(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله! أشعث رأسه مغبرة قدماه! إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) روى هذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الرقاق وفي كتاب الجهاد من صحيحه ، وكذلك روى طريقاً له الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. تعس عبد الدينار تعسَ معناها: هلك، دعاءٌ عليه بالخيبة، والهلاك ضد السعادة، شقيَ وهلك وانكب على وجهه، مثلما لو تعثر الشخص وانكب على وجهه، فكلمة تعسَ: دعاءٌ عليه بالهلاك، إن النبي عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، يدعو على هذا الرجل بالهلاك والشقاء وأن يتعثر وينكب على وجهه، تعس عبد الدينار ) الدينار من الذهب، والدرهم من الفضة، والدينار يساوي عشرة دراهم، في المتوسط هكذا كان الدينار الإسلامي، قال: (عبد الدينار) أضاف العبودية إلى الدينار؛ لأن هذا الرجل تعلق قلبه بالدينار، كما يتعلق قلب العبد بربه، فكان الدينار أكبر همه فقدمه على طاعة ربه، وكذلك كان حاله مع الدرهم، فهذا يبين حال من يعبد الدنيا ويتذلل لها، ويخضع لها، فتكون مناهُ وغايته، فيغضب من أجلها، ويرضى من أجلها، ولذلك سماه عليه الصلاة والسلام عبداً، إنه يجمع الدينار والدرهم من الذهب والفضة من أي وجهٍ كان، قد بذل حياته لهذا الجمع، وهذه المحافظة وهذه التنمية لهذه الدنانير والدراهم مقدماًإياها على طاعة الله، فلو تعارضت مع الشريعة قدمها على الدين، ولذلك كان عبداً لها، لذلك كان سروره وحزنه من أجلها فهو عبدٌ لها، يعمل لها طيلة عمره. (تعسَ عبد الخميصة، تعسَ عبد الخميلة) الخميصة والخميلة: نوعان من القماش والثياب، ثوب الحرير خميصة، وكذلك الخميلة: هي القطيفة، الثوب الذي له خمل من أي شيءٍ كان هذا الخمل، والخميل: هو الأسود من الثياب أيضاً، فالخميصة: كساءٌ جميل، والخميلة: فرشٌ وثير، فهذا الرجل متعلقٌ قلبه ليس بالدينار والدرهم فقط، وإنما أيضاً بالمفارش والثياب، بالحلل والأثاث، فقلبه متعلقٌ بالدنانير والدراهم وما يلبس وما يفرش كل همه في هذه الأشياء،-[اضافه] [(تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعطَ لم يرضَ) هذه الأشياء ليست للحصر، القطيفة، والخميصة، والدينار والدرهم إنما هي على سبيل التمثيل، ولك أن تقول: تعس عبد السيارة، تعس عبد العقار، تعس عبد الملاهي، تعس عبد الصور الذي يتعلق بالصور الجميلة، سواء الرجال أو النساء، قد يكون الرجل عبداً لامرأة يعشقها، بل قد يصرح يقول: أقدم لك عبوديتي، بل قال أحدهم في امرأة له حينما طلقها وندم، قال أبياتاً مكسرة وكان في ضمنها يقول: أنت قِبلتي، وأنت صلاتي]- ليس له همٌ إلا هذه فكان عابداً له، فسماه عبد الخميصة وعبد الخميلة. لقد جعل الدين وسيلةً للدنيا، فالدنيا عنده أعظم، لقد جعل الدنيا هي الأساس وهي المقدمة، فهل اكتفى عليه الصلاة والسلام بالدعاء عليه مرةً تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس.. تعس..؟ لم يكتفِ بذلك -قد دعا أربع مرات على كل عابد لهذه الأشياء، ثم إنه أعاد الدعاء، فقال: (تعس عبد الدينار ) عاوده المرض، انقلب على رأسه، باءَ بالخيبة، خاب وخسرَ، وهذا فيه ترقٍ في الدعاء عليه، لأنه إذا تعسَ، انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه بعدما سقط، وليس هذا فقط دعاء عليه، وإنما تتوالى الأدعية من النبي صلى الله عليه وسلم على عابد الدنيا, يقول: ( وإذا شيك فلا انتقش ) إذا أصابته شوكة (شيك): أصابته شوكة، يدعو عليه ألا يجد أحداً يخرجها له بالمنقاش، ولا يستطيع أن يخرجها هو، هذا الدعاء عليه مرتبط بمقصوده، عكس مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله شوكة فلم يجد من يخرجها، ماذا يصبح بالنسبة للحركة والسعي؟ عاجزاً عن السعي والحركة، وهذا الرجل كل سعيه وحركته من أجل الدنيا، فدعا عليه دعاءً يعطله عن ما نذر نفسه له من الدنيا، ويدعو عليه ألا يستطيع أن يحصل الدنيا، وأن يقعد به المرض، تقعد به صحته عن مواصلة السعي بالدنيا، وإذا وقع في البلاء لا يجد من يترحم عليه، لأن من وقع عليه البلاء فترحم عليه الناس وعطفوا عليه ورقوا له ربما هان عليه الخطب.إذا شيك فلا انتقش)، ولا أحد يخرجها له بالمنقاش، فقد يهتم به أحد ليخرجها له بالمنقاش، لكن يدعو عليه أنه إذا أصابته ولو شوكة، بألا يجد أحداً يخرجها له، فكيف بما هو أعظم من الشوكة؟! إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام يدعو عليه ألا يرق له قلب إنسان، ولا يعطف عليه إنسان، حتى لا تهون عليه مصيبته، ولا يتسلى بكلام الناس وتعزيتهم له، بل إنه يزيد غيظه، لأنه لا يجد أحداً يهتم به، ولا شك أن فرح الأعداء غيظ بالنسبة للمصاب. فما دعا عليه بهذه الدعوات، وتنوعت الدعوات وتكررت وصارت بهذه الشدة إلا لأن هذا الرجل وضعه في غاية السوء، إنه جعل مقصوده ومطلوبه هو المال والدنيا، وسعى للتحصيل بكل سبيلٍ ممكن، حتى صارت نيته مقصورةً على الدنيا يغضب لها ويرضى لها، ولذلك سماه عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر في هذا الحديث دعاءٌ وما هو خبر: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) هذه حال من أصابه شر، لا نال المطلوب ولا تخلص من المكروه، وهذا حال من عبد المال أيضاً. قال في الحديث: (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) محتمل أن يكون المعطي هو الله، ومحتمل أن يكون المعطي إنساناً آخر، فهذا الرجل: إذا أعطاه الله شيئاً ربما يفرح لذلك وينشرح صدره، وإذا ما أعطاه الله قال: (ربي أهانن) سخط على ربه، وسخط على القضاء والقدر، ويحتمل أن يكون المعطي والمانع شخصاً من الأشخاص، مثل حال المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا قال الله عنهم؟ قال جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ . إذاً هذا يرضى إذا أعطي، أعطاه الله أعطاه الناس يرضى إذا أعطي، وإذا لم يعط وحرم ومنع، سخط؛ سخط على الله أو على الناس أو على الإمام أو على أمير الجيش لأنه لا يعطيه، المهم أن يأخذ، وإذا لم يعطَ، فهو ساخط وغاضب يسب ويلعن؛ لأن الهدف عنده هو المال، [من موقع الشيخ محمد المنجد بتصرف ]-----------------ويقول الشيخ صالح ال الشيخ على هذا الحديث فى كفاية المستزيد---- : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَعِسَ عبدُ الدّينارِ تَعِسَ عبدُ الدّرهمِ تَعِسَ عبدُ الخَميصةِتَعِسَ عبدُ الخميلة...) إلى آخر الحديث، وجه الشاهد من ذلك أنه دعا على عبد الدينار وعلى عبد الدرهم وعلى عبد الخميصة، وعبد الدينار هو الذي يعمل العمل لأجل الدينار، ولو لا الدينار لما تحركت همته في العمل، ولولا هذه الخميصة لما تحركت همته في العمل، فأراد العمل وعمل لأجل هذا الدينار، لأجل هذه الدنيا، لأجل الدراهم، لأجل الجاه، لأجل المكانة، لأجل الخميصة الخميلة ونحو ذلك، وقد سماه النبي عليه الصلاة والسلام عابدا للدينار، فدل ذلك على أنه من الشرك؛ لأن العبودية درجات منها عبودية الشرك الأصغر ومنها عبودية الشرك الأكبر.
فالذي يشرك بغير الله جل وعلا الشرك الأكبر هوعابد له أهل الأوثان عبدة للاوثان، وأهل الصليب عبدة للصليب. وكذلك من يعمل الشرك الأصغر ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد لذلك، يقال عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، ومعلوم أن العبد مطيع لسيده, مطيع له أينما وجهه توجه، فهذا الذي حركته وهمته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلا تحرك إليها، بدون النظر هل يوافق ذلك أمر الله جل وعلا أم لا يوافق أمر الله جل وعلا وشرعه. [كفاية المستزيد]