[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 8
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 8 من 12 الأولىالأولى 123456789101112 الأخيرةالأخيرة
النتائج 141 إلى 160 من 236
19اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #141
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 94)
    قال ابن بطال‏:‏ استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختصن بغيره كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته وينشط لها إذا احتاج إليه أولى، وقد تقدم الكلام على بقية فوائد حديث ابن عباس في أبواب الوتر‏.‏.
    ( ج3/ 97)
    (‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ زاد مسلم في روايته ‏"‏ ونهينا عن الكلام ‏"‏ ولم يقع في البخاري، وذكرها صاحب العمدة ولم ينبه أحد من شراحها عليها، واستدل بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله ‏"‏ ونهينا عن الكلام ‏"‏ وأجيب بأن دلالته على ضده دلالة التزام، ومن ثم وقع الخلاف فلعله ذكر لكونه أصرح والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 98)
    أجمعوا على أن الكلام في الصلاة - من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم - مبطل لها، واختلفوا في الساهي والجاهل فلا يبطلها القليل منه عند الجمهور، وأبطلها الحنفية مطلقا
    ‏قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ الفرق بين قليل الفعل للعامد فلا يبطل وبين قليل الكلام أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالبا لمصلحتها وتخلو من الكلام الأجنبي غالبا مطردا، والله أعلم‏.‏

    ( ج3/ ص 102)
    قال ابن بطال‏:‏ سبب دعاء أم جريج على ولدها أن الكلام في الصلاة كان في شرعهم مباحا، فلما آثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها دعت عليه لتأخيره حقها انتهى‏.‏
    ‏( ج3/ ص 102)
    يا بابوس ‏"‏ بموحدتين بينهما ألف ساكنة والثانية مضمومة وآخره مهملة قال القزاز‏:‏ هو الصغير‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ الرضيع، وهو بوزن جاسوس‏.‏
    واختلف هل هو عربي أو معرب‏؟‏ وأغرب الداودي الشارح فقال‏:‏ هو اسم ذلك الولد بعينه وفيه نظر، وقد قال الشاعر‏:‏ حنت قلوصي إلى بابوسها جزعا‏.‏
    ( ج3/ ص 104)
    وقال عياض‏:‏ كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف‏.‏
    ( ج3/ ص 108)
    حجة للفقهاء في قولهم‏:‏ أن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله‏.‏
    وقد أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها
    أن المشي القليل لا يبطل الصلاة،
    .‏
    ( ج3/ ص 109)
    قال البخاري رحمه الله : في " باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
    وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ
    وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به وقد اختلط في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه.‏
    ( ج3/ ص 111)
    .‏قال ابن بطال‏:‏ وروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة، ولا يقطعها كما يقطعها الكلام، هو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق، وفي المدونة‏:‏ النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة‏.‏
    وعن أبي حنيفة ومحمد‏:‏ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام وإلا فلا، قال والقول الأول أولى، وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة فدل على جواز النفخ فيها إذ لا فرق بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة انتهى كلامه، ولم يذكر قول الشافعية في ذلك والمصحح عندهم أنه إن ظهر من النفخ أو التنخم أو البكاء أو الأنين أو التأوه أو التنفس أو الضحك أو التنحنح حرفان بطلت الصلاة وإلا فلا، قال ابن دقيق العيد‏:‏ ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلاما، وإن لم يكن كذلك فالإبطال به لا يكون بالنص بل بالقياس فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل
    ( ج3/ ص 111)
    نقل ابن المنذر الإجماع على أن الضحك يبطل الصلاة ولم يقيده بحرف ولا حرفين، وكأن الفرق ببن الضحك والبكاء أن الضحك يهتك حرمة الصلاة بخلاف البكاء ونحوه، ومن ثم قال الحنفية وغيرهم إن كان البكاء من أجل الخوف من الله تعالى لا تبطل به الصلاة مطلقا
    ( ج3/ ص 111)
    ‏ورد في كراهة النفخ في الصلاة حديث مرفوع أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة قالت ‏"‏ رأى النبي صلى الله عليه وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ، فقال‏:‏ يا أفلح ترب وجهك ‏"‏ رواه الترمذي وقال‏:‏ ضعيف الإسناد‏.‏
    قلت‏:‏ ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ لأنه لم بأمره بإعادة الصلاة، إنما يستفاد من قوله ترب وجهك استحباب السجود على الأرض فهو نحو النهي عن مسح الحصى‏.‏
    .‏
    ( ج3/ ص 116)
    ويؤيد الأول ما روى أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن زياد قال‏:‏ صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال‏:‏ هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه‏.‏
    واختلف في حكمة النهي عن ذلك فقيل‏:‏ لأن إبليس أهبط متخصرا أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال موقوفا‏.‏
    وقيل‏:‏ لأن اليهود تكثر من فعله فنهي عنه كراهة للتشبه بهم أخرجه المصنف في ذكر بني إسرائيل عن عائشة، زد ابن أبي شيبة فيه ‏"‏ في الصلاة ‏"‏ وفي رواية له ‏"‏ لا تشبهوا باليهود ‏"‏ وقيل‏:‏ لأنه راحة أهل النار أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن مجاهد قال ‏"‏ وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار ‏"‏ وقيل لأنها صفة الراجز حين ينشد رواة سعيد بن منصور من طريق قيس بن عباد بإسناد حسن، وقيل لأنه فعل المتكبرين حكاه المهلب، وقيل لأنه فعل أهل المصائب حكاه الخطابي، وقول عائشة أعلى ما ورد في ذلك ولا منافاة بين الجميع‏.‏
    ( ج3/ ص 117)
    من طريق عياض الأشعري قال ‏"‏ صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فقال له أبو موسى‏:‏ إنك لم تقرأ، فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال‏:‏ صدق، فأعاد‏.‏
    فلما فرغ قال‏:‏ لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عير جهزتها إلى الشام فجعلت أتفكر فيها‏"‏‏.‏
    وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة لا لكونه كان مستغرقا في الفكرة‏

  2. #142
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 120)
    سهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء‏.‏
    واختلف في حكمه فقال الشافعية‏:‏ مسنون كله، وعن المالكية السجود للنقص واجب دون الزيادة، وعن الحنابلة التفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها سهوا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده‏.‏
    وعن الحنفية واجب كله وحجتهم قوله في حديث ابن مسعود الماضي في أبواب القبلة ‏"‏ ثم ليسجد سجدتين ‏"‏ ومثله لمسلم من حديث أبي سعيد والأمر للوجوب‏.‏
    ( ج3/ 121)
    عبد الله ابن بحينة‏)‏ أن بحينة اسم أمه أو أم أبيه، وعلى هذا فينبغي أن يكتب ابن بحينة بألف
    ( ج3/ ص 122)
    إن السجود خاص بالسهو فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بسجود السهو لا يسجد وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي وناس من الشافعية، واستدل به أيضا على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام وإن لم يسه المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها فسجد وتحقق المأموم أن الإمام لم يسه فيما سجد له وفي تصويرها عسر،
    *وأن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر لا يرجع فقد سبحوا به صلى الله عليه وسلم فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي خلافا للجمهور،
    *وأن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما طريقه التشريع،
    ( ج3/ ص 123)
    أراد البخاري التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام وفي الزيادة يسجد بعده، وبالتفرقة هكذا قال مالك والمزني وأبو ثور من الشافعية، وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره للجمع بين الخبرين قال‏:‏ وهو موافق للنظر لأنه في النقص جبر فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان فيكون خارجها‏.
    ‏وقال ابن دقيق العيد‏:‏ لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة،
    ( ج3/ ص 123)
    قول النووي‏:‏ أقوى المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره‏:‏ بل طريق أحمد أقوى لأنه قال يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال‏:‏ ولولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لرأيته كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعله قبل السلام‏.‏
    أما داود فجرى على ظاهريته فقال‏:‏ لا يشرع سجود السهود إلا في المواضع التي سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها فقط‏.‏
    وعند الشافعي سجود السهو كله قبل السلام‏.‏
    وعند الحنفية كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث الباب‏.‏
    ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها‏
    ( ج3/ ص 127)
    وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين ونص على ذلك الشافعي رحمه الله في ‏"‏ اختلاف الحديث‏
    ( ج3/ ص128)
    قال ابن المنذر‏:‏ لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت‏.‏
    لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي وفي إسنادهما ضعف، فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي‏:‏ وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة‏.‏
    ( ج3/ ص 128)
    اختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبير السجود‏؟‏ فالجمهور على الاكتفاء،
    ( ج3/ ص 129)
    ما قاله أصحاب المعاني‏:‏ إن لفظ كل إذا تقدم وعقبها النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول لم يكن كل ذلك،
    ( ج3/ 130)
    اختلفوا في قدر الطول فحده الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ بالعرف، وفي البويطي بقدر ركعة، وعن أبي هريرة قدر الصلاة التي يقع السهو فيها‏.‏
    ( ج3/ ص 137)
    فقد ثبت في مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عنهما فقالت ‏"‏ كان يصليهما قبل العصر فشغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها ‏"‏ أي داوم عليها‏.‏
    ومن طريق عروة عنها ‏"‏ ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط ‏"‏ ومن ثم اختلف نظر العلماء فقيل‏:‏ تقضى الفوائت في أوقات الكراهة لهذا الحديث، وقيل هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل هو خاص بمن وقع له نظير ما وقع له‏.

  3. #143
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 142)
    حكى الترمذي عن عبد الله بن المبارك أنه لقن عند الموت فأكثر عليه فقال‏:‏ إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام‏.‏
    وهذا يدل على أنه كان يرى التفرقة في هذا المقام‏.‏
    ( ج3/ ص 144)
    أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة‏.‏
    ( ج3/ ص 150)
    قال ابن المرابط‏:‏ مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام‏.‏
    ( ج3/ ص 151)
    كان حذيفة إذا مات له الميت يقول‏:‏ لا تؤذنوا به أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين ينهى عن النعي ‏"‏ أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن، قال ابن العربي‏:‏ يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات، الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم‏.‏
    ( ج3/ ص 153)
    قد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، ولكن أشار الإسماعيلي إلى اعتراض لفظي فقال‏:‏ يقال في البالغ احتسب وفي الصغير افترط انتهى‏.‏
    وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دريد وغيره احتسب فلان بكذا طلب أجرا عند الله، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها وهي حجة في صحة هذا الاستعمال‏.‏
    ( ج3/ ص 155)
    فيلزم على قول القرطبي أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر مع تجدد المصيبة وكفى بهذا فسادا، والحق أن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها لأنه كالمعلوم عندهم إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم والله أعلم‏.‏
    وقال القرطبي أيضا‏:‏ يحتمل أن يفترق الحال في ذلك بافتراق حال المصاب من زيادة رقة القلب وشدة الحب ونحو ذلك،
    ( ج3/ 160)
    واختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل هو الدخول روى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار أخبرني من سمع من ابن عباس فذكره، وروى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما‏"‏، وروى الترمذي وابن أبي حاتم من طريق السدي سمعت مرة يحدث عن عبد الله بن مسعود قال يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم
    لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم فأعلاهم درجة من يمر كلمع البرق
    ما رواه مسلم من حديث أم مبشر ‏"‏ إن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال‏:‏ لا يدخل أحد شهد الحديبية النار‏:‏ أليس الله يقول ‏(‏وإن منكم إلا واردها‏)‏ فقال لها‏:‏ أليس الله تعالى يقول ‏(‏ثم ننجي الذين اتقوا‏)‏ الآية ‏"‏ وفي هذا بيان ضعف قول من قال الورود مختص بالكفار ومن قال معنى الورود الدنو منها ومن قال معناه الإشراف عليها ومن قال معن ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد ولا ينافيه بقية الأحاديث والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 160)
    أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور ووقفت طائفة قليلة
    فيه أن من حلف أن لا يفعل كذا ثم فعل منه شيئا ولو قل برت يمينه خلافا لمالك قاله عياض وغيره‏.‏
    ( ج3/ ص 162)
    أشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود من طريق عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ‏"‏ رواته ثقات إلا عمرو بن عمير فليس بمعروف، وروى الترمذي وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏
    وقال ابن أبي حاتم عن أبيه‏:‏ الصواب عن أبي هريرة موقوف‏.‏
    وقال أبو داود بعد تخريجه‏:‏ هذا منسوخ، ولم يبين ناسخه‏.‏
    وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في تاريخه‏:‏ ليس فيمن غسل ميتا فليغتسل حديث ثابت‏.‏
    ( ج3/ ص 164)
    وقال ابن عبد البر‏:‏ لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا وإلا فخمسا وإلا فأكثر، قال‏:‏ فرأينا أن أكثر من ذلك سبع‏.‏
    وقال الماوردي‏:‏ الزيادة على السبع سرف‏.‏
    وقال ابن المنذر‏:‏ بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء فلا أحب الزيادة على ذلك‏.‏
    ( ج3/ ص 172)
    استدل بعض الحنفية على أن الزوج لا يتولى غسل زوجته، لأن زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم النسوة بغسل ابنته دون الزوج، وتعقب بأنه يتوقف على صحة دعوى أنه كان حاضرا، وعلى تقدير تسليمه فيحتاج إلى ثبوت أنه لم يكن به مانع من ذلك ولا آثر النسوة على نفسه، وعلى تسليمه فغاية ما فيه أن يستدل به على أن النسوة أولى منه لا على منعه من ذلك لو أراده‏.
    ( ج3/ ص 173)
    ‏عن الحنفية أن المستحب عندهم أن يكون في أحدها ثوب حبرة، وكأنهم أخذوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام كفن في ثوبين وبرد حبرة أخرجه أبو داود من حديث جابر وإسناده حسن، لكن روى مسلم والترمذي من حديث عائشة أنهم نزعوها عنه، قال الترمذي‏:‏ وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه‏.
    ( ج3/ ص 174)
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل‏.‏
    ( ج3/ ص 175)
    أغرب القرطبي فحكى عن الشافعي أن المحرم لا يصلي عليه، وليس ذلك بمعروف عنه‏.‏
    ( ج3/ ص 186)
    وقال القرطبي‏:‏ ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة‏.‏
    ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال ‏"‏ دعها يا عمر ‏"‏ الحديث‏.‏
    وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة ورجاله ثقات‏.‏
    ( ج3/ 189)
    أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث،
    ( ج3/ ص 189)
    لزينب بنت أبي سلمة ثلاثة إخوة‏:‏ عبد الله وعبد يغير إضافة وعبيد الله بالتصغير، فأما الكبير فاستشهد بأحد وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدا لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أمها أم سلمة وهي صغيرة ترضع كما سيأتي في الرضاع أن أمها حلت من عدتها من أبي سلمة بوضع زينب هذه
    وأما عبد بغير إضافة فيعرفه بأبي حميد وكان شاعرا أعمى وعاش إلى خلافة عمر، وقد جزم إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة،
    وأما عبيد الله المصغر فأسلم قديما وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة ثم تنصر هناك ومات فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعده أم حبيبة،
    ( ج3/ ص 190)
    قول ابن حزم‏:‏ إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به‏.‏
    واختلف في النساء فقيل‏:‏ دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث الباب، وموضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة‏.‏
    وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن ‏"‏ فقيل لها‏:‏ أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏؟‏ قالت نعم، كان نهي ثم أمر بزيارتها ‏"‏ وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في ‏"‏ المهذب ‏"‏ واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في ‏"‏ باب اتباع النساء الجنائز ‏"‏ وبحديث ‏"‏ لعن الله زوارات القبور ‏"‏ أخرجه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت‏.‏
    ( ج3/ ص 190)
    واختلف من قال بالكراهة في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه‏؟‏ قال القرطبي‏:‏ هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال‏:‏ إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء‏.‏
    ( ج3/ ص 192)
    قال الخطابي‏:‏ المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو‏.‏
    وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر‏.‏
    ( ج3/ ص 192)
    استدل به على جواز زيارة القبور سواء كان الزائر رجلا أو امرأة كما تقدم، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الاستفصال في ذلك‏.‏
    قال النووي‏:‏ وبالجواز قطع الجمهور‏.‏
    وقال صاحب الحاوي‏:‏ لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 195)
    فالحديث وإن كان دالا على تعذيب كل ميت بكل بكاء لكن دلت أدلة أخرى على تخصيص ذلك ببعض البكاء
    أن الذي يعذب ببعض بكاء أهله من كان راضيا بذلك بأن تكون تلك طريقته
    قال ابن المبارك‏:‏ إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء‏.‏
    حديث عامر بن سعد عن أبي مسعود الأنصاري وقرظة بن كعب قالا ‏"‏ رخص لنا في البكاء عند المصيبة في غير نوح ‏"‏ أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني وصححه الحاكم، لكن ليس إسناده على شرط البخاري فاكتفى بالإشارة إليه واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه‏.‏
    ( ج3/ ص 197)
    قد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع‏:‏ أولها طريقة البخاري كما تقدم توجيهها‏.‏
    ثانيها وهو أخص من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية وغيرهم حتى قال أبو الليث السمرقندي‏.‏
    إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور قالوا‏:‏ وكان معروفا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد‏:‏ إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال‏.‏
    الثها يقع ذلك أيضا لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظن أنهم يفعلون ذلك قال ابن المرابط‏:‏ إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده‏.‏
    رابعها معنى قوله ‏"‏ يعذب ببكاء أهله ‏"‏ أي بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالبا تكون من الأمور المنهية فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك وهو عين ما يمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة،
    قال ابن حزم‏:‏ فصح أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفا في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهو يعذب بذلك‏.‏
    وقال الإسماعيلي كثر كلام العلماء في هذه المسألة وقال كل مجتهدا على حسب ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحق العذاب عليها‏.‏
    خامسها معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا ‏"‏ الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة‏:‏ واعضداه واناصراه واكاسياه، جبذ الميت وقيل له‏:‏ أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها ‏"‏‏؟‏ ورواه ابن ماجه ‏"‏ يتعتع به ويقال‏:‏ أنت كذلك ‏"‏‏؟‏ ورواه الترمذي بلفظ ‏"‏ ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول‏:‏ واجبلاه واسنداه أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت
    سادسها معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين،
    قال الطبري‏:‏ ويؤيد ما قاله أبو هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعا أخرجه البخاري في تاريخه وصححه الحاكم، قال ابن المرابط‏:‏ حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه‏.‏
    ويحتمل أن يجمع بين هذه
    هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا‏:‏ من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كي أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم‏.‏
    والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏
    ( ج3/ ص 203)
    وحكي عن الطحاوي أنه قال‏:‏ لم يقارف تصحيف، والصواب لم يقاول أي لم ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء وتعقب بأنه تغليط للثقة بغير مستند، وكأنه استبعد أن يقع لعثمان ذلك لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف‏

  4. #144
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 206)
    قال الإسماعيلي معترضا على البخاري‏:‏ النقع لعمري هو الغبار ولكن ليس هذا موضعه، وإنما هو هنا الصوت العالي، واللقلقة ترديد صوت النواحة انتهى‏.‏
    ولا مانع من حمله على المعنيين بعد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس لأن ذلك من صنيع أهل المصائب، بل قال ابن الأثير‏:‏ المرجح أنه وضع التراب على الرأس، وأما من فسره بالصوت فيلزم موافقته للقلقة، فحمل اللفظين على معنيين أولى من حملهما على معني واحد، وأجيب بأن بينهما مغايرة من وجه كما تقدم فلا مانع من إرادة ذلك‏.‏
    ( ج2/ ص 207)
    ورواه أيضا من طريق وكيع عن سعيد بن عبيد ومحمد بن قيس الأسدي كلاهما عن علي بن ربيعة قال ‏"‏ أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب ‏"‏ وفي رواية الترمذي ‏"‏ مات رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب فنيح عليه، فجاء المغيرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ ما بال النوح في الإسلام ‏"‏ انتهى‏.‏
    وقرظة المذكور بفتح القاف والراء والظاء المشالة أنصاري خزرجي كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الري، واستخلفه علي على الكوفة، وجزم ابن سعد وغير بأنه مات في خلافته وهو قول مرجوح لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميرا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين‏
    ( ج3/ ص 212)
    عن ابن الأعرابي‏:‏ الصلق ضرب الوجه حكاه صاحب المحكم والأول أشهر، والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها، ولفظ أبي صخرة عند مسلم ‏"‏ أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق ‏"‏ أي حلق شعره وسلق صوته - أي رفعه - وخرق ثوبه،.
    ( ج3/ ص 213)
    أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن ويؤذن بأن المصيبة عظيمة‏
    ( ج3/ ص 220)
    قد روي نحو قول عمر مرفوعا أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون - إلى قوله - المهتدون‏"‏، قال فأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله واسترجع كتب له ثلاث خصال من الخير‏:‏ الصلاة من الله والرحمة، وتحقيق سبل الهدى‏.‏
    ( ج3/ ص 221)
    ما جاء عن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ثم قام وهو يقول ‏(‏واستعينوا بالصبر والصلاة‏)‏ الآية، أخرجه الطبري في تفسيره بإسناد حسن، وعن حذيفة قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ‏"‏ أخرجه أبو داود بإسناد حسن أيضا‏.‏
    قال الطبري‏:‏ الصبر منع النفس محابها وكفها عن هواها، ولذلك قيل لمن لم يجزع صابر لكفه نفسه، وقيل لرمضان شهر الصبر لكف الصائم نفسه عن المطعم والمشرب‏.‏
    ( ج3/ ص 223)
    فائدة في وقت وفاة إبراهيم عليه السلام‏)‏ ‏:‏ جزم الواقدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر‏.‏
    وقال ابن حزم‏:‏ مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان‏.‏
    قال ابن بطال وغيره‏:‏ هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى‏.‏
    ( ج3/ ص 328)
    م أشار البخاري إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب من تبع جنازة .. ‏"‏ حتى توضع بالأرض ‏"‏ على رواية من روى ‏"‏ حتى توضع في اللحد ‏"‏ وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود‏:‏ ‏"‏ رواه أبو معاوية عن سهيل فقال ‏"‏ حتى توضع في اللحد‏"‏، وخالفه الثوري وهو أحفظ فقال ‏"‏ في الأرض ‏"‏ انتهى
    قال سهيل‏:‏ ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال ‏"‏ أخرجه أبو نعيم في المستخرج بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها، وفي المحيط للحنفية‏:‏ الأفضل أن يهال عليها التراب، وحجتهم رواية أبي معاوية، ورجح الأول عند البخاري بفعل أبي صالح لأنه راوي الخبر أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود‏.‏
    ( ج3/ ص229)
    قال بعض السلف‏:‏ يجب القيام، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا ‏"‏ ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع ‏"‏ أخرجه النسائي‏
    ( ج3/ ص 230)
    وقيل لأهل الذمة أهل الأرض لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج
    ( ج3/ ص 231)
    قال ابن حزم‏:‏ قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخا لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي انتهى‏.‏
    وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة، فمر به حبر من اليهود فقال‏:‏ هكذا نفعل، فقال‏:‏ اجلسوا وخالفوهم ‏"‏ أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فلو لم يكن إسناده ضعيفا لكان حجة في النسخ‏.‏
    وقال عياض‏:‏ ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي، وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو هنا ممكن قال‏:‏ والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي انتهى‏
    ( ج3/ ص 233)
    ما أخرجه أبو يعلى من حديث أنس قال ‏"‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى نسوة فقال‏:‏ أتحملنه‏؟‏ قلن‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ أتدفنه‏؟‏ قلن‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ فارجعن مأزورات غير مأجورات‏"‏‏.‏
    ونقل النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدم، ولأن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ قد عذر الله النساء لضعفهن حيث قال ‏(‏إلا المستضعفين من الرجال والنساء‏)‏ الآية، وتعقبه الزين بن المنير بأن الآية لا تدل على اختصاصهن بالضعف بل على المساواة انتهى‏.‏
    والأولى أن ضعف النساء بالنسبة إلى الرجال من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى دليل خاص‏.‏
    .‏
    قال ابن باز في الحاشية :
    " وأصح من هذا الحديث فيما يتعلق بنهي النساء عن حمل الجنازة ما تقدم من حديث أم عطية قالت : " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا " أخرجه الشيخان والله أعلم
    قلت : غاب هذا الحديث عن الحافظ ابن حجر فلعله لم يستحضره . والله اعلم .
    ( ج3/ ص 234)
    .‏ما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعا ‏"‏ الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها ‏"‏ وعن النخعي أنه إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها، وفي المسألة مذهبان آخران مشهوران‏:‏ فالجمهور على أن المشي أمامها أفضل، وفيه حديث لابن عمر أخرجه أصحاب السنن ورجاله رجال الصحيح إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن علي قال ‏"‏ المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ‏"‏ إسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومن تبعهما‏
    ( ج3/ ص 235)
    يستحب الإسراع بالجنازة لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم، قال القرطبي‏:‏ مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن، ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال‏.‏
    .‏حديث ابن عمر ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره ‏"‏ أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح مرفوعا ‏"‏ لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله ‏"‏ الحديث‏.‏
    ( ج3/ ص 238)
    قال ابن بطال‏:‏ أومأ البخاري إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، يعني كما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء أحق على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة‏؟‏ قال‏:‏ لا، إنما يكبرون ويستغفرون‏.
    ( ج3/ ص 238)
    ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعا ‏"‏ من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب ‏"‏ حسنه الترمذي وصححه الحاكم وفي رواية له ‏"‏ إلا غفر له ‏"‏ قال الطبري‏:‏ ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث انتهى‏.‏

    ( ج3/ ص 241)
    قال الخطابي لا يصلي على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في السنن ‏"‏ الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر ‏"‏
    وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد، ومن ذلك قول بعضهم‏:‏ كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون ولا خلاف في جوازها‏.‏
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال‏.‏
    ( ج3/ ص 241)
    من الاعتذارات أيضا أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت غائب غيره، قال المهلب‏:‏ وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه، واستند من قال بتخصيص النجاشي لذلك إلى ما تقدم من إرادة إشاعة أنه مات مسلما أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته، قال النووي‏:‏ لو فتح باب هذا الخصوص لا نسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله‏.‏
    وقال ابن العربي المالكي‏:‏ قال المالكية ليس ذلك إلا لمحمد، قلنا‏:‏ وما عمل به محمد تعمل به أمته، يعني لأن الأصل عدم الخصوصية‏.‏
    قالوا‏:‏ طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا‏:‏ إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف، فإنها سبيل تلاف، إلى ما ليس له تلاف.
    ( ج3/ ص 244)
    فروى سعيد بن منصور عن حماد بن زيد عن كثير ين شنظير قال ‏"‏ سئل الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء فإن ذهب يتوضأ تفوته، قال‏:‏ يتيمم ويصلي ‏"‏ وعن هشيم عن يونس عن الحسن مثله،
    وروى ابن أبي شيبة عن حفص عن أشعث عن الحسن قال ‏"‏ لا يتيمم ولا يصلي إلا على طهر ‏"‏ وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزي لها التيمم لمن خاف فواتها لو تشاغل بالوضوء، وحكاه ابن المنذر عن عطاء وسالم والزهري والنخعي وربيعة والليث والكوفيين، وهي رواية عن أحمد، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس رواه ابن عدي وإسناده ضعيف‏.‏
    ( ج3/ ص 245)
    ونقل ابن عبد البر الاتفاق على اشتراط الطهارة لها إلا عن الشعبي، قال ووافقه إبراهيم بن علية وهو ممن يرغب عن كثير من قوله‏ونقل غيره أن ابن جرير الطبري وافقهما على ذلك وهو مذهب شاذ،
    ( ج3/ ص 246)
    وروى سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال ‏"‏ اتباع الجنازة أفضل النوافل ‏"‏ وفي رواية عبد الرزاق عنه ‏"‏ اتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 247)
    .‏خص القيراط بالذكر لأنه كان أقل ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل‏.‏
    ( ج3/ ص 249)
    قال الكرماني‏:‏ قوله ‏"‏ أكثر علينا ‏"‏ أي في ذكر الأجر أو في كثرة الحديث، كأنه خشي لكثرة رواياته أن يشتبه عليه بعض الأمر انتهى‏.
    ( ج3/ ص 250)
    قال النووي‏:‏ رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان، ومعني رواية الأعرج على هذا كان له قيراطان أي بالأول، وهذا مثل حديث ‏"‏ من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ‏"‏ أي بانضمام صلاة العشاء‏.‏
    ( ج3/ ص 251)
    أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، ويترجح الأول للزيادة، فعند مسلم من طريق معمر في إحدى الروايتين عنه ‏"‏ حتى يفرغ منها ‏"‏ وفي الأخرى ‏"‏ حتى توضع في اللحد ‏"‏ وكذا عنده في رواية أبي حازم بلفظ ‏"‏ حتى توضع في القبر ‏"‏ وفي رواية ابن سيرين والشعبي ‏"‏ حتى يفرغ منها ‏"‏ وفي رواية أبي مزاحم عند أحمد ‏"‏ حتى يقضي قضاؤها ‏"‏ وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي ‏"‏ حتى يقضى دفنها ‏"‏ وفي رواية ابن عياض عند أبي عوانة ‏"‏ حتى يسوى عليها ‏"‏ أي التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك‏.‏
    ويحتمل حصول القيراط بكل من ذلك، لكن يتفاوت القيراط كما تقدم‏.‏
    ( ج3/ ص 255)
    استدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد، ويقويه حديث عائشة ‏"‏ ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد ‏"‏ أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور‏.
    وقد روى ابن أبي شيبة وغيره ‏"‏ أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد ‏"‏ زاد في رواية ‏"‏ ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر ‏"‏ وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك‏.‏
    ( ج3/ ص 257)
    أراد البخاري عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أبي غالب عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد‏:‏ أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل‏؟‏ قال‏:‏ نعم وحكى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علة مناسبة وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدعاء، وتعقب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يصلى عليه إذا انفرد وكان سقطا فأحرى إذا كان باقيا في بطنها أن لا يقصد‏.‏
    ( ج3/ ص 257)
    روى حماد بن زيد عن عطاء بن السائب أن عبد الله بن معقل بن مقرن أتي بجنازة رجل وامرأة فصلى على الرجل ثم صلى على المرأة أخرجه ابن شاهين في الجنائز له، وهو مقطوع فإن عبد الله تابعي‏.‏
    ( ج3/ ص 258)
    اختلف السلف في ذلك‏:‏ فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه يكبر خمسا ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسا، وروى ابن المنذر وغيره عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا، وروي أيضا بإسناد صحيح عن أبي معبد قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فكبر ثلاثا‏.‏
    ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال ‏"‏ كان التكبير أربعا وخمسا، فجمع عمر الناس على أربع ‏"‏ وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال ‏"‏ كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا وستا وخمسا وأربعا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة‏"‏‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال‏:‏ يزيد في التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى انتهى‏.‏
    وفي المبسوط للحنفية قيل‏:‏ إن أبا يوسف قال يكبر خمسا‏.‏
    ( ج3/ ص 258)
    ‏تنبيه‏)‏ وقع في جميع الطرق التي اتصلت لنا من البخاري أصحمة بمهملتين بوزن أفعلة مفتوح العين في المسند والمعلق معا
    ووقع في مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء فهذا متجه، ويتحصل منه أن الرواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها‏.‏
    وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف، قال‏:‏ وهو غلط فيحتمل أن يكون هذا محل الاختلاف الذي أشار إليه البخاري‏.‏
    وحكى كثير من الشراح أن رواية يزيد ورفيقه صحمة بالمهملة بغير ألف، وحكى الكرماني أن في بعض النسخ في رواية محمد بن سنان أصحبة بموحدة بدل الميم‏.‏
    ( ج3/ ص 259)
    قال البخاري :قَالَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا
    وروى عبد الرزاق والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال ‏"‏ السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى ‏"‏ إسناده صحيح‏.‏
    ( ج3/ ص 262)
    اختلف من قال بشرع الصلاة لمن لم يصل فقيل‏:‏ يؤخر دفنه ليصلي عليها من كان لم يصل، وقيل‏:‏ يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر، وكذا اختلف في أمد ذلك‏:‏ فعند بعضهم إلى شهر، وقيل ما لم يبل الجسد، وقيل‏:‏ يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته وهو الراجح عند الشافعية، وقيل‏:‏ يجوز أبدا‏.‏
    ( ج3/ ص 263)
    أغرب ابن حزم فقال‏:‏ يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها، وهو جمود شديد‏.‏وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية ويقول ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها ‏"‏ وهو حديث صحيح
    قال الطحاوي‏:‏ يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى‏.‏
    ( ج3/ ص 265)
    إن رجي بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره، وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي‏.‏
    أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة ‏"‏ وصح أن عليا دفن فاطمة ليلا
    ( ج3/ ص 267)
    وقال الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح‏.‏
    وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه

    ( ج3/ 270)
    جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع ‏"‏ أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه‏"‏، وكأنه كان يجعل بينهما حائلا من تراب ولا سيما إن كانا أجنبيين‏.‏
    ( ج3/ ص 277)
    في السنن لأبي داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ اللحد لنا والشق لغيرنا ‏"‏ وهو يؤيد فضيلة اللحد على الشق‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 278)
    أما أثر إبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم قال في نصرانيين بينهما ولد صغير فاسلم أحدهما‏؟‏ قال‏:‏ أولاهما به المسلم‏.‏
    وأما أثر شريح فأخرجه البيهقي بالإسناد المذكور إلى يحيى بن يحيى ‏"‏ حدثنا هشيم عن أشعث عن الشعبي عن شريح أنه اختصم إليه في صبي أحد أبويه نصراني، قال‏:‏ الوالد المسلم أحق بالولد‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 279)
    ذكره ابن حزم في المحلى قال‏:‏ ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال ‏"‏ إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أو النصراني يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 281)
    أن ابن بشكوال ذكر أن صاحب ‏"‏ العتبية ‏"‏ حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم عبد القدوس، قال‏:‏ وهو غريب ما وجدته عند غيره‏.‏
    ( ج3/ ص 283)
    قال ابن عبد البر‏:‏ لم يقل أحد إنه لا يصلى على ولد الزنا إلا قتادة وحده، واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير‏:‏ لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل حتى يصلي‏.‏
    وقال الجمهور‏:‏ يصلى عليه حتى السقط إذا استهل‏.‏
    ( ج3/ ص 285)
    وروى الطحاوي من طريق محمد بن كعب قال‏:‏ إنما قال أبو هريرة‏:‏ من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة، لكن إسناده ضعيف‏.
    ( ج3/ ص 285)
    قال الزين بن المنير‏:.‏
    والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع، ويجاب عن أثر ابن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت بخلاف وضع الجريدة لأن مشروعيتها ثبتت بفعله صلى الله عليه وسلم، إن كان بعض العلماء قال‏:‏ إنها واقعة عين يحتمل أن تكون مخصوصة بمن أطلعه الله تعالى على حال الميت، وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر فإن عموم قول ابن عمر ‏"‏ إنما يظله عمله ‏"‏ يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله ولو كان تعظيما له لا يتضرر بالجلوس عليه ولو كان تحقيرا له‏.‏
    ( ج3/ ص 286)
    وورد من صحيح الحديث ما أخرجه مسلم عن أبي مرثد الغنوي مرفوعا ‏"‏ لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ‏"‏ قال النووي‏:‏ المراد بالجلوس القعود عند الجمهور‏.‏
    وقال مالك‏:‏ المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف أو باطل انتهى‏.‏
    وكذا أوهمه كلام ابن الجوزي حيث قال‏:‏ جمهور الفقهاء على الكراهة خلافا لمالك، وصرح النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك كما نقله عنهم الطحاوي واحتج له بأثر ابن عمر المذكور‏.‏
    وأخرج عن علي نحوه، وعن زيد بن ثابت مرفوعا ‏"‏ إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول ‏"‏ ورجال إسناده ثقات‏.‏
    ورد ابن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم ‏"‏ لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده ‏"‏ قال‏:‏ وما عهدنا أحدا يقعد على ثيابه للغائط، فدل على أن المراد القعود على حقيقته‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ التأويل المذكور بعيد، لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره، وإنما يكره الجلوس المتعارف‏.
    ( ج3/ ص 288)
    قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبه على طريق الاجتهاد‏.‏
    وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري‏.‏
    لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ‏"‏ وفي رواية للنسائي ‏"‏ أما أنا فلا أصلي عليه‏"‏، لكنه لما لم يكن على شرطه
    ( ج3/ ص 296)
    خلافا لمن نفاه عذاب القبر مطلقا من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم وأكثروا من الاحتجاج له‏.‏
    وذهب بعض المعتزلة كالجياني إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث ترده
    ( ج3/ ص 298)
    قد أخذ ابن جرير وجماعة من الكرامية من هذه القصة أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يخلق فيه إدراكا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم‏.‏
    ذهب ابن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا‏:‏ تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه‏.‏
    وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله ‏"‏ أنه ليسمع خفق نعالهم ‏"‏ وقوله ‏"‏ تختلف أضلاعه لضمة القبر ‏"‏ وقوله ‏"‏ يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق ‏"‏ وقوله ‏"‏ يضرب بين أذنيه ‏"‏ وقوله ‏"‏ فيقعدانه ‏"‏ وكل ذلك من صفات الأجساد‏.‏
    وذهب أبو الهذيل ومن تبعه إلى أن الميت لا يشعر بالتعذيب ولا بغيره إلا بين النفختين، قالوا وحاله كحال النائم والمغشي عليه لا يحس بالضرب ولا بغيره إلا بعد الإفاقة، والأحاديث الثابتة في السؤال حالة تولي أصحاب الميت عنه ترد عليهم‏.‏

  5. #145
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ......
    ( ج3/ ص 301)
    زاد مسلم‏ في رواية له ‏"‏ يأتيه ملكان ‏"‏ زاد ابن حبان والترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة ‏"‏ أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير ‏"‏ وفي رواية ابن حبان ‏"‏ يقال لهما منكر ونكير ‏"‏ زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة ‏"‏ أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد ‏"‏ ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد ‏"‏ يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها ‏"‏ وأورد ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ حديثا فيه ‏"‏ أن فيهم رومان وهو كبيرهم ‏"‏ وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير‏.
    ( ج3/ ص 302)
    اختلفت هذه الروايات لفظا وهي مجتمعة على أن كلا من الكافر والمنافق يسأل، ففيه تعقب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان إن محقا وإن مبطلا، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين قال ‏"‏ إنما يفتن رجلان‏:‏ مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه ‏"‏ وهذا موقوف‏
    ( ج3/ ص 303)
    لأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي أولى بالقبول، وجزم الترمذي الحكيم بأن الكافر يسأل، واختلف في الطفل غير المميز فحزم القرطبي في التذكرة بأنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل، ومن ثم قالوا‏:‏ لا يستحب أن يلقن‏.‏
    واختلف أيضا في النبي هل يسأل، وأما الملك فلا أعرف أحدا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن، وقد مال ابن عبد البر إلى الأول وقال‏.‏
    وتعقبه ابن القيم في ‏"‏ كتاب الروح ‏"‏ وقال‏:‏ في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى ‏(‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين‏)‏ وفي حديث أنس في البخاري ‏"‏ وأما المنافق والكافر ‏"‏ بواو العطف، وفي حديث أبي سعيد ‏"‏ فإن كان مؤمنا - فذكره وفيه - وإن كان كافرا
    ( ج3/ 305)
    والمراد بالثقلين الإنس والجن، قيل لهم ذلك لأنهم كالثقل على وجه الأرض‏.‏
    ج3/ ص 305)
    (والمسألة وهل هي واقعة على كل واحد‏؟
    وهل تختص بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها‏؟‏ ظاهر الأحاديث الأول وبه جزم الحكيم الترمذي وقال‏:‏ كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل فإن أطاعوا فذاك وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين انتهى‏.‏
    ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعا ‏"‏ أن هذه الأمة تبتلى في قبورها ‏"‏ الحديث أخرجه مسلم، ومثله عند أحمد
    وجنح ابن القيم إلى الثاني وقال‏:‏ ليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بكيفية امتحانهم في القبور لا أنه نفى ذلك عن غيرهم، قال‏:‏ والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة‏.‏
    ( ج3/ ص 305)
    أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافا لمن رده واحتج
    بقوله تعالى ‏(‏قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين‏)‏ الآية قال‏:‏ فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثا وهو خلاف النص، والجواب بأن المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى‏.‏.‏
    .‏
    .‏( ج3/ ص 310)
    قال النووي‏:‏ أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة‏.‏
    ( ج3/ ص 310)
    وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن علي مرفوعا ‏"‏ أن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار ‏"‏ ثم قرأ ‏(‏والذين آمنوا واتبعتهم‏)‏ الآية، وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية وبه جزم ابن عباس‏.‏
    ( ج3/ ص 311)
    قال بعض المسلمين‏:‏ وأولاد المشركين‏؟‏ فقال‏:‏ وأولاد المشركين ‏"‏ ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعا ‏"‏ سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم ‏"‏ إسناده حسن‏.‏
    وورد تفسير ‏"‏ اللاهين ‏"‏ بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعا أخرجه البزار، وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت ‏"‏ قلت يا رسول الله من في الجنة‏؟‏ قال‏:‏ النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة ‏"‏ إسناده حسن‏.‏
    ( ج3/ ص 312)
    واختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال‏:‏ أحدها أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي في ‏"‏ الاعتقاد ‏"‏ عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر‏:‏ وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث ‏"‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏"‏‏.‏
    ثانيها أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى ‏(‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏)‏ وتعقبه بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه ‏(‏أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن‏)‏ وأما حديث ‏"‏ هم من آبائهم أو منهم ‏"‏ فذاك ورد في حكم الحربي، وروى أحمد من حديث عائشة ‏"‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين، قال‏:‏ في الجنة‏.‏
    وعن أولاد المشركين، قال‏:‏ في النار فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال، قال‏:‏ ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار ‏"‏ وهو حديث ضعيف جدا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية وهو متروك‏.‏
    ثالثها أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار‏.‏
    رابعها خدم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى، وللطبراني والبزار من حديث سمرة مرفوعا ‏"‏ أولاد المشركين خدم أهل الجنة ‏"‏ وإسناده ضعيف‏.‏
    خامسها أنهم يصيرون ترابا، روي عن ثمامة بن أشرس‏.‏
    سادسها هم في النار حكاه عياض عن أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه ولا يحفظ عن الإمام أصلا‏.‏
    سابعها أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل‏.‏
    وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في ‏"‏ كتاب الاعتقاد ‏"‏ أنه المذهب الصحيح، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى ‏(‏يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون‏)‏ وفي الصحيحين ‏"‏ أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقا، فلا يستطيع أن يسجد‏"‏‏.‏
    ثامنها أنهم في الجنة، وقد تقدم القول فيه في ‏"‏ باب فضل من مات له ولد ‏"‏ قال النووي‏:‏ وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى ‏(‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا‏)‏ وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى، ولحديث سمرة المذكور في هذا الباب، ولحديث عمة خنساء المتقدم، ولحديث عائشة الآتي قريبا‏.‏
    تاسعها الوقف‏.‏
    ( ج3/ ص 315)
    أشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، قال ابن عبد البر‏:‏ وهو المعروف عند عامة السلف‏.‏
    وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى ‏(‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏)‏ الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب‏:‏ اقرؤوا إن شئتم ‏(‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏)‏ وبحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ‏"‏ إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ‏"‏ الحديث‏.
    قال أحمد‏:‏ من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه‏.‏
    ( ج3/ ص 316)
    قال ابن القيم‏:‏ ليس المراد بقوله ‏"‏ يولد على الفطرة ‏"‏ أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن الله يقول ‏(‏والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا‏)‏ ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا‏.‏
    ( ج3/ ص 317)
    قال ابن القيم‏:‏ سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ فأبواه يهودانه إلخ ‏"‏ محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث ‏"‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 320)
    كأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ‏"‏ ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ‏"‏ وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه وإسناده أضعف‏.‏
    ( ج3/ ص 321)
    لابن سعد من طريق الزهري عن عروة عن عائشة ‏"‏ أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما، ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ‏"‏ وأشار الزين بن المنير إلى أن الحكمة في تأخر وفاته عن يوم الاثنين مع أنه كان يحب ذلك ويرغب فيه لكونه قام في الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ( ج3/ ص 321)
    وروى أبو داود من حديث علي مرفوعا ‏"‏ لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا ‏"‏ ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن أخرجه مسلم، فإنه يجمع بينهما بحمل التحسين على الصفة وحمل المغالاة على الثمن‏.‏
    وقيل التحسين حق الميت، فإذا أوصى بتركه اتبع كما فعل الصديق،
    ويؤيده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال‏:‏ قال أبو بكر ‏"‏ كفنوني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 322)
    ما رواه أبو داود بلفظ ‏"‏ موت الفجأة أخذة أسف ‏"‏ وفي إسناده مقال،
    والحديث المذكور أخرجه أبو داود من حديث عبيد بن خالد السلمي ورجاله ثقات، إلا أن راويه رفعه مرة ووقفه أخرى‏.‏
    وقوله ‏"‏أسف ‏"‏ أي غضب وزنا ومعنى
    في ‏"‏ مصنف ابن أبي شيبة ‏"‏ عن عائشة وابن مسعود ‏"‏ موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر ‏"‏ وقال ابن المنير لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة
    قد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي‏:‏ وهو محبوب للمراقبين‏.‏
    ( ج3/ ص 326)
    فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال‏:‏ ‏"‏ دخلت على عائشة فقلت‏:‏ يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ‏"‏ زاد الحاكم ‏"‏ فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة‏.‏
    ( ج3/ ص 327)
    قال ابن رشيد : أن سب الاموات ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه‏
    .‏قال ابن بطال‏:‏ سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير - وقد تكون منه الفلتة - فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، فكذلك الميت
    و
    منع سب الأموات مطلقا، وقد تقدم أن عمومه مخصوص، وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم‏.‏
    وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا‏.‏

  6. #146
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب الزكاة
    ( ج3/ ص 331)
    وقال ابن العربي‏:‏ تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو‏.‏
    وتعريفها في الشرع‏.‏
    إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي‏.‏
    ثم لها ركن وهو الإخلاص، وشرط هو السبب وهو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية‏.‏
    ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الأخرى‏
    ( ج3/ ص 336)
    اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان أشار إليه النووي في باب السير من الروضة، وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر.
    وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها ‏"‏ لا أنزلت آية الصدقة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عاملا فقال ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية‏"‏‏.‏
    والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يحتج به
    ( ج3/ ص 340)
    زاد النسائي في آخر هذا الحديث قال ‏"‏ ويكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه صاحبه ويطلبه‏:‏ أنا كنزك، فلا يزال حتى يلقمه إصبعه‏"‏‏.‏
    وهذه الزيادة قد أفرد البخاري بعضها كما قدمنا إلى قوله ‏"‏ أقرع ‏"‏ ولم يذكر بقيته، وكأنه استغنى عنه بطريق أبي صالح عن أبي هريرة وهو ثاني حديثي الباب‏
    ( ج3/ ص 341)
    في ‏"‏ تهذيب الأزهري ‏"‏‏:‏ سمي أقرع لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط فروة رأسه، قال ذو الرمة‏:‏ قرى السم حتى انمار فروة رأسه عن العظم صل قاتل اللسع ما رده وقال القرطبي‏:‏ الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم، ومن الناس الذي لا شعر برأسه‏.‏
    ( ج3/ ص 345)
    قال ابن عبد البر‏:‏ وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال ‏"‏ هل علي غيرها‏؟‏ قال‏:‏ لا إلا أن تطوع ‏"‏ انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 359)
    في الطبراني من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا ‏"‏ اجعلوا بينكم وبين النار حجابا ولو بشق تمرة ‏"‏ ولأحمد من حديث ابن مسعود مرفوعا بإسناد صحيح ‏"‏ ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة‏"‏، وله من حديث عائشة بإسناد حسن ‏"‏ يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان‏"‏، ولأبي يعلى من حديث أبي بكر الصديق نحوه وأتم منه بلفظ ‏"‏ تقع من الجائع موقعها من الشبعان ‏"‏ وكأن الجامع بينهما في ذلك حلاوتها‏.‏
    وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل، وأن لا يحتقر ما يتصدق به، وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار‏.‏
    ( ج3/ ص 360)
    قال الخطابي‏:‏ فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سيمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر، وأحد الأمرين للموصي والثالث للوارث لأنه إذا شاء أبطله‏.‏.‏
    ( ج3/ ص 62)
    قال ابن سعد‏:‏ قال لنا محمد بن عمر - يعني الواقدي - هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لحوقا وتوفيت في خلافة عمر وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن الصواب‏:‏ وكانت زينب أسرعنا إلخ، ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدمة المصرح فيها بأن الضمير لسودة‏.‏
    وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي‏:‏ ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أول من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك من روايته عن الواقدي، قال‏:‏ ويقويه رواية عائشة بنت طلحة‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏.‏
    هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي فإنه فسره وقال‏:‏ لحوق سودة به من أعلام النبوة‏.‏
    وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهن يدا بالعطاء كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ ‏"‏ فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل وتتصدق ‏"‏ انتهى‏.‏
    وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له‏.‏
    وقد جمع بعضهم بين الروايتين فقال الطيبي‏:‏ يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، وكانت سودة أولهن موتا‏.‏
    فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال أنه قال‏:‏ ماتت سودة في خلافة عمر، وجزم الذهبي في ‏"‏ التاريخ الكبير ‏"‏ بأنها ماتت في آخر خلافة عمر‏.‏
    وقال ابن سيد الناس‏:‏ أنه المشهور‏.‏
    وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين حيث قال‏:‏ أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه‏.‏
    .
    ( ج3/ ص 365)
    نقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوع على العكس من ذلك‏.‏
    ( ج3/ ص 372)
    قال الطبري وغيره‏:‏ قال الجمهور من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبورا على الإضاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره‏.‏
    وقال بعضهم‏:‏ هو مردود‏.‏
    روي عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله‏.
    ‏وقال النووي‏:‏ مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه‏.‏
    ( ج3/ ص 373)
    قال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ يرد على تأويل الخطابي بالآيات والأحاديث الواردة في فضل المؤثرين على أنفسهم، ومنها حديث أبي ذر ‏"‏ فضل الصدقة جهد من مقل ‏"‏ والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته إلى أحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار به بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه أو الإضرار بها أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار وكانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمل من مضض الفقر وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله‏.‏
    ( ج3/ ص 375)
    فأولى ما فسر الحديث بالحديث، ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الآخذ، ثم الآخذة بغير سؤال‏.‏
    وأسفل الأيدي السائلة والمانعة والله أعلم‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ وفي الحديث إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة‏.‏
    وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة‏.‏
    وفيه تفضيل الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر، لأن العطاء إنما يكون مع الغنى، وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث ‏"‏ ذهب أهل الدثور
    ( ج3/ ص 377)
    قال القرطبي‏:‏ المن غالبا يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطي وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يترتب له من الفوائد‏.‏
    ( ج3/ ص 377)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود، زاد غيره‏:‏ وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب‏.‏
    ( ج3/ ص 380)
    قال ابن الجوزي‏:‏ قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ورى عن جوابه، فإنه سأل‏:‏ هل لي فيها من أجر‏؟‏ فقال‏:‏ أسلمت على ما سلف من خير‏.‏
    والعتق فعل خير، كأنه أراد أنك فعلت الخير والخير يمدح فاعله ويجازى عليه في الدنيا، فقد روى مسلم من حديث أنس مرفوعا ‏"‏ أن الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 382)
    قال ابن العربي‏:‏ اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان‏.‏
    ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك قيد الترجمة بالأمر به‏.‏
    ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه‏.
    ‏ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال‏:‏ المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن فيه‏.‏
    ( ج3/ ص 385)
    قال النووي‏:‏ الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ وهو يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه‏.‏
    ( ج3/ ص 386)
    قال الخطابي وغيره‏:‏ وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعا يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله ‏"‏ حتى تعفو أثره ‏"‏ أي تستر جميع بدنه‏.‏
    وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه، كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته،
    ( ج3/ ص 788)
    (‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏)‏ قال‏:‏ من التجارة الحلال أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه، وأخرجه الطبري من طريق هشيم عن شعبة ولفظه ‏(‏من طيبات ما كسبتم‏)‏ قال‏:‏ من التجارة، ‏(‏ومما أخرجنا لكم من الأرض‏)‏ قال‏:‏ من الثمار‏.‏
    ( ج3/ ص 789)
    قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به‏:‏ ترتيب هذا الحديث أنه ندب إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرب منها أو يقوم مقامها وهو العمل والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف أي من سوى ما تقدم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يطق فترك الشر وذلك آخر المراتب‏.‏
    ( ج3/ 389
    ان صلاة الضحى تقوم مقام الثلثمائة
    وستين حسنة التي يستحب للمرء أن يسعى في تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أن المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه، وإنما كان كذلك لأن الصلاة عمل بجميع الجسد فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلثمائة وستين ما بين قول وفعل إذا جعلت كل حرف من القراءة مثلا صدقة، وكأن صلاة الضحى خصت بالذكر لكونها أول تطوعات النهار بعد الفرض وراتبته،
    ( ج3/ ص 390)
    لفظ الصدقة يعم الفرض والنفل، والزكاة كذلك لكنها لا تطلق غالبا إلا على المفروض دون التطوع فهي أخص من الصدقة من هذا الوجه، ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض مرادف الزكاة لا من حيث الإطلاق على النفل، وقد تكرر في الأحاديث لفظ الصدقة على المفروضة ولكن الأغلب التفرقة‏
    ( ج3/ 393)
    ‏فائدة‏)‏ ‏:‏ أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 393)
    قال ابن رشيد‏:‏ وافق البخاري في هذه المسألة( العرض في الزكاة ) الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل‏
    وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس ‏"‏ أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة ‏"‏
    قيل في الجواب عن قصة معاذ إنها اجتهاد منه فلا حجة فيها، وفيه نظر لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن ما يصنع‏.‏
    وقيل كانت تلك واقعة حال لا دلالة فيها لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك‏.‏
    .‏
    ( ج3/ ص 394)
    قال الداودي والجوهري وغيرهما‏:‏ ثوب خميس بسين مهملة هو ثوب طوله خمسة أذرع، وقيل سمي بذلك لأن أول من عمله الخميس ملك من ملوك اليمن‏.‏
    قال عياض‏:‏ ذكره البخاري بالصاد،( خميص ) وأما أبو عبيدة فذكره بالسين، قال أبو عبيدة‏:‏ كأن معاذا عنى الصفيق من الثياب‏
    ( ج3/ ص 396)
    استدل به لأحمد على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب كعشرين شاة مثلا بالكوفة ومثلها بالبصرة أنها لا تضم باعتبار كونها ملك رجل واحد وتؤخذ منها الزكاة لبلوغها النصاب قاله ابن المنذر، وخالفه الجمهور فقالوا‏:‏ يجمع على صاحب المال أموال ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة‏.‏
    ( ج3/ ص 397)
    .‏قال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث‏:‏ إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها‏.‏
    ( ج3/ ص 397)
    عن ابن جريج ‏"‏ قلت لعطاء‏:‏ ناس ‏"‏ خلطاء لهم أربعون شاة‏؟‏ قال‏:‏ عليهم شاة‏.‏
    قلت‏:‏ فلواحد تسعة وثلاثون شاة ولآخر شاة‏؟‏ قال‏:‏ عليهما شاة‏"‏‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ معناه أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة، وهذه تسمى خلطة الجوار‏.‏
    ( ج3/ ص 401)
    قال الماوردي يستدل به على إثبات البسملة في الكتاب الذي بعثه ابا بكر الى انس حين بعثه الى اليمن في ابتداء الكتب وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط‏.
    ( ج3/ 401)
    ‏وقد قال الراغب‏:‏ كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء فرض له فهو بمعنى لم يحرمه عليه‏.‏
    وذكر أن معنى قوله تعالى ‏(‏إن الذي فرض عليك القرآن‏)‏ أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور إن الفرض مرادف للوجوب‏.
    ‏وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 402)
    م(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ الوقص بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وبالسين المهملة بدل الصاد‏:‏ هو ما بين الفرضين عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضا والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 402)
    (‏فإذا بلغت خمسا وعشرين‏)‏ فيه أن في هذا القدر بنت مخاض، وهو قول الجمهور إلا ما جاء عن علي أن في خمس وعشرين خمس شياه فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفا ومرفوعا وإسناد المرفوع ضعيف‏.‏
    ( ج3/ ص 403)
    فقيل أن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر، وهذا قول الزهري وخالفه الجمهور‏.‏
    ( ج3/ ص 405)
    زعم ابن بطال أن حديث معاذ المرفوع ‏"‏ إن في كل ثلاثين بقرة تبيعا وفي كل أربعين مسنة ‏"‏ متصل صحيح وأن مثله في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وفي كلامه نظر‏:‏ أما حديث معاذ فأخرجه أصحاب السنن وقال الترمذي حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك، وفي الحكم بصحته نظر لأن مسروقا لم يلق معاذا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، ففي الموطأ من طريق طاوس عن معاذ نحوه، وطاوس عن معاذ منقطع أيضا، وفي الباب عن علي عند أبي داود، وأما قوله إن مثله في كتاب الصدقة لأبي بكر فوهم منه لأن ذكر البقر لم يقع في شيء من طرق حديث أبي بكر، نعم هو في كتاب عمر والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 415)
    استدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد كذا أطلق بعضهم ورواية المنع عنه مقيدة بالوارث وعبارة الجوزقي‏:‏ ولا لمن تلزمه مؤونته، فشرحه ابن قدامة بما قيدته قال‏:‏ والأظهر الجواز مطلقا إلا للأبوين والولد، وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها ‏"‏ أتجزئ عني ‏"‏ وبه جزم المازري،
    ( ج3/ 416)
    الحث على الصدقة على الأقارب، وهو محمول في الواجبة على من لا يلزم المعطي نفقته منهم، واختلف في علة المنع فقيل لأن أخذهم لها يصيرهم أغنياء فيسقط بذلك نفقتهم عن المعطي، أو لأنهم أغنياء بإنفاقه عليهم، والزكاة لا تصرف لغني، وعن الحسن وطاوس لا يعطي قرابته من الزكاة شيئا وقال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة، وأما إعطاؤها للزوج فاختلف فيه هو رواية عن مالك‏.‏
    ( ج3/ 419)
    وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن بزيزة سماه حميدا، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة‏.‏
    ووقع في رواية ابن جريج أبو جهم بن حذيفة بدل ابن جميل، وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر أنه كان أنصاريا، وأما أبو جهم ابن حذيفة فهو قرشي فافترقا، وذكر بعض المتأخرين أن أبا عبيد البكري ذكر في شرح الأمثال له أنه أبو جهم بن جميل‏.‏
    ( ج3/ ص 424)
    زاد إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق معمر عن الزهري في آخره ‏"‏ فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالا‏"‏‏.‏
    وفيه أيضا سبب ذلك وهو ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه فقال حكيم‏:‏ يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس، فزاده، ثم استزده حتى رضي
    ( ج3/ ص 425)
    ‏وفي أموالهم حق للسائل والمحروم‏)
    وقد اختلف أهل العلم بالتفسير في المراد بالمحروم‏:‏ فروى الطبري من طريق ابن شهاب أنه المتعفف الذي لا يسأل‏.‏
    وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن شهاب أنه بلغه، فذكر مثله، وأخرجه الطبري عن قتادة مثله‏.‏
    ( ج3/ ص 426)
    وكان بعضهم يقول‏:‏ يحرم قبول العطية من السلطان، وبعضهم يقول يكره، وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، والكراهة محمولة على الورع وهو المشهور من تصرف السلف والله أعلم‏.‏
    والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل‏.‏
    ( ج3/ ص 247)
    من سأل تكثرا وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب علي أن هذا الوعيد يختص بمن أكثر السؤال لا من ندر ذلك منه، ه انتهى‏.
    ( ج3/ ص 430)
    قد ورد فيه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش‏.‏
    قيل يا رسول الله وما يغنيه‏؟‏ قال‏:‏ خمسون درهما أوقيمتها من الذهب ‏"‏ وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف وقد تكلم فيه شعبة من أحل هذا الحديث، وحدث به سفيان الثوري عن حكيم فقيل له‏:‏ إن شعبة لا يحدث عنه،
    ( ج3/ ص 433)
    قال الخطابي‏:‏ أنكر أصحاب الرأي الخرص‏.‏
    وقال بعضهم‏:‏ إنما كان يفعل تخويفا للمزارعين لئلا يخونوا إلا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار‏.‏
    وتعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبي، قال‏:‏ وأما قولهم إنه تخمين وغرور فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير
    قال ابن المنذر‏:‏ أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان‏.‏

    ( ج3/ ص 434)
    جواز الابتداء بالنكرة لكن بشرط الإفادة، قال ابن مالك‏:‏ لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدة، فلو اقترن بالنكرة المحضة قرينة يتحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها نحو انطلقت فإذا سبع في الطريق

    ( ج3/ ص 435)
    المراد بجبلي طي المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين ‏"‏ أجأ ‏"‏ بهمزة وجيم مفتوحتين بعدهما همزة بوزن قمر وقد لا تهمز فيكون بوزن عصا و ‏"‏ سلمى ‏"‏ وهما مشهوران، ويقال إنهما سميا باسم رجل وامرأة من العماليق‏. لم أقف على اسم الرجلين المذكورين وأظن ترك ذكرهما وقع عمدا، فقد وقع في آخر حديث ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر حدثه أن العباس بن سهل سمى الرجلين ولكنه استكتمني إياهما قال‏:‏ وأبى عبد الله أن يسميهما لنا‏.‏

    ( ج3/ ص 435)
    ‏ وفي مغازي ابن إسحاق ‏"‏ ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يوحنا بن روبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية ‏"‏ وكذا رواه إبراهيم الحربي في الهدايا من حديث علي، فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه، فلعل العلماء اسم أمه، ويوحنا بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، وروبة بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة، واسم البغلة المذكورة دلدل هكذا جزم به النووي، ونقل عن العلماء أنه لا يعرف له بغلة سواها، وتعقب بأن الحاكم أخرج في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ عن ابن عباس ‏"‏ أن كسرى أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ‏"‏ الحديث، وهذه غير دلدل‏.‏
    ويقال إن النجاشي أهدى له بغلة، وأن صاحب دومة الجندل أهدى له بغلة، وأن دلدل إنما أهداها له المقوقس
    وذكر السهيلي أن التي كانت تحته يوم حنين تسمى فضة وكانت شهباء، ووقع عند مسلم في هذه البغلة أن فروة أهداها له‏.

    في هذا الحديث مشروعية الخرص، ، واختلف القائلون به هل هو وأجب أو مستحب، فحكى الصيمري من الشافعية وجها بوجوبه‏.‏
    وقال الجمهور هو مستحب إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير، واختلف أيضا هل يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطبا وجافا‏؟‏ وبالأول قال شريح القاضي وبعض أهل الظاهر، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري‏.‏
    وهل يمضي قول الخارص أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف‏؟‏ الأول قول مالك وطائفة، والثاني قول الشافعي ومن تبعه‏.‏
    وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أو لا بد من اثنين‏؟‏ وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول‏.‏
    واختلف أيضا هل هو اعتبار أو تضمين‏؟‏ وهما قولان للشافعي أظهرهما الثاني
    في السنن وصحيح ابن حبان من حديث سهل ابن أبي حثمة مرفوعا ‏"‏ إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 439)
    كأن البخاري أشار إلى تضعيف ما روي ‏"‏ أن في العسل العشر ‏"‏ وهو ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال ‏"‏ كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر ‏"‏ وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو بمهملات وزن محمد قال البخاري في تاريخه‏:‏ عبد الله متروك، ولا يصح في زكاه العسل شيء‏.‏
    قال الترمذي‏:‏ لا يصح في هذا الباب شيء‏.‏
    قال الشافعي في القديم‏:‏ حديث أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز انتهى‏.‏
    وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق طاوس ‏"‏ أن معاذا لما أتى اليمن قال‏:‏ لم أؤمر فيهما بشيء ‏"‏ يعني العسل وأوقاص البقر، وهذا منقطع
    قال ابن المنذر‏:‏ ليس في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور وعن أبي حنيفة وأحمد وإسحاق يحب العشر فيما أخذ من غير أرض الخراج‏.‏
    وما نقله عن الجمهور مقابله قول الترمذي بعد أن أخرج حديث ابن عمر فيه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم‏.‏
    وقال بعض أهل العلم‏:‏ ليس في العسل شيء، وأشار شيخنا في شرحه إلى أن الذي نقله ابن المنذر أقوى، قال ابن المنير‏:‏ مناسبة أثر عمر في العسل للترجمة من جهة أن الحديث يدل على أن لا عشر فيه
    ( ج3/ ص 440)
    قد جزم الإسماعيلي بأن كلام البخاري وقع عقب حديث أبي سعيد ودل حديث الباب على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح أو بغير نضح، فإن وجد ما يسقى بهما فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى ذلك وهو قول أهل العلم، قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر نص عليه أحمد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والثاني يؤخذ بالقسط، ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى
    ( ج3/ ص 440)
    أجاب الجمهور بما روي مرفوعا ‏"‏ لا زكاة في الخضراوات ‏"‏ رواه الدارقطني من طريق علي وطلحة ومعاذ مرفوعا وقال الترمذي لا يصح فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيما يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار‏.‏
    وهذا قول مالك والشافعي‏.‏
    وعن أحمد يخرج من جميع ذلك ولو كان لا يقتات وهو قول محمد وأبي يوسف وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض، إلا أن أبا حنيفة قال تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر انتهى‏.‏
    وحكى عياض عن داود أن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة، وهو نوع من الجمع بين الحديثين المذكورين والله أعلم‏.‏
    وقال ابن العربي أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم قال‏:‏ وقد زعم الجويني أن الحديث إنما جاء لتفصيل ما تقل مما تكثر مؤونته، قال ابن العربي‏:‏ لا مانع أن يكون الحديث يقتضي الوجهين والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ 441)
    اختلف في هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب‏؟‏ وبالأول جزم أحمد، وهو أصح الوجهين للشافعية، إلا إن كان نقصا يسيرا جدا مما لا ينضبط فلا يضر قاله ابن دقيق العيد، وصحح النووي في شرح مسلم أنه تقريب، واتفقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على الخمسة أوسق بحسابه ولا وقص فيها‏.

    ( ج3/ ص442)
    بقوله تعالى ‏(‏وآتوا حقه يوم حصاده‏)‏ واختلفوا في المراد بالحق فيها فقال ابن عباس‏:‏ هي الواجبة، وأخرجه ابن جرير عن أنس‏.‏
    وقال ابن عمر‏:‏ هو شيء سوى الزكاة أخرجه ابن مردويه وبه قال عطاء وغيره، وحديث الباب يشعر بأنه غير الزكاة، وكأنه المراد بما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاد عمرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين
    ( ج3/ ص 443)
    قال ابن المنذر ليس لأحد أن يتصدق ثم يشتريها للنهي الثابت، ويلزم من ذلك فساد البيع إلا إن ثبت الإجماع على جوازه‏.‏
    ( ج3/ ص 444)
    (‏فائدة‏)‏ أفاد ابن سعد في الطبقات أن اسم هذا الفرس- في الحديث ان عمر بن الخطاب تصدق بفرس في سبيل الله .. – اسمه الورد وأنه كان لتميم الداري فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه لعمر، ولم أقف على اسم الرجل الذي حمله عليه‏.
    ( ج3/ ص 447)
    ( كخ )هي كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر، قيل عربية وقيل أعجمية، وزعم الداودي أنها معربة، وقد أوردها البخاري في ‏"‏ باب من تكلم بالفارسية‏"‏‏.
    ( ج3/ ص 449)
    استنبط البخاري من قصة بريرة وأم عطية أن للهاشمي أن يأخذ من سهم العاملين إذا عمل على الزكاة، وذلك أنه إنما يأخذ على عمله، قال‏:‏ فلما حل للهاشمي أن يأخذ ما يملكه بالهدية مما كان صدقة لا بالصدقة كذلك يحل له أخذ ما يملكه بعمله لا بالصدقة‏.
    على جواز صدقة التطوع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم فرقوا أنفسهم وبينه صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم ذلك
    ( ج3/ ص 450)
    قال ابن المنير‏:‏ اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله ‏"‏ فترد في فقرائهم ‏"‏ لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث انتهى‏.‏
    قد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق‏.

    (ج3/ ص 451)
    كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا‏؟‏ فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول‏.‏
    ( ج3/ ص 452)
    ستدل به من قال من العلماء إنه لا يشترط التبري من كل دين يخالف دين الإسلام خلافا لمن قال إن من كان كافرا بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به، والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه ودعوى بنوة عزير وغيره فيكتفى بذلك، واستدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور‏.‏
    وقال بعضهم يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية‏.‏
    وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة‏.‏
    ( ج3/ ص 452)
    أحدهما كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كرب وهو تبع الأصغر كما حكاه ابن إسحاق في أوائل السيرة النبوية‏.‏
    ثانيهما قال ابن العربي في شرح الترمذي‏:‏ تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله وهذا لا يمنع كونه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها فلم ينقل عن أحد منهم أنه رد ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى إن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية، فسبحان مقلب القلوب‏.‏
    _( ج3/ 453)
    جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا ‏"‏ دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه ‏"‏ وإسناده حسن،
    ل ابن العربي‏:‏ إلا أنه وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب‏:‏ إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله‏.
    ( ج3/ ص 455)
    ‏روى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدي في قوله تعالى ‏(‏وصل عليهم‏)‏ قال‏:‏ ادع لهم‏.
    قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ عبر المصنف في الترجمة بالإمام ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصديق‏:‏ إنما قال الله لرسوله ‏(‏وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم‏)‏ وهذا خاص بالرسول فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب‏


    ( ج3/ 456)
    واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة وعمر عبد الله إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة وذلك سنة سبع وثمانين، واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء وكرهه مالك والجمهور، قال ابن التين‏:‏ وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء‏:‏ يدعو آخذ الصدقة للتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب الخطابي عنه قديما بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى ولذلك كان لا يليق بغيره انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 457)
    جاء عن ابن عباس التوقف فيه فأخرج ابن أبي شيبة من طريق طاوس قال ‏"‏ سئل ابن عباس عن العنبر فقال‏:‏ إن كان فيه شيء ففيه الخمس ‏"‏ ويجمع بين القولين بأنه كان يشك فيه، ثم تبين له أن لا زكاة فيه فجزم بذلك‏.
    قال الحسن‏:‏ في العنبر واللؤلؤ الخمس‏)‏ وصله أبو عبيد في ‏"‏ كتاب الأموال ‏"‏
    وأراد بذلك البخاري الرد على ما قال الحسن، لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازا
    قال ابن القصار‏:‏ ومفهوم الحديث أن غير الركاز لا خمس فيه ولا سيما اللؤلؤ والعنبر لأنهما يتولدان من حيوان البحر فأشبها السمك‏.‏
    فرق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل فيخمس أو في البحر بالغوص أو نحوه فلا شيء فيه، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز كما أخرجه ابن أبي شيبة وكذا الزهري والحسن كما تقدم وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد‏.‏
    ( ج3/ ص 459)
    قال الحسن‏:‏ ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة
    قال ابن المنذر‏:‏ ولا أعلم أحدا فرق هذه التفرقة غير الحسن‏
    قال ابن بطال‏:‏ ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز، واحتج لهم بقول العرب‏:‏ أركز الرجل إذا أصاب ركازا، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن‏.‏
    الحجة للجمهور تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز.
    ‏الفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلى عمل ومئونة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤونته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه‏.‏
    ن الجمهور ذهبوا إلى أنه المال المدفون
    ( ج3/ ص 463)
    لم أقف على تصريح بما كان مكتوبا على ميسم النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن ابن الصباغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة ‏"‏ زكاة ‏"‏ أو ‏"‏ صدقة‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 463)
    روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال ‏"‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ‏"‏ وتعقب بأن في إسناده راويا مجهولا، وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر
    نقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأولوا قوله ‏"‏ فرض ‏"‏ في الحديث بمعنى قدر، قال ابن دقيق العيد‏:‏ هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 464)
    ظاهرالحديث فرض رسول الله صدقة الفطر.. إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به إلا داود فقال‏:‏ يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة، وخالفه أصحابه والناس واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر ‏"‏ أخرجه مسلم‏.
    ‏مقتضاه أنها على السيد، وهل تجب عليه ابتداء أو تجب على العبد ثم يتحملها السيد‏؟‏ وجهان للشافعية، وإلى الثاني نحا البخاري
    ( ج3/ ص 465)
    قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقا بالنفقة، وفيه نظر لأنهم قالوا إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا، واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلا نحو حديث ابن عمر وزاد فيه ‏"‏ ممن تمونون ‏"‏
    ( ج3/ ص 465)
    ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين قال‏:‏ وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يوما من يوم حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيرا لغة ولا عرفا، واستدل بقوله في حديث ابن عباس ‏"‏ طهرة للصائم ‏"‏ على أنها تجب على الفقير كما تجب على الغني، وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي هريرة عند أحمد وفي حديث ثعلبة بن أبي صعير عند الدارقطني، وعن الحنفية لا تجب إلا على من ملك نصابا، ومقتضاه أنها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغني والفقير واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتقدم ‏"‏ لا صدقة إلا عن ظهر غنى ‏"‏ واشترط الشافعي ومن تبعه أن يكون ذلك فاضلا عن قوت يومه ومن تلزمه نفقته‏.‏
    ( ج3/ 466)
    (‏من المسلمين‏)‏ قال ابن عبد البر‏:‏ لم تختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقاشي ومحمد بن وضاح وابن الصلاح ومن تبعه أن مالكا تفرد بها دون أصحاب نافع، وهو متعقب برواية عمر بن نافع المذكورة في الباب الذي قبله، وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بهذه الزيادة‏.‏
    وقال أبو عوانة في صحيحه‏:‏ لم يقل فيه ‏"‏ من المسلمين ‏"‏ غير مالك والضحاك ورواية عمر بن نافع ترد عليه أيضا‏.‏
    وقال النووي في شرح مسلم‏:‏ رواه ثقتان غير مالك عمر بن نافع والضحاك انتهى‏.‏
    قد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عبد الله بن شوذب عن أيوب وقال فيه أيضا ‏"‏ من المسلمين‏"‏‏.‏
    وذكر شيخنا سراج الدين بن الملقن في شرحه تبعا لمغلطاي أن البيهقي أخرجه من طريق أيوب بن موسى وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن نافع وفيه الزيادة، وقد تتبعت تصانيف البيهقي فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة‏.‏
    واستدل بهذه الزيادة على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهو أمر متفق عليه،
    ونقل ابن المنذر الاجماع على عدم الوجوب عليه .
    ( ج3/ ص 472)
    قال ابن المنذر أيضا‏:‏ لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم‏.‏
    ( ج3/ ص 473)
    لابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
    سئل عن هذه الاية ( قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) فقال : نزلت في زكاة الفطر
    ( ج3/ ص 474)
    قال أبو عبيد في ‏"‏ كتاب الأموال ‏"‏ قال ‏"‏ حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال‏:‏ ليس على المملوك زكاة ولا يزكي عنه سيده إلا زكاة الفطر ‏"‏ وما نقله المصنف عن الزهري هو قول الجمهور‏.
    ‏ قد روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن نافع ‏"‏ أن ابن عمر كان يؤدي زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وغير أرضه، وعن كل إنسان يعوله من صغير وكبير، وعن رقيق امرأته، وكان له مكاتب فكان لا يؤدي عنه ‏"‏ وروى ابن المنذر من طريق ابن إسحاق قال ‏"‏ حدثني نافع أن ابن عمر كان يخرج صدقة الفطر عن أهل بيته كلهم حرهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق ‏"‏
    ( ج3/ ص 475)
    لمالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عن نافع ‏"‏ أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ‏"‏
    عكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين‏

  7. #147
    تاريخ التسجيل
    Aug 2019
    المشاركات
    198

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    مات ابن تیمیة فکشفت عن وجهه وقبّلته،
    وقد علاه الشّیب أکثر ممّا فارقناه،

    لم یترك ولدا صالحا یدعو له،
    لکنّه ترك أمّة صالحة تدعوا له٠

    ابن کثیر / البدایة والنّهایة٣٠٠/١٨

  8. #148
    تاريخ التسجيل
    Aug 2019
    المشاركات
    198

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اختلف أحمد وابن المدیني في الأثبت عن الزّهري،
    فقدّم ابن المدیني ابن عیینة،وقدّم أحمد مالکًا،وعلّل ذلك بأنَّ ابن عیینة أخطأ فیما یقرب عِشرین حدیثًا عن الزُّهري، وذکر فیها ثمانیة عشر حدیثًا،بینما لم یذکر ابن المدیني إلاّ حدیثین أو ثلاثة أخطأ فیهما مالک٠

    مختصر من علل أحمد ٣٤٩/٢

  9. #149
    تاريخ التسجيل
    Aug 2019
    المشاركات
    198

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    قال سفیان الثّوري رحمه الله:

    استوصوا بأهل السنّة خیرا، فإنَّهم غرباء٠

    سیر أعلام النّبلاء ٢٧٣/٧

  10. #150
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 477)
    ‏في الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة‏.
    ‏ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة‏.‏
    وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر‏.‏
    واختلف هل هو على الفور أو التراخي‏؟‏ وهو مشهور
    م اختلف في سنته فالجمهور على أنها سنة ست لأنها نزل فيها قوله تعالى ‏(‏وأتموا الحج والعمرة لله‏)
    ( ج3/ ص 477)
    تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية، وأنها لا تختص بالزاد والراحلة يل تتعلق بالمال والبدن، لأنها لو اختصت للزم المعضوب أن يشد على الراحلة ولو شق عليه، قال ابن المنذر‏:‏ لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة،
    ( ج3/ ص 477)
    الناس قسمان، من يجب عليه الحج ومن لا يجب، الثاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع‏.‏
    ومن لا يجب عليه إما أن يجزئه المأتي به أو لا، الثاني العبد وغير المكلف‏.‏
    والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا، الثاني غير المميز‏.‏
    ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا، الثاني الكافر‏.‏
    فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج إلا الإسلام‏.‏
    ( ج3/ 478)
    قال ابن المنذر‏:‏ اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل‏؟‏ فقال الجمهور‏:‏ الركوب أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولكونه أعون على الدعاء والابتهال ولما فيه من المنفعة
    .وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ المشي أفضل لما فيه من التعب‏.‏
    ويحتمل أن يقال‏:‏ يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فالله أعلم
    ( ج3/ ص 479)
    ولم يخرج البخاري لمالك بن دينار وهو الزاهد المشهور البصري غير هذا الحديث الواحد المعلق في باب الحج على الرحل والغرض منه قوله فيه ‏"‏ وحملها على قتب ‏"‏ وهو بفتح القاف والمثناة بعدها موحدة رحل صغير على قدر السنام
    قوله في رواية أبان ‏"‏ على قتب ‏"‏ أي حملها على مؤخر قتب
    ( ج3/ ص 480)
    وتسمية الحج جهادا إما من باب التغليب أو على الحقيقة، والمراد جهاد النفس لما فيه من إدخال المشقة على البدن والمال
    ( ج3/ ص 480)
    كان أول من حج على رحل وليس تحته شيء عثمان بن عفان ‏"‏ وقوله فيه ‏"‏ ولم يكن شحيحا ‏"‏ إشارة إلى أنه فعل ذلك تواضعا واتباعا لا عن قلة وبخل‏.‏
    وقد روى ابن ماجه هذا الحديث بلفظ آخر لكن إسناده ضعيف فذكر بعد قوله ‏"‏ على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم - ثم قال‏:‏ اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 481)
    قال الأزهري‏:‏ الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء‏.‏
    وقال عياض‏:‏ هذا من قول الله تعالى ‏(‏فلا رفث ولا فسوق‏)‏ والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع انتهى‏.‏
    والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام ‏"‏ فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث‏"‏‏.‏
    ‏(‏فائدة‏)‏ ‏:‏ فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح الفتح في الماضي والضم في المستقبل والله أعلم‏
    ( ج3/ ص 485)
    (‏ذا الحليفة‏)‏ بالمهملة والفاء مصغرا مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم‏.‏
    وقال غيره‏:‏ بينهما عشر مراحل‏.‏
    وقال النووي‏:‏ بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ‏.‏
    وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها بئر علي‏.‏
    .‏
    ( ج3/ ص 485)
    ‏الجحفة‏)‏ بضم الجيم وسكون المهملة، وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة، وفي قول النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ ثلاث مراحل نظر،
    وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبي‏:‏ كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سبل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة‏.‏
    ( ج3/ ص 486)
    وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أن المكان الذي يقال له قرن موضعان‏:‏ أحدهما في هبوط وهو الذي يقال له قرن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له قرن الثعالب والمعروف الأول‏.‏
    وفي ‏"‏ أخبار مكة ‏"‏ للفاكهي أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي صلى الله عليه وسلم الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه قال ‏"‏ فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ‏"‏ الحديث ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية، ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي ‏"‏ ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 486)
    كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج
    وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل
    ( ج3/ ص 487)
    قال المحب الطبري‏:‏ لا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، فتعين حمله على القارن، واختلف في القارن فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة‏.‏
    وقال ابن الماجشون‏:‏ يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل، ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحج فيما محله واحد كالطواف والسعي عند من يقول بذلك، وأما الإحرام فمحله فيهما مختلف، وجواب هذا الإشكال أن المقصود من الخروج إلى الحل في حق المعتمر أن يرد على البيت الحرام من الحل فيصح كونه وافدا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة وهي من الحل ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة فحصل المقصود بذلك أيضا‏.‏
    ( ج3/ ص 488)
    واختلف فيمن جاوز الميقات مريدا للنسك فلم يحرم، فقال الجمهور‏:‏ يأثم ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الإثم فلترك الواجب‏.
    ‏وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير لا يصح حجه وبه قال ابن حزم‏.‏
    وقال الجمهور‏:‏ لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، قال أبو حنيفة بشرط أن يعود ملبيا، ومالك بشرط أن لا يبعد، وأحمد لا يسقط بشيء‏.‏
    ‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ الأفضل في كل ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز‏.
    ( ج3/ ص 490)
    ( ذات عرق ) سمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة مرحلتان، والمسافة اثنان وأربعون ميلا وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة‏.‏
    روى الشافعي من طريق طاوس قال ‏"‏ لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق ‏"‏ وقال في ‏"‏ الأم ‏"‏‏:‏ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس‏.‏
    وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا، وبه قطع الغزالي والرافعي في ‏"‏ شرح المسند ‏"‏ والنووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ وكذا وقع في ‏"‏ المدونة ‏"‏ لمالك، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في ‏"‏ الشرح الصغير ‏"‏ والنووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ أنه منصوص، وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه أخرجه من طريق ابن جريج ‏"‏ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال‏:‏ سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكره، وأخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ ‏"‏ فقال سمعت أحسبه يريد النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه‏.‏
    قال ابن خزيمة‏:‏ رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث‏.‏
    وقال ابن المنذر‏:‏ لم نجد في ذات عرق حديثا ثابتا انتهى‏.‏
    لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا‏.‏
    أما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقال ابن عبد البر‏:‏ هي غفلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 492)
    واستدل به على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شك أنها محيطة بالحرم
    فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتا
    استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات
    ( ج3/ ص 495)
    قال البخاري باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " العقيق واد مبارك "
    *لكن روى أبو أحمد بن عدي من طريق يعقوب بن إبراهيم الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ‏"‏ تخيموا بالعقيق فإنه مبارك
    *قوله ‏"‏تخيموا بالخاء المعجمة والتحتانية أمر بالتخيم والمراد به النزول هناك‏
    وذكر ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ عن حمزة الأصبهاني أنه ذكر في ‏"‏ كتاب التصحيف ‏"‏ أن الرواية بالتحتانية تصحيف وأن الصواب بالمثناة الفوقانية، ولما قاله اتجاه لأنه وقع في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم، وهو من طريق يعقوب بن الوليد عن هشام بلفظه، ووقع في حديث عمر تختموا بالعقيق فإن جبريل أتاني به من الجنة الحديث وأسانيده ضعيفة‏.‏
    *روى الزبير بن بكار في ‏"‏ أخبار المدينة ‏"‏ أن تبعا لما رجع من المدينة انحدر في مكان فقال‏:‏ هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق‏.‏
    ( ج3/ ص 497)
    قال ابن العربي‏:‏ كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد‏.‏
    ( ج3/ ص 498)
    قد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها عند إحرامها
    وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف
    وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران‏.‏
    قد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم، وفي حديث ابن عمر الآتي قريبا ‏"‏ ولا يلبس - أي المحرم - من الثياب شيئا مسه زعفران ‏"‏ وفي حديث ابن عباس الآتي أيضا ‏"‏ ولم ينه إلا عن الثياب المزعفرة ‏"
    واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه‏.‏
    وقال مالك إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية ‏"‏ يجب مطلقا ‏"‏ وعلى أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه خلافا للنخعي والشعبي حيث قالا‏:‏ لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا لرأسه أخرجه ابن أبي شيبة عنهما
    ( ج3/ ص 500)
    أما شم الريحان فقال سعيد بن منصور ‏"‏ حدثنا ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان ‏"‏ وروينا في ‏"‏ المعجم الأوسط ‏"‏ مثله عن عثمان‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر خلافه، واختلف في الريحان فقال إسحاق‏:‏ يباح، وتوقف أحمد‏.‏
    وقال الشافعي يحرم، وكرهه مالك والحنفية‏.‏
    ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا‏.‏
    ( ج3/ 500)
    ما النظر في المرآة فقال الثوري في جامعه رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه ‏"‏ عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن إدريس عن هشام به، ونقل كراهته عن القاسم بن محمد‏.‏
    ( ج3/ ص 501)
    قال ابن عبد البر‏:‏ أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه‏.‏
    ومنع إسحاق عقده وقيل إنه تفرد بذلك، وليس كذلك فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ لا بأس بالهميان للمحرم، ولكن لا يعقد عليه السير ولكن يلفه لفا‏.‏
    ( ج3/ ص 502)
    قد وصل أثر عائشة سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون‏.‏
    وفي هذا رد على ابن التين في قوله‏:‏ أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم‏
    ( ج3/ 502)
    استدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهو قول الجمهور، وعن مالك يحرم ولكن لا فدية‏.‏
    ( ج3/ ص 506)
    ال البيضاوي‏:‏ سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس‏.‏
    ( ج3/ ص 507)
    قال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس
    المراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن فأما لو ارتدى بالقميص مثلا فلا بأس‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، قال‏:‏ ومن النادر المكتل يحمله على رأسه‏.‏
    ( ج3/ ص 508)
    لا فدية على من لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة‏.
    ( ج3/ ص 509)
    ‏قال العلماء‏:‏ والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه، والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات‏.‏
    ( ج3/ ص 511)
    قال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال‏:‏، ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت ‏"‏ كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر ‏"‏ تعني جدتها قال‏:‏ ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا كما جاء عن عائشة قالت ‏"‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه ‏"‏ انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 517)
    خرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال ‏"‏ كانت تلبية عمر ‏"‏ فذكر مثل المرفوع وزاد ‏"‏ لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا النعماء والفضل الحسن ‏"‏ واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال الطحاوي بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب‏:‏ أجمع المسلمون جميعا على هذه التلبية، غير أن قوما قالوا‏:‏ لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم قال ‏"‏ كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك إله الحق لبيك ‏"‏ وبزيادة ابن عمر المذكورة، وخالفهم آخرون فقالوا لا ينبغي أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب
    قال الشيخ أبو حامد‏:‏ حكى أهل العراق عن الشافعي يعني في القديم أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا بل لا يكره ولا يستحب‏.‏
    نصب البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي فقال‏:‏ الاقتصار على المرفوع أحب، ولا ضيق أن يزيد عليها‏.‏
    قال وقال أبو حنيفة إن زاد فحسن‏.‏
    هو شبيه بحال الدعاء في التشهد فإنه قال فيه ‏"‏ ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء ‏"‏ أي بعد أن يفرغ من المرفوع كما تقدم ذلك في موضعه‏.‏
    ( ج3/ ص 517)
    لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة‏:‏ الأول أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد‏.‏
    ثانيها واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية وقال إنه وجد للشافعي نصا يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال‏:‏ التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة‏.‏
    ثالثها واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج
    وقال ابن المنذر قال أصحاب الرأي‏:‏ إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام فهو محرم‏.‏
    رابعها أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية وأهل الظاهر قالوا‏:‏ هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة،
    قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه قال‏:‏ التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس وعكرمة، وحكى النووي عن داود أنه لا بد من رفع الصوت بها وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا‏.‏
    ( ج3/ ص 522)
    *أورد البخاري في باب التلبية حديث ابن عباس ‏"‏ أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر إلى الوادي يلبي ‏.."
    قال المهلب‏:‏ هذا وهم من بعض رواته لأنه لم يأت أثر ولا خبر أن موسى حي وأنه سيحج، إنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر ‏"‏ ليهلن ابن مريم بفج الروحاء ‏"‏ انتهى، وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم،
    وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عباس بلفظ ‏"‏ كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا إصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية، قاله لما مر بوادي الأزرق ‏"‏ واستفيد منه تسمية الوادي، وهو خلف أمج بينه وبين مكة ميل واحد، وأمج بفتح الهمزة والميم وبالجيم قرية ذات مزارع هناك، وفي هذا الحديث أيضا ذكر يونس، أفيقال إن الراوي الآخر غلط فزاد يونس‏؟‏
    قد اختلف أهل التحقيق في معني قوله ‏"‏ كأني أنظر ‏"‏ على أوجه‏:‏ الأول هو على الحقيقة والأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون فلا مانع أن يحجوا في هذا الحال كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائما في قبره يصلي، قال القرطبي‏:‏ حببت إليهم العبادة فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر‏.‏
    ثانيها كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا كيف تعبدوا وكيف حجوا وكيف لبوا، ولهذا قال‏:‏ ‏"‏ كأني‏"‏‏.‏
    رابعها كأنها رؤية منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي، وهذا هو المعتمد عندي
    قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ توهيم المهلب للراوي وهم منه، وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض إنما ثبت أنه سينزل‏.‏
    ( ج3/ ص 524)
    مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك وهذا قول الجمهور، وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين، قال ابن المنير‏:‏ وكأنه مذهب البخاري لأنه أشار بالترجمة إلى أن ذلك
    لأن عليا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام فأحالاه على النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعرفت مراتب الإحرام فلا يصح ذلك والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 527)
    في هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع وهي قوله‏:‏ ‏"‏ قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن - أي بالنساء - ثم يروحوا في الحج تقطر رءوسهم ‏"‏ انتهى، وكان من رأي عمر عدم الترفه للحج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم‏.‏
    وقد أخرج مسلم من حديث جابر أن عمر قال‏:‏ ‏"‏ افصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 527)
    قال المازري‏:‏ قيل إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها‏.‏
    وقال عياض‏:‏ الظاهر أنه نهى عن الفسخ ولهذا كان يضرب الناس عليها كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصا بتلك السنة، قال النووي‏:‏ والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة ونفي الاختلاف في الأفضل
    ( ج3/ ص 528)
    قال عياض‏:‏ وجمهور الأئمة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بالصحابة انتهى‏.‏
    وقال ابن المنير في الحاشية‏:‏ ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دل عليه الكتاب ودلت عليه السنة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد، ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وهم من توهم أنه خالف السنة حيث منع من الفسخ فبين أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام وأن الفسخ كان خاصا بتلك السنة لإبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصح في أشهر الحج انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 529)
    أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك ونقل عن ‏"‏ الإملاء ‏"‏ للشافعي، أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون‏:‏ عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا‏؟‏ قال أبو حنيفة وأحمد‏:‏ نعم‏.‏
    وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه‏:‏ لا‏.‏
    وقال بعض أتباعه‏:‏ تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ‏.‏
    واختلف العلماء أيضا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب‏؟‏ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين‏:‏ هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي

  11. #151
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 535)
    استدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردا كما فعلت عائشة، لكن في رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر ‏"‏ أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أهلي بالحج، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال‏:‏ قد حللت من حجك وعمرتك، قالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال فأعمرها من التنعيم ‏"‏
    وقع في رواية لمسلم ‏"‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه ‏
    ( ج3/ 536)
    ‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتع دليلا لمسألة اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول فقال‏:‏ وفي الصحيح أن عثمان كان نهى عن المتعة، قال البغوي‏:‏ ثم صار إجماعا‏.‏
    وتعقب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج فلم يستقر الإجماع عليه لأن الحنفية يخالفون فيه‏.‏
    ( ج3/ ص 537)
    ‏ويجعلون المحرم صفر‏)‏ كذا هو في جميع الأصول من الصحيحين، قال النووي‏:‏ كان ينبغي أن يكتب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لا بد من قراءته منصوبا لأنه مصروف بلا خلاف، يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يصرف فيقرأ بالألف‏.‏
    لكن في ‏"‏ المحكم ‏"‏ كان أبو عبيدة لا يصرفه فقيل له‏:‏ إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان فما هما‏؟‏ قال‏:‏ المعرفة والساعة‏.‏
    وفسره المطرزي بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات والساعة مؤنثة انتهى
    ‏ونقل بعضهم أن في صحيح مسلم ‏"‏ صفرا ‏"‏ بالألف‏.‏
    ( ج3/ ص 539)
    والذي تجتمع به الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا بمعنى أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهل به مفردا، لا أنه أول ما أهل أحرم بالحج والعمرة معا، وقد تقدم حديث عمر مرفوعا ‏"‏ وقل عمرة في حجة ‏"‏ وحديث أنس ‏"‏ ثم أهل بحج وعمرة ‏"‏ ولمسلم من حديث عمران بن حصين ‏"‏ جمع بين حج وعمرة ‏"‏ ولأبي داود والنسائي من حديث البراء مرفوعا ‏"‏ أني سقت الهدي وقرنت ‏"‏ وللنسائي من حديث علي مثله، ولأحمد من حديث سراقة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن في حجة الوداع ‏"‏ وله من حديث أبي طلحة ‏"‏ جمع بين الحج والعمرة ‏"‏
    ( ج3/ ص 540)
    قال النووي‏:‏ الصواب الذي نعتقده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في تلك السنة بعد الحج، ولا شك أن القران أفضل من الإفراد الذي لا يعتمر في سننه عندنا، ولم ينقل أحد أن الحج وحده أفصل من القران، كذا قال والخلاف ثابت قديما وحديثا، أما قديما فالثابت عن عمر أنه قال ‏"‏ إن أتم لحجكم وعمرتكم أن تنشئوا لكل منهما سفرا ‏"‏ وعن ابن مسعود نحوه أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وأما حديثا فقد صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك السنة‏.‏
    ( ج3/ ص 541)
    قال صاحب الهداية من الحنفية‏:‏ الخلاف بيننا وبين الشافعي مبني على أن القارن يطوف طوافا واحدا وسعيا واحدا فبهذا قال إن الإفراد أفضل، ونحن عندنا أن القارن يطوف طوافين وسعيين فهو أفضل لكونه أكثر عملا‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ اختلفت الرواية فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم به محرما، والجواب عن ذلك بأن كل راو أضاف إليه ما أمر به اتساعا، ثم رجح بأنه كان أفرد الحج، وهذا هو المشهور عند المالكية والشافعية، وقد بسط الشافعي القول فيه في ‏"‏ اختلاف الحديث ‏"‏ وغيره ورجح أنه صلى الله عليه وسلم أحرم إحراما مطلقا ينتظر ما يؤمر به فنزل عليه الحكم بذلك وهو على الصفا، ورجحوا الإفراد أيضا بأن الخلفاء الراشدين واظبوا عليه ولا يظن بهم المواظبة على ترك الأفضل،
    قال عياض نحو ما قال الخطابي وزاد‏:‏ وأما إحرامه هو فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردا، وأما رواية من روى متمتعا فمعناه أمر به لأنه صرح بقوله ‏"‏ ولولا أن معي الهدي لأحللت ‏"‏ فصح أنه لم يتحلل‏.‏
    وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي وقيل له ‏"‏ قل عمرة في حجة ‏"‏ انتهى‏.‏
    هذا الجمع هو المعتمد، وقد سيق إليه قديما ابن المنذر وبينه ابن حزم في ‏"‏ حجة الوداع ‏"‏ بيانا شافيا ومهده المحب الطبري تمهيدا بالغا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روي عنه الإفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روي عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روي عنه القران أراد ما استقر عليه أمره، ويترجح رواية من روى القران بأمور‏:‏ منها أن معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره، وبأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك‏:‏ فأشهر من روي عنه الإفراد عائشة وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته كما تقدم، وابن عمر وقد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج كما سيأتي في أبواب الهدي، وثبت أنه جمع بين حج وعمرة ثم حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وسيأتي أيضا، وجابر وقد تقدم قوله إنه اعتمر مع حجته أيضا‏.‏
    روى القران عنه جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه، وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال أفردت ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال ‏"‏ قرنت ‏"‏ وصح عنه أنه قال ‏"‏ لولا أن معي الهدي لأحللت ‏"‏ وأيضا فإن من روي عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف بخلاف من روى الإفراد فإنه محمول على أول الحال وينتفي التعارض
    إن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيا بأسانيد جياد بخلاف روايتي الإفراد والتمتع وهذا يقتضي رفع الشك عن ذلك والمصير إلى أنه كان قارنا، ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد ومن التمتع وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي ومن المتأخرين تقي الدين السبكي وبحث مع النووي في اختياره أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا وأن الإفراد مع ذلك أفضل مستندا إلى أنه صلى الله عليه وسلم اختار الإفراد أولا ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور
    ( ج3/ ص 542)
    وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل لكونه صلى الله عليه وسلم تمناه فقال ‏"‏ لولا أني سقت الهدي لأحللت ‏"‏ ولا يتمنى إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه،
    وقال ابن قدامة يترجح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في إجزائها عن حجة الإسلام بخلاف عمرة التمتع فهي مجزئة بلا خلاف فيترجح التمتع على الإفراد ويليه القران‏.‏
    وقال من رجح القران‏.‏
    هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في الفضل سواء وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه، وعن أبي يوسف القران والتمتع في الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد، وعن أحمد‏:‏ من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه، زاد بعض أتباعه ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرا فالإفراد أفضل له قال‏:‏ وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال الإفراد أفضل فعلى هذا يتنزل لأن أعمال سفرين للنسكين أكثر مشقة فيكون أعظم أجرا ولتجزئ عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف ومن العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر مع موافقته على أنه كان قارنا كالطحاوي وابن حبان وغيرهما فقيل أهل أولا بعمرة ثم لم يحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية، ومستند هذا القائل حديث ابن عمر الآتي في أبواب الهدي بلفظ ‏"‏ فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة ثم أهل بالحج‏.‏
    ( ج3/ ص 544)
    استدل به على أن من اعتمر فساق هديا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر،
    وفي حديث عائشة " من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر
    ( ج3/ ص 546)
    ختلف السلف في المراد بحاضري المسجد فقال نافع والأعرج‏:‏ هم أهل مكة بعينها وهو قول مالك واختاره الطحاوي ورجحه‏.‏
    وقال طاوس وطائفة‏:‏ هم أهل الحرم وهو الظاهر‏.‏
    وقال مكحول‏:‏ من كان منزله دون المواقيت وهو قول الشافعي في القديم‏.‏
    وقال في الجديد‏:‏ من كان من مكة على دون مسافة القصر، ووافقه أحمد‏.‏
    وقال مالك‏:‏ أهل مكة ومن حولها سوى أهل المناهل كعسفان وسوى أهل منى وعرفة‏.‏
    ( ج3/ ص 547)
    الذي يعتمر في غير أشهر الحج لا يسمى متمتعا ولا دم عليه وكذلك المكي عند الجمهور، وخالفه فيه أبو حنيفة
    الذي ذهب إليه الجمهور أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد وأن يقدم العمرة وأن لا يكون مكيا، فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعا‏.‏
    ( ج3/ ص 549)
    ال ابن المنذر‏:‏ الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية‏.‏
    وقال أكثرهم يجزئ منه الوضوء‏
    قال الشافعية إن عجز عن الغسل تيمم‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف‏.
    ( ج3/ ص 550)
    وأما الدخول ليلا فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا في عمرة الجعرانة فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي ‏"‏ دخول مكة ليلا ‏"‏ وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارا ويخرجوا منها ليلا‏.‏
    ( ج3/ ص 551)
    ابن عمر قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى ‏"‏
    هذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية‏.‏
    هو بضم الكاف مقصور وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع‏.‏
    ( ج3/ ص 553)
    حكى الحميدي عن أبي العباس العذري أن بمكة موضعا ثالثا يقال لها كدي وهو بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن، قال المحب الطبري‏:‏ حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة، قال‏:‏ وقد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن‏.‏
    ( ج3/ ص 555)
    *مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه على الأصح
    *عن عطاء مقام إبراهيم عرفة وغيرها من المناسك لأنه قام فيها ودعا‏.‏
    جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت، وخالف مالك في الفرض‏
    لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل فأراه الطواف بالبيت سبعا قال وأحسبه وبين الصفا والمروة، ثم أتى به عرفة فقال‏:‏ أعرفت‏؟‏ قال نعم، قال‏:‏ فمن ثم سميت عرفات‏
    م أتى به جمعا فقال‏:‏ هاهنا يجمع الناس الصلاة‏.‏
    ثم أتى به منى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات فقال ارمه بها وكبر مع كل حصاة‏.
    ( ج3/ ص 557)
    قال معمر‏:‏ وأما الزهري فقال ‏"‏ لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها وهابوه، فقال الوليد‏:‏ إن الله لا يهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت ومعه العباس فقال اللهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم‏.‏
    فلما رأوه سالما تابعوه ‏"‏ قال عبد الرزاق وأخبرنا ابن جريج قال‏:‏ قال مجاهد ‏"‏ كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة
    ( ج3/ ص 558)
    ‏"‏وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر ذراعا ‏"‏ ووقع عند الطبراني من طريق أخرى عن ابن خثيم عن أبي الطفيل أن اسم
    اسم النجار المذكور باقوم، وللفاكهي من طريق ابن جريج مثله، قال ‏"‏ وكان يتجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشعيبة، فقال لقريش‏:‏ إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا ‏"‏ وروى سفيان بن عيينة في جامعه عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول ‏"‏ اسم الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميا
    ( ج3/ ص 564)
    لم يذكر المصنف رحمه الله قصة تغيير الحجاج لما صنعه ابن الزبير، وقد ذكرها مسلم في رواية عطاء قال ‏"‏ فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير قد وضعه على أس نظر العدول من أهل مكة إليه، فكتب إليه عبد الملك‏:‏ إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد بابه الذي فتحه‏.‏
    فنقضه وأعاده إلى بنائه ‏"‏ وللفاكهي من طريق أبي أويس عن هشام بن عروة ‏"‏ فبادر - يعني الحجاج - فهدمها وبنى شقها الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسد الباب الغربي‏.‏
    ( ج3/ ص 564)
    جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمته
    لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصلي وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقا كما صرحت به الروايات لكن الحجاج لما غيره رفعه ورفع الباب الذي يقابله أيضا ثم بدا له فسد الباب المجدد، لكن لم أر النقل بذلك صريحا‏.‏
    ذكر الفاكهي في ‏"‏ أخبار مكة ‏"‏ أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين فإذا هو مقابل باب الكعبة وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء‏.‏
    فالله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 565)
    *ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو ستة أرع
    وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف منها ممكن كما تقدم، وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب كما جنح إليه ابن الصلاح وتبعه النووي، لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعين حمل المطلق على المقيد كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد وهو أن قريشا قصروا على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم، وأن الحجاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت،
    ( ج3/ ص 566)
    قال المحب الطبري في ‏"‏ شرح التنبيه ‏"‏ له‏:‏ والأصح أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع
    ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر وكان عملا مستمرا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا متعقب فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نص الشافعي أيضا كما ذكره البيهقي في ‏"‏ المعرفة ‏"‏ أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم كما تقدم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطا، وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب
    ما نقله المهلب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى كان عمر فبناه ووسعه قطعا للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظر‏.
    ‏ولم يزل الحجر موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين ومن المالكية كـأبي الحسن اللخمي،
    ( ج3/ 566)
    حكى ابن عبد البر وتبعه عياض وغيره عن الرشيد أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك وقال‏:‏ أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأشار على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدد بناءها بأن يرم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص‏.‏
    ( ج3/ص567)
    وذكر الأزرقي أن سليمان بن عبد الملك هم بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك، ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدا من الخلفاء ولا من دونهم غير من الكعبة شيئا مما صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة وفي سقفها وفي مسلم سطحها، وجدد فيها الرخام فذكر الأزرقي عن ابن جريج ‏"‏ أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك ‏"‏ ووقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم فاهتم بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيد وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين وتأملت المكان الذي قيل عنه فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رمم ما تشعث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند فجدد لها سقفا ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشد مما كان أولا، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى وسد ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل‏:‏ منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك‏.
    ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة - يعني الكعبة - حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا ‏"‏ أخرجه أحمد وابن ماجه وعمر بن شبة في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ وسنده حسن، فنسأل الله تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه، ومما يتعجب منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحجاج إما من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية وإما في السلم الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة كالرخام أو لتحسين كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهي
    ( ج3/ ص 571)
    إشعار بأن في كنانة من ليس قرشيا إذ العطف يقتضي المغايرة فترجح القول بأن قريشا من ولد فهر بن مالك على القول بأنهم ولد كـنانة‏.‏
    نعم لم يعقب النضر غير مالك ولا مالك غير فهر فقريش ولد النضر بن كنانة وأما كنانة فأعقب من غير النضر فلهذا وقعت المغايرة‏.‏
    ( ج3/ ص 573)
    وى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية فقال‏:‏ لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة‏.‏
    وعن عطاء قال‏:‏ قياما للناس لو تركوه عاما لم ينظروا أن يهلكوا‏
    ( ج3/ ص 574)
    أن الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديما بالستور ويقومون بها،
    الوقت الذي كانت الكعبة تكسى فيه من كل سنة وهو يوم عاشوراء، وكذا ذكر الواقدي بإسناده عن أبي جعفر الباقر أن الأمر استمر على ذلك في زمانهم، وقد تغير ذلك بعد فصارت تكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوه الكسوة الجديدة‏.‏
    ( ج3/ ص 576)
    قال ابن الجوزي‏:‏ كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيما لها فيجتمع فيها‏.‏
    وعند الإسماعيلي من هذا الوجه ‏"‏ لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين ‏"‏ ومثله في رواية المحاربي المذكورة‏.‏
    أخرجه عبد الرزاق وعمر بن شبة من طريق الحسن ‏"‏ أن عمر أراد أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله فقال له أبي بن كعب‏:‏ قد سبقك صاحباك، فلو كان فضلا لفعلاه ‏"‏ لفظ عمر بن شبة‏.‏
    يحتمل أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة ‏"‏ لأنفقت كنز الكعبة ‏"‏ ولفظه ‏"‏ لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض ‏"‏ الحديث، فهذا التعليل هو المعتمد‏.‏
    ( ج3/ 577)
    كى الفاكهي في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية، فقيل له‏:‏ لو استعنت بها على حربك فلم يحركه، وعلى هذا فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث ‏"‏ في سبيل الله ‏"‏ لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلق بها فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس، ويمكن أن يحمل قوله في سبيل الله على ذلك لأن عمارة الكعبة يصدق عليه أنه في سبيل الله، واستدل التقي السبكي بحديث الباب على جواز تعليق قناديل الذهب والفضة في الكعبة ومسجد المدينة فقال‏:‏ هذا الحديث عمدة في مال الكعبة وهو ما يهدى إليها أو ينذر لها، قال‏:‏ وأما قول الرافعي لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة ولا تعليق قناديلها فيها حكى الوجهين في ذلك‏:‏ أحدهما الجواز تعظيما كما في المصحف، والآخر المنع إذ لم ينقل من فعل السلف، فهذا مشكل لأن للكعبة من التعظيم ما ليس لبقية المساجد بدليل تجويز سترها بالحرير والديباج، وفي جواز ستر المساجد بذلك خلاف‏.‏
    ثم تمسك للجواز بما وقع في أيام الوليد بن عبد الملك من تذهيبه سقوف المسجد النبوي قال‏:‏ ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز ولا أزاله في خلافته‏.‏
    ثم استدل للجواز بأن تحريم استعمال الذهب والفضة إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للأكل والشرب ونحوهما قال‏:‏ وليس في تحلية المساجد بالقناديل الذهب شيء من ذلك، وقد قال الغزالي‏:‏ من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن فإنه لم يثبت في الذهب إلا تحريمه على الأمة فيما ينسب للذهب وهذا بخلافه فيبقى على أصل الحل ما لم ينه إلى الإسراف انتهى‏.‏
    وتعقب بأن تجويز ستر الكعبة بالديباج قام الإجماع عليه، وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يقتدي به، والوليد لا حجة في فعله، وترك عمر بن عبد العزيز النكير أو الإزالة يحتمل عدة معان فلعله كان لا يقدر على الإنكار خوفا من سطوة الوليد، ولعله لم يزلها لأنه لا يتحصل منها شيء، ولا سيما إن كان الوليد جعل في الكعبة صفائح فلعله رأى أن تركها أولى لأنها صارت في حكم المال الموقوف فكأنه أحفظ لها من غيره، وربما أدى قلعه إلى إزعاج بناء الكعبة تركـه، ومع هذه الاحتمالات لا يصلح الاستدلال بذلك للجواز‏.‏
    ( ج3/ ص 578)
    قال ابن بطال‏:‏ معني الترجمة- باب كسوة الكعبة - صحيح، ووجهها أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أن عمر لما رأى قسمة الذهب والفضة صوابا كان حكم الكسوة حكم المال تجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة‏.‏
    قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أ ن كسوة الكعبة مشروع،
    ( ج3/ ص 579)
    ولم أر في شيء من طريق حديث شيبة هذا ما يتعلق بالكسوة، إلا أن الفاكهي روى في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ من طريق علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت ‏"‏ دخل علي شيبة الحجبي فقال‏:‏ يا أم المؤمنين، إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر، فننزعها ونحفر بئرا فنعمقها وندفنها لكي لا تلبسها الحائض والجنب، قالت‏:‏ بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضر من لبسها من حائض أو جنب، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أمرته ‏"‏ وأخرجه البيهقي من هذا الوجه، لكن في إسناده راو ضعيف، وإسناد الفاكهي سالم منه‏.‏
    ( ج3/ ص 579)
    في معرفة بدء كسوة البيت‏:‏ روى الفاكهي من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أنه سمعه يقول ‏"‏ زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سب أسعد، وكان أول من كسا البيت الوصائل ‏"‏ ورواه الواقدي عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عنه، ومن وجه آخر عن عمر موقوفا، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال‏:‏ بلغنا أن تبعا أول من كسا الكعبة الوصائل فسترت بها‏.‏
    قال‏:‏ وزعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة إسماعيل عليه السلام‏.
    ‏وحكى الزبير بن بكار عن بعض علمائهم أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وأول من كسا الكعبة، أو كسيت في زمنه‏.‏
    وحكى البلاذري أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أد‏.
    ‏ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت‏:‏ سألت عائشة أنكسو الكعبة‏؟‏ قالت‏:‏ الأمراء يكفونكم‏.‏
    ( ج3/ 580)
    حكى الأزرقي أن معاوية كساها الديباج والقباطي والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء والقباطي في آخر رمضان، فحصلنا في أول من كساها مطلقا على ثلاثة أقوال‏:‏ إسماعيل وعدنان وتبع وهو أسعد المذكور في الرواية الأولى، ولا تعارض بين ما روي عنه أنه كساها الأنطاع والوصائل لأن الأزرقي حكى في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ أن تبعا أري في المنام أن يكسو الكعبة فكساها الأنطاع، ثم أري أن يكسوها فكساها الوصائل وهي ثياب حبرة من عصب اليمن، ثم كساها الناس بعده في الجاهلية‏.‏
    ويجمع بين الأقوال الثلاثة إن كانت ثابتة بأن إسماعيل أول من كساها مطلقا، وأما تبع فأول من كساها ما ذكر، وأما عدنان فلعله أول من كساها بعد إسماعيل
    ( ج3/ ص 581)
    حصلنا في أول من كساها الديباج على ستة أقوال‏:‏ خالد أو نتيلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزبير أو الحجاج، ويجمع بينها بأن كسوة خالد ونتيلة لم تشملها كلها وإنما كان فيما كساها شيء من الديباج، وأما معاوية فلعله كساها في آخر خلافته فصادف ذلك خلافة ابنه يزيد، وأما ابن الزبير فكأنه كساها ذلك بعد تجديد عمارتها فأوليته بذلك الاعتبار، لكن لم يداوم على كسوتها الديباج، فلما كساها الحجاج بأمر عبد الملك استمر ذلك فكأنه أول من داوم على كسوتها الديباج في كل سنة‏.
    ( ج3/ ص 582)
    قال مجاهد‏:‏ فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو فلم أرها ‏"‏ قيل‏:‏ هذا الحديث يخالف قوله تعالى ‏(‏أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا‏)‏ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين‏؟‏ وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول الله الله كما ثبت في صحيح مسلم ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله
    ( ج3/ ص 583)
    قد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ثم من بعده في وقائع كثيرة من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة وقلعوا الحجر الأسود فحولوه إلى بلادهم ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ثم غزي مرارا بعد ذلك، كل ذلك لا يعارض قوله تعالى ‏(‏أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا‏)‏ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ولن يستحل هذا البيت إلا أهله‏"‏، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من علامات نبوته، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها‏.‏
    ( ج3/ ص 583)
    حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم ‏"‏ أخرجه الترمذي وصححه، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوى بها، وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصرا ولفظه ‏"‏ الحجر الأسود من الجنة ‏"‏ وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وفي صحيح ابن خزيمة أيضا عن ابن عباس مرفوعا ‏"‏ أن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق ‏"‏ وصححه أيضا ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضا‏.‏
    ( ج3/ ص 584)
    قال الطبري‏:‏ إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان‏.‏
    ( ج3/ ص 584)
    قال شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏‏:‏ فيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعي ومهما قبل من البيت فحسن فلم يرد به الاستحباب لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين‏.‏
    ( ج3/ ص 584)
    اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي فقال‏:‏ كيف سودته خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد‏؟‏ وأجيب بما قال ابن قتيبة‏:‏ لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض‏.‏
    وقال المحب الطبري‏:‏ في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد‏.‏
    قال‏:‏ وروي عن ابن عباس إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت فهذا هو الجواب‏.‏
    قلت‏:‏ أخرجه الحميدي في فضائل مكة بإسناد ضعيف والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 585)
    لمسلم وعبد الرزاق من رواية أيوب عن نافع ‏"‏ ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال‏:‏ والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب
    ( ج3/ ص 586)
    عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزيز بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، ويقال له الحجبي بفتح المهملة والجيم، ولآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضا صحبة ورواية، واسم أم عثمان المذكورة سلافة بضم المهملة والتخفيف والفاء‏.‏
    ( ج3/ ص 588)
    بين مصلاه والجدار نحو ثلاثة أذرع، وبذلك ترجم له النسائي على أن حد الدنو من السترة أن لا يكون بينهما أكثر من ثلاثة أذرع، ويستفاد منه أن قول العلماء تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة لكونه صلى الله عليه وسلم جاء فأناخ عند البيت فدخله فصلى فيه ركعتين فكانت تلك الصلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل أو هو تحية المسجد العام والله أعلم‏.‏
    وفيه استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ من دخل البيت دخل في حسنة وخرج مغفورا له ‏"‏ قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدا بدخوله‏.‏
    ( ج3/ ص 589)
    فيه استحباب الصلاة في الكعبة وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم وهو قول الجمهور، وعن ابن عباس لا تصـح الصلاة داخلها مطلقا، وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها‏.‏
    وقال به بعض المالكية والظاهرية والطبري‏.‏
    وقال المازري‏:‏ المشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة، وعن ابن عبد الحكم الإجزاء، وصححه ابن عبد البر وابن العربي‏.‏
    ( ج3/ ص 590)
    قال النووي‏:‏ قال العلماء سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها، يعني كما في حديث ابن عباس الذي بعده انتهى
    ( ج3/ ص 590)
    استدل المحب الطبري به على أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة في حجته وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره‏.‏
    ( ج3/ ص 591)
    قال البخاري : ‏باب من كبر في نواحي الكعبة‏)‏ أورد فيه حديث ابن عباس ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كبر في البيت ولم يصل فيه ‏"‏ وصححه المصنف واحتج به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصلاة فيه عليه، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى الترجمة لأن ابن عباس أثبت التكبير ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس فاحتج المصنف بزيادة ابن عباس، وقد يقدم إثبات بلال على نفي غيره
    قال النووي وغيره‏:‏ يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها عملا بظنه‏.‏
    وقال المحب الطبري‏:‏ يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته انتهى‏.‏
    قال ابن حبان‏:‏ الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين فيقال‏:‏ لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها لأن ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض، وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل في يوم الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع والله أعلم‏.
    ( ج3/ ص 595)
    الاضطباع، وهي هيئة تعين على إسراع المشي بأن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر فيبدي منكبه الأيمن ويستر الأيسر، وهو مستحب عند الجمهور سوى مالك قاله ابن المنذر‏
    ( ج3/ ص 596)
    لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لما يقضه في الأربع، لأن هيئتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور‏.‏
    واختلف عند المالكية‏.‏
    قال الطبري‏:‏ قد ثبت أن الشارع رمل ولا مشرك يومئذ بمكة يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل بل لهيئة مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها ولا شيء عليه‏.‏
    ( ج3/ ص 597)
    قال الجمهور أن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وكذا قال القاسم‏.‏
    وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل‏.‏
    ( ج3/ ص 598)
    وروى الشافعي من طريق محمد بن كعب القرظي ‏"‏ إن ابن عباس كان يمسح الركن اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول‏:‏ ليس شيء من البيت مهجورا، فيقول ابن عباس ‏(‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏)‏ ، ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عباس أنه ‏"‏ طاف مع معاوية، فقال معاوية‏:‏ ليس شيء من البيت مهجورا، فقال له ابن عباس ‏(‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏)‏ فقال معاوية‏:‏ صدقت ‏"‏ وبهذا يتبين ضعف من حمله على التعدد، وأن اجتهاد كل منهما تغير إلى ما أنكره على الآخر، وإنما قلت ذلك لأن مخرج الحديثين واحد وهو قتادة عن أبي الطفيل؛ وقد جزم أحمد بأن شعبة قلبه فسقط التجويز العقلي‏.‏
    ( ج3/ ص 599)
    (‏فائدة‏)‏ ‏:‏ في البيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان‏:‏ كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم‏.‏
    وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور‏.‏
    واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضا‏.‏
    ( ج3/ ص 599)
    قال ابن حجر رحمه الله :
    استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التنظيم من آدمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي فيأتي في كتاب الأدب، وأما غيره فنقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره فلم ير به بأسا، واستبعد بعض اتباعه صحة ذلك، ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين وبالله التوفيق‏.‏
    قال ابن باز رحمه الله في " الحاشية "
    " قال الشيخ ابن باز (رحمه الله): ((الأحكام التي تنسب إلى الدين لا بد من ثبوتها في نصوص الدين، وكل ما لم يكن عليه الأمر في زمن التشريع وفي نصوص التشريع فهو مردود على من يزعمه، وتقدم قول الإمام الشافعي ولكنا نتبع السنة، فعلاً أو تركاً وهو مقتضى قول أمير المؤمنين عمر، فيما خاطب به الحجر الأسود برقم 1597 و 1610 هذه النصوص، وسيأتي قول الحافظ عن ابن عمر في جوابه لمن سأله عن استلام الحجر، أمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به، ويتقي الرأي[1]، والخروج عن هذه الطريقة تغيير الدين وخروج به إلى غير ما أراده الله وبالله التوفيق)) .
    ( ج3/ ص 600)
    والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرا في ترك الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال ‏"‏ رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى ‏"‏ ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك فقال هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم، وروى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال‏:‏ لا يؤذي ولا يؤذى‏.‏
    ( ج3/ ص 600)
    المستحب في التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهي عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء‏
    .‏( ج3/ ص 601)
    قال أبو علي الجياني وقع عند الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني ‏"‏ الزبير بن عدي ‏"‏ بدال مهملة بعدها ياء مشددة، وهو وهم وصوابه ‏"‏ عربي ‏"‏ براء مهملة مفتوحة بعدها موحدة ثم ياء مشددة، كذلك رواه سائر الرواة عن الفربري انتهى‏.‏
    وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف فأشار إلى التحذير منه فحكى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر - يعني محمد بن أبي حاتم وراق البخاري - قال ‏"‏ قال أبو عبد الله يعني البخاري‏:‏ الزبير بن عربي هذا بصري، والزبير بن عدي كوفي


    ( ج3/ ص 603)
    محمد بن عبد الرحمن‏)‏ هو أبو الأسود النوفلي المدني المعروف بيتيم عروة‏.‏
    ( ج3/ ص 605)
    فقد كانت عائشة بعد النبي صلى الله عليه وسلم تحج كثيرا،
    استحباب الابتداء بالطواف للقادم لأنه تحية المسجد الحرام، واستثنى بعض الشافعية ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخلت نهارا، وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة فإن ذلك كله يقدم على الطواف، وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثور من الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره لغير عذر، وجهان كتحية المسجد، وفيه الوضوء للطواف،
    ( ج3/ ص 606)
    ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق ببن الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري انتهى، وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتا ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة‏.‏
    ( ج3/ ص 609)
    أشار إلى الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا ‏"‏ الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير ‏"‏ أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد استنبط منه ابن عبد السلام أن الطواف أفضل أعمال الحج لأن الصلاة أفضل من الحج فيكون ما اشتملت عليه أفضل، قال‏:‏ وأما حديث ‏"‏ الحج عرفة ‏"‏ فلا يتعين، التقدير معظم الحج عرفة بل يجوز إدراك الحج بالوقوف بعرفة‏.‏
    قلت‏:‏ وفيه نظر، ولو سلم فما لا يتقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف والطواف سواء في ذلك فلا تفضيل‏.‏
    ( ج3/ ص 609)
    قد روى أحمد والفاكهي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان فقال‏:‏ ما بال القران‏؟‏ قالا‏:‏ إنا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة، فقال‏:‏ أطلقا أنفسكما، ليس هذا نذرا إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ‏"‏ وإسناده إلى عمرو حسن، ولم أقف على تسمية هذين الرجلين صريحا إلا أن في الطبراني من طريق فاطمة بنت مسلم ‏"‏ حدثني خليفة بن بشر عن أبيه أنه أسلم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ماله وولده، ثم لقيه هو وابنه طلق بن بشر مقترنين بحبل فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقال‏:‏ حلفت لئن رد الله علي مالي وولدي لأحجن بيت الله مقرونا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحبل فقطعه وقال لهما‏:‏ حجا، إن هذا من وأغرب الكرماني فقال‏.‏
    قيل اسم الرجل المقود هو ثواب ضد العقاب انتهى، ولم أر ذلك لغيره ولا أدري من أين أخذه‏.‏
    عمل الشيطان‏"‏، فيمكن أن يكون بشر وابنه طلق صاحبي هذه القصة‏
    ( ج3/ ص 610)
    ال ابن المنذر‏:‏ أولى ما شغل المرء به نفسه في الطواف ذكر الله وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح إلا أن الذكر أسلم‏.‏
    وحكى ابن التين خلافا في كراهة الكلام المباح‏.‏
    .‏قال ابن المنذر‏:‏ واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول‏:‏ ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد، واستحبه الشافعي وأبو ثور، وقيده الكوفيون بالسر، وروي عن عروة والحسن كراهته، وعن عطاء ومالك أنه محدث، وعن مالك لا بأس به إذا أخفاه ولم يكثر منه، قال ابن المنذر‏:‏ من أباح القراءة في البوادي والطرق ومنعه في الطواف لا حجة له‏.‏
    ( ج3/ ص 611)
    (‏باب إذا وقف في الطواف‏)‏ أي هل ينقطع طوافه أو لا، وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن الحسن أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه أن يستأنفه ولا يبني على ما مضى، وخالفه الجمهور فقالوا يبني، وقيده مالك بصلاة الفريضة وهو قول الشافعي، وفي غيرها إتمام الطواف أولى فإن خرج بنى‏.‏
    وقال أبو حنيفة وأشهب يقطعه ويبني، واختار الجمهور قطعه للحاجة، ومال نافع طول القيام في الطواف بدعة‏.‏
    ( ج3/ ص 611)
    ويؤيده ما رواه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عطاء ‏"‏ إن كان الطواف تطوعا وخرج في وتر فإنه يجزئ عنه ‏"‏ ومن طريق أبي الشعثاء أنه أقيمت الصلاة وقد طاف خمسة أطواف فلم يتم ما بقي‏.‏
    ( ج3/ ص 616)
    قال ابن المنذر‏:‏ احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء، إلا شيئا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد،
    ( ج3/ ص 617)
    قال ابن المنذر‏:‏ رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك أخذا بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وهو قول عمر والثوري وطائفة وذهب إليه مالك وأبو حنيفة‏.‏
    لذلك أنكرت عليهم عائشة هذا إن كانت ترى أن الطواف سبب لا تكره مع وجوده الصلاة في الأوقات المنهية، ويحتمل أنها كانت تحمل النهي على عمومه، ويدل لذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة أنها قالت ‏"‏ إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف، وآخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع فصل لكل أسبوع ركعتين ‏"‏ وهذا إسناد حسن‏.

    ( ج3/ ص 623)
    وفي المستدرك من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ ماء زمزم لما شرب له ‏"‏ رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير بن سعيد عن جابر
    وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال من حيث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه وقد شذ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل، وقد جمعت في ذلك جزءا، والله أعلم‏.‏
    وسميت زمزم لكثرتها، يقال ماء زمزم أي كثير، وقيل لاجتماعها نقل عن ابن هشام‏.
    ‏وقال أبو زيد‏:‏ الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد‏:‏ إنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة والهزمة الغمز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه، وقيل لحركتها قاله الحربي، وقيل لأنها زمت بالميزان لئلا تأخذ يمينا وشمالا
    ( ج3/ ص 623)
    أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع ولفظه ‏"‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد ‏"‏ وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه وأن الصواب أنه موقوف،
    ( ج3/ ص 624)
    احتج الحنفية بما روي عن علي أنه ‏"‏ جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال‏:‏ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ‏"‏ وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه‏.‏
    قال ابن حجر :
    والمخرج في الصحيحين وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد‏.‏
    ( ج3/ ص 625)
    وقال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت‏.‏
    وقال ابن حزم‏:‏ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلا‏.‏
    قلت‏:‏ لكن روى الطحاوي وغيره مرفوعا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصح من حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب، وقد أجاب الطحاوي عن حديث ابن عمر بأنه اختلف عليه في كيفية إحرام النبي صلى الله عليه وسلم وإن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا بحجة ثم فسخها فصيرها عمرة ثم تمتع بها إلى الحج، كذا قال الطحاوي مع جزمه قبل ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا‏.‏
    ( ج3/ ص 625)
    إني لكثير التعجب من الطحاوي في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت ‏"‏ فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ‏"‏ فهؤلاء أهل التمتع ثم قالت ‏"‏ وأما الذين جمعوا إلخ ‏"‏ فهؤلاء أهل القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح والله المستعان‏.‏
    ( ج3/ ص 626)
    وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ‏"‏ لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا ‏"‏ ومن طريق طاوس عن عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها‏:‏ يسعك طوافك لحجك وعمرتك ‏"‏ وهذا صريح في الإجزاء وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال ‏"‏ حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا ‏"‏ وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما روي عن علي وابن مسعود من ذلك، وقد روى آل بيت علي عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي ‏"‏ للقارن طواف واحد خلاف ما يقول اهل العراق
    ( ج3/ ص 627)
    قال ابن عبد البر‏:‏ فبه حجة لمالك في قوله أن طواف القدوم إذا وصل بالسعي يجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو نسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، قال‏:‏ ولا أعلم أحدا قال به غيره وغير أصحابه، وتعقب بأنه إن حمل قوله ‏"‏ طوافه الأول ‏"‏ على طواف القدوم فإنه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالا على الإجزاء مطلقا ولو تعمده لا بقيد الجهل والنسيان لا إذا حملنا قوله طوافه الأول على طواف الإفاضة يوم النحر أو على السعي، ويؤيد التأويل الثاني حديث جابر عند مسلم ‏"‏ لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول ‏"‏ وهو محمول على ما حمل عليه حديث ابن عمر المذكور والله أعلم‏


  12. #152
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ( ج3/ ص 629)
    الوجوب مستفادا من قول عائشة ‏"‏ ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ‏"‏ وهو في بعض طرق حديثها المذكور في هذا الباب عند مسلم، واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراه - بكسر المثناة وسكون‏:‏ الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء - وهي إحدى نساء بني عبد الدار - قالت ‏"‏ دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، وسمعته يقول‏:‏ اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ‏"‏ أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما، وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر‏:‏ إن ثبت فهو حجة في الوجوب‏.‏
    ( ج3/ ص 630)
    اختلف أهل العلم في هذا‏:‏ فالجمهور قالوا هو ركن لا يتم الحج بدونه، وعن أبي حنيفة واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه أنه سنة لا يجب بتركه شيء، وبه قال أنس فيما نقله ابن المنذر، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو عندهم في الطواف بالبيت، وأغرب ابن العربي فحكى الإجماع على أن السعي ركن في العمرة، وإنما الاختلاف في الحج‏.‏
    ( ج3/ ص 630)
    أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة ويقتصرون على الطواف بمناة فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرح بذلك رواية سفيان المذكورة بلفظ ‏"‏ إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة ‏"‏ وفي رواية معمر عن الزهري ‏"‏ إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ‏"‏ أخرجه البخاري تعليقا، ووصله أحمد وغيره‏.‏
    فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية ‏"‏ فهذه الرواية تقتضي أن تحرجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئا كانوا يفعلونه في الجاهلية لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخشوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر بخلاف رواية أبي أسامة فإنها تقتضي أن التحرج عن الطواف بين الصفا والمروة لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرجوا من فعله في الإسلام
    ( ج3/ ص 631)
    وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال ‏"‏ كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما أساف ونائلة كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما ‏"‏ الحديث، وروى الطبراني وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال ‏"‏ قالت الأنصار‏:‏ إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله عز وجل ‏(‏إن الصفا والمروة من شعائر الله‏)‏ الآية‏"‏، وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي في ‏"‏ الأحكام ‏"‏ بإسناد صحيح عن الشعبي قال ‏"‏ كان صنم بالصفا يدعى أساف ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما وقالوا‏:‏ إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال فأنزل الله تعالى ‏(‏إن الصفا والمروة من شعائر الله‏)‏ الآية ‏"‏ وذكر الواحدي في ‏"‏ أسبابه ‏"‏ عن ابن عباس نحو هذا وزاد فيه‏:‏ يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا‏
    ( ج3/ ص 635)
    قال ابن عبد السلام المروة أفضل من الصفا لأنها تقصد بالذكر والدعاء أربع مرات بخلاف الصفا فإنما يقصد ثلاثا، قال‏:‏ وأما البداءة بالصفا فليس بوارد لأنه وسيلة‏.‏
    قلت‏:‏ وفيه نظر لأن الصفا تقصد أربعا أيضا أولها عند البداءة فكل منهما مقصود بذلك ويمتاز بالابتداء، وعند التنزل يتعادلان، ثم ما ثمرة هذا التفضيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتم إلا بهما معا‏؟
    ( ج3/ ص 637)
    ‏قد روي عن ابن عمر أيضا قال ‏"‏ تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ‏"‏ أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح
    ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلا عن الحسن البصري، وقد حكى المجد بن تيمية من الحنابلة رواية عندهم مثله، وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسناد صحيح ‏"‏ إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع ‏"‏ وعن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن مثله، وهذا إسناد صحيح عن الحسن فلعله يفرق بين الحائض والمحدث
    قال ابن بطال‏:‏ كأن البخاري فهم أن قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة ‏"‏ افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت‏"‏‏.‏
    أن لها أن تسعى ولهذا قال‏:‏ وإذا سعى على غير وضوء ا هـ، وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه الذي قدمته وهو قول الجمهور، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث واحتج بحديث أسامة بن شريك ‏"‏ أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ( ج3/ ص 638)
    لنهي في العبادات يقتضي الفساد وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور، وذهب جمع من الكوفيين إلى عدم الاشتراط، قال ابن أبي شيبة‏:‏ حدثنا غندر حدثنا شعبة سألت الحكم وحمادا ومنصورا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة فلم يروا به بأسا‏.‏
    وروي عن عطاء‏:‏ إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها‏.‏
    وفي هذا تعقب على النووي حيث قال في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدم إن فعله ا هـ، ولم ينفردوا بذلك كما ترى، فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا‏.‏
    ( ج3/ ص 639)
    وقال ابن المنذر‏:‏ الأفضل أن يهل يوم التروية إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي ويريد الصوم فيعجل الإهلال ليصوم ثلاثة أيام بعد أن يحرم، واحتج الجمهور بحديث أبي الزبير عن جابر وهو الذي علقه
    .‏البخاري
    ( ج3/ ص 640)
    يوم التروية‏)‏ أي يوم الثامن من ذي الحجة وسمي التروية بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدا واستغنوا عن حمل الماء‏.‏
    وقد روى الفاكهي في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ من طريق مجاهد قال‏:‏ قال عبد الله بن عمر‏:‏ يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حذرك‏.‏
    وفي رواية‏:‏ فاعلم أن الأمر قد أظلك‏.‏
    قيل في تسميته التروية أقوال أخرى شاذة‏:‏ منها أن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها‏.‏
    ومنها أن إبراهيم رأى في ليلته أنه يذبح ابنه فأصبح متفكرا يتروى‏.‏
    ومنها أن جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم مناسك الحج‏.‏
    ومنها أن الإمام يعلم الناس فيه مناسك الحج‏.‏
    في الحديث أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور، وروى الثوري في جامعه عن عمرو بن دينار فال‏:‏ رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة‏
    قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير‏:‏ أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال‏:‏ ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا‏.‏
    ( ج3/ ص 646)
    قال ابن عبد البر‏:‏ هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لأن المراد بالسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها كسنة العمرين‏.‏
    قلت‏:‏ وهي مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول، وجمهورهم على ما قال ابن عبد البر، وهي طريقة البخاري ومسلم، ويقويه قول سالم لابن شهاب إذ قال له ‏"‏ أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ وهل يتبعون في ذلك إلا سنته
    ( ج3/ ص 649)
    الزيادة التي نقلها الكرماني ‏"‏ هم ‏"‏ فهي بفتح الهاء وسكون الميم‏.‏
    قال الكرماني‏:‏ قيل إنها فارسية وقيل عربية ومعناها قريب من معنى أيضا‏.‏
    قلت‏:‏ صرح غير واحد من علماء العربية ببغداد بأنها لفظة اصطلح عليها أهل بغداد وليست بفارسية ولا هي عربية قطعا، وقد دل كلام الصغاني في نسخته التي أتقنها وحررها - وهو من أئمة اللغة - خلو كلام البخاري عن هذه اللفظة‏.‏
    ( ج3/ ص 651)
    قال سفيان الحمس يعني قريشا، وكانت تسمى الحمس وكانت لا تجاوز الحرم ويقولون نحن أهل الله لا نخرج من الحرم وكان سائر الناس يقف بعرفة وذلك قوله‏:‏ ‏(‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس‏)‏ انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 652)
    أما تفسير الحمس فروى إبراهيم الحربي في ‏"‏ غريب الحديث ‏"‏ من طريق ابن جريج عن مجاهد قال‏:‏ الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها هن القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحما ولا يضربون وبرا ولا شعرا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم‏.‏
    ( ج3/ ص 655)
    وقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة عن كريب ‏"‏ لما أتى الشعب الذي ينزله الأمراء ‏"‏ وله من طريق إبراهيم بن عقبة عن كريب ‏"‏ الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب ‏"‏ والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث بنو أمية فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك، وروى الفاكهي أيضا من طريق ابن أبي نجيح سمعت عكرمة يقول‏:‏ اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالا واتخذتموه مصلى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك، وكان جابر يقول‏:‏ لا صلاة إلا بجمع، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين، وعند ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد إن صلى أجزأه وهو قول أبي يوسف والجمهور‏.‏
    ( ج3/ ص 661)
    (‏بجمع‏)‏ بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة، وسميت جمعا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، وروي عن قتادة أنها سميت جمعا لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل وصفت بفعل أهلها لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه بالوقوف فيها، وسميت المزدلفة إما لاجتماع الناس بها أو لاقترابهم إلى منى أو لازدلاف الناس منها جميعا أو للنزول بها في كل زلفة من الليل أو لأنها منزلة وقربة إلى الله أو لازدلاف آدم إلى حواء بها‏.‏
    ( ج3/ ص 662)
    للطبراني من طريق جابر الجعفي عن عدي بهذا الإسناد ‏"‏ صلى بجمع المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة ‏"‏ وفيه رد على قول ابن حزم‏:‏ أن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولا إقامة، لأن جابرا وإن كان ضعيفا فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني أيضا فيقوى كل واحد منهما بالآخر‏.‏
    ( ج3/ ص 665)
    قد اختلف السلف في هذه المسألة فقال علقمة والنخعي والشعبي‏:‏ من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج‏.‏
    قال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون وإسحاق‏:‏ عليه دم، قالوا‏:‏ ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف‏.‏
    وقال مالك‏:‏ إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع، وفي حديث ابن عمر دلالة على جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لقوله ‏"‏ أن من يقدم عند صلاة الفجر إذا قدم رمى الجمرة ‏
    ( ج3/ ص 667)
    احتج إسحاق بحديث ابن عباس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلمان بني عبد المطلب‏:‏ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ‏"‏ وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وابن حبان من طريق الحسن العرني
    ( ج3/ ص 668)
    السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه‏.‏.
    ( ج3/ ص 668)
    وقد اختلف السلف في هذه المسألة فكان بعضهم يقول‏:‏ ومن مر بمزدلفة فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع منها في أي وقت كان من الليل فلا دم عليه ولو لم يقف مع الإمام‏.‏
    وقال مجاهد وقتادة والزهري
    والزهري والثوري‏:‏ من لم يقف بها فقد ضيع نسكا وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي لا دم عليه مطلقا، وإنما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به‏.
    ( ج3/ ص 669)
    قد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته التزاما لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه فحكى الإجماع على الإجزاء كما حكاه الطحاوي، وعند الحنفية يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام‏
    ( ج3/ ص 671)
    وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه‏.‏.
    ( ج3/ ص 672)
    ‏ولابن خزيمة والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏"‏ كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رءوس الجبال كأنها العمائم على رءوس الرجال دفعوا، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس
    ونقل الطبري الإجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف قال ابن المنذر‏:‏ وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الأسفار، واحتج له بعض أصحابه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعجل الصلاة مغلسا إلا ليدفع قبل الشمس، فكل من بعد دفعه من طلوع الشمس كان أولى‏.
    ( ج3/ ص 673)
    وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول ‏"‏ التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجا فلب حتى بدء حلك، وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة ‏"‏ وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس قال ‏"‏ حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يلبي حتى يرمي الجمرة ‏"‏ وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم‏.‏
    وقالت طائفة‏:‏ يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة‏.‏
    ( ج3/ ص 675)
    اتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة، إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال‏:‏ تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشافعية، واحتج لذلك في صحيحه وقواه، واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير ‏"‏ الحديث وهو في الصحيحين، وأجمعوا على أن الشاة لا يصح الاشتراك فيها، وقوله ‏"‏أو شاة ‏"‏ هو قول الجمهور، ورواه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر‏.‏
    ( ج3/ ص 677)
    صرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث علي ‏"‏ أنه سئل‏:‏ هل يركب الرجل هديه‏؟‏ فقال‏:‏ لا بأس، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه ‏"‏ أي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إسناده صالح‏.‏
    وبالجواز مطلقا قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وهو الذي جزم به النووي في ‏"‏ الروضة ‏"‏ تبعا لأصله في الضحايا، ونقله في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ عن القفال والماوردي، ونقل فيه عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما تقييده بالحاجة‏.‏
    ابن العربي عن مالك‏:‏ يركب للضرورة، فإذا استراح نزل‏.‏
    ومقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى، والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة - وهي الاضطرار والركوب بالمعروف وانتهاء الركوب بانتهاء الضرورة - ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا بلفظ ‏"‏ اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ‏"‏ فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها، وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال‏:‏ يركبها إذا أعيا قدر ما يستريح على ظهرها‏.‏
    ( ج3/ ص 685)
    مشروعية الإشعار، وفائدته الإعلام بأنها صارت هديا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت، أو ضلت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه‏.‏
    وأبعد من منع الإشعار، واعتل باحتمال أنه كان مشروعا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان
    ( ج3/ ص 687)
    أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلد، وغفل هذا المتأخر عن أن البخاري أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم‏.‏
    ( ج3/ ص 688)
    قد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاوي في ‏"‏ المعاني ‏"‏ فقال‏:‏ لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سد الباب عن العامة لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عارفا بالسنة في ذلك فلا‏.‏
    في هذا تعقب على الخطابي حيث قال‏:‏ لا أعلم أحدا كره الإشعار إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فقالا بقول الجماعة انتهى‏.‏
    روي عن إبراهيم النخعي أيضا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذي قال‏:‏ سمعت أبا السائب يقول كنا عند وكيع فقال له رجل‏:‏ روي عن إبراهيم النخعي أنه قال الإشعار مثلة، فقال له وكيع‏:‏ أقول لك أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم‏؟‏ ما أحقك بأن تحبس انتهى‏.‏
    وفيه تعقب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف‏.‏
    وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع‏.‏
    ( ج3/ ص 690)
    وروى مالك في الموطأ ‏"‏ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق فسأل عنه فقالوا إنه أمر بهديه أن يقلد، قال ربيعة‏:‏ فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال‏:‏ بدعة ورب الكعبة ‏"
    ( ج3/ ص 699)
    تفسير قوله تعالى ‏(‏اذكروا اسم الله عليها صواف‏)‏ قال‏:‏ قياما، أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، وأخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم عنه‏.‏
    وقوله ‏"‏صواف ‏"‏ بالتشديد جمع صافة أي مصطفة في قيامها‏.‏
    وقع في ‏"‏ مستدرك الحاكم ‏"‏ من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى ‏"‏ صوافن ‏"‏ أي قياما على ثلاث قوائم معقولة، وهي قراءة ابن مسعود ‏"‏ صوافن ‏"‏ بكسر الفاء بعدها نون جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب‏.‏
    ( ج3/ ص 702)
    وأصح منه ما وقع عند مسلم في حديث جابر الطويل فإن فيه ‏"‏ ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ‏"‏ فعرف بذلك أن البدن كانت مائة بدنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر منها ثلاثا وستين ونحر علي الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثين ثم أمر عليا أن ينحر فنحر سبعا وثلاثين مثلا ثم نحر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلا فما في الصحيح أصح‏.‏
    ( ج3/ ص 703)
    النهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطي منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في ‏"‏ شرح السنة ‏"‏ قال‏:‏ وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيرا كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك‏.
    ‏وقال غيره‏:‏ إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز،
    قال القرطبي‏:‏ ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير‏.‏
    واستدل به على منع بيع الجلد، قال القرطبي‏:‏ فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا‏:‏ ويصرف ثمنه مصرف الأضحية‏.‏
    واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه..
    ( ج3/ ص 709)
    الخلاف فيمن لبد هل يتعين عليه الحلق أو لا‏؟‏ فنقل ابن بطال عن الجمهور تعين ذلك حتى عن الشافعي‏وقال أهل الرأي لا يتعين بل إن شاء قصر ا هـ، وهذا قول الشافعي في الجديد وليس للأول دليل صريح، وأعلى ما فيه ما سيأتي في اللباس عن عمر ‏"‏ من ضفر رأسه فليحلق ‏"‏
    ( ج3/ ص 711)
    .‏ قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين‏( الدعاء للمحلقين ثلاثا ) :‏ هذه الأحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع، قال‏:‏ وهو الصحيح المشهور‏.
    ‏وقيل‏:‏ كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في ‏"‏ النهاية ‏"‏ ثم قال النووي‏:‏ لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين انتهى‏.‏
    وقال عياض‏:‏ كان في الموضعين‏.‏
    ولذا قال ابن دقيق العيد أنه الأقرب‏.
    ‏قلت‏:‏ بل هو المتعين لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين
    ( ج3/ ص 712)
    قال ابن الأثير في ‏"‏ النهاية ‏"‏‏:‏ كان أكثر من حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح النبي صلى الله عليه وسلم فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر انتهى‏.‏
    وفيما قاله نظر وإن تابعه عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك‏.‏
    والأولى ما قاله الخطابي وغيره‏:‏ إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلا وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن زي الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير‏.
    ( ج3/ ص 712)
    روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى فإن شاء حلق وإن شاء قصر‏.‏
    ثم روي عنه أنه قال‏:‏ كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة وأول عمرة انتهى‏.‏
    وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا للزوم‏.‏
    قول النووي تبعا لغيره في تعليل ذلك بأن المقصر يبقى على نفسه الشعر الذي هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل هو أشعث أغبر ففيه نظر، لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف فإنه يحل له عقبة كل شيء إلا النساء في الحج خاصة‏.‏
    ( ج3/ ص 713)
    وقال الشافعي‏:‏ أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، والتقصير كالحلق فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ، هذا للشافعية وهو مرتب عند غيرهم على الحلق، وهذا كله في حق الرجال وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس عند أبي داود ولفظه ‏"‏ ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير ‏"‏ وللترمذي من حديث علي ‏"‏ نهى أن تحلق المرأة رأسها ‏"‏ وقال جمهور الشافعية‏:‏ لو حلقت أجزأها ويكره‏.‏
    وقال القاضيان أبو الطيب وحسين‏:‏ لا يجوز، والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 714)
    قد بالغ النووي هنا في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال‏:‏ هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى وفرق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ‏"‏ ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك‏؟‏ فقال‏:‏ إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر‏"‏‏.‏
    ( ج3/ ص 715)
    قال صاحب ‏"‏ الهدي ‏"‏ الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر كما أخبر عن نفسه بقوله ‏"‏ فلا أحل حتى أنحر ‏"‏ وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال‏:‏ ولعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد ذلك وظن أنه كان في حجته انتهى‏.‏
    ( ج3/ ص 721)
    وقال القرطبي‏:‏ روي عن ابن عباس ولم يثبت عنه أن من قدم شيئا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي انتهى‏.‏
    وذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم لقوله للسائل ‏"‏ لا حرج ‏"‏ فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا، لأن اسم الضيق يشملهما‏.‏
    ( ج3/ ص 722)
    قال الطحاوي‏:‏ ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال‏:‏ إلا أنه يحتمل أن يكون قوله ‏"‏ لا حرج ‏"‏ أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية، وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه صلى الله عليه وسلم حينئذ لأنه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره‏.‏
    وقال الطبري‏:‏ لم يسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه جاهلا أو ناسيا لكن يجب عليه الإعادة‏.
    ( ج3/ ص 722)
    احتج الطحاوي أيضا بقول ابن عباس‏:‏ من قدم شيئا من نسكه أو أخره فليهرق لذلك دما، قال وهو أحد من روى أن لا حرج، فدل على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط‏.‏
    وأجيب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها وفيها إبراهيم بن مهاجر وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة فيلزم من يأخذ بقول ابن عباس أن يوجب الدم في كل شيء من الأربعة المذكورة ولا يخصه بالحلق قبل الذبح أو قبل الرمي‏.‏
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ منع مالك وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرمي والذبح لأنه حينئذ يكون حلقا قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله
    ( ج3/ ص 723)
    احتج به وبقوله في رواية مالك ‏"‏ لم أشعر ‏"‏ بأن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد، قال صاحب ‏"‏ المغني ‏"‏ قال الأثرم عن أحمد‏:‏ إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان عالما فلا لقوله في الحديث ‏"‏ لم أشعر‏"‏‏.‏
    وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم ثم طاف طواف الإفاضة فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أي طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء فقالا‏:‏ لو لم يطف للقدوم ولا لغيره وقدم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه، أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه‏.‏
    ( ج3/ ص 726)
    لستة أيام متوالية من أيام ذي الحجة أسماء‏:‏ الثامن يوم التروية، والتاسع عرفة، والعاشر النحر، والحادي عشر القر، والثاني عشر النفر الأول، والثالث عشر النفر الثاني‏.‏
    وذكر مكي بن أبي طالب أن السابع يسمى يوم الزينة وأنكره النووي‏.‏
    ( ج3/ ص 727)
    في هذه الأحاديث دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر، وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، وخالف ذلك المالكية والحنفية قالوا‏:‏ خطب الحج ثلاثة، سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى‏.‏
    ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر وقال‏:‏ إن بالناس حاجة إليها ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف‏.‏
    وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج
    ( ج3/ ص 729)
    في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج
    وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سنة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم‏؟‏ فقيل يختص الحكم بالعباس وهو جمود، وقيل يدخل معه آله، وقيل قومه وهم بنو هاشم، وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك‏.‏وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد واختاره ابن المنذر، أعني الاختصاص بأهل السقاية والرعاء لإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك وعليه اقتصر صاحب المغني‏.‏
    وقال المالكية‏:‏ يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء، قالوا‏:‏ وهن ترك المبيت بغير عذر وجب عليه دم عن كل ليلة‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ عن كل ليلة إطعام مسكين، وقيل عنه التصدق بدرهم وعن الثلاث دم وهي رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفية لا شيء عليه،
    ( ج3/ ص 731)
    ‏وقال جابر رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى‏.‏
    الحديث‏)‏ وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج ‏"‏ أخبرني أبو الزبير عن جابر قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس ‏"‏ ورواه الدارمي عن عبيد الله بن موسى عن ابن جريج بلفظ التعليق، لكن قال ‏"‏ وبعد ذلك عند زوال الشمس ‏"‏ ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عيسى بن يونس عن ابن جريج ‏"‏ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا ‏"‏ فذكره‏.‏
    فيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا‏:‏ يجوز قبل الزوال مطلقا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال‏.‏
    وقال إسحاق‏:‏ إن رمى قبل الزوال أعاد، إلا في اليوم الثالث فيجزئه‏.‏
    ( ج3/ ص 734)
    ولم يقصد الأعمش الرواية عن الحجاج فلم يكن بأهل لذلك وإنما أراد أن يحكي القصة ويوضح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يرجع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج وكان لا يرى إضافة السورة إلى الاسم فرد عليه إبراهيم النخعي بما رواه عن ابن مسعود من الجواز‏.‏
    ( ج3/ ص 735)
    (‏جمرة العقبة‏)‏ هي الجمرة الكبرى، وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارا فسميت تسمية الشيء بلازمه، وقيل لأن آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه أي أسرع فسميت بذلك‏.‏
    ( ج3/ ص 736)
    استدل بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة لقوله ‏"‏ يكبر مع كل حصاة ‏"‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ خذوا عني مناسككم ‏"‏ وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا‏:‏ لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه‏.‏
    وفيه ما كان الصحابة عليه من مراعاة حال النبي صلى الله عليه وسلم في كل حركة وهيئة ولا سيما في أعمال الحج، وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبر فلا شيء عليه‏.‏
    ( ج3/ ص 737)
    فقال ابن المنذر‏:‏ لا أعلم أحدا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك انتهى، ورده ابن المنير بأن الرفع لو كان هنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغفل رحمه الله تعالى عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام في زمانه، فمن علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء‏؟‏ والله المستعان‏.‏
    في الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوري فقال يطعم، وإن جبره بدم أحب إلي‏.‏
    ( ج3/ ص 739)
    قال النووي‏:‏ طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا وهو قول أكثر العلماء‏.‏
    وقال مالك وداود وابن المنذر‏:‏ هو سنة لا شيء في تركه انتهى والذي رأيته في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء‏.‏
    ( ج3/ ص 740)
    قال ابن المنذر‏:‏ قال عامة الفقهاء بالأمصار‏:‏ ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع‏.‏
    وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها‏.‏
    ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال ‏"‏ طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت ‏"‏ قال‏:‏ وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة‏.‏
    ( ج3/ ص 742)
    وحكى القرطبي أنها كلمة( عقرى حلقى ) تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العربي في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا قاتله الله وتربت يداه ونحو ذلك، قال القرطبي وغيره‏:‏ شتان بين قوله صلى الله عليه وسلم هذا لصفية وبين قوله لعائشة لما حاضت منه في الحج ‏"‏ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ‏"‏ لما يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية‏.‏
    قال ابن حجر ::‏ وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفا على ما فاتها من النسك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله فأبدت المانع فناسب كلا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة‏
    طواف الإفاضة ركن، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف، وأن طواف الوداع واجب
    ( ج3/ ص 745)
    .‏ الحديث الذي أخرجه البزار من حديث جابر وأخرجه البيهقي في فوائده من طريق أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ أميران وليسا بأميرين‏:‏ من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم ‏"‏ فلا دلالة فيه على الوجوب إن كان صحيحا، فإن في إسناد كل منهما ضعفا شديد
    ( ج3/ ص 750)
    ‏لم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة وآخر ما ترك منها سوق حباشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة سبع وتسعين ومائة‏.‏
    ثم أسند عن ابن الكلبي أن كل شريف كان إنما يحضر سوق بلده إلا سوق عكاظ فإنهم كانوا يتوافون بها من كل جهة، فكانت أعظم تلك الأسواق‏.
    وروى الزبير بن بكار في ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ من طريق حكيم بن حزام أنها كانت تقام صبح هلال ذي القعدة إلى أن يمضي عشرون يوما، قال‏:‏ ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة، ثم يقوم سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى منى للحج‏.‏
    ‏( ج3/ ص 753)
    العمرة في اللغة الزيارة، وقيل إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وجزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، واستدلوا بما رواه الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر ‏"‏ أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن العمرة أواجبة هي‏؟‏ فقال‏:‏ لا، وأن تعتمر خير لك ‏"‏ أخرجه الترمذي، والحجاج ضعيف‏.‏
    وقد روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا ‏"‏ الحج والعمرة فريضتان ‏"‏ أخرجه ابن عدي، وابن لهيعة ضعيف ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل روى ابن الجهم المالكي بإسناد حسن عن جابر ‏"‏ ليس مسلم إلا عليه عمرة ‏"‏ موقوف على جابر، واستدل الأولون بما ذكر في هذا الباب وبقول صبي بن معبد لعمر ‏"‏ رأيت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما‏فقال له‏:‏ هديت لسنة نبيك ‏"‏ أخرجه أبو داود‏.‏
    قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
    ( ج3/ ص 754)
    قال ابن عبد البر‏:‏ تفرد سمي بهذا الحديث ( العمرة الى العمرة كفارة لما بينهما ..) واحتاج إليه الناس فيه فرواه عنه مالك والسفيانان وغيرهما حتى أن سهيل بن أبي صالح حدث به عن سمي عن أبي صالح فكأن سهيلا لم يسمعه من أبيه، وتحقق بذلك تفرد سمي به فهو من غرائب الصحيح‏.‏.‏
    أشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر قال‏:‏ وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك
    ( ج3/ ص 761)
    قال صاحب الهدي :النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان‏.‏
    لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة‏.‏
    وتعقبه ابن المنير بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال‏:‏ وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضا، لأن حج أبي بكر كان إنذارا‏.‏
    فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض، للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد‏.‏
    ( ج3/ ص 763)
    لم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أشهر الحج كما تقدم، وقد ثبت فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل‏؟‏ الذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي صلى الله عليه وسلم أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو أفضل، لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم‏.‏
    بالقول والفعل، وهو لو كان مكروها لغيره لكان في حقه أفضل، والله أعلم‏.‏
    ال صاحب ‏"‏ الهدى ‏"‏‏:‏ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهم من العمرة، وخشي من المشقة عل أمته إذ لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وخوفا من المشقة عليهم‏.
    ( ج3/ ص 764)
    واختلف السلف في العمرة أيام الحج، فروى عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال ‏"‏ سئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليله الحصبة، فقال عمر‏:‏ هي خير من لا شيء‏.‏
    وقال علي نحوه‏.‏
    وقالت عائشة‏:‏ العمرة على قدر النفقة ‏"‏ انتهى وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحل
    ( ج3/ ص 765)
    قال صاحب ‏"‏ الهدي ‏"‏ لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلا إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجا من مكة إلى الحل ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها انتهى‏.‏
    وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته‏.‏
    ( ج3/ ص 766)
    فروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين قال ‏"‏ بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم ‏"‏ ومن طريق عطاء قال‏:‏ من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتا أي ميقاتا من مواقيت الحج‏.
    قال الطحاوي‏:‏ ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج‏.‏
    وخالفهم آخرون فقالوا‏:‏ ميقات العمرة الحل وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل من مكة‏.‏
    ثم روي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها قالت ‏"‏ وكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت منه ‏"‏ قال فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء‏.‏
    ( ج3/ ص 767)
    وروى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير قال‏:‏ إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له ناعم، والذي عن اليسار يقال له منعم، والوادي نعمان‏.‏
    وروى الأزرقي من طريق ابن جريج قال‏:‏ رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة قال فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن علي بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب‏.‏
    ونقل الفاكهي عن ابن جريج وغيره أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة، وقيل هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبرى

    ( ج3/ ص 767)
    في رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة‏.‏
    واقتصر النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ على النقل عن أبي محمد بن حزم أن عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره يوم النحر، وإنما أخذه ابن حزم من هذه الروايات التي في مسلم‏.‏
    ويجمع بين قول مجاهد وقول القاسم أنها رأت الطهر وهي بعرفة ولم تتهيأ للاغتسال إلا بعد أن نزلت منى، وانقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى، وهذا أولى والله أعلم‏.‏
    ( ج3/ ص 769)
    وقال الشافعي في ‏"‏ الإملاء ‏"‏‏:‏ أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها‏.‏
    قال وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلي، وحكى الموفق في ‏"‏ المغني ‏"‏ عن أحمد أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره‏.‏
    وقال الحنفية‏:‏ أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة‏.‏
    ( ج3/ 770)
    قال ابن عبد السلام في ‏"‏ القواعد ‏"‏ قال‏:‏ وقد كانت الصلاة قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم وهي شاقة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مطلقا‏.
    ( ج3/ ص 777)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ لا أعلم خلافا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى، إلا ما شذ به ابن عباس فقال ‏"‏ يحل من العمرة بالطواف ‏"‏ ووافقه إسحاق بن راهويه، ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها،
    ( ج3/ ص 779)
    ‏بالحجون‏)‏ بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة‏:‏ جبل معروف بمكة، وقد تكرر ذكره في الأشعار، وعنده المقبرة المعروفة بالمعلى على يسار الداخل إلى مكة ويمين الخارج منها إلى منى،
    قال أبو علي القالي‏:‏ الحجون ثنية المدنيين - أي من يقدم من المدينة - وهي - مقبرة أهل مكة عند شعب الجرارين
    وروى الواقدي عن أشياخه أن قصي بن كلاب لما مات دفن بالحجون فتدافن الناس بعده،
    ( ج3/ ص 780)
    واختلفوا فيمن جامع قبل أن يقصر بعد أن طاف وسعى فقال الأكثر‏:‏ عليه الهدي‏.‏
    وقال عطاء‏:‏ لا شيء عليه‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ تفسد عمرته وعليه المضي في فاسدها وقضاؤه
    ( ج3/ ص 784)
    رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هبت الريح العظيمة لموته كما وقع مبهما في صحيح مسلم ومفسرا في غيره من حديث جابر
    ( ح3/ ص 785)
    قال مالك‏:‏ ما لأهل العراق يسألونني عن حديث ‏"‏ السفر قطعة من العذاب ‏"‏‏؟‏ فقيل له لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال‏:‏ لو عرفت ما حدثت به، وكان مالك ربما أرسله لذلك، ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر عن أبي صالح، ووهم فيه أيضا على مالك أخرجه الطبراني والدارقطني، ورواه رواد بن الجراح عن مالك فزاد فيه إسنادا آخر
    ( ج3/ ص 786)
    قال ابن عبد البر‏:‏ زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك ‏"‏ وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلا حجرا ‏"‏ يعني حجر الزناد، قال‏:‏ وهي زيادة منكرة، وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة العبادة‏
    ( ج3/ ص 787)
    قال ابن بطال‏:‏ ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا ‏"‏ سافروا تصحوا ‏"‏ فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر المعقب للصحة وإن كان في تناوله الكراهة، واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني لأنه قد أمر بتعذيبه - والسفر من جملة العذاب - ولا يخفى ما فيه‏.‏
    ‏(‏لطيفة‏)‏ ‏:‏ سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه‏:‏ لم كان السفر قطعة من العذاب‏؟‏ فأجاب على الفور‏:‏ لأن فيه فراق الأحباب‏.‏
    تم بحمد الله " المجلد الثالث " والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . ( تلخيص / 1441 ه ) ويليه المجلد الرابع .‏

  13. #153
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    1
    ( ج4/ ص 5)
    وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، ولفظه ‏"‏ فإن أحصرتم، قال‏:‏ من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى، فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه ‏"‏ وقال آخرون‏:‏ لا حصر إلا بالعدو، وصح ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق عن معمر، وأخرجه الشافعي عن ابن عيينة كلاهما عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ‏"‏ لا حصر إلا من حبقال الشافعي‏:‏ جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدو فلم نعد بالرخصة موضعها‏.‏سه عدو فيحل بعمرة، وليس عليه حج ولا عمرة‏"‏
    ( ج4/ ص 6)
    اختلافهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة - منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وابن قتيبة وغيرهم - أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر وبهذا قطع النحاس، وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرف قال تعالى ‏(‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض‏)‏ وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدو إياهم، وأما الشافعي ومن تابعه فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدو اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصة الحديبية حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت، فسمى الله صد العدو إحصارا، وحجة الآخرين التمسك بعموم قوله تعالى‏(‏فإن أحصرتم‏)‏ ‏.‏
    ( ج4/ ص 7)
    السنة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكي عن مالك، واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال‏:‏ خرجت معتمرا، فوقعت عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا‏:‏ ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت‏.‏
    ( ج4/ ص 12)
    قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ أشار البخاري إلى أن الإحصار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق وهو من أقوى الأقيسة‏.‏
    ( ج2/ ص 12)
    قال البيهقي‏:‏ لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به، وقد أخرجه الشافعي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بضباعة بنت الزبير فقال‏:‏ أما تريدين الحج‏؟‏ فقالت‏:‏ إني شاكية‏.‏
    فقال لها‏:‏ حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ‏"‏ قال الشافعي‏:‏ لو ثبت حديث عروة لم أعده إلى غيره، لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ( ج4/ ص 13)
    وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة، ولم يصح إنكاره عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر، ووافقه جماعة من التابعين ومن بعدهم من الحنفية والمالكية، وحكى عياض عن الأصيلي قال‏:‏ لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، قال عياض‏:‏ وقد قال النسائي لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر‏.‏
    وتعقبه النووي بأن الذي قاله غلط فاحش، لأن الحديث مشهور صحيح من طرق متعددة، انتهى وقول النسائي لا يلزم منه تضعيف طريق الزهري التي تفرد بها معمر فضلا عن بقية الطرق لأن معمرا ثقة حافظ فلا يضره التفرد، كيف وقد وجد لما رواه شواهد كثيرة‏.‏
    ( ج4/ ص 13)
    والذين أنكروا مشروعية الاشتراط أجابوا عن حديث ضباعة بأجوبة، منها‏:‏ أنه خاص بضباعة، حكاه الخطابي ثم الروياني من الشافعية‏.‏
    قال النووي‏:‏ وهو تأويل باطل‏.‏
    وقيل معناه محلي حيث حبسني الموت إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي‏.‏
    حكاه إمام الحرمين، وأنكره النووي‏.‏
    وقال‏:‏ إنه ظاهر الفساد‏.‏
    قيل إن الشرط خاص بالتحلل من العمرة لا من الحج‏.‏
    حكاه المحب الطبري‏.‏
    ( ج4/ ص 16)
    هذه مسألة اختلاف بين الصحابة ومن بعدهم، فقال الجمهور يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم‏.‏
    وقال أبو حنيفة لا يذبحه إلا في الحرم، وفصل آخرون كما قاله ابن عباس هنا وهو المعتمد‏.‏
    وسبب اختلافهم في ذلك هل نحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي بالحديبية في الحل أو في الحرم، وكان عطاء يقول لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق‏.‏
    وقال غيره من أهل المغازي‏:‏ إنما نحر في الحل‏.‏
    ( ج4/ ص 16)
    إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة، انتهى‏.‏
    ( ج4/ ص 18)
    نقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال‏:‏ حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى وابن معقل‏.‏
    قال‏:‏ وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة‏.‏
    قال الزهري‏:‏ سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين‏.‏
    قلت‏:‏ فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبري والطبراني، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبري، وفضالة الأنصاري عمن لا يتهم من قومه عند الطبري أيضا‏.‏
    ( ج4/ ص 19)
    قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم خلافا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال‏:‏ يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف‏.‏
    ( ج4/ ص 20)
    قال النووي‏:‏ ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقد الهدي، بل المراد أنه استخبره‏:‏ هل معه هدي أو لا‏؟‏ فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما‏.‏
    ( ج4/ 21)
    قوله ‏(‏باب قول الله عز وجل أو صدقة وهي إطعام ستة مساكين‏)‏ يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء‏.‏
    وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال‏.‏
    الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين‏.‏
    وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار‏.‏
    فَقَالَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ
    ( ج4/ ص 23)
    المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث ‏"‏ نصف صاع من طعام ‏"‏ والاختلاف عليه في كونه تمرا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة
    ( ج4/ ص 25)
    قال عياض ومن تبعه لأبي عمر‏:‏ كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء‏
    ( ج4/ ص 24)
    وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري عن أبي هريرة ‏"‏ أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه ‏"‏ وهذا أصوب من الذي قبله، واعتمد ابن بطال على رواية نافع بن سليمان بن يسار فقال‏:‏ أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من ذبح شاة، بل وافق وزاد‏.‏
    ( ج4/ ص 25)
    أن المرأة التي تعرف أوان حيضها والمريض الذي يعرف أوان حماه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلا في أول النهار ثم ينكشف الأمر بالحيض والحمى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلق قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة فيجب القضاء عليهما لذلك‏.‏.
    ( ج4/ ص 26)
    ‏في رواية مسلم ‏"‏ أو اذبح شاة ‏"‏ واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين‏.‏
    وقال الحسن‏:‏ تتعين مكة‏.‏
    وقال مجاهد‏:‏ النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء‏.‏
    وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة‏:‏ الدم والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم‏.
    ( ج4/ ص 27)
    قال أهل الظاهر‏:‏ يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه ولا يجوز للمحرم الذي يموت عملا بالظاهر في الموضعين‏.
    ‏ل آخرون‏:‏ هي واقعة عين لا عموم فيها لأنه علل ذلك بقوله ‏"‏ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا ‏"‏ وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فيكون خاصا بدلك الرجل؛ ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء مناسكه
    واختلف في الصائم بموت هل يبطل صومه بالموت حتى يجب قضاء صوم ذلك اليوم عنه أو لا يبطل‏؟‏ وقال النووي‏:‏ يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطي رأسه ا ه‏.
    ( ج4/ ص 28)
    قال ابن بطال‏:‏ اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسكوا بقوله تعالى ‏(‏متعمدا‏)‏ فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد‏.‏
    وعكس الحسن ومجاهد فقالا يجب الجزاء في الخطأ دون العمد فيختص الجزاء بالخطأ والنقمة بالعمد، وعنهما يجب الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لائمة وعليه النقمة لا الجزاء‏.‏
    قال الموفق في ‏"‏ المغني ‏"‏‏:‏ لا نعلم أحدا خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهم
    وقال سعيد بن جبير‏:‏ إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الصيد واتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم‏.‏
    وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة‏:‏ يجوز أكله، وهو كذبيحة السارق، وهو وجه للشافعية‏.‏
    وقال الأكثر أيضا‏:‏ إن الحكم في ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك، وما لم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه‏.‏
    (ج4/ ص 29)
    ‏وقال الأكثر الواجب في الجزاء نظير الصيد من النعم‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ الواجب القيمة ويجوز صرفها في المثل‏.‏
    وقال الأكثر‏:‏ في الكبير كبير وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح وفي الكسير كسير‏.‏
    وخالف مالك فقال‏:‏ في الكبير والصغير كبير وفي الصحيح والمعيب صحيح‏.‏
    واتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشي وأن لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد، فألحقه الأكثر بالمأكول
    ( ج4/ ص 38)
    عاده البخاري غالبا إذا تحول إلى إسناد ساق المتن على لفظ الثاني‏.‏
    ( ج4/ ص 40)
    قال ابن خزيمة‏:‏ إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع ا هـ‏.‏
    وفيه نطر لأنه لو كان حراما ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتى بلحم لا يدري ألحم صيدا أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حراما على الآكل‏.‏
    ( ج4/ ص 41)
    قال ابن العربي‏:‏ قالوا تجوز التسمية لما لا يعقل، وإن كان لا يتفطن له ولا يجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميز اسمه إذا دعي به‏
    ( ج4/ ص 42)
    ا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه فقتله دفعا فيجوز، ولا ضمان عليه‏.‏
    ( ج4/ ص 42)
    وابن إسحاق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خولف
    ( ج4/ ص 43)
    قال الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏‏:‏ حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار‏.‏
    وقال الترمذي‏:‏ روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب ‏"‏ لحم حمار وحش ‏"‏ وهو غير محفوظ‏.‏
    ( ج4/ ص 44)
    ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث علي ‏"‏ أنه قال لناس من أشجع‏:‏ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ‏"‏ لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم أيضا من حديث طلحة أنه ‏"‏ أهدى له لحم طير وهو محرم، فوقف من أكله وقال‏:‏ أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏
    وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله وحديث عمير بن سلمة ‏"‏ أن البهزي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ظبيا وهو محرم، فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق‏"‏؛ أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره، وبالجواز مطلقا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم‏.‏
    قالوا والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلا إذا كان محرما، فبين الشرط الأصلي وسكت عما عداه فلم يدل على نفيه، وقد بينه في الأحاديث الأخر‏.‏
    ويؤيد هذا الجمع حديث جابر مرفوعا ‏"‏ صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ‏"‏ أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة‏.‏
    وجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا
    ( ج4/ ص 50)
    (‏الغراب‏)‏ زاد في رواية سعيد بن المسيب عن
    عائشة عند مسلم ‏"‏ الأبقع ‏"‏ وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد‏.‏
    وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح لأنها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس وقد شذ بذلك‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ لا تثبت هذه الزيادة‏.‏
    وقال ابن قدامة‏:‏ الروايات المطلقة أصح‏.‏
    وفي جميع هذا التعليل نظر، أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة‏.‏
    وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم‏.
    ‏نعم قال ابن قدامة‏:‏ يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل‏.‏
    وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع‏.
    ( ج4/ ص 51)
    ومنها الغداف على الصحيح في ‏"‏ الروضة ‏"‏ بخلاف تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل سمي غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا‏:‏ آذن بشر، وإذا نعب ثلاثا قالوا‏:‏ آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال‏:‏ اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا قال صاحب الهداية‏:‏ المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع قلا‏.‏
    وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود إن صح حيث قال فيه ‏"‏ ويرمي الغراب ولا يقتله ‏"‏ وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن علي ومجاهد، قال ابن المنذر‏:‏ أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء قال في محرم كسر قرن غراب فقال‏:‏ إن أدماه فعليه الجزاء وقال الخطابي‏:‏ لم يتابع أحد عطاء على هذا، انتهى‏.‏
    خيرك ولا إله غيرك‏.
    ‏ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع‏.‏
    ومنها العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا ظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضا‏.‏
    ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي‏:‏ من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع‏
    ( ج4/ ص 51)
    روى البيهقي بإسناد صحيح حماد بن زيد قال لما ذكروا له هذا القول‏:‏ ما كان بالكوفة أفحش ردا للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعا لها من الشعبي لكثرة ما سمع‏.‏
    ( ج4/ ص 52)
    الفأر أنواع، منها الجرذ بالجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وسيأتي في الأدب إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر، وتقدم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد‏.‏
    وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح، والله أعلم‏.
    ( ج4/ ص 52)
    ‏إن أول من اتخذ الكلب للحراسة نوح عليه السلام
    فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال‏:‏ الكلب العقور الأسد‏.‏
    احتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ‏"‏ فقتله الأسد‏وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه.
    ‏ذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في المعنى فقيل‏:‏ لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ، وهذا قضية مذهب مالك‏.‏
    ( ج4/ ص 53)
    نقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك‏:‏ لا يقتل المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم‏:‏ وإن قتله يتصدق لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها‏.‏
    وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال‏:‏ إذا آذاك فلا بأس بقتله‏.‏
    وهذا يفهم توقف قتله على أذاه‏.‏
    ( ج4/ ص 54)
    ويؤخذ من قوله ‏"‏ ووعاه قلبي ‏"‏ أن العقل محله القلب‏.‏
    ( ج4/ ص 57)
    قال القرطبي‏:‏ خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور عل الجواز‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة‏.‏
    واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك‏:‏ لا جزاء فيه بل يأثم‏.‏
    وقال عطاء‏:‏ يستغفر‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ يؤخذ بقيمته هدي‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة‏.‏
    أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما
    ( ج4/ ص 61)
    وروى ابن أبي شيبه أيضا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حماما كان على البيت فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة‏.‏
    ( ج4/ ص 62)
    استدل به على تحريم القتل والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي، واحتج بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقا، ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء‏.‏
    فقال الماوردي‏:‏ من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال فقال الجمهور يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز إضاعتها‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ لا يجوز قتالهم بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة‏.‏
    ( ج4/ ص 64)
    والإذخر‏:‏ نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار، قال‏:‏ والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس ‏"‏ فإنه لقينهم ‏"‏ وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد‏.‏
    قال الطبري‏:‏ القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه، ووقع في رواية المغازي ‏"‏ فإنه لا بد منه للقين والبيوت ‏"‏ وفي الرواية التي في الباب قبله ‏"‏ فإنه لصاغتنا وقبورنا ‏
    ( ج4/ ص 65)
    وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم كان تبليغا عن الله إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم‏.‏
    ( ج4/ ص 66)
    وصل ذلك سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال ‏"‏ أصاب واقد بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق وهو متوجه إلى مكة فكواه ابن عمر ‏"‏ فأبان أن ذلك كان للضرورة‏.
    ( ج4/ ص 67)
    قال النووي‏:‏ إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك‏.‏
    وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرا‏.‏
    وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية‏.‏
    وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس‏.‏
    قال الداودي‏:‏ إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق‏.‏
    واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك، والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 68)
    ختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان ‏"‏ لا ينكح المحرم ولا ينكح ‏"‏ أخرجه مسلم، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخذ به‏.‏
    وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة‏:‏ يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة فلا يعتبر به‏.‏
    وأما تأويلهم حديث عثمان بأن المراد به الوطء فمتعقب بالتصريح فيه بقوله ‏"‏ ولا ينكح ‏"‏ بضم أوله، وبقوله فيه ‏"‏ ولا يخطب‏"‏‏.‏
    ( ج4/ ص 71)
    قد تمسكوا من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها وهي قوله ‏"‏ ولا تخمروا وجهه ‏"‏ فقالوا‏:‏ لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرما، وأما الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث وقالوا‏:‏ إن في ثبوت ذكر الوجه مقالا، وتردد ابن المنذر في صحة‏.‏
    وقال البيهقي‏:‏ ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته، وفي كل ذلك نظر فإن الحديث ظاهره الصحة ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث‏.‏
    قال منصور ‏"‏ ولا تغطوا وجهه ‏"‏ وقال أبو الزبير ‏"‏ ولا تكشفوا وجهه ‏"‏ وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ ‏"‏ ولا تخمروا وجهه ولا رأسه ‏"‏ وأخرجه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ ‏"‏ ولا يمس طيبا خارج رأسه ‏"‏ قال شعبة‏:‏ ثم حدثني به بعد ذلك فقال ‏"‏ خارج رأسه ووجهه ‏"‏ انتهى‏.‏
    ( ج4/ ص 72)
    لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد الله بن عمر فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر فقال‏:‏ وقع عن بعيره وهو محرم فهلك، فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبد الله ابن عمر صحبة وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كما ظن فإن واقدا المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد إنما تزوجها أبوه في خلافة أبيه عمر واختلف في صحبتها، وذكرها العجلي وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد الله آخر لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره فهلك، بل ذكر غير واحد منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد الله من كل وجه‏.‏
    ( ج4/ ص 73)
    في رواية ابن جريج عند أحمد عن زيد بن أسلم ‏"‏ أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عباس أخبره ‏"‏ كذا قال ‏"‏ مولى ابن عباس ‏"‏ وقد اختلف في ذلك والمشهور أن حنينا كان مولى للعباس وهبه له النبي صلى الله عليه وسلم فأولاده موال له‏.
    له‏.‏
    .‏( ج4/ ص 74)
    قال ابن عبد البر‏:‏ لو كان معنى الاقتداء في قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أصحابي كالنجوم ‏"‏ يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت تجم فبأينا اقتدي من بعدنا كفاه، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر أنه في النقل، لأن جميعهم عدول‏.‏
    ( ج4/ ص 75)
    اشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل، فلو لبس شيئا منهما على حاله لزمته الفدية، والدليل ثم قوله في حديث ابن عمر ‏"‏ وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ‏"‏ فيحمل المطلق على المقيد ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم‏.‏
    وقال ابن قدامة‏:‏ الأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف‏.‏
    والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق محمد ابن الحسن وإمام الحرمين وطائفة، وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقا، ومثله عن مالك وكأن حديث ابن عباس لم يبلغه، ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال‏:‏ لم أسمع بهذا الحديث‏.‏
    وقال الرازي من الحنفية‏:‏ يجوز لبسه وعليه الفدية كما قاله أصحابهم في الخفين، ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزارا لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار‏.‏
    ( ج4/ ص 77)
    خص الإحرام بمن أراد الحج والعمرة، واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس ‏"‏ ممن أراد الحج والعمرة ‏"‏ فمفهومه أن المتردد إلى مكة - لغير قصد الحج والعمرة - لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا، وفي قول يجب مطلقا، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب‏.‏
    وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات، وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب‏.‏
    ( ج4/ ص 79)
    وروى ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ‏"‏ أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة من الناس‏:‏ عبد العزى بن خطل، ومقيس ابن صبابة الكناني، وعبد الله بن أبي سرح، وأم سارة‏.‏
    فأما عبد العزى بن خطل فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ‏"‏ وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي ‏"‏ أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ‏"‏ وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في ‏"‏ البر والصلة ‏"‏ من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار
    ومنهم من سمى قاتله سعيد بن ذؤيب، وحكى المحب الطبري أن الزبير بن العوام هو الذي قتل ابن خطل‏.‏
    قد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس‏:‏ ستة رجال وأربع نسوة‏.‏
    ( ج4/ ص 80)\
    والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله ‏"‏ من دخل المسجد فهو آمن ‏"‏ ما روى ابن إسحاق في المغازي ‏"
    وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما، فنزل منزلا، فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وروى الفاكهي من طريق ابن جريج قال‏:‏ قال مولى ابن عباس‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار ورجلا من مزينة وابن خطل وقال‏:‏ أطيعا الأنصاري حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاري وهرب المزني‏.‏
    وكان ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح‏.‏
    ( ج4/ ص 81)
    وهذا الحديث ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرما، وقد صرح بذلك مالك راوي الحديث
    قال مالك‏:‏ ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فما نرى - والله أعلم - يومئذ محرما ا ه‏
    ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ ‏"‏ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام ‏"‏ وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال ‏"‏ لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة ‏"‏
    ( ج4/ ص 84)
    لا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح‏
    .‏لأن لفظ الحديث ‏"‏ أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها
    ( ج4/ ص 85)
    وفيه إجزاء الحج عن الميت، وفيه اختلاف‏:‏ فروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن مالك والليث، وعن مالك أيضا إن أوصى بذلك فليحج عنه وإلا فلا
    وفيه أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال فكذلك ما شبه به في القضاء، ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك‏.‏
    ( ج4/ ص 87)
    ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي، وعن أحمد روايتان‏.‏
    ( ج4/ ص 90)
    قد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فبه يظهر الانقياد أو النفور، بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس وبالغير‏.‏
    وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح، لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري‏:‏ من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة‏.‏
    وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة‏.‏
    ( ج4/ ص 90)
    وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأن الأصل عدم الخصوصية، واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب ‏"‏ الواضحة ‏"‏ بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث ‏"‏ حج عنه، وليس لأحد بعده ‏"‏ ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع إرسالهما‏.‏
    ( ج4/ 91)
    قال القرطبي‏:‏ رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن فرجح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنا، قال‏:‏ ولا يقال قد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها، ولو كان ظنها غلطا لبينه لها، لأنا نقول إنما أجابها عن قولها ‏"‏ أفأحج عنه‏؟‏ قال حجي عنه ‏"‏ لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، ا ه‏.
    وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث ‏"‏ حج عن أبيك فإن لم يزده خبرا لم يزده شرا ‏"‏ فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف‏.
    وأن من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب، خلافا لمحمد بن الحسن فقال‏:‏ يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر النفقة‏.‏
    ( ج4/ 92)
    قال ابن بطال‏:‏ أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعا عند الجمهور‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال‏:‏ إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، لظاهر قوله ‏"‏ نعم ‏"‏ في جواب ‏"‏ ألهذا حج‏"‏‏.‏
    وقال الطحاوي‏:‏ لا حجة فيه لذلك، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، لأن ابن عباس راوي الحديث قال‏:‏ أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح

    ( ج4/ ص 95)
    وروى ابن سعد أيضا بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال ‏"‏ رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة ‏"‏ أي ابن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها‏.
    روى أبو داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع‏:‏ هذه ثم ظهور الحصر ‏"‏ زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة ‏"‏ فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن، إلا سودة وزينب فقالا‏:‏ لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وإسناد حديث أبي واقد صحيح‏.‏
    ( ج4/ ص 96)
    أغرب المهلب فزعم أنه من وضع لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل، وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل، والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة ‏"‏ ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب، وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن، وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير‏.‏
    ( ج4/ ص 97)
    وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ ‏"‏ استأذنه نساؤه في الجهاد فقال‏:‏ يكفيكن الحج ‏"‏ ولابن ماجة من طريق محمد بن فضيل عن حبيب ‏"‏ قلت يا رسول الله على النساء جهاد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة‏"‏‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى ‏(‏وقرن في بيوتكن‏)‏ يقتضى تحريم السفر عليهن‏.‏
    قال‏:‏ وهذا الحديث يرد عليهم، لأنه قال ‏"‏ لكن أفضل الجهاد ‏"‏ فدل على أن لهن جهادا غير الحج والحج أفضل منه ا
    ( ج4/ ص 99)
    قال النووي‏:‏ ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفر فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين‏.‏
    وقال المنذري‏:‏ يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعني فمن أطلق يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدة الذهاب والرجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضي فيه الحاجة‏.
    فرق سفيان الثوري بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة، وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال‏:‏ إذا لم تجد زوجا أو محرما لا يجب عليها الحج، هذا هو المشهور عنه‏.‏
    وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا‏:‏ وهو مخصوص بالإجماع‏.‏
    قال البغوي لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت‏.‏
    وزاد غيره أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة‏.‏
    قالوا‏:‏ وإذا كان عمومه مخصوصا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة‏.‏
    وأجاب صاحب ‏"‏ المغني ‏"‏ بأنه سفر الضرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنها تدفع ضررا متيقنا بتحمل ضرر متوهم ولا كذلك السفر للحج‏.‏
    ( ج4/ ص 100)
    ال ابن دقيق العيد‏:‏ هذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا، فإن قوله تعالى ‏(‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏)‏ عام في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تسافر المرأة إلا مع محرم ‏"‏ عام في كل سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى الترجيح من خارج، وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ‏"‏ وليس ذلك بجيد لكونه عاما في المساجد فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهي‏.‏
    ( ج4/ ص 101)
    ويقال إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس، لكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ ‏"‏ نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال‏:‏ إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب‏"‏‏.‏
    تم بحمد الله وتوفيقه تلخيص " كتاب جزاء الصيد " ويليه " كتاب فضائل المدينة " الجزء الرابع
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . ‏

  14. #154
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب فضائل المدينة "
    ( ج4/ ص 106)
    والمدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها‏.‏
    قال الله تعالى ‏(‏يقولون لئن رجعنا إلى المدينة‏)‏ فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، وإذا أريد غيرها بلفظة المدينة فلا بد من قيد، فهي كالنجم للثريا، وكان اسمها قبل ذلك يثرب
    ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، قيل سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري وقيل غير ذلك، ثم سماها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة كما سيأتي في باب مفرد، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل أرسلهم موسى عليه السلام كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم،
    ( ج4/ ص 107)
    وقال صاحب ‏"‏ المشارق ‏"‏ و ‏"‏ المطالع ‏"‏‏:‏ أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري‏:‏ ليس بالمدينة عير ولا ثور‏.‏
    وأثبت غيره عيرا ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد‏:‏ قوله ‏"‏ ما بين عير إلى ثور ‏"‏ هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم يقال له ثور وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث ‏"‏ ما بين عير إلى أحد‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني‏.‏
    وقال عياض‏:‏ لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة شواهد
    ( ج4/ ص 107)
    قال المحب الطبري في ‏"‏ الأحكام ‏"‏ بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه‏:‏ قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب - أي العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال - فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك‏.‏
    قال فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه‏.‏
    قال وهذه فائدة جليلة‏.‏
    ( ج4/ ص 108)
    قال ابن قدامة‏:‏ يحرم صيد المدينة وقطع شجرها وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم‏.‏
    وقال أبو حنيفة لا يحرم، ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئا أثم ولا جزاء عليه في رواية لأحمد، وهو قول مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم‏.‏
    وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وابن أبي ذئب واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك‏.‏
    ( ج4/ ص 109 )
    ‏(‏فعليه لعنة الله‏)‏ فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين‏.‏
    وفيه أن المحدث والمؤوى للمحدث في الإثم سواء‏.‏
    والمراد بالحدث والمحدث الظلم والظالم على ما قيل، أو ما هو أعم من ذلك‏.‏
    قال عياض‏:‏ واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله‏.‏
    ( ج4/ ص 111)
    (‏لا يقبل منه صرف ولا عدل‏)‏ بفتح أولهما، واختلف في تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري، وعن الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية، وعن يونس مثله لكن قال‏:‏ الصرف الاكتساب، وعن أبي عبيدة مثله لكن قال‏:‏ العدل الحيلة وقيل المثل، وقيل الصرف الدية والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس، وحكى صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏ الصرف الوزن والعدل الكيل، وقيل الصرف القيمة والعدل الاستقامة، وقيل الصرف الدية والعدل البديل، وقيل الصرف الشفاعة والعدل الفدية لأنها تعادل الدية وبهذا الأخير جزم البيضاوي، وقيل الصرف الرشوة والعدل الكفيل، قاله أبان بن ثعلب وأنشد‏:‏ لا نقبل الصرف وهاتوا عدلا فحصلنا على أكثر من عشرة أقوال، وقد وقع في آخر الحديث في رواية المستملى ‏"‏ قال أبو عبد الله‏:‏ عدل فداء ‏"‏ وهذا موافق لتفسير الأصمعي، والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 113)
    قال النووي‏:‏ ذكروا في معناه وجهين، أحدهما هذا والآخر أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها‏.‏
    وقال ابن المنير في الحاشية‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما‏.‏
    قلت‏:‏ والذي ذكره احتمالا ذكره القاضي عبد الوهاب فقال‏:‏ لا معنى لقوله تأكل القرى إلا رجوح فضلها عليها وزيادتها على غيرها، كذا قال‏.‏
    ( ج4/ ص 114)
    بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة‏.‏
    وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا‏:‏ ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين‏.‏
    وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه ‏"‏ من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة ‏"‏ وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب ‏"‏ ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية‏:‏ من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة‏.‏
    قال‏:‏ وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح‏.
    ‏وذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في ‏"‏ معجم ما استعجم ‏"‏ أنها سميت بترب باسم يثرب بن قانية ابن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكري‏.‏
    ( ج4/ ص 115)
    وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا ‏"‏ أن الله سمى المدينة طابة ‏"‏ ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن سماك بلفظ ‏"‏ كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة ‏"‏ وأخرجه أبو عوانة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها‏.‏
    وقال بعض أهل العلم‏:‏ وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها‏.‏
    وللمدينة أسماء غير ما ذكر، منها ما رواه عمر بن شبة في ‏"‏ أخبار المدينة ‏"‏ من رواية زيد بن أسلم قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ للمدينة عشرة أسماء، هي‏:‏ المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب‏"‏‏.‏
    ومن طريق محمد بن أبي يحيى قال ‏"‏ لم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء، هي‏:‏ المدينة، وطيبة، وطابة، والمطيبة، والمسكينة، والمدري، والجابرة، والمجبورة، والمحببة، والمحبوبة‏"‏‏.
    ( ج4/ ص 118)
    قد روى ابن حبان من طريق عروة عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة‏"‏، وهو يناسب كون آخر من يحشر يكون منها‏.‏
    ( ج4/ ص 119)
    سفيان بن أبي زهير : واسم أبي زهير القرد بفتح القاف وكسر الراء بعدها مهملة وقيل نمير، وهو الشنوئي من أزد شنوءة بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة وفي النسب كذلك، وقيل بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو، وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر ابن الأزد، وسمي شنوءة لشنآن كان بينه وبين قومه‏.‏
    ( ج4/ ص 120)
    قال الداودي‏:‏ معناه يزجرون دوابهم فيبسون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير فيضير غبارا‏.‏
    قال تعالى ‏(‏وبست الجبال بسا‏)‏ أي سالت سيلا، وقيل معناه سارت سيرا‏.‏
    وقال ابن القاسم‏:‏ البس المبالغة في الفت ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن بسيس، وأنكر ذلك النووي وقال إنه ضعيف أو باطل‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ وقيل معنى يبسون يسألون عن البلاد ويستقرئون أخبارها ليسيروا إليها‏.‏
    قال‏:‏ وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة‏.‏
    وقيل معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم ‏"‏ يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه‏:‏ هلم إلى الرخاء، والمدينة خبر لهم لو كانوا يعلمون ‏"‏ وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون، كأن الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد ورخاؤها فدعا قريبه إلى المجيء إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة‏.‏
    ( ج4/ ص 124)
    (‏ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال‏)‏ هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذا ابن حزم فقال‏:‏ المراد ألا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة‏.‏
    ( ج4/ ص 125)
    (‏جاء أعرابي‏)‏ لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشري ذكر في ‏"‏ ربيع الأبرار ‏"‏ أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن كان محفوظا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه‏.‏
    وفي ‏"‏ الذيل ‏"‏ لأبي موسى ‏"‏ في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري ‏"‏ فيحتمل أن يكون هو هذا‏.‏
    ( ج4/ ص 130)
    نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعا وقيل أربع وخمسون وسدس وقيل خمسون إلا ثلثي ذراع وهو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار، واستدل به على أن المدينة أفضل من مكة لأنه أثبت التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال الحديث الآخر ‏"‏ لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ‏"‏ وتعقبه ابن حزم بأن قوله أنها من الجنة مجازا إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة ‏(‏أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى‏)‏ وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الجنة تحت ظلال السيوف ‏"‏ قال‏:‏ ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة،

  15. #155
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب الصوم
    ( 1 )
    ( 4/ ص 132)
    والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة‏.‏
    ( ج4/ ص 133)
    وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه ‏"‏ حظائر القدس ‏"‏ لرمضان ستين اسما، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوما، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك‏.‏
    ( ج4/ ص 133)
    قد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا‏؟‏ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ‏.‏
    ( ج4/ ص 137)
    ‏أطيب عند الله من ريح المسك‏)‏ اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه‏.‏
    قال المازري‏:‏ هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهو قريب من الأول‏.‏
    فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ‏"‏ قال المنذري إسناده مقارب، وهذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها ‏"‏ يوم القيامة ‏"‏ وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك، فقال الخطابي‏:‏ طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه‏.‏
    ( ج4/ ص 140)
    وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى ‏"‏ الصيام لي وأنا أجزي به ‏"‏ مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال‏:‏ أحدها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه‏:‏ قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب‏.‏
    ويؤيدها هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ليس في الصيام رياء ‏"‏ حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلا قال‏:‏ وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى‏.‏
    ( ج4/ ص 140)
    ن المراد بقوله ‏"‏ وأنا أجزي به ‏"‏ أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته‏.‏
    وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير‏.‏
    ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال ‏"‏ كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ‏"‏ أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى ‏(‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب‏)‏ انتهى‏.‏
    والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال‏.‏
    قلت‏:‏ وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال‏:‏ بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى ‏(‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب‏)‏ انتهى‏.‏
    ( ج4/ ص 141)
    سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك‏.‏
    واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام‏.‏
    وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعالة بأنفسها، وهذا الجواب عندي ليس بطائل، لأنهم طائفتان، إحداهما كانت تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمر منهم من استمر على كفره‏.‏
    والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر على تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم‏.‏
    ( ج4/ ص 141)
    أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي عن أبيه عن ابن عيينة قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال ‏"‏ المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ‏"‏ فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن محمد بن زياد ولفظه ‏"‏ قال ربكم تبارك وتعالى‏:‏ كل العمل كفارة إلا الصوم ‏"
    ( ج4/ ص 142)
    أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده ابن العربي في ‏"‏ المسلسلات ‏"‏ ولفظه ‏"‏ قال الله الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ‏"‏ ويكفي في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها وإن لم يعملها‏.‏
    فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلغها إلى أكثر من هذا وهو الطالقاني في ‏"‏ حظائر القدس ‏"‏ له ولم أقف عليه، واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا‏.‏
    ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص فقال‏:‏ إن الصوم على أربعة أنواع‏:‏ صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع، وصيام خواص الخواص وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل، وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة‏.‏
    وهذا مقال عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى‏.‏
    ( ج4/ ص 146)
    وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان ‏"‏ أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر‏.‏
    قال البيهقي‏:‏ قد روي عن أبي معشر عن محمد ابن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث‏.‏
    ( ج4/ ص 146)
    واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل‏:‏ لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر، وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمنا جارا، والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 147)
    ‏مولى التيميين‏)‏ أي مولى بني تيم، والمراد منهم آل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قدم مكة فقطنها وحالف عثمان بن عبيد الله أخا طلحة فنسب إليه، وكان مالك الفقيه يقول‏:‏ لسنا موالي آل تيم، إنما نحن عرب من أصبح، ولكن جدي حالفهم‏.‏
    ( ج4/ ص 147)
    قال الطيبي‏:‏ فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بأخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية‏.‏
    ( ج4/ ص 148)
    قال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره‏:‏ فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك‏؟‏ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية‏.‏
    وقال غيره‏:‏ في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية‏.‏
    ( ج4/ ص 149)
    (‏ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏ زاد أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ‏"‏ وما تأخر ‏"‏ وقد رواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن محمد ابن عمرو بدون هذه الزيادة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها أيضا، ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه، وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان، أخرجه ابن عبد البر في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ واستنكره، وليس بمنكر، فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام ابن عمار وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده، والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في كتاب الصيام له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر المقري في فوائده كلهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها‏.‏
    وقد وقعت هذه الزيادة أيضا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن‏.‏
    قد استوعبت الكلام على طرقه في ‏"‏ كتاب الخصال المكفرة، للذنوب المقدمة والمؤخرة ‏"‏ وهذا محصله‏.‏
    ( ج4/ ص 150)
    فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله ‏"‏ من باع الخمر فليشقص الخنازير ‏"‏ أي يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر‏.‏
    ( ج4/ ص 155)
    فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم‏)‏ استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك‏.‏
    وخالفهم الجوهري المالكي فقال‏:‏ هو موقوف‏.‏
    والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما‏.‏
    ( ج4/ ص 156)
    ال ابن الجوزي في ‏"‏ التحقيق ‏"‏ لأحمد في هذه المسألة - وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان - ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها يجب صومه على أنه من رمضان‏.‏
    ثانيها لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعي‏.‏
    وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك‏.‏
    ثالثها المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر‏.‏
    واحتج الأول بأنه موافق لرأي الصحابي راوي الحديث

    ( ج4/
    ص 157)
    ما ما روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول‏:‏ لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك، وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكا‏.‏
    واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني‏.

    ( ج4/ ص 157)
    ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله ‏"‏ فأكملوا العدة ‏"‏ خطاب للعامة‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال‏:‏ وهذا بعيد عن النبلاء‏.‏
    وقال ابن الصلاح‏:‏ معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال‏:‏ فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه‏.‏
    ( ج4/ ص 157)
    تعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل‏:‏ أحدها الجواز ولا يجزئ عن الفرض، ثانيها يجوز ويجزئ، ثالثها يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم، رابعها يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، خامسها يجوز لهما ولغيرهما مطلقا‏.‏
    وقال ابن الصباغ أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا‏.‏
    قلت‏:‏ ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك‏.‏
    ( ج4/ ص 158)
    أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود ‏"‏ ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما‏.
    ‏قال ابن العربي‏:‏ قوله ‏"‏ الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ ‏"‏ معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعا وعشرين وهو أقله، ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله‏.‏
    ( ج4/ ص 159)
    قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال لأن قوله ‏"‏ حتى تروه ‏"‏ خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد‏.‏
    وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب‏:‏ أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية‏.‏
    ( ج4/ ص 159)
    مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه‏.‏
    وقال‏:‏ أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم‏.‏
    وقال ابن الماجشون‏:‏ لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع‏.‏
    وقال بعض الشافعية‏:‏ إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا وإن تباعدت فوجهان‏:‏ لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي‏.‏
    وفي ضبط البعد أوجه‏:‏ أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في ‏"‏ الروضة ‏"‏ و ‏"‏ شرح المهذب‏"‏‏.‏
    مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في ‏"‏ الصغير ‏"‏ والنووي في شرح مسلم‏"‏‏.‏
    ثالثها اختلاف الأقاليم‏.‏
    رابعها حكاه السرخسي فقال‏:‏ يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنها بلا عارض دون غيرهم‏.‏
    خامسها قول ابن الماجشون المتقدم واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الفطر فقال الشافعي‏:‏ يفطر ويخفيه‏.‏
    وقال الأكثر‏:‏ يستمر صائما احتياطا

    " شهران لا ينقصان " : قيل لا ينقصان معا، إن جاء أحدهما تسعا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد‏.‏
    وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري،
    قال الترمذي قال أحمد‏:‏ معناه لا ينقصان معا في سنة واحدة انتهى‏.‏
    وقال أحمد بن حنبل إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان‏.‏
    وقال إسحاق‏:‏ معناه وإن كان تسعا وعشرين فهو تمام غير نقصان‏.‏
    قال‏:‏ وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معا في سنة واحدة‏.‏
    يل معناه لا ينقصان معا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين قال الطحاوي‏:‏ الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان لأنا قد وجدناهما ينقصان معا في أعوام‏.‏
    وقال الزين بن المنير‏:‏ لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من الشهور‏.‏
    وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق‏.‏
    وفي الحديث حجة لمن قال إن الثواب ليس مرتبا على وجود المشقة دائما، بل لله أن يتفضل بإلحاق الناقص بالتام في الثواب‏.‏
    ( ج4/ ص 162)
    ما ما ذكره البزار من رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب فإسناده ضعيف، وقد أخرجه الدار قطني في ‏"‏ الأفراد ‏"‏ والطبراني من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ لا يتم شهران ستين يوما ‏"‏ وقال أبو الوليد ابن رشد‏:‏ إن ثبت فمعناه لا يكونان ثمانية وخمسين في الأجر والثواب وروى الطبراني حديث الباب من طريق هشيم عن خالد الحذاء بسنده هذا بلفظ ‏"‏ كل شهر حرام لا ينقص ثلاثون يوما وثلاثون ليلة ‏"‏ وهذا بهذا اللفظ شاذ، والمحفوظ عن خالد ما تقدم
    ( ج4/ ص 163)
    المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي ‏"‏ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ‏"‏ ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم‏.‏
    قال الباجي‏:‏ وإجماع السلف الصالح حجة عليهم‏.‏
    وقال ابن بزيزة‏:‏ وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل‏.

    ( ج4/ ص 165)
    قال جمهور العلماء‏:‏ يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه‏.‏
    وقال أحمد وابن معين إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال‏:‏ الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي‏.‏
    واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا ‏"‏ أفضل الصيام بعد رمضان شعبان ‏"‏ لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضا بحديث عمران بن حصين ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل‏:‏ هل صمت من سرر شعبان شيئا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين ‏"‏ ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن، والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 167)
    كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها ‏"‏ فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس بصلاة العتمة، أخرجه أبو داود بلفظ ‏"‏ كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة ‏"‏
    والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث، وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدي ولفظه ‏"‏ كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على المسلمين أولا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار ‏"‏ فذكر القصة‏.‏
    ومن طريق إبراهيم التيمي ‏"‏ كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب‏:‏ إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة ‏"‏ ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص مرفوعا ‏"‏ فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر‏"‏‏.‏
    ( ج4/ ص 171)
    العرب تقول فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى ‏"‏ إنك عريض القفا ‏"‏ وجزم الزمخشري بالتأويل الثاني فقال‏:‏ إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم قفا عدي لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرا، وقد أنكر ذلك كثير منهم القرطبي فقال‏:‏ حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله ‏"‏ إنك عريض القفا ‏"‏ وليس الأمر على ما قالوه لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذما ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى والله أعلم أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذا عريض واسع
    ( ج4/ ص 175)
    روى لفظ الترجمة وكيع من حديث سمرة مرفوعا ‏"‏ لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق‏"‏‏.‏
    وقال الترمذي‏:‏ هو حديث حسن ا هـ‏.‏
    ولابن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعا ‏"‏ الفجر فجران‏:‏ فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولكن المستطير ‏"‏ أي هو الذي يحرم الطعام ويحل الصلاة،

    ( ج4/ ص 182)
    والمعروف عن مالك والليث وابن أبي ذئب أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل‏.‏:
    ( ج4/ ص 182)
    ‏حتج الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له ‏"‏ لفظ النسائي، ولأبي داود والترمذي ‏"‏ من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ‏"‏ واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في ‏"‏ العلل ‏"‏ عن البخاري ترجيح وقفه‏.‏
    وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، وروى له الدار قطني طريقا آخر وقال رجالها ثقات
    ( ج4/ ص 182)
    أبعد من ذلك تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فتجزئ النية في النهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان فلا يجزئ إلا بنية من الليل، وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل وفي النهار‏.‏
    وقد تعقبه إمام الحرمين بأنه كلام غث لا أصل له‏.‏
    ( ج4/ ص 182)
    قال ابن قدامة‏:‏ تعتبر النية في رمضان لكل يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر؛ وهو كقول مالك وإسحاق‏.‏
    وقال زفر يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية وبه قال عطاء ومجاهد، واحتج زفر بأنه لا يصح فيه غير صوم رمضان لتعينه فلا يفتقر إلى نية لأن الزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد‏.‏
    وقال أبو بكر الرازي‏:‏ يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب لوجود الإمساك بغير نية، قال‏:‏ فإن التزمه كان مستشنعا‏

  16. #156
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب الصوم
    ( ج4/ ص 182)
    والمعروف عن مالك والليث وابن أبي ذئب أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل‏.‏:
    ( ج4/ ص 182)
    ‏حتج الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له ‏"‏ لفظ النسائي، ولأبي داود والترمذي ‏"‏ من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ‏"‏ واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في ‏"‏ العلل ‏"‏ عن البخاري ترجيح وقفه‏.‏
    وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، وروى له الدار قطني طريقا آخر وقال رجالها ثقات
    ( ج4/ ص 182)
    أبعد من ذلك تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فتجزئ النية في النهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان فلا يجزئ إلا بنية من الليل، وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل وفي النهار‏.‏
    وقد تعقبه إمام الحرمين بأنه كلام غث لا أصل له‏.‏
    ( ج4/ ص 182)
    قال ابن قدامة‏:‏ تعتبر النية في رمضان لكل يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر؛ وهو كقول مالك وإسحاق‏.‏
    وقال زفر يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية وبه قال عطاء ومجاهد، واحتج زفر بأنه لا يصح فيه غير صوم رمضان لتعينه فلا يفتقر إلى نية لأن الزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد‏.‏
    وقال أبو بكر الرازي‏:‏ يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب لوجود الإمساك بغير نية، قال‏:‏ فإن التزمه كان مستشنعا‏.‏
    ( 6)
    ( ج4/ ص 184)
    قال القرطبي‏:‏ في هذا فائدتان، إحداهما أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز‏.‏
    الثاني أن ذلك كان من جماع لا من احتلام لأنه كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه‏.‏
    ال ابن دقيق العيد‏:‏ لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال‏.‏
    ( ج4/ ص 185)
    في رواية مالك عن سمي عن أبي بكر ‏"‏ أن أبا هريرة قال‏:‏ من أصبح جنبا أفطر ذلك يوم ‏"‏ وللنسائي من طريق المقبري ‏"‏ كان أبو هريرة يفتي الناس أنه أصبح جنبا فلا يصوم ذلك اليوم ‏"‏ وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول ‏"‏ من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم‏"‏،
    فاتفقت هذه الروايات على أنه كان يفتي بذلك
    ( ج4/ ص 186)
    وقع في رواية النسفي عن البخاري ‏"‏ وهن أعلم ‏"‏ أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم،
    وفي رواية ابن جريج ‏"‏ فقال أبو هريرة أهما قالتاه‏؟‏ قال‏:‏ هما أعلم
    وزاد ابن جريج في روايته ‏"‏ فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك ‏"‏ وكذلك وقع في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عند النسائي أنه رجع، وروى ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه‏:‏ من أصبح جنبا فلا صوم له،
    لأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القاري ‏"‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله ‏"‏ لكن بين أبو هريرة كما مضى أنه لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة، وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك‏.‏
    أما ما أخرجه ابن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال ‏"‏ كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر، وأن ذلك من كيس أبي هريرة ‏"‏ فلا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك‏.‏
    عم قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك إما لرجحان رواية أمي المؤمنين في جواز ذلك صريحا على رواية غيرهما مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال، إذ يمكن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النهي عن صوم ذلك اليوم، وإما لاعتقاده أن يكون خبر أمي المؤمنين ناسخا لخبر غيرهما‏.‏
    وقد بقي على مقالة أبي هريرة هذه بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي‏.‏
    لت‏:‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال اختلف أبو هريرة وعائشة فأرى أن يتم صومه ويقضى ا هـ، وكأنه لم يثبت عنده رجوع أبي هريرة عن ذلك، وليس ما ذكره صريحا في إيجاب القضاء‏.‏
    ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء أيضا، والذي نقله الطحاوي عنه استحبابه، ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض والإجزاء في التطوع، ووقع لابن بطال وابن التين والنووي والفاكهي وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات في نسبتها لقائلها والمعتمد ما حررته‏.‏
    ( ج4/ ص 187)
    الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحا ما يدل على عدمها، وترجم بذلك ابن حبان في صحيحة حيث قال ‏"‏ ذكر البيان بأن هذا الفعل لم يكن المصطفى مخصوصا به ‏"‏ ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة ‏"‏ أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال‏:‏ يا رسول الله تدركني الصلاة - أي صلاة الصبح - وأنا جنب، أفأصوم‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم‏.‏
    فقال‏:‏ لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏.‏
    فقال‏:‏ والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى ‏"‏
    ( ج4/ 189
    أن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي، وفيه نظر، فإن الذي نقله البيهقي وغيره عن نص الشافعي سلوك الترجيح وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي الصيام فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان‏؟‏ وقيل هو محمول على من أدركه مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك، ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه ‏"‏ أن أبا هريرة كان يقول‏:‏ من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم ‏
    ( ج4/ ص 190 )
    في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها، قال النووي في شرح مسلم‏:‏ مذهب العلماء كافة صحة صومها إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أو لا، وكأنه أشار بذلك إلى ما حكاه في شرح المهذب عن الأوزاعي، لكن حكاه ابن عبد البر عن الحسن بن صالح أيضا، وحكى ابن دقيق العيد أن في المسألة في مذهب مالك قولين، وحكاه القرطبي عن محمد بن مسلمة من أصحابهم ووصف قوله بالشذوذ، وحكى ابن عبد البر عن عبد الملك بن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة، قال‏:‏ وليس كالذي يصبح جنبا لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه‏.‏
    ( ج4/ ص 192)
    وفي رواية لمسلم ‏"‏ يقيل في رمضان وهو صائم ‏"‏ فأشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل‏.‏
    وقد اختلف في القبلة والمباشرة للصائم‏:‏ فكرهها قوم وهو مطلقا وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر ‏"‏ أنه كان يكره القبلة والمباشرة ‏"‏ ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى‏(‏فالآن باشروهن‏)‏ الآية‏.‏
    فمنع المباشرة في هذه الآية نهارا، والجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارا فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها، والله أعلم‏.‏
    وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم وألزم ابن حزم أهل القياس أن يلحقوا الصيام بالحج في المباشرة ومقدمات النكاح للاتفاق على إبطالهما بالجماع، وأباح القبلة قوم مطلقا وهو المنقول صحيحا عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها، وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف أخرج أحدها أبو داود من حديث أبي هريرة والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك كما أشارت إليه عائشة وكما تقدم ذلك في مباشرة الحائض في كتاب الحيض‏.‏
    وقال الترمذي‏:‏ ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا؛ ليسلم له صومه، وهو قول سفيان الشافعي، ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه ‏"‏ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم‏؟‏ فقال‏:‏ سل هذه - لأم سلمة - فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك‏.‏
    فقال‏:‏ يا رسول الله قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏.‏
    فقال‏:‏ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ‏"‏ فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء
    ( ج4/ ص 193)
    (‏وقال طاوس ‏(‏غير أولي الإربة‏)‏ الأحمق لا حاجة له في النساء‏)‏
    ورأيت بخط مغلطاي في شرحه هنا قال‏:‏ وقال ابن عباس - أي في تفسير أولى الإربة - المقعد‏.‏
    وقال ابن جبير المعتوه‏.‏
    وقال عكرمة العنين، ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري
    ( ج4/ ص 194)
    سئل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر‏؟‏ قال‏:‏ لا، ويتم صومه ‏
    ( ج4/ ص 195)
    وقال المازري‏:‏ ينبغي أن يعتبر حال المقبل فإن أثارت منه القبلة الإنزال حرمت عليه لأن الإنزال يمنع منه الصائم فكذلك ما أدى إليه، وإن كان عنها المذي فمن رأى القضاء منه قال يحرم في حقه، ومن رأى أن لا قضاء قال يكره، وإن لم تؤد القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها إلا على القول بسد الذريعة‏.‏
    قال‏:‏ ومن بديع ما روي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للسائل عنها ‏"‏ أرأيت لو تمضمضت ‏"‏ فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع ا هـ‏.‏
    ( ج4/ ص 195)
    وقال النووي‏:‏ القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح وقيل مكروهة، وروى ابن وهب عن مالك إباحتها في النفل دون الفرض‏.‏
    قال النووي‏:‏ ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا إن أنزل بها‏.‏
    روى أبو داود وحده من طريق مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها ويمص لسانها وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها، والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 196)
    قال البخاري : باب اغتسال الصائم
    كأنه يشير إلى ضعف ما روى عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام أخرجه عبد الرزاق وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم‏.
    ‏أراد البخاري بأثر ابن عمر هذا معارضة ما جاء عن إبراهيم النخعي بأقوى منه، فإن وكيعا روي عن الحسن بن صالح عن مغيرة عنه أنه كان يكره للصائم بل الثياب‏
    ( ج4/ ص 197)
    ‏وقال أنس‏:‏ إن لي أبزن أتقحم فيه وأ
    أبزن أتقحم فيه وأنا صائم‏)‏ الأبزن بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها نون‏:‏ حجر منقور شبه الحوض، وهي كلمة فارسية ولذلك لم يصرفه‏.‏
    ( ج4/ ص 199)
    (‏باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا‏)‏ أي هل يجب عليه القضاء أو لا‏؟‏ وهي مسألة خلاف مشهورة، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء‏.‏
    قال عياض هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيع وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض والنفل‏.‏
    وقال الداودي‏:‏ لعل مالكا لم يبلغه الحديث، أو أوله على رفع الإثم‏.
    ‏ونقل ابن المنذر الاتفاق على أن من دخل في حلقه الذباب وهو صائم أن لا شيء عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال‏:‏ أحب إلي أن يقضى؛ حكاه ابن التين‏.‏
    وقال الزين بن المنير‏:‏ دخول الذباب أقعد بالغلبة وعدم الاختيار من دخول الماء لأن الذباب يدخل بنفسه بخلاف الاستنشاق والمضمضة فإنما تنشأ عن تسببه، وفرق إبراهيم بين من كان ذاكرا لصومه حال المضمضة فأوجب عليه القضاء دون الناسي، وعن الشعبي إن كان لصلاة فلا قضاء وإلا قضى‏.‏
    ( ج4/ ص 200)
    قال الحسن ومجاهد‏.‏
    إن جامع ناسيا فلا شيء عليه‏)
    عن أحمد في المشهور عنه‏:‏ تجب عليه الكفارة أيضا، وحجتهم قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الآكل، وألحق به بعض الشافعية من أكل كثيرا لندور نسيان ذلك، قال ابن دقيق العيد‏:‏ ذهب مالك إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيا وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات‏.‏
    قال‏:‏ وعمدة من لم يوجب القضاء حديث أبي هريرة لأنه أمر بالإتمام، وسمي الذي يتم صوما، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية‏.‏
    ( ج4/ ص 200)
    وقد روى الدار قطني فيه ‏"‏ لا قضاء عليك ‏"‏ فتأوله علماؤنا على أن معناه لا قضاء عليك الآن وهذا تعسف، وإنما أقول ليته صح فنتبعه ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به‏.‏
    ( ج4/ ص 201)
    عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ‏"‏ فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء‏.‏
    قال الدار قطني‏:‏ تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري، وتعقب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم ابن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان، فإن النسائي أخرج الحديث من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو ولفظه ‏"‏ في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيا فقال‏:‏ الله أطعمه وسقاه ‏"‏ وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه الدار قطني من رواية محمد بن عيسى ابن، الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه ‏"‏ فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه ‏"‏ وقال بعد تخريجه‏:‏ هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات‏.‏
    قلت‏:‏ لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه الزيادة‏.‏
    ( ج4/ ص 201)
    أخرج أيضا من حديث أبي سعيد رفعه ‏"‏ من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ‏"‏ وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة، فأقل‏.‏
    درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم - كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرها - علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى ‏(‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏)‏ فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام
    ( ج4/ ص 202)
    وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل، ورده للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلم، لأنه قاعدة مستقلة بالصيام فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل، وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهما، وقد روى أحمد لهذا الحديث سببا فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها ‏"‏ كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين‏:‏ الآن بعدما شبعت‏؟‏ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك ‏"‏ وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره‏.‏
    ( ج4/ ص 203)
    ويذكر عن عامر بن ربيعة قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد‏)‏ وصله أحمد وأبو داود والترمذي من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال كنت لا أخرج حديث عاصم، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، وروى يحيى وعبد الرحمن عن الثوري عنه، وروى مالك عنه خبرا في غير الموطأ‏.‏
    قلت‏:‏ وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري وغير واحد، ومناسبته للترجمة إشعاره بملازمة السواك ولم يخص رطبا من يابس، وهذا على طريقة المصنف في أن المطلق يسلك به مسلك العموم، أو أن العام في الأشخاص عام في الأحوال، وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة ‏"‏ ولم يخص صائما من غيره ‏"‏ أي ولم يخص أيضا رطبا من يابس،
    قلت :ن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شيء وذلك الشيء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه‏.‏
    ( ج4/ ص 203)
    ووصله ابن عدي من وجه آخر عن جابر بلفظ ‏"‏ لجعلت السواك عليهم عزيمة ‏"‏ وإسناده ضعيف، وأما حديث زيد بن خالد فوصله أصحاب السنن وأحمد من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عنه بلفظ ‏"‏ عند كل صلاة ‏"‏ وحكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد فقال‏:‏ رواية محمد بن إبراهيم أصح، قال الترمذي‏:‏ كلا الحديثين صحيح عندي‏.‏
    قلت‏:‏ رجح البخاري طريق محمد بن إبراهيم لأمرين، أحدهما‏:‏ أن فيه قصة وهي قول أبي سلمة فكان زيد بن خالد يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك‏.‏
    ( ج4/ ص 204)
    قال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه، وكان أبو حنيفة يقول‏:‏ إذا كان بين أسنانه لحم‏.‏
    فأكله متعمدا فلا قضاء عليه‏.‏
    وخالفه الجمهور لأنه معدود من الأكل‏.‏
    ورخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر‏.‏
    انتهى‏.‏
    ( ج4/ ص 205)
    يذكر عن أبي هريرة رفعه‏:‏ من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه‏)‏ وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة نحوه‏.‏
    قال الترمذي سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال‏:‏ أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث‏.‏
    قال البخاري في التاريخ أيضا‏:‏ تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا‏.‏
    قلت‏:‏ واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافا كثيرا فحصلت فيه ثلاث علل‏:‏ الاضطراب والجهل بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء، وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفا‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسا على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا‏.‏
    ( ج4/ ص 206)
    قال ابن حجر : الذي يظهر لي أن البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف، وأن الفطر بالجماع لا بد فيه من الكفارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، لكن لا يلزم من عدم القضاء عدم الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح القياس المذكور‏.‏
    ( ج4/ ص 210)
    أخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من ‏"‏ التمهيد ‏"‏ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو سليمان بن صخر‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ أظن هذا وهما، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل لا أن ذلك كان منه بالنهار ا
    ووقع في مباحث العام من ‏"‏ شرح ابن الحاجب ‏"‏ ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار وهو وهم يظهر من تأمل بقية كلامه‏.‏
    ( ج4/ ص 210)
    ويحثي على رأسه التراب ‏"‏ واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول من وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة‏.‏
    ( ج4 / ص 210)
    اذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي، وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر، والجواب أنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامدا عارفا بالتحريم، وأيضا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد، واستدل بهذا على أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيا أنه لا يعزر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه اعترافه بالمعصية،
    وقع في ‏"‏ شرح السنة للبغوي ‏"‏ أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة ويعزر على سوء صنيعه، وهو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة، وبناه بعض المالكية على الخلاف في تعزير شاهد الزور‏.‏
    ( ج4/ ص 211)
    ( وقعت على إمراتي ) إن ويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب
    والمقام يقتضي الأول‏.‏
    ( ج4/ 215)
    قال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها، واستدل الشافعية بسكوته عليه الصلاة والسلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة، وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكما ما لم تعترف، وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار‏.‏
    ( ج4/ ص 217)
    قال القرطبي اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط أو عليه وعليها أو عليه كفارتان عنه وعنها أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك لأنه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنها كانت غير صائمة، واستدل بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث ‏"‏ هلكت وأهلكت ‏"‏ وهي زيادة فيها مقال، فقال ابن الجوزي‏:‏ في قوله وأهلكت تنبيه على أنه أكرهها ولولا ذلك لم يكن مهلكا لها، قلت‏:‏ ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة بل لا يلزم من قوله وأهلكت إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله هلكت أثمت وأهلكت أي كنت سببا في تأثيم من طاوعتني فواقعها إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة ولا نفيها
    ( ج4/ ص 217)
    قال الحاكم‏:‏ وقفت على ‏"‏ كتاب الصيام للمعلى ‏"‏ بخط موثوق به وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزي أن الدار قطني أخرجه من طريق عقيل أيضا، وهو غلط منه فإن الدار قطني لم يخرج طريق عقيل في ‏"‏ السنن ‏"‏ وقد ساقه في ‏"‏ العلل ‏"‏ بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها‏.‏
    لقائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته يقول يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعا، فإن اختلف حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع‏.‏
    ( ج4/ ص 219)
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ تباينت في هذه القصة المذاهب فقيل إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية وجزم به عيسى ابن دينار من المالكية‏.‏
    وقال الأوزاعي‏:‏ يستغفر الله ولا يعود‏.‏
    ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز‏.‏
    وقال الجمهور‏:‏ لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة‏.‏
    ( ج4/ ص 220)
    وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري، وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري، وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضا في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن ومحمد بن كعب، وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا، ويؤخذ من قوله ‏"‏ صم يوما ‏"‏ عدم اشتراط الفورية للتنكير في قوله ‏"‏ يوما‏"‏‏.‏
    ( ج4/ ص 221)
    عقب البخاري حديث ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ بحديث ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ‏"‏ وقد اختلف السلف في المسألتين‏:‏ أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود لا يفطر مطلقا وهي إحدى الروايتين عن مالك، واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمدا بأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم قال فلو وجب القضاء لوجبت الكفارة،
    وأما الحجامة فالجمهور أيضا على عدم الفطر بها مطلقا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء‏.‏
    وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضا‏.‏
    ( ج4/ ص 222)
    في ‏"‏ التاريخ الكبير ‏"‏ قال‏:‏ قال لي مسدد عن عيسى بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه قال ‏"‏ من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، وإن استقاء فليقض ‏"‏ قال البخاري‏:‏ لم يصح، وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وعبد الله ضعيف جدا‏.
    ( ج4/ ص 225)
    قال عثمان الدارمي‏:‏ صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد قال‏:‏ وسمعت أحمد يذكر ذلك‏.‏
    وقال المروزي‏:‏ قلت لأحمد إن يحيى بن معين قال ليس فيه شيء يثبت، فقال‏:‏ هذا مجازفة‏.‏
    وقال ابن خزيمة‏:‏ صح الحديثان جميعا، وكذا قال ابن حبان والحاكم، وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد‏.‏
    قال أحمد‏:‏ أصح بشيء في باب ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ حديث رافع بن خديج‏.‏
    وقال البخاري‏:‏ هو غير محفوظ‏.‏
    وقال ابن أبي حاتم عن أبيه‏:‏ هو عندي باطل‏.‏
    وقال الترمذي‏:‏ سألت إسحاق بن منصور عنه فأبي أن يحدثني به عن عبد الرزاق وقال‏:‏ هو غلط
    لت‏:‏ وكأن هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث ابن عباس عقب حديث ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ وحكى الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول بأن الحجامة تفطر على صحة الحديث، قال الترمذي‏:‏ كان الشافعي يقول ذلك ببغداد وأما بمصر فمال إلى الرخصة والله أعلم‏.‏
    وأول بعضهم حديث ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ أن المراد به أنهما سيفطران كقوله تعالى ‏(‏إني أراني أعصر خمرا‏)‏ أي ما يؤول إليه، ولا يخفى تكلف هذا التأويل، ويقربه ما قال البغوي في ‏"‏ شرح السنة ‏"‏ معنى قوله ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏‏:‏ أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر، وقيل معنى أفطرا فعلا مكروها وهو الحجامة فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة،
    ( ج4/ ص 226)
    قال ابن عبد البر وغيره‏:‏ فيه دليل على أن حديث ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ منسوخ لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي، واعترض ابن خزيمة بأن في هذا الحديث أنه كان صائما محرما، قال ولم يكن قط محرما مقيما ببلده إنما كان محرما وهو مسافر، والمسافر إن كان ناويا للصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر، قال‏:‏ فليس في خبر ابن عباس ما يدل على إفطار المحجوم فضلا عن الحاجم ا ه‏.
    ( ج4/ ص 227)
    ‏قال ابن خزيمة أيضا‏:‏ جاء بعضهم بأعجوبة فزعم أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ لأنهما كانا يغتابان، قال فإذا قيل له فالغيبة تفطر الصائم‏؟‏ قال لا، قال فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة‏.‏
    انتهى‏.
    ‏قال ابن حزم‏:‏ صح حديث ‏"‏ أفطر الحاجم والمحجوم ‏"‏ بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد ‏"‏ أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم ‏"‏ وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجما أو محجوما‏.‏
    ( ج4/ ص 227)
    من أحسن ما ورد في ذل‏:‏ ما رواه عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ نهى النبي عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه ‏"‏ إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر، وقوله ‏"‏إبقاء على أصحابه ‏"‏ يتعلق بقوله نهى، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه ‏"‏ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف ‏"‏ أي لئلا يضعف‏.‏
    ( ج4/ ص 230)
    الذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه، واستدل به على أن للمرء أن يفطر ولو نوى الصيام من الليل وأصبح صائما فله أن يفطر في أثناء النهار وهو قول الجمهور وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر وكأن مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار‏؟‏ منعه الجمهور‏.‏
    ( ج4/ ص 233)
    فالحاصل أن الصوم لمن قوى عليه أفضل من الفطر، والفطر
    والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر‏.‏
    وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة‏:‏ لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى ‏(‏فعدة من أيام أخر‏)‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ليس من البر الصيام في السفر ‏"‏ ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكى عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى ‏(‏فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر‏)‏ قالوا ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة، ومقابل هذا القول قول من قال إن الصوم في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك أو المشقة الشديدة حكاه الطبري عن قوم، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوى عليه ولم يشق عليه‏.‏
    ( ج4/ ص 234)
    أما الحديث المشهور ‏"‏ الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ‏"‏ فقد أخرجه ابن ماجة مرفوعا من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وأخرجه الطبري من طريق أبي سلمة عن عائشة مرفوعا أيضا وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعا والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا كذلك أخرجه النسائي وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أولا حيث يكون الفطر أولى من الصوم والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 235)
    أوهم كلام صاحب ‏"‏ العمدة ‏"‏ أن قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏عليكم برخصة الله التي رخص لكم ‏"‏ مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك وإنما هي بقية في الحديث لم يوصل إسنادها كما تقدم بيانه، نعم وقعت عند النسائي موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده، وعند الطبراني من حديث كعب بن عاصيم الأشعري
    ( ج4/ ص 237)
    .‏ي حديث أبي سعيد عند مسلم ‏"‏ كنا نغزو مع رسول الله فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفا فأفطر أن ذلك حسن، وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نص رافع للنزاع كما تقدم والله أعلم‏.‏
    ج4/ ص 239)
    قال ابن نمير الخ" وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه، ولفظ البيهقي "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل "شهر رمضان" فاستكثروا ذلك وشق عليهم، فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك، ثم نسخه {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فأمروا بالصيام" وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولا في الأذان والقبلة والصيام، واختلف في إسناده اختلافا كثيرا، وطريق ابن نمير هذه أرجحها، وإذا تقرر أن الإفطار والإطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصبر الصيام حتما واجبا فكيف يلتئم مع قوله تعالى: { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} والخيرية لا تدل على الوجوب بل المشاركة في أصل الخير؟ أجاب الكرماني بأن المعنى فالصوم خير من التطوع بالفدية، والتطوع بها كان سنة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبا أي لا يكون شيء خيرا من السنة إلا الواجب، كذا قال ولا يخفى بعده وتكلفه. ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخير، من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم، فنصت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض...واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير.
    ج4/ ص 241)
    قوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يقتضي التفريق لصدق {أيام أخر} سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعا. وعن عائشة: نزلت: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات} فسقطت متتابعات
    "وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وصله مالك عن الزهري: أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما يفرق وقال الآخر لا يفرق
    ( ج4/ ص 241)
    .وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلا قال له إن علي أياما من رمضان أفأصوم العشر تطوعا؟ قال: لا، ابدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت. وعن عائشة نحوه. وروى ابن المنذر عن علي أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف، قال وروى بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك.
    ( ج4/ ص 243)
    عن ابن عباس قال: من فرط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أشركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا" وأخرجه عبد الرزاق من طريق جعفر بن برقان، وسعيد بن منصور من طريق حجاج، والبيهقي من طريق شعبة عن الحكم، كلهم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس نحوه. قوله: "ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} هذا من كلام المصنف قاله تفقها، وظن الزين بن المنير أنه بقية كلام إبراهيم النخعي، وليس كما ظن
    لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة منهم من ذكر ومنهم عمر عند عبد الرزاق، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفا. انتهى. وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك، وممن قال بالإطعام ابن عمر لكنه بالغ في ذلك فقال يطعم ولا يصوم، فروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما من طرق صحيحة عن نافع عن ابن عمر قال: "من تابعه رمضانان وهو مريض لم يصح بينهما قضى الآخر منها بصيام وقضى الأول منهما بإطعام مد من حنطة كل يوم ولم يصم
    ( ج4/ ص 247)
    قد اختلف السلف في هذه المسألة: فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي في "المعرفة" وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية. وقال البيهقي في "الخلافيات" : هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: كل ما قلت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدوني. وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة لا يصام عن الميت. وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر حملا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما،
    ( ج4/ ص 252)
    أشار البخاري إلى أن الأمر في قوله: "من وجد تمرا فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس مرفوعا وصححه الترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء..
    ( ج4/ ص 254)
    باب إذا أفطر في رمضان" أي ظانا غروب الشمس "ثم طلعت الشمس" أي هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا. وهي مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيه
    اختلف عن عمر فروى ابن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء، ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد "فقال عمر: لم نقض والله ما يجانفنا الإثم" وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس "الخطب يسير وقد اجتهدنا
    ويرجح الأول أنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا. وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، قال ابن المنير في الحاشية: في هذا الحديث أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر، فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك
    ( ج4/ ص 253)
    " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "
    *" لان اليهود والنصارى يؤخرون " أخرجه ابوداود وابن خزيمة وغيرهما
    *تأخير أهل الكتاب له امد وهو ظهور النجم "
    قال ابن دقيق العيد : في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر الى ظهور النجم ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر لأن الذي يؤخره يدخل في خلاف السنة " ا ه
    " فإن الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه صلى الله عليه وسلم " .
    ( ج4/ ص 255)
    الجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحده أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحده إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين. وقال الأوزاعي
    إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان،
    ( ج4/ ص 258)
    أن الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهد
    رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف، والله أعلم

    ( ج4/ ص 258)
    حديث أبي سعيد الخير، وهو حديث ذكره الترمذي في "الجامع" ووصله في "العلل المفرد" وأخرجه ابن السكن وغيره في "الصحابة" والدولابي وغيره في "الكنى" كلهم من طريق أبي فروة الرهاوي عن معقل الكندي عن عبادة بن نسي عنه ولفظ المتن مرفوعا: "إن الله لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تعني، ولا أجر له "قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير
    ( ج4/ ص 261)
    استدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر، ثم اختلف في المنع المذكور: فقيل على سبيل التحديم وقيل على سبيل الكراهة، وقيل يحرم على من شق عليه ويباح لمن لم يشق عليه، وقد اختلف السلف في ذلك فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوما، وذهب إليه من الصحابة أيضا أخت أبي سعيد ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير وإبراهيم بن زيد التيمي وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية" وغيرهم رواه الطبري وغيره، ومن حجتهم ما سيأتي في الباب بعده أنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه
    وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي، وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه محظور، وأغرب القرطبي فنقل التحريم عن بعض أهل الظاهر على شك منه
    ( ج4/ ص 264)
    قال الجمهور: قوله يطعمني ويسقيني مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال يعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوى
    على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس، أو المعنى إن الله يخلق فيه من الشمع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش، والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والري، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده أيضا النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع. قلت: وتمسك ابن حبان بظاهر الحال فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم كان يجوع ويشد الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأن الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ ثم قال: وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه وإنما هي الحجز بالزاي جمع حجزة. وقد أكثر الناس من الرد عليه في جميع ذلك، وأبلغ ما يرد عليه به أنه أخرج في صحيحه من حديث ابن عباس قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلا الجوع، فقال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع" الحديث. فهذا الحديث يرد ما تمسك به
    ( ج4/ ص 265)
    ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "يطعمني ويسقيني" أي يشغلني بالتفكر في عظمته والتملي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب. وإلى هذا جنح ابن القيم وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه، الذي قرت عينه بمحبوبه

    ( ج4/ ص 267)
    ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين: الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب. ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة،
    واعترض الواقدي من جهة أخرى فروي عن الزهري أنه كان ينكر كل مؤاخاة وقعت بعد بدر يقول: قطعت بدر المواريث. قلت: وهذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها، وإنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها، فلا يلزم من نسخ التوارث المذكور أن لا تقع المؤاخاة بعد ذلك على المواساة ونحو ذلك. وقد جاء ذكر المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء من طرق صحيحة غير هذه، وذكر البغوي في "معجم الصحابة" من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي الدرداء وسلمان" فذكر قصة لهما
    ( ج4/ ص 270)
    في رواية: "إن كان من قضاء فصومي مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضه وإن شئت فلا تقضه، أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وله شاهد من حديث أبي سعيد تقدم ذكره في أول الباب. وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر، والمنع وإثبات القضاء بغير عذر. وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقا ذكره الطحاوي وغيره وشبه بمن أفسد حج التطوع فإن عليه قضاءه اتفاقا، وتعقب بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها، فمن ذلك أن الحج يؤمر مفسده بالمضي في فاسده والصيام لا يؤمر مفسده بالمضي فيه فافترقا، ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتبر به، وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر، واحتج من أوجب القضاء بما روى الترمذي والنسائي من طريق جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كنت ألا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه... فقال: "اقضيا يوما آخر وهو مرسل صحيح .
    ( ج4/ ص 271)
    وقد أنصف ابن المنير في الحاشية فقال: ليس في تحريم الأكل في صورة النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان، وقول المهلب إن أبا الدرداء أفطر متأولا ومجتهدا فيكون معذورا فلا قضاء عليه لا ينطبق على مذهب مالك، فلو أفطر أحد بمثل عذر أبي الدرداء عنده لوجب عليه القضاء. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صوب فعل أبي الدرداء فترقى عن مذهب الصحابي إلى نص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال ابن عبد البر: ومن احتج في هذا بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر
    ( ج4/ ص 273)
    واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان" وابن أبي ليلى ضعيف وحديث الباب والذي بعده دال على ضعف ما رواه، وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان قال شعبان لتعظيم رمضان" قال الترمذي حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قلت: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: "أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم". وقيل الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان
    وقيل الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان، والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: "قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: "إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم" ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده

    ( ج4/ ص 282)
    قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقى بعض القوة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في داود عليه السلام "وكان لا يفر إذا لاقى لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد"
    ( ج4/ ص 283)
    قوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدهر "لا صام ولا أفطر" أو "ما صام وما أفطر" وفي رواية الترمذي "لم يصم ولم يفطر" وهو شك من أحد رواته ومقتضاه أنهما بمعنى واحد، والمعنى بالنفي أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد. وشذ ابن حزم فقال يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: "بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري" ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه. واحتجوا أيضا بحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان، وظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم واعتقاده أن غير سنته أفضل مها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراما. وإلى الكراهة مطلقا ذهب ابن العربي من المالكية فقال: قوله لا صام من صام الأبد إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه الخير فيا ويح من أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا لم يكتب له الثواب لوجوب صدق قوله صلى الله عليه وسلم لأنه نفى عنه الصوم
    ( ج4/ ص 284)
    اختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل، فصرح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملا فيكون أكثر أجرا وما كان أكثر أجرا كان أكثر ثوابا، وبذلك جزم الغزالي أولا وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها، وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن الأعمال متعارضة المصالح والمفاسد، ومقدار كل منها في الحث والمنع غير متحقق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء يعارضه اقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى يعارضها العمل المذكور، ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل غير متحقق، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع ولما دل عليه ظاهر قوله: "لا أفضل من ذلك" وقوله: "إنه أحب الصيام إلى الله تعالى". وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، ويترجح من حيث المعنى أيضا بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدم، وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل...

    ( ج4/ ص 287 )
    قيل المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، حتى قال الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظر لأن الصوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول "الأيام البيض" على الوصف. وحكى ابن بزيزة في تسميتها بيضا أقوالا أخر مستندة إلى أقوال واهية

    ( ج4/ ص 288)
    وروى الترمذي من طريق خيثمة عن عائشة "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس" وروي موقوفا وهو أشبه

    ( ج4/ ص 288)
    لم يقع في البخاري حديث موصول من رواية أبي عثمان عن أبي هريرة إلا من رواية النهدي، وليس له عند البخاري سوى هذا ( أوصاني خليلي بثلاث ...الحديث ) وآخر في الأطعمة، ووقع عند مسلم عن شيبان عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال فيه: "حدثني أبو عثمان النهدي

    ( ج4/ ص 289 )
    قال شيخنا في "شرح الترمذي" : حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال: أحدها لا تتعين بل يكره تعيينها وهذا عن مالك. الثاني أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري، الثالث أولها الثاني عشر. الرابع أولها الثالث عشر. الخامس أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة. السادس أول خميس ثم اثنين ثم خميس. السابع أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. الثامن أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء. التاسع أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي. قلت: بقي قول آخر وهو آخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة

    ( ج4/ ص 291)
    ي رواية ثابت عند مسلم: "فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه:" ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة لأن المال والولد من خير الدنيا،
    *
    ووقع لمسلم في رواية الجعد عن أنس "فدعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة" ولم يبينها، وهي المغفرة
    *
    وفي رواية ثابت عند أحمد "قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالا، قال: يا ثابت وما أملك صفراء ولا بيضاء إلا خاتمي" وللترمذي من طريق أبي خلدة "قال أبو العالية: كان لأنس بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك"
    *
    عن أنس قال: "وإن أرضى لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها". قوله: "وحدثتني ابنتي أمينة" بالنون تصغير آمنة "أنه دفن لصلبي" أي من ولده دون أسباطه وأحفاده.
    *
    وفي رواية حفصة بنت سيرين "ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة" وفي "الحلية" أيضا من طريق عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: "دفنت مائة لا سقطا ولا ولد ولد" ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف، وفي ذكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد فإن هذا القدر هو الذي مات منهم، وأما الذين بقوا ففي رواية إسحاق ابن أبي طلحة عن أنس عند مسلم: "وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة

    ( ج4/ ص 287)
    قيل المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، حتى قال الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظر لأن الصوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول "الأيام البيض" على الوصف. وحكى ابن بزيزة في تسميتها بيضا أقوالا أخر مستندة إلى أقوال واهية
    ( ح4/ ص 298)
    وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة. وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدا ممن يقتدي به ينهى عنه، قال الداودي: لعل النهي ما بلغ مالكا. وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان. وعاب ابن العربي قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، لكونه قياسا مع وجود النص. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة" حسنه الترمذي، وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين، ومنهم من عده من الخصائص وليس بجيد لانها لا تثبت بالاحتمال .
    ( ج4/ ص 298)
    واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: أحدها لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. ثانيها لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي، وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه، وأجاب أنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير، وفيه نظر فإن الجيران لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك. وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق القوة، ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه. ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه لأنهما لا يصومونهوقد روى أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الأيام السبت والأحد وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم" . رابعها خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيامهم الليل ذلك، قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع السبب، لكن المهلب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه. سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم نقلها القمولي وهو ضعيف. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، وورد فيه صريحا حديثان: أحدهما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده" . والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال: "من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر.

    ( ج4/ ص 302)
    روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" وأخذ بظاهره بعض السلف فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج، وعن ابن الزبير وأسامة ابن زيد وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبري إنما أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم، ويبعده سياق أول الحديث، وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام"
    ( ج4/ ص 304)
    في الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد: فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء. وفي رواية يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعي يقضي إلا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية يقضي إن نوى القضاء
    بن عمر أنه توقف في الجواب عن هذه المسألة، وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة. وأجيب أن الإمكان المذكور عقلي. والنزاع في الشرعي، والمنهي عنه شرعا غير ممكن فعله شرعا. ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان. والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النحر مثلا فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا. والله أعلم
    ( ج4/ ص 307)
    وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقا أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا، وعن علي وعبد الله بن عمرو ابن العاص المنع مطلقا وهو المشهور عن الشافعي وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد للهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضا المحصر والقارن
    ( ج4/ ص 308)
    ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدار قطني واللفظ له والطحاوي "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" وقال أن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة، وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة عن عائشة، وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال، وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي "أمرنا بكذا ونهينا عن كذا" هل له حكم الرفع على أقوال ثالثها إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا، واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به "رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا" كل في الحكم سواء، فمن يقول إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوي إن قول ابن عمر وعائشة "لم يرخص" أخذاه من عموم قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله: {فِي الْحَجِّ} يعم ما قبل يوم النحر وما بعده فيدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه
    ( ج4/ ص 311)
    زعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. انتهى. وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد. واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر، قال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإن قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر،
    وقال الزين ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين
    ( ج4/ ص 312)
    وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت أهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم" وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: قوله إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك" فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر
    ( ج4/ 313)
    فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم. ثم بدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه.
    ( ج4/ ص 314)
    ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك، وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه.
    ( ج4/ ص 302)
    روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" وأخذ بظاهره بعض السلف فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج، وعن ابن الزبير وأسامة ابن زيد وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبري إنما أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم، ويبعده سياق أول الحديث، وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام"
    ( ج4/ ص 304)
    في الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد: فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء. وفي رواية يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعي يقضي إلا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية يقضي إن نوى القضاء
    بن عمر أنه توقف في الجواب عن هذه المسألة، وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة. وأجيب أن الإمكان المذكور عقلي. والنزاع في الشرعي، والمنهي عنه شرعا غير ممكن فعله شرعا. ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان. والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النحر مثلا فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا. والله أعلم
    ( ج4/ ص 307)
    وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقا أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا، وعن علي وعبد الله بن عمرو ابن العاص المنع مطلقا وهو المشهور عن الشافعي وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد للهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضا المحصر والقارن
    ( ج4/ ص 308)
    ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدار قطني واللفظ له والطحاوي "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" وقال أن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة، وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة عن عائشة، وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال، وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي "أمرنا بكذا ونهينا عن كذا" هل له حكم الرفع على أقوال ثالثها إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا، واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به "رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا" كل في الحكم سواء، فمن يقول إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوي إن قول ابن عمر وعائشة "لم يرخص" أخذاه من عموم قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله: {فِي الْحَجِّ} يعم ما قبل يوم النحر وما بعده فيدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه
    ( ج4/ ص 311)
    زعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. انتهى. وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد. واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر، قال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإن قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر،
    وقال الزين ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين
    ( ج4/ ص 312)
    وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت أهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم" وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: قوله إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك" فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر
    ( ج4/ 313)
    فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم. ثم بدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه.
    ( ج4/ ص 314)
    ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك، وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه.
    ( ج4/ ص 315)
    ما يؤيد الاحتمال المذكور أولا، وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانا اليهودي - يعني ليحسب لهم - فلما مات أتوا زيد ابن ثابت فسألوه "وسنده حسن، قال شيخنا الهيثمي في زوائد المسانيد: لا أدري ما معنى هذا. قلت: ظفرت بمعناه في كتاب" الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني "فذكر ما حاصله: أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية. قلت: فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك.
    ( ج4/ ص 315)
    قال القرطبي: لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل ذلك أن يكون ذلك استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهما فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه

  17. #157
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    "كتاب صلاة التراويح " و" الاعتكاف " .
    ( ج4/ ص 317)
    والتراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام. سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وقد عقد محمد بن نصر في "قيام الليل" بابين لمن استحب التطوع لنفسه بين كل ترويحتين ولمن كره ذلك، وحكى فيه عن يحيى ابن بكير عن الليث أنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة.
    ( ج4/ ص 319)
    غفر له" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر. وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه حرم إمام الحرمين وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.
    ( ج4/ ص 320)
    قوله: "ما تقدم من ذنبه" زاد قتيبة عن سفيان عند النسائي: "وما تأخر" وكذا زادها حامد بن يحيى عند قاسم بن أصبغ والحسين بن الحسن المروزي في "كتاب الصيام" له وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من فوائده، ويوسف بن يعقوب النجاحي في فوائده كلهم عن ابن عيينة. ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة من وجه آخر أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعن ثابت عن الحسن كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسه أخرجها
    ( ج4/ ص 321)
    وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد، وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث أن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر والمتأخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر، والجواب عن ذلك يأتي في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل أنه قال في أهل بدر "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ومحصل الجواب أنه قيل إنه كناية عن حفظهم من الكبائر فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة وأنه يكفر سنتين سنة ماضية وسنة آتية
    ( ج4/ ص 321)
    وأما ما رواه ابن وهب عن أبي هريرة "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال: ما هذا؟ فقيل: ناس يصلي بهم أبي بن كعب، فقال: أصابوا ونعم ما صنعوا" ذكره ابن عبد البر، وفيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب.
    ( ج4/ ص 320)
    أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية. وقال ابن بطال: قيام رمضان سنة لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم خشية الافتراض، وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها من كان يحفظ القرآن ولا يخاف من الكسل ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.
    ( ج4/ ص 322)
    ومن طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه من قوله. قوله: "قال عمر نعم البدعة" في بعض الروايات "نعمت البدعة" بزيادة تاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة
    ( ج4/ ص 322)
    وقد اختلف في ذلك ففي "الموطأ" عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر وزاد فيه: "وكانوا يقرؤون بالمائتين ويقومون على العصى من طول القيام" ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يوسف فقال ثلاث عشرة ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال إحدى وعشرين، وروى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن رومان قال: "كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين" وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: "أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر" والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس وبذلك جزم الداودي وغيره، والعدد الأول موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في الباب، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر وكأنه كان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث، وروى محمد ابن نصر من طريق داود بن قيس قال: "أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث" وقال مالك هو الأمر القديم عندنا. وعن الزعفراني عن الشافعي "رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق" وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي. وقال الترمذي: أكثر ما قيل فيه أنها تصلى إحدى وأربعين ركعة يعني بالوتر، كذا قال. وقد نقل ابن عبد الله الأسود بن يزيد: تصلى أربعين ويوتر بسبع، وقيل ثمان وثلاثين ذكره محمد ابن نصر عن ابن أيمن عن مالك، وهذا يمكن رده إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرح في روايته بأنه يوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل
    ( ج4/ ص 322)
    وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين مع كونها أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ليلا من غيرها. والله أعلم.
    كتاب فضل ليلة القدر
    ( ج4/ ص 323)
    قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ {ومَا أَدْرَاكَ} فَقَدْ أَعْلَمَهُ وَمَا قَالَ {وَمَا يُدْرِيكَ} فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ
    ( ج4/ ص 324)
    أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وبه صدر النووي كلامه فقال: قال العلماء سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى:
    {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار
    ( ج4/ ص 330)
    رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان ثم في العشر الأخير منه ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضى، منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب "أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها" وفي رواية لأحمد من حديثه "مثل الطست" ونحوه لأحمد من طريق أبي عون عن ابن مسعود وزاد: "صافية" ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا: "ليلة القدر طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة" ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "إنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة صاحبة لا حر فيها ولا برد، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها، ومن أماراتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" ولابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود أيضا: "أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان، إلا صبيحة ليلة القدر" وله من حديث جابر ابن سمرة مرفوعا: "ليلة القدر ليلة مطر وريح" ولابن خزيمة من حديث جابر مرفوعا في ليلة القدر "وهي ليلة طلقه بلجة لا حارة ولا باردة، تتضح كواكبها ولا يخرج شيطانها حتى يضئ فجرها" ومن طريق قتادة أبي ميمونة عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى
    ( ج4/ ص 333)
    وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافا كثيرا. وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولا كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كل منهما ليقع الجد في
    طلبهما: القول الأول أنها رفعت أصلا ورأسا حكاه المتولي في التتمة عن الروافض والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية وكأنه خطأ منه. والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة، وقد روى عبد الرزاق من طريق داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن يحنس "قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رفعت، قال: كذب من قال ذلك" ومن طريق عبد الله بن شريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها، فأراد زر بن حبيش أن يحصبه فمنعه قومه.
    الثاني أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه الفاكهاني أيضا
    الثالث أنها خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية ونقله عن الجمهور وحكاه صاحب "العدة" من الشافعية ورجحه، وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه: "قلت يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال: لا بل هي باقية" وعمدتهم قول مالك في "الموطأ" بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا يحتمل التأويل فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذر. الرابع أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية حكاه قاضي خان وأبو بكر الرازي منهم، وروى مثله عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، وزيف المهلب هذا القول وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتى تنقل ليلة القدر عن رمضان ا ه. ومأخذ ابن مسعود كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس. الخامس أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه،
    وهو قول ابن عمر رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه، وروي مرفوعا عنه أخرجه أبو داود، وفي "شرح الهداية" الجزم به عن أبي حنيفة وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية ورجحه السبكي في "شرح المنهاج" وحكاه ابن الحاجب رواية
    وقال السروجي في "شرح الهداية" قول أبي حنيفة إنها تنتقل في جميع رمضان وقال صاحباه إنها في ليلة معينة منه مبهمة، وكذا قال النسفي في "المنظومة" :
    وليلة القدر بكل الشهر ... دائرة وعيناها فادر ا ه
    وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم وهو السادس. السابع أنها أول ليلة من رمضان حكى عن أبي رزين العقيلي الصحابي، وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: ليلة القدر أول ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم لا نعلم أحدا قال ذلك غيره. الثامن أنها ليلة النصف من رمضان حكاه شيخنا سراج الدين ابن الملقن في "شرح العمدة" والذي رأيت في "المفهم" للقرطبي حكاية قول أنها ليلة النصف من شعبان،
    العاشر أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، روى ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: ما أشك ولا أمتري أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضا. القول الحادي عشر أنها مبهمة في العشر الأوسط حكاه النووي وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري وقال به بعض الشافعية. القول الثاني عشر أنها ليلة ثمان عشرة قرأته بخط القطب الحلبي في شرحه وذكره ابن الجوزي في مشكله. القول الثالث عشر أنها ليلة تسع عشرة رواه الخ....
    القول الخامس عشر مثل الذي قبله إلا أنه إن كان الشهر تاما فهي ليلة العشرين وإن كان ناقصا فهي ليلة إحدى وعشرين وهكذا في جميع الشهر وهو قول ابن حزم وزعم أنه يجمع بين الإخبار بذلك، ويدل له ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن أنيس قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التمسوها الليلة، قال وكانت تلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أولى بثمان بقين، قال بل أولى بسبع بقين فإن هذا الشهر لا يتم.القول السادس عشر أنها ليلة اثنين وعشرين
    القول السابع عشر أنها ليلة ثلاث وعشرين رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعا: "أريت ليلة القدر ثم نسيتها" فذكر مثل حديث أبي سعيد لكنه قال فيه: "ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين" وعنه قال: "قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها، فمرني بليلة القدر، قال: انزل ليلة ثلاث وعشرين" وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح
    وقد قيل إنها فيه. القول الحادي والعشرون أنها ليلة سبع وعشرين وهو الجادة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم، وروى مسلم أيضا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: "تذاكرنا ليلة القدر فقال صلى الله عليه وسلم: أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جفنة؟ قال أبو الحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وروى الطبراني من حديث ابن مسعود "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين" ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة، وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم: "رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" ولأحمد من حديثه مرفوعا: "ليلة القدر ليلة سبع وعشري"
    ولابن المنذر "من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين
    وزعم ابن قدامة أن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة وقد وافق قوله فيها هي سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن بعض المالكية وبالغ في إنكاره نقله ابن عطية في تفسيره وقال: إنه من ملح التفاسير وليس من متين العلم.
    واستنبط بعضهم ذلك في جهة أخرى فقال: ليلة القدر تسعة أحرف وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات فذلك سبع وعشرون. وقال صاحب الكافي من الحنفية وكذا المحيط: من قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين لأن العامة تعتقد أنها ليلة القدر. القول الثاني والعشرون أنها ليلة ثمان وعشرين
    ( ج4/ ص 339)
    وقال ابن العربي: الصحيح أنها لا تعلم، وهذا يصلح أن يكون قولا آخر، وأنكر هذا القول النووي وقال: قد تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم بها وأخبر به جماعة من الصالحين فلا معنى لإنكار ذلك. ونقل الطحاوي عن أبي يوسف قولا جوز فيه أنه يرى أنها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك عنه فهو قول آخر. هذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال وبعضها يمكن رده إلى بعض، وإن كان ظاهرها التغاير، وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد تقدمت أدلة ذلك. قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة، وهذه الحكمة مطردة عند من يقول إنها في جميع من السنة وفي جميع رمضان أو في جميع العشر الأخير أو في أوتاره خاصة، إلا أن الأول ثم الثاني أليق به. واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجدا، وقيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل يسمع سلاما أو خطابا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه. واختلفوا أيضا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها له؟ وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب
    ( ج4/ ص 339)
    وقال الطبري: في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة، إذ لو كان ذلك حقا لم يخف على كل من قام ليالي السنة فضلا عن ليالي رمضان. وتعقبه ابن المنير في الحاشية بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده فيختص بها قوم دون قوم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة، وقد كانت العلامة في السنة التي حكاها أبو سعيد نزول المطر، ونحن نرى كثيرا من السنين ينقضي رمضان دون مطر مع اعتقادنا أنه لا يخلو رمضان من ليلة القدر، قال: ومع ذلك فلا نعتقد أن ليلة القدر لا ينالها إلا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع ورب قائم تلك الليلة لم يحصل منها إلا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل على العبادة أفضل، والعبرة إنما هي بالاستقامة فإنها تستحيل أن تكون إلا كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة والله أعلم، وفي هذه الأحاديث رد لقول أبي الحسن الحولي المغربي أنه اعتبر ليلة القدر فلم تفته طول عمره وأنها تكون دائما ليلة الأحد، فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين وهلم جرا، ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط لضرورة أن أوتار العشر خمسة. وعارضه بعض من تأخر عنه فقال إنها تكون دائما ليلة الجمعة وذكر نحو قول أبي الحسن، وكلاهما لا أصل له، بل هو مخالف لإجماع الصحابة
    ( ج4/ 341)
    واستنبط السبكي الكبير، في "الحلبيات" من هذه القصة استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها؛ قال: ووجه الدلالة أن الله قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدر له فيستحب اتباعه في ذلك، وذكر في "شرح المنهاج" ذلك عن "الحاوي" قال: والحكمة فيه أنها كرامة والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس فلا يأمن السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور، ويستأنس له بقول يعقوب عليه السلام: {يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ
    ( ج4/ ص 343)
    وقع في نسخة الصغاني قبل هذا الباب في آخر "باب تحري ليلة القدر" ما نصه "قال أبو عبد الله قال أبو نعيم: كان هبيرة مع المختار على القتلى، قال أبو عبد لله فلم أخرج حديث هبيرة عن علي لهذا، ولم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب" انتهى وأراد بحديث هبيرة ما أخرجه أحمد والترمذي من طريق أبي إسحاق السبيعي عن هبيرة بن مريم وهو بفتح الياء المثناة من تحت بوزن عظيم عن علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضانوقال الترمذي حسن صحيح .
    وأما قول أبي نعيم في هبيرة فمعناه أنه كان ممن أعان المختار - وهو ابن أبي عبيد الثقفي - لما غلب على الكوفة في خلافة عبد الله بن الزبير ودعا إلى الطلب بدم الحسين بن علي فأطاعه أهل الكوفة ممن كان يوالي أهل البيت، فقتل المختار في الحرب وغيرها ممن اتهم بقتل الحسين خلائق كثيرة، وكأن من وثق هبيرة لم يؤثر ذلك فيه عنده قدحا لأنه كان متأولا ولذلك صحح الترمذي حديثه، وممن وثق هبير
    ( ج4/ ص 345)
    الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها. ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت. واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر ابن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قدم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقا وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة، واتفقوا على أنه لا حد لأكثره واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال أقله يوم، ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان، ومن لم يشترط الصوم قالوا أقله ما يطلق عليه اسم لبث ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة
    ( ج4/ ص 347)
    عن عائشة قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، قال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة، وجزم الدار قطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها "لا يخرج إلا لحاجة" وما عداه ممن دونها، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة. وقال الثوري والشافعي وإسحاق إن شرط شيئا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد.
    ( ج4/ ص 356)
    والمحصل من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشى عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك لأنهما غير معصومين فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسما للمادة وتعليما لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى، فقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئا يهلكان به. قلت: وهو بين من الطرق التي أسلفتها، وغفل البزار فطعن في حديث صفية هذا واستبعد وقوعه ولم يأت بطائل، والله الموفق

  18. #158
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    [ 1 ]
    كتاب البيوع
    ( ج4/ ص 371)
    وقال حسان بن أبي سنان" هو البصري أحد العباد في زمن التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد وصله أحمد في "الزهد" وأبو نعيم في "الحلية" عنه بلفظ: "إذا شككت في شيء فاتركه
    ولأبي نعيم من وجه آخر اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس ما عالجت شيئا أشد علي من الورع. فقال حسان ما عالجت شيئا أهون علي منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت. قال بعض العلماء: تكلم حسان على قدر مقامه، والترك الذي أشار إليه أشد على كثير من الناس من تحمل كثير من المشاق الفعلية. وقد ورد قوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" مرفوعا أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث الحسن بن علي
    روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعا: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس" وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الإيمان، قال الخطابي كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه. ثم هو على ثلاثة أقسام: واجب ومستحب ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزمه ارتكاب المحرم، والمندوب اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، والمكروه اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطع.
    ( ج4/ ص 373)
    قال الغزالي: الورع أقسام، ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة، وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين، قال: ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا. انتهى
    ( ج4/ ص 379)
    الفلك السفن الواحد والجمع سواء" هو قول أكثر أهل اللغة، ويدل عليه قوله تعالى: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون} وقوله: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد، وقيل إن الفلك بالضم والإسكان جمع فلك بفتحتين مثل أسد وأسد. وقال صاحب "المحكم" السفينة فعيلة بمعنى فاعلة سميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء أي تفسره، والجمع سفن وسفائن وسفين.
    ( ج4/ ص 380)
    أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقا به. فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار، وقد تكلف بعض الشراح في توجيهه
    ( ج4/ ص 382)
    قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه، وفي العمر حصول القوة في الجسد، لأن صلة أقاربه صدقة والصدقة تربي المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو، لأن رزق الإنسان يكتب وهو في بطن أمه فلذلك احتيج إلى هذا التأويل، أو المعنى أنه يكتب مقيدا بشرط كأن يقال إن وصل رحمه فله كذا وإلا فكذا، أو المعنى بقاء ذكره الجميل بعد الموت. وأغرب الحكيم الترمذي فقال: المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ. وقال ابن قتيبة: يحتمل أن يكتب أجل العبد مائة سنة وتزكيته عشرين فإن وصل رحمه زاد التزكية. وقال غيره: المكتوب عند الملك الموكل به غير المعلوم عند الله عز وجل، فالأول يدخل فيه التغيير. وتوجيهه أن المعاملات على الظواهر والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه الحكم، فذلك الظاهر الذي اطلع عليه الملك هو الذي يدخله الزيادة والنقص والمحو والإثبات، والحكمة فيه إبلاغ ذلك إلى المكلف ليعلم فضل البر وشؤم القطيعة
    ( ج4/ ص 383)
    قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع
    ( ج4/ ص 384)
    وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب. قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة لأنها أقرب إلى التوكل. وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض. قلت: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا. قلت: وهو مبني على ما بحث فيه من النفع المتعدي، ولم ينحصر النفع المتعدي في الزراعة بل كل ما يعمل باليد فنفعه متعد لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه. والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى. قال ابن المنذر: إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل، كما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة. قلت: ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو وكسر النفس بذلك والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير،
    ( ج4/ ص 385)
    وقد روى ابن سعد وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق عن عائشة قالت: "لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ماذا في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. قالت: فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له، فبعثنا بهما إلى عمر فقال: رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده
    ( ج4/ ص 387)
    ووقع في المستدرك عن ابن عباس بسند واه "كان داود زرادا، وكان آدم حراثا، وكان نوح نجارا، وكان إدريس خياطا، وكان موسى راعيا"
    ( ج4/ ص 390)
    وقد اختلف العلماء في حد الموسر: فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته. وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من عنده خمسون درهما أو قيمتها من الذهب فهو موسر. وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيا مع كسبه وقد يكون بالألف فقيرا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف، فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارا فهو موسر وعكسه، وهذا هو المعتمد وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة
    ( ج4/ ص 391)
    واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} فروى الطبري وغيره من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة، وعن عطاء أنها عامة في دين الربا وغيره، واختار الطبري أنها نزلت نصا في دين الربا ويلتحق به سائر الديون لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أعسر المديون وجب إنظاره ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه
    ( ج4/ ص 492)
    أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بأسماء البلاد ليدلسوا على المشتري بقولهم ذلك ليوهموا أنه مجلوب من خراسان وسجستان فيحرص عليها المشتري ويظن أنها قريبة العهد بالجلب،
    ( ج4/ ص 493)
    أن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة.
    ( ج4/ ص 399)
    وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان قال: "ما كان من ربا وإن زاد حتى يغبط صاحبه فإن الله يمحقه" وأصله من حديث ابن مسعود عند ابن ماجة وأحمد بإسناد حسن مرفوعا: "إن الربا وإن كثر عاقبته إلى قل" وروى عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق
    {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا} أي يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا وإن كان العدد زائدا لكن محق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا كما مر في حديث ابن مسعود، وإلى اضمحلال الأجر في الآخرة على التأويل الثاني.
    ( ج4/ ص 406)
    قال الطبري في تفسيره: الهيم جمع أهيم، ومن العرب من يقول هائم ثم يجمعونه على هيم كما قالوا غائط وغيط، قال: والإبل الهيم التي أصابها الهيام بضم الهاء وبكسرها داء تصير منه عطشي تشرب فلا تروى. وقيل الإبل الهيم المطلية بالقطران من الجرب فتصير عطشي من حرارة الجرب، وقيل هو داء ينشأ عنه الجرب. ثم أسند من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من قوله: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} قال: الإبل العطاش.
    ( ج4/ 408)
    قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم ومن ثم كره مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرا وذهب مالك إلى فسخ البيع وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال بع حلالك ممن شئت.
    ( ج4/ ص 407)
    جواز بيع الشيء المعيب اذا بينه البائع ورضي به المشتري سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده لكن إذا أخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشتري ...
    وكان نواس يجالس ابن عمر وكان يضحكه فقال يوما : وددت ان لي ابا قبيس ذهبا فقال له ابن عمر : ما تصنع به ؟ فقال : اموت عليه .
    ( ج4/ 409)
    جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغب فيه ففيه الرد على من كرهه وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه،
    ( ج4/ ص 413)
    والخيار بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس وخيار الشرط، وزاد بعضهم خيار النقيصة، وهو مندرج في الشرط فلا يزاد
    قال ابن المنير: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك. قلت: وقد روى البيهقي من طريق أبي علقمة الغروي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: "الخيار ثلاثة أيام" وهذا كأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في قصة حبان بن منقذ
    وبه احتج للحنفية والشافعية في أن أمد الخيار ثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمد بحسبه يتخير فيه فللدابة مثلا والثوب يوم أو يومان وللجارية جمعة وللدار شهر. وقال الأوزاعي يمتد الخيار شهرا وأكثر بحسب الحاجة إليه. وقال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال إنه انفرد بذلك، وقد صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره
    ( ج4/ ص 415)
    عبد الله ابن الحارث بن نوفل" وعبد الله هذا مذكور في الصحابة لأن ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به فحنكه، وهو معدود من حيث الرواية في كبار التابعين،
    ( ج4/ ص 415)
    الخلاف الماضي في حد خيار الشرط، والذي ذهب إليه الشافعية والحنفية أنه لا يزاد فيه على ثلاثة أيام، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون إلى أنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه وهو اختيار ابن المنذر، فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقا فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز. وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضا. وقال أحمد وإسحاق للذي شرط الخيار أبدا
    ( ج4/ ص 416)
    وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن شريح قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وعن جرير عن مغيرة عن وكيع عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا فأراد أن يرده قبل أن يتفرقا فقضى الشعبي أنه قد وجب البيع، فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى في مثل ذلك فرده على البائع، فرجع الشعبي إلى قول شريح
    ( ج4/ ص 417)
    البيعان بالخيار حتى يتفرقا عن رضا. ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريح وغيرهم، وبالغ ابن حزم فقال لا نعلم لهم مخالفا من التابعين لا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به، وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجاج عن الحكم عن شريح قال: إذا تكلم الرجل بالبيع فقد وجب البيع، وإسناده ضعيف لأجل حجاج وهو ابن أرطاة
    ( ج4/ ص 418)
    وعن عطاء عن ابن عباس مرفوعا: "ما لم يفارقه صاحبه فإن فارقه فلا خيار له" وقد اختلف القائلون بأن المراد أن يتفرقا بالأبدان هل للتفرق المذكور حد ينتهي إليه؟ والمشهور الراجح من مذهب العلماء في ذلك أنه موكول إلى العرف، فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا والله أعلم.
    ( ج4/ ص 418)\
    أن ابن عمر حمله على التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وخالف في ذلك إبراهيم النخعي فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: "البيع جائز وإن لم يتفرقا" ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ: "إذا وجبت الصفقة فلا خيار" وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم، قال ابن حزم: لا نعلم لهم سلفا إلا إبراهيم وحده، وقد ذهبوا في الجواب عن حديثي الباب فرقا: فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه، ومنهم من صححه ولكن أوله على غير ظاهره، فقالت طائفة منهم: هو منسوخ بحديث: "المسلمون على شروطهم" والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ولو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد، وبقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلا، ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف. وقال بعضهم هو من رواية مالك وقد عمل بخلافه فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى دل على وهن. المروي عنده. وتعقب بأن مالكا لم يتفرد به، فقد رواه غيره وعمل به وهم أكثر عددا رواية وعملا، وقد خص كثير من محققي أهل الأصول الخلاف المشهور - فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى - بالصحابة دون ما جاء بعدهم، ومن قاعدتهم أن الراوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتباعه أولى من غيره
    ( ج4/ ص 418)
    وقال ابن حزم: سواء قلنا التفرق بالكلام أو بالأبدان فإن خيار المجلس بهذا الحديث ثابت، أما حيث
    قلنا التفرق بالأبدان فواضح، وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضا، لأن قول أحد المتبايعين مثلا بعتكه بعشرة وقول الآخر بل بعشرين مثلا افتراق في الكلام بلا شك، بخلاف ما لو قال اشتريته بعشرة فإنهما حينئذ متوافقان فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان لا حين يتفرقان وهو المدعي
    ( ج4/ ص 419)
    واحتج الطحاوي بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن اتساع اللغة: وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع طرده في كل موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه. وقالوا أيضا: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع بعتك هذا بكذا وبين قول المشتري اشتريت، قالوا فالمشتري بالخيار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول فإن القبول يتعذر، وتعقب بأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا، فأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا، لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيعين والحديث يرده فتعين حمل التفرق على الكلام، وأجيب بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى.
    ( ج4/ ص 419)
    وقال آخرون: حديث بن عمر هذا وحكيم بن حزام معارض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" قال ابن العربي: ظاهر هذه الزيادة مخالف لأول الحديث في الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ تأولنا الخيار فيه على الاستقالة وإذا تعارض التأويلان فزع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا وتعقب بأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة، لأنه لو كان المراد حقيقة
    الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء فقالوا: معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع لأن العرب تقول استقلت ما فات عني إذا استدركه، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع. وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، إلا أن اختيار الفسخ حرام، قال ابن حزم: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب على التفرق بالكلام لقوله فيه: "خشية أن يستقيله" لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، وصحة انتقال الملك تستلزم أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له لأنه يلزم من حمل التفرق على القول إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله أو لم يخش. وقال بعضهم التفرق بالأبدان في الصرف قبل القبض يبطل العقد فكيف يثبت العقد ما يبطله؟
    ( ج4/ ص 421)
    وقد أقدم الداودي على رد هذا الحديث المتفق على صحته( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ...) بما لا يقبل منه فقال: قول الليث في هذا الحديث: "وكانا جميعا الخ" ليس بمحفوظ لأن مقام الليث في نافع ليس كمقام مالك ونظراته. انتهى. وهو رد لما اتفق الأئمة على ثبوته بغير مستند، وأي لوم على من روى الحديث مفسرا لأحد محتملاته حافظا من ذلك ما لم يحفظه غيره مع وقوع تعدد المجلس، فهو محمول على أن شيخهم حدثهم به تارة مفسرا وتارة مختصرا
    ( ج4/ ص 421)
    وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك "إلا بيع الخيار" فقال الجمهور وبه جزم الشافعي: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير. قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله. انتهى. ورواية الليث ظاهرة جدا في ترجيحه، وقيل هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، وقيل المراد بقوله: "أو يفرق أحدهما الآخر" أي فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار، وتعينه رواية النسائي
    ( ج4/ ص 423)
    فاتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه كما سيأتي، واختلفوا فيما عدا الطعام على مذاهب: أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه مطلقا وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن، ثانيها: يجوز مطلقا إلا الدور والأرض وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ثالثها: يجوز مطلقا إلا المكيل والموزون وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، رابعها: يجوز مطلقا إلا المأكول والمشروب وهو قول مالك وأبي ثور واختيار ابن المنذر، واختلفوا في الإعتاق فالجمهور على أنه يصح الإعتاق ويصير قبضا سواء كان للبائع حق الحبس بأن كان الثمن حالا ولم يدفع أم لا، والأصح في الوقف أيضا صحته، وفي الهبة والرهن خلاف، والأصح عند الشافعية فهما أنهما لا يصحان، وحديث ابن عمر في قصة البعير الصعب حجة لمقابله، ويمكن الجواب عنه بأنه يحتمل أن يكون ابن عمر كان وكيلا في القبض قبل الهبة وهو اختيار البغوي قال: إذا أذن المشتري للموهوب له في قبض المبيع كفى وتم البيع وحصلت الهبة بعده، لكن لا يلزم من هذا اتحاد القابض والمقبض لأن ابن عمر كان راكب البعير حينئذ وقد احتج به للمالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية، وإليه مال البخاري كما تقدم
    ( ج4/ ص 426)
    وأغرب ابن رشد في "المقدمات" له فزعم أن عثمان قال لابن عمر "ليست السنة بافتراق الأبدان، قد انتسخ ذلك" وهذه الزيادة لم أر لها إسنادا، ولو صحت لم تخرج المسألة على الخلاف لأن أكثر
    الصحابة قد نقل عنهم القول بأن الافتراق بالأبدان
    ( ج4/ ص 427)
    واستدل به على أن من قال عند العقد "لا خلابة" أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار سواء وجد فيه عيبا أو غبنا أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده فقال: لو قال لا خديعة أو لا غش أو ما أشبه ذلك لم يكن له الخيار حتى يقول لا خلابة. ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في صحيح مسلم أنه كان يقول: "لا خيابة" بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى
    ( ج4/ ص 428)
    وكأن البخاري أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أن الاسواق شر البقاع وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق" وإسناده حسن، وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر نحوه، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد
    ( ج4/ ص 431)
    قال الخطابي: اللكع على معنيين أحدهما الصغير والآخر اللئيم، والمراد هنا الأول، والمراد بالثاني ما ورد في حديث أبي هريرة أيضا: "يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع "وقال ابن التين: زاد ابن فارس أن العبد أيضا يقال له لكع. انتهى ولعل من أطلقه على العبد أراد أحد الأمرين المذكورين. وقال بلال بن جرير التميمي: اللكع في لغتنا الصغير، وأصله في المهر ونحوه. وعن الأصمعي: اللكع الذي لا يهتدي لمنطق ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع وهي التي تخرج من السلا. قال الأزهري: وهذا القول أرجح الأقوال هنا، لأنه أراد أن الحسن صغير لا يهتدي لمنطق، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد..
    ( ج4/ ص 437)
    ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "الفروق" أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على الستين، قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم
    ( ج4/ ص 437)
    وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل. وقال المهلب: ليس بين هذا الحديث وحديث عائشة "كان عندي شطر شعير آكل منه حتى طال على فكلته ففني
    وقع في حديث عائشة المذكور عند ابن حبان: "فما زلنا نأكل منه حتى كالته الجارية فلم نلبث أن فني، ولو لم تكله لرجوت أن يبقى أكثر" وقال المحب الطبري: لما أمرت عائشة بكيل الطعام ناظرة إلى مقتضى العادة غافلة عن طلب البركة في تلك الحالة ردت إلى مقتضى العادة ا هـ. والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشتري، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار فلذلك دخله النقص، وهو شبيه بقول أبي رافع لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة "ناولني الذراع، قال وهل للشاة إلا ذراعان فقال: لو لم تقل هذا لناولتني ما دمت أطلب منك "فخرج من شؤم المعارضة انتزاع البركة، ويشهد لما قلته حديث: "لا تحصى فيحصى الله عليك" الآتي. والحاصل أن الكيل بمجرده لا تحصل به البركة ما لم ينضم إليه أمر آخر وهو امتثال الأمر فيما يشرع فيه الكيل، ولا تنزع البركة من المكيل بمجرد الكيل ما لم ينضم إليه أمر آخر كالمعارضة والاختبار والله أعلم.
    فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره فيكون ذلك شكا في الإجابة فيعاقب بسرعة نفاده، قاله المحب الطبري. ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه، وقد يكون بريئا، وإذا كاله أمن من ذلك والله أعلم. وقد قيل: إن في "مسند البزار" أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة، ولم أتحقق ذلك ولا خلافه
    ( ج4/ 440)
    وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حراما لم يأمر بما يئول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن لمجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي، لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع استغناء عنه وحاجة الناس إليه، وبهذا فسره مالك عن أبي الزناد عن سعيد ابن المسيب. وقال مالك فيمن رفع طعاما من ضيعته إلى بيته: ليست هذه بحكرة. وعن أحمد إنما يحرم احتكار الطعام المقتات دون غيره من الأشياء. ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهى عنها في غير هذا الحديث وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعا لمنعوا من نقله، أو لبين لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة. وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث: منها حديث معمر المذكور أولا وحديث عمر مرفوعا: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" رواه ابن ماجة وإسناده حسن، وعنه مرفوعا قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" أخرجه ابن ماجة والحاكم وإسناده ضعيف، وعن ابن عمر مرفوعا: "من احتكر طماعا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ منه" أخرجه أحمد والحاكم وفي إسناده مقال، وعن أبي هريرة مرفوعا: "من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ" أخرجه الحاكم.
    ( ج4/ ص 441)
    وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ: "قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك" وأخرجه الترمذي مختصرا ولفظه: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندي" قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما أن يقول: أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها، ثانيهما أن يقول: هذه الدار بكذا، على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها ا هـ. وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني
    ( ج4/ ص 444)
    وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم لم يصح. وقال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها فإن اشتراها جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد، ونقلها قبضها
    ( ج4/ ص 445)
    قال الطحاوي: ذهب ابن عمر إلى أن الصفقة إذا أدركت شيئا حيا فهلك بعد ذلك عند البائع فهو من ضمان المشتري، فدل على أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة بالأبدان ا هـ
    ( ج4/ ص 445)
    وقال ابن حبيب: اختلف العلماء فيمن باع عبدا واحتبسه بالثمن فهلك في يديه قبل أن يأتي المشتري بالثمن، فقال سعيد بن المسيب وربيعة: هو على البائع. وقال سليمان بن يسار هو على المشتري، ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال بالأول الحنفية والشافعية، والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحة البيع، فمن اشترطه في كل شيء جعله من ضمان البائع ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشتري والله أعلم، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس في ذلك تفصيلا قال: إن قال البائع لا أعطيكه حتى تنقدني الثمن فهلك فهو من ضمان البائع، وإلا فهو من ضمان المشتري. وقد فسر بعض الشراح المبتاع في أثر ابن عمر بالعين المبيعة وهو جيد، وقد سئل الإمام أحمد عمن اشترى طعاما فطلب من يحمله فرجع فوجده قد احترق، فقال: هو من ضمان المشتري، وأورد أثر ابن عمر المذكور بلفظ: "فهو من مال المشتري" وفرع بعضهم على ذلك أن المبيع إذا كان معينا دخل في ضمان المشتري بمجرد العقد
    ( ج4/ ص 447)
    قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع افسخ لاشترى منك بأزيد، وهو مجمع عليه. وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول له رده لأبيعك خيرا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك
    صريحا فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية، ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم، لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقا كما نقله ابن عبد البر. فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك، وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم على الآخر ما إذا لم يكن المشتري مغبونا غبنا فاحشا، وبه قال ابن حزم واحتج بحديث: "الدين النصيحة"، لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم فله أن يعرفه أن قيمتها كذا وأنك إن بعتها بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين. وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر، والله أعلم.
    ( ج4/ ص 449)
    النجش : وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمى بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك وقال ابن قتيبة النجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال له قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية. وقال الرافعي: أطلق الشافعي في "المختصر" تعصية الناجش، وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالما بالنهي. وأجاب الشارحون بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترك فيه كل أحد. واستشكل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار والإضرار يشترك في علم تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم ا ه
    وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن .
    وقيد ابن عبد البر وابن العربي وابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربي: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشا عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر إذ لم تتعين النصيحة في أن يوهم أنه يريد الشراء وليس من غرضه بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك ثم هو باختياره بعد ذلك، ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله للحديث الآتي "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" والله أعلم

    كتاب البيوع
    ما أخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثني نافع وابن حبان من طريق سليمان التيمي عن نافع عن ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" وقد أخرج مسلم النهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة وابن ماجة من حديث ابن عباس والطبراني من حديث سهل ابن سعد، ولأحمد من حديث ابن مسعود رفعه: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر" وشراء السمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطير في الهواء والمعدوم والمجهول والآبق ونحو ذلك. قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران أحدهما ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه، والثاني ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه، فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل، ومن الثاني الجبة المحشوة والشرب من السقاء، قال وما اختلف العلماء فيه مبنى على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. وقال ومن بيوع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلا فإنه لا يصح لأن الثمن ليس حاضرا فيكون من المعاطاة ولم توجد صيغة يصح بها العقد، وروى الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: لا اعلم ببيع الغرر بأسا. قال ابن بطال: لعله لم يبلغه النهي وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وإن لا يوجد لم يصح، وكذلك إذا كان لا يصح غالبا، فإن كان يصح غالبا كالثمرة في أول بدو صلاحها أو كان مستمرا تبعا كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر،
    ( ج4/ ص 453)
    قوله في حديث أبي سعيد "نهى عن المنابذة" وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه، وسيأتي في اللباس من طريق يونس عن الزهري بلفظ: "والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك". والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراض
    ( ج4/ ص 454)
    ولأبي عوانة من طريق أخرى عن يونس "وذلك أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها أو يتنابذ القوم السلع كذلك "فهذا من أبواب القمار. وفي رواية ابن ماجة من طريق سفيان عن الزهري "والمنابذة أن يقول ألق إلى ما معك وألقى إليك ما معي". وللنسائي حديث أبي هريرة "الملامسة أن يقول الرجل للرجل أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا، والمنابذة أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك، يشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك،

    ( ج4/ ص 455)
    وقد روى مسلم النهي عن بيع الحصاة من حديث أبي هريرة. واختلف في تفسير بيع الحصاة فقيل هو أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي حصاة، أو من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي، وقيل هو أن يشترط الخيار إلى أن يرمي الحصاة، والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بيعا. وقوله في الحديث: "لمس الثوب لا ينظر إليه" استدل به على بطلان بيع الغائب وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا ويثبت الخيار إذا رآه وحكى عن مالك والشافعي أيضا، وعن مالك يصح إن وصفه وإلا فلا، وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الظاهر، واختاره البغوي والروياني من الشافعية وإن اختلفوا في تفاصيله، ويؤيده قوله في رواية أبى عوانة التي قدمتها "لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها
    ( ج4/ ص 457)
    "وأصل التصرية حبس الماء يقال: منه صريت الماء إذا حبسته" وهذا التفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة. وقال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها
    ( ج4/ ص 458)
    ولابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسيد بن موسى عن الليث "بعد أن يحتلبها" بفتح أن ونصب يحتلبها، وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب ذكر قيدا في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت
    ( ج4/ ص 459)
    طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين في ذلك، لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه: "فإن ردها رد معها صاعا من طعام أو صاعا من تمر" فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر ويحتمل أن تكون "أو" شكا من الراوي لا تخييرا، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري، وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بلفظ: "إن ردها رد معها مثل أو مثلى لبنها قمحا" ففي إسناده ضعف، وقد قال ابن قدامة إنه متروك الظاهر بالاتفاق. قوله: "والتمر أكثر" أي أن الروايات الناصة على التمر أكثر عددا من الروايات التي لم تنص عليه أو أبدلته بذكر الطعام
    وأما رواية من رواه بذكر الإناء فيفسرها رواية من رواه بذكر الصاع وقد تقدم ضبطه في الزكاة، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة. وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا أو كثيرا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا، وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون، أما الحنفية فقالوا لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور إلا أنه قال يتخير بين صاع تمر أو نصف صار بر، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا لا يتعين صاع التمر بل قيمته
    ( ج4/ ص 460)
    وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفي، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر هل تلزمه قيمته ببلده أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قال الحنابلة
    ( ج4/ ص 460)
    واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى: فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يأخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس
    الجلى لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك،
    ( ج4/ ص 461)
    وقال ابن السمعاني في "الاصطلام" : التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له - يعني المتقدم في كتاب العلم وفي أول البيوع أيضا - وفيه قوله: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا" الحديث. ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها، ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة وبالإناء أخرى. والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها كما تقدم، والضعيف لا يعل به الصحيح. ومنهم من قال هو معارض لعموم القرآن كقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل. ومنهم من قال هو منسوخ، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه لأنهم اختلفوا في الناسخ فقيل: حديث النهي عن بيع الدين بالدين، وهو حديث أخرجه ابن ماجة وغيره من حديث ابن عمر، ووجه الدلالة منه أن لبن المصراة يصير دينا في ذمة المشتري،
    ( ج4/ ص 462)
    بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخير إنما خالف قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما، فالسنة أصل والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال إن الأصل يخالف نفسه؟ وعلى تقدير التسليم يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فتناول الأصل لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به لجواز استثناء محله عن ذلك الأصل. قال ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسك به في الرد على هذا المقام. وقال ابن السمعاني: متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر لأنه إن وافقه فذاك وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما لأنه رد للخبر بالقياس وهو مردود باتفاق فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف، إلى أن قال: والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة لكنها ليست لازمة لأن السنة الثابتة مقدمة عليها والله تعالى أعلم
    ( ج4/ ص 465)
    أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن والحمل على الحقيقة أولى فلذلك قال يجب رد التمر واللبن معا وشذ بذلك عن الجمهور
    ( ج4/ ص 466)
    قال ابن بطال: فائدة الأمر ببيع الأمة الزانية المبالغة في تقبيح فعلها، والإعلام بأن الأمة الزانية لا جزاء لها إلا البيع أبدا، وأنها لا تبقى عند سيد زجرا لها عن معاودة الزنا، ولعل ذلك يكون سببا لإعفافها إما أن يزوجها المشتري أو يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته.
    ( ج4/ ص 469)
    وقد أخرجه مسلم من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير بلفظ: "لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" . قوله: "ورخص فيه عطاء" أي في بيع الحاضر للبادي، وصله عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الله ابن عثمان أي ابن خثيم عن عطاء بن أبي رباح قال: "سألته عن أعرابي أبيع له فرخص لي "وأما ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم، فأما اليوم فلا بأس. فقال عطاء: لا يصلح اليوم. فقال مجاهد. ما أرى أبا محمد إلا لو أتاه ظئر له من أهل البادية إلا سيبيع له"، فالجمع بين الروايتين عن عطاء أن يحمل قوله هذا على كراهة التنزيه ولهذا نسب إليه مجاهد ما نسب، وأخذ بقول مجاهد في ذلك أبو حنيفة وتمسكوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي، وحمل الجمهور حديث: "الدين النصيحة" على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضى على العام والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلا فلا يدخل في النهي عنده والله أعلم
    ( ج4/ ص 469)
    وفي هذا التفسير تعقب على من فسر الحاضر بالبادي بأن المراد نهى الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئا يحتاج إليه أهل البلد فهذا مذكور في كتب الحنفية. وقال غيرهم: صورته أن يجيء البلد غريب بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلدي فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، فجعلوا الحكم منوطا بالبادي ومن شاركه في معناه. قال وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فالحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع، وهذا تفسير الشافعية والحنابلة، وجعل المالكية البداوة قيدا، وعن مالك لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه، قال فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النهي فالجمهور أنه على التحريم بشرط العلم بالنهي وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع. وزاد بعض الشافعية عموم الحاجة وأن يظهر ببيع ذلك المتاع السعة في تلك البلد، قال ابن دقيق العيد: أكثر هذه الشروط تدور بين اتباع المعنى أو اللفظ، والذي ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر يخصص النص أو يعمم، وحيث يخفي فاتباع اللفظ أولى، فأما اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك فلا يقوي لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه، فإن الضرر الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه،

  19. #159
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    [ 2 ]
    تابع / كتاب البيوع .
    ( ج4/ ص 474)
    وذكر إمام الحرمين في صورة التلقي المحرم أن يكذب في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل، وذكر المتولي فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم، وقد يؤخذ من هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت له ولو لم يكن هناك تلق، لكن صرح الشافعية أن كون إخباره كذبا ليس شرطا لثبوت الخيار وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن فهو المعتبر وجودا وعدما.
    ( ج4/ ص474)
    أن الوصول إلى أول السوق لا يلقى حتى يدخل السوق، وإلى هذا ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم، وصرح جماعة من الشافعية بأن منتهى النهي عن التلقي لا يدخل البلد سواء وصل إلى السوق أم لا، وعند المالكية في ذلك اختلاف كثير في حد التلقي.
    ( ج4/ 474)
    ثم إن مطلق النهي عن التلقي يتناول طول المسافة وقصرها وهو ظاهر إطلاق الشافعية، وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص، ثم اختلفوا فيه فقيل ميل وقيل فرسخان وقيل يومان وقيل مسافة القصر وهو قول الثوري،
    ( ج4/ 475)
    وحد ابتداء التلقي عندهم الخروج من البلد والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق، وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق
    وادعى الطحاوي التعارض في هاتين الروايتين وجمع بينهما بوقوع الضرر لأصحاب السلع وعدمه، قال فيحمل حديث النهي على ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة على ما إذا لم يحصل، ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاري والله أعلم
    ( ج4/ ص 479)
    والصرف بفتح المهملة: دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما وهو قول الجمهور. وخالف فيه ابن عمر ثم رجع، وابن عباس واختلف في رجوعه
    ( ج4/ ص 478)
    وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية "سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد" فذكر القصة والحديث، وفيه: "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهي عنه أشد النهي".
    ( ج4/ ص 483)
    البيع كله إما بالنقد أو بالعرض حالا أو مؤجلا، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف. وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عوضا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة. والحلول في جميع ذلك جائز، وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرا فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول إنها بيع، والله أعلم
    ( ج4/ ص 485)
    ولا خلاف بين الشافعي ومالك ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق مما لم يبلغ خمسة أوسق ولم يثبت عندهم حديث جاب
    ( ج4/ ص 493)
    والعرية فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال: عرى النخل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها،
    وقال مالك: العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة" أي يهبها له أو يهب له ثمرها "ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له" أي للواهب "أن يشتريها" أي يشتري رطبها "منه" أي من الموهوبة له "بتمر" أي يابس،
    والذي في "الأم للشافعي" وذكره عنه البيهقي في "المعرفة" من طريق الربيع عنه قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة فأكتر بخرصه من التمر، بأن يخرص الرطب ثم يقدركم ينقص إذا يبس ثم يشتري بخرصه تمرا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع انتهى
    ( ج4/ ص 496)
    إن صور العرية كثيرة: منها أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر. فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ومنها أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر. نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له. ومنها أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا ولا يحب أكلها رطبا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلا. ومنها أن يبيع الرجل تمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عف له عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها
    ( ج4/ ص 498)
    بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
    وقد اختلف في ذلك على أقوال: فقيل يبطل مطلقا وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. وقيل يجوز مطلقا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضا. وقيل إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك. وقيل يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلا وهو قول أكثر الحنفية. وقيل هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه،
    ( ج4/ ص 499)
    وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا قال: "إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد" وفي رواية أبى حنيفة عن عطاء "رفعت العاهة عن الثمار" والنجم هو الثريا، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار؛ فالمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له، وقد بينه في الحديث بقوله: "ويتبين الأصفر من الأحمر" وروى أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة "سألت ابن عمر عن بيع الثمار فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قلت ومتى ذلك؟ قال: حتى تطلع الثريا" ووقع في رواية ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع خصومة فقال: ما هذا" ؟ فذكر الحديث، فأفاد مع ذكر السبب وقت صدور النهي المذكور
    ( ج4/ ص 500)
    "وتذهب عنه الآفة ببدو صلاحه حمرته وصفرته" وهذا التفسير من قول ابن عمر بينه مسلم في روايته من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر "فقيل لابن عمر ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته" وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع. وحكى النووي في "شرح مسلم:" عنه أنه أوجب شرط القطع في هذه الصورة، وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو صلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. واختلف السلف في قوله: "حتى يبدو صلاحها" هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا جاز بيع ثمرة جميع البساتين وإن لم يبدا الصلاح فيها، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال: والأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا. والثاني قول أحمد، وعنه رواية كالرابع، والثالث قول الشافعية. ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار من غير اشتراط تكامله فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو الشجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة،
    ( ج4/ ص 501)
    وفيه دليل على أن المراد ببدو الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها، وقد بين ذلك في حديث أنس الآتي في الباب بعده "فإذا احمرت وأكل منها أمنت العاهة علها
    ( ج4/ ص 503)
    واستدل الطحاوي بحديث أبي سعيد "أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" أخرجه مسلم وأصحاب السنن، قال: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار وفيهم باعتها ولم يؤخذ الثمن منهم دل على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه والله أعلم.
    ( ج4/ 505)
    والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئا. وروى مسلم من حديث طلحة قال: "مررت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح" الحديث .
    ( ج4/ ص 511)
    المحاقلة" قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل بيع ما في رءوس النخل بالتمر، وعن مالك هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت
    ( ج4/ ص515)
    قال الكرماني: الفرق بين هذه الثلاث يعني قوله: "تابعه" و "قال:" و "رواه" أن المتابعة أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه والرواية إنما تستعمل عند المذاكرة والقول أعم، وما ادعاه من الاتحاد في المتابعة مردود فإنها أعم من أن تكون باللفظ أو بالمعنى، وحصره الرواية في المذاكرة مردود أيضا فإن في هذا الكتاب ما عبر عنه بقوله: "رواه فلان" ثم أسنده هو في موضع آخر بصيغة "حدثنا
    ( ج4/ ص 518)
    قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين. واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام، وحجة من رخص فيه قوله صلى الله عليه وسلم للمشرك "أبيعا أم هبة" ؟ وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وجواز قبول الهدية منه،
    ( ج4/ ص 522)
    قال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال لا يقتال الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة. قال: والجمهور على جواز قتله مطلقا. والخنزير بوزن غربيب ونونه أصلية وقيل زائدة وهو مختار الجوهري. قوله: "وقال جابر حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الخنزير"
    ( ج4/ ص 524)
    وقد أبدى الاسماعيلي في " المدخل " فيه احتمالا آخر في حديث " بلغ عمر ان فلانا باع خمرا..
    وهو أن سمرة علم تحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته وهذا هو الظن به ولم أر في شيء من الأخبار ان سمرة كان واليا لعمر على شيء من اعماله إلا أن ابن الجوزي أطلق أنه كان واليا على البصرة لعمر بن الخطاب وهو وهم فإنما ولي سمرة على البصرة لزياد وابنه عبيد الله بن زياد بعد عمر بدهر وولاة البصرة لعمر قد ضبطوا وليس منهم سمرة
    ( ج4/ ص 525)
    حديث ابن عباس مرفوعا: "من صور صورة فإن الله معذبه" الحديث، وجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح، وسعيد بن أبي الحسن راويه عن ابن عباس هو أخو الحسن البصري وهو أسن منه ومات قبله وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث،
    ( ج4/ ص 532)
    حديث أبي سعيد مرفوعا: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" قاله في سبايا أو طاس أخرجه أبو داود وغيره وليس على شرط الصحيح.
    ( ج4/ ص 531)
    المدبر : الذي علق مالكه عتقه بموت مالكه سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة أو لأن فاعله دبر امر دنياه وآخرته أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده واما آخرته فبتحصيل ثواب العتق
    ( ج4/ ص 535)
    ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السمك والجراد. والأصنام جمع صنم قال الجوهري: هو الوثن. وقال غيره: الوثن ما له جثة، والصنم ما كان مصورا، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فإن كان مصورا فهو وثن وصنم
    ( ج4/ ص 536)
    إن الله ورسوله حرم" هكذا وقع في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد وكان الأصل "حرما" فقال القرطبي: إنه صلى الله عليه وسلم تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين، لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال: "ومن يعصهما" كذا قال، ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك فإن في بعض طرقه في الصحيح "إن الله حرم" ليس فيه و "رسوله" وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث "إن الله ورسوله حرما" وقد صح حديث أنس في النهي عن أكل الحمر الأهلية "إن الله ورسوله ينهيانكم" ووقع في رواية النسائي في هذا الحديث: "ينهاكم" والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أن أمر النبي ناشئ عن أمر الله، وهو نحو قوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، والتقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، وهو كقول الشاعر:
    نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ... دك راض والرأي مختلف
    وقيل أحق أن يرضوه خبر عن الاسمين، لأن الرسول تابع لأمر الله
    ( ج4/ ص 537)
    يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ، واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز. وقال أحمد وابن الماجشون: لا ينتفع بشيء من ذلك، واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق
    (ج4/ ص 537)
    ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو عند الركن "قاتل الله اليهود، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير. والعلة في منع بيع
    الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حملا للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته، وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزي
    ( ج4/ ص 538)
    الأول ثمن الكلب، وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب معلما كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور. وقال مالك لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة. وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا" وإسناده صحيح، وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي" والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله ولذلك خص منه ما أذن
    في اتخاذه، ويدل عليه حديث جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته، وقد وقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم بلفظ: "نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا" يعني مما يصيد وسنده ضعيف، قال أبو حاتم هو منكر
    ( ج4/ ص 539)
    مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهرا مجازا،
    وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا مهر لها، وفي وجه للشافعية يجب للسيد.
    وفيه حديث أبي هريرة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الإماء" زاد أبو داود من حديث رافع بن خديج "نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو" فعرف بذلك النهي والمراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح، وقد روى أبو داود أيضا من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا: "نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها" وقال هكذا بيده نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي نتف الصوف، وقيل المراد بكسب الأمة جميع كسبها وهو من باب سد الذرائع لأنها لا تؤمن إذا ألزمت بالكسب أن تكسب بفرجها،
    حلوان الكاهن، وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب،
    تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير، وهو حرام إجماعا أعني بيع الدم وأخذ ثمنه،
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
    تم تلخيص كتاب " البيوع " من فتح الباري للحافظ ابن حجر
    واسال الله العظيم رب العرش العظيم المزيد من فضله والجزيل من عطائه
    ويليه " كتاب السلم "

  20. #160
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,202

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    [ كتاب السلم ]
    [ 1 ]
    ( ج4/ ص 544)
    أنباط من أنباط الشام ‏"‏ وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام ويقال لهم النبط بفتحتين والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، والأنباط قيل سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة‏.‏
    ( 2 )
    ( ج4/ ص 545)
    استدل بهذا الحديث على صحة السلم إذا لم يذكر مكان القبض، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال مالك وزاد‏:‏ ويقبضه في مكان السلم، فإن اختلفا فالقول قول البائع‏.‏
    وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي‏:‏ لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط في تسليمه مكانا معلوما‏.‏
    واستدل به على جواز السلم فيما ليس موجودا في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول السلم وهو قول الجمهور، ولا يضر انقطاعه قبل المحل وبعده عندهم‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يصح فيما ينقطع قبله، ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله لم ينفسخ البيع عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ، واستدل به على جواز التفرق في السلم قبل القبض لكونه لم يذكر في الحديث، وهو قول مالك إن كان بغير شرط‏.‏
    وقال الشافعي والكوفيون‏:‏ يفسد بالافتراق قبل القبض لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين‏.‏
    ( 3)
    ( ج4/ ص 546)
    قد روى ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بني فلان‏.‏
    قال‏:‏ لا أبيعك من حائط مسمى، بل أبيعك أوسقا مسماة إلى أجل مسمى‏"‏‏.‏
    ونقل ابن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين لأنه غرر
    ( 4 )
    ( ج4/ ج547)
    وروى الدار قطني من حديث ابن عمر رفعه ‏"‏ من أسلف في شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه ‏"‏ وإسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على شرط ينافي مقتضى العقد‏

    انتهى كتاب السلم "
    ويليه كتاب الشفعة
    الحمد لله رب العالمين .

    كتاب الشفعة " ]
    (ج4/ ص 551)
    حكى ابن أبي حاتم عن أبيه ان قوله" فإذا وقعت الحدود فلا شفعة "
    مدرج من كلام جابر وفيه نظر لأن الأصل ان كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها .
    ( ج4/ ص 552)
    ‏قال ابن بطال‏:‏ استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار، وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه، قال‏:‏ وأما قولهم إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا فمردود، فإن كل شيء قارب شيئا قيل له جار، وقد قالوا لامرأة الرجل جارة لما بينهما من المخالطة، انتهى‏.
    ‏وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصا شائعا من منزل سعد، وذكر عمر بن شبة أن سعدا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه‏.‏
    ( ج4/ ص 553)
    اعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا ثم المشارك في الطريق‏.‏
    ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا فيتعين تأويل قوله ‏"‏ أحق ‏"‏ بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك، واحتج من لم يقل بشفعة الجوار أيضا بأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل لمعنى معدوم في الجار وهو أن الشريك ربما دخل عليه شريكه فتأذى به فدعت الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وهذا لا يوجد في المقسوم‏.‏
    ( ج4/ ص 554)
    قال ابن بطال‏:‏ لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية فأخبرها بأن الأقرب أولى، وأجيب بان وجه دخوله في الشفعة أن حديث أبي رافع يثبت شفعة الجوار فاستنبط من حديث عائشة تقديم الأقرب على الأبعد للعلة في مشروعية الشفعة لما يحصل من الضرر بمشاركة الغير الأجنبي بخلاف الشريك في نفس الدار واللصيق للدار

    [ كتاب الإجارة ]
    ( ج4/ ص 555)
    قد روى ابن جرير من طريق شعيب الجبئي بفتح الجيم والموحدة بعدها همزة مقصورا أنه قال‏:‏ اسم المرأة التي تزوجها موسى صفورة واسم أختها ليا، وكذا روي من طريق ابن إسحاق إلا أنه قال‏:‏ اسم أختها شرقا وقيل ليا‏.‏
    وقال غيره إن اسمهما، صفورا وعبرا، وأنهما كانتا توأما، وذكر ابن جرير اختلافا في أن أباهما هل هو شعيب النبي أو ابن أخيه أو آخر اسمه يثرون أو يثرى أقوال لم يرجح منها شيئا‏.‏
    ( ج4/ ص 557)
    كنت ارعاها على قراريط ) قال سويد أحد رواته‏:‏ يعني كل شاة بقيراط، يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم، قال إبراهيم الحربي ‏"‏ قراريط ‏"‏ اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة، وصوبه ابن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره، لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط‏.‏
    وأما ما رواه النسائي من حديث نصر بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون قال ‏"‏ افتخر أهل الإبل وأهل الغنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بجياد ‏"‏ فزعم بعضهم أن فيه ردا لتأويل سويد بن سعيد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله فيتعين أنه أراد المكان فعبر تارة بجياد وتارة بقراريط‏.‏
    وليس الرد يجيد إذ لا مانع من الجمع بين أن يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة
    ( ج4/ ص 558)
    وقال بعضهم‏:‏ لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد، ولذلك جاء في الصحيح ‏"‏ يستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط ‏"‏ وليس الاستدلال لما ذكر من نفي المعرفة بواضح، قال العلماء‏:‏ الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها‏.‏
    ( ج4/ ص 559)
    بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيا كان أو ذميا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك‏.‏
    وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال ‏"‏ لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فدفعها إليهم ‏"‏ الحديث‏.‏
    وفي استشهاده بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر، لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضموما إلى قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إنا لا نستعين بمشرك ‏"‏ أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم ا هـ‏.‏
    ( ج4/ ص 562)
    كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن موسى أجر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه ‏"‏ أخرجه ابن ماجة وفي إسناده ضعف، فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى، وقد أبعد من جوز أن يكون المهر شيئا آخر غير الرعي، وإنما أراد شعيب أن يكون يرعى غنمه هذه المدة ويزوجه ابنته فذكر له الأمرين، وعلق التزويج على الرعية على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة، فاستأجره لرعي غنمه بشيء معلوم بينهما ثم أنكحه ابنته بمهر معلوم بينهما‏.‏
    ( ج4/ ص 568)
    قال البخاري :
    وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا
    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ لَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ
    ( ج4/ ص 570)
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ المسلمون عند شروطهم‏)‏ هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المصنف في مكان آخر، وقد جاء من حديث عمرو بن عوف المزني فأخرجه إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظه وزاد ‏"‏ إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما ‏"‏ وكثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره
    ( ج4/ ص 570)
    ظن ابن التين أن قوله ‏"‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ‏"‏ بقية كلام ابن سيرين فشرح على ذلك فوهم، وقد تعقبه القطب الحلبي ومن تبعه من علمائنا‏.‏
    ( ج4/ ص 571)
    وقال ابن المنير‏:‏ استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 572)
    ‏وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله‏)‏ هذا طرف من حديث وصله المؤلف رحمه الله في الطب، واستدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القيام في الرقى إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب،
    وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود، وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة
    ( ج4/ ص 574)
    كره مالك أخذ الأجرة على عقد الوثائق لكونها من فروض الكفايات، وكره أيضا أجرة القسام، وقيل إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال فكره له أن يأخذ أجرة أخرى، وأشار سحنون إلى الجواز عند فساد أمور بيت المال‏.‏
    _( ج4/ ص 574)
    وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة‏:‏ أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر ضراب الفحل وقسمة الأموال والتعليم ا هـ‏.‏
    وهذا مرسل، وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك يتبرعون بها فلما فشا الشح طلبوا الأجرة فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق فتحمل كراهة من كرهها على التنزيه والله أعلم‏.
    ( ج4/ ص 577)
    ‏جواز الرقية بكتاب الله، ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور مما لا يخالف ما في المأثور، وأما الرقى بما سوى ذلك فليس في الحديث ما يثبته ولا ما ينفيه
    ( ج4/ ص 580)
    احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ‏"‏ وزاد من وجه آخر ‏"‏ ولو علم كراهية لم يعطه ‏"‏ وهو ظاهر في الجواز
    وكأن ابن عباس أشار بذلك إلى الرد على من قال إن كسب الحجام حرام‏.‏
    واختلف العلماء بعد ذلك في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى أنه حلال واحتجوا بهذا الحديث وقالوا‏:‏ هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه‏.‏
    ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حراما ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال‏.‏
    ذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث محيصة أنه ‏"‏ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه، فذكر له الحاجة فقال‏:‏ اعلفه نواضحك ‏"‏ أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات، وذكر ابن الجوزي أن أجر الحجام إنما كره لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرا‏.‏
    وجمع ابن العربي بين قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏كسب الحجام خبيث ‏"‏ وبين إعطائه الحجام أجرته بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ويحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول‏.‏
    وفي الحديث إباحة الحجامة، ويلتحق به ما يتداوى من إخراج الدم وغيره
    ( ج4/ ص 580)
    روى أحمد وابن السكن والطبراني من حديث محيصة بن مسعود أنه ‏"‏ كان له غلام حجام يقال له نافع أبو طيبة فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن خراجه ‏"‏ الحديث، وحكى ابن عبد البر في اسم أبي طيبة أنه دينار، ووهموه في ذلك لأن دينارا الحجام تابعي روى عن أبي طيبة لا أنه اسم أبي طيبة، أخرج حديثه ابن منده من طريق بسام الحجام عن دينار الحجام عن أبي طيبة الحجام قال ‏"‏ حجمت النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الحديث، وبذلك جزم أبو أحمد الحاكم في الكنى أن دينارا الحجام يروي عن أبي طيبة لا أنه أبو طيبة نفسه، وذكر البغوي في الصحابة بإسناد ضعيف أن اسم أبي طيبة ميسرة، وأما العسكري فقال‏:‏ الصحيح أنه لا يعرف اسمه، وذكر ابن الحذاء في رجال ‏"‏ الموطأ ‏"‏ أنه عاس مائة وثلاثا وأربعين سنة

    ( ج4/ ص 581)
    ‏لطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال في قوله‏:‏ ‏(‏ولا تكرهوا فتياتكم‏)‏ قال إماءكم على الزنا، وزاد أن عبد الله بن أبي ‏"‏ أمر أمة له بالزنا فزنت فجاءت ببرد، فقال ارجعي فازني على آخر، فقالت‏:‏ والله ما أنا براجعة فنزلت ‏"‏ وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعا
    واتفقوا على تسميتها معاذة، وروى أبو داود والنسائي من طريق أبي الزبير أنه سمع جابرا قال ‏"‏ جاءت مسيكة أمة لبعض الأنصار فقالت‏:‏ إن سيدي يكرهني على البغاء فنزلت ‏"‏ فالظاهر أنها نزلت فيهما، وزعم مقاتل أنهما معا كانتا أمتين لعبد الله بن أبي وزاد معهن غيرهن، وقوله تعالى ‏(‏إن أردن تحصنا‏)‏ لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب، ويحتمل أن يقال لا يتصور الإكراه إذا لم يردن التعفف لأنهن حينئذ في مقام الاختيار
    ( ج4/ ص 583)
    قد روى النسائي من حديث أبي هريرة ‏"‏ نهى عن عسب التيس ‏"‏ واختلف فيه فقيل هو ممن ماء الفحل وقيل أجرة الجماع، وعلى الأخير جرى المصنف‏.‏
    ويؤيد الأول حديث جابر عند مسلم ‏"‏ نهى عن بيع ضراب الجمل ‏"‏ وليس بصريح في عدم الحمل على الإجارة لأن الإجارة بيع منفعة
    على كل تقدير فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية والحنابلة تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن وابن سيرين ورواية عن مالك قواها الأبهري وغيره، وحمل النهي على ما إذا وقع لأمد مجهول، وأما إذا استأجره مدة معلومة فلا بأس كما يجوز الاستئجار لتلقيح النخل، وتعقب بالفرق لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف التلقيح، ثم النهي عن الشراء والكراء إنما صدر لما فيه من الغرر، وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازه، فإن أهدى للمعير هدية من المستعير بغير شرط جاز‏.‏
    وللترمذي من حديث أنس ‏"‏ أن رجلا من كلاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل فنهاه، فقال‏:‏ يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة ‏"‏ ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي كبشة مرفوعا ‏"‏ من أطرق فرسا فأعقب كان له كأجر سبعين فرسا‏"‏‏.‏
    ( ج4/ ص 584)
    وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الْإِجَارَةَ بَعْدَمَا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
    َوالغرض منه هنا الاستدلال على عدم فسخ الإجارة بموت أحد المتآجرين، وهو ظاهر في ذلك، وقد أشار إليه بقوله ‏"‏ ولم يذكر أبا بكر جدد الإجارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم

    !!
    كتاب الحوالة
    ( ج4/ ص 585)
    قال الحسن وشريح وزفر‏:‏ الحوالة كالكفالة فيرجع على أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة‏.‏
    وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقا، واحتج الشافعي بأن معنى قول الرجل أحلته وأبرأني حولت حقه عني وأثبته على غيري‏.‏
    وذكر أن محمد بن الحسن احتج لقوله بحديث عثمان أنه قال في الحوالة أو الكفالة ‏"‏ يرجع صاحبها لا توى ‏"‏ أي لا هلاك ‏"‏ على مسلم ‏"‏ قال فسألته عن إسناده فذكره عن رجل مجهول عن آخر معروف لكنه منقطع بينه وبين عثمان فبطل الاحتجاج به من أوجه
    ( ج4/ ص 587)
    ال الكرماني‏:‏ الملي كالغني لفظا ومعنى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك فقد قال الخطابي أنه في الأصل بالهمز ومن رواه بتركها فقد سهله، والأمر في قوله فليتبع للاستحباب عند الجمهور، ووهم من نقل فيه الإجماع، وقيل هو أمر إباحة وإرشاد وهو شاذ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على ظاهره، وعبارة الخرقي ‏"‏ ومن أحيل بحقه على ملئ فواجب عليه أن يحتال‏"‏‏.
    ( ج4/ ص 587)
    ‏دعى الرافعي أن الأشهر في الروايات ‏"‏ وإذا أتبع ‏"‏ وأنهما جملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وزعم بعض المتأخرين أنه لم يرد إلا بالواو، وغفل عما في صحيح البخاري هنا فإنه بالفاء في جميع الروايات، وهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة، أي إذا كان المطل ظلما فليقبل من يحتال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم فلا يمطل‏.‏
    نعم رواه مسلم بالواو وكذا البخاري في الباب الذي بعده لكن قال ‏"‏ ومن أتبع "
    ( ج4/ ص 588)
    استنبط منه أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر، قال الشافعي‏:‏ لو جازت مؤاخذته لكان ظالما، والفرض أنه ليس بظالم لعجزه‏.‏
    وقال بعض العلماء‏:‏ له أن يحبسه‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ له أن يلازمه‏.‏
    واستدل به على أن الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالا لا رجوع له كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع‏.‏
    وقال الحنفية يرجع عند التعذر، وشبهوه بالضمان، واستدل به على ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدين والتوصل إليه بكل طريق وأخذه منه قهرا،
    ( ج4/ ص 589)
    محمد بن يوسف لا قرابة بينه وبين عبد الله بن يوسف، فمحمد هو ابن يوسف ابن واقد بن عثمان الفريابي صاحب سفيان الثوري، وعبد الله هو ابن يوسف بن عبد الله التنيسي صاحب مالك، ولم يلق الفريابي مالكا ولا التنيسي سفيان والله أعلم‏.
    ( ج4/ ص 590)
    ‏الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء

    كتاب الكفالة "
    ( ج4/ ص 592)
    قال ابن المنير‏:‏ أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنفس قال بها الجمهور ولم يختلف من قال بها أن المكفول بحد أو قصاص إذا غاب أو مات أن لا حد على الكفيل بخلاف الدين، والفرق بينهما أن الكفيل إذا أدى المال وجب له على صاحب المال مثله‏.‏
    ( ج4/ ص 593)
    قال البخاري : رأيت في ‏"‏ مسند الصحابة الذين نزلوا مصر ‏"‏ لمحمد بن الربيع الجيزي بإسناد له فيه مجهول عن عبد الله ابن عمرو بن العاص يرفعه ‏"‏ أن رجلا جاء إلى النجاشي فقال له أسلفني ألف دينار إلى أجل، فقال من الحميل بك‏؟‏ قال‏:‏ الله، فأعطاه الألف، فضرب بها الرجل - أي سافر بها - في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسته الريح، فعمل تابوتا ‏"‏ فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة، واستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي، فيجوز أن تكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم‏.
    ( ج4/ ص 593)
    التحدث عما كان في بني إسرائيل وغيرهم من العجائب للاتعاظ والاتساء،
    ( ج4/ ص 595)
    ن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعا، فيلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التطوع، وروى أبو داود في الناسخ من طريق يزيد النحوي عن عكرمة في هذه الآية‏:‏ كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله تعالى ‏(‏وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏)‏ ثم أورد المصنف حديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع
    ( ج4/ ص 596)
    وذكر عمر بن شبة أن أول حلف كان بمكة حلف الأحابيش أن امرأة من بني مخزوم شكت لرجل من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة تسلط بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عليهم، فأتى قومه فقال لهم‏:‏ ذلت قريش لبني بكر فانصروا إخوانكم، فركبوا إلى بني المصطلق من خزاعة، فسمعت بهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة فاجتمعوا بذنب حبش - بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة - وهو جبل بأسفل مكة، فتحالفوا‏:‏ إنا ليد على غيرنا مارسي حبش مكانه، وكان هذا مبدأ الأحابيش‏.
    ‏قال عبد العزيز بن عمر‏:‏ إنما سموا الأحابيش لتحالفهم عند حبش، ثم أسند عن عائشة أنه على عشرة أميال من مكة‏.‏
    ومن طريق حماد الراوية سموا لتحبشهم أي تجمعهم، قال عمر بن شبة‏:‏ ثم كان حلف قريش وثقيف ودوس، وذلك أن قريشا رغبت في وج وهو من الطائف لما فيه من الشجر والزرع، فخافتهم ثقيف فحالفتهم وأدخلت معهم بني دوس وكانوا إخوانهم وجيرانهم‏.‏
    ثم كان حلف المطيبين وأزد‏.
    ‏وأسند من طريق أبي سلمة رفعه ‏"‏ ما شهدت من حلف إلا حلف المطيبين، وما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم ‏
    قال وحلف الفضول - وهم فضل وفضالة ومفضل - تحالفوا‏.‏
    فلما وقع حلف المطيبين بين هاشم والمطلب وأسد وزهرة قالوا حلف كحلف الفضول، وكان حلفهم أن لا يعين ظالم مظلوما بمكة، وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة محصلها أن القادم من أهل البلاد كان يقدم مكة فربما ظلمه بعض أهلها فيشكوه إلى من بها من القبائل فلا يفيد، فاجتمع بعض من كان يكره الظلم ويستقبحه إلى أن عقدوا الحلف، وظهر الإسلام وهم على ذلك،
    ( ج4/ ص 597)
    واختلف الصحابة في الحد الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والإسلام، فقال ابن عباس‏:‏ ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلي وما بعدها إسلامي‏.‏
    وعن علي ما كان قبل نزول ‏(‏لإيلاف قريش‏)‏ جاهلي‏.‏
    وعن عثمان‏:‏ كل حلف كان قبل الهجرة جاهلي، وما بعدها إسلامي‏.‏
    وعن عمر‏:‏ كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود وكل حلف بعدها منقوض،

    كتاب الوكالة
    ( ج4/ ص 605)
    الوكالة : في الشرع إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقا أو مقيدا‏.
    قال ابن المنذر‏:‏ توكيل المسلم حربيا مستأمنا، وتوكيل الحربي المستأمن مسلما لا خلاف في جوازه‏.‏
    قال ابن المنذر أجمعوا على أن الوكالة في الصرف جائزة حتى لو وكل رجلا يصرف له دراهم ووكل آخر يصرف له دنانير فتلاقيا وتصارفا صرفا معتبرا بشرطه جاز ذلك‏.‏
    ( ج4/ ص 607)
    استدل به على تصديق المؤتمن على ما أتمن عليه ما لم يظهر دليل الخيانة، وعلى أن الوكيل إذا أنزى على إناث الماشية فحلا بغير إذن المالك حيث يحتاج إلى ذلك فهلكت أنه لا ضمان عليه‏.
    قال ابن بطال‏:‏ أخذ الجمهور بجواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر، ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور واعتمد في الجواز حديث الباب قال‏:‏ وقد اتفق الصحابة على جواز توكيل الحاضر بغير شرط قال‏:‏ ووكالة الغائب مفتقرة إلى قبول الوكيل الوكالة باتفاق وإذا كانت مفتقرة إلى قبول فحكم الغائب والحاضر سواء‏.‏
    ( ج4/ ص 608)
    قال ابن بطال‏:‏ كان الوفد رسلا من هوازن، وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم، فشفعهم النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، فإذا طلب الوكيل أو الشفيع لنفسه ولغيره فأعطى ذلك فحكمه حكمهم‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ فيه أن إقرار الوكيل على موكله مقبول‏.‏
    لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيده أبو حنيفة ومحمد بالحاكم‏.‏
    وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى‏:‏ لا يصح إقرار الوكيل على الموكل‏.‏
    وليس في الحديث حجة للجواز لأن العرفاء ليسوا وكلاء وإنما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حق من هو حاكم عليه والله أعلم‏.‏
    ( ج4/ ص 616)
    أن الشيطان قد يعلم ما ينتفع به المؤمن، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها وتؤخذ عنه فينتفع بها، وأن الشخص قد يعلم الشيء ولا يعمل به وأن الكافر قد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ولا يكون بذلك مؤمنا، وبأن الكذاب قد يصدق، وبأن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى ‏(‏إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم‏)‏ مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها، وأن من أقيم في حفظ شيء سمى وكيلا، وأن الجن يأكلون من طعام الإنس، وأنهم يظهرون للإنس لكن بالشرط المذكور، وأنهم يتكلمون بكلام الإنس، وأنهم يسرقون ويخدعون،
    ( ج4/ ص 619)
    وروى ابن منده من حديث مروان بن قيس السلمي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل سكران يقال له نعيمان فأمر به فضرب ‏"‏ الحديث، وهو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري ممن شهد بدرا وكان مزاحا‏

    تم بحمد الله تلخيص المجلد الرابع من فتح الباري
    بفضل من الله ونعمة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    بتاربخ 5/ ربيع الأول / 1441 ه 2/ 11/ 2019 م
    ويليه كتاب " الحرث والمزارعة "

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •