[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 9
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 9 من 12 الأولىالأولى 123456789101112 الأخيرةالأخيرة
النتائج 161 إلى 180 من 231
19اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #161
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    أولا :
    كتاب الحرث والمزراعة
    ( ج5/ ص 5)
    قال ابن المنير‏:‏ أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده‏.
    حديث ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ‏"‏ الحديث، قال القرطبي‏:‏ يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها‏.‏
    ( ج5/ ص 6)
    ال الطيبي‏:‏ نكر مسلما وأوقعه في سياق النفي وزاد من الاستغراقية وعم الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرا أو عبدا مطيعا أو عاصيا يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله أي حيوان كان يرجع نفعه إليه ويثاب عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 7)
    فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا‏:‏ لا يقل أحدكم زرعت، ولكن ليقل حرثت، ألم تسمع لقول الله تعالى‏:‏ ‏(‏أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون‏)‏ ورجاله ثقات، إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي قال فيه ابن حبان ربما أخطأ‏.‏
    ( ج5/ ص 7)
    قال ابن التين‏:‏ هذا من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث‏.‏
    ( ج5/ ص 8)
    قال ابن المنير‏:‏ أراد البخاري إباحة الحرث بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحا‏.‏
    ( ج5/ ص 9)
    ورواه أحمد ومسلم من طريق الزهري عن أبي سلمة بلفظ ‏"‏ من ‏"‏ اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية ‏"‏ وأخرجه مسلم والنسائي من وجه آخر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان ‏"‏ فأما زيادة الزرع فقد أنكرها ابن عمر، ففي مسلم من طريق عمرو بن دينار عنه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم ‏"‏ فقيل لابن عمر‏:‏ إن أبا هريرة يقول ‏"‏ أو كلب زرع ‏"‏ فقال ابن عمر‏:‏ إن لأبي هريرة ‏"‏ زرعا ‏"‏ ويقال أن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه
    قد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي زهير كما تراه في هذا الباب، وعبد الله بن مغفل وهو عند مسلم في حديث أوله ‏"‏ أمر بقتل الكلاب ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 10)
    طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم بلفظ ‏"‏ أيما أهل دار ربطوا كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية نقص من أجرهم كل يوم قيراطان ‏"‏ قال ابن عبد البر‏:‏ في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية، وكذلك الزرع لأنها زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا، فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه‏.‏
    ( ج5/ ص 11)
    ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه فقال المنصور‏:‏ لأنه ينبح الضيف، ويروع السائل ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 11)
    والمراد بالنقص أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان، وقيل سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملا، فإذا اقتناه نقصن من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى وإنما أراد أنه ليس عمله في الكمال عمل من لم يتخذه ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 10)
    فقد حكى الروياني في ‏"‏ البحر ‏"‏ اختلافا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل، وفي محصل نقصان القيراطين فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر، وفي سبب النقصان يعني كما تقدم، واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط فقيل‏:‏ الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين في التأكيد في التنفير من ذلك فسمعه الراوي الثاني‏.‏
    وقيل ينزل على حالين‏:‏ فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته‏.‏
    وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها، وقيل يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته‏.‏
    وكذا من قال يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب‏:‏ ففيما لابسه آدمي قيراطان وفيما دونه قيراط‏.‏
    وجوز ابن عبد البر أن يكون القيراط الذي ينقص أجر إحسانه إليه لأنه من جملة ذوات الأكباد الرطبة أو الحرى، ولا يخفى بعده‏.‏
    ( ج5/ ص 13)
    قطع الشجر والنخل‏)‏ أي للحاجة والمصلحة إ ذا تعينت طريقا في نكاية العدو ونحو ذلك‏.‏
    وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور‏.‏
    ( ج5/ ص 13)
    وقال ابن المنير‏:‏ الذي يظهر أن غرضه الإشارة به إلى أن القطع الجائز هو المسيب للمصلحة كنكاية الكفار أو الانتفاع بالخشب أو نحوه، والمنكر هو الذي عن العبث والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع بن خديج أن الشارع نهى عن المخاطرة في كراء الأرض إبقاء على منفعتها من الضياع مجانا في عواقب المخاطرة، فإذا كان ينهى عن تضييح منفعتها وهي غير محققة ولا مشخصة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عبثا أجدر وأولى‏.‏
    ( ج5/ ص 18)
    اراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعية، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى‏:‏ فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل‏.‏
    وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي‏.‏
    وقال ابن سريج بجواز المزارعة وسكت عن المخابرة، وعكسه الجوري من الشافعية، وهو المشهور عن أحمد‏.‏
    وقال الباقون لا يجوز واحد منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة
    ( ج5/ ص 19)
    في الحديث :‏ ‏(‏لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه‏)‏ ‏.‏
    أما المخابرة فتقدم تفسيرها قبل بباب، وإدخال البخاري هذا الحديث في هذا الباب مشعر بأنه ممن يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى، قد رواه الترمذي من وجه آخر عن عمرو بن دينار بلفظ ‏"‏ لو تركت المزارعة ‏"‏ ويقوي ذلك قول ابن الأعرابي اللغوي‏:‏ أن أصل المخابرة معاملة أهل خيبر، فاستعمل ذلك حتى صار إذا قيل خابرهم عرف أنه عاملهم نظير معاملة أهل خيبر‏.‏
    ( ج5/ ص 23)*
    قال ابن التين‏:‏ تأول عمر قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏والذين جاؤوا من بعدهم‏)‏ فرأى أن للآخرين أسوة بالأولين فخشي لو قسم ما يفتح أن تكمل الفتوح فلا يبقى لمن يجيء بعد ذلك حظ في الخراج، فرأى أن توقف الأرض المفتوحة عنوة ويضرب عليها خراجا يدوم نفعه للمسلمين‏.‏
    ( ج5/ ص24)
    إحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم مالك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن للإمام مطلقا، وعن مالك فيما قرب، وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن من أخذه أو صاده يملكه سواء قرب أم بعد، سواء أذن الإمام أو لم يأذن‏.‏
    ( ج5/ ص 25)
    استنبط ابن حبان من هذه الزيادة التي في حديث جابر وهي قوله‏:‏ ‏"‏ فله فيها أجر ‏"‏ أن الذمي لا يملك الموات بالإحياء، واحتج بأن الكافر لا أجر له، وتعقبه المحب الطبري بأن الكافر إذا تصدق يثاب عليه في الدنيا كما ورد به الحديث، فيحمل الأجر في حقه على ثواب الدنيا وفي حق المسلم على ما هو أعم من ذلك، وما قاله محتمل إلا أن الذي قاله ابن حبان أسعد بظاهر الحديث، ولا يتبادر إلى الفهم من إطلاق الأجر إلا الأخروي‏.‏
    ( ج5/ ص 26)
    ولد عروة في آخر خلافة عمر قاله خليفة، وهو قضية قول ابن أبي خيثمة أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة لأن الجمل كان سنة ست وثلاثين وقتل عمر كان سنة ثلاث وعشرين‏.‏
    وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ رددت يوم الجمل، استصغرت‏"‏‏.
    ( ج5/ ص 27)
    المعرس بمهملات وفتح الراء موضع التعريس، وهو نزول آخر الليل للراحة‏.
    ( ج5/ ص 28)
    أرض الحجاز هي ما يفصل بين نجد وتهامة، قال الواقدي‏:‏ ما بين وجرة وغمس الطائف نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر تهامة‏.‏
    ووقع هنا للكرماني تفسير الحجاز بما فسروا به جزيرة العرب الآتي في ‏"‏ باب هل يستشفع بأهل الذمة ‏"‏ في كتاب الجهاد وهو خطأ‏.‏
    ( ج5/ ص 28)
    تيماء بفتح المثناة وسكون التحتانية والمد، وأريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة وبالمد أيضا، هما موضعان مشهوران بقرب بلاد طيئ على البحر في أول طريق الشام من المدينة، وقد ذكر البلاذري في ‏"‏ الفتوح ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غلب على وادي القرى بلغ ذلك أهل تيماء فصالحوه على الجزية وأقرهم ببلدهم‏.‏
    ( ج5/ ص 29)
    لم يذكر ابن عمر خلافة علي لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح الأخبار، وكان رأي أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع أيضا لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ولعل في تلك المدة - أعني مدة خلافة علي - لم يؤاجر أرضه فلم يذكرها لذلك، وزاد مسلم في روايته‏:‏ حتى إذا كان في آخر خلافة معاوية وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستين من الهجرة‏.
    ( ج5/ ص 30)
    النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلوما، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة‏.‏
    بالغ ربيعة فقال‏:‏ لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا‏:‏ لا يجوز كراء الأرض مطلقا، وذهب إليه ابن حزم وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ ‏"‏ كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال‏:‏ أكروا بالذهب والفضة ‏"‏ ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد‏.‏
    وأما ما رواه الترمذي من طريق مجاهد عن رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم فقد أعله النسائي بأن مجاهدا لم يسمعه من رافع‏.‏
    ( ج5/ ص 33)
    ما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال‏:‏ ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة وقال‏:‏ إنما يزرع ثلاثة‏:‏ رجل له أرض، ورجل منح أرضا، ورجل اكترى أرضا بذهب أو فضة ‏"‏ لكن بين النسائي من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة وأن بقيته مدرج من كلام سعيد بن المسيب، وقد رواه مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ والشافعي عنه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب‏.‏
    ( ج5/ ص 34)
    ما عليه الجمهور من حمل النهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة لا عن كرائها مطلقا حتى بالذهب والفضة‏.‏
    ( ج5/ ص 34)
    ال ابن المنير‏:‏ وجهه أنه نبه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب، لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت

    " كتاب المساقاة "
    ( ج5/ ص 37)
    قال ابن بطال معنى قوله‏:‏ ‏(‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏)‏ أراد الحيوان الذي يعيش بالماء، وقيل أراد بالماء النطفة، ومن قرأ‏:‏ ‏"‏ وجعلنا من الماء كل شيء حيا ‏"‏ دخل فيه الجماد أيضا لأن حياتها هو خضرتها وهي لا تكون إلا بالماء‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا المعنى أيضا يخرج هن القراءة المشهورة، ويخرج من تفسير قتادة حيث قال‏:‏ ‏"‏ كل شيء حي فمن الماء خلق ‏"‏ أخرجه الطبري عنه‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن المراد بالماء النطفة، وروى أحمد من طريق أبي ميمونة عن أبي هريرة ‏"‏ قلت يا رسول الله أخبرني عن كل شيء، قال‏:‏ كل شيء خلق من الماء ‏"‏ إسناده صحيح‏.
    ( ج5/ ص 40 )
    قوله في حديث أنس ‏(‏فقال عمر أعط أبا بكر‏)‏ كذا لجميع أصحاب الزهري، وشذ معمر فيما رواه وهيب عنه فقال‏:‏ ‏"‏ عبد الرحمن بن عوف ‏"‏ بدل عمر أخرجه الإسماعيلي، والأول هو الصحيح، ومعمر لما حدث بالبصرة حدث من حفظه فوهم في أشياء فكان هذا منها، ويحتمل أن يكون محفوظا بأن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك لتوفير دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر‏.‏
    ( ج5/ ص 40)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروى، قلت وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، وكأن الذين ذهبوا إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 41)
    ولأحمد من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة‏:‏ ‏"‏ لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغني عنه ‏"‏ وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم وحرملة أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التملك فإن الحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، ورخص المالكية هذا الحكم بالموات‏.‏
    ( ج5/ ص 41)
    جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية من الماء ولم يقل أحد إنه يجب على صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره مع قدرة المالك‏.‏
    والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور،
    ( ج5/ ص 42)
    وفرق الشافعي - فيما حكاه المزني عنه - بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي وغيره، واستدل لمالك بحديث جابر عند مسلم ‏"‏ نهى عن بيع فضل الماء ‏"‏ لكنه مطلق فيحمل على المقيد في حديث أبي هريرة، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلأ يرعى فلا مانع من المنع لانتفاء العلة، قال الخطابي‏:‏ والنهي عند الجمهور للتنزيه فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الحديث أيضا وجوب بذله مجانا وبه قال الجمهور، وقيل‏:‏ لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في إطعام المضطر، وتعقب بأنه يلزم منه جواز المنع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورد بمنع الملازمة فيجوز أن يقال يجب عليه البذل وتترتب له القيمة في ذمة المبذول له حتى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم في رواية لمسلم من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ‏"‏ لا يباع فضل الماء ‏"‏ فلو وجب له العوض لجاز له البيع والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ 42)
    وروى ابن ماجة من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ ثلاثة لا يمنعن‏:‏ الماء والكلأ والنار ‏"‏ وإسناده صحيح، قال الخطابي‏:‏ معناه الكلأ ينبت في موات الأرض، والماء الذي يجري في المواضع التي لا تختص بأحد، قيل والمراد بالنار الحجارة التي توري النار‏.‏
    ( ج5/ ص 45)
    في الحديث " إن رجلا من الانصار قد شهد بدرا : ليس في البدر بين من الأنصار من اسمه حميد، وحكى ابن بشكوال في مبهماته عن شيخه أبي الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس
    لت‏:‏ وليس ثابت بدريا، وحكى الواحدي أنه ثعلبة من حاطب الأنصاري الذي نزل فيه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ومنهم من عاهد الله‏)‏ ولم يذكر مستنده وليس بدريا أيضا، نعم ذكر ابن إسحاق في البدريين ثعلبة بن حاطب وهو من بني أمية بن زيد وهو عندي غير الذي قبله
    ( ج5/ ص 46)
    ا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم‏)‏ الآية قال‏:‏ نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء ‏"‏ الحديث وإسناده قوي مع إرساله‏.‏
    ( ج5/ ص 46)
    ذكر الثعلبي بغير سند أن الزبير وحاطبا لما خرجا مرا بالمقداد قال‏:‏ لمن كان القضاء‏؟‏ فقال حاطب‏:‏ قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودي فقال‏:‏ قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه، وفي صحة هذا نظر، ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ 47)
    ول الداودي وأبى إسحاق الزجاج وغيرهما أن خصم الزبير كان منافقا فقد وجهه القرطبي بأن قول من قال إنه كان من الأنصار يعني نسبا لا دينا، قال وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن منافقا ولكن أصدر ذلك منه بادرة النفس كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا شارح ‏"‏ المصابيح ‏"‏ التوربشتي ووهى ما عداه وقال‏:‏ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب، قال‏:‏ بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة ا هـ‏.
    قد قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقا‏:‏ وقيل كان بدريا، فإن صح فقد وقع ذلك منه قبل شهودها لانتفاء النفاق عمن شهدها ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 48)
    الحرة موضع معروف بالمدينة تقدم ذكرها، وهي في خمسة مواضع‏:‏ المشهور منها اثنتان حرة واقم، وحرة ليلى‏.
    ( ج5/ ص 49)
    قال أبو عبيد‏:‏ كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعلى فالأعلى‏.‏
    ( ج5/ ص 49)
    قال البخاري : " باب شرب الأعلى قبل الأسفل
    قال العلماء‏:‏ الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحده أن يعطي الماء الأرض حتى لا تشريه ويرجع إلى الجدار ثم يطلقه‏.
    ( ج5/ ص 49)
    وقوله ‏"‏أحفظه ‏"‏ بالمهملة والظاء المشالة أي أغضبه، قال الخطابي‏:‏ هذه الزيادة يشبه أن تكون من كلام الزهري، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له من معنى الشرح والبيان‏.
    قلت‏:‏ لكن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدا حتى يرد ما يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال‏.‏
    قال الخطابي وغيره‏:‏ وإنما حكم صلى الله عليه وسلم على الأنصاري في حال غضبه - مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان - لأن النهي معلل بما يخاف على الحاكم من الخطأ والغلط، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمون لعصمته من ذلك حال السخط‏.‏
    ( ج5/ ص 50)
    وقال ابن التين‏:‏ الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال‏:‏ وأما الزروع فإلى الشراك‏.‏
    وقال الطبري‏:‏ الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها، لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين‏.‏
    واختلف أصحاب مالك‏:‏ هل يرسل الأول بند استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين‏؟‏ والأول أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة والله أعلم‏.‏
    وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مسيل مهزور ومذينب أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل‏.‏
    ومهزور بفتح أوله وسكون الهاء وضم الزاي وسكون الواو بعدها راء، ومذينب بذال معجمة ونون بالتصغير‏:‏ واديان معروفان بالمدينة وله إسناد موصول في ‏"‏ غرائب مالك للدار قطني ‏"‏ من حديث عائشة وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود وابن ماجة والطبري من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناد كل منهما حسن‏.‏
    ( ج5/ ص 51)
    قال الداودي‏:‏ المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوان‏.‏
    وقال أبو عبد الملك‏:‏ هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب‏.‏
    وأما قوله‏:‏ ‏"‏ في كل كبد ‏"‏ فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي‏:‏ إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة‏.‏
    ( ج5/ ص 52)
    واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق، وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق، والله أعلم‏.
    قال ابن المنير‏:‏ دل الحديث على تحريم قتل من لم يؤمر بقتله عطشا ولو كان هرة وليس فيه ثواب السقي ولكن كفى بالسلامة فضلا‏.‏
    (ج5/ ص 57)
    والمراد بالحمى منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلا‏.‏
    أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها، والأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، ومحل الجواز مطلقا أن لا يضر بكافة المسلمين‏.‏
    واستدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات، وتعقب بالفرق بينهما فإن الحمى أخص من الإحياء والله أعلم‏.‏
    وأما سرف فهو موضع بقرب مكة ولا تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة موضـع معروف بين مكة والمدينة تقدم ضبطه، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة‏.‏
    ( ج5/ ص 58)
    حكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك، قال‏:‏ وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة انتهى‏.‏
    قال السبكي‏:‏ والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره‏.‏
    قال والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر، لكنه لا يملك الرقبة بذلك انتهى‏.‏
    وبهذا جزم المحب الطبري‏.‏
    وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض إذا كان مستحقا لذلك والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 59)
    قد وقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك في عدة أراض بعد فتحها وقبل فتحها، منها إقطاعه تميما الداري بيت إبراهيم، فلما فتحت في عهد عمر نجز ذلك لتميم، واستمر في أيدي ذريته من ابنته رقية، وبيدهم كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك، وقصته مشهورة ذكرها ابن سعد وأبو عبيد في ‏"‏ كتاب الأموال ‏"‏ وغيرهما‏.‏
    ( ج5/ ص 64)
    من ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ‏"‏ هكذا ثبتت قصة العبد في هذا الحديث في جميع نسخ البخاري، وصنيع صاحب العمدة يقتضي أنها من أفراد مسلم فإنه أورده في ‏"‏ باب العرايا ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ عن عبد الله بن عمر ‏"‏ فذكر من باع نخلا ثم قال‏:‏ ‏"‏ ولمسلم من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ‏"‏ وكأنه لما نظر كتاب البيوع من البخاري فلم يجده فيه توهم أنها من أفراد مسلم‏.‏
    واعتذر الشارح ابن العطار عن صاحب العمدة فقال‏:‏ هذه الزيادة أخرجها الشيخان من رواية سالم عن أبيه عن عمر، قال‏:‏ فالمصنف لما نسب الحديث لابن عمر احتاج أن ينسب الزيادة لمسلم وحده انتهى ملخصا

    ثالثا :
    كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس "
    ( ج5/ ص 67)
    يشير البخاري إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ لا أشتري ما ليس عندي ثمنه ‏"‏ وهو حديث أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سماك عن عكرمة عنه في أثناء حديث تفرد به شريك عن سماك واختلف في وصله وإرساله‏.‏
    ثم أورد فيه حديث جابر في شراء النبي صلى الله عليه وسلم منه جمله في السفر وقضائه ثمنه في المدينة،
    ( ج5/ ص 68)
    ولابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة ‏"‏ ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا ‏"‏ وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يعسر مثلا أو يفجأه الموت وله مال مخبوء وكانت نيته وفاء دينه ولم يوف عنه في الدنيا‏.‏
    ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب، والظاهر أنه لا تبعة عليه والحالة هذه في الآخرة بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين كما دل عليه حديث الباب وإن خالف في ذلك ابن عبد السلام والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 69)
    قال ابن المنير‏:‏ أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه، إذ المراد بالأمانة في الآية هو المراد بها في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض‏)‏ وفسرت هناك بالأوامر والنواهي فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق
    وأكثر المفسرين على أن الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نزلت في الولاة، وعن ابن عباس هي عامة في جميع الأمانات‏.‏
    وروى ابن أبي شيبة من طريق طلق بن معاوية قال‏:‏ ‏"‏ كان لي دين على رجل فخاصمته إلى شريح فقال له‏:‏ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأمر بحبسه
    ج5/ ص 70)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه إشارة إلى عدم الاستغراق في كثير الدين والاقتصار على اليسير منه أخذا من اقتصاره على ذكر الدينار الواحد، ولو كان عليه مائة دينار مثلا لم يرصد لأدائها دينارا واحدا ا هـ‏.‏
    ولا يخفى ما فيه‏.‏
    وفيه الاهتمام بأمر وفاء الدين، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة في الدنيا‏
    ( ج5/ ص 70)
    ال ابن مالك‏:‏ فيه وقوع التمييز بعد مثل وهو قليل، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولو جئنا بمثله مددا‏)‏ ‏.‏
    ( ج5/ص 71)
    استقراض الإبل، ويلتحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري والحنفية واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث قد روي عن ابن عباس مرفوعا أخرجه ابن حبان والدار قطني وغيرهما ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله‏.‏
    وأخرجه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلاف‏.‏
    وفي الجملة هو حديث صالح للحجة‏.‏
    ادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه‏.‏
    واعتل من منع بأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه، وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف بما يدفع التغاير، وقد جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة، وفيه جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقا وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة إن كانت بالعدد منعت، وإن كانت بالوصف جازت‏.‏
    ( ج5/ ص 83)
    القرض إلى أجل فهو مما اختلف فيه، والأكثر على جوازه في كل شيء، ومنعه الشافعي‏.‏
    وأما البيع إلى أجل فجائز اتفاقا‏.‏
    وكأن البخاري احتج للجواز في القرض بالجواز في البيع مع ما استظهر به من أثر ابن عمر وحديث أبي هريرة‏
    قلت لابن عمر‏:‏ إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي، قال‏:‏ لا بأس به ما لم تشترط‏"‏‏.‏
    وروى مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ بإسناد صحيح ‏"‏ أن ابن عمر استسلف من رجل دراهم فقضاه خيرا منها
    ( ج5/ ص 85)
    ‏وقال ‏(‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏)‏ الآية‏)‏ قال الطبري بعد أن حكى أقوال المفسرين في المراد بالسفهاء‏:‏ الصواب عندنا أنها عامة في حق كل سفيه صغيرا كان أو كبيرا ذكرا كان أو أنثى، والسفيه هو الذي يضيع المال ويفسده بسوء تدبيره‏.‏
    ( ج5/ ص 86)
    الحجر في اللغة المنع، وفي الشرع المنع من التصرف في المال، فتارة يقع لمصلحة المحجور عليه وتارة لحق غير المحجور عليه، والجمهور على جواز الحجر على الكبير، وخالف أبو حنيفة وبعض الظاهرية ووافق أبو يوسف ومحمد، قال الطحاوي لم أر عن أحد من الصحابة منع الحجر عن الكبير ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم النخعي وابن سيرين، ومن حجة الجمهور حديث ابن عباس أنه كتب إلى نجدة ‏"‏ وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم‏؟‏ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم ‏"‏ وهو وإن كان موقوفا فقد ورد ما يؤيده
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة نور وليد

  2. #162
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    " كتاب الخصومات "
    ( ج5/ ص 90)
    ‏ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه‏)
    جعله مغلطاي حجة في الرد على ابن الصلاح حيث قرر أن الذي يذكره البخاري بغير صيغة الجزم لا يكون حاكما بصحته فقال مغلطاي‏:‏ قد ذكره بغير صيغة الجزم هنا وهو صحيح عنده، وتعقبه شيخنا في ‏"‏ النكت على ابن الصلاح ‏"‏ بأن البخاري لم يرد بهذا التعليق قصة المدبر، وإنما أراد قصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه فجاء في الثانية فتصدق عليه بأحد ثوبيه فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال وهو حديث ضعيف أخرجه الدار قطني وغيره‏.‏
    قلت‏:‏ لكن ليس هو من حديث جابر وإنما هو حديث أبي سعيد الخدري، وليس بضعيف بل هو إما صحيح وإما حسن، أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وقد بسطت ذلك فيما كتبته على ابن الصلاح،
    ( ج5/ ص 91)
    حديث جابر في قصة الرجل الذي جاء ببيضة من ذهب أصابها في معدن فقال‏:‏ ‏"‏ يا رسول الله خذها مني صدقة فوالله مالي مال غيرها فأعرض عنه، فأعاد فحذفه بها، ثم قال‏:‏ يأتي أحدكم بماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى ‏"‏ وهو عند أبي داود وصححه ابن خزيمة‏.‏
    ( ج5/ ص 93)
    ابن سعد في ‏"‏ الطبقات ‏"‏ بإسناد صحيح من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ ‏"‏ لما توفي أبو بكر أقامت عائشة عليه النوح، فبلغ عمر فنهاهن فأبين، فقال لهشام بن الوليد‏:‏ اخرج إلى بيت أبي قحافة - يعني أم فروة - فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن بذلك ‏"‏ ووصله إسحاق بن راهويه في مسنده من وجه آخر عن الزهري وفيه ‏"‏ فجعل يخرجهن امرأة امرأة وهو يضربهن بالدرة‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 95)
    باب الربط والحبس في الحرم‏)‏ كأن البخاري أشار بذلك إلى رد ما ذكر عن طاوس، فعند ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعد عنه أنه ‏"‏ كان يكره السجن بمكة ويقول‏:‏ لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة‏.‏
    فأراد البخاري معارضة قول طاوس بأثر عمر وابن الزبير‏:‏ وصفوان ونافع وهم من الصحابة‏.‏
    وقوي ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهي أيضا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه‏.
    قال البخاري : وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ ‏
    ( ج5/ ص 95)
    ما رواه الفاكهي من طريق عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد يعني ابن الحنفية قال‏:‏ ‏"‏ أخذني ابن الزبير فحبسني في دار الندوة في سجن عارم، فانفلت منه، فلم أزل أتخطى الجبال حتى سقطت على أبي بمنى ‏"‏ وفي ذلك يقول كثير عزة يخاطب ابن الزبير‏:‏ تخبر من لاقيت أنك عابد بل العابد المظلوم في سجن عارم وذكر الفاكهي أنه قيل له سجن عارم لأن عارما كان مولى لمصعب بن عبد الرحمن بن عوف فغضب عليه فبنى له ذراعا في ذراع ثم سد عليه البناء حتى غيبه فيه فمات فسمي ذلك المكان سجن عارم، قال الفاكهي‏:‏ وكان السجن في دبر دار الندوة‏.
    وذكر عمر بن شبة أن سبب غضب مصعب على عارم أن عارما كان منقطعا إلى عمرو بن سعيد بن العاص فلما جهز عمرو البعث بأمر يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير بمكة صحبه عمرو بن الزبير - وكان يعادي أخاه عبد الله - فخرج عارم في ذلك الجيش فظفر به مصعب ففعل به ما فعل‏.‏
    ..............
    [ ثانيا ]
    " كتاب اللقطة "
    ( ج5/ ص 97)
    اللقطة الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين‏.‏
    وقال عياض‏:‏ لا يجوز غيره‏.‏
    وقال الزمخشري في الفائق‏:‏ اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها‏.‏
    كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون قال‏:‏ وأما بالفتح فهو اللاقط‏:‏ وقال الأزهري‏:‏ هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح‏.‏
    ( ج5/ ص 98)
    قال المنذري‏:‏ لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام، إلا شيء جاء عن عمر انتهى‏.‏
    وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء‏.‏
    وحكى بن المنذر عن عمر أربعة أقوال‏:‏ يعرفها ثلاثة أحوال، عاما واحدا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام‏.‏
    ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها‏.‏
    وزاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر‏.‏
    وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأن هذه الزيادة غلط‏.‏
    قال‏:‏ والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها ثم تثبت واستذكر واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه‏.
    قد حكى صاحب الهداية من الحنفية رواية عندهم أن الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط، فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 100)
    ‏باب ضالة الإبل‏)‏ أي هل تلتقط أم لا‏؟‏ والضال الضائع، والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهر الحديث في أنها لا تلتقط‏.‏
    وقال الحنفية‏:‏ الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية‏.‏
    وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضا، قال العلماء حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس‏.‏
    وقالوا‏:‏ في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع
    ( ج5/ ص 101)
    ظفرت بتسمية السائل وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والبارودي والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري عن ربيعة عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال‏:‏ عرفها سنة ثم أوثق وعاءها ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏
    ( ج5/ ص 101)
    العفاص بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة‏:‏ الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره، وقيل له العفاص أخذا من العفص وهو الثني لأن الوعاء يثنى على ما فيه وقد وقع في ‏"‏ زوائد المسند ‏"‏ لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش عن سلمة في حديث أبي ‏"‏ وخرقتها ‏"‏ بدل عفاصها، والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة‏.‏
    ( ج5/ ص 101)
    عن أبي حنيفة إن كان غنيا تصدق بها وإن جاء صاحبها تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه، قال صاحب الهداية‏:‏ إلا إن كان يأذن الإمام فيجوز للغني كما في قصة أبي بن كعب، وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين‏.‏
    ( ج5/ ص 102)
    قال العلماء‏:‏ الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له لقطة‏.‏
    ( ج5/ ص 103)
    قال الجمهور‏:‏ يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلا أن الشافعي قال‏:‏ لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح‏.‏
    ( ج5/ س 104)
    افتراق حكم ضالة الغنم عن ضالة الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكا بقوله‏:‏ ‏"‏ هي لك ‏"‏ وأجيب بأن اللام ليست للتمليك كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه‏.
    ( ج5/ ص 105)
    ختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا‏؟‏ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية ‏"‏ ولتكن وديعة عندك ‏"‏ وقوله أيضا عند مسلم في رواية بشر بن سعيد عن زيد بن خالد ‏"‏ فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه ‏"‏ فإن ظاهر قوله‏:‏ ‏"‏ فإن جاء صاحبها الخ‏"‏‏
    أصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه ‏"‏ فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور
    ( ج5/ ص 106)
    قال النووي‏:‏ إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك فإن لم يجيء صاحبها فهي لمن وجدها ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجومة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك وهو قول الجمهور‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ لا يلزمه، وهو ظاهر اختيار البخاري والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 107)
    ما أخرجه أبو داود من حديث جابر قال‏:‏ ‏"‏ رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به ‏"‏ وفي إسناده ضعف، واختلف في رفعه ووقفه، والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلا، وقيل تعرف مرة وقيل ثلاثة أيام وقيل زمنا يظن أن فاقده أعرض عنه، وهذا كله في قليل له قيمة أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح
    واختلفوا في مدة التعريف، فإن كان مما يتسارع إليه الفساد جاز أكله ولا يضمن على الأصح‏.‏
    ( ج5/ ص 110)
    لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال‏.‏
    وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية‏:‏ هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف‏.‏
    ( ج5/ ص 110)
    أن لقطة عرفة والمدينة النبوية كسائر البلاد لاختصاص مكة بذلك، وحكى الماوردي في ‏"‏ الحاوي ‏"‏ وجها في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة لأنها تجمع الحاج كمكة ولم يرجح شيئا،
    استدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية‏.‏
    ( ج5/ ص 112)
    قال ابن عبد البر‏:‏ في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء كان بإذن خاص أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام، وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقا في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من رواية الحسن عن سمرة مرفوعا ‏"‏ إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل ‏"‏ إسناده صحيح إلى الحسن، فمن صحح سماعه من سمرة صححه ومن لا أعله بالانقطاع، لكن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ إذا أتيت على راع فناده ثلاثا، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أنيت على حائط بستان ‏"‏ فذكر مثله أخرجه ابن ماجة والطحاوي وصححه ابن حبان والحاكم، وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه، ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع‏:‏ منها حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم‏.‏
    في حديث أحمد ‏"‏ فابتدرها القوم ليحلبوها ‏"‏ قالوا فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجا، وحديث النهي على ما إذا كان مستغنيا‏.‏
    ومنهم من حمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة والنهي على ما إذا كانت مصرورة لهذا الحديث، لكن وقع عند أحمد في آخره ‏"‏ فإن كنتم لا بد فاعلين فاشربوا ولا تحملوا ‏"‏ فدل على عموم الإذن في المصرور وغيره، لكن بقيد عدم الحمل ولا بد منه‏.‏
    واختار ابن العربي الحمل على العادة قال‏:‏ وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا، قال‏:‏ ورأى بعضهم أن مهما كان على طريق لا يعدل إليه ولا يقصد جاز للمار الأخذ منه، وفيه إشارة إلى قصر ذلك على المحتاج‏.‏
    ( ج5/ ص 113)
    قال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية، قال الجمهور‏:‏ لا يجوز أن يأخذ منه شيئا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ لا يلزمه شيء‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج لذلك، وفي الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين، وعلق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقي‏:‏ يعني حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبيئة ‏"‏ أخرجه الترمذي واستغربه، قال البيهقي‏:‏ لم يصح، وجاء من أوجه أخر غير قوية‏.‏
    قلت‏:‏ والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها، وقد بينت ذلك في كتابي ‏"‏ المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 113)
    ن من حلب من ضرع ناقة أو غيرها في مصرورة محرزة بغير ضرورة ولا تأويل ما تبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع إن لم يأذن له صاحبها تعضهم أو إجمالا، لأن الحديث قد أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، وحكى القرطبي عن بعضهم وجوب القطع ولو لم تكن الغنم في حرز اكتفاء بحرز الضرع للبن، وهو الذي يقتضيه طاهر الحديث‏.‏
    ( ج5/ ص 114)
    وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعا ‏"‏ ضالة المسلم حرق النار ‏"‏ أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وحجتهم حديث زيد بن خالد عند مسلم ‏"‏ من آوى الضالة فهو ضال، ما لم يعرفها ‏"‏ وأما ما أخذه من حديث الباب فمن جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي أخذه الصرة فدل على أنه جائز شرعا، ويستلزم اشتماله على المصلحة وإلا كان تصرفا في ملك الغير، وتلك المصلحة تحصل بحفظها وصيانتها عن الخونة وتعريفها لتصل إلى صاحبها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمتى رجح أخذها وجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز‏.‏
    ( ج5/ ص 115)
    سويد بن غفلة : تابعي كبير مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكان في زمنه رجلا وأعطى الصدقة في زمنه ولم يره على الصحيح، وقيل إنه صلى خلفه ولم يثبت، وإنما قدم المدينة حين نفضوا أيديهم من دفنه صلى الله عليه وسلم، ثم شهد الفتوح ونزل الكوفة ومات بها سنة ثمانين أو بعدها وله مائة وثلاثون سنة أو أكثر لأنه كان يقول‏:‏ أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر منه بسنتين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر عن علي في ذكر الخوارج‏.
    ( ج5/ ص 115)
    (‏وزيد بن صوحان‏)‏ بضم المهملة وسكون الواو بعدها مهملة أيضا العبدي، تابعي كبير مخضرم أيضا، وزعم ابن الكلبي أن له صحبة‏.‏
    وروى أبو يعلى من حديث علي مرفوعا ‏"‏ من سره أن ينظر إلى من سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان ‏"‏ وكان قدوم زيد في عهد عمر وشهد الفتوح، وروى ابن منده من حديث بريدة قال‏:‏ ‏"‏ ساق النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال‏:‏ زيد زيد الخير، فسئل عن ذلك فقال رجل تسبقه يده إلى الجنة ‏"‏ فقطعت يد زيد بن صوحان في بعض الفتوح، وقتل مع علي يوم الجمل

    كتاب المظالم

    ( ج5/ ص 123)
    ذكر المفضل الضبي في كتابه ‏"‏ الفاخر ‏"‏ أن أول من قال‏:‏ ‏"‏ انصر أخاك ظالما أو مظلوما ‏"‏ جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول شاعرهم‏:‏ إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم
    ( ج5/ ص 123)
    نصر المظلوم‏)‏ هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما‏.‏
    ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنفذ إنسانا من يد إنسان طالبه بمال ظلما وهدده إن لم يبذله، وقد يقع بعد وهو كثير
    ( ج5/ ص 124)
    وعن مجاهد ‏"‏ إلا من ظلم ‏"‏ فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم‏.‏
    قلت‏:‏ ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على عمومها‏.‏
    وعن ابن عباس المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضا في قوله‏:‏ ‏{‏والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون‏}‏ قال‏:‏ يعني ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا‏.‏
    وفي الباب حديث أخرجه النسائي وابن ماجة بإسناد حسن من طريق التيمي عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت ‏"‏ فقال لي سبيها‏.‏
    فسببتها حتى جف ريقها في فمها فرأيت وجهه يتهلل‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 125)
    حديث أخرجه أحمد وأبو داود من طريق عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر‏:‏ ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 125)
    أخرجه مسلم من حديث جابر في أول حديث بلفظ ‏"‏ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح ‏"‏ الحديث، مال ابن الجوزي‏:‏ الظلم يشتمل على معصيتين‏:‏ أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا‏.‏
    ( ج5/ ص 130)
    للزبير في ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، والحسن بن سفيان من طريق أبي بكر بن محمد بن حزم ‏"‏ استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم وهو والي المدينة على سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة وقالت‏:‏ إنه أخذ حقي، وأدخل ضفيرتي في أرضه ‏
    وفي رواية العلاء ‏"‏ فترك سعيد ما ادعت ‏"‏ ولابن حبان والحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن في هذه القصة وزاد ‏"‏ فقال لنا مروان أصلحوا بينهما‏"‏‏.‏
    وزاد مسلم من طريق عروة، ومن طريق محمد بن زيد ‏"‏ أن سعيدا قال اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها ‏"‏ وفي رواية العلاء وأبي بكر نحوه وزاد ‏"‏ قال وجاء سيل فأبدى عن ضفيرتها فإذا حقها خارجا عن حق سعيد، فجاء سعيد إلى مروان فركب معه والناس حتى نظروا إليها وذكروا كلهم أنها عميت وأنها سقطت في بئرها فماتت
    ( ج5/ ص 130)
    وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري ‏"‏ أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوقه من سبع أرضين
    ( ج5/ ص 131)
    أروى بفتح الهمزة وسكون الراء والقصر باسم الحيوان الوحشي المشهور، وفي المثل ‏"‏ يقولون إذا دعوا‏:‏ كعمى الأروى ‏"‏ مال الزبير في روايته‏.‏
    كان أهل المدينة إذا دعوا قالوا‏:‏ أعماه الله كعمى أروى، يريدون هذه القصة‏.‏
    قال‏:‏ ثم طال العهد فصار أهل الجهل يقولون كعمى الأروى، يريدون الوحش الذي بالجبل ويظنونه أعمى شديد العمى وليس كذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 133)
    قال ابن بطال‏:‏ حديث هند دال على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه‏.‏
    حديث عائشة في قصة هند بنت عتبة وفيه ‏"‏ أذن النبي صلى الله عليه وسلم لها بالأخذ من مال زوجها بقدر حاجتها
    ( ج5/ ص 135)
    كان ابن وهب حريصا على التفرقة بين التحديث والإخبار مراعاة للاصطلاح، ويقال إنه أول من اصطلح على ذلك بمصر‏.‏
    ( ج5/ ص 137)
    أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه وفيه نط
    وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره فكان اتفاقا منهم على ذلك انتهى‏.‏
    ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلب، لأن أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان، وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك ورواه هو عنه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال‏:‏ والله ليمرن به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه‏.‏
    روى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال‏:‏ أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهاه أن يمنعه، فجبر على ذلك‏.‏
    وقيد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستندا إلى ذكر الأذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضا وأحمد عند عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ‏"‏ من سأله جاره ‏"‏ وكذا لابن حبان

    .......
    ( ج5/ ص 144)
    عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ‏"‏ وهو تابعي ثقة، ذكر الدمياطي عن الخطيب أنه لم يرو عن غير ابن عباس ولا حدث عنه إلا الزهري ولم يتعقبه
    ( ج5/ ص 147)
    ال الطبري‏:‏ معناه أن يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضر غيره، والحكمة في جعلها سبعة أذرع لتسلكها الأحمال والأثقال دخولا وخروجا ويسع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق، فإن كان الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وإن كان أقل منع لئلا يضيق الطريق على غيره‏.‏
    ( ج5/ ص 153)
    قال النووي‏:‏ فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلا أو كثيرا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه‏.‏
    وقال بعض المالكية‏:‏ لا يجوز إذا طلب الشيء الخفيف‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال‏؟‏ وحكى ابن المنذر عن الشافعي قال‏:‏ من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه أو يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله‏.‏
    قال ابن المنذر‏:‏ والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث المجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 156)
    عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت‏:‏ يا رسول الله ما كفارته‏؟‏ قال‏:‏ إناء كإناء وطعام كطعام ‏"‏ إسناده حسن‏:‏ ولأحمد وأبي داود عنها ‏"‏ فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة


  3. #163
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    .............................. ...........
    كتاب الشركة
    ( ج5/ ص 158)
    الشركة : وهي شرعا‏:‏ ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد كالإرث‏.‏
    ( ج5/ ص 159)
    ذكر محمد بن عبد الملك التاريخي أن أول من أحدث النهد حضين - بمهملة ثم معجمة مصغر - الرقاشي‏.‏
    وهو بعيد لثبوته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وحضين لا صحبة له، فإن ثبتت احتملت أوليته فيه في زمن مخصوص أو في فئة مخصوصة‏.‏
    ( ج5/ ص 161)
    أن الشريكين إذا خلط رأس مالهما فالربح بينهما، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند القسمة بقدر ذلك، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما وهما شريكان، فدل ذلك على أن كل شريكين في معناهما‏.
    ( ج5/ ص 162)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم كما قال أهل الظاهر، لأن الذي يوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التشاح لاختلاف الناس في الأكل، لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعض لم يحل له ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 163)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في قسمتها بغير تقويم‏:‏ فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التراضي، ومنعه الشافعي وحجته حديث ابن عمر فيمن أعتق بعض عبده فهو نص في الرقيق وألحق الباقي به‏.‏
    ( ج5/ ص 164)
    قال ابن بطال‏:‏ اتفقوا على أنه لا تجوز المشاركة في مال اليتيم إلا إن كان لليتيم في ذلك مصلحة راجحة‏.‏
    ( ج5/ ص 166)
    قال ابن بطال‏:‏ أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه‏.‏
    وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري ا هـ، وزاد الشافعي أن لا تختلف الصفة أيضا كالصحاح والمكسرة، وإطلاق البخاري الترجمة يشعر بجنوحه إلى قول الثوري، وقوله‏:‏ ‏"‏ وما يكون في الصرف ‏"‏ أي كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الأكثر‏:‏ يصح في كل مثلي وهو الأصح عند الشافعية، وقيل يختص بالنقد المضروب‏.‏
    ( ج5/ ص 168)
    أشار البخاري إلى مخالفة من خالف في الجواز كالثوري والليث وأحمد وإسحاق، وبه قال مالك إلا أنه أجازه إذا كان يتصرف بحضرة المسلم، وحجتهم خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحل كالربا وثمن الخمر والخنزير، واحتج الجمهور بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة جاز في غيرها، وبمشروعية أخذ الجزية منهم مع أن في أموالهم ما فيها‏.‏
    ( 5/ ص 170)
    أن ابن جريج عن طاوس منقطع، فقد قال الأئمة إنه لم يسمع من مجاهد ولا من عكرمة وإنما أرسل عنهما وطاوس من أقرانهما‏.‏
    وإنما سمع من عطاء لكونه تأخرت عنهما وفاته نحو عشرين سنة
    كتاب الرهن
    ( ج5/ ص 174)
    ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله ‏"‏ وهذا اليهودي هو أبو الشحم، بينه الشافعي ثم البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعا له عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر في شعير ‏"‏ انتهى، وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة اسمه كنيته، وظفر بفتح الظاء والفاء بطن من الأوس وكان حليفا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة موحدة ممدودة ومكسورة اسم الفاعل من الإباء، وكأنه التبس عليه بأبي اللحم الصحابي، وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعا كما سيأتي للمصنف من حديث عائشة في الجهاد وأواخر المغازي‏.‏
    ( ج5/ ص 176)
    ووقع في أواخر المغازي من طريق الثوري عن الأعمش بلفظ ‏"‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة ‏"‏ وفي حديث أنس عند أحمد ‏"‏ فما وجد ما يفتكها به ‏"‏ وفيه دليل على أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ‏"‏ نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ‏"‏ قيل هذا محله في غير نفس الأنبياء فإنها لا تكون معلقة بدين فهي خصوصية، وهو حديث صححه ابن حبان وغيره ‏"‏ من لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء ‏"‏ وإليه جنح الماوردي؛ وذكر ابن الطلاع في ‏"‏ الأقضية النبوية ‏"‏ أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن روى ابن سعد عن جابر أن أبا بكر قضى عدات النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا قضى ديونه ‏"‏ وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي مرسلا ‏"‏ أن أبا بكر افتك الدرع وسلمها لعلي بن أبي طالب ‏"‏ وأما من أجاب بأنه صلى الله عليه وسلم افتكها قبل موته فمعارض بحديث عائشة رضي الله عنها‏.‏
    ( ج5/ ص 177)
    وقال السهيلي‏:‏ في قوله‏:‏ ‏"‏ من لكعب بن الأشرف ‏"‏ جواز قتل من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا عهد خلافا لأبي حنيفة، كذا قال، وليس متفقا عليه عند الحنفية‏.‏
    _( ج5/ ص 178)
    وطائفة قالوا‏:‏ ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث، وأما دعوى الإجمال فيه فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن لأن الحديث وإن كان مجملا لكنه يختص بالمرتهن لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقا عليه بخلاف المرتهن، وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين‏:‏ أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضي في أبواب المظالم ‏"‏ لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه ‏"‏ انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 180)
    احتج الموفق في المغني بأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكن استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مئونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها‏.‏
    كتاب " العتق "
    ( ج5/ ص 181)
    المراد بفك الرقبة تخليص الشخص من الرق من تسمية الشيء باسم بعضه، وإنما خصت بالذكر إشارة إلى أن حكم السيد عليه كالغل في رقبته فإذا أعتق فك الغل من عنقه، وجاء في حديث صحيح ‏"‏ أن فك الرقبة مختص بمن أعان في عتقها حتى تعتق ‏"‏ رواه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث البراء بن عازب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أعتق النسمة وفك الرقبة‏.‏
    يل يا رسول الله أليستا واحدة‏؟‏ قال‏:‏ لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها ‏"‏ وهو في أثناء حديث طويل أخرج الترمذي بعضه وصححه، وإذا ثبت الفضل في الإعانة على العتق ثبت الفضل في التفرد بالعتق من باب الأولى‏.‏
    ( ج5/ ص 183)
    أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى خلافا لمن فضل عتق الأنثى محتجا بأن عتقها يستدعي صيرورة ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد بخلاف الذكر، ومقابله في الفضل أن عتق الأنثى غالبا يستلزم ضياعها، ولأن في عتق الذكر من المعاني العامة ما ليس في الأنثى كصلاحيته للقضاء وغيره مما يصلح للذكور دون الإناث‏.‏
    ( ج5/ ص 183)
    قال ابن المنير‏:‏ فيه إشارة إلى أنه ينبغي في الرقبة التي تكون للكفارة أن تكون مؤمنة، لأن الكفارة منقذة من النار فينبغي أن لا تقع إلا بمنقذة من النار‏.‏
    ( ج5/ ص 184)
    قال البخاري :حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرّ
    قال ابن حجر :
    هذا من أعلى حـديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ شيخه من التابعين وإن كان هنا روى عن تابعي آخر وهو أبوه
    ( ج5/ ص 185)
    قال النووي‏:‏ محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال‏:‏ وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل، لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحم ا هـ‏.
    الذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعا كان أفضل سواء قل أو كثر، واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره وقالوا‏:‏ المراد بقوله أغلى ثمنا من المسلمين، وقد تقدم تقييده بذلك في الحديث
    ( ج5/ ص 185)
    أن الكف عن الشر داخل في فعل الإنسان وكسبه حتى يؤجر عليه ويعاقب، غير أن الثواب لا يحصل مع الكف إلا مع النية والقصد لا مع الغفلة والذهول قاله القرطبي ملخصا‏.‏
    ( ج5/ ص 187)
    ‏باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء‏)‏ قال ابن التين‏:‏ أراد أن العبد كالأمة لاشتراكهما في الرق قال‏:‏ وقد بين في حديث ابن عمر في آخر الباب أنه كان يفتي فيهما بذلك انتهى، وكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه‏:‏ إن هذا الحكم مختص بالذكور وهو خطأ، وادعى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة وفيه نظر، ولعله أراد المملوك‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ العبد اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال إسحاق‏:‏ إن هذا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور فلم يفرقوا في الحكم بين الذكر والأنثى إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إلا آتى الرحمن عبدا‏)‏ فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعا، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق، قال‏:‏ وحديث ابن عمر من طريق موسى بن عقبة عن نافع عنه ‏"‏ أنه كان يفتي في العبد والأمة يكون بين الشركاء ‏"‏ الحديث
    قد قال إمام الحرمين‏:‏ إدراك كون الأمة في هذا الحكم كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع والفرق، والله أعلم‏.‏
    قلت‏:‏ وقد فرق بينهما عثمان الليثي بمأخذ آخر فقال‏:‏ ينفذ عتق الشريك في جميعه ولا شيء عليه لشريكه إلا أن تكون الأمة جميلة تراد للوطء فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر، قال النووي‏:‏ قول إسحاق شاذ، وقول عثمان فاسد ا هـ‏.‏
    وإنما قيد المصنف العبد باثنين والأمة بالشركاء اتباعا للفظ الحديث الوارد فيهما، وإلا فالحكم في الجميع سواء‏.‏
    ( ج5/ ص 191)
    وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعة، قال الشافعي‏:‏ لا أحسب عالما بالحديث يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه كان ألزم له منه، حتى ولو استويا فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي‏:‏ قلت لابن معين مالك في نافع أحب إليك أو أيوب‏؟‏ قال‏:‏ مالك‏.‏
    ( الزيادة المتعلقة بحكم المعسر هل هي موصولة مرفوعة أو منقطعة مقطوعة ؟)
    ( ج5/ ص 192)
    أن الموسر إذا أعتق نصيبه من مملوك عتق كله قال ابن عبد البر‏:‏ لا خلاف في أن التقويم لا يكون إلا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق‏:‏ فقال الجمهور والشافعي في الأصح وبعض المالكية‏:‏ إنه يعتق في الحال‏.‏
    وقال بعض الشافعية لو أعتق الشريك نصيبه بالتقويم كان لغوا ويغرم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب في الباب حيث قال‏:‏ ‏"‏ من أعتق نصيبا وكان له من المال ما يبلغ قيمته فهو عتيق ‏"‏ وأوضح من ذلك رواية النسائي وابن حبان وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ من أعتق عبدا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته ‏"‏ وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب عن نافع ‏"‏ فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه فهو عتيق كله، حتى لو أعسر الموسر المعتق بعد ذلك استمر العتق وبقي ذلك دينا في ذمته، ولو مات أخذ من تركته، فإن لم يخلف شيئا لم يكن للشريك شيء واستمر العتق ‏"‏ والمشهور عند المالكية أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي
    ( ج5/ ص 196)
    قال الإسماعيلي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏ ثم استسعي العبد ‏"‏ ليس في الخبر مسندا، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام‏.‏
    وقال ابن المنذر والخطابي‏:‏ هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن‏.‏
    قلت‏:‏ ورواية همام قد أخرجها أبو داود عن محمد بن كثير عنه عن قتادة لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلا ولفظه ‏"‏ أن رجلا أعتق شقصا من غلام، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه وغرمه بقية ثمنه ‏"‏ نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همام فذكر فيه السعاية وفصلها من الحديث المرفوع أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدار قطني والخطابي والحاكم في ‏"‏ علوم الحديث ‏"‏ والبيهقي والخطيب في ‏"‏ الفصل والوصل ‏"‏ كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمد بن كثير سواء وزاد ‏"‏ قال فكان قتادة يقول‏:‏ إن لم يكن له مال استسعي العبد قال الدار قطني‏:‏ سمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام ضبطه وفصل بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول قتادة، هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج‏.‏
    وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة، لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة إن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة‏:‏ هشام وسعيد أثبت في قتادة من همام، وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة
    والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي ‏"‏ وإلا فقد عتق منه ما عتق
    قلت‏:‏ ويؤيد ذلك أن البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنه أفتى بذلك، والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي، قال ابن دقيق العيد‏:‏ حسبك بما اتفق عليه الشيخان فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليها مثل تلك التعليلات، وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته
    هو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء، فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا لأنه أورده مختصرا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد والله أعلم‏.‏
    وقد احتج بعض من ضعف رفع الاستسعاء بزيادة وقعت في الدار قطني وغيره من طريق إسماعيل بن أمية وغيره عن نافع عن ابن عمر قال في آخره ‏"‏ ورق منه ما بقي ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي وليس بالمشهور عن يحيى بن أيوب وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها فليس فيها أنه يستمر رقيقا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك فللذي صحح رفعه أن يقول‏:‏ معنى الحديثين أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق، ثم يستسعي في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري‏.‏
    ( ج5/ ص 197)
    وجمع بعضهم بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك‏:‏ المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في حصة الذي لم يعتق رقيقا فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قالوا ومعنى قوله‏:‏ ‏"‏ غير مشقوق عليه ‏"‏ أي من وجه سيده المذكور فلا يكلفه من الخدمة فوق حصة الرق، لكن يرد على هذا الجمع قوله في الرواية المتقدمة ‏"‏ واستسعي في قيمته لصاحبه‏"‏، واحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين عند مسلم ‏"‏ أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ‏"‏
    ( ج5/ ص 198)
    الاستسعاء إنما هو في صورة الإعسار كما تقدم فلا حجة فيه، وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسرا أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرون، ثم اختلفوا فقال الأكثر‏:‏ يعتق جميعه في الحال ويستسعي العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال‏:‏ ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك‏.‏
    وقال أبو حنيفة وحده‏:‏ يتخير الشريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب
    وعن عطاء يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق، وخالف الجميع زفر فقال‏:‏ يعتق كله وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرا، وترتب في ذمته إن كان معسرا‏.‏
    ( ج5/ ص 198)
    الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيرا بلفظ ‏"‏ رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ‏"‏ أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس، إلا أنه بلفظ ‏"‏ وضع ‏"‏ بدل ‏"‏ رفع ‏"‏ وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في فوائده بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجة بلفظ ‏"‏ رفع ‏"‏ ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بعلة غير قادحة، فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد ‏"‏ عبيد بن عمير ‏"‏ بين عطاء وابن عباس أخرجه الدار قطني والحاكم والطبراني‏.‏
    وهو حديث جليل، قال بعض العلماء‏:‏ ينبغي أن يعد نصف الإسلام، لأن الفعل إما عن قصد واختيار أو لا، الثاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه فهذا القسم معفو عنه باتفاق وإنما اختلف العلماء‏:‏ هل المعفو عنه الإثم أو الحكم أو هما معا‏؟‏ وظاهر الحديث الأخير، وما خرج عنه كالقتل فله دليل منفصل
    ( ج5/ ص 199)
    قال المهلب لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبده هو لله ونوى العتق أنه يعتق، وأما الإشهاد في العتق فهو من حقوق المعتق، وإلا فقد تم العتق وإن لم يشهد‏.‏
    قلت‏:‏ وكأن المصنف أشار إلى تقييد ما رواه هشيم عن مغيرة ‏"‏ أن رجلا قال لعبده أنت لله، فسئل الشعبي وإبراهيم وغيرهما فقالوا‏:‏ هو حر ‏"‏ أخرجه ابن أبي شيبة، فكأنه قال محل ذلك إذا نوى العتق، وإلا فلو قصد أنه لله بمعنى غير العتق لم يعتق‏.‏
    ( ج5/ ص 203)
    لا دليل فيه على جواز بيع أم الولد ولا عدمه، قال النووي‏:‏ استدل به إمامان جليلان أحدهما على جواز بيع أمهات الأولاد والآخر على منعه، فأما من استدل به على الجواز فقال‏:‏ ظاهر قوله‏:‏ ‏"‏ ربها ‏"‏ أن المراد به سيدها لأن ولدها من سيدها ينزل منزلة سيدها لمصير مال الإنسان إلى ولده غالبا، وأما من استدل به على المنع فقال‏:‏ لا شك أن الأولاد من الإماء كانوا موجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه كثيرا، والحديث مسوق للعلامات التي قرب قيام الساعة، فدل على حدوث قدر زائد على مجرد التسري‏.
    قال‏:‏ والمراد أن الجهل يغلب في آخر الزمان حتى تباع أمهات الأولاد فيكثر ترداد الأمة في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهو لا يدري، فيكون فيه إشارة إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يخفى تكلف الاستدلال من الطرفين، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 206)
    كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسا ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا ‏"‏ وقول الصحابي‏:‏ ‏"‏ كنا نفعل ‏"‏ محمول على الرفع على الصحيح، وعليه جرى عمل الشيخين في صحيحهما ولم يستند الشافعي في القول بالمنع إلا إلى عمر فقال‏:‏ قلته تقليدا لعمر‏.‏
    قال بعض أصحابه‏:‏ لأن عمر لما نهى عنه فانتهوا صار إجماعا، يعني فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك، ولا يتعين معرفة سند الإجماع‏.‏
    ( ج5/ ص 206)
    قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة من نعيم ‏"‏ ا ه‏.‏
    وكذا قال ابن العربي وعياض وغير واحد، لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولا ترد الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضا كان يقال له النحام‏.‏
    والنحمة بفتح النون وإسكان المهملة‏:‏ الصوت وقيل السعلة وقيل النحنحة‏.‏
    ونعيم المذكور هو ابن عبد الله بن أسيد بن عبد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي، وأسيد وعبيد وعويج في نسبه مفتوح أول كل منها، قرشي عدوي أسلم قديما قبل عمر فكتم إسلامه، وأراد الهجرة فسأله بنو عدي أن يقيم على أي دين شاء لأنه كان ينفق على أراملهم وأيتامهم ففعل، ثم هاجر عام الحديبية ومعه أربعون من أهل بيته، واستشهد في فتوح الشام زمن أبي بكر أو عمر‏.‏
    وروى الحارث في مسنده بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صالحا، وكان اسمه الذي يعرف به نعيما‏.‏
    ( ج5/ ص 207)
    باب بيع المدبر ‏"‏ من البيوع نقل مذاهب الفقهاء في بيع المدبر، وأن الجواز مطلقا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وقد نقله البيهقي في ‏"‏ المعرفة ‏"‏ عن أكثر الفقهاء، وحكى النووي عن الجمهور مقابله وعن الحنفية والمالكية أيضا تخصيص المنع بمن دبر تدبيرا مطلقا، أما إذا قيده - كأن يقول‏:‏ إن مت من مرضي هذا ففلان حر - فإنه يجوز بيعه لأنها كالوصية فيجوز الرجوع فيها، وعن أحمد يمتنع بيع المدبرة دون المدبر، وعن الليث يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه، وعن ابن سيرين لا يجوز بيعه إلا من نفسه، ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة فقال‏:‏ من منع بيعه مطلقا كان الحديث حجة عليه لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي‏.‏
    ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول‏:‏ قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور‏.‏
    ( ج5/ ص 207)
    قال الخطابي‏:‏ لما كان الولاء كالنسب كان من أعتق ثبت له الولاء كمن ولد له ولد ثبت له نسبه؛ فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده، وكذا إذا أراد نقل ولائه عن محله لم ينتقل‏.‏
    ( ج5/ ص 208)
    وقال جمع من الحفاظ دخل لضمرة حديث في حديث، وإنما روى الثوري بهذا الإسناد حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الإسناد فصححوه، وقد أخذ بعمومه الحنفية والثوري والأوزاعي والليث‏.‏
    وقال داود لا يعتق أحد على أحد، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق على المرء إلا أصوله وفروعه، لا لهذا الدليل بل لأدلة أخرى، وهو مذهب مالك وزاد الإخوة حتى من الأم، وزعم ابن بطال أن في حديث الباب حجة عليه وفيه نظر .
    ( ج5/ ص 209)
    أجاب ابن المنير عن ذلك أن الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداء، بل يتخير الإمام بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء أو المن، فالغنيمة سبب إلى الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرد الغنيمة، ولعل هذا هو النكتة في إطلاق المصنف الترجمة، ولعله يذهب إلى أنه يعتق إذا كان مسلما ولا يعتق إذا كان مشركا وقوفا عندما ورد به الخبر‏.‏
    ( ج5/ ص 208)
    قال ابن الجوزي‏:‏ صحف بعض المحدثين لجهله بالنسب فقال‏:‏ ‏"‏ ابن أخينا ‏"‏ بكسر الخاء بعدها تحتانية، وليس هو ابن أخيهم، إذ لا نسب بين قريش والأنصار، قال‏:‏ وإنما قالوا ابن أختنا لتكون المنة عليهم في إطلاقه بخلافه ما لو قالوا عمك لكانت المنة عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا من قوة الذكاء وحسن الأدب في الخطاب، وإنما امتنع صلى الله عليه وسلم من إجابتهم لئلا يكون في الدين نوع محاباة‏.‏
    ( ج5/ ص 209)
    جرى ابن بطال فقال لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعا، وإنما اختلفوا في عتقه عن الكفارة، وحديث الباب في قصة حكيم بن حزام حجة في الأول، لأن حكيما لما أعتق وهو كافر لم يحصل له الأجر إلا بإسلامه فمن فعل ذلك وهو مسلم لم يكن بدونه بل أولى ا هـ‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ الذي يظهر أن مراد البخاري أن المشرك إذا أعتق مسلما نفذ عتقه وكذا إذا أعتق كافرا فأسلم العبد، قال‏:‏ وأما قوله‏:‏ ‏"‏ أسلمت على ما سلف لك من خير ‏"‏ فليس المراد به صحة التقرب منه في حال كفره، وإنما تأويله أن الكافر إذا فعل ذلك انتفع به إذا أسلم لما حصل له من التدرب على فعل الخير فلم يحتج إلى مجاهدة جديدة، فيثاب بفضل الله عما تقدم بواسطة انتفاعه بذلك بعد إسلامه انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 211)
    اختلف قول مالك فقال‏:‏ من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا بشرط‏.‏
    وقال فيمن أعتق عبدا وله مال‏:‏ فإن المال للعبد إلا بشرط‏.‏
    قال‏:‏ وحجته في البيع حديثه عن نافع المذكور وهو نص في ذلك، وحجته في العتق ما رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر رفعه ‏"‏ من أعتق عبدا فمال العبد له، إلا أن يستثنيه بسيده‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وهو حديث أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، وفرق بعض أصحاب مالك بأن الأصل أنه لا يملك، لكن لما كان العتق صورة إحسان إليه ناسب ذلك أن لا ينزع منه ما بيده تكميلا للإحسان، ومن ثم شرعت المكاتبة وساغ له أن يكتسب ويؤدي إلى سيده، ولولا أن له تسلطا على ما بيده في صورة العتق ما أغنى ذلك عنه شيئا، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 211)
    وبنو المصطلق بطن شهير من خزاعة وهو المصطلق بن سعيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال إن المصطلق لقب واسمه جذيمة بفتح الجيم بعدها ذال معجمة مكسورة،
    ( ج5/ ص 212)
    بني تميم :أي القبيلة الكبيرة المشهورة ينتسبون إلى تميم بن مر بضم الميم بلا هاء ابن أد بضم أوله وتشديد الدال ابن طابخة بموحدة مكسورة ومعجمة ابن إلياس بن مضر‏.‏
    ( ج5/ ص 215)
    الخول بفتح المعجمة والواو هم الخدم سموا بذلك لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها، ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان، ويقال الخول جمع خائل وهو الراعي، وقيل التخويل التمليك تقول خولك الله كذا أي ملكك إياه‏.‏
    ( ج5/ ص 216)
    فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك وإن كان جائزا، وفي الموطأ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ‏"‏ وهو يقتضي الرد في ذلك إلى العرف، فمن زاد عليه كان متطوعا‏.‏
    وأما ما حكاه ابن بطال عن مالك أنه سئل عن حديث أبي ذر فقال‏:‏ ‏"‏ كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت ‏"‏ واستحسنه ففيه نظر لا يخفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحسبه‏.‏
    ( ج5/ ص 217)
    ‏والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك‏)‏ ظاهر هذا السياق رفع هذه الجمل إلى آخرها وعلى ذلك مجرى الخطابي فقال‏:‏ لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرق كما امتحن يوسف ا هـ‏.‏
    وجزم الداودي وابن بطال وغير واحد بأن ذلك مدرج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله‏:‏ ‏"‏ وبر أمي ‏"‏ فإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أم يبرها، ووجهه الكرماني فقال أراد بذلك تعليم أمته، أو أورده على سبيل فرض حياتها أو المراد أمه التي أرضعته ا هـ‏.‏
    زاد مسلم في آخر طريق ابن وهب ‏"‏ قال - يعني الزهري - وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها ‏"‏ ولأبي عوانة وأحمد من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه كان يسمعه يقول‏:‏ ‏"‏ لولا أمران لأحببت أن أكون عبدا، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ما خلق الله عبدا يؤدي حق الله عليه وحق سيده إلا وفاه الله أجره مرتين ‏"‏ فعرف بذلك أن الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة، ثم استدل له بالمرفوع؛ وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم فقد يحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية‏
    ( ج5/ ص 218)
    اسم أم أبي هريرة أميمة بالتصغير وقيل ميمونة، وهي صحابية ذكر إسلامها في ‏"‏ صحيح مسلم ‏"‏ وبيان اسمها في ‏"‏ ذيل المعرفة ‏"‏ لأبي موسى قال ابن عبد البر‏:‏ معنى هذا الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان طاعة ربه في العبادات وطاعة سيده في المعروف فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، قال ومن هنا أقول‏:‏ إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس له عليه إلا فرض واحد فأداه كمن وجب عليه صلاة وزكاة فقام بهما فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها ا ه
    ( ج5/ ص 220)
    أخرجه المؤلف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق حجاج الصواف عن أبي الزبير قال‏:‏ ‏"‏ حدثنا جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من سيدكم يا بني سلمة‏؟‏ قلنا‏:‏ الجد بن قيس، على أنا نبخله‏.‏
    قال‏:‏ وأي داء أدوى من البخل‏؟‏ بل سيدكم عمرو بن الجموح ‏"‏ وكان عمرو يعترض على أصنامهم في الجاهلية، وكان يولم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج‏.‏
    وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، ورواه ابن عائشة في نوادره من طريق الشعبي مرسلا وزاد‏:‏ قال فقال بعض الأنصار في ذلك‏:‏ وقال رسول الله والقول قوله لمن قال منا من تسمون سيدا فقالوا له جد بن قيس على التي نبخله فيها وإن كان أسودا فسود عمرو بن الجموح لجوده وحق لعمرو بالندى أن يسودا انتهى‏.
    ( ج5/ ص 221)
    والجد بفتح الجيم وتشديد الدال هو ابن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بسكون النون ابن كعب بن سلمة بكسر اللام، يكنى أبا عبد الله، له ذكر في حديث جابر أنه حمله معه في بيعة العقبة‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ كان يرمى بالنفاق، ويقال‏:‏ إنه تاب وحسنت توبته، وعاش إلى أن مات في خلافة عثمان‏.‏
    وأما عمرو بن الجموح بفتح الجيم وضم الميم الخفيفة وآخره مهملة ابن زيد بن حرام بمهملتين ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، قال ابن إسحاق‏:‏ كان من سادات بني سلمة، وذكر له قصة في صنمه وسبب إسلامه وقوله فيه‏:‏ تالله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن‏.‏
    ( ج5/ ص 222)
    وقال ابن بطال‏:‏ لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله أ هـ‏.‏
    والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام ‏(‏اذكرني عند ربك‏)‏ ‏.‏
    ( ج5/ ص 223)
    فيه جواز إطلاق العبد على مالكه سيدي، قال القرطبي وغيره‏:‏ إنما فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقا، واختلف في السيد، ولم يرد في القرآن أنه من أسماء الله تعالى‏.‏
    فإن قلنا إنه ليس من أسماء الله تعالى فالفرق واضح إذ لا التباس وإن قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك أيضا، وقد روى أبو داود والنسائي وأحمد والمصنف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من حديث عبد الله بن الشخير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ السيد الله ‏"‏ وقال الخطابي‏:‏ إنما أطلقه لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيدا، قال‏:‏ وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولي وناصر وغير ذلك، ولكن لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلا في صفة الله تعالى انتهى‏.‏
    وفي الحديث جواز إطلاق مولاي أيضا، وأما ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث نحوه وزاد ‏"‏ ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله، ولكن ليقل سيدي ‏"‏ فقد بين مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش وأن منهم من ذكر هذه الزيادة ومنهم من حذفها‏.‏
    وقال عياض‏:‏ حذفها أصح‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ المشهور حذفها قال‏:‏ وإنما صرنا إلى الترجيح للتعارض مع تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 226)
    ال النووي‏:‏ قال العلماء إنما نهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين ا هـ‏.‏
    والتعليل المذكور حسن، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر، فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد ‏"‏ فإن الله خلق آدم على صورته ‏"‏ واختلف في الضمير على من يعود‏؟‏ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه ‏"‏ إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ‏"‏ قال‏:‏ وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في ذلك‏.‏
    وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال‏:‏ وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى‏.‏
    قلت‏:‏ الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ‏"‏ السنة ‏"‏ والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال‏:‏ ‏"‏ من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن ‏"‏ فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله، وسيأتي في أول كتاب الاستئذان من طريق همام عن أبي هريرة رفعه‏:‏ خلق الله آدم على صورته الحديث، وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل، وقد قال المازري‏:‏ غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال‏:‏ صورة لا كالصور انتهى‏.‏
    وقال حرب الكرماني في ‏"‏ كتاب السنة ‏"‏ سمعت إسحاق بن راهويه يقول‏:‏ صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن‏.‏
    وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول هو حديث صحيح وقال الطبراني في كتاب السنة ‏"‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال‏:‏ كذب هو قول الجهمية ‏"‏ انتهى‏.‏
    وقد أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته ‏"‏ وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة وجهه ‏"‏ ولم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم‏.‏
    ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي ‏"‏ أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال‏:‏ أو ما علمت أن الصورة محترمة ‏"‏ أخرجه مسلم وغيره‏.‏

  4. #164
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب المكاتب
    ( ج5/ ص 227)
    قوله‏:‏ ‏(‏ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال‏)‏
    سيرين المذكور يكنى أبا عمرة، وهو والد محمد بن سيرين الفقيه المشهور وإخوته، وكان من سبي عين التمر اشتراه أنس في خلافة أبي بكر، وروى هو عن عمر وغيره، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين‏.
    ‏لابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال‏:‏ ‏"‏ هذه مكاتبة أنس عندنا‏:‏ هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين‏:‏ كاتبه على كذا وكذا ألف وعلى غلامين يعملان مثل عمله ‏"‏ واستدل بفعل عمر على أنه كان يرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبد، لأن عمر لما ضرب أنسا على الامتناع دل على ذلك، وليس ذلك بلازم لاحتمال أنه أدبه على ترك المندوب المؤكد، وكذلك ما رواه عبد الرزاق‏:‏ ‏"‏ أن عثمان قال لمن سأله الكتابة‏:‏ لولا آية من كتاب الله ما فعلت ‏"‏ فلا يدل أيضا على أنه كان يرى الوجوب‏.‏
    ونقل ابن حزم القول بوجوبها عن مسروق والضحاك، زاد القرطبي‏:‏ وعكرمة‏.‏
    وعن إسحاق بن راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك‏.‏
    وعن إسحاق بن راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك‏.‏
    وللشافعي قول بالوجوب، وبه قال الظاهرية، واختاره ابن جرير الطبري‏.‏
    قال ابن القصار‏:‏ إنما علا عمر أنسا بالدرة على وجه النصح لأنس، ولو كانت الكتابة لزمت أنسا ما أبى، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الأمر بكتابته غير واجب، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ خذ كسبي وأعتقني ‏"‏ يصير بمنزلة قوله أعتقني بلا شيء وذلك غير واجب اتفاقا ومحل الوجوب عند من قال به إن كان العبد قادرا على ذلك ورضي السيد بالقدر الذي تقع به المكاتبة‏.‏
    وقال أبو سعيد الإصطخري‏:‏ القرينة الصارفة للأمر في هذا عن الوجوب الشرط في قوله‏:‏ ‏(‏إن علمتم فيهم خيرا‏)
    ( ج5/ ص 231)
    قال ابن بطال‏:‏ المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة‏.‏
    وقال ابن خزيمة‏:‏ ليس في كتاب الله أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل، لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل‏.‏
    وقال النووي‏:‏ قال العلماء الشروط في البيع أقسام، أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه، الثاني شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا، الثالث اشتراط العتق في العبد وهو جائز عند الجمهور لحديث عائشة وقصة بريرة، الرابع ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏ ليس في كتاب الله ‏"‏ أي ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا، ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع وكذلك القياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا‏.‏
    ( ج5/ ص 223)
    ‏إن بريرة‏)‏ هي بفتح الموحدة بوزن فعيلة، مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك‏.‏
    وقيل إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة، هكذا وجهه القرطبي‏.‏
    والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير اسم جويرية وكان اسمها برة وقال‏:‏ ‏"‏ لا تزكوا أنفسكم ‏"‏ فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك‏.
    ‏وكانت بريرة لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل لناس من بني هلال قاله ابن عبد البر، ويمكن الجمع‏.‏
    وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما سيأتي في حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها‏
    فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك، ويؤيده قوله في بقية حديث الزهري في هذا الباب ‏"‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ابتاعي فأعتقي
    ( ج5/ ص 235)
    خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء‏)‏ قال ابن عبد البر وغيره‏:‏ كذا رواه أصحاب هشام عن عروة وأصحاب مالك عنه عن هشام، واستشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط فاسد، واختلف العلماء في ذلك‏:‏ فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في ‏"‏ العالم ‏"‏ بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل‏.‏
    وأشار غيره إلى أنه روي بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا‏:‏ هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته فلا وجه لرده‏.‏
    ثم اختلفوا في توجيهها‏:‏ فزعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ ‏"‏ وأشرطي ‏"‏ بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه‏:‏ أظهري لهم حكم الولاء‏.‏
    والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر ‏"‏ فأشرط فيها نفسه وهو معصم ‏"‏ أي أظهر نفسه انتهى‏.‏
    وأنكر غيره الرواية‏.
    ‏وضعفه أيضا ابن دقيق العيد وقال‏:‏ اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بد في حملها على ذلك من قرينة‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ الأمر في قوله‏:‏ ‏"‏ اشترطي ‏"‏ للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول‏:‏ اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم‏.‏
    ويقوي هذا التأويل قوله في رواية أيمن الآتية آخر أبواب المكاتب ‏"‏ اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ‏"‏ وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريدا به التهديد على مآل الحال كقوله‏:‏ ‏(‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله‏)‏ وكقول موسى‏:‏ ‏(‏ألقوا ما أنتم ملقون‏)‏ أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنه يقول‏:‏ اشترطي لهم فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، ويؤيده قوله حين خطبهم ‏"‏ ما بال رجال يشترطون شروطا إلخ ‏"‏ فوبخهم بهذا القول مشيرا إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله
    وقال النووي‏:‏ أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج‏.‏
    ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدهما، وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، ولأن الشافعي نص وأغرب ابن حزم فقال‏:‏ كان الحكم ثابتا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته صلى الله عليه وسلم وبقوله‏:‏ ‏"‏ إنما الولاء لمن أعتق ‏"‏ ولا يخفى بعدما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب والله المستعان‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبة ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدا ثبت له ولاؤه ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك لأن ذلك غير قادح في العقد بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولا شهيرا يخطب به على المنبر ظاهرا، إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 237)
    جواز كتابة من لا حرفة له وفاقا للجمهور، واختلف عن مالك وأحمد وذلك أن بريرة جاءت تستعين على كتابتها ولم تكن قضت منها شيئا، فلو كان لها مال أو حرفة لما احتاجت إلى الاستعانة لأن كتابتها لم تكن حالة‏.‏
    وقد وقع عند الطبري من طريق أبي الزبير عن عروة ‏"‏ أن عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة وهي لم تقض من كتابتها شيئا ‏"‏ وتقدمت الزيادة من وجه آخر‏.‏
    وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة الناس، والرد على من كره ذلك وزعم أنه أوساخ الناس‏.‏
    وفيه مشروعية معونة المكاتبة بالصدقة، وعند المالكية رواية أنه لا يجزئ عن الفرض‏.‏
    وفيه جواز الكتابة بقليل المال وكثيره، وجواز التأقيت في الديون في كل شهر مثلا كذا من غير بيان أوله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولا لأنه يتبين بانقضاء الشهر الحلول، كذا قال ابن عبد البر، وفيه نظر لاحتمال أن يكون قول بريرة‏:‏ ‏"‏ في كل عام أوقية ‏"‏ أي في غرته مثلا
    ( ج5/ ص 238)
    ال ابن بطال‏:‏ أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه
    وقال النووي‏:‏ صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء‏.‏
    قلت‏:‏ ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه ‏"‏ تهذيب الآثار ‏"‏ ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى‏.‏
    وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك الذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وفائدة‏.‏
    ( ج5/ ص 240)
    وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ‏"‏ ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله، وحجة الجمهور حديث عائشة وهو أقوى، ووجه الدلالة منه أن بريرة بيعت بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرا لامتنع بيعها‏.‏
    في هذا دلالة على أن عقد الكتابة الذي كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع عائشة لها، وفيه رد على من زعم أن عائشة اشترت منهم الولاء، واستدل به الأوزاعي على أن المكاتب لا يباع إلا للعتق، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد تقدم ذكر اختلاف العلماء في ذلك قريبا، والله أعلم‏.‏
    كتاب الهبة
    ( ج5/ ص 243)
    في حديث عائشة المذكور ‏"‏ يا نساء المؤمنين تهادوا ولو فرسن شاة، فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن ‏"‏ وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا‏.‏
    وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف‏.
    ( ج5/ ص 245)
    وزعم صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏ وارتضاه بعض الشراح المتأخرين أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج، وإنما أرادت الحرة والليل، واستدل بأن وجود التمر والماء يقتضي وصفهم بالسعة، وسياقها يقتضي وصفهم بالضيق، وكأنها بالغت في وصف حالهم بالشدة حتى إنه لم يكن عندهم إلا الليل والحرة ا هـ‏.‏
    وما ادعاه ليس بطائل، والإدراج لا يثبت بالتوهم، وقد أشار إلى أن مستنده في ذلك أن بعضهم دعا قوما وقال لهم‏:‏ ما عندي إلا الأسودان فرضوا بذلك، فقال‏:‏ ما أردت إلا الحرة والليل‏.
    ( ج5/ ص 252)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضعة، والأنبياء منزهون عن ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان كما وصفه الله تعالى‏:‏ ‏(‏ووجدك عائلا فأغنى‏)‏ والصدقة لا تحل للأغنياء‏.‏
    وهذا بخلاف الهدية فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه‏.
    ( ج5/ ص 253)
    ‏أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم عليهن الصدقة كما حرمت عليه، لأن عائشة قبلت هدية بريرة وأم عطية مع علمها بأنها كانت صدقة عليهما، وظنت استمرار الحكم بذلك عليها ولهذا لم تقدمها للنبي صلى الله عليه وسلم لعلمها أنه لا تحل له الصدقة، وأقرها صلى الله عليه وسلم على ذلك الفهم ولكنه بين لها أن حكم الصدقة فيها قد تحول فحلت له صلى الله عليه وسلم
    ( ج5/ ص 255)
    روى النسائي وابن ماجه مختصرا من طريق عبد الله البهي عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت، فقال سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها ‏"‏ وقد ذكرته في ‏"‏ باب انتصار الظالم ‏
    ( ج5/ ص 257)
    ا رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ ثلاث لا ترد‏:‏ الوسائد والدهن واللبن ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ يعني بالدهن الطيب، وإسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري فأشار إليه واكتفى بحديث أنس ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة ولذلك كان لا يأكل الثوم ونحوه‏.‏
    قلت‏:‏ لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه، وليس كذلك فإن أنسا اقتدى به في ذلك‏.‏
    وقد ورد النهي عن رده مقرونا ببيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة من طريق عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف الحمل طيب الرائحة ‏"‏ وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال‏:‏ ‏"‏ ريحان ‏"‏ بدل طيب، ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبد الله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ ‏"‏ الطيب ‏"‏ ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد
    ( ج5/ ص 258)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقبه ابن المنير وقال‏:‏ ليس كما قال، بل في نفس الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين‏.‏
    ( ج5/ ص 259)
    أن الذي أهدى قصد أن يعطي أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم‏.‏
    وقال في الجديد كالحنفية‏:‏ الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة‏.‏
    وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلا لكانت بمعنى الصدقة، وليس كذلك فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولا سيما إذا كان فقيرا، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 260)
    حديث ‏"‏ لا يحل لرجل يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ‏"‏ أخرجه أبو داود وابن ماجه بهذا اللفظ من حديث ابن عباس وابن عمر ورجاله ثقات‏.‏
    ( ج5/ ص 261)
    والطبراني عن الشعبي ‏"‏ أن النعمان خطب بالكوفة فقال‏:‏ إن والدي بشير بن سعد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي وأنها قالت‏:‏ أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وفيه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين إحداهما عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن برك النعمان وكانت العطية عبدا، وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم‏.‏
    ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جواب وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا فقالت له أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرة واحدة وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 263)
    ي رواية المغيرة عن الشعبي عند مسلم ‏"‏ اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر ‏"‏ وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد ‏"‏ إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ فلا إذا ‏"‏ ولأبي داود من هذا الوجه ‏"‏ إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك‏"‏، وللنسائي من طريق أبي الضحى ‏"‏ ألا سويت بينهم ‏"‏ وله ولابن حبان من هذا الوجه ‏"‏ سو بينهم ‏"‏ واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب السوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد إسحاق‏.‏
    وقال به بعض المالكية‏.‏
    ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة‏.‏
    وعن أحمد تصح، ويجب أن يرجع‏.‏
    وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه أو نحو ذلك دون الباقين‏.‏
    وقال أبو يوسف‏:‏ تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار‏.‏
    وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره‏.‏
    ثم اختلفوا في صفة التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية‏.‏
    العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات‏.‏
    وقال غيرهم‏:‏ لا فرق بين الذكر والأنثى‏.‏
    وظاهر الأمر بالتسوية يشهد له‏.‏
    واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه ‏"‏ سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء ‏"‏ أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده حسن‏.‏
    وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان بأجوبة‏:‏ أحدها أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل حكاه ابن عبد البر عن مالك‏.‏
    وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث النعمان ‏"‏ قاربوا بين أولادكم ‏"‏ لا ‏"‏ سووا ‏"‏ وتعقب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية‏.‏
    عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته ‏"‏ إني كنت نحلتك نحلا فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث ‏"‏ وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر‏.‏
    أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البر، ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص، وزعم بعضهم أن معنى قوله‏:‏ ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويرده قوله في الرواية ‏"‏ لا أشهد إلا على الحق ‏"‏ وحكى ابن التين عن الداودي أن بعض المالكية احتج بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان، ثم رده عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 265)
    استدل به أيضا على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه وكذلك الأم، وهو قول أكثر الفقهاء، إلا أن المالكية فرقوا بين الأب والأم فقالوا للأم أن ترجع إن كان الأب حيا دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح، وبذلك قال إسحاق‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ للأب الرجوع مطلقا‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقا‏.‏
    وقال الكوفيون‏:‏ إن كان الموهوب صغيرا لم يكن للأب الرجوع، وكذا إن كان كبيرا وقبضها، قالوا وإن كانت الهبة لزوج من زوجته أو بالعكس أو لذي رحم لم يجز الرجوع في شيء من ذلك، ووافقهم إسحاق في ذي الرحم وقال‏:‏ للزوجة أن ترجع بخلاف الزوج، والاحتجاج لكل واحد من ذلك يطول، وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعا، وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب
    فيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 267)
    فروى عبد الرزاق والطحاوي من طريق محمد بن سيرين ‏"‏ أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح فقال للزوج‏:‏ شاهداك أنها وهبت لك من غير كره ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان ‏"‏ وعند عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر أنه كتب ‏"‏ إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت ‏"‏ قال الشافعي‏:‏ لا يرد شيئا إذا خالعها ولو كان مضرا بها، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏)
    ( ج5/ ص 268)
    قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏)‏‏)‏ ، وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقا إلا في الشيء التافه‏.‏
    وأدلة الجمهور من الكتب والسنة كثيرة، واحتج لطاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ وأحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه‏.‏
    ( ج5/ ص 269)
    أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعا ‏"‏ الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ‏"‏ لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقا لاحتمال أن يكون المسكين محتاجا ونفعه بذلك متعديا والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائي المذكورة ‏"‏ فقال أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم ‏"‏ فبين الوجه في الأولوية المذكورة
    ( ج5/ ص 271)
    حديث رواه أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة وهي بنت أم سلمة قالت‏:‏ ‏"‏ لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها‏:‏ إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك، قال‏:‏ وكان كما قال ‏"‏ الحديث‏.‏
    وإسناده حسن‏.‏
    ( ج5/ ص 273)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدين إذا قبل البراءة، قال‏:‏ وإنما اختلفوا إذا وهب دينا له على رجل لرجل آخر، فمن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه ومن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك أن تسلم إليه الوثيقة بالدين ويشهد له بذلك على نفسه أو يشهد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة ا هـ، وعند الشافعية في ذلك وجهان‏:‏ جزم الماوردي بالبطلان، وصححه الغزالي ومن تبعه، وصحح العمراني وغيره الصحة‏.‏
    قيل والخلاف مرتب على البيع إن صححنا بيع الدين من غير من عليه فالهبة أولى، وإن منعناه ففي الهبة وجهان‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 277)
    لما ماتت عائشة رضي الله عنها ورثها أختاها أسماء وأم كلثوم وأولاد أخيها عبد الرحمن، ولم يرثها أولاد محمد أخيها لأنه لم يكن شقيقها، وكأن أسماء أرادت جبر خاطر القاسم بذلك وأشركت معه عبد الله لأنه لم يكن وارثا لوجود أبيه‏.‏
    ( ج5/ ص 279)
    ‏ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح‏)‏ هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا والموقوف أصلح إسنادا من المرفوع، فأما المرفوع فوصله عبد بن حميد من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ‏"‏ وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف، ورواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو كذلك، واختلف على عبد الرزاق عنه في رفعه ووقفه، والمشهور عنه الوقف وهو أصح الروايتين عنه، وله شاهد مرفوع من حديث الحسن بن علي في ‏"‏ مسند إسحاق بن راهويه ‏"‏ وآخر عن عائشة عند العقيلي وإسنادهما ضعيف أيضا، قال العقيلي‏:‏ لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء‏.‏
    ( ج5/ ص 284)
    أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم ‏"‏ أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له، فقال إني لا أقبل هدية مشرك ‏"‏ الحديث رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح‏.‏
    وفي الباب حديث عياض بن حماد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن عياض قال‏:‏ ‏"‏ أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة فقال‏:‏ أسلمت‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ إني نهيت عن زبد المشركين ‏"‏ والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة الرفد، صححه الترمذي وابن خزيمة‏.‏
    وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول‏.‏
    وقيل يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان‏.‏
    وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه‏.‏
    ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس‏.‏
    وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص‏.‏
    ( ج5/ ص 285)
    أخرجه مسلم عن طريق عمرو بن عامر عن قتادة فقال فيه‏:‏ ‏"‏ إن أكيدر دومة الجندل ‏"‏ وأكيدر دومة هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة وسكون الواو بلد بين الحجاز والشام وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع وحصن على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بالجيم والنون ابن أعباء بن الحارث بن معاوية ينسب إلى كندة وكان نصرانيا‏.‏
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به المدينة، فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في المغازي‏.‏
    ( ج5/ ص 287)
    فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم ‏"‏ واسم هذا الأخ عثمان بن حكيم وكان أخا عمر من أمه، أمهما خيثمة بنت هشام بن المغيرة، وهي بنت عم أبي جهل بن هشام بن المغيرة‏.‏
    وقال الدمياطي‏:‏ إنما كان عثمان بن حكيم أخا زيد بن الخطاب أخي عمر لأمه أمهما أسماء بنت وهب‏.‏
    قلت‏:‏ إن ثبت احتمل أن تكون أسماء بنت وهب أرضعت عمر فيكون عثمان بن حكيم أخاه أيضا من الرضاعة كما هو أخو أخيه زيد من أمه‏.‏
    ( ج5/ ص 289)
    وقال الخطابي‏:‏ فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلما ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 291)
    أخرج ابن سعد عن الواقدي بسنده عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ وأهدى تميم الداري له فرسا يقال له الورد فأعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع ‏"‏ الحديث، فعرف بهذا تسميته وأصله،
    ( ج5/ ص 293)
    قد استدل به بعض المتأخرين لقول بعض السلف كشريح إنه يكفي الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه، وترجم أبو داود في السنن ‏"‏ باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم ‏"‏ وساق قصة خزيمة بن ثابت في سبب تسميته ذا الشهادتين وهي مشهورة، والجمهور على أن ذلك خاص بخزيمة والله أعلم‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ يحتمل أن يكون مروان أعطى ذلك من يستحق عنده العطاء من مال الله، فإن كان النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه كان تنفيذا له، وإن لم يكن كان هو المنشئ للعطاء، قال‏:‏ وقد يكون ذلك خاصا بالفيء كما وقع في قصة أبي قتادة حيث قضى له بدعواه وشهادة من كان عنده السلب‏.‏
    ( ج5/ ص 294)
    والعمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي ضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية فيعطي الرجل الدار ويقول له‏:‏ أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها عمرى لذلك، وكذا قيل لها رقبى لأن كلا منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه، وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلها لغة‏.‏
    أما شرعا فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرح باشتراط ذلك‏.‏
    وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس والماوردي عن داود وطائفة‏.‏
    لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية‏.‏
    ( ج5/ ص 297)
    في الباب عدة أحاديث ليس فيها شيء على شرط البخاري، أشهرها حديث أبي أمامة أنه ‏"‏ سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول‏:‏ العارية مؤداة، والزعيم غارم ‏"‏ أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان‏.‏
    قلت‏:‏ في الاستدلال به نظر، وليس فيه دلالة على التضمين لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏(‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏)‏ وإذا تلفت الأمانة لم يلزم ردها‏.‏
    نعم روى الأربعة وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه ‏"‏ على اليد ما أخذت حتى تؤديه ‏"‏ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، فإن ثبت ففيه حجة لقول الجمهور، والله أعلم‏.‏

  5. #165
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب الشهادات
    ( ج5/ ص 313)
    اختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة، فتصح عند الشافعية في النسب قطعا والولادة، وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه والملك على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعا وهي مستوفاة في ‏"‏ قواعد العلائي ‏"‏ وعن أبي حنيفة تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيا، زاد أبو يوسف والولاء، زاد محمد والوقف
    ( ج5/ ص 315)
    قد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إلا الذين تابوا‏)‏ فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل، وبهذا قال الجمهور إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل ويزول عنه اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله،
    وذهب الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة فإذا تاب سقط عنه اسم الفسق؛ وأما شهادته فلا تقبل أبدا‏.‏
    وقال بذلك بعض التابعين‏.‏
    وفيه مذهب آخر يقبل بعد الحد لا قبله‏.‏
    وعن الحنفية لا ترد شهادته حتى يحد، وتعقبه الشافعي بأن الحدود كفارة لأهلها، فهو بعد الحد خير منه قبله فكيف يرد في خير حالتيه ويقبل في شرهما‏.‏
    ( ج5/ ص 316)
    أخرجه عمر بن شبة في ‏"‏ أخبار البصرة ‏"‏ من هذا الوجه، وساق قصة المغيرة هذه من طرق كثيرة محصلها أن المغيرة بن شعبة كان أمير البصرة لعمر، فاتهمه أبو بكرة - وهو نفيع - الثقفي الصحابي المشهور، وكان أبو بكرة ونافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وهو معدود في الصحابة وشبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة ابن معبد بن عتيبة بن الحارث البجلي وهو معدود في المخضرمين وزياد بن عبيد الذي كان بعد ذلك يقال له زياد بن أبي سفيان إخوة من أم أمهم سمية مولاة الحارث بن كلدة، فاجتمعوا جميعا فرأوا المغيرة متبطن المرأة وكان يقال لها الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية وزوجها الحجاج بن عتيك بن الحارث بن عوف الجشمي، فرحلوا إلى عمر فشكوه، فعزله وولى أبا موسى الأشعري، وأحضر المغيرة فشهد عليه الثلاثة بالزنا، وأما زياد فلم يبت الشهادة وقال‏:‏ رأيت منظرا قبيحا، وما أدري أخالطها أم لا، فأمر عمر بجلد الثلاثة حد القذف وقال ما قال‏.
    أخرج القصة الطبراني في ترجمة شبل بن معبد والبيهقي من رواية أبي عثمان النهدي أنه شاهد ذلك عند عمر وإسناده صحيح‏.‏
    ( ج5/ ص 318)
    (‏وقال بعض الناس‏:‏ لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب‏)‏ هذا منقول عن الحنفية، واحتجوا في رد شهادة المحدود بأحاديث قال الحفاظ‏:‏ لا يصح منها شيء، وأشهرها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ‏"‏ لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ‏"‏ أخرجه أبو داود وابن ماجة، ورواه الترمذي من حديث عائشة نحوه وقال‏:‏ ‏"‏ لا يصح ‏"‏ وقال أبو زرعة منكر، وروى عبد الرزاق عن الثوري عن واصل عن إبراهيم قال‏:‏ ‏"‏ لا تقبل شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله ‏"‏ قال الثوري‏:‏ ‏"‏ ونحن على ذلك ‏"‏ وأخرج عبد الرزاق من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس نحوه وهو منقطع، ولم يصب من قال إنه سند قوي‏.‏
    ( ج5/ ص 318)
    جمع البخاري في الترجمة بين السارق والقاذف للإشارة إلى أنه لا فرق في قبول التوبة منهما، وإلا فقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب، نعم ذهب الأوزاعي إلى أن المحدود في الخمر لا تقبل شهادته وإن تاب، ووافقه الحسن بن صالح، وخالفهما في ذلك جميع فقهاء الأمصار‏.‏
    ( ج5/ ص 319)
    قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ
    وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة يحربون بسكون المهملة وكسر الراء بعدها موحدة؛ قال فإن كان محفوظا فهو من قولهم حربه يحربه إذا أخذ ماله وتركه بلا شيء، ورجل محروب أي مسلوب المال‏.‏
    ( ج5/ ص 320)
    قوله‏:‏ ‏(‏ويشهدون ولا يستشهدون‏)‏ يحتمل أن يكون المراد التحمل بدون التحميل أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب، ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعا ‏"‏ ألا أخبركم بخير الشهداء‏؟‏ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ‏"‏ واختلف العلماء في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له‏.‏
    وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد‏.‏
    وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة‏:‏ أحدها أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان يحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما‏.‏
    ثانيها أن المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك، وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق الله‏.‏
    ( ج5/ ص 321)
    (‏ويظهر فيهم السمن‏)‏ أي يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن بالتشديد‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ المراد ذم محبته وتعاطيه لا من تخلق بذلك، وقيل‏:‏ المراد يظهر فيهم كثرة المال، وقيل المراد أنه يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا‏.‏
    وقد رواه الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين بلفظ ‏"‏ ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن ‏"‏ وهو ظاهر في تعاطي السمن على حقيقته‏.‏
    فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب، وإنما كان مذموما لأن السمين غالبا بليد الفهم ثقيل عن العبادة كما هو مشهور‏.‏
    ( ج5/ ص 323)
    قال الطبري‏:‏ أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به، قال‏:‏ وأولى الأقوال عندنا أن المراد به مدح من لا يشهد شيئا من الباطل، والله أعلم‏.‏

    ( ج5/ ص 324)
    والاختلاف في ثبوت الصغائر مشهور، وأكثر ما تمسك به من قال ليس في الذنوب صغيرة كونه نظر إلى عظم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبت الصغائر أن يقول وهي بالنسبة لما فوقها صغيرة
    ال الغزالي‏:‏ إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه‏.‏
    ثم إن مراتب كل من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها‏.‏
    ( ج5/ ص 326)
    أما قول الحسن وابن سيرين فوصله ابن أبي شيبة من طريق أشعث عنهما قالا‏:‏ ‏"‏ شهادة الأعمى جائزة‏"‏‏.‏
    وأما قول الزهري فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب عنه ‏"‏ أنه كان يجيز شهادة الأعمى‏"‏‏.‏
    وأما قول عطاء وهو ابن أبي رباح فوصله الأثرم من طريق ابن جريج عنه قال‏:‏ ‏"‏ تجوز شهادة الأعمى‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 327)
    قد جاء عن ابن عباس أنه كان لا يكتفي برؤية الشمس لأنها تواريها الجبال والسحاب، ويكتفي بغلبة الظلمة على الأفق الذي من جهة المشرق، وأخرجه سعيد بن منصور عنه‏.‏
    ( ج5/ ص 327)
    أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأما من قال يحتمل أنه كان مكاتبا لعائشة فمعارضة للصحيح من الأخبار بمحض الاحتمال وهو مردود، وأبعد من قال يحمل قوله على عائشة بمعنى من عائشة أي استأذنت عائشة في الدخول على ميمونة‏.‏
    ( ج5/ ص 329)
    قال ابن المنذر أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء، فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون، قال‏:‏ واتفقوا على قبول شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، واختلفوا في الرضاع
    ( ج5/ ص 329)
    من اللطائف ما حكاه الشافعي عن أمه أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى، فأراد أن يفرق بينهما امتحانا فقالت له أم الشافعي‏:‏ ليس لك ذلك، لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى‏)‏ ‏.‏
    ( ج5/ ص 331)
    وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال‏:‏ ‏"‏ فرق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم ‏"‏ قال ابن شهاب‏:‏ الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد إلا أنه قال‏:‏ إن شهدت المرضعة وحدها وجب على الزوج مفارقة المرأة ولا يجب عليه الحكم بذلك وإن شهدت معها أخرى وجب الحكم به‏.‏
    واحتج أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم عقبة بفراق امرأته بل قال له ‏"‏ دعها عنك ‏"‏ وفي رواية ابن جريج ‏"‏ كيف وقد زعمت ‏"‏ فأشار إلى أن ذلك على التنزيه، وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة لأنها شهادة على فعل نفسها، وقد أخرج أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقال عمر‏:‏ فرق بينهما إن جاءت بينة، وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت‏.‏
    وعن أبي حنيفة لا تقبل في الرضاع شهادة النساء المتمحضات، وعكسه الإصطخري من الشافعية، وأجاب من لم يقبل شهادة المرضعة وحدها بحمل النهي في قوله‏:‏ ‏"‏ فنهاه عنها ‏"‏ على التنزيه ويحمل الأمر في قوله‏:‏ ‏"‏ دعها عنك ‏"‏ على الإرشاد‏.‏
    ( ج5/ ص 332)
    وفيه إشارة إلى التفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القصد إلى التحديث وعدمه، فيقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ أو قصد الشيخ تحديثه بذلك ‏"‏ حدثني ‏"‏ بالإفراد وفيما عدا ذلك ‏"‏ حدثنا ‏"‏ بالجمع أو ‏"‏ سمعت فلانا يقول ‏"‏ ووقع عند الدار قطني من هذا الوجه ‏"‏ حدثني عقبة بن الحارث ‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ لم يحدثني ولكني سمعته يحدث ‏"‏ وهذا يعين أحد الاحتمالين، وقد اعتمد ذلك النسائي فيما يرويه عن الحارث بن مسكين فيقول ‏"‏ الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا اسمع ‏"‏ ولا يقول حدثني ولا أخبرني لأنه لم يقصده بالتحديث وإنما كان يسمعه من غير أن يشعر به‏.‏
    ( ج5/ ص 337)
    وقال ابن بطال‏:‏ لو قيل إنه تقبل تزكيتهن بقول حسن وثناء جميل يكون إبراء من سوء لكان حسنا كما في قصة الإفك، ولا يلزم منه قبول تزكيتهن في شهادة توجب أخذ مال، والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه‏.‏
    ( ج5/ ص 338)
    واختلف السلف في اشتراط العدد في التزكية، فالمرجح عند الشافعية والمالكية - وهو قول محمد بن الحسن - اشتراط اثنين كما في الشهادة، واختاره الطحاوي، واستثنى كثير منهم بطانة الحاكم لأنه نائبه فينزل قوله منزلة الحكم، وأجاز الأكثر قبول الجرح والتعديل من واحد لأنه ينزل منزلة الحكم والحكم لا يشترط فيه العدد‏.‏
    وقال أبو عبيد‏:‏ لا يقبل في التزكية أقل من ثلاثة، واحتج بحديث قبيصة الذي أخرجه مسلم فيمن تحل له المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا فيشهدون له، قال‏:‏ وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى، وهذا كله في الشهادة، أما الرواية فيقبل فيها قول الواحد على الصحيح، لأنه إن كان ناقلا عن غيره فهو من جملة الأخبار ولا يشترط العدد فيها، وإن كان من قبل نفسه فهو بمنزلة الحاكم ولا يتعدد أيضا‏.‏
    ( ج5/ ص 339)
    قوله‏:‏ ‏(‏قال عسى الغوير أبؤسا‏)‏
    والغوير بالمعجمة تصغير غار، وأبؤسا جمع بؤس وهو الشدة،
    هو مثل مشهور يقال فيما ظاهره السلامة ويخشى منه العطب‏.‏
    وروى الخلال في علله عن الزهري أن أهل المدينة يتمثلون به في ذلك كثيرا، وأصله كما قال الأصمعي أن ناسا دخلوا غارا يبيتون فيه فانهار عليهم فقتلهم، وقيل وجدوا فيه عدوا لهم فقتلهم، فقيل ذلك لكل من دخل في أمر لا يعرف عاقبته‏.‏
    وقال ابن الكلبي‏:‏ الغوير مكان معروف فيه ماء لبني كلب كان فيه ناس يقطعون الطريق، وكان من يمر يتواصون بالحراسة‏.‏
    وقال ابن الأعرابي‏:‏ ضرب عمر هذا المثل للرجل يعرض بأنه في الأصل ولده وهو يريد نفيه عنه بدعواه أنه التقطه، فهذا معني قوله كأنه يتهمني‏.‏
    ثم أرسلته تاجرا فرجع إليها بربح كثير مرارا ثم رجع المرة الأخيرة ومعه الرجال في الأعدال معهم السلاح، فنظرت إلى الجمال تمشي رويدا لثقل من عليها فقالت‏:‏ عسى الغوير أبؤسا أي لعل الشر يأتيكم من قبل الغوير، وكأن قصيرا أعلمها أنه سلك في هذه المرة طريق الغوير، فلما دخلت الأحمال قصرها خرجت الرجال من الأعدال فهلكت‏.‏
    ( ج5/ ص 339)
    قد أخرج البيهقي هذه القصة موصولة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن أبي جميلة أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأنه وجد منبوذا في خلافة عمر فأخذه، قال فذكر ذلك عريفي لعمر، فلما رآني عمر قال فذكره وزاد‏:‏ ما حملك على أخذ هذه النسمة‏؟‏ قلت‏:‏ وجدتها ضائعة‏.‏
    وفي ذلك رد على من زعم أن أبا جميلة هذا هو الطهوي لأن الطهوي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمر، وأورد ابن الأثير عن البخاري ما ذكرته عنه وزاد فيه ‏"‏ وأنه التقط منبوذا ‏"‏ فذكر القصة ولم أر ذلك في شيء من النسخ‏.‏
    ( ج5/ ص 339)
    جواز الالتقاط وإن لم يشهد، وأن نفقته إذا لم يعرف في بيت المال، وأن ولاءه لملتقطه، وذلك مما اختلف فيه،
    ‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في ‏"‏ المطالع ‏"‏ أن عمر لما اتهم أبا جميلة شهد له جماعة بالستر ا هـ، وليس في قصته أن الذي شهد ليس إلا عريفه وحده‏.‏
    ( ج5/ ص 340)
    أن الثناء على الرجل في وجهه عند الحاجة لا يكره، وإنما يكره الإطناب في ذلك، ولهذه النكتة ترجم البخاري عقب هذا بحديث أبي موسى الذي ساقه بمعنى حديث أبي بكرة الذي أورده في هدا الباب فقال‏:‏ ‏"‏ ما يكره من الإطناب في المدح‏"‏، ووجه احتجاجه بحديث أبى بكرة أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح، واعترضه ابن المنير بأن هذا القدر كاف في قبول تزكيته، وأما اعتبار النصاب فمسكوت عنه، وجوابه أن البخاري جرى على قاعدته بأن النصاب لو كان شرطا لذكر، إذ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة‏.‏
    ( ج5/ ص 341)
    " من حكم ببلوغه قبلت شهادته إذا اتصف بشرط القبول ويرشد إليه قول عمر بن عبد العزيز " إنه لحد بين الصغير والكبير "
    " وقد أجمع العلماء على ان الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الاحكام وهو إنزال الماء الدافق سواء كان بجماع أو غيره سواء كان في اليقظة أو المنام وأجمعوا على ان لا أثر للجماع في المنام إلا مع الانزال "
    وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء "
    ( ج5/ ص 341)
    في المجالسة " للدينوري " من طريق يحيى بن آدم فيه " وأقل أوقات الحمل تسع سنين "
    وقد ذكر الشافعي أنه رأى جدة بنت إحدى وعشرين سنة وأنها حاضت لاستكمال تسع ووضعت بنتا لاستكمال عشر ووقع لبنتها مثل ذلك "
    ( ج5/ ص 341)
    اختلف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة ويحتلم فيه الرجل وهل تنحصر العلامات في ذلك ام لا ؟
    وفي السن الذي جاوزه الغلام ولم يحتلم والمرأة لوم تحض يحكم حينئذ بالبلوغ فاعتبر مالك والليث واحمد واسحاق وابو ثور الإنبات إلا أن مالكا لا يقيم به الحد للشبهة واعتبره الشافعي في الكافر
    واختلف قوله في المسلم وقال ابو حنيفة : سن البلوغ تسع عشرة أو ثمان عشرة للغلام وسبع عشرة للجارية وقال أكثر المالكية : حده فيهما سبع عشرة او ثمان عشرة وقال الشافعي وأحمد وابن وهب والجمهور : حده فيهما استكمال خمس عشرة سنة على ما في حديث ابن عمر "
    ( ج5/ ص 345)
    قال البخاري : اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود
    يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود ، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح ونحوه ، واستثنى مالك النكاح والطلاق والعتاق والفدية فقال : لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهدا واحدا .
    ( ج5/ ص 346)
    أن الخبر إذا ورد متضمنا لزيادة على ما في القرآن هل يكون نسخاوالسنة لا تنسخ القرآن يكون نسخا بل زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت سنده وجب القول به ؟ والأول مذهب الكوفيين ، والثاني مذهب الحجازيين ، ومع قطع النظر عن ذلك لا تنتهض حجةابن شبرمة لأنه يصير معارضة للنص بالرأي وهو غير معتبر به ، وقد أجاب عنهالإسماعيليفقال : الحاجة إلى إذكار الأخرى إنما هـو فيما إذا شهدتا ، وإن لم تشهدا قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة ، واليمين ممن هي عليه لو انفردت لحلت محل البينة في الأداء والإبراء ، فكذلك حلت اليمين هنا محل المرأتين في "
    ( ج5/ ص 346)
    أن لا يقضى باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين أو ما قام مقامهما من الشاهد والمرأتين ، وهو وجه للشافعية ، وصححه الحنابلة ، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا " قضى الله ورسوله في الحق بشاهدين فإن جاء بشاهدين أخذ حقه وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده ، وأجاب بعض الحنفية بأن الزيادة على القرآن نسخ ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر ، ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهورا ، وأجيب بأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا ، وأيضا فالناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد وهذا غير متحقق في الزيادة على النص ، وغاية ما فيه أن تسمية الزيادة كالتخصيص نسخا اصطلاح فلا يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة ، لكن تخصيص الكتاب بالسنة جائز وكذلك الزيادة عليه كما في قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأجمعوا على تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها ، وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة ، وكذلك قطع رجل السارق في المرة الثانية ، وأمثلة ذلك كثيرة .

    وقد أخذ من رد الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة كلها زائدة على ما في القرآن كالوضوء بالنبيذ ، والوضوء من القهقهة ومن القيء والمضمضة ، والاستنشاق في الغسل دون الوضوء واستبراء المسبية ، وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد وشهادة المرأة الواحدة في الولادة ولا قود إلا بالسيف ولا جمعة إلا في مصر جامع ولا تقطع الأيدي في الغزو ولا يرث الكافر المسلم ولا يؤكل الطافي من السمك ويحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ، ولا يقتل الوالد بالولد ولا يرث القاتل من القتيل وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب ، وأجابوا بأنها أحاديث شهيرة فوجب العمل بها لشهرتها

    ( ج5/ ص 347)
    وحديث القضاء بالشاهد واليمين جاء من طرق كثيرة مشهورة ، بل ثبت من طرق صحيحة متعددة ، فمنها ما أخرجهمسلم من حديثابن عباسأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهدوقال في اليمين إنه حديث صحيح لا يرتاب في صحته ، وقالابن عبد البرلا مطعن لأحد في صحته ولا إسناده ، وأما قولالطحاوي : إنقيس بن سعد لا تعرف له رواية عنعمرو بن دينار ،لا يقدح في صحة الحديث لأنهما تابعيان ثقتان مكيان وقد سمعقيس من أقدم منعمرو ، وبمثل هذا لا ترد الأخبار الصحيحة .
    ( ج5/ ص 347)
    منها حديثأبي هريرةأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهدوهو عند أصحاب السنن ورجاله مدنيون ثقات ، ولا يضره أنسهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث بهربيعة ؛ لأنه كان بعد ذلك يرويه عنربيعة عن نفسه عن أبيه ، وقصته بذلك مشهورة في سننأبي داود وغيرها . ومنها حديثجابر مثل حديثأبي هريرةأخرجهالترمذيوابن ماجهوصححهابن خزيمةوأبو عوانة . وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف ، وبدون ذلك تثبت الشهرة ، ودعوى نسخه مردودة لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال
    وقالالشافعي : القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لأنه لم يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه ، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلا عن مفهوم العدد والله أعلم .
    ( ج5/ ص 347)
    ذكر فيه قصة المرأتين اللتين ادعت إحداهما على الأخرى أنها جرحتها ، وقد أخرجهالطبرانيمن روايةسفيان عننافع عنابن عمر بلفظ " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وقال : لم يروه عنسفيان إلاالفريابي ، وأخرجهالإسماعيليمن روايةابن جريجبلفظ " ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب " وأخرجهالبيهقيمن طريقعبد الله بن إدريس عنابن جريجوعثمان بن الأسودعنابن أبي مليكةقال : كنت قاضيالابن الزبير علىالطائف ، فذكر قصة المرأتين ، فكتبت إلىابن عباس ، فكتب إلي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر " وهذه الزيادة ليست في الصحيحين ، وإسنادها حسن
    ( ج5/ ص 349)
    . قالالمهلب : إنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذبا لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت انتهى . وفيه نظر ، لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ، ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ، ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال
    (ج5/ ص 351)
    قالاختصمزيد بن ثابتوابن مطيع - يعني عبد الله - إلىمروان في دار ، فقضى باليمين علىزيد بن ثابتعلى المنبر فقال : أحلف له مكاني فقالمروان : لا والله إلا عند مقاطع الحقوق ، فجعلزيد يحلف أن حقه لحق ، وأبى أن يحلف على المنبر " وكأنالبخارياحتج بأن امتناعزيد بن ثابتمن اليمين على المنبر يدل على أنه لا يراه واجبا ، والاحتجاجبزيد بن ثابت أولى من الاحتجاجبمروان ، وقد جاء عنابن عمر نحو ذلك ، فروىأبو عبيد في كتاب القضاء بإسناد صحيح عننافع " أنابن عمر كان وصي رجل ، فأتاه رجل بصك قد درست أسماء شهوده ، فقالابن عمر : يانافع اذهب به إلى المنبر فاستحلفه ، فقال الرجل : ياابن عمر أتريد أن تسمع بي الذي يسمعني هنا ؟ فقالابن عمر : صدق فاستحلفه مكانه " وقد وجدتلمروان سلفا في ذلك ، فأخرجالكرابيسي في " أدب القضاء " بسند قوي إلىسعيد بن المسيبقال : ادعى مدع على آخر أنه اغتصب له بعيرا ، فخاصمه إلىعثمان فأمرعثمان أن يحلف عند المنبر ، فأبى أن يحلف وقال : أحلف له حيث شاء غير المنبر ، فأبى عليهعثمان أن لا يحلف إلا عند المنبر ، فغرم له بعيرا مثل بعيره ولم يحلف
    ( ج5/ ص 351)
    ورد التغليظ في اليمين على المنبر في حديثين :

    أحدهما : حديثجابر مرفوعالا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النارأخرجهمالكوأبو داودوالنسائيوابن ماجه، وصححهابن خزيمةوابن حبانوالحاكموغيرهم ، واللفظ الذي ذكرتهلأبي بكر بن أبي شيبة .

    ثانيهما : حديثأبي أمامة بن ثعلبة مرفوعامن حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلاأخرجهالنسائيورجاله ثقات .

    ويجاب عنه بأنه لا يلزم من ترجمة اليمين بعد العصر أنه يوجب تغليظ اليمين بالمكان ، بل له أن يقلب المسألة فيقول : إن لزم من ذكر تغليظ اليمين بالمكان أنها تغلظ على كل حالف ، فيجب التغليظ عليه بالزمان أيضا لثبوت الخبر بذلك " .
    ( ج5/ ص 352)
    صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عينا ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منها فيقرع بينهم فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها ويؤيد ذلك ما روى ابوداود والنسائي وغيرهما من طريق أبي رافع عن أبي هريرة " ان رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها "
    (ج5/ ص 355)
    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض )
    فيه الاشارة الى الرد على ابن ابي ليلى وان الحكم الظاهر لا يصير الحق باطلا في نفس الامر ولا الباطل حقا
    ( ج5/ ص 356)
    وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل عليه السلام دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة وقال له أنه ينظره، فأقام حولا في انتظاره‏.‏
    ومن طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا فسمي من يومئذ صادق الوعد‏.
    .
    ( ج5/ ص 356)
    أن وعد المرء كالشهادة على نفسه قاله الكرماني‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض، لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء ا ه‏.‏
    ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل‏.‏
    وقال ابن عبد البر وابن العربي‏:‏ أجل من قال به عمر بن عبد العزيز‏.‏
    وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا، فمن قال لآخر‏:‏ تزوج ولك كذا فتزوج لذلك وجب الوفاء به‏.‏
    وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله‏.‏
    ( ج5/ ص 357)
    ‏(‏حبر العرب‏)‏ بفتح المهملة وبكسرها ورجحه أبو عبيد، ورجح ابن قتيبة الفتح وسكون الموحدة، والمراد به العالم الماهر وقد أخرج أبو نعيم من حديث ابن عباس مرفوعا أن جبريل سماه بذلك، ومراده بالقدوم على ابن عباس أي بمكة‏.
    ( ج5/ ص 358)
    ذكر ابن دريد في ‏"‏ المنثور ‏"‏ أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما غزا المغرب أرسل إلى ابن عباس جريجا فكلمه فقال‏:‏ ما ينبغي لهذا إلا أن يكون حبر العرب، وقد صرح برفعه عكرمة عن ابن عباس ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل‏:‏ أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ أتمهما وأكملهما ‏"‏ أخرجه الحاكم، وفي حديث جابر ‏"‏ أوفاهما ‏"‏ أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي حديث أبي سعيد ‏"‏ أتمهما وأطيبهما عشر سنين ‏"‏ والمراد بالأطيب أي في نفس شعيب‏.‏
    ( ج5/ ص 359)
    بيان حكم شهادة الكفار، وقد اختلف في ذلك السلف على ثلاثة أقوال‏:‏ فذهب الجمهور إلى ردها مطلقا، وذهب بعض التابعين إلى قبولها مطلقا - إلا على المسلمين - وهو مذهب الكوفيين فقالوا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وهي إحدى، الروايتين عن أحمد وأنكرها بعض أصحابه واستثنى أحمد حالة السفر فأجاز فيها شهادة أهل الكتاب
    عن الشعبي‏:‏ لا تجوز شهادة مله على أخرى إلا المسلمين فإن شهادتهم جائزة على جميع الملل ‏"‏ وروى عبد الرزاق عن الثوري عن عيسى - وهو الخياط - عن الشعبي قال‏:‏ كان يجيز شهادة النصراني على اليهودي واليهودي على النصراني‏.‏
    ( ج5/ ص 360)
    قال إسماعيل القاضي‏:‏ ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا فيضم في موضع بعينه ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الأخر فيقطع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية وإما في تعيين الملك، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات والمؤذنين والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم والحاضنات إذا كن في درجة والأولياء في التزويج والاستباق إلى الصف الأول وفي إحياء الموات وفي نقل المعدن ومقاعد الأسواق والتقديم بالدعوى عند الحاكم والتزاحم على أخذ اللقيط
    (‏وقوله عز وجل‏:‏ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم‏)‏ أشار بذلك إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه ولا سيما إذا ورد في شرعنا تقريره، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله وهذا منه‏.‏
    و ‏"‏ الجرية ‏"‏ بكسر الجيم والمعنى أنهم اقترعوا على كفالة مريم أيهم يكفلها فأخرج كل واحد منهم قلما وألقوها كلها في الماء فجرت أقلام الجميع مع‏.‏
    الجرية إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها‏.‏
    وأخرج ابن العديم في ‏"‏ تاريخ حلب ‏"‏ بسنده إلى شعيب بن إسحاق أن النهر الذي ألقوا فيه الأقلام هو نهر قويق النهر المشهور بحلب‏.‏
    إثبات القرعة يتوقف على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذه المسألة من هذا القبيل، لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض، وليس ذلك في شرعنا لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها‏.

    كتاب الصلح
    ( ج5/ ص 365)
    الصلح أقسام‏:‏ صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة إما في الأملاك أو في المشتركات كالشوارع، وهذا الأخير هو الذي يتكلم فيه أصحاب الفروع، وأما المصنف فترجم هنا لأكثرها‏.‏
    ( ج5/ ص 368)
    جواز المبالغة في المدح لأن الصحابي أطلق أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أبي وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 368)
    اتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين‏.‏
    واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم‏.‏
    ( ج5/ ص 372)
    هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه‏:‏ من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه‏.‏
    قال النووي‏:‏ هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك‏.‏
    وقال الطرقي‏:‏ هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه، لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس‏:‏ هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود‏.‏
    فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، وإنما يقع النزاع في الأولى‏.‏
    ومفهومه أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية‏:‏ هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح‏.‏
    فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذا حديث الباب نصف أدلة الشرع والله أعلم
    ( ج5/ ص 378)
    وأبو الرجال بالجيم محمد بن عبد الرحمن أي ابن حارثه بن النعمان الأنصاري كنيته أبو عبد الرحمن، وقيل له أبو الرجال لأنه ولد له عشرة ذكور، وهو من صغار التابعين،
    ( ج5/ ص 381)
    قال ابن بطال‏:‏ اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه شيئا قبل أن يقبضه مكانه، وإن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عن دنانير بدراهم جاز واشترط القبض ا هـ‏.‏

  6. #166
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب الشروط
    ( ج5/ ص 384)
    مروان بن الحكم لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، وأما المسور بن مخرمة فصح سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح
    ( ج5/ ص 385)
    حديث عائشة في قصة بريرة ففيه بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد كما تقدم بسطه في آخر العتق، وصح من حديث جابر أيضا النهي عن بيع الثنيا أخرجه أصحاب السنن وإسناده صحيح؛ وورد النهي عن بيع وشرط، وأجيب بأن الذي ينافي مقصود البيع ما إذا اشترط مثلا في بيع الجارية أن لا يطأها وفي الدار أن لا يسكنها وفي العبد أن لا يستخدمه وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئا معلوما لوقت معلوم فلا بأس به، وأما حديث النهي عن الثنيا ففي نفس الحديث ‏"‏ إلا أن يعلم ‏"‏ فعلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كان مجهولا، وأما حديث النهي عن بيع وشرط ففي إسناده مقال وهو قابل للتأويل
    ( ج5/ ص 387)
    والوقية من الفضة كانت في عرف ذلك الزمان أربعين درهما وفي عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهما
    ( ج5/ ص 389)
    قال ابن الجوزي‏:‏ هذا من أحسن التكرم، لأن من باع شيئا فهو في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه كما قيل‏:‏ وقد تخرج الحاجات يا أم مالك نفائس من رب بهن ضنين فإذا رد عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهم عنه وثبت فرحه وقضيت حاجته، فكيف مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن‏.‏
    ( ج5/ ص 391)
    أن الرواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة هل وقع الشرط في العقد عند البيع أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد شرائه على طريق العارية، وأصرح ما وقع في ذلك رواية النسائي المذكورة، لكن أختلف فيها حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب من سفيان، والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددا من الذين خالفوهم وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح، ويترجح أيضا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهما حفاظ فتكون حجة، وليس رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ لك ظهره ‏"‏ و ‏"‏ أفقرناك ظهره ‏"‏ و ‏"‏ تبلغ عليه ‏"‏ لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 392)
    ما جنح إليه المصنف من ترجيح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب الذي يرد به الخبر، وهو مفقود هنا مع إمكان الترجيح، قال ابن دقيق العيد‏.‏
    إذا اختلفت الروايات وكانت الحجة ببعضها دون بعض توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها بأن تكون رواتها أكثر عددا أو أتقن حفظا فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح، وقد جنح الطحاوي إلى تصحيح الاشتراط لكن تأوله بأن البيع المذكور لم يكن على الحقيقة لقوله في آخره ‏"‏ أتراني ماكستك إلخ ‏"‏ قال‏:‏ فإنه يشعر بأن القول المتقدم لم يكن على التبايع حقيقة، ورده القرطبي بأنه دعوى مجردة وتغيير وتحريف لا تأويل، قال‏:‏ وكيف يصنع قائله في قوله‏:‏ ‏"‏ بعته منك بأوقية ‏"‏ بعد المساومة‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ قد أخذته ‏"‏ وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك‏؟‏ واحتج بعضهم بأن الركوب إن كان من مال المشتري فالبيع فاسد لأنه شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسد لأن المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها لأنها طرأت في ملكه‏.‏
    وتعقب بأن المنفعة المذكورة قدرت بقدر من ثمن المبيع ووقع البيع بما عداها، ونظيره من باع نخلا قد أبرت واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري
    ( ج5/ ص 393)
    ووقع للنووي أن في بعض روايات البخاري ‏"‏ ثمانمائة درهم ‏"‏ وليس ذلك فيه أصلا، ولعله أراد هذه الرواية فتصحفت‏.‏
    وأما رواية داود بن قيس فجزم بزمان القصة وشك في مقدار الثمن، فأما جزمه بأن القصة وقعت في طريق تبوك فوافقه على ذلك علي بن زيد بن جدعان عن أبي المتوكل عن جابر ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجابر في غزوة تبوك ‏"‏ فذكر الحديث، وقد أخرجه المصنف من وجه آخر عن أبي المتوكل فقال‏:‏ ‏"‏ في بعض أسفاره ‏"‏ ولم يعينه، وكذا أبهمه أكثر الرواة عن جابر، ومنهم من قال‏:‏ ‏"‏ كنت في سفر ‏"‏ ومنهم من قال‏:‏ ‏"‏ كنت في غزوة تبوك ‏"‏ ولا منافاة بينهما‏.‏
    وفي رواية أبي المتوكل في الجهاد ‏"‏ لا أدري غزوة أو عمرة ‏"‏ ويؤيد كونه كان في غزوة قوله في آخر رواية أبي عوانة عن مغيرة ‏"‏ فأعطاني الجمل وثمنه وسهمي مع القوم ‏"‏ لكن جزم ابن إسحاق عن وهب بن كيسان في روايته المشار إليها قبل بأن ذلك كان في غزوة ذات الرقاع من نخل
    وكذا أخرجه الواقدي من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس عن جابر، وهي الراجحة في نظري لأن أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم
    ( ج5/ ص 394)
    قال القرطبي‏:‏ اختلفوا في ثمن الجمل اختلافا لا يقبل التلفيق، وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني على أمر لم يصح نقله ولا استقام ضبطه، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصل من مجموع الروايات أنه باعه البعير بثمن معلوم بينهما وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك‏.‏
    قال الإسماعيلي‏:‏ ليس اختلافهم في قدر الثمن بضار، لأن الغرض الذي سبق الحديث لأجله بيان كرمه صلى الله عليه وسلم وتواضعه وحنوه على أصحابه وبركة دعائه وغير ذلك، ولا يلزم من وهم بعضهم في قدر الثمن توهينه لأصل
    قلت‏:‏ وما جنح إليه البخاري من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد، فليعتمد ذلك وبالله التوفيق‏.‏
    ( ج5/ ص 395)
    آل أمر جمل جابر هذا لما تقدم له من بركة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مآل حسن، فرأيت في ترجمة جابر من ‏"‏ تاريخ ابن عساكر ‏"‏ بسنده إلى أبي الزبير عن جابر قال‏:‏ ‏"‏ فأقام الجمل عندي زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فعجز، فأتيت به عمر فعرف قصته فقال‏:‏ اجعله في إبل الصدقة وفي أطيب المراعي، ففعل به ذلك إلى أن مات‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 399)
    قوله في هذا المتن‏:‏ ‏"‏ وأن يبتاع المهاجر للأعرابي ‏"‏ المراد بالمهاجر الحضري، وأطلق عليه ذلك على عرف ذلك الزمان، والمعنى أن الأعرابي إذا جاء السوق ليبتاع شيئا لا يتوكل له الحاضر لئلا يحرم أهل السوق نفعا ورفقا، وإنما له أن ينصحه ويشير عليه، ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:‏ ‏"‏ أن يبتاع ‏"‏ أن يبيع فيوافق الرواية الماضية‏.‏
    ( ج5/ ص 402)
    قال أبو الهيثم‏:‏ أجمع على كذا أي جمع أمره جميعا بعد أن كان مفرقا، وهذا لا يقتضي حصر السبب في إجلاء عمر إياهم، وقد وقع لي فيه سببان آخران‏:‏ أحدهما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال‏:‏ ما زال عمر حتى وجد الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا يجتمع بجزيرة العرب دينان ‏"‏ فقال‏:‏ من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له، وإلا فإني مجليكم‏.‏
    فأجلاهم‏.‏
    أخرجه ابن أبي شيبة وغيره‏.‏
    نيهما رواه عمر بن شبة في ‏"‏ أخبار المدينة ‏"‏ من طريق عثمان بن محمد الأخنسي قال‏:‏ لما كثر العيال - أي الخدم - في أيدي المسلمين وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر‏.‏
    ويحتمل أن يكون كل من هذه الأشياء جزء علة في إخراجهم‏.‏
    ( ج5/ ص 409)
    الحديبية‏)‏ تقدم ضبط الحديبية في الحج، وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها‏.‏
    قال المحب الطبري‏.‏
    الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم،
    ( ج5/ ص 411)
    والقصواء بفتح القاف بعدها مهملة ومد‏.‏
    اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل كان طرف أذنها مقطوعا، والقصو قطع طرف الأذن يقال‏:‏ بعير أقصى وناقة قصوى، وكان القياس أن يكون بالقصر، وقد وقع ذلك في بعض نسخ أبي ذر، وزعم الداودي أنها كانت لا تسبق فقيل لها القصواء لأنها بلغت من السبق أقصاه‏.‏
    ( ج5/ ص 412)
    وقد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا قاله ابن القيم في الهدي‏.‏
    ( ج5/ ص 413)
    كان الأصل في موالاة خزاعة للنبي صلى الله عليه وسلم أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام‏.‏
    ( ج5/ ص 418)
    في رواية ابن إسحاق ‏"‏ وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ‏"‏ قال ابن هشام في السيرة‏:‏ أشار عروة بهذا إلى ما وقع للمغيرة قبل إسلامه، وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفرا من ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم، فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة بن مسعود عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسا واصطلحوا‏.
    ‏قد ساق ابن الكلبي والواقدي القصة، وحاصلها أنهم كانوا خرجوا زائرين المقوقس بمصر فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر، فلما سكروا وناموا وثب المغيرة فقتلهم ولحق بالمدينة فأسلم‏.‏
    ( ج5/ ص 421)
    وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين‏:‏ فقيل لا تجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث وهو قول الشافعي والجمهور‏.‏
    وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين، وقيل ثلاثا، وقيل سنتين، والأول هو الراجح والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 421)
    وأخرج عمر بن شبة من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه ‏"‏ الكتاب عندنا، كاتبه محمد بن مسلمة ‏"‏ انتهى، ويجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو، ومن الأوهام ما ذكره عمر بن شبة بعد أن حكى أن اسم كاتب الكتاب بين المسلمين وقريش علي بن أبي طالب من طرق، ثم أخرج من طريق أخرى أن اسم الكاتب محمد بن مسلمة ثم قال‏:‏ ‏"‏ حدثنا ابن عائشة يزيد بن عبيد الله بن محمد التيمي قال‏:‏ كان اسم هشام بن عكرمة بغيضا، وهو الذي كتب الصحيفة فشلت يده، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم هشاما ‏"‏ قلت‏:‏ وهو غلط فاحش‏.‏
    فإن الصحيفة التي كتبها هشام بن عكرمة هي التي اتفقت عليها قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب وذلك بمكة قبل الهجرة، والقصة مشهورة في السيرة النبوية، فتوهم عمر من شبة أن المراد بالصحيفة هنا كتاب القصة التي وقعت بالحديبية، وليس كذلك بل بينهما نحو عشر سنين، وإنما كتبت ذلك هنا خشية أن يغتر بذلك من لا معرفة له فيعتقده اختلافا في اسم كاتب القصة بالحديبية وبالله التوفيق‏.‏
    ( ج5/ ص 424)
    واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير، وقيل لا، وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وإن ناسخه حديث ‏"‏ أنا بريء من مسلم بين مشركين ‏"‏ وهو قول الحنفية‏.‏
    وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبي فلا يردان‏.‏
    وقال بعض الشافعية‏:‏ ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 426)
    قال إمام الحرمين‏:‏ لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة‏.‏
    كذا قال‏.‏
    وقد استدرك بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى‏.‏
    ( ج5/ ص 427)
    كان من سنة الجاهلية أن من مات زوجها كان أهله أحق بها‏.‏
    ( ج5/ ص 429)
    ‏ويل أمه‏)‏ بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، لأن الويل الهلاك فهو كقولهم ‏"‏ لأمه الويل ‏"‏ قال بديع الزمان في رسالة له‏:‏ والعرب تطلق ‏"‏ تربت يمينه ‏"‏ في الأمر إذا أهم ويقولون ‏"‏ ويل أمه ‏"‏ ولا يقصدون الذم‏.‏
    والويل يطلق على العذاب والحرب والزجر وقد تقدم شيء من ذلك في الحج في قوله للأعرابي ‏"‏ ويلك‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 431)
    (‏فأنزل الله تعالى‏:‏ وهو الذي كف أيديهم عنكم‏)‏ كذا هنا، ظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس بن مالك أيضا، وأخرجه أحمد والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل بإسناد صحيح أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة فظفروا بهم، فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية‏.‏
    وقيل في نزولها غير ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 432)
    وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه، قاله الخطابي مستدلا بأن الخزاعي الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عينا له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافرا، وإنما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم والاختلاط بهم والاطلاع على أسرارهم، قال‏:‏ ويستفاد من ذلك جواز قبول قول الطبيب الكافر‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم ولم يشتهر إسلامه حينئذ، فليس ما قاله دليلا على ما ادعاه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب‏.‏
    كتاب الوصايا
    ( ج5/ ص 437)
    وروى الموطأ فيه أثرا عن عمر أنه أجاز وصية غلام لم يحتلم، وذكر البيهقي أن الشافعي علق القول به على صحة الأثر المذكور، وهو قوي فإن رجاله ثقات وله شاهد، وقيد مالك صحتها بما إذا عقل ولم يخلط، وأحمد بسبع وعنه بعشر
    ( ج5/ ص 437)
    قال ابن عبد البر أجمعوا على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا تندب له الوصية، وفي نقل الإجماع نظر، فالثابت عن الزهري أنه قال‏:‏ جعل الله الوصية حقا فيما قل أو كثر، والمصرح به عند الشافعية ندبية الوصية من غير تفريق بين قليل وكثير‏.‏
    نعم قال أبو الفرج السرخسي منهم‏:‏ إن كان المال قليلا والعيال كثيرا استحب له توفرته عليهم، وقد تكون الوصية بغير المال كأنه يعين من ينظر في مصالح ولده أو يعهد إليهم بما يفعلونه من بعده من مصالح دينهم ودنياهم، وهذا لا يدفع أحد ندبيته‏.‏
    واختلف في حد المال الكثير
    في الوصية، فعن علي سبعمائة مال قليل، وعنه ثمانمائة مال قليل، وعن ابن عباس نحوه، وعن عائشة فيمن ترك عيالا كثيرا وترك ثلاثة آلاف ليس هذا بمال كثير‏.‏
    وحاصله أنه أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 437)
    الندب إلى التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت، لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، لأنه ما من سن يفرض إلا وقد مات فيه جمع جم؛ وكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبا لذلك فيكتب وصيته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحبط عنه الوزر من حقوق الله وحقوق عباده، والله المستعان‏.‏
    ( ج5/ ص 443)
    أن من ذكر من رقيق النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأخبار كان إما مات وإما أعتقه، واستدل به على عتق أم الولد بناء على أن مارية والدة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما على قول من قال إنها ماتت في حياته صلى الله عليه وسلم فلا حجة فيه‏.‏
    نعم روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم من طريق مسروق عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 443)
    يتم الاعتراض، أي كيف يؤمر المسلمون بشيء ولا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال النووي‏:‏ لعل ابن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله لأنه لم يترك بعده مالا، وأما الأرض فقد سبلها في حياته، وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنها لا تورث عنه بل جميع ما يخلفه صدقة، فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به من الجهة المالية‏.‏
    وأما الوصايا بغير ذلك فلم يرد ابن أبي أوفى نفيها، ويحتمل أن يكون المنفي وصيته إلى علي بالخلافة كما وقع التصريح به في حديث عائشة الذي بعده، ويؤيده ما وقع في رواية الدارمي عن محمد بن يوسف شيخ البخاري فيه، وكذلك عند ابن ماجه وأبي عوانة في آخر حديث الباب ‏"‏ قال طلحة فقال هزيل بن شرحبيل‏:‏ أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ود أبو بكر أنه كان وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزام ‏"‏ وهزيل هذا بالزاي مصغر أحد كبار التابعين ومن ثقات أهل الكوفة، فدل هذا على أنه كان في الحديث قرينة تشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة ونحو ذلك، لا مطلق الوصية‏.‏
    لت‏:‏ أخرج ابن حبان الحديث من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ يزيل الإشكال فقال‏:‏ ‏"‏ سئل ابن أبي أوفى‏:‏ هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ ما ترك شيئا يوصي فيه‏.‏
    قيل‏.‏
    فكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص‏؟‏ قال‏:‏ أوصى بكتاب الله ‏"‏ وقال القرطبي‏:‏ استبعاد طلحة واضح لأنه أطلق، فلو أراد شيئا بعينه لخصه به، فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصية وأمروا بها فكيف لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فأجابه بما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، قال‏:‏ وهذا يشعر بأن ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يعتقدان أن الوصية واجبة، كذا قال، وقول ابن أبي أوفى ‏"‏ أوصى بكتاب الله ‏"‏ أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه، ولعله أشار لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله‏"‏، وأما ما صح في مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أوصى عند موته بثلاث‏:‏ لا يبقين بجزيرة العرب دينان ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ أخرجوا اليهود من جزيرة العرب ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به ‏"‏ ولم يذكر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائي أنه صلى الله عليه وسلم‏.‏
    كان آخر ما تكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم ‏"‏ وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، ولعله اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏)‏ الآية، أو يكون لم يحضر شيئا من الوصايا المذكورة أو لم يستحضرها حال قوله، والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة أو بالمال، وساغ إطلاق النفي أما في الأول فبقرينة الحال وأما في الثاني فلأنه المتبادر عرفا، وقد صح عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص ‏"‏ أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل
    ( ج5/ ص 444)
    ال القرطبي‏:‏ كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلي، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، وكذا من بعدهم، فمن ذلك ما استدلت به عائشة كما سيأتي، ومن ذلك أن عليا لم يدع ذلك لنفسه، ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة‏.‏
    وهؤلاء صلى الله عليه وسلم تنقصوا عليا من حيث قصدوا تعظيمه، لأنهم نسبوه - مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين - إلى المداهنة والتقية والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك‏.‏
    وقال غيره‏:‏ الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك، واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك‏.‏
    فساغ لها نفي ذلك، كونه منحصرا في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها‏.‏
    وقد أخرج أحمد وابن ماجه بسند قوي وصححه من رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في أثناء حديث فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أبا بكر أن يصلي بالناس، قال في آخر الحديث‏:‏ ‏"‏ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ‏"‏ وسيأتي في الوفاة النبوية عن عمر ‏"‏ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف ‏"‏ وأخرج أحمد والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق الأسود بن قيس عن عمرو بن أبي سفيان عن علي أنه لما ظهر يوم الجمل قال‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا ‏"‏ الحديث‏.‏
    ( ج5/ ص 445)
    ما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث يجتمع منها أشياء‏:‏ منها حديث أخرجه أحمد وهناد بن السري في ‏"‏ الزهد ‏"‏ وابن سعد في ‏"‏ الطبقات ‏"‏ وابن خزيمة كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي مات فيه ‏"‏ ما فعلت الذهبية‏؟‏ قلت عندي‏.‏
    فقال‏:‏ أنفقيها ‏"‏ الحديث‏.‏
    وزاد فيه ‏"‏ ابعثي بها إلى علي بن أبي طالب ليتصدق بها ‏"‏ وفي ‏"‏ المغازي لابن إسحاق ‏"‏ رواية يونس بن بكير عنه حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال‏:‏ ‏"‏ لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته إلا بثلاث‏:‏ لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بحاد صلى الله عليه وسلم مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة ‏"‏ وأخرج مسلم في حديث ابن عباس ‏"‏ وأوصى بثلاث‏:‏ أن تجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ‏"‏ الحديث، وفي حديث ابن أبي أوفى الذي قبل هذا ‏"‏ أوصى بكتاب الله ‏"‏ وفي حديث أنس عنه عند النسائي وأحمد وابن سعد واللفظ له ‏"‏ كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم ‏"‏ وله شاهد من حديث علي عند أبي داود وابن ماجه وآخر من رواية نعيم بن يزيد عن علي ‏"‏ وأدوا الزكاة بعد الصلاة ‏"‏ أخرجه أحمد، ولحديث أنس شاهد آخر من حديث أم سلمة عند النسائي بسند جيد‏.‏
    في مسند البزار ومستدرك الحاكم بسند ضعيف ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم أوصى أن يصلوا عليه أرسالا بغير إمام ‏"‏ ومن أكاذيب الرافضة ما رواه كثير بن يحيى وهو من كبارهم عن أبي عوانة عن الأجلح عن زيد بن علي بن الحسين قال‏:‏ ‏"‏ لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر قصة طويلة فيها - فدخل علي فقامت عائشة ‏"‏ فأكب عليه فأخبره بألف باب مما يكون قبل يوم القيامة، يفتح كل باب منها ألف باب ‏"‏ وهذا مرسل أو معضل، وله طريق أخرى موصولة عند ابن عدي في كتاب الضعفاء من حديث عبد الله بن عمر بسند واه
    ( ج5/ ص 450)
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء وجه الله، وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه، قال‏:‏ وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات إذا أديت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها
    ( ج5/ ص 450)
    قال بعض العلماء‏:‏ ‏"‏ لعل ‏"‏ وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالبا‏.
    ( ج5/ ص 451)
    لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتا تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى وأمها بنت شهاب بن عبد الله من الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك،
    ( ج5/ ص 451)
    بأن من لا وارث له تجوز له الوصية بأكثر من الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أن تذر ورثتك أغنياء ‏"‏ فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد لأنه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر، وتعقب بأنه ليس تعليلا محضا وإنما فيه تنبيه على الأحظ الأنفع، ولو كان تعليلا محضا لاقتضى جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلا محضا فهو للنقص عن الثلث لا للزيادة عليه، فكأنه لما شرع الإيصاء بالثلث وأنه لا يعترض به على الموصي إلا أن الانحطاط عنه أولى ولا سيما لمن يترك ورثة غير أغنياء، فنبه سعدا على ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 453)
    استقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث، لكن اختلف فيمن كان له وارث،
    وفيمن لم يكن له وارث خاص فمنعه الجمهور وجوزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية مطلقة بالآية فقيدتها السنة بمن له وارث فيبقى من لا وارث له على الإطلاق
    اختلفوا أيضا هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت‏؟‏ على قولين، وهما وجهان للشافعية أصحهما الثاني، فقال بالأول مالك وأكثر العراقيين وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز‏.‏
    وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من التابعين، وتمسك الأولون بأن الوصية عقد والعقود تعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حالة النذر اتفاقا، وأجيب بأن الوصية ليست عقدا من كل جهة ولذلك لا تعتبر بها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع عنها والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية، واختلفوا أيضا‏:‏ هل يحسب الثلث من جميع المال أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به‏؟‏ وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقا ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطا لما جاز ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 453)
    أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن المعرور بمهملات، أوصى به للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد مات قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم ورده على ورثته، أخرجه الحاكم وابن المنذر من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جده‏.‏
    ( ج5/ ص 453)
    ال ابن بطال‏:‏ أراد البخاري بهذا الرد على من قال كالحنفية بجواز الوصية بالزيادة على الثلث لمن لا وارث له، قال‏:‏ ولذلك احتج بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأن أحكم بينهم بما أنزل الله‏)‏ والذي حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من الثلث هو الحكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حده فقد أتى ما نهي عنه‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ لم يرد البخاري هذا وإنما أراد الاستشهاد بالآية على أن الذمي إذا تحاكم إلينا ورثته لا ينفذ من وصيته إلا الثلث، لأنا لا نحكم فيهم إلا بحكم الإسلام لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأن أحكم بينهم بما أنزل الله‏)‏ الآية‏.‏
    والمعروف في مذهب الشافعي استحباب النقص عن الثلث، وفي شرح مسلم للنووي‏:‏ إن كان الورثة فقراء استحب أن ينقص منه وإن كانوا أغنياء فلا‏.‏
    ( ج5/ ص 456)
    ‏باب لا وصية لوارث‏)‏ هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته واستغنى بما يعطي حكمه‏.‏
    وقد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجة الوداع‏:‏ إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وقد قوى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري‏.‏
    وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏
    وفال‏:‏ الصواب إرساله، وعن علي عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كل منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا، بل جنح الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ إلى أن هذا المتن متواتر فقال‏:‏ وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح ‏"‏ لا وصية لوارث ‏"‏ ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد‏.‏
    وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترا وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لكن الحجة في هذا الإجماع على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره، والمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم، لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة كما سيأتي بيانه، وروى الدار قطني من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ‏"‏ كما سيأتي بيانه، ورجاله ثقات، إلا أنه معلول‏:‏ فقد قيل إن عطاء هو الخراساني والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 457)
    قال جمهور العلماء‏:‏ كانت هذه الوصية في أول الإسلام واجبة لوالدي الميت وأقربائه على ما يراه من المساواة والتفضيل، ثم نسخ ذلك بآية الفرائض، وقيل كانت للوالدين والأقربين دون الأولاد فإنهم كانوا يرثون ما يبقى بعد الوصية، وأغرب ابن شريح فقال كانوا مكلفين بالوصية للوالدين والأقربين بمقدار الفريضة التي في علما الله قبل أن ينزلها؛ واشتد إنكار إمام الحرمين عليه في ذلك‏.‏
    وقيل إن الآية مخصوصة لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وراثا، وكانت الوصية واجبة لجميعهم فخص منها من ليس بوارث بآية الفرائض وبقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا وصية لوارث ‏"‏ وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله قاله طاوس وغيره
    ( ج5/ ص 458)
    ن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض، وأشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏"‏ وأنت صحيح حريص تأمل الغنى إلخ ‏"‏ لأنه في حال الصحة يصعب علبه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال كما قال تعالى ‏(‏الشيطان يعدكم الفقر‏)‏ الآية، وأيضا فإن الشيطا
    ( ج5/ ص 459)
    قال بعض السلف عن بعض أهل الترف‏:‏ يعصون الله في أموالهم مرتين‏:‏ يبخلون بها وهي في أيديهم يعني في الحياة، ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم، يعني بعد الموت‏.‏
    وأخرج الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعا قال‏:‏ ‏"‏ مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع‏"‏، وهو يرجع إلى معنى حديث الباب، وروى أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ‏"‏ لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 460)
    وأما ابن أذينة واسمه عبد الرحمن وكان قاضي البصرة وأبوه بالمهملة مصغر وهو تابعي ثقة مات سنة خمس وتسعين من الهجرة ووهم من ذكره في الصحابة
    ( ج5/ ص 461)
    وقال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن إقرار المريض لغير الوارث جائز، لكن إن كان عليه دين في الصحة فقد قالت طائفة منهم النخعي وأهل الكوفة‏:‏ يبدأ بدين الصحة ويتحاص أصحاب الإقرار في المرض، واختلفوا في إقرار المريض للوارث فأجازه مطلقا الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور، وهو المرجح عند الشافعية، وبه قال مالك إلا أنه استثنى ما إذا أقر لبنته ومعها من يشاركها من غير الولد كابن العم مثلا، قال‏:‏ لأنه يتهم في أن يزيد بنته وينقص ابن عمه من غير عكس، واستثني ما إذا أقر لزوجته التي يعرف بمحبتها والميل إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد ولا سيما إن كان له منها في تلك الحالة ولد، وحاصل المنقول عن المالكية مدار الأمر على التهمة وعدمها فإن فقدت جاز وإلا فلا؛ وهو اختيار الروياني من الشافعية‏.‏
    ( ج5/ ص 462)
    (‏ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية‏)‏ هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ ‏"‏ قضى محمد صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين ‏"‏ لفظ أحمد وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي‏:‏ إن العمل عليه عند أهل العلم، وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورد في الباب ما يعضده أيضا، ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدم على الوصية إلا في صورة واحدة وهي ما لو أوصى الشخص بألف مثلا وصدقه الوارث وحكم به ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينا يستغرق موجوده وصدقه الوارث ففي وجه للشافعية تقدم الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة،
    ( ج5/ 464)
    وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور‏:‏ أحدها الخفة والثقل كربيعة ومضر، فمضر أشرف من ربيعة لكن لفظ ربيعة لما كان أخف قدم في الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ‏.‏
    ثانيها بحسب الزمان كعاد وثمود‏.‏
    ثالثها بحسب الطبع كثلاث ورباع‏.‏
    رابعها بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة لأن الصلاة حق البدن والزكاة حق المال والبدن مقدم على المال، خامسها تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏عزيز حكيم‏)‏ قال بعض السلف عز فلما عز حكم‏.‏
    سادسها بالشرف والفضل كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏من النبيين والصديقين‏)‏ ‏.‏
    وإذا تقرر ذلك فقد ذكر السهيلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصلة بخلاف الدين فإنه إنما يقع غالبا بعد الميت بنوع تفريط فوقعت البداءة بالوصية لكونها أفضل‏.‏
    قال غيره‏:‏ قدمت الوصية لأنها شيء يؤخذ بغير عوض والدين يؤخذ بعوض فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنة التفريط، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدمت الوصية لذلك‏.‏
    وأيضا فهي حظ فقير ومسكين غالبا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة وله مقال، كما صح أن لصاحب الدين مقالا
    ( ج5/ ص 465)
    وقد اختلف العلماء في الأقارب فقال أبو حنيفة‏:‏ القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم‏.‏
    وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم من غير تفصيل، زاد زفر‏:‏ ويقدم من قرب منهم، وهي رواية عن أبي حنيفة أيضا‏.‏
    وأقل من يدفع إليه ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشرط ذلك‏.‏
    وقالت الشافعية‏:‏ القريب من اجتمع في النسب سواء قرب أم بعد مسلما كان أو كافرا غنيا كان أو فقيرا ذكرا كان أو أنثى وارثا أو غير وارث محرما أو غير محرم، واختلفوا في الأصول والفروع على وجهين وقالوا‏:‏ إن وجد جمع محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا، وقيل يقتصر على ثلاثة‏.‏
    وإن كانوا غير محصورين فنقل الطحاوي الاتفاق على البطلان، وفيه نظر لأن عند الشافعية وجها بالجواز ويصرف منهم لثلاثة ولا تجب التسوية

    ( ج5/ ص 467)
    وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في ‏"‏ كتاب المدينة ‏"‏ من مرسل أبي بكر بن حزم زيادة على ما في حديث أنس ولفظه ‏"‏ أن أبا طلحة تصدق بماله وكان موضعه قصر بني حديلة، فدفعه إلى رسول الله فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس أو ابنه أوس بن ثابت فتقاوموه، فصار لحسان، فباعه من معاوية بمائة ألف فابتنى قصر بني حديلة في موضعها ‏"‏ اهـ‏
    وابن زبالة ضعيف فلا يحتج بما ينفرد به فكيف إذا خالف،
    ( ج5/ ص 467)
    واستدل لأحمد بأن المراد بذي القربى في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وللرسول ولذي القربى‏)‏ بنو هاشم وبنو المطلب لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بسهم ذي القربى وإنما يجتمع مع بني عبد المطلب في الأب الرابع، وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان المراد ذلك لشرك معهم بني نوفل وبني عبد شمس لأنهما ولدا عبد مناف كالمطلب وهاشم، فلما خص بني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وعبد شمس دل على أن المراد بسهم ذوي القربى دفعه لناس مخصوصين بينه النبي صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بني هاشم وبني المطلب ‏"‏ فلا يقاس عليه من وقف أو أوصى لقرابته، بل يحمل اللفظ على مطلقه وعمومه حتى يثبت ما يقيده أو يخصصه والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 469)
    وقال ابن بطال‏:‏ لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته، ثم قال‏:‏ وإنما يجوز له ذلك إن شرطه في الوقف أو افتقر هو أو ورثته انتهى‏.‏
    والذي عند الجمهور جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامة دون الخاصة
    ومن فروع المسألة‏:‏ لو وقف على الفقراء مثلا ثم صار فقيرا أو أحد من ذريته هل يتناول ذلك‏؟‏ والمختار أنه يجوز بشرط أن لا يختص به لئلا يدعي أنه ملكه بعد ذلك‏.‏.
    ( ج5/ ص 471)
    ‏ال ابن بطال‏:‏ ذهب مالك إلى صحة الوقف وإن لم يعين مصرفه، ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول، قال ابن القصار‏:‏ وجهه أنه إذا قال وقف أو صدقه فإنما أراد به البر والقربة، وأولى الناس ببره أقاربه ولا سيما إذا كانوا فقراء، وهو كمن أوصى بثلث ماله ولم يعين مصرفه فإنه يصح ويصرف في الفقراء‏.‏
    والقول الآخر للشافعي أن الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه وإلا فهو باق على ملكه‏.
    ( ج5/ ص 475)
    ‏وقع في ‏"‏ أخبار المدينة لمحمد بن الحسن المخزومي ‏"‏ من طريق أبي بكر بن حزم أن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم قبضها من معاوية بن أبي سفيان‏.‏
    ا
    ( ج5/ ص 478)
    وقال ابن المنير‏:‏ كأن البخاري أراد دفع التوهم عمن يظن أن الوقف من أعمال البر فيندب إخفاؤه، فبين أنه يشرع إظهاره لأنه بصدد أن ينازع فيه ولا سيما من الورثة


    ( ج5/ ص 479)
    وفي تفسير الطبري عن السدي ‏(‏وكفى بالله حسيبا‏)‏ أي شهيدا‏.‏
    فقيل يجوز للوصي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عمالته وهو قول عائشة
    وهي من مسائل الخلاف
    وعكرمة والحسن وغيرهم، وقيل لا يأكل منه إلا عند الحاجة‏.‏
    ثم اختلفوا فقال عبيدة بن عمرو وسعيد بن جبير ومجاهد‏:‏ إذا أكل ثم أيسر قضى، وقيل لا يجب القضاء، وقيل إن كان ذهبا أو فضة لم يجز أن يأخذ منه شيئا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس، وبه قال الشعبي وأبو العالية وغيرهما، أخرج جميع ذلك ابن جرير في تفسيره‏.‏
    وقال هو بوجوب القضاء مطلقا وانتصر له، ومذهب الشافعي يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته ولا يجب الرد على الصحيح، وحكى ابن التين عن ربيعة أن المراد بالفقير والغني في هذه الآية اليتيم، أي إن كان غنيا فلا يسرف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيرا فليطعمه من ماله بالمعروف، ولا دلالة فيها على الأكل من مال اليتيم أصلا
    ( ج5/ ص 480)
    أن الموصي إذا جعل للوصي أن يأكل من مال الموصى عليهم لا يصح ذلك، وليس كذلك بل هو سائغ إذا عينه، وإنما اختلف السلف فيما إذا أوصى ولم يعين للموصي شيئا هل له أن يأخذ بقدر عمله أم لا‏؟‏ وقال الكرماني‏:‏ وجه المطابقة هو من جهة أن القصد أن الوصي يأخذ من مال اليتيم أجره بدليل قول عمر ‏"‏ لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 482)
    ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ‏"‏ يقول يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته ما لم يسرف أو يبذر، ثم أخرج من طريق سعيد بن جبير قال في قوله‏:‏ ‏"‏ لأعنتكم ‏"‏‏:‏ لأحرجكم اه
    ( ج5/ ص 482)
    (‏وقال لنا سليمان بن حرب إلخ‏)‏ هو موصول، وسليمان من شيوخ البخاري، وجرت عادة البخاري الإتيان بهذه الصيغة في الموقوفات غالبا وفي المتابعات نادرا، ولم يصب من قال أنه لا يأتي بها إلا في المذاكرة، وأبعد من قال إن ذلك للإجازة‏.‏
    ( ج5/ ص 485)
    وقال الباجي‏:‏ أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذر يفتحون الراء في كل حال، زاد الصوري وكذلك الباء أي أوله، وقد قدمت في الزكاة أنه انتهى الخلاف في النطق بها إلى عشرة أوجه، ونقل أبو علي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم أنها مركبة من كلمتين بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو هي كلمة زجر لإبل وكأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة‏.‏
    ( ج5/ ص 486)
    واستدل به بعض المالكية على صحة الصدقة المطلقة ثم يعينها المتصدق لمن يريد، واستدل به للجمهور في أن من أوصى أن يفرق ثلث ماله حيث أرى الله الوصي صحت وصيته ويفرقه الوصي في سبيل الخير ولا يأكل منه شيئا ولا يعطي منه وارثا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور وفاقا للحنفية في الأول دون الثاني‏.‏
    وفيه جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به وقال لسعد بن أبي وقاص ‏"‏ الثلث كثير ‏"‏ وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم، وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم ولا نقص عليه في ذلك وقد أخبر تعالى عن الإنسان ‏(‏إنه لحب الخير لشديد‏)‏ والخير هنا المال اتفاقا، وفيه اتخاذ الحوائط والبساتين ودخول أهل الفضل والعلم فيها والاستظلال بظلها والأكل من ثمرها والراحة والتنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبا يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها للطاعة
    ( ج5/ ص 488)
    كذا لأحمد من رواية أيوب ‏"‏ أن عمر أصاب أرضا من يهود بني حارثة يقال لها ثمغ ‏"
    وللطحاوي من رواية يحيى بن سعيد، وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ‏"‏ أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ ‏"‏ وللنسائي من رواية سفيان عن عبد الله بن عمر ‏"‏ جاء عمر فقال‏:‏ يا رسول الله إني أصبت مالا لم أصب مالا مثله قط، ‏"‏ كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها ‏"‏ فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين من شهد خيبر، وهذه المائة السهم غير المائة السهم التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة
    ( ج5/ ص 490)
    قال القرطبي‏:‏ جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة، وقيل القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأولى أولى‏.‏
    ( ج5/ ص 491)
    بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال‏:‏ هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفا حرفا ‏"‏ هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها‏"‏‏.‏
    وذكرا جميعا كتابا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة ‏"‏ وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه صدقة كذلك ‏"‏ وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته لأن معيقيبا كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم


    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
    ( ج5/ ص 493)
    وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف، قال أحمد‏:‏ ‏"‏ حدثنا حماد هو ابن خالد حدثنا عبد الله هو العمري عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ أول صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر ‏"‏ وروى عمر بن شبة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال‏:‏ ‏"‏ سألنا عن أول حبس في الإسلام فقال المهاجرون‏:‏ صدقة عمر‏.‏
    وقال الأنصار‏:‏ صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وفي إسناده الواقدي‏.‏
    وفي مغازي الواقدي أن أول صدقة موقوفه كانت في الإسلام أراضي مخيريق بالمعجمة مصغر التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم فوقفها النبي، قال الترمذي‏:‏ لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، ومنهم من تأوله‏.‏
    وقال أبو حنيفة لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلا زفر بن الهذيل فحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان قال‏:‏ كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا فقال‏:‏ من سمع هذا من ابن عون‏؟‏ فحدثه به ابن علية، فقال‏:‏ هذا لا يسع أحدا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة‏.‏
    ( ج5/ ص 494)
    وأشار الشافعي إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي وقف الأراضي والعقار، قال‏:‏ ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية، وحقيقة الوقف شرعا ورود صيغة تقطع تصرف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف منفعته في جهة خير‏.
    ( ج5/ ص 494)
    ‏وفيه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءا من ريع الموقوف لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره فدل عن صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة كان فيما يعينه هو أجوز، ويستنبط منه صحة الوقف على النفس وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه‏.‏
    وقال به من المالكية ابن شعبان، وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئا يسيرا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته، ومن الشافعية ابن سريج وطائفة، وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري جزءا ضخما واستدل له بقصة عمر هذه، وبقصة راكب البدنة، وبحديث أنس في أنه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها،
    ( ج5/ ص 494)
    قال الزين بن المنير‏:‏ لعل البخاري أراد الرد على من خص جواز الوقف بالمسجد، وكأنه قال قد نفذ وقف الأرض المذكورة أن تكون مسجدا فدل على أن صحة الوقف لا تختص بالمسجد
    ( ح5/ ص 497)
    البيهقي من طريق الأنصاري ‏"‏ حدثني أبى عن ثمامة عن أنس أنه وقف دارا له بالمدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره ‏"‏ وهو موافق لما تقدم عن المالكية أنه يجوز أن يقف الدار ويستثني لنفسه منها بيتا‏.
    ( ج5/ ص 498)
    ‏فقد روي البغوي في ‏"‏ الصحابة ‏"‏ من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة وكان يبيع منها القربة بمد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تبيعنيها بعين في الجنة‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أتجعل لي فيها ما جعلت له‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏
    قال‏:‏ قد جعلتها للمسلمين ‏"‏ وإن كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها وطواها فنسب حفرها إليه
    ما وقع في رواية ثمامة بن حزن المذكورة ‏"‏ هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة‏؟‏ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها‏"‏، ونحوه لإسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن حبان من طريق أبي سعيد مولى أبي أسيد عن عثمان في قصة مقتله مطولا، وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان ‏"‏ أنه اشتراها بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا‏"‏، وزاد في ذكر جيش العسرة ‏"‏ فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما ‏"‏ وللترمذي من حديث عبد الرحمن بن حباب السلمي أنه جهزهم بثلاثمائة بعير، ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة ‏"‏ أنه جاء بألف دينار في ثوبه فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما على عثمان من عمل به بعد اليوم ‏"‏ وأخرج أسد بن موسى في ‏"‏ فضائل الصحابة


    ( ج5/ ص 500)
    ‏ ولهذا قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ هذا الموضع من أصعب ما في القرآن إعرابا، قال الشهاب السمين‏:‏ ولقد صدق والله فيما قال‏.
    (‏الأوليان وأحدهما أولى
    ( ج5/ ص 501)
    قال البخاري : وقال لي علي بن عبد الله
    قال ابن حجر : وهذا مما يقوى ما قررته غير مرة من أنه يعبر بقوله‏:‏ ‏"‏ وقال لي ‏"‏ في الأحاديث التي سمعها، لكن حيث يكون في إسنادها عنده نظر أو حيث تكون موقوفة، وأما من زعم أنه يعبر بها فيما أخذه في المذاكرة أو بالمناولة فليس عليه دليل‏.
    ( ج5/ ص 504)
    ‏بأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن حتى صح عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف أن سورة المائدة محكمة، وعن ابن عباس ‏"‏ أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، فإن اتهما استحلفا ‏"‏ أخرجه الطبري بإسناد رجاله ثقات، وأنكر أحمد على من قال إن هذه الآية منسوخة، وصح عن أبي موسى الأشعري أنه عمل بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فروى أبو داود بإسناد رجاله ثقات عن الشعبي قال‏:‏ حضرت رجلا من المسلمين الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته ووصيته فأخبر الأشعري فقال‏:‏ هذا لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا كتما ولا بدلا وأمضى شهادتهما، ورجح الفخر الرازي وسبقه الطبري لذلك أن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا‏)‏ خطاب للمؤمنين، فلما قال‏:‏ ‏(‏أو آخران‏)‏ وصح أنه أراد غير المخاطبين فتعين أنهما من غير المؤمنين، وأيضا فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا بالسفر وأن أبا موسى حكم بذلك فلم ينكره أحد من الصحابة فكان حجة، وذهب الكرابيسي ثم الطبري وآخرون إلى أن المراد بالشهادة في الآية اليمين، قال‏:‏ وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان، وأيدوا ذلك بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول أشهد بالله وأن الشاهد لا يمين عليه أنه شهد بالحق
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهينا بفضل من الله ونعمة من المجلد الخامس من " فتح الباري " يوم الجمعة
    الموافق 25/ ربيع الأول / 1441 هجرية
    الموافق 22/ 11/ 2019 م .
    ونسال الله العلم النافع والعمل الصالح وان ينفع به عامة المسلمين وان يجعله الله في ميزان الحسنات إنه سميع قريب مجيب الدعاء "
    والحمد لله .

  7. #167
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ملخص المجلد السادس " فتح الباري "
    بسم الله "

    ..............................
    كتاب الجهاد والسير
    ( ج6/ ص 5)
    الجهاد : وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق‏.‏
    فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب،
    ( ج6/ ص 6)
    وقال الطبري‏:‏ إنما خص صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برا، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عدواتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك، فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع‏.‏
    ( ج6/ ص 8)
    أن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء،
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم‏.‏
    في المثل ‏"‏ استنت الفصال حتى القرعي ‏"‏ يضرب لمن يتشبه بمن هو فوقه،
    ( ج6/ ص 9)
    وللترمذي وحسنه والحاكم وصححه من طريق ابن أبي ذئاب عن أبي هريرة ‏"‏ أن رجلا مر بشعب فيه عين عذبة، فأعجبه فقال‏:‏ لو اعتزلت، ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ‏"‏ وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلا فقال الجمهور‏:‏ محل ذلك عند وقوع الفتن
    ( ج6/ ص 11)
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جار على القياس لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته، إذ للمشقة دخول في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم، يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها، فيمكن أن يجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض لأن أخذ الغنائم أول ما شرع كان عونا على الدين وقوة لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو‏.‏
    ( ج6/ ص 12)
    أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فرض أن أجر البدري بغير غنيمة ستمائة وأجر الأحدي مثلا بغير غنيمة مائة فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة فيكون أكثر أجرا من الأحدي، وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل والله أعلم‏.‏
    واختار ابن عبد البر أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بما له فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو
    ( ج6/ ص 13)
    وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله ابن عمرو حكمة لطيفة بالغة وذلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات‏:‏ دنيويتان وأخروية، فالدنيويتان السلامة والغنيمة والأخروية دخول الجنة، فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد‏:‏ إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا‏.‏
    وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معا، قال‏:‏ وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجرا بطريق المجاز والله أعلم‏.‏
    وفي الحديث أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس، بل هي بفضل الله‏.‏
    ( ج6/ ص 16)
    (‏إن في الجنة مائة درجة‏)‏ قال الطيبي‏:‏ هذا الجواب من أسلوب الحكيم، أي بشرهم بدخولهم الجنة بما ذكر من الأعمال ولا تكتف بذلك بل بشرهم بالدرجات، ولا تقتنع بذلك بل بشرهم بالفردوس الذي هو أعلاها‏.‏
    في رواية محمد بن جحادة عند الترمذي ‏"‏ ما بين كل درجتين مائة عام ‏"‏ وللطبراني من هذا الوجه ‏"‏ خمسمائة عام ‏"‏ فإن كانتا محفوظتين كان اختلاف العدد بالنسبة إلى اختلاف السير، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد ‏"‏ لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 17)
    والفردوس هو البستان الذي يجمع كل شيء، وقيل هو الذي فيه العنب، وقيل هو بالرومية وقيل بالقبطية وقيل بالسريانية وبه جزم أبو إسحاق الزجاج
    ( ج6/ ص 18)
    ‏خير من الدنيا وما فيها‏)‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقا له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة‏.‏
    والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى‏.‏
    ( ج6/ ص 18)
    ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال ‏"‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم ‏"‏ والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا‏.‏
    ( ج6/ ص 20)
    روى ابن ماجه من طريق شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال ‏"‏ ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين وفي يد كل واحدة منها حلة خير من الدنيا وما فيها ‏"‏ ولأحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا ‏"‏ أن للشهيد عند الله سبع خصال ‏"‏ فذكر الحديث وفيه ‏"‏ ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ‏"‏ إسناده حسن، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب وصححه‏.‏
    ( ج6/ ص 21)
    استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ) مع علمه بأنه لا يقتل، وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى ‏(‏والله يعصمك من الناس‏)‏ وهو متعقب فإن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة، وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة، والذي يظهر في الجواب أن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وددت لو أن موسى صبر
    وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، قال ابن التين‏:‏ وهذا أشبه‏.‏
    وحكى شيخنا ابن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله ‏"‏ ولوددت ‏"‏ مدرج من كلام أبي هريرة قال‏:‏ وهو بعيد، قال النووي‏:‏ في هذا الحديث الحض على حسن النية، وبيان شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل‏.‏
    ( ج6/ ص 23)
    (‏وقول الله عز وجل ‏(‏ومن يخرج من بيته مهاجرا‏)‏ الآي
    وقد روى الطبري من طريق سعيد بن جبير والسدي وغيرهما أن الآية نزلت في رجل كان مسلما مقيما بمكة، فلما سمع قوله تعالى ‏(‏ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها‏)‏ قال لأهله وهو مريض أخرجوني إلى جهة المدينة فأخرجوه فمات في الطريق، فنزلت، واسمه ضمرة على الصحيح، وقد أوضحت ذلك في كتابي في الصحابة‏.‏
    ( ج6/ ص 24)
    ال ابن بطال‏:‏ وروى ابن وهب من حديث عقبة بن عامر مرفوعا ‏"‏ من صرع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد ‏"‏ فكأنه لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه في الترجمة‏.‏
    قلت‏:‏ هو عند الطبراني وإسناده حسن قال‏:‏ وفي حديث أم حرام أن حكم الراجع من الغزو حكم الذاهب إليه في الثواب
    وقوله فيه ‏"‏ أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية ‏"‏ كان ذلك في سنة ثمان وعشرين في خلافة عثمان‏.‏
    ( ج6/ ص 32)
    وقد أخرج ابن إسحاق في المغازي قصة عمرو بن ثابت بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه كان يقول ‏"‏ أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة‏؟‏ ثم يقول‏:‏ هو عمرو بن ثابت ‏"‏ قال ابن إسحاق قال الحصين بن محمد‏:‏ قلت لمحمود ابن لبيد‏:‏ كيف كانت قصته‏؟‏ قال‏:‏ كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بدا له فأخذ سيفه حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس فقاتل حتى وقع جريحا، فوجده قومه في المعركة فقالوا‏:‏ ما جاء بك‏؟‏ أشفقة على قومك، أم رغبة في الإسلام‏؟‏ قال‏:‏ بل رغبة في الإسلام، قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما أصابني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه من أهل الجنة ‏"‏ وروى أبو داود والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ‏"‏ كان عمرو يأبى الإسلام لأجل ربا كان له في الجاهلية، فلما كان يوم أحد قال‏:‏ أين قومي‏؟‏ قالوا بأحد، فأخذ سيفه ولحقهم، فلما رأوه قالوا‏:‏ إليك عنا، قال‏:‏ إني قد أسلمت، فقاتل حتى جرح، فجاءه سعد بن معاذ فقال‏:‏ خرجت غضبا لله ولرسوله، ثم مات فدخل الجنة وما صلى صلاة‏.‏
    فيجمع بين الروايتين بأن الذين رأوه وقالوا له‏:‏ إليك عنا، ناس غير قومه، وأما قومه فما شعروا بمجيئه حتى وجدوه في المعركة‏.‏
    ( ج6/ ص 36)
    ‏من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله‏)‏ المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال‏:‏ إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال ‏"‏ جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله‏؟‏ قال لا شيء له، فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول‏:‏ لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه ‏"‏ ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا، فتصير المراتب خمسا‏:‏ أن يقصد الشيئين معا، أو يقصد أحدهما صرفا أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنا، وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى، ودونه أن يقصدهما معا فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أي أمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفا، وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل ففيه مرتبتان أيضا، قال ابن أبي جمرة‏:‏ ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 43)
    قال المهلب‏:‏ في هذه الأحاديث جواز القول بأن قتلى المسلمين في الجنة، لكن على الإجمال لا على التعيين‏.
    ( ج6/ ص 44)
    حديث " ... ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا )
    من رواية عمر بن محمد بن جبير بن مطعم لم يرو عنه غير الزهري وقد وثقه النسائي وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري ان لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين عن اقل من اثنين فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر ثم ما رواه عن عمر غير الزهري
    هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقا ..
    ( ج6/ ص 45)
    ‏وقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات أولاد سعد فذكر من الذكور أربعة عشر نفسا ومن الإناث سبع عشرة وروى عنه الحديث منهم خمسة‏:‏ عامر ومحمد ومصعب وعائشة وعمر‏.‏
    ( ج6/ ص 46)
    قال ابن بطال وغيره‏:‏ كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية المزيد والنقصان
    ( ج6/ ص 48)
    قال الخطابي وغيره‏:‏ كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى‏.‏
    ( ج6/ ص 48)
    الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا ‏"‏ لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين ‏"‏ ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعا ‏"‏ أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ‏"‏ وهذا محمول على من لم يأمن على دينه
    ( ج6/ ص 49)
    قال ابن العربي‏:‏ الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، كانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان‏.‏
    وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدا‏.
    ( ج6/ ص 50)
    يضحك الله إلى رجلين‏)‏ في رواية النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد ‏"‏ أن الله يعجب من رجلين ‏"‏ قال الخطابي‏:‏ الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هذا مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الإعجاب عند البشر فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه الإخبار عن رضا الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة ثم اختلاف حاليهما، قال‏:‏ وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة وهو قريب، وتأويله على معنى الرضا أقرب، فإن الضحك يدل على الرضا والقبول، قال‏:‏ والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء، فيكون المعنى في قوله ‏"‏ يضحك الله ‏"‏ أي يجزل العطاء‏.‏
    قال وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما، وهذا يتخرج على المجاز ومثله في الكلام يكثر‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرونه كما جاء صلى الله عليه وسلم وينبغي أن يراعى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا تشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه‏.‏
    قلت‏:‏ ويدل على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته بإلى تقول‏:‏ ضحك فلان إلى فلان إذا توجه إليه طلق الوجه مظهرا للرضا عنه‏.‏
    ( ج6/ ص 51)
    وقوقل لقب ثعلبة وقيل لقب أصرم، وقد ينسب النعمان إلى جده فيقال النعمان بن قوقل، وله ذكر في حديث جابر عند مسلم قال ‏"‏ جاء النعمان بن قوقل فقال‏:‏ يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبات ‏"‏ الحديث‏.‏
    وروى البغوي في الصحابة ‏"‏ أن النعمان بن قوقل قال يوم أحد‏:‏ أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في الجنة‏.‏
    وهوالنعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم
    فاستشهد ذلك اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد رأيته في الجنة ‏"‏ ‏"‏ وذكر بعض أهل المغازي أن صفوان بن أمية هو الذي قتله، وهو مرجوح بهذا الحديث الذي في البخاري، ولعلهما جميعا اشتركا في قتله
    ( ج6/ ص 52)
    قع عند الحاكم في المستدرك من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ‏"‏ أن أبا طلحة أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى‏"‏‏.‏
    وعلى الحاكم فيه مأخذان أحدهما أن أصله في البخاري فلا يستدرك، ثانيهما أن الزيادة في مقدار حياته بعد النبي صلى الله عليه وسلم غلط فإنه لم يقم بعده سوى ثلاث أو أربع وعشرين سنة‏.‏
    فلعلها كانت أربعا وعشرين فتغيرت‏.‏
    ( ج6/ ص 53)
    اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيدا، فقال النضر بن شميل‏:‏ لأنه حي فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة‏.‏
    وقال ابن الأنباري‏:‏ لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة‏.‏
    وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة‏.‏
    وقيل‏:‏ لأنه يشهد له بالأمان من النار‏.‏
    وقيل لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا‏.‏
    وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة‏.‏
    وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل‏.‏
    وقيل‏:‏ لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة‏.‏
    وقيل‏:‏ لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع‏.‏
    وقيل‏:‏ لأن الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه‏.‏
    وقيل‏:‏ لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره، وقيل‏:‏ لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا، ودار الآخرة،
    ( ج6/ ص 53)
    فأما صاحب ذات الجنب فهو مرض معروف ويقال له الشوصة، وأما المرأة تموت بجمع فهو بضم الجيم وسكون الميم، وقد تفتح الجيم وتكسر أيضا وهي النفساء؛ وقيل التي يموت ولدها في بطنها ثم تموت بسبب ذلك، وقيل التي تموت بمزدلفة وهو خطأ ظاهر، وقيل التي تموت عذراء والأول أشهر‏.‏
    ( ج6/ ص 53)
    وقال ابن بطال‏:‏ لا تخرج هذه الترجمة ( باب الشهادة سبع سوى القتل ) من الحديث أصلا، وهذا يدل على أنه مات قبل أن يهذب كتابه‏.‏
    وأجاب ابن المنير بأن ظاهر كلام ابن بطال أن البخاري أراد أن يدخل حديث جابر بن عتيك فأعجلته المنية عن ذلك، وفيه نظر، قال‏:‏ ويحتمل أن يكون أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك الأسباب اختلفت الأحاديث في عددها ففي بعضها خمسة وفي بعضها سبعة، والذي وافق شرط البخاري الخمسة فنبه بترجمة على أن العدد الوارد ليس على معنى التحديد انتهى‏.‏
    وقال بعض المتأخرين يحتمل أن يكون بعض الرواة - يعني رواة الخمسة - نسى الباقي‏.
    ‏قلت‏:‏ وهو احتمال بعيد، لكن يقربه ما تقدم من الزيادة في حديث أبي هريرة عند مسلم، وكذا وقع لأحمد من وجه آخر عنه ‏"‏ والمجنوب شهيد ‏"‏ يعني صاحب ذات الجنب، والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك‏.
    ( ج6/ ص 54)
    ‏وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ما قدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة، وتقدم في ‏"‏ باب من ينكب في سبيل الله ‏"‏ حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا ‏"‏ من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله تعالى فهو شهيد ‏"‏ وصح الدار قطني من حديث ابن عمر ‏"‏ موت الغريب شهادة ‏"‏ ولابن حبان من حديث أبي هريرة ‏"‏ من مات مرابطا مات شهيدا ‏"‏ الحديث وللطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد ‏"‏ وقال ذلك أيضا في المبطون واللديغ والغريق والشريق والذي يفترسه السبع والخار عن دابته وصاحب الهدم وذات الجنب، ولأبي داود من حديث أم حرام ‏"‏ المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد‏"‏، وقد تقدمت أحاديث فيمن طلب الشهادة بنية صادقة أنه يكتب شهيدا في ‏"‏ باب تمني الشهادة ‏"‏ ويأتي في كتاب الطب حديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيد، وتقدم حديث عقبة بن عامر فيمن صرعته دابته وأنه عند الطبراني‏.‏
    وعنده من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح ‏"‏ أن من يتردى من رءوس الجبال وتأكله السباع ويغرق في البحار لشهيد عند الله ‏"‏ ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أعرج عليها لضعفها، قال ابن التين‏:‏ هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء‏.‏
    قلت‏:‏ والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر الدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن حبشي، وابن ماجه من حديث عمرو بن عنبسة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الجهاد أفضل‏؟‏ قال‏:‏ من عقر جواده وأهريق دمه ‏"‏ وروى الحسن بن علي الحلواني في ‏"‏ كتاب المعرفة ‏"‏ له بإسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال ‏"‏ كل موته يموت بها المسلم فهو شهيد ‏"‏ غير أن الشهادة تتفاضل
    ( ج6/ ص 55)
    ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان‏:‏ شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلا غير مدبر مخلصا‏.‏
    وشهيد الآخرة وهو من ذكر، بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا‏.‏
    وفي حديث العرباض بن سارية عند النسائي وأحمد ولأحمد من حديث عتبة بن عبد نحوه مرفوعا ‏"‏ يختصم الشهداء والمتوفون على الفراش في الذين يتوفون من الطاعون فيقول‏:‏ انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم معهم ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم، وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله مجازا، فيحتج به من يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز فقد يطلق الشهيد على من قتل في حرب الكفار لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه كالانهزام وفساد النية والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 59)
    أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل‏.‏
    ( ج6/ ص 60)
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال‏:‏ ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأول أقرب، ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء كما تقدم تقريره في ‏"‏ باب من اختار الغزو على الصوم ‏"‏ لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفا، ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين
    ( ج6/ ص 60)
    الخريف زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول - الصيف والشتاء والربيع - لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجني فيه الثمار‏.‏
    ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره، ورد بأن الربيع كذلك‏.‏
    قال القرطبي‏.‏
    ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير كثيرا انتهى‏.‏
    ( ج6/ ص 63)
    النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد بئر معونة وإنما أمرهم بالذهاب إليها، وغفل القرطبي فقال‏:‏ قتل أخوها معه في بعض حروبه وأظنه يوم أحد، ولم يصب في ظنه، والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 65)
    أخرجه ابن سعد والطبراني والحاكم من طرق عنه ولفظه ‏"‏ أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ولبس ثوبين أبيضين يكفن فيهما وقد انهزم القوم، فقال‏:‏ اللهم أني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون واعتذر إليك مما صنع هؤلاء - ثم قال - بئس ما عودتم أقرانكم منذ اليوم، خلوا بيننا وبينهم ساعة، فحمل فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل فيما يرى النائم فقال‏:‏ أنها في قدر تحت إكاف بمكان كذا، فأوصاه بوصايا، فوجدوا الدرع كما قال، وأنفذوا وصاياه‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 67)
    وكأنه لمح بضعف الحديث الوارد في الزجر عن سفر الواحد والاثنين، وهو ما أخرجه أصحاب السنن من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ‏"‏ الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وهو حديث حسن الإسناد، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم، وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وصححه وترجم له ابن خزيمة ‏"‏ النهي عن سفر الاثنين وأن ما دون الثلاثة عصاة ‏"‏ لأن معنى قوله شيطان أي عاص‏.‏
    وقال الطبري‏:‏ هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة، وليس بحرام فالسائر وحده في فلاة وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف، والحق أن الناس يتباينون في ذلك فيحتمل أن يكون الزجر عن
    ذلك، وقع لحسم المادة فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك‏.
    ‏وقيل في تفسير قوله ‏"‏ الراكب شيطان ‏"‏‏:‏ أي سفره وحده يحمله عليه الشيطان أو أشبه الشيطان في فعله، وقيل إنما كره ذلك لأن الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه، بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن تلك الخشية‏.‏
    ( ج6/ ص 69)
    قال الخطابي‏:‏ وفيه إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها، والعرب تسمى المال خيرا كما تقدم في الوصايا في قوله تعالى ‏(‏إن ترك خيرا الوصية‏)‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب، لأنه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم في شيء غيرها مثل هذا القول، وفي النسائي عن أنس بن مالك ‏"‏ لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 73)
    قد اعتنى من ألف في السيرة النبوية بسرد أسماء ما ورد في الأخبار من خيله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من دوابه، وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الأصيلة لأن الأسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس‏.‏
    *بي قتادة في قصة صيد الحمار الوحشي فركب فرسا يقال له الجرادة ‏"‏ وهو بفتح الجيم وتخفيف الراء، والجراد اسم جنس‏.‏
    ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة الحزوة
    كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ
    قلت‏:‏ ورجحه الدمياطي، وبه جزم الهروي وقال‏:‏ سمي بذلك لطول ذنبه، فعيل بمعنى فاعل، وكأنه يلحف الأرض بذنبه‏
    ولفظه عند ابن منده ‏"‏ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن سعد والد سهل ثلاثة أفراس، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يسميهن لزاز - بكسر اللام وبزايين الأولى خفيفة - والظرب بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة، واللخيف ‏"‏ وحكى سبط ابن الجوزي أن البخاري قيده بالتصغير والمعجمة قال‏:‏ وكذا حكاه ابن سعد عن الواقدي وقال‏:‏ أهداه له ربيعة بن أبي البراء مالك بن عامر العامري وأبوه الذي يعرف بملاعب الأسنة انتهى‏.‏
    ووقع عند ابن أبي خيثمة‏:‏ أهداه له فروة بن عمرو‏.‏
    وحكى ابن الأثير في النهاية أنه روى بالجيم بدل الخاء المعجمة، وسبقه إلى ذلك صاحب المغيث ثم قال‏:‏ فإن صح فهو سهم عريض النصل كأنه سمي بذلك لسرعته‏
    ( ج6/ ص 74)
    (‏كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير‏)‏ بالمهملة والفاء مصغر مأخوذ من العفر وهو لون التراب كأنه سمي بذلك للونه والعفرة حمرة يخالطها بياض،.‏
    وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له يعفور، وزعم ابن عبدوس أنهما واحد وقواه صاحب الهدي، ورده الدمياطي فقال‏:‏ عفير أهداه المقوقس ويعفور أهداه فروة بن عمرو وقيل بالعكس‏.‏
    ويعفور بسكون المهملة وضم الفاء هو اسم ولد الظبي كأنه سمي بذلك لسرعته‏.‏
    قال الواقدي‏:‏ نفق يعفور منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، وبه جزم النووي عن ابن الصلاح، وقيل طرح نفسه في بئر يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن مرثد في الضعفاء، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غنمه من خيبر، وأنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أنه كان ليهودي وأنه خرج من جده ستون حمارا لركوب الأنبياء فقال‏:‏ ولم يبق منهم غيري، وأنت خاتم الأنبياء، فسماه يعفورا‏.‏
    وكان يركبه في حاجته ويرسله إلى الرجل فيقرع بابه برأسه فيعرف أنه أرسل إليه، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها فصارت قبره، قال ابن حبان‏:‏ لا أصل له، وليس سنده بشيء‏.‏
    ( ج6/ ص 76)
    قال ابن قتيبة‏:‏ ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة‏.‏
    قلت‏:‏ فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي‏:‏ ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ وإنما عني أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره، قلت‏:‏ وقد وقع في رواية عمر العسقلاني - وهو ابن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمر - عن أبيه عن ابن عمر كما سيأتي في النكاح بلفظ ‏"‏ ذكروا الشؤم فقال‏:‏ إن كان في شيء ففي ‏"‏ ولمسلم ‏"‏ إن يك من الشؤم شيء حق ‏"‏ وفي رواية عتبة بن مسلم ‏"‏ إن كان الشؤم في شيء ‏"‏ وكذا في حديث جابر عند مسلم وهو موافق لحديث سهل بن سعد
    قال ابن العربي‏:‏ معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء، قال المازري‏:‏ بحمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها‏.‏
    قال المازري‏:‏ فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عند سكنى الدار فتصير في ذلك كالسبب فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعا‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل‏.‏
    وقيل‏:‏ معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبية ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب‏.‏
    قلت‏:‏ وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة وسد الذريعة لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة فيقع في اعتقاد ما نهى عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك‏.‏
    وأما ما رواه أبو داود وصححه الحاكم من طريق إسحاق بن طلحة عن أنس ‏"‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وأموالنا، فتحولنا إلى أخرى فقل فيها ذلك، فقال‏:‏ ذروها ذميمة‏"‏‏.‏
    أخرج من حديث فروة بن مسيك بالمهلة مصغرا ما يدل على أنه هو السائل، وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين، وله رواية بإسناد صحيح إليه عند عبد الرزاق، قال ابن الحربي ورواه مالك عن يحيى بن سعيد منقطعا قال‏:‏ والدار المذكورة في حديثه كانت دار مكمل بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم بعدها للام - وهو ابن عوف أخو عبد الرحمن ابن عوف - قال‏:‏ وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء فيستمر اعتقادهم‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمتنع ذم محل المكروه وإن كان ليس منه شرعا كما يذم العاصي على معصيته وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال‏:‏ إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره فليفارقه‏.‏
    قيل المعنى ما جاء بإسناد ضعيف رواه الدمياطي في الخيل ‏"‏ إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأول فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشئومة‏.‏
    وقيل‏:‏ كان قوله ذلك في أول الأمر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ‏"‏ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ‏"‏ الآية، حكاه ابن عبد البر، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع ولا سيما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير ثم إثباته في الأشياء المذكورة‏.‏
    وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه ‏(‏من سعادة المرء المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء‏.‏
    ومن شقاوة المرء المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء‏)‏ أخرجه أحمد‏.‏
    وهذا يختص ببعض أنواع الأجناس المذكورة دون بعض، وبه صرح ابن عبد البر فقال‏:‏ يكون لقوم دون قوم، وذلك كله بقدر الله‏.‏
    اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق في رواية عبد الرزاق المذكورة‏:‏ قال معمر قالت أم سلمة ‏"‏ والسيف ‏"‏ قال أبو عمر‏:‏ رواه جويرية عن مالك عن الزهري عن بعض أهل أم سلمة عن أم سلمة، قلت‏:‏ أخرجه الدار قطني في ‏"‏ غرائب مالك ‏"‏ وإسناده صحيح إلى الزهري، ولم ينفرد به جويرية بل تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدار قطني أيضا قال‏:‏ والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، سماه عبد الرحمن بن إسحاق
    عن الزهري في روايته‏.
    ‏قلت‏:‏ أخرجه ابن ماجه من هذا الوجه موصولا فقال ‏"‏ عن الزهري عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة أنها حدثت بهذه الثلاثة وزادت فيهن والسيف ‏"‏ وأبو عبيدة المذكور هو ابن بنت أم سلمة أمه زينب بنت أم سلمة، وقد روى النسائي حديث الباب من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري فأدرج فيه السيف وخالف فيه في الإسناد أيضا‏.‏
    ( ج6/ ص 81)
    وقال ابن بطال‏:‏ معلوم أن المدينة لم تخل عن إناث الخيل، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا جملة من أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول، إلا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص، كذا قال وهو محل توقف وقد روى الدار قطني أن فرس المقداد كان أنثى‏.‏
    وروى أبو عبيدة في ‏"‏ كتاب الخيل ‏"‏ له عن عبد الله بن محيريز نحو هذا الأثر وزاد ‏"‏ وكانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ‏"‏ وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة ابن نسى بنون ومهملة مصغرا وابن محيريز ‏"‏ أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ولما خفي من أمور الحرب ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون ولما ظهر من أمور الحرب‏"‏‏.‏
    وروى عن خالد ابن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى لأنها تدفع البول وهي أقل صهلا، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق ويؤذي بصهيله‏.‏
    ( ج6/ ص 84)
    ذكر الهجين لأن مالكا ذكر هذا الكلام في الموطأ وفيه ‏"‏ والهجين‏"‏، والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي، وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأما الذي أمه فقط عربية فيسمى المقرف‏.‏
    وعن أحمد‏:‏ الهجين البرذون
    ( ج6/ ص 84)
    في غزوة خيبر أن نافعا فسره كذلك ولفظه ‏"‏ إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن معه فرس فله سهم ‏"‏ ولأبي داود عن أحمد عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر بلفظ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه
    ( ج6/ ص 85)
    وللنسائي من حديث الزبير ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته، قال محمد بن سحنون‏:‏ انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار، ونقل عنه أنه قال‏:‏ أكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة لأن السهام في الحقيقة كلها للرجل‏.‏
    قلت‏:‏ لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لأن المراد المفاضلة بين الراجل والفارس فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل، فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الرجل، وقد تعقب هذا أيضا لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة فلتكن المفاضلة كذلك، وقد فضل الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الأحكام فقالوا‏:‏ لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم‏.‏
    والحق أن الاعتماد في ذلك على الخبر، ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى، لكن الثابت عن عمر وعلي كالجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغني في الحرب مالا يخفى، واستدل به على أن المشرك إذا حضر الوقعة وقاتل مع المسلمين يسهم له، وبه قال بعض التابعين كالشعبي، ولا حجة فيه إذ لم يرد هنا صيغة عموم، واستدل للجمهور بحديث ‏"‏ لم تحل الغنائم لأحد قبلنا
    ( ج6/ ص 86)
    (‏باب ركوب الفرس العري‏)‏ بضم المهملة وسكون الراء، أي ليس عليه سرج ولا أداة، ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان قاله ابن فارس، قال‏:‏ وهي من النوادر انتهى‏.‏
    (‏باب الفرس القطوف‏)‏ أي البطيء المشي
    وقال الثعالبي‏:‏ إن مشي وثبا فهو قطوف، وإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو سبوت، وإن التوى براكبه فهو قموص، وإن منع ظهره فهو شموس‏.‏
    ( ج6/ ص 88)
    قال القرطبي‏:‏ لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب، وفيه جواز إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو‏.‏
    ( ج6/ ص 89)
    ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن ابن عمر ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن ‏"‏ وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين، وكذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة القمار ‏"‏ وهو أن يخرج كل منهما سبقا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه، ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق وفيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة لا مجرد إرسال الفرسين بغير راكب، لقوله في الحديث ‏"‏ وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها ‏"‏ كذا استدل به بعضهم، وفيه نظر لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب، وإنما احتج الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب وربما نفرت، وفيه نظر لأن الاهتداء لا يختص بالركوب فلو أن الفرس كان ماهرا في الجري بحيث لو كان مع كل فرس ساع يهديها إلى الغاية لأمكن،
    ( ج6/ ص 90)
    كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ قَالَ حُمَيْدٌ أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ
    والعضباء بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحدة ومد هي المقطوعة الأذن أو المشقوقة‏.‏
    وقال ابن فارس‏:‏ كان ذلك لقبا لها لقوله تسمى العضباء‏.‏
    ولقوله ‏"‏ يقال لها العضباء ‏"‏ ولو كانت تلك صفتها لم يحتج لذلك‏.‏
    وقال الزمخشري‏:‏ العضباء منقول من قولهم ناقة عضباء أي قصيرة اليد، واختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها، فجزم الحربي بالأول وقال‏:‏ تسمى العضباء والقصواء والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن الواقدي‏.‏
    وقال غيره بالثاني وقال‏:‏ الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة‏.‏
    أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة، لأن ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها وقد وقع في مسلم من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة بضم النون بعدها فاء خفيفة ثم مثلثة، وهذا هو الصحيح وذكر أبو الحسين بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين دلدل وكانت شهباء أهداها له المقوقس
    ( ج6/ ص 94)
    جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة قال ابن بطال‏:‏ ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الأكثر تيمم‏.‏
    وقال الأوزاعي تدفن كما هي، قال ابن المنير‏:‏ الفرق لبين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات‏.‏
    ( ج6/ ص 99)
    روى الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية‏:‏ ‏"‏ والله يعصمك من الناس ‏"‏ وإسناده حسن واختلف في وصله وإرساله‏.‏
    ( ج6/ ص 100)
    قوله‏:‏ ‏(‏وإذا شيك فلا انتقش‏
    والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش، تقول نقشت الشوك إذا استخرجته وذكر ابن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف، ومعناه صحيح لكن مع ذكر الشوكة تقوى رواية القاف
    والمعنى : لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا
    ( ج6/ ص 101)
    وقال ابن الجوزي‏:‏ المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو، فإن أنفق له السير سار؛ فكأنه قال‏:‏ إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها قوله‏:‏ ‏(‏إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع‏)‏ فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع

    ( ج6/ ص 107)
    ‏هذا جبل يحبنا ونحبه‏)‏ قيل هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات، وقيل هو على المجاز والمراد أهل أحد، على حد قوله تعالى ‏(‏واسأل القرية‏)‏ وقال الشاعر‏:‏ وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
    ( ج6/ ص 107)
    وقد اختلف السلف في جواز ركوبه،
    وتقدم في أوائل البيوع قول مطر الوراق‏:‏ ما ذكره الله إلا بحق، واحتج بقوله تعالى ‏(‏هو الذي يسيركم في البر والبحر‏)‏ وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعه ‏"‏ من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ فلا يلومن إلا نفسه ‏"‏ أخرجه أبو عبيد في ‏"‏ غريب الحديث ‏"‏ وزهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاري حديثه في تاريخه فقال في روايته ‏"‏ عن زهير عن رجل من الصحابة ‏"‏ وإسناده حسن وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء ومنهم من فرق بين الرجل والمرأة وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقا، وهذا الحديث حجة للجمهور، وقد تقدم قريبا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان، وذكر مالك أن عمر كان يمنع الناس من ركوب البحر حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له‏.‏
    ( ج6/ ص 109)
    (‏هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم‏)‏ في رواية النسائي ‏"‏ إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم، بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم ‏"‏ وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أحمد والنسائي بلفظ ‏"‏ إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ تأويل الحديث أن الضعفاء أشد إخلاصا في الدعاء وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حض سعد على التواضع ونفى الزهو على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة، وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصة سعد هذه زيادة مع إرسالها فقال ‏"‏ قال سعد يا رسول الله أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره ‏"‏‏؟‏ فذكر الحديث،
    ( ج6/ ص 110)
    ال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد ‏"‏ وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء بفتح المهملة وسكون الجيم ثم فاء عن عمر، وله شاهد في حديث مرفوع أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن الصلت عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من تعدون الشهيد‏؟‏ قالوا‏:‏ من أصابه السلاح، قال‏:‏ كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد، وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق وشهيد ‏"‏ وفي إسناده نظر، فإنه من رواية عبد الله بن خبيق بالمعجمة والموحدة والقاف مصغر عن يوسف بن أسباط الزاهد المشهور، وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال‏.‏
    ( ج6/ ص 112)
    ي حديث أبي هريرة في نحو هذه القصة عند ابن حبان والبزار ‏"‏ وأنا مع ابن الأذرع ‏"‏ انتهى، واسم ابن الأذرع محجن، وقع ذلك من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في هذا الحديث عند الطبراني قال فيه ‏"‏ وأنا مع محجن بن الأذرع
    وقيل اسم ابن الأذرع سلمة حكاه ابن منده قال‏:‏ والأذرع لقب واسمه ذكوان والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 115)
    باب المجن ) قال ابن المنير‏:‏ وجه هذه التراجم دفع من يتخيل أن اتخاذه هذه الآلات ينافي التوكل، والحق أن الحذر لا يرد القدر، ولكن يضيق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر‏.
    لأن المجن من جملة آلات السلاح كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن عمر ‏"‏ أنه كانت عنده درقة فقال‏:‏ لولا أن عمر قال لي احبس سلاحك لأعطيت هذه الدرقة لبعض أولادي‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 117)
    وقال ابن الجوزي‏:‏ الآنك الرصاص القلعي وهو بفتح اللام منسوب إلى القلعة موضع بالبادية ينسب ذلك إليه، وتنسب إليه السيوف أيضا فيقال سيوف قلعية، وكأنه معدن يوجد فيه الحديد والرصاص وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك غنية لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم‏.

    ( ج6/ ص 125)
    واختلفت في الروم فالأكثر أنهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم، واسم جدهم قيل روماني وقيل هو ابن ليطا بن يونان بن يافث بن نوح‏.‏
    ( ج6/ ص 126)
    ‏(‏يغزون مدينة قيصر‏)‏ يعني القسطنطينية، قال المهلب‏:‏ في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر وتعقبه ابن التين وابن المنير بما حاصله‏:‏ أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى الله عليه وسلم مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقا فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم وأما قول ابن التين يحتمل أن يكون لم يحضر مع الجيش فمردود، إلا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق وجوز بعضهم أن المراد بمدينة قيصر المدينة التي كان بها يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم تلك المقالة وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك، وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك وأن أم حرام فيهم، وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام والله أعلم‏.‏
    قلت‏:‏ وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة، وفي تلك مات أبو أيوب الأنصاري فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية وأن يعفى قبره ففعل به ذلك، فيقال إن الروم صاروا بعد ذلك يستسقون به
    ( ج6/ ص 127)
    ختلف في أصل الترك، فقال الخطابي‏:‏ هم بنو قنطوراء أمة كانت لإبراهيم عليه السلام وقال كراع‏:‏ هم الديلم وتعقب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغز وقال أبو عمرو‏:‏ هم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة وقال وهب بن منبه، هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك وقيل أنهم من نسل تبع، وقيل من ولد أفريدون بن سام بن نوح، وقيل ابن يافث لصلبه، وقيل ابن كومي بن يافث
    ( ج6/ ص 127)
    (‏ينتعلون نعال الشعر‏)‏ ، هذا والحديث الذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك
    قلت‏:‏ بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين‏.‏
    ( ج6/ ص 130)
    هذه المسألة مما اختلف فيه السلف فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن، ورخص أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في الدين والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه، وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجح فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 131)
    اشتراط الدعاء قبل القتال على أنه بلغتهم الدعوة، وهي مسألة خلافية‏:‏ فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نص عليه الشافعي وقال مالك‏:‏ من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال‏:‏ كنا ندعو وندع

    ( ج6/ ص 137)
    ‏وأما الخروج يوم الخميس فلعل سببه ما روى من قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس ‏"‏ وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بنون وموحدة مصغر ابن شريط بفتح المعجمة أوله‏.‏
    وكونه صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه لقيام مانع منه، وسيأتي بعد باب أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت‏.
    وروى سعيد بن منصور عن مهدي بن ميمون عن واصل مولى أبي عتيبة قال ‏"‏ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر أحب أن يخرج يوم الخميس‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 138)
    قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏بورك لأمتي في بكورها، لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور، وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط، وحديث ‏"‏ بورك لأمتي في بكورها ‏"‏ أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث صخر الغامدي بالغين المعجمة، وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا‏.‏
    ( ج6/ ص 139)
    وقد نقل ابن بطال أن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للأعمال، ويكرهون التصرف في محاق القمر‏.‏
    ( ج6/ ص 142)
    في المغازي موافقة المسيب بن حزن - والد سعيد - لابن عمر على خفاء الشجرة، وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله ‏"‏ كانت رحمة من الله ‏"‏ أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى‏.‏
    ويحتمل أن يكون معنى قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها‏.‏
    ( ج6/ 144)
    ابن حنظلة‏)‏ أي عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيلي الملائكة، والسبب في تلقيبه بذلك أنه قتل بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة، وعلقت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة، فمات النبي صلى الله عليه وسلم وله سبع سنين وقد حفظ عنه‏.‏
    وأتى الكرماني بأعجوبة فقال‏:‏ ابن حنظلة هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية، والمراد به نفس يزيد لأن جده أبا سفيان كان يكنى أيضا أبا حنظلة فيكون التقدير أن ابن أبي حنظلة، ثم حذف لفظ أي تخفيفا أو يكون نسب إلى عمه حنظلة بن أبي سفيان استخفافا واستهجانا واستبشاعا بهذه الكلمة المرة انتهى‏.‏
    ولقد أطال رحمه الله في غير طائل، وأتى بغير الصواب‏.‏

  8. #168
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / تلخيص كتاب " الجهاد والسير " من فتح الباري للحافظ ابن حجر

    ثانيا :

    ( ج6/ ص 150)
    قال ابن بطال‏:‏ إن أخرج الرجل من ماله شيئا فتطوع به أو أعان الغازي على غزوه بفرس ونحوها فلا نزاع فيه، وإنما اختلفوا فيما إذا أجر نفسه أو فرسه في الغزو فكره ذلك مالك وكره أن يأخذ جعلا على أن يتقدم إلى الحصن، وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل إلا أن كان بالمسلمين ضعف وليس في بيت المال شيء‏.‏
    وقالوا إن أعان بعضهم بعضا جاز لا على وجه البدل‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه، وإنما يجوز من السلطان دون غيره، لأن الجهاد فرض كفاية فمن فعله وقع عن الفرض ولا يجوز أن يستحق على غيره عوضا انتهى‏.‏
    ( ج6/ ص 152)
    للأجير في الغزو حالان‏:‏ إما أن يكون استؤجر للخدمة أو استؤجر ليقاتل، فالأول قال الأوزاعي وأحمد إسحاق‏:‏ لا يسهم له‏.‏
    وقال الأكثر‏:‏ يسهم له لحديث سلمة ‏"‏ كنت أجيرا لطلحة أسوس فرسه ‏"‏ أخرجه مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم له‏.‏
    وقال الثوري‏:‏ لا يسهم للأجير إلا أن قاتل، وأما الأجير إذا استؤجر ليقاتل فقال المالكية والحنفية‏:‏ لا يسهم له‏.‏
    قال الأكثر‏:‏ له سهمه‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ واستأجر الإمام قوما على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق أجرة‏.‏
    ( ج6/ ص 153)
    وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالألوية وأورد حديث جابر ‏"‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض ‏"‏ ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء ‏"‏ أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء مربعة من نمرة ‏"‏ وحديث ابن عباس ‏"‏ كانت رايته سوداء ولواؤه أبيض ‏"‏ أخرجه الترمذي وابن ماجه‏.‏
    وأخرج الحديث أبو داود والنسائي أيضا، ومثله لابن عدي من حديث أبي هريرة، ولأبي يعلى من حديث بريدة، وروى أبو داود من طريق سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم ‏"‏ رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء ‏"‏ ويجمع بينها باختلاف الأوقات، وروى أبو يعلى عن أنس رفعه ‏"‏ أن الله أكرم أمتي بالألوية، إسناده ضعيف، وروى الشيخ من حديث ابن عباس ‏"‏ كان مكتوبا على رايته‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله ‏"‏ وسنده واه‏.‏
    وقيل كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة، وراية تسمى الراية البيضاء، وربما جعل فيها شيء أسود‏.‏
    ( ج6/ ص 154)
    ‏وكان صاحب لواء النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي الذي يختص بالخزرج من الأنصار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته‏.‏
    وأخرج أحمد بإسناد قوي من حديث ابن عباس ‏"‏ أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت تكون مع علي، وراية الأنصار مع سعد ابن عبادة ‏"‏ الحديث‏.‏
    ( ج6/ ص 155)
    قال المهلب‏:‏ وفي حديث الزبير أن الراية لا تركز إلا بإذن الإمام، لأنها علامة على مكانه فلا يتصرف فيها إلا بأمره‏.‏
    وفي هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحرب‏.‏
    وأن اللواء يكون مع الأمير أو من بقيمه لذلك عند الحرب
    ( ج6/ ص 156)
    قال ابن مالك‏:‏ المعهود في ‏"‏ كل ‏"‏ إذا أضيفت إلى نكرة من خبر وتمييز وغيرهما أن تجيء على وفق المضاف كقولة تعالى ‏(‏كل نفس ذائقة الموت‏)
    ( ج6/ ص 161)
    قوله‏:‏ ‏(‏ويميط الأذى عن الطريق‏)‏ تقدم في ‏"‏ باب إماطة الأذى عن الطريق ‏"‏ من هذا الوجه معلقا، وحكى ابن بطال عن بعض من تقدمه أن هذا من قول أبي هريرة موقوف، وتعقبه بأن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفا من النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ( ج6/ ص 162)
    قال ابن عبد البر‏:‏ أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه‏:‏ فمنع مالك أيضا مطلقا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما‏.‏
    وقال بعضهم كالمالكية، واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا‏؟‏ واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن‏:‏ فمنع مالك مطلقا، وأجاز الحنفية مطلقا، وعن الشافعي قولان، وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجازه، وبين الكثير فمنعه‏.‏
    ( ج6/ ص 163)
    (‏اربعوا‏)‏ بفتح الموحدة أي ارفقوا، قال الطبري‏:‏ فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين انتهى‏.‏
    ( ج6/ ص 165)
    قال المهلب‏:‏ تكبيره صلى الله عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عز وجل وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات فسبح النبي صلى الله عليه وسلم في بطون الأودية لينجيه الله منها، وقيل مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جل وعز‏.‏
    ( ج6/ ص 167)
    في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها كما ورد ذلك صريحا عند أبي داود من طريق العوام بن حوشب بهذا الإسناد في رواية هشيم، وعنده في آخره ‏"‏ كأصلح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ‏"‏ ووقع أيضا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ‏"‏ إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفته إلى ‏"‏ أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه الحاكم، ولأحمد من حديث أنس رفعه ‏"‏ إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله‏:‏ اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه ‏"‏ ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبي بردة متابع أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده بلفظ ‏"‏ إن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته ما دام في وثاقه ‏"‏ الحديث، وفي حديث عائشة عند النسائي ‏"‏ ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ وهذا كله في النوافل، وأما صلاة الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض والله أعلم‏.‏
    وتعقبه ابن المنير بأنه تحجر واسعا، ولا مانع من دخول الفرائض في ذلك، بمعنى أنه إذا عجز عن الإتيان بها على الهيئة الكاملة أن يكتب له أجر ما عجز عنه، كصلاة المريض جالسا يكتب له أجر القائم انتهى‏.‏
    وليس اعتراضه بجيد لأنهما لم يتواردا على محل واحد، واستدل به على أن المريض والمسافر إذا تكلف العمل كان أفضل من عمله وهو صحيح مقيم‏.‏
    وفي هذه الأحاديث تعقب على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة، وبذلك جزم النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ وبالأول جزم الروياني في ‏"‏ التلخيص‏"‏، ويشهد لما قال حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجره شيئا ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإسناده قوي‏.‏
    وقال السبكي الكبير في ‏"‏ الحلبيات ‏"‏‏:‏ من كانت عادته أن يصلي جماعة فتعذر فانفرد كتب له ثواب الجماعة؛ ومن لم تكن له عادة لكن أراد الجماعة فتعذر فانفرد يكتب له ثواب قصده لا ثواب الجماعة، لأنه وإن كان قصده الجماعة لكنه قصد مجرد، ولو كان يتنزل منزلة من صلى جماعة كان دون من جمع والأولى سبقها فعل، ويدل للأول حديث الباب،
    للثاني أن أجر الفعل يضاعف وأجر القصد لا يضاعف بدليل ‏"‏ من هم بحسنة كتبت له حسنة واحدة ‏"‏ كما سيأتي في كتاب الرقاق، قال ويمكن أن يقال‏:‏ إن الذي صلى منفردا ولو كتب له أجر صلاة الجماعة لكونه اعتادها فيكتب له ثواب صلاة منفرد بالأصالة وثواب مجمع بالفضل‏.‏
    ( ج6/ ص 170)
    ‏جاء رجل‏)‏ يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة ‏"‏ أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك، فقال هل لك من أم‏؟‏ قال نعم‏.‏
    قال الزمها ‏"‏ الحديث، ورواه البيهقي من طريق ابن جريج عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية بن جاهمة السلمي عن أبيه قال ‏"‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنه في الجهاد ‏"‏ فذكره‏.‏
    وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافا كثيرا بينته في ترجمة جاهمة من كتابي في الصحابة‏.‏
    ولمسلم وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصة قال ‏"‏ ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ‏"‏ ولأبي داود وابن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو ‏"‏ ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما ‏"‏ وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ ‏"‏ ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما ‏"‏ وصححه ابن حبان‏.‏
    ( ج6/ ص 170)
    قال جمهور العلماء‏:‏ يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن‏.‏
    ويشهد له ما أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو ‏"‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، قال‏:‏ الصلاة‏.‏
    قال ثم مه‏؟‏ قال الجهاد‏.‏
    قال فإن لي والدين، فقال آمرك بوالديك خيرا‏.‏
    فقال والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال فأنت أعلم ‏"‏ وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين، وهل يلحق الجد والجدة بالأبوين في ذلك‏؟‏ الأصح عند الشافعية نعم والأصح أيضا أن لا يفرق بين الحر والرقيق في ذلك لشمول طلب البر، فلو كان الولد رقيقا فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه، ولهما الرجوع في الإذن إلا إن حضر الصف، وكذا لو شرطا أن لا يقاتل فحضر الصف فلا أثر للشرط، واستدل به على تحريم السفر بغير إذن لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث تعيين السفر طريقا إليه فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف‏.‏
    ( ج6/ ص 171)
    ما روى عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال‏:‏ ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، وقوله وتر بالمثناة في جميع الروايات، قال ابن الجوزي‏:‏ ربما صحف من لا علم له بالحديث فقال وبر بالموحدة‏.‏
    قلت‏:‏ حكى ابن التين أن الداودي جزم بذلك وقال‏:‏ هو ما ينتزع عن الجمال يشبه الصوف، قال ابن التين‏:‏ فصحف‏.‏
    قال ابن الجوزي‏:‏ وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا، وهذا قول مالك‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر وذلك لا يجوز اعتقاده‏.‏
    ( ج6/ ص 172)
    أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس حكاه الخطابي وعليه يدل تبويب البخاري، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أم حبيبة أم المؤمنين مرفوعا ‏"‏ لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس ‏"‏ وأخرجه النسائي من حديث أم سلمة أيضا، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدار قطني من طريق عثمان بن عمر المذكور بلفظ ‏"‏ لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك، إلا على القول الثالث فلم تجر العادة بتعليق الأجراس في رقاب الخيل، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الحساني رفعه ‏"‏ اربطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار ‏"‏ فدل على أن لا اختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب‏.‏
    وقد حمل النضر بن شميل الأوتار في هذا الحديث على معنى الثأر فقال‏:‏ معناه لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية، قال القرطبي‏:‏ وهو تأويل بعيد‏.‏
    وقال الثوري‏:‏ ضعيف‏.‏
    وإلى نحو قول النضر جنح وكيع فقال‏:‏ المعنى لا تركبوا الخيل في الفتن، فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به‏.‏
    روى مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ الجرس مزمار الشيطان ‏"‏ وهو دال على أن الكراهية فيه لصوته لأن فيها شبها بصوت الناقوس وشكله، قال النووي وغيره‏:‏ الجمهور على أن النهي للكراهة وأنها كراهة تنزيه، وقيل للتحريم، وقيل يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة‏.‏
    وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين‏.‏
    ( ج6/ ص 172)
    هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره، وكذلك لا نهي عما يعلق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء أو السرف‏.‏
    واختلفوا في تعليق الجرس أيضا‏.‏
    ثالثها يجوز بقدر الحاجة، ومنهم من أجاز الصغير منها دون الكبير‏.‏
    وأغرب ابن حبان فزعم أن الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها‏.‏
    ( ج6/ ص 176)
    في تفسير آل عمران من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى ‏(‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏)‏ قال ‏"‏ خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام‏"‏، قال ابن الجوزي‏:‏ معناه أنهم أسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل، ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب‏.‏
    وقال الطيبي‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بالسلسلة الجذب الذي يجذبه الحق من خلص عباده من الضلالة إلى الهدى ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلى العروج للدرجات، لكن الحديث في تفسير آل عمران يدل على أنه على الحقيقة‏.‏
    ونحوه ما أخرجه من طريق أبي الطفيل رفعه ‏"‏ رأيت ناسا من أمتي يساقون إلى الجنة في السلاسل كرها‏.‏
    قلت‏:‏ يا رسول الله من هم‏؟‏ قال قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام مكرهين ‏"‏ وأما إبراهيم الحربي فمنع حمله على حقيقة التقييد وقال‏:‏ المعنى يقادون إلى الإسلام مكرهين فيكون ذلك سبب دخولهم الجنة، وليس المراد أن ثم سلسلة‏.‏
    وقال غيره‏:‏ يحتمل أن يكون المراد المسلمين المأسورين عند أهل الكفر يموتون على ذلك أو يقتلون فيحشرون كذلك، وعبر عن الحشر بدخول الجنة لثبوت دخولهم عقبه‏.‏
    ( ج6/ ص 177)
    هذه عادة البخاري إذا وقع في الخبر لفظة توافق ما وقع في القرآن أورد تفسير اللفظ الواقع في القرآن جمعا بين المصلحتين وتبركا بالأمرين‏.
    ( ج6/ ص 178)
    ‏جدت في صحيح ابن حبان من طريق محمد بن عمرو عن الزهري بسنده عن الصعب قال ‏"‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم‏؟‏ قال نعم ‏"
    قال مالك والأوزاعي‏:‏ لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم‏.‏
    وقد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره ‏"‏ ثم نهى عنهم يوم حنين ‏"‏ وهي مدرجة في حديث الصعب، وذلك بين في سنن أبي داود فإنه قال في آخره ‏"‏ قال سفيان قال الزهري‏:‏ ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان ‏"‏ ويؤيد كون النهي في غزوة حنين
    وأخرج الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من حديث ابن عمر قال ‏"‏ لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال ما كانت هذه تقاتل ونهى ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏
    وأخرج أبو داود في ‏"‏ المراسيل ‏"‏ عن عكرمة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال‏:‏ ألم أنه عن
    عن قتل النساء، من صاحبها‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها، فأمر بها أن تواري ‏"‏
    قالوا‏:‏ إذا قاتلت المرأة جاز قتلها‏.‏
    وقال ابن حبيب من المالكية‏:‏ لا يجوز القصد إلى قتلها إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه‏.‏
    قال‏:‏ وكذلك الصبي المراهق‏.‏
    ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رياح بن الربيع وهو بكسر الراء والتحتانية التميمي قال ‏"‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال‏:‏ ما كانت هذه لتقاتل ‏"‏ فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، واتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والوالدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع بهم إما بالرق أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به، وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي
    ( ج6/ ص 181)
    وقال المهلب‏:‏ ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المحمي، وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله النووي والأوزاعي‏.‏
    وقال ابن المنير وغيره‏:‏ لا حجة فيما ذكر للجواز، لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم‏.‏
    وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم، وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره المتقدم سواء كان بوحي إليه أو باجتهاد منه، وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه‏.‏
    وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة وفي التدخين وفي القصاص بالنار، وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه، واستحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الإلباس والاستنابة في الحدود ونحوها، وأن طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها‏.‏
    وفيه كراهة قتل مثل البرغوث بالنار‏.‏
    وفيه نسخ السنة بالسنة وهو إنفاق‏.‏
    ( ج6/ ص 183)
    قول الجمهور‏:‏ أن الأمر في أسرى الكفرة من الرجال إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين‏.‏
    وقال الزهري ومجاهد وطائفة‏:‏ لا يجوز أخذ الفداء من أسارى الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء‏:‏ لا تقتل الأسارى، بل يتخير بين المن والفداء‏.‏
    وعن مالك‏:‏ لا يجوز المن بغير فداء‏.‏
    وعن الحنفية‏:‏ لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره، فيرد الأسير حربيا‏.‏
    قال الطحاوي‏:‏ وظاهر الآية حجة للجمهور وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة، لكن في قصة ثمامة ذكر القتل‏.‏
    وقال أبو بكر الرازي‏:‏ احتج أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى ‏(‏لولا كتاب من الله سبق‏)‏ الآية، ولا حجة لهم لأن ذلك كان قيل حل الغنيمة، فإن فعله بعد إباحة الغنيمة فلا كراهة انتهى‏.‏
    وهذا هو الصواب، فقد حكى ابن القيم في الهدى اختلافا‏:‏ أي الأمرين أرجح‏؟‏ ما أشار به أبو بكر من أخذ الفداء، أو ما أشار به عمر من القتل‏؟‏ فرجحت طائفة رأي عمر لظاهر الآية ولما في القصة من حديث عمر من قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أبكي لما عرض على أصحابك من العذاب لأخذهم الفداء ‏"‏ ورجحت طائفة رأي أبي بكر لأنه الذي استقر عليه الحال حينئذ، ولموافقة رأيه الكتاب الذي سبق، ولموافقة حديث ‏"‏ سبقت رحمتي غضبي ‏"‏ ولحصول الخير العظيم بعد من دخول كثير منهم في الإسلام والصحبة ومن ولد لهم من كان ومن تجدد، إلى غير ذلك مما يعرف بالتأمل‏.‏
    ( ج6/ ص 186)
    قد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق‏.‏
    وقال غيره‏:‏ إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها على المسلمين‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 189)
    ‏لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصديق ‏"‏ لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر ‏"‏ وقال غيره‏:‏ إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والإنكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم‏.‏
    وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة‏.‏
    ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله ‏"‏ وسلوا الله العافية ‏"‏ وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلا ‏"‏ لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم ‏"‏ وقال ابن دقيق العيد‏:‏ لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة انتهى‏.‏
    ( ج6/ ص 191)
    قال النووي‏:‏ واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز، قال ابن العربي‏:‏ الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالسكين ونحو ذلك‏.‏
    ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الحرب خدعة ‏"‏ في غزوة الخندق‏.‏
    ( ج6/ ص 192)
    لكذب في الحرب هل يسوغ مطلقا أو يجوز منه الإيماء دون التصريح، وقد جاء من ذلك صريحا ما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا ‏"‏ لا يحل الكذب إلا في ثلاث‏:‏ تحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس ‏"‏ وقد تقدم في كتاب الصلح ما في حديث أم كلثوم بنت عقبة لهذا المعنى من ذلك، ونقل الخلاف في جواز الكذب مطلقا أو تقييده بالتلويح، قال النووي‏:‏ الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص وفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى‏.‏
    م
    ( ج6/ ص 193)
    وقال ابن بطال‏:‏ سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال‏:‏ الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا
    ( ج6/ ص 203)
    استدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأن قوله تعالى ‏(‏واعملوا أنما غنمتم من شيء‏)‏ عام في كل غنيمة، فبين صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بزمن طويل أن السلب للقاتل سواء قيدنا ذلك بقول الإمام أم لا، وأما قول مالك ‏"‏ لم يبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا يوم حنين ‏"‏ فإن أراد أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود لكن على غير مالك ممن منعه، فإن مالكا إنما نفي البلاغ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل‏)‏ وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ فيه أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه منهم، وهذا يتوقف على أنه لم يكن غنيمة إلا ذلك السلب‏.‏
    قلت‏:‏ وما أبداه احتمالا هو الواقع، فقد وقع في رواية عكرمة بن عمار أن ذلك كان في غزوة هوازن وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم‏.‏
    ( ج6/ ص 205)
    وقال الزبير بن بكار في ‏"‏ أخبار المدينة ‏"‏ أخبرت عن مالك عن ابن شهاب قال‏:‏ جزيرة العرب المدينة‏.‏
    قال الزبير‏:‏ قال غيره جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضر موت، قال الزبير‏:‏ وهذا أشبه، وحضر موت آخر اليمن‏.‏
    وقال الخليل بن أحمد‏:‏ سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها‏.‏
    وقال الأصمعي‏:‏ هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام‏.‏
    وقال أبو عبيد‏:‏ من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا
    وقال الأصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا، وسميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها، يعني بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة اليمامة ما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور‏.
    عن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة‏.‏
    وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة‏.
    ( ج6/ ص 207)
    وقال القرطبي‏:‏ كان ابن صياد على طريقة الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى، فشاع ذلك ولم ينزل في شأنه وحي، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم سلوك طريقة يختبر حاله بها، أي فهو السبب في انطلاق النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وقد روى أحد من حديث جابر قال ‏"‏ ولدت امرأة من اليهود غلاما ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجال‏"‏‏.‏
    وللترمذي عن أبي بكرة مرفوعا ‏"‏ يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ثم يولد لهما غلام أضر شيء وأقله منفعة، قال ونعتهما فقال‏:‏ أما أبوه فطويل ضرب اللحم كأن أنفه منقار، وأما أمه ففرضاخة ‏"‏ أي بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمعجمتين، والمعنى أنها ضخمة طويلة اليدين ‏"‏ قال فسمعنا بمولود بتلك الصفة، فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه - يعني ابن صياد - فإذا هما بتلك الصفة ‏"‏ ولأحمد والبزار من حديث أبي ذر قال ‏"‏ بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه فقال‏:‏ سلها كم حملت به‏؟‏ فقالت حملت به اثني عشر شهرا، فلما وقع صاح صياح الصبي ابن شهر ‏"‏ انتهى، فكأن ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره‏.‏
    ( ج6/ ص 208)
    وللبزار والطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من حديث زيد ابن حارثة قال ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له سورة الدخان ‏"‏ وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها، فإن عند أحمد عن عبد الرزاق في حديث الباب ‏"‏ وخبأت له‏:‏ يوم تأتي السماء بدخان مبين ‏"‏ وأما جواب ابن صياد بالدخ فقيل إنه اندهش فلم يقع من لفظ الدخان إلا على بعضه، وحكى الخطابي أن الآية حينئذ كانت مكتوبة في يد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتد ابن صياد منها إلا لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لن تعدو قدرك
    حكى أبو موسى المديني أن السر في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له بهذه الآية الإشارة إلى أن عيسى بن مريم يقتل الدجال بجبل الدخان، فأراد التعريض، لابن الصياد بذلك واستبعد الخطابي ما تقدم وصوب أنه أخبأ له الدخ وهو نبت يكون بين البساتين، وسبب استبعاده له أن الدخان لا يخبأ في اليد ولا الكم‏.‏
    وفي حديث جابر ‏"‏ فقالت يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء ‏"‏ وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الإسلام، وأما اسمه الأول فهو صاف‏.‏
    ( ج6/ ص 211)
    الرد على من قال من الحنفية إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين، وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور، ويوافق الترجمة حديث أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجلي قال ‏"‏ فر قوم من بني سلم عن أرضهم فأخذتها، فأسلموا وخاصموني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فردها عليهم قال‏:‏ إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 213)
    قال المهلب‏:‏ إنما قال عمر ذلك لأن أهل المدينة أسلموا عفوا وكانت أموالهم لهم، ولهذا ساوم بني النجار بمكان مسجده، قال فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم بخلاف أهل الصلح في ذلك‏.‏
    ( ج6/ ص 215)
    قال الطحاوي‏:‏ قصة صفوان لا تعارض قوله
    ‏"‏ لا أستعين بمشرك ‏"‏ لأن صفوان خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم باختياره لا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، قلت‏:‏ وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها؛ وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه‏.‏
    قال ابن المنير‏:‏ موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل في الإمام إذا حمى حوزة الإسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه، فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص، وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر، وفجوره على نفسه‏.‏
    ( ج6/ ص 217)
    ‏باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره‏)‏ أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين إن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بإحرازها في دار الإسلام‏.‏
    وقال الجمهور‏:‏ هو راجع إلى نظر الإمام واجتهاده، وتمام الاستيلاء يحصل بإحرازها بأيدي المسلمين‏.‏
    ( 3 )
    ونقلها ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة‏:‏ إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقسمة، واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوعا بهذا التفصيل أخرجه الدار قطني وإسناده ضعيف جدا، وعن أبي حنيفة كقول مالك إلا في الآبق فقال هو والثوري‏:‏ صاحبه أحق به مطلقا‏.‏
    لكن قال في روايته ‏"‏ إنه افتدى الغلام بروميين ‏"‏ وكأن هذا الاختلاف هو السبب في ترك المصنف الجزم في الترجمة بالحكم لتردد الرواة في رفعه ووقفه، لكن للقائل به أن يحتج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر الصديق والصحابة متوافرون من غير نكير منهم‏.‏
    في روايته عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم من طريق أحمد ابن يحيى الحلواني كلاهما عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال فيه ‏"‏ يوم لقي المسلمون طيئا وأسدا ‏"‏ وزاد فيه سبب أخذ العدو لفرس ابن عمر ففيه ‏"‏ فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفا فصرعه وسقط ابن عمر فعار الفرس ‏"‏ والباقي مثله، وروى عبد الرزاق أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك، أخرجه عن معمر عن أيوب عن نافع عنه‏.‏
    ( ج6/ ص 221)
    قوله‏:‏ ‏(‏باب من تكلم بالفارسية‏)‏ أي بلسان الفرس، قيل إنهم ينتسبون إلى فارس بن كومرث، واختلف في كومرث قيل إنه من ذرية سام بن نوح وقيل من ذرية يافث بن نوح وقيل إنه ولد آدم لصلبه وقيل إنه آدم نفسه وقيل لهم الفرس لأن جدهم الأعلى ولد له سبعة عشر ولدا كان كل منهم شجاعا فارسا فسموا الفرس، وفيه نظر لأن الاشتقاق يختص باللسان العربي والمشهور أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من ذللت له الخيل، والفروسية ترجع إلى الفرس من الخيل وأمة الفرس كانت موجودة‏.‏
    ( ج6/ ص 222)
    قال الطبري‏:‏ السور بغير همز الصنيع من الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا، وهو بالفارسية وقيل بالحبشية، وبالهمز بقية الشيء والأول هو المراد هنا‏.‏
    قال الإسماعيلي‏:‏ السور كلمة بالفارسية‏.‏
    وأشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث ‏"‏ كلام أهل النار بالفارسية ‏"‏ وكحديث ‏"‏ من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته ‏"‏ أخرجه الحاكم في مستدركه وسنده واه‏.‏
    وأخرج فيه أيضا عن عمر رفعه ‏"‏ من أحسن العربية فلا يتكلمن‏:‏ بالفارسية فإنه يورث النفاق ‏"‏ الحديث وسنده واه أيضا‏.‏
    ( ج6/ ص 222)
    ووقع في نسخة الصغاني هنا من الزيادة في آخر الباب ‏"‏ قال أبو عبد الله هو المصنف‏:‏ ‏(‏لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه يعني أم خالد‏)‏ ‏.‏
    قلت‏:‏ وإدراك موسى بن عقبة دال على طول عمرها لأنه لم يلق من الصحابة غيرها‏.‏
    ( ج6/ ص 222)
    وقد نازع الكرماني في كون الألفاظ الثلاثة عجمية، لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين، والثاني يجوز أن يكون أصله ‏"‏ حسنه ‏"‏ فحذف أوله إيجازا، والثالث من أسماء الأصوات وقد أجاب عن الأخير ابن المنير فقال‏:‏ وجه مناسبته أنه صلى الله عليه وسلم خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل، فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته‏.‏
    ( ج6/ ص 224)
    أشار إلى تضعيف ما روي عن عبد الله بن عمرو في الأمر بحرق رحل الغال، والإشارة بقوله هذا إلى الحديث الذي ساقه، والأمر بحرق رحل الغال أخرجه أبو داود من طريق صالح بن محمد بن زائدة الليثي المدني أحد الضعفاء قال ‏"‏ دخلت مع مسلمة ابن عبد الملك أرض الروم فأتى برجل قد غل، فسأل سالما - أي ابن عبد الله بن عمر - عنه فقال‏:‏ سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه ‏"‏ ثم ساقه من وجه أخر عن سالم موقوفا، قال أبو داود‏:‏ هذا أصح‏.‏
    وقال البخاري في التاريخ‏:‏ يحتجون بهذا الحديث في إحراق رحل الغال، وهو باطل ليس له أصل وراويه لا يعتمد عليه، وروى الترمذي عنه أيضا أنه قال‏:‏ صالح منكر الحديث‏.‏
    وقد جاء في غير حديث ذكر الغال وليس فيه الأمر بحرق متاعه‏.‏
    قلت‏:‏ وجاء من غير طريق صالح بن محمد أخرجه أبو داود أيضا من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمرو بن شعيب موقوفا عليه وهو الراجح، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد في رواية، وهو قول مكحول والأوزاعي، وعن الحسن‏:‏ يحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف‏.‏
    وقال الطحاوي‏:‏ لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال‏.‏
    ( ج6/ ص 226)
    ‏كركرة‏)‏ ذكر الواقدي أنه كان أسود يمسك دابة صلى الله عليه وسلم في القتال، وروى أبو سعيد النيسابوري في ‏"‏ شرف المصطفى ‏"‏ أنه كان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة فأعتقه، وذكر البلاذري أنه مات في الرق أو اختلف في ضبطه فذكر عياض أنه يقال بفتح الكافين وبكسرهما‏.‏
    وقال النووي إنما اختلف في كافه الأولى وأما الثانية فمكسورة اتفاقا، وقد أشار البخاري إلى الخلاف في ذلك بقوله في آخر الحديث ‏"‏ قال ابن سلام كركرة
    فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة‏:‏ الأول قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة، الثاني قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم، الثالث عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر‏.‏
    ( ج6/ ص 229)
    وكان عثمانيا ‏"‏ أي يقدم عثمان على علي في الفضل
    ‏وكان علويا ‏"‏ أي يقدم عليا في الفضل على عثمان وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة‏.‏
    ( ج6/ ص 232)
    ‏(‏باب الطعام عند القدوم‏)‏ أي من السفر، وهذا الطعام يقال له النقيعة بالنون والقاف، قيل اشتق من النقع وهو الغبار لأن المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وقيل النقيعة من اللبن إذا برد، وقيل غير ذلك‏
    قال ابن بطال‏:‏ فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، ويسمى النقيعة بنون وقاف وزن عظيمة‏.

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهى تلخيص كتاب الجهاد والسير " من فتح الباري
    اللهم نسألك العلم النافع والعمل الصالح .

  9. #169
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب " فرض الخمس "
    ( ج6/ ص 238)
    والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى ‏(‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول‏)‏ الآية، وكانت الغنائم تقسم على خمسة أقسام‏:‏
    وكان خمس هذا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف فيمن يستحقه بعده‏:‏ فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح، وعنه يرد على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية، وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم
    ( ج6/ 242)
    روده في بعض طرق الصحيح ‏"‏ ما تركنا فهو صدقة ‏"‏ وقد احتج بعض المحدثين على بعض الإمامية بأن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة رضي الله عنها فيما التمست منه من الذي خلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأراضي وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الألفاظ، ولو كان الأمر كما يقرؤه الرافضي لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة ولا كان جوابه مطابقا لسؤالها،
    ما أخرجه أحمد وأبو داود من طريق أبي الطفيل قال ‏"‏ أرسلت فاطمة إلى أبي بكر‏:‏ أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله‏؟‏ قال‏:‏ لا بل أهله، قالت‏:‏ فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين قالت‏:‏ فأنت وما سمعته ‏"‏ فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران، ولا يدل على الرضا بذلك ثم مع ذلل ففيه لفظة منكرة وهي قول أبي بكر ‏"‏ بل أهله ‏"‏ فإنه معارض للحديث الصحيح ‏"‏ أن النبي لا يورث ‏"‏ نعم روى البيهقي من طريق الشعبي ‏"‏ أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي‏:‏ هذا أبو بكر يستأذن عليك قالت‏:‏ أتحب أن آذن له‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأذنت له، فدخل عليها فترضاها حتى رضيت ‏"‏ وهو وإن كان مرسلا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة عليها السلام على هجر أبي بكر وقد قال بعض الأئمة‏:‏ إنما كانت هجرتها انقباضا عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم، لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة عليها السلام لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله ‏"‏ لا نورث ‏"‏ ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك، فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها عليها السلام
    وقد وقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عند الترمذي ‏"‏ جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت‏:‏ من يرثك‏؟‏ قال‏:‏ أهلي وولدي، قالت فما لي لا أرث أبي‏؟‏ قال أبو بكر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا نورث، ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله ‏"‏ قوله‏:‏ ‏(‏وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة‏)‏ هذا يؤيد ما تقدم من أنها لم تطلب من جميع ما خلف، وإنما طلبت شيئا مخصوصا، فأما خيبر ففي رواية معمر المذكورة ‏"‏ وسهمه من خيبر‏"‏، وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل ابن أبي خيثمة قال ‏"‏ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفها لنوائبه وحاجته، ونصفها بين المسلمين‏:‏ قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما ‏"‏
    ( ج6/ ص 243)
    وأما فدك وهي بفتح الفاء والمهملة بعدها كاف‏:‏ بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يتركوا البلد ويرحلوا،
    وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا ‏"‏ بقيت بقية من خيبر تحصنوا، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل، فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة‏"‏، ولأبي داود أيضا من طريق معمر عن ابن شهاب ‏"‏ صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو يحاصر قوما آخرين ‏"‏ يعني بقية أهل خيبر
    ( ج6/ ص 244)
    فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم قال ‏"‏ جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم ويزوج أيمهم، وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان يعني في أيام عثمان ‏"‏ قال الخطابي، إنما أقطع عثمان فدك لمروان لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله فوصل بها بعض قرابته
    ( ج6/ ص 245)
    عادة البخاري يفسر اللفظة الغريبة من الحديث بتفسير اللفظة الغريبة من القرآن
    ( ج6/ ص 245)
    ‏(‏مالك بن أوس‏)‏ ابن الحدثان بفتح المهملتين والمثلثة، وهو نصري بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة، وأبوه صحابي، وأما هو فقد ذكر في الصحابة‏.‏
    وقال ابن أبي حاتم وغيره لا تصح له صحبة، وحكى ابن أبي خيثمة عن مصعب أو غيره أنه ركب الخيل في الجاهلية قلت‏:‏ فعلى هذا لعله لم يدخل المدينة إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع لقيس بن أبي حازم‏:‏ دخل أبوه وصحب وتأخر هو مع إمكان ذلك، وقد تشارك أيضا في أنه قيل في كل منهما إنه أخذ عن العشرة وليس لمالك بن أوس هذا في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في البيوع
    ( ج6/ ص 249)
    واختلف العلماء في مصرف الفيء فقال مالك‏:‏ الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال ويعطى الإمام أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء فقال‏:‏ الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم، وله خمس الخمس كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة وقال الجمهور‏:‏ مصرف الفيء كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتجوا بقول عمر ‏"‏ فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة
    ( ج6/ ص 263)
    وأخرجه الترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي الوليد سمعت خولة بنت قيس وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ إن هذا المال خضرة حلوة، من أصابه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حسن صحيح، وأبو الوليد اسمه عبيد قلت‏:‏ فرق غير واحد بين خولة بنت ثامر وبين خولة بنت قيس، وقيل إن قيس بن قهد بالقاف لقبه ثامر وبذلك جزم علي بن المديني، فعلى هذا فهي واحدة،
    ( ج6/ ص 266)
    أخرج الخطيب في ‏"‏ ذم النجوم ‏"‏ له من طريق أبي حذيفة والبخاري في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ له بإسناد له عن علي قال ‏"‏ سأل قوم يوشع منه أن يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم، فأراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها الله عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت، فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم، فشكى إلى الله ودعاه فحبست عليهم الشمس فزيد في النهار فاختلطت الزيادة بالليل والنهار، فاختلط عليهم حسابهم ‏"‏ قلت‏:‏ وإسناده ضعيف جدا، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى، فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع، ولا يعارضه ما ذكره ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه ‏"‏ أن الله لما أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحمل تابوت يوسف فلم يدل عليه حتى كاد الفجر أن يطلع، وكان وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر الطلوع حتى فرغ من أمر يوسف ففعل،
    ( ج6/ ص 267)
    ي مغازي ابن إسحاق ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس، فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير ‏"‏ وهذا منقطع، لكن وقع في ‏"‏ الأوسط للطبراني ‏"‏ من حديث جابر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار ‏"‏ وإسناده حسن، ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فلم تحبس الشمس إلا ليوشع وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم وروى الطحاوي والطبراني في ‏"‏ الكبير ‏"‏ والحاكم والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ عن أسماء بنت عميس أنه صلى الله عليه وسلم دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر فردت الشمس حتى صلى علي ثم غربت، وهذا أبلغ في المعجزة وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ وكذا ابن تيمية في ‏"‏ كتاب الرد على الروافض ‏"‏ في زعم وضعه والله أعلم وأما ما حكى عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر - كذا قال وعزاه للطحاوي، والذي رأيته في ‏"‏ مشكل الآثار للطحاوي ‏"‏ ما قدمت ذكره من حديث أسماء فإن ثبت ما قال فهذه قصة ثالثة والله أعلم وجاء أيضا أنها حبست لموسى لما حمل تابوت يوسف كما تقدم قريبا وجاء أيضا أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام وهو فيما ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس قال ‏"‏ قال لي علي‏:‏ ما بلغك في قول الله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلاة والسلام ‏(‏ردوها علي‏)‏ ‏؟‏ فقلت‏:‏ قال لي كعب‏:‏ كانت أربعة عشر فرسا عرضها، فغابت الشمس قبل أن يصلي العصر، فأمر بردها فضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها، فقال علي‏:‏ كذب كعب، وإنما أراد سليمان جهاد عدوه فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس فقال للملائكة الموكلين بالشمس بإذن الله لهم‏:‏ ردوها علي، فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم قلت‏:‏ أورد هذا الأثر جماعة ساكتين عليه جازمين بقولهم ‏"‏ قال ابن عباس قلت لعلي ‏"‏ وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله‏:‏ ‏(‏ردوها‏)‏ للخيل والله أعلم قوله‏:‏ ‏(‏بضع امرأة‏)‏ بضم الموحدة وسكون المعجمة البضع يطلق على الفرج والتزويج والجماع، والمعاني الثلاثة لائقة هنا، ويطلق أيضا على المهر وعلى الطلاق‏.‏
    ( ج6/ ص 267)
    قال عياض‏:‏ اختلف في حبس الشمس هنا، فقيل ردت على أدراجها، وقيل وقفت، وقيل بطئت حركتها، وكل ذلك محتمل والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره ووقع في ترجمة هارون بن يوسف الرمادي أن ذلك كان في رابع عشر حزيران وحينئذ يكون النهار في غاية الطول
    ( ج6/ ص 269)
    في رواية النسائي ‏"‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ أن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمناها وتخفيفا خففه عنا ‏"‏ قوله‏:‏ ‏(‏رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا‏)‏ في رواية سعيد بن المسيب ‏"‏ لما رأى من ضعفنا ‏"‏ وفيه إشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل، وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر وفيها نزل قوله تعالى ‏(‏فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا‏)‏ فأحل الله لهم الغنيمة، وقد ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن عباس، وقد قدمت في أوائل فرض الخمس أن أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك قبل بدر بشهرين،
    ( ج6/ ص 271)
    قال ابن بطال‏:‏ لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم في غير من شهد الوقعة إلا في خيبر، فهي مستثناة من ذلك فلا يجعل أصلا يقاس عليه فإنه قسم لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم، ولذلك أعطى الأنصار عوض ما كانوا أعطوا المهاجرين أول ما قدموا عليهم قال الطحاوي‏:‏ ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم، وهذا كله في الغنيمة المنقولة، وقد تقدم في المزارعة بيان الاختلاف في الأرض التي يملكها المسلمون عنوة، قال ابن المنذر‏:‏ ذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد، وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر،
    ( ج6/ ص 272)
    قال ابن بطال‏:‏ ما أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين فحلال له أخذه لأنه فيء، وله أن يهب منه ما شاء ويؤثر به من شاء كالفيء، وأما من بعده فلا يجوز له أن يختص به لأنه إنما أهدي إليه لكونه أميرهم
    ( ج6/ ص 274)
    روى الترمذي من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه قال ‏"‏ أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله يوم الجمل وقال‏:‏ ما مني عضو إلا وقد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 275)
    ‏لما وقف الزبير يوم الجمل‏)‏ يريد الوقعة المشهورة التي كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه وبين عائشة رضي الله عنها ومن معها ومن جملتهم الزبير، ونسبت الوقعة إلى الجمل لأن يعلى بن أمية الصحابي المشهور كان معهم فأركب عائشة على جمل عظيم اشتراه بمائة دينار - وقيل ثمانين وقيل أكثر من ذلك - فوقفت به في الصف، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل فوقعت عليهم الهزيمة، هذا ملخص القصة
    ( ج6/ ص 276)
    فروى ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ‏"‏ إنا لمع علي لما التقى الصفان فقال‏:‏ أين الزبير‏؟‏ فجاء الزبير، فجعلنا ننظر إلى يد علي يشير بها إذ ولى الزبير قبل أن يقع القتال ‏"‏ وروى الحاكم من طرق متعددة أن عليا ذكر الزبير بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لتقاتلن عليا وأنت ظالم له، فرجع لذلك‏.‏
    وروى يعقوب بن سفيان وخليفة في تاريخهما من طريق عمرو بن جاوان بالجيم قال‏:‏ فانطلق الزبير منصرفا فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع‏.‏
    ( ج6/ 277)
    فذكر الزبير بن بكار في ترجمة حكيم بن حزام عن عمه مصعب بن عبد الله ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال ‏"‏ سمعت أبي يقول‏:‏ قال عبد الله بن الزبير قتل أبي وترك دينا كثيرا، فأتيت حكيم بن حزام أستعين برأيه وأستشيره فذكر قصة وفيها‏:‏ فقال ابن أخي ذكرت دين أبيك فإن كان ترك مائة ألف فنصفها علي، قلت أكثر من ذلك، إلى أن قال‏:‏ لله أنت‏!‏ كم ترك أبوك‏؟‏ قال فذكرت له أنه ترك ألفي ألف قال‏:‏ ما أراد أبوك إلا أن يدعنا عالة‏.‏
    قلت فإنه ترك وفاء وإنما جئت أستشيرك فيها بسبعمائة ألف لعبد الله بن جعفر وله شرك في الغابة، فقال‏:‏ اذهب فقاسمه فإن سألك البيع قبل القسمة فلا تبعه ثم أعرض عليه فإن رغب فبعه، قال فجئت فجعل أمر القسمة إلي فقسمتها
    ( ج6/ ص 281)
    روى ابن سعد بسند آخر ضعيف عن هشام بن عروة عن أبيه أن تركة الزبير بلغت أحدا أو اثنين وخمسين ألف ألف وهذا أقرب من الأول، لكنه أيضا لا تحرير فيه، وكأن القوم أتوا من عدم إلقاء البال لتحرير الحساب، إذ الغرض فيه ذكر الكثرة التي نشأت عن البركة في تركة الزبير إذ خلف دينا كثيرا ولم يخلف إلا العقار المذكور، ومع ذلك فبورك فيه حتى تحصل منه هذا المال العظيم‏.‏
    وقد جرت للعرب عادة بإلغاء الكسور تارة وجبرها أخرى فهذا من ذاك، وقد وقع إلغاء الكسور في هذه القصة في عدة روايات بصفات مختلفة، ففي رواية علي بن مسهر عن هشام عند أبي نعيم ‏"‏ بلغ ثمن نساء الزبير ألف ألف، وترك عليه من الدين ألفي ألف ‏"‏ وفي رواية عثام بن علي عن هشام عند يعقوب بن سفيان ‏"‏ أن الزبير قال لابنه‏:‏ انظر ديني وهو ألف ألف ومائتا ألف ‏"‏ وفي رواية أبي معاوية عن هشام أن قيمة ما تركه الزبير كان خمسين ألف ألف وفي رواية السراج أن جملة ما حصل من عقاره نيف وأربعون ألف ألف، وعند ابن سعد من حديث ابن عيينة أن ميراثه قسم على أربعين ألف ألف
    ( ج6/ ص 282)
    استدل لمالك أن أجل المفقود أربع سنين، والذي يظهر أن ابن الزبير إنما اختار التأخير أربع سنين لأن المدن الواسعة التي يؤتى الحجاز من جهتها إذ ذاك كانت أربعا‏:‏ اليمن والعراق والشام ومصر، فبنى على أن كل قطر لا يتأخر أهله في الغالب عن الحج أكثر من ثلاثة أعوام فيحسن استيعابهم في مدة الأربع، ومنهم في طول المدة يبلغ الخبر من وراءهم من الأقطار‏.
    ( ج6/ 283)
    وقال ابن الجوزي‏:‏ فيه رد على من كره جمع الأموال الكثيرة من جهلة المتزهدين، وتعقب بأن هذا الكلام لا يناسب مقامه من حيث كونه لهجا بالوعظ، فإن من شأن الواعظ التحريض على الزهد في الدنيا والتقلل منها، وكون مثل هذا لا يكره للزبير وأنظاره لا يطرد‏.‏
    ( ج6/ ص 284)
    وجوز الكرماني أن تكون كل ترجمة على وفق مذهب من المذاهب، وفيه بعد، لأن أحدا لم يقل أن الخمس للمسلمين دون النبي صلى الله عليه وسلم ودون الإمام ولا للنبي صلى الله عليه وسلم دون المسلمين وكذا للإمام،
    وحاصل مذاهب العلماء أكثر من ثلاثة‏:‏ أحدها قول أئمة المخالفة الخمس يؤخذ من سهم الله ثم يقسم الباقي خمسة كما في الآية‏.‏
    الثاني‏:‏ عن ابن عباس خمس الخمس لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعة للمذكورين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد سهم الله ورسوله لذوي القربى ولا يأخذ لنفسه شيئا‏.‏
    الثالث قول زين العابدين‏:‏ الخمس كله لذوي القربى، والمراد باليتامى يتامى ذوي القربى وكذلك المساكين وابن السبيل، أخرجه ابن جرير عنه، لكن السند إليه واه‏.‏
    الرابع هو للنبي صلى الله عليه وسلم فخمسه لخاصته وباقيه لتصرفه‏.‏
    الخامس هو للإمام ويتصرف فيه بالمصلحة كما يتصرف في الفيء‏.‏
    السادس يرصد لمصالح المسلمين‏.‏
    السابع يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى ومن ذكر بعدهم في الآية‏.‏
    ( ج6/ 288)
    ما رواه مالك عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم ‏"‏ وصله النسائي من وجه آخر حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أيضا بإسناد حسن من حديث عبادة ابن الصامت فإنه يدل على أن ما سوى الخمس للمقاتلة‏.
    ( ج6/ 289)
    يجوز تخصيص بعض السرية بالتنفيل دون بعض، قال ابن دقيق العيد‏:‏ للحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال، وهو موضع دقيق المأخذ، ووجه تعلقه به أن التنفيل يقع للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد، ولكن لم يضرهم ذلك قطعا لكونه صدر لهم من النبي صلى الله عليه وسلم فيدل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن ضبط قانونها وتمييزها مما تضر مداخلته مشكل جدا‏.
    _( ج6/ ص 292)
    وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم عقبة بن أبي معيط وغيره، وادعاؤه أن قريشا لا يدخلون تحت الرق يحتاج إلى دليل خاص، وإلا فأصل الخلاف هل يسترق العربي أو لا ثابت مشهور والله أعلم
    ( ج6/ ص 293)
    قيل لأحد الذي ينفرد بشيء لا يشاركه فيه غيره والواحد أول العدد، وقيل الأحد المنفرد بالمعنى والواحد المنفرد بالذات، وقيل الأحد لنفي ما يذكر معه من العدد والواحد اسم لمفتاح العدد من جنسه، وقيل لا يقال أحد إلا الله تعالى، حكاه جميعه عياض‏.‏
    ( ج6/ ص 294)
    وذكر الزبير بن بكار في النسب أنه كان يقال لهاشم والمطلب البدران، ولعبد شمس ونوفل الأبهران، وهذا يدل على أن بين هاشم والمطلب ائتلافا سرى في أولادهما من بعدهما، ولهذا لما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم ولم تدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس
    ( ج6/ ص 295)
    وفي الحديث حجة للشافعي ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من قريش، وعن عمر بن عبد العزيز هم بنو هاشم خاصة، وبه قال زيد بن أرقم وطائفة من الكوفيين، وهذا الحديث يدل لإلحاق بني المطلب بهم، وقيل هم قريش كلها لكن يعطي الإمام منهم من يراه، وبهذا قال أصبغ، وهذا الحديث حجة عليه، وفيه توهين قول من قال إن النبي صلى الله عليه
    وسلم إنما أعطاهم بعلة الحاجة إذ لو أعطاهم بعلة الحاجة لم يخص قوما دون قوم، والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة وما أصابهم بسبب الإسلام من بقية قومهم الذين لم يسلموا، والملخص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبي صلى الله عليه وسلم وهي متحققة في بني عبد شمس لأنه شقيق، وفي بني نوفل إذا لم تعتبر قرابة الأم‏.‏
    واختلف الشافعية في سبب إخراجهم فقيل‏:‏ العلة القرابة مع النصرة فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها؛ وقيل‏:‏ الاستحقاق بالقرابة، ووجد ببني عبد شمس ونوفل مانع لكونهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم‏.‏
    والثالث أن القربى عام مخصوص وبينته السنة‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه رد لقوله الشافعي أن خمس الخمس يقسم بين ذوي القربى لا يفضل غني على فقير، وأنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏
    ( ج6/ ص 303)
    قال إسماعيل القاضي‏:‏ في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة‏.‏
    وقال الطبري استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال‏:‏ وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة‏.‏
    واختلف بعد ذلك من أين كان يعطي المؤلفة‏؟‏ فقال مالك وجماعة‏:‏ من الخمس‏.‏
    وقال الشافعي وجماعة من خمس الخمس، قيل ليس في أحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس‏.‏
    ( ج6/ ص 304)
    قال ابن التين‏:‏ ليس كل ما علمه ابن عمر حدث به نافعا، ولا كل ما حدث به نافعا حفظه‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا يرده رواية مسلم التي ذكرتها، فإن حاصله أن ابن عمر كان يعرفها ولم يحدث بها نافعا‏.‏
    ودلت رواية مسلم على أن ابن عمر كان ينفيها‏.‏
    قال ‏"‏وليس كل ما علمه ابن عمر لم يدخل عليه فيه نسيان ‏"‏ انتهى‏.‏
    وهذا أيضا يقتضي أنه كان عرف بها ونسيها، وليس كذلك بل لم يعرف بها لا هو ولا عدد كثير من الصحابة‏.
    ( ج6/ ص 305)
    أن البخاري قد يعلق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة مثل هذا، فإن أبا عاصم شيخه وقد علق عنه هذا هنا، ولما ساقه موصولا أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة‏.‏
    ( ج6/ ص 306)
    جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة كخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون ذلك من الفخر المذموم‏.‏
    ( ج6/ ص 307)
    حديث رويفع ابن ثابت مرفوعا ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم ‏"‏ وذكر في الثوب مثل ذلك، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والطحاوي، ونقل عن أبي يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يبقى دابته أو ثوبه بخلاف من ليس له ثوب ولا دابة‏.‏
    وقال الزهري‏:‏ لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره إلا بإذن الإمام‏.‏
    وقال سليمان بن موسى‏:‏ يأخذ إلا إن نهى الإمام‏.‏
    وقال ابن المنذر‏.‏
    قد وردت الأحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول، واتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه، وأما العلف فهو في معناه‏.‏
    وقال مالك‏:‏ يباح ذبح الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطعام، وقيده الشافعي بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام،

    انتهى بفضل من الله ونعمة تلخيص كتاب
    " فرض الخمس " من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله
    الموافق 5/ ربيع الآخر/ 1441 ه
    الموافق 4/ 12/ 2019 م
    والحمد لله

  10. #170
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تلخيض كتاب " الجزية و الموادعة " من فتح الباري
    10/ ربيع الآخر / 1441 ه
    بتاريخ 7/ ديسمبر / 2019 م

    ( ج6/ ص 311)
    الجزية مع أهل الذمة والموادعة مع أهل الحرب
    ( ج6/ ص 311)
    قال العلماء الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام واختلف في سنة مشروعيتها فقيل في سنة ثمان وقيل في سنة تسع قوله وقول الله عز وجل قاتلوا الذين إلخ هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية ودل منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها
    ( ج6/ ص 312)
    أن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع وروى الشافعي وغيره في ذلك حديثا عن علي
    روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن بن أبزى لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر اجتمعوا فقال إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم
    <<
    ( ج6/ ص 312)
    فقال علي بل هم أهل كتاب فذكر نحوه لكن قال وقع على ابنته وقال في آخره فوضع الأخدود لمن خالفه فهذا حجة لمن قال كان لهم كتاب وأما قول بن بطال لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأثر الوارد في ذلك لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له وقال بن المنذر ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقا عليه ولكن الأكثر من أهل العلم عليه وفي الحديث قبول خبر الواحد وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأنه لا نقص عليه في ذلك وفيه التمسك بالمفهوم لأن عمر فهم من قوله أهل الكتاب اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بإلحاق المجوس بهم فرجع إليه ثانيها حديث عمرو بن عوفئ
    ( ج6/ ص 315)
    العلاء بن الحضرمي صحابي شهير واسم الحضرمي عبد الله بن مالك بن ربيعة وكان من أهل حضرموت فقدم مكة فحالف بها بني مخزوم وقيل كان اسم الحضرمي في الجاهلية زهرمز وذكر عمر بن شبة في كتاب مكة عن أبي غسان عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله أرسل إليهم عسكرا عليهم زهرمز فكانت وقعة ذي قار فقتلوا الفرس وأسروا أميرهم فاشتراه صخر بن رزين الديلي فسرقه منه رجل من حضرموت فتبعه صخر حتى افتداه منه فقدم به مكة وكان صناعا فعتق وأقام بمكة وولد له أولاد نجباء وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة فصارت دعواهم في آل حرب ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة أحد العشرة فولدت له طلحة قال وقال غير عبد العزيز أن كلثوم بن رزين أو أخاه الأسود خرج تاجرا فرأى بحضرموت عبدا فارسيا نجارا يقال له زهرمز فقدم به مكة ثم اشتراه من مولاه وكان حميريا يكنى أبا رفاعة فأقام بمكة فصار يقال له الحضرمي حتى غلب على اسمه فجاور أبا سفيان وانقطع إليه وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية وأسلم العلاء قديما ومات الثلاثة المذكورون أبو عبيدة والعلاء باليمن وعمرو بن عوف في خلافة عمر رضي الله عنهم
    ( ج6/ ص 317)
    جبير بن حية هو جد زياد وحية أبوه بمهملة وتحتانية مثقلة وهو من كبار التابعين واسم جده مسعود بن معتب بمهملة ومثناة ثم موحدة ومنهم من عده في الصحابة وليس ذلك عندي ببعيد لأن من شهد الفتوح في وسط خلافة عمر يكون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مميزا وقد نقل بن عبد البر أنه لم يبق في سنة حجة الوداع من قريش وثقيف أحد إلا أسلم وشهدها وهذا منهم وهو من بيت كبير فإن عمه عروة بن مسعود كان رئيس ثقيف في زمانه والمغيرة بن شعبة بن عمه
    ...وذكر أبو الشيخ أن جبير بن حية ولي إمرة أصبهان ومات في خلافة عبد الملك بن مروان
    ( ج6/ ص 318)
    إسلام الهرمزان كان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر ثم نزل على حكم عمر فأسره أبو موسى الأشعري وأرسل به إلى عمر مع أنس فأسلم فصار عمر يقربه ويستشيره ثم اتفق أن عبيد الله بالتصغير أن عمر بن الخطاب اتهمه بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر فعدا على الهرمزان فقتله بعد قتل عمر
    ( ج6/ ص 319)
    وقال بن مسعود إن للإيمان بيوتا وإن بيت آل مقرن من بيوت الإيمان وكان النعمان قدم على عمر بفتح القادسية ففي رواية بن أبي شيبة المذكورة فدخل عمر المسجد فإذا هو بالنعمان يصلي فقعد فلما فرغ قال إني مستعملك قال أما جابيا فلا ولكن غازيا قال فإنك غاز فخرج معه الزبير وحذيفة وبن عمر والأشعث وعمرو بن معد يكرب وفي رواية الطبري المذكورة فأراد عمر المسير بنفسه ثم بعث النعمان ومعه بن عمر وجماعة وكتب إلى أبي موسى أن يسير بأهل البصرة وإلى حذيفة أن يسير بأهل الكوفة حتى يجتمعوا بنهاوند وهي بفتح النون والهاء والواو وسكون الثانية قال وإذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن
    ( ج6/ ص 321)
    ذكر ذلك بن إسحاق في السيرة فقال لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه بحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن رؤبة وأهل أيلة فذكره قال بن بطال العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم واختلفوا في عكس ذلك وهو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم فذهب الأكثر إلى أنه لا بد من تعيينه لفظا وقال أصبغ وسحنون لا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي بالقرينة لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وهو يقصد إدخال نفسه
    ( ج6/ ص 323)
    والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق وقد تقدم في فرض الخمس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالحهم وضرب عليهم الجزية
    ( ج6/ ص 324)
    قال الشافعي وغيره من العلماء الفيء كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب

    قال أبو عبيد حكم الفيء والخراج والجزية واحد ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتجروا في بلاد الإسلام وهو حق المسلمين يعم به الفقير والغني وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين واختلف الصحابة في قسم الفيء فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل وبه قال مالك وذهب الكوفيون إلى أن ذلك إلى رأي الإمام إن شاء فضل وإن شاء سوى قال بن بطال أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل كذا قال والذي يظهر أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنه إلى نظر الإمام وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب والله أعلم

    وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه فيء قسمة من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا واحدا
    ( ج6/ ص 325)
    سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت وليس بمدلس فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولا من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو أو سمعاه معا وثبته فيه جنادة فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة وحدث به عن جنادة أخرى ولعل السر في ذلك ما وقع بينهما من زيادة أو اختلاف لفظ فإن لفظ النسائي من طريقه من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة فقال من أهل الذمة ولم يقل معاهدا وهو بالمعنى ووقع في رواية أبي معاوية بغير حق كما تقدم ووقع في رواية الجميع أربعين عاما إلا عمرو بن عبد الغفار فقال سبعين ووقع مثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي تنبيهان أحدهما اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص إلا ما رواه الأصيلي عن الجرجاني عن الفربري فقال عبد الله بن عمر بضم العين بغير واو وهو تصحيف نبه عليه الجيان
    ( ج6/ ص 326)
    قال الطبري فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها
    ( ج6/ ص 330)
    ن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما فقالوا صبأنا وأرادوا أسلمنا فلم يقبل خالد ذلك منهم وقتلهم بناء على ظاهر اللفظ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأنكره فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده ولذلك لم يقد منه وقال بن بطال لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط وأما الضمان فيلزم عند الأكثر وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة على العاقلة وقال بن الماجشون لا يلزم فيه ضمان
    ( ج6/ ص 331)
    وقوله إن الله يعلم الألسنة كلها المراد اللغات ويقال إنها اثنتان وسبعون لغة ستة عشر في ولد سام ومثلها في ولد حام والبقية في ولد يافث

    ( ج6/ ص 333)

    في قصة الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا ينتقم لنفسه ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه وإنما كان اعتراه شيء من التخيل وهذا كما تقدم أن عفريتا تفلت عليه ليقطع صلاته فلم يتمكن من ذلك وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى قلت ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم ثم ذكر طرفا من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عوفي أمر بالبئر فردمت وقال كرهت أن أثير على الناس شرا
    ( ج6/ ص 335)
    لابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي يؤيد الله بهم الدين وله من حديث معاذ بن جبل مرفوعا الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر وله من حديث عبد الله بن بسر رفعه بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ قال بن الجوزي رواه بعضهم غابة بموحدة بدل التحتانية والغابة الأجمة كأنه شبه كثرة الرماح بالأجمة
    ( ج6/ ص 340)
    حديث بن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم أخرجه الترمذي وغيره وذكر بن إسحاق في المغازي أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده فقال بن هشام بلغنا عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف وأخذه من حديث الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله فهذا شاهد لحديث بن عباس وأن كان إسناده غير قوي
    ( ج6/ ص 341)
    انت تفعل لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف وأما الوفاء فلم يرد فيه شيء ولا يبعد أن يقع كذلك وقد ثبت لواء الحمد لنبينا صلى الله عليه وسلم
    ن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه هذه غدرة فلان بن فلان وهي رواية بن عمر الآتية في الفتن قال بن دقيق العيد وإن ثبت أنهم يدعون بأمهاتهم فقد يخص هذا من العموم وتمسك به قوم في ترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون كما حكاه الباجي رابعها حديث بن عباس لا هجرة بعد الفتح
    كتاب بدء الخلق
    (ج6/ ص 344)
    روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ‏"‏ أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ‏"‏ وهذا الحديث يؤيد رواية من روى ‏"‏ ثم خلق السماوات والأرض ‏"‏ باللفظ الدال على الترتيب‏.‏
    ‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في بعض الكتب في هذا الحديث ‏"‏ كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ‏"‏ وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مسلم في قوله، ‏"‏ وهو الآن ‏"‏ إلى آخره، وأما لفظ ‏"‏ ولا شيء معه ‏"‏ فرواية الباب بلفظ ‏"‏ ولا شيء غيره ‏"‏ بمعناها‏.‏
    ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور ‏"‏ كان الله لا شيء غيره ‏"‏ بغير واو‏.‏
    ( ج6/ ص348)
    وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا ‏"‏ أن الماء خلق قبل العرش ‏"‏ وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة ‏"‏ أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء ‏"‏ وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا ‏"‏ أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ‏"‏ فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث ‏"‏ أول ما خلق الله العقل ‏"‏ فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 349)
    ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، في تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم، ويقرب ذلك مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها أنه صلى الله عليه وسلم أعطى جوامع الكلم، ومثل هذا من جهة أخرى ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال ‏"‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليمنى‏:‏ هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا؛ ثم قال للذي في شماله مثله في أهل النار‏.‏
    ( ج6/ ص 352)
    (‏وقول الله سبحانه وتعالى ‏(‏الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن‏)‏ الآية‏)‏ قال الداودي‏:‏ فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة وأن السبع متجاورة، وحكى ابن التين عن بعضهم أن الأرض واحدة، قال وهو مردود بالقرآن والسنة‏.‏
    قلت‏:‏ لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحا في المخالفة، ويدل للقول الظاهر ما رواه ابن جرير من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية ‏(‏ومن الأرض مثلهن‏)‏ قال‏:‏ في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرا وإسناده صحيح‏.‏
    وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطولا وأوله أي سبع أرضين ‏"‏ في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم ‏"‏ قال البيهقي‏:‏ إسناده صحيح، إلا أنه شاذ بمرة‏.‏
    ( ج6/ ص 353)
    روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ إن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأن سمك كل سماء كذلك، وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام ‏"‏ وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه، ولأبي داود والترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب مرفوعا ‏"‏ بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة ‏"‏ وجمع بين الحديثين بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته‏.
    ( ج6/ ص 353)
    (‏والحبك استواؤها وحسنها‏)‏ هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه‏.‏
    وأخرج من طريق سعد الإسكاف عن عكرمة عنه بلفظ ‏"‏ ذات الحبك ‏"‏ أي البهاء والجمال، غير أنها كالبرد المسلسل ‏"‏ ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه قال ‏"‏ ذات الحبك أي الخلق الحسن ‏"‏ والحبك بضمتين جمع حبيكة كطرق وطريقة



    ( ج6/ ص 354)
    الزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، وزعم يوسف بن عبد الملك في كتابه ‏"‏ تفضيل الأزمنة ‏"‏ أن هذه المقالة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم في شهر مارس وهو آذار وهو برمهات بالقبطية، وفيه يستوي الليل والنهار عند حلول الشمس برج الحمل‏.‏
    ( ج6/ ص 356)
    ‏والأب ما تأكل الأنعام‏)‏ هو تفسير ابن عباس أيضا، وصله ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه قال‏:‏ الأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا تأكله الناس، ومن طريق ابن عباس قال‏:‏ الأب الحشيش، ومن طريق عطاء والضحاك‏:‏ الأب هو كل شيء ينبت على وجه الأرض، زاد الضحاك‏:‏ إلا الفاكهة، وروى ابن جرير من طريق إبراهيم التيمي ‏"‏ أن أبا بكر الصديق سئل عن الأب فقال‏:‏ أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم ‏"‏ وهذا متقطع‏.‏
    وعن عمر أنه قال ‏"‏ عرفنا الفاكهة فما الأب ‏"‏ ثم قال ‏"‏ إن هذا لهو التكلف ‏"‏ فهو صحيح عنه، أخرجه عبد بن حميد من طرق صحيحة عن أنس عن عمر،
    ( ج6/ ص 358)
    البروج الكواكب ومن طريق أبي صالح قال هي النجوم الكبار، وقيل هي قصور في السماء رواه عبد بن حميد من طريق يحيى بن رافع، ومن طريق قتادة قال هي قصور على أبواب السماء فيها الحرس، وعند أهل الهيئة أن البروج غير المنازل، فالبروج اثنا عشر والمنازل ثمانية وعشرون ‏"‏ وكل برج عبارة عن منزلتين وثلث منها‏.‏
    ( ج6/ ص 361)
    وأخرج ابن وهب في ‏"‏ كتاب الأهوال ‏"‏ عن عطاء بن يسار في قوله تعالى ‏(‏وجمع الشمس والقمر‏)‏ قال‏:‏ يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار، ولابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه موقوفا أيضا، قال الخطابي‏:‏ ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا‏.‏
    وقيل إنهما خلقا من النار فأعيدا فيها‏.‏
    وقال الإسماعيلي‏:‏ لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابا وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك، فلا تكون هي معذبة‏.‏
    ( ج6/ ص 362)
    وروى الشافعي بإسناد فيه انقطاع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ نصرت بالصبا، وكانت عذابا على من كان قبلنا ‏"‏ وقيل إن الصبا هي التي حملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب قبل أن يصل إليه، قال ابن بطال‏:‏ في هذا الحديث تفضيل بعض المخلوقات على بعض، وفيه إخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على سبيل التحدث بالنعمة لا على الفخر، وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها‏.‏
    ( ج6/ ص 369)
    قال جمهور أهل الكلام من المسلمين‏:‏ الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السموات، وأبطل من قال إنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة التي فارفت أجسادها وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها‏.‏
    وقد جاء في صفة الملائكة وكثرتهم أحاديث‏:‏ منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعا ‏"‏ خلقت الملائكة من نور ‏"‏ الحديث، ومنها ما أخرجه الترمذي وابن ماجة والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا ‏"‏ أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد ‏"‏ الحديث، ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ‏"‏ وللطبراني نحوه من حديث عائشة‏.
    ( ج/ ص 370)
    ‏فأما جبريل فقد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس وبأنه الروح الأمين وبأنه رسول كريم ذو قوة مكين مطاع أمين، وسيأتي في التفسير أن معناه عبد الله، وهو وإن كان سريانيا لكنه وقع فيه موافقة من حيث المعنى للغة العرب لأن الجبر هو إصلاح ما وهي، وجبريل موكل بالوحي الذي يحصل به الإصلاح العام، وقد قيل أنه عربي وأنه مشتق من جبروت الله، واستبعد للاتفاق على منع صرفه وفي اللفظة ثلاث عشرة لغة أولها جبريل بكسر الجيم وسكون الموحدة وكسر الراء وسكون التحتانية بغير همز ثم لام خفيفة وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع ورواية عن عاصم، ثانيها بفتح الجيم قرأها ابن كثير، ثالثها مثله لكن بفتح الراء ثم همزة قرأها حمزة والكسائي، رابعها مثله بحذف ما بين الهمزة واللام قرأها يحيى بن يعمر ورويت عن عاصم‏.‏
    وروى الطبري عن أبي العالية قال‏:‏ جبريل من الكروبيين وهم سادة الملائكة وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل على أي شيء أنت‏؟‏ قال على الريح والجنود، قال وعلى أي شيء ميكائيل‏؟‏ قال على النبات والقطر، قال‏:‏ وعلى أي شيء ملك الموت‏؟‏ قال على قبض الأرواح ‏"‏ الحديث وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك‏.‏
    وروى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا وزيد أي من أهل السماء جبريل وميكائيل الحديث‏.‏
    في الحديث الذي أخرجه الطبراني في كيفية خلق آدم ما يدل على أن خلق جبريل كان قبل خلق آدم، وهو مقتضي عموم قوله تعالى ‏(‏وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم‏)‏ وفي التفسير أيضا أنه يموت قبل موت ملك الموت بعد فناء العالم، والله أعلم‏.‏
    وأما ميكائيل فروى الطبراني عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا‏؟‏ قال ما ضحك منذ خلقت النار ‏"‏ وأما ملك التصوير فلم أقف على اسمه‏.‏
    ( ج6/ ص 371)
    وروى الطبراني من حديث ابن عباس أنه الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فاختار أن يكون نبيا عبدا، وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحتى جبهته وانتظر أن يؤذن له ‏"‏ الحديث، وقد اشتمل ‏"‏ كتاب العظمة لأبي الشيخ ‏"‏ من ذكر الملائكة على أحاديث وآثار كثيرة فليطلبها منه من أراد الوقوف على ذلك، وفيه عن علي أنه ذكر الملائكة فقال ‏"‏ منهم الأمناء على وحيه، والحفظة لعباده، والسدنة لجنانه، والثابتة في الأرض السفلى أقدامهم، المارقة من السماء العليا أعناقهم، الخارجة عن الأقطار أكنافهم، الماسة لقوائم العرش أكتافهم‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 371)
    عرف بذلك مراد البخاري بقوله ‏"‏ في البيت المعمور ‏"‏ وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه لم يعودوا ‏"‏
    وقد روى إسحاق في مسنده والطبري وغير واحد من طريق خالد بن عرعرة عن علي ‏"‏ أنه سئل عن السقف المرفوع قال‏:‏ السماء، وعن البيت المعمور قال‏:‏ بيت في السماء بحيال البيت حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه ‏"‏
    ( ج6/ ص 372)
    وروى ابن مردويه أيضا وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا نحو حديث علي وزاد ‏"‏ وفي السماء نهر يقال له نهر الحيوان يدخله جبريل كل يوم فيغمس ثم يخرج فينتفض فيخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا، فهم الذين يصلون فيه ثم لا يعودون إليه ‏"‏ وإسناده ضعيف، وقد روى ابن المنذر نحوه بدون ذكر النهر من طريق صحيحة عن أبي هريرة لكن موقوفا، وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أن البيت المعمور هو الكعبة، والأول أكثر وأشهر، وأكثر الروايات أنه في السماء السابعة‏.‏
    وجاء من وجه آخر عن أنس مرفوعا أنه في السماء الرابعة‏.‏
    وبه جزم شيخنا في القاموس، وقيل هو في السماء السادسة، وقيل هو تحت العرش، وقيل إنه بناء آدم لما أهبط إلى الأرض ثم رفع زمن الطوفان، وكأن هذا شبهه من قال إنه الكعبة، ويسمى البيت المعمور الضراح والضريح‏.‏
    ( ج6/ ص 379)
    وقد ذكر موسى بن عقبة وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا، وذكره ابن عبد البر في الصحابة لذلك، لكن ذكر المديني أن الوفد أسلموا إلا كنانة فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك والله أعلم‏.‏
    وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولا، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة‏.‏
    ( ج6/ ص 380)
    (‏بقرن الثعالب‏)‏ هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل أيضا، وهو على يوم وليلة من مكة، وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال‏:‏ هو غلط، وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي بقرب منه، وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بالطائف كانت عشرة أيام‏.‏
    ( ج6/ ص 380)
    الأخشبين‏)‏ بالمعجمتين ما جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله وكأنه قعيقعان، ومال الصغاني بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان، ووهم من قال هو ثور كالكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بأطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقا واحدا‏.

    ( ج6/ ص 382)
    (‏باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة‏)‏ أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به‏:‏ فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها‏.‏
    ( ج6/ ص 385)
    قول ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء‏.‏
    ‏الأرائك السرر‏)‏ رواه عبد بن حميد بإسناد صحيح من طريق حصين عن مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ الأرائك السرر في الحجال‏.‏
    ( ج6/ ص 388)
    عربا : أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة ومن طريق بريدة قال‏:‏ هي الشكلة بلغة أهل مكة والمغنوجة بلغة أهل المدينة، ومثله في ‏"‏ كتاب مكة للفاكهي ‏"‏ وروى ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم قال‏:‏ هي الحسنة الكلام، ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا ‏"‏ لعرب كلامهن عربي ‏"‏ وهو ضعيف منقطع‏.‏
    وأخرج الطبري من طريق تميم بن حذام في قوله‏:‏ ‏"‏ عرباء ‏"‏ قال‏:‏ العربة الحسنة التبعل، كانت العرب تقول إذا كانت المرأة حسنة التبعل أنها لعربة‏.
    ( ج6/ ص 390)
    ا أخرجه الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعا إن أدنى أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة الحديث‏.
    ( ج6/ ص 391)
    ‏قال أبو اليمان يعني العود ‏"‏ والمجامر جمع مجمرة وهي المبخرة سميت مجمرة لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور، والألوة بفتح الهمزة ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو والهمزة أصلية وقيل زائدة، قال الأصمعي أراها فارسية عربت‏.‏
    وقد يقال إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها ومن ثم قال الإسماعيلي بعد تخريج الحديث المذكور‏:‏ ينظر هل في الجنة نار‏؟‏ ويجاب باحتمال أن يشتعل بغير نار بل بقوله‏:‏ كن، وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل، ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا إحراق، أو يفوح بغير اشتعال، ونحو ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ إن الرجل في الجنة ليشتهي الطير فيخر بين يديه مشويا ‏"‏ وفيه الاحتمالات المذكورة، وفد ذكر نحو ذلك ابن القيم في الباب الثاني والأربعين من ‏"‏ حادي الأرواح ‏"‏ وزاد في الطير أو يشوي خارج الجنة أو بأسباب قدرت لإنضاجه ولا تتعين النار، قال‏:‏ وقريب من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هم وأزواجهم في ظلال أكلها دائم وظلها‏)‏ وهي لا شمس فيها‏.‏
    ( ج6/ ص 391)
    وقال القرطبي‏:‏ قد يقال أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تتسخ‏؟‏ وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك‏؟‏ قال‏:‏ ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب وليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عري أو نتن، وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا‏.‏
    وقال النووي‏:‏ مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة، ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له‏.
    ( ج6/ ص 392)
    ‏ما أخرج أبو الشيخ في ‏"‏ العظمة ‏"‏ والبيهقي في ‏"‏ البعث ‏"‏ من حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه ‏"‏ إن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء أو أنه ليفضي إلى أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب ‏"‏ وفيه راو لم يسم، وفي الطبراني من حديث ابن عباس ‏"‏ إن الرجل من أهل الجنة ليفضي إلى مائة عذراء ‏"‏ وقال ابن القيم‏:‏ ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى ‏"‏ إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤه له فيها أهلون يطوف عليهم‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ الحديث الأخير صححه الضياء، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة ثم يدخل عليه زوجتاه، والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان، وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تنظيرا لقوله جنتان وعينان ونحو ذلك، أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك، ولا يخفى ما فيه‏.‏
    واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه مسلم من طريق ابن سيرين عنه، وهو واضح لكن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف المتقدم ‏"‏ رأيتكن أكثر أهل النار ‏"‏ ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء، ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، والله أعلم‏.
    ( ج6/ ص 393)
    ‏أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى، وروى ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال‏:‏ الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم اللهو فيرسل الله ريحا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا‏.‏
    والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلا ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم‏

  11. #171
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج6/ ص 399)
    ‏تنبيه‏)‏ ‏:‏‏:‏ قوله تعالى في هذه الآية‏:‏ ‏(‏ولا طعام إلا من غسلين‏)‏ يعارضه ظاهر قوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏(‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏)‏ وجمع بينهما بأن الضريع من الغسلين، وهذا يرده ما سيأتي في التفسير أن الضريع نبات، وقيل‏:‏ الاختلاف بحسب من يطعم من أهل النار، فمن اتصف بالصفة الأولى فطعامه من غسلين، ومن اتصف بالثانية فطعامه من ضريع، والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 400)
    ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ سكنت، ومثله قال أبو عبيدة ورجح لأنهم يقولون للنار إذا سكن لهبها وعلا الجمر رماد‏:‏ خبت، فان طفئ معظم الجمر قالوا خمدت، فإن طفئ كله قالوا همدت، ولا شك أن نار جهنم لا تطفأ‏.‏
    ( ج6/ ص 401)
    وقال أبو عبيدة تقول العرب كل شيء خلطته بغيره فهو مشوب
    ومن طريق أبي العالية قال‏:‏ الزفير في الحلق والشهيق في الصدر، ومن طريق قتادة قال‏:‏ هو كصوت الحمار أوله زفير وآخره شهيق‏.‏
    وقال الداودي الشهيق هو الذي يبقى بعد الصوت الشديد من الحمار‏.‏
    قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فسوف يلقون غيا‏)‏ قال‏:‏ خسرانا، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه في هذه الآية قال‏:‏ واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي برزة الأسلمي مرفوعا والطبري من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا ‏"‏ لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية‏:‏ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا‏"‏‏.‏
    من طريق الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ خلقت الجن من مارج، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت،
    ( ج6/ ص 403)
    إبليس اسم أعجمي عند الأكثر،
    إنما سمي إبليس بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه، وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، كذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري وابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال‏:‏ كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد‏.‏
    وهذا يؤيد ذلك القول والله أعلم‏.‏
    ومن أسمائه الحارث والحكم، وكنيته أبو مرة‏.‏
    وفي كتاب ‏"‏ ليس لابن خالويه ‏"‏ كنيته أبو الكروبيين،
    حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا قال‏:‏ ‏"‏ إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول‏:‏ من أضل مسلما ألبسته التاج ‏"‏ الحديث أخرجه ابن حبان والحاكم والطبراني‏.‏
    ولمسلم من حديث جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة‏"‏‏.‏
    واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلا‏؟‏ على قولين مشهورين
    ( ج6/ ص 410)
    ال الخطابي‏:‏ وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع، قال‏:‏ وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال‏:‏ والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ على أن قوله من خلق ربك كلام متهافت ينقض آخره أوله لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا، ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث‏.‏
    فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات، انتهى‏.‏
    الذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر، لأنه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث ‏"‏ لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله‏؟‏ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ‏"‏ فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره‏.‏
    ( ج6/ ص 411)
    قال المازري‏:‏ الخواطر على قسمين‏:‏ فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة، وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال وقال الطيبي‏:‏ إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج لأن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء وعما هو مستغن عنه، وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع،
    ( ج6/ ص 411)
    قال ابن الجوزي‏:‏ إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا، والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبا والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت‏.
    الحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار، لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك كل سواد‏.‏
    ( ج6/ ص 412)
    إن الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقا لكل من استيقظ أو كان مستيقظا‏.‏
    وقالت طائفة بوجوبه في الغسل وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضا، وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا خلاف‏؟‏ وهو محل بحث وتأمل‏.‏
    والذي يظهر أنها لا تتم إلا به لما تقدم‏.‏
    ( ج6/ ص 414)
    قال عبد الجبار المعتزلي‏:‏ الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده‏.‏
    وإذا ثبت وجودهم فقد تقدم في أوائل صفة النار تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وخلق الجان من مارج من نار‏)‏ واختلف في صفتهم فقال القاضي أبو بكر الباقلاني قال بعض المعتزلة‏:‏ الجن أجساد رقيقة بسيطة، قال‏:‏ وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع‏.‏
    وقال أبو يعلى بن الفراء‏:‏ الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها‏.‏
    وهو مردود، فإن الرقة ليس بمانعة عن الرؤية‏.‏
    ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها‏.
    ( ج6/ ص 415)
    وروى البيهقي في ‏"‏ مناقب الشافعي ‏"‏ بإسناده عن الربيع سمعت الشافعي يقول‏:‏ من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا‏.‏
    وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يري شيئا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في ذلك فقيل‏:‏ هو تخييل فقط ولا ينتفل أحد عن صورته الأصلية، وقيل بل ينتقلون لكن لا باقتدارهم على ذلك بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر وهذا قد يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ‏"‏ أن الغيلان ذكروا عند عمر فقال‏:‏ إن أحدا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلفه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا ‏"‏ وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم فقيل‏:‏ إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرا سمي شيطانا، وقيل‏:‏ إن الشياطين خاصة أولاد إبليس ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس الآتي في تفسير سورة الجن يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه فمن كان كافرا سمي شيطانا وإلا قيل له جني، وأما كونهم مكلفين فقال ابن عبد البر‏:‏ الجن عند الجماعة مكلفون‏.‏
    ( ج6/ ص 416)
    قال عبد الجبار‏:‏ لا نعلم خلافا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا بمكلفين، قال‏:‏ والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدا، وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم أم لا‏؟‏ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال‏:‏ ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه وهو فاسد انتهى‏.‏
    وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض فسمعوا كلام الرسل من الإنس وبلغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم ‏(‏إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى‏)‏ الآية، واحتج ابن حزم بأنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه ‏"‏ قال وليس الجن من قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال‏:‏ ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق انتهى‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ ‏"‏ لا يختلفون أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن ‏"‏ وهذا مما فضل به على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس في قوله تعالى في سورة غافر ‏(‏ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات‏)‏ قال‏:‏ هو رسول الجن، وهذا ذكره‏.‏
    وقال إمام الحرمين في ‏"‏ الإرشاد ‏"‏ في أثناء الكلام مع العيسوية‏:‏ وقد علمنا ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم دعى كونه مبعوثا إلى الثقلين‏.‏
    ( ج6/ ص 416)
    وقال ابن تيمية‏:‏ اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وثبت التصريح بذلك في حديث ‏"‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه وبعثت إلى الإنس والجن ‏"‏ فيما أخرجه البزار بلفظ‏.‏
    وعن ابن الكلبي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى الإنس فقط، وبعث محمد إلى الإنس والجن وإذا تقرر كونهم مكلفين فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيه لما ثبت من النهي عن الروث والعظم وأنهما زاد الجن
    حديث أبي هريرة وفي آخره ‏"‏ فقلت ما بال الروث والعظم‏؟‏ قال‏:‏ هما طعام الجن ‏"‏ الحديث، فدل على جواز تناولهم للروث وذلك حرام علف الإنس، وكذلك روى أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ خرج رجل من خيبر فتبعه رجلان آخر يتلوهما يقول ارجعا حتى ردهما، ثم لحقه فقال له إن هذين شيطانان فإذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرأ عليه السلام وأخبره أنا في جمع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه‏.‏
    ( ج6/ ص 417)
    فلما قدم الرجل المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنهى عن الخلوة، أي السفر منفردا ‏"‏ واختلف أيضا هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا‏؟‏ فقيل بالنفي وقيل بمقابله، ثم اختلفوا فقيل أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشى قال‏:‏ ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل ولم يسم ثم سمي في آخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمي استقاء ما في بطنه وروى مسلم من حديث ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكلن أحدكم بشماله ويشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ‏"‏ وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك ومنهم السعالي والغول والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبان والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الجن على ثلاثة أصناف‏:‏ صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب وصنف يحلون ويظعنون ‏"‏ وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه لكن قال في الثالث‏:‏ ‏"‏ وصنف عليهم الحساب والعقاب ‏
    ( ج6/ ص 417)
    ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم والعشاء كذلك‏.‏
    واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان‏)‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏(‏أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني‏)‏ والدلالة من ذلك ظاهرة‏.‏
    واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجان خلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد‏.‏
    والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة، وقد وقع في الصحيح في قصة تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ فأخذته فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي ‏"‏ قلت‏:‏ وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب‏)‏ فقال كيف تحرق النار النار‏؟‏ وأما قول المصنف‏:‏ ‏"‏ وثوابهم وعقابهم ‏"‏ فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون علي المعاصي، واختلف هل يثابون‏؟‏ فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفا‏.‏
    قال‏:‏ ‏"‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم أي من غير الإنس‏:‏ كونوا ترابا، فحينئذ يقول الكافر‏:‏ يا ليتني كنت ترابا ‏"‏ وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال‏:‏ ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا وروى عن أبي حنيفة نحو هذا القول‏.‏
    وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس‏؟‏ على أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ نعم، وهو قوله الأكثر، وثانيها‏:‏ يكونون في ربض الجنة وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها‏:‏ أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها‏:‏ التوقف عن الجواب في هذا‏.‏
    ( ج6/ ص 419)
    قيل‏:‏ اختلف وصفها باختلاف أحوالها‏:‏ فكانت كالحية في سعيها وكالجان في حركتها وكالثعبان في ابتلاعها، والأفاعي جمع أفعى وهي الأنثى من الحيات، والذكر منها أفعوان بضم الهمزة والعين، وكنية الأفعوان أبو حيان وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة، وهو الشجاع الأسود الذي يواثب الإنسان، ومن صفة الأفعى إذا فقئت عينها عادت ولا تغمض حدقتها البتة، والأساود جمع أسود قال أبو عبيد هي حية فيها سواد‏.‏
    وهي أخبث الحيات‏.‏
    ويقال له أسود سالخ لأنه يسلخ جلده كل عام‏.‏
    ( ج6/ 420)
    في سنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر مرفوعا ‏"‏ أعوذ بالله من أسد وأسود ‏"‏ وقيل‏:‏ هي حية رقيقة رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس وربما كانت ذات قرنين والهاء في الحية للوحدة، كدجاجة، وقد عد لها ابن خالويه في ‏"‏ كتاب ليس ‏"‏ سبعين اسما‏.‏
    ( ج6/ ص 419)
    وقال ابن عبد البر‏:‏ يقال أن ذا الطفيتين جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏والأبتر‏)‏ هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن شميل أنه أزرق اللون لا تنظر إليه حامل إلا ألقت، وقيل‏:‏ الأبتر الحية القصيرة الذنب، قال الداودي‏:‏ هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلا، وقوله‏:‏ ‏"‏ والأبتر ‏"‏ يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين والأبتر؛ ووقع في الطريق الآتية ‏"‏ لا تقتلوا الحيات إلا كل أبتر ذي طفيتين ‏"‏ وظاهره اتحادهما، لكن لا ينفي المغايرة‏.‏
    ( ج6/ ص 420)
    نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت‏
    *أي اللاتي يوجدن في البيوت، وظاهره التعميم في جميع البيوت، وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة، وقيل‏:‏ يختص ببيوت المدن دون غيرها، وعلى كل قول فتقتل في البراري والصحاري من غير إنذار، وروى الترمذي عن ابن المبارك أنها الحية التي تكون كأنها فضة ولا تلتوي في مشيتها‏.‏
    قال أهل اللغة عمار البيوت سكانها من الجن، وتسميتهن عوامر لطول لبثهن في البيوت مأخوذ من العمر وهو طول البقاء، وعند مسلم من حديث أبي سمعيد مرفوعا ‏"‏ إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه ‏"‏ واختلف في المراد بالثلاث فقيل ثلاث مرات، وقيل ثلاثة أيام، ومعنى قوله حرجوا عليهن أن يقال لهن أنتن في ضيق وحرج إن لبثت عندنا أو ظهرت لنا أو عدت إلينا‏.‏
    *وفي رواية مسلم ‏"‏ وكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب ‏"‏
    *وليس لزيد بن الخطاب - أخي عمر - رواية في الصحيح إلا في هذا الموضع، وزعم الداودي أن الجن لا تتمثل بذي الطفيتين والأبتر، فلذلك أذن في قتلهما‏.
    *في الحديث النهي عن قتل الحيات التي في البيوت إلا بعد الإنذار، إلا أن يكون أبتر أو ذا طفيتين فيجوز قتله بغير إنذار، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم الإذن في قتل غيرهما بعد الإنذار، وفيه‏:‏ ‏"‏ فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ والأمر في ذلك للإرشاد، نعم ما كان منها محقق الضرر وجب دفعه‏.‏
    ( ج6/ ص 425)
    وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الفدادين هم أصحاب الإبل الكثيرة من المائتين إلى الألف، وعلى ما حكاه أبو عمرو الشيباني من التخفيف فالمراد أصحاب الفدادين
    وقال أبو العباس‏:‏ الفدادون هم الرعاة والجمالون‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم وذلك يفضي إلى قساوة القلب
    قيل‏:‏ أراد بأهل الغنم أهل اليمن لأن غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومضر فإنهم أصحاب إبل، وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اتخذي الغنم فإن فيها بركة‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 425)
    الديك وهو ذكر الدجاج، وللديك خصيصة ليست لغيره من معرفة الوقت الليلي، فإنه يقسط أصواته قيها تقسيطا لا يكاد يتفاوت، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده لا يكاد يخطئ، سواء أطال الليل أم قصر، ومن ثم أفتى بعض الشافعية باعتماد الديك المجرب في الوقت،
    كان السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص، ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركا بهم، وصحح ابن حبان - وأخرجه أبو داود وأحمد - من حديث زيد بن خالد رفعه ‏"‏ لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة ‏"‏ وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله صلى الله عليه وسلم ذلك وأن ديكا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك، قال الحليمي‏:‏ يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب ولا أن يستهان به، بل يكرم ويحسن إليه‏.
    قال الداودي‏:‏ يتعلم من الديك خمس خصال‏:‏ حسن الصوت، والقيام في السحر، والغيرة، والسخاء، وكثرة الجماع‏.‏
    ( ج6/ ص 426)
    ن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه، وكأنهما جميعا لم يبلغهما حديث ابن مسعود، قال‏:‏ ‏"‏ وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم القردة والخنازير فقال‏:‏ إن الله لم يجعل للمسخ نسلا ولا عقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك ‏"‏ وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا أراها إلا الفأر ‏"‏ وكأنه كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي، قال ابن قتيبة‏:‏ إن صح هذا الحديث وآلا فالقردة والخنازير هي الممسوخ بأعيانها توالدت‏.‏
    قلت‏:‏ الحديث صحيح
    ( ج6/ ص 427)
    قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد وابن ماجه أنه كان في بيتها رمح موضوع، فسئلت فقالت‏:‏ نقتل به الوزع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن إبراهيم لما ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها انتهى
    وقد أخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا
    ( ج6/ ص 430)
    حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ لا تتركوا النار في بيوتكم حين تناموا ‏"‏ قال النووي هذا عام يدخل فيه نار السراج وغيره، وأما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق دخلت في ذلك، وإن حصل الأمن منها كما هو الغالب فلا بأس بها لانتفاء العلة‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة ويحتمل أن تكون للندب، ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية امتثال الأمر‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ ظن قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك وإنما هو مقيد بالليل؛ وكأن اختصاص الليل بذلك لأن النهار غالبا محل التيقظ بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار‏.‏
    ( ج6/ ص 432)
    وقرية النمل موضع اجتماعهن، والعرب تفرق في الأوطان فيقولون لمسكن الإنسان وطن، ولمسكن الإبل عطن، وللأسد عرين وغابة، وللظبي كناس، وللضب وجار، وللطائر عش، وللزنبور كور، ولليربوع نافق، وللنمل قرية‏.‏
    ( ج6/ ص 433)
    استدل بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه ولا سيما إن ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار، قال النووي‏:‏ هذا الحديث محمول على أنه كان جائزا في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا في القصاق بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس في السنن ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة ‏"‏ انتهى، وقد قيد غيره كالخطابي النهي عن قتله من النمل بالسليماني‏.‏
    قال البغوي‏:‏ النمل الصغير الذي يقال له الذر يجوز قتله، ونقله صاحب ‏"‏ الاستقصاء ‏"‏ عن الصيمري وبه جزم الخطابي‏.‏
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهى كتاب تلخيص كتاب " بدء الخلق " من فتح الباري للحافظ ابن حجر
    بتاريخ 11/ ربيع الثاني / 1441 هجري
    الموافق 9/ 12/ 2019 ميلادي .
    كتاب أحاديث الأنبياء
    ( ج6/ ص 435)
    ووقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبو ذر مرفوعا ‏"‏ أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ‏"‏ صححه ابن حبان‏
    والنبوة نعمة يمن بها على من يشاء ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقي شرعا من حصلت له النبوة‏.‏
    وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه بكونه نبيا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيا‏.‏
    وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة‏.‏
    ( ج6/ ص 436)
    حديث أبي موسى مرفوعا ‏"‏ إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ‏"‏ الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان‏.‏
    ومنها حديث أنس رفعه ‏"‏ لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه، فجعل إبليس يطيف به؛ فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك ‏"‏ رواه أحمد ومسلم‏.‏
    وآدم اسم سرياني وهو عند أهل الكتاب آدام
    قيل هو عربي جزم به الجوهري والجواليقي‏.‏
    ( ج6/ ص 441)
    ال في قوله تعالى ‏(‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏)‏ الكفر والإيمان، والشقاء والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والجن والإنس، والوتر الله‏.‏
    وروي من طريق أبي صالح نحوه‏.‏
    ولفظه ‏"‏ كل خلق الله شفع‏:‏ السماء، والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر ونحو هذا شفع، والوتر الله وحده
    أخرج عن ابن عباس من طريق صحيحة أنه قال‏:‏ الوتر يوم عرفة والشفع يوم الذبح‏.‏
    وفي رواية أيام الذبح‏.‏
    وهذا يناسب ما فسروا به قوله قبل ذلك ‏(‏وليال عشر‏)‏ أن المراد بها عشر ذي الحجة‏.‏
    ( ج6/ ص 442)
    قال الكرماني هنا بعد أن قال أن تفسير يتسنه وآسن‏:‏ لعله ذكره بالتبعية لقوله مسنون، وفي هذا تكثير لحجم الكتاب لا لتكثير الفوائد، والله أعلم بمقصوده‏.‏
    قلت‏:‏ وليس من شأن الشارح أن يعترض على الأصل بمثل هذا، ولا ارتياب في أن إيراد شرح غريب الألفاظ الواردة في القرآن فوائد، وادعاؤه نفي الفائدة مردود، وهذا الكتاب وإن كان أصل موضوعه إيراد الأحاديث الصحيحة فإن أكثر العلماء فهموا من إيراده أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أن مقصوده أن يكون كتابه جامعا للرواية والدراية، ومن جملة الدراية شرح غريب الحديث‏.‏
    وجرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن أن يشرح اللفظة القرآنية فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معا، ولما لم يجد في بدء الخلق وقصص الأنبياء ونحو ذلك أحاديث توافق شرطه سد مكانها ببيان تفسير الغريب الواقع في القرآن، فكيف يسوغ نفي الفائدة عنه‏.‏
    ( ج6/ ص 443)
    وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعا ‏"‏ أن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق‏"‏‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن‏)‏ أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك‏.‏
    ( ج6/ ص 443)
    ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال‏.‏
    ( ج6/ ص 444)
    (‏لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم‏)‏
    الخنز التغير والنتن، قيل أصله أن بني إسرائيل ادخروا لحم السلوى وكانوا نهوا عن ذلك فعوقبوا بذلك حكاه القرطبي وذكره غيره عن قتادة وقال بعضهم‏:‏ معناه لولا بني إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى أنتن لما ادخر فلم ينتن، وروى أبو نعيم في ‏"‏ الحلية ‏"‏ عن وهب بن منبه قال‏:‏ في بعض الكتب لولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنه الأغنياء عن الفقراء‏.‏
    ( ج6/ ص 444)
    (‏ولولا حواء‏)‏ أي امرأة آدم وهي بالمد، قيل سميت بذلك لأنها أم كل حي
    وقوله ‏"‏لم تخن أنثى زوجها ‏"‏ فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها‏.‏
    في الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي، لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن، والله المستعان
    ( ج6/ ص 445)
    ال القرطبي‏:‏ يحتمل أن يكون معناه أن المرأة خلقت من مبلغ ضلع فهي كالضلع، زاد في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند مسلم ‏"‏ لن تستقيم لك على طريقة ‏"‏ قوله‏:‏ ‏(‏وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه‏)‏ قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، وفي استعمال أعوج استعمال لأفعل في العيوب وهو شاذ، وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو الإشارة إلى أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله‏.‏
    يؤيده قوله في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند مسلم ‏"‏ وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها ‏"‏ ويستفاد من حديث الباب أن الضلع مذكر خلافا لمن جزم بأنه مؤنث واحتج برواية مسلم ولا حجة فيه لأن التأنيث في روايته للمرأة، وقيل إن الضلع يذكر ويؤنث وعلى هذا فاللفظان صحيحان‏.‏
    ( ج6/ ص 445)
    حديث عبد الله وهو ابن مسعود ‏"‏ لا تقتل نفس ظلما إلا كان على آدم الأول كفل من دمها
    واختلف في اسم القاتل فالمشهور قابيل بوزن المقتول لكن أوله هاء وقيل اسم المقتول ‏"‏ قين ‏"‏ بلفظ الحداد وقيل ‏"‏ قاين ‏"‏ بزيادة ألف‏.‏
    وذكر السدي في تفسيره عن مشايخه بأسانيده أن سبب قتل قابيل لأخيه هابيل أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده بأنثى الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فمنعه آدم، فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا قربانا فقرب قابيل حزمة من زرع وكان صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل دون قابيل، وكان ذلك سبب الشر بينهما وهذا هو المشهور‏.‏
    ونقل الثعلبي بسند واه عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوج ابنا له بابنة له وإنما زوج قابيل جنية وزوج هابيل حورية فغضب قابيل فقال‏:‏ يا بني ما فعلته إلا بأمر الله، فقربا قربانا‏.‏
    وهذا لا يثبت عن جابر ولا عن غيره، ويلزم منه أن بني آدم من ذرية إبليس لأنه أبو الجن كلهم أو من ذرية الحور العين وليس لذلك أصل ولا شاهد‏.‏
    ( ج6/ ص 446)
    قال الخطابي‏:‏ يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخير من الناس يحن إلى شكله والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحا لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها‏.‏
    ( ج6/ ص 450)
    ونوح هو ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام بعدها معجمة ابن خنوخ بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة بعدها واو ساكنة ثم معجمة وهو إدريس فيما يقال‏.‏
    وقد ذكر ابن جرير أن مولد نوح كان بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عاما، وأنه بعث وهو ابن ثلاثمائة خمسين وقيل غير ذلك، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين، وقيل‏:‏ إن مدة عمره ألف سنة إلا خمسين عاما قبل البعثة وبعدها وبعد الغرق فالله أعلم‏.‏
    وصحح ابن حبان من حديث أبي أمامة ‏"‏ أن رجلا قال‏:‏ يا رسول الله أنبي كان آدم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏
    قال‏:‏ فكم كان بينه وبين نوح‏؟‏ قال عشرة قرون‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 453)
    وكأن البخاري رجح عنده كون إدريس ليس من أجداد نوح
    وإلياس بهمزة قطع وهو اسم عبراني‏.‏
    قول ابن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه قال‏:‏ إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل‏.‏
    وأما قول ابن عباس‏.‏
    فوصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري‏:‏ وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا أن إدريس لم يكن جدا لنوح وإنما هو من بني إسرائيل لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل، واستدل على ذلك بقوله عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ‏"‏ ولو كان من أجداده لقال له كما قال له آدم وإبراهيم ‏"‏ والابن الصالح ‏"‏ وهو استدلال جيد إلا أنه قد يجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف فليس ذلك نصا فيما زعم‏.‏
    وقد قال ابن إسحاق في أول السيرة النبوية لما ساق النسب الكريم فلما بلغ إلى نوح قال‏:‏ ابن لمك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وأشار بذلك إلى أن هذا القول مأخوذ عن أهل الكتاب‏.‏
    واختلف في لفظ إدريس فقيل هو عربي واشتقاقه من الدراسة وقيل له ذلك لكثرة درسه الصحف، وقيل‏:‏ بل هو سرياني، وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان أنه كان سريانيا، ولكن لا يمنع ذلك كون لفظ إدريس عربيا إذا ثبت بأن له اسمين‏.‏
    ونقل بعضهم الإجماع على أنه جد لنوح، وفيه نظر لأنه إن ثبت ما قال ابن عباس أن إلياس هو إدريس لزم أن يكون إدريس من ذرية نوح لا أن نوحا من ذريته لقوله تعالى في سورة الأنعام ‏(‏ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله - وعيسى وإلياس‏)‏ فدل على أن إلياس من ذرية نوح سواء قلنا إن الضمير في قوله‏:‏ ‏"‏ ومن ذريته ‏"‏ لنوح أو لإبراهيم، لأن إبراهيم من ذرية نوح فمن كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح لا محالة‏.‏
    وذكر ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أن إلياس هو ابن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران فالله أعلم‏.‏
    وذكر وهب في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أن إلياس عمر كما عمر الخضر وأنه يبقى إلى آخر الدنيا في قصة طويلة‏.‏
    وأخرج الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من حديث أنس أن إلياس اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأكلا جميعا وأن طوله ثلاثمائة ذراع وأنه قال إنه لا يأكل في السنة إلا مرة واحدة، أورده الذهبي في ترجمة يزيد بن يزيد البلوي وقال‏:‏ إنه خبر باطل‏.‏
    وذكر ابن قتيبة أن إدريس رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان أن إدريس كان نبيا رسولا وأنه أول من خط بالقلم، وذكر ابن إسحاق له أوليات كثيرة، منها أنه أول من خاط الثياب‏.‏
    ( ج6/ ص 462)
    وفي إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني، لأن الإسكندر كان قريبا من زمن عيسى عليه السلام، وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، والذي يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه وغلبته على البلاد الكثيرة، أو لأنه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم والفرس فلقب ذا القرنين لذلك، والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ ما ذكرته، والذي يدل على تقدم ذي القرنين ما روى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين أن ذا القرنين حج ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقاه، ومن طريق عطاء عن ابن عباس أن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه، ويقال إنه أول من صافح‏.‏
    ( ج6/ ص 463)
    وذكر ابن هشام في ‏"‏ التيجان ‏"‏ أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في شيء فحكم له، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أحمد أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك فقالا‏:‏ نحن عبدان مأموران، فقال من يشهد لكما‏؟‏ فقامت خمسة أكبش فشهدت، فقال‏:‏ قد صدقتم، قال وأظن الأكبش المذكورة حجارة، ويحتمل أن تكون غنما‏.‏
    فهذه الآثار يشد بعضها بعضا‏.‏
    ويدل على قدم عهد ذي القرنين‏.‏
    ثاني الأوجه‏:‏ قال الفخر الرازي في تفسيره‏:‏ كان ذو القرنين نبيا‏.‏
    وكان الإسكندر كافرا، وكان معلمه أرسطاطاليس وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شك، وسأذكر ما جاء في أنه كان نبيا أم لا‏.‏
    ثالثها‏:‏ كان ذو القرنين من العرب كما سنذكر بعد، وأما الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلها من ولد سام بن نوح بالاتفاق، وإن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لا‏؟‏ واليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا‏.‏
    وشبهة من قال إن ذا القرنين هو الإسكندر ما أخرجه الطبري ومحمد بن ربيع الجيزي في ‏"‏ كتاب الصحابة الذين نزلوا مصر ‏"‏ بإسناد فيه ابن لهيعة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فقال‏:‏ كان من الروم فأعطي ملكا فصار إلى مصر وبنى الإسكندرية، فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال‏:‏ انظر ما تحتك، قال‏:‏ أرى مدينة واحدة، قال‏:‏ تلك الأرض كلها، وإنما أراد الله أن يريك وقد جعل لك في الأرض سلطانا، فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم‏.‏
    وهذا لو صح لرفع النزاع ولكنه ضعيف، والله أعلم‏.‏
    وأخرج الحاكم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا أدري ذو القرنين كان نبيا أو لا ‏"‏ وذكر وهب في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أنه كان عبدا صالحا وأن الله بعثه إلى أربعة أمم أمتين بينهما طول الأرض وأمتين بينهما عرض الأرض وهي ناسك ومنسك وتأويل وهاويل، فذكر قصة طويلة حكاها الثعلبي في تفسيره‏.‏
    سمعت ابن الكوا يقول لعلي بن أبي طالب‏:‏ أخبرني ما كان ذو القرنين‏؟‏ قال‏:‏ كان رجلا أحب الله فأحبه، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله فسمي ذو القرنين‏.‏
    وعبد العزيز ضعيف، ولكن توبع على أبي الطفيل، أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل نحوه وزاد‏:‏ وناصح الله فناصحه‏.‏
    وفيه لم يكن نبيا ولا ملكا‏.‏
    وسنده صحيح سمعناه في الأحاديث المختارة للحافظ الضياء، وفيه إشكال لأن قوله‏:‏ ‏"‏ لم يكن نبيا ‏"‏ مغاير لقوله ‏"‏ بعثه الله إلى قومه‏"‏، إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة‏.‏
    قيل‏:‏ كان ملكا من الملائكة حكاه الثعلبي، وهذا مروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول يا ذا القرنين فقال‏:‏ تسميه بأسماء الملائكة‏؟‏ وحكى الجاحظ في ‏"‏ الحيوان ‏"‏ أن أمه كانت من بنات آدم وأن أباه كان من الملائكة، قال واسم أبيه فيرى واسم أمه غيرى، وقيل‏:‏ كان من الملوك وعليه الأكثر،
    ( ج6/ ص 464)
    واختلف في سبب تسميته ذا القرنين فتقدم قول علي، وقيل‏:‏ لأنه بلغ المشرق والمغرب أخرجه الزبير بن بكار من طريق سليمان بن أسيد عن ابن شهاب قال‏:‏ إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها، وقيل‏:‏ لأنه ملكهما وقيل‏:‏ رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس، وقيل‏:‏ كان له قرنان حقيقة، وهذا أنكره علي في رواية القاسم بن أبي بزة، وقيل‏:‏ لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه، وقيل‏:‏ لأنه كانت له غديرتان طويلتان من شعره حتى كان يطأ عليهما، وتسمية الضفيرة من الشعر قرنا معروف ومنه قول أم عطية ‏"‏ وضفرنا شعرها ثلاثة قرون
    ( ج6/ ص 465)
    وقد اختلف في اسمه فروى ابن مردويه من حديث ابن عباس وأخرجه الزبير في ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ عن إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان، وإسناده ضعيف جدا لضعف عبد الله وشيخه، وهو مباين لما تقدم أنه كان في زمن إبراهيم فكيف يكون من ذريته لا سيما على قول من قال كان بين عدنان وإبراهيم أربعون أبا أو أكثر، وقيل‏:‏ اسمه الصعب وبه جزم كعب الأحبار وذكره ابن هشام في ‏"‏ التيجان ‏"‏ عن ابن عباس أيضا‏.‏
    وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب ‏"‏ المحبر ‏"‏ هو المنذر بن أبي القيس أحد ملوك الحيرة وأمه ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم، قال وقيل‏:‏ اسمه الصعب بن قرن بن همال من ملوك حمير‏.‏
    وقال الطبري هو إسكندروس بن فيلبوس وقيل فيلبس وبالثاني جزم المسعودي، وقيل‏:‏ اسمه الهميسع ذكره الهمداني في كتب النسب قال‏:‏ وكنيته أبو الصعب وهو ابن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل‏:‏ ابن عبد الله بن قرين بن منصور بن عبد الله بن الأزد، وقيل‏:‏ بإسقاط عبد الله الأول، وأما قول ابن إسحاق الذي حكاه ابن هشام عنه أن اسم ذي القرنين مرزبان بن مردية، بدال مهملة وقيل‏:‏ بزاي فقد صرح بأنه الإسكندر، ولذلك اشتهر على الألسنة لشهرة السيرة
    ال السهيلي‏:‏ والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ويقال إن إبراهيم تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لإبراهيم والآخر كان قريبا من عهد عيسى‏.‏
    قلت‏:‏ لكن الأشبه أن المذكور في القرآن هو الأول بدليل ما ذكر في ترجمة الخضر حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين، وقد ثبتت قصة الخضر مع موسى وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا،
    هذا على طريق من يقول إنه الإسكندر، وحكى السهيلي أنه قيل‏:‏ إنه رجل من ولد يونان بن يافث اسمه هرمس ويقال هرديس وحكى القرطبي المفسر تبعا للسهيلي أنه قيل إنه أفريدون، وهو الملك القديم للفرس الذي قتل الضحاك الجبار الذي يقول فيه الشاعر‏:‏ فكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون وللضحاك قصص طويلة ذكرها الطبري وغيره‏.‏
    والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم، قال أعشى بني ثعلبة‏:‏ والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا بالحنو في جدث هناك مقيم والحنو بكسر المهملة وسكون النون في ناحية المشرق‏.‏
    وقال الربيع بن ضبيع‏:‏ والصعب ذو القرنين عمر ملكه ألفين أمسى بعد ذاك رميما وقال قس بن ساعدة‏:‏ والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا باللحد بين ملاعب الأرياح وقال تبع الحميري‏:‏ قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد من بعده بلقيس كانت عمتي ملكتهم حتى أتاها الهدهد وقال بعض الحارثيين يفتخر بكون ذي القرنين من اليمن يخاطب قوما من مضر‏:‏ سموا لنا واحدا منكم فنعرفه في الجاهلية لاسم الملك محتملا كالتبعين وذي القرنين يقبله أهل الحجا وأحق القول ما قبلا وقال النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي ابن الصحابي‏:‏ ومن ذا يعادينا من الناس معشر كرام وذو القرنين منا وحاتم انتهى‏.‏
    ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصعب، ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر وطرفة بن العبد وغيرهم‏.‏
    وأخرج الزبير بن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثوري قال‏:‏ بلغني أنه ملك الدنيا كلها أربعة‏:‏ مؤمنان وكافران، سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين ونمرود وبختنصر‏.‏
    ( ج6/ ص 466)
    ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، روى ابن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا ‏"‏ يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف رجل لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح، لا يمرون على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم
    وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أن آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله، وهو قول منكر جدا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب‏.‏
    ذكر ابن هشام في ‏"‏ التيجان ‏"‏ أن أمة منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك
    ( ج6/ ص 466)
    ن رجل من أهل المدينة أنه ‏"‏ قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال‏:‏ كيف رأيته‏؟‏ قال مثل البرد المحبر طريقة حمراء وطريقة سوداء‏.‏
    قال‏:‏ قد رأيته ‏"‏ ورواية الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة ‏"‏ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ فذكر نحوه وزاد فيه زيادة منكرة وهي‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة أسري بي لبنة من ذهب ولبنة من فضة ‏"‏ وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السد
    ( ج6/ ص 470)
    إبراهيم هو ابن آزر واسمه تارح بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة ابن ناحور بنون ومهملة مضمومة ابن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة وآخره معجمة ابن راغوء بغين معجمة ابن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة ابن عبير ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة ابن شالخ بمعجمتين ابن أرفخشذ بن سام بن نوح‏.‏
    لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك، إلا في النطق ببعض هذه الأسماء‏.‏
    نعم ساق ابن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ‏.‏
    ( ج6/ ص 471)
    ن ابن عباس مرفوعا‏:‏ ‏"‏ أول من يكسي إبراهيم حلة من الجنة، ويؤتي بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر ‏"‏ ويقال إن الحكمة في خصوصية إبراهيم بذلك لكونه ألقي في النار عريانا، وقيل‏:‏ لأنه أول من لبس السراويل‏.‏
    ولا يلزم من خصوصيته عليه السلام بذلك تفضيله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة‏.‏
    وقد ثبت لإبراهيم عليه السلام أوليات أخرى كثيرة‏:‏ منها أول من ضاف الضيف، وقص الشارب واختتن ورأى الشيب وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلة في كتابي ‏"‏ إقامة الدلائل على معرفة الأوائل
    ( ج6/ ص 471)
    حديث أبي هريرة ‏"‏ اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم ‏"‏ رويناه بالتشديد عن الأصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف، قال النووي‏:‏ لم يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلا، واختلف في المراد به فقيل‏:‏ هو اسم مكان، وقيل اسم آلة النجار،
    وعند ابن حبان مرفوعا ‏"‏ أن إبراهيم اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة ‏"‏ والظاهر أنه سقط من المتن شيء فإن هذا القدر هو مقدار عمره،
    عاش بعد ذلك ثمانين سنة ‏"‏ فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 473)
    لم يعد ذلك في الكذبات وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا لكنه إذا حقق لم يكن كذبا لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين فليس بكذب محض، فقوله‏:‏ ‏(‏إني سقيم‏)‏ يحتمل أن يكون أراد أني سقيم أي سأسقم واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرا، ويحتمل أنه أراد أني سقيم بما قدر علي من الموت أو سقيم الحجة على الخروج معكم، وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، وهو بعيد
    على تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام - يعني إطلاق الكذب على ذلك - إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها‏.‏
    ( ج6/ ص 474)
    واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وإنه كان على مصر، ذكره السهيلي وهو قول ابن هشام في ‏"‏ التيجان ‏"‏ وقيل‏:‏ اسمه صادوق وحكاه ابن قتيبة وكان على الأردن، وقيل‏:‏ سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح حكاه الطبري ويقال إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم‏.‏
    ( ج6/ ص 475)
    في صحيح مسلم في حديث الإسراء الطويل من رواية ثابت عن أنس في ذكر يوسف أعطي شطر الحسن، زاد أبو يعلى من هذا الوجه أعطي يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة‏.‏
    ( ج6/ ص 475)
    وفي رواية الأعرج الماضية في أواخر البيوع ‏"‏ هاجر إبراهيم بسارة فدخل بها قرية فيها ملك أو جبار، فقيل‏:‏ دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ‏"‏ واختلف في والد سارة مع القول بأن اسمه هاران فقيل‏:‏ هو ملك حران وإن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حران وقيل‏:‏ هي ابنة أخيه وكان ذلك جائزا في تلك الشريعة حكاه ابن قتيبة والنقاش واستبعد، وقيل‏:‏ بل هي بنت عمه، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسم أبيها توبل‏.‏
    ( ج6/ ص 474)
    واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم على هذه الوصية مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختا كانت أو زوجة، فقيل‏:‏ كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، كذا قيل، ويحتاج إلى تتمة وهو أن إبراهيم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة، لكن إن علم أن لها زوجا في الحياة حملته الغيرة على قتله وإعدامه أو حبسه وإضراره، بخلاف ما إذا علم أن لها أخا فإن الغيرة حينئذ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به‏.‏
    وقيل‏:‏ أراد إن علم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق، والتقرير الذي قررته جاء صريحا عن وهب بن منبه فيما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره من طريقه‏.‏
    ذكر المنذري في ‏"‏ حاشية السنن ‏"‏ عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأي الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها فلذلك قال إبراهيم هي أختي، لأنه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالما خلص من القتل، وليس هذا ببعيد مما قررته أولا، وهذا أخذ من كلام ابن الجوزي في ‏"‏ مشكل الصحيحين ‏"‏ فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب أنه سأله عن ذلك فأجاب به‏.‏
    ( ج6/ص 475)
    المراد بالشيطان المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جدا ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم‏.‏
    ( ج6/ ص 477)
    ‏قال أبو هريرة‏:‏ تلك أمكم يا بني ماء السماء‏)‏ كأنه خاطب بذلك العرب لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر لأجل رعي دوابهم، ففيه تمسك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل، وقيل‏:‏ أراد بماء السماء زمزم لأن الله أنبعها لهاجر فعاش ولدها بها فصاروا كأنهم أولادها قال ابن حبان في صحيحه‏:‏ كل من كان من ولد إسماعيل يقال له ماء السماء، لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء‏.‏
    وقيل سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه فأشبه ماء السماء وعلى هذا فلا متمسك فيه، وقيل‏:‏ المراد بماء السماء عامر ولد عمرو بن عامر بن بقيا بن حارثة بن الغطريف وهو جد الأوس والخزرج، قالوا‏:‏ إنما سمي بذلك لأنه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقام المطر، وهذا أيضا على القول بأن العرب كلها من ولد إسماعيل
    ( ج6/ ص 477)
    أن الوضوء كان مشروعا للأمم قبلنا وليس مختصا بهذه الأمة ولا بالأنبياء، لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور على أنها ليست بنبية‏.‏
    ( ج6/ ص 477)
    وذكر بعض الحكماء أن الوزغ أصم، وأنه لا يدخل في مكان فيه زعفران، وأنه يلقح بفيه، وأنه يبيض، ويقال لكبارها سام أبرص وهو بتشديد الميم‏.‏
    ( ج6/ ص 484)
    (‏أول ما اتخذ النساء المنطق‏)
    وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة، ويقال إن إبراهيم شفع فيها وقال لسارة‏:‏ حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك‏.‏
    ( ج6/ ص 485)
    قال ابن الجوزي‏:‏ كان ظهور زمزم نعمة من الله محضة بغير عمل عامل، فلما خالطها تحويط هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك فأغنى ذلك عن توجيه تذكير معين، مع أن الموصوف وهو المعين مؤنث‏.‏
    ( ج6/ ص 487)
    وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ ‏"‏ لما كان زمن الطوفان رفع البيت، وكان الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم وأعلمه مكانه ‏"‏ وروى البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ‏"‏ بعث الله جبريل إلى آدم فأمره ببناء البيت فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس ‏"‏ وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ‏"‏ أن آدم أول من بنى البيت، وقيل‏:‏ بنته الملائكة قبله ‏"‏ وعن وهب بن منبه ‏"‏ أول من بناه شيث بن آدم ‏"‏ والأول أثبت
    ( ج6/ ص 487)
    ‏من جرهم‏)‏ هو ابن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وقيل ابن يقطن، قال ابن إسحاق ‏"‏ وكان جرهم وأخوه قطورا أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن، وكان رئيس جرهم مضاض بن عمرو ورئيس قطورا السميدع ويطلق على الجميع جرهم ‏"‏ وفي رواية عطاء بن السائب ‏"‏ وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، وقيل‏:‏ إن أصلهم من العمالقة‏"‏‏.
    ( ج6/ ص 488)
    وقع ذلك من حديث ابن عباس عند الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ بلفظ ‏"‏ أول من نطق بالعربية إسماعيل ‏"‏ وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال‏:‏ ‏"‏ أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ‏"‏ وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها، ويشهد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشرقي بن قطامي ‏"‏ إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ‏"‏ ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم‏.
    قال ابن دريد في ‏"‏ كتاب الوشاح ‏"‏ أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ثم إسماعيل‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل
    ( ج6/ ص 489)
    ففي حديث أبي جهم ‏"‏ كان إبراهيم يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام ‏"‏ وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق، فعلى هذا فقوله‏:‏ ‏"‏ فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ‏"‏ أي بعد مجيئه قبل ذلك مرارا والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 490)
    (‏وتزوج منهم امرأة أخرى‏)‏ ذكر الواقدي وتبعه المسعودي ثم السهيلي أن اسمها سامة بنت مهلهل بن سعد، وقيل‏:‏ اسمها عاتكة، ورأيت في نسخة قديمة من ‏"‏ كتاب مكة لعمر بن شبة ‏"‏ أنها بشامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف وهي مضبوطة بشامة بموحدة ثم معجمة خفيفة قال‏:‏ وقيل اسمها جدة بنت الحارث بن مضاض، وحكى ابن سعد عن ابن إسحاق أن اسمها رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمية، وعن ابن الكلبي أنها رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوذان بن جرهم، وذكر الدار قطني في ‏"‏ المختلف ‏"‏ أن اسمها السيدة بنت مضاض وحكاه السهيلي أيضا‏.‏
    وفي حديث أبي جهم ‏"‏ ونظر إسماعيل إلى بنت مضاض بن عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فتزوجها ‏"‏ وحكى محمد بن سعد الجواني أن اسمها هالة بنت الحارث وقيل‏:‏ الحنفاء وقيل سلمى، فحصلنا من اسمها على ثمانية أقوال ومن أبيها على أربعة
    ج6/ ص 492
    وروى الفاكهي بإسناد صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ قام إبراهيم على الحجر فقال‏:‏ يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة‏:‏ لبيك اللهم لبيك ‏"‏ وفي حديث أبي جهم ‏"‏ ذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل بالحجر الأسود، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض، فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الأسود قال من أين هذا، من جاءك به‏؟‏ قال إبراهيم‏:‏ من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك ‏"‏ ورواه ابن أبي حاتم من طريق السدي نحوه، وأنه كان بالهند وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة‏.
    ( ج6/ ص 495)
    قال ابن الجوزي‏:‏ فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس وبينهما أكثر من ألف سنة انتهى، ومستنده في أن سليمان عليه السلام هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح ‏"‏ أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا ‏"‏ الحديث، وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة ‏"‏ أن داود عليه السلام ابتدأ ببناء بيت المقدس، ثم أوحي الله إليه‏:‏ إني لأقضي بناءه على يد سليمان ‏"‏ وفي الحديث قصة، قال‏:‏ وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا قال القرطبي‏:‏ إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدا وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما‏.
    ( ج6/ ص 495)
    ‏وقال الخطابي‏:‏ يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم داود وسليمان فزادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه، قال‏:‏ وقد ينسب هذا المسجد إلى أيلياء فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقق لم أضيف إليه‏.‏
    قلت‏:‏ الاحتمال الذي ذكره أولا موجه، وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم عليه السلام وقيل الملائكة وقيل سام بن نوح عليه السلام وقيل يعقوب عليه السلام، فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع في الكعبة، وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلا وتأسيسا ومن داود تجديدا لذلك وابتداء بناء فلم يكمل على يده حتى أكمله سليمان عليه السلام، لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه‏.‏
    وقد وجدت ما يشهد له ويؤيد قول من قال‏:‏ إن آدم هو الذي أسس كلا من المسجدين، فذكر ابن هشام في ‏"‏ كتاب التيجان ‏"‏ أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور، وقد تقدم قريبا حديث عبد الله بن عمرو أن البيت رفع زمن الطوفان حتى بوأه الله لإبراهيم‏.
    ( ج6/ ص 495)
    ‏أما ظن الخطابي أن إيليا اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة‏.‏
    وقال أبو عبيد البكري في ‏"‏ معجم البلدان ‏"‏‏:‏ إيليا مدينة بيت المقدس فيه ثلاث لغات‏:‏ مد آخره وقصره وحذف الياء الأولى، قال الفرزدق‏:‏ لوى ابن أبي الرقراق عينيه بعدما دنا من أعالي إيلياء وغورا وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال‏:‏ إنها سميت باسم بانيها كغيرها‏.
    ( ج6/ ص 498)
    ‏ما أخرجه هو وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن ابن عباس قال‏:‏ أرجى آية في القران ‏(‏وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى‏)‏ الآية، قال ابن عباس‏:‏ هذا لما يعرض في الصدور ويسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال‏:‏ بلى‏.‏
    ومن طريق معمر عن قتادة عن ابن عباس نحوه، ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس نحوه، وهذه طرق يشد بعضها بعضا وإلى ذلك جنح عطاء فروى ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج ‏"‏ سألت عطاء عن هذه الآية قال‏:‏ دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ذلك ‏"‏ وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال ‏"‏ ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع ‏"‏ ومن طريق حجاج عن ابن جريج قال ‏"‏ بلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار عليه السباع والطير فعجب وقال‏:‏ رب لقد علمت لتجمعنها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى ‏"‏ وذهب آخرون إلى تأويل ذلك
    ( ج6/ ص 499)
    وذكر أثر ابن عباس وعطاء، قال ابن عطية‏:‏ ومحمل قول ابن عباس عندي ‏"‏ أنها أرجى آية ‏"‏ لما فيها من الإدلال على الله وسؤال الأحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث‏.‏
    قال‏:‏ ومحمل قول عطاء ‏"‏ دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ‏"‏ أي من طلب المعاينة‏.‏
    قال وأما الحديث فمبني على نفي الشك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الأخر فهو منفي عن الخليل قطعا لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة‏.‏
    .............................. ....
    ( ج6/ ص 500)
    لوط بن هاران بن تارخ وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقد قص الله تعالى قصته مع قومه في الأعراف وهود والشعراء والنمل والصافات وغيرها وحاصلها أنهم ابتدعوا وطء الذكور فدعاهم لوط إلى التوحيد إلى الإقلاع عن الفاحشة فأصروا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحد، وكانت مدائنهم تسمى سدوم وهي بغور زغر من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم بعث جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم فاستضافوه فكان ما قص الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط فاستضافوه فخاف عليهم من قومه وأراد أن يخفي عليهم خبرهم فنمت عليهم امرأته فجاءوا إليه وعاتبوه على كتمانه أمرهم وظنوا أنهم ظفروا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل فقلب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته، إلا امرأته فإنها تأخرت مع قومها أو خرجت مع لوط فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه فصار عاليها سافلها وصار مكانها بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بشيء مما حولها‏.‏
    ( ج6: ص 505)
    وإلى ثمود أخاهم صالحا
    هو صالح بن عبيد بن أسيف بن ماشخ بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت منازلهم بالحجر، وهو بين تبوك والحجاز
    وعاقر الناقة اسمه قدار بن سالف، قيل‏:‏ كان أحمر أزرق أصهب‏.‏
    وذكر ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ وغير واحد أن سبب عقرهم الناقة أنهم كانوا اقترحوها على صالح عليه السلام فأجابهم إلى ذلك بعد أن تعنتوا في وصفها، فأخرج الله له ناقة من صخرة بالصفة المطلوبة، فآمن بعض وكفر بعض، واتفقوا على أن يتركوا الناقة ترعى حيث شاءت وترد الماء يوما بعد يوم، وكانت إذا وردت تشرب ماء البئر كله، وكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم للغد، ثم ضاق بهم الأمر في ذلك فانتدب تسعة رهط - منهم قدار المذكور فباشر عقرها، فلما بلغ ذلك صالحا عليه السلام أعلمهم بأن العذاب سيقع بهم بعد ثلاثة أيام‏.‏
    فوقع كذلك كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه‏.‏
    ( ج6/ ص 506)
    من طريق عبد الله بن قدامة عنه ‏"‏ أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنكم بواد ملعون فأسرعوا‏.‏
    وقال‏:‏ من اعتجن عجينه أو طبخ قدرا فليكبها ‏"‏ ال
    وسئل شيخنا الإمام البلقيني‏:‏ من أين علمت تلك البئر‏؟‏ فقال‏:‏ بالتواتر، إذ لا يشترط فيه الإسلام انتهى‏.‏
    والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها بالوحي
    وفي الحديث كراهة الاستقاء من بيار ثمود، ويلتحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره‏.‏
    واختلف في الكراهة المذكورة هل هي للتنزيه أو للتحريم‏؟‏ وعلى التحريم هل يمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا‏؟‏
    ( ج6/ ص 505)
    وروى أحمد والحاكم بإسناد حسن عن جابر قال‏:‏ ‏"‏ لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال‏:‏ لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ‏"‏ وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال‏:‏ أبو رغال هو الجد الأعلى لثقيف، وهو بكسر الراء وتخفيف الغين المعجمة‏.‏
    ( ج6/ ص 506)
    اسم إخوة يوسف‏:‏ روبيل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم، وشمعون بالشين المعجمة، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي بفاء ومثناة، وكاد، وأشير وأيساجر، ورايلون، وبنيامين وهم الأسباط‏.‏
    وقد اختلف فيهم فقيل‏:‏ كانوا أنبياء، ويقال لم يكن فيهم نبي وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير‏.‏
    ( ج6/ ص 507)
    المراد بسني يوسف ما قصه الله من ذكر السنين المجدبة في زمانه، ويقال اسم الملك الذي رأى الرؤيا الريان بن الوليد من ذرية لاوذ بن سام بن نوح‏.‏
    في تفسير النور في سياق قصة الإفك عن عائشة بلفظ ‏"‏ والتمست اسم يعقوب فلم أجده، فقلت‏:‏ ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف

  12. #172
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب احاديث الانبياء
    تلخيص فتح الباري
    الجمعة الموافق 15/ ربيع الثاني / 1441 ه
    الميلادي 13/ 12/ 2019 م

    ( ج6/ ص 509)
    حديث ابن عباس ‏"‏ قالوا يا رسول الله من السيد‏؟‏ قال‏:‏ يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله، قالوا‏:‏ فما في أمتك سيد‏؟‏ قال رجل أعطي مالا حلالا ورزق سماحة ‏"‏ وإسناده ضعيف‏.
    ( ج6/ ص 509)
    (‏وأيوب إذ نادى ربه‏)‏ الآية‏)‏ يقال هو أيوب بن ساري بن رغوال بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل‏:‏ اسم أبيه موص والباقي سواء، وقيل‏:‏ موص بن رزاح بن عيص، وقيل‏:‏ أيوب بن رزاح بن موص بن عيصو، ومنهم من زاد بين موص وعيص ليقرن، وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص ولا يثبت ذلك، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم وعلى هذا فكان قبل موسى‏.‏
    وقال ابن إسحاق‏:‏ الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبة شيء إلا أن اسم أبيه امص والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 510)
    جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر عليه، وفيه
    تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة،
    ( ج6/ ص 511)
    وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس ‏"‏ أن أيوب عليه السلام ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر‏:‏ لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء، فذكره الآخر لأيوب، يعني فحزن ودعا الله حينئذ فخرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه، فأوحي الله إليه أن اركض برجلك، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحا، فجاءت امرأته فلم تعرفه، فسألته عن أيوب فقال‏:‏ إني أنا هو، وكان له أندران‏:‏ أحدهما‏:‏ للقمح والآخر‏:‏ للشعير، فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض، وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض‏"‏‏.‏
    وعن الضحاك عن ابن عباس ‏"‏ رد الله على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا
    ‏ومحمد بن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ قصة مطولة جدا وحاصلها أنه كان بحوران، وكان له البثنية سهلها وجبلها، وله أهل ومال كثير وولد، فسلب ذلك كله شيئا فشيئا وهو يصبر ويحتسب، ثم ابتلي في جسده بأنواع من البلاء حتى ألقي خارجا من البلد، فرفضه الناس إلا امرأته، فبلغ من أمرها أنها كانت تخدم بالأجرة وتطعمه إلى أن تجنبها الناس خشية العدوى فباعت إحدى ضفيرتها من بعض بنات الأشراف وكانت طويلة حسنة فاشترت له به طعاما طيبا، فلما أحضرته له حلف أن لا يأكله حتى تخبره من أين لها ذلك، فكشفت عن رأسها، فاشتد حزنه وقال حينئذ‏:‏ ‏(‏رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‏)‏ فعافاه الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد أن أيوب أول من أصابه الجدري‏.‏
    وذكر الطبري أن اسمها ليا بنت يعقوب، وقيل‏:‏ رحمة بنت يوسف بن يعقوب، وقيل‏:‏ بنت إفرائيم أو ميشا بن بوسف، وأفاد ابن خالويه أنه يقال لها أم زيد واختلف في مدة بلائه فقيل ثلاث عشرة سنة كما تقدم، وقيل ثلاث سنين وهذا قول وهب، وقيل‏:‏ سبع سنين وهو عن الحسن وقتادة، وقيل‏:‏ إن امرأته قالت له‏:‏ ألا تدعو الله ليعافيك فقال‏:‏ قد عشت صحيحا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين‏؟‏ والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة‏.
    ‏وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين، والله أعلم‏.
    ( ج6/ ص 513)

    وموسى هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام لا اختلاف في نسبه، ذكر السدي في تفسيره بأسانيده أن بدء أمر موسى أن فرعون رأى كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط إلا دور بني إسرائيل، فلما استيقظ جمع الكهنة والسحرة فقالوا‏:‏ هذا غلام يولد من هؤلاء يكون خراب مصر على يده، فأمر بقتل الغلمان، فلما ولد موسى أوحي الله إلى أمه أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، قالوا فكانت ترضعه، فإذا خافت عليه جعلته في تابوت وألقته في البحر وجعلت الحبل عندها، فنسيت الحبل يوما فجرى به النيل حتى وقف على باب فرعون فالتقطه الجواري فأحضروه عند امرأته، ففتحت التابوت فرأته فأعجبها، فاستوهبته من فرعون فوهبه لها، فربته حتى كان من أمره ما كان‏.

    ( ج6/ ص 516)
    العقدة في اللسان ما لم ينطق بحرف أو كانت فيه مسكة من تمتمة أو فأفأة‏.
    ( ج6/ ص 517)
    ‏واسم السامري موسى بن طفر وكان من قوم يعبدون البقر‏
    وأخت موسى اسمها مريم وافقتها في ذلك مريم بنت عمران والدة عيسى عليه السلام‏.‏.
    ( ج6/ ص 520)
    ‏وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه
    واختلف في اسم هذا الرجل فقيل هو يوشع بن نون وبه جزم ابن التين وهو بعيد لأن يوشع كان من ذرية يوسف عليه السلام ولم يكن من آل فرعون
    والصحيح أن المؤمن المذكور كان من آل فرعون، واستدل لذلك الطبري بأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ فرعون إلى كلامه ولم يستمع منه‏.
    ‏وذكر الثعلبي عن السدي ومقاتل أنه ابن عم فرعون، وقيل‏:‏ اسمه شمعان بالشين المعجمة، قال الدار قطني في ‏"‏ المؤتلف ‏"‏‏:‏ لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا هذا وصححه السهيلي، وعن الطبراني اسمه حيزور وقيل حزقيل برحايا وقيل‏:‏ حربيال قاله وهب بن منبه وقيل‏:‏ حابوت، وعن ابن عباس اسمه حبيب وهو ابن عم فرعون وأخرجه عبد بن حميد،
    وقيل‏:‏ هو حبيب النجار وهو غلط، وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في ‏"‏ أدب الخواص ‏"‏‏:‏ إن اسم صاحب فرعون حوتكة بن سود بن أسلم من قضاعة
    ( ج6/ ص 521)
    ‏كأنه من رجال شنوءة‏
    حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولقب شنوءة لشنان كان بينه وبين أهله، والنسبة إليه شنوئي بالهمز بعد الواو وبالهمز بغير واو، قال ابن قتيبة‏:‏ سمي بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أي تقزز، والتقزز بقاف وزايين التباعد من الأدناس، قال الداودي رجال الأزد معروفون بالطول انتهى‏.‏
    ووقع في حديث ابن عمر عند المصنف بعد ‏"‏ كأنه من رجال الزط ‏"‏ وهم معروفون بالطول والأدمة‏.‏
    ( ج6/ ص 527)
    والخضر قد اختلف في اسمه قبل ذلك وفي اسم أبيه وفي نسبه وفي نبوته وفي تعميره، فقال وهب بن منبه‏:‏ هو بليا بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها تحتانية، ووجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين، وقيل‏:‏ كالأول بزيادة ألف بعد الباء، وقيل اسمه إلياس، وقيل اليسع، وقيل عامر، وقيل خضرون - والأول أثبت - ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لأنه يكون ابن عم جد إبراهيم، وقد حكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده، قال وهب وكنيته أبو العباس، وروى الدار قطني في ‏"‏ الأفراد ‏"‏ من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ هو ابن آدم له لصلبه، وهو ضعيف منقطع، وذكر أبو حاتم السجستاني في ‏"‏ المعمرين ‏"‏ أنه ابن قابيل بن آدم رواه عن أبي عبيدة وغيره، وقيل‏:‏ اسمه ارميا بن طيفاء حكاه ابن إسحاق عن وهب، وارميا بكسر أوله وقيل بضمه وأشبعها بعضهم واوا، واختلف في اسم أبيه فقيل ملكا وقيل‏:‏ كليان وقيل‏:‏ عاميل وقيل‏:‏ قابل والأول أشهر، وعن إسماعيل بن أبي أويس‏:‏ هو العمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وحكى السهيلي عن قوم أنه كان ملكا من الملائكة وليس من بني آدم، وعن ابن لهيعة كان ابن فرعون نفسه، وقيل ابن بنت فرعون، وقيل‏:‏ اسمه خضرون بن عاييل بن معمر بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل‏:‏ كان أبوه فارسيا رواه الطبري من طريق عبد الله بن شوذب، وحكى ابن ظفر في تفسيره أنه كان من ذرية بعض من آمن بإبراهيم، وقيل‏:‏ إنه الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه فلا يموت حتى ينفخ في الصور، وروى الدار قطني في الحديث المذكور قال‏:‏ مد للخضر في أجله حتى يكذب الدجال‏.‏
    فجمع نوح بنيه لما وقع الطوفان وأعلمهم بذلك فحفظوه، حتى كان الذي تولى دفنه الخضر‏.
    ( ج6/ ص 528)
    وحكى ابن عطية البغوي عن أكثر أهل العلم أنه نبي ثم اختلفوا هل هو رسول أم لا‏؟‏ وقالت طائفة منهم القشيري هو ولي‏.‏
    وقال الطبري في تاريخه‏:‏ كان الخضر في أيام أفريدون في قول عامة علماء الكتاب الأول، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر‏.‏
    وأخرج النقاش أخبارا كثير تدل على بقائه لا تقوم بشيء منها حجة قاله ابن عطية، قال‏:‏ ولو كان باقيا لكان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يثبت شيء من ذلك‏.‏
    وقال الثعلبي في تفسيره‏:‏ هو معمر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار‏.‏
    قال وقد قيل إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ هو نبي عند الجمهور والآية تشهد بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعلم ممن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلا الأنبياء‏.‏
    وقال ابن الصلاح‏:‏ هو حي عند جمهور العلماء والعامة معهم في ذلك، وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين‏.‏
    وتبعه النووي وزاد أن ذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر انتهى‏.‏
    الذي جزم بأنه غير موجود الآن البخاري وإبراهيم الحربي وأبو جعفر بن المنادى وأبو يعلى بن الفراء وأبو طاهر العبادي وأبو بكر بن العربي وطائفة، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال في آخر حياته‏:‏ ‏"‏ لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد ‏"‏ قال ابن عمر‏:‏ أراد بذلك انخرام قرنه‏.
    ( ج6/ ص 529)
    ‏وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث كما خص منه إبليس بالاتفاق‏.‏
    ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد‏)‏ وحديث ابن عباس ‏"‏ ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ‏"‏ أخرجه البخاري ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا قاتل معه، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر‏:‏ ‏"‏ اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ‏"‏ فلو كان الخضر موجودا لم يصح هذا النفي‏.‏
    وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ رحم الله موسى لوددنا لو كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما ‏"‏ فلو كان الخضر موجودا لما حسن هذا التمني ولأحضره بين يديه وأراه العجائب وكان أدعى لإيمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب‏.‏
    وجاء في اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف أخرجه ابن عدي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع وهو في المسجد كلاما فقال‏:‏ يا أنس اذهب إلى هذا القائل فقل له يستغفر لي، فذهب إليه فقال‏:‏ قل له إن الله فضلك على الأنبياء بما فضل به رمضان على الشهور‏.‏
    قال فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر ‏"‏ إسناده ضعيف‏.
    جاء في اجتماعه ببعض الصحابة فمن بعدهم أخبار أكثرها واهي الإسناد، منها ما أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي من حديث أنس ‏"‏ لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم دخل رجل فتخطاهم - فذكر الحديث في التعزية - فقال أبو بكر وعلي‏:‏ هذا الخضر ‏"‏ في إسناده عباد بن عبد الصمد وهو واه‏.‏
    وروى سيف في الردة نحوه بإسناد آخر مجهول‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحوه‏.‏
    وروى ابن وهب من طريق ابن المنكدر ‏"‏ أن عمر صلى على جنازة، فسمع قائلا يقول‏:‏ لا تسبقنا - فذكر القصة - وفيها‏:‏ أنه دعا للميت، فقال عمر‏:‏ خذوا الرجل، فتوارى عنهم فإذا أثر قدمه ذراع، فقال عمر‏:‏ هذا والله الخضر ‏"‏ في إسناده مجهول مع انقطاعه‏.‏
    وروى أحمد في الزهد من طريق مسعر عن معن بن عبد الرحمن عن عون بن عبد الله قال‏:‏ بينا رجل بمصر في فتنة ابن الزبير مهموما إذ لقيه رجل فسأله فأخبره باهتمامه بما فيه الناس من الفتن، فقال‏:‏ قل اللهم سلمني وسلم مني، قال فقالها فسلم‏.‏
    قال معسر‏:‏ يرون أنه الخضر‏.‏
    ( ج6/ ص 530)
    قال ابن حجر
    ولم يقع لي إلى الآن خبر ولا أثر بسند جيد غيره، وهذا لا يعارض الحديث الأول في مائة سنة فإن ذلك كان قبل المائة‏.‏
    وروى ابن عساكر من طريق كرز بن وبرة قال‏:‏ أتاني أخ لي من أهل الشام فقال اقبل مني هذه الهدية، إن إبراهيم التيمي حدثني قال‏:‏ كنت جالسا بفناء الكعبة أذكر الله، فجاءني رجل فسلم علي؛ فلم أر أحسن وجها منه ولا أطيب ريحا، فغلت‏:‏ من أنت‏؟‏ فقال أنا أخوك الخضر‏.‏
    قال فعلمه شيئا إذا فعله رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام‏.‏
    وفي إسناده مجهول وضعيف‏.‏
    حديث أبي هريرة ‏"‏ إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء
    وعن ابن الأعرابي‏:‏ الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات، وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله‏.‏
    ( ج6/ ص 530)
    وأما الحسن البصري فلم يسمع من أبي هريرة عند الحفاظ النقاد، وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فهو محكوم بوهمه عندهم، وما له في البخاري عن أبي هريرة سوى هذا مقرونا‏.‏
    وله حديث آخر في بدء الخلق مقرونا بابن سيرين، وثالث ذكره في أوائل الكتاب في الإيمان مقرونا بابن سيرين أيضا‏.‏
    ( ج6/ ص 532)
    وقال ابن الجوزي‏:‏ لما كان موسى في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبه تبع الحجر بناء على أن لا يصادف أحدا وهو عريان، فاتفق أنه كان هناك قوم فاجتاز بهم، كما أن جوانب الأنهار وإن خلت غالبا لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبني الأمر على أنه لا يراه أحد لأجل خلاء المكان، فاتفق رؤية من رآه‏.‏
    والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر حتى وقف على مجلس لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال‏.‏
    وبهذا تظهر الفائدة، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقع ذلك الموقع وفيه جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك من مداواة أو براءة من عيب، كما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر البرص ليفسخ النكاح فأنكر‏.‏
    وفيه أن الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال، وأن من نسب نبيا من الأنبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر‏.‏
    وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه السلام، وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر، لأن موسى علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله، ومع ذلك عامله معاملة من يعقل حتى ضربه‏.‏
    ( ج6/ ص 532)
    قد روى أحمد بن منيع في مسنده بإسناد حسن والطحاوي وابن مردويه من حديث علي أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون لأنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى، فطعن فيه بعض بني إسرائيل‏.‏
    وقالوا‏:‏ أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون وهو ميت فخاطبهم بأنه مات‏.‏
    وفي الإسناد ضعف ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معا لصدق أن كلا منهما آذى موسى فبرأه الله مما قالوا والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 534)
    الذي قاله الأئمة أن الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتعتاد قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم
    ونقل الكرماني عن الخطابي قال‏:‏ أراد أن الله لم يضع النبوة في أبناء الدنيا والمترفين منهم، وإنما جعلها في أهل التواضع كرعاة الشاء وأصحاب الحرف‏.‏
    ( ج6/ ص 535)
    في رواية عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عند أحمد والطبري ‏"‏ كان ملك الموت يأتي الناس عيانا، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه‏"‏‏.‏
    وفي رواية عمار ‏"‏ فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 537)
    وزعم ابن حبان أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبيت المقدس، وتعقبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس، قال وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى، وأريحاء من الأرض المقدسة، وزاد عمار في روايته ‏"‏ فشمه شمة فقبض روحه، وكان يأتي الناس خفية ‏"‏ يعني بعد ذلك، ويقال إنه أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فمات‏.‏
    وذكر السدي في تفسيره أن موسى لما دنت وفاته مشي هو وفتاه يوشع بن نون فجاءت ريح سوداء، فظن يوشع أنها الساعة فالتزم موسى، فانسل موسى من تحت القميص، فأقبل يوشع بالقميص‏.‏
    وعن وهب بن منبه أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة‏.
    ( ج6/ ص 539)
    (‏استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود‏)‏ وقع في رواية عبد الله بن الفضل سبب ذلك، وأول حديثه ‏"‏ بينما يهودي يعرض سلعة أعطي بها شيئا كرهه فقال‏:‏ لا والذي اصطفى موسى على ال
    ومهملتين وعزاه لابن إسحاق، والذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر الصديق في لطمه إياه قصة أخرى في نزول قوله تعالى‏:‏ ‏(‏لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء‏)‏ الآية‏.‏
    ( ج6/ 540)
    قد ثبت أن موسى ممن قبر في الحياة الدنيا، ففي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ‏"‏
    ( ج6/ ص 542)
    زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع‏:‏ الأولى‏:‏ نفخة إماتة يموت فيها من بقي حيا في الأرض، والثانية نفخة إحياء يقوم بها كل ميت وينشرون من القبور ويجمعون للحساب، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشي عليه لا يموت منها أحد، والرابعة‏:‏ نفخة إفاقة من ذلك الغشي‏.‏
    وهذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعهما، فالأولى‏:‏ يموت بها كل من كان حيا ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله، والثانية‏:‏ يعيش بها من مات ويفيق بها من غشي عليه والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 543)
    قال العلماء في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء‏:‏ إنما نهى عن ذلك من يقوله برأيه لا من يقوله بدليل أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلا إذ قلنا إنه أفضل من المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل‏:‏ النهى عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏لا نفرق بين أحد من رسله‏)‏ ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض لقوله‏:‏ ‏(‏تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض‏)‏ ‏.‏
    وقال الحليمي الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة، لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى ازدراء بالآخر فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي
    ( ج6/ ص 543)
    امرأة فرعون : آسية وهي بنت مزاحم امرأة فرعون، قيل إنها من بني إسرائيل وإنها عمة موسى، وقيل إنها من العماليق، وقيل‏:‏ ابنة عم فرعون‏.
    ( ج6/ ص 544)
    فيما أخرجه ابن حبان وأحمد وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في ‏"‏ كتاب الزهد ‏"‏ والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ‏"‏ وله شاهد من حديث أبي هريرة في ‏"‏ الأوسط للطبراني ‏"‏ ولأحمد في حديث أبي سعيد رفعه ‏"‏ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران ‏"‏ وإسناده حسن، وإن ثبت ففيه حجة لمن قال إن آسية امرأة فرعون ليست نبية،
    ( ج6/ ص 544)
    قال القرطبي‏:‏ الصحيح أن مريم نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها‏.‏
    وقال الكرماني‏:‏ لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوتها لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء‏.‏
    قال‏:‏ وقد نقل الإجماع على عدم نبوة النساء، كذا قال، وقد نقل عن الأشعري أن من النساء من نبيء وهن ست‏:‏ حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهى أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله عز وجل، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن‏.‏
    وذكر ابن حزم في ‏"‏ الملل والنحل ‏"‏ أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالا ثالثها الوقف، قال‏:‏ وحجة المانعين قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا‏)‏ قال‏:‏ وهذا لا حجة فيه فإن أحدا لم يدع فيهن الرسالة، وإنما الكلام في النبوة فقط‏.‏
    قال‏:‏ وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى ما يدل على ثبوت ذلك لها من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك، قال‏:‏ وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها ‏(‏أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين‏)‏ فدخلت في عمومه والله أعلم‏.‏
    ومن فضائل آسية امرأة فرعون أنها اختارت القتل على الملك والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى عليه السلام صادقة حين قالت‏:‏ ‏(‏قرة عين لي‏)
    ( ج6/ ص 545)
    إن قارون كان من قوم موسى
    فقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان ابن عم موسى قال‏:‏ وكذا قال قتادة وإبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث وسماك بن حرب، واختلف في تفسير بغي قارون فقيل‏:‏ الحسد، لأنه قال‏:‏ ذهب موسى وهارون بالأمر فلم يبق لي شيء‏.‏
    وكان من قصة قارون أنه حصل أموالا عظيمة جدا حتى قيل‏:‏ كانت مفاتيح خزائنه كانت من جلود تحمل على أربعين بغلا وكان يسكن تنيس، فحكي أن عبد العزيز الحروري ظفر ببعض كنوز قارون وهو أمير على تنيس، فلما مات تأمر ابنه علي مكانه وتورع ابنه الحسن بن عبد العزيز عن ذلك فيقال‏:‏ إن عليا كتب إلى أخيه الحسن إني استطيبت لك من مال أبيك مائة ألف دينار فخدها فقال‏:‏ أنا تركت الكثير من ماله لأنه لم يطب لي فكيف هذا القليل‏؟‏ وقد روى البخاري في هذا الصحيح عن الحسن بن عبد العزيز هذا‏.‏
    ( ج6/ ص 546)
    وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل ‏"‏ أربعة من العرب‏:‏ هود وصالح وشعيب ومحمد ‏"‏ فعلى هذا هو من العرب العاربة‏.‏
    وقيل‏:‏ إنه من بني عنزة بن أسد، ففي حديث سلمة بن سعيد العنزي ‏"‏ أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى عنزة فقال‏:‏ نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون رهط شعيب وأختان موسى ‏"‏ أخرجه الطبراني، وفي إسناده مجاهيل‏بشر ‏"‏ ولم أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصة، وزعم ابن بشكوال أنه فنحاص بكسر الفاء وسكون النون ومهملتين

    ( ج6/ ص 547)
    وجاء عن قتادة أنه أرسل إلى أمتين‏:‏ أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، ورجح بأنه وصف في أصحاب مدين بأنه أخوهم بخلاف أصحاب الأيكة وقال في أصحاب مدين ‏(‏أخذتهم الرجفة - والصيحة‏)‏ وفي أصحاب الأيكة ‏(‏أخذهم عذاب يوم الظلة‏)‏ والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وأجابوا عن ترك ذكر الأخوة في أصحاب الأيكة بأنه لما كانوا يعيدون الأيكة ووقع في صدر الكلام بأنهم أصحاب الأيكة ناسب أن لا يذكر الأخوة، وعن الثاني بأن المغايرة في أنواع العذاب إن كانت تقتضي المغايرة في المعذبين فليكن الذين عذبوا بالرجفة غير الذين عذبوا بالصيحة، والحق أنهم أصابهم جميع ذلك، فإنهم أصابهم حر شديد فخرجوا من البيوت فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فرجفت بهم الأرض من تحتهم وأخذتهم الصيحة من فوقهم،
    ( ج6/ ص 549)
    يونس بن متي بفتح الميم وتشديد المثناة مقصور، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس في هذا الباب ‏"‏ ونسبه إلى أبيه ‏"‏ فهذا أصح، ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس‏.‏
    ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متي اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه في ‏"‏ المبتدأ‏"‏، وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في ‏"‏ الكامل ‏"‏ والذي في الصحيح أصح‏.‏
    وفي الحديث ...خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة‏.‏.
    ( ج6/ ص 550)
    وقد روى قصته السدي في تفسيره بأسانيده عن ابن مسعود وغيره ‏"‏ إن الله بعث يونس إلى أهل نينوى وهي من أرض الموصل فكذبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين، وخرج عنهم مغاضبا لهم، فلما رأوا آثار ذلك خضعوا وتضرعوا وآمنوا، فرحمهم الله فكشف عنهم العذاب، وذهب يونس فركب سفينة فلججت به، فاقترعوا فيمن يطرحونه منهم فوقعت القرعة عليه ثلاثا، فالتقمه الحوت ‏"‏ وروى ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود بإسناد صحيح إليه نحو ذلك وفيه‏:‏ ‏"‏ وأصبح يونس فأشرف على القرية فلم ير العذاب وقع عليهم، وكان في شريعتهم من كذب قتل، فانطلق مغاضبا حتى ركب سفينة - وقال فيه - فقال لهم يونس إن معهم عبدا آبقا من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه، فقالوا‏:‏ لا نلقيك يا نبي الله أبدا، قال فاقترعوا فخرج عليه ثلاث مرات، فألقوه فالتقمه الحوت فبلغ به قرار الأرض، فسمع تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ‏"‏ الآية‏.‏
    روى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال‏:‏ لبث في بطن الحوت أربعين يوما‏.‏
    ومن طريق جعفر الصادق قال‏:‏ سبعة أيام، ومن طريق قتادة قال‏:‏ ثلاثا، ومن طريق الشعبي قال‏:‏ التقمه ضحى، ولفظه عشية‏.‏
    ( ج6/ ص 551)
    لقرية التي كانت حاضرة البحر‏)‏ الجمهور أن القرية المذكورة أيلة وهي التي على طريق الحاج الذاهب إلى مكة من مصر، وحكى ابن التين عن الزهري أنها طبرية‏.‏
    قال قتادة‏:‏ إن أصحاب السبت كانوا من أهل أيلة وأنهم لما تحيلوا علي صيد السمك بأن نصبوا الشباك يوم السبت ثم صادوها يوم الأحد فأنكر عليهم قوم ونهوهم فأغلظوا لهم، فقالت طائفة أخرى دعوهم واعتزلوا بنا عنهم، فأصبحوا يوما فلم يروا الذين اعتدوا، ففتحوا أبوابهم فأمروا رجلا أن يصعد على سلم فأشرف عليهم فرآهم قد صاروا قردة، فدخلوا عليهم فجعلوا يلوذون بهم، فيقول الذين نهوهم‏:‏ ألم نقل لكم، ألم ننهكم‏؟‏ فيشيرون برءوسهم‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏ أنهم لم يعيشوا إلا قليلا وهلكوا ‏"‏ وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ‏"‏ صار شبابهم قردة وشيوخهم خنازير‏"‏‏.‏
    ( ج6/ ص 553)
    ‏أوبي معه قال مجاهد‏:‏ سبحي معه
    وعن الضحاك هو بلسان الحبشة‏.‏
    ال قتادة‏:‏ كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء، ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، بل كان اعتماده على التوراة، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره‏.‏
    وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير‏.‏
    قال النووي‏:‏ أكثر ما بلغنا من ذلك من كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا بالنهار، وقد بالغ بعض الصوفية في ذلك فادعى شيئا مفرطا، والعلم عند الله‏.

    ( ( ج6/ ص 559)
    قال أبو عبيدة‏:‏ المنسأة العصا‏.‏
    ( ج6/ ص 560)
    (‏وألقينا على كرسيه جسدا‏)‏ قال‏:‏ شيطانا يقال له آصف، قال له سليمان كيف تفتن الناس‏؟‏ قال أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه، فنبذه آصف في البحر فساخ، فذهب ملك سليمان وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن، فأنكرته أم سليمان، وكان سليمان يستطعم ويعرفهم بنفسه فيكذبونه حتى أعطته امرأة حوتا فطيب بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرد الله إليه ملكه، وفر آصف فدخل البحر‏.‏
    وروى ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد أن اسمه آصر آخره راء، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن اسم الجني صخر، ومن طريق السدي كذلك وأخرج القصة من طريقه مطولة، والمشهور أن آصف اسم الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب والله أعلم‏.‏
    ‏فذكرت دعوة أخي سليمان‏)‏ أي قوله‏:‏ ‏(‏وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي‏)‏ وفي هذه إشارة إلى أنه تركه رعاية لسليمان عليه السلام، ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده لا في هذا القدر فقط، واستدل الخطابي بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم، قال‏:‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم‏)‏ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم، وتعقب بأن نفي رؤية الإنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية بل ظاهرها أنه ممكن، فإن نفي رؤيتنا إياهم مقيد بحال رؤيتهم لنا ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة، ويحتمل العموم‏.‏
    وهذا الذي فهمه أكثر العلماء حتى قال الشافعي‏:‏ من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، واستدل بهذه الآية‏.‏
    ( ج6/ ص 560)
    ال ابن عبد البر‏:‏ الجن على مراتب، فالأصل جني، فإن خالط الإنس قيل‏:‏ عامر، ومن تعرض منهم للصبيان قيل‏:‏ أرواح، ومن زاد في الخبث قيل شيطان، فإن زاد على ذلك قيل‏:‏ مارد، فإن زاد على ذلك قيل‏:‏ عفريت‏.‏
    وقال الراغب‏:‏ العفريت من الجن هو العارم الخبيث، وإذا بولغ فيه قيل عفريت نفريت‏.‏
    وقال ابن قتيبة‏:‏ العفريت الموثق الخلق، وأصله من العفر وهو التراب،

    ( ج6/ ص 561)
    وقد حكى وهب بن منبه في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية، ونحوه مما أخرج الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال‏:‏ بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صربحة وسبعمائة سرية‏.‏



  13. #173
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / تلخيص كتاب " أحاديث الأنبياء "
    من فتح الباري " للحافظ ابن حجر رحمه الله
    ( ج6/ ص 563)
    حكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وقد تقدم قول غير واحد من المفسرين إن المراد بالجسد المذكور شيطان وهو المعتمد، والنقاش صاحب مناكير‏.
    ( ج6/ ص 563)
    استدل بهذا الحديث من قال‏:‏ الاستثناء إذا عقب اليمين ولو تخلل بينهما شيء يسير لا يضر، فإن الحديث دل على أن سليمان لو قال إن شاء الله عقب قول الملك له قل إن شاء الله لأفاد مع التخلل بين كلاميه بمقدار كلام الملك، وأجاب القرطبي باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان، وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور‏.‏
    وفيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا يكفي فيه النية‏.‏
    وهو اتفاق إلا ما حكي عن بعض المالكية‏.
    ‏فمن قال أحلف أو أشهد ونحو ذلك فهو يمين وهو قول الحنفية، وقيده المالكية بالنية‏.‏
    وقال بعض الشافعية ليست بيمين مطلقا‏.‏
    ( ج6/ ص 565)
    وأما مسلم فإنه في نسخة همام عن أبي هريرة ينبه على أنه لم يسمع الإسناد في كل حديث منها فإنه يسوق الإسناد إلى أبي هريرة ثم يقول‏:‏ فذكر أحاديث منها كذا وكذا‏.‏
    وصنيعه في ذلك حسن جدا والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 566)
    قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ هذا مثل كثير المعاني، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء‏.‏
    وقد قيل‏:‏ إنها لا تبصر بحال وهو بعيد، وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوة يظهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر‏.‏
    قد قيل‏:‏ إنها لا تبصر بحال وهو بعيد، وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوة يظهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر‏.‏
    وقيل‏:‏ إن ذلك لضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلا كوة فترمي بنفسها إليه وهي من شدة طيرانها تجاوزه فتقع في الظلمة فترجع إلى أن تحترق‏.‏
    وقيل‏:‏ إنها تتضرر بشدة النور فتقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطب يقوله‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش؛ لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدأ والله المستعان‏.‏
    ( ج6/ 566)
    والذي ينبغي أن يقال إن داود عليه السلام قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها، إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يعين في الحديث اختصارا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال‏:‏ إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزت الأخرى عن إقامة البينة قال‏:‏ وهذا تأويل حسن جار على القواعد الشرعية وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه، فإن قيل فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه‏؟‏ فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لما أخبرتا سليمان بالقصة فدعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنمـا أراد استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها هو ابن الكبرى لأنه علم أنها آثرت حياته، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى - مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على صدقها - ما هجم به على الحكم للصغرى‏.‏
    ويحتمل أن يكون سليمان عليه السلام ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، أو تكون الكبرى في تلك الحالة اعترفت بالحق لما رأت من سليمان الجد والعزم في ذلك‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ استنبط سليمان لما رأى الأمر محتملا فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد، لأنه لو كان داود حكم بالنص لما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه‏.
    ( ج6/ ص 568)
    اختلف في لقمان فقيل كان حبشيا، وقيل‏:‏ كان نوبيا‏.‏
    واختلف هل كان نبيا‏؟‏ قال السهيلي‏:‏ كان نوبيا من أهل أيلة، واسم أبيه عنقا بن شيرون‏.‏
    وقال غيره هو ابن باعور بن ناحر بن آزر فهو ابن أخي إبراهيم‏.‏
    وذكر وهب في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أنه كان ابن أخت أيوب، وقيل‏:‏ ابن خالته‏.‏
    وروى الثوري في تفسيره عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كان لقمان عبدا حبشيا نجارا‏.‏
    وقد ذكره ابن الجوزي في ‏"‏ التلقيح ‏"‏ بعد إبراهيم قبل إسماعيل وإسحاق والصحيح أنه كان في زمن داود‏.‏
    وقد أخرج الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان قاضيا على بني إسرائيل زمن داود عليه السلام، وقيل‏:‏ إنه عاش ألف سنة، نقل عن ابن إسحاق وهو غلط ممن قاله، وكأنه اختلط عليه بلقمان بن عاد وقيل‏:‏ إنه كان يفتي قبل بعث داود، وأغرب الواقدي فزعم أنه كان بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، وشبهته ما حكاه أبو عبيدة البكري أنه كان عبدا لبني الحسحاس بن الأزد والأكثر أنه كان صالحا‏.‏
    قال شعبة عن الحكم عن مجاهد كان صالحا ولم يكن نبيا، وقيل‏:‏ كان نبيا أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق إسرائيل عن جابر عن عكرمة‏.‏
    قلت‏:‏ وجابر هو الجعفي ضعيف، ويقال إن عكرمة تفرد بقوله كان نبيا، وقيل‏:‏ كان لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه مالا يتجر فيه‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة أن لقمان خير بين الحكمة والنبوة فاختار الحكمة، فسئل عن ذلك فقال‏:‏ خفت أن أضعف عن حمل أعباء النبوة‏.‏
    ( ج6/ ص 569)
    وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ السبق ثلاثة يوشع إلى موسى، وصاحب يس إلى عيسى، وعلي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي إسناده حسين بن حسين الأشقر وهو ضعيف
    ( ج6/ ص 569)
    وروى ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ عن أبي طوالة عن كعب الأحبار أن اسم صاحب يس حبيب النجار، وروى الثوري في تفسيره عن عاصم عن أبي مجلز قال‏:‏ كان اسمه حبيب بن بري، وعن حبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ هو حبيب النجار، وعن السدي كان قصارا، وقيل‏:‏ كان إسكافا‏.‏
    قال ابن إسحاق واسم الرسل الثلاثة صادق وصدوق وشلوم‏.‏
    ( ج6/ ص 570)
    قال الثعلبي‏.‏
    ولد يحيى وعمر زكريا مائة وعشرون سنة وقيل تسعين وقيل اثنين وتسعين وقيل مائة إلا سنتين وقيل إلا سنة‏.‏
    ال ابن إسحاق‏:‏ كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى‏.‏
    وقال أيضا‏:‏ أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ففر منهم، فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها فالتأمت عليه، فأخذ الشيطان بهدبة ثوبه فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها‏.‏
    وأما يحيى فقتل بسبب امرأة أراد ملكهم أن يتزوجها، فقال له يحيى‏:‏ إنها لا تحل لك لكونها كانت بنت امرأته، فتوصلت إلى الملك حتى قتل يحيى، قال ابن إسحاق‏:‏ كان ذلك قبل أن يرفع عيسى‏.‏
    روى أصل هذه القصة الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من حديث عبد الله بن الزبير، وروى أيضا من حديث ابن عباس أن دم يحيى كان يفور حتى قتل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفا فسكن‏.‏
    ( ج6/ ص 574)
    وقد نقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات، وحصرهن ابن حزم في ست، حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم‏.‏
    وأسقط القرطبي سارة وهاجر، ونقله في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ عن أكثر الفقهاء‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ الصحيح أن مريم نبية‏.‏
    وقال عياض‏:‏ الجمهور على خلافه‏.‏
    ونقل النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية‏.‏
    وعن الحسن‏:‏ ليس في النساء نبية ولا في الجن‏.‏
    وقال السبكي الكبير‏:‏ لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيلي في آخر ‏"‏ الروض ‏"‏ عن أكثر الفقهاء‏.‏
    عند النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ‏"‏ أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية ‏"‏ وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس ‏"‏ حسبك من نساء العالمين ‏"‏ فذكرهن‏.‏
    وللحاكم من حديث حذيفة ‏"‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملك فبشره أن فاطمة سيده نساء أهل الجنة ‏"‏
    ( ج6/ ص 576)
    ال الطبري‏:‏ مراد إبراهيم بذلك أن الله مسحه فطهره من الذنوب، فهو فعيل بمعنى مفعول‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا بخلاف تسمية الدجال المسيح فإنه فعيل بمعنى فاعل يقال إنه سمي بذلك لكونه يمسح الأرض وقيل‏:‏ سمي بذلك لأنه ممسوح العين فهو بمعنى مفعول، قيل في المسيح عيسى أيضا أنه مشتق من مسح الأرض لأنه لم يكن يستقر في مكان، ويقال سمي بذلك لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، وقيل‏:‏ لأنه مسح بدهن البركة مسحه زكريا وقيل‏:‏ يحيى، وقيل‏:‏ لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل‏:‏ لأنه كان جميلا يقال‏:‏ مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا ومنه قولهم به مسحة من جمال‏.‏
    وأغرب الداودي فقال لأنه كان يلبس المسوح‏.‏
    ( ج6/ ص 577)
    والحانية التي تقوم بولدها بعد موت الأب، قال‏:‏ وحنت المرأة على ولدها إذا لم تتزوج بعد موت الأب‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ فإن تزوجت فليست بحانية‏.‏
    قال الحسن في الحانية التي لها ولد ولا تتزوج‏.‏
    ( ج6/ ص 577)
    وقد اعترض بعضهم فقال‏:‏ كأن أبا هريرة ظن أن البعير لا يكون إلا من الإبل، وليس كما ظن بل يطلق البعير على الحمار‏.‏
    وقال ابن خالويه‏:‏ لم تكن إخوة يوسف ركبانا إلا على أحمرة، ولم يكن عندهم إبل، وإنما كانت تحملهم في أسفارهم وغيرها الأحمرة، وكذا قال مجاهد هنا‏:‏ البعير الحمار، وهي لغة حكاها الكواشي، واستدل بقوله‏:‏ ‏(‏اصطفاك على نساء العالمين‏)‏ على أنها كانت نبية، ويؤيد ذكرها في سورة مريم بمثل ما ذكر به الأنبياء، ولا يمنع وصفها بأنها صديقة فإن يوسف وصف بذلك مع كونه نبيا، وقد نقل عن الأشعري أن في النساء نبيات‏.‏
    جزم ابن حزم بست‏:‏ حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم، ولم يذكر القرطبي سارة ولا هاجر، ونقله السهيلي في آخر ‏"‏ الروض ‏"‏ عن أكثر الفقهاء‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ الصحيح أن مريم نبية‏.‏
    وقال عياض‏:‏ الجمهور على خلافه‏.‏
    وذكر النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ لجماعة، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن‏.‏
    وقال السبكي‏:‏ اختلف في هذه المسألة ولم يصح عندي في ذلك شيء‏.‏
    ( ج6/ ص 579)
    ‏وأن عيسى عبد الله ورسوله‏)‏ زاد ابن المديني في روايته ‏"‏ وابن أمته ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه، ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم، قال النووي‏:‏ هذا حديث عظيم الموقع، وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم‏.‏
    وقال غيره‏:‏ في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض
    قال البيضاوي في قوله ‏"‏ على ما كان عليه من العمل ‏"‏ دليل على المعتزلة من وجهين‏:‏ دعواهم أن العاصي يخلد في النار وأن من لم يتب يجب دخوله في النار، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ على ما كان من العمل ‏"‏ حال من قوله‏:‏ ‏"‏ أدخله الله الجنة ‏"‏ والعمل حينئذ غير حاصل، ولا يتصور ذلك في حق من مات قبل التوبة إلا إذا أدخل الجنة قبل العقوبة‏.‏
    وأما ما ثبت من لازم أحاديث الشفاعة أن بعض العصاة يعذب ثم يخرج فيخص به هذا العموم، وإلا فالجميع تحت الرجاء، كما أنهم تحت الخوف‏.‏
    وهذا معنى قول أهل السنة‏:‏ إنهم في خطر المشيئة‏.‏
    ( ج6/ ص 583)
    وقد روى ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ السري في هذه الآية نهر أخرجه الله لمريم لتشرب منه
    ( ج6/ ص 586)
    (‏لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة‏)‏ قال القرطبي‏:‏ في هذا الحصر نظر، إلا أن يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك، وفيه بعد، ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيدا بالمهد وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد، لكنه يعكر عليه أن في رواية ابن قتيبة أن الصبي الذي طرحته أمه في الأخدود كان ابن سبعة أشهر، وصرح بالمهد في حديث أبي هريرة، وفيه نعقب على النووي في قوله‏:‏ إن صاحب الأخدود لم يكن في المهد، والسبب في قوله هذا ما وقع في حديث ابن عباس عند أحمد والبزار وابن حبان والحاكم ‏"‏ لم يتكلم في المهد إلا أربعة ‏"‏ فلم يذكر الثالث الذي هنا وذكر شاهد يوسف والصبي الرضيع الذي قال لأمه وهي ماشطة بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار ‏"‏ اصبري يا أمه فإنا على الحق‏"‏‏.‏
    في صحيح مسلم من حديث صهيب في قصة أصحاب الأخدود ‏"‏ أن امرأة جيء بها لتلقى في النار أو لتكفر، ومعها صبي يرضع، فتقاعست، فقال لها‏:‏ يا أمه اصبري فإنك على الحق ‏"‏ وزعم الضحاك في تفسره أن يحيى تكلم في المهد أخرجه الثعلبي‏.‏
    فإن ثبت صاروا سبعة‏.‏
    وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد‏.‏
    وفي ‏"‏ سير الواقدي ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم أوائل ما ولد‏.‏
    وقد تكلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة وقصته في ‏"‏ دلائل النبوة للبيهقي ‏"‏ من حديث معرض بالضاد المعجمة، والله أعلم‏.‏
    على أنه اختلف في شاهد يوسف‏:‏ فقيل كان صغيرا، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وسنده ضعيف، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير‏.‏
    وأخرج عن ابن عباس أيضا ومجاهد أنه كان ذا لحية‏.‏
    ( ج6/ ص 588)
    قصة جريج : ان صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن‏.‏
    وفيه قوة يقين جريج المذكور وصحة رجائه، لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق؛ ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنطقه‏.‏
    وفيه أن الأمرين إذا تعارضا بدئ بأهمهما، وأن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبا وزيادة لهم في الثواب‏.‏
    وفيه إثبات كرامات الأولياء، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم‏.‏
    ( ج6/ ص 589)
    وفي الحديث أن نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر فتخاف سوء الحال، بخلاف أهل التحقيق فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة كما قال تعالى حكاية عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم ‏(‏يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير‏)‏ ‏.‏
    وفيه أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير لطلب المرأة الخير لابنها ودفع الشر عنه ولم تذكر نفسها‏.
    (ج6/ ص 595)
    قد جمع البيهقي كتابا لطيفا في حياة الأنبياء في قبورهم أورد فيه حديث أنس ‏"‏ الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ‏"‏ أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه، وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم والصواب الحجاج الأسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي وصححه البيهقي‏.‏
    ( ج6/ ص 595)
    من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب كأنه صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، فحانت الصلاة فأممتهم ‏"‏ قال البيهقي‏:‏ وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ثم اجتمعوا في بيت المقدس‏.‏
    وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء أنه لقيهم بالسموات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره، ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السماوات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم‏.‏
    قال‏:‏ وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل، وقد ثبت به النقل، فدل ذلك على حياتهم‏.‏
    قلت : ابو عبد الرحمن المطروشي
    وقد جمعت مجلدا لطيفا في " حياة الأنبياء واحوالهم في البرزخ "
    وبإذن الله تعالى يخرج للنور وبينت فيه أحوالهم من الاحاديث الصحيحة ورجحت الأقوال وتعارضها من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يجعله في ميزان الحسنات إنه سميع قريب مجيب الدعاء "
    ( ج6/ ص 596)
    قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت‏؟‏ قال‏:‏ إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ‏"‏ ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ‏"‏ ورواته ثقات‏.‏
    ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه وهو الموت، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة‏:‏ أحدها‏:‏ أن المراد بقوله‏:‏ ‏"‏ رد الله علي روحي ‏"‏ أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد‏.‏
    الثاني‏:‏ سلمنا، لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه‏.‏
    الثالث‏:‏ أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك‏.‏
    الرابع‏:‏ المراد بالروح النطق فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه‏.‏
    الخامس‏:‏ أنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم عليه‏.‏
    وقد استشكل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 597)
    والعلات بفتح المهملة الضرائر، وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها، والعلل الشرب بعد الشرب، وأولاد العلات الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وقد بينه في رواية عبد الرحمن فقال‏:‏ ‏"‏ أمهاتهم شتى ودينهم واحد ‏"‏ وهو من باب التفسير كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا‏)‏ ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع، وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة‏.‏
    ( ج6/ ص 598)
    ووقع في رواية عبد الرحمن بن آدم ‏"‏ وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني وبينه نبي‏"‏، واستدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى، والجواب أن هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك فإنه صحيح بلا تردد وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة، وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى، وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من حديث ابن عباس، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في الصحابة‏.
    ( ج6/ ص 601)
    قال ابن بطال‏:‏ وإنما قبلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى فإنه لا يحتاج فيه إلى المال فإن المال في زمنه يكثر حتى لا يقبله أحد، ويحتمل أن يقال إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى عليه السلام زالت الشبهة بحصول معاينته فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم‏.
    وسبب كثرته نزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم وحينئذ تخرج الأرض كنوزها وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة‏.
    ( ج6/ ص 602)
    قال النووي‏:‏ معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد الله وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن‏)‏ قال‏:‏ وهذا المذهب أظهر لأن الأول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله‏.‏
    قال العلماء‏:‏ الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها‏.‏
    وقيل‏:‏ إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال، فيقتله، والأول أوجه‏.‏
    وروى مسلم من حديث ابن عمر في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في ‏"‏ كتاب الفتن ‏"‏ من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيهم مبهم عن أبي هريرة يقيم بها أربعين سنة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعا‏.‏
    وفي هذا الحديث ‏"‏ ينزل عيسى عليه ثوبان ممصران فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل وتلعب الصبيان بالحيات - وقال في آخره - ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ‏"‏ وروى أحمد ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ‏"‏ ليهلن ابن مريم بفج الروحاء بالحج والعمرة ‏"‏ الحديث‏.‏
    ( ج6/ ص 603)
    قال أبو الحسن الخسعي الآبدي في مناقب الشافعي‏:‏ تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك ردا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه ‏"‏ ولا مهدي إلا عيسى ‏"‏ وقال أبو ذر الهروي‏:‏ حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏"‏ وإمامكم منكم ‏"‏ يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏"‏ وإمامكم منكم ‏"‏ أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم‏.‏
    وهذا والذي قبله لا يبين كون عيسى إذا نزل يكون إماما أو مأموما، وعلى تقدير أن يكون عيسى إماما فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمة‏.‏
    (ج6/ ص 609)
    ‏بلغوا عني ولو آية‏)‏ قال المعافى النهرواني في ‏"‏ كتاب الجليس ‏"‏ له‏:‏ الآية في اللغة تطلق على ثلاثة معان‏:‏ العلامة الفاصلة، والأعجوبة الحاصلة، والبلية النازلة‏.
    ( ج6/ ص 610)
    وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الكبائر، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يميل إليه‏.‏
    وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة إن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب، واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه لا في الكذب له، وهو اعتلال باطل لأن المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء كان له أو عليه، والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب‏.‏
    ( ج6/ ص 610)
    إن المأذون فيه مقيد بغير السواد، لما أخرجه مسلم من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ غيروه وجنبوه السواد ‏"‏ ولأبي داود وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ يكون قوم في آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام لا يجدون ريح الجنة ‏"‏ وإسناده قوي، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع، ولهذا اختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم‏.‏
    وعن الحليمي أن الكراهة خاصة بالرجال دون النساء فيجوز ذلك للمرأة لأجل زوجها‏.‏
    وقال مالك‏:‏ الحناء والكتم واسع، والصبغ بغير السواد أحب إلي‏.‏
    ويستثنى من ذلك المجاهد اتفاقا‏.‏
    وليس المراد بالصبغ في هذا الحديث صبغ الثياب ولا خضب اليدين والرجلين بالحناء مثلا لأن اليهود والنصارى لا يتركون ذلك، وقد صرح الشافعية بتحريم لبس الثياب المزعفرة للرجل وبتحريم خضب الرجال أيديهم وأرجلهم إلا للتداوي،
    ( ج6/ ص 615)
    قال الكرماني ما محصله‏:‏ كان مزاج الأعمى أصح من مزاج رفيقيه، لأن البرص مرض يحصل من فساد المزاج وخلل الطبيعة وكذلك القرع، بخلاف العمى فإنه لا يستلزم ذلك بل قد يكون من أمر خارج فلهذا حسنت طباع الأعمى وساءت طباع الآخرين‏.‏
    وفيه التحذير من كفران النعم والترغيب في شكرها والاعتراف بها وحمد الله عليها، وفيه فضل الصدقة والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم وتبليغهم مآربهم، وفيه الزجر عن البخل، لأنه حمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة الله تعالى‏.‏
    ( ج6/ ص 616)
    ‏الكهف الفتح في الجبل‏)‏ هو قول الضحاك أخرجه عنه ابن أبي حاتم، واختلف في مكان الكهف فالذي تضافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم، وروى الطبري بإسناد ضعيف عن ابن عباس أنه بالقرب من أيلة، وقيل‏:‏ بالقرب من طرسوس، وقيل‏:‏ بين أيلة وفلسطين، وقيل‏:‏ بقرب زيزاء، وقيل‏:‏ بغرناطة من الأندلس‏.‏
    وفي تفسير ابن مردويه عن ابن عباس‏:‏ أصحاب الكهف أعوان المهدي وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي‏.‏
    وقد ورد في حديث آخر بسند واه أنهم يحجون مع عيسى ابن مريم‏.‏
    ( ج6/ ص 616)
    وروى ابن أبي حاتم من طريق أنس بن مالك ومن طريق سعيد بن جبير أن الرقيم اسم الكلب، وقيل‏:‏ الرقيم هو الغار كما سأبينه في حديث الغار، وقيل‏:‏ الرقيم الصخرة التي أطبقت على الوادي، قول ابن عباس إن الرقيم لوح من رصاص كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف لما توجهوا عن قومهم ولم يدروا أين توجهوا، وسأشير إليه هنا مختصرا‏.‏
    وقيل‏:‏ إن الذي كان مكتوبا في الرقيم شرعهم الذي كانوا عليه‏.‏
    وقيل‏:‏ الرقيم الدواة‏.

    ......................
    ( ج6/ ص 616)
    وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصة أصحاب الكهف مطولة غير مرفوعة، وملخص ما ذكر أن ابن عباس غزا مع معاوية الصائفة فمروا بالكهف الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية أريد أن أكشف عنهم، فمنعه ابن عباس، فصمم وبعث ناسا، فبعث الله ريحا فأخرجتهم، قال فبلغ ابن عباس فقال‏:‏ إنهم كانوا في مملكة جبار يعبد الأوثان فلما رأوا ذلك خرجوا منها فجمعهم الله على غير ميعاد، فأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، فجاء أهاليهم يطلبونهم ففقدوهم، فأخبروا الملك فأمر بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزانته، فدخل الفتية الكهف فضرب الله على آذانهم فناموا‏.‏
    فأرسل الله من يقلبهم وحول الشمس عنهم فلو طلعت عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض‏.‏
    ثم ذهب ذلك الملك وجاء آخر فكسر الأوثان وعبد الله وعدل، فبعث الله أصحاب الكهف فأرسلوا واحدا منهم يأتيهم بما يأكلون فدخل المدينة مستخفيا فرأى هيئة وناسا أنكرهم لطول المدة، فدفع درهما إلى خباز فاستنكر ضربه وهم بأن يرفعه إلى الملك، فقال أتخوفني بالملك وأبي دهقانة‏؟‏ فقال من أبوك‏؟‏ فقال‏:‏ فلان، فلم يعرفه، فاجتمع الناس فرفعوه إلى الملك فسأله فقال علي باللوح وكان قد سمع به فسمى أصحابه فعرفهم من اللوح، فكبر الناس وانطلقوا إلى الكهف وسبق الفتى لئلا يخافوا من الجيش، فلما دخل عليهم عمى الله على الملك ومن معه المكان فلم يدر أين ذهب الفتى، فاتفق رأيهم على أن يبنوا عليهم مسجدا فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون لهم‏.‏
    وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن شهر بن حوشب قال‏:‏ كان لي صاحب قوي النفس، فمر بالكف فأراد أن يدخله فنهي، فأبى فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره‏.‏
    عن ابن عباس أن اسم الملك الأول دقيانوس واسم الفتية مكسلمينا ومخشليشا وتمليخا ومرطونس وكنشطونس وبيرونس ودينموس، وفي النطق بها اختلاف كثير، ولا يقع الوثوق من ضبطها بشيء‏.‏
    وأخرج أيضا عن مجاهد أن اسم كلبهم قطميروا، وعن الحسن قطمير، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏
    وأما لونه فقال مجاهد كان أصفر وقيل غير ذلك‏.‏
    وعن مجاهد أن دراهمهم كانت كخفاف الإبل وأن تمليخا هو الذي كان رسولهم لشراء الطعام‏.‏
    وقد ساق ابن إسحاق قصتهم في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ مطولة، وأفاد أن اسم الملك الصالح الذي عاشوا في زمنه بتدرسيس وروى الطبري من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير أن الكلب الذي كان معهم كان كلب صيد، وعن وهب بن منبه أنه كان كلب حرث، وعن مقاتل كان الكلب لكبيرهم وكان كلب غنم، وقيل‏:‏ كان إنسانا طباخا تبعهم وليس بكلب حقيقة، والأول المعتمد‏.‏
    ( ج6/ ص 623)
    قال السبكي الكبير‏:‏ ظهر لي أن الضرورة قد تلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا وأن هذا منه، ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلتة لقول كل منهم ‏"‏ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ‏"‏ فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص بل أحال أمره إلى الله، فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه مع كونه أحسن أعمالهم فغيره أولى، فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه ويسيء الظن بها ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه فيفوض أمره إلى الله ويعلق الدعاء على علم الله به، فحينئذ يكون إذا دعا راجيا للإجابة خائفا من الرد فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه ولو في عمل واحد فليقف عند حده ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص، قال وإنما قالوا‏:‏ ‏"‏ ادعوا الله بصالح أعمالكم ‏"‏ في أول الأمر ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك ولا قال واحد منهم أدعوك بعملي، وإنما قال‏:‏ ‏"‏ إن كنت تعلم، ثم ذكر عمله انتهى ملخص
    ( ج6/ ص 625)
    خرجه الطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة وعن النعمان بن بشير من ثلاثة أوجه حسان أحدها عند أحمد والبزار وكلها عند الطبراني، وعن علي وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبي أوفى بأسانيد ضعيفة، وقد استوعب طرقه أبو عوانة في صحيحه والطبراني في الدعاء، واتفقت الروايات كلها على أن القصص الثلاثة في الأجير والمرأة والأبوين إلا حديث عقبة بن عامر ففيه بدل الأجير أن الثالث قال‏:‏ ‏"‏ كنت في غنم أرعاها فحضرت الصلاة فقمت أصلي فجاء الذئب فدخل الغنم فكرهت أن أقطع صلاتي فصبرت حتى فرغت ‏"‏ فلو كان إسناده قويا لحمل على تعدد القصة، ووقع في رواية الباب من طريق عبيد الله العمري عن نافع تقديم الأجير ثم الأبوين ثم المرأة، وخالفه موسى بن عقبة من الوجهين فقدم الأبوين ثم المرأة ثم الأجير، ووافقته رواية سالم، وفي حديث أبي هريرة المرأة ثم الأبوين ثم الأجير، وفي حديث أنس الأبوين ثم الأجير ثم المرأة، وفي حديث النعمان الأجير ثم المرأة ثم الأبوين، وفي حديث علي وابن أبي أوفى معا المرأة ثم الأجير ثم الأبوين وفي اختلافهم دلالة على أن الرواية بالمعنى عندهم سائغة شائعة، وأن لا أثر للتقديم والتأخير في مثل ذلك، وأرجحها في نظري رواية موسى بن عقبة لموافقة سالم لها فهي أصح طرق هذا الحديث وهذا من حيث الإسناد، وأما من حيث المعنى فينظر أي الثلاثة كان أنفع لأصحابه، والذي يظهر أنه الثالث لأنه هو الذي أمكنهم أن يخرجوا بدعائه، وإلا فالأول أفاد إخراجهم من الظلمة، والثاني أفاد الزيادة في ذلك وإمكان التوسل إلى الخروج بأن يمر مثلا هناك من يعالج لهم، والثالث هو الذي تهيأ لهم الخروج بسببه فهو أنفعهم لهم فينبغي أن يكون عمل الثالث أكثر فضلا من عمل الأخيرين‏.‏
    ويظهر ذلك من الأعمال الثلاثة‏:‏ فصاحب الأبوين فضيلته مقصورة على نفسه لأنه أفاد أنه كان بارا بأبويه، وصاحب الأجير نفعه متعد وأفاد بأنه كان عظيم الأمانة، وصاحب المرأة أفضلهم لأنه أفاد أنه كان في قلبه خشية ربه، قد شهد الله لمن كان كذلك بأن له الجنة حيث قال‏:‏ ‏(‏وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى‏)
    ( ج6/ ص 632)
    وقعت لي تسمية القريتين المذكورتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا في ‏"‏ المعجم الكبير للطبراني ‏"‏ قال فيه إن اسم الصالحة نصرة واسم القرية الأخرى كفرة‏

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    تم ختم وتلخيص كتاب " أحاديث الانبياء " من فتح الباري للحافظ ابن حجر
    الموافق ربيع الثاني / 1441 هجري
    الموافق 14/ ديسمبر / 2019 ميلادي
    ويليه كتاب " المناقب " .

  14. #174
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,065

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب المناقب "
    من فتح الباري " للحافظ اين حجر العسقلاني رحمه الله :
    الموافق 18/ ربيع الثاني / 1441 ه

    ( ج6/ ص 645)
    ‏وذكر ابن حزم في مقدمة ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ له فصلا في الرد على من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر بأن في علم النسب ما هو فرض على كل أحد، وما هو فرض على الكفاية، وما هو مستحب‏.‏
    قال‏:‏ فمن ذلك أن يعلم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابن عبد الله الهاشمي، فمن زعم أنه لم يكن هاشميا فهو كافر، وأن يعلم أن الخليفة من قريش، وأن يعرف من يلقاه بنسب في رحم محرمة ليجتنب تزويج ما يحرم عليه منهم، وأن يعرف من يتصل به ممن يرثه أو يجب عليه بره من صلة أو نفقة أو معاونة وأن يعرف أمهات المؤمنين وأن نكاحهن حرام على المؤمنين، وأن يعرف الصحابة وأن حبهم مطلوب، وأن يعرف الأنصار ليحسن إليهم لثبوت الوصية بذلك ولأن حبهم إيمان وبغضهم نفاق، قال‏:‏ ومن الفقهاء من يفرق في الجزية وفي الاسترقاق بين العرب والعجم فحاجته إلى علم النسب آكد، وكذا من يفرق بين نصارى بني تغلب وغيرهم في الجزية وتضعيف الصدقة‏.‏
    قال ابن عبد البر في أول كتابه النسب‏:‏ ولعمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر انتهى‏.‏
    وهذا الكلام قد روي مرفوعا ولا يثبت، وروي عن عمر أيضا ولا يثبت بل ورد في المرفوع حديث ‏"‏ تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ‏"‏ وله طرق أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة، وجاء هذا أيضا عن عمر ساقه ابن حزم بإسناد رجاله موثوقون إلا أن فيه انقطاعا، والذي يظهر حمل ما ورد من ذمه على التعمق فيه حتى يشتغل عما هو أهم منه، وحمل ما ورد في استحسانه على ما تقدم من الوجوه التي أوردها ابن حزم، ولا يخفى أن بعض ذلك لا يختص بعلم النسب والله المستعان‏.
    ( ج6/ ص 646)
    وقد قسمها الزبير بن بكار في ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ إلى شعب ثم قبيلة ثم عمارة بكسر العين ثم بطن ثم فخذ ثم فصيلة، وزاد غيره قبل الشعب الجذم وبعد الفصيلة العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة ثم العترة، فمثال الجذم عدنان ومثال الشعب مضر ومثال القبيلة كنانة ومثال العمارة قريش وأمثلة ما دون ذلك لا تخفى‏.
    ‏ورتبها محمد بن أسعد النسابة المعروف بالحراني جميعها وأردفها فقال‏:‏ جذم ثم جمهور لم شعب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ ثم عشيرة ثم فصيلة ثم رهط ثم أسرة ثم عترة ثم ذرية‏.‏
    وزاد غيره في أثنائها ثلاثة وهي بيت وحي وجماع فزادت على ما ذكر الزبير عشرة‏.‏
    وقال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ القبائل للعرب كالأسباط لبني إسرائيل، ومعنى القبيلة الجماعة، ويقال لكل ما جمع على شيء واحد قبيلة أخذا من قبائل الشجرة وهو غصونها أو من قبائل الرأس وهو أعضاؤه، سميت بذلك لاجتماعها‏.‏
    ويقال‏:‏ المراد بالشعوب في الآية بطون العجم وبالقبائل بطون العرب‏.‏
    ( ج6/ ص 647)
    ‏مضر‏)‏ هو ابن نزار بن معد بن عدنان والنسب ما بين عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم موقال ابن سعد في ‏"‏ الطبقات ‏"‏ حدثنا هشام بن الكلبي قال ‏"‏ علمني أبي وأنا غلام نسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو شيبة الحمد ابن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وإليه جماع قريش، وما كان فوق فهر فليس بقرشي بل هو كناني، ابن مالك بن النضر واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عمرو بن إلياس بن مضر‏.‏
    وروى الطبراني بإسناد جيد عن عائشة قالت ‏"‏ استقام نسب الناس إلى معد بن عدنان ‏"‏ ومضر بضم الميم وفتح المعجمة يقال سمي بذلك لأنه كان مولعا بشرب اللبن الماضر وهو الحامض، وفيه نظر لأنه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة، نعم ممكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متصفا به حالة التسمية، وهو أول من حدا الإبل‏.
    ختلف فيه كما سيأتي، وأما من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان فمتفق عليه‏.
    ‏وإلى النضر تنتهي أنساب قريش
    وقد روى مسلم من حديث واثلة مرفوعا ‏"‏ إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم
    ( ج6/ ص 647)
    قوله ‏"‏ حتى يقع فيه ‏"‏ فاختلف في مفهومه فقيل‏:‏ معناه أن من لم يكن حريصا على الأمرة غير راغب فيها إذا حصلت له بغير سؤال تزول عنه الكراهة فيها لما يرى من إعانة الله له عليها، فيأمن على دينه ممن كان يخاف عليه منها قبل أن يقع فيها، ومن ثم أحب من أحب استمرار الولاية من السلف الصالح حتى قاتل عليها، وصرح بعض من عزل منهم بأنه لم تسره الولاية بل ساءه العزل‏.‏
    وقيل المراد بقوله ‏"‏ حتى يقع فيه ‏"‏ أي فإذا وقع فيه لا يجوز له أن يكرهه، وقيل معناه أن العادة جرت بذلك وأن من حرص على الشيء ورغب في طلبه قل أن يحصل له، ومن أعرض عن الشيء وقلت رغبته فيه يحصل له غالبا والله أعلم‏.
    ( ج6/ ص 649)
    ‏قوله‏:‏ ‏(‏الناس تبع لقريش‏)‏ بمعنى الأمر، ويدل عليه قوله في رواية أخرى ‏"‏ قدموا قريشا ولا تقدموها ‏"‏ أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، لكنه ‏"‏ مرسل وله شواهد، وقيل هو خبر على ظاهره، والمراد بالناس بعض الناس وهم سائر العرب من غير قريش، وقد جمعت في ذلك تأليفا سميته ‏"‏ لذة العيش، بطرق الأئمة من قريش ‏"‏ وسأذكر مقاصده في كتاب الأحكام مع إيضاح هذه المسألة‏.
    ‏قال عياض‏:‏ استدل الشافعية بهذا الحديث على إمامة الشافعي وتقديمه على غيره، ولا حجة فيه لأن المراد به هنا الخلفاء‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ صحبت المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد‏.‏
    وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب التقدم الورع مثلا، فالمستويان في خصال الفضل إذا تميز أحدهما بالورع مثلا كان مقدما على رفيقه، فكذلك القرشية، فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعي ومزيته على من ساواه في العلم والدين لمشاركته له في الصفتين وتميز عليه بالقرشية، وهذا واضح، ولعل الغفلة والعصبية صحبت القرطبي فلله الأمر‏.
    ( ج6/ ص 649)
    ‏بن عباس‏:‏ إنه لم يكن بطن من بطون قريش إلا للنبي صلى الله عليه وسلم فيه قرابة فنزلت ‏(‏قل لا أسألكم عليه أجرا‏)‏ إلا أن تصلوا قرابتي منكم ‏"‏ وله من طريق يزيد بن زريع عن شعبة مثله لكن قال‏:‏ إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة فعرف بهذا أن المراد ذكر بعض الآية بالمعنى على جهة التفسير،
    ( ج6/ ص 650)
    قال الكرماني‏:‏ مناسبة هذا الحديث والذي بعده للترجمة من ضرورة أن الناس باعتبار الصفات كالقبائل، وكون الأتقى منهم هو الأكرم انتهى‏.‏
    ولقد أبعد النجعة، والذي يظهر أنها من جهة ذكر ربيعة ومضر، لأن معظم العرب يرجع نسبه إلى هذين الأصلين وهم كانوا أجل أهل المشرق، وقريش الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم أحد فروع مضر..
    ( ج6/ ص 651)
    إيمان يمان والحكمة يمانية، ورأس الكفر قبل المشرق ‏"‏ ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمل أهل اليمن على حقيقته‏.‏
    ثم المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لأكل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه‏.‏
    قال‏:‏ والمراد بالفقه الفهم في الدين، والمراد بالحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله انتهى‏.‏
    وقد أبعد الحكيم الترمذي حيث زعم أن المراد بذلك شخص خاص وهو أويس القرني،
    ( ج6/ ص 652)
    وروى عن قطرب قال‏:‏ إنما سمي اليمن يمنا ليمنه والشام شأما لشؤمه‏.‏
    وقال الهمداني في ‏"‏ الأنساب ‏"‏‏:‏ لما ظعنت العرب العاربة أقبل بنو قطن بن عامر فتيامنوا، فقالت العرب‏:‏ تيامنت بنو قطن فسموا اليمن، وتشاءم الآخرون فسموا شاما‏.‏
    وقيل إن الناس لما تفرقت ألسنتهم حين تبلبلت ببابل أخذ بعضهم عن يمين الكعبة فسموا يمنا وأخذ بعضهم عن شمالها فسموا شاما، وقيل إنما سميت اليمن بيمن بن قحطان وسميت الشام بسام بن نوح، وأصله شام بالمعجمة ثم عرب بالمهملة‏.‏
    ( ج6/ ص 653)
    وقيل‏:‏ إن قريشا هما ولد فهر بن مالك بن النضر، وهذا قول الأكثر وبه جزم مصعب قال‏:‏ ومن لم يلده فهر فليس قرشيا، وقد قدمت مثله عن ابن الكلبي‏.‏
    وقيل‏:‏ أول من نسب إلى قريش قصي بن كلاب، فروى ابن سعد أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير‏:‏ متى سميت قريش قريشا‏؟‏ قال‏:‏ حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها‏.‏
    فقال‏:‏ ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي، ولم يسم أحد قريشا قبله‏.‏
    وقد أكثر ابن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشا ومن أول من تسمى به‏.‏
    وحكى الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن أول من تسمى قريشا قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني كنانة في حروبهم، فكان يقال قدمت عير قريش، فسميت قريش به قريشا، وأبوه صاحب بدر الموضع الموضع‏.‏
    وقال المطرزي‏:‏ سميت قريش بدابة في البحر هي سيدة الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس، قال الشاعر‏:‏ وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا وقال صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ قريش دابة في البحر لا تدع دابة في البحر إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها‏.‏
    وقد أخرج البيهقي من طريق ابن عباس قال‏:‏ قريش تصغير قرش وهي دابة في البحر لا تمر بشيء من غث ولا سمين إلا أكلته، وقيل‏:‏ سمي قريشا لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم ويسدها، والتقريش هو التفتيش، وقيل‏:‏ سموا بذلك لمعرفتهم بالطعان، والتقريش وقع الأسنة، وقيل‏:‏ التقرش التنزه عن رذائل الأمور، وقيل‏:‏ هو من أقرشت الشجة إذا صدعت العظم ولم تهشمه، وقيل‏:‏ أقرش بكذا إذا سعى فيه فوقع له، وقيل غير ذلك‏.‏
    فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار دون أكثرها
    ( ج6/ ص 655)
    والمشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسب إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام بن الكلبي، أن اسم زهرة المغيرة، فإن ثبت قول ابن قتيبة فالمغيرة اسم الأب وزهرة اسم امرأته فنسب أولادهما إلى أمهم ثم غلب ذلك حتى ظن أن زهرة اسم الأب فقيل زهرة بن كلاب، وزهرة بضم الزاي بلا خلاف‏.‏
    ( ج6/ ص 658)
    ونسبة مضر وربيعة إلى إسماعيل متفق عليها، وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان، واختلف في نسبه فالأكثر أنه ابن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل هو من ولد هود عليه السلام، وقيل ابن أخيه‏.‏
    ويقال إن قحطان أول من تكلم بالعربية وهو والد العرب المتعربة، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد وثمود وطسم وجديس وعمليق وغيرهم‏.‏
    وقيل‏:‏ إن قحطان أول من قيل له أبيت اللعن وعم صباحا، وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل عليه السلام، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في قصة هاجر حيث قال وهو يخاطب الأنصار ‏"‏ فتلك أمكم يا بني ماء السماء ‏"‏ هذا هو الذي يترجح في نقدي، وذلك أن عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين قحطان متقارب من عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو كان قحطان هو هودا أو ابن أخيه أو قريبا من عصره لكان في عداد عاشر جد لعدنان على المشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة، وأما على القول بأن بين عدنان وإسماعيل نحو أربعين أبا فذاك أبعد، وهو قول غريب عند الأكثر، مع أنه حكاه كثيرون وهو أرجح عند من يقول إن معد بن عدنان كان في عصر بختنصر،
    وقد وقع في ذلك اضطراب شديد واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل، وقد جمعت مما وقع
    لي من ذلك أكثر من عشرة أقوال، فقرأت في كتاب النسب لأبي رؤبة على محمد بن نصر ‏"‏ فذكر فيه فصلا في نسب عدنان فقال‏:‏ قالت طائفة هو ابن أد بن أدد بن زيد بن معد بن مقدم بن هميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل‏.‏
    وقالت طائفة‏:‏ ابن أدد بن هميسع بن نبت بن سلامان بن حمل بن نبت بن قيدار‏.‏
    ( ج6/ ص 659)
    *يكون معد بن عدنان كما قال بعضهم في عهد موسى عليه السلام لا في عهد عيسى عليه السلام، وهذا أولى لأن عدد الآباء بين نبينا وبين عدنان نحو العشرين، فيبعد مع كون المدة التي بين نبينا وبين عيسى عليه السلام كانت ستمائة سنة
    ( ج6/ ص 661)
    وأما المنام فإنه لما كان جزءا من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه، أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيرى النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ينسب إليه شرعا لم يقله، والشرع غالبا إنما تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم على لسان الملك فيكون الكاذب في ذلك كاذبا على الله وعلى الملك‏.
    ( ج6/ 662)
    (‏لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان‏)‏ لم أقف على اسمه ولكن جوز القرطبي أن يكون جهجاه الذي وقع ذكره في مسلم من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له جهجاه ‏"‏ أخرجه عقب حديث القحطاني‏.
    ‏قد روى نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطأة بن المنذر - أحد التابعين من أهل الشام - أن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرة المهدي‏.‏
    في رواية أرطاة بن المنذر ‏"‏ أن القحطاني يعيش في الملك عشرين سنة ‏"‏ واستشكل ذلك كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه والأمر إنما هو لعيسى‏؟‏ ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائبا عنه في أمور مهمة
    ( ج6/ ص 669)
    قال ابن الكلبي، ‏:‏ لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام به منهم فهو غساني، وانخزعت منهم عمرو بن لحي عن قومهم فنزلوا مكة وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد
    ( ج6/ ص 670)
    سم امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها، والخندفة الهرولة، واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزنا شديدا بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول من هؤلاء‏؟‏ فيقال بنو خندف‏.‏
    ( ج6/ ص 671)
    وأورده ابن إسحاق في ‏"‏ السيرة الكبرى ‏"‏ عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح أتم من هذا ولفظه ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون‏:‏ رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ‏"‏ ووقع لنا بعلو في ‏"‏ المعرفة ‏"‏ وعند ابن مردويه من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه نحوه، وللحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، لكنه قال‏:‏ ‏"‏ عمرو بن قمعة ‏"‏ فنسبه إلى جده، وروى الطبراني من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف أبو خزاعة
    وذكر محمد بن حبيب عن ابن الكلبي أن سبب ذلك أن عمرو بن لحي كان له تابع من الجن يقال له أبو ثمامة فأتاه ليلة فقال‏:‏ أجب أبا ثمامة، فقال‏:‏ لبيك من تهامة، فقال‏:‏ أدخل بلا ملامة، فقال‏:‏ أيت سيف جدة، تجد آلهة معدة، فخذها ولا تهب، وادع إلى عبادتها تجب‏.‏
    قال فتوجه إلى جدة فوجد الأصنام التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس، وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فحملها إلى مكة ودعا إلى عبادتها فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب،
    ( ج6/ ص 676)
    والحبش هم الحبشة يقال إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح، وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها، وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل، وقد ذكر ابن إسحاق قصته مطولة، وأخرجها الحاكم ثم البيهقي من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ملخصة
    ( ج6/ ص 676)
    استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص سماع آلات الملاهي، وطعن فيه الجمهور باختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب فلا يحتج به للرقص في اللهو، والله أعلم‏.‏
    ( ج6/ ص 677)
    وروى أحمد من حديث كعب بن مالك قال‏:‏ ‏"‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اهجوا المشركين بالشعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل ‏"‏ وروى أحمد والبزار من حديث عمار بن ياسر قال‏:‏ ‏"‏ لما هجانا المشركون قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قولوا لهم كما يقولون لكم‏"‏‏.‏
    ( ج6/ 679)
    قال عياض‏:‏ حمى الله هذه الأسماء أن يسمى بها أحد قبله، وإنما تسمى بعض العرب محمدا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمدا فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك، قال‏:‏ وهم ستة لا سابع لهم، كذا قال‏.‏
    وقال السهيلي في ‏"‏ الروض ‏"‏ لا يعرف في العرب من تسمى محمدا قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة‏:‏ محمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح، ومحمد بن حمران بن ربيعة‏.‏
    وسبق السهيلي‏.‏
    إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في كتاب ‏"‏ ليس ‏"‏ وهو حصر مردود، وقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرر في بعضهم ووهم في بعض، فيتلخص منهم خمسة عشر نفسا، وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي، روى حديثه البغوي وابن سعد وابن شاهين وابن السكن وغيرهم
    ( ج6/ ص 682)
    قال ابن دحية في تصنيف له مفرد في الأسماء النبوية‏:‏ قال بعضهم أسماء النبي صلى الله عليه وسلم عدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسما، قال‏:‏ ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم، وذكر في تصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار وضبط ألفاظها وشرح معانيها واستطرد كعادته إلى فوائد كثيرة، وغالب الأسماء التي ذكرها وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، مثل عده اللبنة بفتح اللام وكسر الموحدة ثم النون في أسمائه للحديث المذكور في الباب بعده في القصر الذي من ذهب وفضة إلا موضع لبنة قال‏:‏ ‏"‏ فكنت أنا اللبنة
    ( ج6/ ص 682)
    نقل ابن العربي في شرح الترمذي عن بعض الصوفية أن لله ألف اسم ولرسوله ألف اسم، وقيل‏:‏ الحكمة في الاقتصار على الخمسة المذكورة في هذا الحديث أنها أشهر من غيرها موجودة في الكتب القديمة وبين الأمم السالفة‏.‏
    ( ج6/ ص 682)
    استنبط منه النسائي أن من تكلم بكلام مناف لمعنى الطلاق ومطلق الفرقة وقصد به الطلاق لا يقع، كمن قال لزوجته كلي وقصد الطلاق فإنها لا تطلق، لأن الأكل لا يصلح أن يفسر به الطلاق بوجه من الوجوه، كما أن مذمما لا يمكن أن يفسر به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بوجه من الوجوه‏.
    ( ج6/ ص 685)
    قد اشتهرت الكنى للعرب حتى ربما غلبت علي الأسماء كأبي طالب وأبي لهب وغيرهما، وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر، وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعا، فالاسم والكنية واللقب يجمعها العلم بفتحتين، وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم، والكنية ما صدرت باب أو أم، وما عدا ذلك فهو اسم‏.‏
    كان النبي صلى الله عليه وسلم يكنى أبا القاسم بولده القاسم وكان أكبر أولاده، واختلف هل مات قبل البعثة أو بعدها، وقد ولد له إبراهيم في المدينة من مارية
    وقد اختلف في جواز التكني بكنيته صلى الله عليه وسلم فالمشهور عن الشافعي المنع على ظاهر هذه الأحاديث، وقيل‏:‏ يختص ذلك بزمانه، وقيل بمن تسمى باسمه،