جهة أن الإنسان يفعله ما دام أنه متزوج، لكن إذا فعلته المرأة، وهو مباح لها ثم علق بالرجل، فعلوقه بالرجل هو معذور؛ لأنه ما تعمده، وما قصده.
    أورد النسائي حديث أنس عن عبد الرحمن بن عوف، قوله: (جاء وعليه ردع من زعفران)، يعني: هي صفرة؛ لأن الزعفران أصفر، ولون الذي يكون منه يكون أصفر، فقال عليه الصلاة والسلام: (مهيم)، يعني: ما هذا؟ أو ما شأنك؟ وجاء في بعض الروايات أنه قال: (ما هذا؟)، فيكون (مهيم)، بمعنى: ما هذا؟ أو ما شأنك؟ أو ما حالك؟ (فقال: تزوجت امرأة، قال: وما أصدقتها؟ قال: قدر نواةٍ من ذهب، قال: أولم ولو بشاة).
    والمقصود من إيراد الترجمة ردع من زعفران، هذا هو المقصود بالصفرة التي ترجم لها، وكما قلت: النسائي ترجم بالرخصة، وأنه وإن كان لا يباح في حق الرجال إلا أنه يباح في الزواج، ويمكن أن يقال كما أشرت: أنه لم يقصد ذلك، ولم يتعمده، وإنما هو من طيب النساء، وقد علق به من غير قصد.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في الرخصة في الصفرة عند التزويج


    قوله: [أخبرنا أبو بكر بن نافع].هو محمد بن أحمد بن نافع العبدي، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا بهز بن أسد].
    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا حماد].
    وهو: ابن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه].
    وقد مر ذكرهما.
    [عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه].
    وهو: أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أنس في الرخصة في الصفرة عند التزويج من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان حدثنا سعيد بن كثير بن عفير أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن حميد الطويل عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ كأنه -يعني عبد الرحمن بن عوف - أثر صفرةٍ، فقال: مهيم؟ قال: تزوجت امرأةً من الأنصار، فقال: أولم ولو بشاة)].أورد النسائي حديث أنس أنه قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ كأنه)، إما أن يكون قوله: (كأنه)، يريد يعني عبد الرحمن بن عوف قال: عليَّ ولم يذكر الشخص وقال: كأنه يريد عبد الرحمن بن عوف، أو أن الكلام لـعبد الرحمن، (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ)، ثم فسره قال: كأنه يريد عبد الرحمن بن عوف، يعني: الذي قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ)، فهو لا يصلح أن يكون عليّ وأن المتكلم يرجع إلى أنس؛ لأن الصفرة أو الأثر إنما رؤي على عبد الرحمن، فهو إما أن يكون يعني الحرف على، ولكنه كأنه لم يجزم بأنه عبد الرحمن، فأتى بالصيغة التي تشير إلى أنه لعله هو، كأنه يريد فلان، أو كأنه فلان، أو أنه يحكي كلام عبد الرحمن بن عوف قوله: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ)، ثم قال: كأنه يريد يعني في الذي قال هذا الكلام عبد الرحمن بن عوف، ولا يستقيم أن يكون الضمير المتكلم يرجع إلى أنس بن مالك؛ لأن الذي رؤي إنما على عبد الرحمن، كأنه يريد عبد الرحمن بن عوف قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ كأنه يعني عبد الرحمن بن عوف أثر صفرٍ، فقال: مهيم؟ قال: تزوجت من الأنصار، فقال: أولم ولو بشاة)، وهو مثل الذي قبله.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في الرخصة في الصفرة عند التزويج من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان].أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [حدثنا سعيد بن كثير بن عفير].
    سعيد بن كثير بن عفير، وهو صدوق، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.
    [أخبرنا سليمان بن بلال].
    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن يحيى بن سعيد].
    هو: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن حميد الطويل].
    هو: حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس].
    وقد مر ذكره.


    نحلة الخلوة

    شرح حديث علي في نحلته لفاطمة عند خلوته بها


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نحلة الخلوة.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن علياً رضي الله عنه قال: (تزوجت فاطمة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله! ابن بي، قال: أعطها شيئاً، قلت: ما عندي من شيء، قال: فأين درعك الحطمية؟ قلت: هي عندي، قال: فأعطها إياه)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نحلة الخلوة، يعني: الخلوة بالمرأة، الدخول عليها، حصول اللقاء لأول مرة بينهما، والنحلة هي العطية التي تعطى إياها بهذه المناسبة.
    أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه لما عقد على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطلب الدخول عليها، والبناء بها، فقال: (ابن بي يا رسول الله)، أي: اجعلني بانياً بأهله، يعني: تمكينه من أهله بأن يخلى بينه، وبينها، وأن يدخل عليها أو تدخل عليه، هذا هو المقصود بالبناء، والابتناء، أي: الدخول على المرأة، وبدء الحياة الزوجية بالفعل، فقال: (أعطها شيئاً، فقال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحطمية؟ قال: عندي، قال: أعطها إياها)، فهذه هي النحلة، وهي العطية التي تعطى إياها بمناسبة الدخول، وبمناسبة اللقاء الأول الذي تبدأ به الحياة الزوجية بين الزوجين.

    تراجم رجال إسناد حديث علي في نحلته لفاطمة عند خلوته بها


    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور، وهو: النسائي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [حدثنا هشام بن عبد الملك].
    وهو: أبو الوليد الطيالسي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا حماد].
    وهو: ابن سلمة، وهو ثقة، مر ذكره.
    [عن أيوب].
    هو: ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عكرمة].
    عكرمة، وهو: مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن عباس].
    هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
    [عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه].
    أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، الهادين المهديين، أبو الحسنين، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج ابنته فاطمة، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حديث علي في نحلته لفاطمة عند خلوته بها من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن إسحاق عن عبدة عن سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (لما تزوج علي رضي الله عنه، فاطمة رضي الله عنها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطها شيئاً، قال: ما عندي، قال: فأين درعك الحطمية؟)].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه، وهو مثل ما تقدم، لما تزوج علي بـفاطمة رضي الله تعالى عنهما، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطها شيئاً، قال: ما عندي، قال: أين درعك الحطمية؟)، فأخبره بأنها عنده، وقال: (أعطها إياه)، كما جاء ذلك مبيناً في الرواية السابقة، وهذه الرواية فيها اختصار عن الرواية السابقة.
    قوله: [أخبرنا هارون بن إسحاق].
    هارون بن إسحاق، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [عن عبدة].
    هو: عبدة بن سليمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن سعيد].
    هو: سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس].
    وقد مر ذكرهم.
    [عن علي].
    وقد مر ذكره.


    البناء في شوال

    شرح حديث عائشة: (تزوجني رسول الله في شوال وأدخلت عليه في شوال ...)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [البناء في شوال. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: البناء في شوال، والمقصود من ذلك كما تقدم: أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون من الزواج في شوال، فكانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أرادت أن تبين يعني فساد هذا المعتقد الجاهلي، وقالت: (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني)، معناه: أنه زواج حصل فيه وفاق، ووئام، وأنها أحظى نسائه عنده، وكان زواجها في شوال، فهو زواج مبارك، وحصل الوفاق والوئام، فما كان يعتقد في الجاهلية فهو باطل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة في شوال، وبنا بها في شوال، فما يذكر عن أهل الجاهلية من هذه العقيدة الباطلة، هذا الحديث يدل على فساده وعلى بطلانه، وأن الزواج فيه تم من رسول الله صلى الله عليه لـعائشة، وكان زواجاً مباركاً، حصل فيه الخير الكثير، وكانت أحظى نسائه عنده، وهي البكر الوحيدة التي تزوجها، ومكثت عنده تسع سنوات، وتوفاه الله عز وجل وعمرها ثمان عشرة سنة، وحفظت الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما الأحاديث المتعلقة بالحياة الزوجية، والتي تكون بين الرجل، وأهل بيته، فإنها من أوعية السنة، وخاصة في هذه المجالات.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (تزوجني رسول الله في شوال وأدخلت عليه في شوال ...)


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [حدثنا وكيع].
    وهو: ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن سفيان].
    هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسفيان غير منسوب، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان فالمراد به الثوري؛ لأن روايته عن الثوري كثيرة، وروايته عن ابن عيينة قليلة، فتحمل الرواية عند الإهمال على من يكون التلميذ أكثر أخذاً عنه، وأكثر ملازمة له، لا سيما وهو أيضاً من بلده، فإن وكيعاً كوفي، وسفيان الثوري كوفي، وأما سفيان بن عيينة فهو مكي.
    [عن إسماعيل بن أمية].
    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن عروة].
    وهو: عبد الله بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
    [عن أبيه].
    وهو: عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة رضي الله عنها].
    هي: الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين التي حفظت الكثير من السنة، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.


    البناء بابنة تسع


    شرح حديث عائشة في بناء النبي بها وهي بنت تسع سنين


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [البناء بابنة تسع. أخبرنا محمد بن آدم عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست، ودخل عليّ وأنا بنت تسع سنين، وكنت ألعب بالبنات)].
    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: البناء بابنة تسع، أي: الدخول عليها، وكونه تبدأ الحياة الزوجية معها بأن يخلو بها. وقد أورد النسائي حديث عائشة: (تزوجني الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة ست)، يعني: أنه عقد عليها، ولكنه دخل عليها وهي ابنة تسع الذي هو البناء، والذي حصلت به الخلوة، وكانت تلعب بالبنات، لصغرها، والبنات المقصود بها خرق، وأعواد تلف عليها خرق يكون لها رجلان، ويكون لها شكل يدان، ويكون لها شكل رأس، ومثل هذا لا بأس به؛ لأنه كان يفعل وليست صوراً واضحة.
    أما الصور التي هي مجسمة، والتي هي على شكل آدمي، مثل هذه الأشياء التي تصنع، وتعمل من البلاستيك وغيرها، فإن هذه صور مجسمة وواضحة، فاتخاذها لا يجوز، ولكن الذي كانت تفعله عائشة وغيرها، إنما كان أعواداً، وخرقاً تلف على الخرق، وفيها إشارة إلى الأيدي والأرجل، والرأس، فذلك لا بأس به، ولكن الشيء الذي يكون فيه صور مجسمة، فيها وضوح لا سيما بعدما وجد التفنن في التصوير، فإن ذلك كله لا يسوغ، والذي فعلته عائشة ليس من هذا القبيل؛ لأنه ليس فيه صور، وإنما هي أعواد لف عليها خرق، وفيها شيء يشير لليدين، والرجلين، وشيء يشير للرأس دون أن يكون هناك صوراً كالتي ترسم، أو التي تصمم على هيئة آدميين، فإن ذلك لا يسوغ، وهو من الصور المحرمة.
    وجاء في الروايات السابقة: (دخل عليّ رسول الله)، وفي رواية: (أدخلت على رسول الله)، الرواية السابقة: (أدخلت)، والثانية: (دخل عليّ رسول الله عليه الصلاة والسلام)، ولا تنافي بينهما؛ لأنه عليه الصلاة والسلام، جاءهم في ديارهم، ويكون دخل عليها في دارهم، في دار أبيها، وأدخلت عليه، وكان في مكان فأدخلت عليه في مكان عندهم في بيتهم، وأدخلت عليه، فمجيء بعض الروايات: (دخل عليها)، و(أدخلت عليه)، لا تنافي بينها، فمعناه: دخل عليها في دارهم، ودخل دارهم للزواج، وهي أدخلت عليه في المكان الذي هو فيه عليه الصلاة والسلام، وبهذا حصلت الخلوة، وبهذا يحصل البناء، وهذا هو الذي ذكرته عائشة عن نفسها رضي الله تعالى عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرت عن صغرها، وأنها كانت تلعب بالبنات.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في بناء النبي بها وهي بنت تسع سنين

    قوله: [أخبرنا محمد بن آدم].وهو: محمد بن آدم الجهني، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [عن عبدة].
    وهو: عبدة بن سليمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن هشام عن أبيه عن عائشة].
    وقد مر ذكرهم.

    شرح حديث عائشة في بناء النبي بها وهي بنت تسع سنين من طريق أخرى


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم حدثنا عمي حدثنا يحيى بن أيوب أخبرني عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين، وبنى وهي بنت تسع)].أورد النسائي حديث عائشة (في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنة ست، وبنى بها وهي ابنة تسع)، أي: دخل عليها أو أدخلت عليه، هذا هو المقصود بالبناء، وقيل له: بناء لأنه غالباً كان يبنى قبة وينصب قبة ليخلو فيها الزوج بزوجته، فقيل له: بناء، وأطلق عليه بناء.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في بناء النبي بها وهي بنت تسع سنين من طريق أخرى


    قوله: [أخبرنا أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم].وهو: أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم المصري، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [حدثنا عمي]
    وهو: سعيد بن الحكم بن أبي مريم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا يحيى بن أيوب].
    وهو: يحيى بن أيوب المصري، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرني عمارة بن غزية].
    وهو لا بأس به، وهي تعادل صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن محمد بن إبراهيم].
    وهو: محمد بن إبراهيم التيمي المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
    هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة، على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة].
    وقد مر ذكرها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #445
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب النكاح

    (442)

    - (باب البناء في السفر) إلى (باب الهدية لمن عرس)




    يصح الزواج في أي وقت من الأوقات حتى لو كان في السفر ما عدا الحج، وقد استحب في الزواج وليمة العرس وكذلك الهدية لمن عرس، ويستحب كذلك ضرب الدفوف والغناء الذي ليس بفاحش لغرض إعلان النكاح.
    البناء في السفر

    شرح حديث أنس في بناء النبي بصفية في السفر


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [البناء في السفر.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزا خيبر، فصلينا عندها الغداة بغلس، فركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأخذ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإني لأرى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما دخل القرية قال: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين، قالها ثلاث مرات، قال: وخرج القوم إلى أعمالهم، قال عبد العزيز: فقالوا: محمد، قال عبد العزيز: وقال بعض أصحابنا: والخميس، وأصبناها عنوةً، فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا نبي الله! أعطني جاريةً من السبي، قال: اذهب فخذ جاريةً، فأخذ صفية بنت حيي رضي الله عنها، فجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله! أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة، والنضير، ما تصلح إلا لك، قال: أدعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خذ جاريةً من السبي غيرها، قال: وإن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتقها، وتزوجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة، ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها، وتزوجها، قال: حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها إليه من الليل، فأصبح عروساً، قال: من كان عنده شيءٌ فليجئ به، قال: وبسط نطعاً، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسةً، فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)].
    يقول النسائي رحمه الله: البناء في السفر، أي: الدخول على الزوجة، واللقاء معها لأول مرة في خلوة، وذلك في حال السفر، هذا هو مقصود النسائي من هذه الترجمة أن البناء بالزوجة كما يكون في الحضر، وهذا هو الغالب، والأصل فيه، وأنه أيضاً يكون في السفر، والناس مسافرون فيمكن للإنسان أن يتزوج وهو مسافر.
    وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا خيبر، وفتح الله عز وجل على المسلمين، وكان من السبي صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها، وكان أن طلب منه دحية بن خليفة الكلبي واحدة من السبي، فأخذ صفية، ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له: [إن دحية أخذ فلانةً صفية بنت حيي، وهي لا تصلح إلا لك، فقال: ادعوه بها، فجاء بها، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذ واحدة من السبي سواها]، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام اصطفاها لنفسه، وتزوج بها، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها، ولما كانوا في أثناء الطريق راجعين إلى المدينة هيأت أم سليم صفية للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم زفتها عليه، فأصبح عروساً صلى الله عليه وسلم، وطلب منهم أن يأتوا بما معهم من أزواد، فأتى بعضهم بالسمن، وأتى بعضهم بالأقط، وبعضهم بالتمر، فحاسوا حيسةً، أي: صنعوا من هذا الطعام الذي هو من ثلاثة أصناف، صنفاً واحداً خلطوه وجمعوه، ويقال له: حيس، فأكلوا من هذه الوليمة التي هي ليست بلحم، وإنما هي حيس مؤلف من ثلاثة أصناف من الطعام هي: التمر، والسمن، والأقط.
    ومقصود النسائي من الترجمة: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هيأت أم سليم صفية له عليه الصلاة والسلام، وهم سائرون في الطريق، وهم نازلون في سفر، وأهدتها للنبي عليه الصلاة والسلام، أي: أدخلتها عليه، وهذا هو البناء، فالدخول على المرأة، والخلوة بها لأول مرة، يقال له: بناء، ويقال له: خلوة، فمن أجل هذا أورد النسائي هذه الترجمة، وهذا الحديث تحتها من أجل هذه الجملة التي هي: كون أم سليم هيأتها وأدخلتها عليه، فصار بذلك بانياً بأهله وهو مسافر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    والحديث طويل، أوله: [أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، ولما كان فيها أجرى دابته في زقاق]، وهو الطريق الضيق، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه رديفاً لـأبي طلحة زوج أمه أم سليم رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وكان من ضيق ذلك الزقاق أن ركبة أنس بن مالك تكاد تلتصق بفخذ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا على دابة، وهذا على دابة، ولضيق الطريق والزقاق تقرب الدابة من الدابة، ويقرب من عليها إلى من عليها، فتكون ركبة أنس بن مالك رضي الله عنه قريبة من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم [نظر إلى بياض فخذه صلى الله عليه وسلم]، قال بعض أهل العلم: وفي هذا دليل على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كشف ذلك، وأظهر ذلك، فيدل هذا على أنه ليس بعورة، وجمهور العلماء على خلاف هذا القول يقولون: إنه عورة، ولكن هذا الذي حصل إنما انكشاف، وانحسار، ولم يكن قصداً، وذلك بسبب سرعة السير على الدابة أنه ينكشف الإزار عن الفخذ، فتبدو. فيكون بدو الفخذ لم يكن عن قصد، ولم يكن أمراً متعمداً حتى يستدل به على أن الفخذ ليس بعورة، وإنما حصل مع السرعة ومن غير قصد، فلا يستدل به على أن الفخذ ليس بعورة بل هو عورة.
    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(خربت خيبر، إنا إذا نزلنا ساحة قومٍ فساء صباح المنذرين)]، قالوا: وفي هذا دليل على جواز الاقتباس، وهو نوع من أنواع علم البديع في البلاغة، وهو: أن يضمن الكلام الذي يأتي به الإنسان شيئاً من كلام الله عز وجل، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، دون أن ينسب ذلك إلى الله وإلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: دون أن يقال: قال الله تعالى كذا، أو يقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ولهذا قال: (إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين)، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ [الصافات:177]، هذا من كلام الله عز وجل، ولكنه جاء على هذه الطريقة، وعلى هذا النحو الذي يسمى في علم البلاغة الاقتباس.
    ثم إن اليهود خرجوا من بيوتهم لمزارعهم، وحروثهم، فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه الجيش عرفوه وقالوا: [محمد، والخميس]، أي: الجيش، والجيش يقال له: خميس؛ لأنه يكون من خمس فئات: مقدمة، ومؤخرة، وميمنة، وميسرة، وقلب، أي: وسط، هذه خمسة أحوال.
    ثم إن الله عز وجل فتحها للمسلمين عنوة، يعني: ليست بصلح، وليس دخول المسلمين بها بصلح، بل كان عنوةً، وقهراً، وغلبةً لليهود، حيث تغلب عليهم المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
    ثم إنه لما جمع السبي [جاء دحية بن خليفة الكلبي وقال: يا رسول الله! أعطني جاريةً، فقال: اذهب وخذ جارية، فذهب، وانتقى صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله تعالى عنها وأرضاها]، وكأنه حصل في نفوس بعض الصحابة شيء لكونه يأخذ هذه الشريفة في قومها، النسيبة في قومها، ويختص بها، ويتميز بها، فجاء بعض الصحابة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة، وبحال دحية، وأنه أخذها وهي لا تصلح له، وإنما تصلح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها بنت كبير قريظة، والنضير ومقدمهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذه الكلام [أمر دحية بن خليفة أن يأتي بها وقال له: يأخذ امرأةً من السبي سواها]، معناه: يذهب وينتقي له واحدةً غير هذه الشريفة في قومها، التي هي صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فاستعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخذ شيئاً متميزاً، وكان من حقه ألا يأخذ من هي بهذا الوصف، ومن هي بهذه المنزلة، بل يأخذ ما هو دونها.
    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وجعل عتقها صداقها. وفي أثناء الطريق دخل بها، وبنى بها، واتخذ وليمة هي مكونة من التمر، والأقط، والسمن، وتسمى: حيس، وهو وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمناسبة هذا الزواج على صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    قوله: [(ما أصدقها؟)].
    يعني: ما هو صداقها؟ قال: نفسها، يعني: أعتقها، وجعل عتقها صداقها؛ لأنه منّ عليها بهذه النعمة، وهي: العتق، وهو مكسب عظيم لها، فجعله صداقاً لها.
    قوله: [(قال: حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها إليه من الليل، فأصبح عروساً)].
    والعروس يطلق على الذكر والأنثى، ليس خاصاً بالأنثى، وليس خاصاً بالذكر.
    قوله: [(من كان عنده شيءٌ فيجيء به، قال: وبسط نطعاً، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسةً، فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)].
    الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يأتوا بما معهم من أزواد، فمنهم من أتى بالسمن، ومنهم من أتى بالتمر، ومنهم من أتى بالأقط، فجمعوا هذه الأمور الثلاثة وخلطوها، وهي تسمى: حيس، فأكلوا منها من هذه الوليمة، وفيه دليل على أن الوليمة يمكن أن تكون بغير الذبح وبغير اللحم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أولم ولو بشاة)، لـعبد الرحمن بن عوف، فهذا يدلنا على أنه يمكن أن تكون الوليمة بغير اللحم، وأنها تكون بالحيس.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في بناء النبي صلى الله عليه وسلم بصفية في السفر


    قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب].زياد بن أيوب، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا إسماعيل بن علية].
    وهو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية نسبةً إلى أمه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا عبد العزيز بن صهيب].
    عبد العزيز بن صهيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس بن مالك رضي الله عنه].
    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد خدمه عشر سنوات رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    وهذا الإسناد من رباعيات النسائي التي يكون فيها بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص.

    شرح حديث أنس في بناء النبي بصفية في السفر من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن نصر حدثنا أيوب بن سليمان حدثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن يحيى عن حميد: أنه سمع أنساً رضي الله عنه يقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام على صفية بنت حيي بن أخطب بطريق خيبر ثلاثة أيام حين عرس بها، ثم كانت فيمن ضرب عليها الحجاب)].أورد النسائي حديث أنس رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو خاص بذكر ما ترجم له النسائي، وهو بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بـصفية بنت حيي، وأن النبي عليه الصلاة والسلام بنى بها في السفر، وأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان الذي دخل عليها فيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    قوله: [(ثم كانت فيمن ضرب عليها الحجاب)]. على أنها زوجة وليست ملك يمين، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها، (أعتقها وجعل عتقها صداقها)، فكانت زوجة لها حق القسم، وليست أمة تخالف الزوجات في أحكام كثيرة.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في بناء النبي بصفية في السفر من طريق ثانية


    قوله: [أخبرنا محمد بن نصر].هو: محمد بن نصر النيسابوري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [حدثنا أيوب بن سليمان].
    هو: أيوب بن سليمان، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا أبو بكر بن أبي أويس].
    هو: عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس الأصبحي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن سليمان بن بلال].
    هو: سليمان بن بلال، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن يحيى].
    هو: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن حميد].
    هو: حميد بن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أنه سمع أنساً رضي الله عنه].
    وقد مر ذكره.

    شرح حديث أنس في بناء النبي بصفية في السفر من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين خيبر والمدينة ثلاثاً، يبني بـصفية بنت حيي، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبزٍ، ولا لحم، أمر بالأنطاع وألقى عليها من التمر، والأقط، والسمن، فكانت وليمته، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو مثل التي قبلها، يعني في بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بـصفية في السفر، وأنها صارت من أمهات المؤمنين، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب عليه الحجاب وحجبها عن الناس، فعرف بأنها زوجة، وأنها ليست ملك يمين، وصارت بذلك من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والنبي صلى الله عليه وسلم اصطفاها لنفسه؛ لأنها شريفة، وكبيرة في قومها، فجعلها له عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه جبر لما حصل لها من المصيبة في قتل والدها، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم اصطفاها لنفسه، ولم يجعلها لواحد من آحاد الناس، وفي ذلك رفعة لشأنها، وبيان عظيم لمنزلتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في بناء النبي بصفية في السفر من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
    [حدثنا إسماعيل].
    وهو: ابن علية، وقد مر ذكره.
    إذا أطلق إسماعيل فالغالب أنه: ابن علية، ولكن لا أدري هل هو منصوص عليه أنه: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، فإذا كان منصوصاً عليه فهو المعتبر وإلا فإنه عند الإطلاق يكون: ابن علية فيتحقق من هذا.
    [حدثنا حميد عن أنس].
    وقد مر ذكرهما.
    وهذا الإسناد من رباعيات النسائي أيضاً، بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.


    اللهو والغناء عند العرس

    شرح حديث قرظة بن كعب وأبي مسعود في اللهو والغناء عند العرس


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [اللهو والغناء عند العرس. أخبرنا علي بن حجر حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد قال: (دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهما في عرسٍ وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس، إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، فقد رخص لنا في اللهو عند العرس)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اللهو والغناء عند العرس، اللهو لفظ عام، ولكن المقصود به هنا: الغناء، وعطف الغناء عليه من عطف الخاص على العام؛ لأن اللهو يشمل الغناء، وغير الغناء، والمقصود به هنا الغناء.
    وأورد النسائي حديث قرظة بن كعب وأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنهما: أنهما كانا في عرس وكان جواري يغنين، فجاء عامر بن سعد فأنكر عليهما هذا، وقال: أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون هذا وأنتم شاهدان، فقالا له: تعال، إن كنت تريد أن تسمع فاسمع، وإن كنت تريد أن تنصرف انصرف، إن النبي صلى الله عليه وسلم (فقد رخص لنا في اللهو عند العرس).
    قوله: [(فقد رخص لنا في اللهو عند العرس)]، والمقصود بذلك هذا الذي حصل من هذه الجواري، وهو يبين ما جاء في بعض الأحاديث السابقة التي فيها ذكر الدف وذكر الصوت، لأن الدف هو الآلة التي يضرب عليها ويخرج لها صوت، وعطف الصوت عليها يفيد بأنه الغناء الذي ليس فيه محظور، والذي يحصل من النساء لا سيما إذا كن صغيرات، فهو يدل على جواز مثل ذلك؛ لأنه جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إنكار عامر بن سعد ما يدل على أن الغناء المعروف عندهم أنه حرام، وأنه غير سائغ، ولهذا أنكر الرجل هذا الذي جاء في الحديث على هذين الصحابيين، والصحابيان أجابا بأن هذا رخص فيه في العرس.

    تراجم رجال إسناد حديث قرظة بن كعب وأبي مسعود في اللهو والغناء عند العرس


    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].علي بن حجر، وقد مر ذكره.
    [حدثنا شريك].
    هو شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، وهو صدوق كثير الخطأ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن أبي إسحاق].
    وهو: عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عامر بن سعد].
    هو: عامر بن سعد البجلي الكوفي، وهو مقبول، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
    [عن قرظة بن كعب].
    قرظة بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.
    [وأبو مسعود الأنصاري].
    أبو مسعود الأنصاري، وهو: عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


    جهاز الرجل ابنته

    شرح حديث: (جهز رسول الله فاطمة في خميلٍ وقربة ووسادة حشوها إذخر)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [جهاز الرجل ابنته. أخبرنا نصير بن الفرج حدثنا أبو أسامة عن زائدة حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه، عن علي رضي الله عنه أنه قال: (جهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة رضي الله عنها في خميلٍ وقربةٍ ووسادةٍ حشوها إذخر)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: جهاز الرجل ابنته، أي: تهيئتها للزواج، وذلك بإعطائها شيئاً تتجهز به، ويكون معها. وقد أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه.
    قوله: [(جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميلٍ وقربةٍ ووسادةٍ حشوها إذخر)].
    هذا هو الجهاز الذي جهزها به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو يدل على اليسر، والسهولة، وعدم المشقة، وعدم التكلف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (جهز رسول الله فاطمة في خميلٍ وقربة ووسادة حشوها إذخر)


    قوله: [أخبرنا نصير بن الفرج].نصير بن الفرج، وهو بالتصغير، وابن حجر في التقريب لما ذكر هذه الصيغة قال: نصير بالتصغير، وذكر جملة من الأشخاص منهم هذا، ثم ذكر في الآخر شخصاً يقال له: نصير، ثم قال: ويقال له: بالفتح أيضاً نَصير، ونصير بن الفرج هذا هو نُصير بالضم، والشكل الذي عندكم يعني ليس على الصواب الذي هو نَصير بالفتح بل هو نُصير بالضم، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [حدثنا أبو أسامة].
    هو حماد بن أسامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن زائدة].
    هو: زائدة بن قدامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا عطاء بن السائب].
    هو: عطاء بن السائب، وهو صدوق اختلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن أبيه].
    هو: السائب بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن علي].
    هو: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين، أبو السبطين، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وعنه، وعن الصحابة أجمعين، وهو صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    بيان مصدر تجهيز النبي لابنته فاطمة

    أما الجهاز الذي جهز به رسول الله عليه الصلاة والسلام ابنته فاطمة وكونه من المهر، أو شيئاً آخر غير المهر الذي أعطيت إياه، الله أعلم، والذي يبدو أنه جهزها منه، أي منه هو، وليس هو المهر.

    الفرش

    شرح حديث: (فراشٌ للرجل وفراشٌ لأهله والثالث للضيف والرابع للشيطان)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الفرش. أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرنا أبو هانئ الخولاني: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فراشٌ للرجل، وفراشٌ لأهله، والثالث للضيف، والرابع للشيطان)].
    ثم ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: الفرش، يعني: اتخاذ الفرش، وذكره هنا، وإن كان لا يختص بالزواج، ولكنه ذكره بالمناسبة؛ لأن الزواج يترتب عليه إحضار الفرش، وتهيئة الفرش، ولكن الأمر لا يتعلق بالزواج، بل هو مطلق، فذكر هذه الترجمة بهذا الإطلاق.
    وأورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(فراشٌ للرجل، وفراشٌ لأهله، وفراشٌ للضيف، والرابع للشيطان)].
    المقصود من ذلك: ما كان خارجاً عن الحاجة، وزائداً عن الحاجة مما يمكن أن يكون فيه فخر، أو يكون مباهاة وما إلى ذلك، وذكر الفراش الذي للضيف هذا لا يعني أنه ما يكون إلا فراشاً واحداً، بل المقصود من ذلك ما يحتاج إليه الضيف أو الضيوف، فإذا كان الإنسان من عادته أنه كثير الضيوف ويبيتون عنده، فإنه إذا هيأ عدة فرش، فإنه لا يكون مخالفاً لما جاء في هذا الحديث؛ لأنه قال: [(للضيف)]، والضيف يمكن أن يكون واحداً، ويمكن أن يكون أكثر، فإذا هيأ ما يحتاجه الضيف، سواءً كان واحداً أو أكثر، وهذا على حسب ما اعتاده الإنسان من كثرة الضيفان، فإن هذا لا بأس من الزيادة على ذلك؛ لأن كل واحد من الضيوف يحتاج إلى فراش، وعلى هذا فذكر الفراش للضيف إذا كان الضيف غير متكرر، أو أن المقصود من ذلك: الجنس، فالضيف يطلق على الواحد، وعلى الأكثر، وعلى الجماعة، والفراش يمكن أن يكون واحداً، ويمكن أن يراد به الجنس، لكن في قوله: [(والرابع للشيطان)]، يفيد أنها أربعة فرش، فيستفاد من هذا أنه فيما إذا كان الضيف واحداً.
    قوله: [(والرابع للشيطان)]، الذي هو زائد عن قدر الحاجة، وزائد عن المطلوب، مما يكون فيه مباهاة وافتخار، وما إلى ذلك، فإن هذا هو الذي يكون من نصيب الشيطان، ويكون من أجل الشيطان، ويكون مما يحبه الشيطان ويريده الشيطان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (فراشٌ للرجل وفراشٌ لأهله والثالث للضيف والرابع للشيطان)


    قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].هو يونس بن عبد الأعلى المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [أخبرنا ابن وهب].
    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا أبو هانئ الخولاني].
    هو حميد بن هانئ الخولاني، وهو لا باس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي].
    هو عبد الله بن يزيد الحبلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن جابر بن عبد الله].
    هو: جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.


    الأنماط

    شرح حديث جابر في اتخاذ الأنماط في العرس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأنماط. أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل تزوجت؟ قلت: نعم. قال: هل اتخذتم أنماطاً؟ قلت: وأنى لنا أنماط؟ قال: إنها ستكون)].
    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الأنماط، والأنماط هي: بسط لها خمل رقيق وأشياء بارزة، وهي رقيقة لينة، وهي فرش ناعمة.
    وأورد النسائي حديث جابر رضي الله عنه أنه تزوج، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [(هل اتخذتم الأنماط؟ قال: وأنى لنا ذلك؟ يعني: من أين لنا ذلك، قال: إنها ستكون)]، يعني: أن هذه الأنماط ستكون، وستوجد وستكثر في أيدي الناس، وهذا الذي وقع كما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها فتحت الفتوحات، وظفر المسلمون بالغنائم ومنها هذه الأشياء، وكثرت في أيدي الناس، وتحقق ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من أنها ستكون.


    تراجم رجال إسناد حديث جابر في اتخاذ الأنماط في العرس


    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سفيان].
    وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن المنكدر].
    هو: محمد بن المنكدر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن جابر].
    جابر رضي الله عنه، وقد مر ذكره، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي.


    الهدية لمن عرس


    شرح حديث أنس في الهدية لمن عرس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الهدية لمن عرس. أخبرنا قتيبة حدثنا جعفر وهو ابن سليمان عن الجعد أبي عثمان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل بأهله، قال: وصنعت أمي أم سليم رضي الله عنها حيساً، قال: فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول لك: إن هذا لك منا قليل، قال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع فلاناً، وفلاناً ومن لقيت وسمى رجالاً، فدعوت من سمى ومن لقيته، قلت لـأنس: عدة كم كانوا؟ قال: يعني: زهاء ثلاثمائة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليتحلق عشرةٌ عشرة، فليأكل كل إنسانٍ مما يليه، فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة ودخلت طائفة، قال لي: يا أنس! ارفع فرفعت، فما أدري حين رفعت كان أكثر أم حين وضعت)].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الهدية لمن عرس، يعني: الهدية بمناسبة العرس والزواج. أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج فأرسلته أمه أم سليم بهدية وهي: حيس، والحيس سبق أن مر بنا قريباً أنه الطعام المؤلف من ثلاثة أصناف وهي: التمر، والأقط، والسمن، فأرسلت معه حيساً، وطلبت منه أن يعتذر عن تقديم هذه الشيء القليل، وقال: إن أمه تقرئه السلام، وتقول: هذا لك منا قليل، يعني: أن هذا شيء بسيط، قليل، فهي تعتذر لعدم حصول الشيء الكثير، وأنها لم تتمكن إلا من هذا الشيء القليل، فقال: ضعه، ثم طلب منه أن يدعو وأن ينادي يعني: يدعو أناساً سماهم، وقال: [(ومن لقيت)]، يعني: ممن لم يسمه، فدعا من لقيه ومن سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى صار العدد الذي جاء زهاء ثلاثمائة شخص، فطلب منهم أن يتحلقوا، فقدم الطعام، فجاء عشرة وأكلوا، ثم عشرة وأكلوا.. وهكذا حتى انتهى هذا المقدار الذي هو ثلاثمائة، ثم بعد ذلك قال: إن الطعام على حاله التي وضع عليها أولاً، يعني: بعد أكل هذا العدد الكبير كأنه لم ينقص، وبقي على ما هو عليه، وهذا من تكثير الطعام بين يديه صلى الله عليه وسلم، وحصول البركة له عليه الصلاة والسلام. والمقصود من ذلك: أن هذا الحيس هدية من أم سليم للرسول صلى الله عليه وسلم بمناسبة زواجه عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في الهدية لمن عرس

    قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، قد مر ذكره.
    [حدثنا جعفر وهو: ابن سليمان].
    وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفر، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن الجعد أبي عثمان].
    وهو: الجعد بن دينار اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [عن أنس].
    هو: أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي.

    شرح حديث: (... أولم ولو بشاة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير حدثنا سعيد بن كثير بن عفير أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه أنه سمعه يقول: (آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قريشٍ والأنصار، فآخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فقال له سعد: إن لي مالاً فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان، فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها، فإذا حلت فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني -أي: على السوق- فلم يرجع حتى رجع بسمن، وأقط قد أفضله، قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ أثر صفرةٍ فقال: مهيم؟ فقلت: تزوجت امرأةً من الأنصار، فقال: أولم ولو بشاة)].أورد النسائي حديث أنس رضي الله عنه في قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وزواجه، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المهاجرون إلى المدينة آخى بين المهاجرين، والأنصار، وكان أن آخى بين سعد بن الربيع، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، وكان الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم كما ذكرهم الله عز وجل في القرآن: يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فقال هذا الأنصاري لهذا المهاجر: إنه يقسم ماله بينه وبينه نصفين، وأن عنده امرأتان، فهو يخيره بأن يختار واحدة منهما حتى يطلقها سعد بن الربيع رضي الله عنه، وإذا ما خرجت من العدة يتزوجها عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، ولكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لم يرد أن يستجب لهذا المطلب، وأن يأخذ من ذلك الأنصاري ذلك المال الذي هو نصف ماله، وكذلك أيضاً لم يوافق على ما ذكره من مسألة التنازل عن واحدة من نسائه يطلقها، فإذا ما فرغت من العدة يتزوجها، ودعا له بالبركة وقال: دلوني على السوق، يعني: يريد أن يبيع ويشتري، حتى يحصل شيئاً بجهده وكده وتعبه، فاجتمع له شيء وربح واستفاد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة، فقال: [(تزوجت؟ قال: نعم، قال: أولم ولو بشاة)] والحديث ليس فيه ذكر ما ترجم له النسائي وهو ذكر الهدية، اللهم إلا أن تكون في بعض الطرق التي جاءت في هذا الحديث، ولم يذكرها المصنف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... أولم ولو بشاة)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير].هو: أحمد بن يحيى بن الوزير المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
    [حدثنا سعيد بن كثير بن عفير].
    وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.
    [أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن حميد الطويل عن أنس].
    وقد مر ذكر هؤلاء.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #446
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (443)

    - (باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله بها أن تطلق لها النساء) إلى (باب الطلاق لغير العدة)



    من حكمة الشارع أن جعل للطلاق أوقاتاً محددة، وأحوالاً معينة يرجع الرجل فيها إلى رشده، ويطلق طلاقاً تقتضيه المصلحة بلا ندم ولا ضرر، فحرم الطلاق في الحيض وإن وقع، ومن طلق طلقة واحدة في طهر لم يجامع فيه فهذا طلاق السنة الذي أمر الله أن تطلق عليه النساء.
    وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء

    شرح حديث: (مر عبد الله فليراجعها ثم يدعها حتى تطهر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء.أخبرنا عبيد الله بن سعيد السرخسي حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر أخبرني نافع عن عبد الله: ( أنه طلق امرأته وهي حائض فاستفتى عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال: مر عبد الله فليراجعها، ثم يدعها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت، فإن شاء فليفارقها قبل أن يجامعها، وإن شاء فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء ).
    يقول النسائي رحمه الله: كتاب الطلاق، باب وقت العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء.
    كتاب الطلاق ذكره النسائي بعد النكاح، والطلاق في اللغة حل الوثاق، ومنه المطلق والمقيد، فهو حل الوثاق، مأخوذ من الإطلاق، وهو الإرسال؛ لأنه إذا حل وثاقه وكان مقيداً فقد أطلقه وأرسله، وأما في الشرع: فهو حل عقدة النكاح، والمعنى الشرعي جزء من المعنى اللغوي؛ لأن المعنى اللغوي للطلاق هو: حل الوثاق، أي وثاق، وأما في الشرع فهو حل عقدة النكاح، وهذا حل معين، أو مخصوص، وهو عقدة النكاح، وكثيراً ما تأتي المعاني الشرعية أجزاء من المعاني اللغوية.
    وقد مر بنا التمثيل لذلك بأمثلة متعددة، مثل: العمرة والحج والصيام، فالحج في اللغة: القصد، وفي الاصطلاح: قصد مخصوص، وهو قصد البيت الحرام لأداء أعمال مخصوصة، والعمرة لغة: الزيارة مطلقاً، وفي الشرع: هي زيارة البيت العتيق للطواف فيه، والسعي بين الصفا والمروة، والصيام: لغة الإمساك، أي إمساك، يقال له صيام، وفي الشرع: إمساك مخصوص، وهو الامتناع عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
    والطلاق اسم مصدر من التطليق؛ لأن المصدر هو التطليق طلق تطليقاً، واسم المصدر طلاق، ومثله السلام والتسليم، والكلام والتكليم، والبيان والتبيين، كل هذه أسماء مصادر تأتي على هذه الصيغة، والمصدر هو التكليم والتبيين والتسليم والتطليق وهكذا، وطلاق النساء ورد ذكره في القرآن، فقد جاء الأمر به بأن يكون إذا أريد التطليق في وقت العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء: ياأيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] أي: مستقبلات عدتهن. والمعنى: طلقوهن للوقت الذي يستقبلن به العدة، بحيث يكون ذلك الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، إذا كانت ممن تحيض، فتستقبل عدتها بأن تطلق في طهر لم تجامع فيه، والطلاق منه ما هو سني على وقت السنة، ومنه ما هو بدعي مخالف للسنة، فالسني هو: أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتكون من ثلاثة أشياء: طلقة واحدة، فلا يكون ثنتين أو ثلاثاً، وأن يكون في طهر لا في حيض، وأن يكون ذلك الطهر لم يجامعها فيه، هذا هو طلاق السنة، ويقال للآخر: طلاق البدعة، فإذا جمع لها الطلقات، أو طلقها في حيض، أو طلقها في طهر جامعها فيه، ولم يتبين حملها، فإن هذا يكون طلاقاً بدعياً.
    أما لو طلقها في طهر جامعها فيه، وتبين حملها، فإن الطلاق يكون صحيحاً؛ لأن المقصود من ذلك: أن تكون حاملاً، أو حائلاً، فالحائل ليس فيها حمل، ويتبين الأمر في ذلك، والحامل فيها حمل قد استبان.
    وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، في قصة طلاقه زوجته في حال حيضها، وأن أباه عمر رضي الله تعالى عنه، استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطلاق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها، مره أي: مر ابنك عبد الله أن يراجعها، وهذا يدلنا على أن الطلاق في الحيض لا يجوز، وأنه طلاق بدعة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذلك الطلاق أمره بالمراجعة؛ لأنه أوقع في غير وقته، وفي غير زمنه، فأمر عليه الصلاة والسلام بالمراجعة، وهذا يدلنا على: أن الطلاق في الحيض لا يجوز، وأنه إذا حصل الطلاق في الحيض وهو غير جائز فإنه يقع ذلك الطلاق، وأن على من طلق في حال الحيض أن يراجع، وأن يعيدها إلى عصمته بمراجعتها، ثم يطلقها في الوقت الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن يكون في طهر لم يجامعها فيه، إذا كان الطلاق ابتداءً، أما إذا طلقها في الحيض، فإنه يراجعها حتى تطهر من حيضتها، ثم تحيض مرة أخرى، ثم بعد ذلك إن بدا له أن يطلقها فليطلقها، وإن بدا له أن يمسكها فليمسكها، ولكن هذا الطلاق، أو هذا الطهر الذي طلقها فيه يشترط أن لا يكون جامعها فيه.
    فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر أن يأمر ابنه عبد الله بن عمر بأن يراجع زوجته، وهذا يدل على أن الطلاق وقع؛ لأنه لو لم يكن هناك وقوع له ما كان هناك حاجة إلى المراجعة؛ لأنه يلغى، وتبقى الزوجية على ما هي عليه، لكنه اعتبر ذلك الطلاق، وإن كان وقع في وقت لا يجوز أن يوقع فيه، واحتسبت طلقة، ولهذا جاء في بعض الروايات عن عبد الله بن عمر أنها حسبت تطليقه، وأنه مضى له بذلك تطليقه، وقد راجعها وامتثل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قال عليه الصلاة والسلام: ( مره فليراجعها ) ثم ليمسكها، يعني: بعد أن راجعها، ودخلت في عصمته يمسكها حتى تطهر من حيضتها تلك، ثم تحيض حيضة أخرى، وتطهر منها، فإذا طهرت من هذه الحيضة الثانية، أي: غير الحيضة التي وقع فيها الطلاق المحرم، فإنه بعد ذلك بالخيار، فإن شاء أن يمسك يمسك، وإن شاء أن يطلق فليطلق، ولكن لا يجامعها في ذلك الطهر الذي يطلقها فيه، وقيل في الحكمة من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بطلاقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، ولم يعتبر ذلك طلاقاً قالوا: للتنبيه على أن المراجع الذي يراجع زوجته لا يكون المقصود منه أن يطلقها، بل يمكن أن يطلقها، ويمكن أن يبقيها، وأن يمسكها، وقيل: إنه لم يرشد إلى أن يطلقها في الطهر الذي يلي تلك الحيضة؛ لأن ذلك الطهر مع الحيضة بمثابة قرء واحد، وبمثابة شيء واحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك الطلاق الذي وقع فيه الحيض مع الطهر الذي يليه بمثابة الشيء الواحد، ثم تأتي فيها الحيضة التي لم يكن فيها طلاق، وتطهر منها، وعند ذلك يأتي الوقت الذي يمكنه أن يطلقها إن أراد أن يطلقها، ولكن بغير جماع لها في ذلك الطهر، أو يمسكها، ويبقي على الزوجية، ولا يطلقها إذا شاء.
    فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء، يعني: أنهن يستقبلن العدة، فالطهر الذي يوقع فيه الطلاق يكون في بداية العدة، وفي أول العدة، وفي إقبال العدة.
    فقوله: [ عن عبد الله رضي الله عنه: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فاستفتى عمر رضي الله عنه، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض فقال: مر عبد الله فليراجعها ثم يدعها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فإن شاء فليفارقها قبل أن يجامعها، وإن شاء فليمسكها فإنها العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء ) ].
    يعني: هذا الوقت الذي يطلقها فيه، وهو ذلك الطهر الذي يلي الحيضة التي في غير الحيضة التي حصل فيها الطلاق هو العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء لقول الله عز وجل: ياأيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] أي: مستقبلات لعدتهن، بحيث تبدأ تحسب من ذلك الوقت الذي حصل به الطلاق؛ لأنه وقع في وقت مشروع تطلق فيه النساء، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مر عبد الله فليراجعها ثم يدعها حتى تطهر ...)

    قوله: [ عبيد الله بن سعيد السرخسي ].هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري، ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
    [ عن يحيى بن سعيد القطان ].
    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبيد الله بن عمر ].
    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن نافع ].
    نافع مولى ابن عمر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الله ].
    هو ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    حديث: (... مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن سلمة أخبرنا ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء )].أورد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، من طريق أخرى، وهي مثل الطريق السابقة.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].
    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن ابن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [ عن مالك ].
    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة عند أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن نافع عن ابن عمر ].
    وقد مر ذكرهما.


    شرح حديث: (... ليراجعها ثم يمسكها حتى تحيض حيضة وتطهر ...) من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني كثير بن عبيد عن محمد بن حرب حدثنا الزبيدي قال: سئل الزهري : كيف الطلاق للعدة؟ فقال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( طلقت امرأتي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فقال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تحيض حيضة وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فذاك الطلاق للعدة كما أنزل الله عز وجل، قال عبد الله بن عمر : فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها ) ].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله عمر تغيظ رسول الله عليه الصلاة والسلام يعني: ظهر الغيظ، والغضب عليه، عليه الصلاة والسلام، وهذا يفيد أنه سبق منه عليه الصلاة والسلام النهي عن الطلاق في الحيض؛ لأن حصول التغير يعني وجود مخالفة للأمر، أما إذا كان لم يحصل قبل ذلك بيان حكم، فإن من حصل منه شيئاً من ذلك معذور؛ لأنه ما علم حكماً يدل على خلاف ما فعله، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على سبق النهي منه عن ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم سؤال عمر رضي الله عنه وأرضاه ليس المقصود منه معرفة بيان الحكم في الطلاق بالحيض، وإنما المقصود منه: ما يترتب على هذا الطلاق؟ أي: ما الذي يترتب على هذا الطلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأنه يترتب عليه وقوع الطلاق، وأن عليه أن يراجعها، وأن يمسكها حتى تطهر من حيضتها، ثم تحيض حيضة أخرى تطهر منها، ثم بعد ذلك يطلقها في ذلك الطهر دون أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء.
    ثم أخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه راجع امرأته، وأنه امتثل الأمر الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه احتسب تلك التطليقة، وأنه قد يكون مضى لها تلك الطلقة التي حصلت في الحيض، فإن أراد أن يطلقها بعد ذلك فتكون طلقة ثانية؛ لأن التي كانت في الحيض قد حسبت عليه، فإن عزم على تطليقها، يطلقها في طهر جامعها فيه، وتضم هذه الطلقة إلى الطلقة التي قبلها، فتكون له بذلك طلقتان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ليراجعها ثم يمسكها حتى تحيض حيضة وتطهر ...) من طريق ثالثة


    قوله: [ أخبرني كثير بن عبيد ].هو كثير بن عبيد الحمصي، ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن محمد بن حرب ].
    هو محمد بن حرب الحمصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزبيدي ].
    محمد بن وليد الزبيدي الحمصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
    [ عن الزهري ].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سالم بن عبد الله ].
    هو سالم بن عبد الله بن عمر رحمه الله، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الله ].
    هو عبد الله بن عمر وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (... ليراجعها فردها عليّ، قال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ...) من طريق رابعة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن تميم عن حجاج قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع: ( كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً، فقال له: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليراجعها، فردها علي، قال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك، قال ابن عمر : فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ) ].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، في قصة طلاقه، وأنه أمر بالمراجعة حتى تحيض وتطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم يطلقها في قبل عدتها، أي: مستقبلاً لعدتها، تكون العدة أمامها، تبدأ بالحساب من ذلك الوقت، أي: الطهر الذي طلقها فيه دون أن يجامعها فيه.
    ثم قال: (ليراجعها) فردها عليه أي: بالمراجعة، إذا طهرت أي: من الحيضة الثانية؛ لأن هذه فيها اختصار، وتبينها الروايات الأخرى، وكلمة ردها عليه، ليس معنى ذلك: أنها ردت عليه دون رجعة، ودون اعتبار ذلك الطلاق، بل الطلاق معتبر، وحسبت تطليقة كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات، وأمر بالمراجعة، فإذاً: الرد المقصود منه ردها إليه بالمراجعة، لا أنها ردت إليه بدون مراجعة، وأنه لم يقع طلاق، بل وقع الطلاق، وأمرت بالمراجعة؛ لأن ابن عمر قال: حسبت تطليقة، والأمر بالمراجعة جاء في الروايات المتعددة عن ابن عمر : مره فليراجعها، وأخبر بأنه راجعها، وأنها حسبت عليه تطليقة، إذاً: هذا الرد إرجاعها إلى عصمته بالرجعة التي راجعها امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ليراجعها فردها عليّ، قال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ...) من طريق رابعة


    قوله: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ].هو المعروف أبوه بـابن علية، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ وعبد الله بن محمد بن تميم ].
    ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن حجاج ].
    هو حجاج بن محمد المصيصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن جريج ].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي الزبير ].
    أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عمر ].
    وقد مر ذكره، وأما ذكر عبد الرحمن بن أيمن فقد جاء على اعتبار أنه هو الذي سأله، وإلا فليس راوياً في هذا الإسناد؛ لأن الراوي عبد الملك بن جريج يروي عن أبي الزبير، لكن هذا الحديث الذي سمعه أبو الزبير من ابن عمر كان بسؤال عبد الرحمن بن أيمن، فـعبد الرحمن بن أيمن ليس من الرواة في هذا الإسناد، والحافظ ابن حجر في التقريب رمز له بـمسلم وأبي داود والنسائي، وقال: عندهم له ذكر بلا رواية، يعني: أنه مذكور في كتبهم، لكن ليس له رواية، فقد جاء ذكره في الإسناد، لكن ليس راوياً، فهو رمز له بالميم والدال والسين، يعني: عند مسلم وأبي داود والنسائي أي: أنه مذكور في أثناء الإسناد، وليس راوياً، ليس هو الذي أخذ عنه الحديث، لكنه سبب سماع أو أخذ أبي الزبير للحديث؛ لأن عبد الرحمن بن أيمن سأل ابن عمر وأبو الزبير حاضر، وأجابه فروى أبو الزبير عن ابن عمر ذلك الحديث الذي سمعه بسبب سؤال عبد الرحمن بن أيمن، ثم ابن جريج رواه عن أبي الزبير، فــعبد الرحمن بن أيمن له ذكر بلا رواية.
    وهكذا طريقة المزي رحمة الله عليه في تهذيب الكمال أنه يذكر أشخاصاً يرمز لهم برموز أصحاب الكتب، ولا يكون لهم رواية، وإنما لمجرد الذكر فقط، يعني: ذكروا في الكتب وإن لم يكونوا من رجال الكتب.

    شرح أثر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ..)


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم قال: (سمعت مجاهداً يحدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق:1] قال ابن عباس رضي الله عنهما: قبل عدتهن) ].أورد النسائي أثراً عن ابن عباس في تفسير هذه الآية الكريمة، وهو يتفق مع ما جاء في الروايات السابقة، وتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، أي: أنهن في إقبال عدتهن، وفي أول العدة، وابن عباس رضي الله تعالى عنه قال في تفسير قول الله عز وجل: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، قال: في قبل عدتهن، أي: مستقبلات للعدة، وفي إقبال العدة في أولها، فهو تفسير من ابن عباس لقوله: لعدتهن، أي: مستقبلات لعدتهن، في قبل عدتهن.

    تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ..)


    قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].هو الملقب بندار البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ عن محمد بن جعفر ].
    هو الملقب غندر البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن شعبة ].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الحكم ].
    هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن مجاهد ].
    هو مجاهد بن جبر المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.


    طلاق السنة


    شرح أثر ابن مسعود: (طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع ...)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب طلاق السنة.أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب حدثنا حفص بن غياث سمعت الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: ( طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة ) قال الأعمش: سألت إبراهيم، فقال مثل ذلك ].
    أورد النسائي هذه الترجمة: طلاق السنة، أي: الطلاق الذي في السنة، أي: المخالف للبدعة؛ لأن السنة تأتي لمعان أربعة: يراد بها كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ( من رغب عن سنتي فليس مني )، المقصود من ذلك: ما جاء به مما في القرآن والسنة.
    وتطلق السنة ويراد بها الحديث، ومن ذلك قول المحدثين والفقهاء عندما تأتي مسألة يقولون: دل عليها الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى كذا، وأما السنة فقول الرسول صلى الله عليه وسلم كذا، فإذاً عطفت السنة على الكتاب كان المقصود بها الحديث، وتأتي السنة ويراد بها ما يقابل البدعة ومنه هنا؛ لأن طلاق السنة هنا ما يقابل البدعة.
    ومنه الكتب التي ألفت في العقيدة وأطلق عليها السنة، أي: ما يقابل البدعة، كالسنة لـابن أبي عاصم، والسنة لـعبد الله بن الإمام أحمد، والسنة لـمحمد بن نصر المروزي، والسنة للطبراني، وهكذا، ويأتي لفظ السنة ويراد به المأمور به غير الواجب، أي: ما يرادف المندوب، والمستحب، وهذا في اصطلاح الفقهاء؛ لأنهم جعلوا الأحكام خمسة: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، والمندوب: هو المأمور به غير الواجب، يعني: ليس أمر إيجاب، وإنما أمر استحباب، ويرادف المندوب المستحب، والمسنون، فيقال: سنة، ويقال: مسنون، ويقال: يسن، ويستحب، ويندب، ألفاظ مترادفة، فهنا قوله: طلاق السنة، أي: ما يقابل البدعة الذي هو على وفق السنة، وليس على بدعة.
    ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع)، هذه ثلاثة قيود إذا توفرت فالطلاق طلاق سنة: أن تكون تطليقة، وأن يكون في طهر ليس فيه حيض، وأن يكون ذلك الطهر أيضاً لم يجامعها فيه، فبين كيف يوقع الطلاق، قال: إذا طهرت يطلقها، ثم إذا طهرت طلقها، ثم بعد ذلك إذا طهرت طلقها، ومعناه: أن الطلقات كل واحدة تقع في طهر لم يجامعها فيه، ما تقع دفعة واحدة، ولا تقع في طهر واحد، وإنما تقع في أطهار متعددة، وكل تطليقة على حدة، ثم قال: إذا طلقها الثالثة اعتدت بحيضة يستبرئ بها الرحم، وهذا قال به بعض أهل العلم، يعني: أن المطلقة تعتد بحيضة واحدة يستبرئ بها رحمها، ومن العلماء من قال: إنها تعتد بالأقراء الثلاثة، وأنها لا تكفي الحيضة الواحدة، بل كما يكون للرجعية يكون للبائن.
    [ طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة ]، يعني: بعد أن بانت بأن طلقها الطلقة الأخيرة التي بانت بها تعتد بحيضة، لاستبراء الرحم، وإلا فإنه ليس له حق فيها، يعني: حق أقراء ثلاثة؛ لأنه لا سبيل له إلى إرجاعها، ومن العلماء من يقول: إنها تعتد بالأقراء، ولا يكتفى بحيضة واحدة، ويقول: إن ذلك فيه تطويل المدة أمامه، فيما إذا أراد أن يراجعها، بعد أن تتزوج بعده، ثم بعد ذلك ترجع إليه فتكون بذلك مسافة، يعني: يؤاخذ بها، فلا يكفي أن تكون حيضة واحدة، وترجع إليه إذا تزوجت زواج رغبة بعد حيضة، ثم طلقت، وكلام ابن مسعود رضي الله عنه هذا يدل على أنه يرى أنها تستبرئ بحيضة واحدة.

    تراجم رجال إسناد أثر ابن مسعود: (طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع ...)


    قوله: [ أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب ].ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
    [ عن حفص بن غياث ].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الأعمش ].
    هو سليمان بن مهران الكاهلي ثم الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي إسحاق ].
    هو أبو إسحاق السبيعي، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي الأحوص ].
    هو عوف بن مالك، ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عبد الله ].
    هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر ابن مسعود: (طلاق السنة أن يطلقها طاهراً في غير جماع) من طريق أخرى


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: ( طلاق السنة أن يطلقها طاهراً في غير جماع ) ]. أورد النسائي أثراً عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: طلاق السنة أن يطلقها طاهراً بغير جماع، وهو مثل الذي قبله، إلا أن الذي قبله أكمل منه؛ لأنه قال: تطليقة، وهنا ذكر الطلاق بإطلاق، بدون تقييد بتطليقة، والرواية السابقة فيها التقييد بتطليقة.

    تراجم رجال إسناد أثر ابن مسعود: (طلاق السنة أن يطلقها طاهراً في غير جماع) من طريق أخرى


    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو عمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى ].
    هو يحيى القطان وقد مر ذكره.
    [ عن سفيان ].
    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ].
    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.


    ما يفعل إذا طلق تطليقة وهي حائض

    شرح حديث: (... مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض ...) من طريق خامسة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يفعل إذا طلق تطليقة وهي حائض.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر سمعت عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه: ( أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر رضي الله عنه، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب ما يفعل إذا طلق تطليقة وهي حائض، أي: أنه يراجعها وتقع التطليقة عليها، ويمسكها حتى تطهر من ذلك الحيض، ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر منها، ثم بعد ذلك يطلقها قبل أن يجامعها، أو يمسكها، هذا هو الذي يفعله من حصل منه التطليق في الحيض أن يعمل هذه الأعمال التي أرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث هو نفس الحديث إلا أنه أورده هنا للاستدلال به على هذه المسألة، وهي ما يفعله من حصل منه تطليقة في الحيض.
    كلمة اغتسلت، تعني أن المعتبر هو اغتسالها من الحيض، وليس مجرد حصول انقضاء الحيض، بل بعد اغتسالها من حيضتها إن شاء أن يمسكها أمسكها ويجامعها على أنها زوجة، وإن أراد أن يطلقها يطلقها بدون أن يجامعها في ذلك الطهر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض ...) من طريق خامسة


    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن المعتمر ].
    هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ].
    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
    وقوله: (فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها).

    شرح حديث: (... مره فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل) من طريق سادسة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل ) ].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، في قصة طلاقه لزوجته، وأن أباه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا لم يذكر السائل، وهو عمر رضي الله عنه، حتى ذكر فقال: مره، فالمقصود بذلك عمر هو الذي سأل، ثم قال: (مره فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل ).
    يعني: إما أن يطلقها وهي طاهر ليس فيها حمل، أو حملت واستبان حملها، فهو يطلقها حائلاً أو حاملاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... مره فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل) من طريق سادسة


    قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].هو محمود بن غيلان المروزي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
    [ عن وكيع ].
    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سفيان ].
    هو الثوري وقد مر ذكره.
    [ عن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة ].
    ثقة أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر ].
    وقد مر ذكرهما.


    الطلاق لغير العدة

    شرح حديث ابن عمر: (أنه طلق امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله حتى طلقها وهي طاهر) من طريق سابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الطلاق لغير العدة.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى طلقها وهي طاهر ) ].
    ثم بين الطلاق لغير العدة، أي: لغير الوقت الذي ينبغي أن تطلق فيه النساء، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه، أي: الطلاق في الحيض؛ لأن طلاقها في الحيض لغير العدة، يعني: ليس مستقبلاً للعدة؛ لأن استقبال العدة إنما يكون في الطهر الذي لم يجامعها فيه، فمعنى هذا: إذا طلقها في الحيض طلقها لغير العدة؛ لأن الطلاق في الحيض لا يجوز، وإذا أوقع الطلاق فيه وقع، لكن عليه المراجعة.
    أورد النسائي حديث ابن عمر من إحدى طرقه، وهو مثل ما تقدم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (أنه طلق امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله حتى طلقها وهي طاهر) من طريق سابعة


    قوله: [ أخبرنا زياد بن أيوب ].ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
    [ عن هشيم ].
    هو هشيم بن بشير الواسطي، ثقة، أخرج له أصحاب لكتب الستة.
    [ عن أبي بشر ].
    هو جعفر بن إياس المشهور بـابن أبي وحشية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سعيد بن جبير ].
    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عمر ].
    وقد مر ذكره.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #447
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (444)

    (باب الطلاق لغير العدة وما يحتسب منه على المطلق) إلى (باب طلاق البتة)




    من أحكام الطلاق أن الطلقة في الحيض محسوبة وإن كان منهياً عنه، والطلقات الثلاث دفعة واحدة تقع إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وليس للمطلقة طلاقاً بائناً نفقة ولا سكنى، والتفريق بين الطلقات الثلاث هو السنة، وليس لمبتوتة رجوع إلى زوجها الأول حتى تتزوج غيره ويدخل بها.

    الطلاق لغير العدة وما يحتسب منه على المطلق


    شرح حديث ابن عمر في أنه طلق زوجته وهي حائض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الطلاق لغير العدة وما يحتسب منه على المطلق.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر ؟ فإنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يراجعها ثم يستقبل عدتها، فقلت له: فيعتد بتلك التطليقة؟ فقال: مه، أرأيت إن عجز واستحمق؟ ].
    يقول النسائي رحمه الله: الطلاق لغير العدة وما يحتسب منه على المطلق. أي: ما يحتسب على المطلق من التطليق في العدة، هل يحتسب ذلك أو لا يحتسب؟ ولا شك أنه يحتسب على المطلق لغير العدة أي: في الحيض أن الطلقة التي حصلت منه في حال الحيض معتبرة، من حيث أنها محتسبة من الطلقات الثلاث التي هي للرجل مع المرأة، وأنه يطلق واحدة ثم يراجع، ثم يطلق واحدة ثم يراجع، ثم بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر ويستمتع بها ويواقعها، فهي محتسبة، والدليل على احتسابها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بمراجعتها، ولو لم تكن معتبرة ما حصلت مراجعة، لكن لكون الطلاق وقع وأمر بالمراجعة دل هذا على اعتبار تلك التطليقة، ثم جاء ذلك موضحاً عن ابن عمر نفسه أنها احتسبت تطليقة، وهنا لما سأله من سأله هل تحتسب؟ قال: مه، أرأيت إن عجز واستحمق، أي: أن ذلك الطلاق لازم له سواء حصلت منه الرجعة أو ما حصلت منه، فإن راجعها حصل منه امتثال الأمر وإن لم يراجعها وبقي على ما حصل منه من التطليق في الحيض فإن الطلاق يقع سواء عجز بأن حصل منه تهاون وتكاسل في أن يراجعها أو حصل منه استحماق وأنه ركب رأسه وتعمد ألا يراجعها ولم يمتثل ما أمر به من المراجعة لها.
    أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه في قصة الرجل الذي سأله عن الرجل الذي طلق امرأته وهي حائض، فأراد عبد الله بن عمر أن يوضح له ذلك، وأن الجواب عنده، وأنه على الخبير سقط، وأن المسئول من أعلم الناس في جواب هذه المسألة؛ لأنه حصل له نفس الذي حصل السؤال عنه من أنه طلق في الحيض وأن أباه عمر رضي الله عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام وأمره بأن يراجعها، فلما سأله قال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ ومعناه أن الأمر محقق وأنك وصلت إلى من عنده العلم والمعرفة، وأنت تعرف عبد الله بن عمر وتعرف من تخاطب، فقوله: أتعرف عبد الله بن عمر هذا من باب التأكيد، يعني: أنك تعرفني والجواب عندي، وأنه حصلت المشكلة لي ووقع الاستفتاء ثم الجواب من رسول الله عليه الصلاة والسلام على ذلك الاستفتاء الذي هو الأمر بالمراجعة.
    قال له: أيعتد بتلك التطليقة؟ فقال: مه؟ استفهام إنكار أي: كيف لا تحتسب؟ إن هذا أمر لا يحتاج أن يسأل عنه؛ لأنه ما دام قد وجد الطلاق ووجدت المراجعة بعده فدل على أن الطلاق معتبر وأن التطليقة معتد بها، وأنها محسوبة، ثم قال له: أرأيت إن عجز واستحمق؟ أي: أرأيت إن عجز عن المراجعة، وليس المقصود من العجز عن المراجعة عدم القدرة عليها فإن هذا أمر مقدور عليه، ولكن المقصود من ذلك الكسل الذي يجعل الإنسان يتهاون ثم تمضي الأيام دون أن يحصل منه رجعة، أما قوله: (استحمق) فمعناه: ما حصل منه كسل ولكنه تعمد ألا يراجع، وحصل منه المخالفة للأمر في قوله: فليراجعها، فإن عدم الرجعة إما أن يكون عن عجز وهو تهاون وتكاسل، وتمضي الأيام دون أن يتصرف، إما عن حمق بأن يركب رأسه ويستحمق، ويفعل فعل الجاهل الأحمق الذي لا يبالي ويترك ذلك متعمداً، أي: أرأيت إن حصل منه ذلك ألا يعتد بتلك الطلقة؟ فأجاب بأنه معتد بها، وهذا هو المراد من قوله: أرأيت إن عجز واستحمق، أي: أن التطليقة واقعة سواء حصلت منه مراجعة أو لم تحصل، وإذا لم تحصل منه مراجعة، فإن الطلاق واقع؛ لأنه قد وجد، والدليل على وقوعه الأمر بالمراجعة من بعده.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في أنه طلق زوجته وهي حائض


    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حماد ].
    حماد هو ابن زيد، إذا جاء قتيبة يروي عن حماد غير منسوب فالمراد به ابن زيد، حماد بن زيد بن درهم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أيوب ].
    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن محمد ].
    هو محمد بن سيرين، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يونس ].
    هو يونس بن جبير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عمر ].
    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل المشهور المعروف، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
    وهذا الإسناد مسلسل بمن خرج له أصحاب الكتب الستة، فـقتيبة، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، ومحمد بن سيرين، ويونس بن جبير، وعبد الله بن عمر هؤلاء الستة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    شرح حديث ابن عمر في أنه طلق زوجته وهي حائض من طريق ثانية


    [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن يونس عن محمد بن سيرين عن يونس بن جبير قال: قلت لـابن عمر : رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: أتعرف عبد الله بن عمر فإنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فأمره أن يراجعها ثم يستقبل عدتها، قلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض أيعتد بتلك التطليقة؟ فقال: مه، وإن عجز واستحمق؟ ].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو مثل الطريق السابقة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في أنه طلق زوجته وهي حائض من طريق ثانية

    قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كل واحد منهم روى عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ عن ابن علية ].
    هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبالمناسبة سبق أن مر بنا ذكر رجل مهمل هو إسماعيل يروي عنه علي بن حجر في حديث مضى معناه، إسماعيل غير منسوب وكنت قلت: إنه إسماعيل بن علية، لكن الصحيح أنه إسماعيل بن جعفر وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر ذلك المزي في تحفة الأشراف، سماه بأنه إسماعيل بن جعفر، وذكره بترجمة إسماعيل بن جعفر.
    [ عن يونس ].
    يونس هو ابن عبيد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن محمد بن سيرين ].
    وقد مر ذكره.
    [ عن يونس بن جبير ].
    وقد مر ذكره.
    [ عن عبد الله بن عمر ].
    وقد مر ذكره.
    والشيخ شيخ النسائي، يعقوب بن إبراهيم .
    [ عن ابن علية ].
    ابن علية وهذا أيضاً مثل الذي قبله مسلسل بمن خرج له أصحاب الكتب الستة، ثم محمد بن سيرين شيخه يونس وتلميذه يونس، روى عنه يونس وروى عن يونس، وهذا يسمى تشابه الطرفين: طرف التلميذ، وطرف الشيخ والراوي بينهما، فهو يروي عن يونس ويروي عنه يونس، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث لم يذكره ابن الصلاح واستدركه الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح، وقال: إن هذا نوع من أنواع علوم الحديث لم يذكره ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث، وهو أن يتفق اسم تلميذ الراوي وشيخه، يعني: شيخه وتلميذه اسمهما واحد، كما هنا يونس بن عبيد يروي عن محمد بن سيرين ومحمد بن سيرين يروي عن يونس بن جبير.


    الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ


    شرح حديث محمود بن لبيد في التطليقات الثلاث جميعاً


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ.أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرنا مخرمة عن أبيه سمعت محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: ( أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام غضباناً، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله! ألا أقتله ) ].
    أورد النسائي الطلقات الثلاث المجموعة، أي: التطليقات الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ، يعني: ما ورد فيه من التغليظ، أورد فيه حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه، أن ( أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ) يعني: أنها مجتمعة ليست متفرقة، فقال: ( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ) وهذا هو التغليظ الذي أشار إليه؛ لأنه أشار إلى أن هذا لعب بكتاب الله، والمقصود بكونه لعباً: أن الله عز وجل ذكر في القرآن أن الطلاق مرتان فقال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229] والمقصود بالمرتين: الطلقتان اللتان فيهما رجعة، الطلقات فإذا جاءت الثالثة بانت، لكن الطلاق الذي بإمكان المطلق أن يسترجع وأن تحصل له الرجعة هو مرتان، يطلق الأولى، ثم يسترجع، ثم يطلق الثانية، ثم يسترجع، فإذا جاءت الثالثة ليس هناك استرجاع وإنما تبين، ولا تحل له إلا بعد زوج، ولهذا قال بعد ذلك: (فإن طلقها) أي: الثالثة التي بعد الثنتين فإنها تبين منه فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة:230] أي: شخصاً آخر، فقوله: ( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ) إشارة إلى هذا وقال في آخر الآية: وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً [البقرة:231] فقال: إن هذا لعب بكتاب الله في كونه يجمعها ثلاثاً، ولا يفرقها بأن يأتي بالواحدة على حدة ثم يراجع ثم يأتي بالواحدة وهكذا كما جاء ذلك مبيناً في حديث عبد الله بن عمر الذي سبق أنه طلقها فأمره رسول الله أن يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها فيكون فيه مراجعة بعد التطليق لا أنها يؤتى بها دفعة واحدة، قال رجل: (ألا أقتله؟) يعني: هذا الذي يوصف بأنه يتلاعب بكتاب الله ويلعب بكتاب الله ويستهزئ بكتاب الله يستحق القتل.
    فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من التغليظ، وأن فيه تغليظا شديداً، ومع ذلك فالثلاث إذا أتي بها مجتمعة بأن كانت بلفظ واحد ففيه خلاف بين العلماء، وإن كانت متفرقة ولو كان ذلك في مجلس واحد إذا كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى، ولا يصلح أن تكون الثانية والثالثة تأكيداً للأولى فإنها تقع، بل حصل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الثلاث ولم ينكر على من أوقع ذلك، لكن هذا فيما إذا كان الأمر يستقضيه وكانت المناسبة داعية إليه كما يأتي في قصة عويمر العجلاني الذي لاعن امرأته ثم طلقها ثلاثاً، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هناك أمر اقتضى هذا وهو شدة غضبه عليها، وكونه لو أمسكها لكان كاذباً عليها، فأراد أن يتخلص منها تخلصاً نهائياً، وهي تبين منه بعد الملاعنة وتحرم عليه أبداً سواء طلقها، أو حكم الحاكم بالفراق بينهما بسبب الملاعنة كما سيأتي في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه.

    تراجم رجال إسناد حديث محمود بن لبيد في التطليقات الثلاث جميعاً من طريق ثانية


    قوله: [ أخبرنا سليمان بن داود ].هو سليمان بن داود أبو الربيع المصري، ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [ عن ابن وهب ].
    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن مخرمة ].
    هو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
    [ عن أبيه ].
    هو بكير بن عبد الله بن الأشج، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن محمود ].
    هو محمود بن لبيد صحابي صغير أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    والحديث تكلم فيه الشيخ الألباني وذكر أن ذلك بسبب مخرمة وأنه لم يسمع من أبيه، والحافظ ابن حجر قال: إنه سمع منه قليلاً، أو قال: نقل عن بعض أهل العلم أنه سمع منه قليلاً.


    الرخصة في ذلك


    شرح حديث الرخصة في حصول الطلقات الثلاث


    [ باب الرخصة في ذلك.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثني ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره ( أن عويمراً العجلاني
    جاء إلى عاصم بن عدي رضي الله عنهما فقال: أرأيت يا عاصم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم لـعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألت عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ عويمر قال: كذبت عليها يا رسول الله! إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي الرخصة في ذلك، أي: في حصول الطلقات الثلاث مجتمعة في وقت واحد، وهذا فيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن النسائي رحمه الله أورد حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في قصة تلاعن عويمر العجلاني وزوجته، وأنه لما حصلت الملاعنة وانتهى بادر وقال: كذبت عليها إن أمسكتها، يعني: إن بقيت عليها فأنا كاذب، وأنا إنما لاعنتها لأنني صادق، فطلقها ثلاثاً يريد أن يتخلص منها وألا يكون له بها أي صلة قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فالنسائي أورد الرخصة؛ لأنه حصل من عويمر أنه طلق ثلاثاً بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام دون أن يأمره بذلك، ولكن هذا فيما إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك، لأن الرجل قد تغيظ وتألم منها، وقال: إنه إن أمسكها وبقي معها، فإنه يكون كاذباً، ولهذا أراد أن يتخلص منها نهائياً فأوقع عليها تلك الطلقات الثلاث.
    ومن المعلوم أن الملاعنة يكون التفريق فيها بحكم الحاكم بينهما وإن لم يحصل طلاق، فإن حصل طلاق وقع والطلاق والتفريق عند الملاعنة تحريم مؤبد لا يرجع إليها أبداً.

    تراجم رجال إسناد حديث الرخصة في حصول الطلقات الثلاث


    قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة المرادي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن ابن القاسم ].
    عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [ عن مالك ].
    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام العلم، صاحب المذهب المشهور من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن شهاب ].
    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سهل بن سعد ].
    هو سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    والحديث رواه سهل بن سعد، لكن عاصم بن عدي رضي الله عنه الذي طلب منه عويمر أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الرسول كره المسائل وعابها، يعني: المسائل التي من هذا القبيل التي لا يسأل عنها إلا إذا ابتلي بها، لكن قبل أن يبتلى بها الإنسان لا يحرص على مثل هذه الأسئلة التي هي فيها مشقة وفيها شيء يؤلم ويؤثر.

    شرح حديث فاطمة بنت قيس في سكنى ونفقة المبتوتة


    [ أخبرنا أحمد بن يحيى حدثنا أبو نعيم حدثنا سعيد بن يزيد الأحمسي حدثنا الشعبي حدثتني فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنها قالت: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أنا بنت آل خالد وإن زوجي فلاناً أرسل إلي بطلاقي، وإني سألت أهله النفقة والسكنى فأبوا علي، قالوا: يا رسول الله! إنه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة ) ]. أورد النسائي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، في قصة طلاقها من زوجها الذي بت طلاقها وأنها طلبت النفقة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه لا نفقة ولا سكنى إلا لمن كان لزوجها عليها رجعة، أي: الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن، فإنه لا نفقة ولا سكنى، وقد سبق أن مر أن فاطمة رضي الله عنها، أخبرت بذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا سكنى ولا نفقة)، وأمرها بأن تعتد عند ابن أم مكتوم، والمقصود من إيراد الحديث هنا ذكر الجماعة الذين تكلمت معهم بأنهم قالوا: إنه أرسل ثلاث تطليقات، وقد سبق أن مر أنه طلق الطلقة الأخيرة وأنه سبق أن طلق طلقتين، ثم أتى بالطلقة الثالثة التي هي النهائية، ولم يحصل الجمع بين الثلاث بل كانت اثنتان قد مضتا وجاءت الثالثة التي هي النهائية، فصار ذلك طلاقاً بائناً؛ لأن الأخيرة الثالثة ليس بعدها إلا البينونة؛ لأن الأولى والثانية مضتا، وجاءت الثالثة، فكان بعدها الفراق النهائي، فلعل قوله: ثلاث تطليقات يعني: بهذه التي جاءت مضمومة إلى ما سبق أن تقدمها من الاثنتين، وإلا فإن حصول الطلقات الثلاث دفعة واحدة ما جاء في قصة فاطمة، بل الذي حصل أنها كانت متفرقة وهذه هي الأخيرة، فكملت الثلاث عندها بضم تلك الأخيرة التي جاءت إلى ما قبلها فصارت بائناً، فلا يكون لها نفقة، ولا سكنى؛ لأنه ليس لزوجها عليها رجعة.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في نفقة وسكنى المبتوتة


    قوله: [ أخبرنا أحمد بن يحيى ].هو أحمد بن يحيى الأودي الكوفي، ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن أبي نعيم ].
    أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سعيد بن يزيد الأحمسي ].
    هو سعيد بن يزيد الأحمسي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن الشعبي ].
    هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن فاطمة ].
    هي فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث فاطمة بنت قيس في نفقة وسكنى المبتوتة من طريق ثانية


    [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( المطلقة ثلاثاً ليس لها سكنى ولا نفقة ) ]. أورد النسائي حديث فاطمة بنت قيس وهو مختصر وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( المطلقة ثلاثاً ليس لها سكنى ولا نفقة ) لكن هذا ما فيه شيء مطابق للترجمة تماماً؛ لأنه أخبر أن المطلقة ثلاثاً ليس لها سكنى ولا نفقة، ويمكن أن تكون هذه الثلاث جاءت متفرقة وجاءت الأخيرة مثلما حصل لفاطمة نفسها أن الطلقات متفرقة، وجاءت الأخيرة فحصلت بها البينونة، لكن الثلاث إذا أوقعت في مجلس واحد وكانت معتبرة يعني: ليست من قبيل ليست بلفظ ثلاثاً، يعني: يقول: أنت طالق ثلاثاً، وإنما جاءت متفرقة على وجه يصح اعتبارها بأن يقول: طالق ثم طالق ثم طالق، ولا يصلح أن يكون هناك تأكيد للكلام الأول فيقول: أنت طالق أنت طالق، أنت طالق، ويريد بأن طالق الثانية والثالثة أنها تأكيد للأولى، وأما إذا أراد التأسيس وأراد أن كل واحدة معتبرة ولا يريد بذلك تأكيد الطلقة الأولى فإنها تكون ثلاث طلقات، إذا كان قد أراد ذلك، والمطلقة ثلاثاً حيث اعتبر ذلك الطلاق سواء كانت مجتمعة أو متفرقة، لا سكنى لها ولا نفقة؛ لأن السكنى والنفقة تكون في حق من يكون لزوجها التمكن من مراجعتها، والبائنة لا يتمكن الزوج من مراجعتها، بل لا بد أن تنكح رجلاً آخر.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في نفقة وسكنى المبتوتة من طريق ثانية


    قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار الملقب بندار، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن ].
    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سفيان ].
    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سلمة ].
    سلمة بن كهيل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الشعبي عن فاطمة ].
    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث فاطمة بنت قيس في نفقة وسكنى المبتوتة من طريق ثالثة


    [ أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن أبي عمرو وهو الأوزاعي حدثنا يحيى حدثني أبو سلمة حدثتني فاطمة بنت قيس رضي الله عنها ( أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثاً، فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص طلق فاطمة ثلاثاً فهل لها نفقة؟ فقال: ليس لها نفقة ولا سكنى ) ].أورد النسائي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، حينما طلقها زوجها وجاءوا يستفتون رسول الله بعد أن طلقها ثلاثاً ومعناه: أنها كملت الطلقات الثلاث بهذه الطلقة الأخيرة، وليس معنى ذلك: أنه جمع لها الطلقات الثلاث كما سبق أن مر بنا في الطريقين السابقتين، وإنما المقصود: أن الطلقة الثالثة مضمومة إلى ما قبلها من الطلقتين فصارت ثلاثاً، ومعنى ذلك: أنها صارت بائناً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس لها سكنى ولا نفقة ) لكن الشيء الواضح في إيقاع الثلاث هو قصة عويمر العجلاني مع زوجته حيث طلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، فدل على أن إيقاع الثلاث عند الحاجة إليها، وعند أمر يقتضي ذلك أنه سائغ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وإلا فإن الأصل أن السنة أن يطلق تطليقة واحدة، وأن يكون ذلك في طهر ليس في حيض، وأن يكون ذلك الطهر لم يجامعها فيه، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: طلاق السنة أن يطلقها واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ثلاثة قيود: أن تكون واحدة، وأن تكون في طهر ليس في حيض، وأن يكون ذلك الطهر الذي طلقها فيه لم يجامعها فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في نفقة وسكنى المبتوتة من طريق ثالثة


    قوله: [ أخبرنا عمرو بن كثير ].هو عمرو بن كثير بن سعيد الحمصي صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن بقية ].
    وهو ابن الوليد، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن أبي عمرو وهو الأوزاعي ].
    أبو عمرو هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، ثقة فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى ].
    يحيى هو ابن أبي كثير اليمامي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي سلمة ].
    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.
    [ عن فاطمة ].
    فاطمة بنت قيس وقد مر ذكرها.


    طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة


    شرح حديث: (ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ...)


    [ باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة.أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم ].
    أورد النسائي باب: طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة.
    هذه الترجمة أورد النسائي تحتها حديث ابن عباس في أن الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وصدراً من خلافة عمر أن الثلاث واحدة، يعني: الثلاث المجتمعة تكون واحدة، إذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فإنها تكون واحدة، ولا تكون ثلاثاً؛ لأنها لم تكن ثلاثاً وإنما كانت واحدة، وقالوا: إن هذا مثل ما لو قال كما جاء في الحديث: أنه يكبر الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين، ويسبح الله ثلاثاً وثلاثين، فلو قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين ما يعتبر سبح وكبر وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وإنما يكون مرة واحدة، فكلمة: ثلاثاً وثلاثين، لما جاءت بعدها لم تجعله كبر ثلاثاً وثلاثين، وإنما كبر واحدة، وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً يصير واحدة، ما هي ثلاثاً حتى يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ويكررها، مثلما يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ويكررها ثلاثاً وثلاثين، فتكون عند ذلك متكررة، أما إذا جاءت بلفظ: ثلاثاً، فتكون واحدة، ذهب بعض أهل العلم إلى ما دل عليه حديث ابن عباس من أن الثلاث تكون واحدة؛ لأن هذا كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه، ثم إن عمر رضي الله عنه أمضى على الناس الثلاث لما رآهم تهاونوا في هذا الأمر واستعجلوا فيه فأمضاه عليهم حتى يحذروا من الوقوع فيه، وحتى يجعلوا الطلاق مطابقاً للسنة، وهو أن يكون طلقة واحدة يتمكن من المراجعة بعدها.
    والترجمة التي عقدها النسائي ليست متفقة أو ظاهرة مع الحديث؛ لأن النسائي اعتبر أن هذه الثلاث متفرقة، وأنها في غير المدخول بها، والحديث ليس فيه تعرض لغير المدخول بها، وإنما هي عامة لكل زوجة يوقع عليها الطلاق، وليس خاصاً بالمدخول بها، لكن قال صاحب الحاشية: إن النسائي لما كان الذي عليه أكثر العلماء أن الثلاث تمضى وتكون ثلاثاً على المطلق ولا تكون واحدة، تأول الحديث على ما يناسب أن يكون مطابقاً له فقال: إن غير المدخول بها إذا طلقها واحدة بانت فتكون الثانية، والثالثة لم تصادف محلاً فيكون الطلاق إنما هو بالأولى، والثانية والثالثة ليس لها اعتبار؛ لأنها وقعت في غير محلها مثلما لو طلق الإنسان امرأة أجنبية ليس له علاقة بها، فطلاقه ما له عبرة؛ لأنها بانت منه بالأولى فصارت أجنبية وليس لها عدة وإنما بانت منه، وانتهت من عدتها، وخلصت منه، وليس لها عدة يمكن أن تتزوج بعد ذلك مباشرة، بعد أن حصل هذا الطلاق للتي لم يدخل بها يمكن لها أن تتزوج بعد ذلك مباشرة؛ لأنه ليس هناك عدة لها، قالوا: فالحديث يراد به ثلاث طلقات متفرقة، وأن البينونة حصلت في الأولى وأن الثانية والثالثة لم تصادف محلاً فصارت الثلاث اجتمعت، والانتهاء إنما هو بالطلقة الأولى، والطلقة الثانية، والثالثة ليس لها محل؛ لأنها وقعت أجنبية، لكونها صارت أجنبية بالمرة الأولى، فيكون طلاقها الثانية والثالثة مثل طلاق الأجنبية، قال المحشي السندي : إن المقصود بالحديث هو: غير المدخول بها، والذي طلقها ثلاث طلقات متفرقة، وأنها بانت بالأولى فكانت الثانية والثالثة لا عبرة بها فرجعت الثلاث فصارت واحدة، بمعنى: أن العمل على الأولى، والثانية، والثالثة وجودها كعدمها، لكن هذا لا يتفق مثلما قال هو: إن هذا لا يتفق مع ما جاء في آخر الحديث، يعني: في بعض روايات عند مسلم وعند غيره أن عمر رضي الله عنه قال: أرى الناس استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، فإن هذا ليس خاصاً بالمدخول بها، بل هو لكل زوجة يحصل لها الطلاق ويقع عليها الطلاق.
    وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا طلق ثلاثاً بلفظ واحد وقع، لكن الحديث واضح الدلالة على أنه كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر أن الثلاث واحدة.
    وأما حديث ركانة ... وأنه حلفه هل يريد بها واحدة أو ثلاثاً، وصحة هذا الحديث
    الحديث فيه كلام، لكن لا أدري هل كل طرقه أو كذا، لكن حديث ابن عباس هذا كافي في الدلالة على أن الثلاث واحدة.
    هذا يدل على الإطلاق أما حديث ركانة يسأل عن نيته هل تريد بها الثلاث، أتطلق ثلاثاً أو تريد بها الواحدة؟ وحديث ابن عباس الذي معنا عام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله...)


    قوله: [ أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف ].هو أبو داود سليمان بن سيف الحراني، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن أبي عاصم ].
    أبو عاصم وهو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل من كبار شيوخ البخاري وممن روى عنه الثلاثيات؛ لأنه كان عالي الإسناد، والنسائي يروي عنه بواسطة وهو من شيوخ البخاري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن جريج ].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن طاوس ].
    هو عبد الله بن طاوس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    أبوه هو طاوس بن كيسان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي الصهباء ].
    هذا ليس من رجال السند ولكن هذا أخبر بأنه الذي سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
    [ عن ابن عباس ].
    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الطلاق للتي تنكح زوجاً ثم لا يدخل بها


    شرح حديث عائشة في المبتوتة تريد الرجوع للأول ولم يدخل بها الثاني


    [ الطلاق للتي تنكح زوجاً ثم لا يدخل بها.أخبرنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت زوجاً غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل للأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الطلاق للتي تنكح زوجاً ثم لا يدخل بها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الأول الذي طلقها ثلاثاً إذا لم يواقعها ولم ينكحها فإنه لا تحل للأول؛ لأن مجرد العقد لا يكفي، بل لابد من الجماع والاستمتاع، وأن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، فإذا كان الزوج الثاني طلقها وهو لم يستمتع بها، ولم تذق عسيلته ويذق عسيلتها فإن ذلك لا يكفي في حلها للزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً، بل حتى تنكح زوجاً آخر.
    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل [ ( عن رجل طلق امرأته فتزوجت زوجاً غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها ) ].
    أي: خلا بها وطلقها دون أن يواقعها، فما حصل منه جماع، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها ) أي: أن الطلاق للمرأة التي لا يستمتع بها الزوج الثاني لا يحلها للزوج الأول؛ لأنه ما ذاق عسيلتها، بل حتى يذيق عسيلتها زوج آخر يتزوجها، ولو تزوجها وصار مثل الذي قبله فإن وجوده مثل عدمه؛ لأنه لا يكفي مجرد العقد بل لابد من الوطء، ولابد من الجماع الذي كنى عنه بذوق العسيلة منها ومنه.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في المبتوتة تريد الرجوع للأول ولم يدخل بها الثاني


    قوله: [ أخبرنا محمد بن العلاء ].هو محمد بن العلاء أبو كريب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي معاوية ].
    هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الأعمش ].
    هو سليمان بن مهران الكاهلي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن إبراهيم ].
    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي وهو الكوفي، ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الأسود ].
    هو الأسود بن يزيد بن قيس وهو خال إبراهيم النخعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرظي

    [ أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه حدثني أيوب بن موسى عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني نكحت عبد الرحمن بن الزبير والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته ) ]. أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة امرأة رفاعة القرظي التي طلقها وبت طلاقها وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب وأشارت إلى هدبة في ثوبها، والمقصود من ذلك: إما إنه لرخاوة ذكره، وإما لصغره جداً، ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) يعني: عسيلة الرجل الآخر سواء كان عبد الرحمن أو غير عبد الرحمن، وهذا إنما هو على حسب كلامها، أنه ما واقعها، لكن جاء عنه أنه أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كان ينفضها نفض الأديم، وأنه كان يواقعها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرظي


    قوله: [ أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن شعيب بن الليث ].
    هو شعيب بن الليث بن سعد، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
    [ عن أبيه ].
    أبوه هو الليث بن سعد المصري، ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أيوب بن موسى ].
    أيوب بن موسى، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن شهاب ].
    ابن شهاب وقد مر ذكره.
    [ عن عروة ].
    عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    وقد مر ذكرها.


    طلاق البتة


    شرح حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرظي من طريق ثانية


    [طلاق البتة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( جاءت امرأة رفاعة القرظي
    إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عنده، فقالت: يا رسول الله، إني كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني البتة، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله يا رسول الله! ما معه إلا مثل هذه الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بالباب فلم يأذن له، فقال: يا أبا بكر! ألا تسمع هذه تجهر بما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) ]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي طلاق البتة، وطلاق البتة هو الذي تبين به من زوجها ولا يتمكن من الوصول إليها إلا بعد زوج آخر يتزوجها، وينكحها، ويذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته، فأورد هذه الترجمة، قالـت: طلقني البتة أي: زوجها الأول رفاعة القرظي، وهذه البتة المقصود منها: أنه طلقها إما آخر ثلاث تطليقات أو طلقها ثلاثاً مجتمعة، لكن على وجه يعتبر، وقد سبق في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها طلقة ثالثة بت بها طلاقها، يعني: حصل بها البينونة، والبت هو القطع، وإذا وجدت الطلقة الثالثة أو وجدت الثلاث وهي معتبرة فإنه يحصل القطع والانفصال التام بين الزوج والزوجة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرظي من طريق ثانية

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو عمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [ عن يزيد بن زريع ].
    يزيد بن زريع، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن معمر ].
    هو معمر بن راشد الأزدي، ثم البصري، ثم اليماني، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري عن عروة عن عائشة ].
    وقد مر ذكرهم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #448
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (445)


    (باب أمرك بيدك) إلى (باب إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق)




    إذا قال الرجل لزوجته: أمرك بيدك كان طلقة واحدة، وقال الحسن البصري: تكون ثلاثاً، ومن طلق زوجته ثلاثاً لم يجز له الزواج بها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره ويدخل بها، وينفذ الطلاق بالمراسلة كما ينفذ بالمواجهة.

    أمرك بيدك


    شرح حديث أبي هريرة في قول الرجل لامرأته: (أمرك بيدك)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أمرك بيدك.أخبرنا علي بن نصر بن علي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد قلت لـأيوب : هل علمت أحداً قال في أمرك بيدك أنها ثلاث غير الحسن؟ فقال: لا، ثم قال: اللهم غفراً إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث، فلقيت كثيراً فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي، قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر ].
    فهذه الترجمة وهي قوله: أمرك بيدك، إذا قالها الزوج لزوجته: هل يكون ذلك طلاقاً بائناً، أو يكون طلقة واحدة، أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث، وكان حماد بن زيد في الإسناد سأل أيوب السختياني: هل تعلم أن أحد قال: إن أمرك بيدك ثلاث؟ يعني: يكون طلاقاً بائناً، هل تعلم أن أحداً قال به غير الحسن؟ فقال: لا، ثم استدرك وقال: اللهم غفراً، يعني: اللهم أرجو منك مغفرة، حدثني قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث، قال قتادة: فلقيت كثيراً فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فقال: قد نسي.
    المقصود من إيراد الحديث هنا أن فيه ذكر أن أمرك بيدك أنها ثلاث، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، وجمهورهم على أنها واحدة، وبعض أهل العلم قال: إن القضاء ما قضت به، فإذا اختارت ثلاثاً ثلاثاً وإن اختارت واحدة تكون واحدة، والحديث جاء بمناسبة السؤال: هل أحد قال بأنها ثلاث غير الحسن؟ ثم ذكر هذا الحديث، وهو ثابت عن الحسن، ولكن الحديث غير ثابت، وقد قال عنه النسائي: إنه حديث منكر، وفي إسناده من تكلم فيه، ولكن الجمهور على أنه واحدة، وليس بثلاث.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في قول الرجل لامرأته: (أمرك بيدك)


    قوله: [ أخبرنا علي بن نصر بن علي بن نصر ].هو: علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي، وهذا من الأنساب التي تكررت بحيث يكون الواحد يسمي باسم أبيه علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سليمان بن حرب ].
    سليمان بن حرب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حماد بن زيد ].
    حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أيوب ].
    هو: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن قتادة ].
    وهو: قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن كثير].
    كثير بن أبي كثير مولى ابن سمرة، وهو مقبول أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.
    [ عن أبي سلمة ].
    هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.


    إحلال المطلقة ثلاثاً والنكاح الذي يحلها به


    شرح حديث: (... حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إحلال المطلقة ثلاثاً والنكاح الذي يحلها به.حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ( إن زوجي طلقني فأبت طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إحلال المطلقة ثلاثاً والنكاح الذي يحلها به، أي: الزوج الثاني الذي يتزوجها، إحلال المطلقة ثلاثاً والنكاح الذي يحلها الثاني للأول به هو أن يطأها ويجامعها، ولا يكفي في ذلك أن يعقد عليها أو أن يخلو بها ولا يتمكن من وطئها، فإن ذلك لا يحصل به الإحلال، إحلالها لزوجها الأول، والله عز وجل قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة:230]، فلا تحل للأول إلا إذا استمتع بها الزوج الأخير واستمتعت به، وذاق عسيلتها وذاقت عسيلته، بمعنى: أنه جامعها، فمجرد العقد بل وحتى الخلوة من غير جماع لا تحل به للأول.
    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن رفاعة طلقها وبت طلاقها، يعني: أنه طلقها طلاقاً بائناً، وأنها تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم فهم من كونها ذكرت رفاعة وأنه طلقها، وأنها تزوجت فلاناً الذي هو عبد الرحمن بن الزبير أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة، فقال: ( لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا )، يعني: لا يحصل لك ذلك، ولا يتم لك ذلك، ( حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته )، يعني: الزوج الثاني، سواء كان عبد الرحمن بن الزبير أو غيره ممن يأتي بعده إن جاء بعده أحد، فالزوج الأول لا تعود إليه ولا يتمكن من العقد عليها والزواج بها من جديد إلا إذا طلقت من زوج واقعها وجامعها، وعلى هذا فالنكاح الذي تحل به للأول النكاح الذي يحصل من الثاني هو الوطء، وليس مجرد العقد بل ولا الخلوة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)


    قوله: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، فقيه وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ أخبرنا سفيان ].
    سفيان هو: ابن عيينة المكي، هو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري ].
    هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عروة ].
    هو: عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    رضي الله عنها، هي: أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وقد روت الحديث الكثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي من أوعية السنة وأوعية الحديث لا سيما ما يتعلق بالحياة الزوجية، وما يتعلق فيما يجري بين الرجل وأهل بيته، فإنها وعت وحفظت الكثير، رضي الله عنها وأرضاها.
    وهذا الإسناد مسلسل بالحفاظ الفقهاء، فهم محدثون وفقهاء: إسحاق بن راهويه محدث، وفقيه، وسفيان بن عيينة محدث، فقيه، والزهري محدث فقيه، وعروة بن الزبير محدث فقيه، وعائشة رضي الله عنها، محدثة، وفقيهة.

    شرح حديث: (... حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول) من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله حدثني القاسم عن عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ فقال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول ) ].أورد النسائي حديث عائشة وفيه أن النبي صلى الله عليه سئل عن رجل تزوج امرأة وطلقها ثلاثاً ثم تزوجت آخر وطلقها ذلك الآخر قبل أن يمسها، هل تحل للأول بمجرد العقد عليها أو الخلوة بها دون المسيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاقها الأول ) لا تحل له حتى يذوق الزوج الثاني عسيلتها بأن يجامعها كما ذاقها الأول.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول) من طريق ثانية


    قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى ].محمد بن المثنى وهو: أبو موسى العنزي الملقب الزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ قال: حدثنا يحيى ].
    يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا عبيد الله ].
    هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثني القاسم ].
    هو: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    وقد مر ذكرها.

    شرح حديث: (... ليس ذلك حتى تذوقي عسيلته)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا علي بن حجر أخبرنا هشيم أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ( أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله هي كاذبة وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك حتى تذوقي عسيلته ) ].فلم يلبث أن جاء زوجها الذي اشتكته وقالت: إنه لا يصل إليها، وقال: إنها كاذبة، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، يعني: الذي طلقها ثلاثاً، وأخبر أنه يصل إليها، فهو قال: ( لا، حتى تذوقي عسيلته ) يعني: بناء على كلامها أنه لا يصل إليها وبناء على قولها أنها لا تحل للأول ما دام أنه لم يجامعها، وهي لا تحل للأول إلا إذا جامعها الثاني، وزوجها الثاني أخبر بأنه يجامعها وأنه يصل إليها، لكن الفتوى على حسب كلامها هي، وأنها قالت: إنه لا يصل إليها، فبناء على قولها قال لها: ( لا، حتى تذوقي عسيلته ) وما دام أنه لم يصل إليها على حسب قولها فلو طلقها لم تحل للأول؛ لأنه ما وجد النكاح الذي تحل به للأول.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ليس ذلك حتى تذوقي عسيلته)

    قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو: علي بن حجر بن إياس المروزي السعدي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
    [ أخبرنا هشيم ].
    هو: هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ أخبرني يحيى بن أبي إسحاق ].
    هو: يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سليمان بن يسار ].
    سليمان بن يسار، وهو ثقة، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبيد الله بن عباس ].
    عبيد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي صغير وهو أخو عبد الله بن عباس، وقد أخرج له النسائي هذا الحديث الواحد، ليس له في الكتب الستة شيء إلا هذا الحديث الواحد عند النسائي وحده، وقد جاء عندكم في النسخة عبد الله بن عباس على الجادة، يعني: الشخص المعروف الذي يأتي كثيراً، هذا ما جاء إلا هذه المرة، ولا يأتي ذكره عند النسائي إلا في هذا الحديث، وليس عنده له ذكر لا عند البخاري ولا مسلم ولا أبو داود ولا الترمذي ولا ابن ماجه وإنما عند النسائي فقط وفي هذا الحديث الواحد.

    شرح حديث: (... لا، حتى تذوق عسيلته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن علي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد سمعت سلم بن زرير يحدث عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ( في الرجل تكون له المرأة يطلقها ثم يتزوجها رجل آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى زوجها الأول، قال: لا، حتى تذوق عسيلته ) ].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في الرجل تكون عنده امرأة فيطلقها أي: طلاقاً بائناً، ثم يتزوجها آخر فيطلقها دون أن يدخل بها هل تحل للأول؟ قال: لا، حتى تذوق عسيلته، المقصود بذلك: الذي طلقها ثلاثاً، وأما لو طلقت مرة واحدة، وتزوجها رجل آخر وخرجت من العدة، وتزوجها رجل آخر فإنها ترجع للزوج الأول سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل بها؛ لأن الأمر لا يحتاج إلى أن تنكح رجلاً بعده، بل يمكن أن يعقد عليها ولو لم تتزوج أحداً، لكن المقصود السؤال عن رجل كانت عنده امرأة فطلقها طلاقاً بائناً، ليس أي طلاق، وإنما هو طلاق بائن، ثم تزوجها آخر فلم يجامعها فهي لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الثاني، كما ذاقت عسيلة الأول.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... لا، حتى تذوق عسيلته)

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو: عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا محمد بن جعفر ].
    محمد بن جعفر هو: غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا شعبة ].
    هو: شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن علقمة بن مرثد ].
    علقمة بن مرثد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ سمعت سلم بن زرير يحدث ].
    سلم بن زرير، وهو ثقة، وثقه أبو حاتم وقال النسائي: ليس بالقوي، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
    [ عن سالم بن عبد الله ].
    هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    سالم عن سعيد بن المسيب، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة بالاتفاق؛ لأن سعيداً من الفقهاء السبعة باتفاق، وسالم على خلاف في السابع: هل هو سالم بن عبد الله بن عمر، أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أما سعيد بن المسيب فهو أحد الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة.

    شرح حديث: (... لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن رزين بن سليمان الأحمري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ) قال أبو عبد الرحمن: هذا أولى بالصواب ].أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله رجل كانت عنده امرأة وطلقها طلاقاً بائناً وتزوجها آخر وخلا بها وأرخى الستر وتمكن منها إلا أنه ما فعل شيئاً، ثم طلقها هل تحل لأول؟ لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها كما ذاقها الأول.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر)


    قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].هو: محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
    [ حدثنا وكيع ].
    هو: وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا سفيان ].
    سفيان وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان وهو غير منسوب فالمراد به الثوري؛ لأن وكيعاً معروف بالرواية عن سفيان الثوري.
    [ عن علقمة بن مرثد ].
    علقمة بن مرثد وقد مر ذكره.
    [ عن رزين بن سليمان ].
    هو: رزين بن سليمان الأحمري، وهو مجهول، أخرج حديثه النسائي وابن ماجه.
    [ عن ابن عمر ].
    ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره، وكونه مجهولاً لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء من طرق كثيرة كلها تدل على ما دل عليه الحديث، وقال النسائي في آخره: هذا أولى بالصواب أي: من الذي قبله، وقد نص على ذلك في الكبرى، حيث قال: أولى بالصواب من الذي قبله.


    إحلال المطلقة ثلاثاً وما فيه من التغليظ


    شرح حديث: (لعن رسول الله الواشمة والموتشمة ... والمحلل والمحلل له)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إحلال المطلقة ثلاثاً وما فيه من التغليظ.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل عن عبد الله رضي الله عنه قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والموتشمة والواصلة والموصولة، وآكل الربا وموكله، والمحلل والمحلل له ) ].
    أورد النسائي إحلال المطلقة ثلاثاً وما فيه من التغليظ، يعني: كون الإنسان يتزوج المرأة ليحلها للأول، يعني: لا يريد أن يتزوجها رغبة، بل يريد أن يتزوجها لتحل للأول الذي طلقها بائناً، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فذلك الغير الذي أراد أن يتزوجها قصده إحلالها للأول، وهذا حرام لا يسوغ، ولا يجوز، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل، والمحلل له، المحلل الذي هو الزوج الثاني الذي تزوج لإحلالها للأول والمحلل له الأول إذا كان تواطأ معه واتفق معه على هذا العمل فكل منهما ملعون، إذا كان تواطأ معه، واتفق معه، أو طلب منه، وتواطأ معه على أن يتزوج ويتركها فهذا محلل له، والذي تزوج لأجل أن يحلها للأول محلل، وكل منهما معلون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل هذا على أن ذلك من الكبائر.
    أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والموتشمة ) الواشمة هي: التي تغرز في جسدها إبرة ثم تضع في مكانها شيئاً من الأخضر أو الأزرق فيتغير لون الجسد بذلك الذي حشي به ذلك الغرز الذي غرز بالإبرة، هذا يسمى وشماً، فلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة التي تفعل في نفسها، والموتشمة هي: التي تطلب من غيرها أن يفعل بها، وأن يغرز غيرها بها هذه الإبر التي يذر عليها وتحشى بهذا اللون، أو هذا الذي لونه أزرق أو أخضر وتكون علامة واضحة في الجسد ثابتة، هذه الواشمة والموتشمة كل منهما ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
    ( والواصلة والموصولة ) الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر، والموصولة: التي تطلب من غيرها أن يفعل بها ذلك، مثل الموتشمة، واشمة وموتشمة وواصلة وموصولة، إما هي تصل، أو يصل غيرها، أو يعمل ذلك الوصل لها غيرها.
    (ولعن آكل الربا وموكله)، المقصود من ذلك: من تعاطاه وليس مجرد الأكل فقط، بل إذا تصرف فيه إذا حصل المال عن طريق الربا، وتصرف فيه بأي نوع من أنواع التصرف سواء أكل أو غير أكل، فإنه هو حرام، ولكنه عبر عن الأكل، لكونه أكثر وجوه الانتفاع والغالب على الانتفاع في الأموال، أنها تؤكل وأن الإنسان يأكل، لكن لا يعني ذلك أنه لو أخذ الربا وصرفه في أمور أخرى غير الأكل أنه لا يكون ملعوناً؛ لأن التعبير بالأكل إنما هو للغالب في استعمال الناس للمال، وأنه لو أخذ الربا وصرفه في غير الأكل أنه يكون سليماً ولا يستحق اللعنة، بل مجرد أخذ الربا وتحصيل الربا هو حرام آخذه ومعطيه، الآخذ للربا، والمعطي للربا، كل منهما ملعون، ولكن التعبير بالأكل لكونه أغلب وجوه الانتفاع.
    ولعن المحلل والمحلل له، المحلل هو الزوج الثاني الذي تزوج المطلقة ثلاثاً ليحلها للأول، والمحلل له هو الزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً، ولا يتمكن من الوصول إليها إلا بعد زواجها بشخص آخر، فيتفق مع شخص يتزوجها ثم يطلقها لتحل له، كل منهما معلون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
    قال: وما فيه من التغليظ، هذا هو التغليظ كونه معلون؛ لأن اللعنة على الشيء تغليظ فيه، وبيان خطورته.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لعن رسول الله الواشمة والموستشمة ... والمحلل والمحلل له)


    قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].هو: عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ حدثنا أبو نعيم ].
    هو: أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سفيان ].
    سفيان وهو الثوري، وقد مر ذكره.
    [ عن أبي قيس ].
    أبو قيس وهو: الأودي الكوفي هو: عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي، صدوق ربما خالف، يعني: خالف غيره من الثقات، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن هزيل بن شرحبيل بن حسنة الأودي ].
    هو: ابن شرحبيل بن حسنة الأودي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عبد الله ].
    هو: عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.


    مواجهة الرجل المرأة بالطلاق


    شرح حديث عائشة في قول النبي للكلابية الحقي بأهلك

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب مواجهة الرجل المرأة بالطلاق.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي سألت الزهري عن التي استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها، ( أن الكلابية لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعوذ بالله منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مواجهة الرجل المرأة بالطلاق، يعني: كونه يعطيها الطلاق مباشرة ويخاطبها بالطلاق ويقول: طلقتك، أو الحقي بأهلك، أو ما إلى ذلك، هذه مواجهة المرأة بالطلاق، يعني: أنه قد يكتب الطلاق أو قد يطلقها وهي غير موجودة عنده، ولكنه قد يواجهها به، ويخاطبها به، ويقول: أنت مطلقة، أو طلقتك، أو الحقي بأهلك، ويقصد الطلاق؛ لأن هذه من كنايات الطلاق، فإذا قال: الحقي بأهلك، وهو يريد طلاقاً صار طلاقاً، وإن كان قالها لها يريد أن تذهب إلى أهلها ولكنه ما أراد طلاقاً فإنه لا يكون طلاقاً، والرسول صلى الله عليه وسلم لما دخلت عليه الكلابية وقالت: أعوذ بالله منك قال: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك، فطلقها وهذا هو محل الشاهد للترجمة لأنه قال: الحقي؛ لأنه مواجهة المرأة بالطلاق ويخاطبها به قال: الحقي بأهلك.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي للكلابية الحقي بأهلك


    قوله: [ أخبرنا الحسين بن حريث ].هو: الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ حدثنا الوليد بن مسلم ].
    هو: الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا الأوزاعي ].
    هو: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ سألت الزهري ].
    الزهري، وقد مر ذكره.
    [أخبرني عروة عن عائشة ].
    وقد مر ذكرهما.


    إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق


    شرح حديث فاطمة بنت قيس في إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي بكر وهو ابن أبي الجهم قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: ( أرسل إلي زوجي بطلاقي فشددت علي ثيابي ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كم طلقك؟ فقلت: ثلاثاً، قال: ليس لك نفقة واعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر، تلقين ثيابك عنده، فإذا انقضت عدتك فآذنيني ) مختصر ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق، يعني: ذكر الترجمة السابقة كونه يواجهها بالطلاق ويخاطبها به، فذكر بعدها ترجمة أخرى وهي: أنه لا يخاطبها به وليست أمامه، وإنما يرسل إليها الخبر بأنه طلقها، بأن يكتب لها كتاباً فيه طلاقها، أو يخبر أناسا بأن يبلغوها بأنه قد طلقها، فهي تقابل الترجمة السابقة، الترجمة السابقة مواجهة، ومقابلة، ومخاطبة بالطلاق، وهذا هو غائب عنها ويطلقها ويرسل إليها بالطلاق مكتوباً، أو مع من يخبرها به.
    أورد النسائي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، الذي مر من طرق عديدة وفي أبواب متعددة، أن زوجها أرسل إليها بالطلاق فشدت عليها ثيابها وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كم طلقك؟ فقالت: ثلاث، يعني: مجموع ما طلقها به ثلاث، والذي طلقها به هي الطلقة الأخيرة، فأمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم لأنه ضرير لا يراها، فإذا فرغت من العدة تخبره، والحديث جاء مختصراً، والمقصود منه قوله: أنه أرسل إليها بالطلاق ولم يواجهها به.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في إرسال الرجل إلى زوجته بالطلاق

    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو: عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري، وهو ثقة مأمون سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
    [ حدثنا عبد الرحمن ].
    هو: عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سفيان ].
    هو: الثوري، وقد مر ذكره.
    [ عن أبي بكر وهو ابن أبي الجهم ].
    أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ قال: سمعت فاطمة بنت قيس ].
    فاطمة بنت قيس، رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث فاطمة بنت قيس في إرسال الرجل الطلاق إلى امرأته وتراجم رجال إسنادها

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن تميم مولى فاطمة عن فاطمة نحوه.أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وقال فيها: نحوه بعد أن ساق الإسناد قال: نحوه، أي: نحو المتن المتقدم أي: أنه بمعناه وليس بألفاظه وحروفه؛ لأنه لو كان بالألفاظ والحروف، لكان المناسب لذلك أن يقول: (مثله)، لكن لما قال: (نحوه) عرف أن هناك اختلاف في الألفاظ والحروف لكن المعنى واحد.
    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].
    هو عبيد الله بن سعيد اليشكري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
    [ عن عبد الرحمن ].
    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سفيان].
    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن منصور ].
    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن مجاهد ].
    هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن تميم مولى فاطمة ].
    تميم مولى فاطمة بنت قيس، وهو مقبول، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن فاطمة ].
    هي فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، صحابية، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #449
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (446)

    - (باب تأويل قوله عز وجل (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) ) إلى (باب طلاق العبد)





    من الطلاق ما هو صريح ومنه ما هو مكني، ومن ألفاظ الكناية في الطلاق تحريم الرجل زوجته على نفسه، ومنه قوله لها: الحقي بأهلك، وفي الحالين يرجع في وقوع الطلاق إلى نية الرجل، فإن نوى من تحريمه أو قوله لها: الحقي بأهلك طلاقاً، وقع الطلاق وحسبت عليه واحدة، أما إن نوى من تحريمه اليمين، فعليه كفارة اليمين ولا تحسب عليه طلقة.

    تأويل قوله عز وجل: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)


    شرح أثر ابن عباس في تحريم الرجل امرأته



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تأويل قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ )[التحريم:1].
    أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي الموصلي حدثنا مخلد عن سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراماً، قال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ )[التحريم:1] عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ )[التحريم:1]، (تأويل) المقصود به التفسير، يعني: بيان المعنى وتوضيح المعنى لهذه الآية، هذا هو المراد بالتأويل، والتأويل يأتي بمعنى التفسير وهذا هو الذي يستعمله ابن كثير في تفسيره، ويقول: تأويل قول الله عز وجل كذا وكذا، يعني: تفسير، فالتأويل بمعنى التفسير.
    ويأتي التأويل بمعنى: ما يؤول إليه الأمر من الحقيقة، هذا يقال له تأويل، ومن ذلك قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )[النساء:59] قال: ( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )[النساء:59] ومنه قوله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )[آل عمران:7] على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، والراسخون في العلم مستأنف.. ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ )[آل عمران:7] يعني: وما يعلم تأويله إلا الله، يعني: حقيقة صفات الله عز وجل وما يؤول إليه الأمر من الحقيقة لا يعلم ذلك إلا الله، أو أن المقصود بقوله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ 9[آل عمران:7] على أن المقصود به المعنى مثل الحروف المقطعة في أول السور لا يعلم تأويلها وتفسيرها أو المراد بها إلا الله سبحانه وتعالى.
    ويأتي التأويل بمعنى آخر وهو إخراج الكلام عن اللفظ المتبادر منه إلى معنى آخر، والتأويل هنا بمعنى التفسير وهو الذي يستعمله ابن جرير بكثرة في تفسيره، تأويل قول الله تعالى أي: تفسيره.
    أورد النسائي أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه، لما جاءه رجل وقال: إنه حرم زوجته عليه قال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا الآية: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ )[التحريم:1]، ثم قال بعد ذلك: ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ )[التحريم:2]، ثم قال ابن عباس: عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة، ومن المعلوم أن كفارة اليمين هي تخيير بين ثلاثة أشياء: عتق رقبة وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد العتق أو الإطعام أو الكسوة فإنه يصوم ثلاثة أيام، كما جاء ذلك مبيناً في سورة المائدة.
    وابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه لعله ذكر له الكفارة الغليظة من باب الزجر والتخويف؛ لأن الله تعالى خير بين العتق وبين الإطعام والكسوة ثم بعد ذلك من لم يجد ينتقل إلى الصيام، فهو ذكر له ما هو أغلظ والذي هو عتق الرقبة (عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة).
    والله عز وجل خير في كفارة اليمين بين الأمور الثلاثة، بين العتق وبين الإطعام والكسوة، فإذا اختار أي واحد منها أجزأه ذلك، لكن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لعله ذكر له العتق فقط من باب التخويف والزجر والردع وألا يتهاون الناس في ذلك فيأتوا بمثل هذه العبارات وبمثل هذه الألفاظ، فإذا علموا أن فيه عقوبة شديدة وهو كونه يعتق رقبة فإنه يحسب لذلك حساباً، والأثر ثابت عن ابن عباس في صحيح البخاري إلا ذكر ما جاء في آخره: عليك أغلظ الكفارة، وإلا كون (عليك كفارة يمين) ثبت عن ابن عباس في صحيح البخاري.
    وأما: عليك أغلظ الكفارة فهي ليست في الصحيح ولكنها جاءت هنا ولعله أراد بذلك التخويف إذ ذكر له ما هو أغلظ وما هو أشد في الأمور الثلاثة التي وقع التخيير فيها.


    تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في تحريم الرجل امرأته



    قوله: [ أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي الموصلي ].
    صدوق، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن مخلد ].
    هو مخلد بن يزيد، وهو صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة ما عدا الترمذي.
    [ عن سفيان ].
    سفيان هو الثوري، وقد مر ذكره.
    [ عن سالم ].
    هو سالم بن عجلان الأفطس، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن سعيد بن جبير ].
    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، أحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.



    تأويل هذه الآية على وجه آخر


    شرح حديث عائشة في تحريم ما أحل الله



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تأويل هذه الآية على وجه آخر.
    أخبرنا قتيبة عن حجاج عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت وحفصة أيتنا ما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على أحديهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب، وقال: لن أعود له، فنزل: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] إلى قوله: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:4] لـعائشة وحفصة: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً [التحريم:3]، لقوله: بل شربت عسلاً ) كله في حديث عطاء ].
    أورد النسائي تأويل هذه الآية على وجه آخر، يعني: غير الوجه الأول، والوجه الأول ما فيه ذكر التأويل، إلا أن فيه كفارة اليمين عندما يحصل التحريم لما يحله الله عز وجل يكون فيه كفارة يمين، لكن جاء أن سبب نزول الآية أنه كان وطئ جاريته مارية أم إبراهيم عند إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم فوجدت في نفسها، فوعدها أو قال لها: إنه يحرمها على نفسه وأنه لا يعود إلى وطئها، فأنزل الله عز وجل الآية وأنزل: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] وأنه يخلص من ذلك بأن يكفر كفارة يمين، هذا مما فسرت به الآية.
    وفسرت بتفسير آخر وهو الذي ذكره النسائي في هذا الحديث الآخر عن عائشة رضي الله عنها، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كان عند زينب بنت جحش تسقيه عسلاً كان عندها، فتواصت وتواطأت عائشة وحفصة أنه إذا جاء عند واحدة منهما تقول: إنها تشم منه ريح مغافير، والمغافير هي: مادة صمغية تخرج من بعض الشجر حلوة المذاق ولكن لها رائحة كريهة، ولما جاء عند واحدة من اللتين تواطأتا عليه واتفقتا عليه قالت له ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما شربت عسلاً عند زينب، ولن أعود إلى ذلك؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يكره الرائحة الكريهة أو أن يشم منه رائحة كريهة، فأنزل الله هذه الآية: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1] والآيات بعدها، ثم جاء بعد ذلك تحلة اليمين بالكفارة التي هي كفارة اليمين.
    فهذا تفسير للآية على وجه آخر، وعلى هذا فالذي جاء في تفسير الآية هو تحريمه لـمارية القبطية على نفسه وامتناعه من وطئها، والثاني تحريمه العسل على نفسه بعد أن ذكرت عائشة أو حفصة الذي اتفقتا عليه من القول أنها تشم ريح مغافير.


    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تحريم ما أحل الله



    قوله: [أخبرنا قتيبة ].
    قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حجاج ].
    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن جريج ].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عطاء ].
    هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبيد بن عمير ].
    هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة رجال وامرأة واحدة، الستة الرجال هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وسابع هؤلاء الستة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    في آخره يقول: كله في حديث عطاء.
    كله يعني هذه الأشياء التي ذكرها في التفسير في السبب، وفي بيان المراد بالمرأتين اللتين قيل: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4] وكذلك: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ [التحريم:3] كل ذلك في حديث عطاء.



    الحقي بأهلك


    شرح حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الحقي بأهلك.
    أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم حدثنا محمد بن مكي بن عيسى حدثنا عبد الله حدثنا يونس عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أنه قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقال فيه: إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح وأخبرني سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب عن يونس قال: قال: ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وساق قصته، وقال: ( إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربها، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله عز وجل في هذا الأمر ) ].
    أورد النسائي باب: الحقي بأهلك، يعني: باب الحقي بأهلك هل يكون طلاقاً أو لا يكون طلاقاً؟
    إذا أريد به الطلاق يكون طلاقاً، وإذا أريد به غير الطلاق ولم يرد الطلاق، فإنه لا يكون طلاقاً، وقد سبق أن مر بنا الحديث في أنه يكون طلاقاً في باب مواجهة الرجل امرأته بالطلاق، وجاء في ذلك حديث الكلابية التي دخل عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: ( لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ) فهذا طلاق؛ لأنه أراد بذلك الطلاق، لكن إذا لم يرد الطلاق بأن أراد أنها تذهب عند أهلها وتجلس عند أهلها وهذا هو الذي يريده الإنسان من هذا الكلام، فإنه لا يكون طلاقاً، وورد في ذلك حديث كعب بن مالك من طرق متعددة الذي يقول فيه: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر، معناه اعتزال وليس طلاقاً، يعني: تبقى عند أهلها حتى يتبين الأمر أو حتى يستقر الأمر على شيء، فإذا قال الإنسان لامرأته: الحقي بأهلك، إن كان يريد طلاقاً فهو طلاق، وإن كان لا يريد طلاقاً فهو على حسب نيته؛ لأن هذا ليس من صريح الطلاق، لأنه يفتقر إلى النية، وأما ما كان من صريح الطلاق لا يفتقر إلى نية، اللهم إذا كان سبق لسان من غير إرادة فهو معذور، وأما كونه يتلفظ بلفظ الطلاق بقصده وإرادته، فإنه يثبت ويحصل الطلاق، وأما إذا كان من الألفاظ المحتملة التي تحتمل الطلاق وتحتمل غيره فيكون طلاقاً إذا نواه، وإن نوى غير الطلاق فإنه لا يكون طلاقاً، والذي فيه الطلاق الحديث الذي مر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم للكلابية: الحقي بأهلك، معناه أنه طلقها، لأنها قالت: ( أعوذ بالله منك، فقال: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ) يعني: تخلص منها، وأما كعب بن مالك رضي الله عنه فإنه سأل: هل يطلقها؟ يعني: لما قيل اعتزلها، فقيل له: لا، وإنما لا تقربها، فقال: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر، فهذا واضح أنه ليس طلاقاً.
    إذاً: هذا اللفظ الذي هو: الحقي بأهلك من الألفاظ المحتملة، وهو من الكنايات غير الصريحة، إن أريد به الطلاق صار طلاقاً، وإن أريد به غير الطلاق لا يكون طلاقاً، وحديث: ( الحقي بأهلك ) الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم للكلابية ونوى الطلاق صار طلاقاً، وحديث كعب بن مالك الذي فيه قوله: الحقي بأهلك وما كان يريد طلاقاً، ولهذا قال: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: لا تقربها، ما قال له: طلقها، فإذاً: أتى بعبارة الحقي بأهلك يريد أنها تذهب إلى أهلها وتجلس عندهم إلى أن يقضي الله في هذا الأمر، فلا يكون طلاقاً.
    وكعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في قصة تخلفه عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهي قصة طويلة وحديث طويل من أطول الأحاديث، ولكن النسائي فرقه في مواضع، وأتى في هذا الموضع بجزء منه، ولهذا قال: في قصة تخلفه، لأنها قصة طويلة، ولكنه أشار منها إلى مقطع من مقاطعها وجزء من أجزائها وهو أنه قال: (إذا برسول رسول الله عليه الصلاة والسلام يأتيني ويقول: اعتزل أهلك، قلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، لا تقربها، فقال لها: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر).
    الحاصل: أن الحقي بأهلك إذا أريد به الطلاق صار طلاقاً، وإن لم يرد به الطلاق لا يكون طلاقاً.


    تراجم رجال إسناد حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك



    قوله: [ أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم ].
    محمد بن حاتم بن نعيم ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن محمد بن مكي بن عيسى ].
    محمد بن مكي بن عيسى مقبول، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [ عن عبد الله ].
    هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، واللذان قبله كلهم مروزيون محمد بن يحيى بن نعيم، ومحمد بن مكي بن عيسى، وعبد الله بن المبارك كل هؤلاء مروزيون.
    [ عن يونس ].
    هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري ].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ].
    عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
    [ عن كعب ].
    هو كعب بن مالك يعني: عبد الرحمن يروي عن جده كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الثلاثة الذين خلفوا وجاء في القرآن، بالتنويه بشأنهم، وتوبة الله عز وجل عليهم، حيث قال الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118] فهو أحد الثلاثة الذين نزل بشأنهم قرآن، ونزلت توبتهم، ونجاهم الله بالصدق لأنهم صدقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبدوا ما عندهم من الحقيقة، ولم يتجهوا إلى أن يأتوا بشيء خلاف الحقيقة، فنجاهم الله عز وجل بالصدق، وبعد هذه الآية مباشرة قال الله عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] يعني: كونوا مع أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين هم صادقون.
    كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ ح وأخبرني سليمان بن داود ].
    هو المهري المصري أبو الربيع، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [ عن ابن وهب ].
    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عبد الله بن كعب بن مالك ].
    وهذا الإسناد مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة عبد الله بن كعب بن مالك، يعني: أن عبد الرحمن بن عبد الله في الإسناد الأول يروي عن جده مباشرة، وأما هنا يروي عن جده بواسطة أبيه، وهو من رواية أبيه عن جده، فالطريق الأولى أعلى والطريق الثانية أنزل لأن فيها زيادة رجل وهو عبد الله بن كعب؛ لأن في الطريق الأولى عبد الرحمن يروي عن جده كعب، وفي الطريق الثانية عبد الرحمن يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن أبيه كعب، فهو من رواية أبيه عن جده، والطريق الأولى هو من رواية الحفيد عن الجد، والطريق الثانية من رواية الابن عن أبيه عن جده، عبد الرحمن يروي عن أبيه عبد الله، وعبد الله يروي عن أبيه كعب بن مالك، وهذا ما فيه إشكال من حيث أن الإنسان يحصل الحديث نازلاً ثم يحصله عالياً فيرويه بالحالتين حالة النزول لأنه حصله نازلاً، ويرويه بالعلو لأنه حصله عالياً، فلا تؤثر رواية على رواية، ولا تقدح رواية في رواية؛ لأن الطريقين كل منهما صحيح إلا أن هذا نازل وهذا عالٍ، ومن حصل الحديث بطريق نازل ثم ظفر به بطريق عالٍ، فإنه يرويه على النازل ويرويه على العالي، وعبد الله بن كعب بن مالك أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
    عن كعب بن مالك وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    لكن هذه الطريقة وهي أنه يجده عالياً ومرة يجده نازلاً هل يسمى المزيد في متصل الأسانيد؟
    نقول: لا، ما يقال له: مزيد في متصل الأسانيد؛ لأن المزيد في متصل الأسانيد معلول وضعيف، وأما هذا فهو ثابت ولكنه بهذه الطريقة التي أشرت إليها يحصله نازلاً ثم يظفر به عالياً، فيرويه على الحالتين، وكان بعض المحدثين إذا حصله نازلاً يسافر إلى الشخص الذي يعلو بالإسناد، وتكون مدة السفر طويلة ليأخذ الحديث عنه مباشرة بدون واسطة، ولكنه مع ذلك يرويه على الحالين كما هنا، وكما في مواضع كثيرة في البخاري، وفي غير البخاري يذكر بالطريق العالية والنازلة، ولا تقدح العالية في النازلة، ولا النازلة في العالية.
    يعني: المزيد في متصل الأسانيد يكون في أحد طرقيه انقطاع، لكن أحياناً يكون فيه اتصال؛ لأنه إذا صرح بالسماع في موضع الزيادة يكون ذلك متصلاً بحصول التصريح في موضع الزيادة.


    حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن جبلة ومحمد بن يحيى بن محمد قالا: حدثنا محمد بن موسى بن أعين حدثنا أبي عن إسحاق بن راشد عن الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: سمعت أبي كعب بن مالك قال وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يحدث قال: ( أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى صاحبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تعتزلوا نساءكم، فقلت للرسول: أطلق امرأتي أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل تعتزلها فلا تقربها، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني فيهم فلحقت بهم ) ].
    بل تعتزلها فلا تقربها، يعني: كله خبر.
    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وهي مثل الطريق السابقة من حيث النزول، لأن عبد الرحمن يروي عن أبيه عن جده، مثل الطريق الثانية في الطريقين الماضيتين في الإسناد المتقدم؛ لأن الإسناد المتقدم جاء من طريقين وفيه تحويل والأولى عالية والثانية نازلة، وهذه نازلة بالنسبة للعالية؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب يروي عن أبيه عبد الله عن جده، وأبوه يروي عن أبيه، وهو من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن جده.
    قوله: [ محمد بن جبلة ومحمد بن يحيى بن محمد].
    هو: محمد بن جبلة بن خالد بن جبلة الرافقي، خراساني الأصل، وهو صدوق، من الحادية عشرة، أخرج له البخاري، والنسائي.
    أما محمد بن يحيى بن محمد الحراني، فهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن محمد بن موسى بن أعين ].
    محمد بن موسى بن أعين صدوق، أخرج له البخاري، والنسائي يعني: كالأول، محمد بن جبلة .
    [ عن أبيه ].
    وهو موسى بن أعين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
    [ عن إسحاق بن راشد ].
    إسحاق بن راشد ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهن، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن الزهري ].
    الزهري مر ذكره.
    [ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب ].
    عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب مثل الطريق السابقة، وهنا الحديث من رواية إسحاق عن الزهري؛ ولكن ذلك لا يؤثر،؛ لأنه جاء من طرق عديدة غير هذه الطريق، التي قبلها والتي بعدها.


    حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج بن محمد حدثنا الليث بن سعد حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعباً يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقال فيه: (إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، وكوني عندهم حتى يقضي الله عز وجل في هذا الأمر)، خالفهم معقل بن عبيد الله ].
    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله من كونه من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده، وهو مثل الذي قبله من حيث المتن والمعنى.
    قوله: [ أخبرنا يوسف بن سعيد ].
    هو يوسف بن سعيد المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن حجاج بن محمد ].
    هو المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الليث ].
    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عقيل ].
    هو ابن خالد بن عقيل المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن عبد الله بن كعب عن كعب ].
    وهؤلاء الأربعة مر ذكرهم.
    [ خالفهم معقل بن عبيد الله ].
    خالفهم معقل بن عبيد الله يعني: هؤلاء الرواة الذين رووه يعني: من رواه عن عبد الرحمن عن جده، أو رواه عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده خالفهم معقل بن عبيد الله وقد ذكره بالطريق التي بعد هذه، ذكر رواية معقل بن عبيد الله في الطريق التالية.


    حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل عن الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن عمه عبيد الله بن كعب قال: سمعت أبي كعباً يحدث قال: (أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى صاحبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تعتزلوا نساءكم، فقلت للرسول: أطلق امرأتي أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل تعتزلها ولا تقربها، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني فيهم حتى يقضي الله عز وجل، فلحقت بهم). خالفه معمر ].
    أورد النسائي قصة تخلفه، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يعتزل امرأته، وقوله لامرأته: الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر، وهو من طريق عبد الرحمن بن كعب عن عمه عبيد الله عن جده كعب بن مالك، وعلى هذا فأعبد الرحمن رواه عن جده مباشرة، ورواه عن أبيه عن جده، ورواه عن عمه عن جده، كل هذه الطرق روى الحديث بها عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، الطريق الأولى: عبد الرحمن عن جده كعب بن مالك، والطرق السابقة كلها هي: عبد الرحمن عن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب بن مالك، وهذه الطريق التي مرت الآن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن كعب بن مالك.
    قوله: [أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى ].
    هو محمد بن معدان بن عيسى ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن الحسن بن أعين ].
    هو الحسن بن محمد بن أعين، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
    [ عن معقل ].
    هو معقل بن عبيد الله، وهو صدوق يخطئ، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي .
    [ عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن عمه عبيد الله بن كعب ].
    وقد مر ذكرهم إلا عبيد الله بن كعب بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
    خالفه معمر ثم ذكر طريق معمر.


    حديث كعب بن مالك في قول الرجل لأهله: الحقي بأهلك من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده



    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد وهو ابن ثور عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال في حديثه: (إذا رسول من النبي صلى الله عليه وسلم قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ قال: لا، ولكن لا تقربها) ولم يذكر فيه الحقي بأهلك ].
    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وهو من طريق معمر عن الزهري، وليس فيه ذكر كعب بن مالك وإنما ذكر عبد الرحمن عن أبيه، ثم ذكر قصة كعب وما جرى له، ومن المعلوم أن المتكلم هو كعب بن مالك، وعبد الله، لم يشهد القصة؛ لأنه تابعي فيكون مرسلاً، ولكن الحديث جاء من طرق كثيرة صحيحة ثابتة عن كعب بن مالك رضي الله عنه.
    وفي الحديث لم يذكر محل الشاهد من الترجمة؛ لأن الترجمة هي: باب الحقي بأهلك، وليس فيه ما يطابق الترجمة.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].
    محمد بن عبد الأعلى ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن محمد وهو ابن ثور ].
    محمد بن ثور، ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
    [ عن معمر ].
    هو معمر بن راشد البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ].
    الزهري وقد مر ذكره عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    أبوه هو كعب بن مالك وقد مر ذكره.



    طلاق العبد


    شرح حديث ابن عباس في طلاق العبد


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب طلاق العبد.
    أخبرنا عمرو بن علي سمعت يحيى حدثنا علي بن المبارك حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عمر بن معتب أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره قال: (كنت أنا وامرأتي مملوكين فطلقتها تطليقتين ثم أعتقنا جميعاً، فسألت ابن عباس فقال: إن راجعتها كانت عندك على واحدة، قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم).
    خالفه معمر ].
    أورد النسائي طلاق العبد، وطلاق العبد له تطليقتان، وقد أورد النسائي حديث ابن عباس في قصة المملوك الذي كان مع زوجته وكانا مملوكين وقد طلقها تطليقتين ثم عتق وجاء يستفتي ابن عباس ، هل يتزوجها؟
    قال: طلقتها تطليقتين ثم أعتقنا جميعاً، فسألت ابن عباس فقال: إن راجعتها كانت عندك على واحدة.
    فقال: إن راجعتها كانت لك على واحدة، يعني: أنه حصل اثنتين، ثم بعد العتق يبقى أمامه واحدة يعني: إذا راجعها يبقى أمامه طلقة واحدة تضاف إلى الاثنتين السابقتين؛ لأنه في حال الحرية لو طلق طلقتين فإنه يكون أمامه واحدة، وهنا صار حراً وقد مضى منه طلقتان فيكون بقي عليه واحدة، لكن هذا فيه إشكال من ناحية أنه إذا كان العبد له تطليقتان وقد مضتا فمعناه أنه قد استوفى الطلاق، فهل له أن يتزوجها، أو يراجعها، أو أنه لابد أن يتزوجها شخص آخر ثم ترجع إليه، لأنه طلقها وهو عبد، وقد مضى له طلقتان، فهل ترجع إليه بعد زوج آخر أو أنه يراجعها لأنه حصل الحرية ويكون الحر له ثلاث، فيكون مضى اثنتان في حال عبوديته، ويبقى أمامه واحدة في حال حريته تضم إلى الاثنتين اللتين حصلتا في حال عبوديته، أنا ما أدري ما الراجح في المسألة، يعني نقول: يرجع إلى زوجته ويكون أمامه طلقة، أو أنه استنفد طلقاته وأنه يحتاج إلى أن يرجع إليها بعد زوج لا أدري ما الحكم في هذه المسألة.


    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في طلاق العبد



    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].
    هو عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى ].
    هو يحيى القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن علي بن المبارك ].
    علي بن المبارك، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى بن أبي كثير ].
    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
    [ عن عمر بن معتب ].
    عمر بن معتب، وهو ضعيف، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن أبي الحسن مولى بني نوفل ].
    أبو الحسن مولى بني نوفل، وهو مقبول، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن ابن عباس ].
    ابن عباس مر ذكره.


    بيان سبب كون العبد له تطليقتان


    والعبد له تطليقتان اثنتان؛ لأنه جاء أن العبد على النصف في الحد وفي أمور متعددة، والثلاث لا تتنصف فيجبر الكسر وتصير ثنتين، ما فيه إلا القياس على نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] الحديث هذا فيه عمر بن معتب هذا وهو ضعيف.
    وأما قوله: (ثم أعتقنا) على بناء المفعول فقال: (إن راجعتها) ظاهره أن الحر يملك ثلاث طلقات، وإن صار حراً بعد الطلقتين فله الرجوع بعد الطلقتين لبقاء الثالثة الحاصلة بالعتق، لكن العمل على خلافه، فيمكن أن يقال: إن هذا كان حين كانت الطلقات الثلاث واحدة كما رواه ابن عباس، فالطلقتان للعبد حينئذ كانتا واحدة، وهذا أمر قد تقرر أنه منسوخ الآن.
    فالجواب: كما هو معلوم الطلقات الثلاث أنها واحدة، حديث ابن عباس ليس منسوخاً، هو باقٍ، وإنما عمر رضي الله عنه اجتهد وأمضى على الناس الثلاث، لأنهم استعجلوا في أمر لهم فيه أناة، فأمضى عليهم الثلاث، وجمهور أهل العلم على أن العمل بأنه إذا طلق ثلاثاً بلفظ واحد فهي ثلاث، لكن الذي يقتضيه حديث ابن عباس أنها تكون واحدة.


    شرح حديث ابن عباس في طلاق العبد من طريق أخرى


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن معتب عن الحسن مولى بني نوفل قال: (سئل ابن عباس عن عبد طلق امرأته تطليقتين ثم عتقا أيتزوجها؟ قال: نعم، قال: عمن؟ قال: أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم).
    قال عبد الرزاق: قال ابن المبارك لـمعمر : الحسن هذا من هو؟ لقد حمل صخرة عظيمة ].
    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وفيه ذكر الحسن، وهو سهو وخطأ، وإنما هو أبو الحسن كما في الطريق الأولى، وقالوا: إن الخطأ والوهم إما من النسائي أو من شيخه محمد بن رافع؛ لأن عبد الرزاق روي عنه من طرق وفيها يقول أبو الحسن؛ لأن عبد الرزاق بالإسناد روي عنه من طرق وعدد رووا عنه ويقولون في الإسناد: أبو الحسن على الصواب كما في الطريق السابقة، وإنما جاء عند النسائي وحده في هذه الطريق التي فيها عبد الرزاق ويروي عن محمد بن رافع فيها ذكر الحسن، قالوا: فهو وهم إما من النسائي أو من شيخه وليس من عبد الرزاق ومن فوقه؛ لأن عبد الرزاق جاء من طرق عنه أنه قال أبو الحسن ولم يقل الحسن.
    والمتن يختلف عن المتن السابق، المتن السابق فيه مراجعة والثاني هنا قال: هل يتزوجها؟ ومن المعلوم أن الزواج غير المراجعة، يعني: أنه يعقد عليها، وقال: عمن؟ قال: أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما في الطريق الأولى قال أنه يراجعها ويبقى له تطليقة واحدة مضمومة إلى الطلقتين السابقتين فتكون ثلاثاً؛ لأنه حصل اثنتين في حال العبودية، ثم صار حراً فيبقى له واحدة تضم إلى الاثنتين، والطريق الثانية ما فيها ذكر المراجعة ولا ذكر عدد الطلقات ولا ما يبقى له، وإنما يتزوجها، قال: هل يتزوجها؟ قال: نعم، ولعل وجه الاستغراب أو الإنكار فيه من جهة أنه بعد الطلقتين وهو عبد يتزوجها فلعل ذلك لكون المرأة بعد أن تستنفد الطلقات لا تحل إلا بعد زوج -كما في الحر- وكذلك العبد بعد الاثنتين ما تحل إلا بعد زوج، فلعل الاستغراب والإنكار الشديد مما جاء في هذا الحديث أنه من هذه الناحية.
    (قال ابن المبارك لـمعمر: الحسن هذا من هو فقد حمل صخرة عظيمة؟).
    حمل صخرة عظيمة حيث جاء بهذا الكلام وبهذا الحديث الذي تفرد به، وهو كما مر مقبول، وفيه مع كونه مقبول رجل ضعيف.


    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في طلاق العبد من طريق أخرى



    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع ].
    هو محمد بن رافع النيسابوري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن عبد الرزاق ].
    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن معتب عن الحسن مولى بني نوفل عن ابن عباس ].

    الحسن هو أبو الحسن؛ لأن الحسن هنا جاءت خطأ ولم تأت إلا عند النسائي في هذا الموضع، وكما ذكرت قالوا: إن الوهم من النسائي أو من شيخه وليس من عبد الرزاق ومن فوقه؛ لأن عبد الرزاق روى عنه من طرق ويقول فيها أبو الحسن لا يقول الحسن.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #450
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (447)

    - (باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها) إلى (باب خيار الأمة تعتق وزوجها حر)




    الكلام إذا أريد منه ما لا يحتمل فإنه لا يترتب عليه حكم، بل يحمل على ظاهره، وبيّن الشارع الحكيم أن التخيير للزوجة لا يكون طلاقاً، ثم إن الأحكام والشروط المخالفة لشرع الله باطلة لا تجوز.

    الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها إذا قصد بها لما لا يحتمل معناها لم توجب شيئاً ولم تثبت حكماً


    شرح حديث: (انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ...)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملحوظ بها إذا قصد بها لما لا يحتمل معناها لم توجب شيئاً ولم تثبت حكماً.أخبرنا عمران بن بكار حدثنا علي بن عياش حدثني شعيب حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، إنهم يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً وأنا محمد ) ].
    يقول النسائي رحمه الله: باب: الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظة إذا أريد بها ما لا يحتمله معناها، لا توجب حكماً ولا يترتب عليها شيء، ومقصود النسائي من هذه الترجمة: أن الكلام إذا أريد به ما لا يحتمل معناه أنه لا يترتب عليه حكم، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( انظروا كيف يصرف الله عني سب قريش وشتمهم، إنهم يسبون مذمماً، ويشتمون مذمماً، وأنا محمد ) أي: أن قريشاً عندما يسبون النبي عليه الصلاة والسلام لا يذكرونه باسمه، وإنما يذكرون ما يقابل اسمه، وهو محمد عليه الصلاة والسلام اسماً ووصفاً، وهم يسبون مذمماً الذي هو ضد محمد وما يقابل محمداً، أي: أنهم لا يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه، ولكنهم يأتون بلفظ آخر ليس اسمه عليه الصلاة والسلام وإنما ما يقابل اسمه؛ لأن اسمه محمد عليه الصلاة والسلام وعكسه مذمم؛ لأن محمداً من الحمد، ومذمما من الذم، فهم لا يأتون باسمه ولا يسبونه باسمه، وهو: محمد ويسبون محمداً، وإنما يسبون مذمماً، فشتمهم وسبهم إنما يقع على غير اسمه وعلى غير شخصه صلى الله عليه وسلم، فمقصود النسائي من الترجمة هو: أنه لما سبوا محمداً أي: سبوا ما يقابل اسمه وليس اسمه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقع ذلك عليه، عليه الصلاة والسلام، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ، لأنهم ما سبوه باسمه، ولا من حيث المعنى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يستحق ذلك الذم، فانتفى عنه لفظاً ومعنى، وعاد عليهم ذمهم؛ لأنهم هم المستحقون للذم وهو المستحق للحمد والمدح؛ لأنه محمد فهو محمود وهو محمد لفظاً ومعنى، وهم مذمومون وذمهم يرجع إليهم، وهو بريء مما وصفوه به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من الذم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (انظروا كيفي يصرف الله عني شتم قريش ...)


    قوله: [ أخبرنا عمران بن بكار ].هو عمران بن بكار الحمصي وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [عن علي بن عياش ].
    هو الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن شعيب ].
    هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي الزناد ].
    أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وكنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقب ولكنه على صيغة الكنية وعلى لفظ الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، فهذا مما جاء فيه اللقب على صفة وصيغة الكنية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن بن هرمز ].
    هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي هريرة ].
    أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، وأبو هريرة رضي الله عنه هو أكثر السبعة حديثاً رضي الله عنه وأرضاه.


    التوقيت في الخيار

    شرح حديث عائشة في تخيير الرسول نساءه بين الفراق والبقاء


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التوقيت في الخيار.أخبرنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أنبأنا يونس بن يزيد وموسى بن علي عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ( لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: قد علم أن أبواي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم تلا هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأحزاب:28] إلى قوله: جَمِيلاً [الأحزاب:28] فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله عز وجل ورسوله والدار الآخرة، قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، ولم يكن ذلك حين قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترنه طلاقاً من أجل أنهن اخترنه ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التوقيت في الخيار. يعني: عندما يحصل التخيير للزوجة بين البقاء والفراق، يمكن أن يكون مؤقتاً وأن يكون هناك مهلة، يعني: لا يلزم أن يكون على الفور، بل يمكن أن يكون فيه إمهال؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه بين البقاء على ما هو عليه من قلة العيش، وعلى أن يسرحهن سراحاً جميلاً، ويحصلن ما يحصلن من متع الدنيا ولذتها، فقال لـعائشة: (لا عليك أن تعجلي)، يعني: معناه فكري، وتأملي وشاوري أبويك، ففيه توقيت وإمهال في الخيار أو التخيير.
    لما نزلت الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ َ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:28-29]، فـعائشة رضي الله عنها وأرضاها لصغر سنها خشي الرسول صلى الله عليه وسلم أنها قد تستعجل في الأمر ولا تتريث فيه، فأمرها أن تستأذن أبويها، ولكنها رضي الله عنها وأرضاها كانت حريصة على البقاء معه عليه الصلاة والسلام فقالت: (أبهذا أستأمر أبوي؟ بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة) وهذا يدل على كمال ورجاحة عقلها مع صغر سنها، رضي الله عنها وأرضاها، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرها بأن تستأمر أبويها لأنها قد تكون مع حداثة سنها تتطلع إلى الدنيا وتفكر فيها، وقد تستعجل في الرأي، ولكنها رضي الله عنها وأرضاها أبدت رغبتها في البقاء وإرادة الله عز وجل ورسوله والدار الآخرة، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل مع نسائه مثل ما فعل معها، وكلهن اخترن البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على فضلهن ونبلهن، وحرصهن على إرادة الخير، وإرادة ما عند الله عز وجل، وأنهن لم يردن الدنيا وزينتها، وإنما أردن الله ورسوله وما أعد لهن من الأجر العظيم والثواب الجزيل، وكونهن أمهات المؤمنين، وكونهن أزواجه في الدنيا والآخرة رضي الله عنهن وأرضاهن.
    ولما خيرهن واخترنه لم يكن ذلك طلاقاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خيرهن بين أن يبقين أو أن يخترن الفراق فيسرحهن، ومن المعلوم أن التخيير إذا خيرها: اختاري كذا أو كذا واختارت فإنه يقع ما اختارت، ولكن الذي جاء في القرآن أنه إن اخترن الله عز وجل والدار الآخرة بقين على ما كنّ عليه، وإن اخترن الفراق فهو يفارقهن، والأمر ليس إليهن، وإنما إليه بعد أن يخترن الفراق، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ [الأحزاب:28] ما قال: اخترن وأمركن بيدكن وإنما قال: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ َ سَرَاحاً جَمِيلاً [الأحزاب:28] فمجرد التخيير والاختيار للبقاء لا يكون ولا يعتبر طلاقاً، لأن الزوجية باقية على ما هي عليه، فلم يعد ذلك التخيير طلاقاً ولم يقع الطلاق بل حصل اختيار البقاء وبقين على ما كنّ عليه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وهذا يدل على فضلهن ونبلهن، رضي الله عنهن وأرضاهن.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخيير الرسول نساءه بين الفراق والبقاء


    قوله: [ أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ].هو يونس بن عبد الأعلى المصري الصدفي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
    [ حدثنا ابن وهب ].
    عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يونس ].
    هو: يونس بن يزيد الأيلي، ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ وموسى بن علي ].
    هو موسى بن علي المصري، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن ابن شهاب ].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه مكثر من الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ].
    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وأكثر الصحابيات رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.

    شرح حديث عائشة في تخيير الرسول نساءه بين البقاء والفراق من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: ( لما نزلت: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:29] دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بي فقال: يا عائشة! إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقرأ علي: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب:28] فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله ) قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ والأول أولى بالصواب، والله سبحانه وتعالى أعلم ].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق آخر، وهو مثل الذي قبله؛ أنه بعد نزول الآية في التخيير بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منها التريث وعدم التعجل، وأن تستأذن أبويها، وقالت: (إنه قد علم أن أبوي لا يأمراني بفراقه، وقالت: أبهذا أستأمر أبوي؟) أي: مثل هذا لا أتردد فيه، ولا أختار سوى البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختارت البقاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أمهات المؤمنين سرن على ما سارت عليه عائشة رضي الله عنها وأرضها، واخترن البقاء على قلة الدنيا، وعلى شظف العيش، وعدم التوسع في المآكل والمشارب، رغبة فيما عند الله عز وجل والدار الآخرة، وبقاء في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكن أمهات المؤمنين، وأن يكن أزواجه في الدنيا والآخرة، رضي الله عنهن وأرضاهن.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخيير الرسول نساءه بين البقاء والفراق من طريق ثانية


    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].محمد بن عبد الأعلى ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ حدثنا محمد بن ثور ].
    محمد بن ثور ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [ عن معمر ].
    هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري ].
    الزهري وقد مر ذكره
    [عن عروة ].
    هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة ].
    رضي الله عنها قد مر ذكرها.


    باب في المخيرة تختار زوجها

    شرح حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق ثالثة


    [ باب في المخيرة تختار زوجها.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى هو: ابن سعيد عن إسماعيل عن عامر عن مسروق عن عائشة أنها قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فهل كان طلاقاً ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: المخيرة تختار زوجها، أي: أنها باقية في عصمته ولا تكون مطلقة بالتخيير؛ لأنها لم تختر الفراق، وكما ذكرت: إذا كان جعل الأمر إليها في البت يختلف عما إذا قال أخيرك بين كذا وكذا، فأنت ترين ماذا تختارين لأنظر فيه، ولأبت فيه أنا على ما أريد؛ لأن هذه العبارة تختلف عن هذه العبارة، جعل الأمر إليها ليس ككون الأمر معلقاً بما يبت به ويجزم به، وبما يصير إليه في آخر الأمر.
    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير نساءه اخترنه ولم يعد ذلك طلاقاً؛ لأنهن خيرن بين البقاء والترك فاخترن البقاء، فبقي الأمر على ما هو عليه، ولم يكن هناك طلاق بهذا التخيير الذي قد حصل.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق ثالثة


    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو عمرو بن علي الفلاس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ عن يحيى هو ابن سعيد ].
    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن إسماعيل ].
    إسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عامر ].
    عامر هو ابن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن مسروق ].
    هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    عائشة قد مر ذكرها.

    حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عاصم قال الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت: قد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فلم يكن طلاقاً ]. أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم، التخيير قد حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعد ذلك طلاقاً.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].
    وقد مر ذكره.
    [ حدثنا خالد ].
    هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن شعبة ].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها.
    [ عن عاصم ].
    عاصم وهو ابن سليمان الأحول، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ].
    قد مر ذكرهم.

    حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران عن خالد بن الحارث حدثنا أشعث وهو ابن عبد الملك عن عاصم عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت: قد خير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه فلم يكن طلاقاً ]. أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران ].
    هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
    [ عن خالد ].
    هو خالد بن الحارث وقد مر ذكره.
    [ عن أشعث هو ابن عبد الملك ].
    أشعث وهو: ابن عبد الملك الحمراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عاصم عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ].
    قد مر ذكر هؤلاء الأربعة.

    حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق سادسة


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: قد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفكان طلاقاً! ].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم إلا أن فيه: أنه لما خير نساءه أفكان طلاقاً؛ لأن هناك قال: فلم يكن طلاقاً، وهنا: أفكان طلاقاً! أي: ولم يكن طلاقاً.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق سادسة


    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد ].وقد مر ذكرهما.
    [ عن شعبة ].
    شعبة وقد مر ذكره.
    [ عن سليمان ].
    وهو الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعمش ويأتي ذكره بالاسم أحياناً، ومعرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث، فائدة معرفتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، من لا يفهم ومن لا يعرف يظن أن الأعمش شخص وأن سليمان شخص آخر، لكن من يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان لا يلتبس عليه الأمر.
    [ عن أبي الضحى ].
    أبو الضحى هو مسلم بن صبيح ومشهور بكنيته، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن مسروق عن عائشة ].
    قد مر ذكرهما.

    حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق سابعة


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرني عبد الله بن محمد الضعيف حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعدها علينا شيئاً ]. أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، يعني: خير الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه ولم يعده ذلك طلاقاً، بل بقين في عصمته صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخيير النبي نساءه من طريق سابعة


    قوله: [ أخبرنا عبد الله بن محمد الضعيف ].وهو الطرسوسي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، والضعيف لقب لقب به وهو ليس على ما يتبادر إلى الذهن من لفظ الضعيف، وإنما قيل له الضعيف لكثرة عبادته، أو لنحول جسمه قيل له الضعيف، وقيل: لإتقانه وضبطه، ويكون هذا من قبيل ما يقال للديغ: سليم تفاؤلاً بالسلامة، وأنه لا يضره ما حصل له من اللدغ، فهو مقابل وضد للشيء الذي أطلق عليه، فكلمة ضعيف لا يراد بها الضعف في الحديث والرواية، بل هو قوي وثقة، ولكن هذه نسبة أو وصف في غير ما يتبادر إلى الذهن.
    [عن أبي معاوية].
    هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو معاوية.
    [ عن الأعمش عن مسلم ].
    عن الأعمش عن مسلم، ومسلماً هو: أبو الضحى جاء في إسناد بكنيته، وجاء في إسناد آخر باسمه، ومعرفة كنى أصحاب الأسماء نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدته ألا يظن الشخص الواحد شخصين مثلما جاء أبو الضحى في إسناد، وجاء مسلم في إسناد، من لا يعرف الحقيقة يظن أن أبا الضحى شخص، وأن مسلماً شخص آخر، لكن مسلماً هو ابن صبيح أبو الضحى جاء مرة باسمه ومرة بكنيته.
    [ عن مسروق عن عائشة ].
    قد مر ذكرهما.


    خيار المملوكين يعتقان

    شرح حديث عائشة في خيار عتق المملوكين


    قال المصنف رحمه الله: [ خيار المملوكين يعتقان.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا حماد بن مسعدة حدثنا ابن موهب عن القاسم بن محمد قال: ( كان لـعائشة غلام وجارية، قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ابدئي بالغلام قبل الجارية ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: خيار المملوكين يعتقان.
    المقصود من هذه الترجمة: أن المملوكين عندما يعتقان وهما زوجان، فإذا أعتقت الأمة الزوجة، فإنها تخير إذا بقي زوجها في العبودية بين البقاء وعدمه، وإذا اختارت الفراق فلها ذلك، كما حصل لـبريرة رضي الله عنها عندما اختارت فراق زوجها لما عتقت وهو مملوك، فالخيار إنما يكون للزوجة إذا عتقت قبل الزوج، يعني: وهما مملوكان، هذا هو الذي يفهم من ذكر الخيار في المملوكين يعتقان.
    وأما بالنسبة لكون الرجل يعتق وهي باقية في العبودية، فليس لها خيار، والزوج لا يحتاج إلى خيار؛ لأن الأمر بيده، الطلاق لمن أخذ بالساق، إذا أراد أن يتخلص منها تخلص منها، وإنما الذي يحتاج إلى خيار من أمرها ليس بيدها وإنما بيد الزوج، وعندما تخالفه في العبودية بأن تكون حرة وهو عبد، ولا ترضى بالبقاء معه، فإن الأمر بيدها إن أرادت البقاء بقيت وإن أرادت الفراق فارقت، وليس له حق الإبقاء عليها ما دام أنه عبد وهي حرة.
    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان لها جارية وغلام أي: والغلام زوج الجارية؟ وأرادت أن تعتقهما، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ابدئي بالغلام قبل الجارية ) قيل: إن الحكمة من إرشادها إلى أن تبدأ بالغلام قبل الجارية حتى لا يحصل منها لو أعتقت اختيار فراقه، وإنما يبدأ به لأن البدء به لا يترتب عليه مضرة بالنسبة للزوج؛ لأنها تبقى في عصمته، وإن أراد الخلاص منها سواء في العبودية أو في الحرية، فالأمر بيده في الحالين، لكن المرأة إذا بدأ بها وأعتقها قبل أن يعتق الزوج، وخيرت فاختارت الفراق، تذهب الزوجية. وتنتهي.
    قيل: إن هذه هي الحكمة من إرشادها إلى أن تبدأ بالغلام قبل الأمة، لكن يمكن التخلص من هذا بأن يعتقهما معاً في وقت واحد، ولا يبدأ بأحد منهما، يقول: هما حران، فينتقلان جميعاً من العبودية إلى الحرية، وتبقى الزوجية على ما هي عليه، عبدان ثم صارا حرين، لكن الخيار والشيء الذي يترتب عليه الفرقة هو كونها تعتق قبله، ثم تخير فتختار الفراق، هذا هو معنى هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في خيار عتق المملوكين


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ حدثنا حماد بن مسعدة ].
    حماد بن مسعدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ حدثنا ابن موهب ].
    هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، وقال عنه: ليس بالقوي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن القاسم بن محمد ].
    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها، والحديث جعله الشيخ الألباني في الضعيفة، ولعله من أجل ابن موهب هذا الذي هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب.


    خيار الأمة

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب خيار الأمة.أخبرنا محمد بن سلمة أنبأنا ابن القاسم عن مالك عن ربيعة عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ( كان في بريرة ثلاث سنن: إحدى السنن أنها أعتقت فخيرت في زوجها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم، فقرب إليه خبز وأدم من آدم البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أر برمة فيها لحم؟ فقالوا: بلى يا رسول الله! ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة: خيار الأمة، يعني: إذا عتقت وهي تحت زوج مملوك في الرق فهي تخير بين البقاء معه في عصمته، أو الفراق وعدم البقاء في العصمة.
    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة، وقالت: إن فيها ثلاث سنن، حديث بريرة فيه أمور كثيرة من الفقه، ألف فيه بعض العلماء تأليفاً خاصاً، استوعب واستخرج ما فيه من الفوائد، لكن الذي اشتهر أن ثلاث سنن جاءت في قصة بريرة، واستفيدت مما حصل لـبريرة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أولاً: أنها كانت وزوجها مغيث في الرق فعتقت فخيرت بين البقاء وعدم البقاء، فاختارت الترك وعدم البقاء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الولاء لمن أعتق ) ولو شرط الولاء لغير من أعتق، فإن الولاء إنما يكون لمن أعتق، ويبطل الشرط الذي يخالف الشرع المخالف لهذه السنة.
    والسنة الثالثة: أنها تصدق عليها بلحم وأهدته للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه لها صدقة ولهم هدية، ومعنى هذا أن العين الواحدة إذا تغيرت وانتقلت من ملك، فإنه يتغير وضعها لأنها أعطيت وقدمت لـبريرة على أنها صدقة، ولكنها لما ملكتها تتصرف فيها ما يتصرف الملاك في أملاكهم، فلها أن تبيع، ومن باعت عليه خرج من كونه صدقة، ما يبقى صدقة وقد بيع، وكذلك لو أهدى أو وهب لأحد، فإن وصف الصدقة ذهب عنها، يعني: وصف الصدقة حصل من كونها أعطيت، لكن كونها تتصرف بأن تقدم طعاماً تطبخ وتعطي للناس، أو تهدي أو تبيع من المال الذي تصدق به عليها، فملكها خرج عن كونه صدقه؛ لأن كونها ملكته وتصرفت بكونها تقدم طعاماً لأحد يأكله ولو كان ممن لا تحل له الصدقة؛ لأنه ملكها، فإذا قدمته مطبوخاً أو قدمت شيئاً غير مطبوخ ليطبخ وأهدته، فإنه يكون حلالاً لمن أهدي له ولو كان ممن لا تحل له الصدقة؛ لأن العين الواحدة تغير وضعها من ملك إلى ملك، فهي قبل لما قدمت لـبريرة كانت صدقة، والذي قدمها متصدق، ولكن بريرة لما ملكتها وأعطتها لمن تريد صار هدية، فخرج عن كونه صدقة؛ لأن الصدقة إنما هي في انتقالها من المتصدق إلى المتصدق عليه، وبعد أن ملكها المتصدق عليه فسواء طبخها وقدمها لأحد يأكل ولو كان فيهم من لا تحل له الصدقة، فهو ليس بصدقة منها على من قدم له، وكذلك من إذا أهدي، أو وهب، أو بيع، فإنه يخرج عن كونه صدقة، هذه ثلاث سنن استفيدت، وكان سببها ما حصل لـبريرة رضي الله عنها وأرضاها في قصة مكاتبتها، وأنه حصل قبل عتقها وبعد عتقها هذه السنن الثلاث، التي جاءت مبينة في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة


    قوله [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ أنبأنا ابن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [عن مالك ].
    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، محدث، فقيه، وإمام مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ربيعة ].
    هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن القاسم بن محمد عن عائشة ].
    قد مر ذكرهما.

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثانية


    قال المصنف رحمه الله: [أخبرني محمد بن آدم حدثنا أبو معاوية عن هشام عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: (كان في بريرة ثلاث قضيات: أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، وأعتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، وكان يُتصدق عليها فتهدي لنا منه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلوه، فإنه عليها صدقة وهو لنا هدية ) ].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وقصة بريرة رضي الله عنها أنها كانت عند جماعة، وأنهم كاتبوها، أي: اتفقوا معها على أن تحضر لهم مبلغاً من المال ومنجماً، وإذا أحضرته فإنها تعتق، ويكون الولاء لهم؛ لأنهم هم الذين يعتقون بعد أن يقدم لهم المال، لكن عائشة رضي الله عنها لما جاءت بريرة تستعين بها وتطلب منها المعونة على ما كوتبت عليه قالت عائشة وعرضت عليها: أنا أعد لهم تلك الأشياء التي طلبوها منك عداً دفعة واحدة وأشتريك فهم اللذين يملكون بريرة قالوا: يكون لهم الولاء، يعني: معناه أنهم يأخذون الثمن من عائشة، ولكن يكون لهم الولاء، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الولاء لمن أعتق، لا يكون لغيره، لكن لو بقيت بريرة على مكاتبتها واستعانت بـعائشة وغير عائشة، وكل أعطاها ما أعطاها وجمعت المبلغ وأعطتهم إياه، فهم يعتقونها والولاء لهم، ولكن عائشة أرادت أن تشتريها شراء، وتملكها ثم تعتقها، وتدفع لهم المبلغ الذي طلبوه منها، وتعده لهم عداً، وليس الأمر بحاجة إلى أن تعينها بشيء قليل، بل هي ستدفع المبلغ كله وتشتريها فلم يوافقوا إلا أن يكون لهم الولاء، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الولاء لمن أعتق ) فهذه الأمور الثلاثة التي في قضية بريرة رضي الله عنها وفي قصتها، وهي كانت سبباً في بيان تلك السنن التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثانية


    قوله: [أخبرني محمد بن آدم ].هو محمد بن آدم الجهني، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
    [ حدثنا أبو معاوية ].
    هوأبو معاوية محمد بن خازم الضرير وقد مر ذكره.
    [ عن هشام ].
    هو هشام بن عروة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    هو القاسم بن محمد، وقد مر ذكره.
    [ عن عائشة ].
    قد مر ذكرها.


    خيار الأمة تعتق وزوجها حر

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله: [ باب خيار الأمة تعتق وزوجها حر.أخبرنا قتيبة حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ( اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعتقيها فإنما الولاء لمن أعطى الورق، قالت: فأعتقتها فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها من زوجها، قالت: لو أعطاني كذا وكذا ما أقمت عنده، فاختارت نفسها وكان زوجها حراً ) ].
    أورد النسائي: باب خيار الأمة تعتق وزوجها حر.
    معلوم أن الأمة إذا كانت مملوكة، وكان زوجها حراً، ثم أعتقت، فإنها تساويه في الحرية فلا يكون لها خيار؛ لأنها قبل كانت أنقص منه، وبعد أن عتقت ساوته، فهو كما لو أعتقا جميعاً يبقيان على ما كانا عليه، فهي كانت أنقص منه، ثم بالإعتاق صارت مساوية له فلا تخير.. لا خيار لها، والنسائي عقد هذه الترجمة على ما جاء في الحديث من أنه كان حراً، وأنها اختارت نفسها، وقضية بريرة رضي الله عنها قصة واحدة جاء في بعضه أنه كان حراً، وفي بعض الروايات أنه كان عبداً، وما جاء من أنه كان عبداً هو المحفوظ، وما جاء من أنه كان حراً هو الشاذ، والشاذ هو: ما وجدت فيه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وهو مع سلامة الإسناد، وسلامة رجال الإسناد، إلا أنه يكون مع ذلك شاذاً لا يعتبر، وإنما يعتبر المحفوظ الذي هو مقابل الشاذ، والمحفوظ هو كونه عبداً، وهو الذي يناسب التخيير، وكونه حراً ثم عتقت تكون هي ساوته، فما كان هناك شيء يقتضي أن تخير، وإنما الذي يقتضي أن تخير أن تكون هي أعلى منه وهو أنقص منها، فهذه التي هي تخير.
    إذاً: فقصة بريرة واحدة، جاء في بعضها أن زوجها حر، وأنها خيرت واختارت نفسها، وفي بعضها أنه عبد، والمحفوظ أنه عبد، والشاذ حديث من روى أنه حر.
    فإذاً: لا خيار للأمة إذا عتقت وهي تحت حر؛ لأنها قد ساوته في الحرية، فليس لها ميزة عليه، وإنما يكون لها الخيار إذا كانت فوقه بأن تكون حرة وهو عبد، فهذا هو الذي يكون به التخيير؛ لأنها كانت أعلى منه.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثالثة


    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن جرير].
    هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن منصور].
    هو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن إبراهيم ].
    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الأسود].
    هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، خال إبراهيم النخعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة].
    عائشة قد مر ذكرها.

    حديث عائشة في قصة بريرة من طريق رابعة


    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا عمرو بن علي عن عبد الرحمن حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة (: أنها أرادت أن تشتري بريرة فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، وأتي بلحم فقيل: إن هذا مما تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها حراً )].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق رابعة

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هوعمرو بن علي الفلاس وقد مر ذكره.
    [ عن عبد الرحمن ].
    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن شعبة ].
    شعبة قد مر ذكره.

    [ عن الحكم ].
    هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة].
    قد مر ذكرهم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #451
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (448)

    - (باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك) إلى (باب الظهار)




    للأمة المعتقة الخيار في البقاء مع زوجها المملوك وعدم البقاء؛ لتميزها بالعتق، وقد جعل الشارع للذي يحلف على عدم إتيان زوجته مدة أربعة أشهر إما أن يفيء وإما أن يطلق، دفعاً للضرر عن الزوجة، وإذا ظاهر الرجل من زوجته فقد حرم الله عليه إتيانها حتى يأتي بالكفارة التي ذكرها الله في كتابه.
    خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق خامسة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ( كاتبت بريرة على نفسها بتسع أواق في كل سنة بأوقية، فأتت عائشة تستعينها فقالت: لا، إلا أن يشاءوا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي، فذهبت بريرة فكلمت في ذلك أهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم، فجاءت إلى عائشة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فقالت لها ما قال أهلها، فقالت: لا ها الله إذاً إلا أن يكون الولاء لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقالت: يا رسول الله، إن بريرة أتتني تستعين بي على كتابتها فقلت: لا إلا أن يشاءوا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي فذكرت ذلك لأهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإن الولاء لمن أعتق، ثم قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله عز وجل؟ يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي، كتاب الله عز وجل أحق، وشرط الله أوثق، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها، وكان عبداً فاختارت نفسها، قال عروة: فلو كان حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].
    يقول النسائي رحمه الله: باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك.
    المقصود من هذه الترجمة كما هو واضح: أن العبد والأمة إذا كانا مملوكين وأعتقت الأمة والعبد لا يزال مملوكاً فإن الأمة تخير في أن تبقى مع زوجها أو أن تتخلص منه وتفارقه؛ لأنها لم تعد مساوية له؛ بل تميزت عليه بأن صارت حرة وهو لا يزال مملوكاً، فهما لو أعتقا جميعاً كانا متساويين ويبقى الزواج على ما هو عليه؛ لأنه لا فضل لها عليه ولو أعتق هو وهي لا تزال مملوكة فليس لها خيار؛ لأنه صار أعلى منها من حيث أن بيده الطلاق والعصمة، وهو أعلى منها أيضاً من جهة أنه حصل الحرية وهي لا تزال في العبودية فلا تخير، وقد سبق معنا في بعض الروايات: أن زوجها حر وأنها خيرت، وعرفنا أن تلك الروايات شاذة مخالفة للروايات الأخرى الدالة على أنه مملوك مثل هذه الرواية والروايات التي بعدها.
    ولما أعتقت وهو لا يزال مملوكاً فإنها تخير؛ لأنها زادت عليه وتميزت عليه بالحرية، وهو لا يزال مملوكاً. أورد النسائي حديث عائشة في قصة بريرة، وقد مر هذا الحديث من طرق متعددة، وأورده هنا للاستدلال به على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها مملوك، وهو واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، فقد قال في آخره نقلاً عن عروة بن الزبير قال: فلو كان زوجها حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تكون بإعتاقها ساوت زوجها فلا يكون لها فضلٌ وميزة عليه، بل كانت مساوية له، فيقول: لو كان زوجها حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تخير وقد ساوته في الحرية.
    وبريرة كانت كاتبت أهلها على تسع أواق تدفع في كل سنة أوقية، فإذا مضت السنوات وأدت لهم الذي كاتبتهم عليه فإنها تعتق بذلك والولاء يكون لهم، وقد جاءت إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تطلب منها المعونة على تلك الأقساط وتلك المقادير التي تلزمها كل سنة من أجل أن تظفر بالحرية، فعائشة رضي الله عنها وأرضاها، لم تر أن تعينها على ما كاتبتهم أو كاتبها أهلها عليه، ولكنها أرادت أن تشتريها منهم بالمبلغ الذي قسطوه على تسع سنوات في كل سنة أوقية، فـعائشة تريد أن تدفع لهم التسع الأواق وتعدها لهم ناجزاً وحاضراً، ويكون الولاء لها، على اعتبار أنها هي المعتقة، فلما أخبرتهم بريرة بذلك قالوا: لا، إذا كانت تريد أن تشتريها وتعتقها والولاء لنا فلا بأس، أما إذا كان الولاء ليس لنا فلا.
    ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بالذي حصل، قال: ( الولاء لمن أعتق )، كيف يكون العتق من شخص والولاء لشخص آخر؟! الولاء شيء حصل بسبب العتق يحصل به التوارث وهو كالنسب لا يباع، ولا يوهب، ولا يتصرف فيه وإنما هو تابع لمن حصل منه العتق، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اشترطي لهم، يعني: اشتريها والشيء الذي قالوه وافقيهم عليه، وذلك الذي طلبوه باطل، وهو مخالف لشرع الله ولكتاب الله، فلا عبرة به ولا قيمة له؛ لأن الولاء إنما يكون لمن أعتق، وهم لم يكونوا معتقين، فإذا اشترت عائشة منهم بريرة وأعتقتها فالمعتق هو الذي له الولاء، وليس هم، أما لو بقيت بريرة على المكاتبة وكل سنة تأتي لهم بالمقدار الذي بينها وبينهم وفي الآخر يحصل إعتاقهم إياها فالولاء يكون لهم؛ لأنهم هم الذين أعتقوا، لكن عائشة تريد أن تشتري شراء والذي سيُدفع لهم في تسع سنوات ستدفعه لهم مقدماً، وناجزاً، وعاجلاً، وتكون هي المعتقة، والمعتق هو الذي يكون له الولاء.
    الحاصل: أن الحديث أورده النسائي في أبواب متعددة، ومن طرق مختلفة، وأورده هنا للاستدلال به على أن الأمة المملوكة إذا أعتقت وزوجها لا يزال مملوكاً فإنها تخير في البقاء مع زوجها أو عدم البقاء، فإن اختارت البقاء فالزوجية على ما هي عليه، وإن اختارت الفراق فالأمر يرجع إليها، وبريرة زوجها مغيث رضي الله تعالى عنهما، وقد اختارت فراقه، والنبي صلى الله عليه وسلم شفع له عندها بأن تبقى على ما هم عليه، ولكنها لم ترض بذلك واختارت فراقه ففارقها رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين.
    [ ثم قال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست ..) ].
    الرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الكلام وقال لعائشة ما قال أراد أن يعلن ذلك للناس وأن يبين للناس هذه السنة، وأن يكون ذلك على المنبر حتى تعم الفائدة وحتى ينتشر الخبر والحديث الذي يحدث به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه عندما يحصل أمر منكر من أحد من الناس ويعلن هذا فإنه لا يسمي من حصل منه الأمر المنكر، وإنما يأتي بهذه العبارة: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فلا يسميهم ولا يعينهم، ولكن يبين أن هذا قد حصل، وأن أناساً حصل منهم كذا وكذا، وأن الواجب هو كذا وكذا، فالإنسان الذي حصل منه ذلك الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يتنبه ويعلم أن ما أقدم عليه أمر منكر، وإذا كان أناس ينطبق عليهم هذا الشيء والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم عنهم أيضاً يفهمون أنهم داخلون تحت هذا الإطلاق وتحت هذا الإيماء والتنبيه الذي ليس فيه التصريح بالأسماء وتعيين الذين حصل منهم الخطأ.
    ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله )، وكتاب الله عز وجل يراد به ما هو أعم من القرآن، يعني: يراد به شرع الله، ويراد به ما كتبه الله أي: ما شرعه، وفرضه، وأوجبه سواء كان ذلك في القرآن أو في السنة؛ لأن السنة هي قرينة القرآن، وهي وحي من الله عز وجل، كما أن القرآن وحي، إلا أن القرآن متعبد بتلاوته وموصوف بالإعجاز، والسنة ليست كذلك ولكنها تشترك مع القرآن في أن الأخذ بهما جميعاً لازم، وأمر متعين، ولا يؤخذ بالقرآن وتترك السنة، وإنما يؤخذ بالجميع، ويلتزم الجميع، وعلى هذا فكتاب الله عز وجل يشمل ما هو أوسع من القرآن وما هو أعم؛ لأن السنة قد أرشد إليها القرآن وأمر بالتزامها في قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو داخل في هذا الأمر وهذا النهي، كل السنة من أولها إلى آخرها داخلة تحت هذه الآية، ولهذا لما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لعن النامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة وغيرها مما جاء به الحديث، قال: ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجود في كتاب الله، فكانت واحدة من الصحابيات استعرضت القرآن ولم تجد فيه ما يتعلق بالنامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة فجاءت إلى عبد الله بن مسعود فقالت: إنك قلت: كذا وكذا، وإنني قرأت المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت فيه هذا الذي قلت، فقال رضي الله عنه: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فلعن النامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة موجود في كتاب الله في قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].
    ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي؟!) يعني: أن شخصاً يتولى العتق وشخصاً آخر يكون له الولاء، هذا ليس بصحيح؛ بل من حصل منه العتق فيكون له الولاء، كما أن الإنسان ينسب إلى أبيه ولا ينسب إلى غيره، فكذلك الولاء يضاف إلى صاحب النعمة نعمة الإعتاق ولا يضاف إلى غيره ولا يملكه غيره ولا يتنازل عنه لغيره، لا يبيعه ولا يهبه؛ لأنه ليس شيئاً يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، وإنما هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، ويحصل التوارث بذلك من جانب المعتق حيث يرث العتيق إذا لم توجد العصوبة التي تكون من جهة النسب، ويكون الولاء بدلاً عن العصوبة النسبية المفقودة.
    ( يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي ) المعتق هو الذي له الولاء ولا يكون الولاء لغير المعتق، بل الولاء خاص بالمعتق لا يستطيع المعتق أن يهبه، أو يبيعه؛ لأن هذا شيء مثل النسب لا يتصرف فيه الإنسان بالبيع، والهبة، وإنما هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، ويحصل التوارث بها من جانب واحد وهو جانب المعتق، حيث يرث العتيق إذا لم توجد العصوبة التي من جهة النسب، والتي هي مقدمة على عصوبة الولاء.
    ( كتاب الله عز وجل أحق ) يعني: أحق بالاتباع، وأحق بالأخذ، وأحق بأن يعمل بما فيه ولا يكون العمل بما يخالفه مما يتواطأ عليه الناس ومما يشترطه الناس كاشتراط الولاء لغير المعتق وشرط الله أوثق، وهو الذي يتمسك به، ويؤخذ به، وأما الشرط الذي ليس في شرع الله فإنه لا عبرة به، ولا قيمة له، وهو لاغ وباطل ولا يؤخذ به، وليس له قرار ولا ثبوت، وإنما الثبوت والقرار والأخذ إنما يكون بشرط الله عز وجل الذي هو أوثق.
    ( وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) المقصود: إذا كان يخالف ما جاء في كتاب الله أي: القرآن والسنة، (وإن كان مائة شرط) وإن كثرت تلك الشروط وتضاعفت ووصلت إلى مائة شرط، وهي ليست في كتاب الله فإنها لاغية، وباطلة، ووجودها مثل عدمها.
    ومعنى قوله: (ابتاعيها واشترطي لهم الولاء ) ابتاعيها يعني: اشتريها، وأبرمي الاتفاق معهم، وإذا أصروا فاقبلي منهم ذلك وهو مردود عليهم؛ لأنه يخالف ما جاء في كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
    وليس فيه خدعة، فالولاء لـعائشة رضي الله عنها، لكونها المشترية والمعتقة.
    وأما بالنسبة لتبويب النسائي الأول: وزوجها حر، وهذا: وزوجها مملوك، هل مراده بيان علة حديث بحديث؟
    فالجواب: يحتمل ذلك، لكن كونه يجعل الباب: عتق الأمة وزوجها حر، ثم عتقها وزوجها مملوك فلعله يريد بذلك ما ورد من الروايات في هذا وفي هذا، لكن المحفوظ هو كونه مملوكاً وليس كونه حراً، فيحتمل أن يكون أراد بذلك أن بعض الطرق معلولة، وشاذة، والمحفوظ سواها، ويحتمل غير ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق خامسة

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة، وسفيان الثوري، والبخاري، والدارقطني وعدد قليل من المحدثين، وصف كل واحد منهم بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديث إسحاق بن راهويه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن جرير ].
    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن هشام بن عروة ].
    هو هشام بن عروة بن الزبير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    هو عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عائشة ].
    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصحابية الجليلة، الصديقة بنت الصديق، ذات المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة التي أنزل براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي من أوعية السنة وحفظتها، حفظ الله تعالى بها الشيء الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما الأمور التي تقع بين الرجل وأهل بيته، والتي لا يطلع عليها إلا نساؤه، فإنها حفظت من ذلك ما لم يحفظه غيرها رضي الله عنها وأرضاها.

    حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سادسة وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا المغيرة بن سلمة حدثنا وهيب عن عبيد الله بن عمر عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان زوج بريرة عبداً ].ثم أورد النسائي قطعة مختصرة من حديث بريرة وذلك من حديث عائشة بإسناد آخر، وهو مطابق لما ترجم له من كونه عبداً؛ ولهذا خيرت؛ لأنها تميزت عليه بالحرية، وهو دونها، ولو كان حراً ما خيرت كما قال عروة بن الزبير؛ لأنها إذا عتقت ساوته؛ ولم يكن ميزة عليه حتى تخير، ولكنها تخير حينما صارت لها ميزة عليه بكونه عبداً وهي ظفرت بالحرية.
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن المغيرة بن سلمة ].
    إسحاق بن إبراهيم مر ذكره، والمغيرة بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن وهيب ].
    هو وهيب بن خالد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبيد الله بن عمر ].
    هو: عبيد الله بن عمر العمري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يزيد بن رومان ].
    يزيد بن رومان، ثقة، أيضاً أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عروة عن عائشة ].
    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سابعة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار حدثنا حسين عن زائدة عن سماك عن عبد الرحمن بن القاسم ( عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار فاشترطوا الولاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن ولي النعمة، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً، وأهدت لـعائشة لحماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وضعتم لنا من هذا اللحم، قالت عائشة: تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية ) ].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله من جهة ما ترجم له المصنف وهو كونه مملوكاً، والنبي صلى الله عليه وسلم خيرها لكونه كان مملوكاً، فهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله، وفي قوله: ( الولاء لمن ولي النعمة ) أي: هي نعمة العتق؛ لأن المعتق أنعم على عتيقه بالعتق، ولهذا يقولون في تعريف الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، والله عز وجل يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] أي: أنعمت عليه بالعتق.
    [ ( عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار فاشترطوا الولاء ) ] أي: لهم، أما لو ساعدت بريرة وأعطتها نجوم الكتابة، وبريرة دفعتها لهم فإن الولاء يكون لهم؛ لأنهم أعتقوها بعد أن أخذوا النقود التي جمعتها لهم بريرة، لكن عائشة أرادت الشراء، فتكون هي المعتقة بعد أن تشتري، فكونهم يطلبون الولاء لهم وهم ليسوا معتقين فطلبهم في غير محله، وشرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
    [ ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن ولي النعمة، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً ) ].
    وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى مع زوجها مغيث وهو لا يزال عبداً، وبين أن تفارقه، والمقصود من ذلك: أن زوجها الذي خيرت بفراقه والبقاء معه كان عبداً ولم يكن حراً؛ لأنه لو كان حراً ما خيرت كما قال عروة بن الزبير؛ لأنها ساوته في الحرية، فليس لها ميزة عليه.
    [ ( وأهدت لـعائشة لحماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وضعتم لنا من هذا اللحم، قالت عائشة: تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية ) ].
    ومما حصل لـبريرة أنها تصدق عليها بشيء من اللحم فأهدته إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم سأل عن هذا الذي رآه يطبخ في بيته ولم يقدم له منه شيء، فقيل له: إن هذا تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: هو لها صدقة، ولنا هدية، ومعناه: أنه لما تصدق عليها به ملكته فتتصرف به كيف تشاء، إن باعته فلها أن تبيعه ومن اشتراه ما له علاقة بالصدقة، وإن أهدته لأحد فالمهدى إليه يتصرف فيه، ويستفيد منه، ولا علاقة له بالصدقة؛ لأن العين تغيرت، فاللحم عين، فكان انتقاله من المحسنين الذين أحسنوا إلى بريرة صدقة منهم، ولكنه لما وصل إلى بريرة صار ملكاً لها، فإذا خرج من ملكها عن طريق الهبة أو الهدية، أو البيع فلا يقال: إنه صدقة؛ لأنه تغير وضع العين من كونها صدقة إلى كونها ملكاً يتصرف فيه، فلم تبق صدقة، ولهذا فإن الفقير الذي يتصدق عليه بالشيء إذا طبخ طعاماً، ودعا إليه أناساً، وأكلوا منه لا يقال: إنهم أكلوا صدقة، وإنما أكلوا شيئاً ملكه ذلك الذي أطعمهم إياه، فالذي لا يحل له أكل الصدقة يحل له أن يأكل؛ لأنه خرج عن أن يكون صدقة إلى كونه ملكاً ويتصرف مالكه فيه تصرف الملاك في أملاكهم.


    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سابعة


    قوله: [ أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار ].القاسم بن زكريا بن دينار، ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن حسين ].
    هو حسين بن علي الجعفي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن زائدة ].
    هو زائدة بن قدامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سماك ].
    هو: سماك بن حرب، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة].
    عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها.

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثامنة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير الكرماني حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال: وكان وصي أبيه، قال: وفرقت أن أقول سمعته من أبيك قالت عائشة: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بريرة وأردت أن أشتريها واشترط الولاء لأهلها ) ] كذا صحيح.إذا كان اللفظ: (أشترط الولاء) فهم اشترطوا أن يكون لهم الولاء، لكن هي ما أرادت أن تشترط الولاء لهم، وإنما تريد أن تشترط الولاء لها وليس لهم، لكن يمكن أن يكون اللفظ هكذا: (واشتُرط الولاء) أي: أنهم اشترطوا الولاء.
    [ ( واشترط الولاء لأهلها فقال: اشتريها؛ فإن الولاء لمن أعتق، قال: وخيرت وكان زوجها عبداً ثم قال بعد ذلك: ما أدري، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فقالوا: هذا مما تصدق به على بريرة، قال: هو لها صدقة، ولنا هدية ) ].
    وهو مثل الذي قبله، وفيه قول شعبة لـعبد الرحمن بن القاسم قال عنه: وكان وصي أبيه، أي: القاسم بن محمد، قال: فرقت يعني: خفت أن أقول: سمعته من أبيك، وفرق من الفرق، وهو الخوف، أي: خاف أن يقول له: سمعته من أبيك، يخاطب شعبة عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثامنة


    قوله: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ].هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المشهور أبوه بـابن علية، ثقة، أخرج له النسائي وحده.
    [ عن يحيى بن أبي بكير الكرماني ].
    يحيى بن أبي بكير الكرماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن شعبة ].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه].
    عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة أي: القاسم.
    [عن عائشة].
    عائشة وقد مر ذكرها.


    الإيلاء

    شرح حديث ابن عباس في حكم الإيلاء


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإيلاء.أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو يعفور عن أبي الضحى: تذاكرنا الشهر عنده فقال بعضنا: ثلاثين، وقال بعضنا: تسعاً وعشرين، فقال أبو الضحى: حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( أصبحنا يوماً ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين عند كل امرأة منهن أهلها، فدخلت المسجد فإذا هو ملآن من الناس، قال: فجاء عمر رضي الله عنه فصعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في علّية له فسلم عليه فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فرجع فنادى بلالاً فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، ولكني آليت منهن شهراً، فمكث تسعاً وعشرين ثم نزل فدخل على نسائه ) ].
    أورد النسائي الإيلاء، والإيلاء هو: الحلف على عدم قربان النساء، إما مقيداً بمدة معينة كالشهر، وإما مطلقاً بدون تحديد وتعيين للمدة، والإيلاء جاء في القرآن الكريم أن من آلى من زوجته فله تربص أربعة أشهر إما أن يفيء فيها ويترك ما آل عليه، وإما أن يعزم على الطلاق ويطلقها، والرسول صلى الله عليه وسلم حلف ألا يقرب نساءه شهراً ومكث ذلك الشهر ولما مضى تسع وعشرون دخل على نسائه؛ لأنه أكمل المدة التي آلى عليها، فقيل له: إنك آليت شهراً، قال: الشهر تسعة وعشرون؛ لأن الحد الأدنى في الشهور القمرية: تسعة وعشرون، والحد الأعلى ثلاثون، ما فيه واحد وثلاثون ولا فيه ثمانية وعشرون، إما هذا وإما هذا، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وأشار بيديه ثلاث مرات، ثم عاد فأشار بيديه ثلاث مرات وقبض الإبهام في الثالثة ) ومعناه: مرة يكون ثلاثين، ومرة يكون تسعاً وعشرين، فهو إما هذا وإما هذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما آلى من نسائه شهراً، وجلس في غرفة وفي مكان مرتفع يسمى مشربة، يقال له: علية وجلس فيه شهراً معتزلاً نساءه، وكان أشيع أنه طلق نساءه، وجاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه كان في بستان له في عوالي المدينة، وكان يتناوب مع جار له بحيث ينزل هذا يوماً وهذا يوماً، ثم من نزل عندما يأتي في المساء يخبر صاحبه بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث، ولما كان اليوم الذي ينزل فيه صاحبه، جاء وطرق عليه الباب بشدة، وبشيء يظهر فيه الذعر، والخوف، فجاء عمر رضي الله عنه، وقال: ما هذا؟ قال: الرسول صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فنزل وجاء إلى حفصة وتكلم معها ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واستأذن، ولما دخل عليه بادر وقال: يا رسول الله! أطلقت نساءك؟ قال: لا، فكبر عمر وحمد الله عز وجل، وفرح وسُر بما حصل من كونه صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، وإنما اعتزلهن شهراً، والقرآن جاء فيه قول الله عز وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227] يعني: إما أن يتركوا في خلال هذه المدة ويفيئوا وإما أن يعزموا الطلاق، ولا يبقى تعليق مستمر، ويستمر ذلك التعليق إلى غير نهاية، بل إما هذا وإما هذا، والرسول صلى الله عليه وسلم ما حلف على أن لا يقرب نساءه مدة مطلقة، وإنما حلف على شهر وقد أنهى ذلك الشهر ثم جاء إلى نسائه صلى الله عليه وسلم، ولما دخل وكان آلى شهراً وقد مضى تسع وعشرون وكن يعددنها عداً قالوا: إنك آليت شهراً، وإن اليوم تسع وعشرون قال: الشهر تسع وعشرون.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الإيلاء

    قوله: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري ].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري، ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
    [ عن مروان بن معاوية ].
    مروان بن معاوية الفزاري، ثقة، يدلس تدليس الشيوخ، وتدليس الشيوخ غير تدليس الإسناد، تدليس الشيوخ هو: أن يعمد إلى شيخ من شيوخه معروف بشهرة فيذكره بغير ما اشتهر به، بأن يذكر كنيته وكنية أبيه ولا يذكر اسمه ولا اسم أبيه، أو يذكر اسمه وكنية أبيه، المهم أنه يذكر شيخه بغير ما اشتهر به، هذه الطريقة فيها تدليس؛ لأن فيها توعير الطريق لمعرفة الشخص، وقد يقال: إن الشخص غير معروف، مجهول لم نقف له على ترجمة، ولكن سبب الجهالة هو التدليس في كونه ذكر بغير ما اشتهر به، وقد ذكروا عن مروان بن معاوية الفزاري أنه كان يدلس تدليس الشيوخ، أما تدليس الإسناد فهو: أن يروي الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع: كعن أو قال، يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع.
    [ عن أبي يعفور ].
    أبو يعفور الأصغر، وهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبي الضحى ].
    أبو الضحى مسلم بن صبيح، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حديث أنس في حكم الإيلاء وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا خالد حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً في مشربة له، فمكث تسعاً وعشرين ليلة ثم نزل، فقيل: يا رسول الله، أليس آليت على شهر؟ قال: الشهر تسع وعشرون ) ].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو مثل حديث ابن عباس المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهراً وجلس في مشربة والمشربة: غرفة في مكان مرتفع وهناك قال: علية، وهناك قال: مشربة، والمقصود بها شيء واحد، ولما مضى تسع وعشرون نزل، وهذا يفيد أنه كان في مكان عالٍ، يعني: نزل من ذلك المكان الذي وصف بأنه علية في الحديث السابق، فقيل: إنك آليت شهراً، فقال: الشهر تسع وعشرون.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى ].
    هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ عن خالد ].
    هو: خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حميد ].
    هو: حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أنس بن مالك ].
    رضي الله عنه خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأن أعلى ما يكون عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات والرباعيات كثيرة في النسائي، لا يمر بنا الإسناد والعدد الذي بين النسائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، والنسائي توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهو من أعلى ما يكون عند النسائي، وقد عرفنا فيما مضى أن أنزل ما عند النسائي العشاريات، أي: الذي إسناده عشرة أشخاص بين النسائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر بنا حديث في فضل قل هو الله أحد، وقال النسائي عنه: إن هذا أطول إسناد.


    الظهار

    شرح حديث ابن عباس في حكم الظهار


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الظهار.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي فوقعت قبل أن أكفر، قال: وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، فقال: لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله عز وجل ) ].
    أورد النسائي باب الظهار، والظهار هو: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، وقد جاء ذكره في القرآن في سورة المجادلة، وبين الكفارة التي تكون على من ظاهر وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، وتكون الكفارة قبل المسيس، فاذا كفر ساغ له المسيس.
    أورد النسائي حديث ابن عباس، أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: إنه رأى خلخالها في ضوء القمر فأقدم على ما أقدم عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أي: لا تقربها مرة ثانية؛ لأن المرة الأولى قد حصلت فأرشده ألا يقربها، أو الحكم أنه لا يجوز قرب المرأة التي حصلت المظاهرة منها إلا بعد أن يكفر الإنسان الكفارة التي أمر الله عز وجل بها في أول سورة المجادلة: بأن يعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام أطعم ستين مسكيناً، والكفارة متقدمة على مسيس الزوجة، فلابد من تقديم الكفارة على ذلك، لكن هذا الذي استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألزمه بشيء لكونه خالف ما نهي عنه، ولكنه أرشده إلى ألا يقربها إلا بعد أن يفعل ما أمره الله عز وجل به من الكفارة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الظهار

    قوله: [ أخبرنا الحسين بن حريث ].هو الحسين بن حريث المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن الفضل بن موسى ].
    هو الفضل بن موسى المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن معمر ].
    هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الحكم بن أبان ].
    الحكم بن أبان، صدوق، له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عكرمة ].
    عكرمة مولى ابن عباس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    وقد مر ذكره.

    حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: ( تظاهر رجل من امرأته فأصابها قبل أن يكفر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: رحمك الله يا رسول الله! رأيت خلخالها أو ساقيها في ضوء القمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل ) ].أورد النسائي الحديث من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.
    قوله: [ أخبرنا محمد بن رافع ].
    هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن عبد الرزاق ].
    هو ابن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة ].
    وقد مر ذكرهم.
    [ولم يذكر ابن عباس].
    ولم يذكر ابن عباس فهو مرسل، لكن كما هو معلوم الإسناد الذي قبله فيه الصريح بـابن عباس.

    شرح حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثالثة


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا المعتمر (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر قال: سمعت الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة قال: ( أتى رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! إنه ظاهر من امرأته ثم غشيها قبل أن يفعل ما عليه، قال: ما حملك على ذلك؟ قال: يا نبي الله! رأيت بياض ساقيها في القمر، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فاعتزل حتى تقضي ما عليك، وقال إسحاق في حديثه: فاعتزلها حتى تقضي ما عليك ) واللفظ لـمحمد، قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند، والله سبحانه وتعالى أعلم ].فهذا الحديث من الأحاديث المتعلقة بالظهار، وقد سبق بعض الأحاديث في ذلك، وهذا الحديث عن عكرمة مرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر فيه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أنه ظاهر من امرأته، أي: قال لها: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، وأنه غشيها، أي: وطئها قبل أن يفعل ما عليه، أي: قبل أن يقوم بالشيء الذي أمر الله أن يفعل، وهو أن يعتق رقبة قبل المسيس، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، هذا هو الواجب عليه قبل المسيس كما جاء منصوصاً عليه في القرآن الكريم، ولكن هذا الرجل غشيها قبل أن يفعل ما عليه من الكفارة، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فعل أمراً خلاف ما جاء في القرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما حملك على ذلك؟ يعني: ما الذي دفعك إلى أن تفعل هذا الفعل، والله عز وجل إنما أذن في ذلك بعد الكفارة؟ فقال: إنه رأى ساقيها في ضوء القمر، أي: حصل له شيء دفعه إلى أن يقدم على هذا الذي أقدم عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اعتزل حتى تفعل ما أمرك الله، وعند الشيخ الثاني: اعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله، ولم يترتب على ذلك حكم، يعني: لم يلزمه بشيء بكونه حصلت منه هذه المخالفة، وإنما أرشده إلى أن عليه أن يأتي بالكفارة قبل المسيس.
    وكونه فعل هذا الفعل قبل المسيس لم يلزمه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بسبب ذلك، ولكنه أرشده إلى عدم قربانها إلا بعد المسيس، وهذا إسناد مرسل، والمرسل هو ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو حصل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، بمعنى: يحكي ما يحكيه الصحابي، ومن المعلوم أنه لم يدرك، فعلى هذا يكون مرسلاً، وهذا المرسل سبق أن مر في بعض الطرق تسمية الصحابي فيكون صحيحاً بما تقدم من المسند المضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنسائي قال: إن المرسل أولى بالصواب من المسند، والمسند ثابت، والقصة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أرشده إلى ذلك أي: إلى أنه لا يقربها إلا بعد الكفارة، وقد سبقت الأحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثالثة


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المروزي الحنظلي، ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن المعتمر].
    هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ح وأنبأنا محمد بن عبد الأعلى].
    ثم أتى بـ(ح) الدالة على التحويل والتحول من إسناد إلى إسناد، ومحمد بن عبد الأعلى، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن المعتمر عن الحكم بن أبان ].
    المعتمر عن الحكم بن أبان، والحكم بن أبان، صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عكرمة ].
    هو عكرمة مولى ابن عباس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ...)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] ]. أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، الذي قالت فيه: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، أي: أنه ما من صوت ولو دق وخفي إلا والله تعالى يسمعه، وقد وسعه سمع الله عز وجل الذي يسمع كل شيء، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو يدل على إثبات صفة السمع لله عز وجل، وأن سمع الله عز وجل لا يخفى عليه شيء، فما من صوت ولو دق ولو خفي إلا والله عز وجل يسمعه؛ لأنه هو السميع العليم.
    قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، هذا الكلام ثم وضحت ذلك: بأن خولة بنت حكيم جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها وتجادله فيه، وكان كلامها مع رسول الله سراً، ويخفى على عائشة شيء منه، والله عز وجل سمع هذا الكلام الذي خفي على عائشة؛ لأنه عز وجل يسمع السر والنجوى، ويسمع الخفي والجلي من الأصوات، وقد وسع سمعه الأصوات سبحانه وتعالى، فهو دال على إثبات صفة السمع لله عز وجل، وأن سمعه محيط بكل صوت، وبكل شيء له صوت.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ...)

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم قد مر ذكره.
    [ عن جرير ].
    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الأعمش ].
    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن تميم بن سلمة ].
    تميم بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن عروة ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].
    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق التي حفظ الله بها الكثير من سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #452
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (449)

    - (باب ما جاء في الخلع) إلى (باب اللعان في قذف الرجل زوجته برجل بعينه)




    إن من وسائل الفرقة بين الزوجين المخالعة واللعان، والأول يكون الأمر فيه راجعاً للمرأة إذا أرادت أن تفتدي نفسها من الزوج بأن تدفع له مالاً مقابل تطليقه إياها، أما الثاني وهو اللعان فيلجأ إليه إذا اتهم الرجل زوجته بالزنا ولم تعترف هي بذلك، ولا أتى هو بأربعة شهداء على ذلك، فعندها تكون الملاعنة بينهما، والتي ينتج عنها فرقة أبدية بينهما.

    ما جاء في الخلع


    شرح حديث: (المنتزعات والمختلعات هن المنافقات)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الخلع.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا المخزومي وهو المغيرة بن سلمة حدثنا وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( المنتزعات والمختلعات هن المنافقات ) قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، قال أبو عبد الرحمن: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئاً ].
    أورد النسائي باب: ما جاء في الخلع، الخلع هو: كون المرأة تفتدي نفسها من زوجها بأن تدفع له مالاً لتتخلص منه، المرأة تفتدي نفسها من زوجها تريد الخلاص منه، وهو لا يريد طلاقها ولكنها تريد أن تدفع له مالاً حتى يطلقها، وتتخلص منه بذلك المبلغ الذي تدفعه له في مقابل تخلية سبيلها، هذه هو الخلع، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المنتزعات والمختلعات هن المنافقات ) المنتزعات المراد بهن اللاتي يطلبن الطلاق بغير عذر وبغير سبب يقتضي ذلك الطلب، والمختلعات اللاتي يفتدين أنفسهن من أزواجهن بمال يدفعنه للخلاص منهم بدون أمر يقتضي ذلك، وصفهن بأنهن المنافقات، وهذا النفاق من المعلوم أنه نفاق عملي وليس اعتقادياً، ومن المعلوم أن النفاق العملي من أمثلته كما جاء في الأحاديث: ( إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر )، فهذه من أمثلة النفاق العملي، أما الاعتقادي فهو كفر مخرج من الملة، والمنافقون النفاق الاعتقادي هم في الدرك الأسفل من النار، وهم خالدون مخلدون في النار، لكن تجري عليهم أحكام الإسلام ظاهراً، لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فهم في الآخرة خالدون مخلدون في النار، وهم في الدرك الأسفل من النار، لكن النفاق العملي هو من جملة الذنوب والمعاصي والكبائر التي أمرها إلى الله عز وجل، فالذي يناسب المقام هنا أن النفاق المراد به النفاق العملي وليس الاعتقادي، وذكر في الحاشية أنه المقصود بذلك، أنهن لا يدخلن الجنة في أول الأمر مع من يدخلها، وهذا لا يتأتى إلا بالنفاق العملي؛ لأن النفاق الاعتقادي لا سبيل إلى دخول الجنة لأهله لا في الأول ولا في الآخر، بل ليس هناك إلا النار والخلود في النار أبد الآباد، وعلى هذا فالنفاق المذكور في الحديث هو نفاق العمل الذي هو من جملة المعاصي والذنوب، وليس نفاقاً اعتقادياً الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار، والذي لا سبيل إلى خروجه من النار أبداً، بل هو خالد مخلد فيها أبد الآبدين والعياذ بالله.
    فالمنتزعات والمختلعات هن المنافقات، وقد عرفنا أن المنتزعات الطالبات للطلاق بدون سبب، والمختلعات اللاتي يدفعن المال للحصول على الفكاك من أزواجهن وذلك بدون سبب.
    قوله: (قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة).
    قول الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة وهذا يفيد أنه سمعه من أبي هريرة، وعلى هذا يكون متصلاً ولا انقطاع فيه، وسماع الحسن من أبي هريرة اختلف فيه هل سمع منه أو لم يسمع، والنسائي قال بعد ذلك أنه لم يسمع شيئاً، ولكن كلام الحسن يدل على سماعه هذا الحديث من أبي هريرة، وهو يدل على ثبوت سماعه في الجملة وإن لم يكن سمع منه الكثير وإنما سمع منه شيئاً ولكن هذا الحديث مما سمعه منه لقوله: لم أسمعه من غير أبي هريرة، ففيه إثبات سماعه هذا الحديث من أبي هريرة.
    فهو متصل، ولا انقطاع فيه، ولا تدليس فيه، لحصول التصريح بالسماع من الحسن نفسه، وأنه سمع من أبي هريرة، وفيه أيضاً دليل على سماع الحسن من أبي هريرة بالجملة.


    تراجم رجال إسناد حديث: (المنتزعات والمختلعات هن المنافقات)


    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا المخزومي وهو المغيرة بن سلمة ].هو المغيرة بن سلمة المخزومي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن وهيب ].
    هو وهيب بن خالد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أيوب ].
    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الحسن ].
    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي هريرة ].
    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث حبيبة بنت سهل في اختلاعها من زوجها ثابت بن قيس


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن سلمة أنبأنا ابن القاسم عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن ( أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل رضي الله عنها أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة: يا رسول الله! كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـثابت: خذ منها، فأخذ منها وجلست في أهلها ) ].أورد النسائي حديث حبيبة بنت سهل رضي الله عنها، في قصتها مع زوجها ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي وكان في ذهابه إلى صلاة الصبح، فسأل عنها فأخبرته باسمها، وقال لها: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها، تعني زوجها، يعني: لا أنا مجتمعة معه ولا ثابت مجتمع معي، يعني: معناه أنني لا أريد البقاء معه، فجاء ثابت وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن حبيبة بنت سهل ذكرت ما شاء الله أن تذكر، قالت: إن ما أعطاني عندي، يعني: تريد أن ترد عليه ما أعطاها وأن تتخلص منه بأن يطلقها ويأخذ الشيء الذي أعطاها، فدفعت إليه ما أعطاها وجلست عند أهلها، يعني: أنها ظفرت بما تريد من الفكاك والخلاص منه.
    وجاء في الحديث في الرواية التي ستأتي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يأخذ الحديقة وأن يطلقها تطليقة، لكن هذه التطليقة تكون بائنة ليس له الرجعة فيها، وتعتد بحيضة تستبرئ بها رحمها ثم بعد ذلك تنتهي عدتها ويمكنها أن تتزوج، ويمكن أن ترجع إليه بعقد إذا أرادت الرجوع إليه.

    تراجم رجال إسناد حديث حبيبة بنت سهل في اختلاعها من زوجها ثابت بن قيس


    قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن ابن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
    [ عن مالك ].
    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى بن سعيد ].
    هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عمرة بنت عبد الرحمن ].
    هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وهي ثقة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حبيبة بنت سهل ].
    حبيبة بنت سهل صحابية، أخرج حديثها أبو داود، والنسائي.

    شرح حديث ابن عباس في مخالعة حبيبة بنت سهل لزوجها ثابت بن قيس


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أزهر بن جميل حدثنا عبد الوهاب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس أما إني ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) ].أورد النسائي حديث ابن عباس في قصة حبيبة بنت سهل، وطلبها الخلع من زوجها ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنهما، وهو مثل الذي قبله، إلا أنه هنا نص على الشيء الذي أخذته منه وهي الحديقة، والنبي صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن ترد عليه الحديقة، فوافقت فقال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة، وفي هذا الحديث أيضاً أنها أثنت على ثابت بن قيس بن شماس، وأنها لا تعيبه في خلق، ولا في دين، ولكنها ليس في قلبها مودة له ومحبة له، ولا تريد البقاء معه، وقالت: إنها تكره الكفر والمقصود من ذلك قيل: أخلاق الكفار، أو ما يؤول إليه الأمر لو بقيت معه وحصل البغض الشديد فقد يؤدي ذلك إلى أمر خطير، فهي تريد الخلاص منه ولا تعيبه في خلق ولا دين، ولكنها تبغضه ولم يجعل الله في قلبها له مودة، ولهذا هي تريد الخلاص منه وترد إليه الشيء الذي أخذته منه، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجابها إلى ما طلبت وطلب من زوجها ثابت أن يقبل الحديقة، وأن يطلقها تطليقة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في مخالعة حبيبة بنت سهل لزوجها ثابت بن قيس


    قوله: [ أخبرنا أزهر بن جميل ].أزهر بن جميل صدوق، أخرج حديثه البخاري، والنسائي.
    [ عن عبد الوهاب ].
    عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن خالد ].
    خالد بن مهران المشهور بـالحذاء، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحذاء لقب به وقيل: إنه لقب به لكونه كان يجالس الحذائين، فنسب إليهم أو إلى عملهم وإن لم يكن يعمل الحذاء أو يبيع الحذاء، فليس بائعاً للأحذية ولا عاملاً لها، وإنما كان يجالس الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن الذي يسبق إلى الذهن أنه يصنع الأحذية أو أنه يبيع الأحذية وهو لا هذا ولا هذا، ولكنه كان يجالس الحذائين، وقيل: إنه كان إذا كان عند الحذاء قال له: احذ على كذا، أعطاه مقاساً وقال له: احذ على كذا، يعني: اعمل نعلاً على هذا الوصف وعلى هذا المنوال فقيل له: الحذاء، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].
    عكرمة مر ذكره، وابن عباس هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ابن عباس في وصف الرجل زوجته أنها لا ترد يد لامس


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى حدثنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس، فقال: غربها إن شئت، قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، قال: استمتع بها ) ].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن امرأته لا ترد يد لامس، والمقصود من ذلك: أنها عندها شيء من الانطلاق وعدم التحرز، وعندها شيء من التبذل، وليس معناه أنها كانت تفعل الفاحشة وتزني، وإنما عندها شيء من السعة، وشيء من الانطلاق والكلام مع الرجال، وما إلى ذلك من الأشياء المذمومة، ولكن ليس من شأنها أنها تزني والعياذ بالله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأذن له ولا يأمره بأن يبقى مع زانية، لأن زنا المرأة فيه تخريب البيوت، وتلويث الفراش، وإلحاق الولد في غير أهله، بأن تلحق في زوجها من ليس له بسبب الزنا والعياذ بالله.
    إذاً: المقصود: أنها عندها شيء من السعة، وليس عندها تحرز وابتعاد عن الرجال، بل كانت تتكلم مع الرجال وتبرز للرجال، ولكنها لا تعرف بالزنا؛ لأنها لو كانت كذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بإمساكها وأن يبقى معها، بل من حقه أن يطلقها، وأن يتخلص منها، وأن يبتعد عنها، إذا كانت تلوث فراشه، وتكون سبباً في أن تلحق به من ليس منه، فهذا هو معنى كونها لا ترد يد لامس.
    وقيل المقصود: أنها يدها سخية، وأن من جاء يطلب منها شيئاً أعطته، وهذا لا يستقيم لأنه لا يقال: لامس، وإنما يقال: ملتمس، الذي يريد شيئاً ويريد رفداً ويريد عطاء يقال له: ملتمس ولا يقال له: لامس، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: غربها إن شئت يعني: بعدها، يعني: ابتعد عنها بالطلاق، وقوله: إن شئت، يعني: الأمر إليك، قال: أخشى أن تتبعها نفسي، يعني: أنه إذا طلقها، وهو يحبها، وهو متعلق بها، أن ينشغل بها، وأن تتبعها نفسه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: أمسكها، فأمره إياه بالإمساك يدل على أن ما ذكر عنها ليس زنا، ولكنه صفات ذميمة هي الانطلاق، والسعة، والكلام مع الرجال، وما إلى ذلك، يعني: مما يوصف أو توصف المرأة به بأن يقال في المثل للمرأة التي تكون بهذا الوصف والمتبذلة: استديكت الدجاجة، وعكسها الرجل الذي يتصف بصفات النساء يقال: استنوق الجمل، فاستديكت الدجاجة يعني: صار عندها اتصاف بصفات الديكة، فكذلك تلك المرأة عندها مرح، وعندها كلام مع الرجال، وعندها حديث مع الرجال، وعندها عدم تستر وما إلى ذلك ولا يصل إلى حد الزنا.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في وصف الرجل زوجته بأنها لا ترد يد لامس


    قوله: [ أخبرنا الحسين بن حريث ].هو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
    [ عن الفضل بن موسى ].
    هو الفضل بن موسى المروزي، وهو ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الحسين بن واقد ].
    هو الحسين بن واقد المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عمارة بن أبي حفصة ].
    عمارة بن أبي حفصة ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].
    مر ذكرهما.

    حديث ابن عباس في وصف الرجل زوجته أنها لا ترد يد لامس من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن تحتي امرأة لا ترد يد لامس، قال: طلقها، قال: إني لا أصبر عنها، قال: فأمسكها ) قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب مرسل ].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.
    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل ].
    إسحاق بن إبراهيم مر ذكره، والنضر بن شميل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن حماد بن سلمة ].
    هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن هارون بن رئاب ].
    هارون بن رئاب أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
    [ عن عبد الله بن عبيد بن عمير ].
    هو عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن ابن عباس ].
    ابن عباس رضي الله عنه مر ذكره.

    توجيه إيراد النسائي لهذا الحديث والذي قبله في باب الخلع


    [ قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب مرسل ].قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب مرسل، يعني: أنه ليس فيه ذكر ابن عباس، وإنما هو عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ذكرهما في الخلع، ولا يتضح دخولهما في الخلع؛ لأنه يمكن أن يكون إدخاله إياهما في الخلع أنه أنكر عليها شيئاً وأنه لو طلقها لذهب ماله، فيعني له أن يفتدي بأن يأخذ شيئاً، لعل هذا هو السبب الذي جعله يورد أن من حقه أن يأخذه؛ لأنه يريد أن يطلقها لأنه يعيب عليها شيئاً، فإذا أخذ شيئاً منها فإنه أخذ بحق؛ لأنه تزوجها ودفع لها ماله فلو طلقها والجناية منها والخطأ منها يكون فات عليه ذلك الشيء، لعل هذا هو السبب أو الوجه لإيراد الحديث من الطريقين في هذا الباب الذي هو باب الخلع، وليس فيه تصريح بالخلع، ولكن فيه إشارة إلى أن من حقه أن يأخذ منها شيئاً، لأن السبب منها.


    بدء اللعان

    شرح حديث سهل بن سعد في بدء اللعان


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بدء اللعان.أخبرنا محمد بن معمر حدثنا أبو داود حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عن الزهري عن سهل بن سعد رضي الله عنهما عن عاصم بن عدي رضي الله عنه أنه قال: ( جاءني عويمر رجل من بني العجلان فقال: أي عاصم! أرأيتم رجلاً رأى مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل يا عاصم، سل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عاصم عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وكرهها، فجاءه عويمر فقال: ما صنعت يا عاصم، فقال: صنعت أنك لم تأتني بخير، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، قال عويمر: والله لأسألن عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزل الله عز وجل فيك وفي صاحبتك فائت بها، قال سهل: وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها فتلاعنا، فقال: يا رسول الله، والله لئن أمسكتها لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها، فصارت سنة المتلاعنين ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي بدء اللعان، يعني: أول ما بدأ وأول ما جاء التشريع فيه: أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي رضي الله تعالى عنهما، وقال: لو أن رجلاً وجد على امرأته رجلاً فقتله أتقتلونه؟ سل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فجاء عاصم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فسأله، فالرسول صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها، يعني: مثل هذه المسائل التي فيها ضرر وفيها مشقة وأمرها أمر مكروه، يعني: هذا الذي سئل عنه، فرجع وأخبر عويمراً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عاب المسائل وكرهها، فقال: لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك قرآناً فائت بها، وأتى بها وتلاعنا، فصارت سنة المتلاعنين، يعني: أن هذا سنة يسار عليها في حق من قذف زوجته بالزنا، وليس له شهود أربعة يشهدون بذلك، فإن أمامه اللعان، واللعان هو كما جاء في القرآن يشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ينتقل إليها وتشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم يفرق بينهما إذا تم اللعان، فكانت هذه القصة التي نزلت فيها هذه الآية سنة للمتلاعنين يسار عليها، ويصار إليها في حق كل من اتهم زوجته بالزنا وليس عنده شهود أربعة يشهدون عليها بذلك وهي لم تعترف؛ لأنها إذا اعترفت ما فيه حاجة إلا اللعان وإذا وجد شهود ليس بحاجة إلى اللعان، ولكن حيث لا شهود ولا اعتراف فيكون التلاعن على الوصف الذي بينه الله عز وجل في كتابه العزيز في أول سورة النور.
    ولو أن المرأة هي التي اتهمت زوجها فليس أمامها إلا إحضار الشهود أو يقام عليها حد القذف.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في بدء اللعان


    قوله: [أخبرنا محمد بن معمر ].محمد بن معمر هو البحراني، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
    [ عن أبي داود ].
    أبو داود سلميان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
    [ عن عبد العزيز بن أبي سلمة ].
    هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ وإبراهيم بن سعد ].
    هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن الزهري ].
    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن سهل بن سعد ].
    هو سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، صحابي جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عاصم بن عدي ].
    عاصم بن عدي رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.


    اللعان بالحبل

    شرح حديث: (لاعن رسول الله بين العجلاني وامرأته وكانت حبلى)


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب اللعان بالحبل.حدثنا أحمد بن علي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عمر بن علي حدثنا إبراهيم بن عقبة عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العجلاني وامرأته وكانت حبلى ) ].
    أورد النسائي: اللعان بالحبل، يعني: بالحمل الذي ينفيه الزوج ويقول: إنها قد زنت، وليس عنده شهود، وسواء حصل لها حمل أو ما حصل لها حمل إذا اتهمها بالزنا وليس عنده شهود فالذي أمامه أن يلاعنها، ولكن الحبل وهو الحمل هو ينفيه؛ لأنه إذا كان اتهمها بالزنا ووجد الحبل، فهو ينفي ذلك الولد وهو يريد التخلص منها ومن حملها فليس أمامه إلا اللعان، أورد النسائي حديث ابن عباس في قصة عويمر العجلاني، وأنه لاعن امرأته وكانت حبلى، يعني: حصلت الملاعنة بينه وبين زوجته التي قذفها بالزنا وكانت حبلى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لاعن رسول الله بين العجلاني وامرأته وكانت حبلى)


    قوله: [ حدثنا أحمد بن علي ].أحمد بن علي هو المروزي، وهو ثقة، أخرج له النسائي.
    [ عن محمد بن أبي بكر ].
    هو محمد بن أبي بكر المقدمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
    [ عن عمر بن علي ].
    عن عمه، وهو عمر بن علي المقدمي، وهو ثقة، يدلس شديداً، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن إبراهيم بن عقبة ].
    هو أخو موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن أبي الزناد ].
    أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن القاسم بن محمد ].
    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    ابن عباس مر ذكره.


    اللعان في قذف الرجل زوجته برجل بعينه

    شرح حديث أنس في قذف الرجل زوجته برجل بعينه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب اللعان في قذف الرجل زوجته برجل بعينه.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الأعلى قال: ( سئل هشام عن الرجل يقذف امرأته، فحدثنا هشام عن محمد قال: سألت أنس بن مالك عن ذلك وأنا أرى أن عنده من ذلك علماً، فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بـشريك بن السحماء وكان أخو البراء بن مالك لأمه، وكان أول من لاعن، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ثم قال: أبصروه فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لـهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعداً أحمش الساقين فهو لـشريك بن السحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعداً أحمش الساقين ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اللعان في قذف الرجل زوجته برجل بعينه، مقصود النسائي من هذه الترجمة هو: أن القذف قد يكون بتعيين، وقد يكون بغير تعيين، والحكم واحد؛ لأنه إذا قذفها بالزنا سواء سمى الذي قذفها به، أو لم يسمه فليس أمامه إلا أن يأتي بأربعة شهود أو يلاعن، وهذه الترجمة فيها شيء مما يدخل تحت الملاعنة، ولكن لا يلزم أن يكون اللعان فيما إذا قذف شخصاً بعينه وعين الشخص الذي قذفها به أو اتهمها به، بل هذا فرد من أفراد القذف وهو قذف الزوج زوجته بالزنا، وكما ذكرت لا فرق بين أن يسمي من يتهم أو لا يسميه، النتيجة واحدة، ولكن النسائي عقد هذه الترجمة لوجود التسمية في حق من قذفت به الزوجة، وذلك أن هلال بن أمية قذف زوجته بـشريك بن السحماء أي: قذفها بأنه حصل الزنا من شريك مع زوجة هلال، قوله:(وكان أخو البراء بن مالك لأمه) ].
    وكان أخو، الأصل أن يكون أخا البراء، يعني: خبر كان، واسمها ضمير يرجع إلى شريك بن السحماء.
    (إن هلال بن أمية قذف امرأته بـشريك بن السحماء وكان أخو البراء بن مالك لأمه).
    وكان أخا البراء بن مالك لأمه، يبدو أنه لـشريك بن السحماء الذي هو أقرب مذكور.
    (وكان أول من لاعن، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ثم قال: أبصروه).
    ثم لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، يعني: لما قذفها بالزنا بهذا الرجل المعين لاعن بينها وبين زوجها، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبصروه، يعني: انظروا الولد إذا جاء.
    (فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لـهلال بن أمية).
    فإن جاء على هذا الوصف فهو لزوجها ومتخلق من وطء زوجها، إن جاء أبيض سبطاً، وهو الذي شعره مسترسل، قضيء العينين، قيل: فاسد العينين إما باحمرارها، أو بوصف آخر من الأوصاف التي تدل على ضرر العينين، وفسر في الحديث تفسيراً لعله من النسائي الذي قال الشيخ كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
    القضيء: طويل شعر العينين ليس بمفتوح العينين ولا جاحظهما.
    طويل شعر العينين ليس بمفتوح العينين، ولا جاحظهما يعني: بل هو بين ذلك.
    (وإن جاءت به أكحل جعداً).
    أكحل يعني: شديد سواد شعر العينين، وجعداً الذي شعره ليس مسترسلاً، وإنما هو منكمش، وفيه تجعد بأن لا يكون مسترسلاً، وإنما يكون يرتفع بعضه إلى بعض، هذا هو الجعد، جعد الشعر الذي هو ضد السبط، السبط هو: المسترسل الذي ليس فيه تجعد وليس فيه تثن، وإنما هو مستقيم.
    (أحمش الساقين).
    أحمش الساقين يعني: دقيق الساقين.
    (فهو لشيرك بن السحماء).
    فهو لـشريك بن السحماء وهو الذي قذفت به، أو اتهمها به والذي قال أنه زنى بزوجته، فالمقصود من ذلك من حيث الشبه، وإلا فإنه لا يكون له من حيث النسب، فلا يلحق ولد الزنا بالزاني، وإنما يلحق بأمه، ويضاف إلى أمه، ولا يضاف إلى الزاني؛ لأن الزاني لا يكتسب من زناه ولد وإنما له الحجر.
    قال: (فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعداً أحمش الساقين).

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في قذف الرجل زوجته برجل بعينه


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الأعلى ].إسحاق بن إبراهيم مر ذكره، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن هشام ].
    هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن محمد ].

    هو ابن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس ].
    هو ابن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #453
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,849

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطلاق

    (450)

    - (باب كيف اللعان) إلى (باب نفي الولد باللعان وإلحاقه بأمه)




    من الأحكام المتعلقة باللعان أن يؤتى بالرجل أولاً فيحلف أربعة أيمان أنه صادق فيما اتهم به امرأته من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً، ثم يؤتى بالمرأة فتحلف أربعة أيمان أنه كاذب في اتهامه لها، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقاً، ثم يعظهما الإمام ويفرق بينهما فلا يجتمعان بعدها أبداً، وإذا قدر ولد فإنه ينسب إلى أمه.

    كيف اللعان


    شرح حديث أنس في كيفية اللعان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف اللعانأخبرنا عمران بن يزيد حدثنا مخلد بن حسين الأزدي حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ( إن أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك، يردد ذلك عليه مراراً، فقال له هلال: والله يا رسول الله إن الله عز وجل ليعلم أني صادق، ولينزلن الله عز وجل عليك ما يبرئ ظهري من الجلد، فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور:6] إلى آخر الآية، فدعا هلالاً فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعيت المرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما أن كان في الرابعة أو الخامسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقفوها فإنها موجبة، فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على اليمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروها فإن جاءت به أبيض سبطاً، قضيء العينين، فهو لـهلال بن أمية، وإن جاءت به آدم جعداً ربعاً حمش الساقين فهو لـشريك بن السحماء، فجاءت به آدم جعداً، ربعاً، حمش الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأن ).
    قال الشيخ: والقضيء، طويل شعر العينين، ليس بمفتوح العين ولا جاحظها، والله سبحانه وتعالى أعلم].
    يقول النسائي رحمه الله: كيف اللعان، ذكر جملة من الأبواب فيما سبق تتعلق باللعان، وهذه الترجمة تتعلق بكيفية اللعان أو الصفة التي يكون عليها اللعان كيف يتم اللعان، هذا هو المقصود من هذه الترجمة.
    أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه هلال بن أمية وأخبره بأنه يتهم شريك بن السحماء في زوجته وأنه وقع عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك، يعني: أن هذا قذف، والقاذف إذا لم يأت بالشهود الذين يثبت بشهادتهم حد الزنا فإنه يكون عليه حد القذف، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأن عليه أن يأتي بأربعة شهود يشهدون بحصول الزنا وإلا فليس هناك إلا الحد والجلد لظهره حد القذف، فقال هلال بن أمية رضي الله عنه: الله يعلم أني صادق، وسينزل الله عليك ما يبرئ ظهري من الجلد، لكونه يعلم أنه صادق فيما قال، فبينما هم كذلك إذ نزلت آية اللعان، فدعا بالمرأة وحصل اللعان بينهما بأن طلب من هلال بن أمية أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعيت المرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ولما جاء عند الخامسة أو الرابعة قال: وقفوها فإنها موجبة، فتلكأت حتى ظنوا أنها ستعترف ثم أقدمت على اليمين وقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، وحصل اللعان، ثم بعد ذلك قال عليه الصلاة والسلام: إن جاءت به -أي: هذا الذي في بطنها- سبطاً قضيء العينين فهو لـهلال بن أمية، وإن جاءت به آدم جعداً ربعاً أحمش الساقين فهو لـشريك بن السحماء فأتت به على الوصف الذي أشار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة لـشريك بن السحماء.
    وقوله: لـشريك، يعني: أنه متخلق من مائه وإلا فإنه لا ينسب إليه، والزاني لا ينسب إليه ولد، ولا يحصل ولداً بزناه، بل ليس له إلا الحد ولا يظفر من زناه أن يحصل ولداً وينسب إليه ولد، لكن قوله: وإن جاءت به كذا فهو كذا وإن جاءت به كذا أي: متخلق من مائه لا أنه يكون ولداً له، والحاصل: أن الحديث دال على كيفية اللعان أو أورده المصنف للدلالة على كيفية اللعان، وقد جاء ذلك مبيناً في القرآن في هذه الآيات التي أشار إليها في الحديث والتي حصل تطبيقها وتنفيذها في حق هذين المتلاعنين، فإنه أجري عليهما ما جاء في القرآن من حصول اللعان الذي هو أن يبدأ بالزوج الذي ادعى زنا زوجته فيشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين أنها زانية، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم يدرأ عنها الحد والعذاب الدنيوي بأن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما يقول، ثم يترتب على ذلك التفريق بين المتلاعنين وأن المرأة لا تحل له أبداً فيفرق بينهما.
    وقوله: (إن أول لعان كان في الإسلام) هذا الذي حصل في قصة هلال بن أمية وزوجته، وقد سبق أن مر في قصة عويمر العجلاني أنه أول لعان، فيحتمل أن تكون هذه الأولية كل أخبر بما علم وأن هذا علم هذا ورأى أنه أول شيء حصل فيه التلاعن، وأحد رأى أن هذا أول شيء حصل فيه التلاعن فكان أن حكى كل الأولية على حسب ما علم، يحتمل أن يكون هذا هو وجه التوفيق بين ذكر الأولية في قصة هلال بن أمية والأولية في قصة عويمر العجلاني الذي سبق أن مر ذكره في بعض الأحاديث فيما يتعلق باللعان.
    قال: (والقضيء طويل شعر العينين).
    والذي يبدو أنه النسائي، ويقول ذلك الراوي عنه أو من دونه، يعني: هذا تفسير لكلمة من كلمات الحديث التي هي من غريب الحديث وهي (قضيء العينين)، فقال: إنه طويل شعر العينين.
    وقوله: (طويل شعر العينين ليس بمفتوح العين ولا جاحظها).
    وقد سبق أن ذكرنا أن بعض العلماء فسر القضيئ بأنه فاسد العين إما لاحمرارها، أو لحصول شيء حصل فيها مما هو مضر بها.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في كيفية اللعان


    قوله: [أخبرنا عمران بن يزيد ].هو عمران بن يزيد الدمشقي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
    [ عن مخلد بن حسين الأزدي ].
    هو مخلد بن حسين الأزدي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي.
    [ عن هشام بن حسان ].
    هشام بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن محمد بن سيرين ].
    محمد بن سيرين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أنس ].
    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، ستة رجال وامرأة واحدة، هؤلاء هم أكثر الصحابة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    اقتصار مسلم في روايته عن بعض الثقات على مقدمته


    الرواية لـمسلم في المقدمة يرمز لها (م ق)، أما في الصحيح فيرمز لها (م)، وكون الشخص يروي له مسلم في المقدمة لا يعني أن يكون لا يحتج به، يعني: المقصود أن هذا هو الذي حصل وهذا هو الذي جرى أن حصلت له رواية في المقدمة، وإلا فإن مسلماً روى في المقدمة لـعبد الله بن الزبير المكي شيخ البخاري الذي روى عنه أول حديث في الصحيح، فإنه روى له مسلم في المقدمة فلا يعني أنه إذا ما روي له في الصحيح أنه يكون فيه كلام؛ لأن كثيراً من الرجال الثقات ما خرج لهم في الصحيح؛ لأن صاحبي الصحيحين ما التزما أن يخرجا لكل ثقة، ولم يلتزما أن يخرجا كل حديث صحيح، فكم من ثقة لم يخرج له في الصحيحين؛ لأن صاحبي الصحيح زهدا فيه، وأنه ليس أهلاً لأن يروى عنه، بل هكذا اتفق أن الأحاديث التي اختاروها ما كان في رجالها بعض هؤلاء الثقات الذين لا كلام فيهم، ومن هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام هذا إمام من الأئمة، ومع ذلك ليس له رواية في الصحيحين، فليس معنى ذلك: أنه ليس أهلاً للرواية عنه؛ لأن القضية كما ذكرت لم يلتزم الشيخان الرواية لكل ثقة، كما أنهما لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، وكما ذكرت مسلم روى لـعبد الله بن الزبير الحميدي المكي في المقدمة وما روى له في الصحيح، وليس ذلك لأن فيه كلاماً، فلا كلام فيه، ولكن هكذا اتفقا، هو ذكر هذا وذكر هذا، أيهما أول لا ندري، لكن معناه تعدد سبب النزول.

    قول الإمام اللهم بين


    شرح حديث ابن عباس في قول الإمام: (اللهم بين) في حضرة المتلاعنين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب قول الإمام: اللهم بين.أخبرنا عيسى بن حماد أنبأنا الليث عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ( ذكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلاً، قال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا بقولي، فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفراً قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدم خدلاً كثير اللحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بين، فوضعت شبيهاً بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فقال رجل لـابن عباس في المجلس: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت هذه؟ قال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام الشر ) ].
    أورد النسائي هذه الترجمة وهي قول الإمام: اللهم بين، يعني: بين الأمر في حق هؤلاء المتلاعنين، وقد أورد النسائي حديث ابن عباس في قصة عاصم بن عدي وعويمر العجلاني الذي سبق أن مر أنه طلب من عاصم أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم وعاب المسائل وكرهها، وجاء وأخبر عويمر بما حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عويمر وقال: إنه لابد وأن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبره، ونزل القرآن ولاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين زوجته أي: بين هذا الرجل الذي جاء بواسطة عاصم بن عدي رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم بين، وذكر صفة الرجل الذي هو الزوج، وصفة الرجل الذي اتهمت به المرأة، وجاء الولد شبيهاً بالرجل الذي اتهمت به المرأة، والذي نفاه الزوج باللعان الذي حصل بينه وبين زوجته.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في قول الإمام: (اللهم بين) في حضرة المتلاعنين


    قوله: [ أخبرنا عيسى بن حماد ].هو عيسى بن حماد التجيبي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
    [ عن الليث ].
    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن يحيى بن سعيد ].
    هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].
    هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ عن أبيه ].
    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [ عن ابن عباس ].
    ابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    وسبق أن مر بنا حديث عن عائشة من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فيما يتعلق بالخلع برقم (3453).
    هذا جاء فيه عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة، وقد جاء في السنن الكبرى: عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وجاء أيضاً في تحفة الأشراف في نفس الحديث الذي هو عند النسائي هذا أنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
    وعلى هذا فتكون هذه الرواية التي هنا فيها سقط وهو سقط عن أبيه، فيحتمل أن يكون ساقط عن أبيه ويحتمل أن تكون (ابن) بين عبد الرحمن والقاسم مصحفة عن (عن)، يعني: جاء (ابن) بدل (عن)، أو أنه سقط منها عن أبيه، أو أنه سقط من الرواية عن أبيه لأنه موجود في تحفة الأشراف الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، يعني: ففيه الواسطة بين عبد الرحمن وبين عائشة وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وهو كذلك في السنن الكبرى، وأنا ذكرت في الدرس الماضي أنني كأنني رأيت في تحفة الأشراف وفي أعلى الصفحات عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة، والواقع أنه حصل فهي تصحيف يعني: بين ابن وعن بالنسبة لي؛ لأن فيه عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة، عن عبد الرحمن عن القاسم عنها، فكنت ظننت أنه عن عبد الرحمن بن القاسم عنها، فتصحفت ابن إلى عن أو عن إلى ابن، مع أن الذي موجود عن عبد الرحمن ولم ينسبه وقال: عن القاسم، عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة، وعلى هذا فالرواية التي مرت بين عبد الرحمن بن القاسم وعائشة القاسم بن محمد فإما أن تكون الرواية كما كانت ولكن صحفت عن إلى ابن فصار عن عبد الرحمن بن القاسم، يعني: صحفت عن ابن القاسم، أو سقط (عن أبيه) بعد عن عبد الرحمن بن القاسم، والذي في تحفة الأشراف: عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، يقول: عبد الرحمن بن القاسم أدرك عائشة يقول: ما أدري.
    وفي الحديث: (ذكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً).
    يعني: يبدو أنه يفسر الحديث الذي سبق أن مر، وهو أنه جاء يسأل عن ذلك، وأن الرسول كره المسائل وعابها.
    ثم قوله: (فقال رجل لـابن عباس في المجلس: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت هذه؟).
    يعني: قال رجل لـابن عباس في المجلس الذي حدث فيه بهذا الحديث: أهذه المرأة التي حصل التلاعن بينها وبين زوجها هي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه؟ فقال: لا، تلك امرأة كانت تظهر الشر في الإسلام، يعني: قال بعض أهل العلم: إن المقصود من ذلك: أنها كانت شاع عنها واشتهر وانتشر بين الناس أنها تأتي بالفاحشة، لكن ما حصل اعتراف ولا حصل بينة، لكن لكونه شاع وانتشر وكان كأنه في حكم المعلوم عند الناس أنها كانت تظهر الشر الذي هو الفاحشة، ولكن الحكم الشرعي لا يكون إلا بثبوت ما يقتضيه وهو إما شهود أربعة يشهدون بالزنا، وإما اعتراف من الزانية أو الزاني، وعند ذلك يقام الحد، وأما مجرد الإشاعة ومجرد الحديث الذي لا يثبت أو لا يكون معه ثبوت بهاتين الطريقتين وهما أربعة شهود أو اعتراف، إما هذا وإما هذا، قال: ( لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه ).

    شرح حديث ابن عباس في قول الإمام: (اللهم بين) في حضرة المتلاعنين من طريق أخرى


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا محمد بن جهضم عن إسماعيل بن جعفر عن يحيى قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم يحدث عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: