' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'

  1. #1
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,203

    افتراضي ' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'

    ' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'
    للشيخ/ عبد العزيز بن ناصر الجليل
    إن نشر وقراءة وسماع الشبهات والأفكار المنحرفة، سواء كانت على هيئة حوارات، أو محاضرات، أو منتديات، أو تمثيليات.. إلخ. من غير إنكار ولا رد؛ إن كل ذلك مما يجب أن يمنع؛ لكيلا يتشرب القلب بالشبهات، ولكي يحفظ المسلم عمره من أن يضيع فيما لا ينفعه في الآخرة. ولكي لا يتحمل وزر غيره ممن يضلّون بسماعهم، أو قراءتهم لما ينشر من الشبهات، قال تعالى:{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ[25]}[سورة النحل].

    أما من كانت لديه القدرة على رد الشبهات، وتفنيد الباطل وفضحه للناس؛ فإن الأمر حينئذ يختلف، ويصبح في سماع الباطل مصلحة لمعرفة من وراءه، والرد عليه، وفضحه للناس وحمايتهم من خطره وشبهاته.

    وقد حذر الله من حضور المجالس التي يخاض فيها بالباطل، فقال:{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[68]}[سورة الأنعام].

    وقد جعل الله المشارك في مجالس الباطل دون إنكار لما فيها من الأقوال الباطلة من ضمن أهل الباطل؛ وذلك في قوله تعالى:{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[140]}[سورة النساء] .

    وإن مما يؤسف له اليوم تلك المواقف المتميعة من بعض الدعاة تجاه الأقوال المبتدعة والأفكار المنحرفة؛ حيث مكنوا لأهل البدع والعلمنة أن يقولوا باطلهم في مجلاتهم، ومواقعهم الإسلامية في شبكة الإنترنت، أو في بيوتهم، ومنتدياتهم، وألقوا سمعهم إليهم بحجة الحرية الفكرية والنقاش الحر!! حتى أضحت تلك المنابر طريقاً للاختراق الثقافي العلماني والبدعي، وسلماً لتزيين الباطل وتلميع رموزه ودعاته، وأخشى أن يكون أولئك ممّن قال الله فيهم:{يُخْرِبُون َ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ...[2]}[سورة الحشر]. ففي هذا مخالفة لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح رضي الله عنهم.

    أما المخالفة للقرآن الكريم: فكما مر بنا في آية الأنعام، وآية النساء من النهي عن مجالسة الخائضين في الباطل، إلا أن يبين باطلهم وينكر عليهم، في حالة عدم القدرة على منعهم. أما أن تفتح لهم أبواب المجلات والمواقع والبيوت؛ فهذا منكر قد نهى الله عنه أشد النهي، يقول الشيخ السعدي رحمه الله عند قوله تعالى في سورة الأنعام:{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ...[68]}[سورة الأنعام]:'المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله. فأمر الله رسوله أصلاً، وأمته تبعاً، إذا رأوا من يخوض في آيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره. فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة، كان مأموراً به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به. وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق.

    ثم قال:{وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة:{فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[69]}[سورة الأنعام]، أي: ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى'[تفسير السعدي، 2/33].

    ويقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله عند هذه الآية:'... وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم، وإغراء بالتمادي فيه، وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه. والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراءٍ، أو كافر مجاهر. وفي التأويل لنصر المذاهب أو الآراء، مزلقة في البدع واتباع الأهواء، وفتنته أشد من فتنة الأول، فإن أكثر الذين يخوضون في الجدل والمراء من أهل البدع وغيرهم تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق، ويخدمون الشرع، ويؤيدون الأئمة المهتدين، ويخذلون المبتدعين المضلين. ولذلك حذر السلف الصالحون من مجالسة أهل الأهواء أشد مما حذروا من مجالسة الكفار؛ إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يخشى عليه من فتنة المبتدع؛ لأنه يحذر من الأول على ضعف شبهته، ما لا يحذر من الثاني وهو يجيئه من مأمنه'[تفسير المنار، 7/ 506، 507].

    أما ما ورد في السُّنة من النهي عن سماع الباطل، والخوض في آيات الله عز وجل: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: [بِهَذَا أُمِرْتُمْ أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]رواه ابن ماجة وأحمد واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد.

    فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم غضب أشد الغضب وأمرهم بالكف، ولم يفتح لهم باب الحوار والمناظرة بحجة حرية الحوار والفكر!! لأنه صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته يخاف عليهم مما يكون سبباً في زيغهم وانحرافهم.

    وأما ما جاء عن السلف رضي الله عنهم من التشديد على أهل البدع وعدم السماع منهم، أو إعطائهم المجال لطرح أفكارهم وآرائهم: فالروايات في ذلك كثيرة ومن أشهرها:

    موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صبيغ بن عِسْل: فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي. رواه الدارمي واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد.

    فهذا هو فعل عمر رضي الله عنه مع الخائضين في الباطل المتبعين للشبهات؛ حيث لم يمكِّنهم من قول الباطل بحجة النقاش الحر وحرية التفكير!!

    وكان الحسن رحمه الله يقول:' لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم'.

    وكان ابن طاووس جالسًا، فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أيْ بنيَّ أدخل أصبعيك في أذنيك، واشدد لا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف.

    وأختم هذه المواقف بكتاب أرسله سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز إلى الشيخ العلاَّمة محب الدين الخطيب رحمهما الله ينبهه فيه سماحته حول ملحوظة وردت في مقال نشر في المجلة التي كان يصدرها محب الدين الخطيب. فإليك نصَّها:

    'من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم العلاَّمة الشيخ محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر الغراء وفقه الله آمين..سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

    فقد اطلعت على الكلمة المنشورة في مجلتكم الغراء عدد ربيع ثانٍ سنة 76 صفحة 354 للشيخ محمد الطنيخي مدير عام الوعظ والإرشاد للجمهورية المصرية؛ حيث يقول في آخرها ما نصه:'قد علمت أن الإيمان عند جمهور المحققين هو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا التصديق هو مناط الأحكام الأخروية عند أكثرهم؛ لأنه هو المقصود من غير حاجة إلِى إقرار أو غيره؛ فمن صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه، ولم يعمل بجوارحه كان مؤمناً شرعاً عند الله تعالى ومقره الجنة إن شاء الله' انتهى.

    فاستغربت صدور هذا الكلام، ونشره في مجلتكم الغراء الحافلة بالمقالات العلمية، والأدبية النافعة من جهتين:

    إحداهما: صدوره من شخصية كبيرة تمثل الوعظ والإرشاد في بلاد واسعة الأرجاء كثيرة السكان.

    والجهة الثانية: نشره في مجلتكم، وسكوتكم عن التعليق عليه، وهو كلام كما لا يخفى فيه تفريط وإفراط؛ تفريط في جانب الدين، ودعوة إلى الانسلاخ من شرائعه، وعدم التقيد بأحكامه، وإفراط في الإرجاء يظن صاحبه أنه على هدى، ويزعم أنه بمجرد التصديق قد بلغ الذروة في الإيمان، حتى قال بعضهم: إن إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر بناءً على هذا الأصل الفاسد، وهو أن الإيمان مجرد التصديق وأنه لا يتفاضل! ولا شك أن هذا خلاف ما دل عليه القرآن والسُّنَّة، وأجمع عليه سلف الأمة.

    وقد كتبت في رد هذا الباطل كلمة مختصرة تصلكم بطيه، فأرجو نشرها في مجلتكم، وأرجو أن تلاحظوا ما ينشر في المجلة من المقالات التي يخشى من نشرها هدم الإسلام؛ فتريح الناس من شرها والرد عليها لأمرين:

    أحدهما: أن نشر الباطل من غير تعليق عليه نوع من ترويجه والدعوة إليه.

    والثاني: أنه قد يسمع الباطل من لا يسمع الرد عليه فيَغتَرُّ به، ويتَّبع قائله، وربما سمعها جميعاً فعشق الباطل وتمكن من قلبه، ولم يقوَ الردُّ على إزالة ذلك من قلبه؛ فيبقى الناشر للباطل شريكاً لقائله في إثم من ضل به....'[جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز ص 467]. وأقوال السلف ومواقفهم في هذا الشأن كثيرة ومعروفة.

    فهل بعد كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومواقف سلفنا الصالح من كلام أو اجتهاد لمجتهد يرى فتح الباب لأهل الأهواء ليقولوا باطلهم بحرية، ثم يرد عليهم بعد ذلك من شاء؟!

    ويا ليت أن الأمر اقتصر عندهم على سماع الباطل من مواقع أهل الفساد؛ إذن لكان الخطب أهون؛ ولكن المصيبة أن يفتح بعض الإسلاميين صحفهم ومجلاتهم، ومواقعهم، وبيوتهم ومنتدياتهم، ويدعون أهل الأهواء إليها ضيوفاً مكرمين. يتصدرون المجالس، والصفحات، ليقولوا فيها باطلهم، ويُعْطون من الوقت والكتابة ما لا يعطى لأهل الحق وأتباع السلف!!

    إن فتح باب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن لا تعني أن تفتح الأبواب مشرعة لكل فكر دخيل، ورأي سقيم يتطاول على عقيدة الأمة وثوابتها، ولا تعني التمكين له، والاحتفاء به، ونشره بين الخاصة والعامة، بل إن الواجب الشرعي يقتضي نصرة الحق، وردّ الباطل، وكشف زيوفه.

    وعندما ننهى عن التمكين للعلمانيين والمبتدعة في منابرنا الإعلامية، فلا يعني هذا قمع المخالف والتسلط عليه-كما يزعم بعضهم- ، ولا أن أهل الحق أضعف من أن يقيموا الحجة، وأجبن من أن يناظروا غيرهم-كما يزعم آخرون-؛ ولكن لا بد أن تحفظ الأمة بسياج من العلم والتقى يحميانها من شبهات أهل الأهواء، وأحابيل أهل الزيغ والضلال.

    ومناظرة العلمانيين ورءوس المبتدعة لها وسائلها العلمية التي تحقق المقصود بعيداً عن فتنة العامة، وأنصاف المتعلمين الذين لا يقدرون هذه الأمور التقدير الصحيح، وصدق ابن مسعود رضي الله عنه بقوله:'مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ' رواه مسلم.

    وإنني أؤكد هنا أن الرأي الآخر الذي ينبغي أن تفتح له الأبواب، ويقدر أهله، هو الرأي الاجتهادي الذي يسوغ فيه الاختلاف عند علماء الأمة، وهو الرأي الذي يبنى على الدليل والبرهان، وينطلق من ثوابت الأمة، وقواعد الاستدلال العلمي، والحوار في هذه الدائرة هو الذي نص الأئمة على قبوله، وسعة الصدر عند وجوده، فما زال الأئمة يجتهدون ويخالف بعضهم بعضاً في مسائل عديدة، ويتحاورون محاورة علمية تثري العلوم وتحيي الملكات.

    أما الرأي الآخر: الذي يتجاوز ثوابت الأمة، ويتمرد على أصولها وعقيدتها فحقه الهجر، ويجب الرد عليه وكشف انحرافاته. إن هذا الأمر خطير يجب الإقلاع عنه حتى لا يحمل فاعله وزر نفسه، ووزر من يضلهم بأقوال المبطلين بحجة:'الرأي والرأي الآخر!' و'حرية الفكر' كما زعموا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  2. #2
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,519

    افتراضي

    بارك الله في الشيخين الكريمين، الكاتب والناقل عنه.
    وهذه مشاركة في موضوع قديم كتبته قبل بضع سنين.
    من وسائل درء الشبهات والتشكيك : الاحتراس من التأثير الخفي للشبهات :وذلك إما من كثرة ممارسة المناظر والرَّادِّ لأنواع الشبهات والتعامل معها وتردادها .
    وإما من إيرادها على ضعيف الإيمان والعلم .
    فمن كان على أحد هذين فليحترس من تقحُّم ما لا يحسن فيضرُّ نفسه أو غيره بالوقوع في شكوك الشبهات وإيراداتها على القلب .
    قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى : (( فإذا وردت على قلب الزائغ أو الجاهل أدنى شبهة قدحت فيه الشك والريب .
    بخلاف الراسخ في العلم فإنه لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكَّـاً ؛ لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردَّها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة .
    فلا يغتر بذلك بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسها ، فينكشف له حقيقتها .
    ومتى لم يباشر القلب حقيقة العلم قدحت الشبهات في قلبه الشك وبأول وهلة ، فإن تداركها وإلاَّ تتابعت عليه أمثالها حتى يصير شاكاً مرتاباً .
    وأيما قلب ركن إليها تشرَّبها وامتلأ بها ؛ فينضح بها وتتفجَّر على لسانه وجوارحه الشكوك والشبهات والإيرادات ، فيظنُّ الجاهل أنَّ ذلك لسعة علمه ، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه .
    وقال لي شيخ الإسلام [ يعني ابن تيميَّة ] رضي الله عنه ، وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد : ( لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة ؛ فيتشرَّبها فلا ينضح إلاَّ بها .
    ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمرُّ الشبهات بظاهرها ولا تستقرّ فيها ، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته .
    وإلاَّ فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمرُّ عليها صار مقرَّاً للشبهات ) أو كما قال .
    فما علمت أني انتفعت بوصيَّةٍ في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك .
    وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها ، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل ، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر .
    فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها .
    واما صاحب العلم واليقين ، فانه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره الى باطنها ، وماتحت لباسها ؛ فينكشف له حقيقتها .
    ومثال هذا الدرهم الزائف ؛ فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظراً إلى ما عليه من لباس الفضة .
    والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك فيطَّلع على زيفه .
    فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف ، والمعنى كالنحاس الذي تحته ، وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم إلا الله .
    وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبَّره رأى أكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ ، ويردُّها بعينها بلفظ آخر ، وكم رُدَّ من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح .
    وقد رأيت أنا من هذا في كتب الناس ما شاء الله .
    وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح .
    وفي مثل هذا قال أئمة السنة - منهم الإمام أحمد - وغيره : ( لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة شنعت ) .
    فهؤلاء الجهمية يسمون إثبات صفات الكمال لله من حياته وعلمه وكلامه وسمعه وبصره وسائر ما وصف به نفسه = تشبيهاً وتجسيماً ، ومن أثبت ذلك مشبهاً .
    فلا ينفر من هذا المعنى الحق لأجل هذه التسمية الباطلة .
    إلا العقول الصغيرة القاصرة خفافيش البصائر .
    وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الالفاظ ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ .
    ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل ولا تغتر باللفظ .
    كما قيل في هذا المعنى :
    تقول هذا جنى النحل تمدحه * * * وان نشأ قلت ذا قيء الزنابير
    مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما * * * والحق قد يعتريه سوء تعبير
    فإذا اردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق او باطل فجرده من لباس العبارة ، وجرِّد قلبك عن النفرة والميل ، ثم اعط النظر حقه ، ناظراً بعين الانصاف .
    ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظراً تاماً بكل قلبه ، ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة ...
    وكون العبد يغترُّ بأول عارض من شبهة دليل على ضعف عقله ومعرفته ، إذ تؤثر فيه البداءات ويستفز بأوائل الأمور .
    بخلاف الثابت التام العاقل ؛ فإنه لا تستفزه البداءات ولا تزعجه وتقلقه ، فإن الباطل له دهشة وروعة في أوله .
    فإذا ثبت له القلب رُدَّ على عقبيه ، والله يحب مَن عنده العلم والأناة ، فلا يعجل بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد عليه ، ولا يعجل بأمرٍ من قبل استحكامه .
    فالعجلة والطيش من الشيطان .
    فمن ثبت عند صدمة البداءات استقبل أمره بعلم وحزم ... الخ )) . مفتاح دار السعادة (ص/144-146) .
    مدرّس بدار الحديث بمكة
    أرحب بكم في صفحتي في تويتر:
    adnansafa20@
    وفي صفحتي في الفيس بوك: اضغط على هذا الرابط: عدنان البخاري

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: ' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'

    بارك الله فيكم شيخنا.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    465

    افتراضي رد: ' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'

    السلام عليكم..
    جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم..وجزى الله الشيخ الفاضل عبدالعزيز الجليل خير الجزاء.
    كتبت في هذا الشأن حول مشاركة بعض طلاب العلم في مجموعة قاسم البريدية والتي يكتب فيها من هب ودب ودرج، وتنشر فيها كل الأفكار بدعوى حرية الفكر والرأي!!
    فنهض أحدهم مدافعا ليقول -هداه الله:
    مسألة الانغلاق والتقوقع ، والانسحاب من الحوار والتعاطي مع المخالف لا أقرأها إلا في سياق العجز والخور ، وهذان لا يليقان بحاملي عقيدة السلف ، ولأن كنا نشتكي زمناً من قلة المنابر الإعلامية التي توصل الرسالة ، و خروج الإعلام عن سلطة أهل الحق : فإن ذلك لم يكن ليحدث لولا وجود مثل هذه العقليات !

    وكأن سلفنا عندما أعرضوا عن أهل الأهواء وتركوا مجالستهم كان ذلك منهم لعجز وخور!!
    قال ابن المبارك:
    وجدت الدين لأهل الحديث،والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •