[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 11
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 11 من 11 الأولىالأولى ... 234567891011
النتائج 201 إلى 215 من 215
19اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #201
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب الأشربة " فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله
    المجلد العاشر باب 19/ ج5620
    الموافق 18/ رجب / 1441 هجري
    الموافق 12/ مارس / 2020 ميلادي

    (ج10/ ص 6)
    ‏والجمع أضحى وبه سمي يوم الأضحى، وهو يذكر ويؤنث، وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه، وكأنه ترجم بالسنة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها، قال ابن حزم‏:‏ لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين، وهي عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي والليث مثله، وخالف أبو يوسف من الحنفية وأشهب من المالكية فوافقا الجمهور‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ يكره تركها مع القدرة، وعنه واجبة، وعن محمد بن الحسن هي سنة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها ا هـ‏.‏
    وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا ‏"‏ أخرجه ابن ماجه وأحمد ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحا في الإيجاب‏.‏
    وللترمذي محسنا من طريق جبلة بن سحيم أن رجلا سأل ابن عمر عن الأضحية‏:‏ أهي واجبة‏؟‏ فقال‏:‏ ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده، قال الترمذي‏:‏ العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب نعم أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد لا يدل على ذلك، وكأنه أشار بقوله ‏"‏ والمسلمون ‏"‏ إلى أنها ليست من الخصائص، وكان ابن عمر حريصا على اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك لم يصرح بعدم الوجوب، وقد احتج من قال بالوجوب بما ورد في حديث مخنف بن سليم رفعه ‏"‏ على أهل كل بيت أضحية ‏"‏ أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي، ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة، ولبست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية‏.‏
    واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عباس ‏"‏ كتب علي النحر ولم يكتب عليكم ‏"‏ وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والدار قطني وصححه الحاكم فذهل، وقد استوعبت طرقه ورجاله في ‏"‏ الخصائص ‏"‏ من تخريج أحاديث الرافعي، وسيأتي شيء من المباحث في وجوب الأضحية في الكلام على حديث البراء في حديث أبي بردة بن نيار بعد أبواب‏.‏
    ثم ذكر المصنف حديث البراء وأنس في أمر من ذبح قبل الصلاة بالإعادة،
    وحجة الجمهور حيث جبير بن مطعم رفعه ‏"‏ فجاج منى منحر، وفي كل أيام التشريق ذبح ‏"‏ أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع، ووصله الدار قطني ورجاله ثقات، واتفقوا على أنها تشرع ليلا كما تشرع نهارا إلا رواية عن مالك وعن أحمد أيضا‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ هو مذهب مالك أن الإمام يبرز أضحيته للمصلى فيذبح هناك، وبالغ بعض أصحابه وهو أبو مصعب فقال‏:‏ من لم يفعل ذلك لم يؤتم به‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ قال أبو حنيفة ومالك لا يذبح حتى يذبح الإمام إن كان ممن يذبح، قال ولم أر له دليلا‏.
    (ج9/ ص 13)
    وأخرج أبو داود من وجه آخر عن جابر ‏"‏ ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين أقرنين أملحين موجوءين‏"‏، قال‏:‏ الخطابي الموجوء - يعني بضم الجيم وبالهمز - منزوع الأنثيين، والوجاء الخصاء، وفيه جواز الخصي في الضحية، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، لكن ليس هذا عيبا لأن الخصاء يفيد اللحم طيبا وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه الترمذي بلفظ ‏"‏ ضحى بكبش فحل ‏"‏ أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه يرد رواية موجوءين، وتعقب باحتمال أن يكون ذلك وقع في وقتين‏.‏
    (ج10/ ص 14)
    وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاري ولفظه ‏"‏ كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة ‏"‏ قال أحمد‏:‏ هذا الحديث عجيب، قال ابن التين كان بعض المالكية يكره تسمين الأضحية لئلا يتشبه باليهود، وقول أبي أمامة أحق، قاله الداودي‏.‏
    (ج10/ ص 15)
    قال الشافعية أن الأضحية بسبع شياه أفضل من البعير لأن الدم المراق فيها أكثر والثواب يزيد بحسبه، وأن من أراد أن يضحي بأكثر من واحد يعجله وحكى الروياني من الشافعية استحباب التفريق على أيام النحر، قال النووي‏:‏ هذا أرفق بالمساكين لكنه خلاف السنة، كذا قال والحديث دال على اختيار التثنية، ولا يلزم منه أن من أراد أن يضحي بعدد فضحى أول يوم باثنين ثم فرق البقية على أيام النحر أن يكون مخالفا للسنة وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى وهو قول أحمد، وعنه رواية أن الأنثى أولى، وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي أحدهما عن نصه في البويطي الذكر لأن لحمه أطيب وهذا هو الأصح، والثاني أن الأنثى أولى، قال الرافعي وإنما يذكر ذلك في جزاء الصيد عند التقويم، والأنثى أكثر قيمة فلا تفدى بالذكر، أو أراد الأنثى التي لم تلد‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ الأصح أفضلية الذكور على الإناث في الضحايا وقيل هما سواء، وفيه استحباب التضحية بالأقرن وأنه أفضل من الأجم مع الاتفاق على جواز التضحية بالأجم وهو الذي لا قرن له، واختلفوا في مكسور القرن‏.‏
    (ج10/ ص17)
    أخرج ابن منده من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن البراء قال ‏"‏ كان اسم خالي قليلا فسماه النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا‏.‏
    وقال‏:‏ يا كثير إنما نسكنا بعد صلاتنا
    (ج10/ ص 20)
    في الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي وهو قول الجمهور، وعن عطاء وصاحبه الأوزاعي يجوز مطلقا، وهو وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي‏.‏
    وقال النووي‏:‏ وهو شاذ أو غلط، وأغرب عياض فحكى الإجماع على عدم الإجزاء، قيل والإجزاء مصادر للنص ولكن يحتمل أن يكون قائله قيد ذلك بمن لم يجد غيره، ويكون معنى نفي الإجزاء عن غير من أذن له في ذلك محمولا على من وجد، وأما الجذع من الضأن فقال الترمذي‏:‏ إن العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لكن حكى غيره عن ابن عمر والزهري أن الجذع لا يجزي مطلقا سواء كان من الضأن أم من غيره، وممن حكاه عن ابن عمر ابن المنذر في ‏"‏ الأشراف ‏"‏ وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعة من السلف وأطنب في الرد على من أجازه، ويحتمل أن يكون ذلك أيضا مقيدا بمن لم يجد، وقد صح فيه حديث جابر رفعه ‏"‏ لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن ‏"‏ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم لكن نقل النووي عن الجمهور أنهم حملوه على الأفضل، والتقدير يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن‏.‏
    ال‏:‏ وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضأن وأنها لا تجزي، قال‏:‏ وقد أجمعت الأمة على أن الحديث ليس على ظاهره، لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويله‏.‏
    قلت‏:‏ ويدل للجمهور الأحاديث الماضية قريبا، وكذا حديث أم هلال بنت هلال عن أبيها رفعه ‏"‏ يجوز الجذع من الضأن أضحية ‏"‏ أخرجه ابن ماجه، وحديث رجل من بني سليم يقال له مجاشع ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الجذع يوفي ما يوفي منه الثني ‏"‏ أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه النسائي من وجه آخر، لكن لم يسم الصحابي، بل وقع عنده أنه رجل من مزينة، وحديث معاذ بن عبد الله بن حبيب عن عقبة بن عامر ‏"‏ ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجذع من الضأن ‏"‏ أخرجه النسائي بسند قوي، وحديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ نعمت الأضحية الجذعة من الضأن ‏"‏ أخرجه الترمذي وفي سنده ضعف‏.‏
    واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن - وهم الجمهور - في سنه على آراء‏:‏ أحدها أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية وهو الأصح عند الشافعية وهو الأشهر عند أهل اللغة، ثانيها نصف قول الحنفية والحنابلة، ثالثها سبعة أشهر وحكاه صاحب ‏"‏ الهداية ‏"‏ من الحنفية عن الزعفراني، رابعها ستة أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع، خامسها التفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة أو بين هرمين فيكون ابن ثمانية، سادسها ابن عشر، سابعها لا يجزي حتى يكون عظيما حكاه ابن العربي وقال‏:‏ إنه مذهب باطل، كذا قال، وقد قال صاحب ‏"‏ الهداية ‏"‏ إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت‏.‏
    وقال العبادي من الشافعية‏:‏ لو أجذع قبل السنة أي سقطت أسنانه أجزأ كما لو تمت السنة قبل أن يجذع ويكون ذلك كالبلوغ إما بالسن وإما بالاحتلام، وهكذا قال البغوي‏:‏ الجذع ما استكمل السنة أو جذع قبلها، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 21)
    وقال الخطابي‏:‏ لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة الآتي في ‏"‏ باب من ذبح ضحية غيره‏"‏، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع‏.‏
    (ج10/ ص 25)
    ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع ‏"‏ أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن ‏"‏ وسنده صحيح، قال ابن التين‏:‏ فيه جواز ذبيحة المرأة، ونقل محمد عن مالك كراهته‏.‏
    قلت‏:‏ وقد سبق في الذبائح مبينا‏.‏
    وهذا الأثر مباين للترجمة، فيحتمل أن يكون محله في الترجمة التي قبلها أو أراد أن الأمر في ذلك على اختيار المضحي، وعن الشافعية الأولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها ولا تباشر الذبح بنفسها‏.‏
    (ج10/ ص 27)
    ال ابن دقيق العيد‏:‏‏:‏ فيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر بالجهل، والفرق بين المأمورات والمنهيات أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بالفعل‏.‏
    والمقصود من المنهيات الكف عنها بسبب مفاسدها، ومع الجهل والنسيان لم يقصد المكلف فعلها فيعذر‏.‏
    (ج9/ ص 28)
    نقل الطحاوي عن مالك والأوزاعي والشافعي‏:‏ لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعي لا الشافعي، قال القرطبي‏:‏ ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها‏.‏
    وقال أبو حنيفة والليث‏:‏ لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها ولو لم يذبح الإمام، وهو خالص بأهل المصر، فأما أهل القرى والبوادي فيدخل وقت الأضحية في حقهم إذا طلع الفجر الثاني‏.‏
    وقال مالك‏:‏ يذبحون إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم، فإن نحروا قبل أجزأهم‏.‏
    وقال عطاء وربيعة‏:‏ يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس‏.‏
    وقال أحمد وإسحاق‏:‏ إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وإن ضعفه بعضهم، ومثله قول الثوري‏:‏ يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله ‏"‏ حتى ينصرف ‏"‏ أي من الصلاة، كما في الروايات الأخر‏.‏
    وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه ‏"‏ إنما الذبح بعد الصلاة ‏"‏ ووقع في حديث جندب عند مسلم ‏"‏ من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ‏"‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة من حديث البراء، أي حيث جاء فيه ‏"‏ من ذبح قبل الصلاة ‏"‏ قال‏:‏ لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزئ الأضحية في حق من لم يصل العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن الظاهر في هذه الصورة ويبقى ما عداها في محل البحث‏.‏
    ويشهد لذلك قوله في حديث البراء ‏"‏ أن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر ‏"‏ فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام‏.
    (ج9/ ص 33)
    وقد ورد في الادخار ‏"‏ كان يدخر لأهله قوت سنة ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ كان لا يدخر لغد ‏"‏ والأول في الصحيحين والثاني في مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة‏.‏
    عن الشافعي‏:‏ يستحب قسمتها أثلاثا لقوله ‏"‏ كلوا وتصدقوا وأطعموا ‏"‏ قال ابن عبد البر‏:‏ وكان غيره يقول‏:‏ يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف‏.‏
    وقد أخرج أبو الشيخ في ‏"‏ كتاب الأضاحي ‏"‏ من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ من ضحى فليأكل من أضحيته ‏"‏ ورجاله ثقات لكن قال أبو حاتم الرازي‏:‏ الصواب عن عطاء مرسل‏.‏
    قال النووي‏:‏ مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية، وإنما الأمر فيه للإذن‏.‏
    وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية‏.‏
    وأما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية يما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها‏.‏
    (ج10/ ص 34)
    خذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي‏:‏ الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النووي فقال في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال، وحكى في شرح مسلم عن جمهور العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة، قال‏:‏ والصحيح نسخ النهي مطلقا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء ا هـ
    (ج10/ ص 35)
    نقل ابن عبد البر ما يوافق ما نقله النووي فقال‏:‏ لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قال القرطبي‏:‏ حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبه فتعين الأخذ به، وبعود الحكم تعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا تعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث‏.‏
    قلت‏:‏ والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقرير عدم الإمساك ولو ليلة واحدة، وقد حكى الرافعي عن بعض الشافعية أن التحريم كان لعلة فلما زالت زال الحكم لكن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة‏.‏
    (ج10/ ص 41)
    وذكر أبو جعفر النحاس أن بعضهم استدل لتحريم الخمر بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق‏)‏ وقد قال تعالى في الخمر والميسر ‏(‏فيهما إثم كبير ومنافع للناس‏)‏ فلما أخبر أن في الخمر إثما كبيرا ثم صرح بتحريم الإثم ثبت تحريم الخمر بذلك، قال‏:‏ وقول من قال إن الخمر تسمى الإثم لم نجد له أصلا في الحديث ولا في اللغة، ولا دلالة أيضا في قول الشاعر‏:‏ شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول فإنه أطلق الإثم على الخمر مجازا بمعنى أنه ينشأ عنها الإثم‏.‏
    واللغة الفصحى تأنيث الخمر، وأثبت أبو حاتم السجستاني وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير، ويقال لها الخمرة أثبته فيها جماعة من أهل اللغة منهم الجوهري‏.‏
    وقال ابن مالك في المثلث‏:‏ الخمرة هي الخمر في اللغة، وقيل‏:‏ سميت الخمر لأنها تغطي العقل وتخامره أي تخالطه، أو لأنها هي تخمر أي تغطى حتى تغلي، أو لأنها تختمر أي تدرك كما يقال للعجين اختم
    قول عمر رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ والخمر ما خامر العقل
    (ج10/ ص 42)
    جائز أن يدخل الجنة بالعفو ثم لا يشرب فيها خمرا ولا تشتهيها نفسه وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو ‏"‏ قلت‏:‏ أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان‏.‏
    وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه ‏"‏ من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة ‏"‏ أخرجه أحمد بسند حسن، وقد لخص عياض كلام ابن عبد البر وزاد احتمالا آخر وهو أن المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث الآخر ‏"‏ لم يرح رائحة الجنة ‏"‏ قال‏:‏ ومن قال لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها يقول ليس عليه في ذلك حسرة ولا يكون ترل شهوته إياها عقوبة في حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من هو أتم نعيما منه كما تختلف درجاتهم، ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذ بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطي واغتباطا له‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث فإنه إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله‏.‏
    وبهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وموقف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال‏.‏
    وفصل بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلا فهو الذي لا يشربها أصلا لأنه لا يدخل الجنة أصلا، وعدم الدخول يستلزم حرمانها، وبين من يشربها عالما بتحريمها فهو محل الخلاف، وهو الذي يحرم شربها مدة ولو في حال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي والله أعلم‏.‏
    في الحديث أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر، وهو في التوبة من الكفر قطعي وفي غيره من الذنوب خلاف بين أهل السنة هل هو قطعي أو ظني‏.‏
    قال النووي‏:‏ الأقوى أنه ظني‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل توبة الصادقين قطعا‏.‏
    (ج10/ ص 45)
    ‏ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا أشد ما ورد في شرب الخمر، وبه تعلق الخوارج فكفروا مرتكب الكبيرة عامدا عالما بالتحريم، وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن لا يعصي، ويحتمل أن يكون المراد أن فاعل ذلك يئول أمره إلى ذهاب الإيمان، كما وقع في حديث عثمان الذي أوله ‏"‏ اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث - وفيه - وإنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه ‏"‏ أخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا، وصححه ابن حبان مرفوعا‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وإنما أدخل البخاري هذه الأحاديث المشتملة على الوعيد الشديد في هذا الباب ليكون عوضا عن حديث ابن عمر ‏"‏ كل مسكر حرام ‏"‏ وإنما لم يذكره في هذا الباب لكونه روي موقوفا، كذا قال، وفيه نظر، لأن في الوعيد قدرا زائدا على مطلق التحريم، وقد ذكر البخاري ما يؤدي معنى حديث ابن عمر
    (ج10/ ص 46)
    قال ابن المنير‏:‏ غرض البخاري الرد على الكوفيين إذ فرقوا بين ماء العنب وغيره فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وزعموا أن الخمر ماء العنب خاصة، قال‏:‏ لكن في استدلاله بقول ابن عمر - يعني الذي أورده في الباب ‏"‏ حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ‏"‏ - على أن الأنبذة التي كانت يومئذ تسمى خمرا نظر، بل هو بأن يدل على أن الخمر من العنب خاصة أجدر، لأنه قال‏:‏ وما منها بالمدينة شيء - يعني الخمر - وقد كانت الأنبذة من غير العنب موجودة حينئذ بالمدينة، فدل على أن الأنبذة ليست خمرا، إلا أن يقال إن كلام ابن عمر يتنزل على جواب قول من قال لا خمر إلا من العنب، فيقال‏:‏ قد حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شيء، بل كان الموجود بها من الأشربة ما يصنع من البسر والتمر ونحو ذلك، وفهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم ذلك كله، ولولا ذلك ما بادروا إلى إراقتها‏.‏
    وقد أخرج أبو نعيم في ‏"‏ الحلية ‏"‏ في ترجمة شعبة من حديث عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ حرم أبو بكر الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام
    (ج10/ ص 51)
    وأما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، فإن سلم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك انتهى‏.‏
    وأما من حيث الشرع فالخمر حقيقة في الجميع، لثبوت حديث ‏"‏ كل مسكر خمر ‏"‏ فمن زعم أنه جمع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ لزمه أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه‏.‏
    ن السكر المتخذ من غير العنب يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب إذا أسكر كثيره، لأن الصحابة فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا‏.‏
    وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين‏.‏
    وخالف في ذلك الحنفية ومن قال بقولهم من الكوفيين فقالوا‏:‏ يحرم المتخذ من العنب قليلا كان أو كثيرا إلا إذا طبخ
    وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك من فرق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها فقال في المتخذ من العنب‏:‏ يحرم القليل منه والكثير إلا إذا طبخ
    (ج10/ ص 52)
    قال الشافعي‏:‏ قال لي بعض الناس الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يسكر، ولا يحد شاربها‏.‏
    فقلت‏:‏ كيف خالفت ما جاء به عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن عمر ثم عن علي ولم يقل أحد من الصحابة خلافه‏؟‏ قال‏:‏ وروينا عن عمر، قلت‏:‏ في سنده مجهول عنده فلا حجة فيه‏.‏
    قال البيهقي‏:‏ أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب من سطيحة لعمر فكسر فجلده عمر، قال‏:‏ إنما شربت من سطيحتك‏.‏
    قال‏:‏ أضربك على السكر‏.‏
    وسعيد قال البخاري وغيره‏:‏ لا يعرف‏.‏
    قال‏:‏ وقال بعضهم سعيد بن ذي حدان، وهو غلط‏.‏
    ثم ذكر البيهقي الأحاديث التي جاءت في كسر النبيذ بالماء، منها حديث همام بن الحارث عن عمر ‏"‏ أنه كان في سفر، فأتي بنبيذ فشرب منه فقطب، ثم قال‏:‏ إن نبيذ الطائفة له عرام - بضم المهملة وتخفيف الراء - ثم دعا بماء فصبه عليه ثم شرب ‏"‏ وسنده قوي، وهو أصح شيء ورد في ذلك، وليس نصا في أنه بلغ حد الإسكار، فلو كان بلغ حد الإسكار لم يكن صب الماء عليه مزيلا لتحريمه، وقد اعترف الطحاوي بذلك فقال‏:‏ لو كان بلغ التحريم لكان لا يخل، ولو ذهبت شدته بصب الماء، فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام‏.‏
    قلت‏:‏ وإذا لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره، فدل على أن تقطيبه لأمر غير الإسكار‏.‏
    قال البيهقي‏:‏ حمل هذه الأشربة على أنهم خشوا أن تتغير فتشتد، فجوزوا صب الماء فيها ليمتنع الاشتداد، أولى من حملها على أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك‏.‏
    لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الإسكار‏.‏
    ويحتمل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب كان حمض، ولهذا قطب عمر لما شربه، فقد قال نافع‏:‏ والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقه، ولكنه كان تخلل‏.
    خرج النسائي والأثرم من طريق خالد بن سعد عن أبي مسعود قال‏:‏ عطش النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف فأتي بنبيذ من السقاية فقطب، فقيل‏:‏ أحرام هو‏؟‏ قال لا‏:‏ علي بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه وشرب ‏"‏ قال الأثرم‏:‏ احتج به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجة فيه، لأنهم متفقون على أن النبيذ إذا اشتد بغير طبخ لا يحل شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبي صلى الله عليه وسلم كان من هذا القبيل فقد نسبوا إليه أنه شرب المسكر، ومعاذ الله من ذلك‏.‏
    وإن زعموا أنه قطب من حموضته لم يكن لهم فيه حجة، لأن النقيع ما لم يشتد فكثيره وقليله حلال بالاتفاق‏.‏
    قلت‏:‏ وقد ضعف حديث أبي مسعود المذكور النسائي وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، لتفرد يحيى بن يمان برفعه وهو ضعيف‏.‏
    (ج10/ ص 55)
    قال المازري‏:‏ أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلل بنفسه حل بالإجماع أيضا، فوقع النظر في تبدل هذه الأحكام عند هذه المتخذات فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودل على أن علة التحريم الإسكار فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناول قليله وكثيره انتهى‏.
    فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أسكر كثيره فقليله حرام ‏"‏ وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح‏.‏
    ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعا، ‏"‏ كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام ‏"‏ ولابن حبان والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره ‏"‏ وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال‏:‏ اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم‏:‏ أراد به جنس ما يسكر‏.‏
    (ج10/ ص 56)
    حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وهو حديث أخرجه النسائي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ ‏"‏ والمسكر ‏"‏ بضم الميم وسكون السين لا ‏"‏ السكر
    (ج10/ص 57)
    معلى تقدير ثبوتها فهو حديث فرد ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها‏؟‏ وجاء أيضا عن علي عند الدار قطني وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني وعن خوات بن جبير عند الدار قطني والحاكم والطبراني وعن زيد بن ثابت عند الطبراني وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة‏.‏
    قال أبو المظفر بن السمعاني - وكان حنفيا فتحول شافعيا -‏:‏ ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرا منها ثم قال‏:‏ والأخبار في ذلك كثيرة ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع‏.‏
    قال‏:‏ وقد زل الكوفيون في هذا الباب ورووا أخبارا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مسكرا فقد دخل في أمر عظيم وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوا ولم يكن مسكرا‏.‏
    وقد روى ثمامة بن حزن القشيري أنه ‏"‏ سأل عائشة عن النبيذ فدعت جارية حبشية فقالت‏:‏ سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الحبشية‏:‏ كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكؤه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏
    (ج10/ ص 57)
    روى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه ثم قال‏:‏ فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ، لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ غلظ وكدرة وفي الخمر رقة وصفاء لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ لحصول السكر كما تحتمل المرارة في الخمر لطلب السكر، قال‏:‏ وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس والله أعلم‏.‏
    وقد قال عبد الله بن المبارك‏:‏ لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي، قال‏:‏ وقد ثبت حديث عائشة ‏"‏ كل شراب أسكر فهو حرام ‏"‏ وأما ما أخر
    أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي وائل‏:‏ كنا ندخل على ابن مسعود فيسقينا نبيذا شديدا، ومن طريق علقمة‏:‏ أكلت مع ابن مسعود فأتينا بنبيذ شديد نبذته سيرين فشربوا منه، فالجواب عنه من ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ لو حمل على ظاهره لم يكن معارضا للأحاديث الثابتة في تحريم كل مسكر‏.‏
    ثانيها‏:‏ أنه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف القليل عنه كان الموافق لقول إخوانه من الصحابة مع موافقة الحديث المرفوع أولى‏.‏
    ثالثها‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة أو شدة الحموضة فلا يكون فيه حجة أصلا‏.‏
    وأسند أبو جعفر النحاس عن يحيى بن معين أن حديث عائشة ‏"‏ كل شراب أسكر فهو حرام ‏"‏ أصح شيء في الباب، وفي هذا تعقب على من نقل عن ابن معين أنه قال‏:‏ لا أصل له‏.‏
    وقد ذكر الزيلعي في ‏"‏ تخريج أحاديث الهداية ‏"‏ وهو من أكثرهم إطلاعا أنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث نفل هذا عن ابن معين اهـ‏.‏
    وكيف يتأتى القول بتضعيفه مع وجود مخارجه الصحيحة ثم مع كثرة طرقه، حتى قال الإمام أحمد‏:‏ إنها جاءت عن عشرين صحابيا، فأورد كثيرا منها في ‏"‏ كتاب الأشربة ‏"‏ المفرد، فمنها ما تقدم ومنها حديث ابن عمر المتقدم ذكره أول الباب، وحديث عمر بلفظ ‏"‏ كل مسكر حرام ‏"‏ عند أبي يعلى وفيه الإفريقي، وحديث علي بلفظ ‏"‏ اجتنبوا ما أسكر ‏"‏ عند أحمد وهو حسن، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه من طريق لين بلفظ عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر لين أيضا بلفظ علي، وحديث أنس أخرجه أحمد بسند صحيح بلفظ ‏"‏ ما أسكر فهو حرام ‏"‏ وحديث أبي سعيد أخرجه البزار بسند صحيح بلفظ عمر، وحديث الأشج العصري أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيد وصححه ابن حبان، وحديث ديلم الحميري أخرجه أبو داود بسند حسن في حديث فيه ‏"‏ قال هل يسكر‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاجتنبوه ‏"
    (ج10/ ص 58)
    وأخرج مسلم من طريق زاذان قال‏:‏ ‏"‏ سألت ابن عمر عن الأوعية فقلت‏:‏ أخبرناه بلغتكم وفسره لنا بلغتنا، فقال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتمة وهي الجرة، وعن الدباء وهي القرعة، وعن النقير وهي أصل النخلة تنقر نقرا، وعن المزفت وهو المقير‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 60)
    لو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشرعية وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة ‏"‏ قال البيهقي‏.‏
    ليس المراد الحصر فيهما لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ من العنب، قلت‏:‏ وجعل الطحاوي هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين مع حديث عمر ومن وافقه أن الخمر تتخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر ‏"‏ لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ‏"‏ وحديث أنس يعني المتقدم ذكره وبيان اختلاف ألفاظه منها‏:‏ ‏"‏ إن الخمر حرمت وشرابهم الفضيخ ‏"‏ وفي لفظ له ‏"‏ إنا نعدها يومئذ خمرا ‏"‏ وفي لفظ له ‏"‏ إن الخمر يوم حرمت البسر والتمر ‏"‏ قال فلما اختلف الصحابة في ذلك ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر وأن مستحله كافر دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب اهـ‏.‏
    ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرا فقد يشترك الشيئان في التسمية ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية‏.‏
    والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي أكثر ما يتخذ الخمر من العنب والتمر،
    (ج10/ ص 60)
    وقد قال الراغب في ‏"‏ مفردات القرآن ‏"‏ سمي الخمر لكونه خامرا للعقل أي ساترا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرا حقيقة، وكذا قال أبو نصر بن القشيري في تفسيره‏:‏ سميت الخمر خمرا لسترها العقل أو لاختمارها‏.‏
    وكذا قال غير واحد من أهل اللغة منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي قال‏:‏ سميت الخمر لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها‏.‏
    وقيل‏:‏ سميت بذلك لمخامرتها العقل‏.‏
    نعم جزم ابن سيده في ‏"‏ المحكم ‏"‏ بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمرا مجازا‏.‏
    وقال صاحب ‏"‏ الفائق ‏"‏ في حديث ‏"‏ إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم ‏"‏ هي نبيذ الحبشة متخذة من الذرة سميت الغبيراء لما فيها من الغبرة‏.‏
    (ج10/ ص 61)
    وقال الخطابي‏:‏ زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم‏:‏ إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ قال الكوفيون إن الخمر من العنب لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏أعصر خمرا‏)‏ قال‏:‏ فدل على أن الخمر هو ما يعتصر لا ما ينتبذ، قال‏:‏ ولا دليل فيه على الحصر‏.‏
    وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم‏:‏ كل مسكر خمر وحكمه حكم ما اتخذ من العنب، ومن الحجة لهم أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمرا يدخل في النهي فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب‏.‏
    وعلى تقدير التسليم فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع كان حقيقة شرعية وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية‏.‏
    وعن الثانية ما تقدم من أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلا فإنه يصدق على من وطئ أجنبية وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ محرما له وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضا فالأحكام الفرعية لا يشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراما بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمرا والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 62)
    ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يتخذ من العنب مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي‏:‏ ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة فنقل عن المزني وابن أبي هريرة وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمرا حقيقة‏.‏
    قال‏:‏ وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان أبو الطيب والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في ‏"‏ الروضة‏"‏، لكن كلامه في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ يوافقه وفي ‏"‏ تهذيب الأسماء ‏"‏ يخالفه، وقد نقل ابن المنذر عن الشافعي ما يوافق ما نقلوا عن المزني فقال‏:‏ قال إن الخمر من العنب ومن غير العنب عمر وعلي وسعيد وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية‏.‏
    وقد أجاب بهذا ابن عبد البر وقال‏:‏ إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 65)
    ال أبو عبيد‏:‏ جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مختلفة فذكر منها السكر بفتحتين قال‏:‏ وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، والجعة بكسر الجيم وتخفيف العين نبيذ الشعير، والسكركة خمر الحبشة من الذرة - إلى أن قال - وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر، وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها‏"‏، ويؤيد ذلك قول عمر‏:‏ ‏"‏ الخمر ما خامر العقل‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 67)
    وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد‏)‏ هكذا في جميع النسخ من الصحيح من جميع الروايات مع تنوعها عن الفربري، وكذا من رواية النسفي وحماد بن شاكر، وذهل الزركشي في توضيحه فقال‏:‏ معظم الرواة يذكرون هذا الحديث في البخاري معلقا، وقد أسنده أبو ذر عن شيوخه فقال‏:‏ ‏"‏ قال البخاري‏:‏ حدثنا الحسين بن إدريس حدثنا هشام بن عمار ‏"‏ قال‏:‏ فعلى هذا يكون الحديث صحيحا على شرط البخاري‏.‏
    وبذلك يرد على ابن حزم دعواه الانقطاع اهـ‏.‏
    وهذا الذي قاله خطأ نشأ عن عدم تأمل، وذلك أن القائل ‏"‏ حدثنا الحسين بن إدريس ‏"‏ هو العباس بن الفضل شيخ أبي ذر لا البخاري، ثم هو الحسين بضم أوله وزيادة التحتانية الساكنة وهو الهروي لقبه خرم بضم المعجمة وتشديد الراء، وهو من المكثرين، وإنما الذي وقع في رواية أبي ذر من الفائدة أنه استخرج هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البخاري إلى هشام، على عادة الحفاظ إذا وقع لهم الحديث عاليا عن الطريق التي في الكتاب المروي لهم يوردونها عالية عقب الرواية النازلة، وكذلك إذا وقع في بعض أسانيد الكتاب المروي خلل ما من انقطاع أو غيره وكان عندهم من وجه آخر سالما أوردوه، فجرى أبو ذر على هذه الطريقة، فروى الحديث عن شيوخه الثلاثة عن الفربري عن البخاري قال‏:‏ ‏"‏ وقال هشام بن عمار ‏"‏ ولما فرغ من سياقه قال أبو ذر‏:‏ حدثنا أبو منصور الفضل بن العباس النضروي حدثنا الحسين بن إدريس حدثنا هشام بن عمار به ‏"‏ وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها فقد سبقه إليها ابن الصلاح في ‏"‏ علوم الحديث ‏"‏ فقال‏:‏ التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع وليس حكمه ولا خارجا - ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح - إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف ‏"‏ الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلا ‏"‏ قال هشام بن عمار ‏"‏ وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع اهـ‏.‏
    ولفظ ابن حزم في ‏"‏ المحلى ‏"‏‏:‏ ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد‏.‏
    حكى ابن الصلاح في موضع آخر أن الذي يقول البخاري فيه قال فلان ويسمي شيخا من شيوخه يكون من قبيل الإسناد المعنعن، وحكي عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما يتحمله عن شيخه مذاكرة، وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة‏.‏
    وقد تعقب شيخنا الحافظ أبو الفضل كلام ابن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلا قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ‏.

    قلت‏:‏ الذي يورده البخاري من ذلك على أنحاء‏:‏ منها ما يصرح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه إما في نفس الصحيح وإما خارجه، والسبب في الأول إما أن يكون أعاده في عدة أبواب وضاق عليه مخرجه فتصرف فيه حتى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين، وفي الثاني أن لا يكون على شرطه إما لقصور في بعض رواته وإما لكونه موقوفا، ومنها ما يورده بواسطة عن ذلك الشيخ والسبب فيه كالأول، لكنه في غالب هذا لا يكون مكثرا عن ذلك الشيخ، ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب، فهذا مما كان أشكل أمره علي، والذي يظهر لي الآن أنه لقصور في سياقه، وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي
    وأما قول ابن الصلاح أن الذي يورده بصيغة ‏"‏ قال ‏"‏ حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال، وليس البخاري مدلسا، فيكون متصلا، فهو بحث وافقه عليه ابن منده والتزمه فقال‏:‏ أخرج البخاري ‏"‏ قال ‏"‏ وهو تدليس، وتعقبه شيخنا بأن أحدا لم يصف البخاري بالتدليس، والذي يظهر لي أن مراد ابن منده أن صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة وهذا هو التدليس بعينه، لكن الشأن في تسليم أن هذه الصيغة من غير المدلس لها حكم العنعنة فقد قال الخطيب‏:‏ وهو المرجوع إليه في الفن أن ‏"‏ قال ‏"‏ لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه يأتي بها في موضع السماع، مثل حجاج بن محمد الأعور، فعلى هذا ففارقت العنعنة فلا تعطى حكمها ولا يترتب عليه أثرها من التدليس ولا سيما ممن عرف من عادته أن يوردها لغرض غير التدليس، وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال، ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب ‏"‏ تعليق التعليق‏"‏‏.‏
    وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في ‏"‏ مستخرج الإسماعيلي ‏"‏
    ننبه فيه على موضعين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الطبراني أخرج الحديث في معجمه الكبير عن موسى بن سهل الجويني وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام، والمعجم الكبير أشهر من مسند الشاميين فعزوه إليه أولى، وأيضا فقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري من رواية عبدان بن محمد المروزي ومن رواية أبي بكر الباغندي كلاهما عن هشام، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسين بن عبد الله القطان عن هشام‏.‏
    ثانيهما‏:‏ قوله‏:‏ إن أبا داود أخرجه يوهم أنه عند أبي داود باللفظ الذي وقع فيه النزاع وهو المعازف، وليس كذلك بل لم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البخاري لأجله فإن لفظه عند أبي داود بالسند المذكور إلى عبد الرحمن بن يزيد ‏"‏ حدثنا عطية بن قيس سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري يقول حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول‏:‏ ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر - وذكر كلاما قال - يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة ‏"‏ نعم ساق الإسماعيلي الحديث من هذا الوجه من رواية دحيم عن بشر بن بكر بهذا الإسناد فقال‏:‏ ‏"‏ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ‏"‏ الحديث‏.‏
    (ج10/ ص 70)
    ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء، والذي في صحاحه أنها آلات اللهو، وقيل‏:‏ أصوات الملاهي‏.‏
    وفي حواشي الدمياطي‏:‏ المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به، ويطلق على الغناء عزف، وعلى كل لعب عزف، ووقع في رواية مالك بن أبي مريم ‏"‏ تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 71)
    ‏ويضع العلم‏)‏ أي يوقعه عليهم‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ إن كان العلم جبلا فيدكدكه وإن كان بناء فيهدمه ونحو ذلك‏.‏
    وأغرب ابن العربي فشرحه على أنه بكسر العين وسكون اللام فقال‏:‏ وضع العلم إما بذهاب أهله كما سيأتي في حديث عبد الله بن عمرو، وإما بإهانة أهله بتسليط الفجرة عليهم‏.‏
    (ج10/ ص 71)
    والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار وجد التحريم ولو لم يستمر الاسم‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها، ردا على من حمله على اللفظ‏.
    (ج10/ ص 72)
    ‏شارة إلى أن النقيع يسمى نبيذا، فيحمل ما ورد في الأخبار بلفظ النبيذ على النقيع، وقد ترجم له بعد قليل ‏"‏ باب نقيع التمر ما لم يسكر ‏"‏ قال المهلب‏:‏ النقيع حلال ما لم يشتد فإذا اشتد وغلى حرم‏.‏
    وشرط الحنفية أن يقذف بالزبد، قال‏:‏ وإذا نقع من الليل وشرب النهار أو بالعكس لم يشتد، وفيه حديث عائشة، يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة ‏"‏ كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء توكي أعلاه فيشربه عشاء، وتنبذه عشاء فيشربه غدوة ‏"‏ وعند أبي داود من وجه آخر عن عائشة أنها ‏"‏ كانت تنبذ للنبي صلى الله عليه وسلم غدوة، فإذا كان من العشي تعشى فشرب على عشائه، فإن فضل شيء صبته ثم تنبذ له بالليل، فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه، قالت نغسل السقاء غدوة وعشية ‏"‏ وفي حديث عبد الله بن الديلمي عن أبيه ‏"‏ قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما نصنع بالزبيب‏؟‏ قال‏:‏ انبذوه على عشائكم، واشربوه على غدائكم ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي‏.‏
    فهذه الأحاديث فيها التقييد باليوم والليلة‏.‏
    (ج10/ ص 79)
    وقال ابن قرقول‏:‏ الباذق المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر، أو إذا طبخ بعد أن اشتد‏.‏
    وذكر ابن سيده في ‏"‏ المحكم ‏"‏ أنه من أسماء الخمر، وأغرب الداودي فقال‏:‏ إنه يشبه الفقاع إلا أنه ربما اشتد وأسكر، وكلام من أعرف منه بذلك يخالفه، ويقال للباذق أيضا المثلث إشارة إلى أنه ذهب منه بالطبخ ثلثاه، وكذلك المنصف وهو ما ذهب نصفه، وتسميه العجم مينختج بفتح الميم وسكون التحتانية وضم الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة وآخره جيم، ومنهم من يضم المثناة، وروايته في مصنف ابن أبي شيبة بدال بدل المثناة وبحذف الميم والياء من أوله‏.‏
    (ج10/ ص 80)
    فإن النار لا تحل شيئا قد حرم ‏"‏ وهذا يقيد ما أطلق في الآثار الماضية، وهو أن الذي يطبخ إنما هو العصير الطري قبل أن يتخمر، أما لو صار خمرا فطبخ فإن الطبخ لا يطهره ولا يحله إلا على رأي من يجيز تخليل الخمر، والجمهور على خلافه، وحجتهم الحديث الصحيح عن أنس وأبي طلحة أخرجه مسلم‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي من طريق سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي ‏"‏ اشرب العصير ما لم يغل ‏"‏ وعن الحسن البصري ‏"‏ ما لم يتغير ‏"‏ وهذا قول كثير من السلف أنه إذا بدأ فيه التغير يمتنع، وعلامة ذلك أن يأخذ في الغليان، وبهذا قال أبو يوسف، وقيل إذا انتهى غليانه وابتدأ في الهدو بعد الغليان، وقيل إذا سكن غليانه‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يحرم عصير العنب النيئ حتى يغلي ويقذف بالزبد‏.‏
    فإذا غلى وقذف بالزبد حرم‏.‏
    وأما المطبوخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فلا يمتنع مطلقا ولو غلى وقذف بالزبد بعد الطبخ‏.‏
    وقال مالك والشافعي والجمهور‏:‏ يمتنع إذا صار مسكرا شرب قليله وكثيره سواء غلى أم لم يغل، لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي ثم يسكن غليانه بعد ذلك، وهو مراد من قال‏:‏ حد منع شربه أن يتغير والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 83)
    قال أبو الليث السمرقندي‏:‏ شارب المطبوخ إذا كان يسكر أعظم ذنبا من شارب الخمر لأن شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنه عاص بشربها، وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالا، وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏كل مسكر حرام ‏"‏ ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر‏.‏
    قلت‏:‏ وقد سبق إلى نحو هذا بعض قدماء الشعراء في أول المائة الثالثة فقال يعرض ببعض من كان يفتي بإباحة المطبوخ‏:‏ وأشربها وأزعمها حراما وأرجو عفو رب ذي امتنان ويشربها ويزعمها حلالا وتلك على المسيء خطيئتان
    (ج10/ ص 87)
    ال النووي‏:‏ وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه‏.‏
    قال‏:‏ ومذهب الجمهور أن النهي، في ذلك للتنزيه‏.‏
    وإنما يمتنع إذا صار مسكرا، ولا تخفى علامته‏.‏
    وقال بعض المالكية‏.‏
    هو للتحريم‏.‏
    واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ‏؟‏ فقال الجمهور‏:‏ لا فرق‏.‏
    وقال الليث‏:‏ لا بأس بذلك عند الشرب‏.‏
    ونقل ابن التين عن الداودي أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا، فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة‏.‏
    وهذه صورة أخرى، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر، لا ما إذا نبذا معا‏.‏
    واختلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كره أن يخلط للمريض شرابين، ورده بأنهما لا يسرع إليهما الإسكار اجتماعا وانفرادا، وتعقب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم، لكن لا يقيد هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيا في دواء ذلك المرض، وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ ثبت تحريم الخمر لما يحدث عنها من السكر، وجواز النبيذ الحلو الذي لا يحدث عنه سكر، وثبت النهي عن الانتباذ في الأوعية ثم نسخ، وعن الخليطين فاختلف العلماء‏:‏ فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية بالتحريم ولو لم يسكر‏.‏
    وقال الكوفيون بالحل‏.‏
    قال‏:‏ واتفق علماؤنا على الكراهة، لكن اختلقوا هل هو للتحريم أو للتنزيه‏؟‏ واختلف في علة المنع‏:‏ فقيل لأن أحدهما يشد الآخر، وقيل لأن الإسكار يسرع إليهما‏.‏
    قال ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين، لأن اللبن لا ينبذ، لكن قال ابن عبد الحكم‏:‏ لا يجوز خلط شرابي سكر كالورد والجلاب وهو ضعيف‏.‏
    قال‏:‏ واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل، ثم قال‏:‏ ويتحصل لنا أربع صور‏:‏ أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام قياسا على المنصوص، أو مسكوت عنهما وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز‏.‏
    قال‏:‏ وهنا مرتبة رابعة وهي ما لو خلط شيئين وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار فيجوز في المسكوت عنه ويكره في المنصوص‏.‏
    وما نقله عن أكثر الشافعية وجد نص الشافعي بما يوافقه فقال‏:‏ ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين، فلا يجوز بحال‏.‏
    وعن مالك قال‏:‏ أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا بظاهر الحديث، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعي‏.‏
    وقالوا‏:‏ من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين، وخص الليث النهي بما إذا نبذ معا اهـ‏.‏
    وجرى ابن حزم على عادته في الجمود فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء وهي‏:‏ التمر والرطب والزهو والبسر والزبيب في أحدها أو في غيرها، فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع كاللبن والعسل مثلا، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الأشربة من طريق المختار بن فلفل عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين شيئين نبيذا مما يبغي أحدهما على صاحبه ‏"‏ وقال القرطبي‏:‏ النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك يكره فقط، وشذ من قال لا بأس به لأن كلا منهما يحل منفردا فلا يكره مجتمعا، قال‏:‏ وهذه مخالفة للنص، وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد من وجهين‏.‏
    (ج10/ ص 90)
    وأحسن الأجوبة في شرب النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن مع كون الراعي أخبرهم أن الغنم لغيره أنه كان في عرفهم التسامح بذلك، أو كان صاحبها أذن للراعي أن يسقي من يمر به إذا التمس ذلك منه‏.‏
    وقيل فيه احتمالات أخرى تقدمت‏
    (ج10/ ص 92)
    قال ابن المنير‏:‏ لم يذكر السر في عدوله عن العسل إلى اللبن كما ذكر السر في عدوله عن الخمر، ولعل السر في ذلك كون اللبن أنفع، وبه يشتد العظم وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت، ولا يدخل في السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد، ولا منافاة بينه وبين الورع بوجه‏.‏
    والعسل وإن كان حلالا لكنه من المستلذات التي قد يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏أذهبتم طيباتكم‏)‏ ‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون السر فيه ما وقع في بعض طرق الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم عطش - كما تقدم في بعض طرقه مبينا هناك - فأتي بالأقداح، فآثر اللبن دون غيره لما فيه من حصول حاجته دون الخمر والعسل، فهذا هو السبب الأصلي في إيثار اللبن، وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات‏.‏
    ال ابن المنير‏:‏ ولا يعكر على ما ذكرته ما سيأتي قريبا أنه كان يحب الحلوى والعسل، لأنه إنما كان يحبه مقتصدا في تناوله لا في جعله ديدنا ولا تنطعا‏.‏
    ويؤخذ من قول جبريل في الخمر ‏"‏ غوت أمتك ‏"‏ أن الخمر ينشأ عنها الغي، ولا يختص ذلك بقدر معين‏.‏
    (ج10/ ص 94)
    قال ابن بطال‏:‏ استعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه فقد كرهه مالك لما فيه من السرف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، فقد فعله الصالحون‏.‏
    وليس في شرب الماء الملح فضيلة، قال‏:‏ وفيه دلالة على أن استطابة الأطعمة جائزة وأن ذلك من فعل أهل الخير، وقد ثبت أن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏)‏ نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ المطاعم، قال‏:‏ ولو كانت مما لا يريد الله تناوله ما امتن بها على عباده، بل نهيه عن تحريمها يدل على أنه أراد منهم تناولها ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشكر لها، وإن كانت نعمه لا يكافئها شكرهم‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ أما أن استعذاب الماء لا ينافي الزهد والورع فواضح، وأما الاستدلال بذلك على لذيذ الأطعمة فبعيد‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ هذا الحديث أصل في جواز شرب الماء من البستان بغير ثمن‏.‏
    قلت‏:‏ المأذون له في الدخول فيه لا شك فيه، وأما غيره فلما اقتضاه العرف من المسامحة بذلك، وثبوت ذلك بالفعل المذكور فيه نظر‏.‏
    (ج10/ ص 95)
    قدم في الشرب من طريق شعيب عن الزهري في هذا الحديث ‏"‏ فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي‏:‏ أعط أبا بكر ‏"‏ وفي رواية أبي طوالة ‏"‏ فقال عمر هذا أبو بكر ‏"‏ قال الخطابي وغيره‏:‏ كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب، حتى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له‏:‏ ‏"‏ وكان الكأس مجراها اليمينا ‏"‏ فخشي عمر لذلك أن يقدم الأعرابي على أبي بكر في الشرب فنبه عليه لأنه احتمل عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر تقديم أبي بكر على تلك العادة فتصير السنة تقديم الأفضل في الشرب على الأيمن، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيرها السنة، وأنها مستمرة، وأن الأيمن يقدم على الأفضل في ذلك‏.‏
    واستنبط بعضهم من تكرار الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهلم جرا، ويلزم منه أن يكون عمر في الصورة التي وردت في هذا الحديث شرب بعد الأعرابي ثم شرب أبو بكر بعده‏.‏
    لكن الظاهر عن عمر إيثاره أبا بكر بتقديمه عليه‏.‏
    والله أعلم‏.



    في الحديث من الفوائد غير ما ذكر أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رئيس لا ينحى منه لمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز، وأن من استحق شيئا لما يدفع عنه إلا بإذنه كبيرا كان أو صغيرا إذا كان ممن يجوز إذنه‏.‏
    وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم، للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله ابن عبد البر، ومحله ما إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف في ذلك له‏.‏
    وفيه دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه ولو كان صغير السن وتناوله مما عندهم من طعام وشراب من غير بحث‏.‏
    (ج10/ ص97)
    ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها ‏"‏ الحديث ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظا فالنهي فيه للتنزيه، والفعل لبيان الجواز، أو قصة جابر قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري، أشار إلى هذا الأخير ابن بطال، وإنما قيل للشرب بالفم كرع لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذ في الماء، ووقع عند ابن ماجه من وجه آخر عن ابن عمر فقال‏:‏ ‏"‏ نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا ‏"‏ وهو الكرع، وسنده أيضا ضعيف، فهذا إن ثبت احتمل أن يكون النهي خاصا بهذه الصورة، وهي أن يكون الشارب منبطحا على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح‏.‏
    ووقع في رواية أحمد ‏"‏ وإلا تجرعنا ‏"‏ بمثناة وجيم وتشديد الراء أي شربنا جرعة جرعة، وهذا قد يعكر على الاحتمال المذكور‏.‏
    ال المهلب‏:‏ في الحديث أنه لا بأس بشرب الماء البارد في اليوم الحار، وهو من جملة النعم التي امتن الله بها على عباده، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة‏:‏ ألم أصح جسمك، وأرويك من الماء البارد ‏"‏‏؟‏
    (ج10/ ص 99)
    وقال ابن بطال‏:‏ الحلوى كل شيء حلو، وهو كما قال، لكن استقر العرف على تسمية ما لا يشرب من أنواع الحلو حلوى ولأنواع ما يشرب مشروب ونقيع أو نحو ذلك، ولا يلزم مما قال اختصاص الحلوى بالمشروب‏.‏
    (ج10/ ص 100)
    وقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ويحرم عليهم الخبائث‏)‏ والرجس من جملة الخبائث، ويرد على استدلال الزهري جواز أكل الميتة عند الشدة وهي رجس أيضا، ولهذا قال ابن بطال‏:‏ الفقهاء على خلاف قول الزهري، وأشد حال البول أن يكون في النجاسة والتحريم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، ولم يختلفوا في جواز تناولها عند الضرورة‏.‏
    وأجاب بعض العلماء عن الزهري باحتمال أنه كان يرى أن القياس لا يدخل الرخص، والرخصة في الميتة لا في البول‏.‏
    قلت‏:‏ وليس هذا بعيدا من مذهب الزهري، فقد أخرج البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من رواية ابن أخي الزهري قال‏:‏ كان الزهري يصوم يوم عاشوراء في السفر، فقيل له أنت تفطر في رمضان إذا كنت مسافرا، فقال‏:‏ إن الله تعالى قال في رمضان ‏(‏فعدة من أيام أخر‏)‏ وليس ذلك لعاشوراء‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ وقد يقال إن الميتة لسد الرمق، والبول لا يدفع العطش، فإن صح هذا صح ما قال الزهري إذ لا فائدة فيه‏.
    (ج10/ ص 101)
    ما أخرجه الطبراني من طريق قتادة قال‏:‏ السكر خمور الأعاجم،
    د رويت الأثر المذكور في ‏"‏ فوائد علي بن حرب الطائي ‏"‏ عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال‏:‏ اشتكى رجل منا يقال له خثيم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله، فذكره‏.‏
    وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد في كتاب الأشربة والطبراني في الكبير من طريق أبي وائل نحوه، وروينا في ‏"‏ نسخة داود بن نصير الطائي ‏"‏ بسند صحيح عن مسروق قال‏:‏ ‏"‏ قال عبد الله هو ابن مسعود‏:‏ لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة، وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك، وهذا يؤيد ما قلناه أولا في تفسير السكر‏.‏
    (ج10/ ص 101)
    كذا قال النووي في الفرق بين جواز إساغة اللقمة لمن شرق بها بالجرعة من الخمر فيجوز وبين التداوي بها فلا يجوز لأن الإساغة تتحقق بها بخلاف الشفاء فإنه لا يتحقق‏.‏
    ونقل الطحاوي عن الشافعي أنه قال‏:‏ لا يجوز سد الرمق من الجوع ولا من العطش بالخمر لأنها لا تزيده إلا جوعا وعطشا، ولأنها تذهب بالعقل‏.‏
    وتعقبه بأنه إن كانت لا تسد من الجوع ولا تروي من العطش لم يرد السؤال أصلا، وأما إذهابها العقل فليس البحث فيه بل هو فيما يسد به الرمق وقد لا يبلغ إلى حد إذهاب العقل‏.‏
    قلت‏:‏ والذي يظهر أن الشافعي أراد أن يردد الأمر بأن التناول منها إن كان يسيرا فهو لا يغني من الجوع ولا يروي من العطش، وإن كانت كثيرا فهو يذهب العقل، ولا يمكن القول بجواز التداوي بما يذهب العقل لأنه يستلزم أن يتداوى من شيء فيقع في أشد منه‏.‏
    وقد اختلف في جواز شرب الخمر للتداوي وللعطش، قال مالك لا يشربها لأنها لا تزيده إلا عطشا، وهذا هو الأصح عند الشافعية، لكن التعليل يقتضي قصر المنع على المتخذ من شيء يكون بطبعه حارا كالعنب والزبيب، أما المتخذ من شيء بارد كالشعير فلا‏.‏
    وأما التداوي فإن بعضهم قال إن المنافع التي كانت فيها قبل التحريم سلبت بعد التحريم بدليل الحديث المتقدم ذكره، وأيضا فتحريمها مجزوم به، وكونها دواء مشكوك بل يترجح أنها ليست بدواء بإطلاق الحديث‏.‏
    ثم الخلاف إنما هو فيما لا يسكر منها‏.‏
    أما ما يسكر منها فإنه لا يجوز تعاطيه في التداوي إلا في صورة واحدة وهو من اضطر إلى إزالة عقله لقطع عضو من الأكلة والعياذ بالله، فقد أطلق الرافعي تخريجه على الخلاف في التداوي، وصحح النووي هنا الجواز، وينبغي أن يكون محله فيما إذا تعين ذاك طريقا إلى سلامة بقية الأعضاء ولم يجد مرقدا غيرها، وقد صرح من أجاز التداوي بالثاني، وأجازه الحنفية مطلقا لأن الضرورة تبيح الميتة وهي لا يمكن أن تنقلب إلى حالة تحل فيها، فالخمر التي من شأنها أن تنقلب خلا فتصير حلالا أولى، وعن بعض المالكية إن دعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز كما لو غص بلقمة، والأصح عند الشافعية في الغص الجواز‏.‏
    وهذا ليس من التداوي المحض
    (ج10/ ص 102)
    قال ابن بطال‏:‏ أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائما‏.‏
    كذا قال، وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم‏
    (ج10/ ص 104)
    عن علي أنه شرب قائما، فرأى الناس كأنهم أنكروه فقال‏:‏ ما تنظرون أن أشرب قائما‏؟‏ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما، وإن شربت قاعدا فقد رأيته يشرب قاعدا ‏"‏ ووقع في رواية النسائي والإسماعيلي زيادة في آخر الحديث من طرق عن شعبة ‏"‏ وهذا وضوء من لم يحدث ‏"‏ وهي على شرط الصحيح، وكذا ثبت في رواية الأعمش عند الترمذي‏.‏
    واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب للقائم، وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النهي عنه‏.‏
    ومنها عند مسلم عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما ‏"‏ ومثله عنده عن أبي سعيد بلفظ ‏"‏ نهى ‏"‏ ومثله للترمذي وحسنه من حديث الجارود، ولمسلم من طريق أبي غطفان عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقيء‏"‏، وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه ابن حبان من طريق أبي صالح عنه بلفظ ‏"‏ لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء ‏"‏ ولأحمد من وجه آخر عن أبي هريرة ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشرب قائما فقال‏:‏ قه، قال‏:‏ لمه‏؟‏ قال‏:‏ أيسرك أن يشرب معك الهر‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏
    قال قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان ‏"‏ وهو من رواية شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي عنه، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين‏.‏
    وأخرج مسلم من طريق قتادة عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائما، قال قتادة فقلنا لأنس‏:‏ فالأكل‏؟‏ قال ذاك أشر وأخبث ‏"‏ قيل‏:‏ وإنما جعل الأكل أشر لطول زمنه بالنسبة لزمن الشرب‏.‏
    فهذا ما ورد في المنع من ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 105)
    ال المازري‏:‏ اختلف الناس في هذا، فذهب الجمهور إلى الجواز، وكرهه قوم، فقال بعض شيوخنا‏:‏ لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا‏.‏
    قال‏:‏ وأيضا فإن الأمر في حديث أبي هريرة بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس على أحد أن يستقيء‏.‏
    قال وقال بعض الشيوخ‏:‏ الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة‏.‏
    قال‏:‏ وتضمن حديث أنس الأكل أيضا، ولا خلاف في جواز الأكل قائما‏.‏
    قال‏:‏ والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل‏.‏
    أو لأن في الشرب قائما ضررا فأنكره من أجله وفعله هو لأمنه، قال‏:‏ وعلى هذا الثاني يحمل قوله‏:‏ ‏"‏ فمن نسي فليستقيء ‏"‏ على أن ذلك يحرك خلطا يكون القيء دواءه‏.‏
    ويؤيده قول النخعي‏:‏ إنما نهى عن ذلك لداء البطن‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    وقال عياض‏:‏ لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن أنس ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يعله مع مخالفة الأحاديث الأخرى والأئمة له‏.‏
    وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة ولا يحتمل منه مثل هذا لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    ووقع للنووي ما ملخصه‏:‏ هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة، وزاد حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يذكر الصواب ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشربه قائما لبيان الجواز، وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وفعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروها أصلا، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل، والأمر بالاستقاءة محمول على الاستحباب، فيستحب لمن شرب قائما أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب‏.‏
    وأما قول عياض‏:‏ لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائما ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوى والترهات‏؟‏ اهـ وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلا، بل ونقل الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازري كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النووي بالجواب عنه‏.‏
    (ج10/ ص 105)
    ثبت الشرب قائما عن عمر أخرجه الطبري، وفي ‏"‏ الموطأ ‏"‏ أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين‏.‏
    وسلك العلماء في ذلك مسالك‏:‏ أحدها‏:‏ الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم
    المسلك الثاني‏:‏ دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين فقررا
    على أن أحاديث النهي - على تقدير ثبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومنظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي متمسكا بأن الجواز على وفق الأصل وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع‏.‏
    فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال‏.‏
    وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرا فقال‏:‏ إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري وأيده بأنه لو كان جائزا ثم حرمه أو كان حراما ثم جوزه لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا واضحا، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا‏.‏
    وقيل إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدا أمكن وأبعد من الشرق وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائما‏.‏
    (ج10/ ص 109)
    أن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولا بالنسبة إلى من على اليسار، وقد وقع في حديث ابن عباس في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلطف به حيث قال له ‏"‏ الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالدا ‏"‏ كذا في السنن، وفي لفظ لأحمد ‏"‏ وإن شئت آثرت به عمك ‏"‏ وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه، ولعل سنه كان قريبا من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه في قومه قد تأخر إسلامه فلذلك استأذن له، بخلاف أبي بكر فإن رسوخ قدمه في الإسلام وسبقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتأثر لشيء من ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابي له، ولعله خشي من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه، فربما سبق إلى قلبه من أجل قرب عهده بالإسلام شيء فجرى صلى الله عليه وسلم على عادته في تأليف من هذا سبيله، وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه ولهذا جلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك‏.‏
    وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن، وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته،
    قد يعارض حديث سهل هذا وحديث أنس الذي في الباب قبله وحديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة ‏"‏ كبر كبر ‏"‏ وتقدم في الطهارة حديث ابن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر، وأخص من ذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي قال‏:‏ ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال ابدءوا بالكبير ‏"‏ ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه أو حيث لا يكون فيهم، فتخص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن، أو يخص من عموم هذا الأمر بالبداءة بالكبير ما إذا جلس بعض عن يمين الرئيس وبعض عن يساره، ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل‏.‏
    قال ابن المنير‏:‏ تفضيل اليمين شرعي وتفضيل اليسار طبعي وإن كان ورد به الشرع لكن الأول أدخل في التعبد، ويؤخذ من الحديث أنه إذا تعارضت فضيلة الفاعل وفضيلة الوظيفة اعتبرت فضيلة الوظيفة كما لو قدمت جنازتان لرجل وامرأة وولي المرأة أفضل من ولي الرجل قدم ولي الرجل ولو كان مفضولا لأن الجنازة هي الوظيفة فتعتبر أفضليتها لا أفضلية المصلي عليها، قال‏:‏ ولعل السر فيه أن الرجولية والميمنة أمر يقطع به كل أحد، بخلاف أفضلية الفاعل فإن الأصل فيه الظن ولو كان مقطوعا به في نفس الأمر لكنه مما يخفى مثله عن بعض‏.‏
    (ج10/ ص 110)
    يؤخذ منه جواز الإيثار بمثل ذلك، وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب، وعبارة إمام الحرمين في هذا‏:‏ لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها‏.‏
    وقد يقال إن القرب أعم من العبادة، وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له وهي تحصيل فضيلة الصف الأول ليحصل فضيلة تحصل للجاذب وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته‏.‏
    ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئا وإنما رجح مصلحته على مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود، ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص113)
    (‏أن يشرب من في السقاء‏)‏ زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن ‏"‏ قال أيوب فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية ‏"‏ وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عباد بن موسى عن إسماعيل ووهم الحاكم فأخرج الحديث في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ بزيادته والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح لأن راويها لم يسم وليست موصولة، ولكن أخرجها ابن ماجه من رواية سلمة بن وهرام عن عكرمة بنحو المرفوع، وفي آخره ‏"‏ وإن رجلا قام من الليل بعد النهي إلى سقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية ‏"‏ وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي، بخلاف ما تقدم من رواية ابن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل النهي فكان من أسباب النهي، ثم وقع بعد النهي تأكيدا‏.‏
    وقال النووي‏:‏ اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظر
    نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال‏:‏ لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في رد هذا القول، واعتذر عنه ابن المنير باحتمال أنه كان لا يحمل النهي فيه على التحريم، كذا قال مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أولى، والحجة قائمة على من بلغه النهي، قال النووي‏:‏ ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث النهي كلها من قوله‏.‏
    فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وسلم، أما أولا فلعصمته ولطيب نكهته، وأما ثانيا فلرفقه في صب الماء وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي، فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء فيدخل فم الشارب وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء يدخل فيه ثم ربطه ربطا محكما ثم لما أراد أن يشرب حله فشربه منه لا يتناوله النهي، ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ ‏"‏ نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه ‏"‏ وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل الإناء أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صب من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا، ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتل ثيابه، قال ابن العربي‏:‏ وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدا‏.‏
    وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخصه‏:‏ اختلف في علة النهي فقيل‏:‏ يخشى أن يكون في الوعاء حيوان أو ينصب بقوة فيشرق به أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب فربما كان سبب الهلاك أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفس أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال، قال‏:‏ والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم، وقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا أولا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز‏.

    2
    10/ ص 114)
    من الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت ‏"‏ دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة ‏"‏ وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي وعن أم سلمة في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ وفي مسند أحمد والطبراني والمعاني للطحاوي، قال شيخنا في شرح الترمذي‏:‏ لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي‏.‏
    قلت‏:‏ ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقا بل على تلك الصورة وحدها، وحملها على حال الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم‏.‏
    وقد سبق ابن العربي إلى نحو ما أشار إليه شيخنا فقال‏:‏ يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة، إما عند الحرب وإما عند عدم الإناء أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء، ثم قال‏:‏ ويحتمل أن يكون شرب من إداوة، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة لأنها مظنة وجود الهوام، كذا قال، والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شيء من الهوام فيها، والضرر يحصل به ولو كان حقيرا، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 116)
    قال ابن المنير‏:‏ أورد ابن بطال سؤال التعارض بين الحديثين، وأجاب بينهما فأطنب، ولقد أغنى البخاري عن ذلك بمجرد لفظ الترجمة‏:‏ فجعل الإناء في الأول ظرفا للتنفس والنهي عنه لاستقذاره‏.‏
    وقال في الثاني ‏"‏ الشرب بنفسين ‏"‏ فجعل النفس الشرب، أي لا يقتصر على نفس واحد بل يفصل بين الشربين بنفسين أو ثلاثة خارج الإناء‏.‏
    فعرف بذلك انتفاء التعارض‏.‏
    وقال الإسماعيلي‏:‏ المعنى أنه كان يتنفس أي على الشراب لا فيه داخل الإناء، قال‏:‏ وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين وكان أحدهما منسوخا لا محالة، والأصل عدم النسخ، والجمع مهما أمكن أولى
    قال الأثرم‏:‏ اختلاف الرواية في هذا دال على الجواز وعلى اختيار الثلاث، والمراد بالنهي عن التنفس في الإناء أن لا يجعل نفسه داخل الإناء، وليس المراد أن يتنفس خارجه طلب الراحة‏.‏
    واستدل به لمالك على جواز الشرب بنفس واحد‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة الجواز عن سعيد بن المسيب وطائفة‏.‏
    وقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ إنما نهى عن التنفس داخل الإناء، فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد‏.‏
    قلت‏:‏ وهو تفصيل حسن‏.‏
    وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعا أخرجه الحاكم، وهو محمول على التفصيل المذكور‏
    وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه ‏"‏ لا تشربوا واحدة كما يشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث‏"‏، فإن كان محفوظا فهو يقوي ما تقدم من التنويع‏.‏
    وأخرج أيضا بسند ضعيف عن ابن عباس أيضا ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس مرتين ‏"‏ وهذا ليس نصا في الاقتصار على المرتين بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب فيكون قد شرب ثلاث مرات، وسكت عن التنفس الأخير لكونه من ضرورة الواقع‏.‏
    وأخرج مسلم وأصحاب السنن من طريق أبي عاصم عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول‏:‏ هو أروى وأمرأ وأبرأ ‏"‏ لفظ مسلم‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ قال علماؤنا هو من مكارم الأخلاق، ولكن محرم على الرجل أن يناول أخاه ما يتقذره، فإن فعله في خاصة نفسه ثم جاء غيره فناوله إياه فليعلمه، فإن لم يعلمه فهو غش، والغش حرام‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ معنى النهي عن التنفس في الإناء لئلا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء، وعلى هذا إذا لم يتنفس يجوز الشرب بنفس واحد، وقيل‏:‏ يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان، قال‏:‏ وقول أنس ‏"‏ يتنفس في الشرب ثلاثا ‏"‏ قد جعله بعضهم معارضا للنهي، وحمل على بيان الجواز، ومنهم من أومأ إلى أنه من خصائصه لأنه كان لا يتقذر منه شيء‏.‏
    (ج10/ ص 117)
    أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه يسمي الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثا ‏"‏ وأصله في ابن ماجه، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند البزار والطبراني‏.‏
    وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس المشار إليه قبل ‏"‏ وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم ‏"‏ وهذا يحتمل أن يكون شاهدا لحديث أبي هريرة المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 118)
    ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشافعي في القديم ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه للتنزيه لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه من قطع به عنه، وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار
    ويؤيد وهم النقل أيضا عن نصه في حرملة أن صاحب ‏"‏ التقريب ‏"‏ نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الإناء من الذهب أو الفضة، وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى، والعلة المشار إليها ليست متفقا عليها، بل ذكروا للنهي عدة علل‏:‏ منها ما فيه من كسر قلوب الفقراء، أو من الخيلاء والسرف، ومن تضييق النقدين

    (ج10/ ص 119)
    والمدائن اسم بلفظ جمع مدينة، وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس، وبها إيوان كسرى المشهور، وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقاص في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل‏:‏ قبل ذلك، وكان حذيفة عاملا عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان‏.‏
    (ج10/ ص 120)
    ‏(‏الذي يشرب في آنية الفضة‏)‏ في رواية مسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن ‏"‏ من شرب من إناء ذهب أو فضة ‏"‏ وله من رواية علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع ‏"‏ إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة ‏"‏ وأشار مسلم إلى تفرد علي بن مسهر بهذه اللفظة، أعني الأكل‏.‏
    (ج10/ ص 121)
    ال النووي‏:‏ اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها، وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال‏:‏ روي يجرجر على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوزه ابن مالك في ‏"‏ شواهد التوضيح ‏"‏ نعم رد ذلك ابن أبي الفتح تلميذه فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن‏:‏ لقد كثر بحثي على أن أرى أحدا رواه مبنيا للمفعول فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية، وسألت أبا الحسين اليونيني فقال‏:‏ ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذر إلا مبنيا للفاعل‏.‏
    قال‏:‏ ويبعد اتفاق الحفاظ قديما وحديثا على ترك رواية ثابتة‏.‏
    قال‏:‏ وأيضا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل وإسناده إلى المفعول فرع فلا يصار إليه بغير حاجة، وأيضا فإن علماء العربية قالوا‏:‏ يحذف الفاعل إما للعلم به أو للجهل به، أو إذا تخوف منه أو عليه، أو لشرفه أو لحقارته، أو لإقامة وزن، وليس هنا شيء من ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 122)
    ي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء، قال القرطبي وغيره‏:‏ في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل، قال‏:‏ واختلف في علة المنع فقيل‏:‏ إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده قوله هي لهم وإنها لهم، وقيل‏:‏ لكونهما الأثمان وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالها لجاز اتخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم، ومثله الغزالي بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس‏.‏
    ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه‏.‏
    وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية، وبه صرح أبو علي السنجي وأبو محمد الجويني‏.‏
    وقيل‏:‏ علة التحريم السرف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء‏.‏
    ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وعاليها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ‏.‏
    وقد نقل ابن الصباغ في ‏"‏ الشامل ‏"‏ الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده‏.‏
    لكن في ‏"‏ زوائد العمراني ‏"‏ عن صاحب ‏"‏ الفروع ‏"‏ نقل وجهين‏.‏
    وقيل‏:‏ العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك‏.‏
    واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها كما تقدم، والأشهر المنع وهو قول الجمهور، ورخصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال، ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها وجواز الاستئجار عليها‏.

    (ج10/ ص 123)
    قال ابن المنير‏:‏ كأنه أراد بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن، فبين أن السلف كانوا يفعلون ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، وما تركه فهو صدقة‏.‏
    ولا يقال إن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل للغني، لأن الجواب أن الممتنع على الأغنياء من الصدقة هو المفروض منها، وهذا ليس من الصدقة المفروضة‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا الجواب غير مقنع، والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الأوقاف المطلقة، ينتفع بها من يحتاج إليها، وتقر تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان عند سهل قدح، وعند عبد الله بن سلام آخر، والجبة عند أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك‏.
    (ج10/ ص 124)
    وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة ثم قال ‏"‏ قال علي بن الحسن‏:‏ وأنا رأيت القدح وشربت منه ‏"‏ وذكر القرطبي في ‏"‏ مختصر البخاري ‏"‏ أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري ‏"‏ قال أبو عبد الله البخاري‏:‏ رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه، وكان اشتري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف‏"‏‏.
    (ج10/ ص 125)
    متحريم الإناء من النحاس أو الحديد المطلي بالذهب أو الفضة، والصحيح عند الشافعية إن كان يحصل منه بالعرض على النار حرم، وإلا فوجهان أصحهما لا، وفي العكس وجهان كذلك، ولو غلف إناء الذهب أو الفضة بالنحاس مثلا ظاهرا وباطنا فكذلك‏.‏
    وجزم إمام الحرمين أنه لا يحرم كحشو الجبة التي من القطن مثلا بالحرير، واستدل بجواز اتخاذ السلسلة والحلقة أنه يجوز أن يتخذ للإناء رأس منفصل عنه، وهذا ما نقله المتولي والبغوي والخوارزمي‏.‏
    وقال الرافعي‏:‏ فيه نظر‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ ينبغي أن يجعل كالتضبيب ويجري فيه الخلاف والتفصيل‏.‏
    واختلفوا في ضابط الصغر في ذلك فقيل‏:‏ العرف وهو الأصح، وقيل‏:‏ ما يلمع على بعد كبير ومالا فصغير، وقيل‏:‏ ما استوعب جزءا من الإناء كأسفله أو عروته أو شفته كبير، وما لا فلا‏.‏
    ‏ومتى شك فالأصل الإباحة‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 126)
    ال ابن بطال‏:‏ يؤخذ منه أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة، بل يستحب الاستكثار منه‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له، ولئلا يظن أن الشرب من غير عطش ممنوع، فإن فعل جابر ما ذكر دال على أن الحاجة إلى البركة أكثر من الحاجة إلى الري، والظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولو كان ممنوعا لنهاه‏.


    انتهى كتاب الاشربة من " فتح الباري "
    اليوم الموافق السبت 14/ 3/ 2020
    رجب /1441 هجري

    " ويليه كتاب " المرضى " من فتح الباري

  2. #202
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب " المرضى " من فتح الباري
    المجلد العاشر / باب 22/ ج5677
    اليوم الأحد 16/ 3/ 2020 ميلادي
    الموافق 22/ رجب / 1441 هجري

    (ج10/ ص 129)
    وقال ابن المنير‏:‏ الحاصل أن المرض كما جاز أن يكون مكفرا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها‏.‏
    وعن الحسن وعبد الرحمن بن زيد‏:‏ أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة
    ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريق عبيد بن عمير عن عائشة ‏"‏ أن رجلا تلا هذه الآية ‏(‏من يعمل سوءا يجز به‏)‏ فقال‏:‏ إنا لنجزى بكل ما عملناه‏؟‏ هلكنا إذا‏.‏
    فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه ‏"‏ وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان أيضا من حديث أبي بكر الصديق أنه قال‏:‏ ‏"‏ يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ‏(‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به‏)‏ ‏؟‏ فقال‏:‏ غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تحزن‏؟‏ قال قلت‏:‏ بلى‏.‏
    قال‏:‏ هو ما تجزون به، ولمسلم من طريق محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة ‏"‏ لما نزلت ‏(‏من يعمل سوءا يجز به‏)‏ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 130)
    وقال الكرماني‏:‏ المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا، وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة،
    شاهده ما أخرجه الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من وجه آخر عن عائشة بلفظ ‏"‏ ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة ‏"‏ وسنده جيد‏.‏
    وأما ما أخرجه مسلم أيضا من طريق عمرة عنها ‏"‏ إلا كتب الله له بها حسنة، أو حط بها خطيئة
    " تابع "
    (ج10/ ص 131)
    وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري ‏"‏ أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي، فقالت له عائشة‏:‏ لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال‏:‏ إن الصالحين يشدد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة ‏"‏ الحديث، وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال‏:‏ ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا‏.‏
    ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر، بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي‏:‏ المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل، كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه‏.‏
    وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب‏:‏ جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك، لأن الشارع قد جعلها كفارة، فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل، وهو إساءة أدب على الشارع‏.‏
    كذا قال‏.‏
    وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له‏.‏
    وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فهو مشروع، ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك‏.
    (ج10/ ص 131)
    ‏‏عبد الملك بن عمرو‏)‏ هو أبو عامر العقدي مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وزهير بن محمد هو أبو المنذر التميمي، وقد تكلموا في حفظه، لكن قال البخاري في ‏"‏ التاريخ الصغير ‏"‏‏:‏ ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح‏.‏
    قلت‏:‏ وقال أحمد بن حنبل كان زهير بن محمد الذي يروي عنه الشاميون آخر لكثرة المناكير انتهى‏.
    (ج10/ ص 132)
    ‏وقيل في هذه الأشياء الثلاثة وهي الهم والغم والحزن أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده‏.‏
    وقيل‏:‏ الهم والغم بمعنى واحد‏.‏
    وقال الكرماني‏:‏ الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس، والأول‏:‏ إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أو لا، والثاني‏:‏ إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا، وإما أن يظهر فيه الانقباض أو لا، وإما بالنظر إلى الماضي أو لا‏.‏
    (ج10/ ص 133)
    الارزة :قال أبو حنيفة الدينوري‏:‏ الراء ساكنة، وليس هو من نبات أرض العرب، ولا ينبت في السباخ بل يطول طولا شديدا ويغلظ، قال‏:‏ وأخبرني الخبير أنه ذكر الصنوبر، وأنه لا يحمل شيئا وإنما يستخرج من أعجازه وعروقه الزفت‏.‏
    وقال ابن سيده‏:‏ الأرز العرعر، وقيل‏:‏ شجر بالشام يقال لثمره الصنوبر‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ الأرزة مفتوحة الراء واحدة الأرز وهو شجر الصنوبر فيما يقال‏.‏
    وقال القزاز‏:‏ قاله قوم بالتحريك‏.‏
    وقالوا‏:‏ هو شجر معتدل صلب لا يحركه هبوب الريح، ويقال له الأرزن‏.‏
    (ج10/ ص 134)
    قال المهلب‏:‏ معنى الحديث أن المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والأجر، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرا‏.‏
    والكافر لا يتفقد الله باختياره، بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذابا عليه وأكثر ألما في خروج نفسه‏.‏
    وقال غيره‏:‏ المعنى أن المؤمن يتلقى الأعراض الواقعة عليه لضعف حظه من الدنيا، فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه، والكافر بخلاف ذلك، وهذا في الغالب من حال الاثنين‏.
    (ج10/ ص 135)
    من يرد الله به خيرا يصب منه‏)‏ كذا للأكثر بكسر الصاد والفاعل الله، قال أبو عبيد الهروي‏:‏ معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها‏.‏
    وقال غيره‏:‏ معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد، وسمعت ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسن وأليق‏.‏
    كذا قال، ولو عكس لكان أولى، والله أعلم‏.‏
    ووجه الطيبي الفتح بأنه أليق بالأدب لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا مرضت فهو يشفين‏)‏ ‏.‏
    (ج10/ ص 135)
    ديث ابن مسعود ‏"‏ ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه ‏"‏ وظاهره تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر، للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة ‏"‏ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر ‏"‏ فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب، فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته‏.‏
    ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة‏.‏
    (ج10/ ص 136)
    استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا، وأبى ذلك قوم كالقرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ فقال‏:‏ محل ذلك إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الذين إذا أصابتهم مصيبة‏)‏ الآية، فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك‏.‏
    وتعقب بأنه لم يأت على دعواه بدليل، وأن في تعبيره بقوله‏:‏ ‏"‏ بما أمر الله ‏"‏ نظرا إذ لم يقع هنا صيغة أمر‏.‏
    وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالأمر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له، ففيه معنى الأمر‏.‏
    وعن الأول بأنه حمل الأحاديث الواردة بالتقييد بالصبر على المطلقة، وهو حمل صحيح، لكن كان يتم له ذلك لو ثبت شيء منها، بل هي إما ضعيفة لا يحتج بها وإما قوية لكنها مقيدة بثواب مخصوص، فاعتبار الصبر فيها إنما هو لحصول ذلك الثواب المخصوص، مثل ما سيأتي فيمن وقع الطاعون ببلد هو فيها فصبر واحتسب فله أجر شهيد، ومثل حديث محمد بن خالد عن أبيه عن جده وكانت له صحبة ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك حتى يبلغ تلك المنزلة ‏"‏ رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، إلا أن خالدا لم يرو عنه غير ابنه محمد، وأبوه اختلف في اسمه لكن إبهام الصحابي لا يضر‏.‏
    (ج10/ ص 39)
    أنه أثبت أن المرض إذا اشتد ضاعف الأجر، ثم زاد عليه بعد ذلك أن المضاعفة تنتهي إلى أن تحط السيئات كلها، أو المعنى‏:‏ قال نعم شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضا حتى لا يبقى منها شيء، ويشير إلى ذلك حديث سعد الذي ذكرته قبل ‏"‏ حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ‏"‏ ومثله حديث أبي هريرة عند أحمد وابن أبي شيبة بلفظ ‏"‏ لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة‏.‏
    قال أبو هريرة‏:‏ ما من وجع يصيبني أحب إلي من الحمى، إنها تدخل في كل مفصل من ابن آدم، والله يعطي كل مفصل قسطه من الأجر ‏"‏ ووجه دلالة حديث الباب على الترجمة من جهة قياس الأنبياء على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإلحاق الأولياء بهم لقربهم منهم وإن كانت درجتهم منحطة عنهم، والسر فيه أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد، ومن ثم ضوعف حد الحر على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين ‏(‏من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين‏)‏ قال ابن الجوزي‏:‏ في الحديث دلالة على أن القوي يحمل ما حمل، والضعيف يرفق به إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلى هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به لأنه عن اختياره نشأ، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 140)
    ووقع في رواية مسلم ‏"‏ خمس تجب للمسلم على المسلم ‏"‏ فذكرها منها، قال ابن بطال‏:‏ يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي بالأول فقال‏:‏ هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض‏.‏
    وقال الجمهور‏:‏ هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض‏.‏
    وعن الطبري‏:‏ تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف كما سيأتي ذكره في باب مفرد‏.‏
    ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني على الأعيان‏.‏
    (ج10/ ص 136)
    قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال‏:‏ ‏"‏ عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وهو عند البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وسياقه أتم‏.‏
    وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعا ‏"‏ ثلاثة ليس لهم عيادة‏:‏ العين والدمل والضرس ‏"‏ فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، ويؤخذ من إطلاقه أيضا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور، وجزم الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏ بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث ‏"‏ وهذا حديث ضعيف جدا تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال‏:‏ هو حديث باطل، ووجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة عند الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ وفيه راو متروك أيضا‏.‏
    ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به، وربما كان ذلك في العادة سببا لوجود نشاطه وانتعاش قوته‏.‏
    (ج10/ ص 137)
    وفي إطلاق الحديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي النهار، وترجمة البخاري في الأدب المفرد ‏"‏ العيادة في الليل‏"‏، وساق عن خالد بن الربيع قال‏:‏ ‏"‏ لما ثقل حذيفة أتوه في جوف الليل أو عند الصبح فقال‏:‏ أي ساعة هذه‏؟‏ فأخبروه، فقال‏:‏ أعوذ بالله من صباح إلى النار ‏"‏ الحديث، ونقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف‏:‏ تعود فلانا‏؟‏ قال‏:‏ ليس هذا وقت عيادة‏.‏
    ونقل ابن الصلاح عن الفراوي أن العيادة تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا، وهو غريب‏.‏
    ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض أو يشق على أهله‏.‏
    فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس كما في حديث جابر الذي بعده‏.‏
    وقد ورد في فضل العيادة أحاديث كثيرة جياد، منها عند مسلم والترمذي من حديث ثوبان ‏"‏ إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة ‏"‏ وخرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء ثم هاء هي الثمرة إذا نضجت، شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر‏.‏
    وقيل‏:‏ المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنة، والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من هذا الوجه وفيه ‏"‏ قلت لأبي قلابة‏:‏ ما خرفة الجنة‏؟‏ قال‏:‏ جناها ‏"‏ وهو عند مسلم من جملة المرفوع‏.‏
    وأخرج البخاري أيضا من طريق عمر بن الحكم عن جابر رفعه ‏"‏ من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها ‏"‏ وأخرجه أحمد والبزار وصححه ابن حبان والحاكم من هذا الوجه وألفاظهم فيه مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن‏.‏
    (ج10/ ص 141)
    مجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه، لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك‏.‏

    (ج10/ ص 142)
    انحباس الريح قد يكون سببا للصرع، وهي علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن انفعالها منعا غير تام، وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة الأرواح الخيرة العلوية لتندفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطل أفعالها‏.‏
    وممن نص على ذلك أبقراط فقال لما ذكر علاج المصروع‏:‏ هذا إنما ينفع في الذي سببه أخلاط، وأما الذي يكون من الأرواح فلا‏.‏
    (ج10/ ص 143)
    في الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين‏:‏ أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 144)
    وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد وإلا يصير كما جاء في حديث سلمان ‏"‏ أن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا، وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عقل ولم أرسل ‏"‏ أخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ موقوفا‏.‏
    (ج10/ ص 145)
    أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود، وقد مضى حديث أنس في الجنائز ‏"‏ إنما الصبر عند الصدمة الأولى ‏"‏ وقد وقع في حديث العرباض فيما صححه ابن حبان فيه بشرط آخر ولفظه ‏"‏ إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له ثوابا دون الجنة إذا هو حمدني عليهما ‏"‏ ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق، وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة فالذي له أعمال صالحة أخرى يزاد في رفع الدرجات‏.‏
    (ج10/ ص 146)
    قوله في البيت الذي أوله ‏"‏ ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد ‏"‏ كذا هو بالتنكير والإبهام، والمراد به وادي مكة‏.‏
    وذكر الجوهري في الصحاح ما يقتضي أن الشعر المذكور ليس لبلال، فإنه قال‏:‏ كان بلال يتمثل به، وأورده بلفظ ‏"‏ هل أبيتن ليلة بمكة حولي ‏"‏ وقوله ‏"‏ شامة وطفيل ‏"‏ هما جبلان عند الجمهور، وصوب الخطابي أنهما عينان، وقوله ‏"‏كيف تجدك ‏"‏‏؟‏ أي تجد نفسك، والمراد به الإحساس، أي كيف تعلم حال نفسك‏.‏
    (ج10/ ص 149)
    قال المهلب‏:‏ فائدة هذا الحديث أنه لا نقص على الإمام في عيادة مريض من رعيته ولو كان أعرابيا جافيا ولا على العالم في عيادة الجاهل ليعلمه ويذكره بما ينفعه، ويأمره بالصبر لئلا يتسخط قدر الله فيسخط عليه، ويسليه عن ألمه بل يغبطه بسقمه، إلى غير ذلك من جبر خاطره وخاطر أهله‏.‏
    وفيه أنه ينبغي للمريض أن يتلقى الموعظة بالقبول، ويحسن جواب من يذكره بذلك‏.‏
    (ج10/ ص 150)
    ‏باب عيادة المشرك‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ إنما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا‏.‏
    انتهى‏.‏
    والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى‏.‏
    قال الماوردي‏:‏ عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة‏.‏
    (ج10/ ص 150)
    ال ابن بطال‏:‏ في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحا‏.‏
    قلت‏:‏ وقد يكون العائد عارفا بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه‏.‏
    (ج10/ ص 150)
    فيما يخال إلي ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ صوابه فيما يخيل إلي بالتشديد لأنه من التخيل، قال الله تعالى ‏(‏يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى‏)‏ ‏.‏
    قلت‏:‏ وأقره الزركشي، وهو عجيب‏.‏
    فإن الكلمة صواب، وهو بمعنى يخيل قال في ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ خال الشيء يخاله يظنه وتخيله ظنه، وساق الكلام على المادة‏.‏
    (ج10/ ص 152)
    وجاء عن عائشة قالت ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول‏:‏ بسم الله ‏"‏ أخرجه أبو يعلى بسند حسن‏.‏
    وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة بسند لين رفعه ‏"‏ تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو ‏"‏ وأخرجه ابن السني ولفظه ‏"‏ فيقول‏:‏ كيف أصبحت أو كيف أمسيت ‏"‏‏؟‏ ‏.‏
    وأخرج ابن ماجة والترمذي من حديث أبي سعيد رفعه ‏"‏ إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض ‏"‏ وفي سنده لين‏.‏
    وقوله نفسوا أي أطمعوه في الحياة ففي ذلك تنفيس لما هو فيه من الكرب وطمأنينة لقلبه، قال النووي هو معنى قوله في حديث ابن عباس للأعرابي لا بأس‏.‏
    أخرج ابن ماجه أيضا بسند حسن لكن فيه انقطاع عن عمر رفعه إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة‏.‏
    (ج10/ ص 154)
    أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم، فنبه على أن الطلب من الله ليس ممنوعا، بل فيه زيادة عبادة، لما ثبت مثل ذلك عن المعصوم وأثنى الله عليه بذلك وأثبت له اسم الصبر مع ذلك، وقد روينا في قصة أيوب في فوائد ميمونة وصححه ابن حبان والحاكم من طريق الزهري عن أنس رفعه ‏"‏ أن أيوب لما طال بلاؤه رفضه القريب والبعيد، غير رجلين من إخوانه، فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فبلغ ذلك أيوب - يعني فجزع من قوله - ودعا ربه فكشف ما به‏"‏‏.
    (ج10/ص 154)
    ‏مراد البخاري أن الذي يجوز من شكوى المريض ما كان على طريق الطلب من الله، أو على غير طريق التسخط للقدر والتضجر، والله أعلم‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ اختلف الناس في هذا الباب، والتحقيق أن الألم لا يقدر أحد على رفعه، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عما جبلت عليه، وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد كأن من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر، وأما مجرد التشكي فليس مذموما حتى يحصل التسخط للمقدور، وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر، والله أعلم‏.‏
    روى أحمد في ‏"‏ الزهد ‏"‏ عن طاوس أنه قال‏:‏ أنين المريض شكوى، وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن أنين المريض وتأوهه مكروه، وتعقبه النووي فقال‏:‏ هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، وهذا لم يثبت فيه ذلك‏.‏
    ثم احتج بحديث عائشة في الباب، ثم قال‏:‏ فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى ا
    لعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين، وتشعر بالتسخط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء‏.‏
    وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا‏.‏
    (ج10/ ص 155)
    حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَا رَأْسَاهْ
    فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَا ثُكْلِيَاهْ
    حيى بن يحيى أبو زكريا‏)‏ هو النيسابوري الإمام المشهور وليس له في البخاري سوى مواضع يسيرة في الزكاة والوكالة والتفسير والأحلام، وأكثر عنه مسلم، ويقال إنه تفرد بهذا الإسناد وإن أحمد كان يتمنى لو أمكنه الخروج إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث، ولكن أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من و
    إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث، ولكن أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال‏.‏
    (ج10/ ص 155)
    في الحديث ما طبعت عليه المرأة من الغيرة، وفيه مداعبة الرجل أهله والإفضاء إليهم بما يستره عن غيرهم، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية، فكم من ساكت وهو ساخط، وكم من شاك وهو راض، فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 156)
    وجملة آداب العيادة عشرة أشياء، ومنها ما لا يختص بالعيادة‏:‏ أن لا يقابل الباب عند الاستئذان، وأن يدق الباب برفق، وأن لا يبهم نفسه كأن يقول أنا، وأن لا يحضر في وقت يكون غير لائق بالعيادة كوقت شرب المريض الدواء، وأن يخفف الجلوس، وأن يغض البصر، ويقلل السؤال، وأن يظهر الرقة، وأن يخلص الدعاء، وأن يوسع للمريض في الأمل، ويشير عليه بالصبر لما فيه من جزيل الأجر، ويحذره من الجزع لما فيه من الوزر‏.‏
    (ج10/ ص 158)
    لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه‏)‏ الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما، وقوله ‏"‏من ضر أصابه ‏"‏ حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان ‏"‏ لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا ‏"‏ على أن ‏"‏ في ‏"‏ في هذا الحديث سببية، أي بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة‏:‏ ففي ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عن عمر أنه قال ‏"‏ اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط‏"‏، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر‏.‏
    وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال ‏"‏ يا طاعون خذني‏.‏
    فقال له عليم الكندي‏:‏ لم تقول هذا‏؟‏ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يتمنين أحدكم الموت‏؟‏ فقال‏:‏ إني سمعته يقول‏:‏ بادروا بالموت ستا، إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم ‏"‏ الحديث‏.‏
    وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحو وأنه ‏"‏ قيل له‏:‏ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما عمر المسلم كان خيرا له ‏"‏ الحديث، وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه ‏"‏ وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 160)
    وأن من اتسعت له الدنيا لم تؤثر فيه إما لكثرة إخراجهم المال في وجوه البر، وكان من يحتاج إليه إذ ذاك كثيرا فكانت تقع لهم الموقع، ثم لما اتسع الحال جدا وشمل العدل في زمن الخلفاء الراشدين استغني الناس بحيث صار الغني لا يجد محتاجا يضع بره فيه، ولهذا قال خباب‏:‏ ‏"‏ وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب ‏"‏ أي الإنفاق في البنيان‏.‏
    وأغرب الداودي فقال‏:‏ أراد خباب بهذا القول الموت أي لا يجد للمال الذي أصابه إلا وضعه في القبر، حكاه ابن التين ورده فأصاب‏.‏
    وقال‏:‏ بل هو عبارة عما أصابوا من المال قلت‏:‏ وقد وقع لأحمد عن يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد في هذا الحديث بعد قوله إلا التراب ‏"‏ وكان يبني حائطا له
    (ج10/ ص 160)
    ولهذه النكتة عقب البخاري حديث أبي هريرة بحديث عائشة ‏"‏ اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى ‏"‏ إشارة إلى أن النهي مختص بالحالة التي قبل نزول الموت، فلله دره ما كان أكثر استحضاره وإيثاره للأخفى على الأجلى شحذا للأذهان‏.‏
    وقد خفي صنيعه هذا على من جعل حديث عائشة في الباب معارضا لأحاديث الباب أو ناسخا لها، وقوي ذلك يقول يوسف عليه السلام ‏(‏توفني مسلما وألحقني بالصالحين‏)‏ قال ابن التين‏:‏ قيل إن النهى منسوخ بقول يوسف فذكره، وبقول سليمان ‏(‏وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين‏)‏ وبحديث عائشة في الباب، وبدعاء عمر بالموت وغيره‏.‏
    قال وليس الأمر كذلك لأن هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت‏.‏
    قلت‏:‏ وقد اختلف في مراد يوسف عليه السلام، فقال قتادة‏:‏ لم يتمني الموت أحد إلا يوسف حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء الله، أخرجه الطبراني بسند صحيح عنه‏.‏
    وقال غيره‏:‏ بل مراده توفني مسلما عند حضور أجلي، كذا أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك بن مزاحم، وكذلك مراد سليمان عليه السلام‏.‏
    وعلى تقدير الحمل على ما قال قتادة فهو ليس من شرعنا، وإنما يؤخذ بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا النهي عنه بالاتفاق، وقد استشكل الإذن في ذلك عند نزول الموت لأن نزول الموت لا يتحقق، فكم من انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل إليها ثم عاش‏.‏
    والجواب أنه يحتمل أن يكون المراد أن العبد يكون حاله في ذلك الوقت حال من يتمني نزوله به ويرضاه أن لو وقع به، والمعني أن يطمئن قلبه إلى ما يرد عليه من ربه ويرضى به ولا يقلق، ولو لم يتفق أنه يموت في ذلك المرض‏.‏
    (ج10/ ص 161)
    ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ‏"‏ وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ‏"‏ وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يحصل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الأعمال‏.‏
    ولا يرد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد والعياذ بالله تعالى عن الإيمان لأن ذلك نادر، والإيمان بعد أن تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك - وقد وقع لكن نادرا - فمن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوعها طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه‏.‏
    ويؤيده حديث أبي أمامة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد‏:‏ يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك ‏"‏ أخرجه بسند لين، ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم ‏"‏ وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ‏"‏ واستشكل بأنه قد يعمل السيئات فيزيده عمره شرا، وأجيب بأجوبة‏:‏ أحدها حمل المؤمن على الكامل وفيه بعد، والثاني أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفر ذنوبه إما من اجتناب الكبائر وإما من فعل حسنات أخر تقاوم سيئاته، وما دام الإيمان باق فالحسنات بصدد التضعيف، والسيئات بصدد التكفير‏.‏
    وأن المحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله ولا قطع رجائه، أشار إلى ذلك شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي‏"‏‏.‏
    ويدل على أن قصر العمر قد يكون خيرا للمؤمن حديث أنس الذي في أول الباب ‏"‏ وتوفني إذا كان الوفاة خيرا لي ‏"‏ وهو لا ينافي حديث أبي هريرة ‏"‏ أن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا ‏"‏ إذا حمل حديث أبي هريرة على الأغلب ومقابله على النادر
    (ج10/ ص 162)
    قال عياض‏:‏ الوباء عموم الأمراض، وقد أطلق بعضهم على الطاعون أنه وباء لأنه من أفراده، لكن ليس كل وباء طاعونا، وعلى ذلك يحمل قول الداودي لما ذكر الطاعون‏:‏ الصحيح أنه الوباء، وكذا جاء عن الخليل بن أحمد أن الطاعون هو الوباء‏.‏
    وقال ابن الأثير في النهاية‏:‏ الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان‏.‏
    وقال ابن سيناء‏:‏ الوباء ينشأ عن فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده‏.‏
    قلت‏:‏ ويفارق الطاعون الوباء بخصوص سببه الذي ليس هو في شيء من الأوباء، وهو كونه من طعن الجن
    وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيئ الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بادعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره، لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالا على ما قدر، فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي السهم، والله أعلم‏.

  3. #203
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب " الطب " من فتح الباري
    باب 19/ج5707
    الموافق 23/ رجب / 1441هجري
    الموافق 17/3/ 2020 ميلادي
    وناسب كتابته " تفشي وباء عظيم في الأمة " " وجائحة في العالم الاسلامي " وهو اشد فتكا من أي مرض في البشرية على إثرها
    افتت اللجنة الدائمة لهيئة كبار العلماء على اغلاق المساجد للجماعة والجمعة ما عدا الحرمين زاده الله تشريفا
    والحمد لله على كل حال " 17/ 3/ 2020 ميلادي .



    (ج10/ ص 166)
    والطب نوعان‏:‏ طب جسد وهو المراد هنا، وطب قلب ومعالجته خاصة بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام عن ربه سبحانه وتعالى‏.‏
    وأما طب الجسد فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم ومنه ما جاء عن غيره، وغالبه راجع إلى التجربة‏.‏
    ثم هو نوعان‏:‏ نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش‏.‏
    ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما إلى حرارة أو برودة، وكل منهما إما إلى رطوبة، أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما‏.‏
    وغالب ما يقاوم الواحد منهما بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن وقد يقع من داخله وهو أعسرهما‏.‏
    والطريق إلى معرفته بتحقق السبب والعلامة، فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه أو عكسه، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء‏:‏ حفظ الصحة، والاحتماء عن المؤذي، واستفراغ المادة الفاسدة‏.‏
    (ج10/ ص 170)
    قال الخطابي انتظم هذا الحديث على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم وهو أعظم الأخلاط، والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويخرجها من البدن، وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها ‏"‏ آخر الدواء الكي‏"‏، وقد كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من الصحابة‏.‏
    قلت‏:‏ ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبه بها على أصول العلاج، وذلك أن الأمراض الامتلائية تكون دموية وصفراوية وبلغمية وسوداوية، وشفاء الدموية بإخراج الدم، وإنما خص الحجم بالذكر لكثرة استعمال العرب والفهم له، بخلاف الفصد فإنه وإن كان في معنى الحجم لكنه لم يكن معهودا لها غالبا‏.‏
    (ج10/ ص 172)
    يؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقا ولا يستعمل مطلقا، بل يستعمل عند تعينه طريقا إلى الشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة رفعه ‏"‏ من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل ‏"‏ أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم‏.‏
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ علم من مجموع كلامه في الكي أن فيه نفعا وأن فيه مضرة، فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع ثم حرمها لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع‏.‏
    (ج10/ ص 173)
    وذكر ابن بطال أن بعضهم قال‏:‏ إن قوله تعالى ‏(‏فيه شفاء للناس‏)‏ أي لبعضهم، وحمله على ذلك أن تناول العسل قد يضر ببعض الناس كمن يكون حار المزاج، لكن لا يحتاج إلى ذلك لأنه ليس في حمله على العموم ما يمنع أنه قد يضر الأبدان بطريق العرض‏.‏
    والعسل يذكر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع ما لخصه الموفق البغدادي وغيره فقالوا‏:‏ يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المعدة، ويسخنها تسخينا معتدلا، ويفتح أفواه العروق ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة والمنافذ، وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية، وفيه حفظ المعجونات وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية الكبد والصدر، وإدرار البول والطمث، ونفع للسعال الكائن من البلغم، ونفع لأصحاب البلغم والأمزجة الباردة‏.‏
    وإذا أضيف إليه الخل نقع أصحاب الصفراء‏.‏
    ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوى من الحلاوات، وطلاء من الأطلية، ومفرح من المفرحات‏.‏
    ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك من الفواكه، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصئبان، وطول الشعر وحسنه ونعمه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها‏.‏
    وهو عجيب في حفظ جثث الموتى فلا يسرع إليها البلى، وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة، ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه، ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلا‏.‏
    وقد أخرج أبو نعيم في ‏"‏ الطب النبوي ‏"‏ بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجه بسند ضعيف من حديث جابر رفعه ‏"‏ من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم بلاء ‏"‏ والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 179)
    ذكره الأطباء في علاج الزكام العارض منه عطاس كثير وقالوا‏:‏ تقلى الحبة السوداء ثم تدق ناعما ثم تنقع في زيت ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات، فلعل غالب بن أبجر كان مزكوما فلذلك وصف له ابن أبي عتيق الصفة المذكورة، وظاهر سياقه أنها موقوفة عليه، ويحتمل أن تكون عنده مرفوعة أيضا، فقد وقع في رواية الأعين عند الإسماعيلي بعد قوله من كل داء ‏"‏ وأقطروا عليها شيئا من الزيت ‏"‏ وفي رواية له أخرى ‏"‏ وربما قال وأقطروا الخ ‏"‏ وادعى الإسماعيلي أن هذه الزيادة مدرجة في الخبر، وقد أوضحت ذلك رواية ابن أبي شيبة؛ ثم وجدتها مرفوعة من حديث بريدة فأخرج المستغفري في ‏"‏ كتاب الطب ‏"‏ من طريق حسام بن مصك عن عبيد الله بن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الحبة السوداء فيها شفاء ‏"‏ الحديث، قال وفي لفظ ‏"‏ قيل‏:‏ وما الحبة السوداء‏؟‏ قال‏:‏ الشونيز قال‏:‏ وكيف أصنع بها‏؟‏ قال‏:‏ تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة ثم تضعها في ماء ليلة، فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين، فإذا كان من الغد قطرت في المنخر الأيمن اثنتين وفي الأيسر واحدة، فإذا كان اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين ‏"‏ ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفا بل ربما استعملت مفردة، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلا وشربا وسعوطا وضمادا وغير ذلك‏.‏
    قد تدخل في بعض الأمراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوى الأدوية الرطبة الباردة إليها بسرعة تنفيذها، ويستعمل الحار في بعض الأمراض الحارة لخاصية فيه لا يستنكر كالعنزروت فإنه حار ويستعمل في أدوية الرمد المركبة، مع أن الرمد ورم حار باتفاق الأطباء، وقد قال أهل العلم بالطب‏:‏ إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهي مذهبة للنفخ، نافعة من حمى الربع والبلغم، مفتحة للسدد والريح، مجففة لبلة المعدة، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشربت بالماء الحار أذابت الحصاة وأدرت البول والطمث، وفيها جلاء وتقطيع، وإذا دقت وربطت بخرقة من كتان وأديم شمها نفع من الزكام البارد، وإذا نقع منها سبع حبات في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان أفاده، وإذا شرب منها وزن مثقال بماء أفاد من ضيق النفس، والضماد بها ينفع من الصداع البارد، وإذا طبخت بخل وتمضمض بها نفعت من وجع الأسنان الكائن عن برد، وقد ذكر ابن البيطار وغيره ممن صنف في المفردات في منافعها هذا الذي ذكرته وأكثر منه‏.‏
    (ج10/ ص 180)
    وقال الخطابي‏:‏ قوله ‏"‏ من كل داء ‏"‏ هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة‏.‏
    وقال أبو بكر بن العربي‏:‏ العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل ‏"‏ فيه شفاء للناس ‏"‏ الأكثر الأغلب فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى‏.‏
    وقال غيره‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معني قوله ‏"‏ شفاء من كل داء ‏"‏ أي من هذا الجنس الذي
    وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع والله أعلم‏.‏
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا صدقنا أهل الطب - ومدار علمهم غالبا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب - فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم‏.‏
    (ج10/ ص 180)
    وقال القرطبي‏:‏ قيد بعض مشايخنا الشين بالفتح وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهوة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير، وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأشهر وهي الكمون الأسود ويقال له أيضا الكمون الهندي‏.‏
    ونقل إبراهيم الحربي في ‏"‏ غريب الحديث ‏"‏ عن الحسن البصري أنها الخردل، وحكى أبو عبيد الهروي في ‏"‏ الغريبين ‏"‏ أنها ثمرة البطم بضم الموحدة وسكون المهملة، واسم شجرتها الضرو بكسر المعجمة وسكون الراء‏.‏
    وقال الجوهري‏:‏ هو صمغ شجرة تدعى الكمكام تجلب من اليمن، ورائحتها طيبة، وتستعمل في البخور‏.‏
    قلت‏:‏ وليست المراد هنا جزما‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين‏:‏ أحدهما أنه قول الأكثر، والثاني كثرة منافعها بخلاف الخردل والبطم‏.
    (ج10/ ص 181)
    ل الأصمعي‏:‏ هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل قال غيره‏:‏ أو لبن‏.‏
    سميت تلبينة تشبيها لها باللبن في بياضها ورقتها‏.‏
    وقال ابن قتيبة‏:‏ وعلى قول من قال يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها‏.‏
    وقال أبو نعيم في الطب‏:‏ هي دقيق بحت‏.‏
    وقال قوم‏:‏ فيه شحم‏.‏
    وقال الداودي‏:‏ يؤخذ العجين غير خمير فيخرج ماؤه فيجعل حسوا فيكون لا يخالطه شيء، فلذلك كثر نفعه‏.‏
    وقال الموفق البغدادي‏:‏ التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن، وهو الدقيق النضيج لا الغليظ النيئ‏.‏
    ي رواية الليث عن عقيل ‏"‏ إن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها ثم اجتمع لذلك النساء ثم تفرقن أمرت ببرمة تلبينة فطبخت ثم قالت‏:‏ كلوا منها‏"‏‏.‏
    وأخرجه النسائي من وجه آخر عن عائشة وزاد ‏"‏ والذي نفس محمد بيده إنها لتغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء ‏"‏ وله وهو عند أحمد والترمذي من طريق محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة قالت ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه ثم قال‏:‏ إنه يرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم، كما تسرو إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء‏"‏‏.‏
    قال الموفق البغدادي‏:‏ إذا شئت معرفة منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير ولا سيما إذا كان نخالة، فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا وأنمى للحرارة الغريزية‏.‏
    وقال صاحب ‏"‏ الهدى ‏"‏‏:‏ التلبينة أنفع من الحساء لأنها تطبخ مطحونة فتخرج خاصة الشعير بالطحن، وهي أكثر تغذية وأقوى فعلا وأكثر جلاء، وإنما اختار الأطباء النضيج لأنه أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض‏.‏
    وينبغي أن يختلف الانتفاع بذلك بحسب اختلاف العادة في البلاد، ولعل اللائق بالمريض ماء الشعير إذا طبخ صحيحا، وبالحزين إذا طبخ مطحونا، لما تقدمت الإشارة من الفرق بينهما في الخاصية والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 183)
    لسعوط وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب، ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس
    وأخرج الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس رفعه ‏"‏ أن خير ما تداويتم به السعوط‏"‏‏.
    (ج10/ ص 184)

    قال أبو بكر بن العربي القسط نوعان‏:‏ هندي وهو أسود، وبحري وهو أبيض، والهندي أشدهما حرارة‏.‏
    وأخرج أحمد وأصحاب السنن من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطا هنديا فتحكه بماء ثم تسعطه إياه ‏"‏ وفي حديث أنس الآتي بعد بابين ‏"‏ إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ‏"‏ وهو محمول على أنه وصف لكل ما يلائمه، فحيث وصف الهندي كان لاحتياج في المعالجة إلى دواء شديد الحرارة، وحيث وصف البحري كان دون ذلك في الحرارة، لأن الهندي كما تقدم أشد حرارة من البحري‏.‏
    وقال ابن سينا‏:‏ القسط حار في الثالثة يابس في الثانية‏.‏
    قد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي وما زاد عليها بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه وقيل ذكر ما يحتاج إليه دون غيره لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك قلت‏:‏ ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود؛ فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكميد، والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل، والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن، والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع لأدواء مختلفة ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم‏.‏
    وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبا، وقيل هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق، قيل سميت بذلك لأنها تخرج غالبا عند طلوع العذرة؛ وهي خمسة كواكب تحت الشعري العبور، ويقال لها أيضا العذاري، وطلوعها يقع وسط الحر‏.‏
    وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارا والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة‏.‏
    وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرا، بل وبالذات أيضا‏.‏
    (ج10/ ص 185)
    حديث ابن عباس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ‏"‏ وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارا، وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة، وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما ولا عقب شبع ولا جوع‏.‏
    وقد ورد في تعيين الأيام للحجامة حديث لابن عمر عند ابن ماجه رفعه في أثناء حديث وفيه ‏"‏ فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء؛ واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسبت والأحد ‏"‏ أخرجه من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند الدار قطني في ‏"‏ الأفراد ‏"‏ وأخرجه بسند جيد عن ابن عمر موقوفا، ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة وأن الحديث لم يثبت، وحكى أن رجلا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث‏.‏
    وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال ‏"‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا يرقأ فيها‏"‏‏.‏
    وورد في عدد من الشهر أحاديث‏:‏ منها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء ‏"‏ وهو من رواية سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح، وسعيد وثقه الأكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه‏.‏
    وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي ورجاله ثقات، لكنه معلول‏.‏
    وشاهد آخر من حديث أنس عند ابن ماجه، وسنده ضعيف‏.‏
    و عند الترمذي من وجه آخر عن أنس لكن من فعله صلى الله عليه وسلم، ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء قال حنبل بن إسحاق‏:‏ كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت‏.‏
    وقد اتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره، قال الموفق البغدادي‏:‏ وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن، فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه‏.‏
    (ج10/ ص 187)
    قال الموفق البغدادي‏:‏ الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان وفي البلاد الحارة أولى من الفصد وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد، ولأن العرب غالبا ما كانت تعرف إلا الحجامة‏.‏
    وقال صاحب الهدى‏:‏ التحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارة والأمكنة الحارة والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصد‏.‏
    خير ما تداويتم به الحجامة ‏"‏ ومن طريق معتمر عن حميد بلفظ ‏"‏ أفضل‏"‏، قال أهل المعرفة‏:‏ الخطاب بذلك لأهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة وتميل إلى ظاهر الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، ويؤخذ من هذا أن الخطاب أيضا لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم‏.
    وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال‏:‏ إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم‏.‏
    قال الطبري‏.‏
    وذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده، فلا ينبغي أن يزيده وهيا بإخراج الدم ا ه‏.‏
    وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه، وعلى من لم يعتد به، وقد قال ابن سينا في أرجوزته‏:‏ ومن يكن تعود الفصادة فلا يكن يقطع تلك العادة ثم أشار إلى أمه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين‏.‏
    (ج10/ ص 189)
    ورد في فضل الحجامة في الرأس حديث ضعيف أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رفعه ‏"‏ الحجامة في الرأس تنفع من سبع‏:‏ من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين‏"‏‏.‏
    وعمر متروك رماه الفلاس وغيره بالكذب، ولكن قال الأطباء‏:‏ إن الحجامة في وسط الرأس نافعة جدا، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلها كما في أول حديثي الباب وآخرهما وإن كان مطلقا فهو مقيد بأولهما، وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم أيضا في الأخدعين والكاهل أخرجه الترمذي وحسنه وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم‏.‏
    قال أهل العلم بالطب‏:‏ فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك، وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا ولا سيما إن كان فسد، وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد، وفصد الودجين لوجع الطحال والربو ووجه الجنبين، والحجامة على الكاهل تنفع من وجه المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق، والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق وتنوب عن فصد القيفال، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي الرأس، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الطهر، ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادفه وقت الاحتياج إليه، والحجامة على المقعدة تنقع الأمعاء وفساد الحيض‏.‏
    (ج10/ ص190)
    بلحمة جمل :
    قال ابن وضاح‏:‏ هي بقعة معروفة وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، وزعم بعضهم أنه الآلة التي احتجم بها أي احتجم بعظم جمل، والأول المعتمد،
    (ج10/ ص 190)
    ‏وأسباب الصداع كثيرة جدا‏:‏ منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم في المعدة أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقيء والاستفراغ أو السهر أو كثرة الكلام، ومنها ما يحدث عن الأغراض النفسانية كالهم والغم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه، أو ورم في صفاق الدماغ، أو حمل شيء ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بلبس شيء خارج عن الاعتدال، أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد‏.‏
    وأما الشقيقة بخصوصها فهي في شرايين الرأس وحدها، وتختص بالموضع الأضعف من الرأس؛ وعلاجها بشد العصابة وقد أخرج أحمد من حديث بريدة ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما أخذته الشقيقة؛ فيمكث اليوم واليومين لا يخرج
    وتقدم في الوفاة النبوية حديث ابن عباس ‏"‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 192)
    وقال ابن قتيبة‏:‏ الكي نوعان‏:‏ كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه‏:‏ ‏"‏ لم يتوكل من اكتوى ‏"‏ لأنه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع، والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي به فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق‏.‏
    وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه‏.‏
    وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء والله أعلم‏.‏
    ولم أر في أثر صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى ‏"‏ كتاب أدب النفوس ‏"‏ للطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ ‏"‏ روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد ‏"‏ أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه ‏"‏ وليس هذا الكي المعهود، وجزم ابن التين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في الهدى‏.‏
    (ج10/ ص 193)
    ‏لا رقية إلا من عين أو حمة‏)‏ بضم المهملة وتخفيف الميم، قال ثعلب وغيره‏:‏ هي سم العقرب‏.‏
    وقال القزاز‏:‏ قيل‏:‏ هي شوكة العقرب، وكذا قال ابن سيده إنها الإبرة التي تضرب بها العقرب والزنبور‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب‏.‏
    وقد أخرج أبو داود من حديث سهل بن حنيف مرفوعا ‏"‏ لا رقية إلا من نفس، أو حمة، أو لدغة ‏"‏ فغاير بينهما، فيحتمل أن يخرج على أن الحمة خاصة بالعقرب، فيكون ذكر اللدغة بعدها من العام بعد الخاص‏.‏
    (ج10/ ص 195)
    لم أر في شيء من طرقه ذكر الإثمد، فكأنه ذكره لكون العرب غالبا إنما تكتحل به، وقد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ‏"‏ أخرجه الترمذي وحسنه واللفظ له، وابن ماجه وصححه ابن حبان، وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ وفي الباب عن جابر عند الترمذي في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ وابن ماجه وابن عدي من ثلاث طرق عن ابن المنكدر عنه بلفظ ‏"‏ عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ‏"‏ وعن علي عند ابن أبي عاصم والطبراني ولفظه ‏"‏ عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر ‏"‏ وسنده حسن، وعن ابن عمر بنحوه عند الترمذي في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ وعن أنس في ‏"‏ غريب مالك ‏"‏ للدار قطني بلفظ ‏"‏ كان يأمرنا بالإثمد ‏"‏ وعن سعيد بن هوذة عند أحمد بلفظ ‏"‏ اكتحلوا بالإثمد فإنه ‏"‏ الحديث، وهو عند أبي داود من حديثه بلفظ ‏"‏ إنه أمر بالإثمد المروح عند النوم ‏"‏ وعن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ خير أكحالكم الإثمد فإنه ‏"‏ الحديث أخرجه البزار وفي سنده مقال، وعن أبي رافع ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد ‏"‏ أخرجه البيهقي وفي سنده مقال، وعن عائشة ‏"‏ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثمد يكحل به عند منامه في كل عين ثلاثا ‏"‏ أخرجه أبو الشيخ في كتاب ‏"‏ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ بسند ضعيف، والإثمد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة وحكي فيه ضم الهمزة‏:‏ حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان، واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل‏؟‏ ذكره ابن سيده وأشار إليه الجوهري، وفي هذه الأحاديث استحباب الاكتحال بالإثمد ووقع الأمر بالاكتحال وترا من حديث أبي هريرة في ‏"‏ سنن أبي داود ‏"‏ ووقع في بعض الأحاديث التي أشرت إليها كبقية الاكتحال، وحاصله ثلاثا في كل عين، فيكون الوتر في كل واحدة على حدة، أو اثنتين في كل عين وواحدة بينهما، أو في اليمين ثلاثا وفي اليسرى ثنتين فيكون الوتر بالنسبة لهما جميعا وأرجحها الأول والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص196)
    فالحاصل من ذلك ستة أشياء‏:‏ العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء، والأربعة الأول قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة فنذكر شرحها فيه وأما الغول فقال الجمهور‏:‏ كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم ‏"‏ غالته الغول ‏"‏ أي أهلكته أو أضلته، فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك‏.‏
    وقيل‏:‏ ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة، قالوا‏:‏ والمعني لا يستطيع الغول أن يضل أحدا‏.‏
    ويؤيده حديث ‏"‏ إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان ‏"‏ أي ادفعوا شرها بذكر الله‏.‏
    (ج10/ ص 197)
    وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا قد بايعناك، فارجع ‏"‏ قال عياض‏:‏ اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم وقال‏:‏ ثقة بالله وتوكلا عليه ‏"‏ قال فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ‏.‏
    وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية، قال‏:‏ والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز ا
    حكى غيره قولا ثالثا وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان‏:‏ أحدهما سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك مثل حديث الباب فأعلوه بالشذوذ، وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها ‏"‏ أن امرأة سألتها عنه فقالت‏:‏ ما قال ذلك، ولكنه قال‏:‏ لا عدوى‏.‏
    وقال‏:‏ فمن أعدى الأول‏؟‏ قالت‏:‏ وكان لي مولى به هذا الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي ‏"‏ وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك، ومثل حديث ‏"‏ لا تديموا النظر إلى المجذومين ‏"‏ وقد أخرجه ابن ماجه وسنده ضعيف، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه ‏"‏ كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين ‏"‏ أخرجه أبو نعيم في الطب بسند واه، ومثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري ‏"‏ أن عمر قال لمعيقيب‏:‏ اجلس مني قيد رمح ‏"‏ ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر يقول نحوه، وهما أثران منقطعان، وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحا في أن ذلك بسبب الجذام، والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممكن، فهو أولى‏.‏
    الفريق الثاني سلكوا في الترجيح عكس هذا المسلك، فردوا حديث لا عدوى بأن أبا هريرة رجع عنه إما لشكه فيه وإما لثبوت عكسه عنده كما سيأتي إيضاحه في ‏"‏ باب لا عدوى ‏"‏ قالوا‏:‏ والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طوقا فالمصير إليها أولى، قالوا‏:‏ وأما حديث جابر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال‏:‏ كل ثقة بالله وتوكلا عليه ‏"‏ ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على راويه ورجح وقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، قاله الكلاباذي في ‏"‏ معاني الأخبار‏"‏‏.‏
    والجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم، وأيضا فحديث لا عدوى ثبت من غير طريق أبي هريرة فصح عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر وغيرهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولا، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 199-200)
    وفي طريق الجمع مسالك أخرى‏:‏ أحدها‏:‏ نفي العدوى جملة وحمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته، ونحوه حديث ‏"‏ لا تديموا النظر إلى المجذومين ‏"‏ فإنه محمول على هذا المعنى‏.‏
    ثانيها‏:‏ حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها، وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء ‏"‏ فر من المجذوم ‏"‏ كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببا لإثباتها‏.‏
    وقريب من هذا كراهيته صلى الله عليه وسلم الكي مع إذنه فيه كما تقدم تقريره، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلا من الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين‏.‏
    ثالث المسالك‏:‏ قال القاضي أبو بكر الباقلاني‏:‏ إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، قال‏:‏ فيكون معني قوله‏:‏ ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلا، قال‏:‏ فكأنه قال لا يعدي شيء شيئا إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى‏.‏
    وقد حكى ذلك ابن بطال‏.‏
    رابعها‏:‏ أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء، بل هو لأمر طبيعي وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة، وهذه طريقة ابن قتيبة فقال‏:‏ المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته ومضاجعته، وكذا يقع كثيرا بالمرأة من الرجل وعكسه، وينزع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم لا على طريق العدوى بل على طريق التأثر بالرائحة لأنها تسقم من واظب اشتمامها، قال‏:‏ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يورد ممرض على مصح ‏"‏ لأن الجرب الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل أو حككها وأوى إلى مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وكذا بالنظر نحو ما به‏.‏
    قال‏:‏ وأما قوله‏:‏ ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ فله معنى آخر، وهو أن يقع المرض بمكان كالطاعون فيفر منه مخافة أن يصيبه، لأن فيه نوعا من الفرار من قدر الله‏.‏
    المسلك الخامس‏:‏ أن المراد ينفي العدوى أن شيئا لا يعدي بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا، وإن شاء أبقاها فأثرت، ويحتمل أيضا أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة، إذا ليس الجذمي كلهم سواء، ولا تحصل العدوى من جميعهم بل لا يحصل منه في العادة عدوى أصلا كالذي أصابه شيء من ذلك ووقف فلم يعد بقية جسمه فلا يعدي‏.‏
    وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية، قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعي ما نصه‏:‏ الجذام والبرص يزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيرا، وهو داء مانع للجماع لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به، وأما الولد فبين أنه إذا كان من ولده أجذم أو أبرص أنه قلما يسلم، وإن سلم أدرك نسله‏.‏
    قال البيهقي‏:‏ وأما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى‏.‏
    وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سببا لحدوث ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فر من المجذوم فرارك من الأسد ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا يورد ممرض على مصح ‏"‏ وقال في الطاعون ‏"‏ من سمع به بأرض فلا يقدم عليه ‏"‏ وكل ذلك بتقدير الله تعالى‏.‏
    وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله‏.‏
    المسلك السادس‏:‏ العمل بنفي العدوى أصلا ورأسا، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد وتبعه جماعة فقال أبو عبيد‏:‏ ليس في قوله‏:‏ ‏"‏ لا يورد ممرض على مصح ‏"‏ إثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى فيفتتن ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه‏.‏
    قال‏:‏ وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة، قال‏:‏ وهذا شر ما حمل عليه الحديث، لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته‏.‏
    وأطنب ابن خزيمة في هذا في ‏"‏ كتاب التوكل ‏"‏ فإنه أورد حديث ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ عن عدة من الصحابة وحديث ‏"‏ لا يورد ممرض على مصح ‏"‏ من حديث أبي هريرة وترجم للأول ‏"‏ التوكل على الله في نفي العدوى ‏"‏ وللثاني ‏"‏ ذكر خبر غلط في معناه بعض العلماء، وأثبت العدوى التي نفاها النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ثم ترجم ‏"‏ الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إثبات العدوى بهذا القول ‏"‏ فساق حديث أبي هريرة ‏"‏ لا عدوى، فقال أعرابي‏:‏ فما بال الإبل يخالطها الأجرب فتجرب‏؟‏ قال‏:‏ فمن أعدى الأول ‏"‏ ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة، ثم أخرجه من حديث ابن مسعود، ثم ترجم ‏"‏ ذكر خبر روي في الأمر بالفرار من المجذوم قد يخطر لبعض الناس أن فيه إثبات العدوى وليس كذلك ‏"‏ وساق حديث ‏"‏ فر من المجذوم فرارك من الأسد ‏"‏ من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة، وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرجوع، وحديث ابن عباس ‏"‏ لا تديموا النظر إلى المجذومين ‏"‏ ثم قال‏:‏ إنما أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم كما نهاهم أن يورد الممرض على المصح شفقة عليهم، وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، والصحيح من الماشية الجرب فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوى فيثبت العدوى التي نفاها صلى الله عليه وسلم فأمرهم بتجنب ذلك شفقة منه ورحمة ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى، وبين لهم أنه لا يعدي شيء شيئا‏.‏
    قال‏:‏ ويؤيد هذا أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم ثقة
    بالله وتوكلا عليه، وساق حديث جابر في ذلك ثم قال‏:‏ وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لأن المجذوم يغتم ويكره إدمان الصحيح نظره إليه، لأنه قل من يكون به داء إلا وهو يكره أن يطلع عليه ا ه‏.‏
    ال الطبري‏:‏ الصواب عندنا القول بما صح به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها‏.‏
    وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل فيقع فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوى‏.‏
    قال‏:‏ وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لأكله معه، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانا وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، إنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانا لبيان أن ذلك ليس حراما‏.

    .2ط‏
    (ج10/ ص 200)
    وقد سلك الطحاوي في ‏"‏ معاني الآثار ‏"‏ مسلك ابن خزيمة فيما ذكره فأورد حديث ‏"‏ لا يورد ممرض على مصح ‏"‏ ثم قال‏:‏ معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، والواقع أنه لو لم يورده لأصابه لكون الله تعالى قدره، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبا من وقوعها في قلب المرء ثم ساق الأحاديث في ذلك فأطنب، وجمع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة‏.‏
    ولذلك قال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله‏:‏ ‏"‏ فر من المجذوم فرارك من الأسد ‏"‏ وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته، حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذت نفسه بذلك، فحينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أنه لا ينحي حذر من قدر، والله أعلم‏.‏
    قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان، ويدلهم على كل ما فيه خير‏.‏
    وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللا فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة، وقد أكل هو مع المجذوم، فلو كان الأمر بمجانبته على الوجوب لما فعله‏.‏
    قال‏:‏ ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين، وفعله حقيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السنة وهي أثر الحكمة، ومن فعل الثاني كان أقوى يقينا لأن الأشياء كلها لا تأثير لها إلا بمقتضى إرادة الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله‏)‏ فمن كان قوي اليقين فله أن يتابعه صلى الله عليه وسلم في فعله ولا يضره شيء، ومن وجد في نفسه ضعفا فليتبع أمره في الفرار لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة‏.‏
    فالحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها وأما أصحاب الصدق واليقين فهم في ذلك بالخيار‏.‏
    قال‏:‏ وفي الحديث أن الحكم للأكثر لأن الغالب من الناس هو الضعف، فجاء الأمر بالفرار بحسب ذلك‏.‏
    واستدل بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح إذا وجده أحدهما بالآخر، وهو قول جمهور العلماء‏.‏
    واختلف في أمة الأجذم‏:‏ هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها‏؟‏ واختلف العلماء في المجذومين إذا كثروا هل يمنعون من المساجد والمجامع‏؟‏ وهل يتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء‏؟‏ ولم يختلفوا في النادر أنه لا يمنع ولا في شهود الجمعة‏.

    (ج10/ ص 202)
    والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الأرض من غير أن تزرع‏.‏
    قيل‏:‏ سميت بذلك لاستتارها، يقال كمأ الشهادة إذا كتمها‏.‏
    ومادة الكمأة من جوهر أرضي بخاري يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء وينميه مطر الربيع فيتولد ويندفع متجسدا، ولذلك كان بعض العرب يسميها جدري الأرض تشبيها لها بالجدري مادة وصورة، لأن مادته رطوبة دموية تندفع غاليا عند الترعرع وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهر‏.‏
    وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ‏"‏ أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ الكمأة جدري الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن ‏"‏ الحديث‏.‏
    وللطبري من طريق ابن المنكدر عن جابر قال‏:‏ ‏"‏ كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتنع قوم من أكلها وقالوا‏:‏ هي جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال‏:‏ إن الكمأة ليست من جدري الأرض، ألا إن الكمأة من المن ‏"‏ والعرب تسمي الكمأة أيضا بنات الرعد لأنها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الأرض‏.‏
    وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة‏.‏
    وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضررا من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين‏.‏
    (ج10/ ص 204)
    قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا، ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج‏.‏
    والثاني‏:‏ أن المعنى أنها من المن الذي امتن الله به على عباده عفوا بغير علاج، قاله أبو عبيد وجماعة‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي، فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه‏.‏
    م أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعا، منها ما يسقط على الشجر، ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه، وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا‏:‏ إن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعا من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا، ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد، ومن الطل الذي يسقط على الشجر‏.‏
    (ج10/ ص 204)
    قال ابن الجوزي‏:‏ في المراد بكونها شفاء للعين قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه ماؤها حقيقة، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع به على رأيين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه يخلط في الأدوية التي يكتحل بها حكاه أبو عبيد، قال‏:‏ ويصدق هذا الذي حكاه أبو عبيد أن بعض الأطباء قالوا‏:‏ أكل الكمأة يجلو البصر، ثانيهما‏:‏ أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع، وقد حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها فهاجت أعينهما ورمدا‏.‏
    قال ابن الجوزي‏:‏ وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه‏.‏
    والقول الثاني أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض فتربى به الأكحال حكاه ابن الجوزي عن أبي بكر بن عبد الباقي أيضا، فتكون الإضافة إضافة الكل لا إضافة جزء‏.‏
    قال ابن القيم‏:‏ وهذا أضعف الوجوه‏.‏
    قلت‏:‏ وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفا نظر، فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلا، وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة، وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة، وبهذا جزم ابن العربي فقال‏:‏ الصحيح أنه ينفع بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جرب ذلك فوجد صحيحا‏.‏
    نعم جزم الخطابي بما قال ابن الجوزي فقال‏:‏ تربى بها التوتياء وغيرها من الأكحال، قال‏:‏ ولا تستعمل صرفا فإن ذلك يؤذي العين‏.‏
    وقال الغافقي في ‏"‏ المفردات ‏"‏‏:‏ ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصر حدة وقوة، ويدفع عنها النوازل‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، قال‏:‏ وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردا فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الدمشقي صاحب صلاح ورواية في الحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادا في الحديث وتبركا به فنفعه الله به‏.‏
    وقال ابن القيم‏:‏ اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسبحي وابن سينا وغيرهما‏.‏
    والذي يزيل الإشكال عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الأصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنبته، والعكس بالعكس، والله أعلم‏.

    (ج10/ ص 209)
    قال الخطابي وغيره‏:‏ أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال كذب سمعك أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه، وقد اعترض بعض الملاحدة فقال‏:‏ العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال‏؟‏ والجواب أن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏)‏ فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى‏.‏
    (ج10/ ص 210)
    ال الخطابي‏:‏ والطب نوعان، طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي، وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب، ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي‏.‏
    وقد قال صاحب ‏"‏ كتاب المائة في الطب ‏"‏ إن العسل تارة يجري سريعا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهلا‏.‏
    فإنكار وصفه للمسهل مطلقا قصور من المنكر‏.‏
    وقال غيره‏:‏ طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء لصدوره عن الوحي، وطب غيره أكثره حدس أو تجرية، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول، وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه ومرضا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شقاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة؛ والله أعلم‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال‏:‏ أحدها أنه حمل الآية على عمومها في الشفاء، وإلى ذلك أشار بقوله‏:‏ ‏"‏ صدق الله ‏"‏ أي في قوله‏:‏ ‏(‏فيه شفاء للناس‏)‏ فلما نبهه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول، فشفي بإذن الله‏.‏
    الثاني‏:‏ أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها‏.‏
    الثالث‏:‏ أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة كما تقدم تقريره‏.‏
    الرابع‏:‏ يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ انتهى‏.‏
    والثاني والرابع ضعيفان وفي كلام الخطابي احتمال آخر، وهو أن يكون الشفاء يحصل للمذكور ببركة النبي صلى الله عليه وسلم وبركه وصفه ودعائه؛ فيكون خاصا بذلك الرجل دون غيره، وهو ضعيف أيضا‏.‏
    ويؤيد الأول حديث ابن مسعود ‏"‏ عليكم بالشفاءين‏:‏ العسل والقرآن ‏"‏ أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعا،
    وأثر علي ‏"‏ إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته من صداقها فليشتر به عسلا، ثم يأخذ ماء السماء فيجمع هنيئا مريئا شفاء مباركا ‏"‏ أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن، قال ابن بطال‏:‏ يؤخذ من قوله‏:‏ ‏"‏ صدق الله وكذب بطن أخيك ‏"‏ أن الألفاظ لا تحمل على ظاهرها، إذ لو كان كذلك لبريء العليل من أول شربة، فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار دل على أن الألفاظ تقتصر على معانيها‏.‏
    قلت‏:‏ ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع‏.‏
    وقال أيضا‏:‏ فيه أن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء‏.


    (ج10/ ص211)
    لا صفر‏"‏، قال ابن بطال‏:‏ وهذا القول مروي عن مالك، والصفر أيضا وجع في البطن يأخذ من الجوع ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء، ومن الأول حديث ‏"‏ صفرة في سبيل الله خير من حمر النعم ‏"‏ أي جوعة، ويقولون صفر الإناء إذا خلا عن الطعام، ومن الثاني ما سبق في الأشربة في حديث ابن مسعود ‏"‏ أن رجلا أصابه الصفر فنعت له السكر ‏"‏ أي حصل له الاستسقاء فوصف له النبيذ، وحمل الحديث على هذا لا يتجه، بخلاف ما سبق‏.‏
    (ج10/ ص 212)
    قد يطلق على ما يعارض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع فتحدث وجعا، فالأول‏:‏ ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا ويحدث بسببه خمسة أعراض‏:‏ الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري‏.‏
    ويقال لذات الجنب أيضا وجع الخاصرة وهي من الأمراض المخوفة لأنها تحدث بين القلب والكبد وهي من سيئ الأسقام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما كان الله ليسلطها علي ‏"‏ والمراد بذات الجنب في حديثي الباب الثاني، لأن القسط وهو العود الهندي كما تقدم بيانه قريبا هو الذي تداوى به الريح الغليظة، قال المسبحي‏:‏ العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة؛ قال‏:‏ ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقي أيضا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة‏.‏
    (ج10/ ص213)
    وأما رقية الأذن فقال ابن بطال‏:‏ المراد وجع الأذن، أي رخص في رقية الأذن إذا كان بها وجع، وهذا يرد على الحصر الماضي في الحديث المذكور في ‏"‏ باب من اكتوى ‏"‏ حيث قال‏:‏ لا رقية إلا من عين أو حمة، فيجوز أن يكون رخص فيه بعد أن منع منه، ويحتمل أن يكون المعنى لا رقية أنفع من رقية العين والحمة، ولم يرد نفي الرقى عن غيرهما‏.‏
    حكى الكرماني عن ابن بطال أنه ضبطه ‏"‏ الأدر ‏"‏ بضم الهمزة وسكون المهملة بعدها راء‏.‏
    وأنه جمع أدرة وهي نفخة الخصية، قال‏:‏ وهو غريب شاذ انتهى‏.‏
    ولم أر ذلك في كتاب ابن بطال، فليحرر‏.‏
    ووقع عند الإسماعيلي في سياق رواية عباد بن منصور بلفظ ‏"‏ أن يرقوا من الحمة، وأذن برقيه العين والنفس ‏"‏ فعلى هذا فقوله ‏"‏ والأذن ‏"‏ في الرواية المعلقة تصحيف من قوله ‏"‏ أذن ‏"‏ فعل ماض من الإذن، لكن زاد الإسماعيلي في رواية من هذا الوجه ‏"‏ وكان زيد بن ثابت يرقى من الأذن والنفس ‏"‏ فالله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 216)
    وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، قال الدار قطني في ‏"‏ الموطئات ‏"‏‏:‏ لم يروه من أصحاب مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ إلا ابن وهب وابن القاسم وتابعهما الشافعي وسعيد بن عفير وسعيد بن داود، قال‏:‏ ولم يأت به معن ولا القعنبي ولا أبو مصعب ولا ابن بكير انتهى‏.‏
    وكذا قال ابن عبد البر في التقصي‏.‏
    وقد أخرجه شيخنا في تقريبه من رواية أبي مصعب عن مالك، وهو ذهول منه، لأنه اعتمد فيه على الملخص للقابسي، والقابسي إنما أخرج الملخص من طريق ابن القاسم عن مالك، وهذا ثاني حديث عثرت عليه في تقريب الأسانيد لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا الجنس، وقد نبهت عليه نصيحة لله تعالى والله أعلم،
    (ج10/ ص 216)
    مضى في صفة النار من رواية أبي جمرة بالجيم قال‏:‏ ‏"‏ كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى ‏"‏ وفي رواية أحمد ‏"‏ كنت أدفع للناس عن ابن عباس فاحتبست أياما فقال‏:‏ ما حبسك‏؟‏ قلت الحمى، قال‏:‏ أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو بماء زمزم ‏"‏ شك همام‏.‏
    كذا في راوية البخاري من طريق أبي عامر العقدي عن همام‏.‏
    وقد تعلق به من قال بأن ذكر ماء زمزم ليس قيدا لشك راوية فيه‏.‏
    وممن ذهب إلى ذلك ابن القيم‏.‏
    وتعقب بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام ‏"‏ فأبردوها بماء زمزم ‏"‏ ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية عفان، وإن كان الحاكم وهم في استدراكه‏.‏
    وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث ابن عمر فقال‏:‏ ذكر الخبر المفسر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو أن شدة الحمى تبرد بماء زمزم دون غيره من المياه، وساق حديث ابن عباس، وقد تعقب - على تقدير أن لا شك في ذكر ماء زمزم فيه - بأن الخطاب لأهل مكة خاصة لتيسر ماء زمزم عندهم، كما خص الخطاب بأصل الأمر بأهل البلاد الحارة‏.‏
    (ج10/ ص 217)
    قال الخطابي ومن تبعه‏:‏ اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال‏:‏ اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سببا للتلف، قال الخطابي‏:‏ غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث، والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولا من أين حملت الأمر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بديع ترتيبه‏.‏
    (ج10/ ص 217)
    وقال المازري‏:‏ ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل، حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو بغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع‏.‏
    (ج10/ ص 218)
    الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان‏:‏ عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لأنها تقع غالبا في يوم ونهايتها إلى ثلاثة، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دق وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي بعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب‏.‏
    (ج10/ ص 218)
    قد قال جالينوس في كتاب حيلة البرء لو أن شابا حسن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لا ينتفع بذلك‏.‏
    وقال أبو بكر الرازي‏:‏ إذا كانت القوى قوية والحمى حادة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خصب البدن والزمان حارا وكان معتادا باستعمال الماء البارد اغتسالا فليؤدن له فيه‏.‏
    وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال‏:‏ هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمراد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوي في ذلك الوقت لكونه عقب النور والسكون وبرد الهواء، قال‏:‏ والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الأمراض الحادة غالبا ولا سيما في البلاد الحارة‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 219)
    وقال أنس‏:‏ ‏"‏ إذا حم أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال ‏"‏ أخرجه الطحاوي وأبو نعيم في الطب والطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ وصححه الحاكم وسنده قوي، وله شاهد من حديث أم خالد بنت سعيد أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الطب من طريقه‏.‏
    وقال عبد الرحمن بن المرقع رفعه ‏"‏ الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض فبردوا لها الماء في الشنان، وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء‏.‏
    قال ففعلوا فذهب عنهم ‏"‏ أخرجه الطبراني‏.‏
    وهذه الأحاديث كلها ترد التأويل الذي نقله الخطابي عن ابن الأنباري أنه قال‏:‏ المراد بقوله فأبردوها الصدقة به، قال ابن القيم‏:‏ أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى فعدل إلى هذا، وله وجه حسن لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به بالأصل فهو استعماله في البدن حقيقة كما تقدم، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 222)
    وقال الخليل‏:‏ الطاعون الوباء‏.‏
    وقال صاحب ‏"‏ النهاية ‏"‏‏:‏ الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان‏.‏
    وقال أبو بكر بن العربي‏:‏ الطاعون الوجه الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله‏.‏
    وقال أبو الوليد الباجي‏:‏ هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدا بخلاف بقية الأوقات فتكون الأمراض مختلفة‏.‏
    وقال الداودي‏:‏ الطاعون حبة تخرج من الأرقاع وفي كل طي من الجسد والصحيح أنه الوباء‏.‏
    وقال عياض‏:‏ أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا‏.‏
    قال‏:‏ ويدل على ذلك أن وباء الشام الذي وقع في عمواس إنما كان طاعونا، وما ورد في الحديث أن الطاعون وخز الجن‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ الروضة ‏"‏‏:‏ قيل‏:‏ الطاعون انصباب الدم إلى عضو‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ هو هيجان الدم وانتفاخه‏.‏
    قال المتولي‏:‏ وهو قريب من الجذام، من أصابه تأكلت أعضاؤه وتساقط لحمه‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، ينتفخ ويحمر؛ وقد يذهب ذلك العضو‏.‏
    وقال النووي أيضا في تهذيبه‏:‏ هو بثر وورم مؤلم جدا، يخرج مع لهب، ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة
    شديد
    وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سينا‏:‏ الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن؛ وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة‏.
    قال‏:‏ وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر‏.‏
    والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده‏.‏
    أن الوباء غير الطاعون‏.‏
    وأن من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز‏.‏
    قال أهل اللغة‏:‏ الوباء هو المرض العام، يقال أوبأت الأرض فهي موبئة، ووبئت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة‏.‏
    والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من الشارع فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم‏.‏
    وقال الكلاباذي في ‏"‏ معاني الأخبار ‏"‏‏:‏ يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين‏:‏ قسم محصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن، وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضا من طعن الإنس‏.‏
    انتهى‏.‏
    مما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانا ويجيء أحيانا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم مما هم في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الحن كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك‏:‏ منها حديث أبي موسى رفعه ‏"‏ فناء أمتي بالطعن والطاعون‏.‏
    قيل‏:‏ يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون‏؟‏ قال‏:‏ وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة ‏"‏ أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى‏.‏
    (‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ يقع في الألسنة وهو في ‏"‏ النهاية ‏"‏ لابن الأثير تبعا لغريبي الهروي بلفظ ‏"‏ وخز إخوانكم ‏"‏ ولم أره بلفظ ‏"‏ إخوانكم ‏"‏ بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسند لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد أو الطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم‏.


    (ج10/ ص 225)
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم ‏"‏ الحديث كذا وقع بالشك، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة من طريق عمرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ ‏"‏ فإنه رجز سلط على طائفة من بني إسرائيل ‏"‏ وأصله عند مسلم، ووقع عند ابن خزيمة بالجزم أيضا من رواية عكرمة بن خالد عن ابن سعد عن سعد لكن قال‏:‏ ‏"‏ رجز أصيب به من كان قبلكم‏"‏‏.‏
    ‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع الرجس بالسن المهملة موضع الرجز بالزاي، والذي بالزاي هو المعروف وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسين أنه الخبيث أو النجس أو القذر، وجزم الفارابي والجوهري بأنه يطلق على العذاب أيضا، ومنه قوله تعالى ‏(‏ويجعل الرجس على الذين لا يؤمنون‏)‏ وحكاه الراغب أيضا‏.
    والتخصيص على بني إسرائيل أخص، فإن كان ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبري من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن سيار‏:‏ أن رجلا كان يقال له بلعام كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه فقالوا‏:‏ ادع الله عليهم، فقال‏:‏ حتى أؤامر ربي، فمنع، فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانيا فقال حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا‏:‏ لو كره لنهاك، فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك فقال‏:‏ سأدلكم على ما فيه هلاكهم أرسلوا النساء في عسكرهم ومروهن أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها رأس بعض الأسباط وأخبرها بمكانه فمكنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح فطعنهما وأيده الله فانتظمهما جميعا‏.‏
    وهذا مرسل جيد وسيار شامي موثق‏.‏
    قد ذكر الطبري هذه القصة من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر فذكر نحوه، وسمي المرأة كشتا
    وقال في آخره‏:‏ فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفا، والمقلل يقول عشرون ألفا‏.‏
    وهذه الطريق تعضد الأولى‏.‏
    وقد أشار إليها عياض فقال‏:‏ قوله‏:‏ أرسل على بني إسرائيل قيل‏:‏ مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفا وقيل‏:‏ سبعون ألفا‏.‏
    وذكر ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ أن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثر عصيانهم، فخيرهم بين ثلاث‏:‏ إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام‏.‏
    فأخبرهم، فقالوا‏:‏ اختر لنا‏.‏
    فاختار الطاعون‏.‏
    فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفا وقيل مائة ألف‏.‏
    فتضرع داود إلى الله تعالى، فرفعه‏.‏
    وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله‏:‏ ‏"‏ من كان قبلكم ‏"‏ فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال‏:‏ ‏"‏ أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشا، ثم ليخضب كفه في دمه، ثم ليضرب به على بابه‏.‏
    ففعلوا‏.‏
    سألهم القبط عن ذلك فقالوا‏:‏ إن الله سيبعث عليكم عذابا وإنما ننجو منه بهذه العلامة‏.‏
    فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا، فقال فرعون عند ذلك لموسى‏:‏ ‏(‏ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز‏)‏ الآية، فدعا فكشفه عنهم ‏"‏ وهذا مرسل جيد الإسناد‏.‏
    هذا الطاعون الذي وقع بالشام حينئذ هو الذي يسمى طاعون عمواس بفتح المهملة والميم وحكي تسكينها وآخره مهملة، قيل‏:‏ سمي بذلك لأنه عم وواسى‏.‏
    (ج10/ ص 230)
    جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة، أو سد الذريعة لئلا يعتقد من يدخل إلى الأرض التي وقع بها أن لو دخلها وطعن العدوى المنهي عنها كما سأذكره، وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك إنما هو للتنزيه، وأنه يجوز الإقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه، وتمسكوا بما جاء عن عمر أنه ندم على رجوعه من سرغ كما أخرج ابن أبي شيبة بسند جيد من رواية عروة بن رويم عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ جئت عمر حين قدم فوجدته قائلا في خبائه، فانتظرته في ظل الخباء، فسمعته يقول حين تضور‏:‏ اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ ‏"‏ وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده أيضا‏.‏
    وأجاب القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ بأنه لا يصح عن عمر، قال‏:‏ وكيف يندم على فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويرجع عنه ويستغفر منه‏؟‏ وأجيب بأن سنده قوي والأخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع فيحتمل أن يكون كما حكاه البغوي في شرح السنة عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصة‏.‏
    (ج10/ ص 231)
    نقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال‏:‏ النهي فيه للتنزيه فيكره ولا يحرم، وخالفهم جماعة فقالوا‏:‏ يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك‏:‏ فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في أثناء حديث بسند حسن ‏"‏ قلت يا رسول الله فما الطاعون‏؟‏ قال غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف‏"‏‏.‏
    وله شاهد من حديث جابر رفعه ‏"‏ الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف ‏"‏ أخرجه أحمد أيضا وابن خزيمة وسنده صالح للمتابعات‏.‏
    وقال الطحاوي استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا‏:‏ وإنما نهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه، قال‏:‏ وهو مردود لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول‏:‏ لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه‏.‏
    أمر أن لا يقدم عليه حسما للمادة‏.‏
    ونهى من وقع وهو بها أن يخرج من الأرض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا‏:‏ لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء ا هـ‏.‏
    ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن هذا الطاعون قد وقع، فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين‏:‏ أن يقول قائل خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان ‏"‏ لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا‏.‏
    ولا شك أن الصور ثلاث‏:‏ من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي، والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع، ومن جملة هذه الصورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها وخمة والأرض التي يريد التوجه إليها صحيحة فيتوجه بهذا القصد، فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفا‏:‏ فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا لأنه لم يتمحض للفرار وإنما هو لقصد التداوي، وعلى ذلك يحمل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور ‏"‏ أن عمر كتب إلى أبي عبيدة إن لي إليك حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي‏.‏
    فكتب إليه‏:‏ إني قد عرفت حاجتك، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم‏.
    ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن مسيك بمهملة وكاف مصغر، قال‏.‏
    ‏"‏ قلت يا رسول الله إن عندنا أرضا يقال لها أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وهي وبئة، فقال‏:‏ دعها عنك، فإن من القرف التلف ‏"‏ قال ابن قتيبة القرف القرب من الوباء‏.‏
    وقال الخطابي‏.‏
    ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن وبالعكس، واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الأمر به كما تقدم، والجواب أن الخروج من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم قد ورد الأمر بالفرار منه فكيف يصح القياس‏؟‏ وقد تقدم في ‏"‏ باب الجذام ‏"‏ من بيان الحكمة في ذلك ما يغني عن إعادته‏.‏
    وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكما‏:‏ منها أن الطاعون في الغالب يكون عاما في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت - حتى لا يقع الانفكاك عنها - كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل، ومنها أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه - بالمرض المذكور أو بغيره - ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيا وميتا، وأيضا فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخذلانه، وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال‏:‏ الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالبا مما استحكم به‏.‏
    نها ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة وتألفها وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم يوافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنه بها فأفسدته، فمنع من الخروج لهذه النكتة‏.‏
    منها ما تقدم أن الخارج يقول لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول لو خرجت لسلمت، فيقع في اللغو المنهي عنه والله أعلم‏.‏
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في قوله‏:‏ ‏"‏ فلا تقدموا عليه ‏"‏‏:‏ فيه منع معارضة متضمن الحكمة بالقدر، وهو من مادة قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏)‏ وفي قوله‏:‏ ‏"‏ فلا تخرجوا فرارا منه ‏"‏ إشارة إلى الوقوف مع المقدور والرضا به، قال‏:‏ وأيضا فالبلاء إذا نزل إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به ولا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشده الشارع إلى عدم النصب من غير أن يدفع ذلك المحذور‏.‏
    وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد‏:‏ الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الإقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل فمنع ذلك حذرا من اغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار، وأما الفرار فقد يكون داخلا في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين، ومن هذه المادة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا ‏"‏ فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس، إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله تعالى‏.‏
    (ج10/ ص 235)
    قد أجاب القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ عن ذلك فقال‏:‏ المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف، وهذا الذي قاله يقتضي تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في ‏"‏ المعارف ‏"‏ وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا ولا مكة أيضا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلا، ولعل القرطبي بني على أن الطاعون أعم من الوباء، أو أنه هو وأنه الذي ينشأ عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في الجنائز من صحيح البخاري قول أبي الأسود ‏"‏ قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا ‏"‏ فهدا وقع بالمدينة وهو وباء بلا شك، ولكن الشأن في تسميته طاعونا، والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن فيقتل فهذا لم يدخل المدينة قط فلم يتضح جواب القرطبي، وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ولكن عافيتك أوسع لي ‏"‏ مكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصحة‏.‏
    وقال آخر‏:‏ هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة‏.‏
    حديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب بمهملتين آخره موحدة وزن عظيم رفعه ‏"‏ أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام ‏"‏ وهو أن الحكمة قي ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبا، بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة‏.

    (ج10/ ص239)
    ‏فالطاعون شهادة للمؤمنين ورحمة لهم، ورجس على الكافر ‏"‏ وهو صريح في أن كون الطاعون رحمة إنما هو خاص بالمسلمين، وإذا وقع بالكفار فإنما هو عذاب عليهم يعجل لهم في الدنيا قبل الآخرة، وأما العاصي من هذه الأمة فهل يكون الطاعون له شهادة أو يختص بالمؤمن الكامل‏؟‏ فيه نظر‏.‏
    والمراد بالعاصي من يكون مرتكب الكبيرة ويهجم عليه ذلك وهو مصر، فإنه يحتمل أن يقال لا يكرم بدرجة الشهادة لشؤم ما كان متلبسا به لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات‏)‏ ‏؟‏ وأيضا فقد وقع في حديث ابن عمر ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة، أخرجه ابن ماجه والبيهقي بلفظ ‏"‏ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم
    حديث، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك وكان من فقهاء الشام، لكنه ضعيف عند أحمد وابن معين وغيرهما، ووثقه أحمد بن صالح المصري وأبو زرعة الدمشقي وقال ابن حبان‏:‏ كان يخطئ كثيرا، وله شاهد عن ابن عباس في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ بلفظ ‏"‏ ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت ‏"‏ الحديث، وفيه انقطاع‏.‏
    وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولا بلفظ ‏"‏ إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ‏"‏ وللطبراني موصولا من وجه آخر عن ابن عباس نحو سياق مالك وفي سنده مقال، وله من حديث عمرو بن العاص بلفظ ‏"‏ ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء ‏"‏ الحديث وسنده ضعيف، وفي حديث بريدة عند الحاكم بسند جيد بلفظ ‏"‏ ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت ‏"‏ ولأحمد من حديث عائشة مرفوعا ‏"‏ لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب ‏"‏ وسنده حسن‏.‏
    ففي هذه الأحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة‏؟‏ ويحتمل أن يقال‏:‏ بل تحصل له درجة الشهادة لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما في الحديث الذي قبله عن أنس ‏"‏ الطاعون شهادة لكل مسلم ‏"‏ ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترع السيئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة، لأن درجات الشهداء متفاوتة كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا مقبلا غير مدبر، ومن رحمة الله بهذه الأمة المحمدية أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنما عمهم - والله أعلم - لتقاعدهم عن إنكار المنكر‏.‏
    (ج10/ ص 241)
    د أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط‏:‏ أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى‏.‏
    واختلفوا في كونها شرطا، والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال‏:‏ ‏"‏ كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا‏:‏ يا رسول الله كيف ترى في ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ‏"‏ وله من حديث جابر ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، قال‏:‏ فعرضوا عليه فقال‏:‏ ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ‏"‏ وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا، والشرط الآخر لا بد منه‏.‏
    وقال قوم لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة كما تقدم في ‏"‏ باب من اكتوى ‏"‏ من حديث عمران بن حصين ‏"‏ لا رقية إلا من عين أو حمة‏"‏، وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصلا كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية‏.‏
    وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد ‏"‏ أو دم ‏"‏ وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقى من العين والحمة والنملة ‏"‏ وفي حديث آخر ‏"‏ والأذن ‏"‏ ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عيد الله ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها‏:‏ ألا تعلمين هذه - يعني حفصة - رقية النملة ‏"‏ والنملة قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد، وقيل المراد بالحصر معنى الأفضل، أي لا رقية أنفع كما قيل‏:‏ لا سيف إلا ذو الفقار‏.‏
    وقال قوم‏:‏ المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما، وفيه نظر، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى، فأخرج أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم من طريق ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود رفعه ‏"‏ إن الرقى والتمائم والتولة شرك ‏"‏ وفي الحديث قصة، والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن دلك يدفع الآفات، والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه، فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كما سيأتي قريبا في ‏"‏ باب المرأة ترقى الرجل ‏"‏ من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات ويمسح بهما وجهه ‏
    (ج10/ 242)
    حديث خولة بنت حكيم مرفوعا ‏"‏ من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يتحول ‏"‏ وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن رجل من أسلم ‏"‏ جاء رجل فقال‏:‏ لدغت الليلة فلم أنم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك ‏"‏ والأحاديث في هذا المعنى موجودة، لكن يحتمل أن يقال‏:‏ إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلافه في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم، ويقال‏:‏ إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رقى بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من الشرك، وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ الرقى ثلاثة أقسام، أحدها ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك‏.‏
    الثاني‏:‏ ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورا فيستحب‏.‏
    الثالث‏:‏ ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش، قال‏:‏ فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى‏.‏
    (ج10/ ص 242)
    وقال الربيع‏:‏ سألت الشافعي عن الرقية فقال‏:‏ لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله، قلت‏:‏ أيرقى أهل الكتاب المسلمين‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله ا هـ‏.‏
    وفي ‏"‏ الموطأ ‏"‏ أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة‏:‏ ارقيها بكتاب الله‏.‏
    وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال‏:‏ لم يكن ذلك من أمر الناس القديم‏.‏
    وقال المازري‏:‏ اختلف في استرقاء أهل الكتاب فأجازها قوم وكرهها مالك لئلا يكون مما بدلوه‏.‏
    وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول والحاذق يأنف أن يبدل حرصا على استمرار وصفه بالحذق لترويح صناعته‏.‏
    والحق أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال‏.‏
    وسئل ابن عبد السلام عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون فيها كفر‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ في المعوذات جوامع من الدعاء‏.‏
    نعم أكثر المكروهات من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته وغير ذلك، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بها‏.‏
    قال عياض‏:‏ فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي انتهى‏.‏
    (ج10/ ص244)
    ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ هكذا ذكره بصيغة التمريض، وهو يعكر على ما تقرر بين أهل الحديث أن الذي يورده البخاري بصيغة التمريض لا يكون على شرطه، مع أنه أخرج حديث ابن عباس في الرقية بفاتحة الكتاب عقب هذا الباب‏.‏
    وأجاب شيخنا في كلامه على علوم الحديث بأنه قد يصنع ذلك إذا ذكر الخبر بالمعنى، ولا شك أن خبر ابن عباس ليس فيه التصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرقبة بفاتحة الكتاب وإنما فيه تقريره على ذلك فنسبة ذلك إليه صريحا تكون نسبة معنوية، وقد علق البخاري بعض هذا الحديث بلفظه فأتى به مجزوما كما تقدم في الإجارة في ‏"‏ باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب ‏"‏ وقال ابن عباس ‏"‏ إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ‏"‏ ثم قال شيخنا‏:‏ لعل لابن عباس حديثا آخر صريحا في الرقية بفاتحة الكتاب ليس على شرطه فلذلك أتى به بصيغة التمريض‏.‏
    قلت‏:‏ ولم يقع لي ذلك بعد التتبع‏.‏
    (ج10/ ص 244)
    قال ابن القيم‏:‏ إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها وإثبات المعاد وذكر التوحيد والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن
    كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به، ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته، وضال لعدم معرفته له، مع ما تضمنته من إثبات القدر والشرع والأسماء والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ 246)
    والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر، وقد وقع عند أحمد - من وجه آخر - عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ العين حق، ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم‏"‏‏.‏
    وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال‏:‏ كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون‏؟‏ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال‏:‏ إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني‏.‏
    ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس، وإبطال قول الطبائعيين أنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس وما عدا ذلك لا حقيقة له‏.‏
    وقال المازري‏:‏ زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفاعي‏.‏
    وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية أو لا‏؟‏ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل أخطأ بدعوى القطع، ولكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة ا هـ‏.‏
    وهو كلام سديد وقد بالغ ابن العربي في إنكاره قال‏:‏ ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها ثم تؤثر في غيرها‏.‏
    وقيل‏:‏ إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به، ثم رد الأول بأنه لو كان كذلك لما تخلفت الإصابة في كل حال، والواقع خلافه‏.‏
    والثاني‏:‏ بأن سم الأفعى جزء منها وكلها قاتل، والعائن ليس يقتل منه شيء في قولهم إلا نظره وهو معني خارج عن ذلك، قال‏:‏ والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرف قبل وقوعه إما بالاستعاذة أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقبة أو بالاغتسال أو بغير ذلك‏.‏
    كلامه، وفيه بعض ما يتعقب، فإن الذي مثل بالأفعى لم يرد أنها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنسا من الأفاعي اشتهر أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث أبي لبابه الماضي في بدء الخلق عند ذكر الأبتر وذي الطفيتين قال‏:‏ فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل، وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون، وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر رفعه ‏"‏ أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس ‏"‏ قال الراوي‏:‏ يعني بالعين، وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوي والخواص في الأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها‏:‏ فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة‏.‏
    والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء‏.‏
    ما أخرجه أبو داود من رواية الأسود عن عائشة أيضا قالت‏:‏ ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين ‏
    (ج10/ ص 249)
    قال إبراهيم الحربي‏:‏ هو سواد في الوجه ومنه سفعة الفرس سواد ناصيته، وعن الأصمعي‏:‏ حمرة يعلوها سواد، وقيل‏:‏ صفرة، وقيل‏:‏ سواد مع لون آخر‏.‏
    وقال ابن قتيبة‏:‏ لون يخالف لون الوجه، وكلها متقاربة، وحاصلها أن بوجهها موضعا على غير لونه الأصلي، وكأن الاختلاف بحسب اللون الأصلي، فإن كان أحمر فالسفعة سواد صرف، وإن كان أبيض فالسفعة صفرة وإن كان أسمر فلسفعة حمرة يعلوها سواد‏.‏
    وذكر صاحب ‏"‏ البارع ‏"‏ في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة، والشحوب بمعجمة ثم مهملة‏:‏ تغير اللون بهزال أو غيره، ومنه سفعاء الخدين، وتطلق السفعة على العلامة، ومنه بوجهها سفعة غضب‏.‏
    واختلف في المراد بالنظرة فقيل‏:‏ عين من نظر الجن، وقيل من الإنس وبه جزم أبو عبيد الهروي، والأولى أنه أعم من ذلك وأنها أصيبت بالعين فلذلك أذن صلى الله عليه وسلم في الاسترقاء لها، وهو دال على مشروعية الرقية من العين


    (ج10/ ص251)
    قد أخرج البزار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنقس ‏"‏ قال الراوي‏:‏ يعني بالعين‏.‏
    وقال النووي‏:‏ في الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر، وأما الزيادة الثانية وهي أمر العاين بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوما بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب‏.‏
    وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال‏:‏ متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى، ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال، وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ‏"‏ أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف - وكان أبيض حسن الجسم والجلد - فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال‏:‏ ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط - أي صرع وزنا ومعنى - سهل‏.‏
    فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ هل تتهمون به من أحد‏؟‏ قالوا‏.‏
    عامر بن ربيعة‏.‏
    فدعا عامرا فتغيظ علمه فقال‏:‏ علام يقتل أحدكم أخاه‏؟‏ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت‏.‏
    ثم قال‏:‏ اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلقه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح؛ ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس ‏"‏ لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري، ولفظ النسائي من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح‏.‏
    الثاني‏:‏ قال المازري هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ إن توقف فيه متشرع قلنا له‏:‏ قل الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة‏.‏
    أو متفلسف فالرد عليه أظهر لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص‏.‏
    وقال ابن القيم‏:‏ هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية‏؟‏ هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن، فكان أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة‏.‏
    ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرق من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصا‏.‏
    وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذا، فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء‏.‏
    الثالث‏:‏ هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة مسهل بن حنيف المذكورة كما مضى ‏"‏ ألا بركت عليه ‏"‏ وفي رواية ابن ماجه ‏"‏ فليدع بالبركة ‏"‏ ومثله عند ابن السني من حديث عامر بن ربيعة‏.‏
    وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه ‏"‏ من رأى شيئا فأعجبه فقال‏:‏ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره‏"‏‏.‏
    وفي الحديث من الفوائد أيضا أن العائن إذا عرف يقضي عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء، وأن الإصابة بالعين قد تقتل‏.‏
    وقد اختلف في جريان القصاص بذلك فقال القرطبي‏:‏ لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا، انتهى‏.‏
    ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه وقالوا‏:‏ إنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ الروضة‏:‏ ولا دية فيه ولا كفارة‏.‏
    لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة‏.‏
    وأيضا فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين ا هـ‏.‏
    ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر فإنه في معناه، والفرق بينهما فيه عسر‏.‏
    ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم فإنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس كما تقدم واضحا في بابه، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة‏.‏
    قال النووي‏:‏ وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه‏.‏
    (ج10/ ص 256)
    قال البيضاوي‏:‏ قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك‏.‏
    ثم أن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها‏.‏
    وقال التوربشتي‏:‏ كأن المراد بالتربة الإشارة إلى قطرة آدم، والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال أنك اخترعت الأصل من التراب ثم أبدعته مته من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته‏.‏
    وقال النووي‏:‏ قيل المراد بأرضنا أرض المدينة خاصة لبركتها، وبعضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا‏.‏
    وفيه نظر‏.‏
    (ج10/ ص 261)
    أما الرقية فتمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الأدوية وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة‏:‏ أحدها قاله الطبري والمازري وطائفة أنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الأدوية تنفع بطبعها كما كان أهل الجاهلية يعتقدون‏.‏
    وقال غيره‏:‏ الرقى التي يحمد تركها ما كان من كلام الجاهلية وما الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه‏.‏
    وتعقبه عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب‏.‏
    ثانيها قال الداودي وطائفة إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وقد قدمت هذا عن ابن قتيبة وغيره في ‏"‏ باب من اكتوى‏"‏، وهذا اختيار ابن عبد البر، غير أنه معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء‏.‏
    ثالثها قال الحليمي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم‏.‏
    رابعها أن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه‏.‏
    قال ابن الأثير‏:‏ هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء‏.‏
    ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقينا فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما‏.‏
    (ج10/ ص 265)
    الحاصل أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ وإنما كان ذلك لأن مصدر الفأل عن نطق وبيان، فكأنه خبر جاء عن غيب، بخلاف غيره فإنه مستند إلى حركة الطائر أو نطقه وليس فيه بيان أصلا، وإنما هو تكلف ممن يتعاطاه‏.‏
    وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال‏:‏ كنت عند ابن عباس فمر طائر فصاح، فقال رجل‏:‏ خير خير، فقال ابن عباس‏:‏ ما عند هذا لا خير ولا شر‏.‏
    وقال أيضا الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الفأل يستعمل فيما يسوء وفيما يسر، وأكثره في السرور‏.‏
    والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تستعمل مجازا في السرور ا ه‏.‏
    وكأن ذلك بحسب الواقع، وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء والفأل بما يسر، ومن شرطه أن لا يقصد إليه فيصير من الطيرة‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن كان لا يملكه ولا يشربه‏.‏
    وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع‏:‏ يا نجيح يا راشد ‏"‏ وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رؤي كراهة ذلك في وجهه ‏"‏ وذكر البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ عن الحليمي ما ملخصه‏:‏ كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، فذكر نحو ما تقدم ثم قال‏.‏
    وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا، لأن أصله الأول‏.‏
    وقال‏.‏
    وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبا إلى المعلم تشاءم أو راجعا تيمن، وكذا إذا رأى الجمل موقرا حملا تشاؤم فإن رآه واضعا حمله تيمن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله‏.‏
    وقال ‏"‏من تكهن أورده عن سفر تطير فليس منا ‏"‏ ونحو ذلك من الأحاديث‏.‏
    ال الحليمي‏:‏ وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال‏.‏
    وقال الطيبي‏:‏ معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئا فظنه حسنا محرضا على طلب حاجته فليفعل ذلك‏.‏
    وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله بل يمضي لسبيله‏.‏
    (ج10/ ص 267)
    الكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه‏.‏
    وقال في ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ الكاهن القاضي بالغيب‏.‏
    وقال في ‏"‏ الجامع ‏"‏‏:‏ العرب تسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنا‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه‏.‏
    وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب
    لانقطاع النبوة فيهم‏.‏
    وهي على أصناف‏:‏ منها ما يتلقونه من الجن، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ‏(‏إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب‏)‏ ‏.‏
    انت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدا حتى كاد يضمحل ولله الحمد‏.‏
    ثانيها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد‏.‏
    ثالثها ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه‏.‏
    رابعها ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعا‏.‏
    وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد



    (ج10/ ص 269)
    قال القرطبي‏:‏ هو من تفسير الراوي، وقد ورد مستند ذلك فيما أخرجه مسلم في حديث المغيرة بن شعبة ‏"‏ فقال رجل من عصبة القاتلة يغرم ‏"‏ فذكر نحوه وفيه ‏"‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الأعراب ‏"‏‏؟‏ والسجع هو تناسب آخر الكلمات لفظا، وأصله الاستواء، وفي الاصطلاح الكلام المقفى والجمع أسجاع وأساجيع، قال ابن بطال‏:‏ فيه ذم الكفار وذم من تشبه بهم في ألفاظهم، وإنما لم يعاقبه لأنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالصفح عن الجاهلين، وقد تمسك به من كره السجع في الكلام، وليس على إطلاقه، بل المكروه منه ما يقع مع التكلف في معرض مدافعة الحق، وأما ما يقع عفوا بلا تكلف في الأمور المباحة فجائز، وعلى ذلك يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الدعوات‏.‏
    والحاصل أنه إن جمع الأمرين من التكلف وإبطال الحق كان مذموما، وإن اقتصر على أحدهما كان أخف في الذم، ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع‏:‏ فالمحمود ما جاء عفوا في حق، ودونه ما يقع متكلفا في حق أيضا، والمذموم عكسهما‏.‏
    (ج10/ ص 273)
    قال أبو بكر الرازي في الأحكام له‏:‏ كان أهل بابل قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثانا على أسمائها، ولكل واحد هيكل فيه صنمه يتقرب إليه بما يوافقه بزعمهم من أدعية وبخور، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر وينسبونها إلى فعل الكواكب لئلا يبحث عنها وينكشف تمويههم انتهى‏.‏
    ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقى والنفث في العقد، وتارة تكون بالمحسوسات كتصوير الصورة على صورة المسحور‏.‏
    اختلف في السحر فقيل هو تخييل ولا حقيقة له وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة، قال النووي‏:‏ والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة انتهى‏.‏
    كن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا‏؟‏ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، ومن قال إن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه‏؟‏ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني‏.‏
    فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه، ونقل الخطابي أن قوما أنكروا السحر مطلقا وكأنه عني القائلين بأنه تخييل فقط وإلا فهي مكابرة‏.‏
    وقال المازري‏:‏ جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده بالتركيب نافعا، وقيل لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله‏:‏ ‏(‏يفرقون به بين المرء وزوجه‏)‏ لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره‏.‏
    قال المازري‏:‏ والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال‏:‏ والآية ليست نصا في منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك‏.‏
    ثم قال‏:‏ والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي‏.‏
    ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق‏.‏
    ونقل النووي زيادات الروضة عن المتولي نحو ذلك‏.‏
    وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر، لأنه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون‏:‏ ‏(‏وجاءوا بسحر عظيم‏)‏ مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا‏.‏
    ثم قال‏:‏ والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه بسحر الساحر أو نحو ذلك‏.‏
    (ج10/ 275)
    إن سليمان كان جمع كتب السحر والكهانة فدفنها تحت كرسيه فلم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي، فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين يعرفون الأمر جاءهم شيطان في صورة إنسان فقال لليهود‏:‏ هل أدلكم على كنز لا نظير له‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم قال‏:‏ فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا - وهو متنح عنهم - فوجدوا تلك الكتب، فقال لهم‏:‏ إن سليمان كان يضبط الأنس والجن بهذا، ففشا فيهم أن سليمان كان ساحرا، فلما نزل القرآن بذكر سليمان في الأنبياء أنكرت اليهود ذلك وقالوا إنما كان ساحرا، فنزلت هذه الآية‏.‏
    أخرجه الطبري وغيره عن السدي، ومن طريق سعيد بن جبير بسند صحيح نحوه، ومن طريق عمران بن الحارث عن ابن عباس موصولا بمعناه‏.‏
    وأخرج من طريق الربيع بن أنس نحوه ولكن قال‏:‏ إن الشياطين هي التي كتبت كتب السحر ودفنتها تحت كرسيه، ثم لما مات سليمان استخرجته وقالوا‏:‏ هذا العلم الذي كان سليمان يكتمه الناس‏.‏
    (ج10/ ص 276)
    ال النووي‏:‏ عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه ولا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر‏.‏
    وعن مالك‏:‏ الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله كالزنديق‏.‏
    قال عياض‏:‏ وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين ا ه‏.‏
    وفي المسألة اختلاف كثير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها‏.‏
    وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين إما لتمييز ما فيه كفر من غيره إما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به‏.‏
    وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا وإلا جاز للمعنى المذكور، وسيأتي مزيد لذلك في ‏"‏ باب هل يستخرج السحر ‏"‏ قريبا والله أعلم‏.‏
    وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة‏.‏
    (ج10/ ص 276)
    وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه، ومحصلها أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارا لهما وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك ليتعلم منهما ذلك وهما قد عرفا ذلك فيتعلم منهما ما قص الله عنهما، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 277)
    قال أبو بكر الرازي في ‏"‏ الأحكام ‏"‏‏:‏ أخبر الله تعالى أن الذي ظنه موسى من أنها تسعى لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا وجعلوا لها آزاجا وملؤوها نارا فلما طرحت على ذلك الموضع وحمي الزئبق حركها لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي صارت تتحرك بحركته فظن من رآها أنها تسعى، ولم تكن تسعى حقيقة‏.‏
    (ج10/ ص 278)
    وقال السهيلي‏:‏ لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي صلى الله عليه وسلم فيها في السحر حتى ظفرت به في ‏"‏ جامع معمر ‏"‏ عن الزهري أنه لبث ستة أشهر، كذا قال، وقد وجدناه موصولا بإسناد الصحيح فهو المعتمد‏.‏
    (ج10/ ص 279)
    ‏حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله‏)‏ قال المازري‏:‏ أنكر المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء، قال المازري‏:‏ وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل‏.‏
    وأما ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال‏:‏ وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا قد ورد صريحا في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا ولفظه ‏"‏ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ‏"‏ وفي رواية الحميدي ‏"‏ أنه يأتي أهله ولا يأتيهم ‏"‏ قال الداودي ‏"‏ يرى ‏"‏ بضم أوله أي يظن‏.‏
    (ج10/ ص 280)
    وقال عياض‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى ‏"‏ حتى كاد ينكر بصره ‏"‏ أي صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشيء يخيل أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته‏.‏
    ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطانا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر، بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين‏.‏
    واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث ‏"‏ فأما أنا فقد شفاني الله ‏"‏ وفي الاستدلال بذلك نظر، لكن يؤيد المدعي أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل ‏"‏ فكان يدور ولا يدري ما وجعه ‏"‏ وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد ‏"‏ مرض النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان ‏"‏ الحديث‏.‏
    (ج10/ ص 280)
    قال النووي‏:‏ فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره الالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ سلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوي ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال‏.‏
    قال ابن القيم‏:‏ بنى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر أولا على أنه مرض، وأنه عن مادة مالت إلى الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه، فرأى استعمال الحجامة لذلك مناسبا، فلما أوحي إليه أنه سحر عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه، قال‏:‏ ويحتمل أن مادة السحر انتهت إلى إحدى قوى الرأس حتى صار يخيل إليه ما ذكر، فإن السحر قد يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطبيعة وهو أشد السحر، واستعمال الحجم لهذا الثاني نافع لأنه إذا هيج الأخلاط وظهر أثره في عضو كان استفراغ المادة الخبيثة نافعا في ذلك‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ إنما قيل للسحر طب لأن أصل الطب الحذق بالشيء والتفطن له، فلما كان كل من علاج المرض والسحر إنما يتأتى عن فطنة وحذق أطلق على كل منهما هذا الاسم‏.‏
    (ج10/ ص 287)
    د أخرج أبو داود في ‏"‏ المراسيل ‏"‏ عن الحسن رفعه ‏"‏ النشرة من عمل الشيطان ‏"‏ ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر، قال ابن الجوزي‏:‏ النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر‏.‏
    وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال‏:‏ لا بأس به‏.‏
    وهذا هو المعتمد‏.‏
    ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله ‏"‏ النشرة من عمل الشيطان ‏"‏ إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا كان خيرا وإلا فهو شر‏.‏
    ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين‏.‏
    (ج10/ ص 288)
    وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، وممن صرح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في ‏"‏ كتاب الطب النبوي ‏"‏ لجعفر المستغفري قال‏:‏ وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من ‏"‏ تفسير قتيبة بن أحمد البخاري ‏"‏ قال قال قتادة لسعيد بن المسيب‏:‏ رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر‏؟‏ قال لا بأس، وإنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه‏.‏
    قال نصوح‏:‏ فسألني حماد بن شاكر‏:‏ ما الحل وما النشرة‏؟‏ فلم أعرفهما، فقال‏:‏ هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها فإن المبتلي بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسا ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفارة وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذبا ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليا يسيرا ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى‏:‏ قال حاشد‏:‏ تعلمت هاتين الفائدتين بالشام‏.‏
    ال ابن بطال‏:‏ ذكر المهلب أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فانتبه سفيان وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أسامة، قال والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم يقع في رواية أبي أسامة والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين فيبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة وجعل جوابه صلى الله عليه وسلم عنها بلا بدلا عن الاستخراج، قال‏:‏ ويحتمل وجها آخر فذكر ما محصله‏:‏ أن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجف والمنفي استخراج ما حواه، قال‏:‏ وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر‏.‏
    قال ابن القيم من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورا بذكره وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له‏.‏
    قال‏:‏ وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    (ج10/ ص 290)
    استدل بهذا الحديث على أن الساحر لا يقتل حدا إذا كان له عهد، وأما ما أخرجه الترمذي من حديث جندب رفعه قال ‏"‏ حد الساحر ضربه بالسيف ‏"‏ ففي سنده ضعف، فلو ثبت لخص منه من له عهد، وتقدم في الجزية من رواية بجالة ‏"‏ أن عمر كتب إليهم أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ‏"‏ وزاد عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار في روايته عن بجالة ‏"‏ فقتلنا ثلاث سواحر ‏"‏ أخرج البخاري أصل الحديث دون قصة قتل السواحر، قال ابن بطال‏:‏ لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري إلا أن يقتل بسحره فيقتل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك إن أدخل بسحره ضررا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحل قتله، وإنما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأنه خشي إذا قتله أن تثور بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائه من الأنصار، وهو من نمط ما راعاه من ترك قتل المنافقين، سواء كان لبيد يهوديا أو منافقا على ما مضى من الاختلاف فيه‏.‏
    قال‏:‏ وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق فلا تقبل توبته، ويقتل حدا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ لا يقتل إلا إن اعترف بسحره فيقتل به، فإن اعترف أن سحره قد يقتل وقد لا يقتل وأنه سحره وأنه مات لم يجب عليه القصاص ووجبت الدية في ماله لا على عاقلته، ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة، وادعى أبو بكر الرازي في ‏"‏ الأحكام ‏"‏ أن الشافعي تفرد بقوله إن الساحر يقتل قصاصا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله أعلم‏.‏
    قال النووي‏:‏ إن كان السحر قول أو فعل يقتضي الكفر كفر الساحر وتقبل توبته إذا تاب عندنا، وإذا لم يكن في سحره ما يقتضي الكفر عزر واستتيب‏.‏
    (ج10/ ص 292)
    قال الخطابي‏:‏ البيان اثنان‏:‏ أحدهما‏:‏ ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر‏:‏ ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره‏.‏
    وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ أحسن ما يقال في هذا أن هذا الحديث ليس ذما للبيان كله ولا مدحا لقوله من البيان، فأتى بلفظة ‏"‏ من ‏"‏ التي للتبعيض قال‏:‏ وكيف يذم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال‏:‏ ‏(‏خلق الإنسان علمه البيان‏)‏ انتهى‏.‏
    والذي يظهر أن المراد بالبيان في الآية المعنى الأول الذي نبه عليه الخطابي، لا خصوص ما نحن فيه‏.‏
    قد اتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، وهذا كله من البيان بالمعنى الثاني‏.‏
    نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها‏.‏
    والله أعلم
    (ج10/ ص295)
    قال الخطابي‏:‏ كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ يحتمل أن يكون المراد نخلا خاصا بالمدينة لا يعرف الآن‏.‏
    وقال بعض شراح ‏"‏ المصابيح ‏"‏ نحوه وإنه ذلك لخاصية فيه، قال‏:‏ ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بزمانه صلى الله عليه وسلم، وهذا يبعده وصف عائشة لذلك بعده صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وقال بعض شراح ‏"‏ المشارق ‏"‏ أما تخصيص تمر المدينة بذلك فواضح من ألفاظ المتن، وأما تخصيص زمانه بذلك فبعيد، وأما خصوصية السبع فالظاهر أنه لسر فيها، وإلا فيستحب أن يكون ذلك وترا‏.‏
    وقال المازري‏:‏ هذا مما لا يعقل معناه في طريق علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع، ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه صلى الله عليه وسلم خاصة أو لأكثرهم، إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا غالبا، وإن وحد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال‏.‏
    وقال عياض‏:‏ تخصيصه ذلك بعجوة العالية وبما بين لابتي المدينة يرفع هذا الإشكال ويكون خصوصا لها، كما وجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دون ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في ذلك من الأرض أو الهواء‏.‏
    قال‏:‏ وأما تخصيص هذا العدد فلجمعه بين الإفراد والإشفاع، لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه أشفاع ثلاثة وأوتار أربعة، وهي من نمط غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏سبع سنابل‏)‏ وكما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات والسبعمائة مبالغة في كثرة المئين‏.‏
    وقال النووي‏:‏ في الحديث تخصيص عجوة المدينة بما ذكر، وأما خصوص كون ذلك سبعا فلا يعقل معناه كما في أعداد الصلوات ونصب الزكوات‏.‏
    قال‏:‏ وقد تكلم في ذلك المازري وعياض بكلام باطل فلا يغتر به انتهى‏.‏
    ل القرطبي‏:‏ ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم وإبطال السحر، والمطلق منها محمول على المقيد، وهو من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني‏.‏
    ومن أئمتنا من تكلف لذلك فقال‏:‏ إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم‏.‏
    قال‏:‏ وهذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة بل خصوصية العجوة بل خصوصية التمر، فإن من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك من التمر، والأولى أن ذلك خاص بعجوة المدينة‏.‏
    ثم هل هو خاص بزمان نطقه أو في كل زمان‏؟‏ هذا محتمل، ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة‏.‏
    فمن جرب ذلك فصح معه عرف أنه مستمر، وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان‏.‏
    قال وأما خصوصية هذا العدد فقد جاء في مواطن كثيرة من الطب كحديث ‏"‏ صبوا علي من سبع قرب ‏"‏ وقوله للمفؤود الذي وجهه للحارث بن كلدة أن يلده بسبع تمرات، وجاء تعويذه سبع مرات، إلى غير ذلك‏.‏
    وأما في غير الطب فكثير، فما جاء من هذا العدد في معرض التداوي فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله أو من أطلعه على ذلك، وما جاء منه في غير معرض التداوي فإن العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم ترد عددا بعينه‏.‏
    وقال ابن القيم‏:‏ عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز، وهو صنف كريم ملزز متين الجسم والقوة، وهو من ألين التمر وألذه‏.‏
    قال‏:‏ والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الديدان لما فيه من القوة الترياقية، فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه أو قتله انتهى‏.



  4. #204
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم : الجمعة
    الموافق 26/ رجب / 1441 هجري
    الموافق 20/ مارس / 2020 ميلادي
    " وفي هذه الساعة المباركة من يوم الجمعة أسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يرفع عنا البلاء ويرحم العباد والضعفاء
    بسبب تفشي وباء في المشرق والمغرب على اثره صلينا الظهر بدل الجمعة " في المنازل حرصا على السلامة العامة وطاعة لولي الامر لما فيه مصلحة البلاد والعباد "

    ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا منه))، وقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال: كان عذابًا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد فيكون فيه، فيمكث لا يخرج، صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له - إلا كان له أجر شهيد....
    "
    (ج10/ ص 309-311)
    أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها ‏"‏ الحديث، فعرف أن التي أهدت الشاة المذكورة امرأة، وقدمت في المغازي أنها زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم أخرجه ابن إسحاق بغير إسناد‏.‏
    وأورده ابن سعد من طرق عن ابن عباس بسند ضعيف، ووقع في مرسل الزهري أنها أكثرت السم في الكتف والذراع لأنه بلغها أن ذلك كان أحب أعضاء الشاة إليه، وفيه ‏"‏ فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف فنهش منها ‏"‏ وفيه‏:‏ ‏"‏ فلما ازدرد لقمته قال‏.‏
    إن الشاة تخبرني ‏"‏ يعني أنها مسمومة وبينت هناك الاختلاف هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أو تركها‏.‏
    ووقع في حديث أنس المشار إليه ‏"‏ فقيل‏:‏ ألا تقتلها‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏
    ...
    قال الخطابي‏:‏ خبث الدواء يقع بوجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ من جهة نجاسته كالخمر ولحم الحيوان الذي لا يؤكل، وقد يكون من جهة استقذاره فتكون كراهته لإدخال المشقة على النفس، وإن كان كثير من الأدوية تكره النفس تناوله، لكن بعضها في ذلك أيسر من بعض‏.‏
    ...........
    ويؤخذ من هذه الزيادة أن الزهري كان يتوقف في صحة هذا الحديث لكونه لم يعرف له أصلا بالحجاز كما هي طريقة كثير من علماء الحجاز‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ استدل الزهري على منع مرارة السبع بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ويلزمه مثل ذلك في ألبان الأتن، وغفل رحمه الله عن الزيادة التي أفادتها رواية أبي ضمرة‏.‏
    وقد اختلف في ألبان الأتن، فالجمهور على التحريم، وعند المالكية قول في حلها من القول بحل أكل لحمها، وقد تقدم بسطه في الأطعمة‏.‏
    (ج10/ ص 307)
    قال أبو هلال العسكري‏:‏ الذباب واحد والجمع ذبان كغربان، والعامة تقول ذباب للجمع وللواحد ذبابة بوزن قرادة، وهو خطأ، وكذا قال أبو حاتم السجستاني إنه خطأ‏.‏
    وقال الجوهري‏:‏ الذباب واحدة ذبابة ولا تقل ذبانة، ونقل في ‏"‏ المحكم ‏"‏ عن أبي عبيدة عن خلف الأحمر تجويز ما زعم العسكري أنه خطأ، وحكى سيبويه في الجمع ذب‏.‏
    وقرأته بخط البحتري مضبوطا بضم أوله والتشديد‏.‏
    (ج10/ ص 308)
    قيل سمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه، وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا ‏"‏ عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل ‏"‏ وسنده لا بأس به، وأخرجه ابن عدي دون أوله من وجه آخر ضعيف، قال الجاحظ‏:‏ كونه في النار ليس تعذيبا له، بل ليعذب أهل النار به‏.‏
    قال الجوهري‏:‏ يقال إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب‏.‏
    وقال أفلاطون‏:‏ الذباب أحرص الأشياء، حتى إنه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه‏.‏
    ويتولد من العفونة‏.‏
    ولا جفن للذبابة لصغر حدقتها، والجفن يصقل الحدقة، فالذبابة تصقل بيديها فلا تزال تمسح عينيها‏.‏
    ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس‏.‏
    وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد‏.‏
    وهو من أكثر الطيور سفادا، ربما بقي عامة اليوم على الأنثى‏.‏
    ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي‏:‏ لأي علة خلق الذباب‏؟‏ فقال‏:‏ مذلة للملوك‏.‏
    وكانت ألحت عليه ذبابة، فقال الشافعي‏:‏ سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة‏.‏
    وقال أبو محمد المالقي‏:‏ ذباب الناس يتولد من الزبل‏.‏
    وإن أخذ الذباب الكبير فقطعت رأسها وحك بجسدها الشعرة التي في الجفن حكا شديدا أبرأته وكذا داء الثعلب‏.‏
    وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن الوجع‏.‏
    ن الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه ووجه الاستدلال - كما رواه البيهقي عن الشافعي - أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه لأن ذلك إفساد‏.‏
    وقال بعض من خالف في ذلك‏:‏ لا يلزم من غمس الذباب موته فقد يغمسه برفق فلا يموت، والحي لا ينجس ما يقع فيه كما صرح البغوي باستنباطه من هذا الحديث‏.‏
    وقال أبو الطيب الطبري‏:‏ لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بيان النجاسة والطهارة، وإنما قصد بيان التداوي من ضرر الذباب، وكذا لم يقصد بالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل والإذن في مراح الغنم طهارة ولا نجاسة وإنما أشار إلى أن الخشوع لا يوجد مع الإبل دون الغنم‏.‏
    قلت‏:‏ وهو كلام صحيح، إلا أنه لا يمنع أن يستنبط منه حكم آخر، فإن الأمر بغمسه يتناول صورا منها أن يغمسه محترزا عن موته كما هو المدعى هنا، وأن لا يحترز بل يغمسه سواء مات أو لم يمت‏.‏
    ويتناول ما لو كان الطعام حارا فإن الغالب أنه في هذه الصورة يموت بخلاف الطعام البارد، فلما لم يقع التقييد حمل على العموم، لكن فيه نظر لأنه مطلق يصدق بصورة فإذا قام الدليل على صورة معينة حمل عليها‏.‏
    واستشكل ابن دقيق العيد إلحاق غير الذباب به في الحكم المذكور بطريق أخر فقال‏:‏ ورد النص في الذباب فعدوه إلى كل ما لا نفس له سائلة، وفيه نظر، لجواز أن تكون العلة في الذباب قاصرة وهي عموم البلوى، وهذه مستنبطة‏.‏
    أو التعليل بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وهذه منصوصة، وهذان المعنيان لا يوجدان في غيره فيبعد كون العلة مجرد كونه لا دم له سائل، بل الذي يظهر أنه جزء علة لا علة كاملة انتهى‏.‏
    (ج10/ ص 310)
    د رجح جماعة من المتأخرين أن ما يعم وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجس الماء، وما لا يعم كالعقارب ينجس، وهو قوي‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال‏:‏ كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب، وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك‏؟‏ قال‏:‏ وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيرا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة‏.‏
    وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع وجعل منها قوى الحيوان، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت، لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحا وتؤخر آخر‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر‏.‏
    وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء فتتقابل المادتان فيزول الضرر بإذن الله تعالى‏.‏
    واستدل بقوله‏:‏ ‏"‏ ثم لينزعه ‏"‏ على أنها تنجس بالموت كما هو أصح القولين للشافعي، والقول الأخر كقول أبي حنيفة، أنها لا تنجس، والله أعلم‏.‏
    كتاب اللباس
    (ج10/ ص 311)
    قال الراغب‏:‏ الخيلاء التكبر ينشأ عن فضيلة يتراءاها الإنسان من نفسه، والتخيل تصوير خيال الشيء في النفس، ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن الممنوع من تناوله أكلا ولبسا وغيرهما إما لمعنى فيه وهو مجاوزة الحد وهو الإسراف‏.‏
    وإما للتعبد كالحرير إن لم تثبت علة النهي عنه وهو الراجح، ومجاوزة الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع فيدخل الحرام، وقد يستلزم الإسراف الكـبر وهو المخيلة قال الموفق عبد اللطيف البغدادي‏:‏ هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شيء يضر بالحسد ويضر بالمعيشة فيؤدي إلى الإتلاف ويضر بالنفس إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس‏.‏
    (ج10/ ص 317)
    خرج الطبراني من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ رآني النبي صلى الله عليه وسلم أسبلت إزاري فقال‏:‏ يا ابن عمر، كل شيء يمس الأرض من الثياب في النار ‏"‏ وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود أنه ‏"‏ رأى أعرابيا يصلي قد أسبل فقال‏:‏ المسبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام ‏"‏ ومثل هذا لا يقال بالرأي، فعلى هذا لا مانع من حمل الحديث على ظاهره، ويكون من وادي ‏(‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم‏)‏ ، أو يكون في الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أن الذي يتعاطى المعصية أحق بذلك‏.‏
    زرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار ‏"‏ وهذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق،
    ويستثنى من إسبال الإزار مطلقا ما أسبله لضرورة كمن يكون بكعبيه جرح مثلا يؤذيه الذباب مثلا إن لم يستره بإزاره حيث لا يجد غيره، نبه على ذلك شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ واستدل على ذلك بإذنه صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحرير من أجل الحكة‏.‏
    والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي، ويستثنى أيضا من الوعيد في ذلك النساء
    (ج10/ ص 319)
    قد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها فأخرج النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر متصلا بحديثه المذكور في الباب الأول ‏"‏ فقالت أم سلمة‏:‏ فكيف تصنع النساء بذيولهن‏؟‏ فقال‏:‏ يرخين شبرا، فقالت‏:‏ إذا تنكشف أقدامهن؛ قال‏:‏ فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه ‏"‏ لفظ الترمذي‏.‏
    وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع والنسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثتهم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها وفيه اختلافات أخرى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من رواية أبي الصديق عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا ‏"‏ وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال‏:‏ إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، قال النووي‏:‏ ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء يقتضي أن التحريم مختص بالخيلاء، ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة، لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره صلى الله عليه وسلم أم سلمة على فهمها‏.‏
    (ج10/ ص 320)
    والحاصل أن للرجال حالين‏:‏ حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين‏.‏
    وكذلك للنساء حالان حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر وحال جواز بقدر ذراع‏.‏
    ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من طريق معتمر عن حميد عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها شبرا وقال‏:‏ هذا ذيل المرأة ‏"‏ وأخرجه أبو يعلى بلفظ ‏"‏ شبر من ذيلها شبرا أو شبرين وقال لا تزدن على هذا ‏"‏ ولم يسم فاطمة‏.‏
    قال الطبراني‏:‏ تفرد به معتمر عن حميد‏.‏
    قلت‏:‏ و ‏"‏ أو ‏"‏ شك من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة شبرا ‏"‏ ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه، والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة‏.‏
    ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل‏:‏ إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال‏.‏
    إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص320)
    جمع الطبري بينه وبين حديث ابن مسعود بأن حديث علي محمول على من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه، لا من أحب ذلك ابتهاجا بنعمة الله عليه، فقد أخرج الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ‏"‏ وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد‏.‏
    وأخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ورآه رث الثياب‏:‏ إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك ‏"‏ أي بأن يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعا بين الأدلة‏.‏
    (ج10/ 321)
    قد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى وأصله عند أحمد ومسلم ‏"‏ أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة يتبختر فيها فقال‏:‏ يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا‏؟‏ فقال‏:‏ والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت ‏"‏ فذكر الحديث وقال في آخره ‏"‏ فوالله ما أدري لعله كان من قومك ‏"‏ وذكر السهيلي في ‏"‏ مبهمات القرآن ‏"‏ في سورة والصافات عن الطبري أن اسم الرجل المذكور الهيزن وأنه من أعراب فارس‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا أخرجه الطبري في التاريخ من طريق ابن جريج عن شعيب الجياني وجزم الكلاباذي في ‏"‏ معاني الأخبار ‏"‏ بأنه قارون، وكذا ذكر الجوهري في ‏"‏ الصحاح ‏"‏ وكأن المستند في ذلك ما أخرجه الحارث بن أبي أسامة من حديث أبي هريرة وابن عباس بسند ضعيف جدا قالا ‏"‏ خطبنا رسول الله
    صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر الحديث الطويل وفيه ‏"‏ ومن لبس ثوبا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فيتجلجل فيها ‏"‏ لأن قارون لبس حلة فاختال فيها فخسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة‏.‏
    روى الطبري في التاريخ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال‏:‏ ‏"‏ ذكر لنا أنه يخسف بقارون كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة‏"
    قال القرطبي‏:‏ إعجاب المرء بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم‏.‏
    ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ‏"‏ حتى يوم القيامة ‏"‏ والتجلجل بجيمين التحرك، وقيل‏:‏ الجلجلة الحركة مع صوت‏.‏
    وقال ابن دريد‏:‏ كل شيء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته‏.‏
    وقال ابن فارس‏:‏ التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطربا متدافعا‏.‏
    وحكى عياض أنه روي ‏"‏ يتجلل ‏"‏ بجيم واحدة ولام ثقيلة وهو بمعنى يتغطى، أي تغطيه الأرض‏.‏
    وحكى عن بعض الروايات أيضا ‏"‏ يتخلخل ‏"‏ بخاءين معجمتين واستبعدها إلا أن يكون من قولهم خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم، وجاء في غير الصحيحين ‏"‏ يتخلخل ‏"‏ بحاءين مهملتين‏.‏
    قلت‏:‏ والكل تصحيف إلا الأول، ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل فيمكن أن يلغز به فيقال‏:‏ كافر لا يبلى جسده بعد الموت‏.‏
    (ج10/ ص 323)
    ان محارب قد ولي قضاء الكوفة، قال عبد الله بن إدريس الأودي عن أبيه ‏"‏ رأيت الحكم وحمادا في مجلس قضائه ‏"‏ وقال سماك بن حرب ‏"‏ كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سودوه‏:‏ الحلم والعقل والسخاء والشجاعة والبيان والتواضع، ولا يكملن في الإسلام إلا بالعفاف، وقد اجتمعن في هذا الرجل ‏"‏ يعني محارب بن دثار‏.‏
    وقال الداودي‏:‏ لعل ركوبه الفرس كان ليغيظ به الكفار ويرهب به العدو‏.‏
    وتعقبه ابن التين بأن ركوب الخيل جائز فلا معنى للاعتذار عنه‏.‏
    قلت‏:‏ لكن المشي أقرب إلى التواضع، ويحتمل أن منزله كان بعيدا عن منزل حكمه‏.‏
    (ج10/ ص 323)
    ل شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه‏.‏
    قال‏:‏ ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدا، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع‏.‏
    ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة‏.‏
    (ج10/ ص 324)
    وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، قال‏:‏ والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء انتهى‏.‏
    والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في مختصره عن الشافعي قال‏:‏ لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ا هـ، وقوله‏:‏ ‏"‏ خفيف ‏"‏ ليس صريحا في نفي التحريم بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول، وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة ‏"‏ وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به، وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ والنسائي من طريق أشعث بن أبي الشعثاء - واسم أبيه سليم - المحاربي عن عمته واسمها رهم بضم الراء وسكون الهاء وهي بنت الأسود بن حنظلة عن عمها واسمه عبيد بن خالد قال‏:‏ ‏"‏ كنت أمشي وعلي برد أجره، فقال لي رجل‏:‏ ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى، فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ إنما هي بردة ملحاء، فقال‏:‏ أما لك في أسوة‏؟‏ قال‏:‏ فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه ‏"‏ وسنده قبلها جيد
    (ج10/ ص 328)
    قال ابن العربي‏:‏ لم أر للقميص ذكرا صحيحا إلا في الآية المذكورة وقصة ابن أبي ولم أر لهما ثالثا فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال هذا في كتابه ‏"‏ سراج المريدين ‏"‏ وكأنه صنفه قبل ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ فلم يستحضر حديث أم سلمة ولا حديث أبي هريرة ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصا بدا بميامنه ‏"‏ ولا حديث أسماء بنت يزيد ‏"‏ كانت يد كم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ ‏"‏ ولا حديث معاوية بن قرة بن إياس المزني ‏"‏ حدثني أبي قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق، فبايعته، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم ‏"‏ ولا حديث أبي سعيد ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه قميصا أو عمامة أو رداء ثم يقول‏:‏ اللهم لك الحمد ‏"‏ وكلها في السنن، وأكثرها في الترمذي، وفي الصحيحين حديث عائشة ‏"‏ كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة ‏"‏ وحديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف في قميص الحرير لحكة كانت به ‏"‏ وحديث ابن عمر رفعه ‏"‏ لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم ‏"‏ الحديث وغير ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 331)
    قال ابن بطال‏:‏ كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد لأن إخفاء العمل أولى، قال ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه‏.‏
    (ج10/ ص 333)
    قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ اسم التقوى يعم جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات، قال الله ‏(‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات‏)‏ الآية، فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى، أي وقى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو مقام الإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أن تعبد الله كأنك تراه ‏"‏ انتهى‏.‏
    وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ المراد بالمتقين المؤمنون، لأنهم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له‏.‏
    وقال غيره‏:‏ لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك، لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق فهم منه أنه لا يفعله إلا المستخف فيأنف من فعل ذلك لئلا يوصف بأنه غير متق، واستدل به على تحريم الحرير على الرجال دون النساء لأن اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهن
    قد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز‏.‏
    وفي الحديث أن لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمفرجة لمن اعتادها أو احتاج إليها،
    (ج10/ ص 335)
    قد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال‏:‏ لا بأس به‏.‏
    قيـل‏:‏ فإنه من لبوس النصارى‏.‏
    قال‏:‏ كان يلبس هاهنا‏.‏
    وقال عبد الله بن أبي بكر‏:‏ ما كان أحد من القراء إلا له برنس‏.‏
    وأخرج الطبراني من حديث أبي قرصافة قال‏:‏ ‏"‏ كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم برنسا فقال‏:‏ البسه ‏"‏ وفي سنده من لا يعرف‏.‏
    ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث علي رفعه ‏"‏ إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تزيا بهم أو تشبه فليس مني ‏"‏ أخرجه الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ بسند لا بأس به‏.‏
    (ج10/ ص 336)
    ال ابن القيم في ‏"‏ الهدى ‏"‏‏:‏ اشترى صلى الله عليه وسلم السراويل، والظاهر أنه إنما اشتراه ليلبسه ثم قال‏:‏ وروي في حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه‏.‏
    قلت‏:‏ وتؤخذ أدلة ذلك كله مما ذكرته‏.‏
    ووقع في الإحياء للغزالي أن الثمن ثلاثة دراهم والذي تقدم أنه أربعة دراهم أولى‏.‏
    (ج10/ 337)
    حديث عمرو بن حريث أنه قال‏:‏ ‏"‏ كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه ‏"‏ أخرجه مسلم، وعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه رفعه ‏"‏ اعتموا تزدادوا حلما ‏"‏ أخرجه الطبراني والترمذي في ‏"‏ العلل المفرد ‏"‏ وضعفه البخاري؛ وقد صححه الحاكم فلم يصب، وله شاهد عند البزار عن ابن عباس ضعيف أيضا، وعن ركانة رفعه ‏"‏ فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي، وعن ابن عمر ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه ‏"‏ أخرجه الترمذي، وفيه أن ابن عمر كان يفعله والقاسم وسالم، وأما مالك فقال‏:‏ إنه لم ير أحدا يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 338)
    ونازع ابن القيم في ‏"‏ كتاب الهدى ‏"‏ من استدل بحديث التقنع على مشروعية لبس الطيلسان بأن التقنع غير التطيلس، وجزم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلبس الطيلسان ولا أحد من أصحابه‏.‏
    ثم على تقدير أن يؤخذ من التقنع بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتقنع إلا لحاجة ويرد عليه حديث أنس ‏"‏ كان صلى الله عليه وسلم يكثر القناع ‏"‏ وقد ثبت أنه قال‏:‏ ‏"‏ من تشبه بقوم فهو منهم ‏"‏ كما تقدم معلقا في كتاب الجهاد من حديث ابن عمر ووصله أبو داود، وعند الترمذي من حديث أنس ‏"‏ ليس منا من تشبه بغيرنا ‏"‏ وقد ثبت عند مسلم من حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال ‏"‏ يتبعه اليهود وعليهم الطيالسة ‏"‏ وفي حديث أنس أنه رأى قوما عليهم الطيالسة فقال‏:‏ ‏"‏ كأنهم يهود خيبر ‏"‏ وعورض بما أخرجه ابن سعد بسند مرسل ‏"‏ و
    ‏"‏ وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم الطيلسان فقال‏:‏ هذا ثوب لا يؤدي شكره ‏"‏ أخرجه وإنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة فصار داخلا في عموم المباح، وقد ذكره ابن عبد السلام في أمثلة البدعة المباحة، وقد يصير من شعائر قوم فيصير تركه من الإخلال بالمروءة كما نبه عليه الفقهاء أن الشيء قد يكون لقوم وتركه بالعكس، ومثل ابن الرفعة ذلك بالسوقي والفقيه في الطيلسان‏.‏
    (ج10/ ص 340)
    ‏قال أبلي وأخلقي
    ‏خلقي ‏"‏ بالمعجمة والقاف أمر بالإخلاق وهما بمعنى، والعرب تطلق ذلك وتريد الدعاء بطول البقاء للمخاطب بذلك، أي أنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق، قال الخليل‏:‏ أبل وأخلق معناه عش وخرق ثيابك وارقعها، وأخلقت الثوب أخرجت باليه ولفقته‏.‏
    السنا بلسان الحبشة الحسن‏"‏‏.‏
    ووقع في رواية خالد بن سعيد الماضية في الجهاد ‏"‏ فقال سنه سنه ‏"‏ وهي بالحبشية حسن، وقد تقدم ضبطها وشرحها
    (ج10/ ص 348)
    قال ابن بطال‏:‏ الثياب الخضر من لباس الجنة، وكفى بذلك شرفا لها‏.‏
    قلت وأخرج أبو داود من حديث أبي رمثة بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة أنه ‏"‏ رأى على النبي صلى الله عليه وسلم بردين أخضرين‏"‏‏.‏
    قد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث سمرة رفعه ‏"‏ عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم ‏"‏ وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس بمعناه وفيه‏:‏ ‏"‏ فإنها من خير ثيابكم‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 351)
    قال ابن بطال‏:‏ اختلف في الحرير فقال قوم‏:‏ يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين‏.‏
    وقال قوم يجوز لبسه مطلقا وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء أو على التنزيه‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه‏.‏
    وأما قول عياض‏:‏ حمل بعضهم النهي العام في ذلك على الكراهة لا على التحريم، فقد تعقبه ابن دقيق العيد فقال‏:‏ قد قال القاضي عياض ‏(‏إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزبير في الطريق التي أخرجها مسلم ‏"‏ ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر ‏"‏ فذكر الحديث الآتي في الباب، قال‏:‏ فإثبات قول بالكراهة دون التحريم إما أن ينقض ما نقله من الإجماع وإما أن يثبت أن الحكم العام قبل التحريم على الرجال كان هو الكراهة ثم انعقد الإجماع على التحريم على الرجال والإباحة للنساء، ومقتضاه نسخ الكراهة السابقة، وهو بعيد جدا‏.‏
    وأما ما أخرج عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ لقي عمر عبد الرحمن بن عوف فنهاه عن لبس الحرير فقال‏:‏ لو أطعتنا للبسته معنا، وهو يضحك ‏"‏ فهو محمول على أن عبد الرحمن فهم من إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في لبس الحرير نسخ التحريم ولم ير تقييد الإباحة بالحاجة كما سيأتي، واختلف في علة تحريم الحرير عل رأيين مشهورين‏:‏ أحدهما الفخر والخيلاء، والثاني‏:‏ لكونه ثوب رفاهية فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال‏.‏
    ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين‏.‏
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ وهذا قد يرجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين إلا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم لأن الشافعي قال في ‏"‏ الأم ‏"‏‏:‏ ولا أكره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه زي النساء‏.‏
    واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصا بالنساء في جنسه وهيئته‏.‏
    وذكر بعضهم علة أخرى وهي السرف والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 355)
    قال محمد صلى الله عليه وسلم‏)‏ هذا من مرسل ابن الزبير، ومراسيل الصحابة محتج بها عند جمهور من لا يحتج بالمراسيل، لأنهم إما أن يكون عند الواحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر، واحتمال كونها عن تابعي لوجود رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين نادر، لكن تبين من الروايتين اللتين بعد هذه أن ابن الزبير إنما حمله عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة عمر، ومع ذلك فلم أقف في شيء من الطرق المتفقة عن عمر أنه رواه بلفظ ‏"‏ لن ‏"‏ بل الحديث عنه في جميع الطرق بلفظ ‏"‏ لم ‏"‏ والله أعلم‏.‏
    وابن الزبير قد حفظ من النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث، منها حديثه ‏"‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة فرفع يديه ‏"‏ أخرجه أحمد‏.‏
    ومنها حديثه ‏"‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا وعقد ابن الزبير ‏"‏ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏
    ومنها حديثه أنه ‏"‏ سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن نبيذ الجر ‏"‏ أخرجه أحمد أيضا‏.‏
    (ج10/ ص 357)
    وعمران هو السدوسي كان أحد الخوارج من العقدية بل هو رئيسهم وشاعرهم، وهو الذي مدح ابن ملجم قاتل علي بالأبيات المشهورة، وأبوه حطان بكسر المهملة بعدها طاء مهملة ثقيلة، وإنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صامد اللهجة متدينا؛ وقد قيل إن عمران تاب من بدعته وهو بعيد، وقيل‏:‏ إن يحيى بن أبي كثير حمله عنه قبل أن يبتدع، فإنه كان تزوج امرأة من أقاربه تعتقد رأي الخوارج لينقلها عن معتقدها فنقلته هي إلى معتقدها، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وهو متابعة، وآخر في ‏"‏ باب نقض الصور‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 359)
    يه حجة لمن أجاز لبس العلم من الحرير إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقا ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على من منع العلم في الثوب مطلقا، وهـو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعا وإلا فالحديث حجة عليهم فلعلهم لم يبلغهم، قال النووي وقد نقل مثل ذلك عن مالك وهو مذهب مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير والله أعلم‏.‏
    واستدل به على جواز لبس الثوب المطرز بالحرير، وهو ما جعل عليه طراز حرير مركب، وكذلك المطرف وهو ما سجفت أطرافه بسجف من حرير بالتقدير المذكور، وقد يكون التطريز في نفس الثوب بعد النسج،
    (ج10/ ص 360)
    ال ابن بطال‏:‏ النهي عن لبس الحرير ليس من أجل نجاسة عينه بل من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة فيجوز مسه وبيعه والانتفاع بثمنه
    ذا الوجه صححه الرافعي وصحح النووي الجواز واستدل به على منع افتراش الرجل الحرير مع امرأته في فراشها، ووجهه المجيز لذلك من المالكية بأن المرأة فراش الرجل فكما جاز له أن يفترشها وعليها الحلي من الذهب والحرير كذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها‏.‏
    ‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ الذي يمنع من الجلوس عليه هو ما منع من لبسه وهو ما صنع من حرير صرف أو كان الحرير فيه
    وحكى ابن الأثير في ‏"‏ النهاية ‏"‏ أن القس الذي نسب إليه هو الصقيع سمي بذلك لبياضه، وهو والذي قبله كلام من لم يعرف القس القرية‏.‏
    10/ ص 362)
    ذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب، وعمدتهم في ذلك ما تقدم في تفسير الحلة السيراء وما انضاف إلى ذلك من الرخصة في العلم في الثوب إذا كان من حرير كما تقدم تقريره في حديث عمر، قال ابن دقيق العيد‏:‏ وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كل مختلط، وإنما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة لجميع الثوب فيكون المنع من لبس الحرير شاملا للخالص والمختلط، وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة، قال‏:‏ وقد توسع الشافعية في ذلك، ولهم طريقان‏:‏ أحدهما‏:‏ وهو الراجح اعتبار الوزن، فإن كان الحرير أقل وزنا لم يحرم أو أكثر حرم، وإن استويا فوجهان اختلف الترجيح فيهما عندهم‏.‏
    الطريق الثاني‏:‏ الاعتبار بالقلة والكثرة بالظهور، وهذا اختيار القفال ومن تبعه، وعند المالكية في المختلط أقوال ثالثها الكراهة، ومنهم من فرق بين الخز وبين المختلط بقطن ونحوه فأجاز الخز ومنع الآخر، وهذا مبني على تفسير الخز، وقد تقدم في بعض تفاسير القسي أنه الخز؛ فمن قال إنه رديء الحرير فهو الذي يتنزل عليه القول المذكور؛ ومن قال إنه ما كان من وبر فخلط بحرير لم يتجه التفصيل المذكور، واحتج أيضا من أجاز لبس المختلط بحديث ابن عباس ‏"‏ إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به ‏"‏ أخرجه الطبراني بسند حسن هكذا، وأصله عند أبي داود، وأخرجه الحاكم بسند صحيح بلفظ ‏"‏ إنما نهى عن المصمت إذا كان حريرا ‏"‏ وللطبراني من طريق ثالث ‏"‏ نهى عن مصمت الحرير فأما ما كان سداه من قطن أو كتان فلا بأس به ‏"‏ واستدل ابن العربي للجواز أيضا بأن النهي عن الحرير حقيقة في الخالص، والإذن في القطن ونحوه صريح، فإذا خلطا بحيث لا يسمى حريرا بحيث لا يتناوله الاسم ولا تشمله علة التحريم خرج عن الممنوع فجاز، وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال أبو داود‏:‏ لبسه عشرون نفسا من الصحابة وأكثر، وأورده ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد، وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن سعد الدشتكي عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ رأيت رجلا على بغلة وعليه عمامة خز سوداء وهو يقول‏:‏ كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
    (ج10/ ص364)
    وقع في ‏"‏ الوسيط للغزالي ‏"‏ أن الذي رخص له في لبس الحرير حمزة بن عبد المطلب، وغلطوه‏.‏
    وفي وجه للشافعية أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن
    (ج10/ ص 365)
    وأخرج أحمد والطحاوي وصححه من حديث مسلمة بن مخلد أنه قال لعقبة بن عامر‏:‏ قم فحدث بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏"‏ سمعته يقول‏:‏ الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم ‏"‏ قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ إن قلنا إن تخصيص النهي للرجال لحكمة فالذي يظهر أنه سبحانه وتعالى علم قلة صبرهن عن التزين فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبا إنما هو للأزواج، وقد ورد أن ‏"‏ حسن التبعل من الإيمان ‏"‏ قال، ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث‏.‏
    (ج10/ ص369)
    قال أبو محمد بن قتيبة‏:‏ المراد بالفواطم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة علي ولا أعرف الثالثة‏.‏
    وذكر أبو منصور الأزهري أنها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب‏.‏
    وقد أخرج الطحاوي وابن أبي الدنيا في ‏"‏ كتاب الهدايا ‏"‏ وعبد الغني بن سعيد في ‏"‏ المبهمات ‏"‏ وابن عبد البر كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن هبيرة بن يريم - بتحتانية أوله ثم راء وزن عظيم - عن علي في نحو هذه القصة قال‏:‏ ‏"‏ فشققت منها أربعة أخمرة ‏"‏ فذكر الثلاث المذكورات، قال‏:‏ ونسي يزيد الرابعة‏.‏
    وفي رواية الطحاوي ‏"‏ خمارا لفاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي، وخمارا لفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وخمارا لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وخمارا لفاطمة أخرى قد نسيتها ‏"‏ فقال عياض لعلها فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل‏:‏ بنت عتبة بن ربيعة، وقيل‏:‏ بنت الوليد بن عتبة‏.‏
    وامرأة عقيل هذه هي التي لما تخاصمت مع عقيل بعث عثمان معاوية وابن عباس حكمين بينهما ذكره مالك في ‏"‏ المدونة ‏"‏ وغيره، واستدل بهذا الحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الحلة إلى علي فبنى علي على ظاهر الإرسال فانتفع بها في أشهر ما صنعت له وهو اللبس، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يبح له لبسها وإنما بعث بها إليه ليكسوها غيره ممن تباح له، وهذا كله إن كانت القصة وقعت بعد النهي عن لبس الرجال الحرير، وسيأتي مزيد لهذا في الحديث الذي بعده‏.‏
    (ج10/ ص369)
    عطارد هذا هو ابن حاجب بن زرارة بن عدس بمهملات الدارمي يكنى أبا عكرشة بشين معجمة، كان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحجرات، وقد أسلم وحسن إسلامه واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه، وكان أبوه من رؤساء بني تميم في الجاهلية، وقصته مع كسرى في رهنه قوسه عوضا عن جمع كثير من العرب عند كسرى مشهورة حتى ضرب المثل بقوس حاجب‏.‏
    (ج10/ ص 370)
    وقال ابن بطال فيه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لباس الحرير وهذا في الدنيا‏.‏
    وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها، إذ تعجيل الطيبات في الدنيا ليس من الحزم، فزهد في الدنيا للآخرة، وأمر بذلك، ونهى عن كل سرف وحرمه‏.‏
    وتعقبه ابن المنير بأن تركه صلى الله عليه وسلم لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية، وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال وما لا عقوبة فيه، فالتقلل منه وتركه مع الإمكان هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد‏.‏
    قلت‏:‏ ولعل مراد ابن بطال بيان سبب التحريم فيستقيم ما قاله‏.‏
    (ج10/ ص 373)
    قال ابن بطال قرن النبي صلى الله عليه وسلم نزول الخزائن بالفتنة إشارة إلى أنها تسبب عنها، وإلى أن القصد في الأمر خير من الإكثار وأسلم
    كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة‏)‏
    نه صلى الله عليه وسلم حذر من لباس الرقيق من الثياب الواصفة لأجسامهن لئلا يعرين في الآخرة، وفيما حكاه الزهري عن هند ما يؤيد ذلك قال‏:‏ وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلبس الثياب الشفافة لأنه إذا حذر من لبسها من ظهور العورة كان أولى بصفة الكمال من غيره ا هـ، وهو مبني على أحد الأقوال في تفسير المراد بقوله‏:‏ ‏"‏ كاسية عارية
    (ج10/ ص 374)
    لم يثبت عنده حديث ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال‏:‏ البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا ‏"‏ أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان، وأعله النسائي‏.‏
    وجاء أيضا فيما يدعو به من لبس الثوب الجديد أحاديث‏:‏ منها ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول‏:‏ اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له أعوذ بك من شره وشر ما صنع له ‏"‏ وأخرج الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عمر رفعه ‏"‏ من لبس جديدا فقال‏:‏ الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي - ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به - كان في حفظ الله وفي كنف الله حيا وميتا ‏"‏ وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس رفعه ‏"‏ من لبس ثوبا فقال‏:‏ الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه‏"
    ‏"‏
    (ج10/ ص 375)
    واختلف في النهي عن التزعفر هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء ولهذا جاء الزجر عن الخلوق‏؟‏ أو للونه فيلتحق به كل صفرة‏؟‏ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال‏:‏ أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله‏.‏
    قال‏:‏ وأرخص في المعصفر لأنني لم أجد أحدا يحكي عنه إلا ما قال علي ‏"‏ نهاني ولا أقول أنهاكم ‏"‏ قال البيهقي‏:‏ قد ورد ذلك عن غير علي، وساق حديث عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ‏"‏ رأى علي النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين فقال‏:‏ إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما ‏"‏ أخرجه مسلما، وفي لفظ له ‏"‏ فقلت أغسلهما‏؟‏ قال لا بل أحرقهما ‏"‏ قال البيهقي فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به اتباعا للسنة كعادته‏.‏
    وقد كره المعصفر جماعة من السلف ورخص فيه جماعة، وممن قال بكراهته من أصحابنا الحليمي، واتباع السنة هو الأولى ا هـ‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏‏:‏ أتقن البيهقي المسألة والله أعلم، ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل
    ل ابن بطال‏:‏ أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال وقالوا‏:‏ إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن عمر الآتي في ‏"‏ باب النعال السبتية ‏"‏ يدل على الجواز، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بالصفرة‏.‏
    وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر قال‏:‏ ‏"‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران ‏"‏ وفي سنده عبد الله بن مصعب الزبيري وفيه ضعف‏.‏
    وأخرج الطبراني من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبغ إزاره ورداءه بزعفران، وفيه راو مجهول، ومن المستغرب قول ابن العربي‏.‏
    لم يرد في الثوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدة أحاديث كما ترى، قال المهلب‏:‏ الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏صفراء فاقع لونها تسر الناظرين‏)‏ ‏.‏
    (ج10/ ص 377)
    وقد تلخص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال‏:‏ الأول‏:‏ الجواز مطلقا جاء عن علي وطلحة وعبد الله ابن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين‏.‏
    القول الثاني‏:‏ المنع مطلقا لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو وما نقله البيهقي وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم ‏"‏ وهو بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر فسره في الحديث، وعن عمر أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبا معصفرا جذبه وقال‏:‏ ‏"‏ دعوا هذا للنساء ‏"‏ أخرجه الطبري‏.‏
    أخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن ‏"‏ الحمرة من زينة الشيطان والشيطان يحب الحمرة ‏
    أن الشيطان يحب الحمرة، وإياكم والحمرة، وكل ثوب ذي شهرة ‏"‏ وأخرجه ابن منده وأدخل في رواية له بين الحسن ورافع رجلا، فالحديث ضعيف وبالغ الجوزقاني فقال إنه باطل، وقد وقفت على كتاب الجوزقاني المذكور وترجمه ‏"‏ بالأباطيل ‏"‏ وهو بخط ابن الجوزي، وقد تبعه على ما ذكر في أكثر كتابه في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ لكنه لم يوافقه على هذا الحديث فإنه ما ذكره في الموضوعات فأصاب، وعن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ‏"‏ مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وقال‏:‏ لا نعلمه إلا بهذا الإسناد، وفيه أبو يحيى القتات مختلف فيه، وعن رافع بن خديج قال‏:‏ ‏"‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى على رواحلنا أكسية فيها خطوط عهن حمر فقال‏:‏ ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم
    لقول الثالث‏:‏ يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد، وكأن الحجة فيه حديث ابن عمر
    ل الرابع‏:‏ يكره لبس الأحمر مطلقا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، وقد تقدم قول مالك في باب التزعفر‏.‏
    القول الخامس‏:‏ يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر
    وقال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال‏:‏ الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعا بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقا ظاهرا فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا فإن مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثما، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة، وهذا يمكن أن يلخص منه قول ثامن‏.‏
    والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء كما سيأتي، وإن كان من أجل أنه زي النساء فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشهرة أو خرم المروءة فيمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت‏.‏
    (ج10/ ص 380)
    (‏باب النعال‏)‏ جمع نعل وهي مؤنثة، قال ابن الأثير‏:‏ هي التي تسمى الآن تاسومة‏.‏
    وقال ابن العربي‏.‏
    النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم‏.‏
    قال صاحب المحكم‏.‏
    النعل والنعلة ما وقيت به القدم‏.‏
    قد وافق الأصمعي الخليل وقالوا‏:‏ قيل لها سبتية لأنها تسبتت بالدباغ أي لانت، قال أبو عبيد‏.‏
    كانوا في الجاهلية لا يلبس النعال المدبوغة إلا أهل السعة، واستشهد لذلك بشعر‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ السبتية التي دبغت بالقرظ وهي التي سبت ما عليها من شعر أي حلق، قال وقد يتمسك بهذا من يدعي أن الشعر ينجس بالموت، وأنه لا يؤثر فيه الدباغ، ولا دلالة فيه لذلك، واستدل بحديث ابن عمر في لباس النبي صلى الله عليه وسلم النعال السبتية ومحبته لذلك على جواز لبسها على كل حال‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ يكره لبسها في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية قال‏:‏ ‏"‏ بينما أنا أمشي في المقابر علي نعلان إذا رجل ينادي من خلفي‏:‏ يا صاحب السبتيتين إذا كنت في هذا الموضع فاخلع نعليك ‏"‏ أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم واحتج به على ما ذكر، وتعقبه الطحاوي بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعهما لأذى فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين، وهو دال على جواز لبس النعال في المقابر، قال وثبت حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه، قال‏:‏ فإذا جاز دخول المسجد بالنعل فالمقبرة أولى‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت كما ورد النهي عن الجلوس على القبر، وليس ذكر السبتيتين للتخصيص بل اتفق ذلك والنهي إنما هو للمشي على القبور بالنعال‏.‏
    وفي هذه الأحاديث استحباب لبس النعل، وقد أخرج مسلم من حديث جابر رفعه ‏"‏ استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل‏"‏‏.‏
    أي أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة وقلة التعب وسلامة الرجل من أذى الطريق، قاله النووي وقال القرطبي‏:‏ هذا كلام بليغ ولفظ فصيح بحيث لا ينسج على منواله ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفف المشقة، فإن الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ويمنعه من الوصول إلى مقصوده كالراكب فلذلك شبه به‏.‏
    (ج10/ ص 383)
    ال ابن العربي‏:‏ البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة لفضل اليمين حسا في القوة وشرعا في الندب إلى تقديمها‏.‏
    وقال النووي‏:‏ يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك كالدخول إلى الخلاء ونزع النعل والخف والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات، وقد مر كثير من هذا في كتاب الطهارة في شرح حديث عائشة‏:‏ كان يعجبه التيمن‏.‏
    وقال الحليمي وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها في اللبس وأخرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر، قال ابن عبد البر‏:‏ من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء لمخالفة السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله‏.‏
    وقال غيره‏:‏ ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما معا فبدأ باليسرى فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به إذ قد فات محله‏.‏
    ونقل عياض وغيره الإجماع على أن الأمر فيه للاستحباب، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 383)
    قال الخطابي‏:‏ الحكمة في النهي أن النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار‏.‏
    وقيل‏:‏ لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ قيل العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقيل‏:‏ لأنها خارجة عن الاعتدال‏.‏
    وقال البيهقي‏:‏ الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه‏.‏
    وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس‏.‏
    فكل شيء صير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب‏.‏
    وأما ما أخرج مسلم من طريق أبي رزين عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلحها ‏"‏ وله من حديث جابر ‏"‏ حتى يصلح نعله ‏"‏ وله ولأحمد من طريق همام عن أبي هريرة ‏"‏ إذا انقطع شسع أحدكم أو شراكه فلا يمش في إحداهما بنعل والأخرى حافية، ليحفهما جميعا أو لينعلهما جميعا ‏"‏ فهذا لا مفهوم له حتى يدل على الإذن في غير هذه الصورة، وإنما هو تصوير خرج مخرج الغالب، ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا منع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى‏.‏
    وفي هذا التقرير استدراك على من أجاز ذلك حين ا
    الضرورة، وليس كذلك، وإنما المراد أن هذه الصورة قد يظن أنها أخف لكونها للضرورة المذكورة لكن لعلة موجودة فيها أيضا، وهو دال على ضعف ما أخرجه الترمذي عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ ربما انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها ‏"‏ وقد رجح البخاري وغير واحد وقفه على عائشة‏.‏
    وأخرج الترمذي بسند صحيح ‏"‏ عن عائشة أنها كانت تقول لأخيفن أبا هريرة فيمشي في نعل واحدة ‏"‏ وكذا أخرجه ابن أبي شيبة موقوفا، وكأنها لم يبلغها النهي وقولها‏:‏ ‏"‏ لأخيفن ‏"‏ معناه لأفعلن فعلا يخالفه‏.‏
    وقد اختلف في ضبطه فروي ‏"‏ لأخالفن ‏"‏ وهو أوضح في المراد، وروي ‏"‏ لأحنثن ‏"‏ من الحنث بال
    فأخرج مسلم من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يمش في نعل واحدة ‏"‏ الحديث، ومن طريق مالك عن أبي الزبير عن جابر ‏"‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة ‏"‏ ومن طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر رفعه ‏"‏ إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمش في خف واحد ‏"‏ قال ابن عبد البر‏:‏ لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك، وقد ورد عن علي وابن عمر أيضا أنهما فعلا ذلك، وهو إما أن يكون بلغهما النهي فحملاه على التنزيه أو كان زمن فعلهما يسيرا بحيث يؤمن معه المحذور أو لم يبلغهما النهي، أشار إلى ذلك ابن عبد البر‏.‏
    وقال عياض‏:‏ روي عن بعض السلف في المشي في نعل واحدة أو خف واحد أثر لم يصح، أو له تأويل في المشي اليسير بقدر ما يصلح الأخرى، والتقييد بقوله‏:‏ ‏"‏ لا يمش ‏"‏ قد يتمسك به من أجاز الوقوف بنعل واحدة إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد اختلف في ذلك فنقل عياض عن مالك أنه قال‏:‏ يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرض حارة أو نحوها مما يضر فيه المشي حتى يصلحها أو يمشي حافيا إن لم يكن ذلك‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ هذا هو الصحيح في الفتوى، وفي الأثر وعليه العلماء، ولم يتعرض لصورة الجلوس‏.‏
    والذي يظهر جوازها بناء على أن العلة في النهي ما تقدم ذكره، إلا ما ذكر من إرادة العدل بين الجوارح فإنه يتناول هذه الصورة أيضا‏.‏
    (ج10/ ص389)
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ إخبار الصحابي عن الأمر والنهي على ثلاث مراتب‏:‏ الأولى أن يأتي بالصيغة كقوله‏:‏ افعلوا أو لا تفعلوا، الثانية قوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهانا عن كذا وهو كالمرتبة الأولى في العمل به أمرا ونهيا، وإنما نزل عنها لاحتمال أن يكون ظن ما ليس بأمر أمرا، إلا أن هذا الاحتمال مرجوح للعلم بعدالته ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة‏.‏
    المرتبة الثالثة أمرنا ونهينا على البناء للمجهول وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تقرر هذا فالنهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء‏.‏
    قلت‏:‏ وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة ‏"‏ أن النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذوه وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة بنت ابنته فقال‏:‏ تحلي به ‏"‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ وظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة واستقر الأمر عليه، قال عياض‏:‏ وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة فيه فالناس بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما روي فيه عن خباب وقد قال له ابن مسعود ‏"‏ أما آن لهذا الخاتم أن يلقى‏؟‏ فقال‏:‏ إنك لن تراه علي بعد اليوم ‏"‏ فكأنه ما كان بلغه النهي فلما بلغه رجع‏.‏
    قال‏:‏ وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال ذلك في الحرير، قال ابن دقيق العيد‏:‏ هذا يقتضي إثبات الخلاف في التحريم، وهو يناقض القول بالإجماع على التحريم، ولا بد من اعتبار وصف كونه خاتما‏.‏
    قلت‏:‏ التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن أبي إسماعيل أنه رأى ذلك على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وصهيب وذكر ستة أو سبعة‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن حذيفة وعن جابر بن سمرة وعن عبيد الله بن يزيد الخطمي نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أسيد ‏"‏ نزعنا من يدي أسيد خاتما من ذهب ‏"‏ وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء الذي روى النهي، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي السفر قال ‏"‏ رأيت على البراء خاتما من ذهب ‏"‏ وعن شعبة عن أبي إسحاق نحوه أخرجه البغوي في ‏"‏ الجعديات ‏"‏ وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك قال‏:‏ ‏"‏ رأيت على البراء خاتما من ذهب فقال‏:‏ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فألبسنيه فقال‏:‏ البس ما كساك الله ورسوله ‏"‏ قال الحازمي‏:‏ إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ‏.‏
    واستدل به على تحريم الذهب على الرجال قليله وكثيره للنهي عن التختم وهو قليل، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم وما فوقه كالدملج والمعضد وغيرهما، فأما ما هو دونه فلا دلالة من الحديث عليه، وتناول النهي جميع الأحوال فلا يجوز لبس خاتم الذهب لمن فاجأه الحرب لأنه لا تعلق له بالحرب، بخلاف ما تقدم في الحرير من الرخصة في لبسه بسبب الحرب، وبخلاف ما على السيف أو الترس أو المنطقة من حلية الذهب فإنه لو فجأه الحرب جاز له الضرب بذلك السيف فإذا انقضت الحرب فلينتقض لأنه كله من متعلقات الحرب بخلاف الخاتم‏.‏
    (ج10/ ص 391)
    قال ابن عمر فلبس الخاتم - بعد النبي صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس‏)‏
    باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر ‏"‏ من حديث أنس نحوه وقال فيه ‏"‏ فلما كان عثمان جلس على بئر أريس ‏"‏ وزاد ابن سعد الأنصاري بسند المصنف ‏"‏ ثم كان في يد عثمان ست سنين ‏"‏ ثم اتفقا‏.‏
    ووقع في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي من طريق المغيرة بن زياد عن نافع من الزيادة في آخره عن ابن عمر ‏"‏ فاتخذ عثمان خاتما ونقش فيه محمد رسول الله فكان يختم به أو يتختم به ‏"‏ وله شاهد من مرسل علي بن الحسين عند ابن سعد في الطبقات‏.‏
    وقد نقل عياض نحوا من قول ابن بطال قائلا‏:‏ قال بعضهم يمكن الجمع بأنه لما عزم على تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة فلما لبسه أراه الناس في ذلك اليوم ليعلموا إباحته ثم طرح خاتم الذهب وأعلمهم تحريمه فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله ‏"‏ فطرح خاتمه وطرحوا خواتيمهم ‏"‏ أي التي من الذهب‏.‏
    وإن قلنا أن لا وهم فيها وجمعنا بما تقدم فمدة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام كما في حديث ابن عمر هذا، ومدة لبس خاتم الورق الأول كانت يوما واحدا كما في حديث أنس ثم لما رمى الناس الخواتيم التي نقشوها على نقشه، ثم عاد فلبس خاتم الفضة واستمر إلى أن مات‏.

    (ج10/ ص 397)
    ال التيفاشي في ‏"‏ كتاب الأحجار ‏"‏ خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوي عليه فضة، فهذا يؤيد المغايرة في الحكم‏.
    (ج10/ ص 399)
    ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن علي قال ‏"‏ نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه ‏"‏ يعني السبابة والوسطى
    (ج10/ ص 400)
    قال الخطابي‏:‏ لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك اتخذ الخاتم واتخذه من ذهب، ثم رجع عنه لا فيه من الزينة ولما يخشى من الفتنة، وجعل فصه مما يلي باطن كفه ليكون أبعد من التزين‏.‏
    قال شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ دعواه أن العرب لا تعرف الخاتم عجيبة فإنه عربي وكانت العرب تستعمله انتهى، ويحتاج إلى ثبوت لبسه عن العرب وإلا فكونه عربيا واستعمالهم له في ختم الكتب لا يرد على عبارة الخطابي، وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي ريحانة قال ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان ‏"‏ ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا لذي سلطان، وخالفهم آخرون فأباحوه، رمى حجتهم حديث أنس المتقدم ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ألقى خاتمه ألقى الناس خواتيمهم ‏"‏ فإنه يدل على أنه كان يلبس الخاتم في العهد النبوي من ليس ذا سلطان، فإن قيل هو منسوخ قلنا الذي نسخ منه لبس خاتم الذهب، قلت أو لبس خاتم المنقوش عليه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم تقريره‏.‏
    ثم أورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يلبسون الخواتم ممن ليس له سلطان انتهى
    الذي يظهر أن لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، واللائق بالرجال خلافه، وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة للنهي عن التحريم، ويؤيده أن في بعض طرقه نهي عن الزينة والخاتم الحديث، ويمكن أن يكون المراد بالسلطان من له سلطان على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السلطان الأكبر، خاصة والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثا‏.‏
    وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل في النهي، وعلى ذلك يحمل حال من لبسه ويؤيده ما ورد من صفة نقش خواتم بعض من كان يلبس الخواتم مما يدل على أنها لم تكن بصفة ما يختم به، وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعفه وقال‏:‏ سأل صدقة بن يسار سعيد بن المسيب فقال‏:‏ البس الخاتم، وأخبر الناس أني قد أفتيتك والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 400)
    جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك كما تقدم، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة، وكان في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجه الرسل في المحرم من السابعة وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك‏.‏
    قال الداودي‏:‏ لم يجزم به جويرية، وتواطؤ الروايات على خلافه يدل على أنه لم يحفظه، وعمل الناس على لبس الخاتم في اليسار يدل على أنه المحفوظ‏.‏
    عن نافع عن ابن عمر في قصة اتخاذ الخاتم من ذهب وفيه ‏"‏ وجعله في يده اليمنى ‏"‏ وأخرجه الترمذي وابن سعد من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ ‏"‏ صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فتختم به في يمينه، ثم جلس على المنبر فقال‏:‏ إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني‏.‏
    ثم نبذه ‏"‏ الحديث وهذا صريح من لفظه صلى الله عليه وسلم رافع للبس‏.‏
    بن عمر ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يساره ‏"‏ فقد قال أبو داود بعده‏:‏ ورواه ابن إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع ‏"‏ في يمينه ‏"‏ انتهى‏.‏
    ورواية ابن إسحاق قد أخرجها أبو الشيخ في ‏"‏ كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من طريقه، وكذا رواية أسامة‏.‏
    وأخرجها محمد بن سعد أيضا‏.‏
    فظهر أن رواية اليسار في حديث نافع شاذة، ومن رواها أيضا أقل عددا وألين ممن روى اليمين، وقد أخرج الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ بسند حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ‏"‏ وأخرج أبو الشيخ في ‏"‏ كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من رواية خالد بن أبي بكر عن سالم عن ابن عمر نحوه، فرجحت رواية اليمين في حديث ابن عمر أيضا‏.‏
    وقد ورد التختم في اليمين أيضا في أحاديث أخرى‏:‏ منها عند مسلم من حديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من فضة في يمينه فصه حبشي ‏"‏ وأخرج أبو داود أيضا من طريق ابن إسحاق قال ‏"‏ رأيت على الصلت بن عبد الله خاتما في خنصره اليمين، فسألته فقال‏:‏ رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصه على ظهرها، ولا إخال ابن عباس إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وأورده الترمذي من هذا الوجه مختصرا ‏"‏ رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ‏"‏ وللطبراني من وجه آخر عن ابن عباس ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ‏"‏ وفي سنده لين‏.‏
    وأخرج الترمذي أيضا من طريق حماد بن سلمة ‏"‏ رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه وقال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه ‏"‏ ثم نقل عن البخاري أنه أصح شيء روي في هذا الباب‏.‏
    وقال البيهقي في الأدب‏:‏ يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذهب كما صرح به في حديث ابن عمر‏.‏
    والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضة، وأما رواية الزهري عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان فضة ولبسه في يمينه فكأنها خطأ، فقد تقدم أن الزهري وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة، وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب ا هـ ملخصا‏.‏
    وجمع غيره بأنه لبس الخاتم أولا في يمينه ثم حوله إلى يساره، واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه، ثم أنه حوله في يساره ‏"‏ فلو صح هذا لكان قاطعا للنزاع، ولكن سنده ضعيف‏.‏
    قد جمع البغوي في ‏"‏ شرح السنة ‏"‏ بذلك وأنه تختم أولا في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين‏.‏
    وقال ابن أبي حاتم‏:‏ سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال‏.‏
    لا يثبت هذا ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر، وقد تقدم قول البخاري أن حديث عبد الله بن جعفر أصح شيء ورد فيه وصرح فيه بالتختم في اليمين، وفي المسألة عند الشافعية اختلاف والأصح اليمين‏.‏
    ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى لأنه كالمودع فيها، ويحصل يناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم قي اليمين مطلقا لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول‏.‏
    وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم ‏"‏ باب التختم في اليمين واليسار ‏"‏ ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح، ونقل النووي وغيره الإجماع على الجواز ثم قال‏:‏ ولا كراهة فيه - يعني عند الشافعية - وإنما الاختلاف في الأفضل‏.‏
    (ج10/ ص 403)
    ي ‏"‏ المصنف ‏"‏ عن ابن عمر أنه نقش على خاتمه عبد الله بن عمر، وكذا أخرج عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه نقش اسمه على خاتمه، وكذا القاسم بن محمد، قال ابن بطال‏:‏ وكان مالك يقول‏:‏ من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة وأبي عبيدة أنه كان نقش خاتم كل واحد منهما ‏"‏ الحمد لله ‏"‏ وعن علي ‏"‏ الله الملك ‏"‏ وعن إبراهيم النخعي ‏"‏ بالله ‏"‏ وعن مسروق ‏"‏ بسم الله ‏"‏ وعن أبي جعفر الباقر ‏"‏ العزة لله ‏"‏ وعن الحسن والحسين لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم، قال النووي‏:‏ وهو قول الجمهور، ونقل عن ابن سيرين وبعض أهل العلم كراهته انتهى‏.‏
    وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا أن يكتب الرجل في خاتمه ‏"‏ حسبي الله ‏"‏ ونحوها، فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك، والله أعلم‏.‏
    عن أنس قال ‏"‏ كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشيا مكتوبا عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله ‏"‏ وعرعرة ضعفه ابن المديني، وزيادته هذه شاذة، وظاهره أيضا أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادي فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا‏.‏
    وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من أسفل إلى فوق يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال فيها ‏"‏ محمد سطر والسطر الثاني رسول والسطر الثالث الله ‏"‏ ولك أن تقرأ محمد بالتنوين وعدمه والله بالرفع وبالجر‏.‏
    (ج10/ ص 405)
    قال ابن بطال‏:‏ يؤخذ من الحديث أن يسير المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه والاجتهاد في تفتيشه، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك لما ضاع عقد عائشة وحبس الجيش على طلبه حتى وجد، كذا قال، وفيه نظر، فأما عقد عائشة فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة التي نشأت عنه وهي رخصة التيمم فكيف يقاس عليه غيره‏؟‏ وأما فعل عثمان فلا ينهض الاحتجاج به أصلا لما ذكر، لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه لكونه أثر النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسه واستعمله وختم به، ومثل ذلك يساوي في العادة قدرا عظيما من المال، وإلا لو كان غير خاتم النبي صلى الله عليه وسلم لاكتفي بطلبه بدون ذلك، وبالضرورة يعلم أن قدر المؤنة التي حصلت في الأيام الثلاثة تزيد على قيمة الخاتم لكن اقتضت صفته عظيم قدره فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال، قال‏:‏ وفيه أن من فعل الصالحين العبث بخواتيمهم وما يكون بأيديهم وليس ذلك بعائب لهم، قلت‏:‏ وإنما كان كذلك لأن من مثلهم إنما ينشأ عن فكر، وفكرتهم إنما هي في الخير‏.‏
    قال الكرماني‏:‏ معني قوله ‏"‏ يعبث به ‏"‏ يحركه أو يخرجه من إصبعه ثم يدخله فيها وذلك صورة العبث، وإنما يفعل الشخص ذلك عند تفكره في الأمور‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه أن من طلب شيئا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له أن يتركه، ولا يكون بعد الثلاث مضيعا، وأن الثلاث حد يقع بها العذر في تعذر المطلوبات‏.‏
    وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها
    (ج10/ ص408)
    ال ابن القيم‏:‏ كره الجمهور ثقب أذن الصبي ورخص بعضهم في الأنثى‏.‏
    قلت‏:‏ وجاء الجواز في الأنثى عن أحمد للزينة، والكراهة للصبي‏.‏
    قال الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏ يحرم ثقب أذن المرأة ويحرم الاستئجار عليه إلا إن ثبت فيه شيء من جهة الشرع‏.‏
    قلت‏:‏ جاء عن ابن عباس فيما أخرجه الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏‏:‏ سبعة في الصبي من السنة فذكر السابع منها وثقب أذنه، وهو يستدرك على قول بعض الشارحين‏:‏ لا مستند لأصحابنا في قولهم إنه سنة‏.‏
    (ج10/ ص 410)
    ما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم، واستدل لذلك الطبري بكونه صلى الله عليه وسلم لم يمنع المخنث من الدخول على النساء حتى سمع منه التدقيق في وصف المرأة كما في ثالث أحاديث الباب الذي يليه، فمنعه حينئذ فدل على أن لا ذم على ما كان من أصل الخلقة‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ المراد باللعن في هذا الحديث من تشبه من الرجال بالنساء في الزي ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء فإن لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك، قال‏:‏ وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت كما في الباب الذي يليه لئلا يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر‏.‏
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به ما ملخصه‏:‏ ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير‏.‏
    وقال أيضا‏:‏ اللعن الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين‏:‏ أحدهما يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه وهو مخوف، فإن اللعن من علامات الكبائر، والآخر يقع في حال الحرج، وذلك غير مخوف، بل هو رحمة في حق من لعنه، بشرط أن لا يكون الذي لعنه مستحقا لذلك كما ثبت من حديث ابن عباس عند مسلم، قال‏:‏ والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله ‏"‏ المغيرات خلق الله‏"‏‏.‏


    (ج10/ ص411)
    وأخرج عمر فلانا ‏"‏ وأنجشة هو العبد الأسود الذي كان يحدو بالنساء، وسيأتي خبره في ذلك في كتاب الأدب، وقد تقدم ذكر أسامي من كان في العهد النبوي من المخنثين، ولم أقف في شيء من الروايات على تسمية الذي أخرجه عمر، إلى أن ظفرت بكتاب لأبي الحسن المدايني سماه ‏"‏ كتاب المغربين ‏"‏ بمعجمة وراء مفتوحة ثقيلة، فوجدت فيه عدة قصص لمن غربهم عمر عن المدينة
    (ج10/ ص 412)
    ال الخطابي‏.‏
    هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ولا سيما ممن لا يكون طري البدن‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك العضون وسخ، فأمر بغسلها‏.‏
    قال النووي‏:‏ وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فإن في بقائه إضرارا بالسمع، وقد أخرجه ابن عدي من حديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء لأن الوسخ إليها سريع ‏"‏ وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه ‏"‏ قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم ‏"‏ وفي سنده راو مجهول‏.‏
    ولأحمد من حديث ابن عباس ‏"‏ أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ولم لا يبطئ عني وأنتم لا تستنون - أي لا تستاكون - ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم ‏"‏ والرواجب جمع راجبة بجيم وموحدة قال أبو عبيد‏:‏ البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ انتضاح الماء الاستنجاء به، وأصله من النضح وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدة، وعلى الأول فهو غيره، ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن من رواية الحكم بن سفيان الثقفي أو سفيان بن الحكم عن أبيه أنه ‏"‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها ‏"‏ وأخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير‏:‏ أن رجلا أتى ابن عباس فقال إني أجد بللا إذا قمت أصلي، فقال له ابن عباس‏:‏ انضح بماء، فإذا وجدت من ذلك شيئا فقل هو منه‏.‏
    وأما الخصال الواردة في المعنى لكن لما يرد التصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة، منها ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه ‏"‏ أربع من سنن المرسلين‏:‏ الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح ‏"‏ واختلف في ضبط الحياء فقيل بفتح المهملة والتحتانية الخفيفة، وقد ثبت في الصحيحين أن ‏"‏ الحياء من الإيمان
    ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وصوركم فأحسن صوركم‏)‏ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدأ في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقيل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس‏.‏
    وأما شرح الفطرة فقال الخطابي‏:‏ ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة، وكذا قاله غيره، قالوا والمعنى أنها من سنن الأنبياء‏.‏
    وقالت طائفة‏:‏ المعنى بالفطرة الدين وبه جزم أبو نعيم في المستخرج‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين، واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي وقال‏.‏
    معنى الفطرة بعيد من معنى السنة
    (ج10/ ص 414)
    ال النووي‏:‏ ويسمى ختان الرجل إعذارا بذال معجمة، وختان المرأة خفضا بخاء وضاد معجمتين‏.‏
    وقال أبو شامة‏:‏ كلام أهل اللغة يقتضي تسمية الكل إعذارا والخفض يختص بالأنثى‏.
    د استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر بالموسى على موضع الختان من غير قطع قال أبو شامة‏:‏ وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تاما بل يظهر طرف الحشفة فإن كان كذلك وجب تكميله‏.‏
    وأفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في ‏"‏ المدخل ‏"‏ أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموما أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن، بخلاف نساء المشرق، قال‏:‏ فمن قال إن من ولد مختونا استحب إمرار الموسى عل الموضع امتثالا للأمر قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا‏.‏
    وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب الشافعي وجمهور أصحابه‏.‏
    وقال به من القدماء عطاء حتى قال‏:‏ لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن‏.‏
    وعن أحمد وبعض المالكية‏:‏ يجب‏.‏
    وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض‏.‏
    وعنه سنة يأثم بتركه‏.‏
    وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء وهو الذي أورده صاحب ‏"‏ المغني ‏"‏ عن أحمد‏.‏
    وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب، ومن حجتهم حديث شداد بن أوس رفعه ‏"‏ الختان سنة للرجال مكرمة للنساء ‏"‏ وهذا لا حجة فيه لما تقرر أن لفظ السنة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب، لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم‏.‏
    قال أبو شامة‏:‏ هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره، وقيل بقرب حلب؛ وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف، وصرح ابن السكيت بأنه لا يشدد وأثبت بعضهم الوجهين في كل منهما
    ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى أن إبراهيم لما اختتن كان ابن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأول أشهر، وهو أنه اختتن وهو ابن ثمانين وعاش بعدها أربعين
    واختلف في الوقت الذي يشرع فيه الختان، قال الماوردي‏:‏ له وقتان وقت وجوب ووقت استحباب، فوقت الوجوب البلوغ ووقت الاستحباب قبله، والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة، وقيل من يوم الولادة، فإن أخر ففي الأربعين يوما، فإن أخر ففي السنة السابعة، فإن بلغ وكان نضوا نحيفا يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب‏.‏
    ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر، وذكر القاضي حسين أنه لا يجوز أن يختتن الصبي حتى يصير ابن عشر سنين لأنه حينئذ يوم ضربه على ترك الصلاة، وألم الختان فوق ألم الضرب فيكون أولى بالتأخير، وزيفه النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ وقال إمام الحرمين‏:‏ لا يجب قبل البلوغ لأن الصبي ليس من أهل العبادة المتعلقة بالبدن فكيف مع الألم، قال‏:‏ ولا يرد وجوب العدة على الصبية لأنه لا يتعلق به تعب بل هو مضي زمان محض‏.‏
    وقال أبو الفرج السرخسي‏:‏ في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك، ونقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود‏.‏
    وقال مالك‏:‏ يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره وهو مقدم أسنانه، وذلك يكون في السبع سنين وما حولها
    (ج10/ ص 415)
    د قال صاحب ‏"‏ الإقليد ‏"‏ قضية الأخذ في ذلك بالتيامن أن يبدأ بخنصر اليمنى إلى أن ينتهي إلى خنصر اليسرى في اليدين والرجلين معا، وكأنه لحظ أن القص يقع من باطن الكفين أيضا، وذكر الدمياطي أنه تلقى عن بعض المشايخ أن من قص أظفاره مخالفا لم يصبه رمد وأنه جرب ذلك مدة طويلة‏.‏
    وقد نص أحمد على استحباب قصها مخالفا، وبين ذلك أبو عبد الله بن بطة من أصحابهم فقال‏:‏ يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، ويبدأ بإبهام اليسرى على العكس من اليمنى، وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزالي ومن تبعه وقال‏:‏ كل ذلك لا أصل له وإحداث استحباب لا دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالم، ولو تخيل متخيل أن البداءة بمسبحة اليمنى من أجل شرفها فبقية الهيئة لا يتخيل فيه ذلك‏.‏
    نعم البداءة بيمنى اليدين ويمنى الرجلين له أصل وهو كان يعجبه التيامن ا ه‏.‏
    ولم يثبت أيضا في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول، ورويناه في ‏"‏ مسلسلات التيمي ‏"‏ من طريقه، وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة ‏"‏ وله شاهد موصول عن أبي هريرة، لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضا في ‏"‏ الشعب‏"‏، وسئل أحمد عنه فقال‏:‏ يسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخير، وهذا هو المعتمد أنه يستحب كيف ما احتاج إليه؛ وأما ما أخرج مسلم من حديث أنس ‏"‏ وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين يوما ‏"‏ كذا وقت فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ ‏"‏ وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء، وصرح ابن عبد البر بذلك فقال‏:‏ لم يروه غيره،
    وليس بحجة وتعقب بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن ثابت، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفرا لم ينفرد به وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق علي بن جدعان عن أنس، وفي علي أيضا ضعف‏.‏
    وأخرجه ابن عدي من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري عن ثابت عن أنس، لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة قال‏:‏ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان‏:‏ وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة‏.‏
    وعبد الله والراوي عنه مجهولان‏.‏
    قال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضابط في ذلك الاحتياج‏.‏
    وكذا قال النووي‏:‏ المختار أن ذلك كله يضبط بالحاجة‏.‏
    وقال في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في هذا وفي جميع الخصال المذكورة‏.‏
    قلت‏:‏ لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظف فيه مشروع والله أعلم‏.‏
    في ‏"‏ سؤالات مهنا ‏"‏ عن أحمد قلت له‏:‏ يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه‏؟‏ قال‏:‏ يدفنه‏.‏
    قلت‏:‏ بلغك فيه شيء‏؟‏ قال‏:‏ كان ابن عمر يدفنه ‏"‏ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشعر والأظفار وقال‏:‏ لا يتلعب به سحرة بني آدم‏.‏
    قلت وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر نحوه‏.‏
    وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاء من الآدمي والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 427)
    وقال ابن القاسم عن مالك‏:‏ إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين وقال أشهب‏.‏
    سألت مالكا عمن يحفي شاربه فقال‏:‏ أرى أن يوجع ضربا‏.‏
    وقال لمن يحلق شاربه‏:‏ هذه بدعة ظهرت في الناس ا ه‏.‏
    وأغرب ابن العربي فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب، وليس ذلك معروفا عند أصحابه، قال الطحاوي‏:‏ الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ا ه‏.‏
    وقال الأثرم‏:‏ كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا، ونص على أنه أولى من القص‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ وقص الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي الأكل ولا يجتمع فيه الوسخ‏.‏
    قال‏:‏ والجز والإحفاء هو القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك‏.‏
    قال‏:‏ وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال، وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ هو الطبري، فإنه حكى قول مالك وقول الكوفيين ونقل عن أهل اللغة أن الإحفاء الاستئصال ثم قال‏:‏ دلت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر للمراد، والمفسر مقدم على المجمل ا ه‏.‏
    ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة، فأما الاقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة ‏"‏ ضفت النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصه على سواك ‏"‏ أخرجه أبو داود‏.‏
    ال النووي‏:‏ يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين‏.‏
    الثانية يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه أو يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمة بخلاف العانة‏.‏
    قلت‏:‏ محل ذلك حيث لا ضرورة، وأما من لا يحسن الحلق فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به فإنه يغني عن الحلق ويحصل به المقصود وكذا من لا يقوى على النتف ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي
    ال النووي‏:‏ يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره‏.‏
    وتوقف ابن دقيق العيد في قرضه بالسن ثم قال‏:‏ من نظر إلى اللفظ منع ومن نظر إلى المعنى أجاز‏.‏
    الرابعة قال ابن دقيق العيد‏:‏ لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو، واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللحية‏.

    44
    (ج10/ ص 429)
    أخرجه مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عن نافع بلفظ ‏"‏ كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه
    قال الكرماني‏:‏ لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى ‏(‏محلقين رءوسكم ومقصرين‏)‏ وخص ذلك من عموم قوله ‏"‏ وفروا اللحى
    قال الطبري‏:‏ ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها‏.‏
    وقال قوم إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله‏.‏
    وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال‏.‏
    حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا‏؟‏ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال‏:‏ وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها، قال‏:‏ وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء‏.‏
    وقال‏:‏ إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها ‏"‏ وهذا أخرجه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون‏.‏
    لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا ا ه وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة‏.‏
    وقال عياض‏:‏ يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها، كذا قال، وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها؛ قال‏:‏ والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكأن مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه، وذكر النووي عن الغزالي - وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكي في ‏"‏ القوت ‏"‏ - قال‏:‏ يكره في اللحية عشر خصال‏:‏ خضبها بالسواد لغير الجهاد، وبغير السواد إيهاما للصلاح لا لقصد الاتباع، وتبييضها استعجالا للشيخوخة لقصد التعاظم على الأقران، ونتفها إبقاء للمرودة وكذا تحذيفها ونتف الشيب‏.‏
    ورجح النووي تحريمه لثبوت الزجر عنه كما سيأتي قريبا، وتصفيفها طاقة طاقة تصنعا ومخيلة، وكذا ترجيلها والتعرض لها طولا وعرضا على ما فيه من اختلاف، وتركها شعثة إيهاما للزهد، والنظر إليها إعجابا، وزاد النووي‏:‏ وعقدها، لحديث رويفع رفعه ‏"‏ من عقد لحيته فإن محمدا منه بريء ‏"‏ الحديث أخرجه أبي داود، قال الخطابي‏:‏ قيل المراد عقدها في الحرب وهو من زي الأعاجم، وقيل المراد معالجة الشعر لينعقد، وذلك من فعل أهل التأنيث‏.‏
    نكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال‏:‏ ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته، بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها، فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته‏.‏
    قال أبو شامة‏:‏ وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها‏.‏
    وقال النووي‏:‏ يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنه يستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة
    (ج10/ ص 435)
    ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال ‏"‏ كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدا، فلا نغص الوجه والأسنان تركناه ‏"‏ وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه ‏"‏ من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة ‏"‏ وسنده لين، ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل، واختاره الحليمي، وأما خضب اليدين والرجلين فلا يجوز للرجال إلا في التداوي‏.‏
    ولأصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث أبي ذر رفعه ‏"‏ إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم ‏
    لكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معا يخرج بين السواد والحمرة‏.‏
    واستنبط ابن أبي عاصم من قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏جنبوه السواد ‏"‏ أن الخضاب بالسواد كان من عادتهم، وذكر ابن الكلبي أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب، وأما مطلقا ففرعون، وقد اختلف في الخضب وتركه فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدم، وترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة، وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائق به كمن يستشنع شيبه، ومن ترك كان اللائق به كمن لا يستشنع شيبه، وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة حيث قال صلى الله عليه وسلم لما رأى رأسه كأنها الثغامة بياضا ‏"‏ غيروا هذا وجنبوه السواد
    فمن كان في مثل حال أبي قحافة استحب له الخضاب لأنه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقا أولى لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة الشعر عن تعلق الغبار وغيره به، إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه أولى‏.‏
    نقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ ‏"‏ من شاب شيبة فهي له نور إلى أن ينتفها أو يخضبها ‏"‏ وحديث ابن مسعود ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره خصالا ‏"‏ فذكر منها تغيير الشيب، إذ بعضهم ذهب إلى أن هذه الكراهة تستحب بحديث الباب‏.‏
    ثم ذكر الجمع وقال‏.‏
    دعوى النسخ لا دليل عليها‏.‏
    قلت‏.‏
    وجنح إلى النسخ الطحاوي وتمسك بالحديث الآتي قريبا أنه ‏"‏ كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم صار يخالفهم ويحث على مخالفتهم
    (ج10/ ص 444)
    ‏كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه
    كان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب‏"‏‏.‏
    وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم‏)‏
    (‏وكان المشركون يفرقون‏)
    ن أهل الأوثان أبعد عن الإيمان من أهل الكتاب، ولأن أهل الكتاب يتمسكون بشريعة في الجملة فكان يحب موافقتهم ليتألفهم ولو أدت موافقتهم إلى مخالفة أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على كفرهم تمحضت المخالفة لأهل الكتاب‏.‏
    وكان الفرق آخر الأمرين، ومما يشبه الفرق والسدل صبغ الشعر وتركه كما تقدم، ومنها صوم عاشوراء، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القبلة، ومخالفتهم في مخالطة الحائض حتى قال ‏"‏ اصنعوا كل شيء إلا الجماع ‏"‏ فقالوا‏.‏
    ما يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه،
    ومنها ما يظهر إلى النهي عن صوم يوم السبت، وقد جاء ذلك من طرق متعددة في النسائي وغيره، وصرح أبو داود بأنه منسوخ وناسخه حديث أم سلمة ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت والأحد يتحرى ذلك ويقول إنهما يوما عبد الكفار وأنا أحب أن أخالفهم ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد ‏"‏ أخرجه أحمد والنسائي، وأشار بقوله ‏"‏ يوما عيد ‏"‏ إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود والأحد عيد عند النصارى وأيام العيد لا تصام فخالفهم بصيامها، ويستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدا بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأول أن يصاما معا وفرادى امتثالا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب، قال عياض‏:‏ سدل الشعر إرساله، يقال سدل شعره وأسدله إذا أرسله ولم يضم جوانبه، وكذا الثوب، والفرق تفريق الشعر بعضه من بعض وكشفه عن الجبين، قال والفرق سنة لأنه الذي استقر عليه الحال‏.‏
    قلت‏:‏ وقد جزم الحازمي بأن السدل نسخ بالفرق، واستدل برواية معمر التي أشرت إليها قبل وهو ظاهر‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الصحيح جواز السدل والفرق‏.‏
    (ج10/ ص 447)
    أخرجه أبو داود والنسائي وفي سياقه ما يدل على مستند من رفع القزع ولفظه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك فقال‏:‏ احلقوا كله أو ذروا كله ‏"‏ قال النووي‏:‏ الأصح أن القزع ما فسره به نافع وهو حلق بعض رأس الصبي مطلقا، ومنهم من قال‏:‏ هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول لأنه تفسير الراوي وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به‏.‏
    قلت‏:‏ إلا أن تخصيصه بالصبي ليس قيدا، قال النووي‏:‏ أجمعوا على كراهيته إذا كان في مواضع متفرقة إلا للمداواة أو نحوها وهي كراهة تنزيه ولا فرق بين الرجل والمرأة، وكرهه مالك في الجارية والغلام وقيل في رواية لهم لا بأس به في القصة والقفا للغلام والجارية، قال‏:‏ ومذهبنا كراهته مطلقا‏.‏
    قلت‏:‏ حجته ظاهرة لأنه تفسير الراوي، واختلف في علة النهي فقيل‏:‏ لكونه يشوه الخلقة، وقيل لأنه زي الشيطان، وقيل لأنه زي اليهود، وقد جاء هذا في رواية لأبي داود‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ يؤخذ منه أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه بخلاف طيب النساء، لأنهن يطيبن وجوههن ويتزين بذلك بخلاف الرجال، فإن تطييب الرجل في وجهه لا يشرع لمنعه من التشبه بالنساء

    لبس55
    (ج10/ ص 450)
    وقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏خذوا زينتكم عند كل مسجد‏)‏ وأما حديث النهي عن الترجل إلا غبا يعني الحديث الذي أشرت إليه قريبا فالمراد به ترك المبالغة في الترفه وقد روى أبو أمامة بن ثعلبة رفعه ‏"‏ البذاذة من الإيمان ‏"‏ ا ه‏.‏
    وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود، والبذاذة بموحدة ومعجمتين رثاثة الهيئة، والمراد بها هنا ترك الترفه والتنطع في اللباس والتواضع فيه مع القدرة لا بسبب جحد نعمة الله تعالى‏.‏
    وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن بريدة ‏"‏ أن رجلا من الصحابة يقال له عبيد قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن كثير من الإرفاه ‏"‏ قال ابن بريدة الإرفاه الترجل‏.‏
    قلت‏:‏ الإرفاه بكسر الهمزة وبفاء وآخره هاء التنعم والراحة، ومنه الرفه بفتحتين وقيده في الحديث بالكثير إشارة إلى أن الوسط المعتدل منه لا يذم، وبذلك يجمع بين الأخبار‏.‏
    وقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ من كان له شعر فليكرمه ‏"‏ وله شاهد من حديث عائشة في ‏"‏ الغيلانيات ‏"‏ وسنده حسن أيضا‏.‏
    (ج10/ ص 453)
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يقول‏:‏ ‏"‏ إن الصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الصيام مع الإشارة إلى ما بينت هنا، وذكرت أقوال العلماء في معنى إضافته سبحانه وتعالى الصيام إليه بقوله‏:‏ ‏"‏ فإنه في ‏"‏ ونقلت عن أبي الخير الطالقاني أنه أجاب عنه بأجوبة كثيرة نحو الخمسين، وأنني لم أقف عليه، وقد يسر الله تعالى الوقوف على كلامه، وتتبعت ما ذكره متأملا فلم أجد فيه زيادة على الأجوبة العشرة التي حررتها هناك إلا إشارات صوفية وأشياء تكررت معنى وإن تغايرت لفظا وغالبها يمكن ردها إلى ما ذكرته، فمن ذلك قوله لأنه عبادة خالية عن السعي، وإنما هي ترك محض‏.‏
    وقوله‏:‏ يقول هو لي فلا يشغلك ما هو لك عما هو في‏.‏
    وقوله‏:‏ من شغله ما لي عني أعرضت عنه وإلا كنت له عوضا عن الكل‏.‏
    وقوله لا يقطعك ما لي عني‏.‏
    وقوله‏:‏ لا يشغلك الملك عن المالك‏.‏
    (ج10/ ص 459)
    حرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة، وقد أخرج الطبري من طريق أم عثمان بنت سفيان عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها ‏"‏ وهو عند أبي داود من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير ‏"‏ والله أعلم‏.‏
    ذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعرا أم لا، ويؤيده حديث جابر ‏"‏ زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئا ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏
    وذهب الليث ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي‏.‏
    يستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك، والرجل في هذا الأخير كالمرأة‏.‏
    وقال النووي‏:‏ يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب‏.‏
    قلت‏:‏ وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وعلمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس‏.‏
    وقال بعض الحنابلة‏:‏ إن كان النمص أشهر شعارا للفواجر امتنع وإلا فيكون تنزيها‏.‏
    وفي رواية يجوز بإذن الزوج إلا إن وقع به تدليس فيحرم، قالوا ويجوز الحف والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة‏.‏
    وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة وكانت شابة يعجبها الجمال فقالت‏:‏ المرأة تحف‏.‏
    جبينها لزوجها فقالت‏:‏ أميطي عنك الأذى ما استطعت‏.‏
    وقال النووي‏:‏ يجوز التزين بما ذكر، إلا الحف فإنه من جملة النماص‏.‏
    (ج10/ ص 468)
    لا تدخل الملائكة‏)‏ ظاهره العموم، وقيل‏:‏ يستثنى من ذلك الحفظة فإنهم لا يفارقون الشخص في كل حالة، وبذلك جزم ابن وضاح والخطابي وآخرون، لكن قال القرطبي‏:‏ كذا قال بعض علمائنا، والظاهر العموم، والمخصص يعني الدال على كون الحفظة لا يمتنعون من الدخول ليس نصا‏.‏
    قلت‏:‏ ويؤيده أنه ليس من الجائز أن يطلعهم الله تعالى على عمل العبد ويسمعهم قوله وهم بباب الدار التي هو فيها مثلا، ويقابل القول بالتعميم القول بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادعى أن ذلك كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كما سأذكره وهو شاذ‏.‏
    (ج10/ ص 471)
    أجاب القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ بأن الناس الذين أضيف إليهم ‏"‏ أشد ‏"‏ لا يراد بهم كل الناس بل بعضهم وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذابا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابا ممن يصورها لا للعبادة‏.‏
    واستشكل ظاهر الحديث أيضا بإبليس وبابن آدم الذي سن القتل، وأجيب بأنه في إبليس واضح، ويجاب بأن المراد بالناس من ينسب إلى آدم، وأما في ابن آدم فأجيب بأن الثابت في حقه أن عليه مثل أوزار من يقتل ظلما، ولا يمتنع أن يشاركه في مثل تعذيبه من ابتدأ الزنا مثلا فإن عليه مثل أوزار من يزني بعده لأنه أول من سن ذلك، ولعل عدد الزناة أكثر من القاتلين‏.‏
    قال النووي قال العلماء‏:‏ تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أم لغيره فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام‏.‏
    قلت‏:‏ ويؤيد التعميم فيما له ظل وفيما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها أي طمسها ‏"‏ الحديث، وفيه ‏"‏ من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ‏"‏ وقال الخطابي‏:‏ إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل‏.‏
    (ج10/ ص476)
    ستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد، قال النووي‏:‏ وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإن كان معلقا على حائط أو ملبوسا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام‏.‏
    قلت‏:‏ وفيما نقله مؤاخذات‏:‏ منها أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها ظل حرم بالإجماع سواء كانت مما يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في ‏"‏ باب من صور صورة ‏"‏ وحكى القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ في الصور التي لا تتخذ للإبقاء كالفخار قولين أظهرهما المنع‏.‏
    قلت‏:‏ وهل يلتحق ما يصنع من الحلوى بالفخار، أو بلعب البنات‏؟‏ محل تأمل‏.‏
    وصحح ابن العربي أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حرمت سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أو فرقت هيئتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزهري وقواه النووي، وقد يشهد له حديث النمرقة
    منها أن إمام الحرمين نقل وجها أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعا فيخرج عن هيئة الامتهان بخلاف الثوب فإنه بصدد أن يمتهن، وتساعده عبارة ‏"‏ مختصر المزني ‏"‏ صورة ذات روح إن كانت منصوبة‏.‏
    ونقل الرافعي عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع‏.‏
    وقال المتولي في ‏"‏ التتمة ‏"‏ لا فرق‏.‏
    ومنها أن مذهب الحنابلة جواز الصورة في الثوب ولو كان معلقا على ما في خبر أبي طلحة، لكن إن ستر به الجدار منع عندهم، قال النووي‏:‏ وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه مطلقا، وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم كانت الصورة فيه بلا ظل بغير شك، ومع ذلك فأمر بنزعه‏.‏
    قلت‏:‏ المذهب المذكور نقله ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد بسند صحيح ولفظه عن ابن عون ‏"‏ قال دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء ‏"‏ ففي إطلاق كونه مذهبا باطلا نظر، إذ يحتمل أنه تمسك في ذلك بعموم قوله‏:‏ ‏"‏ إلا رقما في ثوب ‏"‏ فإنه أعم من أن يكون معلقا أو مفروشا، وكأنه جعل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة تعليق الستر المذكور مركبا من كونه مصورا ومن كونه ساترا للجدار، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه عند مسلم‏.‏
    قال النووي‏:‏ يجمع بين الأحاديث بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوها ا هـ‏.‏
    ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي كما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب السنن
    قال ابن العربي‏:‏ حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال‏:‏ الأول‏:‏ يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب، الثاني‏:‏ المنع مطلقا حتى الرقم، الثالث‏:‏ إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال وهذا هو الأصح، الرابع‏:‏ إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز‏.‏
    (ج10/ ص 487)
    وأخرج الطبري عن علي قال‏:‏ ‏"‏ إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم ‏"‏ وعكسه ما أخرجه الطبري أيضا بسند جيد عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏ كان يوم بدر ثلاثة على بعير ‏"‏ وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة أيضا من طريق الشعبي عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة إذا أطاقت حمل ذلك ‏"‏ وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك، فحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة كالحمار مثلا، وعكسه على عكسه كالناقة والبغلة، قال النووي‏:‏ مذهبنا ومذاهب العلماء كافة جواز ركوب ثلاثة على الدابة إذا كانت مطيقة‏.‏
    وحكى القاضي عياض منعه عن بعضهم مطلقا، وهو فاسد‏.‏
    قلت‏:‏ لم يصرح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيد‏.‏

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهيت من كتاب اللباس "
    ويليه كتاب الآداب " من فتح الباري للحافظ ابن حجر
    وأسال الله أن يرفع البلاء والوباء عن عباده الفقراء الضعفاء
    21/ مارس / 2020 ميلادي

  5. #205
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم السادس من الحجر المنزلي
    وذلك لتفشي الوباء في البلاد على العباد
    واحترازا للحد من انتشاره , والسمع والطاعة لولاة الأمر
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أما العذاب المدفوع فهو يَعُمُّ العذابَ السماويَّ، ويعمُّ ما يكون من العباد، وذلك أن الجميع قد سمَّاه الله عذاباً)
    قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلم عندما خَسَفَت الشمس: (فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا الله، وكبِّرُوا، وصلُّوا، وتصدَّقُوا) رواه البخاري، قال الطيبيُّ: (أُمِروا باستدفاعِ البلاء بالذِّكر والدعاء والصلاة والصدقة
    قال ابن حجر: (وفي الحديث أنَّ المفزعَ في الأمور المُهمَّة إلى الله، يكون بالتوجُّه إليه في الصلاة)
    أسال الله العظيم رب العرش العظيم باسماءه الحسنى ان يرفع عنا البأس إنه سميع قريب مجيب الدعاء

    اليوم : السبت
    الموافق 27/ رجب / 1441 هجري
    الموافق 21/ 3/ 2020 ميلادي

    ‏.‏
    كتاب الأدب
    (ج10/ ص 491)
    ووقع في أول ‏"‏ الأدب المفرد للبخاري ‏"‏ باب ما جاء في قول الله تعالى ‏(‏ووصينا الإنسان بوالديه حسنا‏)‏ وكتاب الأدب المفرد يشتمل على أحاديث زائدة على ما في الصحيح وفيه قليل من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة‏.‏
    والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل‏:‏ الوقوف مع المستحسنات، وقيل‏:‏ هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك‏.‏
    قيل‏:‏ إنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه‏.‏
    (ج10/ 492)
    وقال ابن بطال‏:‏ ذكر أهل التفسير أن هذه الآية التي في لقمان نزلت في سند بن أبي وقاص، كذا قال إنها التي في لقمان وليس كذلك، وقد أخرج مسلم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه قال حلفت أم سعد لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه‏.‏
    قالت‏:‏ زعمت أن الله أوصاك بوالديك، فأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، فنزلت ‏(‏ووصينا الإنسان بوالديه حسنا‏.‏
    وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفا‏)‏ كذا وقع عنده، وفيه انتقال من آية إلى آية، فإن في آية العنكبوت ‏(‏وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما - إلى - مرجعكم‏)‏ والمذكور عنده بعد قوله‏:‏ ‏(‏وإن جاهداك على الخ‏)‏ إنما هو في لقمان‏.‏
    واسم أم سعد بن أبي وقاص حمنة - بفتح المهملة وسكون الميم بعدها نون - بنت سفيان بن أمية، وهي ابنة عم أبي سفيان بن حرب بن أمية، ولم أر في شيء من الأخبار أنها أسلمت‏.‏
    واقتضت الآية الوصية بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين، إلا إذا أمرا بالشرك فتجب معصيتهما في ذلك، ففيها بيان ما أجمل في غيرها، وكذا في حديث الباب، من الأمر ببرهما‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة‏.‏
    وقال عياض‏:‏ وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل يكون برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك والصواب الأول‏.‏
    قلت‏:‏ إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحا في ذلك فقد ذكره ابن بطال قال‏:‏ سئل مالك طلبني أبي فمنعتني أمي، قال‏:‏ أطع أباك ولا تعص أمك قال ابن بطال‏:‏ هذا يدل على أنه يرى برهما سواء، كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة، قال‏:‏ وسئل الليث يعني عن المسألة بعينها فقال‏:‏ أطع أمك فإن لها ثلثي البر، وهذا يشير إلى الطريق التي لم يتكرر ذكر الأم فيه إلا مرتين‏.‏
    (ج10/ ص 493)
    قال عياض‏:‏ تردد بعض العلماء في الجد والأخ، والأكثر على تقديم الجد‏.‏
    قلت‏:‏ وبه جزم الشافعية، قالوا‏:‏ يقدم الجد ثم الأخ، ثم يقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بواحد، ثم تقدم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة ثم الولاء، ثم الجار‏.‏
    حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏"‏ أن امرأة قالت‏:‏ يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال‏:‏ أنت أحق به ما لم تنكحي ‏"‏ كذا أخرجه الحاكم وأبو داود‏.‏
    فتوصلت لاختصاصها به وباختصاصه بها في الأمور الثلاثة‏.‏
    (ج10/ ص 499)
    دفن البنات بالحياة، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة فيهن، ويقال إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه ثم حصل بينهم صلح فخير ابنته فاختارت زوجها‏.‏
    فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك، وكان من العرب فريق ثان يقتلون أولادهم مطلقا، إما نفاسة منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما ينفقه عليه، وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عدة آيات، وكان صعصعة بن ناجية التميمي أيضا وهو جد الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك فيفدي الولد منه بمال يتفقان عليه، وإلى ذلك أشار الفرزدق بقوله‏:‏ وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد وهذا محمول على الفريق الثاني، وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام ولهما صحبة، وإنما خص البنات بالذكر لأنه كان الغالب من فعلهم، لأن الذكور مظنة القدرة على الاكتساب‏.‏
    وكانوا في صفة الوأد على طريقين‏:‏ أحدهما أن يأمر امرأته إذا قرب وضعها أن تطلق بجانب حفيرة، فإذا وضعت ذكرا أبقته وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة، وهذا أليق بالفريق الأول‏.‏
    ومنهم من كان إذا صارت البنت سداسية قال لأمها‏:‏ طيبيها وزينيها لأزور بها أقاربها، ثم يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر فيقول لها انظري فيها ويدفعها من خلفها ويطمها، وهذا اللائق بالفريق الثاني، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 500)
    وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جدا، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ وأما ما تقدم في اللعان فكره النبي صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، وكذا في التفسير في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏)‏ فذلك خاص بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديث ‏"‏ أعظم الناس جرما عند الله من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ‏"‏ وثبت أيضا ذم السؤال للمال ومدح من لا يحلف فيه كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏لا يسألون الناس إلحافا‏)‏ وتقدم في الزكاة حديث ‏"‏ لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ‏"‏ وفي صحيح مسلم ‏"‏ إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة‏:‏ لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو جائحة ‏"‏ وفي السنن قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏"‏ إذا سألت فاسأل الله ‏"‏ وفي سنن أبي داود ‏"‏ إن كنت لا بد سائلا فاسأل الصالحين ‏"‏ وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعية أنه جائز لأنه طلب مباح فأشبه العارية، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزكاة الواجبة ممن ليس من أهلها، لكن قال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏‏:‏ اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة‏.‏
    قال‏:‏ واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين أصحهما التحريم لظاهر الأحاديث‏.‏
    والثاني‏:‏ يجوز مع الكراهة بشروط ثلاثة‏:‏ أن لا يلح ولا يذل نفسه زيادة على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسئول‏.‏
    فإن فقد شرط من ذلك حرم‏.‏
    وقال الفكهاني‏:‏ يتعجب ممن قال بكراهة السؤال مطلقا مع وجود السؤال في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ثم السلف الصالح من غير نكير، فالشارع لا يقر على مكروه‏.‏
    قلت‏:‏ لعل من كره مطلقا أراد أنه خلاف الأولى، ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته ولا من تقريره أيضا، وينبغي حمل حال أولئك على السداد؛ وأن السائل منهم غالبا ما كان يسأل إلا عند الحاجة الشديدة‏.‏
    في قوله‏:‏ ‏"‏ من غير نكير ‏"‏ نظر ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك‏.‏
    جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره فالذي يظهر أيضا أنه يختلف باختلاف الأحوال‏.‏
    (ج10/ ص 502)
    والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعا فلا شك في منعه، والثاني‏:‏ إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعا فلا شك في كونه مطلوبا بالشرط المذكور، والثالث‏:‏ إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف‏.‏
    والثاني‏:‏ ما لا يليق به عرفا، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين‏:‏ أحدهما‏:‏ ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف، والثاني‏:‏ ما لا يكون في شيء من ذلك فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف قال‏:‏ لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له‏.‏
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ وظاهر القرآن يمنع ما قال ا هـ‏.‏
    وقد صرح بالمنع القاضي حسين فقال في كتاب قسم الصدقات‏:‏ هو حرام، وتبعه الغزالي، وجزم به الرافعي في الكلام على المغارم، وصحح في باب الحجر من الشرح وفي المحرر أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، والذي يترجح أنه ليس مذموما لذاته، لكنه يفضي غالبا إلى ارتكاب المحذور كسؤال الناس، وما أدى إلى المحذور فهو محذور‏.‏
    جواز التصدق بجميع المال وأن ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة، وجزم الباجي من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة قال‏:‏ ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة‏.‏
    ومما لا خلاف في كراهته مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب‏.‏
    وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء القيام على الرقيق والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمه ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة‏.‏
    وقال السبكي الكبير في ‏"‏ الحلبيات ‏"‏‏:‏ الضابط في إضاعة ا
    المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي، فإن انتفيا حرم قطعا، وإن وجد أحدهما وجودا له بال وكان الإنفاق لائقا بالحال ولا معصية فيه جاز قطعا‏.‏
    وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط‏.‏
    فعلى المفتي أن يرى فيما تيسر منها رأيه، وأما ما لا يتيسر فقد تعرض له؛ فالإنفاق في المعصية حرام كله، ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة ولذة حسنة‏.‏
    وأما إنفاقه في الملاذ المباحة فهو موضع الاختلاف، فطاهر قوله تعالى‏:‏ ‏(‏والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما‏)‏ أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف‏.‏
    ثم قال‏:‏ ومن بذل مالا كثيرا في غرض يسير تافه عده العقلاء مضيعا، بخلاف عكسه، والله أعلم‏.‏
    قال الطيبي‏:‏ هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق، وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة‏.‏
    (ج10/ 503)
    وقد اختلف السلف فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر، وشذت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني فقال‏:‏ ليس في الذنوب صغيرة بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس، وحكاه القاضي عياض عن المحققين، واحتجوا بأن كل مخالفة لله فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة ا هـ‏.‏
    ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية فقال‏:‏ انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطيب وأصحابه فقالوا‏:‏ المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر، قالوا‏:‏ ولا ذنب عندنا يغفر واجبا باجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏)‏ ‏.‏
    وأجابوا عن الآية التي احتج أهل القول الأول بها وهي قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه‏)‏ أن المراد الشرك‏.‏
    وقد قال الفراء‏:‏ من قرأ ‏"‏ كبائر ‏"‏ فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏كذبت قوم نوح المرسلين‏)‏ ولم يرسل إليهم غير نوح، قالوا‏:‏ وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة ا هـ‏.‏
    قال النووي‏:‏ قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول الأول‏.‏
    وقال الغزالي في ‏"‏ البسيط ‏"‏ إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه‏.‏
    قلت‏:‏ قد حقق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة واختاره وبين أنه لا يخالف ما قاله الجمهور‏.‏
    فقال في ‏"‏ الإرشاد ‏"‏‏:‏ المرضي عندنا أن كل ذنب يعصى الله به كبيرة، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران ولو كان في حق الملك لكان كبيرة، والرب أعظم من عصي، فكل ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب وإن عظمت فهي متفاوتة في رتبها‏.‏
    وظن بعض الناس أن الخلاف لفظي فقال‏:‏ التحقيق أن للكبيرة اعتبارين‏:‏ فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض فهي تختلف قطعا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي فكلها كبائر ا هـ‏.‏
    والتحقيق أن الخلاف معنوي، وإنما جرى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدال على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر كما تقدم، والله أعلم‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عز وجل عنه كبيرة لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله‏:‏ ‏(‏الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم‏)‏ فجعل في المنهيات صغائر وكبائر، وفرق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن‏؟‏
    وقال الطيبي‏:‏ الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلا بد من أمر يضافان إليه وهو أحد ثلاثة أشياء‏:‏ الطاعة أو المعصية أو الثواب‏.‏
    فأما الطاعة فكل ما تكفره الصلاة مثلا هو من الصغائر، وكل ما يكفره الإسلام أو الهجرة فهو من الكبائر‏.‏
    وأما المعصية فكل معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدا أو عقابا أزيد من الوعيد أو العقاب المستحق بسبب معصية أخرى فهي كبيرة وأما الثواب ففاعل المعصية إذا كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية ا هـ‏.‏
    (ج10/ ص504)
    قال النووي‏:‏ واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا كثيرا منتشرا، فروي عن ابن عباس أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، قال‏:‏ وجاء نحو هذا عن الحسن البصري‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة أو أوجب فيه حدا في الدنيا‏.‏
    قلت‏:‏ وممن نص على هذا الأخير الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماوردي ولفظه‏:‏ الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد‏.‏
    وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها قول إمام الحرمين‏:‏ كل جريمة تؤذن بقلة اكثراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة‏.‏
    وقول الحليمي‏:‏ كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه‏.‏
    وقال الرافعي‏:‏ هي ما أوجب الحد‏.‏
    وقيل‏:‏ ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة‏.‏
    هذا أكثر ما يوجد للأصحاب وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر
    وقال ابن‏:‏ عبد السلام في ‏"‏ القواعد ‏"‏‏:‏ لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارا دون الكبائر المنصوص عليها‏.‏
    قلت‏:‏ وهو ضابط جيد‏.‏
    وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ الراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة، وكلام ابن الصلاح يوافق ما نقل أولا عن ابن عباس، وزاد إيجاب الحد، وعلى هذا يكثر عدد الكبائر‏.‏
    وقد ذهب آخرون إلى أن الذنوب التي لم ينص على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها، فقال الواحدي‏:‏ ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة، كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 505)
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعا، لأن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطبع، وأما قول الزور فإن الحوامل عليه كثيرة فحسن الاهتمام بها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها‏.‏
    قال‏:‏ وأما عطف الشهادة على القول فينبغي أن يكون تأكيدا للشهادة لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة وليس كذلك، وإذا كان بعض الكذب منصوصا على عظمه كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا‏)‏ ‏.‏
    (ج10/ ص 510)
    قال ابن التين‏:‏ ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏)‏ والجمع بينهما من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن هذه الزيادة كناية عن البركة في النمر بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غيره ذلك‏.‏
    ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر‏.‏
    وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت‏.‏
    ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح‏.‏
    ثانيهما‏:‏ أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى، كأن يقال للملك مثلا‏:‏ إن عمر فلان مائة مثلا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها‏.‏
    وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب‏)‏ فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة‏.‏
    ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق‏.‏
    ال الطيبي‏:‏ الوجه الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب ‏"‏ الفائق ‏"‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون المعنى أن الله يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا طويلا فلا يضمحل سريعا كما يضمحل أثر قاطع الرحم‏.‏
    ولما أنشد أبو تمام قوله في بعض المراثي‏:‏ توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفر قال له أبو دلف‏:‏ لم يمت من قيل فيه هذا الشعر‏.‏
    وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله‏.‏
    وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه ونحو ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 515)
    وقال الإسماعيلي‏:‏ معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة، وليس معناه أنها من ذات الله‏.‏
    تعالى الله عن ذلك‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة‏.‏
    وأما الرحم الخاصة فتزيد للنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم‏.‏
    وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك كما في الحديث الأول من كتاب الأدب ‏"‏ الأقرب فالأقرب ‏"‏ وقال ابن أبي جمرة‏:‏ تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء‏.‏
    والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارا أو فجارا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى‏.‏
    وفي الأحاديث الثلاثة تعظيم أمر الرحم، وأن صلتها مندوب مرغب فيه وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيه‏.‏
    واستدل به على أن الأسماء توقيفية، وعلى رجحان القول الصائر إلى أن المراد بقوله‏:‏ ‏(‏وعلم آدم الأسماء كلها‏)‏ أسماء جميع الأشياء سواء كانت من الذوات أو من الصفات، والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 516)
    ال عبد الحق في كتاب ‏"‏ الجمع بين الصحيحين ‏"‏‏:‏ إن الصواب في ضبط هذه الكلمة بالرفع، أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضع أبيض يعني بغير كتابة، وفهم منه بعضهم أنه الاسم المكني عنه في الرواية فقرأه بالجر على أنه في كتاب محمد بن جعفر إن آل أبي بياض، وهو فهم سيء ممن فهمه لأنه لا يعرف في العرب قبيلة يقال لها آل أبي بياض، فضلا عن قريش، وسياق الحديث مشعر بأنهم من قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم وهي قريش، بل فيه إشعار بأنهم أخص من ذلك لقوله‏:‏ ‏"‏ إن لهم رحما ‏"‏ وأبعد من حمله على بني بياضة وهم بطن من الأنصار لما فيه من التغيير أو الترخيم على رأي، ولا يناسب السياق أيضا‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ حذفت التسمية لئلا يتأذى بذلك المسلمون من أبنائهم‏.‏
    وقال النووي‏:‏ هذه الكناية من بعض الرواة، خشي أن يصرح بالاسم فيترتب عليه مفسدة إما في حق نفسه، وإما في حق غيره، وإما معا‏.‏
    قال عياض‏:‏ إن المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص‏.‏
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ كذا وقع مبهما في السياق، وحمله بعضهم على بني أمية ولا يستقيم مع قوله آل أبي، فلو كان آل بني لأمكن، ولا يصح تقدير آل أبي العاص لأنهم أخص من بني أمية والعام لا يفسر بالخاص‏.‏
    قال أبو بكر بن العربي في ‏"‏ سراج المريدين ‏"‏‏:‏ كان في أصل حديث عمرو بن العاص ‏"‏ أن آل أبي طالب ‏"‏ فغير ‏"‏ آل أبي فلان ‏"‏ كذا جزم به، وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب، ولم يصب هذا المنكر فإن هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي موجودة في ‏"‏ مستخرج أبي نعيم ‏"‏ من طريق الفضل بن الموفق عن عنبسة بن عبد الواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص رفعه ‏"‏ إن لبني أبي طالب رحما أبلها ببلاها ‏"‏ وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضا لكن أبهم لفظ طالب، وكأن الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظنهم أن ذلك يقتضي نقصا في آل أبي طالب؛ وليس كما توهموه كما سأوضحه إن شاء الله تعالى‏.‏
    قد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب وهو الانحراف عن علي وآل بيته، قلت‏:‏ أما قيس بن أبي حازم فقال يعقوب بن شيبة تكلم أصحابنا في قيس فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد حتى قال ابن معين‏:‏ هو أوثق من الزهري ومنهم من حمل عليه وقال‏:‏ له أحاديث مناكير، وأجاب من أطراه بأنها غرائب وإفراده لا يقدح فيه‏.‏
    ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقال‏:‏ كان يحمل على علي ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين، وأجاب من أطراه بأنه كان يقدم عثمان على علي‏.‏
    قلت‏:‏ والمعتمد عليه أنه ثقة ثبت مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سمع من أبي بكر الصديق فمن دونه، وقد روي عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد وبيان بن بشر وهما كوفيان ولم ينسبا إلى، النصب، لكن الراوي عن بيان وهو عنبسة بن عبد الواحد أموي قد نسب إلى شيء من النصب، وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يتهم، وللحديث محل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني آل أبي طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه وهو إطلاق سائغ كقوله في أبي موسى‏:‏ ‏"‏ إنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود ‏"‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ آل أبي أوفى ‏"‏ وخصه بالذكر مبالغة في الانتفاء ممن لم يسلم لكونه عمه وشقيق أبيه وكان القيم بأمره ونصره وحمايته، ومع ذلك فلما لم يتابعه على دينه انتفى من موالاته‏.‏
    (ج10/ ص 518)
    وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وصالح المؤمنين‏)‏ على أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ الأنبياء أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة وأخرجه الطبري، وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد‏.‏
    الثاني‏:‏ الصحابة أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، ونحوه في تفسير الكلبي قال‏:‏ هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأشباههم ممن ليس بمنافق‏.

    ‏.‏
    الثالث‏:‏ خيار المؤمنين أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك‏.‏
    الرابع‏:‏ أبو بكر وعمر وعثمان أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري‏.‏
    الخامس‏:‏ أبو بكر وعمر أخرجه الطبري وابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا وسنده ضعيف، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن الضحاك أيضا، وكذا هو في تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء بسنده عن ابن عباس موقوفا،
    السادس‏:‏ أبو بكر خاصة ذكره القرطبي عن المسيب بن شريك‏.‏
    السابع‏:‏ عمر خاصة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسند واه جدا عن ابن عباس‏.‏
    الثامن‏:‏ علي أخرجه ابن أبي حاتم بسند منقطع عن علي نفسه مرفوعا
    (ج10/ ص 526)
    أن من فعل معروفا لم يكن واجبا عليه أو زاد على قدر الواجب عليه عد محسنا، والذي يقتصر على الواجب وإن كان يوصف بكونه محسنا لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله، وقد جاء أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط ففي حديث ابن عباس المتقدم ‏"‏ فقال رجل من الأعراب‏:‏ أو اثنتين‏؟‏ فقال‏:‏ أو اثنتين ‏"‏ وفي حديث عوف بن مالك عند الطبراني ‏"‏ فقالت امرأة ‏"‏ وفي حديث جابر ‏"‏ وقيل ‏"‏ وفي حديث أبي هريرة ‏"‏ قلنا ‏"‏ وهذا يدل على تعدد السائلين، وزاد في حديث جابر ‏"‏ فرأى بعض القوم أن لو قال وواحدة لقال وواحدة ‏"‏ وفي حديث أبي هريرة قلنا‏:‏ وثنتين‏؟‏ قال‏:‏ وثنتين‏.‏
    قلنا‏:‏ وواحدة‏؟‏ قال‏:‏ وواحدة ‏"‏ وشاهده حديث ابن مسعود رفعه ‏"‏ من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأوسع عليها من نعمة الله التي أوسع عليه ‏"‏ أخرجه الطبراني بسند واه‏.‏
    (ج10/ ص 527)
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه جواز سؤال المحتاج، وسخاء عائشة لكونها لم تجد إلا تمرة فآثرت بها، وأن القليل لا يمتنع التصدق به لحقارته، بل ينبغي للمتصدق أن يتصدق بما تيسر له قل أو كثر‏.‏
    وفيه جواز ذكر المعروف إن لم يكن على وجه الفخر ولا المنة‏.‏
    وقال النووي تبعا لابن بطال‏:‏ إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن‏.‏
    وقال شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏‏:‏ يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء، ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى، فإن من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أولا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 532)
    وقال القرطبي‏:‏ مقتضى هذا الحديث أن الله علم إن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة وكلها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وكان بالمؤمنين رحيما‏)‏ فإن رحيما من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها، ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها إذا كمل كل ما كان في علم الله من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فسأكتبها للذين يتقون‏)‏ الآية‏.‏
    وقال الكرماني‏:‏ الرحمة هنا عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير، والقدرة في نفسها غير متناهية، والتعليق غير متناه، لكن حصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عند الخلق وتكثيرا لما عند الله سبحانه وتعالى، وأما مناسبة هذا العدد الخاص فحكى القرطبي عن بعض الشراح أن هذا العدد الخاص أطلق لإرادة التكثير والمبالغة فيه، وتعقبه بأنه لم تجر عادة العرب بذلك في المائة وإنما جرى في السبعين، كذا قال‏.‏
    قال ابن أبي جمرة‏:‏ ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسع وستين جزءا فإذا قوبل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءا، فيؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها‏.‏
    ويؤيده قوله‏:‏ ‏"‏ غلبت رحمتي غضبي‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 535)
    باب حسن العهد من الإيمان‏)‏ قال أبو عبيد‏:‏ العهد هنا رعاية الحرمة‏.‏
    وقال عياض‏:‏ هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له‏.‏
    وقال الراغب‏:‏ حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال‏.‏
    وعهد الله تارة يكون بما ركزه في العقل وتارة بما جاءت به الرسل، وتارة بما يلتزمه المكلف ابتداء كالنذر، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ومنهم من عاهد الله‏)‏ وأما لفظ ‏"‏ العهد ‏"‏ فيطلق بالاشتراك بإزاء معان أخرى، منها الزمان والمكان واليمين والذمة والصحة والميثاق والإيمان والنصيحة والوصية والمطر ويقال له العهاد أيضا‏.‏
    ( ج10/ ص 536)
    كافل اليتيم
    قال ابن بطال‏:‏ حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك‏.‏
    قال شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك ا هـ ملخص
    (ج10/ ص 540)
    قال ابن أبي جمرة‏:‏ شبه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء، لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الإخلال الأصل، وكذلك الجسد أصل كالشجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب‏.


    ادب 22
    (ج10/ ص 541)
    ‏ي رواية لمسلم ‏"‏ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ‏"‏ وهو عند الطبراني بلفظ ‏"‏ من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء ‏"‏ وله من حديث ابن مسعود رفعه ‏"‏ ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء ‏"‏ ورواته ثقات، وهو في حديث عبد الله بن عمر، وعند أبي داود والترمذي‏:‏ والحاكم بلفظ ‏"‏ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ‏"‏ وهذا الحديث قد اشتهر بالمسلسل بالأولية، وفي حديث الأشعث بن قيس عند الطبراني في الأوسط ‏"‏ من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق فيدخل المؤمن والكافر والبهائم المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب‏.‏
    وقال ابن أبي جمرة‏:‏ يحتمل أن يكون المعنى من لا يرحم غيره بأي نوع من الإحسان لا يحصل له الثواب كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏هل جزاء الإحسان إلا الإحسان‏)‏ ، ويحتمل أن يكون المراد من لا يكون فيه رحمة الإيمان في الدنيا لا يرحم في الآخرة، أو من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لا يرحمه الله لأنه ليس له عنده عهد، فتكون الرحمة الأولى بمعنى الأعمال والثانية بمعنى الجزاء
    (ج10/ 542)
    حديث مرفوع أخرجه الطبراني من حديث جابر رفعه ‏"‏ الجيران ثلاثة‏:‏ جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ الجار يطلق ويراد به الداخل في الجوار، ويطلق ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب،
    قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية، والسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك‏.‏
    وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية‏.‏
    وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه كما في الحديث الذي يليه، وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار وأن إضراره من الكبائر‏.‏
    قال‏:‏ ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح‏.‏
    والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضا ويستر عليه زلله عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فبه وإلا فيهجره قاصدا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف، وسيأتي القول في حد الجار في ‏"‏ باب حق الجوار ‏"‏ قريبا انتهى ملخصا‏.‏
    (ج10/ ص 543)
    وقال ابن أبي جمرة‏:‏ يستفاد من الحديث أن من أكثر من شيء من أعمال البر يرجى له الانتقال إلى ما هو أعلى منه، وأن الظن إذا كان في طريق الخير جاز ولو لم يقع المظنون، بخلافه ما إذا كان في طريق الشر‏.‏
    وفيه جواز الطمع في الفضل إذا توالت النعم‏.‏
    وفيه جواز التحدث بما يقع في النفس من أمور الخير‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    (ج10/ ص546)
    أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدثه به في حال سفره، ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه‏:‏ ‏"‏ عن أبي هريرة ‏"‏ سلك الجادة، فكانت مع من قال عنه‏:‏ ‏"‏ عن أبي شريح ‏"‏ زيادة علم ليست عند الآخرين، وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح
    (ج10/ ص 546)
    قال ابن بطال‏:‏ في هذا الحديث تأكيد حق الجار لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان‏.‏
    وقال النووي عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه في حق المستحل، والثاني‏:‏ أن معناه ليس مؤمنا كاملا ا هـ‏.‏
    ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يجازي مجازاة المؤمن بدخول الجنة من أول وهلة مثلا، أو أن هذا خرج مخرج الزجر والتغليظ، وظاهره غير مراد، والله أعلم‏.‏
    وقال ابن أبي جمرة‏:‏ إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه وأمر بحفظه وإيصال الخير إليه وكف أسباب الضرر عنه فينبغي له أن يراعي حق الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات ويحزنان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران ا هـ ملخصا‏.
    (ج10/ ص 548)
    ‏في عدة أحاديث أخرجها الطبراني من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو الشيخ في ‏"‏ كتاب التوبيخ ‏"‏ من حديث معاذ بن جبل ‏"‏ قالوا يا رسول الله ما حق الجار على الجار‏؟‏ قال‏:‏ إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ‏"‏ وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثره لعمرو بن شعيب‏.‏
    وفي حديث بهز بن حكيم ‏"‏ وإن أعوز سترته ‏"‏ وأسانيدهم واهية لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن الحديث أصلا‏.‏
    ثم الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين وقد يكون فرض كفاية وقد يكون مستحبا، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق‏.‏
    (ج10/ ص 548)
    وفي معنى الأمر بالصمت عدة أحاديث‏:‏ منها حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو بن العاص ‏"‏ المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ‏"‏ وقد تقدما في كتاب الإيمان، وللطبراني عن ابن مسعود ‏"‏ قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل ‏"‏ فذكر فيها ‏"‏ أن يسلم المسلمون من لسانك ‏"‏ ولأحمد وصححه ابن حبان من حديث البراء رفعه في ذكر أنواع من البر ‏"‏ قال فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ‏"‏ وللترمذي من حديث ابن عمر ‏"‏ من صمت نجا ‏"‏ وله من حديثه ‏"‏ كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب ‏"‏ وله من حديث سفيان الثقفي ‏"‏ قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي‏؟‏ قال‏:‏ هذا‏.‏
    وأشار إلى لسانه ‏"‏ وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام وفي حديث معاذ عند أحمد والترمذي والنسائي ‏"‏ أخبرني بعمل يدخلني الجنة ‏"‏ فذكر الوصية بطولها وفي آخرها ‏"‏ ألا أخبرك بملاك ذلك كله‏؟‏ كف عليك هذا‏.‏
    وأشار إلى لسانه ‏"‏ الحديث‏.‏
    وللترمذي من حديث عقبة بن عامر ‏"‏ قلت يا رسول الله ما النجاة‏؟‏ قال‏:‏ أمسك عليك لسانك‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 549)
    ‏ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه‏)‏ زاد في حديث أبي شريح ‏"‏ جائزته‏.‏
    قال‏:‏ وما جائزته يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام
    اختلف في حد الجوار‏:‏ فجاء عن علي رضي الله عنه ‏"‏ من سمع النداء فهو جار ‏"‏ وقيل‏:‏ ‏"‏ من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار ‏"‏ وعن عائشة ‏"‏ حد الجوار أربعون دارا من كل جانب ‏"‏ وعن الأوزاعي مثله‏.‏
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ مثله عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعا ‏"‏ ألا إن أربعين دارا جار ‏"‏ وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ‏"‏ أربعون دارا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه ‏"‏ وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة‏.‏
    (ج10/ ص 550)
    وقال الراغب‏:‏ المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معا، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف وقال ابن أبي جمرة‏:‏ يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا، قال‏:‏ والمراد بالصدقة الثواب، فإن قارنته النية أجر صاحبه جزما، وإلا ففيه احتمال‏.‏
    ل ابن بطال‏:‏ وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله متطوعا به، وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله، ويقال لكل ما يحابي به المرء من حقه صدقة لأنه تصدق بذلك على نفسه‏.‏
    ال ابن بطال‏:‏ فيه حجة لمن جعل الترك عملا وكسبا للعبد خلافا لمن قال من المتكلمين إن الترك ليس بعمل، ونقل عن المهلب أنه مثل الحديث الآخر ‏"‏ من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة‏"‏‏.‏
    استدل بظاهر الحديث الكعبي لقوله‏:‏ ليس في الشرع شيء يباح، بل إما أجر وإما وزر، فمن اشتغل بشيء عن المعصية فهو مأجور عليه‏.‏
    قال ابن التين‏:‏ والجماعة على خلافه، وقد ألزموه أن يجعل الزاني مأجورا لأنه يشتغل به عن غيره من المعصية‏.‏
    قلت‏:‏ ولا يرد عليه لأنه إنما أراد الاشتغال بغير المعصية‏.‏
    نعم يمكن أن يرد عليه ما لو اشتغل بعمل صغيرة عن كبيرة كالقبلة والمعانقة عن الزنا، وقد لا يرد عليه أيضا لأن الذي يظهر أنه يريد الاشتغال بشيء مما لم يرد النص بتحريمه‏.

    ادب33
    (ج10/ ص 553)
    ل عياض‏:‏ ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف، قال‏:‏ وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك‏.‏
    الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال‏:‏ هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض، وحاصله أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر، وقيل‏:‏ الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن والسيئة الدعاء عليه‏.‏
    (ج10/ ص 558)
    قال الخطابي جمع هذا الحديث علما وأدبا، وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله، وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته‏.‏
    قلت‏:‏ وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة الخصائص، وليس كذلك، بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف له عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطلعه المغتر على حاله فيذم الشخص بحضرته ليتجنبه المغتر ليكون نصيحة، بخلاف غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى‏.‏
    ثم قال تبعا لعياض‏:‏ والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى‏.‏
    (ج10/ 561)
    أما الحسن فقال الراغب‏:‏ هو عبارة عن كل مرغوب فيه إما من جهة العقل وإما من جهة العرض وإما من جهة الحسن، وأكثر ما يقال في عرف العامة فيما يدرك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يدرك بالبصيرة، انتهى ملخصا‏.‏
    وأما الخلق فهو بضم الخاء واللام ويجوز سكونها، قال الراغب‏:‏ الخلق والخلق يعني بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركـة بالبصيرة انتهى‏.‏
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ‏"‏ أخرجه أحمد وصححه ابن حبان‏.‏
    وفي حـديث علي الطويل في دعاء الافتتاح عند مسلم ‏"‏ واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ‏"‏ وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتوادد ولين الجانب ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك، وأما السخاء فهو بمعنى الجود، وهو بذل ما يقتنى بغير عوض، وعطفه على حسن الخلق من عطف الخاص على العام، وإنما أفرد للتنويه به‏.‏
    وأما البخل فهو منع ما يطلب مما يقتنى، وشره ما كان طالبه مستحقا ولا سيما إن كان من غير مال المسئول‏.‏
    (ج10/ ص 562)
    حديث أنس قال‏:‏ ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ‏"‏ أي أحسنهم خلقا وخلقا ‏"‏ وأجود الناس ‏"‏ أي أكثرهم بذلا لما يقدر عليه ‏"‏ وأشجع الناس ‏"‏ أي أكثرهم إقداما مع عدم الفرار،
    في كل إنسان ثلاث قوى‏:‏ أحدها‏:‏ الغضبية وكمالها الشجاعة، ثانيها‏:‏ الشهوانية وكمالها الجود، ثالثها‏:‏ العقلية وكمالها النطق بالحكمة‏.‏
    (ج10/ ص 564)
    أخرج الترمذي وابن حبان وصححاه وهو عند البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من حديث أبي هريرة ‏"‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال‏:‏ تقوى الله وحسن الخلق ‏"‏ وللبزار بسند حسن من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ‏"‏ والأحاديث في ذلك كثيرة‏.‏
    وحكى ابن بطال تبعا للطبري خلافا‏:‏ هل حسن الخلق غريزة، أو مكتسب‏؟‏ وتمسك من قال بأنه غريزة بحـديث ابن مسعود ‏"‏ إن الله قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم ‏"‏ الحديث وهو عند البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في كتاب القدر‏.‏
    وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها إن كان محمودا وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا فيرتاض صاحبه حني يقوى‏.‏
    قلت‏:‏ وقد وقع في حديث الأشج العصري عند أحمد والنسائي والبخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وصححه ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن فيك لخصلتين يحبهما الله‏:‏ الحلم، والأناة‏.‏
    قال‏:‏ يا رسول الله، قديما كانا في أو حديثا‏؟‏ قال‏:‏ قديما‏.‏
    قال‏:‏ الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما ‏"‏ فترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسب‏.‏
    (ج10/ ص 565)
    وقوله في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏ والله ما قال لي أف قط ‏"‏ قال الراغب‏:‏ أصل الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال أيضا عند تكره الشيء وعند التضجر من الشيء، واستعملوا منها الفعل كأففت بفلان، وفي أف عدة لغات‏:‏ الحركات الثلاث بغير تنوين وبالتنوين، ووقع في رواية مسلم هنا ‏"‏ أفا ‏"‏ بالنصب والتنوين وهي موافقة لبعض القراءات الشاذة كما سيأتي، وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد، وعلى ذلك اقتصر بعض الشراح، وذكر أبو الحسن الرماني فيها لغات كثيرة فبلغها تسعا وثلاثين ونقلها ابن عطية وزاد واحدة أكملها أربعين، وقد سردها أبو حيان في ‏"‏ البحر ‏"‏ واعتمد على ضبط القلم‏.‏
    ولخص ضبطها صاحبه الشهاب السمين ولخصته منه، وهي الستة المقدمة، وبالتخفيف كذلك ستة أخرى، وبالسكون مشددا ومخففا، وبزيادة هاء ساكنة في آخره مشددا ومخففا، وأفي بالإمالة وبين بين وبلا إمالة الثلاثة بلا تنوين، وأفو بضم ثم سكون وأفي بكسر ثم سكون‏.‏
    فذلك ثنتان وعشرون، وهذا كله مع ضم الهمزة ويجوز كسرها وفتحها
    (ج10/ ص 567)
    ال ابن بطال‏:‏ من أخلاق الأنبياء التواضـع، والبعد عن التنعم، وامتهان النفس ليستن بهم ولئلا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمها بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا‏)‏ ‏.‏
    لبزار من طريق أبي وكيع الجراح بن مليح عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ ما من عبد إلا وله صيت في السماء، فإن كان حسنا وضع في الأرض وإن كان سيئا وضع في الأرض ‏"‏ والصيت بكسر الصاد المهملة وسكون التحتانية بعدها مثناة أصله الصوت كالريح من الروح، والمراد به الذكر الجميل، وربما قيل لضده لكن بقيد‏.‏
    (ج10/ ص 572)
    وقال القرطبي‏:‏ حيث جاء الكفر في لسان الشرع فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية، وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم وترك شكر المنعم والقيام بحقه كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان في ‏"‏ باب كفر دون كفر ‏"‏ وفي حديث أبي سعيد ‏"‏ يكفرن الإحسان ويكفرن العشير ‏"‏ قال وقوله باء بها أحدهما أي رجع بإثمها ولازم ذلك، وأصل البوء اللزوم، ومنه‏:‏ ‏"‏ أبوء بنعمتك ‏"‏ أي ألزمها نفسي وأقر بها قال‏:‏ والهاء في قوله‏:‏ ‏"‏ بها ‏"‏ راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدل عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة‏.‏
    والحاصل أن المقول له إن كان كافرا كفرا شرعيا فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه، كذا اقتصر على هذا التأويل في رجع، وهو من أعدل الأجوبة، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه ‏"‏ إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها ‏"‏ وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسند حسن وآخر عند أبي داود والترمذي عن ابن عباس ورواته ثقات، ولكنه أعل بالإرسال‏.‏
    (ج10/ ص 575)
    أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلا إن تعين طريقا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما وعارم وغندر وغيرهم، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لما سلم في ركعتين من صلاة الظهر فقال ‏"‏ أكما يقول ذو اليدين ‏"‏ ووإلى ما ذهب إليه البخاري من التفصيل في ذلك ذهب الجمهور، وشذ قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول‏:‏ أخاف أن يكون قولنا حميدا الطويل غيبة، وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين وفيها ‏"‏ وفي القوم رجل في يديه طول ‏"‏ قال ابن المنير أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز وإن كان للتنقيص لم يجز، قال‏:‏ وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها فأشارت فأشارت بيدها أنها قصيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اغتبتيها ‏"‏ وذلك أنها لم تفعل هذا بيانا إنما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب انتهى‏.

    ادب33
    (ج10/ ص 577)
    جزم بأن النميمة من الكبائر، وقد اختلف في حد الغيبة وفي حكمها، فأما حدها فقال الراغب‏:‏ هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه‏.‏
    وقال ابن الأثير في النهاية‏:‏ الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ تبعا للغزالي‏:‏ ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز‏.‏
    قال النووي‏:‏ وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم قال بعض من يدعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره‏:‏ الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة‏.‏
    وتمسك من قال‏:‏ إنها لا يشترط فيها غيبة الشخص بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ أتدرون ما الغيبة‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏
    قال‏:‏ ذكرك أخاك بما يكرهه‏.‏
    قال‏:‏ أفرأيت إن كان في أخي ما أقول‏؟‏ قال‏:‏ إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ‏"‏
    ابن التين‏:‏ الغيبة ذكر المرء بما يكرهه بظهر الغيب‏.‏
    وكـذا قيده الزمخشري وأبو نصر القشيري في التفسير وابن خميس في جزء له مفرد في الغيبة والمنذري وغير واحد من العلماء من آخرهم الكرماني قال‏:‏ الغيبة أن تتكلم خلف الإنسان بما يكرهه لو سمعه وكان صدقا‏.‏
    قال‏:‏ وحكم الكناية والإشارة مع النية كذلك‏.‏
    وكلام من أطلق منهم محمول على المقيد في ذلك‏.‏
    وذكر في ‏"‏ الروضة ‏"‏ تبعا للرافعي أنها من الصغائر، وتعقبه جماعة‏.‏
    ونقل أبو عبد الله القرطبي في تفسيره الإجماع على أنها من الكبائر لأن حد الكبيرة صادق عليها لأنها مما ثبت الوعيد الشديد فيه‏.‏
    وقال الأذرعي لم أر من صرح بأنها من الصغائر إلا صاحب العدة والغزالي‏.‏
    وصرح بعضهم بأنها من الكبائر‏.‏
    وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقل من التفصيل، فمن اغتاب وليا لله أو عالما ليس كمن اغتاب مجهول الحالة مثلا‏.‏
    وقد قالوا‏:‏ ضابطها ذكر الشخص بما يكره، وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه، وقد يشتد تأذيه بذلك وأذى المسلم محرم‏.‏
    وذكر النووي من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس رفعه ‏"‏ لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم‏.‏
    قلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ‏"‏ أخرجه أبو داود وله شاهد عن ابن عباس عند أحمد وحديث سعيد بن زيد رفعه ‏"‏ إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ‏"‏ أخرجه أبو داود، وله شاهد عند البزار وابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة، وعند أبي يعلى من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له يوم القيامة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا، فيأكله ويكلح ويصيح ‏"‏ سنده حسن‏.‏
    (ج10/ ص 580)
    : حديث صاحب القبرين "
    أبدى بعضهم للجمع بين هاتين الخصلتين مناسبة، وهي أن البرزخ مقدمة الآخرة، وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء، ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة بنشر الفتن التي يسفك بسببها الدماء‏.‏
    (ج10/ ص 581)
    قال الغزالي ما ملخصه‏:‏ ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نم له ولا يظن بمن نم عنه ما نقل عنه ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له وأن ينهاه ويقبح له فعله وأن يبغضه إن لم ينزجر وأن لا يرضى لنفسه ما نهي النمام عنه فينم هو على النمام فيصير نماما، قال النووي‏:‏ وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهي مستحبة أو واجبة، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصا ظلما فحذره منه، وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلا فلا منع من ذلك‏.‏
    وقال الغزالي ما ملخصه‏:‏ النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولا أم فعلا، وسواء كان عيبا أم لا، حتى لو رأى شخصا يخفي ما له فأفشى كان نميمة‏.‏
    واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان، والراجح التغاير، وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 582)
    قال ابن التين‏:‏ ظاهر الحديث أن من اغتاب في صومه فهو مفطر، وإليه ذهب بعض السلف، وذهب الجمهور إلى خلافه، لكن معنى الحديث أن الغيبة من الكبائر وأن إثمها لا يفي له بأجر صومه فكأنه في حكم المفطر‏.‏
    (ج10/ ص 585)
    قال ابن بطال‏:‏ حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالا على ما وصف به، ولذلك تأول العلماء في الحديث الآخر ‏"‏ احثوا في وجوه المداحين التراب ‏"‏ أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل‏.‏
    وقال عمر‏:‏ المدح هو الذبح‏.‏
    قال‏:‏ وأما من مدح بما فيه فلا يدخل في النهي، فقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في‏:‏ وجه مادحه ترابا‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    (ج10/ ص 587)
    وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب، والممنوعة بخلافها، ويستثنى من ذلك ما جاء عن المعصوم فإنه لا يحتاج إلى قيد كالألفاظ التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعض الصحابة مثل قوله لابن عمرو ‏"‏ نعم العبد عبد الله ‏"‏ وغير ذلك وقال الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏ آفة المدح في المادح أنه قد يكذب وقد يرائي الممدوح بمدحه ولا سيما إن كان فاسقا أو ظالما، فقد جاء في حديث أنس رفعه ‏"‏ إذا مدح الفاسق غضب الرب ‏"‏ أخرجه أبو يعلى وابن أبي الدنيا في الصمت، وفي سنده ضعف، وقد يقول ما لا يتحققه مما لا سبيل له إلى الاطلاع عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فليقل أحسب ‏"‏ وذلك كقوله إنه ورع ومتق وزاهد، بخلاف ما لو قال‏:‏ رأيته يصلي أو يحج أو يزكي فإنه يمكنه الاطلاع على ذلك، ولكن تبقى الآفة على الممدوح، فإنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرا أو إعجابا أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل، لأن الذي يستمر في العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصرا، فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس، وربما كان مستحبا، قال ابن عيينة‏:‏ من عرف نفسه لم يضره المدح‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ إذا مدح الرجل في وجهه فليقل‏:‏ اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، أخرجه البيهقي في ‏"‏ الشعب‏"‏‏.

    44
    (ج10/ ص 589)
    ن بطال‏:‏ وجه الجمع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث أن الله لما نهى عن البغي، وأعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي، وضمن النصر لمن بغي عليه كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغى عليه، وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ يستفاد من الآية الأولى أن دلالة الاقتران ضعيفة، لجمعه تعالى بين العدل والإحسان في أمر واحد، والعدل واجب والإحسان مندوب‏.‏
    قلت‏:‏ وهو مبني على تفسير العدل والإحسان، وقد اختلف السلف في المراد بهما في الآية فقيل‏:‏ العدل لا إله إلا الله، والإحسان الفرائض‏.‏
    وقبل‏:‏ العدل لا إله إلا الله، والإحسان الإخلاص‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل خلع الأنداد، والإحسان أن تعبد الله كأنـك تراه‏.‏
    وهو بمعنى الذي قبله‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل الفرائض، والإحسان النافلة وقيل‏:‏ العدل العبادة، والإحسان الخشوع فيها‏.‏
    وقيل العدل الإنصاف، والإحسان التفضل‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل امتثال المأمورات، والإحسان اجتناب المنهيات‏.‏
    وقيل، العدل بذل الحق، والإحسان ترك الظلم‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل استواء السر والعلانية، والإحسان فضل العلانية‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل البذل، والإحسان العفو‏.‏
    وقيل‏:‏ العدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال‏.‏
    وقيل غير ذلك‏.‏
    وقال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ العدل بن العبد وربه بامتثال أوامره واجتناب مناهيه، وبين العبد وبين نفسه بمزيد الطاعات وتوقي الشبهات الشهوات، وبين العبد وبين غيره بالإنصاف‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    وقال الراغب‏:‏ العدل ضربان مطلق يقتضي العقل حسنه ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا ولا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو أن تحسن لمن أحسن إليك وتكف الأذى عمن كف أذاه عنك‏.‏
    (ج10/ ص 592)
    وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفعه ‏"‏ ثلاث لا يسلم منها أحد‏:‏ الطيرة والظن والحسد‏.‏
    قيـل‏:‏ فما المخرج منها يا رسول الله‏؟‏ قالا‏:‏ إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ ‏"‏ وعن الحسن البصري قال‏:‏ ما من آدمي إلا وفيه الحسد‏.‏
    فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء‏.‏
    (ج10/ ص 600)
    التكبر يأتي على وجهين‏:‏ أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير ومن ثم وصف سبحانه وتعالى بالمتكبر، والثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا بما ليس فيه، وهو وصف عامة الناس نحو قوله ‏(‏كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار‏)‏ والمستكبر مثله‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ الكبر على قسمين‏:‏ فإن ظهر على الجوارح يقال تكبر، وإلا قيل‏:‏ في نفسه كبر‏.‏
    والأصل هو الذي في النفس وهو الاسترواح إلى رؤية النفس، والكبر يستدعي متكبرا عليه يرى نفسه فوقه ومتكبرا به، وبه ينفصل الكبر عن العجب، فمن لم يخلق إلا وحده يتصور أن يكون معجبا لا متكبرا‏.‏
    وقد ورد في ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث، من أصحها ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقيل‏:‏ إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال‏:‏ الكبر بطر الحق وغمط الناس ‏"‏ والغمط بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة هو الازدراء والاحتقار، وقد أخرجه الحاكم بلفظ ‏"‏ الكبر من بطر الحق وازدري الناس ‏"‏ والسائـل المذكور يحتمل أن يكون ثابت بن قيس فقد روى الطبراني بسند حسن عنه أنه سأل عن ذلك، وكذا أخرج من حديث سواد بن عمرو أنه سأل عن ذلك‏.‏
    وأخرج عبد بن حميد من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ الكبر السفه عن الحق، وغمص الناس‏.‏
    فقال‏:‏ يا نبي الله وما هو‏؟‏ قال‏:‏ السفه أن يكون لك على رجل مال فينكره فيأمره رحل بتقوى الله فيأبى، والغمص أن يجيء شامخا بأنفه، وإذا رأى ضعفاء الناس وفقراءهم لم يسلم عليهم ولم يجلس إليهم محقرة لهم ‏"‏ وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة ‏"‏ وأخرج أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد رفعه ‏"‏ من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يجعله الله في أعلى عليين، ومن تكبر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين ‏"‏ وأخرج الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ عن ابن عمر رفعه ‏"‏ إياكم والكبر، فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة ‏"‏ ورواته ثقات، وحكى ابن بطال عن الطبري أن المراد بالكبر في هذه الأحاديث الكفر، بدليل قوله في الأحاديث ‏"‏ على الله ‏"‏ ثم قال‏:‏ ولا ينكر أن يكون من الكبر ما هو استكبار على غير الله تعالى ولكنه غير خارج عن معنى ما قلناه، لأن معتقد الكبر على ربه يكون لخلق الله أشد استحقارا انتهى‏.‏
    وقد أخرج مسلم من حديث عياض بن حماد بكسر المهملة وتخفيف الميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ‏"‏ الحديث، والأمر بالتواضع نهي عن الكبر فإنه ضده، وهو أعم من الكفر وغيره واختلف في تأويل ذلك في حق المسلم فقيل‏:‏ لا يدخل الجنة مع أول الداخلين، وقيل لا يدخلها بدون مجازاة، وقيل جزاؤه أن لا يدخلها ولكن قد يعفى عنه، وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ، وظاهره غير مراد


    55
    (ج10/ ص 603)
    قال النووي قال العلماء تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب، فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض‏.‏
    وقال أبو العباس القرطبي‏:‏ المعتبر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغي البعض وتعتبر ذلك ليلة اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة‏.‏
    قلت‏:‏ وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود
    (ج10/ ص 608)
    دعى المحب الطبري أن الهجران المنهي عنه ترك السلام إذا التقيا، ولم يقع ذلك من عائشة في حق ابن الزبير، ولا يخفى ما فيه، فإنها حلفت أن لا تكلمه والحالف يحرص على أن لا يحنث، وترك السلام داخل في ترك الكلام، وقد ندمت على سلامها عليه فدل على أنها اعتقدت أنها حنثت، ‏.‏
    ويؤيده ما كانت تعتقه في نذرها ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 609)
    ال أكثر العلماء‏:‏ تزول الهجرة بمجرد السلام ورده‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولا‏.‏
    وقال أيضا‏:‏ ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام‏.‏
    وكذا قال ابن القاسم وقال عياض‏:‏ إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه عندنا ولو سلم عليه، يعني وهذا يؤيد قول ابن القاسم‏.‏
    قلت‏:‏ ويمكن الفرق بأن الشهادة يتوقى فيها، وترك المكالمة يشعر بأن في باطنه عليه شيئا فلا تقبل شهادته عليه، وأما زوال الهجرة بالسلام عليه بعد تركه ذلك في الثلاث فليس بممتنع، واستدل للجمهور بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف وفيه ‏"‏ ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه ‏"‏ واستدل بقوله ‏"‏ أخاه ‏"‏ على أن الحكم يختص بالمؤمنين‏.‏
    وقال النووي‏:‏ لا حجة في قوله ‏"‏ لا يحل لمسلم ‏"‏ لمن يقول الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، لأن التقييد بالمسلم لكونه الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به‏.‏
    وأما التقييد بالأخوة فدال على أن للمسلم أن يهجر الكافر من غير تقييد‏.‏
    واستدل بهذه الأحاديث على أن من أعرض عن أخيه المسلم وامتنع من مكالمته والسلام عليه أثم بذلك، لأن نفي الحل يستلزم التحريم، ومرتكب الحرام آثم‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرة، فإن كان كذلك جاز، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية‏.‏
    وقد استشكل على هذا ما صدر من عائشة في حق ابن الزبير قال ابن التين‏:‏ إنما ينعقد النذر إذا كان في طاعة كلله علي أن أعتق أو أن أصلي، وأما إذا كان قي حرام أو مكروه أو مباح فلا نذر، وترك الكلام يفضي إلى التهاجر وهو حرام أو مكروه‏.‏
    (ج10/ 610)
    أجاب الطبري بأن المحرم إنما هو ترك السلام فقط، وإن الذي صدر من عائشة ليس فيه أنها امتنعت من السلام على ابن الزبير ولا من رد السلام عليه لما بدأها بالسلام، وأطال في تقرير ذلك وجعله نظير من كانا في بلدين لا يجتمعان ولا يكلم أحدهما الآخر وليسا مع ذلك متهاجرين، قال‏:‏ وكانت عائشة لا تأذن لأحد من الرجال عليها إلا بإذن، ومن دخل كان بينه وبينها حجاب إلا إن كان ذا محرم منها، ومع ذلك لا يدخل عليها حجابها إلا بإذنها، فكانت في تلك المدة منعت ابن الزبير من الدخول عليها، كذا قال، ولا يخفى ضعف المأخذ الذي سلكه من أوجه لا فائدة للإطالة بها، والصواب ما أجاب به غيره أن عائشة رأت ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله لأحجرن عليها، فإن فيه تنقيصا لقدرها ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمه ولم يكن أحد عندها في منزلته كما تقدم التصريح به في أوائل مناقب قريش، فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن يلوذ به مالا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء بالمنافقين لحقارتهم، فعلى هذا يحـمل ما صدر من عائشة‏.‏
    وقد ذكر الخطابي أن هجر الوالد ولده والزوج زوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث، واستدل بأنه صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرا، وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة‏.‏
    (ج10/ 611)
    وقال الطبري‏:‏ قصة كعب بن مالك أصل هو هجران أهل المعاصي، وقد استشكل كون هجران الفاسق أو المبتدع مشروعا ولا يشرع هجران الكافر وهو أشد جرما منهما لكونهما من أهل التوحيد في الجملة، وأجاب ابن بطال بأن لله أحكاما فيها مصالح للعباد وهو أعلم بشأنها وعليهم التسليم لأمره فيها، فجنح إلى أنه تعبد لا يعقل معناه‏.‏
    وأجاب غيره بأن الهجران على مرتبتين‏:‏ الهجران بالقلب، والهجران باللسان‏.‏
    فهجران الكافر بالقلب وبترك التودد والتعاون والتناصر، لا سيما إذا كان حربيا وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف العاصي المسلم فإنه ينزجر بذلك غالبا، ويشترك كل من الكافر والعاصي في مشروعية مكالمته بالدعاء إلى الطاعة، والأمر المعروف والنهي عن المنكر، وإنما المشروع ترك المكالمة بالموادة ونحوها‏.‏
    قال عياض‏:‏ إنما اغتفرت مغاضبة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم مع ما في ذلك من الحرج - لأن الغضب على النبي صلى الله عليه وسلم معصية كبيرة - لأن الحامل لها على ذلك الغيرة التي جبلت عليها النساء، وهي لا تنشأ إلا عن فرط المحبة، فلما كان الغضب لا يستلزم البغض اغتفر، لأن البغض هو الذي يفضي إلى الكفر أو المعصية، وقد دل قولها ‏"‏ لا أهجر إلا اسمك ‏"‏ على أن قلبها مملوء بمحبته صلى الله عليه وسلم‏.‏
    (ج10/ ص 612)
    وكأن البخاري رمز بالترجمة إلى توهين الحديث المشهور ‏"‏ زر غبا تزدد حبا ‏"‏ وقد ورد من طرق كثرها غرائب لا يخلو واحد منها من مقال، وقد جمع طرقه أبو نعيم وغيره، وجاء من حديث علي وأبي ذر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي برزة وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وحبيب بن مسلمة ومعاوية بن حيدة، وقد جمعتها في جزء مفرد، وأقوى طرقه ما أخرجه الحاكم في ‏"‏ تاريخ نيسابور ‏"‏ والخطيب في ‏"‏ تاريخ بغداد ‏"‏ والحافظ أبو محمد بن السقاء في فوائده من طريق أبي عقيل يحيى بن حبيب بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي ثابت عن جعفر بن عون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبو عقيل كوفي مشهور بكنيته، قاله ابن أبي حاتم‏:‏ سمع منه أبي وهو صدوق، وذكر ابن حبان في الثقات وقال‏:‏ ربما أخطأ وأغرب‏.‏
    قلت‏:‏ واختلف عليه في رفعه ووقفه، وقد رفعه أيضا يعقوب بن شيبة عن جعفر بن عون رويناه في ‏"‏ فوائد أبي محمد بن السقاء ‏"‏ أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جده يعقوب، واختلف فيه على جعفر بن عون فرواه عبد بن حميد في تفسيره عنه عن أبي حبان الكلبي عن عطاء عن عبيد بن عمير موقوفا في قصة له مع عائشة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال ‏"‏ دخلت أنا وعبيد على عائشة فقالت‏:‏ يا عبيد بن عمير ما يمنعك أن تزورنا‏؟‏ قال‏:‏ قول الأول زر غبا تزدد حبا‏.‏
    وقد أنشدونا لأبي محمد بن هارون القرطبي راوي الموطأ‏:‏ أقل زيارة الإخوان تزدد عندهم قربا‏.‏
    فإن المصطفى قد قال زر غبا تزد حبا
    قال ابن بطال‏:‏ الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارة إلا محبة، بخلاف غيره‏.‏
    وذكر أبو عبيد في الأمثال بأنه من أمثال العرب،
    (ج10/ ص616)
    قال النووي‏:‏ المنفي حلف التوارث وما يمنع منه الشرع، وأما التحالف على طاعة الله ونصر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى فهو أمر مرغب فيه‏.‏
    ال أهل اللغة‏:‏ التبسم مبادئ الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك وهي الثنايا والأنياب وما يليها وتسمى النواجذ‏.‏
    (ج10/ 623)
    قال كعب بن مالك‏:‏ ما أنعم الله علي من نعمة بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي أن لا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا‏.‏
    وقال الغزالي‏:‏ الكذب من قبائح الذنوب، وليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر، ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقا إلى المصلحة‏.‏
    وتعقب بأنه يلزم أن يكون الكذب -إذا لم ينشأ عنه ضرر - مباحا، وليس كذلك، ويمكن الجواب بأنه يمنع من ذلك حسما للمادة فلا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة، فقد أخرج البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ بسند صحيح عن أبي بكر الصديق قال ‏"‏ الكذب بجانب الإيمان ‏"‏ وأخرجه عنه مرفوعا وقال‏:‏ الصحيح موقوف‏.

    وقال الغزالي‏:‏ الكذب من قبائح الذنوب، وليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر، ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقا إلى المصلحة‏.‏
    وتعقب بأنه يلزم أن يكون الكذب -إذا لم ينشأ عنه ضرر - مباحا، وليس كذلك، ويمكن الجواب بأنه يمنع من ذلك حسما للمادة فلا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة، فقد أخرج البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ بسند صحيح عن أبي بكر الصديق قال ‏"‏ الكذب بجانب الإيمان ‏"‏ وأخرجه عنه مرفوعا وقال‏:‏ الصحيح موقوف‏.‏
    خرج البزار من حديث سعد بن أبي وقاص رفعه قال ‏"‏ يطبع المؤمن على كل شيء، إلا الخيانة والكذب ‏"‏ وسنده قوي، وذكر الدار قطني في ‏"‏ العلل ‏"‏ أن الأشبه أنه موقوف، وشاهد المرفوع من مرسل صفوان بن سليم في الموطأ قال ابن التين‏:‏ ظاهره يعارض حديث ابن مسعود، والجمع بينهما حمل حديث صفوان على المؤمن الكامل‏.
    البر :‏
    وهو اسم جامع للخيرات كلها، ويطلق على العمل الخالص الدائم‏.‏
    حتى يكتب عند الله صديقا ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ المراد أنه يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق‏.‏
    (ج10/ ص 625)
    قال النووي‏:‏ وأعلم أن الموجود في نسخ البخاري ومسلم في بلادنا وغيرها أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرناه قاله القاضي عياض، وكذا نقله الحميدي، ونقل أبو مسعود عن كتاب مسلم في حديث ابن مثنى وابن بشار زيادة وهي ‏"‏ إن شر الروايا روايا الكذب، لأن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه ‏"‏ فذكر أبو مسعود أن مسلما روى هذه الزيادة في كتابه، وذكرها أيضا أبو بكر البرقاني في هذا الحديث، قال الحميدي‏:‏ وليست عندنا في كتاب مسلم، والروايا جمع رواية بالتشديد وهو ما يتروى فيه الإنسان قبل قوله أو فعله، وقيل هو جمع رواية أي للكذب والهاء للمبالغة‏.‏
    قلت‏:‏ لم أر شيئا من هذا في ‏"‏ الأطراف لأبي مسعود ‏"‏ ولا في ‏"‏ الجمع بين الصحيحين للحميدي ‏"‏ فلعلهما ذكراه في غير هذين الكتابين‏.‏
    (ج10/ ص 626)
    من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رفعه ‏"‏ الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة ‏"‏ وفي الطريق الأخرى ‏"‏ جزء من سبعين جزءا من النبوة ‏"‏ وأخرجه أبو داود وأحمد باللفظ الأول وسنده حسن، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ ‏"‏ خمسة وأربعين ‏"‏ وسنده ضعيف، وستأتي الإشارة إلى طريق الجمع بين هذه الروايات في التعبير في شرح حديث الرؤيات الصالحة، قال التوربشتي‏:‏ الاقتصاد على ضربين‏:‏ أحدهما ما كان متوسطا بين محمود ومذموم كالتوسط بين الجور والعدل، وهذا المراد
    ‏ومنهم مقتصد‏)‏ ، وهذا محمود ومذموم بالنسبة، والثاني متوسط بين طرفي الإفراط والتفريط كالجود فإنه متوسط بين الإسراف والبخل، وكالشجاعة فإنها متوسطة بين التهور والجبن، وهذا هو المراد في الحديث‏.‏
    (ج10/ ص 627)
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق زيد بن وهب ‏"‏ سمعت ابن مسعود قال‏:‏ اعلموا أن حسن الهدي في أخر الزمان خير من بعض العمل ‏"‏ وسنده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي، فكأن ابن مسعود لأجل هذا كان يحرص على حسن الهدي، وقد استشكل الداودي الشارح بقول حذيفة في ابن مسعود قول مالك ‏"‏ كان عمر أشبه الناس بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشبه الناس بعمر ابنه عبد الله، وبعبد الله ابنه سالم ‏"‏ قال الداودي‏:‏ وقول حذيفة يقدم على قول مالك، ويمكن الجمع باختلاف متعلق الشبه بحمل شبه ابن مسعود بالسمت وما ذكر معه، وقول مالك بالقوة في الدين ونحوها، ويحتمل أن تكون مقالة حذيفة وقعت بعد موت عمر، يؤيد قول مالك ما أخرج البخاري في ‏"‏ كتاب رفع اليدين ‏"‏ عن جابر قال ‏"‏ لم يكن أحد منهم ألزم لطريق النبي صلى الله عليه وسلم من عمر ‏"‏ وفي السنن ومستدرك‏.‏
    الحاكم عن عائشة قالت ‏"‏ ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة عليها السلام ‏"‏ قلت‏:‏ ويجمع بالحمل في هذا على النساء‏.‏
    (ج10/ ص 628)
    قال بعض أهل العلم‏:‏ الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها ويقال فيها؛ ولهذا شق على النبي صلى الله عليه وسلم نسبتهم له إلى الجور في القسمة، لكنه حلم عن القائل فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرا من المنفق لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلا من شاء أن يزيده، وقد تقدم في أوائل الإيمان حديث ابن مسعود ‏"‏ الصبر نصف الإيمان ‏"‏ وقد ورد في الصبر على الأذى حديث ليس على شرط البخاري، وهو ما أخرجه ابن ماجه يسند حسن عن ابن عمر رفعه ‏"‏ المؤمن الذي يخالط الناس يصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ‏"‏ وأخرجه الترمذي من حديث صحابي لم يسم‏.



    66
    (ج10/ ص 630)
    قوله‏:‏ ‏(‏فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية‏)‏ جمع بين القوة العلمية والقوة العملية
    (ج10/ ص634)
    ال ابن بطال‏:‏ كنت أسأل المهلب كثيرا عن هذا الحديث لصعوبته فيجيبني بأجوبة مختلفة والمعنى واحد قال‏:‏ قوله ‏"‏ فهو كما قال ‏"‏ يعني فهو كاذب لا كافر، إلا أنه لما تعمد الكذب الذي حلف عليه والتزم الملة التي حلف بها قال عليه السلام ‏"‏ فهو كما قال ‏"‏ من التزام تلك الملة إن صح قصده بكذبه إلى التزامها في تلك الحالة، لا في وقت ثان إذا كان على سبيل الخديعة للمحلوف له‏.‏
    قلت‏:‏ وحاصله أنه لا يصير بذلك كافرا وإنما يكون كالكافر في حال حلفه بذلك خاصة، وسيأتي أن غيره حمل الحديث على الزجر والتغليظ، وأن ظاهره غير مراد، وفيه غير ذلك من التأويلات‏.‏
    (ج10/ 639)
    قال ابن التين‏:‏ جمع صلى الله عليه وسلم في قوله ‏"‏ لا تغضب ‏"‏ خير الدنيا والآخرة لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين‏.‏
    وقال البيضاوي‏:‏ لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته ومن غضبه، وكانت شهوة السائل مكسورة فلما سأل عما يحترز به عن القبائح نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره، وأنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه انتهى‏.‏
    ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن أعدى عدو للشخص شيطانه ونفسه، والغضب إنما ينشأ عنهما، فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة كان لقهر نفسه عن الشهوة أيضا أقوى‏.‏
    وقال ابن حبان بعد أن أخرجه‏:‏ أراد لا تعمل بعد الغضب شيئا مما نهيت عنه، لا أنه نهاه عن شيء جبل عليه ولا حيلة له في دفعه‏.‏
    وقال بعض العلماء‏:‏ خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم، لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنا، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن غير ترتيب واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكان غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا كله في الظاهر، وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر، لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أولى شيء يقبح منه باطنه، وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه، وهذا كله أثره في الجسد، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوبه ويلطم خده، وربما سقط صريعا، وربما أغمي عليه، وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة‏.‏
    ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تغضب ‏"‏ من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني كما تقدم تقريره في الباب الذي قبله، ويعين على ترك الغضب استحضار ما جاء في كظم الغيظ من الفضل، وما جاء في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد، وأن يستعيذ من الشيطان كما تقدم في حديث سليمان بن صرد، وأن يتوضأ
    وقال الطوفي‏:‏ أقوى الأشياء في دفع الغضب استحضار التوحيد الحقيقي، وهو أن لا فاعل إلا الله، وكل فاعل غيره فهو آلة له، فمن توجه إليه بمكروه من جهة غيره فاستحضر أن الله لو شاء لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه، لأنه لو غضب والحالة هذه كان غضبه على ربه جل وعلا وهو خلاف العبودية‏.


    77
    (ج10/ ص 640)
    ‏قال عياض وغيره‏:‏ إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم، وأما كونه خيرا كله ولا يأتي إلا بخير فأشكل حمله على العموم، لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق‏.‏
    والجواب أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيا بل هو عجز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي، وهو خلق يبعث على ترك القبيح‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون أشير إلى من كان الحياء من خلقه أن الخير يكون فيه أغلب فيضمحل ما لعله يقع منه مما يذكر في جنب ما يحصل له بالحياء من الخير، أو لكونه إذا صار عادة وتخلق به صاحبه يكون سببا لجلب الخير إليه فيكون منه الخير بالذات والسبب‏.‏
    قال أبو العباس القرطبي‏:‏ الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزيا، قال‏:‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له النوعان فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏


    88
    (ج10/ ص 647)
    ‏وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال‏:‏ ‏"‏ إني لا أقول إلا حقا ‏"‏ وأخرج من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ لا تمار أخاك وتمازحه ‏"‏ الحديث، والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين ويؤول كثيرا إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطيب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب، قال الغزالي‏:‏ من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم مزح فهو كمن يدور مع الريح حيث دار، وينظر رقصهم، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم‏.‏
    ورد فيه صريحا لجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مداراة الناس صدقة ‏"‏ أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه‏.‏
    وقال ابن عدي‏:‏ أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في ‏"‏ آداب الحكماء ‏"‏ بسند أحسن منه، وحديث أبي هريرة ‏"‏ رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ‏"‏ أخرجه البزار بسند ضعيف‏.‏
    لمداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة‏.‏
    وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المدارة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنه معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 650)
    هذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ قال معاوية‏:‏ لا حلم إلا بالتجارب ‏"‏ وأخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ كنت جالسا عند معاوية فحدث نفسه ثم انتبه فقال‏:‏ لا حليم إلا ذو تجربة‏.‏
    قالها ثلاثا ‏"‏ وأخرج من حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة ‏"‏ وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان، قال ابن الأثير‏:‏ معناه‏:‏ لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها‏.‏
    وقال غيره‏:‏ المعني لا يكون حليما كاملا إلا من وقع في زلة وحصل منه خطأ فحينئذ يخجل، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فبعفو عنه، وكذلك من جرب الأمور علم نفعها وضررها فلا يفعل شيئا إلا عن حكمة‏.‏
    قال الطيبي ويمكن أن يكون تخصيص الحليم بذي التجربة للإشارة إلى أن غير الحكيم بخلافه، وأن الحليم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي له فيها الحلم بخلاف الحليم المجرب، وبهذا تظهر مناسبة أثر معاوية لحديث الباب، والله تعالى أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 652)
    ‏من جحر‏)‏ زاد في رواية الكشميهني والسرخسي ‏"‏ واحد ‏"‏ ووقع في بعض النسخ من ‏"‏ جحر حية ‏"‏ وهي زيادة شاذة‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه أدب شريف أدب به النبي صلى الله عليه وسلم أمته ونبههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته، وفي معناه حديث ‏"‏ المؤمن كيس حذر ‏"‏ أخرجه صاحب ‏"‏ مسند الفردوس ‏"‏ من حديث أنس بسند ضعيف قال‏:‏ وهذا الكلام مما لم يسبق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأول ما قاله لأبي عزة الجمحي وكان شاعرا فأسر ببدر فشكى عائلة وفقرا فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء، فظفر به بأحد فقال من علي وذكر فقره وعياله فقال‏:‏ لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين، وأمر به فقتل‏.‏
    وأخرج قصته ابن إسحاق في المغازي بغير إسناد‏.‏
    وقال ابن هشام في ‏"‏ تهذيب السيرة ‏"‏ بلغني عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينئذ ‏"‏ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ‏"‏ وصنيع أبي عبيد في كتاب الأمثال مشكل على قول ابن بطال أن النبي - أول من قال ذلك ولذلك قال ابن التين‏:‏ إنه مثل قديم‏.‏
    وقال التوربشتي‏:‏ هذا السبب يضعف الوجه الثاني يعني الرواية بكسر الغين على النهي‏.‏


    (ج10/ ص 647)
    ‏وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال‏:‏ ‏"‏ إني لا أقول إلا حقا ‏"‏ وأخرج من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ لا تمار أخاك وتمازحه ‏"‏ الحديث، والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين ويؤول كثيرا إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطيب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب، قال الغزالي‏:‏ من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم مزح فهو كمن يدور مع الريح حيث دار، وينظر رقصهم، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم‏.‏
    ورد فيه صريحا لجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مداراة الناس صدقة ‏"‏ أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه‏.‏
    وقال ابن عدي‏:‏ أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في ‏"‏ آداب الحكماء ‏"‏ بسند أحسن منه، وحديث أبي هريرة ‏"‏ رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ‏"‏ أخرجه البزار بسند ضعيف‏.‏
    لمداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة‏.‏
    وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المدارة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنه معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك‏.‏
    (ج10/ ص 650)
    هذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ قال معاوية‏:‏ لا حلم إلا بالتجارب ‏"‏ وأخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ كنت جالسا عند معاوية فحدث نفسه ثم انتبه فقال‏:‏ لا حليم إلا ذو تجربة‏.‏
    قالها ثلاثا ‏"‏ وأخرج من حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة ‏"‏ وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان، قال ابن الأثير‏:‏ معناه‏:‏ لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها‏.‏
    وقال غيره‏:‏ المعني لا يكون حليما كاملا إلا من وقع في زلة وحصل منه خطأ فحينئذ يخجل، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فبعفو عنه، وكذلك من جرب الأمور علم نفعها وضررها فلا يفعل شيئا إلا عن حكمة‏.‏
    قال الطيبي ويمكن أن يكون تخصيص الحليم بذي التجربة للإشارة إلى أن غير الحكيم بخلافه، وأن الحليم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي له فيها الحلم بخلاف الحليم المجرب، وبهذا تظهر مناسبة أثر معاوية لحديث الباب، والله تعالى أعلم‏.‏
    (ج10/ ص 652)
    ‏من جحر‏)‏ زاد في رواية الكشميهني والسرخسي ‏"‏ واحد ‏"‏ ووقع في بعض النسخ من ‏"‏ جحر حية ‏"‏ وهي زيادة شاذة‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه أدب شريف أدب به النبي صلى الله عليه وسلم أمته ونبههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته، وفي معناه حديث ‏"‏ المؤمن كيس حذر ‏"‏ أخرجه صاحب ‏"‏ مسند الفردوس ‏"‏ من حديث أنس بسند ضعيف قال‏:‏ وهذا الكلام مما لم يسبق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأول ما قاله لأبي عزة الجمحي وكان شاعرا فأسر ببدر فشكى عائلة وفقرا فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء، فظفر به بأحد فقال من علي وذكر فقره وعياله فقال‏:‏ لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين، وأمر به فقتل‏.‏
    وأخرج قصته ابن إسحاق في المغازي بغير إسناد‏.‏
    وقال ابن هشام في ‏"‏ تهذيب السيرة ‏"‏ بلغني عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينئذ ‏"‏ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ‏"‏ وصنيع أبي عبيد في كتاب الأمثال مشكل على قول ابن بطال أن النبي - أول من قال ذلك ولذلك قال ابن التين‏:‏ إنه مثل قديم‏.‏
    وقال التوربشتي‏:‏ هذا السبب يضعف الوجه الثاني يعني الرواية بكسر الغين على النهي‏.‏
    (ج10/ ص655)
    ‏والضيافة ثلاثة أيام فيما بعد ذلك فهو صدقة‏)‏ قال ابن بطال سئل عنه مالك فقال‏:‏ يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة‏.‏
    قلت‏:‏ واختلفوا هل الثلاث غير الأول أو يعد منها‏؟‏ فقال أبو عبيد يتكلف له في اليوم الأول بالبر والإلطاف، وفي الثاني والثالث‏:‏ يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، ومنه الحديث الآخر ‏"‏ أجيزوا الوقد بنحو ما كنت أجيزهم ‏"‏ وقال الخطابي‏:‏ معناه أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوما وليلة، ولا اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه فما زاد عليه مما يقدمه له يكون صدقة‏.‏
    وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح عند أحمد ومسلم بلفظ ‏"‏ الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة ‏"‏ وهذا يدل على المغايرة، ويؤيده ما قال أبو عبيد‏.‏
    (ج10/ ص 660)
    إن أول من حدا الإبل عبد لمضر بن نزار بن معد بن عدنان كان في إبل لمضر فقصر، فضربه مضر على يده فأوجعه فقال‏:‏ يا يداه يا يداه، وكان حسن الصوت فأسرعت الإبل لما سمعته في السير، فكان ذلك مبدأ الحداء‏.‏
    ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلافه فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد‏.

    99
    (ج10/ ص 661)
    قال المفسرون في هذه الآية‏:‏ المراد بالشعراء شعراء المشركين، يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين وعصاة الجن ويروون شعرهم لأن الغاوي لا يتبع إلا عاويا مثله، وسمى الثعلبي منهم عبد الله بن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب ومسافع وعمرو بن أبي أمية بن أبي الصلت، وقيل‏:‏ نزلت في شاعرين تهاجيا فكان مع كل واحد منهما جماعة وهم الغواة السفهاء‏.‏
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وأبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏والشعراء يتبعهم الغاوون - إلى قوله - ما لا يفعلون‏)‏ قال فنسخ من ذلك واستثنى فقال‏:‏ ‏(‏إلا الذين آمنوا‏)‏ إلى آخر السورة‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة - من طريق مرسلة - قال‏:‏ لما نزلت ‏(‏والشعراء يتبعهم الغاوون‏)‏ جاء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وهم يبكون فقالوا‏:‏ يا رسول الله أنزل الله هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء‏.‏
    وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، واستدل بأحاديث الباب وغيرها وقال‏:‏ ما أنشد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو استنشده ولم ينكره‏.‏
    قلت‏:‏ وقد جمع ابن سيد الناس شيخ شيوخنا مجلدا في أسماء من نقل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد ذكر في الباب خمسة أحاديث دالة على الجواز، وبعضها مفصل لما يكره مما لا يكره، وترجم في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ ما يكره من الشعر وأورد فيه حديث عائشة مرفوعا ‏"‏ إن أعظم الناس فرية الشاعر يهجو القبيلة بأسرها ‏"‏ وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ أعظم الناس فرية رجل هاجي رجلا فهجا القبيلة بأسرها ‏"‏ وصححه ابن حبان‏.‏
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن عائشة أنها كانت تقول‏:‏ الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ الحسن ودع القبيح ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها القصيدة فيها أربعون بيتا، وسنده حسن‏.‏
    وأخرج أبو يعلي أوله من حديثها من وجه آخر مرفوعا، وأخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ أيضا من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا بلفظ ‏"‏ الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ‏"‏ وسنده ضعيف‏.‏
    وأخرجه الطبراني في الأوسط وقال‏:‏ لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد‏.‏
    وقد اشتهر هذا الكلام عن الشافعي‏.‏
    واقتصر ابن بطال على نسبته إليه فقصر، وعاب القرطبي المفسر على جماعة من الشافعية الاقتصار على نسبة ذلك للشافعي وقد شاركهم في ذلك ابن بطال وهو مالكي‏.‏
    أخرج الطبري من طريق ابن جريج قال‏:‏ سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء فقال‏:‏ لا بأس به ما لم يكن فحشا‏.‏
    وأخرج أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن من البيان سحرا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيا‏.‏
    فقال صعصعة بن صوحان‏:‏ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أما قوله‏:‏ ‏"‏ إن من البيان سحرا ‏"‏ فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق‏.‏
    وأما قوله‏:‏ ‏"‏ وإن من العلم جهلا ‏"‏ فيكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهل ذلك‏.‏
    وأما قوله‏:‏ ‏"‏ إن من الشعر حكما ‏"‏ فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس‏.‏
    ل ابن بطال‏:‏ ما كان في الشعر والرجز ذكر الله تعالى وتعظيم له ووحدانيته وإيثار طاعته والاستسلام له فهو حسن مرغب فيه، وهو المراد في الحديث بأنه حكمة، وما كان كذبا وفحشا فهو مذموم‏.‏
    قال الطبري‏:‏ في هذا الحديث رد على من كره الشعر مطلقا واحتج بقول ابن مسعود ‏"‏ الشعر مزامير الشيطان ‏"‏ وعن مسروق أنه تمثل بأول بيت شعر ثم سكت، فقيل له فقال‏:‏ أخاف أن أجد في صحيفتي شعرا، وعن أبي أمامة رفعه ‏"‏ أن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال‏:‏ رب اجعل لي قرآنا، قال قرآنك الشعر ‏"‏ ثم أجاب عن ذلك بأنها أخبار واهية، ‏.‏
    وهو كذلك، فحديث أبي أمامة فيه علي بن يزيد الهاني وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه كما سيأتي تقريره بعد باب، ويدل على الجواز سائر أحاديث الباب‏.‏
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن عمر بن الشريد عن أبيه قال‏:‏ ‏"‏ استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته حتى أنشدته مائة قافية‏"‏‏.

  6. #206
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    اليوم السابع /
    الموافق 28/ رجب / 1441 هجري
    الموافق 23/ مارس / 2020 ميلادي
    " ولا زلنا بارحين في البيوت بسبب الوباء المتفشي في الأمة التي أثرها منع الناس من الخروج "
    أسال الله أن يعفو عنا ويغفر ذنوبنا "
    في هذا اليوم انتهيت من تلخيص المجلد العاشر من كتاب " الأدب ل" فتح الباري " للحافظ ابن حجر رحمه الله
    ويليه كتاب " الاستئذان " المجلد الحادي عشر "
    أسال الله التوفيق والسداد



    .....
    (ج10/ ص666)
    وقد اختلف في جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الشعر وإنشاده حاكيا عن غيره فالصحيح جوازه‏.‏
    وقد أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ والترمذي وصححه والنسائي من رواية المقدام بن شريح عن أبيه ‏"‏ قلت لعائشة‏:‏ أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر‏؟‏ قالت‏:‏ كان يتمثل من شعر ابن رواحة‏:‏ ويأتيك بالأخبار من لم تزود ‏"‏ وأخرج ابن أبي شيبة نحوه من حديث ابن عباس وأخرج أيضا من مرسل أبي جعفر الخطمي قال‏:‏ ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني المسجد وعبد الله بن رواحة يقول‏.‏
    أفلح من يعالج المساجدا‏.‏
    فيقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ابن رواحة‏:‏ يتلو القرآن قائما وقاعدا‏.‏
    فيقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وأما ما أخرجه الخطيب في التاريخ عن عائشة‏:‏ تفاءل بما تهوى تكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحققا قال‏:‏ وإنما لم يعربه لئلا يكون شعرا، فهو شيء لا يصح‏.‏
    وقال الماوردي‏:‏ اختلف فيه، فأباحه قوم مطلقا، ومنعه قوم مطلقا، وكرهه مالك والشافعي في أصح القولين، ونقل عن أبي حنيفة المنع، وكذا أكثر الحنابلة‏.‏
    ونقل ابن طاهر في ‏"‏ كتاب السماع ‏"‏ الجواز عن كثير من الصحابة، لكن لم يثبت من ذلك شيء إلا في النصب المشار إليه أولا‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ الغناء الممنوع ما فيه تمطيط وإفساد لوزن الشعر طلبا للطرب وخروجا من مذاهب العرب‏.‏
    وإنما وردت الرخصة في الضرب الأول دون ألحان العجم‏.‏
    وقال الماوردي‏:‏ هو الذي لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه من غير نكير إلا في حالتين‏:‏ أن يكثر منه جدا وأن يصحبه ما يمنعه منه‏.‏
    واحتج من أباحه بأن فيه ترويحا للنفس، فإن فعله ليقوى على الطاعة فهو مطيع أو على المعصية فهو عاص، وإلا فهو مثل التنزه في البستان والتفرج على المارة‏.‏
    وأطنب الغزالي في الاستدلال، ومحصله أن الحداء بالرجز والشعر لم يزل يفعل في الحضرة النبوية، وربما التمس ذلك، وليس هو إلا أشعار توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة، وكذلك الغناء أشعار موزونة تؤدى بأصوات مستلذة وألحان موزونة‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ كان أنجشة أسود وكان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا‏.‏
    وقيل‏:‏ كان حسن الصوت بالحداء فكره أن تسمع النساء الحداء فإن حسن الصوت يحرك من النفوس، فشبه ضعف عزائمهن وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الكسر إليها‏.‏
    وجزم ابن بطال بالأول فقال‏:‏ القوارير كناية عن النساء اللاتي كن على الإبل التي تساق حينئذ، فأمر الحادي بالرفق في الحداء لأنه يحنث الإبل حتى تسرع فإذا أسرعت لم يؤمن على النساء السقوط، وإذا مشت رويدا أمن على النساء السقوط، قال‏:‏ وهذا من الاستعارة البديعة، لأن القوارير أسرع شيء تكسيرا، فأفادت الكناية من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة لو قال أرفق بالنساء‏.‏
    وقال الطيبي‏:‏ هي استعارة لأن المشبه به غير مذكور، والقرينة حالية لا مقالية، ولفظ الكسر ترشيح لها‏.‏
    وجزم أبو عبيد الهروي بالثاني وقال‏:‏ شبه النساء بالقوارير لضعف عزائمهن، والقوارير يسرع إليها الكسر، فخشي من سماعهن النشيد الذي يحدو به أن يقع بقلوبهن منه، فأمره بالكف، فشبه عزائمهن بسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في إسراع الكسر إليها‏.‏
    ورجح عياض هذا الثاني فقال هذا أشبه بمساق الكلام، وهو الذي يدل عليه كلام أبي قلابة، وإلا فلو عبر عن السقوط بالكسر لم يعبه أحد‏.‏
    وجوز القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ الأمرين فقال‏:‏ شبههن بالقوارير لسرعة تأثرهن وعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حث السير بسرعة السقوط أو التألم من كثرة الحركة والاضطراب الناشئ عن السرعة، أو خاف عليهن الفتنة من سماع النشيد‏.‏
    قلت‏:‏ والراجح عند البخاري الثاني، ولذلك أدخل هذا الحديث في ‏"‏ باب المعاريض
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أن الشعر إذا اشتمل على ذكر الله والأعمال الصالحة كان حسنا ولم يدخل فيما ورد فيه الذم من الشعر‏.‏
    قال الكرماني‏:‏ في البيت الأول إشارة إلى علمه، وفي الثالث إلى عمله، وفي الثاني إلى تكميله غيره صلى الله عليه وسلم فهو كامل مكمل‏.‏
    (ج10/ ص 676)
    حديث أبي قلابة قال ‏"‏ قيل لأبي مسعود‏:‏ ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا‏؟‏ قال‏:‏ بئس مطيه الرجل ‏"‏ أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا‏.‏
    وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها ‏"‏ زعم ابن أمي ‏"‏ فإن أم هانئ أطلقت ذلك في حق علي ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ معنى حديث أبي مسعود أن من أكثر من الحديث بما لا يتحقق صحته لم يؤمن عليه الكذب‏.‏
    وقال غيره‏:‏ كثر استعمال الزعم بمعنى القول، وقد وقع في حديث ضمام بن ثعلبة الماضي في كتاب العلم ‏"‏ زعم رسولك ‏"‏ وقد أكثر سيبويه في كتابه من قوله في أشياء يرتضيها ‏"‏ زعم الخليل‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 679)
    وقال الداودي ويل وويح وويس كلمات تقولها العرب عند الذم، قال‏:‏ وويح مأخوذ من الحزن وويس من الأسى وهو الحزن‏.‏
    وتعقبه ابن التين بأن أهل اللغة إنما قالوا ويل كلمة تقال عند الحزن، وأما قول ابن عرفة‏:‏ الويل الحزن فكأنه أخذه من أن الدعاء بالويل إنما يكون عند الحزن‏.‏
    والأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله هنا فيها ما اختلف الرواة في لفظه هل هي ويل أو ويح، وفيها ما تردد الراوي فقال ويل أو ويح، وفيها ما جزم فيه بأحدهما، ومجموعها يدل على أن كلا منهما كلمة توجع يعرف هل المراد الذم أو غيره من السياق، فإن في بعضها الجزم بويل وليس حمله على العذاب بظاهر‏.‏
    (ج10/ ص686)
    ‏المرء مع من أحب‏)‏ قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه ‏"‏ كتاب المحبين مع المحبوبين ‏"‏ وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين‏.‏
    وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ أنس
    (ج10/ 694)
    خيبة الدهر :
    وقال الداودي‏:‏ هو دعاء على الدهر بالخيبة وهو كقولهم قحط الله نوءها يدعون على الأرض بالقحط، وهي كلمة هذا أصلها ثم صارت تقال لكل مذموم
    وقال المحققون‏:‏ من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم‏:‏ مطرنا بكذا‏.‏
    وقال عياض‏:‏ زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت، وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم ولا شيء عندهم ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث ‏"‏ أنا الدهر أقلب ليله ونهاره ‏"‏ فكيف يقلب الشيء نفسه‏؟‏ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها، فمن سب نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال‏:‏ لا ذنب لهما في ذلك، وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلف فهذا يضاف شرعا ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا ترتبت عليها الأحكام، وهي في الابتداء خلق الله‏.‏
    (ج10/ ص 697)
    باب قول الرجل جعلني الله فداك‏)‏ أي هل يباح أو يكره‏؟‏ وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه ‏"‏ آداب الحكماء ‏"‏ وجزم بجواز ذلك فقال‏:‏ للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ولكبيره ولذوي العلم ولمن أحب من إخوانه غير محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم قائل ذلك ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره‏.‏
    (ج10/ 699)
    قال القرطبي‏:‏ يلتحق بهذين الاسمين ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الصمد، وإنما كانت أحب إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله وما هو وصف للإنسان وواجب له وهو العبودية‏.‏
    ثم أضيف العبد إلى الرب إضافة حقيقية فصدقت أفراد هذه الأسماء وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة‏.‏
    وقال غيره‏:‏ الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما، قال الله تعالى ‏(‏وأنه لما قام عبد الله يدعوه‏)‏ وقال في آية أخرى ‏(‏وعباد الرحمن‏)‏ ويؤيده قوله تعالى ‏(‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏)‏ وقد أخرج الطبراني من حديث أبي زهير الثقفي رفعه ‏"‏ إذا سميتم فعبدوا ‏"‏ ومن حديث ابن مسعود رفعه ‏"‏ أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به ‏"‏ وفي إسناد كل منهما ضعف‏.‏
    (ج10/ ص 701)
    ل النووي‏:‏ اختلف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب‏:‏ الأول المنع مطلقا سواء كان اسمه محمدا أم لا، ثبت ذلك عن الشافعي‏.‏
    والثاني الجواز مطلقا، ويختص النهي بحياته صلى الله عليه وسلم‏.‏
    والثالث لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره‏.‏
    قال الرافعي‏:‏ يشبه أن يكون هذا هو الأصح، لأن الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار‏.‏
    قال النووي‏:‏ هذا مخالف لظاهر الحديث، وأما إطباق الناس عليه ففيه تقوية للمذهب الثاني، وكأن مستندهم ما وقع في حديث أنس المشار إليه قبل ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان في السوق، فسمع رجلا يقول‏:‏ يا أبا القاسم، فالتفت إليه فقال‏:‏ لم أعنك، فقال‏:‏ سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ‏"‏ قال ففهموا من النهي الاختصاص بحياته للسبب المذكور، وقد زال بعده صلى الله عليه وسلم‏.‏
    انتهى ملخصا‏.‏
    حكى الطبري مذهبا رابعا وهو المنع من التسمية بمحمد مطلقا، وكذا التكني بأبي القاسم مطلقا، ثم ساق من طريق سالم بن أبي الجعد ‏"‏ كتب عمر‏:‏ لا تسموا أحدا باسم نبي ‏"‏ واحتج لصاحب هذا القول بما أخرجه من طريق الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس رفعه ‏"‏ يسمونهم محمدا ثم يلعنونهم ‏"‏ وهو حديث أخرجه البزار وأبو يعلي أيضا وسنده لين، قال عياض‏:‏ والأشبه أن عمر إنما فعل ذلك إعظاما لاسم النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ينتهك‏.‏
    وقد كان سمع رجلا يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب‏:‏ يا محمد فعل الله بك وفعل، فدعاه وقال‏:‏ لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسب بك فغير اسمه‏.‏
    ‏:‏ ووصله البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وأبو يعلى ولفظه ‏"‏ لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي ‏"‏ والترمذي من طريق الليث عنه ولفظه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته وقال‏:‏ أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم ‏"‏ قال أبو داود‏:‏ واختلف على عبد الرحمن بن أبي عمرة وعلى أبي زرعة بن عمرو وموسى بن يسار عن أبي هريرة على الوجهين قلت‏:‏ وحديث ابن أبي عمرة أخرجه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه عن عمه رفعه ‏"‏ لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي ‏"‏ وأخرج الطبراني من حديث محمد بن فضالة قال ‏"‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن أسبوعين، فأتي بي إليه فمسح على رأسي وقال‏:‏ سموه باسمي ولا تكنوه بكنيتي ‏"‏ ورواية أبي زرعة عند أبي يعلى بلفظ ‏"‏ من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي
    قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بعد أن أشار إلى ترجيح المذهب الثالث من حيث الجواز‏:‏ لكن الأولى الأخذ بالمذهب الأول فإنه أبرأ للذمة وأعظم للحرمة، والله أعلم
    (ج10/ ص 704)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أن الأمر بتحسين الأسماء وبتغيير الاسم إلى أحسن منه ليس على الوجوب، وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ معنى قول ابن المسيب ‏"‏ فما زالت فينا الحزونة ‏"‏ يريد اتساع التسهيل صلى الله عليه وسلم فيما يريدونه‏.‏
    وقال الداودي‏:‏ يريد الصعوبة في أخلاقهم، إلا أن سعيدا أفضى به ذلك إلى الغضب في الله‏.‏
    وقال غيره‏:‏ يشير إلى الشدة التي بقيت في أخلاقهم‏.‏
    فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد يعدم منهم‏.‏
    ‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قال الكرماني هنا‏:‏ قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن - وهو وأبوه صحابيان - إلا ابنه سعيد بن المسيب، وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلا راو واحد‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا المشهور راجع إلى غرابته، وذلك أنه لم يذعه إلا الحاكم ومن تلقى كلامه، وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك، وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا، وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع‏:‏ منها ‏"‏ هذا فلان يعتد به ‏"‏ وقد قررت ذلك في ‏"‏ النكت على علوم الحديث ‏"‏ وعلى تقدير تسليم الشرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح، ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة‏.‏
    (ج10/ ص 706)
    فأخرج مسلم وأبو داود والمصنف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ كان اسم جويرية بنت الحارث برة، فحول النبي صلى الله عليه وسلم اسمها فسماها جويرية، كره أن يقول خرج من عند برة‏"‏‏.‏
    (ج10/ ص 707)
    قاعدة الشافعي أن المرسل إذا جاء موصولا من وجه آخر تبين صحة مخرج المرسل، وقاعدة البخاري أن الاختلاف في الوصل والإرسال لا يقدح المرسل في الموصول إذا كان الواصل أحفظ من المرسل، كالذي هنا فإن الزهري أحفظ من عبد الحميد، قال الطبري لا تنبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب‏.‏
    (ج10/ ص 708)
    وقد ورد الأمر بتحسين الأسماء، وذلك فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي الدرداء رفعه ‏"‏ إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم ‏"‏ ورجاله ثقات، إلا أن في سنده انقطاعا بين عبد الله بن أبي زكريا راويه عن أبي الدرداء ‏[‏وأبي الدرداء‏]‏ فإنه لم يدركه، قال أبو داود‏:‏ وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم العاص وعتلة
    عتلة هو عتبة بن عبد السلمي، وشيطان هو عبد الله، وغراب هو مسلم أبو رايطة، وحباب هو عبد الله بن عبد الله بن أبي، وشهاب هو هشام بن عامر الأنصاري، وحرب هو الحسن بن علي سماه علي أولا حربا، وأسانيدها مبينة في كتابي في الصحابة‏.‏
    (ج10/ 710)
    وروى أحمد وابن منده من طريق السدي ‏"‏ سألت أنسا كم بلغ إبراهيم‏؟‏ قال كان قد ملأ المهد، ولو بقي لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء ‏"‏ ولفظ أحمد ‏"‏ لو عاش إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا ‏"‏ ولم يذكر القصة فهذه عدة أحاديث صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك، فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال‏:‏ هو باطل، وجسارة في الكلام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل‏.‏
    (ج10/ ص 711)
    رد في كراهية هذا الاسم حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمي الرجل عبده أو ولده حربا أو مرة أو وليدا ‏"‏ الحديث وسنده ضعيف جدا، وورد فيه أيضا حديث آخر مرسل أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"
    ن سعيد بن المسيب قال ‏"‏ ولد لأخي أم سلمة ولد فسماه الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سميتموه بأسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد هو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه ‏"‏ قال الوليد بن مسلم في روايته قال الأوزاعي‏:‏ فكانوا يرونه الوليد بن عبد الملك‏.‏
    ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حين خرجوا عليه فقتلوه وانفتحت الفتن على الأمة بسبب ذلك وكثر فيهم القتل‏.‏
    من شواهد الحديث ما أخرجه الطبراني أيضا من حديث معاذ بن جبل قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر حديثا فيه قال ‏"‏ الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام، يبوء بدمه رجل من أهل بيته ‏"‏ وأسكن سنده ضعيف جدا‏.
    (ج10/ ص 715)
    قال العلماء‏:‏ كانوا يكنون الصبي تفاؤلا بأنه سيعيش حتى يولد له، وللأمن من التلقيب، لأن الغالب أن من يذكر شخصا فيعظمه أن لا يذكره باسمه الخاص به فإذا كانت له كنية أمن من تلقيبه، ولهذا قال قائلهم‏:‏ بادروا أبناءكم بالكنى قبل أن تغلب عليها الألقاب‏.‏
    وقالوا‏:‏ الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن ثم كره للشخص أن يكني نفسه إلا إن قصد التعريف‏.‏
    (ج10/ ص 717)
    في هذا الحديث عدة فوائد جمعها أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي صاحب التصانيف في جزء مفرد، بعد أن أخرجه من وجهين عن شعبة عن أبي التياح، ومن وجهين عن حميد عن أنس، ومن طريق محمد بن سيرين، وقد جمعت في هذا الموضع طرقه وتتبعت ما في رواية كل منهم من فائدة زائدة‏.‏
    وذكر ابن القاص في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثل ذلك بحديث أبي عمير هذا قال‏:‏ وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجها‏.‏
    ثم ساقها مبسوطة، فلخصتها مستوفيا مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه فقال‏:‏ فيه استحباب التأني في المشي، وزيارة الإخوان، وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا لم تكن شابة وأمنت الفتنة، وتخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض، ومشي الحاكم وحده، وأن كثرة الزيارة لا تنقص المودة، وأن قوله ‏"‏ زر غبا تزدد حبا ‏"‏ مخصوص بمن يزور لطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يخشى الفتنة أو الضرر‏.‏
    فيه جواز تكنية من لم يولد له، وجواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم‏.‏
    وفيه جواز إدخال الصيد من الحل إلى الحرم وإمساكه بعد إدخاله، خلافا لمن منع من إمساكه وقاسه على من صاد ثم أحرم فإنه يجب عليه الإرسال‏.‏
    وفيه جواز تصغير الاسم ولو كان لحيوان، وجواز مواجهة الصغير بالخطاب خلافا لمن قال‏:‏ الحكيم لا يواجه بالخطاب إلا من يعقل ويفهم، قال‏:‏ والصواب الجواز حيث لا يكون هناك طلب جواب، ومن ثم لم يخاطبه في السؤال عن حاله بل سأل غيره‏.‏
    قد سبق إلى التنبيه على فوائد قصة أبي عمير بخصوصها من القدماء أبو حاتم الرازي أحد أئمة الحديث وشيوخ أصحاب السنن، ثم تلاه الترمذي في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ ثم تلاه الخطابي، وجميع ما ذكروه يقرب من عشرة فوائد فقط، وقد ساق شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي ‏"‏ ما ذكره ابن القاص بتمامه ثم قال‏:‏ ومن هذه الأوجه ما هو واضح، ومنها الخفي، ومنها المتعسف‏.‏
    قال‏:‏ والفوائد التي ذكرها آخرا وأكمل بها الستين هي من فائدة جمع طرق الحديث لا من خصوص هذا الحديث‏.‏
    وقد بقي من فوائد هذا الحديث أن بعض المالكية والخطابي من الشافعية استدلوا به على أن صيد المدينة لا يحرم، وتعقب باحتمال ما قاله ابن القاص أنه صيد في الحل ثم أدخل الحرم فلذلك أبيح إمساكه، وبهذا أجاب مالك في ‏"‏ المدونة ‏"‏ ونقله ابن المنذر عن أحمد والكوفيين، ولا يلزم منه أن حرم المدينة لا يحرم صيده‏.‏
    من الفوائد التي لم يذكرها ابن القاص ولا غيره في قصة أبي عمير أن عند أحمد في آخر رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس ‏"‏ فمرض الصبي فهلك ‏"‏ فذكر الحديث في قصة موته وما وقع لأم سليم من كتمان ذلك عن أبي طلحة حتى نام معها، ثم أخبرته لما أصبح فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فدعا لهم فحملت ثم وضعت غلاما، فأحضره أنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله
    وقد جزم الدمياطي في ‏"‏ أنساب الخزرج ‏"‏ بأن أبا عمير مات صغيرا وقال ابن الأثير في ترجمته في الصحابة‏:‏ لعله الغلام الذي جرى لأم سليم وأبي طلحة في أمره ما جرى، وكأنه لم يستحضر رواية عمارة بن زاذان المصرحة بذلك فذكره احتمالا، ولم أر عند من ذكر أبا عمير في الصحابة له غير قصة النغير، ولا ذكروا له اسما، بل جزم بعض الشراح بأن اسمه كنيته، فعلى هذا يكون ذلك من فوائد هذا الحديث، وهو جعل الاسم المصدر بأب أو أم اسما علما من غير أن يكون له اسم غيره، لكن قد يؤخذ من قول أنس في رواية ربعي بن عبد الله ‏"‏ يكنى أبا عمير ‏"‏ أن له اسما غير كنيته‏.‏
    ومن النوادر التي تتعلق بقصة أبي عمير ما أخرجه الحاكم في ‏"‏ علوم الحديث ‏"‏ عن أبي حاتم الرازي أنه قال‏:‏ حفظ الله أخانا صالح بن محمد - يعني الحافظ الملقب جزرة - فإنه لا يزال يبسطنا غائبا وحاضرا، كتب إلي أنه لما مات الذهلي - يعني بنيسابور - أجلسوا شيخا لهم يقال له محمش فأملى عليهم حديث أنس هذا فقال‏:‏ يا أبا عمير ما فعل البعير‏؟‏ قاله بفتح عين عمير بوزن عظيم وقال بموحدة مفتوحة بدل النون وأهمل العين بوزن الأول فصحف الاسمين معا‏.‏
    قلت‏:‏ ومحمش هذا لقب وهو بفتح الميم الأولى وكسر الثانية بينهما حاء مهملة ساكنة وآخره معجمة، واسمه محمد بن يزيد بن عبد الله النيسابوري السلمي ذكره ابن حبان في الثقات وقال‏:‏ روى عن يزيد بن هارون وغيره وكانت فيه دعابة
    (ج10/ ص 720)
    جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية، والتلقيب بلفظ الكنية وبما يشتق من حال الشخص، وأن اللقب إذا صدر من الكبير في حق الصغير تلقاه بالقبول ولو لم يكن لفظه لفظ مدح، وأن من حمل ذلك على التنقيص لا يلتفت إليه، وهو كما كان أهل الشام ينتقصون ابن الزبير بزعمهم حيث يقولون له‏:‏ ابن ذات النطاقين، فيقول ‏"‏ تلك شكاة ظاهر عنك عارها ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ وفيه أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب، وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته ولا يعاب عليه‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون سبب خروج علي خشية أن يبدو منه في حالة الغضب ما لا يليق بجناب فاطمة رضي الله عنهما فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما‏.‏
    وفيه كرم خلق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه توجه نحو علي ليترضاه، ومسح التراب عن ظهره ليبسطه، وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع منزلتها عنده، فيؤخذ منه استحباب الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم إبقاء لمودتهم، لأن العتاب إنما يخشى ممن يخشى منه الحقد لا ممن هو منزه عن ذلك‏
    قد ذكر ابن إسحاق عقب القصة المذكورة قال ‏"‏ حدثني بعض أهل العلم أن عليا كان إذا غضب على فاطمة في شيء لم يكلمها، بل كان يأخذ ترابا فيضعه على رأسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ذلك عرف فيقول‏:‏ مالك يا أبا تراب‏؟‏ ‏"‏ فهذا سبب آخر يقوي التعدد، والمعتمد في ذلك كله حديث سهل في الباب والله أعلم‏.‏
    ونقل ابن التين عن الداودي قال‏:‏ ورد في بعض الأحاديث ‏"‏ أبغض الأسماء إلى الله خالد ومالك ‏"‏ قال‏:‏ وما أراه محفوظا لأن في الصحابة من تسمى بهما، قال‏:‏ وفي القرآن تسمية خازن النار مالكا قال‏:‏ والعباد وإن كانوا يموتون فإن الأرواح لا تفنى، انتهى كلامه‏.‏
    فأما الحديث الذي أشار إليه فما وقفت عليه بعد البحث، ثم رأيت في ترجمة إبراهيم بن الفضل المدني أحد الضعفاء من مناكيره عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ أحب الأسماء إلى الله ما سمي به، وأصدقها الحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك، وأبغضها إلى الله ما سمي لغيره ‏"‏ فلم يضبط الداودي لفظ المتن، أو هو متن آخر اطلع عليه‏.‏
    وأما استدلاله على ضعفه بما ذكر من تسمية بعض الصحابة وبعض الملائكة فليس بواضح، لاحتمال اختصاص المنع بمن لا يملك شيئا‏.‏
    هل يلتحق به من تسمى قاضي القضاة أو حاكم الحكام‏؟‏ اختلف العلماء في ذلك فقال الزمخشري في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏أحكم الحاكمين‏)‏ ‏:‏ أي أعدل الحكام وأعلمهم، إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، قال‏:‏ ورب غريق في الجهل والجور من مقلدي زماننا قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر، وتعقبه ابن المنير بحديث ‏"‏ أقضاكم علي ‏
    ومن النوادر أن القاضي عز الدين ابن جماعة قال إنه رأى أباه في المنام فسأله عن حاله فقال‏:‏ ما كان علي أضر من هذا الاسم، فأمر الموقعين أن لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة بل قاضي المسلمين، وفهم من قول أبيه أنه أشار إلى هذه التسمية مع احتمال أنه أشار إلى الوظيفة، بل هو الذي يترجح عندي، فإن التسمية بقاضي القضاة وجدت في العصر القديم من عهد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وقد منع الماوردي من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك مع أن الماوردي كان يقال له أقضى القضاة، وكأن وجه التفرقة بينهما الوقوف مع الخبر وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة‏.‏
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من ذلك فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة، قال‏:‏ وفي الحديث مشروعية الأدب في كل شيء، لأن الزجر عن ملك الأملاك والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقا، سواء أراد من تسمى بذلك أنه ملك على ملوك الأرض أم على بعضها، سواء كان محقا في ذلك أم مبطلا، مع أنه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقا ومن قصده وكان فيه كاذبا‏.‏
    وإذا ذكر قيصر وأنه لقب لكل من ملك الروم فقد شاركه في ذلك جماعة من الملوك ككسرى لملك الفرس، وخاقان لملك الترك، والنجاشي لملك الحبشة، وتبع لملك اليمن، وبطليوس لملك اليونان، والقطنون لملك اليهود وهذا في القديم ثم صار يقال له رأس الجالوت، ونمرود لملك الصابئة، ودهمي لملك الهند، وقور لملك السند، ويعبور لملك الصين، وذو يزن وغيره من الأذواء لملك حمير، وهياج لملك الزنج، وزنبيل لملك الخزر، وشاه أرمن لملك أخلاط، وكابل لملك النوبة، والأفشين لملك فرغانة وأسروسنة، وفرعون لملك مصر، والعزيز لمن ضم إليها الإسكندرية، وجالوت لملك العمالقة ثم البربر، والنعمان لملك الغرب من قبل الفرس، نقل أكثر هذا الفصل من السيرة لمغلطاي وفي بعضه نظر‏.‏
    (ج10/ ص 730)
    قال ابن التين‏:‏ غرض البخاري الرد على من كره أن يرفع بصره إلى السماء كما أخرجه الطبري عن إبراهيم التيمي وعن عطاء السلمي أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشعا‏.‏
    نعم صح النهي عن رفع البصر إلى السماء في حالة الصلاة كما تقدم في الصلاة عن أنس رفعه ‏"‏ ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال‏:‏ لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ‏"‏ ولمسلم عن جابر بن سمرة نحوه، ولابن ماجه عن ابن عمر نحوه وقال‏:‏ ‏"‏ أن تلتمع ‏"‏ وصححه ابن حبان‏.‏
    وحاصل طريق الجمع بين الحديثين أن النهي خاص بحالة الصلاة، وقد تكلم أهل التفسير في تخصيص الإبل بالذكر دون غيرها من الدواب بأشياء امتازت به، وذكر بعضهم أنه اسم السحاب، فإن ثبت فمناسبتها للسماء والأرض ظاهرة، فكأنه ذكر شيئين من الأفق العلوي وشيئين من الأفق السفلي في كل منهما ما يعتبر به من وفقه الله تعالى إلى الحق‏.‏
    (ج10/ ص 733)
    وقد وردت عدة أحاديث صحيحة في قول ‏"‏ سبحان الله ‏"‏ عند التعجب كحديث أبي هريرة ‏"‏ لقيني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنب ‏"‏ وفيه فقال ‏"‏ سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس ‏"‏ متفق عليه‏.‏
    وحديث عائشة ‏"‏ أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض ‏"‏ وفيه ‏"‏ قال تطهري بها، قالت‏.‏
    كيف‏؟‏ قال‏:‏ سبحان الله ‏"‏ الحديث متفق عليه‏.‏
    وعند مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة المرأة التي نذرت أن تنحر ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله بئسما جزيتها ‏"‏ وكلاهما من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين أيضا من قول جماعة من الصحابة كحديث عبد الله بن سلام لما قيل له إنك من أهل الجنة قال‏:‏ سبحان الله‏.‏
    ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم‏.‏
    (ج10/ ص 735)
    (‏باب الحمد للعاطس‏)‏ أي مشروعيته‏.‏
    وظاهر الحديث يقتضي وجوبه لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على الحمد لله كما في حديث أبي هريرة الآتي بعد بابين، وعن طائفة يقول الحمد لله على كل حال‏.‏
    قال وقد جاء النهي عن ابن عمر وقال فيه‏:‏ هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه البزار والطبراني، وأصله عند الترمذي وعند الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري رفعه ‏"‏ إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال ‏"‏ ومثله عند أبي داود من حديث أبي هريرة
    لا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله رب العالمين، وكذا العدول من الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد فمكروه، وقد أخرج المصنف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ بسند صحيح عن مجاهد ‏"‏ أن ابن عمر سمع ابنه عطس فقال أب، فقال‏:‏ وما أب‏؟‏ إن الشيطان جعلها بين العطسة والحمد ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ اش بدل أب‏.‏
    ونقل ابن بطال عن الطبراني أن العاطس يتخير بين أن يقول الحمد لله أو يزيد رب العالمين أو على كل حال، والذي يتحرر من الأدلة أن كل ذلك مجزئ، لكن ما كان أكثر ثناء أفضل بشرط أن يكون مأثورا‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه الحمد لله، ولو قال الحمد لله رب العالمين لكان أحسن، فلو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل، كذا قال، والأخبار التي ذكرتها تقتضي التخيير ثم الأولوية كما تقدم والله أعلم‏.‏
    لا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله رب العالمين، وكذا العدول من الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد فمكروه، وقد أخرج المصنف في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ بسند صحيح عن مجاهد ‏"‏ أن ابن عمر سمع ابنه عطس فقال أب، فقال‏:‏ وما أب‏؟‏ إن الشيطان جعلها بين العطسة والحمد ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ اش بدل أب‏.‏
    ونقل ابن بطال عن الطبراني أن العاطس يتخير بين أن يقول الحمد لله أو يزيد رب العالمين أو على كل حال، والذي يتحرر من الأدلة أن كل ذلك مجزئ، لكن ما كان أكثر ثناء أفضل بشرط أن يكون مأثورا‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه الحمد لله، ولو قال الحمد لله رب العالمين لكان أحسن، فلو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل، كذا قال، والأخبار التي ذكرتها تقتضي التخيير ثم الأولوية كما تقدم والله أعلم‏.‏
    ال الحليمي‏:‏ الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس أن العطاس يدفع الأذى من الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنها نعمة جليلة فناسب أن تقابل بالحمد لله لما فيه من الإقرار بالله بالخلق والقدرة وإضافة الخلق إليه لا إلى الطبائع ا هـ‏.‏
    وهذا بعض ما ادعى ابن العربي أنه انفرد به فيحتمل أنه لم يطلع عليه، وفي الحديث أن التشميت إنما يشرع لمن حمد الله، قال ابن العربي‏:‏ وهو مجمع عليه، وسيأتي تقريره في الباب الذي بعده، وفيه جواز السؤال عن علة الحكم وبيانها للسائل ولا سيما إذ كان له في ذلك منفعة، وفيه أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يلقن الحمد ليحمد فيشمت، كذا استدل به بعضهم وفيه نظر،
    من آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد، وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه يمينا ولا شمالا لئلا يتضرر بذلك‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا من وقع له ذلك‏.‏
    وقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي هريرة قال ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده على فيه وخفض صوته ‏"‏ وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه عند الطبراني، قال ابن دقيق العيد‏:‏ ومن فوائد التشميت تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر، والحمل على التواضع، لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين‏.‏
    (ج10/ 739)
    وقال ابن أبي جمرة‏:‏ قال جماعة من علمائنا إنه فرض عين، وقواه ابن القيم في حواشي السنن فقال‏:‏ جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ ‏"‏ الحق ‏"‏ الدال عليه، وبلفظ ‏"‏ على ‏"‏ الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي ‏"‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء‏.‏
    وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد بن رشيد وأبو بكر بن العربي وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة وهو قول الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح ويسقط بفعل البعض، وأما من قال إنه فرض على مبهم فإنه ينافي كونه فرض عين‏.‏
    الكافر فقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم من حديث أبي موسى الأشعري قال ‏"‏ كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم ‏"‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة إن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا قال‏:‏ ولعل من خص التشميت بالدعاء بالرحمة بناه على الغالب لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة‏.‏
    الثالث المزكوم إذا تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث فإن ظاهر الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة أو أكثر لكن أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال ‏"‏ يشمته واحدة وثنتين وثلاثا، وما كان بعد ذلك فهو زكام ‏"‏ هكذا أخرجه موقوفا من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه أبو داود من طريق يحيى القطان عن ابن عجلان كذلك ولفظه ‏"‏ شمت أخاك ‏"‏ وأخرجه من رواية الليث عن ابن عجلان وقال فيه ‏"‏ لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قال أبو داود‏:‏ ورفعه موسى بن قيس عن ابن عجلان أيضا‏.‏
    ل النووي‏:‏ وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي عن عبيد بن رفاعة الصحابي قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يشمت العاطس ثلاثا فإن زاد فإن شئت فشمته وإن شئت فلا ‏"‏ فهو حديث ضعيف قال فيه الترمذي‏:‏ هذا الحديث غريب، وإسناده مجهول‏.‏
    قلت‏:‏ إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد، إذا لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولا فلم يرد جميع رجال الإسناد فإن معظمهم موثقون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم، وذلك أن أبا داود والترمذي أخرجاه معا من طريق عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن، ثم اختلفا‏
    م حكى النووي عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة‏؟‏ على أقوال، والصحيح في الثالثة قال‏:‏ ومعناه إنك لست ممن يشمت بعدها لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن
    الرابع ممن يخص من عموم العاطسين من يكره التشميت، قال ابن دقيق العيد‏:‏ ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه فإن قيل‏:‏ كيف يترك السنة لذلك‏؟‏ قلنا‏:‏ هي سنة لمن أحبها، فأما من كرهها ورغب عنها فلا‏.‏
    قال‏:‏ ويطرد ذلك في السلام والعيادة‏.‏
    قال ابن دقيق العيد‏:‏ والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف منه ضررا، فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ومناقضة للمتكبر في مراده وكسرا لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التشميت‏.‏
    الخامس قال ابن دقيق العيد يستثنى أيضا من عطس والإمام يخطب، فإنه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والراجح الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب ولا سيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب، وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة‏؟‏ فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمر في خطبته فالحكم كذلك وإن حمد فوقف قليلا ليشمت فلا يمتنع أن يشرع تشميته‏.‏
    السادس ممن يمكن أن يستثنى من كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله، كما إذا كان على الخلاء أو في الجماعة فيؤخر ثم يحمد الله فيشمت، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت وفيه نظر ؟



    ز
    ‏(ج10/ ص 743)
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن مكحول الأزدي ‏"‏ كنت إلى جنب ابن عمر فعطس رجل من ناحية المسجد فقال ابن عمر يرحمك الله إن كنت حمدت الله ‏"‏ واستدل به على أن التشميت إنما يشرع لمن سمع العاطس وسمع حمده، فلو سمع من يشمت غيره ولم يسمع هو عطاسه ولا حمده هل يشرع له تشميته‏؟
    نعم يفرق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها من أجل اشتراط الموالاة في قراءتها، وجزم ابن العربي من المالكية بأن العاطس في الصلاة يحمد في نفسه، ونقل عن سحنون أنه لا يحمد حتى يفرغ وتعقبه بأنه غلو‏.
    ‏وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ بسند صحيح عن أبي جمرة بالجيم ‏"‏ سمعت ابن عباس إذا شمت يقول‏:‏ عافانا الله وإياكم من النار، يرحمكم الله ‏"‏ وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه ‏"‏ كان إذا عطس فقيل له‏:‏ يرحمك الله، قال‏:‏ يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا ولكم ‏"‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ ظاهر الحديث أن السنة لا تتأدى إلا بالمخاطبة، وأما ما اعتاده كثير من الناس من قولهم للرئيس يرحم الله سيدنا فخلاف السنة، وبلغني عن بعض الفضلاء أنه شمت رئيسا فقال له يرحمك الله يا سيدنا فجمع الأمرين وهو حسن‏.‏
    أن حديث أبي هريرة في جواب التشميت وحديث أبي موسى في التشميت نفسه، وأما ما أخرجه البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ عن ابن عمر قال‏:‏ اجتمع اليهود والمسلمون فعطس النبي صلى الله عليه وسلم فشمته الفريقان جميعا فقال للمسلمين‏:‏ يغفر الله لكم ويرحمنا وإياكم‏.‏
    وقال لليهود‏:‏ يهديكم الله ويصلح بالكم‏.‏
    فقال‏:‏ تفرد به عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع، وعبد الله ضعيف‏.‏
    (ج10/ ص 746)
    وقال الحليمي‏:‏ أنواع البلاء والآفات كلها مؤاخذات، وإنما المؤاخذة عن ذنب، فإذا حصل الذنب مغفورا وأدركت العبد الرحمة لم تقع المؤاخذة، فإذا قيل للعاطس‏:‏ يرحمك الله، فمعناه جعل الله لك ذلك لتدوم لك السلامة‏.‏
    وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلب الرحمة والتوبة من الذنب، ومن ثم شرع له الجواب بقوله ‏"‏ غفر الله لنا ولكم‏"‏‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏بالكم شأنكم‏)‏ قال أبو عبيدة في معنى قوله تعالى ‏(‏سيهديهم ويصلح بالهم‏)‏ أي شأنهم‏.‏
    (ج10/ ص 747)
    وقد أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث سالم بن عبيد الأشجعي قال‏:‏ ‏"‏ عطس رجل فقال السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليك وعلى أمك‏.‏
    وقال‏:‏ إذا عطس أحدكم فليحمد الله ‏"‏ واستدل به على أنه يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنه حمد الله وإن لم يسمعه، كما لو سمع العطسة ولم يسمع الحمد بل سمع من شمت ذلك العاطس فإنه يشرع له التشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد‏.‏
    وقال النووي‏:‏ المختار أنه يشمته من سمعه دون غيره، وحكى ابن العربي اختلافا فيه ورجح أنه يشمته‏.‏
    قلت‏:‏ وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى ابن دقيق العيد من علم أن الذين عند العاطس جهلة لا يفرقون بين تشميت من حمد وبين من لم يحمد، والتشميت متوقف على من علم أنه حمد فيمتنع تشميت هذا ولو شمته من عنده لأنه لا يعلم هل حمد أو لا، فإن عطس وحمد ولم يشمته أحد فسمعه من بعد عنه استحب له أن يشمته حين يسمعه‏.‏
    وقد أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن إن كان في سفينة فسمع عاطسا على الشط حمد فاكترى قاربا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال‏:‏ لعله يكون مجاب الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلا يقول‏:‏ يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم‏.‏
    قال النووي‏:‏ ويستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره بالحمد ليحمد فيشمته، وقد ثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف‏.‏
    وزعم ابن العربي أنه جهل من فاعله، قال‏:‏ وأخطأ فيما زعم بل الصواب استحبابه‏.‏
    وحكى ابن بطال عن بعض أهل العلم - وحكى غيره أنه الأوزاعي - أن رجلا عطس عنده فلم يحمد فقال له‏:‏ كيف يقول من عطس‏؟‏ قال‏:‏ الحمد لله، قال‏:‏ يرحمك الله‏.‏
    (ج10/ ص 748)
    وقال ابن العربي‏:‏ قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك لأنه واسطته، قال‏:‏ والتثاؤب من الامتلاء وينشأ عنه التكاسل وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء وينشأ عنه النشاط وذلك بواسطة الملك‏.‏
    وقال النووي‏:‏ أضيف التثاؤب إلى الشيطان لأنه يدعو إلى الشهوات إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المأكل‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة لأنها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة‏.



    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهيت من تلخيص " المجلد العاشر " من فتح الباري ويليه " المجلد الحادي عشر

  7. #207
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    8,436

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    المجلد الحادي عشر من كتاب " فتح الباري " للحافظ ابن حجر رحمه الله
    كتاب الاستئذان " /باب 21 / ج6255
    اليوم الثامن / العزل المنزلي / لزوم البيت سمعا وطاعة لولي الأمر . ولما فيه مصلحة البلاد والعباد .
    الموافق 29/ رجب / 1441 هجري
    الموافق 24/ مارس / 2020 ميلادي
    أسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يرفع البأس عن عباده الضعفاء .


    كتاب الاستئذان
    (ج11/ ص 6)
    واختلف إلى ماذا يعود الضمير‏؟‏ فقيل‏:‏ إلى آدم أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات، دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة‏.‏
    وقيل للرد على الدهرية أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان ولا أول لذلك، فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة‏.‏
    وقيل للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره، وقيل للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وقيل إن لهذا الحديث سببا حذف من هذه الرواية وأن أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له إن الله خلق آدم على صورته
    (ج11/ ص 7)
    نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة، ولكن في كلام المازري ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك، كذا زعم بعض من أدركناه وقد راجعت كلام المازري وليس فيه ذلك فإنه قال‏:‏ ابتداء السلام سنة ورده واجب‏.‏
    هذا هو المشهور عند أصحابنا، وهو من عبادات الكفاية، فأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الرد هل هو فرض عين أو كفاية‏؟‏ وقد صرح بعد ذلك بخلاف أبي يوسف
    قله عنه عياض قال‏:‏ لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية فإن سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، قال عياض‏:‏ معنى قوله فرض على الكفاية مع نقل الإجماع على أنه سنة أن إقامة السنن وإحياءها فرض على الكفاية‏.‏
    وقد أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة مرفوعا ‏"‏ ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين ‏"‏ وهو يدل على أنه شرع لهذه الأمة دونهم‏.‏
    وفي حديث أبي ذر الطويل في قصة إسلامه قال ‏"‏ وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر الحديث وفيه ‏"‏ فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال‏:‏ وعليك ورحمة الله ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏
    وأخرج الطبراني والبيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من حديث أبي أمامة رفعه ‏"‏ جعل الله السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا ‏"‏ وعند أبي داود من حديث عمران بن حصين ‏"‏ كنا نقول في الجاهلية‏:‏ أنعم بك عينا، وأنعم صباحا ‏"‏ فلما جاء الإسلام نهينا عن ذلك ورجاله ثقات، لكنه منقطع‏.‏
    وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال ‏"‏ كانوا في الجاهلية يقولون‏:‏ حييت مساء، حييت صباحا، فغير الله ذلك بالسلام‏"‏‏.‏
    قال عياض‏:‏ ويكره أن يقول في الابتداء‏:‏ عليك السلام‏.‏
    قال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏‏:‏ إذا قال المبتدئ وعليكم السلام لا يكون سلاما ولا يستحق جوابا، لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء قاله المتولي، فلو قاله بغير واو فهو سلام، قطع بذلك الواحدي، وهو ظاهر‏.‏
    قال النووي‏:‏ ويحتمل أن لا يجزئ كما قيل به في التحلل من الصلاة، ويحتمل أن لا يعد سلاما ولا يستحق جوابا لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي وصححه وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي جري بالجيم والراء مصغر الهجيمي بالجيم مصغرا قال ‏"‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ عليك السلام يا رسول الله، قال‏:‏ لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى
    ال ويحتمل أن يكون ورد لبيان الأكمل، وقد قال الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏‏:‏ يكره للمبتدئ أن يقول عليكم السلام، قال النووي‏:‏ والمختار لا يكره، ويجب الجواب لأنه سلام‏.‏
    قلت‏:‏ وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أتى البقيع ‏"‏ السلام على أهل الديار من المؤمنين ‏"‏ الحديث‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ فيه أن السلام على الأموات والأحياء سواء، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من قولهم‏:‏ ‏"‏ عليك سلام الله قيس بن عاصم‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ ليس هذا من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابي مشهور عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والمرثية المذكورة لمسلم معروف قالها لما مات قيس،
    ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجن رثوا عمر بن الخطاب بأبيات منها‏:‏ عليك السلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق وقال ابن العربي في السلام على أهل البقيع‏:‏ لا يعارض النهي في حديث أبي جري لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيه صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال، ويرده حديث عائشة المذكور قال‏:‏ ويحتمل أن يكون النهي مخصوصا بمن يرى أنها تحية الموتى وبمن يتطير بها من الأحياء فإنها كانت عادة أهل الجاهلية وجاء الإسلام بخلاف ذلك، قال عياض وتبعه ابن القيم في ‏"‏ الهدى ‏"‏ فنقح كلامه فقال‏:‏ كان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول في الابتداء السلام عليكم، ويكره أن يقول عليكم السلام، فذكر حديث أبي جري وصححه ثم قال‏:‏ أشكل هذا على طائفة وظنوه معارضا لحديث عائشة وأبي هريرة وليس كذلك، وإنما معنى قوله ‏"‏ عليك السلام تحية الموتى ‏"‏ إخبار عن الواقع لا عن الشرع، أي أن الشعراء ونحوهم يحيون الموتى به واستشهد بالبيت المتقدم وفيه ما فيه، قال‏:‏ فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيى بتحية الأموات‏.‏
    وقال عياض أيضا‏:‏ كانت عادة العرب في تحية الموتى تأخير الاسم، كقولهم عليه لعنة الله وغضبه عند الذم
    (ج11/ ص 8)
    اد المبتدئ ‏"‏ ورحمة الله ‏"‏ استحب أن يزاد ‏"‏ وبركاته ‏"‏ فلو زاد ‏"‏ وبركاته ‏"‏ فهل تشرع الزيادة في الرد‏؟‏ وكذا لو زاد المبتدئ على ‏"‏ وبركاته ‏"‏ هل يشرع له ذلك‏؟‏ أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس قال ‏"‏ انتهى السلام إلى البركة ‏"‏ وأخرج البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من طريق عبد الله بن بابه قال ‏"‏ جاء رجل إلى ابن عمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال‏:‏ حسبك إلى وبركاته ‏"‏ انتهى إلى ‏"‏ وبركاته ‏"‏ ومن طريق زهرة بن معبد قال ‏"‏ قال عمر‏:‏ انتهى السلام إلى وبركاته ‏"‏ ورجاله ثقات‏.‏
    وجاء عن ابن عمر الجواز، فأخرج مالك أيضا في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عنه أنه زاد في الجواب ‏"‏ والغاديات والرائحات ‏"‏ وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق عمرو بن شعيب عن سالم مولى ابن عمر قال ‏"‏ كان ابن عمر يزيد إذا رد السلام، فأتيته مرة فقلت‏:‏ السلام عليكم، فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله‏.‏
    ونقل ابن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى ‏(‏فحيوا بأحسن منها‏)‏ الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ‏.‏
    وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند قوي عن عمران بن حصين قال ‏"‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليكم، فرد عليه وقال‏:‏ عشر‏.‏
    ثم جاء آخر، فقال السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه وقال‏:‏ عشرون‏.‏
    ثم جاء آخر فزاد وبركاته، فرد وقال‏:‏ ثلاثون ‏"‏ وأخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من حديث أبي هريرة وصححه ابن حبان وقال ‏"‏ ثلاثون حسنة ‏"‏ وكذا فيما قبلها، صرح بالمعدود‏.‏
    وعند أبي نعيم في ‏"‏ عمل يوم وليلة ‏"‏ من حديث على أنه هو الذي وقع له مع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك‏.‏
    وأخرج الطبراني من حديث سهل بن حنيف بسند ضعيف رفعه ‏"‏ من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن زاد ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، ومن زاد وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة‏"‏‏.‏
    (ج11/ ص 13)
    حكى الطحاوي أن الاستئناس في لغة اليمن الاستئذان وجاء عن ابن عباس إنكار ذلك، فأخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في الشعب بسند صحيح أن ابن عباس ‏"‏ كان يقرأ حتى تستأذنوا ‏"‏ ويقول‏:‏ أخطأ الكاتب‏.‏
    وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب، ومن طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ في مصحف ابن مسعود ‏"‏ حتى تستأذنوا ‏"‏ وأخرج سعيد ابن منصور من طريق مغيرة عن إبراهيم في مصحف عبد الله ‏"‏ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ‏"‏ وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في ‏"‏ أحكام القرآن ‏"‏ عن ابن عباس واستشكله، وكذا طعن في صحته جماعة ممن بعده، وأجيب بأن ابن عباس بناها على قراءته التي تلقاها عن أبي بن كعب، وأما اتفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع الاتفاق على عدم الخروج عما يوافقه، وكان قراءة أبي من الأحرف التي تركت للقراءة بها كما تقدم تقريره في فضائل القرآن‏.‏
    وقال البيهقي‏:‏ يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته، يعني ولم يطلع ابن عباس على ذلك
    (ج11/ ص 17)
    وأخرج البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ عن ابن عباس موقوفا ‏"‏ السلام اسم الله وهو تحية أهل الجنة ‏"‏ وشاهده حديث المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى توضأ وقال ‏"‏ إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، ويحتمل أن يكون أراد ما في رد السلام من ذكر اسم الله صريحا في قوله ‏"‏ ورحمة الله‏"‏‏.‏
    وقد اختلف في معنى السلام‏:‏ فنقل عياض أن معناه اسم الله أي كلاءة الله عليك وحفظه، كما يقال الله معك ومصاحبك‏.‏
    وقيل‏:‏ معناه إن الله مطلع عليك فيما تفعل‏.‏
    وقيل‏:‏ معناه إن اسم الله يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها‏
    قال ابن دقيق العيد في ‏"‏ شرح الإلمام ‏"‏‏:‏ السلام يطلق بإزاء معان، منها السلامة، ومنها التحية، ومنها أنه اسم من أسماء الله‏.‏
    واتفقوا على أن من سلم لم يجزئ في جوابه إلا السلام، ولا يجزئ في جوابه صبحت بالخير أو بالسعادة ونحو ذلك‏.‏
    (ج11/ ص18)
    وحينئذ يستحق الجواب، ولا يكفي الرد بالإشارة، بل ورد الزجر عنه، وذلك فيما أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ لا تشبهوا باليهود والنصارى، فإن تسليم الإشارة بالإصبع، وتسليم النصارى بالأكف ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ غريب‏.‏
    قلت‏:‏ وفي سنده ضعف، لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه ‏"‏ لا تسلموا تسليم اليهود، فإن تسليمهم بالرءوس والأكف والإشارة ‏"‏ قال النووي‏:‏ لا يرد على هذا حديث أسماء بنت يزيد ‏"‏ مر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم ‏"‏ فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة، وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ ‏"‏ فسلم علينا ‏"‏ انتهى‏.‏
    والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا، وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس، وكذا السلام على الأصم، ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربي هل يستحق الجواب‏؟‏ فيه ثلاثة أقوال للعلماء، ثالثها يجب لمن يحسن بالعربية‏.‏
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ الذي يظهر أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحب وليس بمكروه إلا إن قصد به العدول عن السلام إلى ما هو أظهر في التعظيم من أجل أكابر أهل الدنيا، ويجب الرد على الفور، فلو أخر ثم استدرك فرد لم يعد جوابا قاله القاضي حسين وجماعة، وكأن محله إذا لم يكن عذر‏.‏
    ويجب رد جواب السلام في الكتاب ومع الرسول، ولو سلم الصبي على بالغ وجب عليه الرد، ولو سلم على جماعة فيهم صبي فأجاب أجزأ عنهم في وجه‏.‏
    (ج11/ ص 19)
    ال الماوردي‏:‏ لو دخل شخص مجلسا فإن كان الجمع قليلا يعمهم سلام واحد فسلم كفاه، فإن زاد فخصص بعضهم فلا بأس، ويكفي أن يرد منهم واحد، فإن زاد فلا بأس، وإن كانوا كثيرا بحيث لا ينتشر فيهم فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم، وتتأدى سنة السلام في حق جميع من يسمعه، ويجب على من سمعه الرد على الكفاية‏.‏
    وإذا جلس سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وهل يستحب أن يسلم على من جلس عندهم ممن لم يسمعه‏؟‏ وجهان‏:‏ أحدهما إن عاد فلا بأس، وإلا فقد سقطت عنه سنة السلام لأنهم جمع واحد، وعلى هذا يسقط فرض الرد بفعل بعضهم، والثاني أن سنة السلام باقية في حق من لم يبلغهم سلامه المتقدم فلا يسقط فرض الرد من الأوائل عن الأواخر‏.‏
    (ج11/ ص 20)
    قال ابن بطال عن المهلب‏:‏ تسليم الصغير لأجل حق الكبير لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم، وتسليم المار لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل‏.‏
    وقال المازري‏:‏ أما أمر الراكب فلأن له مزية على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأه الراكب بالسلام احتياطا على الراكب من الزهو أن لو حاز الفضيلتين، وأما الماشي فلما يتوقع القاعد منه من الشر ولا سيما إذا كان راكبا، فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه، أو لأن في التصرف في الحاجات امتهانا فصار للقاعد مزية فأمر بالابتداء، أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم فسقطت البداءة عنه للمشقة، بخلاف المار فلا مشقة عليه، وأما القليل فلفضيلة الجماعة أو لأن الجماعة لو ابتدءوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له، ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم وكأنه لمراعاة السن فإنه معتبر في أمور كثيرة في الشرع، فلو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الأصغر أعلم مثلا فيه نظر، ولم أر فيه نقلا‏.‏
    ونقل ابن دقيق العيد عن ابن رشد أن محل الأمر في تسليم الصغير على الكبير إذا التقيا فإن كان أحدهما راكبا والآخر ماشيا بدأ الراكب، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير‏.‏
    وقال المازري وغيره‏:‏ هذه المناسبات لا يعترض عليها بجزئيات تخالفها لأنها لم تنصب نصب العلل الواجبة الاعتبار حتى لا يجوز أن يعدل عنها، حتى لو ابتدأ الماشي فسلم على الراكب لم يمتنع لأنه ممتثل للأمر بإظهار السلام وإفشائه، غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى وهو خبر بمعنى الأمر على سبيل الاستحباب، ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا للسنة، إلا إن بادر فيكون تاركا للمستحب أيضا‏.‏
    وقال المتولي‏:‏ لو خالف الراكب أو الماشي ما دل عليه الخبر كره، قال‏:‏ والوارد يبدأ بكل حال‏.‏
    ال النووي‏:‏ وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره للأمر بالإنصات، فلو سلم لم يجب الرد عند من قال الإنصات واجب، ويجب عند من قال إنه سنة، وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد، وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي الأولى ترك السلام عليه فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ‏.‏
    قال النووي‏:‏ وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد، ثم قال‏:‏ وأما من كان مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال هو كالقارئ، والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل‏.‏
    وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه لأن قطعه التلبية مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظا أن لو سلم عليه، قال‏:‏ ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام إن كان مشتغلا بالبول ونحوه فيكره ‏"‏ وإن كان آكلا ونحوه فيستحب في الموضع الذي لا يجب، وإن كان مصليا لم يجز أن يقول بلفظ المخاطبة كعليك السلام أو عليك فقط، فلو فعل بطلت إن علم التحريم لا إن جهل في الأصح، فلو أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظا فهو أحب، وإن كان مؤذنا أو ملبيا لم يكره له الرد لفظا لأنه قدر يسير لا يبطل الموالاة‏.‏
    وقد تعقب والدي رحمه الله في نكته على الأذكار ما قاله الشيخ في القارئ لكونه يأتي في حقه نظير ما أبداه هو في الداعي، لأن القارئ قد يستغرق فكره في تدبر معاني ما يقرؤه، ثم اعتذر عنه بأن الداعي يكون مهتما بطلب حاجته فيغلب عليه التوجه طبعا، والقارئ إنما يطلب منه التوجه شرعا فالوساوس مسلطة عليه ولو فرض أنه يوفق للحاجة العلية فهو على ندور انتهى‏.‏
    (ج11/ ص 21)
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وابن أبي شيبة بسند حسن عن ابن عمر ‏"‏ فيستحب إذا لم يكن أحد في البيت أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏
    وأخرج الطبري عن ابن عباس ومن طريق كل من علقمة وعطاء ومجاهد نحوه، ويدخل فيه من مر على من ظن أنه إذا سلم عليه لا يرد عليه فإنه يشرع له السلام ولا يتركه لهذا الظن لأنه قد يخطئ، قال النووي‏:‏ وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سببا لتأثيم الآخر فهو غباوة، لأن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا، ولو أعملنا هذا لبطل إنكار كثير من المنكرات‏.‏
    قال‏:‏ وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارة لطيفة رد السلام واجب، فينبغي أن ترد ليسقط عنك الفرض، وينبغي إذا تمادى على الترك أن يحلله من ذلك لأنه حق آدمي، ورجح ابن دقيق العيد في ‏"‏ شرح الإلمام ‏"‏ المقالة التي زيفها النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من ترك مصلحة السلام عليه، ولا سيما وامتثال الإفشاء قد حصل مع غيره‏.‏
    (ج11/ ص 30)
    ال عياض‏:‏ خص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بستر الوجه والكفين، واختلف في ندبه في حق غيرهن، قالوا‏:‏ فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، قال‏:‏ ولا يجوز إبراز أشخاصهن وإن كن مستترات إلا فيما دعت الضرورة إليه من الخروج إلى البراز، وقد كن إذا حدثن جلسن للناس من وراء الحجاب وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن انتهى‏.‏
    وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقا إلا في حاجة البراز نظر، فقد كن يسافرن للحج وغيره ومن ضرورة ذلك الطواف والسعي وفيه بروز أشخاصهن، بل وفي حالة الركوب والنزول لا بد من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبوي وغيره‏.‏
    (ج11/ ص 31)
    ورد التصريح بذلك فيما أخرجه البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ثوبان رفعه ‏"‏ لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن فإن فعل فقد دخل ‏"‏ أي صار في حكم الداخل، وللأولين من حديث أبي هريرة بسند حسن رفعه ‏"‏ إذا دخل البصر فلا إذن ‏"‏ وأخرج البخاري أيضا عن عمر من قوله ‏"‏ من ملأ عينه من قاع بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق‏"‏‏.‏
    له من حديث عبد الله بن بسر ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، وذلك أن الدور لم يكن عليها ستور‏"‏
    وقد أخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن نافع ‏"‏ كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن
    (ج11/ ص 31)
    واختلف فيمن سلم ثلاثا فظن أنه لم يسمع، فعن مالك له أن يزيد حتى يتحقق، وذهب الجمهور وبعض المالكية إلى أنه لا يزيد اتباعا لظاهر الخبر‏.‏
    وقال المازري‏:‏ اختلفوا فيما إذا ظن أنه لم يسمع هل يزيد على الثلاث‏؟‏ فقيل‏:‏ لا، وقيل‏:‏ نعم‏.‏
    وقيل‏:‏ إذا كان الاستئذان بلفظ السلام لم يزد وإن كان بغير لفظ السلام زاد‏.‏
    (ج11/ ص 33)
    وتعلق بقصة عمر من زعم أنه كان لا يقبل خبر الواحد، ولا حجة فيه لأنه قبل خبر أبي سعيد المطابق لحديث أبي موسى ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد، واستدل به من ادعى أن خبر العدل بمفرده لا يقبل حتى ينضم إليه غيره كما في الشهادة، قال ابن بطال‏:‏ وهو خطأ من قائله وجهل بمذهب عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لأبي موسى ‏"‏ أما إني لم أتهمك ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قلت‏:‏ وهذه الزيادة في الموطأ عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم أن أبا موسى‏.‏‏.‏‏.‏ ذكر القصة وفي آخره ‏"‏ فقال عمر لأبي موسى‏:‏ أما إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم
    (ج11/ ص 36)
    واستدل بالخبر المرفوع على أنه لا تجوز الزيادة في الاستئذان على الثلاث، قال ابن عبد البر‏:‏ فذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك وقال بعضهم‏:‏ إذا لم يسمع فلا بأس أن يزيد‏.‏
    وروى سحنون عن ابن وهب عن مالك‏:‏ لا أحب أن يزيد على الثلاث إلا من علم أنه لم يسمع‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا هو الأصح عند الشافعية‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ وقيل تجوز الزيادة مطلقا بناء على أن الأمر بالرجوع بعد الثلاث للإباحة والتخفيف عن المستأذن، فمن استأذن أكثر فلا حرج عليه قال‏:‏ الاستئذان أن يقول السلام عليكم أأدخل‏؟‏ كذا قال، ولا يتعين هذا اللفظ‏.‏
    وحكى ابن العربي إن كان بلفظ الاستئذان لا يعيد وإن كان بلفظ آخر أعاد، قال‏:‏ والأصح لا يعيد، وقد تقدم ما حكاه المازري في ذلك‏.‏
    وأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ عن أبي العالية قال‏:‏ أتيت أبا سعيد فسلمت فلم يؤذن لي ثم سلمت فلم يؤذن لي فتنحيت ناحية فخرج علي غلام فقال‏:‏ ادخل، فدخلت فقال لي أبو سعيد‏:‏ أما إنك لو زدت - يعني على الثلاث - لم يؤذن لك‏.‏
    واختلف في حكمة الثلاث فروى ابن أبي شيبة من قول علي بن أبي طالب‏:‏ الأولى إعلام، والثانية مؤامرة، والثالثة عزمة إما أن يؤذن له وإما أن يرد‏.‏
    ومن وجه آخر صحيح عن ابن عباس‏:‏ لم يعمل بها أكثر الناس، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن علي‏.‏
    وفي الحديث أيضا أن لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن لا يأذن سواء سلم مرة أم مرتين أم ثلاثا إذا كان في شغل له ديني أو دنيوي يتعذر بترك الإذن معه للمستأذن‏.‏
    وفيه أن العالم المتبحر قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه‏.‏
    (ج11/ ص 40)
    اعتمد المنذري على كلام أبي داود فقال‏:‏ أخرجه البخاري تعليقا لأجل الانقطاع، كذا قال، ولو كان عنده منقطعا لعلقه بصيغة التمريض كما هو الأغلب من صنيعه، وهو غالبا يجزم إذا صح السند إلى من علق عنه كما قال في الزكاة ‏"‏ وقال طاوس قال معاذ ‏"‏ فذكر أثرا وطاوس لم يدرك معاذا‏.‏
    وكذا إذا كان فوق من علق عنه من ليس على شرطه كما قال في الطهارة ‏"‏ وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ‏"‏ وحيث وقع فيما طواه من ليس على شرطه مرضه كما قال في النكاح ‏"‏ ويذكر عن معاوية بن حيدة‏"‏، فذكر حديثا، ومعاوية هو جد بهز بن حكيم، وقد أوضحت ذلك في المقدمة‏.‏
    (ج11/ ص 41)
    قال ابن بطال‏:‏ في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة‏.‏
    وفيه طرح الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب‏.‏
    قال أبو سعيد المتولي في ‏"‏ التتمة ‏"‏ من سلم على صبي لم يجب عليه الرد لأن الصبي ليس من أهل الفرض، وينبغي لوليه أن يأمره بالرد ليتمرن على ذلك، ولو سلم على جمع فيهم صبي فرد الصبي دونهم لم يسقط عنهم الفرض، وكذا قال شيخه القاضي حسين، ورده المستظهري‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الأصح لا يجزئ، ولو ابتدأ الصبي بالسلام وجب على البالغ الرد على الصحيح‏.‏
    قلت‏:‏ ويستثنى من السلام على الصبي ما لو كان وضيئا وخشي من السلام عليه الافتتان فلا يشرع ولا سيما إن كان مراهقا منفردا‏.‏
    (ج11/ ص 42)
    ا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير‏:‏ بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال‏.‏
    وهو مقطوع أو معضل‏.‏
    والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة‏.‏
    وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما‏.‏
    وورد فيه حديث ليس على شرطه، وهو حديث أسماء بنت يزيد ‏"‏ مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا ‏"‏ حسنه الترمذي وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه‏.‏
    وله شاهد من حديث جابر عند أحمد‏.‏
    وقال الحليمي‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم للعصمة مأمونا من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم وإلا فالصمت أسلم‏.‏
    وأخرج أبو نعيم في ‏"‏ عمل يوم وليلة ‏"‏ من حديث واثلة مرفوعا ‏"‏ يسلم الرجال على النساء ولا تسلم النساء على الرجال ‏"‏ وسنده واه ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفا عليه وسنده جيد، وثبت في مسلم حديث أم هانئ ‏"‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه‏"‏‏.‏
    وقال ابن بطال عن المهلب‏:‏ سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة، وفرق المالكية بين الشابة والعجوز سدا للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقا‏.‏
    وقال الكوفيون‏:‏ لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها‏.‏
    قال المهلب‏:‏ وحجة مالك حديث سهل في الباب، فإن الرجال الذين كانوا يزورونها وتطعمهم لم يكونوا من محارمها انتهى‏.‏
    وقال المتولي‏:‏ إن كان للرجل زوجة أو محرم أو أمة فكالرجل مع الرجل، وإن كانت أجنبية نظر‏:‏ إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداء ولا جوابا، فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز‏.‏
    وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه، فإن الجمال مظنة الافتتان، بخلاف مطلق الشابة‏.‏
    فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة‏.‏
    (ج11/ ص 45)
    فأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق معاوية بن قرة قال‏:‏ قال لي أبي قرة بن إياس المزني الصحابي‏:‏ إذا مر بك الرجل فقال السلام عليكم، فلا تقل وعليك السلام فتخصه وحده، فإنه ليس وحده‏.‏
    وسنده صحيح‏.‏
    ومن فروع هذه المسألة لو وقع الابتداء بصيغة الجمع فإنه لا يكفي الرد بصيغة الإفراد، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم فلا يكون امتثل الرد بالمثل فضلا عن الأحسن، نبه عليه ابن دقيق العيد‏.‏
    وأما الثالث فقال النووي‏:‏ اتفق أصحابنا أن المجيب لو قال ‏"‏ عليك ‏"‏ بغير واو لم يجزئ، وإن قال بالواو فوجهان‏.‏
    وأما الرابع فأخرج البخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان إذا سلم عليه يقول ‏"‏ وعليك ورحمة الله ‏"‏ وقد ورد مثل ذلك في أحاديث مرفوع
    (ج11/ ص 48)
    قال النووي‏:‏ السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السنة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظلمة، وبمجلس فيه محب ومبغض‏.‏
    واستدل النووي على ذلك بحديث الباب، وهو مفرع على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد النهي عنه صريحا فيما أخرجه مسلم والبخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ من طريق سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، واضطروهم إلى أضيق الطريق ‏"‏ وللبخاري في ‏"‏ الأدب المفرد ‏"‏ والنسائي من حديث أبي بصرة وهو بفتح الموحدة وسكون المهملة الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إني راكب غدا إلى اليهود؛ فلا تبدءوهم بالسلام‏"‏‏.‏
    وقالت طائفة يجوز ابتداؤهم بالسلام، فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال‏:‏ يجوز ابتداء الكافر بالسلام لقوله تعالى ‏(‏لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين‏)‏ وقول إبراهيم لأبيه ‏(‏سلام عليك‏)‏ ‏.‏
    وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون ابن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال‏:‏ نرد عليهم ولا نبدؤهم‏.‏
    قال عون فقلت له‏:‏ فكيف تقول أنت‏؟‏ قال‏:‏ ما أرى بأسا أن نبدأهم‏.‏
    قلت لم‏؟‏ قال لقوله تعالى ‏(‏فاصفح عنهم وقل سلام‏)‏ وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة أنه كان يسلم على كل من لقيه، فسئل عن ذلك فقال‏:‏ إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا‏.‏
    هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أولى‏.‏
    أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال ‏"‏ السلام على أهل الكتاب إذا دخل عليهم بيوتهم ‏"‏ السلام على من اتبع الهدى ‏"‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين مثله‏.‏
    ومن طريق أبي مالك‏:‏ إذا سلمت على المشركين فقل ‏"‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فيحسبون أنك سلمت عليهم وقد صرفت السلام عنهم ‏"‏ قال القرطبي في قوله ‏"‏ وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ‏"‏ معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراما لهم واحتراما، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم لأن ذلك أذى لهم وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، وخالف في ذلك جماعة

    22
    (ج11/ ص 52)
    ذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم ‏"‏ عليكم السلام ‏"‏ كما يرد على المسلم، واحتج بعضهم بقوله تعالى ‏(‏فاصفح عنهم وقل سلام‏)‏ وحكاه الماوردي وجها عن بعض الشافعية لكن لا يقول ورحمة الله، وقيل يجوز مطلقا، وعن ابن عباس وعلقمة يجوز ذلك عند الضرورة، وعن الأوزاعي‏:‏ إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد تركوا‏.‏
    وعن طائفة من العلماء‏:‏ لا يرد عليهم السلام أصلا‏.‏
    وعن بعضهم التفرقة بين أهل الذمة وأهل الحرب‏.‏
    والراجح من هذه الأقوال كلها ما دل عليه الحديث ولكنه مختص بأهل الكتاب‏.‏
    وقد أخرج أحمد بسند جيد عن حميد بن زادويه وهو غير حميد الطويل في الأصح عن أنس ‏"‏ أمرنا أن لا نزيد على أهل الكتاب على‏:‏ وعليكم ‏"‏ ونقل ابن بطال عن الخطابي نحو ما قال ابن حبيب فقال، رواية من روى عليكم بغير واو أحسن من الرواية بالواو لأن معناه رددت ما قلتموه عليكم، وبالواو يصير المعنى علي وعليكم لأن الواو حرف التشريك انتهى‏
    (ج11/ ص 58)
    قال ابن بطال‏:‏ فيه جواز كتابة بسم الله الرحمن الرحيم إلى أهل الكتاب، وتقديم اسم الكاتب على المكتوب إليه‏.‏
    قال‏:‏ وفيه حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة، قلت‏:‏ في جواز السلام على الإطلاق نظر، والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد مثل ما في الخبر‏:‏ السلام على من اتبع الهدى، أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك‏.‏
    (ج11/ ص 59)
    ‏أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل أخذ خشبة‏)
    قال ابن التين‏:‏ قيل في قصة صاحب الخشبة إثبات كرامات الأولياء، وجمهور الأشعرية على إثباتها، وأنكرها الإمام أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية والشيخان أبو محمد بن أبي زيد وأبو الحسن القابسي من المالكية‏.‏