[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 15
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 15 من 15 الأولىالأولى ... 56789101112131415
النتائج 281 إلى 286 من 286
30اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #281
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم : الأثنين
    الموافق : 8/ شعبان / 1442 هجري
    الموافق : 22/ مارس / 2021 ميلادي

    تابع / المجلد السابع عشر "


    130
    وَذكر فِي (كتاب شرف الْمُصْطَفى) أَن الَّذين قتلوا كَعْب بن الْأَشْرَف حملُوا رَأسه فِي مخلاة إِلَى
    لْمَدِينَة، فَقيل: إِنَّه أول رَأس حمل فِي الْإِسْلَام، وَقيل: أول رَأس حمل رَأس عَمْرو بن الْحمق، وَقيل: رَأس أبي عزة الجُمَحِي الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ.
    (17/138)
    وَأحد جبل من جبال الْمَدِينَة على أثل من فَرسَخ مِنْهَا، سمي أحد لتوحده وانقطاعه عَن جبال أخر هُنَاكَ، وَقَالَ السُّهيْلي: وَفِيه قبر هَارُون بن عمرَان، وَبِه قبض. وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، مرا بِهِ حاجين أَو معتمرين، وَفِي الْآثَار المسندة: أَنه يَوْم الْقِيَامَة عِنْد بَاب الْجنَّة من داخلها، وَفِي بَعْضهَا: أَنه ركن لبابها، ذكره ابْن سَلام فِي (تَفْسِيره) وَفِي (الْمسند) من حَدِيث أبي عِيسَى بن جُبَير مَرْفُوعا: أحد جبل يحبنا ونحبه، وَكَانَ على بَاب الْجنَّة، وَقَالَ السُّهيْلي: وَيُقَال لأحد ذُو عينين، وعينان تَثْنِيَة عين، جبل بِأحد وَهُوَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة، وَيَوْم أحد، وَقَالَ: إِن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قد قتل، وَبِه أَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّمَاة يَوْم أحد.
    .....
    (17/155)
    وَذكر ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي عَاصِم ابْن عمر عَن مَحْمُود بن لبيد، قَالَ: كَانَ الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة وثابت بن وقش شيخين كبيرين فَتَركهُمَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فرغبا فِي الشَّهَادَة فأخذا سيفيهما ولحقا بِالْمُسْلِمين بعد الْهَزِيمَة، فَلم يعرفوا بهما، فَأَما ثَابت فَقتله الْمُشْركُونَ، وَأما الْيَمَان فاختلفت عَلَيْهِ أسياف الْمُسلمين فَقَتَلُوهُ وَلَا يعرفونه، وَقَالَ ابْن سعد: إِن الَّذِي قتل الْيَمَان خطأ عتبَة بن مَسْعُود أَخُو عبد الله بن مَسْعُود، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، قَالَ حُذَيْفَة: قتلتم أبي قَالُوا: وَالله مَا عَرفْنَاهُ وَصَدقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَة: يغْفر الله لكم فَأَرَادَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَدَيْهِ فَتصدق حُذَيْفَة بديته على الْمُسلمين فزاده ذَلِك عِنْد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا، وَالْعجب من ابْن التِّين حَيْثُ يَقُول: وَلم يذكر فِي الحَدِيث الدِّيَة فِي قتل الْيَمَان وَالْكَفَّارَة، فَأَما لم تفرض حِينَئِذٍ أَو اكْتفى بِعلم السَّامع، وَلَو اطلع على مَا ذكرنَا لما أغرب فِي كَلَامه.
    .........ز
    (160 )
    بأمير الْمُؤمنِينَ حدث بعد ذَلِك، وَأول من لقب بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذَلِكَ بعد قتل مُسَيْلمَة بِمدَّة. انْتهى. قلت: قَالَ ابْن التِّين: كَانَ مُسَيْلمَة يُسمى تَارَة بِالنَّبِيِّ وَتارَة بأمير الْمُؤمنِينَ، ورد عَلَيْهِ هَذَا الْقَائِل بقوله: فَإِن كَانَ يَعْنِي ابْن التِّين أَخذه من هَذَا الحَدِيث فَلَيْسَ بجيد، وإلاَّ فَيحْتَاج إِلَى نقل بذلك. انْتهى. قلت: قَوْله: لَيْسَ بجيد، غير جيد، لِأَن فِي الحَدِيث التَّصْرِيح بذلك، لِأَنَّهَا إِنَّمَا قَالَت بذلك لما رَأَتْ أَن أُمُور أَصْحَابه كلهَا كَانَت إِلَيْهِ، فَلذَلِك أطلقت عَلَيْهِ الإمرة، وَأما نسبتها إِلَى الْمُؤمنِينَ فباعتبار أَنهم كَانُوا آمنُوا بِهِ فِي زعمهم الْبَاطِل، وَقَوله: أول من لقب بِهِ عمر، لَا يُنَافِي ذَلِك، لِأَن هَذِه الأولية بِالنّظرِ إِلَى أبي بكر حَيْثُ لم يطلقوا عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ، اكْتِفَاء بِلَفْظ الْخلَافَة، وَمَعَ هَذَا كَانَ هُوَ أَيْضا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
    .....
    (162)
    وَلما تولى أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخلَافَة بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أرسل جَيْشًا إِلَى قتال مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة، وَجعل خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمِيرا عَلَيْهِم، وقصته طَوِيلَة، وملخصها أَن خَالِدا لما قرب من مُسَيْلمَة وتواجه الْفَرِيقَانِ وَقع حَرْب عَظِيم وصبر الْمُسلمُونَ صبرا لم يعْهَد مثله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم، وَولى الْكفَّار الأدبار وَدخل أَكْثَرهم الحديقة وأحاط بهم الصَّحَابَة، ثمَّ دخلوها من حيطانها وأبوابها فَقتلُوا من فِيهَا من الْمُرْتَدَّة من أهل الْيَمَامَة حَتَّى خلصوا إِلَى مُسَيْلمَة لَعنه الله فَتقدم إِلَيْهِ وَحشِي بن حَرْب قَاتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَمَاهُ بِحَرْبَة فأصابته وَخرجت من الْجَانِب الآخر، وسارع إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَة سماك بن حَرْب فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَسقط، وَكَانَ جملَة من قتلوا فِي الحديقة وَفِي المعركة قَرِيبا من عشرَة آلَاف مقَاتل، وَقيل: أحد وَعِشْرُونَ ألفا، وَقتل من الْمُسلمين سِتّمائَة، وَقيل: خَمْسمِائَة، وَالله أعلم. وَفِيهِمْ من الصَّحَابَة سَبْعُونَ رجلا، وَيُقَال: كَانَ عمر مُسَيْلمَة يَوْم قتل مائَة وَأَرْبَعين سنة.
    ..........
    (170 )
    فأمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمِ القُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كانُوا يَحْتَطِبُونَ بالنَّهَارِ ويُصَلُّونَ باللَّيْلِ حتَّى كانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قتَلُوهُمْ وغَدَرُوا بِهِمْ فبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذالِكَ فقَنَتَ شَهْرَاً يَدْعُو فِي الصُّبْحِ علَى أحْيَاءٍ مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ علَى رِعْلٍ وذَكْوَانَ وعُصَيَّةَ وبَنِي لَحْيَانَ قَالَ أنَسٌ فقَرَأنَا فِيهِمْ قُرْآنَاً ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وأرْضَانَا. .
    (وَبني لحيان) ، قيل: ذكر بني لحيان فِي هَذِه الْقِصَّة وهمٌ وَإِنَّمَا كَانَ بَنو لحيان فِي قصَّة خبيب فِي قصَّة الرجيع
    قَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون كَانَ يُتْلَى ثمَّ نسخ رسمه، أَو كَانَ النَّاس يكثرون ذكره وَهُوَ من الْوَحْي ثمَّ تقادم حَتَّى صَار لَا يذكر إلاَّ خَبرا.
    وَفِي (شرف الْمُصْطَفى) : لما أُصِيب أهل بِئْر مَعُونَة جَاءَت الْحمى إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إذهبي إِلَى رعل وذكوان وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله، فَاتَتْهُمْ فقتلت مِنْهُم سَبْعمِائة رجل لكل رجل من الْمُسلمين عشرَة.

    .......
    (177)
    وَقَالَ قَتَادَة فِيمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ: كَانَ الْمُشْركُونَ أَرْبَعَة آلَاف أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك، وَالصَّحَابَة فِيمَا بلغنَا ألف، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: فَلَمَّا سمع بهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن هِشَام: يُقَال: إِن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي: أول من حفر الخَنْدَق بَنو جهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فَعمل فِيهِ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ترغيباً للْمُسلمين فِي الْأجر وَعمل مَعَه الْمُسلمُونَ.
    .......
    (185)
    حبيب ابْن مسلمة) بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: ابْن مَالك الْأَكْبَر ابْن وهب بن ثَعْلَبَة بن وَاثِلَة بن شَيبَان بن محَارب بن فهر بن مَالك الْقرشِي الفِهري، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، يُقَال لَهُ: حبيب الرّوم، لِكَثْرَة دُخُوله إِلَيْهِم ونيله مِنْهُم، وولاه عمر الجزيرة إِذْ عزل
    عَنْهَا عِيَاض بن غنم، وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: كَانَ حبيب بن مسلمة فَاضلا مجاب الدعْوَة، مَاتَ بالأرمينية سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
    ......
    (188)
    وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذمّ السجع حَيْثُ قَالَ مُنكر: أسجع كسجع الْكُهَّان؟ قلت: الْمُنكر والمذموم السجع الَّذِي يَأْتِي بالتكلف وبالتزام مَا لَا يلْزم، وسجعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من السجع الْمَحْمُود لِأَنَّهُ جَاءَ بانسجام واتفاق على مُقْتَضى السجية، وَكَذَلِكَ وَقع مِنْهُ فِي أدعية كَثِيرَة من غير قصد لذَلِك وَلَا اعْتِمَاد إِلَى وُقُوعه مَوْزُونا مقفًى بِقَصْدِهِ إِلَى القافية.
    .............
    (190)
    الْعَصْر) كَذَا وَقع فِي جمع نسخ البُخَارِيّ، وَوَقع فِي جَمِيع النّسخ عِنْد مُسلم: الظّهْر، مَعَ اتِّفَاق البُخَارِيّ وَمُسلم على رِوَايَته عَن شيخ وَاحِد بِإِسْنَاد وَاحِد، وَوَافَقَ مُسلما أَبُو يعلى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن سعد عَن أبي غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل عَن جوَيْرِية بِلَفْظ: الظّهْر، وَابْن حبَان من طَرِيق أبي غَسَّان كَذَلِك، وَأَصْحَاب الْمَغَازِي كلهم مَا ذكرُوا إلاَّ الْعَصْر، وَكَذَلِكَ أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق أبي حَفْص السّلمِيّ عَن جوَيْرِية، فَقَالَ: الْعَصْر، وَجمع بَين الرِّوَايَتَيْن ِ بِوُجُوه:
    الأول: بِاحْتِمَال أَن يكون قبل الْأَمر كَانَ صلى الظّهْر وَبَعْضهمْ لم يصلها، فَقَالَ لمن لم يصلها، لَا يصلين أحد الظّهْر، وَلمن صلاهَا: لَا يصلين أحد الْعَصْر
    انِي: بِاحْتِمَال أَن تكون طَائِفَة مِنْهُم راحت بعد طَائِفَة، فَقَالَ للطائفة الأولى: الظّهْر، وللطائفة الَّتِي بعْدهَا: الْعَصْر.
    الثَّالِث: أَن يكون الِاخْتِلَاف من حفظ بعض الروَاة.

    ......
    (195)
    ذَات الرّقاع، بِكَسْر الرَّاء وبالقاف وبالعين الْمُهْملَة: سميت بذلك لأَنهم رقعوا فِيهَا راياتهم، وَقيل: لِأَن أَقْدَامهم نقبت فَكَانُوا يلقون الْخرق، وَقيل: كَانُوا يلقون الْخرق فِي الخر وَقيل: سميت بذلك لشَجَرَة هُنَاكَ تسمى: ذَات الرّقاع، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: سميت بذلك لجبل فِيهِ بقع حمر وبيض وسود، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: ثمَّ أَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ بعد غَزْوَة بني النَّضِير شَهْري ربيع وَبَعض جُمَادَى، ثمَّ غزا نجداً يُرِيد بني محَارب وَبني ثَعْلَبَة من غطفان، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر، وَقَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: عُثْمَان بن عَفَّان، ثمَّ سَار حَتَّى نزل نجداً وَهِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، فلقي بهَا جمعا من غطفان فتقارب النَّاس وَلم يكن بَينهم حَرْب، وَقد أَخَاف الله النَّاس بَعضهم بَعْضًا حَتَّى صلى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة الْخَوْف، وَالْحَاصِل أَن غَزْوَة ذَات الرّقاع عِنْد ابْن إِسْحَاق كَانَت بعد بني النَّضِير وَقبل الخَنْدَق سنة أَربع، وَعند ابْن سعد وَابْن حبَان: أَنَّهَا كَانَت فِي الْمحرم سنة خمس، وَمَال البُخَارِيّ إِلَى أَنَّهَا كَانَت بعد خَيْبَر

  2. #282
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم : الجمعة
    الموافق : 12/ شعبان / 1442 هجري
    الموافق : 26/ مارس / 2021 ميلادي

    " ختم المجلد السابع عشر " من " عمدة القاري " للحافظ بدر الدين العيني رحمه الله


    (197)
    وَفِي (المعجم الْأَوْسَط) للطبراني: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ مُحَمَّد ابْن طَلْحَة: كَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع تسمى غَزْوَة الْأَعَاجِيب.
    ......
    (195)
    إِن بعض الْعلمَاء حملُوا اخْتِلَاف الصِّفَات فِي صَلَاة الْخَوْف على اخْتِلَاف الْأَحْوَال، وَبَعْضهمْ حملوها على التَّوَسُّع والتخيير،
    .....
    (198)
    شَارَ إِلَى أَن رِوَايَات جَابر متفقة على أَن الْغَزْوَة الَّتِي وَقعت فِيهَا صَلَاة الْخَوْف هِيَ غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن سِيَاق رِوَايَة هِشَام عَن أبي الزبير هَذِه تدل على أَنه حَدِيث آخر فِي غَزْوَة أُخْرَى. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ ذكر فِيمَا مضى عَن قريب عَن جَابر: خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذَات الرّقاع من نخل فلقي جمعا من غطفان ...
    ......
    (198)
    وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن سَبَب غَزْوَة ذَات الرّقاع هُوَ أَن أَعْرَابِيًا قدم من حلب إِلَى الْمَدِينَة، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت نَاسا من بني ثَعْلَبَة وَمن بني أَنْمَار قد جمعُوا لكم جموعاً فَأنْتم فِي غَفلَة عَنْهُم، فَخرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَرْبَعمِائَة، وَيُقَال: سَبْعمِائة، فعلى هَذَا غَزْوَة بني أَنْمَار متحدة مَعَ غَزْوَة بني محَارب وثعلبة، وَهِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وأنمار، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وبالراء: قَبيلَة من بجيلة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْجِيم.
    .....
    (210)
    قَوْله: (مُسلما) بِكَسْر اللَّام الْمُشَدّدَة، كَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: مُسلما، بِفَتْح اللاَّم، فَالرِّوَايَة الأولى من التَّسْلِيم بِمَعْنى تَسْلِيم الْأَمر بِمَعْنى السُّكُوت، وَالثَّانيَِة من السَّلامَة من الْخَوْض فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى: مسيئاً، يَعْنِي من الْإِسَاءَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ بعد، ورد عَلَيْهِ بِأَن عياضاً ذكر أَنه النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَن البُخَارِيّ بِلَفْظ مسيئاً وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي. قلت: الظَّاهِر أَن نِسْبَة هَذِه اللَّفْظَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَيْثُ إِنَّه لم يقل مثل مَا قَالَ أُسَامَة بن زيد: أهلك، وَلَا نعلم إلاَّ خيرا، بل قَالَ: لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء
    سواهَا كثير، وَمن هَذَا أَن بعض الغلاة من الناصبية تقربُوا إِلَى بني أُميَّة بِهَذِهِ اللَّفْظَة، فجزى الله تَعَالَى الزُّهْرِيّ خيرا حَيْثُ بَين للوليد بن عبد الْملك مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
    الَ الزُّهْرِيّ: قَالَت عَائِشَة: قَالَ عَليّ بِلَفْظ مُسلما، لَا بِلَفْظ: مسيئاً، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِك وَقعت مَعَ هِشَام بن يُوسُف فِيمَا أَحسب، وَذَلِكَ أَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَن معمر فخالفه، فَرَوَاهُ بِلَفْظ: مسيئاً. قلت: الَّذِي فسره الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب، أَلا يرى أَن الْأصيلِيّ لما رَوَاهُ بِلَفْظ: مُسلما، قَالَ: كَذَا قرأناه؟ وَالله أعلم.
    ........
    (215)
    (أَنْتُم خير أهل الأَرْض) ، هَذَا يدل صَرِيحًا على فضل أهل الشَّجَرَة، وهم الَّذين بَايعُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا، وهم أهل بيعَة الرضْوَان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَلم يرد دُخُول نَفسه فيهم، وَاحْتج بِهِ بعض الشِّيعَة فِي تَفْضِيل عَليّ على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَن عليا كَانَ حَاضرا وَعُثْمَان كَانَ غَائِبا بِمَكَّة، ورد بِأَن عُثْمَان كَانَ فِي حكم من دخل تَحت الْخطاب لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَايع عَنهُ وَهُوَ غَائِب، فَدخل عُثْمَان فيهم، وَلم يقْصد فِي الحَدِيث تَفْضِيل بَعضهم على بعض، وَاحْتج بِهِ بَعضهم على أَن الْخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، لِأَنَّهُ لَو كَانَ حَيا مَعَ ثُبُوت كَونه نَبيا للَزِمَ تَفْضِيل غير النَّبِي على النَّبِي، وَهَذَا بَاطِل، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بحي حِينَئِذٍ، وَأجَاب من زعم أَنه نَبِي وَأَنه حَيّ بِثُبُوت الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة على نبوته، وَأَنه كَانَ حَاضرا مَعَهم، وَلم يقْصد تَفْضِيل بعض على بعض، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي الْبَحْر، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا جَوَاب سَاقِط. قلت: لَا نسلم سُقُوطه لعدم الْمَانِع من ذَلِك، وَادّعى ابْن التِّين أَنه حَيّ وَبنى عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بِنَبِي
    لدُخُوله فِي عُمُوم من فضل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الشَّجَرَة عَلَيْهِم، ورد عَلَيْهِ بِأَن إِنْكَاره نبوة خضر غير صَحِيح لما ذكرنَا، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (تاريخنا الْكَبِير) . وَزعم ابْن التِّين أَيْضا أَن إلْيَاس، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، وَبِنَاء على قَول من زعم أَنه حَيّ. قلت: لم يَصح أَنه كَانَ حَيا حِينَئِذٍ، وَلَئِن سلمنَا حَيَاته حِينَئِذٍ فَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حق الْخضر، وَأما نفي نبوته فَبَاطِل لِأَن الْقُرْآن نطق بِأَنَّهُ {كَانَ من الْمُرْسلين} فَلَا يُمكن أَن يكون مُرْسلا وَهُوَ غير نَبِي
    ......
    (221 )
    عبد الله بن زيد ابْن عَاصِم عَم عباد بن تَمِيم الْأنْصَارِيّ الْمَازِني البُخَارِيّ الَّذِي قتل مُسَيْلمَة وَقتل هُوَ يَوْم الْحرَّة، وَهُوَ صَاحب حَدِيث الْوضُوء، وَغلط ابْن عُيَيْنَة فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أرِي الْأَذَان.
    .....
    "
    .............
    (246)
    قَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) : أَجمعُوا على أَن الْمُتْعَة نِكَاح لَا إِشْهَاد فِيهِ، وَأَنه نِكَاح إِلَى أجل تقع فِيهِ الْفرْقَة بِلَا طَلَاق وَلَا مِيرَاث بَينهمَا، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ حكم الزَّوْجَات فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُوله. انْتهى. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) : اتّفق الْعلمَاء على أَن هَذِه الْمُتْعَة كَانَت نِكَاحا إِلَى أجل لَا مِيرَاث فِيهِ وفراقها يحصل بِانْقِضَاء الْأَجَل من غير طَلَاق، وَإِذا تقرر أَن نِكَاح الْمُتْعَة هُوَ الموقت فَلَو أقته بِمدَّة تعلم بِمُقْتَضى الْعَادة أَنَّهُمَا لَا يعيشان إِلَى انْقِضَاء أجلهَا كمائتي سنة وَنَحْوهَا فَهَل يبطل لوُجُود التَّأْقِيت، أَو يَصح لِأَنَّهُ زَالَ مَا كَانَ يخْشَى من انْقِطَاع النِّكَاح بِغَيْر طَلَاق، وَمن عدم الْمِيرَاث بَين الزَّوْجَيْنِ أطلق الْجُمْهُور عدم الصِّحَّة، فَإِن قلت: هَل ذهب أحد إِلَى جَوَازهَا؟ قلت: ادّعى فِيهِ غير وَاحِد من الْعلمَاء الْإِجْمَاع، وَقَالَ الْخطابِيّ فِي (المعالم) : كَانَ ذَلِك مُبَاحا فِي صدر الْإِسْلَام ثمَّ حرم، فَلم يبْق الْيَوْم فِيهِ خلاف بَين الْأَئِمَّة إلاَّ شَيْئا ذهب إِلَيْهِ بعض الروافض، قَالَ: وَكَانَ ابْن عَبَّاس يتَأَوَّل فِي إِبَاحَته للْمُضْطَر بطول الغربة وَقلة الْيَسَار وَالْجدّة، ثمَّ توقف عَنهُ وَأمْسك عَن الْفَتْوَى بِهِ. وَقَالَ أَبُو بكر الْحَازِمِي: يرْوى عَن ابْن جريج جَوَازه، وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (الْمعلم) : تقرر الْإِجْمَاع على مَنعه وَلم يُخَالف فِيهِ إلاَّ طَائِفَة من المبتدعة، وَقَالَ صَاحب (الْمُفْهم) : أجمع السّلف وَالْخلف على تَحْرِيمهَا إلاَّ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه رَجَعَ، وإلاَّ الرافضة، وَحكى أَبُو عمر الْخلاف الْقَدِيم فِيهِ، فَقَالَ: وَأما الصَّحَابَة فَإِنَّهُم اخْتلفُوا فِي نِكَاح الْمُتْعَة، فَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى إجازتها وتحليلها لَا خلاف عَنهُ فِي ذَلِك، وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابه مِنْهُم: عَطاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس، قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا تحليلها وإجازتها عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن عبد الله، قَالَا: تَمَتعنَا إِلَى نصف من خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى نهى عمرُ النَّاسَ عنهَا فِي شَأْن عَمْرو بن حُرَيْث، وَنِكَاح الْمُتْعَة قبل التَّحْرِيم هَل كَانَ مُطلقًا أَو مُقَيّدا بِالْحَاجةِ وبالأسفار؟ قَالَ الطَّحَاوِيّ: كل هَؤُلَاءِ الَّذين رووا عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِطْلَاقهَا أخبروا أَنَّهَا كَانَت فِي سفر، وَلَيْسَ أحد مِنْهُم أخبر أَنَّهَا كَانَت فِي حضر، وَذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه أَبَاحَهَا لَهُم فِي الْغَزْو. وَقَالَ الْحَازِمِي: وَلم يبلغنَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبَاحَهَا لَهُم وهم فِي بُيُوتهم، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قد ذكر فِي حَدِيث ابْن عمر: أَنَّهَا كَانَت رخصَة فِي أول الْإِسْلَام لمن اضْطر إِلَيْهَا: كالميتة، وَإِذا تقرر أَن نِكَاح الْمُتْعَة غير صَحِيح فَهَل يحد من وطىء فِي نِكَاح مُتْعَة؟ فَأكْثر أَصْحَاب مَالك قَالُوا: لَا يحد لشُبْهَة العقد، وللخلاف الْمُتَقَدّم فِيهِ، وَأَنه لَيْسَ من تَحْرِيم الْقُرْآن، وَلكنه يُعَاقب عُقُوبَة شَدِيدَة. وَقَالَ صَاحب (الْإِكْمَال) : هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ عَن مَالك، وأصل هَذَا عِنْد بعض شُيُوخنَا التَّفْرِيق فِي الْحَد بَين مَا حرمته السّنة أَو حرمه الْقُرْآن، وَأَيْضًا فَالْخِلَاف بَين الْأُصُولِيِّين َ: هَل يَصح الْإِجْمَاع على أحد الْقَوْلَيْنِ بعد الْخلاف أَو لَا ينْعَقد؟ وَحكم الْخلاف باقٍ. قَالَ: وَهَذَا مَذْهَب القَاضِي أبي بكر، وَقَالَ الرَّافِعِيّ مَا ملخصه: إِن صَحَّ رُجُوع ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَجب الْحَد لحُصُول الْإِجْمَاع، وَإِن لم يَصح رُجُوعه فيبنى على أَنه لَو اخْتلف أهل عصر فِي مَسْأَلَة ثمَّ اتّفق مَن بَعدهم على أحد القولي فِيهَا، هَل يصير ذَلِك مجمعا عَلَيْهَا؟ فِيهِ وَجْهَان أصوليان، إِن قُلْنَا: نعم، وَجب الْحَد، وإلاَّ فَلَا، كَالْوَطْءِ فِي سَائِر الْأَنْكِحَة الْمُخْتَلف فِيهَا. قَالَ: وَهُوَ الْأَصَح، وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَ
    .........
    (247)
    قال ابن عبد البر
    لنَّهْي عَن الْمُتْعَة يَوْم خَيْبَر غلط، وَقَالَ السُّهيْلي: النَّهْي عَن الْمُتْعَة يَوْم خَيْبَر لَا يعرفهُ أحد من أهل السّير ورواة الْأَثر، وَقد روى الشَّافِعِي عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نهى يَوْم خَيْبَر عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لم يزدْ على ذَلِك، وَسكت عَن قصَّة الْمُتْعَة لما علم فِيهَا من الِاخْتِلَاف. قلت: قد اخْتلف فِي وَقت النَّهْي عَن نِكَاح الْمُتْعَة: هَل كَانَ زمن خَيْبَر؟ أَو فِي زمن الْفَتْح؟ أَو فِي غَزْوَة أَوْطَاس؟ وَهِي فِي عَام الْفَتْح، أَو فِي غَزْوَة تَبُوك؟ أَو فِي حجَّة الْوَدَاع؟ أَو فِي عمْرَة الْقَضَاء؟ فَفِي رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن ذَلِك زمن خَيْبَر، كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله أَن رجلا سَأَلَ عبد الله بن عمر عَن الْمُتْعَة، فَقَالَ: حرَام. قَالَ: إِن فلَانا يَقُول بهَا: فَقَالَ: وَالله لقد علم أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حرمهَا يَوْم خَيْبَر، وَمَا كُنَّا مسافحين، وَفِي حَدِيث سُبْرَة بن معبد الْجُهَنِيّ عِنْد مُسلم: أَنه أذن فِيهَا فِي فتح مَكَّة، وَفِيه: فَلم أخرج حَتَّى حرمهَا، وَفِي حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع عِنْد مُسلم أَيْضا، أَنه رخص فِيهَا عَام أَوْطَاس ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ نهى عَنْهَا، وَفِي حَدِيث سُبْرَة عِنْد أبي دَاوُد: أَنه نهى عَنْهَا فِي حجَّة الْوَدَاع، وَفِي بعض طرق حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك، ذكره ابْن عبد الْبر، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث جَابر رَوَاهُ الْحَازِمِي فِي كتاب (النَّاسِخ والمنسوخ) وَفِيه يَقُول جَابر بن عبد الله: خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى غَزْوَة تَبُوك، حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد الْعقبَة مِمَّا يَلِي الشَّام، جئن نسْوَة فَذَكرنَا تَمَتعنَا وَهن يجلن فِي رحالنا، أَو قَالَ: يطفن فِي رحالنا، فجاءنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنظر إلَيْهِنَّ، فَقَالَ: من هَؤُلَاءِ النسْوَة؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله نتمتع مِنْهُنَّ. قَالَ: فَغَضب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه وتمعر لَونه وَاشْتَدَّ غَضَبه، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ نهى عَن الْمُتْعَة، فتوادعنا يَوْمئِذٍ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَلم نعد وَلَا نعود لَهَا أبدا فِيهَا، فسميت يَوْمئِذٍ: تَثْنِيَة الْوَدَاع، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن، قَالَ: مَا حلت الْمُتْعَة قطّ إلاَّ ثَلَاثًا فِي عمْرَة الْقَضَاء، مَا حلت قبلهَا وَلَا بعْدهَا.
    وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا الْبَاب
    .................
    (248)
    وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف شَدِيد، وَفِيه أَحَادِيث كَثِيرَة لم نكتبها. قلت: الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث وترجيح بَعْضهَا عِنْد عدم إِمْكَان الْجمع على وُجُوه ذكرهَا الْعلمَاء. فَقَالَ الْمَازرِيّ: لَيْسَ هَذَا تناقضاً لِأَنَّهُ يَصح أَن ينْهَى عَنْهَا فِي زمن ثمَّ ينْهَى عَنْهَا فِي زمن آخر توكيداً، أَو ليشتهر النَّهْي ويسمعه من لم يكن سَمعه أَولا، فَسمع بعض الروَاة النَّهْي فِي زمن، وسَمعه آخَرُونَ فِي زمن آخر، فَنقل كل مِنْهُم مَا سَمعه وأضافه إِلَى زمن سَمَاعه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَاحَهَا لَهُم للضَّرُورَة بعد التَّحْرِيم ثمَّ حرمهَا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَيكون أَنه حرمهَا يَوْم خَيْبَر وَفِي عمْرَة الْقَضَاء، ثمَّ أَبَاحَهَا يَوْم الْفَتْح للضَّرُورَة، ثمَّ حرمهَا يَوْم الْفَتْح أَيْضا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب الْمُخْتَار أَن التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة كَانَا مرَّتَيْنِ، وَكَانَت حَلَالا قبل خَيْبَر ثمَّ حرمت يَوْم خَيْبَر، ثمَّ أبيحت يَوْم فتح مَكَّة وَهُوَ يَوْم أَوْطَاس لاتصالهما، ثمَّ حرمت يَوْمئِذٍ بعد ثَلَاثَة أَيَّام تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَذكر بَعضهم أَنه لَا يعرف شَيْء نسخ مرَّتَيْنِ إلاَّ نِكَاح الْمُتْعَة. قلت: زَاد بَعضهم عَلَيْهِ أَمر تَحْويل الصَّلَاة أَنه وَقع مرَّتَيْنِ، وَزَاد أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ثَالِثا فَقَالَ: نسخ الله الْقبْلَة مرَّتَيْنِ، وَنسخ نِكَاح الْمُتْعَة مرَّتَيْنِ، وأباح أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة مرَّتَيْنِ، وَزَاد أَبُو الْعَبَّاس الْعَوْفِيّ رَابِعا، وَهُوَ الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار، على مَا قَالَه ابْن شهَاب، وروى مثله عَن عَائِشَة، وَزَاد بَعضهم: الْكَلَام فِي الصَّلَاة نسخ مرَّتَيْنِ، حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) وَكَذَلِكَ المخابرة على قَول ابْن الْأَعرَابِي، وَفِي (التَّوْضِيح) : هَذَا أغرب مَا وَقع فِي الشَّرِيعَة، أُبِيح ثمَّ نهى عَنهُ يَوْم خَيْبَر، ثمَّ أُبِيح فِي عمْرَة الْقَضَاء وأوائل الْفَتْح، ثمَّ نهى عَنهُ، ثمَّ أُبِيح، ثمَّ نهى عَنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
    ..............
    (248)
    جوز أكل لحم الْخَيل، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر وَاللَّيْث وَابْن الْمُبَارك، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَالْأسود بن يزِيد وَسَعِيد بن جُبَير، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُؤْكَل لحم الْخَيل، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِي ّ وَأَبُو عبيد، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة} (النَّحْل: 8) . خرج مخرج الامتنان، وَالْأكل من أَعلَى مَنَافِعهَا، والحكيم لَا يتْرك الامتنان بِأَعْلَى النعم ويمتن بأدناها، وَلما روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نهى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن لُحُوم الْخَيل وَالْبِغَال والحمر، فيعارض حَدِيث جَابر، وَالتَّرْجِيح للْمحرمِ. فَإِن قلت: حَدِيث جَابر صَحِيح، وَحَدِيث خَالِد مُتَكَلم فِيهِ اسناداً ومتناً، والاعتماد على أَحَادِيث الْإِبَاحَة لصحتها وَكَثْرَة رِوَايَتهَا. قلت: سَنَد حَدِيث خَالِد جيد، وَلِهَذَا لما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، فَهُوَ حسن عِنْده،
    .....
    (270)
    وَفِي مُرْسل أبي عمرَان الْجونِي: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ عَاده، يَعْنِي: عبد الله، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ أَجله قد حضر فيسر عَلَيْهِ وإلاَّ فاشفه. قَالَ: فَوجدَ خفَّة، فَقَالَ: كَانَ قد رفع مرزبة من حَدِيد، يَقُول: أَنْت كَذَا؟ فَلَو قلت: نعم لقمعني بهَا.
    ....
    (275 )
    وَقَالَ أَبُو عمر: حَاطِب بن أبي بلتعة اللَّخْمِيّ من ولد لخم بن عدي فِي قَول بَعضهم، وَقيل: كَانَ عبدا لعبد الله بن حميد الْمَذْكُور آنِفا بِالْكِتَابَةِ، فَأدى كتابتة يَوْم الْفَتْح، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة، وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِكِتَاب إِلَى الْمُقَوْقس صَاحب مصر والإسكندرية فِي محرم سنة سِتّ بعد الْحُدَيْبِيَة، فَأَقَامَ عِنْده خَمْسَة أَيَّام وَرجع بهدية مِنْهَا مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم وَأُخْتهَا سِيرِين، فَوَهَبَهَا لحسان بن ثَابت، وَبغلته دُلْدُل وَحِمَاره عفير وَعسل وَثيَاب وَغير ذَلِك من الظّرْف، وَقَالَ أَبُو عمر: أهْدى الْمُقَوْقس لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثَلَاث جوارٍ مِنْهُنَّ: أم إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأُخْرَى وَهبهَا لأبي جهم بن حُذَيْفَة الْعَدوي، وَأُخْرَى وَهبهَا لحسان بن ثَابت، ثمَّ بَعثه الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَيْضا إِلَى الْمُقَوْقس فَصَالحهُمْ، فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى دَخلهَا عَمْرو بن الْعَاصِ فنقض الصُّلْح وَقَاتلهمْ وافتتح مصر، وَذَلِكَ فِي سنة عشْرين، وَكَانَ حَاطِب تَاجِرًا يَبِيع الطَّعَام، وَترك يَوْم مَاتَ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار ودراهم وَغير ذَلِك، وروى حَاطِب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: من رَآنِي بعد موتِي فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي حَياتِي، وَمن مَاتَ فِي أحد الْحَرَمَيْنِ يبْعَث فِي الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم لَهُ غير هَذَا الحَدِيث، وَفِي الصَّحَابَة: حَاطِب، أَرْبَعَة سواهُ. قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) وَلم يذكر أَبُو عمر إلاَّ أَرْبَعَة مِنْهُم: خَاطب بن عَمْرو بن عتِيك شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ ، وحاطب بن عَمْرو بن عبد شمس، وحاطب بن الْحَارِث مَاتَ بِأَرْض الْحَبَشَة مُهَاجرا، وحاطب
    بن أبي بلتعة
    ............
    (282 )

    وروى الدَّارَقُطْنِي ّ من رِوَايَة شَبابَة بن سوار عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث:(من رأى مِنْكُم ابْن خطل فليقتله) ، وَاخْتلف فِي قَاتله، وَجزم ابْن إِسْحَاق بِأَن سعيد بن حُرَيْث وَأَبا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ اشْتَركَا فِي قَتله. وَعَن الْوَاقِدِيّ: أَن قَاتله شريك بن عَبدة الْعجْلَاني، وَرجح أَنه أَبُو بَرزَة. وَفِي (التَّوْضِيح) وَفِيه دلَالَة على أَن الْحرم لَا يعْصم من الْقَتْل الْوَاجِب. قلت: إِنَّمَا وَقع قتل ابْن خطل فِي السَّاعَة الَّتِي أحل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا الْقِتَال بِمَكَّة، وَقد صرح بِأَن حرمتهَا عَادَتْ كَمَا كَانَت فَلم يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ لما ذكره، وروى أَحْمد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن تِلْكَ السَّاعَة استمرت من صَبِيحَة يَوْم الْفَتْح إِلَى الْعَصْر
    ...........
    ............
    (288)
    (وَلَا فَارًّا بخربة) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَهِي السّرقَة، كَذَا ثَبت تَفْسِيرهَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَلَا فَارًّا بخربة) يَعْنِي: السّرقَة، وَقَالَ ابْن بطال: الخربة، بِالضَّمِّ: الْفساد، وبالفتح: السّرقَة. وَقَالَ القاضيّ وَقد رَوَاهُ جَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ غير الْأصيلِيّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
    ............
    (288)
    وَقَالَ ابْن التِّين: عبد الله بن ثعلبة هَذَا إِن كَانَ عقل ذَلِك أَو عقل عَنهُ كلمة كَانَت لَهُ صُحْبَة، وَإِن لم يعقل عَنهُ شَيْئا كَانَت لَهُ تِلْكَ فَضِيلَة، وَهُوَ من الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين. قلت: أغرب ابْن التِّين فِي هَذَا، وَقد ذكرُوا أَن لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
    .....
    (289)
    مُحَمَّد بن مُسلم، وسنين، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، وَقيل: بتَشْديد الْيَاء، ويكنى بِأبي جميلَة، بِفَتْح الْجِيم الضمرِي، وَيُقَال: السّلمِيّ، ذكره ابْن مَنْدَه وَابْن حبَان وَغَيرهمَا فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الِاسْتِيعَاب) : قَالَ مَالك بن شهَاب: أَخْبرنِي سِنِين أَبُو جميلَة أَنه أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفَتْح، وَقَالَ غَيره: وَحج مَعَه حجَّة الْوَدَاع، وَيرد بِهَذَا قَول ابْن الْمُنْذر: أَبُو جميلَة رجل مَجْهُول، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد قَالَه الشَّافِعِي أَيْضا وَقَالَ بَعضهم بعد قَوْله: عَن سِنِين، تقدم ذكره فِي الشَّهَادَات بِمَا يُغني عَن إِعَادَته. قلت: لم يغن ذكره فِي الشَّهَادَات عَن إِعَادَته هُنَا أصلا، لِأَن الْمَذْكُور فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب إِذا زكى رجل رجلا كَفاهُ، وَقَالَ أَبُو جميلَة: وجدت مَنْبُوذًا فَلَمَّا رأى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: عَسى الغوير بؤساً، كَأَنَّهُ يتهمني، فَقَالَ: عريفي أَنه رجل صَالح، قَالَ: كَذَاك إذهب وعلينا نَفَقَته. انْتهى، فَمن أَيْن حَال أبي جميلَة من هَذَا حَتَّى يكون ذكره هُنَاكَ مغنياً عَن ذكره هَهُنَا؟

    ............
    (290)
    وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فَقَالَت امْرَأَة من النِّسَاء: داروا عَنَّا عَورَة قارئكم. قَوْله: (فاشتروا) مفعولة مَحْذُوف أَي: فاشتروا ثوبا، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فاشتروا لي قَمِيصًا عمانياً، وَهُوَ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، نِسْبَة إِلَى عمان من الْبَحْرين.
    .......
    (292)
    وَالْفرق بَين: الْمثل والنحو، أَن الْمثل مُتحد فِي الْحَقِيقَة، والنحو أَعم. وَقيل: هما مُتَرَادِفَانِ.
    ......
    (303)
    وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: دخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهيت ينعَت امْرَأَة من يهود، فَأخْرجهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ بِالْبَيْدَاءِ يدْخل كل جُمُعَة يستطعم.
    وَكَانَ يدْخل على سَوْدَة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أرَاهُ إلاَّ مُنْكرا فَمَنعه، وَلما قدم الْمَدِينَة نَفَاهُ، وَلأبي دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مخنث قد خضب يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَقيل: يَا رَسُول الله هَذَا يتشبه بِالنسَاء، فنفاه إِلَى البقيع فَقيل: أَلا تقتله؟ فَقَالَ: إِنِّي نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين.
    قَالَ ابْن عُيَيْنَة وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ المُخَنَّثُ هِيتٌ

    وَعند أبي مُوسَى: نفى أَبُو بكر ماتعاً إِلَى فدك وَلَيْسَ بهَا أحد يومئذٍ من الْمُسلمين، وَكَانَ فِي الْمَدِينَة مخنث آخر اسْمه: الْهدم، بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الدَّال وَفِي الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرج الْحر، وَأخرج عمر رَضِي الله عَنهُ، فلَانا وَفُلَانًا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ فيهم لين فِي القَوْل وخضاب فِي الْأَيْدِي والأرجل وَلَا يرْمونَ بِفَاحِشَة، وَرُبمَا لعب بَعضهم بالكرج وَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد أَن عمر رَضِي الله عَنهُ، رأى لاعباً بالكرج فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت هَذَا يلْعَب بِهِ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لنفيتك من الْمَدِينَة. قلت: الكرج، بِضَم الْكَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة وَفِي آخِره جِيم مُعرب: كرة.
    ........
    (311)
    (قَالَ رجل من الْأَنْصَار) ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هُوَ معتب ابْن قُشَيْر من بني عَمْرو بن عَوْف، وَكَانَ من الْمُنَافِقين. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) لم أر أحدا قَالَ: إِنَّه من الْأَنْصَار إلاَّ مَا وَقع هُنَا وَجزم بِأَنَّهُ حرقوص بن زُهَيْر السَّعْدِيّ وَلم يصب فِي ذَلِك، فَإِن قصَّة حرقوص غير هَذِه
    ...........


    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

  3. #283
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم : الجمعة
    الموافق : 19/ شعبان / 1442 هجري
    الموافق : 2 / ابريل / 2021 ميلادي

    * " المجلد الثامن عشر " من عمدة القاري " فوائد منتقاة من عمدة القاري " للحافظ العيني رحمه الله

    وبه نستعين "


    .............
    المجلد الثامن عشر
    (18/10)
    سم الصَّنَم: ذُو الخلصة، وَقيل: هُوَ اسْم صنم لدوس سيعبد فِي آخر الزَّمَان، ثَبت فِي الحَدِيث: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَصْطَفِق أليات نسَاء دوس وخثعم حول ذِي الْخصْلَة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الخلصة فِي اللُّغَة نَبَات ينْبت نَبَات الْكَرم لَهُ حب كعنب الثَّعْلَب. وَله ورق أغبر رقاق مُدَوَّرَة وَاسِعَة وَله ورد كورد الموز وَهُوَ أَحْمَر كخرز العقيق وَلَا يُؤْكَل وَلكنه يرْعَى، وموضعه الْيَوْم مَسْجِد جَامع لبلدة يُقَال لَهَا: العبلات من أَرض خثعم، ذكره الْمبرد عَن أبي عُبَيْدَة وَبَعض الشَّارِحين وهم فِيهِ وَقَالَ: إِنَّه كَانَ فِي بِلَاد فَارس، فَافْهَم.
    .............
    (18/26)
    وَقَالَ عِيَاض: فرضة بِلَاد الْيمن وَلم يزدْ فِي تَعْرِيفهَا شَيْئا، وَقَالَ الرشاطي: عمان فِي الْيمن، سميت بعمان بن سبأ وَفِي بِلَاد الشَّام بَلْدَة يُقَال لَهَا: عمان، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم وَلَيْسَت بمرادة هُنَا قطعا. والبحرين ثنية بحرفي الأَصْل مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعمان، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بحراني.
    .........
    (18/30)
    (أرق أَفْئِدَة) ، جمع فؤاد، قَالَ الْخطابِيّ: وصف الأفئدة بالرقة والقلوب باللين لِأَن الْفُؤَاد غشاء الْقلب إِذا رق نفذ القَوْل فِيهِ وخلص إِلَى مَا وَرَاءه، وَإِذا غلظ تعذر وُصُوله إِلَى دَاخله، فَإِذا صَادف الْقلب شَيْئا علق بِهِ، أَي: إِذا كَانَ لينًا، وَالْمَشْهُور أَن الْفُؤَاد هُوَ الْقلب، فعلى هَذَا تكْرَار لفظ الْقلب بلفظين أولى من تكرره بِلَفْظ وَاحِد، وَقيل: الْفُؤَاد غير الْقلب وَهُوَ عين الْقلب، وَقيل: بَاطِن الْقلب، وَقيل: غشاء الْقلب.
    ....
    (33 )
    (والطفيل بن عَمْرو) أَي: قصَّة الطُّفَيْل، بِضَم الطَّاء: ابْن عَمْرو بن طريف بن الْعَاصِ بن ثَعْلَبَة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، وَله حِكَايَة عَجِيبَة غَرِيبَة طويت ذكرهَا مَخَافَة التَّطْوِيل. وَمِنْهَا أَنه: رأى رُؤْيا فَقَالَ لأَصْحَابه: عبروها قَالُوا: وَمَا رَأَيْت؟ قَالَ: رَأَيْت رَأْسِي حلق، وَأَنه خرج من فمي طَائِر، وَأَن امْرَأَة لقيتني فأدخلتني فِي فرجهَا، وَكَانَ أبي يطلبني طلبا حثيثاً، فحيل بيني وَبَينه. قَالُوا: خيرا. قَالَ: أَنا وَالله فقد أولتها: أما حلق الرَّأْس فَقَطعه، وَأما الطَّائِر فروحي، وَأما الْمَرْأَة الَّتِي أدخلتني فِي فرجهَا فالأرض تحفر لي فأدفن فِيهَا، فقد روعت أَن أقتل شَهِيدا، وَأما طلب أبي إيَّايَ فَلَا أرَاهُ إلاَّ سيعذر فِي طلب الشَّهَادَة، وَلَا أرَاهُ يلْحق فِي سفرنا هَذَا، فَقتل الطُّفَيْل شَهِيدا يَوْم الْيَمَامَة، وجرح أَبوهُ ثمَّ قتل يَوْم اليرموك بعد ذَلِك فِي زمن عمر بن الْخطاب شَهِيدا.
    ....
    ( 35 )
    وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: أَبُو هُرَيْرَة هُوَ عُمَيْر بن عَامر بن عبد ذِي الشرس بن طريف بن عباب بن أبي صعبة بن مُنَبّه بن سعد بن ثَعْلَبَة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم: أصح شَيْء عندنَا فِي اسْم أبي هُرَيْرَة: عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، وَقد غلبت عَلَيْهِ كنيته فَهُوَ كمن لَا اسْم لَهُ غَيرهَا، أسلم أَبُو هُرَيْرَة عَام خَيْبَر وشهدها مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَغْبَة فِي الْعلم، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خَمْسَة آلافٍ حَدِيث وثلاثمائة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على ثَلَاثمِائَة حَدِيث وَخَمْسَة وَعشْرين حَدِيثا، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة أحد أَكثر حَدِيثا مِنْهُ. وَقَالَ البُخَارِيّ: روى عَنهُ
    أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من بَين صَاحب وتابع، اسْتَعْملهُ عمر رَضِي تَعَالَى الله عَنهُ، على الْبَحْرين ثمَّ عَزله، ثمَّ أَرَادَهُ على الْعَمَل فَأبى عَلَيْهِ، وَلم يزل يسكن الْمَدِينَة حَتَّى مَاتَ فِيهَا سنة سبع وَخمسين، قَالَه خَليفَة بن خياط، وَقَالَ ابْن الْهَيْثَم بن عدي: توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين، وَقيل: مَاتَ بالعقيق وَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَصلى عَلَيْهِ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان وَكَانَ أَمِيرا على الْمَدِينَة لمعاوية بن أبي سُفْيَان، وروى عَنهُ أَنه قَالَ: إِنَّمَا كنيت بِأبي هُرَيْرَة لِأَنِّي وجدت أَو لَا دهرة وحشية فحملتا فِي كمي، فَقيل: مَا هَذِه قلت: هرة، قيل: فَأَنت أَبُو هُرَيْرَة، وَقيل: رَآهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة.
    ......

    (55 )
    كسْرَى، بِكَسْر الْكَاف وَفتحهَا، وَهُوَ لقب كل من ملك الْفرس، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّة ِ: المظفر، وكسرى هَذَا الَّذِي أرسل إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْكتاب هُوَ كسْرَى أبرويز بن هُرْمُز بن أنو شرْوَان، وَهُوَ كسْرَى الْكَبِير الْمَشْهُور، وَقيل: كسْرَى هَذَا أنو شرْوَان، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخبر بِأَنَّهُ يقْتله ابْنه، وَالَّذِي قَتله ابْنه هُوَ كسْرَى أبرويز. قَوْله: (وَقَيْصَر) ، هُوَ لقب كل من ملك الرّوم، وَالْمرَاد مِنْهُ: هِرقل
    ..........
    (57)
    (بنت كسْرَى) ، هِيَ بوران كَمَا ذَكرنَاهَا الْآن، وَذكر الطَّبَرِيّ: أَن أُخْتهَا أَو زيمدخت ملكت أَيْضا، قَالَ الْخطابِيّ: فِي الحَدِيث أَن الْمَرْأَة لَا تلِي الْإِمَارَة وَلَا الْقَضَاء.
    .......
    (60)
    وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَدفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، وَتفرد بِهِ، وَعَن عُرْوَة: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حِين زاغت الشَّمْس لهِلَال ربيع الأول، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ قبل أَن ينشب النَّهَار، وَفِي حَدِيث أبي يعلى بِإِسْنَادِهِ عَن أنس أَنه توفّي آخر يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ فِي كتاب الْمَغَازِي، قَالَ: مرض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لإثنين وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وبدىء وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا: رَيْحَانَة، كَانَت من سبي الْيَهُود، وَكَانَ أول يَوْم مرض يَوْم السبت، وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْإِثْنَيْنِ لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتَمام عشر سِنِين من مقدمه الْمَدِينَة.
    .....
    (65 )
    حَدِيث عَائِشَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ قَوْله فِي الرفيق الْأَعْلَى قَالَ الْجَوْهَرِي الرفيق الْأَعْلَى الْجنَّة وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق وَقيل الرفيق اسْم جنس يَشْمَل الْوَاحِد وَمَا فَوْقه وَالْمرَاد بِهِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَمن ذكر فِي الْآيَة وَقَالَ الْخطابِيّ الرفيق الْأَعْلَى هُوَ الصاحب الْمرَافِق وَهُوَ هَهُنَا بِمَعْنى الرفقاء يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَقَالَ الْكرْمَانِي الظَّاهِر أَنه مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى {وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا} أَي أدخلني فِي جملَة أهل الْجنَّة من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يشْهد بذلك وَقيل المُرَاد بالرفيق الْأَعْلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ رَفِيق بعباده وَغلط الْأَزْهَرِي قَائِل ذَلِك وَقيل أَرَادَ رفق الرفيق وَقيل أَرَادَ مرتفق الْجنَّة وَقَالَ الدَّاودِيّ هُوَ اسْم لكل مَا سما وَقَالَ الْأَعْلَى لِأَن الْجنَّة فَوق ذَلِك وَفِي التَّلْوِيح والمفسرون يُنكرُونَ قَوْله وَيَقُولُونَ إِنَّه صحف الرقيع بِالْقَافِ والرقيع من أَسمَاء السَّمَاء ورد على هَذَا بِمَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الرفيق مِنْهَا حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة الْمطلب عَن عَائِشَة مَعَ الرفيق الْأَعْلَى مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم إِلَى قَوْله رَفِيقًا وَمِنْهَا حَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه وَفِيه فَقَالَ أسأَل الله الرفيق الأسعد مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَمِنْهَا رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي الرفيق الْأَعْلَى وَرِوَايَة عباد عَن عَائِشَة اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَ
    .......
    (65)
    وَفِي (كتاب رجال الصَّحِيحَيْنِ) مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِ ي روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَيَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله، فينسبه إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد، فينسبه إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ، فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
    ........
    (66)
    وَالْحَاصِل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ وَرَأسه بَين حنكها وصدرها فَإِن قلت تَعَالَى: يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَابْن سعد من طَرِيقه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ وَرَأسه فِي حجر عَليّ رَضِي الله عَنهُ. قلت: لَا يُعَارضهُ وَلَا يدانيه، لِأَن فِي كل طَرِيق من طرقه شيعي فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم، وَلَئِن سلمنَا فَنَقُول: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون على آخِرهم عهدا بِهِ، وَأَنه لم يُفَارِقهُ إِلَى أَن مَاتَ فأسندته عَائِشَة بعده إِلَى صدرها فَقبض.
    ........
    (18/80)
    دَّثني أحْمَدُ بنُ الحَسَنِ حَدثنَا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَل بنِ هِلاَلٍ حَدثنَا معْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ كَهْمَس عنِ ابْن بُرَيْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سِتَّ عشْرَةَ غَزْوَةً
    وَأحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ابْن هِلَال الْمروزِي الشَّيْبَانِيّ، خرج من مر وحملاً وَولد بِبَغْدَاد وَمَات بهَا وقبر مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ، وَكَانَ إِمَام الدُّنْيَا وقدوة أهل السّنة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَلم يخرج البُخَارِيّ لَهُ فِي هَذَا الْجَامِع مُسْندًا غير هَذَا الحَدِيث، نعم اسْتشْهد بِهِ، قَالَ فِي النِّكَاح فِي: بَاب مَا يحل من النِّسَاء: قَالَ لنا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ فِي اللبَاس فِي: بَاب هَل يَجْعَل نقش الْخَاتم ثَلَاثَة أسطر: وَزَادَنِي أَحْمد،
    ......
    تفسير القرآن
    (80/18)
    عَن ابْن عَبَّاس: الرَّحْمَن الرَّحِيم إسماه رقيقان أَحدهمَا أرق من الآخر، فالرحمن الرَّقِيق والرحيم العاطف على خلقه بالرزق، وَقيل: الرَّحْمَن لجَمِيع الْخلق، والرحيم للْمُؤْمِنين، وَقيل: رَحْمَن الدُّنْيَا وَرَحِيم الْآخِرَة، وَعَن ابْن الْمُبَارك: الرَّحْمَن إِذا سُئِلَ أعْطى، والرحيم إِذا لم يسْأَل يغْضب، وَعَن الْمبرد: الرَّحْمَن عبراني والرحيم عَرَبِيّ. قلت: فِي العبراني بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
    .......
    (80)
    الفاتحة
    إعلم أَن لسورة الْفَاتِحَة ثَلَاثَة عشر إسماً. الأول: فَاتِحَة الْكتاب، لِأَنَّهُ يفْتَتح بهَا فِي الْمَصَاحِف والتعليم، وَقيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة نزلت من السَّمَاء. الثَّانِي: أم الْقُرْآن على مَا يَجِيء. الثَّالِث: الْكَنْز. وَالرَّابِع: الوافية، سميت بهَا لِأَنَّهَا لَا تقبل التنصف فِي رَكْعَة. وَالْخَامِس: سُورَة الْحَمد، لِأَنَّهُ أَولهَا: الْحَمد. وَالسَّادِس: سُورَة الصَّلَاة. وَالسَّابِع: السَّبع المثاني. وَالثَّامِن: الشِّفَاء والشافية، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ
    رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سم. وَالتَّاسِع: الكافية لِأَنَّهَا تَكْفِي عَن غَيرهَا. والعاشر: الأساس لِأَنَّهَا أول سُورَة الْقُرْآن فَهِيَ كالأساس. وَالْحَادِي عشر: السُّؤَال لِأَن فِيهَا سُؤال العَبْد من ربه. وَالثَّانِي عشر: الشُّكْر، لِأَنَّهَا ثَنَاء على الله تَعَالَى. وَالثَّالِث عشر: سُورَة الدُّعَاء لاشتمالها على قَوْله: (اهدنا الصِّرَاط) .
    وسُمِّيَتْ أمَّ الكِتاب أنَّهُ يُبْدَأ بِكِتابَتِها فِي المَصاحِفِ ويُبْدَأ بِقِراءَتِها فِي الصَّلاَةِ
    وَسميت سُورَة الْفَاتِحَة أم الْكتاب وَذَلِكَ بِالنّظرِ إِلَى أَن الْأُم مبدأ الْوَلَد، وَقيل: سميت بهَا لاشتمالها على الْمعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء على الله تَعَالَى والتعبد بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد، وَقيل: لِأَن فِيهَا ذكر الذَّات وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال. وَلَيْسَ فِي الْوُجُود سَوَاء. وَقيل: لاشتمالها على ذكر المبدأ والمعاش والمعاد، وَسميت: أم الْقُرْآن لِأَن الْأُم فِي اللُّغَة الأَصْل، سميت بِهِ لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل شَيْئا مِمَّا فِيهِ النّسخ والتبديل، بل آياتها كلهَا محكمَة فَصَارَت أصلا، وَقيل: سميت أم الْقُرْآن لِأَنَّهَا تؤم غَيرهَا كَالرّجلِ يؤم غَيره فيتقدم عَلَيْهِ.

    ..........
    81)
    نسب الْغَزالِيّ وَالْفَخْر الرَّازِيّ وتبعهما الْبَيْضَاوِيّ هَذَا الحَدِيث إِلَى أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَهُوَ وهم، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سعيد بن الْمُعَلَّى، وَقَالَ بَعضهم: وروى الْوَاقِدِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي رِوَايَة عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى عَن أبي بن كَعْب وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالَّذِي هُنَا هُوَ الصَّحِيح
    ........
    (81)
    وَشَيخ الْوَاقِدِيّ هُنَا مَجْهُول أَيْضا وَهُوَ مُحَمَّد بن معَاذ، وَقَالَ أَيْضا: الْوَاقِدِيّ شَدِيد الضعْف إِذا انْفَرد فَكيف إِذا خَالف؟ قلت: ذكر الْحَافِظ الْمزي هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء من ذَلِك، وَمن الْعجب أَن الْوَاقِدِيّ أحد مَشَايِخ إِمَامه الشَّافِعِي ويحط عَلَيْهِ هَذَا الْحَط وَهُوَ، وَإِن كَانَ ضعفه بَعضهم، فقد وَثَّقَهُ آخَرُونَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الْوَاقِدِيّ أَمِين النَّاس على أهل الْإِسْلَام، وَعَن مُصعب بن الزبير: ثِقَة مَأْمُون، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَبُو عبيد وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ.
    .....
    سورة البقرة
    (83)
    رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: علمه أَسمَاء مَعْدُودَة، وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: أَنه علمه أَسمَاء الْمَلَائِكَة. الثَّانِي: أَنه علمه أَسمَاء الْأَجْنَاس دون أَنْوَاعهَا كَقَوْلِك: وَملك. الثَّالِث: أَنه علمه أَسمَاء مَا خلق الله فِي الأَرْض من الدو اب والهوام وَالطير. الرَّابِع: أَنه علمه أَسمَاء ذُريَّته. فَإِن قلت: هَل التَّعْلِيم مَقْصُور على الإسم دون الْمَعْنى أَو عَلَيْهِمَا؟ قلت: فِيهِ قَولَانِ
    ......
    (85)
    {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا قُولُوا أنظرنا} الْآيَة نهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ أَن يشتبهوا بالكافرين فِي مقالهم وفعالهم، وَذَلِكَ أَن الْيَهُود كَانُوا يعانون من الْكَلَام مَا فِيهِ تورية لما يقصدونه من التنقص، فَإِذا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: إسمع لنا، يَقُولُونَ: رَاعنا، ويورون بالرعونة الحماقة، وَمِنْهَا: الراعن وَهُوَ الأحمق، والأرعن عَن مُبَالغَة فِيهِ فَنهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن مشابهة الْكَفَّارَة قولا وفعلاً، فَقَالَ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا} الْآيَة، وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَقَرَأَ عبد الله بن مَسْعُود: عوناً، وَقَرَأَ الْحسن: رَاعنا، بِالتَّنْوِينِ من الرعن وَهُوَ الحماقة أَي: لَا تَقولُوا قولا رَاعنا مَنْسُوبا إِلَى الرعن. بِمَعْنى: رعينا. وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِلَا تَنْوِين على أَنه فعل أَمر من المراعاة، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ يمشي على قِرَاءَة الْحسن....
    .....
    (88)
    وَأما (السلوى) فَكَذَلِك اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن أبي عَبَّاس: السلوى طَائِر شَبيه السمان يأكلوه مِنْهُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَالربيع بن أنس، وَعَن وهب: هُوَ طير سمين مثل الْحَمَامَة يَأْتِيهم فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ من سبت إِلَى سبت، وَعَن عِكْرِمَة: طير أكبر من العصفور، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: السلوى طير بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَقد غلط الْهُذلِيّ فِي قَوْله: إِنَّه الْعَسَل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: دَعْوَى الْإِجْمَاع لَا يَصح لِأَن المؤرخ أحد عُلَمَاء اللُّغَة وَالتَّفْسِير قَالَ: إِنَّه الْعَسَل، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السلوى الْعَسَل، قَالُوا: والسلوى جمع بِلَفْظ الْوَاحِد أَيْضا، كَمَا يُقَال: سماني للْوَاحِد وَالْجمع، وَقَالَ الْخَلِيل: واحده سلوة، وَقَالَ الْكسَائي: السلوى وَاحِد وَجمعه سلاوي
    .....
    (88)
    وَقَالَ أَبُو حنيفَة: أول اجتناثها سُقُوط الْجَبْهَة، وَهِي تتطاول إِلَى أَن يَتَحَرَّك الْحر، وكمأة السهل بَيْضَاء رخوة، وَالَّتِي بالآكام سَوْدَاء جَيِّدَة، وَقيل: الكمأة هِيَ الَّتِي إِلَى الغبرة والسواد. وَفِي (الْجَامِع) : تخرج بِبَعْض الأَرْض، وَقَالَ ابْن خالويه فِي كِتَابه: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب من أَسمَاء الكمء إلاَّ الَّذِي أعرفك: الذعلوق والبرنيق والمغرود والفقع والجب وَبَنَات أوبر وَالْعقل والقعيل، بِتَقْدِيم الْقَاف على الْعين، والجباة
    وَالْفطر قَالَ ابْن سيدة: هُوَ ضرب من الكمأة.
    ......
    (89)
    أَن الكمأة من نفس الْمَنّ، وَأَبُو هُرَيْرَة أَخذ بِظَاهِرِهِ على مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قَتَادَة، قَالَ: حدثت أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: أخذت ثَلَاثَة أكمؤ أَو خَمْسَة أَو سبعا فعصرتهن وَجعلت ماءهن فِي قَارُورَة وكحلت بِهِ جَارِيَة فبرئت، وَقَالَ ابْن خالويه: يعصر مَاؤُهَا ويخلط بِهِ أدوية ثمَّ يكتحل بِهِ، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الصَّحِيح أَنه ينْتَفع بصورتها فِي حَال وبإضافتها فِي أُخْرَى. وَفِي (الْجَامِع) لِابْنِ بيطار: هِيَ أصل مستدير لَا ورق وَلَا سَاق لَهَا ولونها إِلَى الْحمرَة مائل تُؤْخَذ فِي الرّبيع وتؤكل نِيَّة ومطبوخة، والغذاء الْمُتَوَلد مِنْهَا أغْلظ من الْمُتَوَلد من القرع وَلَيْسَت بردي، الكيموس، وَهِي فِي الْمعدة الحارة جَيِّدَة لِأَنَّهَا بَارِدَة رطبَة فِي الدرجَة الثَّانِيَة، وأجودها أَشدّهَا تلذذاً وملاساً، وأميلها إِلَى الْبيَاض، والمتخلخلة الرخوة رَدِيئَة جدا، وماؤها يجلو الْبَصَر كحلاً، وَهِي من أصلح أدوية الْعين، وَإِذا رتب بهَا الإثمد واكتحل بِهِ قوى الأجفان، وَزَاد فِي الرّوح الباصرة قُوَّة وحدة، وَيدْفَع عَنْهَا نزُول المَاء. وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ: أَن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِن أكل الكمأة يجلو الْبَصَر، وَقيل: تُؤْخَذ فتشق وتوضع على الْجَمْرَة حَتَّى يغلي مَاؤُهَا ثمَّ يُؤْخَذ ميل فَيصير فِي ذَلِك الشق وَهُوَ فاتر فيكتحل بِهِ، وَلَا يَجْعَل الْميل فِي مَائِهَا وَهِي بَارِدَة يابسة، وَقيل: أَرَادَ المَاء الَّذِي تنْبت بِهِ وَهُوَ أول مطر ينزل إِلَى الأَرْض فتربى بِهِ الأكحال، وَقيل: إِن كَانَ فِي الْعين حرارة فماؤها وَحده شِفَاء، وَإِن كَانَ لغير ذَلِك فيركب مَعَ غَيره. وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: أَرَادَ أَنَّهَا تَنْفَع من تَأْخُذهُ الْعين الَّتِي هِيَ النظرة، وَذَلِكَ أَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: وماؤها شِفَاء من الْعين،
    ....
    (89)
    قَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله: (والكمأة من الْمَنّ) ، مَا ملخصه: أَنه لم يرد بِهِ أَنَّهَا من الْمَنّ الَّذِي أنزل على مُوسَى
    بني إِسْرَائِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِن الْمَرْوِيّ أَنه شَيْء كَانَ يسْقط عَلَيْهِم كالترنجبين
    وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ كَثِيرُونَ: شبهها بالمن الَّذِي أنزل عَلَيْهِم حَقِيقَة، عملا بِظَاهِر اللَّفْظ، وَقيل: معنى قَوْله: (الكمأة من الْمَنّ) يَعْنِي: مِمَّا من الله على عباده بهَا بإنعامه ذَلِك عَلَيْهِم.

    ......
    (89)
    أَن معنى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل: عبد الله، قَالَه عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَاصِم عَنهُ، قَالَ جِبْرِيل عبد الله، وَمِيكَائِيل عبد الله، إيل: الله، وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: كل إسم فِيهِ: إيل، فَهُوَ الله، وَيُقَال: إيل الله بالعبرانية، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن الْحُسَيْن، قَالَ: إسم جِبْرِيل عبد الله، وَمِيكَائِيل عبيد الله، يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ، وإسرافيل عبد الرَّحْمَن، وكل إسم فِيهِ إيل، فَهُوَ عبد الله، وَذكر عكس هَذَا وَهُوَ: أَن إيل مَعْنَاهُ: عبد، وَمعنى مَا قبله إسم لله. وَله وَجه، وَهُوَ أَن الإسم الْمُضَاف فِي لُغَة غير الْعَرَب غَالِبا يتَقَدَّم
    فِيهِ الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء جبرئيل بِوَزْن قفشليل، وجبرئل بِحَذْف الْيَاء، وَجِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة، وَجِبْرِيل بِوَزْن قنديل، وجبرايل بلام شَدِيدَة، وجبرائيل بِوَزْن جبراعيل، وجبرائل بِوَزْن جبراعل، وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة. قَالَ: وقرىء ميكال بِوَزْن قِنْطَار، وَمِيكَائِيل كميكاعيل، وميكائل كميكاعل ومكئل كميعل وميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل، وَقَالَ ابْن جني: الْعَرَب إِذا نطقت بالأعجمي خلطت فِيهِ.

    .....
    (90)
    وَقَالَ ابْن جني: الْعَرَب إِذا نطقت بالأعجمي خلطت فِيهِ.
    .....
    (91)
    أَن أَبَيَا يَقُول: (لَا أدع شَيْئا) أَي: لَا أترك شَيْئا (سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَكَانَ لَا يَقُول أبي بنسخ شَيْء من الْقُرْآن، فَرد عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك بقوله: وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {مَا ننسخ من آيَة} فَإِنَّهُ يدل على ثُبُوت النّسخ فِي الْبَعْض، وَهَذِه الْجُمْلَة، وَإِن كَانَت شَرْطِيَّة، إلاَّ أَنَّهَا لَا تدل على وُقُوع الشَّرْط، فالسياق هُنَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نزلت بعد وُقُوعه وإنكارهم عَلَيْهِ، وَيمْنَع عدم دلالتها فِي مثل هَذَا لِأَنَّهَا لَيست شَرْطِيَّة مَحْضَة.
    ..........
    (98)
    وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رُوِيَ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام: سَمِعت رجَالًا من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن النَّاس إلاَّ عَائِشَة إِن طوافنا بَين هذَيْن الحجرين من أَمر الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ آخر من الْأَنْصَار: إِنَّمَا أمرنَا بِالطّوافِ بِالْبَيْتِ وَلم نؤمر بِالطّوافِ بني الصَّفَا والمروة، فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} وَأما الَّذِي فِي الطّواف بِالْكَعْبَةِ فَمَا ذكره فِي: (تَفْسِير مقَاتل) : قَالَ يحيى ابْن أَخطب وَكَعب بن الْأَشْرَف وَكَعب بن أسيد وَابْن صوريا وكنانة ووهب بن يهودا وَأَبُو نَافِع للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تطوفون بِالْكَعْبَةِ حِجَارَة مَبْنِيَّة؟ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّكُم لتعلمون أَن الطّواف بِالْبَيْتِ حق، وَأَنه هُوَ الْقبْلَة مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَنزلت،
    شَعائِرُ عَلاَماتٌ واحِدَتُها شَعِيرَةٌ

    .....
    18/100)
    وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ} (الْمَائِدَة: 45) إِلَى آخر الْآيَة، فَالْأولى مَنْسُوخَة لَا يعْمل بهَا وَلَا يحكم، وَمذهب أبي حنيفَة: أَن الْحر يقتل بِالْعَبدِ بِهَذِهِ الْآيَة، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَدَاوُد، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَسَعِيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ
    وَقَتَادَة وَالْحكم، وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء وَعِكْرِمَة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك: أَن الْحر لَا يقتل بِالْعَبدِ وَالذكر لَا يقتل بِالْأُنْثَى، أخذا بِهَذِهِ الْآيَة، أَعنِي قَوْله: {الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ} (الْبَقَرَة: 178) وَقد قُلْنَا: إِنَّهَا مَنْسُوخَة. قَوْله: (كتب عَلَيْكُم الْقصاص) ، ذكر الواحدي: أَن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة الْمُمَاثلَة والمساواة، وَقَالَ ابْن الْحصار: الْقصاص الْمُسَاوَاة والمجازاة، وَالْمرَاد بِهِ الْعدْل فِي الْأَحْكَام، وَهَذَا حكم الله عز وَجل الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال أبدا، فَلَا نسخ فِيهِ وَلَا تَبْدِيل لَهُ، وَالْمرَاد بِآيَة الْمَائِدَة تبين الْعدْل فِي تكافىء الدِّمَاء فِي الْجُمْلَة وَترك التَّفَاضُل لاجتهاد الْعلمَاء، وعَلى هَذَا فَلَيْسَ بَينهمَا تعَارض قُلْنَا الْأَنْسَب عُمُوم آيَة الْمَائِدَة وفيهَا مُقَابلَة مُطلقَة، وَهَذِه الْآيَة فِيهَا مُقَابلَة مُقَيّدَة، فَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، على أَن مُقَابلَة الْحر بِالْحرِّ لَا يُنَافِي مُقَابلَة الْحر بِالْعَبدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلاَّ ذكر بعض مَا يَشْمَلهُ الْعُمُوم على مُوَافقَة حكمه، وَذَلِكَ لَا يُوجب تَخْصِيص مَا بَقِي.
    ......

  4. #284
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم : الجمعة
    الموافق : 26/ شعبان / 1442 هجري
    الموافق : 9/ ابريل / 2021 ميلادي

    " ختم المجلد الثامن عشر " من عمدة القاري للحافظ العيني رحمه الله


    تابع
    (18/104)
    قَوْله تَعَالَى: {أَيَّامًا معدودات} إِلَى آخر الْآيَة. قَوْله: (أَيَّامًا) ، مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: صُومُوا أَيَّامًا معدودات. يَعْنِي: فِي أَيَّام معدودات أَي: مؤقتا بِعَدَد مَعْلُوم، وَقيل: مَنْصُوب بقوله: (ولعلكم تَتَّقُون أَيَّامًا) أَي: فِي أَيَّام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انتصاب: أَيَّامًا بالصيام كَقَوْلِك: نَوَيْت الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ بَعضهم: وللزمخشري فِي إعرابه كَلَام متعقب لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. (قلت) التعقيب فِي كَلَام المتعقب من غير تَأمل. وَقد سَمِعت الأساتذة الْكِبَار من عُلَمَاء الْعَرَب والعجم: أَن من رد على الزَّمَخْشَرِيّ فِي غير الاعتقاديات فَهُوَ رد عَلَيْهِ، والمتعقب هُوَ أَبُو الْبَقَاء حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز أَن ينصب بالصيام لِأَنَّهُ مصدر وَقد فرق بَينه وَبَين أَيَّام بقوله: كَمَا كتب. وَمَا يعْمل فِيهِ الْمصدر كالصلة، وَلَا يفرق بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي انْتهى (قلت) . قَالَ القَاضِي أَيْضا نصبها لَيْسَ بالصيام لوُقُوع الْفَصْل بَينهمَا، بل بإضمار صُومُوا. (قلت) للزمخشري فِيهِ دقة نظر وَهُوَ أَنه إِنَّمَا قَالَ: انتصاب أَيَّامًا بالصيام نظرا إِلَى أَن قَوْله: كَمَا كتب. حَال فَلَا يكون أَجْنَبِيّا عَن الْعَامِل والمعمول. وَقَالَ صَاحب (اللّبَاب) يجوز أَن ينْتَصب بالصيام إِذا جعلت: (كَمَا كتب) حَالا. وَقَالَ الزّجاج: الأجود أَن يكون الْعَامِل فِي أَيَّامًا، الصّيام كَأَن الْمَعْنى: كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا معدودات. وَلَقَد أَجَاد من قَالَ:
    (وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)

    ...........
    (112)
    قَالَ الْخطابِيّ: الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت تدين مَعَ قُرَيْش هم بَنو عَامر بن صعصعة وَثَقِيف وخزاعة. وَكَانُوا إِذا أَحْرمُوا لَا يتناولون السّمن والأقط وَلَا يدْخلُونَ من أَبْوَاب بُيُوتهم، وَكَانُوا يسمون الْخمس، لأَنهم تحمسوا فِي دينهم وتصلبوا، والحماسة الشدَّة.
    .......
    (113)
    وَقَالَ عَطَاءٌ النَّسْلُ الحَيَوَانُ
    أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح النَّسْل فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: 205) الْحَيَوَان، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج قلت لعطاء فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} قَالَ: الْحَرْث الزَّرْع، والنسل من النَّاس والأنعام.
    ....
    (114)
    أم حسبتم) إِلَى آخِره ذكر عبد الرَّزَّاق فِي (تَفْسِيره) : عَن قَتَادَة: نزلت هَذِه الْآيَة فِي يَوْم الْأَحْزَاب أصَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ وَأَصْحَابه بلَاء وَحصر، قَالَه الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين، قَالَ وَقيل: نزلت فِي يَوْم أحد. وَقيل: نزلت تَسْلِيَة للمهاجرين حِين تركُوا دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ بأيدي الْمُشْركين وآثروا رضَا الله تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أم حسبتم) ، قد علم فِي النَّحْو أَن: أم عَليّ نَوْعَيْنِ مُتَّصِلَة وَهِي الَّتِي تتقدمها همزَة التَّسْوِيَة نَحْو: {سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا} (إِبْرَاهِيم: 121) وَسميت مُتَّصِلَة لِأَن مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا لَا يسْتَغْنى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، ومنقطعة وَهِي الَّتِي لَا يفارقها معنى الإضراب، وَزعم ابْن الشجري عَن جَمِيع الْبَصرِيين أَنَّهَا أبدا بِمَعْنى: بل، وَهِي مسبوقة بالْخبر الْمَحْض. نَحْو: {تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين أم يَقُولُونَ افتراه} (السَّجْدَة: 2) ومسبوقة بِهَمْزَة لغير الِاسْتِفْهَام. نَحْو: {ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا أم لَهُم أيد يبطشون بهَا} (الْأَعْرَاف: 195) إِذْ الْهمزَة فِيهَا للإنكار ثمَّ إِن: أم هَذِه قد اخْتلفُوا فِيهَا، فَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهَا بل حسبتم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : مُنْقَطِعَة وَمعنى الْهمزَة فِيهَا للتقرير، وَفِي (تَفْسِير الْجَوْزِيّ) أم هُنَا لِلْخُرُوجِ من حَدِيث إِلَى حَدِيث، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي السنان) أم، هَذِه مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يكون فِي ابْتِدَاء الْكَلَام فَلَا يُقَال: أم عِنْد خبر، بِمَعْنى: عنْدك،
    .....
    (118)
    قد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: 81) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِ يّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِي ّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا.
    وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله عز وَجل {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} (الْبَقَرَة: 223) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ.
    وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِي ّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هِيَ اللوطية
    الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينظر الله عز وَجل إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ.
    ....
    (118)
    وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال
    ....
    (120)
    {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: 4) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء
    ......
    (130
    عند الواحدي الصَّحَابَة الَّذين قَالُوا ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وناس من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالُوا: مَا نزلت آيَة أَشد علينا من هَذِه الْآيَة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَكَذَا أنزلت. فَقولُوا: سمعنَا وأطعنا. فَمَكَثُوا بذلك حولا فَأنْزل الله عزل وَجل الْفرج والراحة بقوله: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} فنسخت هَذِه الْآيَة مَا قبلهَا. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يعملوا أَو يتكلموا بِهِ، وَعند النّحاس، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. قيل: وَمن زعم أَن من الْأَخْبَار نَاسِخا هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ قيل: وَمن زعم أَن من الأبخار نَاسِخا ومنسوخا فقد ألحد وأجهل. وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ خَبرا لكنه يتَضَمَّن حكما وَمهما كَانَ من الْأَخْبَار مَا يتَضَمَّن حكما أمكن دُخُول النّسخ فِيهِ كَسَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ من الْأَخْبَار وَمَا كَانَ خَبرا مَحْضا لَا يتَضَمَّن حكما كالأخبار عَمَّا مضى من أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِك: وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالنسخ فِي الحَدِيث التَّخْصِيص، فَإِن الْمُتَقَدِّمين يطلقون لفظ النّسخ عَلَيْهِ كثيرا وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَلَكِن إِذا جمع الله الْخَلَائق يَقُول إِنِّي أخْبركُم مَا أخفيتم فِي أَنفسكُم مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ ملائكتي، فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيخبرهم ثمَّ يغْفر لَهُم، وَأما أهل الريب فيخبرهم بِمَا أخفوا من التَّكْذِيب فَذَلِك قَوْله: {يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء}
    ......
    (135)
    قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَت بَنو إِسْرَائِيل إِذا نسوا شَيْئا مِمَّا أَمرهم الله بِهِ أَو أخطأوا أعجلت لَهُم الْعقُوبَة فَيحرم عَلَيْهِم شَيْء من الْمطعم وَالْمشْرَب على حسب ذَلِك الذَّنب، فَأمر الله تَعَالَى نبيه وَالْمُؤمنِينَ أَن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.
    .......
    (135)
    {لَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ} فِيهِ
    سَبْعَة أَقْوَال: (الأول) : مَا لَا يُطَاق ويشق من الْأَعْمَال. (الثَّانِي) : الْعَذَاب. (الثَّالِث) : حَدِيث النَّفس والوسوسة. (الرَّابِع) : الغلمة وَهِي شدَّة شَهْوَة الْجِمَاع، لِأَنَّهَا رُبمَا جرت إِلَى جَهَنَّم. (الْخَامِس) : الْمحبَّة حُكيَ أَن ذَا النُّون تكلم فِي الْمحبَّة فَمَاتَ أحد عشر نفسا فِي الْمجْلس. (السَّادِس) : شماتة الْأَعْدَاء. قَالَ الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا السَّلَام: وَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء. (السَّابِع) : الْفرْقَة والقطيعة.
    .....
    (139)
    فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلاَّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه)
    .......
    (140 )
    امْرَأَة عمرَان أم مَرْيَم، عَلَيْهَا السَّلَام، وَهِي حنة بنت فاقوذا
    ....
    (143)
    (ثمَّ الأريسين) ، قد مضى ضَبطه مشروحا وَجزم ابْن التِّين أَن المُرَاد هُنَا بالأريسيين أَتبَاع عبد الله بن أريس كَانَ فِي الزَّمن الأول بعث إِلَيْهِم نَبِي فاتفقواكلهم على مُخَالفَة نَبِيّهم. فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْك إِن خَالَفت إِثْم الَّذين خالفوا نَبِيّهم، وَقيل: الأريسيون الْمُلُوك وَقيل: الْعلمَاء، وَقَالَ ابْن فَارس: الزراعون، وَهِي شامية الْوَاحِد أويس
    .........
    (147)
    (إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا) قَالَ ابْن بطال: قيل: إنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة وَإِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب، ذكره الطَّبَرِيّ، وَفِي رِوَايَة عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم: كَانَا من أهل فدك وخيبر حَربًا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم ذَاك، وَعَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ هَذَا حِين قدم سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة. وَقَالَ مَالك إِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب وَلَو كَانَا أهل ذمَّة لم يسألهم كَيفَ الحكم فيهم؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعند مَالك لَا يَصح إِحْصَان الْكَافِر وَإِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة. قيل: هَذَا غير جيد لِأَنَّهُمَا كَانَا من أهل الْعَهْد، وَلِأَنَّهُ رجم الْمَرْأَة وَالنِّسَاء الحربيات لَا يجوز قتلهن مُطلقًا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْم الْمَرْأَة المرجومة: بسرة
    .....
    (147)
    وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: ائْتُونِي بِأَعْلَم رجلَيْنِ مِنْك، فَأتوهُ يَا بني صوريا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وَكَانَ عبد الله أعلم من بَقِي من الْأَحْبَار بِالتَّوْرَاةِ ثمَّ كفر بعد ذَلِك، وَزعم السُّهيْلي أَنه أسلم.
    ....
    (155)
    ذكر ابْن مَنْدَه أَسمَاء الأرداف فَبلغ نيفا وَثَلَاثِينَ شخصا
    ....
    (161)
    قَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: نزلت سُورَة النِّسَاء بِالْمَدِينَةِ وَكَذَا روى ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ ابْن النَّقِيب: جُمْهُور الْعلمَاء على أَنَّهَا مَدَنِيَّة وفيهَا آيَة وَاحِدَة نزلت بِمَكَّة عَام الْفَتْح فِي عُثْمَان بن أبي طَلْحَة وَهِي: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} (النِّسَاء: 58) وَعدد حروفها سِتَّة عشر ألف حرف وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَلَاث آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَمِائَة وست وَسَبْعُونَ آيَة.

    .........
    (162)
    {فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفيهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا} (النِّسَاء: 15) كَانَ الحكم فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أَن الْمَرْأَة إِذا زنت فَثَبت زنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ العادلة حبست فِي بَيت فَلَا تمكن من الْخُرُوج إِلَى أَن تَمُوت.
    روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت سُورَة النِّسَاء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا حبس بعد سُورَة النِّسَاء.
    ....
    (163)
    وَلَا تجَاوز الْعَرَب رباع إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا اخْتِيَاره، وَفِيه خلاف لِأَنَّهُ ابْن الْحَاجِب هَل يُقَال: خماس ومخمس إِلَى عشار ومعشر، قَالَ فِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه لم يثبت، وَذكر الطَّبَرِيّ أَن الْعشْرَة يُقَال فِيهَا إعشار، وَلم يسمع فِي غير بَيت للكميت، وَهُوَ قَوْله.
    (فَلم يستر بثوبك حَتَّى رميت. فَوق الرِّجَال خِصَالًا عشارا) .
    يُرِيد عشرا، وَذكر النُّحَاة أَن خلفا الْأَحْمَر أنْشد أبياتا غَرِيبَة فِيهَا من خماس إِلَى عشار.
    .........
    (170)
    وَفِي رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النّسخ بقوله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَقَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ الرجل يتبنى الرجل فيتوارثان على ذَلِك. فسخ قَوْله: {والرفادة} بِكَسْر الرَّاء بالإعانة والإعطاء. قَوْله: (ويوصي لَهُ) ، أَي: للحليف لِأَنَّهُ مِيرَاثه لما نسخ جَازَت الْوَصِيَّة.
    .......
    (171)
    (ذرة) ، الذّرة وَاحِدَة الذَّر وَهُوَ النَّمْل الْأَحْمَر الصَّغِير، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الذّرة فَقَالَ: إِن مائَة نملة وزن حَبَّة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَقيل: إِن الذّرة لَا وزن لَهَا وَيُرَاد بهَا مَا يرى فِي شُعَاع الشَّمْس، وَزعم بعض الْحساب أَن زنة الشعيرة حَبَّة، وزنة الْحبَّة أَربع زرات وزنة الذّرة أَربع سمسمات، وزنة السمسمة أَربع خردلات، وزنة الخردلة أَربع وَرَقَات نخالة، وزنة الورقة من النخالة أَربع ذرات، فَعلمنَا من هَذَا أَن الذّرة أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة فَأَدْرَكنَا أَن الذّرة جُزْء من ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين حَبَّة، وَذَلِكَ أَن الْحبَّة ضربناها فِي أَربع ذرات جَاءَت سِتّ عشرَة سمسمة والست عشرَة ضربناها فِي أَربع جَاءَت مِائَتَيْنِ وست وَخمسين نخالة، فضربناها فِي أَربع جَاءَت ألفا وَعشْرين ذرة وَقيل: الذّرة رَأس النملة الْحَمْرَاء. وَقيل: الذّرة الخردلة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ. قَالَ يزِيد بن هَارُون: زَعَمُوا أَن الذّرة لَيْسَ لَهَا وزن، ويحكى أَن رجلا وضع خبْزًا حَتَّى علاهُ الذَّر مِقْدَار مَا ستره ثمَّ وَزنه فَلم يزدْ على مِقْدَار الْخبز شَيْئا وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه أَدخل يَده فِي التُّرَاب ثمَّ نفخ فِيهِ. وَقَالَ: كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ذرة وَعَن قَتَادَة: كَانَ بعض الْعلمَاء يَقُول: لِأَن تفضل حسناتي وزن ذرة أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا جَمِيعًا. وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ يَا رب لم يبْق لعبدك إلاَّ وزن ذرة، فَيَقُول عز وَجل، ضعفوها لَهُ وأدخلوه الْجنَّة
    .......
    (172)
    نعم ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذِه الرُّؤْيَة غير الرُّؤْيَة الَّتِي هِيَ ثَوَاب للأولياء وكرامة لَهُم فِي الْجنَّة إِذْ هَذِه للتمييز بَين من عبد الله وَبَين من عبد غَيره، وَفِيه رد على أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة والخوارج وَبَعض المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يرَاهُ أحد من خلقه، وَأَن رُؤْيَته مستحيلة عقلا وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خطأ صَرِيح وَجَهل قَبِيح. وَقد تظاهرت أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ من سلف الْأمة على إِثْبَات رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الآخر للْمُؤْمِنين. وَرَوَاهَا نَحْو من عشْرين صحابيا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْكَلَام فِيهِ مستقصًى فِي كتب الْكَلَام. وَأما رُؤْيَة الله فِي الدُّنْيَا فممكنة وَلَكِن الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف من الْمُتَكَلِّمين . وَغَيرهم على أَنَّهَا لَا تقع فِي الدُّنْيَا، وَحكى الإِمَام الْقشيرِي فِي (رسَالَته) عَن الإِمَام أبي بكر بن فورك أَنه حُكيَ فِيهَا قَوْلَيْنِ للْإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ: أَحدهمَا: وُقُوعهَا. وَالْآخر: أَنَّهَا لَا تقع قَوْله: (هَل تضَارونَ فِي ضَبطه رِوَايَات) الأولى: تضَارونَ بِضَم أَوله وَضم رائه من غير تَشْدِيد من الضير وَهُوَ الْمضرَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. قَالُوا: (لَا ضير) أَي: لَا ضَرَر، وَمَعْنَاهُ: هَل يلحقكم فِي رُؤْيَته ضير أَي: ضَرَر. الثَّانِيَة: هَل تضَارونَ بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الضَّاد وَالرَّاء من الضَّرَر. وَمَعْنَاهُ هَل تضَارونَ غَيْركُمْ فِي حَال الرُّؤْيَة بزحمة وَمُخَالفَة فِي رُؤْيَة غَيرهَا أَو لخفائه كَمَا يَفْعَلُونَ أول لَيْلَة من الشَّهْر، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأَصله هَل تتضارون. أَي: تتزاحمون عِنْد رُؤْيَته حَتَّى يلحقكم الضَّرَر، ووزنه تتفاعلون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ. الثَّالِثَة: تضَامون، بتَشْديد الْمِيم وَفتح أَوله: وَمَعْنَاهُ هَل تتضامون وتتوصلون إِلَى رُؤْيَته، وَأَصله من الانضمام. الرَّابِعَة: هَل تضَامون، بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم من الضيم، وَهُوَ الْمَشَقَّة والتعب، وَأورد الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فِي غير هَذَا الْموضع.
    ........
    (174)
    الْخَال يَأْتِي لمعان كَثِيرَة: (مِنْهَا) : معنى الْكبر لِأَن الْخَال بِمَعْنى الخائل وَهُوَ المتكبر، وَقَالَ بَعضهم: الْخَال يُطلق على معَان كَثِيرَة نظمها بَعضهم فِي قصيدة تبلغ نَحوا من الْعشْرين بَيْتا قلت: كتبت قصيدة فِي مُؤَلَّفِي (رونق الْمجَالِس) تنْسب إِلَى ثَعْلَب تبلغ هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ.
    نَطْمِسَ وُجُوها نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأفْعَالِهِمْ طَمَسَ الكِتابَ مَحاهُ

    ......
    (175)
    {كفى بجهنم سعيرا} (النِّسَاء: 55) وَفسّر سعيرا بقوله: وقودا. لَو كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التفاسير لَيست لهَذِهِ الْآيَة وَكَأَنَّهَا من النساخ. قلت: هَذَا بعيد جدا لِأَن غَالب الْكتاب جهلة فَمن أَيْن لَهُم هَذِه التفاسير؟ وَبِأَيِّ وَجه يلحقون مثل هَذِه فِي مثل هَذَا الْكتاب الَّذِي لَا يحلق أساطين الْعلمَاء شاؤه؟ وَمن شَأْن النساخ التحريف والتصحيف والإسقاط وَلَيْسَ من دأبهم أَن يزِيدُوا فِي كتاب مُرَتّب منقح من عِنْدهم، وَلَو قَالَ: وَكَأَنَّهُ من بعض الروَاة المعتنين بالجامع لَكَانَ لَهُ وَجه، وَلَا يبعد أَن يكون هَذَا من نفس البُخَارِيّ من غير تفكر فِيهِ، فَإِن تنبه عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ مَا أدْرك إِلَى وضع هَذِه التفاسير فِي محلهَا ثمَّ استمرت على ذَلِك.
    .........
    (175)
    وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: الجبت السَّاحر بِلِسَان الْحَبَشَة، والطاغوت الكاهن، وَهَذَا يدل على وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن. وَاخْتلف فِيهِ فَأنْكر الشَّافِعِي وَأَبُو عُبَيْدَة وُقُوع ذَلِك فِي الْقُرْآن وحملا مَا وجد من ذَلِك على توارد اللغتين، وَأَجَازَ ذَلِك قوم وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَاحْتج لذَلِك بِوُقُوع إسماء الْإِعْلَام فِيهِ كإبراهيم وَغَيره، فَلَا مَانع من وُقُوع إسماء الْأَجْنَاس فِيهِ أَيْضا وَقد وَقع فِي البُخَارِيّ جملَة من ذَلِك، وَقيل: مَا وَقع من ذَلِك فِي الْقُرْآن سَبْعَة وَعِشْرُونَ وَهِي (السلسبيل) و (كورت) وَبيع (روم) و (طُوبَى) و (سجيل) و (كافور) و (زنجبيل) و (ومشكاة) و (وسرادق) و (استبرق) و (صلوَات) و (سندس) و (طور) و (قَرَاطِيس) و (ربانيين) و (غساق) و (دِينَار) و (قسطاس) و (قسورة) و (اليم) و (ناشئة) و (كِفْلَيْنِ)
    و (مقاليد) و (فردوس) و (تنور) .
    ........
    (176)
    (وَأولى الْأَمر مِنْكُم) ، فِي تَفْسِيره أحد عشر قولا: الأول: الْأُمَرَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن زيد وَالسُّديّ. الثَّانِي: أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَه عِكْرِمَة. الثَّالِث: جَمِيع الصَّحَابَة، قَالَ مُجَاهِد. الرَّابِع: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة قَالَه أَبُو بكر الْوراق فِيمَا قَالَه الثَّعْلَبِيّ. الْخَامِس: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار، قَالَه عَطاء. السَّادِس: الصَّحَابَة والتابعون. السَّابِع: أَرْبَاب الْعقل الَّذين يسوسون أَمر النَّاس، قَالَه ابْن كيسَان. الثَّامِن: الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء، قَالَه جَابر بن عبد الله وَالْحسن وَأَبُو الْعَالِيَة. التَّاسِع: أُمَرَاء السَّرَايَا. قَالَه مَيْمُون بن مهْرَان وَمُقَاتِل والكلبي. الْعَاشِر: أهل الْعلم وَالْقُرْآن، قَالَه مُجَاهِد وَاخْتَارَهُ مَالك. الْحَادِي عشر: عَام فِي كل من ولي أَمر شَيْء، وَهُوَ الصَّحِيح، وإلي مَال البُخَارِيّ بقوله: (ذَوي الْأَمر)
    .........

    (185)
    قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ رَحمَه الله، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ.
    ؟؟؟؟؟
    (187)
    قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة.

    .........
    (194)
    وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَقْصُود حُذَيْفَة أَن جمَاعَة من الْمُنَافِقين صلحوا واستقاموا فَكَانُوا خيرا من أُولَئِكَ التَّابِعين لمَكَان الصُّحْبَة وَالصَّلَاح كمجمع وَيزِيد بن حَارِثَة بن عَامر كَانَا منافقين فصلحت حَالهمَا واستقامت،
    انُوا طبقَة الصَّحَابَة فهم خير منطبقة التَّابِعين، لَكِن الله ابْتَلَاهُم فَارْتَدُّوا ونافقوا فَذَهَبت الْخَيْرِيَّة عَنْهُم، وَمِنْهُم من تَابَ فَعَادَت إِلَيْهِ الْخَيْرِيَّة.
    وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ حُذَيْفَة حذرهم أَن ينْزع مِنْهُم الْإِيمَان لِأَن الْأَعْمَال بالخواتيم.
    .......
    (195)
    وَالكَلالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أبٌ أوْ ابنٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ
    أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْكَلَالَة، وَهَذَا قَول أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ
    .......
    (197)
    وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله مؤيمن، فقلبت الْهمزَة هَاء لِأَن الْهَاء أخف من الْهمزَة وَهُوَ على وزن مسيطر ومبيطر، قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ، مهيمن مفيعل يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ من أَمِين، قلبت همزته هَاء وَقد أنكر ذَلِك ثَعْلَب فَبَالغ حَتَّى نسب قَائِله إِلَى الْكفْر لِأَن الْمُهَيْمِن من الْأَسْمَاء الْحسنى وَأَسْمَاء الله تَعَالَى لَا تصغر، وَالْحق أَنه أصل بِنَفسِهِ لَيْسَ مبدلاً من شَيْء وأصل الهيمنة الْحِفْظ والارتقاب، يُقَال: هيمن فلَان على فلَان إِذا صَار رقيبا عَلَيْهِ فَهُوَ مهيمن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يَجِيء فِي كَلَام الْعَرَب على هَذَا الْبناء إلاَّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْمُهَيْمِن من صِفَات الله تَعَالَى، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: الْمُهَيْمِن الشَّهِيد وَالشَّاهِد، وَقيل: الرَّقِيب، وَقيل: الحفيظ.
    .........
    (18/208)
    وَقَالَ النوري: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن عبد الله كَانَ يعْتَقد إِبَاحَة الْمُتْعَة، كَقَوْل ابْن عَبَّاس، وَأَنه لم يبلغهما نسخهَا وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: روى حَدِيث إِبَاحَة الْمُتْعَة جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَذكره مُسلم فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وسبرة بن معبد الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثهم أَنَّهَا كَانَت فِي الْحَضَر، وَإِنَّمَا كَانَت فِي أسفارهم فِي الْغَزْو وَعند ضرورتهم وَعدم النِّسَاء مَعَ أَن بِلَادهمْ حارة وصبرهم عَنْهُن قَلِيل، وَقد ذكر فِي حَدِيث ابْن عمر: أَنَّهَا كَانَت رخصَة فِي أول الْإِسْلَام إِن اضطروا إِلَيْهَا كالميتة وَنَحْوهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس نَحوه، وَقَالَ الْمَازرِيّ: ثَبت أَن نِكَاح الْمُتْعَة كَانَ جَائِزا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه نسخ وانعقد الْإِجْمَاع على تَحْرِيمه وَلم يُخَالف فِيهِ إلاَّ طَائِفَة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث المنسوخة فَلَا دلَالَة لَهُم فِيهَا، وتعلقوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فأتوهن أُجُورهنَّ} (النِّسَاء: 24) وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أجل. وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود هَذِه شَاذَّة لَا يحْتَج بهَا قُرْآنًا وَلَا خَبرا.
    ........
    (18/211)
    قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: حَدثنَا أسود بن عَامر أَنبأَنَا إِسْرَائِيل عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما حرمت الْخمر قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يشربونها؟ فَأنْزل الله عز وَجل: {لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا} قَالَ: وَلما حولت الْقبْلَة قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله! أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، فَأنْزل الله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} (الْبَقَرَة: 113
    ........
    (215)
    ذكر فِي (التَّوْضِيح) إِنَّمَا هُوَ عَمْرو بن لحي، ولحي اسْمه: ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء، وَقيل: لحي بن قمعة ابْن الياس بن مُضر، نبه عَلَيْهِ الدمياطي، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) وَعمر وَهَذَا هُوَ ابْن لحي بن قمعة أحد رُؤَسَاء خُزَاعَة الَّذين ولوا الْبَيْت بعد جرهم، وَكَانَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأدْخل الْأَصْنَام إِلَى الْحجاز ودعا الرعاع من النَّاس إِلَى عبادتها والتقرب بهَا، وَشرع لَهُم هَذِه الشَّرَائِع الْجَاهِلِيَّة فِي الْأَنْعَام وَغَيرهَا
    .............
    (222)
    فَإِذا وصل قارىء البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الْموضع ووقف على قَوْله: استكثرتم أضللتم، وَلم يكن الْقُرْآن فِي حفظه حَتَّى يقف عَلَيْهِ وَلم يعلم أَوله وَلَا آخِره، تحير فِي ذَلِك، فَإِذا رَجَعَ إِلَى شرح من شُرُوح هَؤُلَاءِ يزْدَاد تحيرا. وَشرح البُخَارِيّ لَا يظْهر بِقُوَّة الْحِفْظ فِي الحَدِيث أَو بعلوا السَّنَد أَو بِكَثْرَة النَّقْل، ولايخرج من حَقه إلاَّ من لَهُ يَد فِي الْفُنُون وَلَا سِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول مَعَ تتبع مَعَاني أَلْفَاظه كلمة كلمة، وَبَيَان المُرَاد مِنْهُ والتأمل فِيهِ والغوص فِي تيار تحقيقاته والبروز مِنْهُ بمكنونات تدقيقاته.
    .....
    (224)
    وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون.
    ........
    (225)
    وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كلُّ ذِي ظُفُرٍ البَعِيرُ وَالنّعَامَةُ
    هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابنن جريج من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى من طَرِيق آخر ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد مثله.
    ......
    (232)
    ي رِوَايَة الْأَكْثَرين (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني والحموي (فِي الدُّعَاء وَفِي غَيره) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْقَاسِم حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنِي حجاج عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء وَلَا فِي غَيره) ، والاعتداء فِي الدُّعَاء بِزِيَادَة السُّؤَال فَوق الْحَاجة وَيطْلب مَا يَسْتَحِيل حُصُوله شرعا وَيطْلب مَعْصِيّة. وبالاعتناء بالأدعية الَّتِي لم تُؤثر خُصُوصا إِذا كَانَ بالسجع الْمُتَكَلف وبرفع الصَّوْت والنداء والصياح لقَوْله تَعَالَى: {ادعوا ربكُم تضرعا وخفية} وأمرنا بِأَن نَدْعُو بالتضرع والاستكانة والخفية أَلا ترى أَن الله تَعَالَى ذكر عبدا صَالحا وَرَضي فعله فَقَالَ: {إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا} (مَرْيَم: 3) وَفِي (التَّلْوِيح) (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) إِلَى قَوْله، قَالَ غَيره: يشبه وَالله أعلم أَنه من قَول ابْن عَبَّاس، وَقد ذكره من غير عطف لذَلِك.
    ....
    (234)
    قَالَ الْجَوْهَرِي: السم الثقب وَمِنْه سم الْخياط ومسام الْجَسَد ثقبه، وَفِي (الْمغرب) المسام المنافذ من عِبَارَات الْأَطِبَّاء، وَفِي السم ثَلَاث لُغَات فتح السِّين وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَضمّهَا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة، وَكسرهَا وَبِه قَرَأَ بو عمرَان الْجونِي، والخياط مَا يخاط بِهِ وَيُقَال: مخيط أَيْضا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو رزين
    ....
    (235)
    وَفسّر الطوفان بِأَنَّهُ من السَّيْل، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رِوَايَة الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار. وَبِه قَالَ الضَّحَّاك: وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَثْرَة الْمَوْت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَيُقَال للْمَوْت الْكثير الطوفان، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون على كل حَال، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ أَمر من الله طَاف بهم ثمَّ قَرَأَ: {فَطَافَ عَلَيْهِم طائف من رَبك وهم نائمون} (الْقَلَم: 19) . وَقَالَ الْأَخْفَش الطوفان واحده طوفانة وَقيل: هُوَ مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان. قلت: هُوَ اسْم للمصدر، فاقهم.
    .........
    (240)
    روى الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا: أَن الَّذِي لطم الْيَهُودِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة هُوَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ، وَمَا ذكره البُخَارِيّ هُوَ الْأَصَح.
    ......
    (242)
    وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق: لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة أجمع لمكارم الْأَخْلَاق مِنْهَا، وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن الْمُعَامَلَة إِمَّا مَعَ نَفسه أَو مَعَ غَيره، والغير إِمَّا عَالم أَو جَاهِل أَو لِأَن أُمَّهَات الْأَخْلَاق ثَلَاث لِأَن القوى الإنسانية ثَلَاث: الْعَقْلِيَّة والشهوية والغضبية، وَلكُل قُوَّة فَضِيلَة هِيَ وَسطهَا، للعقلية الْحِكْمَة وَبهَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وللشهوية الْعِفَّة وَمِنْهَا أَخذ الْعَفو، وللغضبية الشجَاعَة وَمِنْهَا: الْإِعْرَاض عَن الْجُهَّال.
    ......
    245
    والتصدية فَسرهَا البُخَارِيّ بقوله: الصفير، وَكَذَا فَسرهَا مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بالتصفيق حَيْثُ قَالَ: التصدية صفق الأكف، وَقَالَ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عمر: المكاء الصفير والتصدية التصفيق، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: كَانَت قُرَيْش تَطوف بِالْبَيْتِ عُرَاة تصفر وتصفق.
    .......
    (253)
    ها ثَلَاثَة عشر اسْما اثْنَان مشهوران (بَرَاءَة) ، و (التَّوْبَة) و (سُورَة الْعَذَاب) و (والمقشقشة) لِأَنَّهَا تقشقش عَن النِّفَاق أَي: تبرىء، وَقيل: من تقشقش الْمَرِيض إِذا برأَ (والبحوث) لِأَنَّهَا تبحث عَن سرائر الْمُنَافِقين و (الفاضحة) لِأَنَّهَا فضحت الْمُنَافِقين و (المبعثرة) لِأَنَّهَا بعثرت أَخْبَار النَّاس وكشفت عَن سرائرهم و (المثيرة) لِأَنَّهَا أثارت مخازي الْمُنَافِقين و (الحافرة) لِأَنَّهَا حفرت عَن قُلُوبهم و (المشردة) لِأَنَّهَا تشرد بالمنافقين و (المخزية) لِأَنَّهَا تخزي الْمُنَافِقين و (المنكلة) لِأَنَّهَا تَتَكَلَّم و (المدمدمة) لِأَنَّهَا تدمدم عَلَيْهِم. وَاخْتلف فِي سَبَب سُقُوط الْبَسْمَلَة من أَولهَا. فَقيل: لِأَن فِيهَا نقض الْعَهْد وَالْعرب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نقض الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين قوم لم يكتبوا فِيهِ الْبَسْمَلَة، وَلما نزلت برَاء بِنَقْض الْعَهْد قَرَأَهَا عَلَيْهِم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يبسمل جَريا على عَادَتهم، وَقيل: لِأَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: كَانَت الْأَنْفَال من أَوَائِل مَا نزل وَبَرَاءَة من آخِره، وَكَانَت قصَّتهَا شَبيهَة بِقِصَّتِهَا، وَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يبين لنا أَنَّهَا مِنْهَا فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا فَمن ثمَّة قرنت بَينهمَا وَلم أكتب بَينهمَا الْبَسْمَلَة، رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقيل: لما سقط الْبَسْمَلَة مَعَه، رُوِيَ عَن عُثْمَان أَيْضا وَقَالَهُ مَالك فِي رِوَايَة ابْن وهب وَابْن الْقَاسِم، وَقَالَ ابْن عجلَان: بَلغنِي أَن بَرَاءَة كَانَت تعدل الْبَقَرَة أَو قربهَا فَذهب مِنْهَا فَلذَلِك لم تكْتب الْبَسْمَلَة، وَقيل: لما كتب الْمُصحف فِي خلَافَة عُثْمَان اخْتلفت الصَّحَابَة. فَقَالَ بَعضهم: بَرَاءَة والأنفال سُورَة وَاحِدَة، وَقَالَ بَعضهم: هما سورتان، فَترك بَينهمَا فُرْجَة لقَوْل من لم يقل إنَّهُمَا سُورَة وَاحِدَة، وَبِه قَالَ: خَارِجَة وَأَبُو عصمَة وَآخَرُونَ، وَقيل: روى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: سَأَلت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك فَقَالَ: لِأَن الْبَسْمَلَة أَمَان وَبَرَاءَة
    نزلت بِالسَّيْفِ لَيْسَ فِيهَا أَمَان. قَالَ الْقشيرِي: وَالصَّحِيح أَن الْبَسْمَلَة لم تكْتب فِيهَا لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، مَا نزل بهَا فِيهَا، وروى الثَّعْلَبِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا نزل عليّ الْقُرْآن إلاَّ آيَة آيَة وحرفا حرفا خلا بَرَاءَة وَقل هُوَ الله أحد فَإِنَّهُمَا أَنْزَلَتَا عليّ ومعهما سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة) .
    ..........
    (265)
    وَالْمرَاد بجمادى جُمَادَى الْآخِرَة وَقد يذكر وَيُؤَنث فَيُقَال جُمَادَى الأول وَالْأولَى وجمادى الآخر وَالْآخِرَة وَيجمع على جمادات كحبارى وحباريات وَسمي بذلك لجمود المَاء فِيهِ قلت كَأَنَّهُ حِين وضع أَولا اتّفق جمود المَاء فِيهِ وَإِلَّا فالشهور تَدور
    ....
    (266)
    أَن مُعَاوِيَة لما مَاتَ امْتنع ابْن الزبير من الْبيعَة ليزِيد بن مُعَاوِيَة وأصر على ذَلِك، وَلما بلغه خبر موت يزِيد بن مُعَاوِيَة دَعَا ابْن الزبير إِلَى نَفسه فبويع بالخلافة وأطاعه أهل الْحجاز ومصر وعراق وخراسان وَكثير من أهل الشَّام، ثمَّ جرت أُمُور حَتَّى آلت الْخلَافَة إِلَى عبد الْملك، وَذَلِكَ كُله فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَكَانَ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة وَعبد الله بن عَبَّاس مقيمين بِمَكَّة مُنْذُ قتل الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فدعاهما ابْن الزبير إِلَى الْبيعَة لَهُ فامتنعا وَقَالا: لَا نُبَايِع حَتَّى يجْتَمع النَّاس على خَليفَة، وتبعهما على ذَلِك جمَاعَة فَشدد عَلَيْهِم ابْن الزبير وحصرهم فَبلغ الْخَبَر الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ قد غلب على الْكُوفَة وَكَانَ فر مِنْهُ من كَانَ من قبل ابْن الزبير، فَجهز إِلَيْهِم جَيْشًا فأخرجوهما واستأذنوهما فِي قتال ابْن الزبير فامتنعا، وخرجا إِلَى الطَّائِف فأقاما بهَا حَتَّى مَاتَ ابْن عَبَّاس فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، ورحل ابْن الْحَنَفِيَّة بعده إِلَى جِهَة رضوى جبل يَنْبع فَأَقَامَ هُنَاكَ، ثمَّ أَرَادَ دُخُول الشَّام فَتوجه إِلَى نَحْو أَيْلَة فَمَاتَ فِي آخر سنة ثَلَاثَة أَو أول سنة أَربع وَسبعين، وَذَلِكَ عقيل قتل ابْن الزبير على الصَّحِيح.
    ....
    (274)
    إِنَّمَا جزم بذلك جَريا على مَا كَانَ اطلع عَلَيْهِ من أَحْوَاله وَلم يَأْخُذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقوله: وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْرَاء لَهُ على ظَاهر حكم الْإِسْلَام، وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عبد الله بن أبي بِصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المصرحة بِمَا يُنَافِي فِي ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره} قَالَ: فَذكر لنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي من الله وَإِنِّي لأرجو أَن يسلم بذلك ألف من قومه، قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) إِلَى آخِره: زَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر فِي آخِره: فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: فصلى عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إلاَّ يَسِيرا حَتَّى نزلت، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) فِي حَدِيث الْبَاب: فَمَا صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى.
    ........
    (275)
    وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: خيرني: يَعْنِي بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه، وَكَذَا وَقع بِغَيْر شكّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِ يّ أخرجه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أبي ضَمرَة وَهُوَ أنس بن عِيَاض بِلَفْظ إِنَّمَا خيرني الله من التَّخْيِير فَحسب، وَقد اسْتشْكل فهم التَّخْيِير من الْآيَة حَتَّى إِن جمَاعَة من الأكابر طعنوا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه، مِنْهُم: القَاضِي أَبُو بكر فَإِنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يقبل هَذَا وَلَا يَصح أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه: وَمِنْهُم: أَبُو بكر الباقلاني فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّقْرِيب) هَذَا الحَدِيث من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يعلم ثُبُوتهَا وَمِنْهُم: إِمَام الْحَرَمَيْنِ. قَالَ فِي (مُخْتَصره) هَذَا الحَدِيث غير مخرج فِي الصَّحِيح، وَقَالَ فِي (الْبُرْهَان) لَا يُصَحِّحهُ أهل الحَدِيث. وَمِنْهُم: الْغَزالِيّ، قَالَ فِي (الْمُسْتَصْفى) الْأَظْهر أَن هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح وَمِنْهُم: الدَّاودِيّ، قَالَ: هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأجِيب بِأَنَّهُم ظنُّوا أَن قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) ، الْآيَة نزل مَعَ قَوْله: {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} وَلم يكن نُزُوله إلاّ متراخيا عَن صدر الْآيَة فَحِينَئِذٍ يرْتَفع الْإِشْكَال وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ، مَا فِيهِ رفع للإشكال الْمَذْكُور، وَمُلَخَّص سُؤَاله أَنه قد تَلا قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) قَوْله: (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم) فَبين الصَّارِف عَن الْمَغْفِرَة لَهُم، وَمُلَخَّص جَوَابه أَنه مثل قَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: {وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم} (إِبْرَاهِيم: 36) وَذَلِكَ أَنه تخيل بِمَا قَالَ إِظْهَار الْغَايَة رَحمته ورأفته على من بعث إِلَيْهِ، وَقد رد كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا من لَا يدانيه وَلَا يجاريه فِي مثل هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز نِسْبَة مَا قَالَه إِلَى الرَّسُول لِأَن الله أخبر أَنه لَا يغْفر للْكفَّار وَإِذا كَانَ لَا يغْفر لَهُم فَطلب الْمَغْفِرَة لَهُم مُسْتَحِيل. وَهَذَا لَا يَقع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مُشْركًا
    لَا يسْتَلْزم النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مظْهرا لِلْإِسْلَامِ
    .........
    (277)
    ي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت لَا إلاه إلاَّ الله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه إِلَى آخِره، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه الْمسيب بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لم يرو عَن الْمسيب إلاَّ ابْنه، وَفِيه رد على الْحَاكِم أبي عبد الله فِيمَا قَالَه: إِن البُخَارِيّ لم يخرج عَن أحد مِمَّن لم يرو عَنهُ إلاَّ وَاحِد، وَلَعَلَّه أَرَادَ من غير الصَّحَابَة
    .......
    (280)
    عزيز عليه ما عنتم
    وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلاَّ لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: {بِالْمُؤْمِنِين َ رؤوف رَحِيم} وَقَالَ عز وَجل: {إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم}
    ....
    (283)
    وَقَالَ أَبُو ثابِتٍ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ وَقَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ أوْ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ
    أَبُو ثَابت مُحَمَّد بن عبيد الله الْمدنِي يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَشك فِي رِوَايَته حَيْثُ قَالَ: مَعَ خُزَيْمَة، أَو مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام بِالشَّكِّ، وَالْحَاصِل هُنَا أَن أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن سعد اخْتلفُوا، فَقَالَ بَعضهم: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَقَالَ بَعضهم: مَعَ خُزَيْمَة، وَشك بَعضهم. وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَن آيَة التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَآيَة الْأَحْزَاب مَعَ خُزَيْمَة.
    ........
    (18/285)
    {وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ} (يُونُس: 11) . نزلت هَذِه الْآيَة فِي النَّضر بن الْحَارِث حَيْثُ قَالَ: أللهم إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق، والتعجيل تَقْدِيم الشَّيْء قبل وقته، والاستعجال طلب العجلة، وَالْمعْنَى: لَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ إِذا دَعوه على أنفسهم عِنْد الْغَضَب وعَلى أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ كَمَا يعجل لَهُم الْخَيْر لهلكوا
    ....
    (285)
    {للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : أَي: المثوبة، وَقَالَ غَيره: الْحسنى قَول لَا إل هـ إلاَّ الله. قَوْله: (مثلهَا حسنى) أَي: مثل تِلْكَ الْحسنى حسنى أُخْرَى مثلهَا تفضلاً وكرماً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويزيدهم من فَضله} (النِّسَاء: 173) وَفسّر الزِّيَادَة بقوله: {مغْفرَة ورضوان} (فاطر: 30، الشورى: 26) ، وَعَن الْحسن: أَن الزِّيَادَة التَّضْعِيف، وَعَن عَليّ: الزِّيَادَة غرفَة من لُؤْلُؤ وَاحِدَة لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب، أخرجه الطَّبَرِيّ.
    وَقَالَ غَيْرُهُ النّظَرُ إِلَى وجْهِهِ
    هَذَا لم يثبت إلاَّ لأبي ذَر وَأبي الْوَقْت خَاصَّة وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْغَيْر فِيمَا أَظن قَتَادَة، وَقَالَ صَاحب (التشريح) : يَعْنِي غير مُجَاهِد، قلت: الأصوب هَذَا الْمَذْكُور فِيمَا قبله قَول مُجَاهِد فَيكون هَذَا قَول غَيره، وَالَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ بَعضهم فِيمَا قَالَه على مَا أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، قَالَ: الْحسنى هِيَ جنَّة، وَالزِّيَادَة النّظر إِلَى وَجه الرَّحْمَن، وذالا يدل على مَا اعْتَمدهُ على مَا لَا يخفى.
    ......
    (288)
    وَقَالَ مُجَاهِدٌ الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ
    أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واستوت على الجودي} (هود: 44) أَي: اسْتَوَت سفينة نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الجودي، وَهُوَ جبل بالجزيرة،
    وَقَالَ: أكْرم الله عز وَجل، ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة أَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حراء بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: والجودي بِنوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالطور بمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.



    .......
    (298)
    وَحَدِيث نَبهَان التمار أخرجه الثَّعْلَبِيّ وَغَيره من طَرِيق مقَاتل عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن نَبهَان التمار أَتَتْهُ امْرَأَة حسناء جميلَة تبْتَاع مِنْهُ تَمرا، فَضرب على عجيزتها ثمَّ نَدم، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إياك أَن تكون امْرَأَة غازٍ فِي سَبِيل الله، فَذهب يبكي ويصوم وَيقوم فَأنْزل الله: {وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا وَالله} (آل عمرَان: 135) فَأخْبرهُ فَحَمدَ الله، وَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذِه تَوْبَتِي قبلت، فَكيف لي بِأَن يتَقَبَّل شكري؟ فَنزلت: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار} (هود: 114) الْآيَة. قيل: إِن ثَبت هَذَا حمل على وَاقعَة أُخْرَى لما بَين السياقين من الْمُغَايرَة. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) نَبهَان التمار أَبُو مقبل لَهُ ذكر فِي رِوَايَة مقَاتل عَن الضَّحَّاك، ولسنا بِيَقِين،
    .....
    (302)
    عَن ابْن عَبَّاس: التمسوا. وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الْفرق بَين التحسس، بِالْحَاء الْمُهْملَة، والتجسس، بِالْجِيم؟ فَقَالَ: لَا يعدو أَحدهمَا عَن الآخر إلاَّ أَن التحسس فِي الْخَيْر والتجسس فِي الشَّرّ، وَقيل: بِالْحَاء لنَفسِهِ وبالجيم لغيره، وَمِنْه الجاسوس.
    .....
    (305)
    إعلم إِن: حاش على ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفا، تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته (وَالثَّانِي) أَن تكون للتنزيه، نَحْو: حاش لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جنى والكوفيين فعل لتصرفهم فِيهَا بالحذف. وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم: حاشا لله، بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال بَرَاءَة لله من كَذَا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل وَمَعْنَاهَا: أَتَبرأ أَو تبرأت. (الثَّالِث) أَن تكون للاستثناء، فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة إِلَّا لَكِنَّهَا تجر الْمُسْتَثْنى وَذهب الْجرْمِي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وَأَبُو زيد وَالْفراء وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِلَى أَنَّهَا تسْتَعْمل كثيرا حرفا جارا، وقليلاً فعلا مُتَعَدِّيا جَامِدا لتضمنها معنى إلاَّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الشين فِي حاش فِي قَوْله حاش لله، مَفْتُوحَة بِغَيْر يَاء، وَبَعْضهمْ يدخلهَا فِي آخرهَا، كَقَوْل الشَّاعِر.
    حاشى أبي ثَوْبَان إِن بِهِ ضمنا

    ..........
    (314)
    وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على أَن الْحَامِل تحيض. وَهُوَ وَاحِد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَ عَطاء وَالشعْبِيّ فِي آخَرين: لَا تحيض وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
    ........
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    بعون الله تَعَالَى وَحسن توفقيه قد تمّ الْجُزْء الثَّامِن عشر ويليه إِن شَاءَ
    الله تَعَالَى الْجُزْء التَّاسِع عشر وأوله سُورَة إِبْرَاهِيم
    .....

  5. #285
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم :

    اليوم : الجمعة
    الموافق : 4/ رمضان / 1442 هجري
    الموافق : 16/ ابريل / 2021 ميلادي

    " فوائد منتقاة من المجلد التاسع عشر " من " عمدة القاري " للحافظ بدر الدين العيني رحمه الله

    .............................. .......

    ( 19/15)
    وَالْحَمْد أول كلمة تكلم بهَا آدم عَلَيْهِ السَّلَام، حِين عطس، وَهِي آخر كَلَام أهل الْجنَّة من ذُريَّته، قَالَ الله تَعَالَى: {وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين}
    ......
    (19/15)
    وَقَالَ قوم: إِن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع الطوَال، وَهِي: الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وَالتَّوْبَة مَعًا، وهما سُورَة وَاحِدَة، وَلِهَذَا لم تكْتب بَينهمَا بَسْمَلَة، وَهُوَ قَول ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا سميت الطوَال مثاني لِأَن الْفَرَائِض وَالْحُدُود والأمثال وَالْخَبَر والعبر ثبتَتْ فِيهَا، وَعَن طَاوُوس وَابْن مَالك: الْقُرْآن كُله مثاني لِأَن الأنباء والقصص ثبتَتْ فِيهِ، فعلى هَذَا القَوْل المُرَاد بالسبع سَبْعَة أَسْبَاع الْقُرْآن،
    ....
    (12)
    والسبع المثاني هِيَ الْفَاتِحَة، وَإِنَّمَا سميت أم الْقُرْآن لاشتمالها على الْمعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء على الله تَعَالَى، وَمن التَّعَبُّد بِالْأَمر وَالنَّهْي وَمن الْوَعْد والوعيد، أَو لما فِيهَا من الْأُصُول الثَّلَاثَة: المبدأ والمعاش والمعاد، وَفِيه الرَّد على ابْن سِيرِين فِي قَوْله: لَا تَقولُوا أم الْقُرْآن إِنَّمَا هِيَ فَاتِحَة الْكتاب، وَأم الْكتاب هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ
    .....
    (18)
    أَنَّهَا كَانَت لَا تكف عَن الْغَزل وَلَا تبقي مَا غزلت، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة، قَالَ: هُوَ مثل ضربه الله تَعَالَى لمن ينْكث عَهده، وَقَالَ مقَاتل فِي تَفْسِيره: هَذِه الْمَرْأَة قرشية اسْمهَا ريطة بنت عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة وتلقب جعرانة لحمقها، وَذكر السُّهيْلي: أَنَّهَا بنت سعد بن زيد مَنَاة بن تيم بن مرّة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَانَت اتَّخذت مغزلاً بِقدر ذِرَاع وسنارة مثل الإصبع وفلكة عَظِيمَة على قدرهما تغزل الْغَزل من الصُّوف والوبر وَالشعر وتأمر جواريها بذلك، وَكن يغزلن إِلَى نصف النَّهَار، ثمَّ تأمرهن بِنَقْض جَمِيع ذَلِك، فَهَذَا كَانَ دأبها.
    ........
    (18)
    وَعَن عِكْرِمَة: من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره، من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: مائَة سنة
    ....
    (19/24)
    وَالَّذِي سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يصف لَهُم بَيت الْمُقَدّس هُوَ الْمطعم بن عدي فوصف لَهُم، فَمن مُصَفِّق وَمن وَاضع يَده على رَأسه مُتَعَجِّبا، وَكَانَ فِي الْقَوْم من سَافر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَرَأى الْمَسْجِد فَقيل لَهُ: هَل تَسْتَطِيع أَن تنْعَت لنا بَيت الْمُقَدّس؟ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَذَهَبت أَنعَت لَهُم فَمَا زلت أَنعَت حَتَّى الْتبس عَليّ بعض النَّعْت، فجيء بِالْمَسْجِدِ حَتَّى وضع، قَالَ: فنعته وَأَنا أنظر إِلَيْهِ، فَقَالَ القوام: أما النَّعْت فقد أصَاب
    ....
    (19/28)
    {وآتينا دَاوُد زبوراً} قَالَ الرّبيع بن أنس: الزبُور هَذَا ثَنَاء على الله وَدُعَاء وتسبيح، وَقَالَ قَتَادَة، كُنَّا نتحدث أَنه دُعَاء علمه الله دَاوُد وتحميد وتمجيد لله لَيْسَ فِيهِ حَلَال وَلَا حرَام وَلَا فَرَائض وَلَا حُدُود.
    .....
    (30)
    قَالَ الْأَشْعَرِيّ: هُوَ النَّفس الدَّاخِل من الْخَارِج، قَالَ: وَقيل: هُوَ جسم لطيف يُشَارك الْأَجْسَام الظَّاهِرَة والأعضاء الظَّاهِرَة، وَقَالَ بَعضهم: لَا يعلمهَا إلاَّ الله تَعَالَى، وَقَالَ الْجُمْهُور: هِيَ مَعْلُومَة، وَقيل: هِيَ الدَّم، وَقيل: هِيَ نور من نور الله وحياة من حَيَاته، وَقيل: هِيَ أَمر من أَمر الله عز وَجل، أخْفى حَقِيقَتهَا وَعلمهَا على الْخلق. وَقيل: هِيَ روحانية خلقت من الملكوت فَإِذا صفت رجعت إِلَى الملكوت، وَقيل: الرّوح روحان روح اللاهوتية وروح الناسوتية، وَقيل: الرّوح نورية وروحانية وملكوتية إِذا كَانَت صَافِيَة، وَقيل: الرّوح لاهوتية، وَالنَّفس أرضية طينية نارية، وَقيل: الرّوح استنشاق الْهَوَاء، وَقَالَت عَامَّة الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا عرض، وَأغْرب ابْن الراوندي، فَقَالَ: إِنَّهَا جسم لطيف يسكن الْبدن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْمُخْتَار أَنه جسم لطيف تُوجد بِهِ الْحَيَاة، وَقيل: الْأَرْوَاح على صور الْخلق لَهَا أيد وأرجل وَسمع وبصر.
    ثمَّ أعلم أَن أَرْوَاح الْخلق كلهَا مخلوقة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والأثر، وَاخْتلفُوا: هَل تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان والأنفس أَو لَا تَمُوت؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا تَمُوت وَلَا تبلى، وَقَالَ بَعضهم: تَمُوت وَلَا تبلى وتبلى الْأَبدَان، وَقيل: الْأَرْوَاح تعذب كَمَا تعذب الْأَجْسَام، وَقَالَ بَعضهم: تعذب الْأَرْوَاح والأبدان جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ تنعم، وَقَالَ بَعضهم: الْأَرْوَاح تبْعَث يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهَا من حكم السَّمَاء وَلَا تبْعَث الْأَبدَان لِأَنَّهَا من الأَرْض خلقت، وَهَذَا مُخَالف للْكتاب والأثر وأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ، وَقَالَ بَعضهم: نبعث الْأَرْوَاح يَوْم الْقِيَامَة وينشىء الله عز وَجل لَهَا أجساماً من الْجنَّة، وَهَذَا أَيْضا مُخَالف لما ذكرنَا، وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الرّوح وَالنَّفس، فَقَالَ أهل الْأَثر: الرّوح غير النَّفس، وقوام النَّفس بِالروحِ، وَالنَّفس تُرِيدُ الدُّنْيَا وَالروح تَدْعُو إِلَى الْآخِرَة وتؤثرها، وَقد جعل الْهوى تبعا للنَّفس والشيطان مَعَ النَّفس والهوى، وَالْملك مَعَ الْعقل وَالروح، وَقيل: الْأَرْوَاح تتناسخ وتنتقل من جسم إِلَى جسم، وَهَذَا فَاسد، وَهُوَ شَرّ الْأَقَاوِيل وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الرّوح المسؤول عَنهُ فِي الْآيَة: مَا هُوَ؟ فَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ: هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة لَهُ سَبْعُونَ ألف رَأس، فِي كل رَأس سَبْعُونَ ألف وَجه، لكل وَجه مِنْهَا سَبْعُونَ ألف فَم، فِي كل فَم سَبْعُونَ ألف لِسَان لكل لِسَان مِنْهَا سَبْعُونَ ألف لُغَة، يسبح الله تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَات كلهَا، يخلق من كل تَسْبِيحَة ملك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
    .......
    (45)
    (بدد) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي بِضَم الْبَاء وَالدَّال مَفْتُوحَة، وَزعم ابْن دُرَيْد أَن هدد إسم ملك من مُلُوك حمير زوجه سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام، بلقيس. قيل: إِن ثَبت هَذَا حمل على التَّعَدُّد والاشتراك فِي الإسم لبعد مَا بَين مُدَّة سُلَيْمَان ومُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَجَاء فِي تَفْسِير مقَاتل: أَن اسْمه منولة بن الجلندي بن سعيد الْأَزْدِيّ، وَقيل: هُوَ الجلندي، وَكَانَ بِجَزِيرَة الأندلس
    ......
    (46)
    (والغلام الْمَقْتُول اسْمه يَزْعمُونَ جيسور) ، الْقَائِل بذلك هُوَ ابْن جريج، وجيسور، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم السِّين الْمُهْملَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ عَن الْكشميهني بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن السكن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بنُون بدل الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَعند عَبدُوس بنُون بدل الرَّاء، وَعَن السُّهيْلي أَنه رَآهُ فِي نُسْخَة بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة ونونين الأولى مَضْمُومَة بَينهمَا الْوَاو الساكنة، وَفِي تَفْسِير الضَّحَّاك: اسْمه حشرد، وَفِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ: اسْم الْغُلَام شَمْعُون
    .....
    (51)
    وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهَا: فَعَن ابْن عَبَّاس إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقيل: إسم الله الْأَعْظَم، وَعَن قَتَادَة هُوَ إسم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَقيل: إسم السُّورَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا: هُوَ قسم أقسم الله تَعَالَى بِهِ، وَعَن الْكَلْبِيّ: هُوَ ثَنَاء أثنى الله بِهِ على نَفسه، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا: الْكَاف من كريم، وَالْهَاء من هاد، وَالْيَاء من رَحِيم، وَالْعين من عليم وعظيم، وَالصَّاد من صَادِق، رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس.
    .....
    (55)
    حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُ أبي عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِجِبْرِيلَ مَا يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا فَنَزَلَتْ وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينا وَمَا خَلْفَنا.
    .....
    (53)
    (العَاصِي بن وَائِل) ، هُوَ وَالِد عَمْرو ابْن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، كَانَ لَهُ قدر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يوفق لِلْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ من حكام قُرَيْش، وَفِي (التَّوْضِيح) : الْعَاصِ بِلَا يَاء وَلَيْسَ من الْعِصْيَان إِنَّمَا هُوَ من عصى يعصو إِذا ضرب بِالسَّيْفِ قلت: لَا مَانع أَن يكون من الْعِصْيَان بل الظَّاهِر، أَنه مِنْهُ، وَإِنَّمَا حذفت الْيَاء للتَّخْفِيف
    ....
    (55)
    قَالَ ابْن جُبَير: بالنبطية طاه يَا رجل.
    أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير: معنى طه بالنبطية: يَا رجل، والنبطية منسوبة إِلَى النبط، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة: قوم ينزلون البطائح بَين العراقين وَكَثِيرًا يسْتَعْمل وَيُرَاد بِهِ الزراعون، وَالْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة: قوم،
    .....
    (60)
    وَفِي (مقامات التَّنْزِيل) : اخْتلفُوا فِي آيَة مِنْهَا وَهِي قَوْله: {أَفلا يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها} (الْأَنْبِيَاء: 44) ، قَالَ: بِالْقَتْلِ والسبي، وَعَن عَطاء: بِمَوْت الْفُقَهَاء وَخيَار أَهلهَا، وَعَن مُجَاهِد: بِمَوْت أَهلهَا، وَعَن الشّعبِيّ: بِنَقص الْأَنْفس والثمرات،
    ......
    (61)
    قَول أهل اللُّغَة: نفشت إِذا رعت لَيْلًا بِلَا رَاع، وَإِذا رعت نَهَارا بِلَا رَاع أهملت،
    ....
    (62)
    وَقَالَ عِكْرَمَةُ حَصَبُ حَطَبُ بالحَبَشِيَّةِ
    أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم} (الْأَنْبِيَاء: 89) وَقَالَ عِكْرِمَة: الحصب هُوَ الْحَطب بلغَة الْحَبَش، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَصْنَام وقود جَهَنَّم، وَقَرَأَ بِالطَّاءِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَقيل: الحصب فِي لُغَة أهل الْيمن الْحَطب، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَرَأَهَا بالضاد الساقطة المنقوطة وَهُوَ مَا هيجت بِهِ النَّار.
    ....
    (65)
    (الْحَج: 91) وَقَالَ هبة بن سَلامَة: هِيَ من أَعَاجِيب سور الْقُرْآن لِأَن فِيهَا. مكياً ومدنياً وسفرياً وحضرياً وحربياً وسلمياً وليلياً ونهارياً وناسخاً ومنسوخاً وَهِي خَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان
    ...(
    (66)
    {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلاَّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} ... الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَقد تكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة، وَالْأَحْسَن مِنْهَا مَا قَالَه أَبُو الْحسن بن عَليّ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هَذَا التَّمَنِّي من الْقُرْآن وَالْوَحي فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ إِذا صفرت يَده من المَال وَرَأى مَا بِأَصْحَابِهِ من سوء الْحَال تمنى الدُّنْيَا بِقَلْبِه ووسوسة الشَّيْطَان، وَأحسن من هَذَا أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يرتل الْقُرْآن فارتصده الشَّيْطَان فِي سكتة من السكتات ونطق بِتِلْكَ الْكَلِمَات محاكياً نغمته بِحَيْثُ سَمعه من دنا إِلَيْهِ فظنها من قَوْله وأشاعها. قلت: تِلْكَ الْكَلِمَات هِيَ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم والطبري وَابْن الْمُنْذر من طرق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة النَّجْم فَلَمَّا بلغ: {أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى} (النَّجْم: 91) ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه.
    (تِلْكَ الغرانيق العلى ... وَإِن شفاعتهن لترتجى)
    فَقَالَ الْمُشْركُونَ: مَا ذكر آلِهَتنَا بِخَير قبل الْيَوْم فَسجدَ وسجدوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا من طرق كَثِيرَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات كَثِيرَة بَاطِلَة لَا أصل لَهَا، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة وَلَا رَوَاهُ ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل مَعَ ضعف نقلته واضطراب رواياته وَانْقِطَاع إِسْنَاده، وَكَذَا من تكلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من التَّابِعين والمفسرين لم يسندها أحد مِنْهُم وَلَا رَفعهَا إِلَى صَاحبه، وَأكْثر الطّرق عَنْهُم فِي ذَلِك ضَعِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْعَرَبِيّ وعياض لَا يمْضِي على الْقَوَاعِد، فَإِن الطّرق إِذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذَلِك على أَن لَهَا أصلا. انْتهى.
    قلت: الَّذِي ذكرَاهُ هُوَ اللَّائِق بجلالة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ قد قَامَت الْحجَّة وَاجْتمعت الْأمة على عصمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة، وحاشاه عَن أَن يجْرِي على قلبه أَو لِسَانه شَيْء من ذَلِك لَا عمدا وَلَا سَهوا. أَو يكون للشَّيْطَان عَلَيْهِ سَبِيل أَو أَن يتقول على الله عز وَجل لَا عمدا وَلَا سَهوا. وَالنَّظَر وَالْعرْف أَيْضا يحيلان ذَلِك وَلَو وَقع لارتد كثير مِمَّن أسلم، وَلم ينْقل ذَلِك وَلَا كَانَ يخفى على من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين.
    .....
    (67)
    عَن الضَّحَّاك: إِن هَذِه الْبِئْر إِنَّمَا كَانَت بحضرموت فِي بَلْدَة يُقَال لَهَا حاضورا، وَذَلِكَ أَن أَرْبَعَة آلَاف نفر مِمَّن آمن بِصَالح عَلَيْهِ السَّلَام، لما نَجوا من الْعَذَاب أَتَوا حَضرمَوْت وَمَعَهُمْ صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا حَضَرُوهُ مَاتَ صَالح فسميت حَضرمَوْت لِأَن صَالحا لما مَاتَ بنوا حاضورا وقعدوا على هَذِه الْبِئْر وَأمرُوا عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ جلهس بن جلاس بن سُوَيْد وَجعلُوا وزيره سخاريب ابْن سوَاده فأقاموا دهراً وتناسلوا حَتَّى نموا وكثروا ثمَّ عبدُوا الْأَصْنَام وَكَفرُوا بِاللَّه تَعَالَى، فَأرْسل الله إِلَيْهِم نَبيا يُقَال لَهُ حَنْظَلَة ابْن صَفْوَان كَانَ جمالاً فيهم فَقَتَلُوهُ فِي السُّوق فأهلكهم الله تَعَالَى وعطلت بئرهم وَخَربَتْ قصورهم.
    ......
    (73)
    وَكَانَت قصَّة اللّعان فِي شعْبَان سنة تسع من الْهِجْرَة، وَمِمَّنْ نَقله القَاضِي عَن الطَّبَرِيّ.
    وَاخْتلف الْعلمَاء فِي سَبَب نزُول آيَة اللّعان: هَل هُوَ بِسَبَب عُوَيْمِر الْعجْلَاني أم بِسَبَب هِلَال بن أُميَّة؟ فَقَالَ بَعضهم: بِسَبَب عُوَيْمِر الْعجْلَاني. وَاسْتَدَلُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد أنزل الله الْقُرْآن فِيك وَفِي صَاحبَتك، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: سَبَب نُزُولهَا قصَّة هِلَال، قَالَ: وَكَانَ أول رجل لَاعن فِي الْإِسْلَام، وَجمع الدَّاودِيّ بَينهمَا بِاحْتِمَال كَونهمَا فِي وَقت فَنزل الْقُرْآن فيهمَا، أَو يكون أَحدهمَا وهما. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: النَّقْل فيهمَا مشتبه مُخْتَلف، وَقَالَ ابْن الصّباغ: قصَّة هِلَال تبين أَن الْآيَة نزلت فِيهِ أَولا، وَأما قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لعويمر: إِن الله أنزل فِيك وَفِي صَاحبَتك، فَمَعْنَاه مَا نزل فِي قصَّة هِلَال لِأَن ذَلِك حكم عَام لجَمِيع النَّاس، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لعلهما سَأَلَا فِي وَقْتَيْنِ متقاربين فَنزلت الْآيَة فيهمَا، وَسبق هِلَال بِاللّعانِ فَيصدق أَنَّهَا نزلت فِي ذَا وَذَاكَ. قلت: هَذَا مثل جَوَاب الدَّاودِيّ بِالْوَجْهِ الأول وَهُوَ الْأَوْجه فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث أنس بن مَالك: هِلَال بن أُميَّة، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: لَاعن بَين الْعجْلَاني وَامْرَأَته، وَفِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلاعن امْرَأَته. قلت: لَا اخْتِلَاف فِي ذَلِك لِأَن الْعجْلَاني هُوَ عُوَيْمِر، وَكَذَا فِي قَول ابْن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا.
    فِيهِ حذف وَالتَّقْدِير: أَنه سَأَلَ وَقذف امْرَأَته وأنكبرت الزِّنَا
    * فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب: هِيَ طَلْقَة وَاحِدَة، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: هِيَ فسخ. الْعَاشِر: فِيهِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أصلا لقَوْله: (فَكَانَت سنة لمن كَانَ بعدهمَا) . ا
    ثَّانِي عشر: فِيهِ إِثْبَات التَّوَارُث بَينهَا وَبَين وَلَدهَا، يفهم ذَلِك من قَوْله: فَكَانَ بعد ينْسب إِلَى أمه. وَجَاء فِي حَدِيث يَأْتِي أصرح مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: ثمَّ جرت السّنة فِي الْمِيرَاث أَن يَرِثهَا وترث مِنْهُ مَا فرض الله لَهَا، وَهَذَا إِجْمَاع فِيمَا بَينه وَبَين الْأُم، وَكَذَا بَينه وَبَين أَصْحَاب الْفُرُوض من جِهَة أمه، وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَحْمد: إِذا انْفَرَدت الْأُم أخذت جَمِيع مَاله بالعصوبة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا انْفَرَدت أخذت الْجَمِيع لَكِن الثُّلُث فرضا وَالْبَاقِي ردا على قَاعِدَته فِي إِثْبَات الرَّد. الثَّالِث عشر: فِيهِ أَن شَرط اللّعان أَن يكون بَين الزَّوْجَيْنِ لِأَن الله خصّه بالأزواج بقوله: {وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم}
    الرَّابِع عشر: فِيهِ سُقُوط الْحَد عَن الرجل وَذَلِكَ لأجل أيمانه سقط الْحَد. الْخَامِس عشر: فِيهِ أَن شَرط وجوب اللّعان عدم إِقَامَة الْبَيِّنَة لقَوْله تَعَالَى: {ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء} حَتَّى لَو أقامهم الزَّوْج عَلَيْهَا بِالزِّنَا لَا يجب اللّعان ويقام عَلَيْهَا الْحَد. السَّادِس عشر: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن شَرط وجوب اللّعان إِنْكَار الْمَرْأَة وجود الزِّنَا، حَتَّى لَو أقرَّت بذلك لَا يجب اللّعان ويلزمها حد الزِّنَا الْجلد إِن كَانَت غير مُحصنَة، وَالرَّجم إِذا كَانَت مُحصنَة، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
    ......
    (89)
    وَقد ضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عبد الله بن أبي وحساناً وَمِسْطَحًا، وَقد ذكر أَبُو دَاوُد أَن حسانا حُد زَاد الطَّحَاوِيّ: ثَمَانِينَ، وَكَذَا حمْنَة ومسطح ليكفر الله عَنْهُم بذلك إِثْم مَا صدر مِنْهُم حَتَّى لَا يبْقى عَلَيْهِم تبعة فِي الْآخِرَة، وَأما ابْن أبي فَإِنَّهُ لم يحد لِئَلَّا ينقص من عَذَابه شَيْء، أَو إطفاء للفتنة وتألفاً لِقَوْمِهِ، وَقد روى الْقشيرِي فِي: (تَفْسِيره) : أَنه حد ثَمَانِينَ، وَقَالَ الْقشيرِي ومسطح: لم يثبت مِنْهُ قذف صَرِيح فَلم يذكر فِيمَن حد، وَأغْرب الْمَاوَرْدِيّ، فَقَالَ: إِنَّه لم يحد أحد من أهل الْإِفْك. قَوْله: (وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته) هَذَا إِظْهَار الْمِنَّة بترك المعاجلة بالعقاب، وَجَوَاب: لَوْلَا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لعاجلكم بِالْعَذَابِ.
    ........
    (111)
    ولقمان بن باعور بن ناخر بن تارخ وَهُوَ آزر أَبُو إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو قَالَ السُّهيْلي: لُقْمَان بن عنقابن سرون عَاشَ ألف سنة. وَأدْركَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأخذ عَنهُ الْعلم، وَكَانَ يُفْتِي قبل مبعث دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا بعث دَاوُد قطع الْفتيا، وَقيل: كَانَ تلميذاً لِأَلف نَبِي، وَعند ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد: كَانَ عبدا أسود عَظِيم الشفتين مشقق الْقَدَمَيْنِ، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا بخاراً، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: كَانَ من سودان مصر ذُو مشافر، أعطَاهُ الله الْحِكْمَة وَمنعه النُّبُوَّة، وَعَن جَابر بن عبد الله: كَانَ قَصِيرا أفطس من النُّبُوَّة، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لم يكن نَبيا فِي قَول أَكثر النَّاس وَكَانَ رجلا صَالحا، وَعَن ابْن الْمسيب: كَانَ خياطاً، وَعَن الزّجاج: كَانَ نجاداً بِالدَّال الْمُهْملَة، كَذَا هُوَ بِخَط جمَاعَة من الْأَئِمَّة، وَقيل: رَاعيا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ يحكم وَيَقْضِي فِي بني إِسْرَائِيل، وزمانه مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعند الحوتي عَن عِكْرِمَة: كَانَ نَبيا، وَهُوَ قد تفرد بِهَذَا
    القَوْل، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب، وَقَالَ مقَاتل: ابْن خَالَة أَيُّوب، وَاسم ابْنه: أنعم، وَكَانَ كَافِرًا فَمَا زَالَ حَتَّى أسلم، وَقيل: مشْكم، وَقيل: ماثان، وَقيل: ثاران.



    ....
    (115)
    وَفسّر البُخَارِيّ الشكس بقوله: (الْعسر لَا يرضى بالإنصاف)

    م

    تابع
    ( 151)
    {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا} الْآيَة ... اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، فَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي أهل مَكَّة، قَالُوا: يزْعم مُحَمَّد أَنه من قتل النَّفس الَّتِي حرمهَا الله وَعبد الْأَوْثَان لم يغْفر لَهُ، فَكيف نهاجر ونسلم وَقد عَبدنَا مَعَ الله آلهاً آخر وقتلنا النَّفس الَّتِي حرمهَا الله؟ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة، وَعنهُ أَنَّهَا نزلت فِي وَحشِي قَاتل حَمْزَة، وَعَن قَتَادَة: نَاس أَصَابُوا ذنوباً عَظِيمَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام اشفقوا أَن لَا يُتَاب عَلَيْهِم فَدَعَاهُمْ الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى الْإِسْلَام. وَعَن ابْن عمر: نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة والوليد بن الْوَلِيد وَنَفر من الْمُسلمين كَانُوا قد أَسْلمُوا ثمَّ فتنُوا وعذبوا فافتتنوا فَكُنَّا نقُول: لَا يقبل الله مِنْهُم صرفا وَلَا عدلا أبدا، قوم أَسْلمُوا ثمَّ تركُوا دينهم لعذاب عذبُوا بِهِ، فَنزلت.
    ....
    (144)
    قَالَ مُحَمَّد ابْن شُجَاع الثَّلْجِي: يحْتَمل أَن يكون خلق خلقه الله تَعَالَى يُوَافق اسْمه إسم الإصبع، وَمَا ورد فِي بعض الرِّوَايَات من أَصَابِع الرَّحْمَن يؤول بِالْقُدْرَةِ أَو الْملك، وَقَالَ الْخطابِيّ: الأَصْل فِي الإصبع وَنَحْوهَا أَن لَا يُطلق على الله إلاَّ أَن يكون بِكِتَاب أَو خبر مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ، فَإِن لم يَكُونَا فالتوقف عَن الْإِطْلَاق وَاجِب، وَذكر الْأَصَابِع لم يُوجد فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة القطعية، وَلَيْسَ معنى الْيَد فِي الصِّفَات بِمَعْنى الْجَارِحَة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الإصبع، وَقد روى هَذَا الحَدِيث كثير من أَصْحَاب عبد الله من طَرِيق عُبَيْدَة فَلم يذكرُوا فِيهِ تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَقد ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا حَدثكُمْ بِهِ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم) ، وَالدَّلِيل على أَنه لم ينْطق فِيهِ بِحرف تَصْدِيقًا لَهُ وتكذيباً، وَإِنَّمَا ظهر مِنْهُ الضحك المخيل للرضاء مرّة، وللتعجب وَالْإِنْكَار أُخْرَى، وَقَول من قَالَ: إِنَّمَا ظهر مِنْهُ الضحك تَصْدِيقًا للحبر ظن مِنْهُ، وَالِاسْتِدْلَا ل فِي مثل هَذَا الْأَمر الْجَلِيل غير جَائِز، وَلَو صَحَّ الْخَبَر لَا بُد من التَّأْوِيل بِنَوْع من الْمجَاز، وَقد يَقُول الْإِنْسَان فِي الْأَمر الشاق إِذا أضيف إِلَى الرجل الْقوي المستقل المستظهر إِنَّه يعمله بإصبع أَو بخنصر وَنَحْوه، يُرِيد الِاسْتِظْهَار فِي الْقُدْرَة عَلَيْهِ والاستهانة بِهِ، فَعلم أَن ذَلِك من تَحْرِيف الْيَهُودِيّ، فَإِن ضحكه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا كَانَ على معنى التَّعَجُّب والتكبر لَهُ، وَقَالَ التَّمِيمِي تكلّف الْخطابِيّ فِيهِ، وأتى فِي مَعْنَاهُ مَا لم يَأْتِ بِهِ السّلف، وَالصَّحَابَة كَانُوا أعلم بِمَا رَوَوْهُ، وَقَالُوا: إِنَّه ضحك تَصْدِيقًا لَهُ، وَثَبت فِي السّنة الصَّحِيحَة: (مَا من قلب إِلَّا وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأمة فِي مثلهَا طَائِفَتَانِ مفوضة ومؤولة واقفون على قَوْله: {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله} (آل عمرَان: 7) وَقَالَ النَّوَوِيّ، رَحمَه الله: وَظَاهر السِّيَاق يدل على أَنه ضحك تَصْدِيقًا بِدَلِيل قِرَاءَته الْآيَة الَّتِي تدل على صِحَة مَا قَالَ الحبر.
    ....
    (144)
    (إِلَّا من شَاءَ الله) ، اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: هم الشُّهَدَاء عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ جبرل عَن هَذِه الْآيَة {من أُولَئِكَ الَّذين لم يَشَأْ الله قَالَ هُوَ الشُّهَدَاء) متقلدين أسيافهم حول الْعَرْش، وَقيل: هم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، رَوَاهُ أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: هم إثنا عشر: حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة وجبرائيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت، وَعَن الضَّحَّاك: هم رضوَان والحور الْعين وَمَالك والزبانية، وَعَن الْحسن: {إلاَّ من شَاءَ الله} يَعْنِي: الله وَحده، وَقيل: عقارب النَّار وحياتها.
    ....
    (145)
    حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا بَينَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْماً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ شَهْراً قَالَ أبَيْتُ وَسَيُبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلاّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ.

    وَقَالَ بَعضهم: وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنه وَقع عِنْد مُسلم: أَرْبَعِينَ سنة، وَلَا وجود لذَلِك. انْتهى. قلت: إِن كَانَ مُرَاده من بعض الشُّرَّاح صَاحب (التَّوْضِيح) : فَهُوَ لم يقل كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: وَقد جَاءَت مفسرة فِي رِوَايَة غَيره فِي غير مُسلم: أَرْبَعُونَ سنة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق سعيد بن الصَّلْت عَن الْأَعْمَش فِي هَذَا الْإِسْنَاد: أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ شَاذ، وَمن وَجه ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا بَين النفخة والنفخة أَرْبَعُونَ سنة.
    ......
    (145)
    إلاَّ عجب ذَنبه) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم، وَهُوَ أصل الذَّنب وَهُوَ عظم لطيف فِي أصل الصلب، وَهُوَ رَأس العصعص، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْبَعْث) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قيل: يَا رَسُول الله! مَا الْعجب؟ قَالَ: مثل حَبَّة خَرْدَل. انْتهى. وَيُقَال لَهُ: عجم، بِالْمِيم كلاب ولازم، وَهُوَ أول مَخْلُوق من الْآدَمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يبْقى ليركب عَلَيْهِ الْخلق، وَفَائِدَة إبْقَاء هَذَا الْعظم دون غَيره مَا قَالَه ابْن عقيل: لله عز وَجل فِي هَذَا سر لَا نعلمهُ لِأَن من يظْهر الْوُجُود من الْعَدَم لَا يحْتَاج إِلَى أَن يكون لفعله شَيْء يبْنى عَلَيْهِ وَلَا خميرة، فَإِن علل هَذَا يتجوز أَن يكون الْبَارِي جلت عَظمته جعل ذَلِك عَلامَة للْمَلَائكَة، على أَن يحيى كل إِنْسَان بجواهره بِأَعْيَانِهَا وَلَا يحصل الْعلم للْمَلَائكَة بذلك إلاَّ بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هِيَ جُزْءا مِنْهَا، كَمَا أَنه لما مَاتَ عُزَيْرًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحِمَاره، أبقى عِظَام الْحمار فكساها ليعلم أَن ذَلِك المنشى ذَلِك الْحمار لَا غَيره، وَلَوْلَا إبْقَاء شَيْء لجوزت الْمَلَائِكَة أَن تكون الْإِعَادَة للأرواح إِلَى أَمْثَال الأجساد لَا إِلَى أعيانها. فَإِن قلت: فِي (الصَّحِيح) يبْلى كل شَيْء من الْإِنْسَان، وَهنا يبْلى إلاَّ عجب الذَّنب؟ قلت: هَذَا لَيْسَ بِأول عَام خص. ولأباول مُجمل فصل، كَمَا نقُول: إِن هذَيْن الْحَدِيثين خص مِنْهُمَا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، لِأَن الله تَعَالَى حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أَجْسَادهم وَألْحق ابْن عبد الْبر الشُّهَدَاء بهم، والقرطبي الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْعجب بِعَدَمِ البلى دون غَيره؟ قلت: لِأَن أصل الْخلق مِنْهُ وَمِنْه يركب، وَهُوَ قَاعِدَة بَدْء الْإِنْسَان وأسه الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ، فَهُوَ أَصْلَب من الْجَمِيع كقاعدة الْجِدَار، وَقَالَ بَعضهم: زعم بعض الشُّرَّاح أَن المُرَاد بِأَنَّهُ لَا يبْلى أَي: يطول بَقَاؤُهُ لَا أَنه لَا يبْلى أصلا، وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر بِغَيْر دَلِيل. انْتهى
    ......
    (147)
    وَذكر أَبُو محنف لوط فِي كِتَابه (حَرْب الْجمل) : الَّذِي قتل مُحَمَّدًا مُدْلِج بن كَعْب، رجل من بني سعد بن بكر، وَفِي كتاب الزبير بن أبي بكر: كَانَ مُحَمَّد أَمرته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، بِأَن يكف يَده فَكَانَ كلما حمل عَلَيْهِ رجل قَالَ: نشدتك بحاميم، حَتَّى شدّ عَلَيْهِ رجل من بني أَسد بن خُزَيْمَة يُقَال لَهُ: حَدِيد فنشده بحاميم فَلم ينْتَه وَقَتله، وَقيل: قَتله كَعْب بن مُدْلِج من بني منقذ بن طريف، وَيُقَال: قَتله عِصَام بن مُقْشَعِر النصري، وَعَلِيهِ كَثْرَة الحَدِيث وَقَالَ المرزباني: هُوَ الثبت وَهُوَ يخدش فِي إِسْنَاد البُخَارِيّ لِأَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ إِلَيْهِمَا يرجع فِي هَذَا الْبَاب. قلت: الزَّمَخْشَرِيّ الْعَلامَة ذكر هَذَا الْبَيْت فِي أول سُورَة الْبَقَرَة وَنسبه إِلَى شُرَيْح بن أوفى الْمَذْكُور، وَفِي (الحماسة) البحترية
    .....
    (150)
    وَقَالَ السُّهيْلي فِي: (أَمَالِيهِ) : قيل: إِن البُخَارِيّ وَقع لَهُ فِي: أَتَى، من الْقُرْآن وهم: فَإِن كَانَ هَذَا وإلاَّ فَهِيَ قِرَاءَة بلغته وَوَجهه أعطيا الطَّاعَة كَمَا يُقَال فلَان يعْطى الطَّاعَة وَقَالَ وَقد قرى ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة لآتوها بِالْمدِّ وَالْقصر والفتنة ضد الطَّاعَة، وَإِذا جَازَ فِي إِحْدَاهمَا جَازَ فِي الْأُخْرَى. انْتهى، وَجوز بعض الْمُفَسّرين أَن: آتِيَا، بِالْمدِّ بِمَعْنى الْمُوَافقَة، وَبِه جزم
    صاحب الكشاف
    .....
    (165)
    وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَنا الدَّهْر بِالرَّفْع، وَقيل بِالنّصب على الظّرْف. قلت: كَانَ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْفَهَانِي يرويهِ بِفَتْح الرَّاء من الدَّهْر مَنْصُوبَة على الظّرْف أَي: أَنا طول الدَّهْر بيَدي الْأَمر، وَكَانَ يَقُول: لَو كَانَ مضموم الرَّاء لصار من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي: نَصبه بَعضهم على التَّخْصِيص، قَالَ: والظرف أصح وأصوب، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: يجوز النصب أَي: بِأَن الله بَاقٍ مُقيم أبدا لَا يَزُول.
    قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا بَاطِل من وُجُوه: الأول: أَنه خلاف النَّقْل، فَإِن الْمُحدثين الْمُحَقِّقين لم يضبطوه إلاَّ بِالضَّمِّ، وَلم يكن ابْن دَاوُد من الْحفاظ وَلَا من عُلَمَاء النَّقْل. الثَّانِي: أَنه ورد بِأَلْفَاظ صِحَاح تبطل تَأْوِيله وَهِي: لَا تَقولُوا: يَا خيبة الدَّهْر، فَإِن الله هُوَ الدَّهْر. أَخْرجَاهُ، وَلمُسلم: لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر. الثَّالِث: تَأْوِيله يَقْتَضِي أَن يكون عِلّة النَّهْي لم تذكر لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا تسبوا الدَّهْر. فَأَنا الدَّهْر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر وَأَنا أقلبه، وَمَعْلُوم أَنه يقلب كل شَيْء من خير وَشر، وتقلبه للأشياء لَا يمْنَع ذمها وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَذَى فِي قَوْله: (يُؤْذِينِي ابْن آدم) على مَا كَانَت عَلَيْهِ الْعَرَب إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة يسبون الدَّهْر، وَيَقُولُونَ: عِنْد ذكر موتاهم، أبادهم الدَّهْر، ينسبون ذَلِك إِلَيْهِ ويرونه الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء وَلَا يرونها من قَضَاء الله وَقدره.
    ..........
    (167)
    (الفتوحات الربانية) وعَلى هَذَا لَا يجوز نِسْبَة الْأَفْعَال الممدوحة والمذمومة للدهر حَقِيقَة، فَمن اعْتقد ذَلِك فَلَا شكّ فِي كفره، وَأما من يجْرِي على لِسَانه من غير اعْتِمَاد صِحَّته فَلَيْسَ بِكَافِر وَلكنه تشبه بِأَهْل الْكفْر وارتكب مَا نَهَاهُ عَنهُ الشَّارِع فليتب وليستغفر.
    .........
    (168)
    قد أوضحه الْإِسْمَاعِيلِ يّ فِي رِوَايَته بِلَفْظ: أَرَادَ مُعَاوِيَة أَن يسْتَخْلف يزِيد فَكتب إِلَى مَرْوَان وَكَانَ على الْمَدِينَة فَجمع النَّاس فخطبهم وَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رأى رَأيا حسنا فِي يزِيد ودعا إِلَى بيعَة يزِيد، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: مَا هِيَ إلاَّ هِرَقْلِيَّة، أَن أَبَا بكر وَالله لم يَجْعَلهَا فِي أحد من وَلَده وَلَا من أهل بَلَده وَلَا من أهل بَيته، فَقَالَ مَرْوَان: أَلَسْت الَّذِي قَالَ الله فِيهِ: {وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُف لَكمَا} قَالَ: فسمعتها عَائِشَة، فَقَالَت: يَا مَرْوَان أَنْت الْقَائِل لعبد الرَّحْمَن كَذَا وَكَذَا، وَالله مَا أنزلت إلاَّ فِي فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ، وَفِي لفظ وَالله لَو شِئْت أَن أُسَمِّيهِ لسميت، وَلَكِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن أَبَا مَرْوَان ومروان فِي صلبه، فمروان فضَض أَي: قِطْعَة من لعنة الله عز وَجل، فَنزل مَرْوَان مسرعا حَتَّى أَتَى بَاب عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَجعل يكلمها وتكلمه ثمَّ انْصَرف، وَفِي لفظ، فَقَالَت عَائِشَة: كذب وَالله مَا نزلت فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر شَيْئا) ، وَلم يبين مَا هَذَا الشَّيْء الَّذِي قَالَه عبد الرَّحْمَن لمروان، وأوضح ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِ يّ فِي رِوَايَته،
    ......
    (171)
    فَأَما منا بعد وَإِمَّا فدَاء حَتَّى تضع الْحَرْب أَوزَارهَا} (مُحَمَّد: 4) وَفسّر: (أَوزَارهَا) بقوله: (آثامها) فعلى تَفْسِيره الأوزار جمع وزر والآثام جمع أَثم، وَقَالَ ابْن التِّين: لم يقل هَذَا أحد غير البُخَارِيّ، وَالْمَعْرُوف أَن المُرَاد بأوزارها الأسلحة. قلت: فعلى هَذَا الأوزار جمع وزر الَّذِي هُوَ السِّلَاح، وَفِي (الْمغرب) الْوَزْن بِالْكَسْرِ الْحمل الثقيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} (الْأَنْعَام: 461) أَي: حملهَا من الْإِثْم وَقَوْلهمْ: وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا عبارَة عَن انْقِضَائِهَا لِأَن أَهلهَا يضعون أسلحتهم حِينَئِذٍ، وسمى السِّلَاح وزرا لِأَنَّهُ يثقل على لابسه قَالَ الْأَعْشَى:
    (واعددت للحرب أَوزَارهَا ... رماحا طوَالًا وخيلاً طوَالًا)
    وَهَذَا كُله يُقَوي كَلَام ابْن التِّين لَا مثل مَا قَالَه بَعضهم: إِن لكَلَام ابْن التِّين احْتِمَالا ويعضد كَلَام البُخَارِيّ مَا قَالَه الثَّعْلَبِيّ: آثامها وأجرامها، فيرتفع وَيَنْقَطِع الْحَرْب لِأَن الْحَرْب لَا يَخْلُو من الْإِثْم فِي أحد الْجَانِبَيْنِ والفريقين، ثمَّ قَالَ: وَقيل: حَتَّى تضع الْحَرْب آلتها وعدتها، وآلتهم وأسلحتهم
    وَقيل: مَعْنَاهُ حَتَّى يضع الْقَوْم المحاربون أَوزَارهَا وآثامها بِأَن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله انْتهى. فَعرفت من هَذَا أَن لكل من كَلَام البُخَارِيّ. وَكَلَام ابْن التِّين وَجها.

    .........
    (173)
    وَاخْتلف فِي الرَّحِم الَّتِي يجب صلتها. فَقيل: هِيَ كل رحم محرم بِحَيْثُ لَو كَانَ أَحدهمَا ذكرا وَالْآخر أُنْثَى حرمت مناكحتها، فعلى هَذَا لَا يجب فِي بني الأغمام وَبني الأخوال لجَوَاز الْجمع فِي النِّكَاح دون الْمَرْأَة وَأُخْتهَا وعمتها. وَقيل: بل هَذَا فِي كل ذِي رحم مِمَّن ينْطَلق عَلَيْهِ ذَلِك من ذَوي الْأَرْحَام فِي الْمَوَارِيث محرما كَانَ أَو غَيره.
    .....
    (176)
    (نزرت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بالنُّون وَتَخْفِيف الزاء وبالراء أَي: ألححت عَلَيْهِ وبالغت فِي السُّؤَال، ويروى بتَشْديد الزَّاي وَالتَّخْفِيف أشهر، وَقَالَ ابْن وهب: أكرهته أَي: أَتَيْته بِمَا يكره من سُؤَالِي فَأَرَادَ الْمُبَالغَة، والنزر الْقلَّة وَمِنْه الْبِئْر النزور الْقَلِيل المَاء. قَالَ أَبُو ذَر: سَأَلت من لقِيت من الْعلمَاء أَرْبَعِينَ سنة فَمَا أجابوا إلاَّ بِالتَّخْفِيفِ، وَكَذَا ذكره ثَعْلَب وَأهل اللُّغَة، وبالتشديد ضَبطهَا الْأصيلِيّ وَكَأَنَّهُ على الْمُبَالغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: نزرت قللت كَلَامه أَو سَأَلته فِيمَا لَا يحب أَن يُجيب فِيهِ.

    ..........
    (177)
    وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لم يصفه أحد بالسمن، وَلَقَد مَاتَ وَمَا شبع من خبز الخمير فِي يَوْم مرَّتَيْنِ، وأحسب بعض الروَاة لما رأى بدن ظن كثر لَحْمه وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ بدن تبدينا. أَي: أسن قَالَه أَبُو عبيد
    ......
    (180)
    وَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ الأولى النَّهْي عَن الْخذف لكَونه لَا ينْكَأ عدوا وَلَا يقتل الصَّيْد وَلَكِن يفقأ الْعين وَيكسر السن وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَلِأَنَّهُ لَا مصلحَة فِيهِ وَيخَاف مفسدته ويلتحق بِهِ كل مَا شاكله فِي هَذَا وَفِيه أَن مَا كَانَ فِيهِ مصلحَة أَو حَاجَة فِي قتال الْعَدو أَو تَحْصِيل الصَّيْد فَهُوَ جَائِز وَمن ذَلِك رمي الطُّيُور الْكِبَار بالبندق إِذا كَانَ لَا يَقْتُلهَا غَالِبا بل تدْرك حَيَّة فَهُوَ جَائِز قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المغتسل قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا نهى عَن مغتسل يكون جددا صلبا وَلم يكن لَهُ مَسْلَك ينفذ مِنْهُ الْبَوْل ويروى عَن عَطاء إِذا كَانَ يسيل فَلَا بَأْس وَعَن ابْن الْمُبَارك قد وسع فِي الْبَوْل فِي المغتسل إِذا جرى فِيهِ المَاء وَقَالَ بِهِ أَحْمد فِي رِوَايَة وَاخْتَارَهُ غير وَاحِد من أَصْحَابه وروى الثَّوْريّ عَمَّن سمع عَن ابْن مَالك يَقُول إِنَّمَا كره مَخَافَة اللمم وَعَن أَفْلح بن حميد رَأَيْت الْقَاسِم بن مُحَمَّد يَبُول فِي مغتسله وَفِي كتاب ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَالَ إِنَّمَا هَذَا فِي الحفيرة فَأَما الْيَوْم فمغتسلاتهم بجص وصاروج يَعْنِي النورة وأخلاطها والقير
    فَإِذا بَال وَأرْسل عَلَيْهِ المَاء فَلَا بَأْس وَمِمَّنْ كره الْبَوْل فِي المغتسل عبد الله بن مَسْعُود وَزَاد أَن الْكِنْدِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَبكر بن عبد الله الْمُزنِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة وَعَن أبي بكرَة لَا يبولن أحدكُم فِي مغتسله وَعَن عبد الله بن يزِيد الْأنْصَارِيّ لَا تبل فِي مغتسلك وَعَن عمرَان بن حُصَيْن من بَال فِي مغتسله لم يطهر وَعَن لَيْث بن أبي سليم عَن عَطاء عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت مَا طهر الله رجلا يَبُول فِي مغتسله وَرخّص فِيهِ ابْن سِيرِين وَآخَرُونَ
    .....
    (181)
    (فَقَالَ سهل بن حنيف: اتهموا أَنفسكُم) ، ويروى: رَأْيكُمْ يُرِيد أَن الْإِنْسَان قد يرى رَأيا وَالصَّوَاب غَيره، وَالْمعْنَى: لَا تعملوا بآرائكم،
    مضى النَّاس إِلَى الصُّلْح بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وَذَلِكَ أَن سهلاً ظهر لَهُ من
    أَصْحَاب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة التَّحْكِيم وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ سهل يتهم بالتقصير فِي الْقِتَال. فَقَالَ: اتهموا أَنفسكُم فَإِنِّي لَا أقصر وَمَا كنت مقصرا وَقت الْحَاجة. كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فَإِنِّي رَأَيْت نَفسِي يَوْمئِذٍ بِحَيْثُ لَو قدرت مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقاتلت قتالاً عَظِيما. لَكِن الْيَوْم لَا نرى الْمصلحَة فِي الْقِتَال بل التَّوَقُّف أولى لمصَالح الْمُسلمين، وَأما الْإِنْكَار على التَّحْكِيم أفليس ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نعم، المنكرون هم الَّذين عدلوا عَن كتاب الله لِأَن الْمُجْتَهد لما رأى أَن ظَنّه أدّى إِلَى جَوَاز التَّحْكِيم فَهُوَ حكم الله، وَقَالَ سهل: اتهموا أَنفسكُم فِي الْإِنْكَار لأَنا أَيْضا كُنَّا كارهين لترك الْقِتَال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وقهرنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الصُّلْح.
    .....
    (183)
    الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة بن عدس بن يزِيد بن عبد الله بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ يُقَال لَهُ تيار الْفُرَات لجوده.
    ....
    (185)
    أَن فعلا بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْعين لَا يجمع على أَفعَال إلاَّ خَمْسَة أحرف: نَوَادِر،
    .....
    (188)
    وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يبْقى من الْجنَّة مَا شَاءَ الله تَعَالَى أَن يبْقى ثمَّ ينشىء الله لَهَا خلقا مِمَّا يَشَاء، وَفِي وَرَايَة لَهُ: وَلَا يزَال فِي الْجنَّة فضل حَتَّى ينشىء الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة، قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا دَلِيل لأهل السّنة على أَن الثَّوَاب لَيْسَ متوقفا على الْأَعْمَال، فَإِن هَؤُلَاءِ يخلقون حِينَئِذٍ ويعطون فِي الْجنَّة وَمَا يُعْطون بِغَيْر عمل وَمثله أَمر الْأَطْفَال والمجانين الَّذين لم يعملوا طَاعَة قطّ. وَكلهمْ فِي الْجنَّة برحمة الله تَعَالَى وفضله، وَفِيه دَلِيل أَيْضا على عظم سَعَة الْجنَّة. فقد جَاءَ فِي (الصَّحِيح) (أَن للْوَاحِد فِيهَا مثل الدُّنْيَا عشرَة أَمْثَالهَا ثمَّ يبْقى فِيهَا شَيْء لخلق ينشئهم الله تَعَالَى لَهَا) .
    .....
    (189)
    ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه الْأَحَادِيث من مشاهير أَحَادِيث الصِّفَات، وَالْعُلَمَاء فِيهَا على مذهبين أَحدهمَا: مَذْهَب المفوضة وَهُوَ الْإِيمَان بِأَنَّهَا حق على مَا أَرَادَ الله، وَلها معنى يَلِيق بِهِ وظاهرها غير مُرَاد وَعَلِيهِ جُمْهُور السّلف وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين ، وَالْآخر: مَذْهَب المؤولة وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين ، على هَذَا اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل الْقدَم وَالرجل، فَقيل: المُرَاد بالقدم هُنَا الْمُتَقَدّم وَهُوَ سَائِغ فِي اللُّغَة، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى يضع الله فِيهَا من قدمه لَهَا من أهل الْعَذَاب، وَقيل: المُرَاد قدم بعض المخلوقين فَيَعُود الضَّمِير فِي قدمه إِلَى ذَلِك الْمَخْلُوق الْمَعْلُوم أَو ثمَّ مَخْلُوق اسْمه الْقدَم، وَقيل: المُرَاد بِهِ الْموضع. لِأَن الْعَرَب تطلق اسْم الْقدَم على الْموضع. قَالَ تَعَالَى: {لَهُم قدم صدق} (يُونُس: 2) أَي: مَوضِع صدق فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يلقِي فِي النَّار من الْأُمَم والأمكنة الَّتِي عصى الله عَلَيْهَا فَلَا تزَال تستزيد حَتَّى يضع الرب موضعا من الْأَمْكِنَة وَمن الْأُمَم الْكَافِرَة فِي النَّار فتمتلىء، وَقيل: الْقدَم قد يكون اسْما لما قدم من شَيْء، كَمَا تسمى مَا خبطت من الْوَرق خبطا، فعلى هَذَا من لم يقدم إلاّ كفرا أَو معاصي على العناد والجحود فَذَاك قدمه وَقدمه ذَلِك هُوَ مَا قدمه للعذاب وَالْعِقَاب الْحَالين بِهِ، والمعاندون من الْكفَّار هم قدم الْعَذَاب فِي النَّار، وَقيل: المُرَاد بِوَضْع الْقدَم عَلَيْهَا نوع من الزّجر عَلَيْهَا والتسكين لَهَا. كَمَا يَقُول الْقَائِل لشَيْء يُرِيد محوه وإبطاله، جملَته تَحت رجْلي، وَوَضَعته تَحت قدمي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يعود الضَّمِير إِلَى الْمَزِيد، وَيُرَاد بالقدم الآخر لِأَنَّهُ آخر الْأَعْضَاء أَي: حَتَّى يضع الله آخر أهل النَّار فِيهَا، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا الرجل فقد زعم الإِمَام أَبُو بكر بن فورك أَنَّهَا غير ثَابِتَة عِنْد أهل النَّقْل، ورد عَلَيْهِ بِرِوَايَة (الصَّحِيحَيْنِ) بهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِن الرِّوَايَة الَّتِي جَاءَت بِلَفْظ الرجل تَحْرِيف من بعض الروَاة لظَنّه أَن المُرَاد بالقدم الْجَارِحَة. فرواها بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالرجلِ إِن كَانَت مَحْفُوظَة الْجَمَاعَة، كَمَا تَقول رجل من جَراد فالتقدير يضع فِيهَا جمَاعَة وإضافتهم إِلَيْهِ إِضَافَة اخْتِصَاص، وَاخْتلف المؤولون فِيهِ، فَقيل: إِن الرجل تسْتَعْمل فِي الزّجر كَمَا تَقول: وَضعته تَحت رجْلي، وَهَذَا قد مر فِي الْقدَم، وَقيل: المُرَاد بهَا رجل بعض المخلوقين، وَقيل: إِنَّهَا اسْم مَخْلُوق من المخلوقين، وَقيل: إِن الرجل تسْتَعْمل فِي طلب الشَّيْء على سَبِيل الْجد كَمَا يُقَال: قَامَ فِي هَذَا الْأَمر على رجل، وَمِنْهُم من أنكر هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا وكذبها، وَهَذَا طعن فِي الثِّقَات. وإفراط فِي رد (الصِّحَاح) وَمِنْهُم من روى بَعْضهَا وَأنكر أَن يتحدث بِبَعْضِهَا وَهُوَ مَالك، روى حَدِيث النُّزُول
    وأوله: وَأنكر أَن يتحدث بِحَدِيث: اهتز الْعرض لمَوْت سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهُم من تأولها تَأْوِيلا يكَاد يُفْضِي فِيهِ إِلَى القَوْل بالتشبيه
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عبد الرحمن هاشم بيومي

  6. #286
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

    اليوم : الثلاثاء
    الموافق : 8 / رمضان / 1442 هجري
    الموافق : 20/ ابريل / 2021 ميلادي

    " الفوائد المنتقاة من " عمدة القاري " للحافظ العيني رحمه الله



    193)
    قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كل جبل طور وَلَكِن الله عز وَجل، يَعْنِي بِالطورِ هُنَا الْجَبَل الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالْأَرْضِ المقدسة وَهُوَ بمدين واسْمه زبير، وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: هما طوران، يُقَال لأَحَدهمَا طورزيتا وَللْآخر تينا لِأَنَّهُمَا ينبتان الزَّيْتُون والتين، وَلما كذب كفار مَكَّة أقسم الله بِالطورِ وَهُوَ الْجَبَل بلغَة النبط الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالْأَرْضِ المقدسة. وَقَالَ الْجَوْزِيّ: وَهُوَ طور سيناء، وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَمَوِيّ فِي كِتَابه (الْمُشْتَرك) طورزيتا مَقْصُورا علم لجبل بِقرب رَأس عين، وطورزيتا أَيْضا جبل بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس، وَفِي الْأَثر: مَاتَ بطورزيتا سَبْعُونَ ألف نَبِي قَتلهمْ الْجُوع، وَهُوَ شَرْقي وَادي سلوان، وَالطور أَيْضا علم لجبل بِعَيْنِه مطل على مَدِينَة طبرية بالأردن، وَالطور أَيْضا جبل عِنْد كورة تشْتَمل على عدَّة قرى بِأَرْض مصر بَين مصر وجبل فاران، وطور سيناء قيل: جبل بِقرب أيله، وَقيل: هُوَ بِالشَّام وسيناء حجارية، وَقيل: شجر فِيهِ وطور عَبْدَيْنِ اسْم لبلدة من نَصِيبين فِي بطن الْجَبَل المشرف عَلَيْهَا الْمُتَّصِل بجبل الجودي، وطور هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، علم لجبل مشرف فِي قبل الْبَيْت الْمُقَدّس فِيهِ فِيمَا قبل قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام.
    .......
    وَقَالَ مُجَاهِدٌ الطُّورُ الجَبَلُ بِالسُّرْيَانِي َةِ
    .......
    (196)
    ضِيزَى: عَوْجَاءُ
    أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {تِلْكَ إِذا قسْمَة ضيزي} (النَّجْم: 22) وَفَسرهُ بقوله: (عوجاء) وَهُوَ مَرْوِيّ عَن مقَاتل، وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: قسْمَة جائرة حَيْثُ جعلتم لربكم من الْوَلَد مَا تَكْرَهُونَ لأنفسكم وَعَن ابْن سِيرِين: غير مستوية أَن يكون لكم الذّكر وَللَّه الْإِنَاث تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
    ........
    (199)
    وَالدَّلِيل على هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى وَلَقَد رآره نزلة أُخْرَى} قَالَ: رأى ربه بفؤاده مرَّتَيْنِ، وَله من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِه، وأصرح من ذَلِك مَا أخرجه ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَطاء أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لم يره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَيْنِه إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِه، وَقد رجح الْقُرْطُبِيّ قَول الْوَقْف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَعَزاهُ لجَماعَة من الْمُحَقِّقين، وقوَّاه لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَاب دَلِيل قَاطع، وَغَايَة مَا اسْتدلَّ بِهِ للطائفتين، ظواهر متعارضة قَابِلَة للتأويل. قَالَ: وَلَيْسَت الْمَسْأَلَة من العمليات فيكتفي فِيهَا بالأدلة الظنية، وَإِنَّمَا هِيَ من المعتقدات فَلَا يَكْتَفِي فِيهَا إلاَّ بِالدَّلِيلِ الْقطعِي، وَمَال ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوْحِيد إِلَّا الْإِثْبَات وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَال، وَحمل مَا ورد عَن ابْن عَبَّاس على أَن الرُّؤْيَا وَقعت مرَّتَيْنِ: مرّة بِعَيْنِه وَمرَّة بِقَلْبِه، وَالله أعلم.

    .......
    (201)
    وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا إِذا حلف بِاللات أَو غَيرهَا من الْأَصْنَام أَو قَالَ: إِن فعلت كَذَا فَأَنا بعد يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو بَرِيء من الْإِسْلَام أَو من سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْو ذَلِك لم ينْعَقد يَمِينه بل عَلَيْهِ أَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَيَقُول: لَا إلاه إِلَّا الله وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وجماهير الْعلمَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب الْكَفَّارَة فِي كل ذَلِك إلاَّ فِي قَوْله: أَنا مُبْتَدع أَو بَرِيء من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو الْيَهُودِيَّة انْتهى. وَفِي (فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة) وَلَو قَالَ: هُوَ يَهُودِيّ أَو بَرِيء من الْإِسْلَام أَن فعل كَذَا عندنَا يكون يَمِينا. فَإِذا فعل ذَلِك الْفِعْل هَل يصير كَافِرًا هَذَا على وَجْهَيْن: إِن حلف بِهَذِهِ
    الْأَلْفَاظ وعلق بِفعل مَاض وَهُوَ عَالم وَقت الْيَمين أَنه كَاذِب اخْتلفُوا فِيهِ. قَالَ بَعضهم: يصير كَافِرًا لِأَنَّهُ تَعْلِيق بِشَرْط كَائِن وَهُوَ تَنْجِيز، وَقَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَلَا يلْزمه الْكَفَّارَة، وَإِلَيْهِ مَال شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَإِن حلف بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ على أَمر مُسْتَقْبل. قَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَيلْزمهُ الْكفَّار، وَالصَّحِيح مَا قَالَه السَّرخسِيّ أَنه ينظر إِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْحَالِف أَنه لَو حلف بذلك على أَمر فِي الْمَاضِي يصير كَافِرًا فِي الْحَال. وَإِن لم يكن فِي اعْتِقَاده ذَلِك لَا يكفر، سَوَاء كَانَت الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل أَو فِي الْمَاضِي. قَوْله تَعَالَى أَمر من التعالي، وَهُوَ الِارْتفَاع. تَقول مِنْهُ إِذا أمرت تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام، وللمرأة تعالي، وللمرأتين تعاليا، وللنسوة تعالين، وَلَا يجوز أَن يُقَال مِنْهُ: تعاليت وَلَا ينْهَى عَنهُ.
    .....
    (203)
    قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
    (تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى)
    فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟
    ....
    (220)
    والبسيسة عِنْد الْعَرَب الدَّقِيق والسويق بلت ويتخذ زادا، وَعَن عَطاء: بست أذهبت ذَهَابًا وَعَن ابْن الْمسيب: كسرت كسر
    ...
    (222)
    وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: اسْم هَذِه المجادلة خُوَيْلَة قَالَه مُحَمَّد بن سِيرِين، وَكَانَ زَوجهَا ظَاهر مِنْهَا، وَهُوَ أول ظِهَار كَانَ فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: خُوَيْلَة بنت دليج وَقَالَ عِكْرِمَة هِيَ خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة هِيَ خُوَيْلَة بنت الصَّامِت، وَقَالَ أَبُو عمر: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة وَزوجهَا أَوْس بن الصَّامِت، وسماها مُجَاهِد: جميلَة وسماها ابْن مَنْدَه: خَوْلَة بنت الصَّامِت، وَقَالَ أَبُو عمر. خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة بن أَصْرَم بن فهر بن ثَعْلَبَة بن غنم بن عَوْف، وَأما عُرْوَة وَمُحَمّد بن كَعْب وَعِكْرِمَة. فَقَالُوا: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة، كَانَت تَحت أَوْس بن الصَّامِت أخي عبَادَة بن الصَّامِت، وَظَاهر مِنْهَا، وفيهَا نزلت: {قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا} (المجادلة: 1) إِلَى آخر الْقِصَّة فِي الظِّهَار، وَقيل: إِن الَّتِي نزلت فِيهَا هَذِه الْآيَة جميلَة امْرَأَة أَوْس بن الصَّامِت، وَقيل: بل هِيَ خُوَيْلَة بنت دليج وَلَا يثبت شَيْء من ذَلِك.
    .....
    (225)
    قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ حجَّة لمَالِك على أَن الْفَيْء لَا يقسم وَإِنَّمَا هُوَ موكول إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَكَذَلِكَ الْخمس عِنْده، وَأَبُو حنيفَة يقسمهُ أَثلَاثًا وَالشَّافِعِيّ أَخْمَاسًا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قبل الشَّافِعِي قَالَ بالخمس من الْفَيْء، وَفِيه جَوَاز إدخار قوت سنة إِذا كَانَ من غَلَّته إِمَّا إِذا اشْتَرَاهُ من السُّوق؟ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَأَجَازَهُ قوم وَمنعه آخَرُونَ إِذا أضرّ بِالنَّاسِ، وَجَوَاز الإدخار لَا يقْدَح التَّوَكّلُ
    ....
    (225)
    وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْموضع الَّذِي وشم يصير نجسا فَإِن أمكن إِزَالَته بالعلاج وَجَبت إِزَالَته وَإِن لم يُمكن إلاَّ بِجرح فَإِن خَافَ مِنْهُ التّلف أَو فَوَات عُضْو أَو مَنْفَعَة عُضْو أَو شَيْئا فَاحِشا فِي عُضْو ظَاهر لم تجب إِزَالَته، وَإِذا تَابَ لم يبْق عَلَيْهِ إِثْم وَإِن لم يخف شَيْئا من ذَلِك وَنَحْوه لزمَه إِزَالَته ويعصى بِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُله الرجل وَالْمَرْأَة.
    ....
    (226)
    الَ الْقُرْطُبِيّ: هُوَ نَص فِي تَحْرِيم ذَلِك، وَهُوَ قَول مَالك وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَمنعُوا الْوَصْل بِكُل شَيْء من الصُّوف أَو الْخرق وَغَيرهَا لِأَن ذَلِك كُله فِي معنى الْوَصْل بالشعر ولعموم النَّهْي وسد الذريعة، وشذ اللَّيْث بن سعد فَأجَاز وَصله بالصوف وَمَا لَيْسَ بِشعر، وَهُوَ محجوج بِمَا تقدم، وأباح آخَرُونَ وضع الشّعْر على الرَّأْس، وَقَالُوا: إِنَّمَا نهى عَن الْوَصْل خَاصَّة وَهِي ظاهرية مَحْضَة وإعراض عَن الْمَعْنى، وشذ قوم فأجازوا الْوَصْل مُطلقًا وتأولوا الحَدِيث على غير وصل الشّعْر، وَهُوَ قَول بَاطِل، وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلم يَصح عَنْهَا وَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي مَا يرْبط من الشّعْر بخيوط الشّعْر الملونة وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يشبه الشّعْر لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ. إِذْ لَيْسَ هُوَ بوصل إِنَّمَا هُوَ للتجمل والتحسن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَصله أَصْحَابنَا إِن وصلته بِشعر الْآدَمِيّ فَهُوَ حرَام بِلَا خلاف سَوَاء كَانَ من رجل أَو امْرَأَة لعُمُوم الْأَحَادِيث، وَلِأَنَّهُ يحرم الِانْتِفَاع بِشعر الْآدَمِيّ وَسَائِر أَجْزَائِهِ لكرامته بل يدْفن شعره وظفره وَسَائِر أَجْزَائِهِ، وَإِن وصلته بِشعر غير الْآدَمِيّ فَإِن كَانَ نجسا من ميتَة أَو شعر مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه إِذا انْفَصل فِي حَيَاته فَهُوَ حرَام أَيْضا، وَلِأَنَّهَا حاملة نَجَاسَة فِي صلَاتهَا وَغَيرهَا عمدا، وَسَوَاء فِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ الْمُزَوجَة وَغَيرهَا من النِّسَاء وَالرِّجَال، وَأما الشّعْر الطَّاهِر فَإِن لم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد فَهُوَ حرَام أَيْضا وَإِن كَانَ فَثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: لَا يجوز لظَاهِر الحَدِيث. الثَّانِي: يجوز، وأصحها عِنْدهم إِن فعلته بِإِذن السَّيِّد أَو الزَّوْج جَازَ، وإلاَّ فَهُوَ حرَام.
    ....
    (228)
    (فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار) قَالَ الْخَطِيب: وَأَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ ابْن بشكوال: هُوَ زدي بن سهل وَأنْكرهُ النَّوَوِيّ: وَقيل: عبد الله بن رَوَاحَة وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ والنحاس. نزلت فِي أبي المتَوَكل وَأَن الضَّيْف ثَابت بن قيس. قَوْلهمَا: نزلت فِي أبي المتَوَكل وَأَن الضَّيْف ثَابت بن قيس. قَوْلهمَا: نزلت فِي أبي المتَوَكل: وهم فَاحش لِأَن أَبَا المتَوَكل النَّاجِي تَابِعِيّ إِجْمَاعًا
    ....
    (228)
    (عجب الله أَو ضحك) ، المُرَاد من الْعجب والضحك وَنَحْوهَا فِي حق الله عز وَجل لوازمها وغاياتها لِأَن التَّعَجُّب حَالَة تحصل عِنْد إِدْرَاك أَمر غَرِيب، والضحك ظُهُور الْأَسْنَان عِنْد أَمر عَجِيب وَكِلَاهُمَا محالان على الله تَعَالَى، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الْعجب لَا يجوز على الله، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الرِّضَا، وَحَقِيقَته أَن ذَلِك الصَّنِيع مِنْهُمَا حل من الرِّضَا عِنْد الله وَالْقَبُول بِهِ ومضاعفة الثَّوَاب عَلَيْهِ مَحل الْعجب عنْدكُمْ فِي الشَّيْء التافه إِذا رفع فَوق قدره وأعظى بِهِ الْأَضْعَاف من قِيمَته، قَالَ: وَقد يكون المُرَاد بالعجب هُنَا أَن الله تَعَالَى يعجب مَلَائكَته من صنيعهما لندور مَا وَقع مِنْهُمَا فِي الْعَادة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عبد الله يَعْنِي البُخَارِيّ: الضحك هُنَا الرَّحْمَة، وَتَأْويل الضحك بِالرِّضَا أقرب من تَأْوِيله بِالرَّحْمَةِ لِأَن الضحك من الْكِرَام يدل على الرِّضَا فَإِنَّهُم يوصفون بالبشر عِنْد السُّؤَال. انْتهى، وَلَيْسَ فِي النّسخ الَّتِي فِي أَيدي النَّاس مَا نسبه الْخطابِيّ إِلَى البُخَارِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَالله أعلم.
    ....
    (235)
    فسموا الْفرس بالفروسية. وَقيل: إِنَّهُم من ولد بوان بن إيران بن الْأسود بن سَام، وَيُقَال لَهُم بالجزيرة الحضارمة، وبالشام: الجرامقة، وبالكوفة: الأحامرة، وبالبصرة: الأساورة، وباليمن: الْأَبْنَاء والأحرار، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لصاعد: كَانَت الْفرس أول أمرهَا مُوَحدَة على دين نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَن أَتَى برداسف المشرقي إِلَى طهمورس ثَالِث مُلُوك الْفرس بِمذهب الحنفاء وهم الصابئون، فَقبله مِنْهُ وَقصر الْفرس على التشرع بِهِ فاعتقدوه جَمِيعًا نَحْو ألف سنة ومائتي سنة إِلَى أَن تمجسوا جَمِيعًا بِظُهُور زرادشت فِي زمن بستاسف ملك الْفرس حِين مضى من ملكه ثَلَاثُونَ سنة، ودعى إِلَى دين الْمَجُوسِيَّة من تَعْظِيم النَّار وَسَائِر الْأَنْوَار وَالْقَوْل: بتركيب الْعَالم من النُّور والظلام واعتقاد القدماء
    الْخَمْسَة إِبْلِيس والهيولى وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَذكر آخر فَقبل مِنْهُ بستاسف وَقَاتل الْفرس عَلَيْهِ حق انقادوا جَمِيعًا إِلَيْهِ ورفضوا دين الصابئة. واعتقدوا زرادشت نَبيا مُرْسلا إِلَيْهِم، وَلم يزَالُوا على دينه قَرِيبا من ألف سنة وَثَلَاث مائَة سنة إِلَى أَن أباد الله عز وَجل. ملكهم على عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
    ......
    (238)
    وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن أبي ليلى إِذا أطلقهُ المحدثون يعنون بِهِ عبد الرَّحْمَن، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ بِهِ ابْنه مُحَمَّدًا القَاضِي الإِمَام،
    .....
    (244)
    ن طَلَاق السّنة أَن يكون فِي طهر، وَهَذَا بَاب اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ مَالك: طَلَاق السّنة أَن يُطلق الرجل امْرَأَته فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِرُؤْيَة أول الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِي ّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا أحسن من الطَّلَاق، وَله فِي قَول آخر قَالَ إِذا أَرَادَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا، طَلقهَا عِنْد كل طهر وَاحِدَة من غير جماع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأَشْهَب، وَزعم المرغيناني: أَن الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه عِنْد أَصْحَاب أبي حنيفَة حسن وَأحسن وبدعي، فالحسن هُوَ طَلَاق السّنة وَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار، وَالْأَحْسَن أَن يطلقهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا والبدعي أَن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة أَو ثَلَاثًا فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا
    وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة الطَّلَاق السّني. فَقَالَ مَالك وَعَامة أَصْحَابه، هُوَ أَن يُطلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تكمل عدتهَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِي ّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: هَذَا أحسن الطَّلَاق، وَله قَول آخر إِنَّه إِن شَاءَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا طَلقهَا فِي كل طهر مرّة وَكِلَاهُمَا عِنْد الْكُوفِيّين طَلَاق سنة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود، وَاخْتلف فِيهِ قَول أَشهب فَقَالَ مثله مرّة وَأَجَازَ أَيْضا ارتجاعها ثمَّ يُطلق ثمَّ يرتجع ثمَّ يُطلق فَيتم الثَّلَاث وَقَالَ الشَّافِعِي
    وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، لَيْسَ فِي عدد الثَّلَاثَة سنة وَلَا بِدعَة وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْوَقْت.
    الثَّانِي: فِي قَوْله: (ليراجعها) دَلِيل، على أَن الطَّلَاق غير الْبَائِن لَا يحْتَاج إِلَى رضَا الْمَرْأَة.
    الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن الرّجْعَة تصح بالْقَوْل وَلَا خلاف فِي ذَلِك، وَأما الرّجْعَة بِالْفِعْلِ فقد اخْتلفُوا فِيهَا. فَقَالَ عِيَاض: وَتَصِح عندنَا أَيْضا بِالْفِعْلِ الْحَال مَحل القَوْل الدَّال فِي الْعبارَة على الارتجاع: كَالْوَطْءِ والتقبيل واللمس بِشَرْط الْقَصْد إِلَى الارتجاع بِهِ، وَأنكر الشَّافِعِي صِحَة الارتجاع بِالْفِعْلِ أصلا وأثبته أَبُو حنيفَة، وَإِن وَقع من غير قصد وَهُوَ قَول ابْن وهب من أَصْحَابنَا فِي الواطىء من غير قصد.
    وَالرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة أَن من طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض فقد أَثم، وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُرَاجِعهَا فَإِن تَركهَا تمْضِي فِي الْعدة بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاق.
    الْخَامِس: أَن فِيهِ الْأَمر بالمراجعة، فَقَالَ مَالك: هَذَا الْأَمر مَحْمُول على الْوُجُوب، وَمن طلق زَوجته حَائِضًا أَو نفسَاء. فَإِنَّهُ يجْبر على رَجعتهَا فسوى دم النّفاس بِدَم الْحيض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَابْن أبي ليلى وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِي ّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: يُؤمر بالرجعة وَلَا يجْبر، وحملوا الْأَمر فِي ذَلِك على النّدب ليَقَع الطَّلَاق على السّنة، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا إِذا انْقَضتْ عدتهَا لَا يجْبر على رَجعتهَا، وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا طَلقهَا فِي طهر قد مَسهَا فِيهِ لَا يجْبر على رَجعتهَا وَلَا يُؤمر بذلك، وَإِن كَانَ قد أوقع الطَّلَاق على غير سنة.
    السَّادِس: أَن الطَّلَاق فِي الْحيض محرم وَلكنه إِن أوقع لزم، وَقَالَ عِيَاض: ذهب بعض النَّاس مِمَّن شَذَّ أَنه لَا يَقع الطَّلَاق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي منع الطَّلَاق فِي الْحيض. قلت: هَذِه عبَادَة غير معقولة الْمَعْنى، وَقيل: بل هُوَ معال بتطويل الْعدة.
    ..........
    (247)
    ن الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا آخر الْأَجَليْنِ عِنْد ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن أبي ليلى أَيْضا وَاخْتَارَهُ سَحْنُون، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رُجُوعه وانقضاء الْعدة بِوَضْع الْحمل وَعَلِيهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَعَمْرو ابْن مَسْعُود وَأبي سَلمَة. وَسبب الْخلاف تعَارض الْآيَتَيْنِ فَإِن كلاًّ مِنْهُمَا عَام من وَجه وخاص من وَجه.
    .....
    (254)
    وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَعَن مُجَاهِد وَمُقَاتِل وَالسُّديّ وَآخَرين: هُوَ الْحُوت الَّذِي يحمل الأَرْض، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَعَن الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: يهموت، وَعَن الْوَاقِدِيّ: ليوثا وَعَن عَليّ: بلهوت، وَقيل: هِيَ حُرُوف الرَّحْمَن، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الر وح م، وَنون حُرُوف الرحمان مقطعَة، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: النُّون، الدَّوَاء وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَعَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة: لوح من نور رَفعه الله إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن كيسَان: هُوَ قسم أقسم الله بِهِ، وَعَن عَطاء افْتِتَاح اسْمه نور وناصر ونصير، وَعَن جَعْفَر: نون نهر فِي الْجنَّة.
    .....
    (257)
    (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) ، من المتشابهات، وَلأَهل الْعلم فِي هَذَا الْبَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم تَفْوِيض الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ، واعتقاد معنى يَلِيق لجلال الله عز وَجل وَالْآخر: هُوَ مَذْهَب بعض الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا تتأول على مَا يَلِيق بِهِ، وَلَا يسوغ ذَلِك إلاَّ لمن كَانَ من أَهله بِأَن يكون عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب، وقواعد الْأُصُول وَالْفُرُوع، فعلى هَذَا قَالُوا: المُرَاد بالساق هُنَا الشدَّة، أَي: يكْشف الله عَن شدَّة وَأمر مهول، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَقَالَ عِيَاض: المُرَاد بالساق النُّور الْعَظِيم، وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَوْم يكْشف عَن سَاق) قَالَ: عَن نور عَظِيم يخرون لَهُ سجدا وَعَن قَتَادَة فِيمَا رَوَاهُ عبد بن حميد (يَوْم يكْشف عَن سَاق) عَن أَمر فظيع، وَعَن عبد الله هِيَ ستور رب الْعِزَّة إِذا كشف لِلْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن الرّبيع بن أنس: يكْشف عَن الغطاء فَيَقَع من كَانَ آمن بِهِ فِي الدُّنْيَا سَاجِدا، وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَأما القَوْل من قَالَ: المُرَاد بالساق الشدَّة فِي الْقِيَامَة، وَفِي هَذَا قُوَّة لأهل التعطيل، وَجَاء حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ، وَفِيه
    وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ: أَن ذَلِك بِمَعْنى كشف الشدائد عَن الْمُؤمنِينَ فيسجدون شكرا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أبي مُوسَى مَرْفُوعا. فَيكْشف لَهُم الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله، وَعَن ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامَ النَّاس لرب الْعَالمين أَرْبَعِينَ عَاما فِيهِ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق ويتجلى لَهُم، وأوله بَعضهم بِأَن الله يكْشف لَهُم عَن سَاق لبَعض المخلوفين من مَلَائكَته وَغَيرهم، وَيجْعَل ذَلِك سَببا لبَيَان مَا شَاءَ من حكمته فِي أهل الْإِيمَان والنفاق. وَعَن أبي الْعَبَّاس النَّحْوِيّ أَنه قَالَ: السَّاق النَّفس. كَمَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَالله لأقاتلن الْخَوَارِج وَلَو تلفت ساقي، فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تجلي ذَاته لَهُم وكشف الْحجب حَتَّى إِذا رَأَوْهُ سجدوا لَهُ.
    ....
    (285)
    لْحُكَمَاء يَشْمَل الْإِنْسَان كَونه نُطْفَة إِلَى أَن يَمُوت على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ حَالا وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ اسْما، نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ عظاما ثمَّ خلقا آخر ثمَّ جَنِينا
    ثمَّ وليدا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطيما ثمَّ يافعا ثمَّ نَاسِيا ثمَّ مترعرعا ثمَّ حزورا ثمَّ مراهقا ثمَّ محتلما ثمَّ بَالغا ثمَّ أَمْرَد ثمَّ طارا ثمَّ باقلاً ثمَّ مستطرا ثمَّ مطرخما ثمَّ مخلطا ثمَّ صملاً ثمَّ ملتحيا ثمَّ مستويا ثمَّ مصعدا ثمَّ مجتمعا. والشاب يجمع ذَلِك كُله. ثمَّ ملهوزا ثمَّ كهلاً ثمَّ أشمط ثمَّ أشيخا ثمَّ شَبَّبَ ثمَّ حوقلاً ثمَّ صفتاتا ثمَّ هما ثمَّ هرما ثمَّ مَيتا. فَهَذَا معنى قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) والطبق فِي اللُّغَة الْحَال قَالَه الثَّعْلَبِيّ
    وَقَالَ بَعضهم: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، فَإِذا وَلدته يُسمى صَبيا مَا دَامَ رضيعا فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يصير يافعا إِلَى عشر حجج ثمَّ يصير حزورا إِلَى خمس عشرَة سنة ثمَّ يصير قمدا إِلَى خمس وَعشْرين سنة ثمَّ يصير عنطنا إِلَى ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ يصير صملاً إِلَى أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ يصير كهلاً إِلَى خمسين سنة ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة ثمَّ يصير هما بعد ذَلِك فانيا كَبِيرا.



    ......
    (288)
    مَذْهَب الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَنه تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ كلما ذكر اسْمه.
    ...
    (290)
    وَاخْتلف فِي إرم ذَات الْعِمَاد فَقيل: دمشق. قَالَه سعيد بن الْمسيب، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: هِيَ الاسكندرية، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ أمة وَمَعْنَاهَا الْقَدِيمَة، وَعَن قَتَادَة: هِيَ قَبيلَة من عَاد، وَعَن ابْن إِسْحَاق: هِيَ جد عَاد، وَالصَّوَاب أَنَّهَا اسْم قَبيلَة أَو بَلْدَة
    هل خيام لَا يُقِيمُونَ فِي بَلْدَة وَحَاصِل الْمَعْنى أَنه قيل لَهُم ذَات الْعِمَاد لأَنهم كَانُوا أهل عَمُود لَا يُقِيمُونَ. وَكَانُوا سيارة ينتجعون الْغَيْث وينتقلون إِلَى الكلاء حَيْثُ كَانَ ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع، وَكَانُوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كَانَت بوادي الْقرى، وَقيل: سموا ذَات الْعِمَاد لبِنَاء بناه شَدَّاد بن عَاد وحكايته مَشْهُورَة فِي التفاسير.



    ......
    (295)
    وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف
    .....
    (295)
    الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون.
    ....
    (302)
    (اقْرَأ باسم رَبك) فِي قِرَاءَة: بِسم الله الرحمان الرَّحِيم، لَكِن فِي أول سُورَة الْفَاتِحَة فَقَط أَو فِي أول كل سُورَة من الْقُرْآن؟ فِيهِ خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء. فمذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَمَا ذكره البُخَارِيّ.
    مَذْهَب الْحسن أَن الْبَسْمَلَة تكْتب فِي أول الْفَاتِحَة فَقَط ويكتفي فِي الْبَاقِيَة بَين كل سورتين بالعلامة، فَإِذا كَانَ هَذَا مذْهبه كَيفَ يَقُول الدَّاودِيّ إِن أَرَادَ خطا بِغَيْر الْبَسْمَلَة فَلَيْسَ بصواب وَإِن أَرَادَ بِالْإِمَامِ بِكَسْر الْهمزَة الَّذِي هُوَ الْفَاتِحَة فَكيف يَقُول: وَإِن أَرَادَ بِالْإِمَامِ أَمَام كل سُورَة بِفَتْح الْهمزَة يَعْنِي: فَكيف يَصح ذكر الإِمَام بِالْكَسْرِ، وَيُرَاد بِهِ الإِمَام بِالْفَتْح؟ وَقَالَ السُّهيْلي: هَذَا الْمَذْكُور عَن مصحف الْحسن شذوذ، قَالَ: وَهِي على هَذَا من الْقُرْآن إِذْ لَا يكْتب فِي الْمُصحف مَا لَيْسَ بقرآن، وَلَيْسَ يلْزم قَول الشَّافِعِي: إِنَّهَا آيَة من كل سُورَة وَلَا أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة، بل يَقُول إِنَّهَا آيَة من كتاب الله تَعَالَى مقترنة مَعَ السُّورَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَدَاوُد، وَهُوَ قَول بَين الْقُوَّة لمن أنصف. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) لَا نسلم لَهُ ذَلِك، بل من تَأمل الْأَدِلَّة ظهر لَهُ أَنَّهَا من الْفَاتِحَة وَمن كل سُورَة. قلت: مُجَرّد الْمَنْع بِغَيْر إِقَامَة الْبُرْهَان مَمْنُوع، وَمَا قَالَه بِالْعَكْسِ، بل من تَأمل الْأَدِلَّة ظهر لَهُ أَنَّهَا لَيست من الْفَاتِحَة وَلَا من أول كل سُورَة، بل هِيَ آيَة مُسْتَقلَّة أنزلت للفصل بَين السورتين، وَلِهَذَا اسْتدلَّ ابْن الْقصار الْمَالِكِي على أَن بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لَيست بقرآن فِي أَوَائِل السُّور من قَوْله: اقْرَأ باسم رَبك لم تذكر الْبَسْمَلَة
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عبد الرحمن هاشم بيومي

صفحة 15 من 15 الأولىالأولى ... 56789101112131415

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •