[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 9
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 9 من 9 الأولىالأولى 123456789
النتائج 161 إلى 164 من 164
17اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #161
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    7,726

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    أولا :
    كتاب الحرث والمزراعة
    ( ج5/ ص 5)
    قال ابن المنير‏:‏ أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده‏.
    حديث ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ‏"‏ الحديث، قال القرطبي‏:‏ يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها‏.‏
    ( ج5/ ص 6)
    ال الطيبي‏:‏ نكر مسلما وأوقعه في سياق النفي وزاد من الاستغراقية وعم الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرا أو عبدا مطيعا أو عاصيا يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله أي حيوان كان يرجع نفعه إليه ويثاب عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 7)
    فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا‏:‏ لا يقل أحدكم زرعت، ولكن ليقل حرثت، ألم تسمع لقول الله تعالى‏:‏ ‏(‏أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون‏)‏ ورجاله ثقات، إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي قال فيه ابن حبان ربما أخطأ‏.‏
    ( ج5/ ص 7)
    قال ابن التين‏:‏ هذا من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث‏.‏
    ( ج5/ ص 8)
    قال ابن المنير‏:‏ أراد البخاري إباحة الحرث بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحا‏.‏
    ( ج5/ ص 9)
    ورواه أحمد ومسلم من طريق الزهري عن أبي سلمة بلفظ ‏"‏ من ‏"‏ اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية ‏"‏ وأخرجه مسلم والنسائي من وجه آخر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان ‏"‏ فأما زيادة الزرع فقد أنكرها ابن عمر، ففي مسلم من طريق عمرو بن دينار عنه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم ‏"‏ فقيل لابن عمر‏:‏ إن أبا هريرة يقول ‏"‏ أو كلب زرع ‏"‏ فقال ابن عمر‏:‏ إن لأبي هريرة ‏"‏ زرعا ‏"‏ ويقال أن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه
    قد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي زهير كما تراه في هذا الباب، وعبد الله بن مغفل وهو عند مسلم في حديث أوله ‏"‏ أمر بقتل الكلاب ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 10)
    طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم بلفظ ‏"‏ أيما أهل دار ربطوا كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية نقص من أجرهم كل يوم قيراطان ‏"‏ قال ابن عبد البر‏:‏ في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية، وكذلك الزرع لأنها زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا، فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه‏.‏
    ( ج5/ ص 11)
    ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه فقال المنصور‏:‏ لأنه ينبح الضيف، ويروع السائل ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 11)
    والمراد بالنقص أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان، وقيل سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملا، فإذا اقتناه نقصن من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى وإنما أراد أنه ليس عمله في الكمال عمل من لم يتخذه ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 10)
    فقد حكى الروياني في ‏"‏ البحر ‏"‏ اختلافا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل، وفي محصل نقصان القيراطين فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر، وفي سبب النقصان يعني كما تقدم، واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط فقيل‏:‏ الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين في التأكيد في التنفير من ذلك فسمعه الراوي الثاني‏.‏
    وقيل ينزل على حالين‏:‏ فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته‏.‏
    وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها، وقيل يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته‏.‏
    وكذا من قال يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب‏:‏ ففيما لابسه آدمي قيراطان وفيما دونه قيراط‏.‏
    وجوز ابن عبد البر أن يكون القيراط الذي ينقص أجر إحسانه إليه لأنه من جملة ذوات الأكباد الرطبة أو الحرى، ولا يخفى بعده‏.‏
    ( ج5/ ص 13)
    قطع الشجر والنخل‏)‏ أي للحاجة والمصلحة إ ذا تعينت طريقا في نكاية العدو ونحو ذلك‏.‏
    وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور‏.‏
    ( ج5/ ص 13)
    وقال ابن المنير‏:‏ الذي يظهر أن غرضه الإشارة به إلى أن القطع الجائز هو المسيب للمصلحة كنكاية الكفار أو الانتفاع بالخشب أو نحوه، والمنكر هو الذي عن العبث والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع بن خديج أن الشارع نهى عن المخاطرة في كراء الأرض إبقاء على منفعتها من الضياع مجانا في عواقب المخاطرة، فإذا كان ينهى عن تضييح منفعتها وهي غير محققة ولا مشخصة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عبثا أجدر وأولى‏.‏
    ( ج5/ ص 18)
    اراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعية، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى‏:‏ فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل‏.‏
    وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي‏.‏
    وقال ابن سريج بجواز المزارعة وسكت عن المخابرة، وعكسه الجوري من الشافعية، وهو المشهور عن أحمد‏.‏
    وقال الباقون لا يجوز واحد منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة
    ( ج5/ ص 19)
    في الحديث :‏ ‏(‏لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه‏)‏ ‏.‏
    أما المخابرة فتقدم تفسيرها قبل بباب، وإدخال البخاري هذا الحديث في هذا الباب مشعر بأنه ممن يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى، قد رواه الترمذي من وجه آخر عن عمرو بن دينار بلفظ ‏"‏ لو تركت المزارعة ‏"‏ ويقوي ذلك قول ابن الأعرابي اللغوي‏:‏ أن أصل المخابرة معاملة أهل خيبر، فاستعمل ذلك حتى صار إذا قيل خابرهم عرف أنه عاملهم نظير معاملة أهل خيبر‏.‏
    ( ج5/ ص 23)*
    قال ابن التين‏:‏ تأول عمر قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏والذين جاؤوا من بعدهم‏)‏ فرأى أن للآخرين أسوة بالأولين فخشي لو قسم ما يفتح أن تكمل الفتوح فلا يبقى لمن يجيء بعد ذلك حظ في الخراج، فرأى أن توقف الأرض المفتوحة عنوة ويضرب عليها خراجا يدوم نفعه للمسلمين‏.‏
    ( ج5/ ص24)
    إحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم مالك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن للإمام مطلقا، وعن مالك فيما قرب، وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن من أخذه أو صاده يملكه سواء قرب أم بعد، سواء أذن الإمام أو لم يأذن‏.‏
    ( ج5/ ص 25)
    استنبط ابن حبان من هذه الزيادة التي في حديث جابر وهي قوله‏:‏ ‏"‏ فله فيها أجر ‏"‏ أن الذمي لا يملك الموات بالإحياء، واحتج بأن الكافر لا أجر له، وتعقبه المحب الطبري بأن الكافر إذا تصدق يثاب عليه في الدنيا كما ورد به الحديث، فيحمل الأجر في حقه على ثواب الدنيا وفي حق المسلم على ما هو أعم من ذلك، وما قاله محتمل إلا أن الذي قاله ابن حبان أسعد بظاهر الحديث، ولا يتبادر إلى الفهم من إطلاق الأجر إلا الأخروي‏.‏
    ( ج5/ ص 26)
    ولد عروة في آخر خلافة عمر قاله خليفة، وهو قضية قول ابن أبي خيثمة أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة لأن الجمل كان سنة ست وثلاثين وقتل عمر كان سنة ثلاث وعشرين‏.‏
    وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ رددت يوم الجمل، استصغرت‏"‏‏.
    ( ج5/ ص 27)
    المعرس بمهملات وفتح الراء موضع التعريس، وهو نزول آخر الليل للراحة‏.
    ( ج5/ ص 28)
    أرض الحجاز هي ما يفصل بين نجد وتهامة، قال الواقدي‏:‏ ما بين وجرة وغمس الطائف نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر تهامة‏.‏
    ووقع هنا للكرماني تفسير الحجاز بما فسروا به جزيرة العرب الآتي في ‏"‏ باب هل يستشفع بأهل الذمة ‏"‏ في كتاب الجهاد وهو خطأ‏.‏
    ( ج5/ ص 28)
    تيماء بفتح المثناة وسكون التحتانية والمد، وأريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة وبالمد أيضا، هما موضعان مشهوران بقرب بلاد طيئ على البحر في أول طريق الشام من المدينة، وقد ذكر البلاذري في ‏"‏ الفتوح ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غلب على وادي القرى بلغ ذلك أهل تيماء فصالحوه على الجزية وأقرهم ببلدهم‏.‏
    ( ج5/ ص 29)
    لم يذكر ابن عمر خلافة علي لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح الأخبار، وكان رأي أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع أيضا لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ولعل في تلك المدة - أعني مدة خلافة علي - لم يؤاجر أرضه فلم يذكرها لذلك، وزاد مسلم في روايته‏:‏ حتى إذا كان في آخر خلافة معاوية وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستين من الهجرة‏.
    ( ج5/ ص 30)
    النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلوما، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة‏.‏
    بالغ ربيعة فقال‏:‏ لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا‏:‏ لا يجوز كراء الأرض مطلقا، وذهب إليه ابن حزم وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ ‏"‏ كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال‏:‏ أكروا بالذهب والفضة ‏"‏ ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد‏.‏
    وأما ما رواه الترمذي من طريق مجاهد عن رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم فقد أعله النسائي بأن مجاهدا لم يسمعه من رافع‏.‏
    ( ج5/ ص 33)
    ما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال‏:‏ ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة وقال‏:‏ إنما يزرع ثلاثة‏:‏ رجل له أرض، ورجل منح أرضا، ورجل اكترى أرضا بذهب أو فضة ‏"‏ لكن بين النسائي من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة وأن بقيته مدرج من كلام سعيد بن المسيب، وقد رواه مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ والشافعي عنه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب‏.‏
    ( ج5/ ص 34)
    ما عليه الجمهور من حمل النهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة لا عن كرائها مطلقا حتى بالذهب والفضة‏.‏
    ( ج5/ ص 34)
    ال ابن المنير‏:‏ وجهه أنه نبه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب، لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت

    " كتاب المساقاة "
    ( ج5/ ص 37)
    قال ابن بطال معنى قوله‏:‏ ‏(‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏)‏ أراد الحيوان الذي يعيش بالماء، وقيل أراد بالماء النطفة، ومن قرأ‏:‏ ‏"‏ وجعلنا من الماء كل شيء حيا ‏"‏ دخل فيه الجماد أيضا لأن حياتها هو خضرتها وهي لا تكون إلا بالماء‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا المعنى أيضا يخرج هن القراءة المشهورة، ويخرج من تفسير قتادة حيث قال‏:‏ ‏"‏ كل شيء حي فمن الماء خلق ‏"‏ أخرجه الطبري عنه‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن المراد بالماء النطفة، وروى أحمد من طريق أبي ميمونة عن أبي هريرة ‏"‏ قلت يا رسول الله أخبرني عن كل شيء، قال‏:‏ كل شيء خلق من الماء ‏"‏ إسناده صحيح‏.
    ( ج5/ ص 40 )
    قوله في حديث أنس ‏(‏فقال عمر أعط أبا بكر‏)‏ كذا لجميع أصحاب الزهري، وشذ معمر فيما رواه وهيب عنه فقال‏:‏ ‏"‏ عبد الرحمن بن عوف ‏"‏ بدل عمر أخرجه الإسماعيلي، والأول هو الصحيح، ومعمر لما حدث بالبصرة حدث من حفظه فوهم في أشياء فكان هذا منها، ويحتمل أن يكون محفوظا بأن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك لتوفير دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر‏.‏
    ( ج5/ ص 40)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروى، قلت وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، وكأن الذين ذهبوا إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 41)
    ولأحمد من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة‏:‏ ‏"‏ لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغني عنه ‏"‏ وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم وحرملة أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التملك فإن الحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، ورخص المالكية هذا الحكم بالموات‏.‏
    ( ج5/ ص 41)
    جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية من الماء ولم يقل أحد إنه يجب على صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره مع قدرة المالك‏.‏
    والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور،
    ( ج5/ ص 42)
    وفرق الشافعي - فيما حكاه المزني عنه - بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي وغيره، واستدل لمالك بحديث جابر عند مسلم ‏"‏ نهى عن بيع فضل الماء ‏"‏ لكنه مطلق فيحمل على المقيد في حديث أبي هريرة، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلأ يرعى فلا مانع من المنع لانتفاء العلة، قال الخطابي‏:‏ والنهي عند الجمهور للتنزيه فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الحديث أيضا وجوب بذله مجانا وبه قال الجمهور، وقيل‏:‏ لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في إطعام المضطر، وتعقب بأنه يلزم منه جواز المنع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورد بمنع الملازمة فيجوز أن يقال يجب عليه البذل وتترتب له القيمة في ذمة المبذول له حتى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم في رواية لمسلم من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ‏"‏ لا يباع فضل الماء ‏"‏ فلو وجب له العوض لجاز له البيع والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ 42)
    وروى ابن ماجة من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ ثلاثة لا يمنعن‏:‏ الماء والكلأ والنار ‏"‏ وإسناده صحيح، قال الخطابي‏:‏ معناه الكلأ ينبت في موات الأرض، والماء الذي يجري في المواضع التي لا تختص بأحد، قيل والمراد بالنار الحجارة التي توري النار‏.‏
    ( ج5/ ص 45)
    في الحديث " إن رجلا من الانصار قد شهد بدرا : ليس في البدر بين من الأنصار من اسمه حميد، وحكى ابن بشكوال في مبهماته عن شيخه أبي الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس
    لت‏:‏ وليس ثابت بدريا، وحكى الواحدي أنه ثعلبة من حاطب الأنصاري الذي نزل فيه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ومنهم من عاهد الله‏)‏ ولم يذكر مستنده وليس بدريا أيضا، نعم ذكر ابن إسحاق في البدريين ثعلبة بن حاطب وهو من بني أمية بن زيد وهو عندي غير الذي قبله
    ( ج5/ ص 46)
    ا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم‏)‏ الآية قال‏:‏ نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء ‏"‏ الحديث وإسناده قوي مع إرساله‏.‏
    ( ج5/ ص 46)
    ذكر الثعلبي بغير سند أن الزبير وحاطبا لما خرجا مرا بالمقداد قال‏:‏ لمن كان القضاء‏؟‏ فقال حاطب‏:‏ قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودي فقال‏:‏ قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه، وفي صحة هذا نظر، ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ 47)
    ول الداودي وأبى إسحاق الزجاج وغيرهما أن خصم الزبير كان منافقا فقد وجهه القرطبي بأن قول من قال إنه كان من الأنصار يعني نسبا لا دينا، قال وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن منافقا ولكن أصدر ذلك منه بادرة النفس كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا شارح ‏"‏ المصابيح ‏"‏ التوربشتي ووهى ما عداه وقال‏:‏ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب، قال‏:‏ بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة ا هـ‏.
    قد قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقا‏:‏ وقيل كان بدريا، فإن صح فقد وقع ذلك منه قبل شهودها لانتفاء النفاق عمن شهدها ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 48)
    الحرة موضع معروف بالمدينة تقدم ذكرها، وهي في خمسة مواضع‏:‏ المشهور منها اثنتان حرة واقم، وحرة ليلى‏.
    ( ج5/ ص 49)
    قال أبو عبيد‏:‏ كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعلى فالأعلى‏.‏
    ( ج5/ ص 49)
    قال البخاري : " باب شرب الأعلى قبل الأسفل
    قال العلماء‏:‏ الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحده أن يعطي الماء الأرض حتى لا تشريه ويرجع إلى الجدار ثم يطلقه‏.
    ( ج5/ ص 49)
    وقوله ‏"‏أحفظه ‏"‏ بالمهملة والظاء المشالة أي أغضبه، قال الخطابي‏:‏ هذه الزيادة يشبه أن تكون من كلام الزهري، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له من معنى الشرح والبيان‏.
    قلت‏:‏ لكن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدا حتى يرد ما يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال‏.‏
    قال الخطابي وغيره‏:‏ وإنما حكم صلى الله عليه وسلم على الأنصاري في حال غضبه - مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان - لأن النهي معلل بما يخاف على الحاكم من الخطأ والغلط، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمون لعصمته من ذلك حال السخط‏.‏
    ( ج5/ ص 50)
    وقال ابن التين‏:‏ الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال‏:‏ وأما الزروع فإلى الشراك‏.‏
    وقال الطبري‏:‏ الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها، لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين‏.‏
    واختلف أصحاب مالك‏:‏ هل يرسل الأول بند استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين‏؟‏ والأول أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة والله أعلم‏.‏
    وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مسيل مهزور ومذينب أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل‏.‏
    ومهزور بفتح أوله وسكون الهاء وضم الزاي وسكون الواو بعدها راء، ومذينب بذال معجمة ونون بالتصغير‏:‏ واديان معروفان بالمدينة وله إسناد موصول في ‏"‏ غرائب مالك للدار قطني ‏"‏ من حديث عائشة وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود وابن ماجة والطبري من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناد كل منهما حسن‏.‏
    ( ج5/ ص 51)
    قال الداودي‏:‏ المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوان‏.‏
    وقال أبو عبد الملك‏:‏ هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب‏.‏
    وأما قوله‏:‏ ‏"‏ في كل كبد ‏"‏ فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي‏:‏ إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة‏.‏
    ( ج5/ ص 52)
    واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق، وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق، والله أعلم‏.
    قال ابن المنير‏:‏ دل الحديث على تحريم قتل من لم يؤمر بقتله عطشا ولو كان هرة وليس فيه ثواب السقي ولكن كفى بالسلامة فضلا‏.‏
    (ج5/ ص 57)
    والمراد بالحمى منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلا‏.‏
    أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها، والأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، ومحل الجواز مطلقا أن لا يضر بكافة المسلمين‏.‏
    واستدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات، وتعقب بالفرق بينهما فإن الحمى أخص من الإحياء والله أعلم‏.‏
    وأما سرف فهو موضع بقرب مكة ولا تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة موضـع معروف بين مكة والمدينة تقدم ضبطه، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة‏.‏
    ( ج5/ ص 58)
    حكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك، قال‏:‏ وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة انتهى‏.‏
    قال السبكي‏:‏ والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره‏.‏
    قال والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر، لكنه لا يملك الرقبة بذلك انتهى‏.‏
    وبهذا جزم المحب الطبري‏.‏
    وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض إذا كان مستحقا لذلك والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 59)
    قد وقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك في عدة أراض بعد فتحها وقبل فتحها، منها إقطاعه تميما الداري بيت إبراهيم، فلما فتحت في عهد عمر نجز ذلك لتميم، واستمر في أيدي ذريته من ابنته رقية، وبيدهم كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك، وقصته مشهورة ذكرها ابن سعد وأبو عبيد في ‏"‏ كتاب الأموال ‏"‏ وغيرهما‏.‏
    ( ج5/ ص 64)
    من ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ‏"‏ هكذا ثبتت قصة العبد في هذا الحديث في جميع نسخ البخاري، وصنيع صاحب العمدة يقتضي أنها من أفراد مسلم فإنه أورده في ‏"‏ باب العرايا ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ عن عبد الله بن عمر ‏"‏ فذكر من باع نخلا ثم قال‏:‏ ‏"‏ ولمسلم من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ‏"‏ وكأنه لما نظر كتاب البيوع من البخاري فلم يجده فيه توهم أنها من أفراد مسلم‏.‏
    واعتذر الشارح ابن العطار عن صاحب العمدة فقال‏:‏ هذه الزيادة أخرجها الشيخان من رواية سالم عن أبيه عن عمر، قال‏:‏ فالمصنف لما نسب الحديث لابن عمر احتاج أن ينسب الزيادة لمسلم وحده انتهى ملخصا

    ثالثا :
    كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس "
    ( ج5/ ص 67)
    يشير البخاري إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ لا أشتري ما ليس عندي ثمنه ‏"‏ وهو حديث أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سماك عن عكرمة عنه في أثناء حديث تفرد به شريك عن سماك واختلف في وصله وإرساله‏.‏
    ثم أورد فيه حديث جابر في شراء النبي صلى الله عليه وسلم منه جمله في السفر وقضائه ثمنه في المدينة،
    ( ج5/ ص 68)
    ولابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة ‏"‏ ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا ‏"‏ وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يعسر مثلا أو يفجأه الموت وله مال مخبوء وكانت نيته وفاء دينه ولم يوف عنه في الدنيا‏.‏
    ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب، والظاهر أنه لا تبعة عليه والحالة هذه في الآخرة بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين كما دل عليه حديث الباب وإن خالف في ذلك ابن عبد السلام والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 69)
    قال ابن المنير‏:‏ أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه، إذ المراد بالأمانة في الآية هو المراد بها في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض‏)‏ وفسرت هناك بالأوامر والنواهي فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق
    وأكثر المفسرين على أن الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نزلت في الولاة، وعن ابن عباس هي عامة في جميع الأمانات‏.‏
    وروى ابن أبي شيبة من طريق طلق بن معاوية قال‏:‏ ‏"‏ كان لي دين على رجل فخاصمته إلى شريح فقال له‏:‏ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأمر بحبسه
    ج5/ ص 70)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه إشارة إلى عدم الاستغراق في كثير الدين والاقتصار على اليسير منه أخذا من اقتصاره على ذكر الدينار الواحد، ولو كان عليه مائة دينار مثلا لم يرصد لأدائها دينارا واحدا ا هـ‏.‏
    ولا يخفى ما فيه‏.‏
    وفيه الاهتمام بأمر وفاء الدين، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة في الدنيا‏
    ( ج5/ ص 70)
    ال ابن مالك‏:‏ فيه وقوع التمييز بعد مثل وهو قليل، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولو جئنا بمثله مددا‏)‏ ‏.‏
    ( ج5/ص 71)
    استقراض الإبل، ويلتحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري والحنفية واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث قد روي عن ابن عباس مرفوعا أخرجه ابن حبان والدار قطني وغيرهما ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله‏.‏
    وأخرجه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلاف‏.‏
    وفي الجملة هو حديث صالح للحجة‏.‏
    ادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه‏.‏
    واعتل من منع بأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه، وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف بما يدفع التغاير، وقد جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة، وفيه جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقا وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة إن كانت بالعدد منعت، وإن كانت بالوصف جازت‏.‏
    ( ج5/ ص 83)
    القرض إلى أجل فهو مما اختلف فيه، والأكثر على جوازه في كل شيء، ومنعه الشافعي‏.‏
    وأما البيع إلى أجل فجائز اتفاقا‏.‏
    وكأن البخاري احتج للجواز في القرض بالجواز في البيع مع ما استظهر به من أثر ابن عمر وحديث أبي هريرة‏
    قلت لابن عمر‏:‏ إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي، قال‏:‏ لا بأس به ما لم تشترط‏"‏‏.‏
    وروى مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ بإسناد صحيح ‏"‏ أن ابن عمر استسلف من رجل دراهم فقضاه خيرا منها
    ( ج5/ ص 85)
    ‏وقال ‏(‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏)‏ الآية‏)‏ قال الطبري بعد أن حكى أقوال المفسرين في المراد بالسفهاء‏:‏ الصواب عندنا أنها عامة في حق كل سفيه صغيرا كان أو كبيرا ذكرا كان أو أنثى، والسفيه هو الذي يضيع المال ويفسده بسوء تدبيره‏.‏
    ( ج5/ ص 86)
    الحجر في اللغة المنع، وفي الشرع المنع من التصرف في المال، فتارة يقع لمصلحة المحجور عليه وتارة لحق غير المحجور عليه، والجمهور على جواز الحجر على الكبير، وخالف أبو حنيفة وبعض الظاهرية ووافق أبو يوسف ومحمد، قال الطحاوي لم أر عن أحد من الصحابة منع الحجر عن الكبير ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم النخعي وابن سيرين، ومن حجة الجمهور حديث ابن عباس أنه كتب إلى نجدة ‏"‏ وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم‏؟‏ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم ‏"‏ وهو وإن كان موقوفا فقد ورد ما يؤيده
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة نور وليد

  2. #162
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    7,726

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    " كتاب الخصومات "
    ( ج5/ ص 90)
    ‏ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه‏)
    جعله مغلطاي حجة في الرد على ابن الصلاح حيث قرر أن الذي يذكره البخاري بغير صيغة الجزم لا يكون حاكما بصحته فقال مغلطاي‏:‏ قد ذكره بغير صيغة الجزم هنا وهو صحيح عنده، وتعقبه شيخنا في ‏"‏ النكت على ابن الصلاح ‏"‏ بأن البخاري لم يرد بهذا التعليق قصة المدبر، وإنما أراد قصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه فجاء في الثانية فتصدق عليه بأحد ثوبيه فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال وهو حديث ضعيف أخرجه الدار قطني وغيره‏.‏
    قلت‏:‏ لكن ليس هو من حديث جابر وإنما هو حديث أبي سعيد الخدري، وليس بضعيف بل هو إما صحيح وإما حسن، أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وقد بسطت ذلك فيما كتبته على ابن الصلاح،
    ( ج5/ ص 91)
    حديث جابر في قصة الرجل الذي جاء ببيضة من ذهب أصابها في معدن فقال‏:‏ ‏"‏ يا رسول الله خذها مني صدقة فوالله مالي مال غيرها فأعرض عنه، فأعاد فحذفه بها، ثم قال‏:‏ يأتي أحدكم بماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى ‏"‏ وهو عند أبي داود وصححه ابن خزيمة‏.‏
    ( ج5/ ص 93)
    ابن سعد في ‏"‏ الطبقات ‏"‏ بإسناد صحيح من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ ‏"‏ لما توفي أبو بكر أقامت عائشة عليه النوح، فبلغ عمر فنهاهن فأبين، فقال لهشام بن الوليد‏:‏ اخرج إلى بيت أبي قحافة - يعني أم فروة - فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن بذلك ‏"‏ ووصله إسحاق بن راهويه في مسنده من وجه آخر عن الزهري وفيه ‏"‏ فجعل يخرجهن امرأة امرأة وهو يضربهن بالدرة‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 95)
    باب الربط والحبس في الحرم‏)‏ كأن البخاري أشار بذلك إلى رد ما ذكر عن طاوس، فعند ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعد عنه أنه ‏"‏ كان يكره السجن بمكة ويقول‏:‏ لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة‏.‏
    فأراد البخاري معارضة قول طاوس بأثر عمر وابن الزبير‏:‏ وصفوان ونافع وهم من الصحابة‏.‏
    وقوي ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهي أيضا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه‏.
    قال البخاري : وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ ‏
    ( ج5/ ص 95)
    ما رواه الفاكهي من طريق عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد يعني ابن الحنفية قال‏:‏ ‏"‏ أخذني ابن الزبير فحبسني في دار الندوة في سجن عارم، فانفلت منه، فلم أزل أتخطى الجبال حتى سقطت على أبي بمنى ‏"‏ وفي ذلك يقول كثير عزة يخاطب ابن الزبير‏:‏ تخبر من لاقيت أنك عابد بل العابد المظلوم في سجن عارم وذكر الفاكهي أنه قيل له سجن عارم لأن عارما كان مولى لمصعب بن عبد الرحمن بن عوف فغضب عليه فبنى له ذراعا في ذراع ثم سد عليه البناء حتى غيبه فيه فمات فسمي ذلك المكان سجن عارم، قال الفاكهي‏:‏ وكان السجن في دبر دار الندوة‏.
    وذكر عمر بن شبة أن سبب غضب مصعب على عارم أن عارما كان منقطعا إلى عمرو بن سعيد بن العاص فلما جهز عمرو البعث بأمر يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير بمكة صحبه عمرو بن الزبير - وكان يعادي أخاه عبد الله - فخرج عارم في ذلك الجيش فظفر به مصعب ففعل به ما فعل‏.‏
    ..............
    [ ثانيا ]
    " كتاب اللقطة "
    ( ج5/ ص 97)
    اللقطة الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين‏.‏
    وقال عياض‏:‏ لا يجوز غيره‏.‏
    وقال الزمخشري في الفائق‏:‏ اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها‏.‏
    كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون قال‏:‏ وأما بالفتح فهو اللاقط‏:‏ وقال الأزهري‏:‏ هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح‏.‏
    ( ج5/ ص 98)
    قال المنذري‏:‏ لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام، إلا شيء جاء عن عمر انتهى‏.‏
    وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء‏.‏
    وحكى بن المنذر عن عمر أربعة أقوال‏:‏ يعرفها ثلاثة أحوال، عاما واحدا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام‏.‏
    ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها‏.‏
    وزاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر‏.‏
    وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأن هذه الزيادة غلط‏.‏
    قال‏:‏ والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها ثم تثبت واستذكر واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه‏.
    قد حكى صاحب الهداية من الحنفية رواية عندهم أن الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط، فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 100)
    ‏باب ضالة الإبل‏)‏ أي هل تلتقط أم لا‏؟‏ والضال الضائع، والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهر الحديث في أنها لا تلتقط‏.‏
    وقال الحنفية‏:‏ الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية‏.‏
    وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضا، قال العلماء حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس‏.‏
    وقالوا‏:‏ في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع
    ( ج5/ ص 101)
    ظفرت بتسمية السائل وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والبارودي والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري عن ربيعة عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال‏:‏ عرفها سنة ثم أوثق وعاءها ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏
    ( ج5/ ص 101)
    العفاص بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة‏:‏ الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره، وقيل له العفاص أخذا من العفص وهو الثني لأن الوعاء يثنى على ما فيه وقد وقع في ‏"‏ زوائد المسند ‏"‏ لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش عن سلمة في حديث أبي ‏"‏ وخرقتها ‏"‏ بدل عفاصها، والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة‏.‏
    ( ج5/ ص 101)
    عن أبي حنيفة إن كان غنيا تصدق بها وإن جاء صاحبها تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه، قال صاحب الهداية‏:‏ إلا إن كان يأذن الإمام فيجوز للغني كما في قصة أبي بن كعب، وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين‏.‏
    ( ج5/ ص 102)
    قال العلماء‏:‏ الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له لقطة‏.‏
    ( ج5/ ص 103)
    قال الجمهور‏:‏ يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلا أن الشافعي قال‏:‏ لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح‏.‏
    ( ج5/ س 104)
    افتراق حكم ضالة الغنم عن ضالة الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكا بقوله‏:‏ ‏"‏ هي لك ‏"‏ وأجيب بأن اللام ليست للتمليك كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه‏.
    ( ج5/ ص 105)
    ختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا‏؟‏ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية ‏"‏ ولتكن وديعة عندك ‏"‏ وقوله أيضا عند مسلم في رواية بشر بن سعيد عن زيد بن خالد ‏"‏ فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه ‏"‏ فإن ظاهر قوله‏:‏ ‏"‏ فإن جاء صاحبها الخ‏"‏‏
    أصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه ‏"‏ فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور
    ( ج5/ ص 106)
    قال النووي‏:‏ إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك فإن لم يجيء صاحبها فهي لمن وجدها ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجومة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك وهو قول الجمهور‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ لا يلزمه، وهو ظاهر اختيار البخاري والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 107)
    ما أخرجه أبو داود من حديث جابر قال‏:‏ ‏"‏ رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به ‏"‏ وفي إسناده ضعف، واختلف في رفعه ووقفه، والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلا، وقيل تعرف مرة وقيل ثلاثة أيام وقيل زمنا يظن أن فاقده أعرض عنه، وهذا كله في قليل له قيمة أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح
    واختلفوا في مدة التعريف، فإن كان مما يتسارع إليه الفساد جاز أكله ولا يضمن على الأصح‏.‏
    ( ج5/ ص 110)
    لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال‏.‏
    وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية‏:‏ هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف‏.‏
    ( ج5/ ص 110)
    أن لقطة عرفة والمدينة النبوية كسائر البلاد لاختصاص مكة بذلك، وحكى الماوردي في ‏"‏ الحاوي ‏"‏ وجها في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة لأنها تجمع الحاج كمكة ولم يرجح شيئا،
    استدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية‏.‏
    ( ج5/ ص 112)
    قال ابن عبد البر‏:‏ في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء كان بإذن خاص أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام، وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقا في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من رواية الحسن عن سمرة مرفوعا ‏"‏ إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل ‏"‏ إسناده صحيح إلى الحسن، فمن صحح سماعه من سمرة صححه ومن لا أعله بالانقطاع، لكن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ إذا أتيت على راع فناده ثلاثا، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أنيت على حائط بستان ‏"‏ فذكر مثله أخرجه ابن ماجة والطحاوي وصححه ابن حبان والحاكم، وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه، ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع‏:‏ منها حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم‏.‏
    في حديث أحمد ‏"‏ فابتدرها القوم ليحلبوها ‏"‏ قالوا فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجا، وحديث النهي على ما إذا كان مستغنيا‏.‏
    ومنهم من حمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة والنهي على ما إذا كانت مصرورة لهذا الحديث، لكن وقع عند أحمد في آخره ‏"‏ فإن كنتم لا بد فاعلين فاشربوا ولا تحملوا ‏"‏ فدل على عموم الإذن في المصرور وغيره، لكن بقيد عدم الحمل ولا بد منه‏.‏
    واختار ابن العربي الحمل على العادة قال‏:‏ وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا، قال‏:‏ ورأى بعضهم أن مهما كان على طريق لا يعدل إليه ولا يقصد جاز للمار الأخذ منه، وفيه إشارة إلى قصر ذلك على المحتاج‏.‏
    ( ج5/ ص 113)
    قال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية، قال الجمهور‏:‏ لا يجوز أن يأخذ منه شيئا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ لا يلزمه شيء‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج لذلك، وفي الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين، وعلق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقي‏:‏ يعني حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبيئة ‏"‏ أخرجه الترمذي واستغربه، قال البيهقي‏:‏ لم يصح، وجاء من أوجه أخر غير قوية‏.‏
    قلت‏:‏ والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها، وقد بينت ذلك في كتابي ‏"‏ المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 113)
    ن من حلب من ضرع ناقة أو غيرها في مصرورة محرزة بغير ضرورة ولا تأويل ما تبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع إن لم يأذن له صاحبها تعضهم أو إجمالا، لأن الحديث قد أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، وحكى القرطبي عن بعضهم وجوب القطع ولو لم تكن الغنم في حرز اكتفاء بحرز الضرع للبن، وهو الذي يقتضيه طاهر الحديث‏.‏
    ( ج5/ ص 114)
    وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعا ‏"‏ ضالة المسلم حرق النار ‏"‏ أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وحجتهم حديث زيد بن خالد عند مسلم ‏"‏ من آوى الضالة فهو ضال، ما لم يعرفها ‏"‏ وأما ما أخذه من حديث الباب فمن جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي أخذه الصرة فدل على أنه جائز شرعا، ويستلزم اشتماله على المصلحة وإلا كان تصرفا في ملك الغير، وتلك المصلحة تحصل بحفظها وصيانتها عن الخونة وتعريفها لتصل إلى صاحبها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمتى رجح أخذها وجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز‏.‏
    ( ج5/ ص 115)
    سويد بن غفلة : تابعي كبير مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكان في زمنه رجلا وأعطى الصدقة في زمنه ولم يره على الصحيح، وقيل إنه صلى خلفه ولم يثبت، وإنما قدم المدينة حين نفضوا أيديهم من دفنه صلى الله عليه وسلم، ثم شهد الفتوح ونزل الكوفة ومات بها سنة ثمانين أو بعدها وله مائة وثلاثون سنة أو أكثر لأنه كان يقول‏:‏ أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر منه بسنتين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر عن علي في ذكر الخوارج‏.
    ( ج5/ ص 115)
    (‏وزيد بن صوحان‏)‏ بضم المهملة وسكون الواو بعدها مهملة أيضا العبدي، تابعي كبير مخضرم أيضا، وزعم ابن الكلبي أن له صحبة‏.‏
    وروى أبو يعلى من حديث علي مرفوعا ‏"‏ من سره أن ينظر إلى من سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان ‏"‏ وكان قدوم زيد في عهد عمر وشهد الفتوح، وروى ابن منده من حديث بريدة قال‏:‏ ‏"‏ ساق النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال‏:‏ زيد زيد الخير، فسئل عن ذلك فقال رجل تسبقه يده إلى الجنة ‏"‏ فقطعت يد زيد بن صوحان في بعض الفتوح، وقتل مع علي يوم الجمل

    كتاب المظالم

    ( ج5/ ص 123)
    ذكر المفضل الضبي في كتابه ‏"‏ الفاخر ‏"‏ أن أول من قال‏:‏ ‏"‏ انصر أخاك ظالما أو مظلوما ‏"‏ جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول شاعرهم‏:‏ إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم على القوم لم أنصر أخي حين يظلم
    ( ج5/ ص 123)
    نصر المظلوم‏)‏ هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما‏.‏
    ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنفذ إنسانا من يد إنسان طالبه بمال ظلما وهدده إن لم يبذله، وقد يقع بعد وهو كثير
    ( ج5/ ص 124)
    وعن مجاهد ‏"‏ إلا من ظلم ‏"‏ فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم‏.‏
    قلت‏:‏ ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على عمومها‏.‏
    وعن ابن عباس المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضا في قوله‏:‏ ‏{‏والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون‏}‏ قال‏:‏ يعني ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا‏.‏
    وفي الباب حديث أخرجه النسائي وابن ماجة بإسناد حسن من طريق التيمي عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت ‏"‏ فقال لي سبيها‏.‏
    فسببتها حتى جف ريقها في فمها فرأيت وجهه يتهلل‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 125)
    حديث أخرجه أحمد وأبو داود من طريق عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر‏:‏ ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره‏"‏‏.‏
    ( ج5/ ص 125)
    أخرجه مسلم من حديث جابر في أول حديث بلفظ ‏"‏ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح ‏"‏ الحديث، مال ابن الجوزي‏:‏ الظلم يشتمل على معصيتين‏:‏ أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا‏.‏
    ( ج5/ ص 130)
    للزبير في ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، والحسن بن سفيان من طريق أبي بكر بن محمد بن حزم ‏"‏ استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم وهو والي المدينة على سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة وقالت‏:‏ إنه أخذ حقي، وأدخل ضفيرتي في أرضه ‏
    وفي رواية العلاء ‏"‏ فترك سعيد ما ادعت ‏"‏ ولابن حبان والحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن في هذه القصة وزاد ‏"‏ فقال لنا مروان أصلحوا بينهما‏"‏‏.‏
    وزاد مسلم من طريق عروة، ومن طريق محمد بن زيد ‏"‏ أن سعيدا قال اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها ‏"‏ وفي رواية العلاء وأبي بكر نحوه وزاد ‏"‏ قال وجاء سيل فأبدى عن ضفيرتها فإذا حقها خارجا عن حق سعيد، فجاء سعيد إلى مروان فركب معه والناس حتى نظروا إليها وذكروا كلهم أنها عميت وأنها سقطت في بئرها فماتت
    ( ج5/ ص 130)
    وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري ‏"‏ أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوقه من سبع أرضين
    ( ج5/ ص 131)
    أروى بفتح الهمزة وسكون الراء والقصر باسم الحيوان الوحشي المشهور، وفي المثل ‏"‏ يقولون إذا دعوا‏:‏ كعمى الأروى ‏"‏ مال الزبير في روايته‏.‏
    كان أهل المدينة إذا دعوا قالوا‏:‏ أعماه الله كعمى أروى، يريدون هذه القصة‏.‏
    قال‏:‏ ثم طال العهد فصار أهل الجهل يقولون كعمى الأروى، يريدون الوحش الذي بالجبل ويظنونه أعمى شديد العمى وليس كذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 133)
    قال ابن بطال‏:‏ حديث هند دال على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه‏.‏
    حديث عائشة في قصة هند بنت عتبة وفيه ‏"‏ أذن النبي صلى الله عليه وسلم لها بالأخذ من مال زوجها بقدر حاجتها
    ( ج5/ ص 135)
    كان ابن وهب حريصا على التفرقة بين التحديث والإخبار مراعاة للاصطلاح، ويقال إنه أول من اصطلح على ذلك بمصر‏.‏
    ( ج5/ ص 137)
    أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه وفيه نط
    وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره فكان اتفاقا منهم على ذلك انتهى‏.‏
    ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلب، لأن أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان، وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك ورواه هو عنه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال‏:‏ والله ليمرن به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه‏.‏
    روى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال‏:‏ أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهاه أن يمنعه، فجبر على ذلك‏.‏
    وقيد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستندا إلى ذكر الأذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضا وأحمد عند عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ‏"‏ من سأله جاره ‏"‏ وكذا لابن حبان

    .......
    ( ج5/ ص 144)
    عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ‏"‏ وهو تابعي ثقة، ذكر الدمياطي عن الخطيب أنه لم يرو عن غير ابن عباس ولا حدث عنه إلا الزهري ولم يتعقبه
    ( ج5/ ص 147)
    ال الطبري‏:‏ معناه أن يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضر غيره، والحكمة في جعلها سبعة أذرع لتسلكها الأحمال والأثقال دخولا وخروجا ويسع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق، فإن كان الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وإن كان أقل منع لئلا يضيق الطريق على غيره‏.‏
    ( ج5/ ص 153)
    قال النووي‏:‏ فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلا أو كثيرا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه‏.‏
    وقال بعض المالكية‏:‏ لا يجوز إذا طلب الشيء الخفيف‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال‏؟‏ وحكى ابن المنذر عن الشافعي قال‏:‏ من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه أو يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله‏.‏
    قال ابن المنذر‏:‏ والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث المجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 156)
    عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت‏:‏ يا رسول الله ما كفارته‏؟‏ قال‏:‏ إناء كإناء وطعام كطعام ‏"‏ إسناده حسن‏:‏ ولأحمد وأبي داود عنها ‏"‏ فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة


  3. #163
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    7,726

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    .............................. ...........
    كتاب الشركة
    ( ج5/ ص 158)
    الشركة : وهي شرعا‏:‏ ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد كالإرث‏.‏
    ( ج5/ ص 159)
    ذكر محمد بن عبد الملك التاريخي أن أول من أحدث النهد حضين - بمهملة ثم معجمة مصغر - الرقاشي‏.‏
    وهو بعيد لثبوته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وحضين لا صحبة له، فإن ثبتت احتملت أوليته فيه في زمن مخصوص أو في فئة مخصوصة‏.‏
    ( ج5/ ص 161)
    أن الشريكين إذا خلط رأس مالهما فالربح بينهما، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند القسمة بقدر ذلك، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما وهما شريكان، فدل ذلك على أن كل شريكين في معناهما‏.
    ( ج5/ ص 162)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم كما قال أهل الظاهر، لأن الذي يوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التشاح لاختلاف الناس في الأكل، لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعض لم يحل له ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 163)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في قسمتها بغير تقويم‏:‏ فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التراضي، ومنعه الشافعي وحجته حديث ابن عمر فيمن أعتق بعض عبده فهو نص في الرقيق وألحق الباقي به‏.‏
    ( ج5/ ص 164)
    قال ابن بطال‏:‏ اتفقوا على أنه لا تجوز المشاركة في مال اليتيم إلا إن كان لليتيم في ذلك مصلحة راجحة‏.‏
    ( ج5/ ص 166)
    قال ابن بطال‏:‏ أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه‏.‏
    وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري ا هـ، وزاد الشافعي أن لا تختلف الصفة أيضا كالصحاح والمكسرة، وإطلاق البخاري الترجمة يشعر بجنوحه إلى قول الثوري، وقوله‏:‏ ‏"‏ وما يكون في الصرف ‏"‏ أي كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الأكثر‏:‏ يصح في كل مثلي وهو الأصح عند الشافعية، وقيل يختص بالنقد المضروب‏.‏
    ( ج5/ ص 168)
    أشار البخاري إلى مخالفة من خالف في الجواز كالثوري والليث وأحمد وإسحاق، وبه قال مالك إلا أنه أجازه إذا كان يتصرف بحضرة المسلم، وحجتهم خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحل كالربا وثمن الخمر والخنزير، واحتج الجمهور بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة جاز في غيرها، وبمشروعية أخذ الجزية منهم مع أن في أموالهم ما فيها‏.‏
    ( 5/ ص 170)
    أن ابن جريج عن طاوس منقطع، فقد قال الأئمة إنه لم يسمع من مجاهد ولا من عكرمة وإنما أرسل عنهما وطاوس من أقرانهما‏.‏
    وإنما سمع من عطاء لكونه تأخرت عنهما وفاته نحو عشرين سنة
    كتاب الرهن
    ( ج5/ ص 174)
    ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله ‏"‏ وهذا اليهودي هو أبو الشحم، بينه الشافعي ثم البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعا له عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر في شعير ‏"‏ انتهى، وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة اسمه كنيته، وظفر بفتح الظاء والفاء بطن من الأوس وكان حليفا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة موحدة ممدودة ومكسورة اسم الفاعل من الإباء، وكأنه التبس عليه بأبي اللحم الصحابي، وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعا كما سيأتي للمصنف من حديث عائشة في الجهاد وأواخر المغازي‏.‏
    ( ج5/ ص 176)
    ووقع في أواخر المغازي من طريق الثوري عن الأعمش بلفظ ‏"‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة ‏"‏ وفي حديث أنس عند أحمد ‏"‏ فما وجد ما يفتكها به ‏"‏ وفيه دليل على أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ‏"‏ نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ‏"‏ قيل هذا محله في غير نفس الأنبياء فإنها لا تكون معلقة بدين فهي خصوصية، وهو حديث صححه ابن حبان وغيره ‏"‏ من لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء ‏"‏ وإليه جنح الماوردي؛ وذكر ابن الطلاع في ‏"‏ الأقضية النبوية ‏"‏ أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن روى ابن سعد عن جابر أن أبا بكر قضى عدات النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا قضى ديونه ‏"‏ وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي مرسلا ‏"‏ أن أبا بكر افتك الدرع وسلمها لعلي بن أبي طالب ‏"‏ وأما من أجاب بأنه صلى الله عليه وسلم افتكها قبل موته فمعارض بحديث عائشة رضي الله عنها‏.‏
    ( ج5/ ص 177)
    وقال السهيلي‏:‏ في قوله‏:‏ ‏"‏ من لكعب بن الأشرف ‏"‏ جواز قتل من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا عهد خلافا لأبي حنيفة، كذا قال، وليس متفقا عليه عند الحنفية‏.‏
    _( ج5/ ص 178)
    وطائفة قالوا‏:‏ ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث، وأما دعوى الإجمال فيه فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن لأن الحديث وإن كان مجملا لكنه يختص بالمرتهن لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقا عليه بخلاف المرتهن، وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين‏:‏ أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضي في أبواب المظالم ‏"‏ لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه ‏"‏ انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 180)
    احتج الموفق في المغني بأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكن استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مئونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في الإنفاق عليها‏.‏
    كتاب " العتق "
    ( ج5/ ص 181)
    المراد بفك الرقبة تخليص الشخص من الرق من تسمية الشيء باسم بعضه، وإنما خصت بالذكر إشارة إلى أن حكم السيد عليه كالغل في رقبته فإذا أعتق فك الغل من عنقه، وجاء في حديث صحيح ‏"‏ أن فك الرقبة مختص بمن أعان في عتقها حتى تعتق ‏"‏ رواه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث البراء بن عازب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أعتق النسمة وفك الرقبة‏.‏
    يل يا رسول الله أليستا واحدة‏؟‏ قال‏:‏ لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها ‏"‏ وهو في أثناء حديث طويل أخرج الترمذي بعضه وصححه، وإذا ثبت الفضل في الإعانة على العتق ثبت الفضل في التفرد بالعتق من باب الأولى‏.‏
    ( ج5/ ص 183)
    أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى خلافا لمن فضل عتق الأنثى محتجا بأن عتقها يستدعي صيرورة ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد بخلاف الذكر، ومقابله في الفضل أن عتق الأنثى غالبا يستلزم ضياعها، ولأن في عتق الذكر من المعاني العامة ما ليس في الأنثى كصلاحيته للقضاء وغيره مما يصلح للذكور دون الإناث‏.‏
    ( ج5/ ص 183)
    قال ابن المنير‏:‏ فيه إشارة إلى أنه ينبغي في الرقبة التي تكون للكفارة أن تكون مؤمنة، لأن الكفارة منقذة من النار فينبغي أن لا تقع إلا بمنقذة من النار‏.‏
    ( ج5/ ص 184)
    قال البخاري :حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرّ
    قال ابن حجر :
    هذا من أعلى حـديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ شيخه من التابعين وإن كان هنا روى عن تابعي آخر وهو أبوه
    ( ج5/ ص 185)
    قال النووي‏:‏ محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال‏:‏ وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل، لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحم ا هـ‏.
    الذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعا كان أفضل سواء قل أو كثر، واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره وقالوا‏:‏ المراد بقوله أغلى ثمنا من المسلمين، وقد تقدم تقييده بذلك في الحديث
    ( ج5/ ص 185)
    أن الكف عن الشر داخل في فعل الإنسان وكسبه حتى يؤجر عليه ويعاقب، غير أن الثواب لا يحصل مع الكف إلا مع النية والقصد لا مع الغفلة والذهول قاله القرطبي ملخصا‏.‏
    ( ج5/ ص 187)
    ‏باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء‏)‏ قال ابن التين‏:‏ أراد أن العبد كالأمة لاشتراكهما في الرق قال‏:‏ وقد بين في حديث ابن عمر في آخر الباب أنه كان يفتي فيهما بذلك انتهى، وكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه‏:‏ إن هذا الحكم مختص بالذكور وهو خطأ، وادعى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة وفيه نظر، ولعله أراد المملوك‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ العبد اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال إسحاق‏:‏ إن هذا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور فلم يفرقوا في الحكم بين الذكر والأنثى إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إلا آتى الرحمن عبدا‏)‏ فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعا، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق، قال‏:‏ وحديث ابن عمر من طريق موسى بن عقبة عن نافع عنه ‏"‏ أنه كان يفتي في العبد والأمة يكون بين الشركاء ‏"‏ الحديث
    قد قال إمام الحرمين‏:‏ إدراك كون الأمة في هذا الحكم كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع والفرق، والله أعلم‏.‏
    قلت‏:‏ وقد فرق بينهما عثمان الليثي بمأخذ آخر فقال‏:‏ ينفذ عتق الشريك في جميعه ولا شيء عليه لشريكه إلا أن تكون الأمة جميلة تراد للوطء فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر، قال النووي‏:‏ قول إسحاق شاذ، وقول عثمان فاسد ا هـ‏.‏
    وإنما قيد المصنف العبد باثنين والأمة بالشركاء اتباعا للفظ الحديث الوارد فيهما، وإلا فالحكم في الجميع سواء‏.‏
    ( ج5/ ص 191)
    وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعة، قال الشافعي‏:‏ لا أحسب عالما بالحديث يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه كان ألزم له منه، حتى ولو استويا فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي‏:‏ قلت لابن معين مالك في نافع أحب إليك أو أيوب‏؟‏ قال‏:‏ مالك‏.‏
    ( الزيادة المتعلقة بحكم المعسر هل هي موصولة مرفوعة أو منقطعة مقطوعة ؟)
    ( ج5/ ص 192)
    أن الموسر إذا أعتق نصيبه من مملوك عتق كله قال ابن عبد البر‏:‏ لا خلاف في أن التقويم لا يكون إلا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق‏:‏ فقال الجمهور والشافعي في الأصح وبعض المالكية‏:‏ إنه يعتق في الحال‏.‏
    وقال بعض الشافعية لو أعتق الشريك نصيبه بالتقويم كان لغوا ويغرم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب في الباب حيث قال‏:‏ ‏"‏ من أعتق نصيبا وكان له من المال ما يبلغ قيمته فهو عتيق ‏"‏ وأوضح من ذلك رواية النسائي وابن حبان وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ من أعتق عبدا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته ‏"‏ وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب عن نافع ‏"‏ فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه فهو عتيق كله، حتى لو أعسر الموسر المعتق بعد ذلك استمر العتق وبقي ذلك دينا في ذمته، ولو مات أخذ من تركته، فإن لم يخلف شيئا لم يكن للشريك شيء واستمر العتق ‏"‏ والمشهور عند المالكية أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي
    ( ج5/ ص 196)
    قال الإسماعيلي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏ ثم استسعي العبد ‏"‏ ليس في الخبر مسندا، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام‏.‏
    وقال ابن المنذر والخطابي‏:‏ هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن‏.‏
    قلت‏:‏ ورواية همام قد أخرجها أبو داود عن محمد بن كثير عنه عن قتادة لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلا ولفظه ‏"‏ أن رجلا أعتق شقصا من غلام، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه وغرمه بقية ثمنه ‏"‏ نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همام فذكر فيه السعاية وفصلها من الحديث المرفوع أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدار قطني والخطابي والحاكم في ‏"‏ علوم الحديث ‏"‏ والبيهقي والخطيب في ‏"‏ الفصل والوصل ‏"‏ كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمد بن كثير سواء وزاد ‏"‏ قال فكان قتادة يقول‏:‏ إن لم يكن له مال استسعي العبد قال الدار قطني‏:‏ سمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام ضبطه وفصل بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول قتادة، هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج‏.‏
    وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة، لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة إن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة‏:‏ هشام وسعيد أثبت في قتادة من همام، وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة
    والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي ‏"‏ وإلا فقد عتق منه ما عتق
    قلت‏:‏ ويؤيد ذلك أن البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنه أفتى بذلك، والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي، قال ابن دقيق العيد‏:‏ حسبك بما اتفق عليه الشيخان فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليها مثل تلك التعليلات، وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته
    هو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء، فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا لأنه أورده مختصرا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد والله أعلم‏.‏
    وقد احتج بعض من ضعف رفع الاستسعاء بزيادة وقعت في الدار قطني وغيره من طريق إسماعيل بن أمية وغيره عن نافع عن ابن عمر قال في آخره ‏"‏ ورق منه ما بقي ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي وليس بالمشهور عن يحيى بن أيوب وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها فليس فيها أنه يستمر رقيقا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك فللذي صحح رفعه أن يقول‏:‏ معنى الحديثين أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق، ثم يستسعي في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري‏.‏
    ( ج5/ ص 197)
    وجمع بعضهم بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك‏:‏ المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في حصة الذي لم يعتق رقيقا فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قالوا ومعنى قوله‏:‏ ‏"‏ غير مشقوق عليه ‏"‏ أي من وجه سيده المذكور فلا يكلفه من الخدمة فوق حصة الرق، لكن يرد على هذا الجمع قوله في الرواية المتقدمة ‏"‏ واستسعي في قيمته لصاحبه‏"‏، واحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين عند مسلم ‏"‏ أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ‏"‏
    ( ج5/ ص 198)
    الاستسعاء إنما هو في صورة الإعسار كما تقدم فلا حجة فيه، وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسرا أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرون، ثم اختلفوا فقال الأكثر‏:‏ يعتق جميعه في الحال ويستسعي العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال‏:‏ ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك‏.‏
    وقال أبو حنيفة وحده‏:‏ يتخير الشريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب
    وعن عطاء يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق، وخالف الجميع زفر فقال‏:‏ يعتق كله وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرا، وترتب في ذمته إن كان معسرا‏.‏
    ( ج5/ ص 198)
    الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيرا بلفظ ‏"‏ رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ‏"‏ أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس، إلا أنه بلفظ ‏"‏ وضع ‏"‏ بدل ‏"‏ رفع ‏"‏ وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في فوائده بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجة بلفظ ‏"‏ رفع ‏"‏ ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بعلة غير قادحة، فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد ‏"‏ عبيد بن عمير ‏"‏ بين عطاء وابن عباس أخرجه الدار قطني والحاكم والطبراني‏.‏
    وهو حديث جليل، قال بعض العلماء‏:‏ ينبغي أن يعد نصف الإسلام، لأن الفعل إما عن قصد واختيار أو لا، الثاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه فهذا القسم معفو عنه باتفاق وإنما اختلف العلماء‏:‏ هل المعفو عنه الإثم أو الحكم أو هما معا‏؟‏ وظاهر الحديث الأخير، وما خرج عنه كالقتل فله دليل منفصل
    ( ج5/ ص 199)
    قال المهلب لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبده هو لله ونوى العتق أنه يعتق، وأما الإشهاد في العتق فهو من حقوق المعتق، وإلا فقد تم العتق وإن لم يشهد‏.‏
    قلت‏:‏ وكأن المصنف أشار إلى تقييد ما رواه هشيم عن مغيرة ‏"‏ أن رجلا قال لعبده أنت لله، فسئل الشعبي وإبراهيم وغيرهما فقالوا‏:‏ هو حر ‏"‏ أخرجه ابن أبي شيبة، فكأنه قال محل ذلك إذا نوى العتق، وإلا فلو قصد أنه لله بمعنى غير العتق لم يعتق‏.‏
    ( ج5/ ص 203)
    لا دليل فيه على جواز بيع أم الولد ولا عدمه، قال النووي‏:‏ استدل به إمامان جليلان أحدهما على جواز بيع أمهات الأولاد والآخر على منعه، فأما من استدل به على الجواز فقال‏:‏ ظاهر قوله‏:‏ ‏"‏ ربها ‏"‏ أن المراد به سيدها لأن ولدها من سيدها ينزل منزلة سيدها لمصير مال الإنسان إلى ولده غالبا، وأما من استدل به على المنع فقال‏:‏ لا شك أن الأولاد من الإماء كانوا موجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه كثيرا، والحديث مسوق للعلامات التي قرب قيام الساعة، فدل على حدوث قدر زائد على مجرد التسري‏.
    قال‏:‏ والمراد أن الجهل يغلب في آخر الزمان حتى تباع أمهات الأولاد فيكثر ترداد الأمة في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهو لا يدري، فيكون فيه إشارة إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يخفى تكلف الاستدلال من الطرفين، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 206)
    كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسا ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا ‏"‏ وقول الصحابي‏:‏ ‏"‏ كنا نفعل ‏"‏ محمول على الرفع على الصحيح، وعليه جرى عمل الشيخين في صحيحهما ولم يستند الشافعي في القول بالمنع إلا إلى عمر فقال‏:‏ قلته تقليدا لعمر‏.‏
    قال بعض أصحابه‏:‏ لأن عمر لما نهى عنه فانتهوا صار إجماعا، يعني فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك، ولا يتعين معرفة سند الإجماع‏.‏
    ( ج5/ ص 206)
    قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة من نعيم ‏"‏ ا ه‏.‏
    وكذا قال ابن العربي وعياض وغير واحد، لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولا ترد الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضا كان يقال له النحام‏.‏
    والنحمة بفتح النون وإسكان المهملة‏:‏ الصوت وقيل السعلة وقيل النحنحة‏.‏
    ونعيم المذكور هو ابن عبد الله بن أسيد بن عبد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي، وأسيد وعبيد وعويج في نسبه مفتوح أول كل منها، قرشي عدوي أسلم قديما قبل عمر فكتم إسلامه، وأراد الهجرة فسأله بنو عدي أن يقيم على أي دين شاء لأنه كان ينفق على أراملهم وأيتامهم ففعل، ثم هاجر عام الحديبية ومعه أربعون من أهل بيته، واستشهد في فتوح الشام زمن أبي بكر أو عمر‏.‏
    وروى الحارث في مسنده بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صالحا، وكان اسمه الذي يعرف به نعيما‏.‏
    ( ج5/ ص 207)
    باب بيع المدبر ‏"‏ من البيوع نقل مذاهب الفقهاء في بيع المدبر، وأن الجواز مطلقا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وقد نقله البيهقي في ‏"‏ المعرفة ‏"‏ عن أكثر الفقهاء، وحكى النووي عن الجمهور مقابله وعن الحنفية والمالكية أيضا تخصيص المنع بمن دبر تدبيرا مطلقا، أما إذا قيده - كأن يقول‏:‏ إن مت من مرضي هذا ففلان حر - فإنه يجوز بيعه لأنها كالوصية فيجوز الرجوع فيها، وعن أحمد يمتنع بيع المدبرة دون المدبر، وعن الليث يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه، وعن ابن سيرين لا يجوز بيعه إلا من نفسه، ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة فقال‏:‏ من منع بيعه مطلقا كان الحديث حجة عليه لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي‏.‏
    ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول‏:‏ قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور‏.‏
    ( ج5/ ص 207)
    قال الخطابي‏:‏ لما كان الولاء كالنسب كان من أعتق ثبت له الولاء كمن ولد له ولد ثبت له نسبه؛ فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده، وكذا إذا أراد نقل ولائه عن محله لم ينتقل‏.‏
    ( ج5/ ص 208)
    وقال جمع من الحفاظ دخل لضمرة حديث في حديث، وإنما روى الثوري بهذا الإسناد حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الإسناد فصححوه، وقد أخذ بعمومه الحنفية والثوري والأوزاعي والليث‏.‏
    وقال داود لا يعتق أحد على أحد، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق على المرء إلا أصوله وفروعه، لا لهذا الدليل بل لأدلة أخرى، وهو مذهب مالك وزاد الإخوة حتى من الأم، وزعم ابن بطال أن في حديث الباب حجة عليه وفيه نظر .
    ( ج5/ ص 209)
    أجاب ابن المنير عن ذلك أن الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداء، بل يتخير الإمام بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء أو المن، فالغنيمة سبب إلى الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرد الغنيمة، ولعل هذا هو النكتة في إطلاق المصنف الترجمة، ولعله يذهب إلى أنه يعتق إذا كان مسلما ولا يعتق إذا كان مشركا وقوفا عندما ورد به الخبر‏.‏
    ( ج5/ ص 208)
    قال ابن الجوزي‏:‏ صحف بعض المحدثين لجهله بالنسب فقال‏:‏ ‏"‏ ابن أخينا ‏"‏ بكسر الخاء بعدها تحتانية، وليس هو ابن أخيهم، إذ لا نسب بين قريش والأنصار، قال‏:‏ وإنما قالوا ابن أختنا لتكون المنة عليهم في إطلاقه بخلافه ما لو قالوا عمك لكانت المنة عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا من قوة الذكاء وحسن الأدب في الخطاب، وإنما امتنع صلى الله عليه وسلم من إجابتهم لئلا يكون في الدين نوع محاباة‏.‏
    ( ج5/ ص 209)
    جرى ابن بطال فقال لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعا، وإنما اختلفوا في عتقه عن الكفارة، وحديث الباب في قصة حكيم بن حزام حجة في الأول، لأن حكيما لما أعتق وهو كافر لم يحصل له الأجر إلا بإسلامه فمن فعل ذلك وهو مسلم لم يكن بدونه بل أولى ا هـ‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ الذي يظهر أن مراد البخاري أن المشرك إذا أعتق مسلما نفذ عتقه وكذا إذا أعتق كافرا فأسلم العبد، قال‏:‏ وأما قوله‏:‏ ‏"‏ أسلمت على ما سلف لك من خير ‏"‏ فليس المراد به صحة التقرب منه في حال كفره، وإنما تأويله أن الكافر إذا فعل ذلك انتفع به إذا أسلم لما حصل له من التدرب على فعل الخير فلم يحتج إلى مجاهدة جديدة، فيثاب بفضل الله عما تقدم بواسطة انتفاعه بذلك بعد إسلامه انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 211)
    اختلف قول مالك فقال‏:‏ من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا بشرط‏.‏
    وقال فيمن أعتق عبدا وله مال‏:‏ فإن المال للعبد إلا بشرط‏.‏
    قال‏:‏ وحجته في البيع حديثه عن نافع المذكور وهو نص في ذلك، وحجته في العتق ما رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر رفعه ‏"‏ من أعتق عبدا فمال العبد له، إلا أن يستثنيه بسيده‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وهو حديث أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، وفرق بعض أصحاب مالك بأن الأصل أنه لا يملك، لكن لما كان العتق صورة إحسان إليه ناسب ذلك أن لا ينزع منه ما بيده تكميلا للإحسان، ومن ثم شرعت المكاتبة وساغ له أن يكتسب ويؤدي إلى سيده، ولولا أن له تسلطا على ما بيده في صورة العتق ما أغنى ذلك عنه شيئا، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 211)
    وبنو المصطلق بطن شهير من خزاعة وهو المصطلق بن سعيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال إن المصطلق لقب واسمه جذيمة بفتح الجيم بعدها ذال معجمة مكسورة،
    ( ج5/ ص 212)
    بني تميم :أي القبيلة الكبيرة المشهورة ينتسبون إلى تميم بن مر بضم الميم بلا هاء ابن أد بضم أوله وتشديد الدال ابن طابخة بموحدة مكسورة ومعجمة ابن إلياس بن مضر‏.‏
    ( ج5/ ص 215)
    الخول بفتح المعجمة والواو هم الخدم سموا بذلك لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها، ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان، ويقال الخول جمع خائل وهو الراعي، وقيل التخويل التمليك تقول خولك الله كذا أي ملكك إياه‏.‏
    ( ج5/ ص 216)
    فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك وإن كان جائزا، وفي الموطأ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ‏"‏ وهو يقتضي الرد في ذلك إلى العرف، فمن زاد عليه كان متطوعا‏.‏
    وأما ما حكاه ابن بطال عن مالك أنه سئل عن حديث أبي ذر فقال‏:‏ ‏"‏ كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت ‏"‏ واستحسنه ففيه نظر لا يخفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحسبه‏.‏
    ( ج5/ ص 217)
    ‏والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك‏)‏ ظاهر هذا السياق رفع هذه الجمل إلى آخرها وعلى ذلك مجرى الخطابي فقال‏:‏ لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرق كما امتحن يوسف ا هـ‏.‏
    وجزم الداودي وابن بطال وغير واحد بأن ذلك مدرج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله‏:‏ ‏"‏ وبر أمي ‏"‏ فإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أم يبرها، ووجهه الكرماني فقال أراد بذلك تعليم أمته، أو أورده على سبيل فرض حياتها أو المراد أمه التي أرضعته ا هـ‏.‏
    زاد مسلم في آخر طريق ابن وهب ‏"‏ قال - يعني الزهري - وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها ‏"‏ ولأبي عوانة وأحمد من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه كان يسمعه يقول‏:‏ ‏"‏ لولا أمران لأحببت أن أكون عبدا، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ما خلق الله عبدا يؤدي حق الله عليه وحق سيده إلا وفاه الله أجره مرتين ‏"‏ فعرف بذلك أن الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة، ثم استدل له بالمرفوع؛ وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم فقد يحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية‏
    ( ج5/ ص 218)
    اسم أم أبي هريرة أميمة بالتصغير وقيل ميمونة، وهي صحابية ذكر إسلامها في ‏"‏ صحيح مسلم ‏"‏ وبيان اسمها في ‏"‏ ذيل المعرفة ‏"‏ لأبي موسى قال ابن عبد البر‏:‏ معنى هذا الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان طاعة ربه في العبادات وطاعة سيده في المعروف فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، قال ومن هنا أقول‏:‏ إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس له عليه إلا فرض واحد فأداه كمن وجب عليه صلاة وزكاة فقام بهما فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها ا ه
    ( ج5/ ص 220)
    أخرجه المؤلف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق حجاج الصواف عن أبي الزبير قال‏:‏ ‏"‏ حدثنا جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من سيدكم يا بني سلمة‏؟‏ قلنا‏:‏ الجد بن قيس، على أنا نبخله‏.‏
    قال‏:‏ وأي داء أدوى من البخل‏؟‏ بل سيدكم عمرو بن الجموح ‏"‏ وكان عمرو يعترض على أصنامهم في الجاهلية، وكان يولم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج‏.‏
    وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، ورواه ابن عائشة في نوادره من طريق الشعبي مرسلا وزاد‏:‏ قال فقال بعض الأنصار في ذلك‏:‏ وقال رسول الله والقول قوله لمن قال منا من تسمون سيدا فقالوا له جد بن قيس على التي نبخله فيها وإن كان أسودا فسود عمرو بن الجموح لجوده وحق لعمرو بالندى أن يسودا انتهى‏.
    ( ج5/ ص 221)
    والجد بفتح الجيم وتشديد الدال هو ابن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بسكون النون ابن كعب بن سلمة بكسر اللام، يكنى أبا عبد الله، له ذكر في حديث جابر أنه حمله معه في بيعة العقبة‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ كان يرمى بالنفاق، ويقال‏:‏ إنه تاب وحسنت توبته، وعاش إلى أن مات في خلافة عثمان‏.‏
    وأما عمرو بن الجموح بفتح الجيم وضم الميم الخفيفة وآخره مهملة ابن زيد بن حرام بمهملتين ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، قال ابن إسحاق‏:‏ كان من سادات بني سلمة، وذكر له قصة في صنمه وسبب إسلامه وقوله فيه‏:‏ تالله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن‏.‏
    ( ج5/ ص 222)
    وقال ابن بطال‏:‏ لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله أ هـ‏.‏
    والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام ‏(‏اذكرني عند ربك‏)‏ ‏.‏
    ( ج5/ ص 223)
    فيه جواز إطلاق العبد على مالكه سيدي، قال القرطبي وغيره‏:‏ إنما فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقا، واختلف في السيد، ولم يرد في القرآن أنه من أسماء الله تعالى‏.‏
    فإن قلنا إنه ليس من أسماء الله تعالى فالفرق واضح إذ لا التباس وإن قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك أيضا، وقد روى أبو داود والنسائي وأحمد والمصنف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من حديث عبد الله بن الشخير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ السيد الله ‏"‏ وقال الخطابي‏:‏ إنما أطلقه لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيدا، قال‏:‏ وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولي وناصر وغير ذلك، ولكن لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلا في صفة الله تعالى انتهى‏.‏
    وفي الحديث جواز إطلاق مولاي أيضا، وأما ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث نحوه وزاد ‏"‏ ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله، ولكن ليقل سيدي ‏"‏ فقد بين مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش وأن منهم من ذكر هذه الزيادة ومنهم من حذفها‏.‏
    وقال عياض‏:‏ حذفها أصح‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ المشهور حذفها قال‏:‏ وإنما صرنا إلى الترجيح للتعارض مع تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ انتهى‏.‏
    ( ج5/ ص 226)
    ال النووي‏:‏ قال العلماء إنما نهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين ا هـ‏.‏
    والتعليل المذكور حسن، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر، فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد ‏"‏ فإن الله خلق آدم على صورته ‏"‏ واختلف في الضمير على من يعود‏؟‏ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه ‏"‏ إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ‏"‏ قال‏:‏ وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في ذلك‏.‏
    وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال‏:‏ وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى‏.‏
    قلت‏:‏ الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ‏"‏ السنة ‏"‏ والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال‏:‏ ‏"‏ من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن ‏"‏ فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله، وسيأتي في أول كتاب الاستئذان من طريق همام عن أبي هريرة رفعه‏:‏ خلق الله آدم على صورته الحديث، وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل، وقد قال المازري‏:‏ غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال‏:‏ صورة لا كالصور انتهى‏.‏
    وقال حرب الكرماني في ‏"‏ كتاب السنة ‏"‏ سمعت إسحاق بن راهويه يقول‏:‏ صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن‏.‏
    وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول هو حديث صحيح وقال الطبراني في كتاب السنة ‏"‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال‏:‏ كذب هو قول الجهمية ‏"‏ انتهى‏.‏
    وقد أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته ‏"‏ وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة وجهه ‏"‏ ولم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم‏.‏
    ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي ‏"‏ أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال‏:‏ أو ما علمت أن الصورة محترمة ‏"‏ أخرجه مسلم وغيره‏.‏

  4. #164
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    7,726

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب المكاتب
    ( ج5/ ص 227)
    قوله‏:‏ ‏(‏ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال‏)‏
    سيرين المذكور يكنى أبا عمرة، وهو والد محمد بن سيرين الفقيه المشهور وإخوته، وكان من سبي عين التمر اشتراه أنس في خلافة أبي بكر، وروى هو عن عمر وغيره، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين‏.
    ‏لابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال‏:‏ ‏"‏ هذه مكاتبة أنس عندنا‏:‏ هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين‏:‏ كاتبه على كذا وكذا ألف وعلى غلامين يعملان مثل عمله ‏"‏ واستدل بفعل عمر على أنه كان يرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبد، لأن عمر لما ضرب أنسا على الامتناع دل على ذلك، وليس ذلك بلازم لاحتمال أنه أدبه على ترك المندوب المؤكد، وكذلك ما رواه عبد الرزاق‏:‏ ‏"‏ أن عثمان قال لمن سأله الكتابة‏:‏ لولا آية من كتاب الله ما فعلت ‏"‏ فلا يدل أيضا على أنه كان يرى الوجوب‏.‏
    ونقل ابن حزم القول بوجوبها عن مسروق والضحاك، زاد القرطبي‏:‏ وعكرمة‏.‏
    وعن إسحاق بن راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك‏.‏
    وعن إسحاق بن راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك‏.‏
    وللشافعي قول بالوجوب، وبه قال الظاهرية، واختاره ابن جرير الطبري‏.‏
    قال ابن القصار‏:‏ إنما علا عمر أنسا بالدرة على وجه النصح لأنس، ولو كانت الكتابة لزمت أنسا ما أبى، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الأمر بكتابته غير واجب، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ خذ كسبي وأعتقني ‏"‏ يصير بمنزلة قوله أعتقني بلا شيء وذلك غير واجب اتفاقا ومحل الوجوب عند من قال به إن كان العبد قادرا على ذلك ورضي السيد بالقدر الذي تقع به المكاتبة‏.‏
    وقال أبو سعيد الإصطخري‏:‏ القرينة الصارفة للأمر في هذا عن الوجوب الشرط في قوله‏:‏ ‏(‏إن علمتم فيهم خيرا‏)
    ( ج5/ ص 231)
    قال ابن بطال‏:‏ المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة‏.‏
    وقال ابن خزيمة‏:‏ ليس في كتاب الله أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل، لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل‏.‏
    وقال النووي‏:‏ قال العلماء الشروط في البيع أقسام، أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه، الثاني شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا، الثالث اشتراط العتق في العبد وهو جائز عند الجمهور لحديث عائشة وقصة بريرة، الرابع ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏ ليس في كتاب الله ‏"‏ أي ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا، ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع وكذلك القياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا‏.‏
    ( ج5/ ص 223)
    ‏إن بريرة‏)‏ هي بفتح الموحدة بوزن فعيلة، مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك‏.‏
    وقيل إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة، هكذا وجهه القرطبي‏.‏
    والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير اسم جويرية وكان اسمها برة وقال‏:‏ ‏"‏ لا تزكوا أنفسكم ‏"‏ فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك‏.
    ‏وكانت بريرة لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل لناس من بني هلال قاله ابن عبد البر، ويمكن الجمع‏.‏
    وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما سيأتي في حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها‏
    فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك، ويؤيده قوله في بقية حديث الزهري في هذا الباب ‏"‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ابتاعي فأعتقي
    ( ج5/ ص 235)
    خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء‏)‏ قال ابن عبد البر وغيره‏:‏ كذا رواه أصحاب هشام عن عروة وأصحاب مالك عنه عن هشام، واستشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط فاسد، واختلف العلماء في ذلك‏:‏ فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في ‏"‏ العالم ‏"‏ بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل‏.‏
    وأشار غيره إلى أنه روي بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا‏:‏ هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته فلا وجه لرده‏.‏
    ثم اختلفوا في توجيهها‏:‏ فزعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ ‏"‏ وأشرطي ‏"‏ بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه‏:‏ أظهري لهم حكم الولاء‏.‏
    والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر ‏"‏ فأشرط فيها نفسه وهو معصم ‏"‏ أي أظهر نفسه انتهى‏.‏
    وأنكر غيره الرواية‏.
    ‏وضعفه أيضا ابن دقيق العيد وقال‏:‏ اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بد في حملها على ذلك من قرينة‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ الأمر في قوله‏:‏ ‏"‏ اشترطي ‏"‏ للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول‏:‏ اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم‏.‏
    ويقوي هذا التأويل قوله في رواية أيمن الآتية آخر أبواب المكاتب ‏"‏ اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ‏"‏ وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريدا به التهديد على مآل الحال كقوله‏:‏ ‏(‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله‏)‏ وكقول موسى‏:‏ ‏(‏ألقوا ما أنتم ملقون‏)‏ أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنه يقول‏:‏ اشترطي لهم فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، ويؤيده قوله حين خطبهم ‏"‏ ما بال رجال يشترطون شروطا إلخ ‏"‏ فوبخهم بهذا القول مشيرا إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله
    وقال النووي‏:‏ أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج‏.‏
    ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدهما، وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، ولأن الشافعي نص وأغرب ابن حزم فقال‏:‏ كان الحكم ثابتا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته صلى الله عليه وسلم وبقوله‏:‏ ‏"‏ إنما الولاء لمن أعتق ‏"‏ ولا يخفى بعدما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب والله المستعان‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبة ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدا ثبت له ولاؤه ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك لأن ذلك غير قادح في العقد بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولا شهيرا يخطب به على المنبر ظاهرا، إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 237)
    جواز كتابة من لا حرفة له وفاقا للجمهور، واختلف عن مالك وأحمد وذلك أن بريرة جاءت تستعين على كتابتها ولم تكن قضت منها شيئا، فلو كان لها مال أو حرفة لما احتاجت إلى الاستعانة لأن كتابتها لم تكن حالة‏.‏
    وقد وقع عند الطبري من طريق أبي الزبير عن عروة ‏"‏ أن عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة وهي لم تقض من كتابتها شيئا ‏"‏ وتقدمت الزيادة من وجه آخر‏.‏
    وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة الناس، والرد على من كره ذلك وزعم أنه أوساخ الناس‏.‏
    وفيه مشروعية معونة المكاتبة بالصدقة، وعند المالكية رواية أنه لا يجزئ عن الفرض‏.‏
    وفيه جواز الكتابة بقليل المال وكثيره، وجواز التأقيت في الديون في كل شهر مثلا كذا من غير بيان أوله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولا لأنه يتبين بانقضاء الشهر الحلول، كذا قال ابن عبد البر، وفيه نظر لاحتمال أن يكون قول بريرة‏:‏ ‏"‏ في كل عام أوقية ‏"‏ أي في غرته مثلا
    ( ج5/ ص 238)
    ال ابن بطال‏:‏ أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه
    وقال النووي‏:‏ صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء‏.‏
    قلت‏:‏ ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه ‏"‏ تهذيب الآثار ‏"‏ ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى‏.‏
    وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك الذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وفائدة‏.‏
    ( ج5/ ص 240)
    وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ‏"‏ ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله، وحجة الجمهور حديث عائشة وهو أقوى، ووجه الدلالة منه أن بريرة بيعت بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرا لامتنع بيعها‏.‏
    في هذا دلالة على أن عقد الكتابة الذي كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع عائشة لها، وفيه رد على من زعم أن عائشة اشترت منهم الولاء، واستدل به الأوزاعي على أن المكاتب لا يباع إلا للعتق، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد تقدم ذكر اختلاف العلماء في ذلك قريبا، والله أعلم‏.‏
    كتاب الهبة
    ( ج5/ ص 243)
    في حديث عائشة المذكور ‏"‏ يا نساء المؤمنين تهادوا ولو فرسن شاة، فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن ‏"‏ وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا‏.‏
    وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف‏.
    ( ج5/ ص 245)
    وزعم صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏ وارتضاه بعض الشراح المتأخرين أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج، وإنما أرادت الحرة والليل، واستدل بأن وجود التمر والماء يقتضي وصفهم بالسعة، وسياقها يقتضي وصفهم بالضيق، وكأنها بالغت في وصف حالهم بالشدة حتى إنه لم يكن عندهم إلا الليل والحرة ا هـ‏.‏
    وما ادعاه ليس بطائل، والإدراج لا يثبت بالتوهم، وقد أشار إلى أن مستنده في ذلك أن بعضهم دعا قوما وقال لهم‏:‏ ما عندي إلا الأسودان فرضوا بذلك، فقال‏:‏ ما أردت إلا الحرة والليل‏.
    ( ج5/ ص 252)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضعة، والأنبياء منزهون عن ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان كما وصفه الله تعالى‏:‏ ‏(‏ووجدك عائلا فأغنى‏)‏ والصدقة لا تحل للأغنياء‏.‏
    وهذا بخلاف الهدية فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه‏.
    ( ج5/ ص 253)
    ‏أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم عليهن الصدقة كما حرمت عليه، لأن عائشة قبلت هدية بريرة وأم عطية مع علمها بأنها كانت صدقة عليهما، وظنت استمرار الحكم بذلك عليها ولهذا لم تقدمها للنبي صلى الله عليه وسلم لعلمها أنه لا تحل له الصدقة، وأقرها صلى الله عليه وسلم على ذلك الفهم ولكنه بين لها أن حكم الصدقة فيها قد تحول فحلت له صلى الله عليه وسلم
    ( ج5/ ص 255)
    روى النسائي وابن ماجه مختصرا من طريق عبد الله البهي عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت، فقال سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها ‏"‏ وقد ذكرته في ‏"‏ باب انتصار الظالم ‏
    ( ج5/ ص 257)
    ا رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ ثلاث لا ترد‏:‏ الوسائد والدهن واللبن ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ يعني بالدهن الطيب، وإسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري فأشار إليه واكتفى بحديث أنس ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة ولذلك كان لا يأكل الثوم ونحوه‏.‏
    قلت‏:‏ لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه، وليس كذلك فإن أنسا اقتدى به في ذلك‏.‏
    وقد ورد النهي عن رده مقرونا ببيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة من طريق عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف الحمل طيب الرائحة ‏"‏ وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال‏:‏ ‏"‏ ريحان ‏"‏ بدل طيب، ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبد الله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ ‏"‏ الطيب ‏"‏ ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد
    ( ج5/ ص 258)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقبه ابن المنير وقال‏:‏ ليس كما قال، بل في نفس الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين‏.‏
    ( ج5/ ص 259)
    أن الذي أهدى قصد أن يعطي أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم‏.‏
    وقال في الجديد كالحنفية‏:‏ الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة‏.‏
    وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلا لكانت بمعنى الصدقة، وليس كذلك فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولا سيما إذا كان فقيرا، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 260)
    حديث ‏"‏ لا يحل لرجل يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ‏"‏ أخرجه أبو داود وابن ماجه بهذا اللفظ من حديث ابن عباس وابن عمر ورجاله ثقات‏.‏
    ( ج5/ ص 261)
    والطبراني عن الشعبي ‏"‏ أن النعمان خطب بالكوفة فقال‏:‏ إن والدي بشير بن سعد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي وأنها قالت‏:‏ أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وفيه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين إحداهما عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن برك النعمان وكانت العطية عبدا، وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم‏.‏
    ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جواب وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا فقالت له أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرة واحدة وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه، والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 263)
    ي رواية المغيرة عن الشعبي عند مسلم ‏"‏ اعدلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر ‏"‏ وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد ‏"‏ إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ فلا إذا ‏"‏ ولأبي داود من هذا الوجه ‏"‏ إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك‏"‏، وللنسائي من طريق أبي الضحى ‏"‏ ألا سويت بينهم ‏"‏ وله ولابن حبان من هذا الوجه ‏"‏ سو بينهم ‏"‏ واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب السوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد إسحاق‏.‏
    وقال به بعض المالكية‏.‏
    ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة‏.‏
    وعن أحمد تصح، ويجب أن يرجع‏.‏
    وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه أو نحو ذلك دون الباقين‏.‏
    وقال أبو يوسف‏:‏ تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار‏.‏
    وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره‏.‏
    ثم اختلفوا في صفة التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية‏.‏
    العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات‏.‏
    وقال غيرهم‏:‏ لا فرق بين الذكر والأنثى‏.‏
    وظاهر الأمر بالتسوية يشهد له‏.‏
    واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه ‏"‏ سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء ‏"‏ أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده حسن‏.‏
    وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان بأجوبة‏:‏ أحدها أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل حكاه ابن عبد البر عن مالك‏.‏
    وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث النعمان ‏"‏ قاربوا بين أولادكم ‏"‏ لا ‏"‏ سووا ‏"‏ وتعقب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية‏.‏
    عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته ‏"‏ إني كنت نحلتك نحلا فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث ‏"‏ وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر‏.‏
    أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البر، ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص، وزعم بعضهم أن معنى قوله‏:‏ ‏"‏ لا أشهد على جور ‏"‏ أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويرده قوله في الرواية ‏"‏ لا أشهد إلا على الحق ‏"‏ وحكى ابن التين عن الداودي أن بعض المالكية احتج بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان، ثم رده عليه‏.‏
    ( ج5/ ص 265)
    استدل به أيضا على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه وكذلك الأم، وهو قول أكثر الفقهاء، إلا أن المالكية فرقوا بين الأب والأم فقالوا للأم أن ترجع إن كان الأب حيا دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح، وبذلك قال إسحاق‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ للأب الرجوع مطلقا‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقا‏.‏
    وقال الكوفيون‏:‏ إن كان الموهوب صغيرا لم يكن للأب الرجوع، وكذا إن كان كبيرا وقبضها، قالوا وإن كانت الهبة لزوج من زوجته أو بالعكس أو لذي رحم لم يجز الرجوع في شيء من ذلك، ووافقهم إسحاق في ذي الرحم وقال‏:‏ للزوجة أن ترجع بخلاف الزوج، والاحتجاج لكل واحد من ذلك يطول، وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعا، وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب
    فيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك‏.‏
    ( ج5/ ص 267)
    فروى عبد الرزاق والطحاوي من طريق محمد بن سيرين ‏"‏ أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح فقال للزوج‏:‏ شاهداك أنها وهبت لك من غير كره ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان ‏"‏ وعند عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر أنه كتب ‏"‏ إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت ‏"‏ قال الشافعي‏:‏ لا يرد شيئا إذا خالعها ولو كان مضرا بها، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏)
    ( ج5/ ص 268)
    قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏)‏‏)‏ ، وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقا إلا في الشيء التافه‏.‏
    وأدلة الجمهور من الكتب والسنة كثيرة، واحتج لطاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ وأحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه‏.‏
    ( ج5/ ص 269)
    أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعا ‏"‏ الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ‏"‏ لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقا لاحتمال أن يكون المسكين محتاجا ونفعه بذلك متعديا والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائي المذكورة ‏"‏ فقال أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم ‏"‏ فبين الوجه في الأولوية المذكورة
    ( ج5/ ص 271)
    حديث رواه أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة وهي بنت أم سلمة قالت‏:‏ ‏"‏ لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها‏:‏ إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك، قال‏:‏ وكان كما قال ‏"‏ الحديث‏.‏
    وإسناده حسن‏.‏
    ( ج5/ ص 273)
    قال ابن بطال‏:‏ لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدين إذا قبل البراءة، قال‏:‏ وإنما اختلفوا إذا وهب دينا له على رجل لرجل آخر، فمن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه ومن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك أن تسلم إليه الوثيقة بالدين ويشهد له بذلك على نفسه أو يشهد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة ا هـ، وعند الشافعية في ذلك وجهان‏:‏ جزم الماوردي بالبطلان، وصححه الغزالي ومن تبعه، وصحح العمراني وغيره الصحة‏.‏
    قيل والخلاف مرتب على البيع إن صححنا بيع الدين من غير من عليه فالهبة أولى، وإن منعناه ففي الهبة وجهان‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج5/ ص 277)
    لما ماتت عائشة رضي الله عنها ورثها أختاها أسماء وأم كلثوم وأولاد أخيها عبد الرحمن، ولم يرثها أولاد محمد أخيها لأنه لم يكن شقيقها، وكأن أسماء أرادت جبر خاطر القاسم بذلك وأشركت معه عبد الله لأنه لم يكن وارثا لوجود أبيه‏.‏
    ( ج5/ ص 279)
    ‏ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح‏)‏ هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا والموقوف أصلح إسنادا من المرفوع، فأما المرفوع فوصله عبد بن حميد من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ‏"‏ وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف، ورواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو كذلك، واختلف على عبد الرزاق عنه في رفعه ووقفه، والمشهور عنه الوقف وهو أصح الروايتين عنه، وله شاهد مرفوع من حديث الحسن بن علي في ‏"‏ مسند إسحاق بن راهويه ‏"‏ وآخر عن عائشة عند العقيلي وإسنادهما ضعيف أيضا، قال العقيلي‏:‏ لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء‏.‏
    ( ج5/ ص 284)
    أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم ‏"‏ أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له، فقال إني لا أقبل هدية مشرك ‏"‏ الحديث رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح‏.‏
    وفي الباب حديث عياض بن حماد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن عياض قال‏:‏ ‏"‏ أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة فقال‏:‏ أسلمت‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ إني نهيت عن زبد المشركين ‏"‏ والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة الرفد، صححه الترمذي وابن خزيمة‏.‏
    وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول‏.‏
    وقيل يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان‏.‏
    وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه‏.‏
    ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس‏.‏
    وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص‏.‏
    ( ج5/ ص 285)
    أخرجه مسلم عن طريق عمرو بن عامر عن قتادة فقال فيه‏:‏ ‏"‏ إن أكيدر دومة الجندل ‏"‏ وأكيدر دومة هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة وسكون الواو بلد بين الحجاز والشام وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع وحصن على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بالجيم والنون ابن أعباء بن الحارث بن معاوية ينسب إلى كندة وكان نصرانيا‏.‏
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به المدينة، فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في المغازي‏.‏
    ( ج5/ ص 287)
    فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم ‏"‏ واسم هذا الأخ عثمان بن حكيم وكان أخا عمر من أمه، أمهما خيثمة بنت هشام بن المغيرة، وهي بنت عم أبي جهل بن هشام بن المغيرة‏.‏
    وقال الدمياطي‏:‏ إنما كان عثمان بن حكيم أخا زيد بن الخطاب أخي عمر لأمه أمهما أسماء بنت وهب‏.‏
    قلت‏:‏ إن ثبت احتمل أن تكون أسماء بنت وهب أرضعت عمر فيكون عثمان بن حكيم أخاه أيضا من الرضاعة كما هو أخو أخيه زيد من أمه‏.‏
    ( ج5/ ص 289)
    وقال الخطابي‏:‏ فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلما ا هـ‏.‏
    ( ج5/ ص 291)
    أخرج ابن سعد عن الواقدي بسنده عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ وأهدى تميم الداري له فرسا يقال له الورد فأعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع ‏"‏ الحديث، فعرف بهذا تسميته وأصله،
    ( ج5/ ص 293)
    قد استدل به بعض المتأخرين لقول بعض السلف كشريح إنه يكفي الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه، وترجم أبو داود في السنن ‏"‏ باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم ‏"‏ وساق قصة خزيمة بن ثابت في سبب تسميته ذا الشهادتين وهي مشهورة، والجمهور على أن ذلك خاص بخزيمة والله أعلم‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ يحتمل أن يكون مروان أعطى ذلك من يستحق عنده العطاء من مال الله، فإن كان النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه كان تنفيذا له، وإن لم يكن كان هو المنشئ للعطاء، قال‏:‏ وقد يكون ذلك خاصا بالفيء كما وقع في قصة أبي قتادة حيث قضى له بدعواه وشهادة من كان عنده السلب‏.‏
    ( ج5/ ص 294)
    والعمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي ضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية فيعطي الرجل الدار ويقول له‏:‏ أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها عمرى لذلك، وكذا قيل لها رقبى لأن كلا منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه، وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلها لغة‏.‏
    أما شرعا فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرح باشتراط ذلك‏.‏
    وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس والماوردي عن داود وطائفة‏.‏
    لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية‏.‏
    ( ج5/ ص 297)
    في الباب عدة أحاديث ليس فيها شيء على شرط البخاري، أشهرها حديث أبي أمامة أنه ‏"‏ سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول‏:‏ العارية مؤداة، والزعيم غارم ‏"‏ أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان‏.‏
    قلت‏:‏ في الاستدلال به نظر، وليس فيه دلالة على التضمين لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏(‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏)‏ وإذا تلفت الأمانة لم يلزم ردها‏.‏
    نعم روى الأربعة وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه ‏"‏ على اليد ما أخذت حتى تؤديه ‏"‏ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، فإن ثبت ففيه حجة لقول الجمهور، والله أعلم‏.‏

صفحة 9 من 9 الأولىالأولى 123456789

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •