[ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ] - الصفحة 10
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 10 من 12 الأولىالأولى 123456789101112 الأخيرةالأخيرة
النتائج 181 إلى 200 من 235
19اعجابات

الموضوع: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

  1. #181
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    " فتح الباري " تلخيص كتاب المغازي
    تاريخ 12/ جمادى الأولى / 1441 هجري
    تاريخ 7/ يناير1/ 2020 ميلادي
    ( ج7/ ص 349)
    ‏قال ابن إسحاق أول ما غزا النبي صلى الله عليه وسلم الأبواء ثم بواط ثم العشيرة‏)‏
    روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون وإسناده صحيح وأصله في مسلم، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ ‏"‏ قلت أول غزوة غزاها‏؟‏ قال‏:‏ ذات العشير أو العشيرة ‏"‏ ا هـ
    وقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال ‏"‏ غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين ‏"‏ وأخرجه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق فيه أن سعيدا قال أولا ثماني عشرة ثم قال أربعا وعشرين، قال الزهري‏:‏ فلا أدري أو هم أو كان شيئا سمعه بعد‏.‏
    قلت‏:‏ وحمله على ما ذكرته يدفع الوهم ويجمع الأقوال والله أعلم‏.‏
    وأما البعوث والسرايا فعد ابن إسحاق ستا وثلاثين وعد الواقدي ثمانيا وأربعين‏.‏
    وحكى ابن الجوزي في ‏"‏ التلقيح ‏"‏ ستا وخمسين، وعد المسعودي ستين، وبلغها شيخنا في ‏"‏ نظم السيرة ‏"‏ زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في ‏"‏ الإكليل ‏"‏ أنها تزيد على مائة فلعله أراد ضم المغازي إليها‏.‏
    ( ج7/ ص 356)
    (‏بدر‏)‏ هي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، ويقال بدر بن الحارث، ويقال بدر اسم البئر التي بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها، وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار، وإنما هي مأوانا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد‏.
    ( ج7/ ص 360)
    وعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏ ما سمعنا مناشدا ينشد ضالة أشد مناشدة من محمد لربه يوم بدر‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أنشدك ما وعدتني ‏"‏ قال السهيلي‏:‏ سبب شدة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ونصبه في الدعاء لأنه رأى الملائكة تنصب في القتال، والأنصار يخوضون غمار الموت، والجهاد تارة يكون بالسلاح وتارة بالدعاء، ومن السنة أن يكون الإمام وراء الجيش لأنه لا يقاتل معهم فلم يكن ليريح نفسه، فتشاغل بأحد الأمرين وهو الدعاء‏.
    ( ج7/ ص 361)
    ‏قال الخطابي‏:‏ لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال؛ بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقب بقوله‏.‏
    ‏"‏ سيهزم الجمع ‏"‏ انتهى ملخصا‏.
    ( ج7/ ص 364)
    وروى البيهقي أيضا بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ ‏"‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر ‏"‏ وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها لاحتمال أن تكون الأولى لم تعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الرجل الذي أتى آخرا، وأما الرواية التي فيها وتسعة عشر فيحتمل أنه ضم إليهم من استصغر ولم يؤذن له في القتال يومئذ كالبراء وابن عمر وكذلك أنس، فقد روى أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل ‏"‏ هل شهدت بدرا‏؟‏ فقالا‏:‏ وأين أغيب عن بدر ‏"‏ انتهى
    حكى السهيلي أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجن، وكان المشركون ألفا، وقيل‏:‏ سبعمائة وخمسون، وكان معهم سبعمائة بعير ومائة فرس‏.‏
    ومن هذا القبيل جابر بن عبد الله فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عنه قال‏:‏ ‏"‏ كنت أمنح الماء لأصحابي يوم بدر ‏"‏ وإذا تحرر هذا الجمع فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستة كما أخرجه ابن جرير،
    سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ
    و طالوت بن قيس من ذرية بنيامين بن يعقوب شفيق يوسف عليه السلام يقال إنه كان سقاء ويقال إنه كان دباغا‏.
    ( ج7/ ص 374)
    وقعة اليرموك كانت أول خلافة عمر بين المسلمين والروم بالشام سنة ثلاث عشر وقيل‏:‏ سنة خمسة عشر
    واليرموك - بفتح التحتانية وبضمها أيضا وسكون الراء - موضع من نواحي فلسطين، ويقال إنه نهر، والتحرير أنه موضع بين أذرعات ودمشق كانت به الواقعة المشهورة، وقتل في تلك الوقعة من الروم سبعون ألفا في مقام واحد، لأنهم كانوا سلسلوا أنفسهم لأجل الثبات، فلما وقعت عليهم الهزيمة قتل أكثرهم، وكان اسم أمير الروم من قبل هرقل باهان أوله موحدة ويقال ميم، وكان أبو عبيدة الأمير على المسلمين يومئذ، ويقال إنه شهدها من أهل بدر مائة نفس والله أعلم‏.
    ( ج7/ ص 380)
    ‏بين مراد عائشة فأشار إلى أن إطلاق النفي في قوله‏:‏ ‏(‏إنك لا تسمع الموتى‏)‏ مقيد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معارضة بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر كما تقدم توضيحه في الجنائز، لكن الرواية التي بعد هذه تدل على أن عائشة كانت تنكر ذلك مطلقا لقولها إن الحديث إنما هو بلفظ ‏"‏ إنهم ليعلمون ‏"‏ وأن ابن عمر وهم في قوله ‏"‏ ليسمعون ‏"‏ قال البيهقي‏:‏ العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية أنه لا يسمعهم وهم موتى ولكن الله أحياهم حتى سمعوا كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر ولا ابنه بحكاية ذلك بل وافقهما أبو طلحة كما تقدم، وللطبراني من حديث ابن مسعود مثله بإسناد صحيح‏.‏
    ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه وفيه‏:‏ ‏"‏ قالوا يا رسول الله وهل يسمعون‏؟‏ قال‏:‏ يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون ‏"‏ وفي حديث ابن مسعود ‏"‏ ولكنهم اليوم لا يجيبون ‏"‏ ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه‏:‏ ‏"‏ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ‏"‏ وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة، قال الإسماعيلي‏:‏ كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن، لأن قوله تعالى ‏(‏إنك لا تسمع الموتى‏)‏ لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنهم الآن يسمعون ‏"‏ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك‏.‏
    وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنك لا تسمع الموتى‏)‏ وكذلك المراد بمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل قوله‏:‏ ‏"‏ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ‏"‏ وهذا قول الأكثر، وقيل‏:‏ هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور الكفار، شبهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة رضي الله عنها، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 383)
    (‏إذا أكثبوكم‏)‏ بمثلثة ثم موحدة أي إذا قربوا منكم، ووقع في الرواية الثانية ‏"‏ يعني أكثروكم ‏"‏ وهو تفسير لا يعرفه أهل اللغة، وقد قدمت في الجهاد أن الداودي فسره بذلك وأنه أنكر عليه
    ( ج7/ ص 385)
    ‏الصقرين‏)‏ بالمهملة ثم القاف تثنية صقر، وهو من سباع الطير وأحد الجوارح الأربعة وهي الصقر والبازي والشاهين والعقاب، وشبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة والشهامة والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه وأول من صاد به من العرب الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، ثم اشتهر الصيد به بعده‏.‏
    ( ج7/ ص 388)
    قول بعض المتأخرين كالدمياطي‏:‏ لم يذكر أحد مرارة وهلالا فيمن شهد بدرا فمردود عليه، فقد جزم به البخاري هنا وتبعه جماعة، وأما قوله‏:‏ وإنما ذكروهما في الطبقة الثانية ممن شهد أحدا، فحصر مردود، فإن الذي ذكرهما كذلك هو محمد بن سعد وليس ما يقتضيه صنيعه بحجة على مثل هذا الحديث الصحيح المثبت لشهودهما وقد ذكر هشام بن الكلبي وهو من شيوخ محمد بن سعد أن مرارة شهد بدرا فإنه ساق نسبه إلى الأوس ثم قال‏:‏ شهد بدرا، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم‏.‏
    وقد استقريت أول من أنكر شهودهما بدرا فوجدته الأثرم صاحب الإمام أحمد واسمه أحمد بن محمد بن هانئ، قال ابن الجوزي‏:‏ لم أزل متعجبا من هذا الحديث وحريصا على كشف هذا الموضع وتحقيقه حتى رأيت الأثرم ذكر الزهري وفضله وقال‏:‏ لا يكاد يحفظ عنه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه ذكر أن مرارة وهلالا شهدا بدرا، وهذا لم يقله أحد، والغلط لا يخلو منه إنسان‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا ينبني على أن قوله شهدا بدرا مدرج في الخبر من كلام الزهري، وفي ثبوت ذلك نظر لا يخفى كما قدمته، واحتج ابن القيم في الهدى بأنهما لو شهدا بدرا ما عوقبا بالهجر الذي وقع لهما بل كانا يسامحان بذلك كما سومح حاطب بن أبي بلتعة كما وقع في قصته المشهورة، قلت‏:‏ وهو قياس مع وجود النص، ويمكن الفرق، وبالله التوفيق والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 390)
    أخرج يونس بن بكير في زيادات المغازي والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال‏:‏ ‏"‏ كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة من قتلى الناس بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل وسم النار ‏"‏ وفي مسند إسحاق ‏"‏ عن جبير بن مطعم قال‏:‏ رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل النجاد الأسود أقبل من السماء كالنمل فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم ‏"‏ وعند مسلم من حديث ابن عباس ‏"‏ بينما رجل مسلم يشتد في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ذلك مدد من السماء الثالثة‏"‏‏.‏
    قال سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف أهل بدر فيكم‏؟‏ قال خيارنا، قال‏:‏ وكذلك من شهد بدرا من الملائكة هم خيار الملائكة ‏"‏ وقوله في رواية يزيد ‏"‏ نحوه
    ( ج7/ ص 391)
    ما أخرج سعيد بن منصور من مرسل عطية بن قيس ‏"‏ أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد تخضب الغبار بثنيته عليه درعه وقال‏:‏ يا محمد إن الله بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، أفرضيت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ نعم ‏"‏ ووقع عند ابن إسحاق من حديث أبي واقد الليثي قال‏:‏ ‏"‏ إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ‏"‏ ووقع عند البيهقي من طريق ابن محمد بن جبير بن مطعم أنه سمع عليا يقول ‏"‏ هبت ريح شديدة لم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل والثانية ميكائيل والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها ‏"‏ ومن طريق أبي صالح عن علي قال‏:‏ ‏"‏ قيل لي ولأبي بكر يوم بدر‏:‏ مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال ‏"‏ وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه الحاكم، والجمع بينه وبين الذي قبله ممكن، قال الشيخ تقي الدين السبكي‏:‏ سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت‏:‏ وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عبادة‏.‏
    والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم‏

    ( ج7/ ص 397)
    قد تقدم في الجنائز أن أنسا قال ‏"‏ إن التكبير على الجنازة ثلاث، وإن الأولى للاستفتاح ‏"‏ وروى ابن أبي خيثمة من وجه آخر مرفوعا ‏"‏ إنه كان يكبر أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا، حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعا، وثبت على ذلك حتى مات ‏"‏ وقال أبو عمر‏:‏ انعقد الإجماع على أربع، ولا نعلم من فقهاء الأمصار من قال بخمس إلا ابن أبي ليلى، انتهى‏.‏
    وفي ‏"‏ المبسوط ‏"‏ للحنفية عن أبي يونس مثله‏.‏
    وقال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ كان بين الصحابة خلاف ثم انقرض وأجمعوا على أنه أربع، لكن لو كبر الإمام خمسا لم تبطل صلاته إن كان ناسيا، وكذا إن كان عامدا على الصحيح، لكن لا يتابعه المأموم على الصحيح، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 404)
    وروى الطبراني من طريق محمد بن صالح التمار عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه قال قال المطعم بن عدي لقريش‏:‏ إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه ‏"‏ وذلك بعد الهجرة ثم مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة، وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ( ج7/ ص 405)
    (‏وقعت الفتنة الأولى‏)‏ يعني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدرا أحدا، أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص
    وزعم الداودي أن المراد بالفتنة الأولى مقتل الحسين بن علي، وهو خطأ فإن في زمن مقتل الحسين بن علي لم يكن أحد من البدريين موجودا‏.‏
    (‏ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة‏ كانت الحرة في آخر زمن يزيد بن معاوية،
    وذكر ابن التين أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال ‏"‏ لم تترك الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوم قتل عثمان ويوم الحرة ‏"‏ قال مالك ‏"‏ ونسيت الثالثة ‏"‏ قال ابن عبد الحكم‏:‏ هو يوم خروج أبي حمزة الخارجي، قلت‏:‏ كان ذلك في خلافة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة ثلاثين ومائة، وكان ذلك قبل موت يحيى بن سعيد بمدة‏.
    ( ج7/ ص 407)
    وقد سرد ابن إسحاق أسماء من شهد بدرا من المهاجرين وذكر معهم حلفاءهم ومواليهم فبلغوا ثلاثة وثمانين رجلا، وزاد عليه ابن هشام في ‏"‏ تهذيب السيرة ‏"‏ ثلاثة‏.‏
    وأما الواقدي فسردهم خمسة وثمانين رجلا‏.‏
    وروى أحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس ‏"‏ أن المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين رجلا ‏"‏ فلعله لم يذكر من ضرب له بسهم ممن لم يشهدها حسا‏.
    ( ج7/ ص 413)
    ‏كان الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام‏:‏ قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع‏.‏
    وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش‏.‏
    وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعه بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات‏.‏
    ثم نقض العهد بنو النضير كما سيأتي، وكان رئيسهم حيي بن أخطب
    ( ج7/ ص 413)
    ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال لا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ‏(‏سبح لله - إلى قوله - لأول الحشر‏)‏ وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء‏.‏
    كان جلاؤهم أول حشر حشرا في الدنيا إلى الشام وحكى ابن التين عن الداودي أنه رجح ما قال ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة،
    قلت‏:‏ وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت في شأن بني قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من جلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب
    ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأن المسلمين لم يوجفوا بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا‏.‏
    ( ج7/ ص 414)
    وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو ممن أنتما‏؟‏ فذكرا أنهما من بني عامر فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال‏:‏ لقد قتلت قتيلين لأودينهما‏.‏
    انتهى‏.‏
    ( ج7/ ص 414)
    ‏ قال ابن إسحاق ‏"‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا‏:‏ نعم‏.‏
    ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا‏:‏ إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال‏.‏
    قال‏:‏ وكان جالسا إلى جانب جدار لهم، فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه‏؟‏ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه‏:‏ لا تبرحوا، ورجع مسرعا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق ‏"‏ وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يخلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك‏.‏
    ( ج7/ ص 415)
    وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد، قلت‏:‏ فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم‏.‏
    وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلى الله عليه وسلم، وهو إنما وقع عند ما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق‏.‏
    وأغرب السهيلي فرجح ما قال الزهري، ولولا ما ذكر في قصة عمرو بن أمية لأمكن أن يكون ذلك في غزوة الرجيع، والله أعلم‏.‏
    ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال ‏"‏ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال يا يهود‏:‏ أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا يوم بدر، فقالوا‏:‏ إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال‏.‏
    ( ج7/ ص 415)
    حديث ابن عباس في تسمية سورة الحشر سورة النضير لأنها نزلت فيهم، قال الداودي‏:‏ كأن ابن عباس كره تسميتها سورة الحشر لئلا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة، أو لكونه مجملا فكره النسبة إلى غير معلوم‏.‏
    كذا قال، وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة‏.
    ( ج7/ ص 421)
    ‏كعب بن الأشرف‏)‏ أي اليهودي، قال ابن إسحاق وغيره‏:‏ كان عربيا من بني نبهان وهم بطن من طيئ، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب‏.‏
    فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم‏.‏
    وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه ‏"‏ أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط‏.‏
    فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر‏.‏
    فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه ‏"‏ وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة‏.‏
    ( ج7/ ص 425)
    وقال ابن إسحاق‏:‏ هو سلام أي بتشديد اللام قال‏:‏ ‏"‏ لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم‏.‏
    قال‏:‏ فحدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج‏:‏ والله لا تذهبون بهذه فضلا علينا‏.‏
    وكذلك الأوس‏.‏
    فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف تذاكرت الخزرج من رجل له من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لكعب‏؟‏ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر‏.‏
    ( ج7/ ص 432)
    نقل السهيلي عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارون عليه السلام بأحد، وأنه قدم مع موسى في جماعة من بني إسرائيل حجاجا فمات هناك‏.‏
    قلت‏:‏ وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدا من جهة شيخه محمد بن الحسن بن زبالة، ومنقطع أيضا وليس بمرفوع‏.‏
    وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذ من قال سنة أربع‏.‏
    وكان السبب فيها ما ذكر ابن إسحاق عن شيوخه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالوا‏:‏ وهذا ملخص ما ذكره موسى بن عقبة في سياق القصة كلها قال‏:‏ لما رجعت قريش استجلبوا من استطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد‏.‏
    وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال‏.‏
    رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته أو قال به فلول فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا‏.‏
    قالوا‏:‏ وما أولتها‏؟‏ قال‏:‏ أولت البقر بقرا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت، فقال أولئك القوم‏:‏ يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم فقالوا‏:‏ يا رسول الله أمكث كما أمرتنا، فقال‏:‏ ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل، نزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وصف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتعبوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مائة فرس - خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس
    ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين‏.‏
    ثم ذكر المصنف آيات من آل عمران في هذا الباب وفيما بعده كلها تتعلق بوقعة أحد، وقد قال ابن إسحاق‏:‏ أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران، وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال‏:‏ قلت لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال‏.‏
    ( ج7/ ص 440)
    وفي الحديث فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا لئلا تنقص، حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لتقل رغبته فيها قال‏:‏ وكان بكاء عبد الرحمن شفقا أن لا يلحق بمن تقدمه‏.‏

  2. #182
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب المغازي
    الموافق 16/ جمادى الاولى /1441
    الموافق 12/ 1/ 2020
    ( ج7/ ص 457)
    ‏وروى ابن إسحاق من حديث سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ ‏"‏ فما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ‏"‏ وفي الطبراني من حديث أبي أسامة قال‏:‏ ‏"‏ رمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال‏:‏ خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه‏:‏ مالك أقمأك الله، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة ‏"‏
    ( ج7/ ص 459)
    هذا اللفظ قد ثبت في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من طريق الأصبغ بن نباته عن علي قال‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب‏
    ( ج7/ ص 463)
    أغرب وثيمة في ‏"‏ كتاب الردة ‏"‏ فزعم أن الذي ضرب مسيلمة هو شن بفتح المعجمة وتشديد النون ابن عبد الله، وأنشد له‏:‏ ألم تر أني ووحشيهم ضربنا مسيلمة المفتن يسائلني الناس عن قتله فقلت ضربت وهذا طعن فلست بصاحبه دونه وليس بصاحبه دون شن وأغرب من ذلك ما حكى ابن عبد البر أن الذي قتل مسيلمة هو خلاس بن بشير بن الأصم‏.‏
    ( ج7/ ص 464)
    قول الجارية أمير المؤمنين نظر لأن مسيلمة كان يدعي أنه نبي مرسل من الله، وكانوا يقولون له يا رسول الله ونبي الله، والتلقيب بأمير المؤمنين حدث بعد ذلك، وأول من لقب به عمر، وذكر بعد قتل مسيلمة بمدة، فليتأمل هذا‏.‏
    وأما قول ابن التين‏:‏ كان مسيلمة تسمى تارة بالنبي وتارة بأمير المؤمنين، فإن كان أخذه من هذا الحديث فليس بجيد، وإلا فيحتاج إلى نقل بذلك والذي في رواية الطيالسي ‏"‏ قال ابن عمر‏:‏ كنت في الجيش يومئذ، فسمعت قائلا يقول في مسيلمة‏:‏ قتله العبد الأسود ‏"‏ ولم يقل أمير المؤمنين، ويحتمل أن تكون الجارية أطلقت عليه الأمير باعتبار أن أمر أصحابه كان إليه وأطلقت على أصحابه المؤمنين باعتبار إيمانهم به، ولم يقصد إلى تلقيبه بذلك، والله أعلم‏.‏
    ثم وجدت في كلام أبي الخطاب بن دحية الإنكار على من أطلق أن عمر أول من لقب أمير المؤمنين وقال‏:‏ قد تسمى به مسيلمة قبله، كما أخرجه البخاري في قصة وحشي، يشير إلى هذه الرواية‏.‏
    وتعقبه ابن الصلاح ثم النووي‏.‏
    قال النووي‏:‏ وذكر ابن الصلاح أن الذي ذكره ابن دحية ليس بصحيح، فإنه ليس في هذا الحديث إلا أن الجارية صاحت لما أصيب مسيلمة‏:‏ وا أمير المؤمنين، ولا يلزم من ذلك تسميته بذلك ا هـ‏.‏
    واعترض مغلطاي أيضا بأن أول من قيل له أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، وهو متعقب أيضا بأنه لم يلقب به، وإنما خوطب بذلك لأنه كان أول أمير في الإسلام على سرية‏.‏
    ( ج7/ ص 464)
    ونزل جبريل فقال‏:‏ إن حمزة مكتوب في السماء أسد الله وأسد رسوله ‏"‏ وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة قد مثل به قال‏:‏ رحمة الله عليك، لقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى‏.‏
    ثم حلف وهو بمكانه لأمثلن بسبعين منهم، فنزل القرآن ‏(‏وإن عاقبتم‏)‏ الآية ‏"‏ وعند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من حديث أبي بن كعب قال‏:‏ ‏"‏ مثل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار‏:‏ لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنزيدن عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل‏:‏ لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله ‏(‏وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به‏)‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كفوا عن القوم‏"‏‏.‏
    ( ج7/ ص 469)
    قد سرد ابن إسحاق أسماء من استشهد من المسلمين بأحد فبلغوا خمسة وستين، منهم أربعة من المهاجرين‏:‏ حمزة وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وأغفل ذكر سعد مولى حاطب، وقد ذكره موسى بن عقبة‏.‏
    وروى الحاكم في ‏"‏ الإكليل ‏"‏ وابن منده من حديث أبي بن كعب قال‏:‏ ‏"‏ قتل من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة ‏"‏ وصححه ابن حبان من هذا الوجه، ولعل السادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس فقد عده الواقدي منهم، وعد ابن سعد ممن استشهد بأحد من غير الأنصار الحارث بن عقبة بن قابوس المزني وعمه وهب بن قابوس وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب
    ووقع عند أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس نحو حديث قتادة في عدة من قتل من الأنصار وزاد‏:‏ ويوم مؤتة سبعون، وصححه أبو عوانة وأخرجه الحاكم في ‏"‏ الإكليل ‏"‏ ولفظه ‏"‏ عن أنس أنه كان يقول‏:‏ يا رب سبعين من الأنصار يوم أحد، وسبعين يوم بئر معونة، وسبعين يوم مؤتة، وسبعين يوم مسيلمة ‏"‏ ثم أخرج من طريق إبراهيم بن المنذر أن هذه الزيادة خطأ‏.‏
    ( ج7/ ص 471)
    قد وقع في حديث ابن عباس ومرسل عروة ‏"‏ تأولت البقر التي رأيت بقرا يكون فينا، قال فكان ذلك من أصيب من المسلمين ‏"‏ ا هـ، وقوله بقر هو بسكون القاف وهو شق البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يشتق من الاسم معني مناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل وهو التصحيف فإن لفظ بقر مثل لفظ نفر بالنون والفاء خطا‏.‏
    وعند أحمد والنسائي وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث ‏"‏ ورأيت بقرا منحرة - وقال فيه - فأولت أن الدرع المدينة والبقر نفر ‏"‏ هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور فالله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 472)
    قال السهيلي‏:‏ سمي أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد‏.‏
    ( ج7/ ص 472)
    للعلماء في معنى ذلك أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد والمراد بهما الأنصار لأنهم جيرانه‏.‏
    ثانيها‏:‏ أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب‏.‏
    ثالثها‏:‏ أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا ‏"‏ جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة ‏"‏ أخرجه أحمد‏.‏
    ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب ‏"‏ اسكن أحد ‏"‏ الحديث‏.‏
    وقال السهيلي‏:‏ كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية‏.‏
    قال ومع كونه مشتقا من الأحدية فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى فخص من بين الجبال بذلك والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 474)
    فغزوة الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس وهي مع عضل والقارة، وبئر معونة كانت سرية القراء السبعين وهي مع رعل وذكوان، وكأن المصنف أدرجها معها لقربها منها، ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي صلى الله عليه وسلم بين بني لحيان وبني عصية وغيرهم في الدعاء عليهم‏.‏
    وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة، ورجح السهيلي أن رواية البخاري أن عاصم كان أميرهم أرجح، وجمع غيره بأن أمير السرية مرثد، وأن أمير العشرة عاصم بناء على التعدد‏.‏
    ولم يرد المصنف أنهما قصة واحدة والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 477)
    إنه لرزق من الله رزقه خبيبا ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته قال‏:‏ فأما من يدعي وقوع ذلك له اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم‏؟‏ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلا أن يقول جاهل إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلى أن قال‏.‏
    إلا أن وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله عبدا بإجابة دعوة في الحين، ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصما لئلا ينتهك عدوه حرمته انتهى‏.‏
    والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال، ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال وتكثير الطعام والماء والمكاشفة بما يغيب عن العين
    والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيري، وتعين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا وبالله التوفيق‏.‏
    ( ج7/ ص 481)
    ‏الذي قتل خبيبا هو أبو سروعة‏)‏ زاد سعيد بن منصور عن سفيان ‏"‏ واسمه عقبة بن الحارث ‏"‏ ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن أبي عمر عن سفيان مدرجا، وهذا خالف فيه جماعة من أهل السير والنسب فقالوا‏:‏ أبو سروعة أخو عقبة بن الحارث، حتى قال أبو أحمد العسكري‏:‏ من زعم أنهما واحد فقد وهم وذكر ابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال ‏"‏ ما أنا قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله‏"‏‏.‏
    ( ج7/ ص 483)
    قلت‏:‏ سلول امرأة، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة فنسب بنوه إليها‏.‏
    ( ج7/ ص 490)
    اب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ
    قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ
    والأحزاب جمع حزب أي طائفة، فأما تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أو معشر قال‏:‏ ‏"‏ قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم ‏"‏ وأما تسميتها الأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب،
    وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف، قال‏:‏ وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وقيل‏:‏ كان المشركون أربعة آلاف

    والمسلمون نحو الألف، وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوما، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته
    وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعي ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك‏.‏
    ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال‏.‏
    قال ابن إسحاق‏.‏
    كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة وقواه بما أخرجه أول أحاديث الباب من قول ابن عمر أنه عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فيكون بينهما سنة واحدة‏.‏
    ( ج7/ ص 492)
    قد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأحد في الثالثة والخندق في الخامسة وهو المعتمد‏.
    ( ج7/ ص 493)
    ‏وقد كان شعر الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن يصنفه الخليل كما قال أبو العتاهية أنا أقدم من العروض، يعني أنه نظم الشعر قبل وضعه‏.‏
    وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب‏:‏ قد كان شعر الورى قديما من قبل أن يخلق الخليل وقال الداودي فيما نقله ابن التين‏:‏ إنما قال ابن رواحة ‏"‏ لا هم إن العيش ‏"‏ بلا ألف ولام، فأورد بعض الرواة على المعنى، كذا قال وحمله على ذلك ظنه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك بل يكون دخله الخزم ومن صوره زيادة شيء من حروف المعاني في أول الجزء‏.
    ( ج7/ ص 495)
    ‏وقال الكرماني‏:‏ لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر، ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل‏.‏
    ( ج7/ ص 500)
    فاشتد بالمسلمين الحصار، حتى تكلم معتب بن قشير وأوس بن قيظي وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏)‏ الآيات قال‏:‏ وكان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ومن أسفل منهم قريش وغطفان، قال ابن إسحاق في روايته‏:‏ ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل لكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر منه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى صاروا بالسبخة فبارزه علي فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فبارزه الزبير فقتله، ويقال قتله علي، ورجعت بقية الخيول منهزمة‏.‏
    ( ج7/ ص 505)
    ووقع في رواية حبيب بن أبي ثابت أيضا ‏"‏ قال ابن عمر فما حدثت نفسي بالدنيا قبل يومئذ، أردت أن أقول له يطمع فيه من قاتلك وأباك على الإسلام حتى أدخلكما فيه فذكرت الجنة فأعرضت عنه ‏"‏ وكان رأي معاوية في الخلافة تقديم الفاضل في القوة والرأي والمعرفة على الفاضل في السبق إلى الإسلام والدين والعبادة، فلهذا أطلق أنه أحق، ورأى ابن عمر بخلاف ذلك، وأنه لا يبايع المفضول إلا إذا خشي الفتنة، ولهذا بايع بعد ذلك معاوية ثم ابنه يزيد ونهى بنيه عن نقض بيعته
    ووقع في رواية منقطعة عند سعيد بن منصور أخرجها عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال‏:‏ ‏"‏ نبئت أن ابن عمر لما قال معاوية من أحق بهذا الأمر منا ومن ينازعنا، فهممت أن أقول الذين قاتلوك وأباك على الإسلام، فخشيت أن يكون في قولي هراقة الدماء، وأن يحمل قولي على غير الذي أردت‏"‏‏.‏
    ( ج7/ ص 508)
    نْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ
    هو من السجع المحمود، والفرق بينه وبين المذموم ما يأتي بتكلف واستكراه، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق، ولهذا قال في مثل الأول‏:‏ أسجع مثل سجع الكهان‏؟‏ وكذا قال‏:‏ كان يكره السجع في الدعاء‏.
    ‏ووقع في كثير من الأدعية والمخاطبات ما وقع مسجوعا لكنه في غاية الانسجام المشعر بأنه وقع بغير قصد، ومعنى قوله‏:‏ ‏"‏ لا شيء بعده ‏"‏ أي جميع الأشياء بالنسبة إلى وجوده كالعدم، أو المراد أن كل شيء يفنى وهو الباقي، فهو بعد كل شيء فلا شيء بعده كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كل شيء هالك إلا وجهه‏)‏ ‏.‏
    ( ج7/ ص 509)
    نسب بني قريظة في غزوة بني النضير، وذكر عبد الملك بن يوسف في ‏"‏ كتاب الأنواء ‏"‏ له أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله عليه السلام وهو بمحتمل وإن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدا،
    ( ج7/ ص 510)
    ‏لا يصلين أحد العصر‏)‏ كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم ‏"‏ الظهر ‏"‏ مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون، وكذلك أخرجه ابن سعد عن أبي عتبان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ ‏"‏ الظهر ‏"‏ وابن حبان من طريق أبي عتبان كذلك، ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ ‏"‏ الظهر ‏"‏ غير أن أبا نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية فقال‏:‏ ‏"‏ العصر ‏"‏ وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، قال ابن إسحاق‏:‏ لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق راجعا إلى المدينة أتاه جبريل الظهر فقال‏:‏ إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فأمر بلالا فأذن في الناس‏:‏ من كان سامعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وكذلك أخرجه الطبراني والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ بإسناد صحيح
    ولفظ البخاري ‏"‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم‏:‏ لا نصلي حتى نأتيها‏.‏
    وقال بعضهم‏:‏ بل نصلي، لم يرد منا ذلك‏.‏
    فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم ‏"‏ ولفظ مسلم وسائر من رواه ‏"‏ نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال فما عنف واحدا من الفريقين ‏"‏
    ( ج7/ ص 511)
    قال السهيلي وغيره‏.‏
    في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، قال السهيلي‏:‏ ولا يستحيل أن يكون الشيء صوابا في حق إنسان وخطأ في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال‏:‏ والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال‏:‏ فكل مجتهد وافق اجتهاده وجها من التأويل فهو مصيب انتهى‏.‏
    والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري‏.‏
    وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضا‏:‏ المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد‏.‏
    قال بعض الحنفية وبعض الشافعية‏.‏
    وهو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد، .‏
    ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح‏.‏
    وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه‏.
    ( ج7/ ص 512)
    ‏وقال ابن القيم في الهدى ما حاصله‏:‏ كل من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين‏:‏ امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحث على المحافظة عليها وأن من فاتته حبط عمله، وإنما لم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، ولأنهم اجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر‏.‏
    لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى‏.
    ( ج7/ ص 515)
    ‏وفي رواية ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص ‏"‏ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ‏"‏ وأرقعة بالقاف جمع رقيع وهو من أسماء السماء، قيل‏:‏ سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم، وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام وفسره بجبريل، لأنه الذي ينزل بالأحكام، قال السهيلي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏ من فوق سبع سماوات ‏"‏ معناه أن الحكم نزل من فوق، قال ومثله قول زينب بنت جحش ‏"‏ زوجني الله من نبيه من فوق سبع سموات ‏"‏ أي نزل تزويجها من فوق، قال ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه،
    ( ج7/ ص 516)
    قال الخليل‏:‏ هو عرق الحياة ويقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا إذا قطع لم يرقأ الدم‏.‏
    ( ج7/ ص 517)
    فيها جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خلافية في أصول الفقه، والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك
    ( ج7/ ص 521)
    باب غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ
    وَهِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبِ خَصَفَةَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ فَنَزَلَ نَخْلًا وَهِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى جَاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ
    جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر،
    ومع ذلك فذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها كما سيأتي، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق‏:‏ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع‏.‏
    وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع المصنف
    بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوه بني قريظة، لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فدل على تأخرها بعد الخندق،
    ( ج7/ ص 522)
    ‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي أنهما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة، والله أعلم بالصواب‏.‏
    وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال‏:‏ جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، قال‏:‏ وليس في خبر أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك انتهى‏.‏
    وهذا النفي مردود والدلالة من ذلك واضحة كما قررته‏.‏
    وأما شيخه الدمياطي فادعى غلط لحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد قدمت أنهم مختلفون في زمانها، فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح، وقد ازداد قوة بحديث أبي هريرة وبحديث ابن عمر
    ( ج7/ ص 524)
    قد قيل إن الغزوة التي شهدها أبو موسى وسميت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته أنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان موافقا له من الرامة لا أنه أراد جميع من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل على التعدد أيضا بقول أبي موسى إنها سميت ذات الرقاع لما لفوا في أرجلهم من الخرق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أمورا غير هذا، قال ابن هشام وغيره‏:‏ سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل‏:‏ بشجر بذلك الموضع يقال له ذات الرقاع، وقيل‏:‏ بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل‏:‏ لأن خيلهم كان بها سواد وبياض قاله ابن حبان‏.‏
    وقال الواقدي‏:‏ سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان ويكون قد تصحف جبل بخيل، وبالجملة فقد اتفقوا على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعا من اتحاد الواقعة ولازما للتعدد، وقد رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك النووي ثم قال‏:‏ ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال‏:‏ سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها‏.‏
    ومما يدل على التعدد أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم صلوا صلاة الخوف ولا أنهم لقوا عدوا، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى لأنه إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم والنبي صلى الله عليه وسلم بخيب
    ( ج7/ ص 524)
    وصلاة الخوف في الحضر قال بها الشافعي والجمهور إذا حصل الخوف، وعن مالك تختص بالسفر، والحجة للجمهور قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة‏)‏ فلم يقيد ذلك بالسفر، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 525)
    ان كتمان العمل الصالح أفضل من إظهاره، إلا لمصلحة راجحة كمن يكون ممن يقتدي بها
    ( ج7/ ص 529)
    ونقل عن الشافعي أن الكيفية التي في حديث ابن عمر منسوخة ولم يثبت ذلك عنه، وظاهر كلام المالكية عدم إجازة الكيفية التي في حديث ابن عمر، واختلفوا في كيفية رواية سهل بن أبي حثمة في موضع واحد وهو أن الإمام هل يسلم قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الثانية أو ينتظرها في التشهد ليسلموا معه‏؟‏ فبالأول قال المالكية، وزعم ابن حزم أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بذلك والله أعلم‏.‏
    ولم تفرق المالكية والحنفية حيث أخذوا بالكيفية التي في هذا الحديث بين أن يكون العدو في جهة القبلة أم لا، وفرق الشافعي والجمهور فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى ما تقدم في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف إلخ‏.‏
    ووقع عند مسلم من حديث جابر ‏"‏ صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة ‏"‏ وقال السهيلي‏:‏ اختلف العلماء في الترجيح، فقالت طائفة يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن‏.‏
    وقالت طائفة يجتهد في طلب الأخير منها فإنه الناسخ لما قبله‏.‏
    وقالت طائفة يؤخذ بأصحها نقلا وأعلاها رواة‏.‏
    وقالت طائفة يؤخذ بجميعها على حساب اختلاف أحوال الخوف، فإذا أشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 530)
    نعم ذكر الواقدي أن سبب غزوة ذات الرقاع أن أعرابيا قدم بجلب إلى المدينة فقال‏:‏ إني رأيت ناسا من بني ثعلبة ومن بني أنمار وقد جمعوا لكم جموعا وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة ويقال سبعمائة، فعلى، هذا فغزوة بني أنمار متحدة مع غزوة بني محارب وثعلبة، وهي غزوة ذات الرقاع، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 545)
    قد جاء عن الزهري أن هشام بن عبد الملك كان يعتقد ذلك أيضا، فأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده عن الحسن بن علي الحلواني عن الشافعي قال‏:‏ حدثا عمي قال‏:‏ ‏"‏ دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له‏:‏ يا سليمان الذي تولى كبره من هو‏؟‏ قال‏:‏ عبد الله بن أبي‏.‏
    قال‏:‏ كذبت، هو علي‏.‏
    قال‏:‏ أمير المؤمنين أعلم بما يقول‏.‏
    فدخل الزهري فقال‏:‏ يا ابن شهاب من الذي تولى كبره‏؟‏ قال ابن أبي‏.‏
    قال‏:‏ كذبت هو علي، فقال أنا أكذب لا أبالك، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي - فذكر له قصة مع هشام في آخرها - لحن هيجنا الشيخ ‏"‏ هذا أو معناه‏.‏
    ( ج7/ ص 546)
    والذي ظهر لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري، لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم الاعتماد على قول من قال إن أم رومان ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم سنة أربع وقيل سنة خمس وقيل سنة ست، وهو شيء ذكره الواقدي، ولا يتعقب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي‏.‏
    وذكره الزبير بن بكار بسند منقطع فيه ضعف أن أم رومان ماتت سنة ست في ذي الحجة، وقد أشار البخاري إلى رد ذلك في تاريخه الأوسط والصغير فقال بعد أن ذكر أم رومان في فصل من مات في خلافة عثمان‏:‏ روى علي بن يزيد عن القاسم قال ماتت أم رومان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست، قال البخاري وفيه نظر وحديث مسروق أسند، أي أقوى إسنادا وأبين اتصالا انتهى‏.‏
    وقد تلقى كلام الخطيب بالتسليم صاحب المشارق والمطالع والسهيلي وابن سيد الناس، وتبع المزي الذهبي في مختصراته والعلائي في المراسيل وآخرون، وخالفهم صاحب الهدى

    ( ج7/ ص 550)
    وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله‏:‏ ‏(‏إنا فتحنا لك فتحا مبينا‏)‏ قال‏:‏ صلح الحديبية، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس وفرح المسلمون بنصر الله‏.‏
    وأما قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فجعل من دون ذلك فتحا قريبا‏)‏ فالمراد الحديبية، وأما قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إذا جاء نصر الله والفتح‏)‏ وقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا هجرة بعد الفتح ‏"‏ فالمراد به فتح مكة باتفاق، فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال بعون الله تعالى‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏والحديبية بئر‏)‏
    ( ج7/ ص 553)
    وعند مسلم من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية ‏"‏ وروى مسلم أيضا من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة ‏"‏ وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي على عثمان لأن عليا كان من جملة من خوطب بذلك وممن بايع تحت الشجرة وكان عثمان حينئذ غائبا كما تقدم في المناقب من حديث ابن عمر، لكن تقدم في حديث ابن عمر المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع عنه فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل بعضهم على بعض، واستدل به أيضا على أن الخضر ليس بحي لأنه لو كان حيا مع ثبوت كونه نبيا للزم تفضيل غير النبي على النبي وهو باطل فدل على أنه ليس بحي حينئذ، وأجاب من زعم أنه حي باحتمال أن يكون حينئذ حاضرا معهم ولم يقصد إلى تفضيل بعضهم على بعض أو لم يكن على وجه الأرض بل كان في البحر، والثاني جواب ساقط، وعكس ابن التين فاستدل به على أن الخضر ليس بنبي فبنى الأمر على أنه حي وأنه دخل في عموم من فضل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الشجرة عليهم، وقد قدمنا الأدلة الواضحة على ثبوت نبوة الخضر في أحاديث الأنبياء‏.‏
    وأغرب ابن التين فجزم أن إلياس ليس بنبي وبناه على قول من زعم أنه أيضا حي، وهو ضعيف أعني كونه حيا، وأما كونه ليس بنبي فنفي باطل ففي القرآن العظيم ‏(‏وإن إلياس لمن المرسلين‏)‏ فكيف يكون أحد من بني آدم مرسلا وليس بنبي‏؟‏ ‏.‏
    ( ج7/ ص 557)
    وإذا ثبت ما ذكره ابن عبد البر أن لخفاف وأبيه وجده صحبة اقتضى أن يكون هؤلاء أربعة في نسق لهم صحبة، وهم ولد خفاف وخفاف وإيماء ورحضة، فتذاكر بهم مع بيت الصديق خلافا لمن زعم أنه لم يوجد أربعة في نسق لهم صحبة لا في بيت الصديق، وقد جمعت من وقع له ذلك ولو من طريق ضعيف فبلغوا عشرة أمثلة، منهم زيد بن حارث وأبوه وولده أسامة وولد أسامة، لأن الواقدي وصف أسامه بأنه تزوج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وولد له‏.‏
    ( ج7/ ص 558)
    عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ مَا هَذَا الْمَسْجِدُ قَالُوا هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ سَعِيدٌ إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَ ا أَنْتُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ
    ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت

    ...................
    ( ج7/ ص 578)
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أبو قتادة سيد الفرسان‏"‏‏.‏
    وفي الحديث جواز العدو الشديد في الغزو، والإنذار بالصياح العالي، وتعريف الإنسان نفسه إذا كان شجاعا ليرعب خصمه، واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة لا سيما عند الصنع الجميل ليستزيد من ذلك ومحله حيث يؤمن الافتتان، وفيه المسابقة على الإقدام ولا خلاف في جوازه بغير عوض، وأما بالعوض فالصحيح لا يصح‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 579)
    خيبر : هي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيدة البكري أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها، قال ابن إسحاق‏:‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنه سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، وروى يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان قالا‏:‏ انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر بقوله‏:‏ ‏(‏وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه‏)‏ يعني خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم‏.‏
    وحكى ابن التين عن ابن الحصار أنها كانت في آخر سنة ست، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم، وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول، وأما ما ذكره الحاكم عن الواقدي وكذا ذكره ابن سعد أنها كانت في جمادى الأولى،
    ن حديث أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏ خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان ‏"‏ الحديث وإسناده حسن،
    وذكر الشيخ أبو حامد في التعليقة أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر‏.‏
    وذكر ابن هشام أنه صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة نميلة بنون مصغر ابن عبد الله الليثي، وعند أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أنه سباع بن عرفطة وهو أصح‏.‏
    ( ج7/ ص 581)
    قال غفر لك ربك ‏"‏ قال‏:‏ وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد، وبهذه الزيادة يظهر السر في قول الرجل ‏"‏ لولا أمتعتنا به‏"‏‏.‏
    ( ج7/ ص 585)
    قوله‏:‏ ‏(‏ينهيانكم‏)‏ في رواية سفيان الآتية ‏"‏ ينهاكم ‏"‏ بالإفراد وفي رواية عبد الوهاب بالتثنية، وهو دال على جواز جمع اسم الله مع غيره في ضمير واحد، فيرد به على من زعم أن قوله للخطيب‏:‏ ‏"‏ بئس خطيب القوم أنت ‏"‏ لكونه قال‏:‏ ‏"‏ ومن يعصمها فقد غوى ‏
    ( ج7/ ص 586)
    وصفية هي بنت حيي بن أخطب بن سعية - بفتح المهملة وسكون العين المهملة بعدها تحتانية ساكنة - ابن عامر بن عبيد بن كعب، من ذرية هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام، وأمها برة بنت شموال من بني قريظة، وكانت تحت سلام بن مشكم القرظي ثم فرقها فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضيري فقتل عنها يوم خيبر، ذكر ذلك ابن سعد وأسند بعضه من وجه مرسل‏.‏
    ي رواية عبد العزيز عن أنس ‏"‏ فجاء دحية فقال‏:‏ أعطني يا رسول الله جارية من السبي، قال‏:‏ اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية، فجاء رجل فقال‏:‏ يا نبي الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك، قال ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ خذ جارية من السبي غيرها،
    ( ج7/ 589)
    جزم ابن الجوزي في مشكله بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال‏:‏ واسم الرجل قزمان الظفري، وكان قد تخلف عن المسلمين يوم أحد فعيره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول فكان أول من رمى بسهم، ثم صار إلى السيف ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول‏:‏ الموت أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال له‏:‏ هنيئا لك بالشهادة، قال‏:‏ والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي‏.‏
    ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقدي وهو لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، نعم أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرحمن القاضي عن أبي حازم حديث الباب وأوله أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ما رأينا مثل ما أبلى فلان، لقد فر الناس وما فر وما ترك للمشركين شاذة ولا فاذة الحديث بطوله على نحو ما في الصحيح، وليس فيه تسميته، وسعيد مختلف فيه وما أظن روايته خفيت على البخاري، وأظنه لم يلتفت إليها لأن في بعض طرقه عن أبي حازم ‏"‏ غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وظاهره يقتضي أنها غير أحد،
    ( ج7/ 592)
    وهذه عادته في الروايات المختلفة إذا رجح بعضها عنده اعتمده وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القدح في الرواية الراجحة لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف فلا يرجح شيء منها،
    ( ج7/ ص 595)
    روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس ‏"‏ كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض ‏"‏ ومثله عند الطبراني عن بريدة، وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد ‏"‏ مكتوبا فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله ‏"‏ وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية، وقد ذكر ابن إسحاق وكذا أبو الأسود عن عروة أن أول ما وجدت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية‏"‏‏.
    ( ج7/ ص 596)
    في فرض الخمس احتجاج الطحاوي على أن بعضها فتح صلحا بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بشير بن يسار ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر عزله نصفها لنوائبه وقسم نصفها بين المسلمين ‏"‏ وهو حديث اختلف في وصله وإرساله، وهو ظاهر في أن بعضها فتح صلحا، والله أعلم‏.
    ( ج7/ ص 597)
    ‏فجزم ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي بأن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة، وكذا روى أحمد بإسناد حسن عن جابر، وقيل إن محمد بن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز عليه علي، وقيل‏:‏ أن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن لم يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم على ما سواه، ولاسيما وقد جاء من حديث بريدة أيضا، وكان اسم الحصن الذي فتحه على القموص وهو من أعظم حصونهم، ومنه سبيت صفية بنت حيي، والله أعلم‏.‏
    ( ج7/ ص 599)
    عن عائشة قال‏:‏ ‏"‏ كانت صفية من الصفي ‏"‏
    فسره محمد بن سيرين فيما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه قال‏:‏ ‏"‏ كان يضرب للنبي صلى الله عليه وسلم بسهم مع المسلمين، والصفي يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء ‏"‏ ومن طريق الشعبي قال‏:‏ ‏"‏ كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره من الخمس ‏"‏
    ( ج7/ ص 608)
    أن رفع الصوت بالقرآن بالليل مستحسن لكن محله إذا لم يؤذ أحدا وأمن من الرياء‏.
    ( ج7/ ص 611)
    أن الثياب والمتاع لا تسمى مالا، وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي قال‏:‏ المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت الذهب والفضة والجوهر والناطق البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضري كثر ماله فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدوي فالمراد الناطق انتهى‏.‏
    الذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء كما حكاه المفضل فتحمل الأموال على المواشي والحوائط التي ذكرت في رواية الباب ولا يراد بها النقود لأنه نفاها أولا‏.‏
    ( ج7/ ص 613)
    والذي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم كركرة هوذة بن علي، بخلاف مدعم فأهداه رفاعة فافترقا، والله أعلم‏.‏
    وذكر البيهقي في روايته أنه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ حاصر أهل وادي القرى حتى فتحها، وبلغ ذلك أهل تيماء فصالحوه
    ( ج7/ ص 613)
    روى الدار قطني في ‏"‏ غرائب مالك ‏"‏ من طريق معن بن عيسى عن مالك بسند حديث الباب عن عمر قال‏:‏ ‏"‏ لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بأعلاهم
    نقل صاحب ‏"‏ المطالع ‏"‏ عن أهل العربية أنه لم يلتق حرفان من جنس واحد في اللسان العربي، وتعقب بأن ذلك لا يعرف عن أحد من النحويين ولا اللغة، وقد ذكر سيبويه الببر بموحدة مفتوحة ثم ساكنة وهي دابة تعادي الأسد‏.‏
    وفي الأعلام ‏"‏ ببة ‏"‏ بموحدتين الثانية ثقيلة لقب عبد الله بن الحارث الهاشمي أمير الكوفة‏.
    ونقل أبو علي القالي عن أبي حاتم أن بعض العرب يسمي كل دابة من حشرات الجبال وبرا، قال الخطابي‏:‏ أراد أبان تحقير أبي هريرة، وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع، وأنه قليل القدرة على القتال انتهى‏.‏
    ونقل ابن التين عن أبي الحسن القابسي أنه قال‏:‏ معناه أنه ملصق في قريش لأنه شبهه بالذي يعلق بوبر الشاة من الشوك وغيره‏.‏
    ( ج7/ ص 618)
    الحديث الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود من حديث جابر في النهي عن الدفن ليلا فهو محمول على حال الاختيار لأنه في بعضه ‏"‏ إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك‏"‏‏.
    كان الناس يحترمونه إكراما لفاطمة، فلما ماتت واستمر على عدم الحضور عند أبي بكر قصر الناس عن ذلك الاحترام لإرادة دخوله فيما دخل فيه الناس، ولذلك قالت عائشة في آخر الحديث ‏"‏ لما جاء وبايع كان الناس قريبا إليه حين راجع الأمر بالمعروف ‏"‏ وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة لشغله بها وتمريضها وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم لأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث رأى علي أن يوافقها في الانقطاع عنه‏.‏
    ‏قال المازري‏:‏ العذر لعلي في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه ولا يشق العصا عليه، وهذا كان حال علي لم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر، وقد ذكرت سبب ذلك‏.
    قال القرطبي‏:‏ من تأمل ما دار
    بين أبي بكر وعلي من المعاتبة ومن الاعتذار وما تضمن ذلك من الإنصاف عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الأخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانا لكن الديانة ترد ذلك والله الموفق‏.‏
    وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور‏.‏
    وفي هذا الحديث ما يدفع في حجتهم، وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وغيره أن عليا بايع أبا بكر في أول الأمر، وأما ما وقع في مسلم ‏"‏ عن الزهري أن رجلا قال له لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة، قال‏:‏ لا ولا أحد من بني هاشم ‏"‏ فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح، وجمع غيره بأنه بياعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث كما تقدم، وعلى هذا فيحمل قول الزهري لم يبايعه علي في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده وما أشبه ذلك، فإن في انقطاع مثله عن مثله ما يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا مخلافته فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي المبايعة التي بعد موت فاطمة عليها السلام لإزالة هذه الشبهة‏.‏
    ( ج7/ ص 623)
    قال أبي إسحاق‏:‏ لما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية، وكانت سألت‏:‏ أي عضو من الشاة أحب إليه‏؟‏ قيل لها‏:‏ الذراع، فأكثرت فيها من السم، فلما تناول الذراع لاك منها مضغه ولم يسغها، وأكل معه بشر بن البراء فأساغ لقمته، فذكر القصة، وأنه صفح عنها، وأن بشر بن البراء مات منها‏.‏
    وروى البيهقي من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة ‏"‏ أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فأكل، فقال لأصحابه‏:‏ أمسكوا فإنها مسمومة‏.‏
    وقال لها‏:‏ ما حملك على ذلك‏؟‏ قالت‏.‏
    أردت إن كنت نبيا فيطلعك الله، وإن كنت كاذبا فأريح الناس منك، قال فما عرض لها ‏"‏ ومن طريق أبي نضرة عن جابر نحوه فقال‏:‏ ‏"‏ فلما يعاقبها ‏"‏ وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن أبي بن كعب مثله وزاد ‏"‏ فاحتجم على الكاهل ‏"‏ قال قال الزهري‏.‏
    ‏"‏ فأسلمت فتركها ‏"‏ قال معمر‏:‏ والناس يقولون قتلها‏.‏
    يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها، وبذلك أجاب السهيلي وزاد‏:‏ أنه كان تركها لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها يبشر قصاصا‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه‏.‏
    ووافق موسى بن عقبة على تسميتها زينب بنت الحارث‏.‏
    وأخرج الواقدي بسند له عن الزهري ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها‏:‏ ما حملك على ما فعلت‏؟‏ قالت‏:‏ قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي‏"‏‏.‏
    قال فسألت إبراهيم بن جعفر فقال‏:‏ عمها يسار وكان من أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرف‏.‏
    وأخوها زبير، وزوجها سلام بن مشكم‏.‏
    ووقع في سنن أبي داود ‏"‏ أخت مرحب ‏"‏ وبه جزم السهيلي‏.‏
    وعند البيهقي في الدلائل ‏"‏ بنت أخي مرحب
    ( ج7/ ص 631)
    قد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم‏:‏ برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال إن رسول الله قد كتبا
    فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير‏:‏ هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيد النفي بما قيل ورود القرآن فقال‏.‏
    وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال‏:‏ ‏"‏ ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ ‏"‏ قال مجاهد‏:‏ فذكرته للشعبي فقال‏:‏ صدق قد سمعت من يذكر ذلك‏.‏
    ومن طريق يونس بن ميسرة على أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة‏:‏ أتراني أذهب بصحيفة المتلمس‏؟‏ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة فنظر فيها فقال‏:‏ قد كتب لك بما أمر لك ‏"‏ قال يونس فنرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بعدما أنزل عليه‏.‏
    قال عياض‏:‏ وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه‏:‏ ‏"‏ ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك ‏"‏ وقوله لمعاوية‏:‏ ‏"‏ ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ لا تمد بسم الله ‏"‏ قال‏:‏ وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضيع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء‏.‏
    وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث‏.‏
    وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي وقد صرح في حديث المسور بأن عليا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله‏:‏ ‏"‏ فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب ‏"‏ لبيان أن قوله‏:‏ ‏"‏ أرني إياها ‏"‏ أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك ‏"‏ فكتب ‏"‏ فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب‏.‏
    وبهذا جزم ابن التين وأطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير كقوله‏:‏ كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالما بالكتابة ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك‏.‏
    ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا‏.‏
    بهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي، وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنا ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة‏.‏
    فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة‏.‏
    وقال المعاند‏:‏ كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، قال السهيلي‏:‏ والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق أن معني قوله‏:‏ ‏"‏ فكتب ‏"‏ أي أمر عليا أن يكتب انتهى‏.‏
    ( ج7/ ص 639)
    مؤتة : إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغساني - وهو من أمراء قيصر على الشام - قتل رسولا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب بصري، واسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عسكرا في ثلاثة آلاف‏.‏
    ( ج7/ ص 643)
    إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا، أشار إلى ذلك الطبري وأطال في تقريره

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    انتهى المجلد السابع ويليه المجلد الثامن
    17/ جمادى الاولى / 1441 هجري
    12/ 1/ 2020 ميلادي

  3. #183
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تلخيص المجلد الثامن من " فتح الباري "
    20/ جمادى الأولى / 1441 هجري
    الموافق 15/ 1/ 2020 ميلادي
    ( ج8/ ص 6)
    ‏باب غزوة الفتح في رمضان‏)‏ أي كانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة،
    وزاد ابن إسحاق عن الزهري بهذا الإسناد أنه صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة أبا رهم الغفاري‏.‏
    ( ج8/ ص 15)
    روى الطبراني من حديث ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن الله حرم مكة ‏"‏ الحديث، فقيل له‏:‏ ‏"‏ هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال‏:‏ قم يا فلان فقل له فليرفع القتل، فأتاه الرجل فقال له‏:‏ إن نبي الله يقول لك اقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين ثم اعتذر الرجل إليه، فسكت ‏"‏ قال‏:‏ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أمراءه أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم‏.‏
    وقد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار وهم‏:‏ عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد بنون وقاف مصغر، ومقيس بن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة بني المطلب وهي التي وجد معها كتاب حاطب‏.‏
    فأما ابن أبي سرح فكان أسلم ثم ارتد ثم شفع فيه عثمان يوم الفتح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحقن دمه وقبل إسلامه‏.‏
    وأما عكرمة ففر إلى اليمن فتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فرجع معها بأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وأما الحويرث فكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله علي يوم الفتح‏.‏
    وأما مقيس بن صبابة فكان أسلم ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشاما خطأ، فجاء مقيس فأخذ الدية ثم قتل الأنصاري ثم ارتد، فقتله نميلة بن عبد الله يوم الفتح‏.‏
    أما هبار فكان شديد الأذى للمسلمين وعرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجرت فنخس بعيرها فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت، فلما كان يوم الفتح بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه أعلن بالإسلام فقبل منه فعفا عنه‏.‏
    وأما القينتان فاسمهما فرتني وقرينة، فاستؤمن لإحداهما فأسلمت وقتلت الأخرى‏.‏
    وأما سارة فأسلمت وعاشت إلى خلافة عمر‏.‏
    ( ج8/ ص 16)
    وعند موسى بن عقبة في المغازي - وهي أصح ما صنف في ذلك عند الجماعة - ما نصه ‏"‏ أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا‏:‏ يا رسول الله كنت حقيقا أن تجعل عدتك وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحما وأشد عداوة، فقال‏:‏ إني لأرجو أن يجمعهما الله لي‏:‏ فتح مكة وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم‏.‏
    (ج8/ ص 17)
    قال الشافعي‏:‏ كانت مكة مأمونة ولم يكن فتحها عنوة، والأمان كالصلح‏.‏
    وأما الذين تعرضوا للقتال أو الذين استثنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة‏.‏
    ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره صلى الله عليه وسلم بالقتال وبين حديث الباب في تأمينه صلى الله عليه وسلم لهم بأن يكون التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه فقاتلهم حتى قتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة، لأن العبرة بالأصول لا بالأتباع وبالأكثر لا بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيد قول من قال لم يكن فتحها عنوة‏.‏
    وعند أبي داود بإسناد حسن ‏"‏ عن جابر أنه سئل‏:‏ هل غنمتم يوم الفتح شيئا‏؟‏ قال‏:‏ لا ‏"‏ وجنحت طائفة - منهم الماوردي - إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في ‏"‏ الإكليل‏"‏‏.‏
    والحق أن صورة فتحها كان عنوة ومعاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحا، أما أولا فلأن الإمام مخير في قسمة الأرض بين الغانمين إذا انتزعت من الكفار وبين إبقائها وقفا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإجارتها‏.‏
    وأما ثانيا فقال بعضهم‏:‏ لا تدخل الأرض في حكم الأموال، لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض عموما لهم كما قال الله تعالى ‏(‏ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم‏)‏ الآية‏.‏
    ( ج8/ ص 21)
    وعند الدار قطني من رواية شبابة بن سوار عن مالك، وفي هذا الحديث ‏"‏ من رأى منكم ابن خطل فليقتله ‏"‏ ومن رواية زيد بن الحباب عن مالك بهذا الإسناد ‏"‏ وكان ابن خطل يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعر‏"‏‏.‏
    واختلف في قاتله، وقد جزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى الواقدي فيه أقوالا‏:‏ منها أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة، وقد بينت ما فيه من الاختلاف في كتاب الحج
    استدل بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجب عليه القتل، وأنه يجوز قتل من وجب عليه القتل في الحرم‏.‏
    وفي الاستدلال بذلك نظر لأن المخالفين تمسكوا بأن ذلك إنما وقع في الساعة التي أحل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها القتال بمكة، وقد صرح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر‏.‏
    ( ج8/ ص 21)
    وأخرج عمر بن شبة في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ من حديث السائب بن يزيد قال‏:‏ ‏"‏ رأيت رسـول الله صلى الله عليه وسلم استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال‏:‏ ‏"‏ لا يقتلن قرشي بعد هذا صبرا ‏"‏ ورجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالا، والله أعلم‏.‏
    ( ج8/ ص 22)
    ع في حديث جابر عند ابن سعد وأبي داود ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور، وكان عمر هو الذي أخرجها ‏"‏ والذي يظهر أنه محا ما كان من الصور مدهونا مثلا‏.‏
    وأخرج ما كان مخروطا‏.‏
    وأما حديث أسامة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم فدعا بماء فجعل يمحوها ‏"‏ وقد تقدم في الحج فهو محمول على أنه بقيت بقية خفي على من محاها أولا‏.‏
    قد حكى ابن عائذ في المغازي عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن صورة عيسى وأمه بقيتا حتى رآهما بعض من أسلم من نصارى غسان فقال‏:‏ إنكما لببلاد غربة، فلما هدم ابن الزبير البيت ذهبا فلم يبق لهما أثر‏.‏
    وقد أطنب عمر بن شبة في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ في تخريج طريق هذا الحديث فذكر ما تقدم وقال‏:‏ ‏"‏ حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج سأل سليمان بن موسى عطاء‏:‏ أدركت في الكعبة تماثيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أدركت تماثيل مريم في حجرها ابنها عيسى مزوقا، وكان ذلك في العمود الأوسط الذي يلي الباب‏.‏
    قال‏:‏ فمتى ذهب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ في الحريق ‏"‏ وفيه عن ابن جريج ‏"‏ أخبرني عمرو بن دينار أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطمس الصور التي كانت في البيت ‏"‏ وهذا سند صحيح، ومن طريق عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فأمرني فأتيته بماء في دلو فجعل يبل الثوب ويضرب به على الصور ويقول‏:‏ قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون
    ( ج8/ ص 24)
    روى عبد الرزاق والطبراني من جهته من مرسل الزهري ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان يوم الفتح‏:‏ ائتني بمفتاح الكعبة، فأبطأ عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق ويقول‏:‏ ما يحبسه‏؟‏ فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح وهي أم عثمان واسمها سلافة بنت سعيد تقول‏:‏ إن أخذه منكم لا يعطيكموه أبدا، فلم يزل بها حتى أعطت المفتاح؛ فجاء به ففتح، ثم دخل البيت، ثم خرج فجلس عند السقاية فقال علي‏:‏ إنا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة، ما قوم بأعظم نصيبا منا‏.‏
    فكره النبي صلى الله عليه وسلم مقالته‏.‏
    ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع المفتاح إليه‏"‏‏.‏
    وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب مرسلا نحوه، وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت‏:‏ ‏"‏ لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب ‏"‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه‏:‏ ثم قال يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل فيكم‏؟‏ قالوا‏:‏ خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم‏.‏
    قال‏:‏ اذهبوا فأنتم الطلقاء
    من حديث ابن عمر أن بني أبي طلحة كانوا يقولون‏:‏ لا يفتح الكعبة إلا هم، فتناول النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح ففتحها بيده‏.‏
    ( ج8/ ص 30)
    وفي رواية أبي داود ‏"‏ فاشتروا لي قميصا عمانيا ‏"‏ وهو بضم المهملة وتخفيف الميم نسبة إلى عمان وهي من البحرين، وزاد أبو داود في رواية له ‏"‏ قال عمرو بن سلمة‏:‏ فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم ‏"‏ وفي الحديث حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، وهي خلافية مشهورة ولم ينصف من قال إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان منهيا عنه لنهى عنه في القرآن، وكذا من استدل به بأن ستر العورة في الصلاة ليس شرطا لصحتها بل هو سنة، ويجزي بدون ذلك لأنها واقعة حال فيحتمل أن يكون ذلك بعد علمهم بالحكم‏.‏
    ( ج8/ ص 39)
    ودل قول الدمياطي أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة ولخروج نسخ من كتابه وانتشاره لم يتمكن من تغييره‏.‏
    ( ج8/ ص 40)
    هذه البغلة هي البيضاء، وعند مسلم من حديث العباس ‏"‏ وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ‏"‏ وله من حديث سلمة ‏"‏ وكان على بغلته الشهباء ‏"‏ ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنف السيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان على بغلته دلدل، وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس؛ وقد ذكر القطب الحلبي أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد فقال له‏:‏ كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة وكنت حينئذ سيريا محضا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف‏.‏
    قال القطب الحلبي‏:‏ يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلا فما في الصحيح أصح‏.‏
    وقد أغرب النووي فقال‏:‏ وقع عند مسلم ‏"‏ على بغلته البيضاء ‏"‏ وفي أخرى ‏"‏ الشهباء ‏"‏ وهي واحدة ولا نعرف له بغلة غيرها‏.‏
    وتعقب بدلدل فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل إن الاسمين لواحدة‏.‏
    ( ج8/ ص 40)
    أما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطـول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم‏:‏ أيكم ابن عبد المطلب وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي صلى الله عليه وسلم تنبيه أصحابه بأنه لا بد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم‏.‏
    ( ج8/ ص 48)
    وقد اختلف في كتابة ‏"‏ إذا ‏"‏ هذه هل تكتب بألف أو بنون، وهذا الخلاف مبني على أنها اسم أو حرف فمن قال هي اسم قال الأصل فيمن قيل له سأجيء إليك فأجاب إذا أكرمك أي إذا جئتني أكرمك ثم حذف جئتني وعوض عنها التنوين وأضمرت أن، فعلى هذا يكتب بالنون‏.‏
    ومن قال هي حرف - وهم الجمهور - اختلفوا، فمنهم من قال هي بسيطة وهو الراجح، ومنهم من قال مركبة من إذا وإن فعلى الأول تكتب بألف وهو الراجح وبه وقع رسم المصاحف، وعلى الثاني تكتب بنون، واختلف في معناها قال سيبويه‏:‏ معناها الجواب والجزاء، وتبعه جماعة فقالوا‏:‏ هي حرف جواب يقتضي التعليل‏.‏
    وأفاد أبو علي الفارسي أنها قد تتمحض للجواب، وأكثر ما تجيء جوابا للو وإن ظاهرا أو مقدرا، فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ ‏"‏ إذا ‏"‏ لاختل نظم الكلام لأنه يصير هكذا‏:‏ لا والله، إذا لا يعمد إلى أسد إلخ‏.‏
    ( ج8/ ص 52)
    وقال ابن التين‏:‏ وصفه بالضعف والمهانة، والأصيبغ نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف يقال له الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر ذكر ذلك الخطابي، وعلى هذا رواية القابسي، وعلى الثاني تصغير الضبع على غير قياس، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد صغر خصمه وشبهه بالضبع لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز‏.‏
    وقال ابن مالك‏:‏ أضيبع بمعجمة وعين مهملة تصغير أضبع ويكنى به عن الضعيف‏.‏
    ( ج8/ ص 55)
    (‏باب غزوة الطائف‏)‏ هو بلد كبير مشهور، كثير الأعناب والنخيل، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق، قبل أصلها أن جبريل عليه السلام اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف فسمي الموضع بها، وكانت أولا بنواحي صنعاء، واسم الأرض وج بتشديد الجيم، سميت برجل وهو ابن عبد الجن من العمالقة وهو أولا من نزل بها‏.‏
    وسار النبي صلى الله عليه وسلم إليها بعد منصرفه من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف النضري قائد هوازن لما انهزم دخل الطائف وكان له حصن بلية، وهي بكسر اللام وتخفيف التحتانية على أميال من الطائف، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى الطائف فأمر بهدمه‏.‏
    ( ج8/ ص 60)
    قد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهما الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل‏:‏ كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم، وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم‏.‏
    ( ج8/ ص 61)
    والمراد بالطلقاء جمع طليق‏:‏ من حصل من النبي صلى الله عليه وسلم المن عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة‏.‏
    وقد سرد أبو الفضل بن طاهر في ‏"‏ المبهمات ‏"‏ له أسماء المؤلفة وهم ‏(‏س‏)‏ أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ‏(‏س‏)‏ وحكيم بن حزام، وأبو السنابل بن بعكك، وصفوان بن أمية،
    ( ج8/ ص 62)
    قال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي‏:‏ ‏"‏ ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو، وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة‏.‏
    وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال‏:‏ ‏"‏ إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجيرهم وأتألفهم‏"‏‏.‏
    الذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي، ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله أمر الغنيمة لنبيه‏.‏
    ( ج8/ ص 63)
    وقد رتب صلى الله عليه وسلم ما من الله عليهم على يده من النعم ترتيبا بالغا فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة وهي أعظم من نعمة المال لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها كما تقدم في أول الهجرة، فزال ذلك كله بالإسلام كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم‏)‏ ‏.
    (ج8/ ص 70)
    والسرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها‏.
    وهذا يقتضي أنها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة فما زاد على خمسمائة يقال له منسر بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشا، وما بينهما يسمى هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلا، فإن زاد فجيش جرار، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثا، فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي جمرة بالجيم، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر‏.‏
    ( ج8/ ص 75)
    واستنبط منه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة أن الجمع من هذه الأمة لا يجتمعون على خطأ لانقسام السرية قسمين‏:‏ منهم من هان عليه دخول النار فظنه طاعة، ومنهم من فهم حقيقة الأمر وأنه مقصور على ما ليس بمعصية، فكان اختلافهم سببا لرحمة الجميع‏.‏
    قال‏:‏ وفيه أن من كان صادق النية لا يقع إلا في خير، ولو قصد الشر فإن الله يصرفه عنه، ولهذا قال بعض أهل المعرفة‏:‏ من صدق مع الله وقاه الله، ومن توكل على الله كفاه الله‏.‏
    ( ج8/ ص 76)
    (‏كيف تقرأ القرآن‏؟‏ قال‏:‏ أتفوقه تفوقا‏)‏ بالفاء ثم القاف أي ألازم قراءته ليلا ونهارا شيئا بعد شيء وحينا بعد حين‏:‏ مأخوذ من فواق الناقة وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب هكذا دائما‏.‏
    ( ج8/ ص 78)
    أن أبا موسى كان عالما فطنا حاذقا، ولولا ذلك لم يوله النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين، قال ابن العربي وغيره‏:‏ والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من أكابر الصحابة من أهل بدر ونحوهم لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، وآل الأمر إلى ما آل إليه‏.‏
    قال ابن باز رحمه الله في " الحاشية " ( ج8/ ص 78)
    " وهو خلاف ما دسته الشيعة في كتب التاريخ وشوهته فاستقر في الأذهان خطأ
    لتدوال مؤلفات كتب التاريخ على هذا الخطأ واقرارهم
    " انظر الى تحقيق ذلك في " العواصم من القواصم " للإمام أبي بكر بن العربي وتعليقات الشيخ محب الدين الخطيب " .

    ( ج8/ 80)
    قال ابن التين‏:‏ إذا امتثل أمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه، قال الأزهري‏.‏
    الطوع نقيض الكره، وطاع له انقاد، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه‏.‏
    وقال يعقوب بن السكيت‏:‏ طاع وأطاع بمعنى‏.‏
    وقال الأزهري أيضا‏:‏ منهم من يقول طاع له يطوع طوعا فهو طائع بمعنى أطاع‏.‏
    والحاصل أن طاع وأطاع استعمل كل منهما لازما ومتعديا إما بمعنى واحد
    ( ج8/ ص 85)
    قال أبو ذر الهروي‏:‏ إنما أبغض الصحابي عليا لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غل، فلما أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ أقل من حقه أحبه ا هـ‏.‏
    وهو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي أخرجه أحمد فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لهم عن بغضه‏.‏
    وقد استشكل وقوع علي على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكرا غير بالغ ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها وليس ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك من نصبه الإمام قام مقامه‏.‏
    قد أجاب الخطابي بالثاني، وأجاب عن الأول لاحتمال أن تكون عذراء أو دون البلوغ أو أداه اجتهاده أن لا استبراء فيها، ويؤخذ من الحديث جواز التسري على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف التزويج عليها لما وقع في حديث المسور في كتاب النكاح‏.‏
    ( ج8/ 86)
    وبين زيد الخيل الطائي ثم أحد بني نبهان ‏"‏ وقيل له زيد الخيل لكرائم الخيل التي كانت له، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير
    ( ج8/ 86)
    وقال المازري‏:‏ يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم من الرجل الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع‏.‏
    واختلف في جواز وقوع الصغائر، أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحد، وخبر الواحد لا يراق به الدم‏.‏
    الرجل هو ذو الخويصرة التميمي كما تقدم صريحا في علامات النبوة من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري، وعند أبي داود اسمه نافع ورجحه السهيلي، وقيل اسمه حرقوص بن زهير السعدي
    ( ج8/ 89)
    الخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدا جامعا لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم، ووهم من قال إنه كان في بلاد فارس‏.
    وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة كان عمرو بن لحي قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم فكانوا قد بنوا بيتا يضاهون به الكعبة فظهر الافتراق وقوي التعدد‏.‏
    ( ج8/ 92)
    قد حرم الله ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأن تستقسموا بالأزلام‏)‏ وحكي أبو الفرج الأصبهاني أنهم كانوا يستقسمون عند ذي الخلصة، وأن امرأ القيس لما خرج يطلب بثأر أبيه استقسم عنده فخرج له ما يكره، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد‏:‏ لو كنت يا ذا الخلص الموتورا لم تنه عن قتل العداة زورا قال‏:‏ فلم يستقسم عنده أحد بعد حتى جاء الإسلام‏.‏
    قلت‏:‏ وحديث الباب يدل على أنهم استمروا يستقسمون عنده حتى نهاهم الإسلام، وكأن الذي استقسم عنده بعد ذلك لم يبلغه التحريم أو لم يكن أسلم حتى زجره جرير‏.‏
    ( ج8/ ص 94)
    قد روينا في ‏"‏ فوائد أبي بكر بن أبي الهيثم ‏"‏ من حديث رافع الطائي قال‏:‏ ‏"‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر ‏"‏ قال‏:‏ وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام‏.‏
    ( ج8/ ص 95)
    وهذا قاله ذو عمرو عن اطلاع من الكتب القديمة لأن اليمن كان أقام بها جماعة من اليهود فدخل كثير من أهل اليمن في دينهم وتعلموا منهم، وذلك بين في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب‏.‏
    وقال الكرماني‏:‏ يحتمل أن يكون سمع من بعض القادمين من المدينة سرا، أو أنه كان في الجاهلية كاهنا، أو أنه صار بعد إسلامه محدثا أي يفتح الدال، وقد تقدم تفسيره وأنه الملهم‏.‏
    وهذا دليل على ما قررته أن ذا عمرو كان له اطلاع على الأخبار من الكتب القديمة، وإشارته بهذا الكلام تطابق الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره من حديث سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ ما قاله ذو عمرو وذو الكلاع لا يكون إلا عن كتاب أو كهانة، وما قاله ذو عمرو لا يكون إلا عن كتاب‏.‏
    قلت‏:‏ ولا أدري لم فرق بين المقالتين والاحتمال فيهما واحد، بل المقالة الأخيرة يحتمل أن تكون من جهة التجربة

    ( ج8/ ص 103)
    ‏حج أبي بكر بالناس في سنة تسع‏)‏ كذا جزم به، ونقل المحب الطبري عن صحيح ابن حبان أن فيه عن أبي هريرة ‏"‏ لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من حنين اعتمر من الجعرانة وأمر أبا بكر في تلك الحجة
    والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر، فذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في ‏"‏ الإكليل‏"‏، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة - كالداودي وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة - وإما ساكت‏.‏
    والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي‏.‏
    قال ابن القيم في الهدي‏:‏ ويستفاد أيضا من قول أبي هريرة في حديث الباب ‏"‏ قبل حجة الوداع ‏"‏ أنها كانت سنة تسع لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقا، وذكر ابن إسحاق أن خروج أبي بكر كان في ذي القعدة، وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بدنة‏.‏
    ( ج8/ ص 112 )
    قال ابن إسحاق‏:‏ ادعى النبوة سنة عشر، وزعم وثيمة في ‏"‏ كتاب الردة ‏"‏ أن مسيلمة لقب واسمه ثمامة، وفيه نظر لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظا فيكون ممن توافقت كنيته واسمه،
    أمر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم،
    يؤخذ منه أن السوار وسائر آلات أنواع الحلي اللائقة بالنساء تعير للرجال بما يسوؤهم ولا يسرهم،

    ( ج8/ ص 116)
    وكان الأسود قد خرج بصنعاء وادعى النبوة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال إنه مر به فلما حاذاه عثر الحمار فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئا فقام، وروى يعقوب بن سفيان والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريقه من حديث النعمان بن بزرج بضم الموحدة وسكون الزاي ثم راء مضمومة ثم جيم قال‏:‏ خرج الأسود الكذاب وهو من بني عنس يعني بسكون النون وكان معه شيطانان يقال لأحدهما سحيق بمهملتين وقاف مصغر والآخر شقيق بمعجمة وقافين مصغر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي صلى الله عليه وسلم بصنعاء فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه وفيروز وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ليلا؛ وقد سقته المرزبانة الخمر صرفا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس‏.‏
    فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة فوافى بذلك عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    قال أبو الأسود عن عروة‏:‏ أصيب الأسود قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة،
    ( ج8/ ص 119)
    وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام‏.‏
    وفيها جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تعينت مصلحته‏.‏
    وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة‏.‏
    وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي، ووقع ذلك لجماعة من العلماء‏.‏
    ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة‏.‏
    ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين‏.‏
    وفيها مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم، فإن كلا منهما مال يؤخذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام‏.‏
    ( ج8/ ص 120)
    وأما عمان فبضم المهملة وتخفيف الميم، قال عياض‏:‏ هي فرضة بلاد اليمن لم يزد في تعريفها على ذلك‏.‏
    وقال الرشاطي‏.‏
    عمان في اليمن سميت بعمان بن سبأ، ينسب إليها الجلندي رئيس أهل عمان‏.‏
    ذكر وثيمة أن عمرو بن العاص قدم عليه من عند النبي صلى الله عليه وسلم فصدقه، وذكر غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص ولدا الجلندي عياذ وجيفر، وكان ذلك بعد خيبر، ذكره أبو عمرو انتهى‏.‏
    وروى الطبراني من حديث المسور بن مخرمة قال‏:‏ ‏"‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏
    وفيه‏:‏ ‏"‏ وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي ملك عمان وفيه‏:‏ فرجعوا جميعا قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمرا فإنه توفي وعمرو بالبحرين ‏"‏ وفي هذا إشعار بقرب عمان من البحرين، وبقرب البعث إلى الملوك من وفاته صلى الله عليه وسلم فلعلها كانت بعد حنين فتصحفت، ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى هذا الحديث لقوله في حديث الباب ‏"‏ فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وروى أحمد من طريق أبي لبيد قال ‏"‏ خرج رجل منا يقال له بيرح بن أسد، فرآه عمر فقال‏:‏ ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من أهل عمان، فأدخله على أبي بكر فقال‏:‏ هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر ‏"‏ وعند مسلم من حديث أبي برزة قال‏:‏ ‏"‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى قوم فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك‏"‏‏.‏
    ( ج8/ ص 121)
    ‏(‏تنبيه ) بعمل الشام بلدة يقال لها عمان لكنها بفتح العين وتشديد الميم، وهي التي أرادها الشاعر بقوله‏:‏ في وجهه خالان لولاهما ما بت مفتونا بعمان وليست مرادة هنا قطعا، إنما وقع اختلاف للرواة فيما وقع في صفة الحوض النبوي


    .............
    ( ج8/ ص 124)
    قد ذكر ابن الصلاح قول أبي عبيد وغيره‏:‏ إن معنى قوله‏:‏ ‏"‏ الإيمان يمان ‏"‏ أن مبدأ الإيمان من مكة لأن مكة من تهامة وتهامة من اليمن، وقيل‏:‏ المراد مكة والمدينة، لأن هذا الكلام صدر وهو صلى الله عليه وسلم بتبوك، فتكون المدينة حينئذ بالنسبة إلى المحل الذي هو فيه يمانية، والثالث واختاره أبو عبيد أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره‏.‏
    وقال ابن الصلاح‏:‏ ولو تأملوا ألفاظ الحديث لما احتاجوا إلى هذا التأويل، لأن قوله ‏"‏ أتاكم أهل اليمن ‏"‏ خطاب للناس ومنهم الأنصار، فيتعين أن الذين جاءوا غيرهم، قال‏:‏ ومعنى الحديث وصف الذين جاءوا بقوة الإيمان وكماله ولا مفهوم له، قال‏:‏ ثم المراد الموجودون حينئذ منهم لا كل أهل اليمن في كل زمان انتهى‏.‏
    بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن وجهة الشمال، فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان، وقد قسم في حديث أبي مسعود أهل الجهات الثلاثة‏:‏ اليمن والشام والمشرق، ولم يتعرض للمغرب في هذا الحديث، وقد ذكره في حديث آخر، فلعله كان فيه ولم يذكره الراوي إما لنسيان أو غيره، والله أعلم‏.‏
    وأورد البخاري هذه الأحاديث في الأشعريين لأنهم من أهل اليمن قطعا، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس ‏"‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قال‏:‏ الله أكبر، إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، حسنة طاعتهم‏.‏
    عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب، هم خير أهل الأرض ‏"‏ الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، وفي الطبراني من حديث عمرو بن عبسة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعيينة بن حصن‏:‏ أي الرجال خير‏؟‏ قال رجال أهل نجد، قال‏:‏ كذبت بل هم أهل اليمن، الإيمان يمان ‏"‏ الحديث‏.‏
    وأخرجه أيضا من حديث معاذ بن جبل، قال الخطابي‏:‏ قوله ‏"‏ هم أرق أفئدة وألين قلوبا ‏"‏ أي لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراءه؛ وإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل، وإذا كان القلب لينا علق كل ما يصادفه‏.‏
    حديث أبي هريرة وغيره ‏"‏ إن جهينة وغيرها خير من بني أسد وغطفان ‏"‏ وأما النخعي فمنسوب إلى النخع قبيلة مشهورة من اليمن، واسم النخع حبيب بن عمرو بن علة بضم المهملة وتخفيف اللام ابن جلد بن مالك بن أدد بن زيد، وقيل له النخع لأنه نخع عن قومه أي بعد‏.‏
    وفي رواية شعبة عن الأعمش عند أبي نعيم في المستخرج ‏"‏ لتسكتن أو لأحدثنك بما قيل في قومك وقومه‏"


    (ج8/ ص 125)
    الطفيل بن عمرو أي ابن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، كان يقال له ذو النور آخره راء؛ لأنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم بعثه إلى قومه فقال‏:‏ اجعل لي آية، فقال‏:‏ اللهم نور له، فسطع نور بين عينيه، فقال‏:‏ يا رب أخاف أن يقولوا إنه مثلة، فتحول إلي طرف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة؛ ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة، وفيها أنه دعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده‏.
    ( ج8/ ص 128)
    وروى الترمذي من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال‏:‏ ‏"‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال‏:‏ هذا عدي بن حاتم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقول‏:‏ إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي‏"‏‏.‏
    ( ج8/ ص 130)
    قد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل أن يهاجر حججا ‏"‏ وقال ابن الجوزي‏:‏ حج حججا لا يعرف عددها‏.‏
    وقال ابن الأثير في النهاية‏:‏ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر‏.‏


    ( ج8/ ص 134)
    بل حج قبل أن يهاجر مرارا، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط، لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يتركه‏؟‏ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما بينته في الهجرة إلى المدينة‏.‏
    ( ج8/ ص 135)
    حجة الوداع كانت قبل وفاته بأكثر من ثمانين يوما
    (ج8/ ص 139)
    ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة‏:‏ منها حديث مسلم ‏"‏ إنكم ستأتون غدا عين تبوك ‏"‏ وكذا أخرجه أحمد والبزار من حديث حذيفة، وقيل‏:‏ سميت بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين سبقاه إلى العين ‏"‏ ما زلتما تبوكانها منذ اليوم‏"‏، قال ابن قتيبة‏:‏ فبذلك سميت عين تبوك؛ والبوك كالحفر انتهى‏.‏
    وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال‏:‏ ‏"‏ كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل‏:‏ أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال‏:‏ يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال فسمعته يقول‏:‏ لا يضر عثمان ما عمل بعدها ‏"‏ وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حيان نحوه، وذكر أبو سعيد في ‏"‏ شرف المصطفى ‏"‏ والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم ‏"‏ أن اليهود قالوا‏.‏
    يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل ‏(‏إن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها‏)‏ الآية ‏"‏ انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرس‏‏

  4. #184
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب " المغازي "

    ( ج8/ 155)
    عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما ولا سفكوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر‏؟
    ( ج8/ ص 156)
    وفيها أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين
    ن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏)‏ ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة‏)‏ ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خولنا من نعمته‏.‏
    ما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيا،
    وأن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه‏.‏
    ( ج8/ ص 159)
    أما كسرى فهو ابن برويز بن هرمز بن أنو شروان‏.‏
    وهو كسرى الكبير المشهور، وقيل إن الذي بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم هو أنو شروان، وفيه نظ
    وكسرى بفتح الكاف وبكسرها لقب كل من تملك الفرس، ومعناه بالعربية المظفري
    ( ج8/ ص 160)
    ووقع عند مسلم عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ وإلى كل جبار عنيد ‏"‏ وروى الطبراني من حديث المسور بن مخرمة قال‏:‏ ‏"‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال‏:‏ إن الله بعثني للناس كافة‏.‏
    فأدوا عني ولا تختلفوا علي‏.‏
    فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي باليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى بهجر، وعمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندي بعمان، ودحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر الغساني، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فرجعوا جميعا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، غير عمرو بن العاص ‏"‏ وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجرين أبي أمية بن الحارث بن عبد كلال وحريرا إلى ذي الكلاع، والسائب إلى مسيلمة، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس‏.‏
    وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند مسلم أن النجاشي الذي بعث إليه مع هؤلاء غير النجاشي الذي أسلم‏.‏
    ( ج8/ ص 160)
    بنت كسرى‏)‏ هي بوران بنت شيرويه بن كسرى بن برويز، وذلك أن شيرويه لما قتل أباه كما تقدم كان أبوه لما عرف أن ابنه قد عمل على قتله احتال على قتل ابنه بعد موته فعمل في بعض خزائنه المختصة به حقا مسموما وكتب عليه‏:‏ حق الجماع، من تناول منه كذا جامع كذا‏.‏
    فقرأه شيرويه، فتناول منه فكان فيه هلاكه، فلم يعش بعد أبيه سوى ستة أشهر، فلما مات لم يخلف أخا لأنه كان قتل إخوته حرصا على الملك ولم يخلف ذكرا، وكرهوا خروج الملك عن ذلك البيت فملكوا المرأة واسمها بوران بضم الموحدة‏.‏
    ذكر ذلك ابن قتيبة في المغازي‏.‏
    وذكر الطبري أيضا أن أختا أرزميدخت ملكت أيضا‏.‏
    ال الخطابي‏:‏ في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وفيه أنها لا تزوج نفسها، ولا تلي العقد على غيرها، كذا قال، وهو متعقب والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور، وأجازه الطبري وهي رواية عن مالك، وعن أبي حنيفة تلي الحكم فيما تجوز قيه شهادة النساء‏.‏
    أن إرسال الكتب إلى الملوك كان في سنة غزوة تبوك، ولكن لا يدفع ذلك قول من قال إنه كاتب الملوك في سنة الهدنة كقيصر، والجمع بين القولين أنه كاتب قيصر مرتين، وهذه الثانية قد وقع التصريح بها في ‏"‏ مسند أحمد ‏"‏ وكاتب النجاشي الذي أسلم وصلى عليه لما مات، ثم كاتب النجاشي الذي ولي بعده وكان كافرا، وقد روى مسلم من حديث أنس قال‏:‏‏:‏ كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل جبار يدعوهم إلى الله ‏"‏ وسمي منهم كسرى وقيصر والنجاشي، قال‏:‏ وليس بالنجاشي الذي أسلم‏.‏
    مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
    ( ج8/ 163)
    واختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يوما، وقيل بزيادة يوم وقيل بنقصه‏.‏
    والقولان في ‏"‏ الروضة ‏"‏ وصدر بالثاني، وقيل عشرة أيام وبه جزم ‏"‏ سليمان التيمي في مغازيه ‏"‏ وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح‏.‏
    وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول وكاد يكون إجماعا، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبر‏:‏ مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه ورجحه السهيلي‏.‏
    وعلى القولين يتنزل ما نقله الرافعي أنه عاش بعد حجته ثمانين يوما، ‏.‏
    ( ج8/ ص 165)
    ‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قال السهيلي‏:‏ وجدت في بعض كتب الواقدي أن أول كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع عند حليمة ‏"‏ الله أكبر ‏"‏ وآخر كلمة تكلم بها كما في حديث عائشة ‏"‏ في الرفيق الأعلى ‏"‏ وروى الحاكم من حديث أنس ‏"‏ أن آخر ما تكلم به‏:‏ جلال ربي الرفيع‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 174)
    الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ورأسه في حجر علي ‏"‏ وكل طريق منها لا يخلو من شيعي، فلا يلتفت إليهم‏.‏
    وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعا لتوهم التعصب‏.‏
    قال ابن سعد‏:‏ ‏"‏ ذكر من قال‏:‏ توفي في حجر علي ‏"‏ وساق من حديث جابر‏:‏ سأل كعب الأحبار عليا ما كان آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي فقال‏:‏ الصلاة الصلاة‏.‏
    فقال كعب‏:‏ كذلك آخر عهد الأنبياء‏.‏
    وفي سنده الواقدي وحرم بن عثمان وهما متروكان‏.‏
    ( ج8/ ص 176)
    وقد ثبت حديث ‏"‏ من تصبح بسبع تمرات من عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ‏"‏ وللنسائي في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات وسنده صحيح، وفي صحيح مسلم القول لمن به وجع ‏"‏ أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات ‏"‏ وفي النسائي ‏"‏ من قال عند مريض لم يحضر أجله‏:‏ أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك سبع مرات ‏"‏ وفي مرسل أبي جعفر عند ابن أبي شيبة
    ( ج8/ ص 185)
    ‏لددناه‏)‏ أي جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وهذا هو اللدود، فأما ما يصب في الحلق فيقال له الوجور، وقد وقع عند الطبراني من حديث العباس ‏"‏ أنهم أذابوا قسطا - أي بزيت - قلدوه به‏"‏‏.‏
    قيل‏:‏ وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن حقق ذلك كره له التداوي‏.‏
    قلت‏:‏ وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم طنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 186)
    وفي رواية ابن أبي الزناد هذه بيان ضعف ما رواه أبو يعلى بسند فيه ابن لهيعة من وجه آخر عن عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مات من ذات الجنب ‏"‏ ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بينهما بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين
    أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا، وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك ‏"‏ ذات الجنب من الشيطان ‏"‏ والثاني هو الذي أثبت هنا، وليس فيه محذور كالأول‏.‏
    (ج8/ ص 187)
    قال الخطابي‏:‏ زعم بعض من لا يعد في أهل العلم أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ لا كرب على أبيك بعد اليوم ‏"‏ أن كربه كان شفقة على أمته لما علم من وقوع الفتن والاختلاف، وهذا ليس بشيء لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة لأنه مبعوث إلى من جاء بعده وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وأن المراد بالكرب ما كان يجده من شدة الموت، وكان فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر
    (ج8/ ص 189)
    كأن عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بالخلافة وأن يوفي ديونه، وقد أخرج العقيلي وغيره في ‏"‏ الضعفاء ‏"‏ في ترجمة حكيم بن جبير من طريق عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة عن سلمان أنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إن الله لم يبعث نبيا إلا بين له من يلي بعده فهل بين لك‏؟‏ قال‏:‏ نعم علي بن أبي طالب‏.‏
    ومن طريق جرير بن عبد الحميد عن أشياخ من قومه عن سلمان‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله من وصيك‏؟‏ قال‏:‏ وصيي وموضع سري وخليفتي على أهلي وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب‏.‏
    ومن طريق أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه رفعه‏:‏ لكل نبي وصي وإن عليا وصيي وولدي‏.‏
    ومن طريق عبد الله بن السائب عن أبي ذر رفعه أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء‏.‏
    وردها وغيرها ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات‏"‏‏.
    ( ج8/ 190)
    وفي رواية هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس ‏"‏ لبث بمكة ثلاث عشرة وبعث لأربعين ومات وهو ابن ثلاث وستين ‏"‏ وهذا موافق لقول الجمهور، وقد مضى في ‏"‏ باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏
    والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد‏.‏
    وقال أحمد‏:‏ هو الثبت عندنا‏.‏
    وقد جمع السهيلي بين القولين المحكيين بوجه آخر، وهو أن من قال‏:‏ مكث ثلاث عشرة عد من أول ما جاءه الملك بالنبوة، ومن قال‏:‏ مكث عشرا أخذ ما بعد فترة الوحي ومجيء الملك بيا أيها المدثر، وهو مبني على صحة خبر الشعبي الذي نقلته من تاريخ الإمام أحمد في بدء الوحي،
    ( ج8/ ص 191)
    وقد قص أصحاب المغازي قصة مطولة فلخصتها، وكانت آخر سرية جهزها النبي صلى الله عليه وسلم، وأول شيء جهزه أبو بكر رضي الله عنه، وقد أنكر أبي تيمية في كتاب الرد على ابن المطهر أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة؛ ومستند ما ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي وذكره ابن سند أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد‏.‏
    وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة ولفظه ‏"‏ بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال‏:‏ اغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك، فقد وليتك هذا الجيش ‏"‏ فذكر القصه وفيها ‏"‏ لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر، ولما جهزه أبو بكر بعد أن استخلف سأله أبو بكر أن يأذن لهم بالإقامة فأذن، ذكر ذلك كله ابن الجوزي في ‏"‏ المنتظم ‏"‏ جازما به، وذكر الواقدي وأخرجه ابن عساكر
    (ج8/ ص 193)
    وله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة‏)‏ كذا وقع في مسند أحمد، وكذا أخرجه مسلم عن أحمد نفسه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخ أخرج البخاري تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة‏.‏
    ووقع من هذا النمط البخاري أكثر من مائتي حديث، وقد جردتها في جزء مفرد‏.‏
    وأخرج مسلم أيضا من وجه آخر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان
    وأما السرايا فتقرب من سبعين، وقد استوعبها محمد بن سعد في الطبقات‏.‏
    وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة وهو كما قال، والله أعلم‏.‏

    انتهى
    بحمد الله وتوفيقه كتاب المغازي " من فتح الباري
    ويليه كتاب " التفسير " المجلد الثامن .
    الموافق 23/ جمادى الاولى / 1441
    الموافق 18/ يناير / 2020 م

    نسأل الله من فضله .

  5. #185
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    " كتاب التفسير "
    الجزء الثامن " من فتح الباري "
    للحافظ ابن حجر رحمه الله
    الموافق 21/ يناير / 2020

    ( ج8/ ص 194)
    واختلفوا في التفسير والتأويل، قال أبو عبيدة وطائفة‏:‏ هما بمعنى‏.‏
    وقيل التفسير هو بيان المراد باللفظ، والتأويل هو بيان المراد بالمعنى، وقيل في الفرق بينهما غير ذلك، وقد بسطته في أواخر كتاب التوحيد‏.
    ( ج8/ ص 195)
    ‏روى ابن جرير من طريق عطاء الخراساني أن غير الله لما تسمى بالرحمن كمسيلمة جيء بلفظ الرحيم لقطع التوهم فإنه لم يوصف بهما أحد إلا الله، وعن ابن المبارك‏:‏ الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل يغضب، ومن الشاذ ما روي عن المبرد وثعلب أن الرحمن عبراني والرحيم عربي، وقد ضعفه ابن الأنباري والزجاج وغيرهما، وقد وجد في اللسان العبراني لكن بالخاء المعجمة‏.‏
    والله أعلم
    ( ج8/ ص 195)
    قال البخاري رحمه الله :
    وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ
    كلام أبي عبيدة في أول‏"‏، مجاز القرآن ‏"‏ لكن لفظه ‏"‏ ولسور القرآن أسماء‏:‏ منها أن الحمد لله تسمى أم الكتاب لأنه يبدأ بها في أول القرآن، وتعاد قراءتها فيقرأ بها في كل ركعة قبل السورة، ويقال لها فاتحة الكتاب لأنه يفتتح بها في المصاحف فتكتب قبل الجميع ‏"‏ انتهى‏.‏
    ونقل السهيلي عن الحسن وابن سيرين ووافقهما بقي بن مخلد كراهية تسمية الفاتحة أم الكتاب، وتعقبه السهيلي‏.‏
    وللفاتحة أسماء أخرى جمعت من آثار أخرى‏:‏ الكنز والوافية والشافعية والكافية وسورة الحمد لله وسورة الصلاة وسورة الشفاء والأساس وسورة الشكر وسورة الدعاء‏.‏
    ( ج8/ ص 196)
    كما تدين تدان‏)‏ هو كلام أبي عبيدة أيضا قال‏:‏ الدين الحساب والجزاء، يقال في المثل‏:‏ كما تدين تدان‏.‏
    انتهى، وقد ورد هذا في حديث مرفوع أخرجه عبد الرازق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وهو مرسل رجاله ثقات‏.‏
    ورواه عبد الرزاق بهذا الإسناد أيضا عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفا وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء‏.
    (ج8/ ص 197)
    تنبيهان‏)‏ يتعلقان بإسناد هذا الحديث‏:‏ ‏(‏أحدهما‏)‏ نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعه البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وهم، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى، ‏(‏ثانيهما‏)‏ روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب‏.‏
    والذي في الصحيح أصح‏.‏
    والواقدي شديد الضعف إذا انفرد فكيف إذا خالف‏.‏
    وشيخه مجهول‏.‏
    وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث
    (ج8/ ص 198)
    وفي حديث أبي هريرة ‏"‏ فقال‏:‏ إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ‏"‏ وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى ‏(‏ولقد آتيناك سبعا من المثاني‏)‏ هي الفاتحة‏.‏
    وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ‏"‏ أن السبع المثاني هي السبع الطوال ‏"‏ أي السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة، وقيل يونس‏.‏
    وعلى الأول فالمراد بالسبع الآي لأن الفاتحة سبع آيات، وهو قول سعيد بن جبير‏.‏
    واختلف في تسميتها ‏"‏ مثاني ‏"‏ فقيل لأنها تثنى كل ركعة أي تعاد، وقيل لأنها يثنى بها على الله تعالى، وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها، قال ابن التين‏:‏ فيه دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من القرآن، كذا قال، عكس غيره لأنه أراد السورة، ويؤيده أنه لو أراد ‏"‏ الحمد لله رب العالمين ‏"‏ الآية لم يقل هي السبع المثاني لأن الآية الواحدة لا يقال لها سبع فدل على أنه لو أراد بها السورة‏.‏
    قال الخطابي‏:‏ فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلا على الخاص، لأن الشارع حرم الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة‏.‏
    وفيه أن إجابة المصلي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم‏.‏
    وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقا سواء كان المخاطب مصليا أو غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس من الحديث ما يستلزمه‏.‏
    فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، وهل يختص هذا الحكم بالنداء أو يشمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل‏؟‏ فيه بحث وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك‏.‏
    ن الفاتحة مكية وهو قول الجمهور، خلافا لمجاهد‏.‏
    قال الحسين بن الفضل‏:‏ هذه هفوة من مجاهد، لأن العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخرين فنسب القول بذنك لأبي هريرة والزهري وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتين، وفيه دليل على أن الفاتحة سبع آيات، ونقلوا فيه الإجماع لكن جاء عن حسين بن علي الجعفي أنها ست آيات لأنه لم يعد البسملة وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان آيات لأنه عدها وعد ‏(‏أنعمت عليهم‏)‏ وقيل لم يعدها وعد ‏(‏إياك نعبد‏)‏ وهذا أغرب الأقوال‏
    (ج8/ ص 200)
    وروى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ المغضوب عليهم اليهود، ولا الضالين النصارى
    وقال ابن أبي حاتم‏:‏ لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافا، قال السهيلي‏:‏ وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود ‏(‏فباءوا بغضب على غضب‏)‏ وفي النصارى ‏(‏قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا‏)‏ ‏.‏
    (ج8/ ص 200)
    اتفقوا على أن سورة البقرة مدنية وأنها أول سورة أنزلت بها‏.
    *واختلف في المراد بالأسماء‏:‏ فقيل أسماء ذريته، وقيل أسماء الملائكة، وقيل أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل أسماء كل ما في الأرض، وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة‏.‏واختلف في المراد بالأسماء‏:‏ فقيل أسماء ذريته، وقيل أسماء الملائكة، وقيل أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل أسماء كل ما في الأرض، وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة‏.‏
    (ج8/ ص 207)
    ‏قيل سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أمر باستمرار النبوة فيهم فنقلها لغيرهم، وقيل لكونه يطلع على أسرارهم‏.‏
    قلت‏:‏ وأصح منهما ما سيأتي بعد قليل لكونه الذي ينزل عليهم بالعذاب
    ومن وجه آخر عن عكرمة‏:‏ جبر عبد، وميك عبد، وإيل الله‏.‏
    ومن طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس نحو الأول وزاد‏:‏ وكل اسم فيه إيل فهو الله‏.‏
    ومن طريق عبد الله بن الحارث البصري أحد التابعين قال‏.‏
    أيل الله بالعبرانية‏.‏
    ومن طريق علي بن الحسين قال‏:‏ اسم جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله يعني بالتصغير وإسرافيل عبد الرحمن وكل اسم فيه إيل فهو معبد لله‏.‏
    وحكى الثعلبي من ابن عباس أن سبب عداوة اليهود لجبريل أن نبيهم أخبرهم أن بختنصر سيخرب بيت المقدس، فبعثوا رجلا ليقتله فوجده شابا ضعيفا فمنعه جبريل من قتله وقال له‏:‏ إن كان الله أراد هلاككم على يده فلن تسلط عليه‏.‏
    وإن كان غيره فعلى أي حق تقتله‏؟‏ فتركه، فكبر بختنصر وغزا بيت المقدس فقتلهم وخربه، فصاروا يكرهون جبريل لذلك، وذكر أن الذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك هو عبد الله بن صوريا‏.‏
    ( ج8/ ص 210)
    وروى أبو نعيم في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من حديث ابن عمر ‏"‏ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر فمر به على المقام فقال له‏:‏ هذا مقام إبراهيم، قال‏:‏ يا نبي الله ألا تتخذه مصلى‏؟‏ فنزلت ‏"‏ تكملة‏:‏ قال ابن الجوزي‏:‏ إنما طلب عمر الاستنان بإبراهيم عليه السلام مع النهي عن النظر في كتاب التوراة لأنه سمع قول الله تعالى في حق إبراهيم ‏(‏إني جاعلك للناس إماما‏)‏ وقوله تعالى ‏(‏أن اتبع ملة إبراهيم‏)‏ فعلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة، ولكون البيت مضافا إليه وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء ليذكر به بعد موته
    ثم قال‏:‏ ولم تزل آثار قدمي إبراهيم حاضرة في المقام معروفة عند أهل الحرم، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة‏:‏ وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة قدميه حافيا غير ناعل وفي ‏"‏ موطأ ابن وهب ‏"‏ عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال‏:‏ رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم وأخرج الطبري في تفسيره من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية‏:‏ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه‏.‏
    قال‏:‏ ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق وانمحى‏.‏
    وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن‏.‏
    وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي ولفظه ‏"‏ أن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر‏.‏
    وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله، والأول أصح‏.‏
    وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال‏:‏ كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه‏.‏
    قال سفيان‏:‏ لا أدري أكان لاصقا بالبيت أم لا‏:‏ انتهى‏.‏
    ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعا‏.‏
    ( ج8/ ص 213)
    قال الطبري‏:‏ اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما ثم روى بسند صحيح عن ابن عباس قال ‏"‏ كانت قواعد البيت قبل ذلك ‏"‏ ومن طريق عطاء قال‏:‏ قال آدم أي رب لا أسمع أصوات الملائكة، قال‏:‏ ابن لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء‏.‏
    (ج8/ 217)
    إشارة إلى أن أنسا آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين، والظاهر أن أنسا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله علي بن المديني والبزار وغيرهما‏.‏
    بل قال ابن عبد البر‏:‏ هو آخر الصحابة موتا مطلقا، لم يبق بعده غيره أبي الطفيل، كذا قال وقيه نظر، فقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة تأخرهم عن أنس وكانت وفاة أنس سنة تسعين أو إحدى أو ثلاث وهو أصح ما قيل، وله مائة وثلاث سنين على الأصح أيضا، وقيل أكثر من ذلك، وقيل أقل‏.‏
    ( ج8/ ص 224)
    قال الخطابي‏:‏ في قوله‏:‏ ‏(‏فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع‏)‏ الخ ويحتاج إلى تفسير لأن العفو يقتضي إسقاط الطلب فما هو الاتباع‏؟‏ وأجاب بأن العفو في الآية محمول على العفو على الدية، فيتجه حينئذ المطالبة بها، ويدخل فيه بعض مستحقي القصاص فإنه يسقط وينتقل حق من لم يعف إلى الدية فيطالب بحصته‏.‏
    (ج8/ ص 236)
    (‏وقال عطاء‏:‏ النسل الحيوان‏)‏ وصله الطبري من طريق ابن جرير ‏"‏ قلت لعطاء في قوله تعالى ‏(‏ويهلك الحرث والنسل‏)‏ قال‏:‏ الحرث الزرع، النسل من الناس والأنعام ‏"‏ وزعم مغلطاي أن ابن أبي حاتم أخرجه من طريق العوفي عن عطاء، ووهم في ذلك، وإنما هو عند ابن أبي حاتم وغيره رواه عن العوفي عن ابن عباس‏.‏
    ( ج8/ ص 238)
    قال أبو بكر بن العربي في ‏"‏ سراج المريدين ‏"‏‏:‏ أورد البخاري هذا الحديث في التفسير فقال ‏"‏ يأتيها في ‏"‏ وترك بياضا، والمسألة مشهورة صنف فيها محمد بن سحنون جزءا، وصنف فيها ابن شعبان كتابا، وبين أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها‏.‏
    وقد عاب الإسماعيلي صنيع البخاري فقال‏:‏ جميع ما أخرج عن ابن عمر مبهم لا فائدة فيه، وقد رويناه عن عبد العزيز - يعني الدراوردي - عن مالك وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب ثلاثتهم عن نافع بالتفسير، وعن مالك من عدة أوجه ا هـ‏.‏
    كلامه‏.‏
    ورواية الدراوردي المذكورة قد أخرجها الدار قطني في ‏"‏ غرائب مالك ‏"‏ من طريقه عن الثلاثة عن نافع نحو رواية ابن عون عنه ولفظه ‏"‏ نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس في ذلك فنزلت‏.‏
    قال فقلت له من دبرها في قبلها، فقال‏:‏ لا إلا في دبرها‏"‏‏.‏
    وتابع نافعا في ذلك على زيد بن أسلم عن ابن عمر وروايته عند النسائي بإسناد صحيح‏.‏
    وتكلم الأزدي في بعض رواته ورد عليه ابن عبد البر فأصاب قال‏:‏ ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه يغير نكير أن يرويها عنه زيد بن أسلم‏.‏
    روى الخطيب في ‏"‏ الرواة عن مالك ‏"‏ من طريق إسرائيل بن روح قال‏:‏ سألت مالكا عن ذلك فقال‏:‏ ما أنتم قوم عرب‏؟‏ هل يكون الحرث إلا موضع الزرع‏؟‏ وعلى هذه القصة اعتمد المتأخرون من المالكية، فلعل مالكا رجع عن قوله الأول، أو كان يرى أن العمل على خلاف حديث ابن عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته‏.‏
    ( ج8/ ص 240)
    وروى الربيع في ‏"‏ الأم ‏"‏ عن الشافعي قال‏:‏ احتملت الآية معنيين أحدهما أن تؤتى المرأة حيث شاء زوجها، لأن ‏"‏ أنى ‏"‏ بمعنى أين شئتم، واحتملت أن يراد بالحرث موضع النبات، والموضع الذي يراد به الولد هو الفرج دون ما سواه، قال فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب أن كلا من الفريقين تأول ما وصفت من احتمال الآية، قال فطلبنا الدلالة فوجدنا حديثين‏:‏ أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة بن ثابت في التحريم، فقوى عنده التحريم‏.‏
    وروى الحاكم في ‏"‏ مناقب الشافعي ‏"‏ من طريق ابن عبد الحكم أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بينه وبين محمد الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له‏:‏ فيكون ما سوى الفرج محرما، فالتزمه‏.‏
    وقال المازري‏:‏ اختلف الناس في هذه المسألة وتعلق في قال بالحل بهذه الآية، وانفصل عنها من قال يحرم بأنها نزلت بالسبب الوارد في حديث جابر في الرد على اليهود، يعنى كما في حديث الباب الآتي‏.‏
    قال‏:‏ والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض الأصوليين، وعند الأكثر العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا يقتضى أن تكون الآية حجة في الجواز، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مخصصة لعموم الآية،
    م
    وفي تخصيص عموم القرآن ببعض خبر الآحاد خلاف ا هـ‏.‏
    وذهب جماعة من أئمة الحديث - كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري - إلى أنه لا يثبت فيه شيء‏.‏
    قلت‏:‏ لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به، ويؤيد القول بالتحريم أنا لو قدمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حرم والأصل عدمه، فمن الأحاديث الصالحة الإسناد حديث خزيمة بن ثابت أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان أيضا، وحديث ابن عباس
    وأخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ ‏"‏ لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر ‏"‏ وصححه ابن حبان أيضا،
    (ج8/ ص 246)
    وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ كان في مصحف عائشة ‏"‏ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ‏"‏ وروى ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس قال ‏"‏ شغل الأحزاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فقال‏:‏ شغلونا عن الصلاة الوسطى ‏"‏ وأخرج أحمد من حديث أم سلمة وأبي أيوب وأبي سعيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس من قولهم إنها صلاة العصر، وقد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى، وجمع الدمياطي في ذلك جزءا مشهورا سماه ‏"‏ كشف الغطا عن الصلاة الوسطى‏"‏‏.‏
    فبلغ تسعة عشر قولا‏:‏ أحدها الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو جميع الصلوات، فالأول قول أبي أمامة وأنس وجابر وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء وعكرمة ومجاهد وغيرهم نقله ابن أبي حاتم عنهم وهو أحد قولي ابن عمر وابن عباس ونقله مالك والترمذي عنهما ونقله مالك بلاغا عن علي والمعروف عنه خلافه، وروى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال ‏"‏ صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال‏:‏ هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين ‏"‏ وأخرجه أيضا من وجه آخر
    ..................
    ( ج8/ ص 250)
    ‏‏وقال ابن جبير‏:‏ كرسيه علمه‏)‏ وصله سفيان الثوري في تفسيره في رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير فزاد فيه ‏"‏ عن ابن عباس ‏"‏ وأخرجه العقيلي من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عند الطبراني في ‏"‏ كتاب السنة ‏"‏ من هذا الوجه مرفوعا، وكذا رويناه في ‏"‏ فوائد أبي الحسن علي بن عمر الحربي ‏"‏ مرفوعا والموقوف أشبه‏.‏
    وقال العقيلي‏:‏ إن رفعه خطأ، ثم هذا التفسير غريب، وقد روى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن الكرسي موضوع القدمين‏.‏
    وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي موسى مثله، وأخرجا عن السدي أن الكرسي بين يدي العرش، وليس ذلك مغايرا لما قبله، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 251)
    ذكره ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال في قوله‏:‏ ‏(‏وزادكم في الخلق بسطة‏)‏ يقول‏:‏ فضيلة‏.‏
    (‏السنة النعاس‏)‏ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏.
    فبهت الذي كفر ‏"‏ قال‏:‏ انقطع وذهبت حجته‏.
    وهي خاوية ‏"‏ قال‏:‏ ليس فيها أحد‏.‏
    أخرج ابن أبي حاتم من حديث علي أن هذه القصة وقعت لعزير، وهو قول عكرمة وقتادة والسدي والضحاك وغيرهم، وذكر بعضهم قصة في ذلك، وأن القرية بيت القدس، وأن ذلك لما خربه بختنصر‏.‏
    وقال وهب بن منبه ومن تبعه‏:‏ هي أرمياء، وساق ابن إسحاق قصة في المبتدأ‏.
    (ج8/ ص 253)
    ‏فصرهن‏:‏ قطعهن
    وقد اختلف نقلة القراءات في ضبط هذه اللفظة عن ابن عباس فقيل‏:‏ بكسر أوله كقراءة حمزة، وقيل بضمه كقراءة الجمهور،
    وذكر صاحب ‏"‏ المغرب ‏"‏ أن هذه اللفظة بالسريانية وقيل بالنبطية، لكن المنقول أولا يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى‏.‏
    وجاء عنه من وجه آخر‏:‏ آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله‏)‏ وأخرجه الطبري من طرق عنه، وكذا أخرجه من طرق جماعة من التابعين وزاد عن ابن جريج قال ‏"‏ يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال

  6. #186
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    (ج8/ ص 260)
    وأخرج الطبري بإسناد صحيح عن الزهري أنه سمع سعيد بن مرجانة يقول‏:‏ كنت عند ابن عمر فتلا هذه الآية ‏(‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه‏)‏ فقال‏:‏ والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه، فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال‏:‏ يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون حين نزلت مثل ما وجد، فأنزل الله ‏(‏لا يكلف الله نفسا إلا وسعها‏)‏ وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال ‏"‏ لما نزلت ‏(‏لله ما في السموات وما في الأرض‏)‏ الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر القصة مطولا وفيها ‏"‏ فلما فعلوا نسخها الله فأنزل الله ‏(‏لا يكلف الله نفسا إلا وسعها‏)‏ إ
    ( ج8/ ص 260)
    ان كان خبرا لكنه يتضمن حكما ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرا محضا لا يتضمن حكما كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرا، والمراد بالمحاسبة بما يخفى الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه، والله أعلم‏.
    (ج8/ 263)
    ‏فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه‏)‏ قال الطبري قبل إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقيل في أمر مدة هذه الأمة، والثاني أولى لأن أمر عيسى قد بينه الله لنبيه فهو معلوم لأمته، بخلاف أمر هذه الأمة فإن علمه خفي عن العباد‏.‏
    وقال غيره‏:‏ المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه‏.‏
    وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه‏.‏
    وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور‏.‏
    وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخرى غير هذه نحو العشرة ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أن الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون والله أعلم‏.‏
    وقال الطيبي‏:‏ المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يقبل غيره أو لا، الثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك المعنى راجحة أو لا، والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل، والثاني المؤول‏.‏
    فالمشترك هو النص، والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه‏.‏
    (ج8/ ص 264)
    وقال بعضهم‏:‏ العقل مبتلي باعتقاد حقيقة المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة، كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سر وقيل‏:‏ لو لم يقبل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لباريها استسلاما واعترافا بقصورها، وفي ختم الآية بقوله تعالى ‏(‏وما يذكر إلا أولو الألباب‏)‏ تعريض بالزائغين ومدح للراسخين، يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولى العقول، ومن ثم قال الراسخون
    (ج8/ ص 265)
    وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن إسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة وأن عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج حتى جاء ابن عباس أنه فسر بهم الآية، وقصة عمر في إنكاره على ضبيع لما بلغه أنه يتبع المتشابه فضربه على رأسه حتى أدماه، أخرجها الدارمي وغيره‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ المتشابه على ضربين‏:‏ أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به عرف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 267)
    أورد فيه حديث أبي هريرة ‏"‏ ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه ‏"‏ الحديث، وقد تقدم الكلام على شرحه واختلاف ألفاظه في أحاديث الأنبياء‏.‏
    وقد طعن صاحب ‏"‏ الكشاف ‏"‏ في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته فقال‏:‏ إن صح هذا الحديث فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما، لقوله تعالى ‏(‏إلا عبادك منهم المخلصين‏)‏ قال‏:‏ واستهلال الصبي صارخا من مس الشيطان تخييل لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول هذا ممن أغويه‏.‏
    وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم لامتلأت الدنيا صراخا انته
    وكلامه متعقب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، لكن من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلا، واستثنى من المخلصين مريم وابنها فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين‏.‏
    أورد الفخر الرازي هذا الإشكال وبالغ في تقريره على عادته وأجمل الجواب فما زاد على تقريره أن الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل، لأن الشيطان إنما يغوي من يعرف الخير والشر، والمولود بخلاف ذلك، وأنه لو مكن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك من إهلاك وإفساد، وأنه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك دون غيرهما، إلى آخر كلام ‏"‏ الكشاف‏"‏‏.‏
    ثم أجاب بأن هذه الوجوه محتملة، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر انتهى وقد فتح الله تعالى بالجواب كما تقدم، والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما تقدم أيضا، وحاصله أن ذلك جعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 272)
    ‏هرقل‏)‏ بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور في الروايات، وحكى الجوهري وغير واحد من أهل اللغة سكون الراء وكسر القاف، وهو اسم غير عربي فلا ينصرف للعلمية والعجمة‏.‏
    (ج8/ ص 277)
    لا يبعد أن يكون هرقل كان يفقه بالعربية ويأنف من التكلم بغير لسان قومه كما جرت به عادة الملوك من الأعاجم‏.‏
    (ج8/ ص 278)
    ووقع في ‏"‏ أمالي المحاملي ‏"‏ رواية الأصبهانيين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان أن صاحب بصري أخذه وناسا معه وهم في تجارة فذكر القصة مختصرة دون الكتاب وما فيه وزاد في آخرها ‏"‏ قال فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، فأدخلت كنيسة لهم فيها الصور فلم أره، ثم أدخلت أخرى فإذا أنا بصورة محمد وصورة أبي بكر إلا أنه دونه‏.‏
    وفي دلائل النبوة لأبي نعيم ‏"‏ بإسناد ضعيف ‏"‏ إن هرقل أخرج لهم سفطا من ذهب عليه قفل من ذهب فأخرج منه حريرة مطوية فيها صور فعرضها عليهم إلى أن كان آخرها صورة محمد، فقلنا بأجمعنا‏:‏ هذه صورة محمد، فذكر لهم أنها صور الأنبياء وأنه خاتمهم صلى الله عليه وسلم‏.‏
    (ج8/ ص 275)
    أن من دخل في الشيء على بصيرة يبعد رجوعه عنه، بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه فإنه يتزلزل بسرعة، وعلى هذا يحمل حال من ارتد من قريش، ولهذا لم يعرج أبو سفيان على ذكرهم، وفيهم صهره زوج ابنته أم حبيبة وهو عبيد الله بن جحش، فإنه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة بزوجته ثم تنصر بالحبشة ومات على نصرانيته، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بعده، وكأنه ممن لم يكن دخل في الإسلام على بصيرة، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه ولذلك لم يعرج عليه خشية أن يكذبوه، ويحتمل أن يكونوا عرفوه بما وقع له من التنصر وفيه بعد، أو المراد بالارتداد الرجوع إلى الدين الأول، ولم يقع ذلك لعبيد الله بن جحش، ولم يطلع أبو سفيان على من وقع له ذلك‏.‏
    (ج8/ ص 277)
    قال النووي‏:‏ فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا، ويحمل قوله في حديث أبي هريرة ‏"‏ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ‏"‏ أي بذكر الله كما جاء في رواية أخرى فإنه روى على أوجه بذكر الله ببسم الله بحمد الله‏.‏
    قال‏:‏ وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبسملة انتهى والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه وصححه ابن حبان أيضا وفي إسناده مقال وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ حمد الله، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية‏.‏
    ثم اللفظ وإن كان عاما لكن أريد به الخصوص وهي الأمور التي تحتاج إلى تقدم الخطبة، وأما المراسلات فلم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتدائها بذلك، وهو نظير الحديث الذي أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضا بلفظ ‏"‏ كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء ‏"‏ فالابتداء بالحمد واشتراط التشهد خاص بالخطبة، بخلاف بقية الأمور المهمة فبعضها يبدأ فيه بالبسملة تامة كالمراسلات، وبعضها ببسم الله فقط كما في أول الجماع والذبيحة، وبعضها بلفظ من الذكر مخصوص كالتكبير، وقد جمعت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة، وهو يؤيد ما قررته والله أعلم‏.‏
    ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة ‏"‏ أن هرقل لما قرأ الكتاب قال‏:‏ هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان عليه السلام كأنه يريد الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يؤيد ما قدمناه أنه كان عالما بأخبار أهل الكتاب‏.‏
    ( ج8/ 287)
    أن سيبويه قال‏:‏ إن معنى أما بعد مهما يكن من شيء‏.‏
    اختلف في أول من قالها فقيل‏:‏ داود عليه السلام، وقبل يعرب بن قحطان، وقيل كعب بن لؤي، وقيل قس بن ساعدة، وقيل سحبان‏.‏
    وفي ‏"‏ غرائب مالك للدار قطني ‏"‏ أن يعقوب عليه السلام قالها، فإن ثبت وقلنا إن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقا، وإن قلنا إن قحطان قبل إبراهيم عليه السلام فيعرب أول من قالها، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 278)
    وقال الأزهري‏:‏ بالتخفيف وبالتشديد الأكار لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فلاحة وكانوا مجوسا، وأهل الروم أهل صناعة فأعلموا بأنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم إثم المجوس انتهى‏.‏
    وهذا توجيه آخر لم يتقدم ذكره‏.‏
    وحكى غيره أن الأريسيين ينسبون إلى عبد الله بن أريس رجل كان تعظمه النصارى ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى، وقيل إنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه، فالتقدير على هذا‏:‏ فإن عليك مثل إثم الأريسيين‏.‏
    وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل، ورده بعضهم بأن الأريسيين كانوا قليلا وما كانوا يظهرون رأيهم، فإنهم كانوا ينكرون التثليث‏.‏
    وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل‏.‏
    ووقع في رواية الأصيلي اليريسين بتحتانية في أوله، وكأنه بتسهيل الهمزة‏.‏
    وقال ابن سيده في ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ الأريس الأكار عند ثعلب، والأمين عند كراع، فكأنه من الأضداد، أي يقال للتابع والمتبوع، والمعنى في الحديث صالح على الرأيين، فإن كان المراد التابع فالمعنى إن عليك مثل إثم التابع لك على ترك الدخول في الإسلام، وإن كان المراد المتبوع فكأنه قال فإن عليك إثم المتبوعين، وإثم المتبوعين يضاعف باعتبار ما وقع لهم من عدم الإذعان إلى الحق من إضلال أتباعهم‏.‏
    وقال النووي‏:‏ نبه بذكر الفلاحين على بقية الرعية لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادا‏.‏
    وتعقب بأن من الرعايا غير الفلاحين من له صرامة وقوة وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين في الإسلام دخول بقية الرعايا حتى يصح أنه نبه بذكرهم على الباقين، كذا تعقبه شيخنا شيخ الإسلام‏.‏
    وحكى أبو عبيد أيضا أن الأريسيين هم الخول والخدم، وهذا أخص من الذي قبله، إلا أن يريد بالخول ما هو أعم بالنسبة إلى من يحكم الملك عليه‏.‏
    وحكى الأزهري أيضا أن الأريسيين قوم من المجوس كانوا يعبدون النار ويحرمون الزنا وصناعتهم الحراثة ويخرجون العشر مما يزرعون، لكنهم يأكلون الموقوذة‏.‏
    وهذا أثبت فمعنى الحديث فإن عليك مثل إثم الأريسيين
    (ج8/ ص 282)
    ورجح الطبري أيضا حمل الآية على عموم الأمة، وأيد ذلك بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية ‏(‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏)‏ قال‏:‏ أنتم متمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ‏"‏ وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، وله شاهد مرسل عن قتادة عند الطبري رجاله ثقات‏.‏
    وفي حديث على عند أحمد بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ وجعلت أمتي خير الأمم‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 289)
    باب ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية‏)‏ ساق غير أبي ذر إلى قوله ‏(‏خبير‏)‏ قال الواحدي‏:‏ أجمع المفسرون على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وفي صحة هذا النقل نظر، فقد قيل إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد، قاله ابن جريج، واختاره الزجاج‏:‏ وقيل فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد، وقيل على العيال وذي الرحم المحتاج، نعم الأول هو الراجح وإليه أشار البخاري‏.‏
    (ج8/ ص 295)
    قد ألزم الإسماعيلي البخاري أن يصحح حديث يسرة بن صفوان في نقض الوضوء من مس الذكر فإن عروة ومروان اختلفا في ذلك فبعث مروان حرسيه إلى يسرة فعاد إليه بالجواب عنها فضار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان عن يسرة ‏"‏ ورسول مروان مجهول الحال فتوقف عن القول بصحة الحديث جماعة من الأئمة لذلك، فقال الإسماعيلي أن القصة التي في حديث الباب شبيهة بحديث يسرة، فإن كان رسول مروان معتمدا في هذه فليعتمد في الأخرى فإنه لا فرق بينهما‏.‏
    إلا أنه في هذه القصة سمى رافعا ولم يسم الحرسي، قال ومع هذا فاختلف على ابن جريج في شيخ شيخه فقال عبد الرزاق وهشام عنه عن ابن أبي مليكة عن علقمة‏.‏
    (ج8/ ص 300)
    قال الحريري في ‏"‏ درة الغواص ‏"‏ غلط المتنبي في قوله ‏"‏ أحاد أم سداس في أحاد ‏"‏ لم يسمع في الفصيح إلا مثنى وثلاث ورباع، والخلاف في خماس إلى عشار‏.‏
    ويحكى عن خلف الأحمر أنه أنشد أبياتا من خماس إلى عشار‏.‏
    وقال غيره‏:‏ في هذه الألفاظ المعدولة هل يقتصر فيها على السماع أو يقاس عليها‏؟‏ قولان أشهرهما الاقتصار، قال ابن الحاجب‏:‏ هذا هو الأصح، ونص عليه البخاري في صحيحه‏.‏
    كذا قال‏.‏
    قلت‏:‏ وعلى الثاني يحمل بيت الكميت، وكذا قول الآخر‏:‏ ضربت خماس ضربة عبشمي أراد سداس أن لا تستقيما وهذه المعدولات لا تقع إلا أحوالا كهذه الآية، أو أوصافا كقوله تعالى ‏(‏أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع‏)‏ أو إخبارا كقوله عليه الصلاة والسلام الليل مثنى ‏"‏ ولا يقال فيها مثناة وثلاثة، بل تجري مجرى واحدا، وهل يقال موحد كما يقال مثنى‏؟‏ الفصيح لا‏.‏
    وقيل يجوز‏.‏
    وكذا مثلث إلخ‏.‏
    (ج8/ ص 305)
    ووقع في البيوع من طريق عثمان ابن فرقد عن هشام بن عروة بلفظ ‏"‏ أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح ماله، إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف ‏"‏ وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي حاتم من طريق حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ‏"‏ جاء جل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن عندي يتيما له مال، وليس عندي شيء، أفآكل من ماله‏؟‏ قال‏:‏ بالمعروف ‏"‏ وإسناده قوي‏.‏
    وقال الحسن بن حي‏:‏ يأكل وصي الأب بالمعروف، وأما قيم الحاكم فله أجرة فلا يأكل شيئا‏.‏
    وأغرب ربيعة فقال‏:‏ المراد خطاب الوفي بما يصنع باليتيم إن كان غنيا وسع عليه، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، وهذا أبعد الأقوال كلها‏.‏
    (ج8/ ص 305)
    حمد بن حميد‏)‏ هو القرشي الكوفي صهر عبيد الله بن موسى قال له دار أم سلمة لقب بذلك لجمعه حديث أم سلمة وتتبعه لذلك‏.‏
    وقال ابن عدي‏:‏ كان له اتصال بأم سلمة يعني زوج السفاح الخليفة فلقب بذلك، ووهم الحاكم فقال‏:‏ يلقب جار أم سلمة، وثقه مطين وقال‏:‏ كان يعد في حفاظ أهل الكوفة، ومات سنة عشرين ومائتين، ووهم من قال خلاف ذلك، وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وشيخه عبيد الله الأشجعي هو ابن عبيد الرحمن الكوفي، وأبوه فرد في الأسماء مشهور في أصحاب سفيان الثوري
    (ج8/ ص 307)
    لأن الكلالة مختلف في تفسيرها‏:‏ فقيل هي اسم المال الموروث، وقيل اسم الميت، قيل اسم الإرث
    فلما لم يعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال لما قدمته أنها نزلت في آخر الأمر وآية المواريث نزلت قبل ذلك كما أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال ‏"‏ جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت‏:‏ يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد، إن عمهما أخذ مالهما‏.‏
    قال‏:‏ يقضي الله في ذلك‏.‏
    فنزلت آية الميراث‏.‏
    إذا تقرر جميع ذلك ظهر أن ابن جريج لم يهم كما جزم به الدمياطي ومن تبعه، وأن من وهمه هو الواهم والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 308)
    وفيه رد على من أنكر النسخ، ولم ينقل ذلك عن أحد من المسلمين إلا عن أبي مسلم الأصبهاني صاحب التفسير فإنه أنكر النسخ مطلقا، ورد عليه بالإجماع على أن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع، أجيب عنه بأنه يرى أن الشرائع الماضية مستقرة الحكم إلى ظهور هذه الشريعة، قال فسمي ذلك تخصيصا لا نسخا، ولهذا قال ابن السمعاني‏:‏ إن كان أبو مسلم لا يعترف بوقوع الأشياء التي نسخت في هذه الشريعة فهو مكابر، وإن قال لا أسميه نسخا كان الخلاف لفظيا، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 310)
    (‏نحلة فالنحلة المهر‏)‏ كذا لأبي ذر، ولغيره بغير فاء ‏"‏ قال الإسماعيلي‏:‏ إن كان ذلك من تفسير البخاري ففيه نظر، فقد قيل فيه غير ذلك، وأقرب الوجوه أن النحلة ما يعطونه من غير عوض وقيل المراد نحلة ينتحلونها أي يتدينون بها ويعتقدون ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ والتفسير الذي ذكره البخاري قد وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ‏(‏وآتوا النساء صدقاتهن نحلة‏)‏ قال‏:‏ النحلة المهر‏.‏
    وروى الطبري عن قتادة قال‏:‏ نحلة أي فريضة‏.‏
    ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال‏:‏ النحلة في كلام العرب الواجب، قال‏:‏ ليس ينبغي لأحد أن ينكح إلا بصداق‏.‏
    كذا قال‏.‏
    والنحلة في كلام العرب العطية
    ‏قال الطبري‏:‏ وقيل إن المخاطب بذلك أولياء النساء، كان الرجل إذا زوج امرأة أخذ صداقها دونها فنهوا عن ذلك‏.‏
    (ج8/ ص 313)
    ساق ما ذكره البخاري، وأنشد في المولى ابن العم ‏"‏ مهلا بني عمنا مهلا موالينا ‏"‏ ومما لم يذكره وذكره غيره من أهل اللغة‏:‏ المولى المحب، والمولى الجار، والمولى الناصر، والمولى الصهر، والمولى التابع، والمولى القرار، والمولى الولي، والمولى الموازي‏.‏
    وذكروا أيضا العم والعبد وابن الأخ والشريك والنديم، ويلتحق بهم معلم القرآن جاء فيه حديث مرفوع ‏"‏ من علم عبدا آية من كتاب الله فهو مولاه ‏"‏ الحديث أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة، ونحوه قول شعبة‏:‏ من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد‏.‏
    وقال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ كل من يليك أو والاك فهو مولى‏.‏
    (ج8/ ص 316)
    وقد ورد ذلك واضحا في فضائل القرآن حيث أخرجه المصنف عن مسدد عن يحيى القطان بالإسناد المذكور وقال بعده ‏"‏ قال الأعمش وبعض الحديث حدثني عمرو بن مرة عن إبراهيم ‏"‏ يعني بإسناده
    قال الكرماني‏:‏ إسناد عمرو مقطوع، وبعض الحديث مجهول‏.‏
    قلت‏:‏ عبر عن المقتطع بالمقطوع لقلة اكتراثه بمراعاة الاصطلاح، وأما قوله مجهول فيزيد ما حدثه به عمرو بن مرة فكأنه ظن أنه أراد أن البعض عن هذا والبعض عن هذا، وليس كذلك وإنما هو عنده كله في الرواية
    (ج8/ ص 318)
    قال أبو عبيدة في قوله تعالى ‏(‏فتيمموا صعيدا طيبا‏)‏ ‏:‏ تيمموا أي تعمدوا‏.‏
    قال والصعيد وجه الأرض‏.‏
    قال الزجاج‏:‏ لا أعلم خلافا بين أهل اللغة أن الصعيد وجه الأرض، سواء كان عليها تراب أم لا، ومنه قوله تعالى ‏(‏صعيدا جرزا‏)‏ و ‏(‏صعيدا زلقا‏)‏ وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد من الأرض‏.‏
    وقال الطبري بعد أن روى من طريق قتادة قال‏:‏ الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات‏.‏
    ومن طريق عمرو بن قيس قال‏:‏ الصعيد التراب‏.‏
    ومن طريق ابن زيد قال‏:‏ الصعيد الأرض المستوية‏.‏
    الصواب أن الصعيد وجه الأرض المستوية الخالية من
    لغرس والنبات والبناء، وأما الطيب فهو الذي تمسك به من اشترط في التيمم التراب، لأن الطيب هو التراب المنبت، قال الله تعالى ‏(‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏)‏ وروى عبد الرزاق من طريق ابن عباس‏:‏ الصعيد الطيب الحرث‏.‏
    (ج8/ ص 318)
    إسناد صحيح عنه، وروى الطبري من طريق قتادة مثله بغير ذكر الحبشة قال‏:‏ كنا نتحدث أن الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن‏.‏
    ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ الجبت الأصنام، والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب‏.‏
    قال‏:‏ وزعم‏.‏
    رجال أن الجبت الكاهن، والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف‏.‏
    ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال‏:‏ الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف‏.‏
    واختار الطبري أن المراد بالجبت والطاغوت جنس من كان يعبد من دون الله سواء كان صنما أو شيطانا جنيا أو آدميا، فيدخل فيه الساحر والكاهن، والله أعلم‏.‏
    وأما قول عكرمة إن الجبت بلسان الحبشة الشيطان فقد وافقه سعيد بن جبير على ذلك، لكن عبر عنه بالساحر، أخرجه الطبري بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن‏.‏
    (ج8/ ص 319)
    هذا مصير منهما إلى وقوع المعرب في القرآن، وهي مسألة اختلف فيها، فبالغ الشافعي وأبو عبيدة اللغوي وغيرهما في إنكار ذلك، فحملوا ما ورد من ذلك على توارد اللغتين، وأجاز ذلك جماعة واختاره ابن الحاجب واحتج له بوقوع أسماء الأعلام فيه كإبراهيم فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وقع في صحيح البخاري جملة من هذا، وتتبع القاضي تاج الدين السبكي ما وقع في القرآن من ذلك ونظمه في أبيات ذكرها في شرحه على المختصر، وعبر بقوله يجمعها هذه الأبيات فذكرها، وقد تتبعت بعده زيادة كثيرة على ذلك تقرب من عدة ما أورد، ونظمتها أيضا، وليس جميع ما أورده هو متفقا على أنه من ذلك، لكن اكتفى بإيراد ما نقل في الجملة فتبعته في ذلك، وقد رأيت إيراد الجميع للفائدة، فأول بيت منها من نظمي والخمسة التي تليه له وباقيها لي أيضا فقلت‏:‏ من المعرب عد التاج ‏(‏كز‏)‏ وقد ألحقت ‏(‏كد‏)‏ وضمتها الأساطير السلسبيل وطه كورت بيع روم وطوبي وسجيل وكافور والزنجيل ومشكاة سرادق مع استبرق صلوات سندس طور كذا قراطيس ربانيهم وعشاق ثم دينار القسطاس مشهور كذاك كسورة واليم ناشئة ويؤت كفلين مذكور ومستور له مقاليد فردوس يعد كذا فيما حكى ابن دريد منه تنور وزدت حرم ومهل والسجل كذا السرى والأب ثم الجبت مذكور وقطنا بناه ثم متكأ دارست يصهر منه فهو مصهور وهيت والسكر الأواه مع حصب وأوبي معه والطاغوت منظور صرهن أصرى وغيض الماء مع وزر ثم الرقيم مناص والسنا النور والمراد بقولي ‏(‏كز‏)‏ أن عدة ما ذكره التاج سبعة وعشرون وبقولي ‏(‏كد‏)‏ أن عدة ما ذكرته أربعة وعشرون وأنا معترف أنني لم أستوعب ما يستدرك عليه، فقد ظفرت بعد نظمي هذا بأشياء تقدم منها في هذا الشرح الرحمن وراعنا،
    (ج8/ ص 328)
    قال الترمذي في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من التابعين‏.‏
    قلت‏:‏ لا يلزم من عدم السماع عدم الصحة، والأولى ما قال فيه البخاري‏:‏ لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره ابن عبد البر في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل عام أحد وقيل عام الخندق وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر فقال‏:‏ ليس ابن عمر بأفقه مني‏.‏
    ولكنه أسن مني وكانت له صحبة‏.‏
    فهذا اعتراف منه بعدم صحبته وإنما لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان سماعه منه ممكنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف فلم يرده إلا عثمان لما استخلف، وقد تقدمت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الشروط مقرونة بالمسور بن مخرمة، ونبهت هناك أيضا على أنها مرسلة، والله الموفق‏.‏
    (ج8/ ص 336)
    روى الترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال ‏"‏ خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ‏"‏ وقال‏:‏ حسن غريب‏.‏
    قلت‏:‏ وله شاهد في الصحيحين من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية‏.‏
    (ج8/ ص 337)
    قال العلماء‏:‏ عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر لاستهزائه بالدين‏.‏
    (ج8/ ص 337)
    (‏لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم‏)‏ أي ابتلوا به لأنهم كانوا من طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين، لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا فذهبت الخيرية منهم، ومنهم من تاب فعادت له الخيرية، فكأن حذيفة حذر الذين خاطبهم وأشار لهم أن لا يغتروا فإن القلوب تتقلب، فحذرهم من الخروج من الإيمان لأن الأعمال بالخاتمة، وبين لهم أنهم وإن كانوا في غاية الوثوق بإيمانهم فلا ينبغي لهم أن يأمنوا مكر الله، فإن الطبقة الذين من قبلهم وهم الصحابة كانوا خيرا منهم، ومع ذلك وجد بينهم من ارتد ونافق، فالطبقة التي هي من بعدهم أمكن من الوقوع في مثل ذلك‏.‏
    (ج8/ ص 338)
    ‏والكلالة من لم يرثه أب ولا ابن‏)‏ هو قول أبي بكر الصديق أخرجه ابن أبي شيبة عنه وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل قال‏:‏ ما رأيتهم إلا تواطئوا على ذلك وهذا إسناد صحيح، وعمرو بن شرحبيل هو أبو ميسرة وهو من كبار التابعين مشهور بكنيته أكثر من اسمه‏.‏
    قيل الكلالة من سوى الولد، وزاد الداودي‏:‏ وولد الولد‏.‏
    وقيل من سوى الوالد‏.‏
    وقيل هم الإخوة‏.‏
    وقيل من الأم‏.‏
    وقال الأزهري‏:‏ سمي الميت الذي لا والد له ولا ولد كلالة، وسمي الوارث كلالة، وسمي كلالة‏.‏
    وعن عطاء‏:‏ الكلالة هي المال، وقيل الفريضة، وقيل الورثة والمال، وقيل بنو العم ونحوهم، وقيل العصبات وإن بعدوا‏.‏
    وقيل غير ذلك‏.‏
    ولكثرة الاختلاف فيها صح عن عمر أنه قال‏:‏ لم أقل في الكلالة شيئا‏.‏

  7. #187
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب التفسير من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله
    الموافق 3/ 6/ 1441
    الموافق 28/ 1/2020

    (ج8/ ص 340)
    قال ابن قتيبة وتبعه جماعة ‏(‏مهيمنا‏)‏ مفيعل من أيمن قلبت همزته هاء، وقد أنكر ذلك ثعلب فبالغ حتى نسب قائله إلى الكفر لأن المهيمن من الأسماء الحسنى وأسماء الله تعالى لا تصغر، والحق أنه أصل بنفسه ليس مبدلا من شيء، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب تقول‏:‏ هيمن فلان على فلا إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن، قال أبو عبيدة‏.‏
    لم يجيء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ‏:‏ مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر‏.‏
    (ج8/ ص 341)
    وفي الحديث بيان ضعف ما أخرجه الطبري بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الاثنين، وضعف ما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس أن اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقي بسند منقطع أنها نزلت يوم التروية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة فأمر الناس أن يروحوا إلى منى وصلى الظهر بها، قال البيهقي‏:‏ حديث عمر أولى، هو كما قال‏.‏
    واستدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام، لأن الله تعال إنما يختار لرسوله الأفضل، وأن الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ‏"‏ الحديث، ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء ولا سيما على قول من قال إنها بعد العصر، وأما ما ذكره رزين في جامعه مرفوعا ‏"‏ خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة من في غيرها ‏"‏ فهو حديث لا أعرف حاله لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث الموطأ الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم
    (ج8/ ص 351)
    قال ابن جرير‏:‏ كانوا في الجاهلية يعمدون إلى ثلاثة سهام على أحدها مكتوب ‏"‏ افعل ‏"‏ وعلى الثاني ‏"‏ لا تفعل ‏"‏ والثالث غفل‏.‏
    وقال الفراء‏:‏ كان على الواحد ‏"‏ أمرني ربي ‏"‏ وعلى الثاني ‏"‏ نهاني ربي ‏"‏ وعلى الثالث غفل‏.‏
    فإذا أراد أحدهم الأمر أخرج واحد فإن طلع الآمر فعل، أو الناهي ترك، أو الغفل أعاد‏.‏
    وذكر ابن إسحاق أن أعظم أصنام قريش كان هبل وكان في جوف الكعبة، وكانت الأزلام عنده، يتحاكمون عنده فيما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا لا يدفع أن يكون آحادهم يستعملونها منفردين كما في قصة سراقة‏.‏
    وروى الطبري من طريق سعيد بن جبير قال‏:‏ الأزلام حصى بيض‏.‏
    والذي تحصل من كلام أهل النقل أن الأزلام كانت عندهم على ثلاثة أنحاء‏:‏ أحدها لكل أحد، وهي ثلاثة كما تقدم‏.‏
    وثانيها للأحكام، وهي التي عند الكعبة، وكان عند كل كاهن وحاكم للعرب مثل ذلك، وكانت سبعة مكتوب عليها‏:‏ فواحد عليه ‏"‏ منكم ‏"‏ وآخر ‏"‏ ملصق ‏"‏ وآخر ‏"‏ فيه العقول والديات ‏"‏ إلى غير ذلك من الأمور التي يكثر وقوعها‏.‏
    وثالثها قداح الميسر وهي عشرة‏:‏ سبعة مخططة وثلاثة غفل، وكانوا يضربون بها مقامرة، وفي معناها كل ما يتقامر به كالنرد والكعاب وغيرها‏.‏
    (ج8/ ص 355)
    (‏باب قوله لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏
    وقد تعلق بهذا النهي من كره السؤال عما لم يقع‏.‏
    وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ اعتقد قوم من الغافلين منع أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية، وليس كذلك، لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك‏.‏
    وهو كما قال، إلا أنه أساء في قوله الغافلين على عادته كما نبه عليه القرطبي‏.‏
    وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه ‏"‏ أعظم المسلمين بالمسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ‏"‏ وهذا يبين المراد من الآية، ليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء‏.‏
    وجاء في سبب نزولها قولان آخران، فأخرج الطبري وسعيد بن منصور من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس‏:‏ أن المراد بالأشياء البحيرة والوصيلة والسائبة والحام‏.‏
    قال فكان عكرمة يقول‏:‏ إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنهوا عن ذلك‏.‏
    قال‏:‏ والمراد بالآيات نحو سؤال قريش أن يجعل الصفا لهم ذهبا، وسؤال اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء ونحو ذلك‏.‏
    أخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الكريم عن عكرمة قال ‏"‏ نزلت في الذي سأل عن أبيه‏.‏
    وعن سعيد بن جبير في الذين سألوا عن البحيرة وغيرها، وعن مقسم فيما سأل الأمم أنبياءها عن الآيات‏.‏
    (ج8/ ص 361)
    (‏البحيرة التي يمنع درها للطواغيت‏)‏ وهي الأصنام، فلا يحلبها أحد من الناس، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي بحرت أذنها أي حرمت‏.‏
    قال أبو عبيدة‏:‏ جعلها قوم من الشاة خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها أي شقوها وتركت فلا يمسها أحد‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ بل البحيرة الناقة كذلك، وخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل، وأما قوله ‏"‏ فلا يحلبها أحد من الناس ‏"‏ فهكذا أطلق نفي الحلب، وكلام أبي عبيدة يدل على أن المنفي إنما هو الشرب الخاص، قال أبو عبيدة‏:‏ كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها‏.‏
    (ج8/ ص 368)
    وروى الطبري من طريق ابن مسعود قال‏:‏ أعطي نبيكم صلى الله عليه وسلم علم كل شيء إلا مفاتح الغيب، ويطلق المفتاح على ما كان محسوسا مما يحل غلقا كالقفل، وعلى ما كان معنويا كما جاء في الحديث ‏"‏ إن من الناس مفاتيح للخير ‏"‏ الحديث صححه ابن حبان من حديث أنس ثم ذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر ‏"‏ مفاتح الغيب خمس ‏"‏
    وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس ما يفسر به حديث جابر ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين‏:‏ دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين ‏"‏ فيستفاد من هذه الرواية المراد بقوله‏:‏ ‏(‏من فوقكم أو من تحت أرجلكم‏
    وإذا جمعت الخصال المستعاذ منها من هذه الأحاديث التي سقتها بلغت نحو العشرة‏.‏
    وفي حديث الباب أيضا أنه صلى الله عليه وسلم سأل رفع الخصلتين الأخيرتين فأخبر بأن ذلك قد قدر من قضاء الله وأنه لا يرد، وأما ما زاده الطبراني من طريق أبي الزبير عن جابر في حديث الباب بعد قوله قال ليس هذا قال ‏"‏ ولو استعاذه لأعاذه ‏
    (ج8/ ص 373)
    وقد اختلف‏:‏ هل كان عليه الصلاة والسلام متعبدا بشرع من قبله حتى نزل عليه ناسخه‏؟‏ فقيل‏:‏ نعم، وحجتهم هذه الآية ونحوها‏.‏
    وقيل لا، وأجابوا عن الآية بأن المراد اتباعهم فيما أنزل عليه وفاقه ولو على طريق الإجمال فيتبعهم في التفصيل، وهذا هو الأصح عند كثير من الشافعية، واختاره إمام الحرمين ومن تبعه، واختار الأول ابن الحاجب، والله أعلم‏.‏
    (‏فبهداهم اقتده‏)‏
    (ج8/ ص 375)
    قوله‏:‏ ‏(‏قل هلم شهداءكم‏)‏ لغة أهل الحجاز هلم للواحد والاثنين والجمع‏)‏ هو كلام أبي عبيدة بزيادة‏:‏ والذكر والأنثى سواء، وأهل نجد يقولون للواحد‏:‏ هلم، وللمرأة‏:‏ هلمي، وللاثنين‏:‏ هلما، وللقوم هلموا، وللنساء‏:‏ هلممن، يجعلونها من هلممت‏.‏
    وعلى الأول فهو اسم فعل معناه طلب الإحضار، وشهداءكم مفعول به، الميم في هلم مبنية على الفتح في اللغة الأولى، واختلف هل هي بسيطة أو مركبة، ولبسط ذلك موضع غير هذا‏.‏
    (ج8/ 377)
    اختلف في المراد بالأعراف في قوله تعالى ‏(‏وعلى الأعراف رجال‏)‏ فقال وعن أبي مجلز هم ملائكة وكلوا بالصور ليميزوا المؤمن من الكافر، واستشكل بأن الملائكة ليسوا ذكورا ولا إناثا فلا يقال لهم رجال، وأجيب بأنه مثل قوله في حق الجن ‏(‏كانوا يعوذون برجال من الجن‏)‏ كذا ذكره القرطبي في ‏"‏ التذكرة ‏"‏ وليس بواضح، لأن الجن يتوالدون فلا يمتنع أن يقال فيهم الذكور والإناث، بخلاف الملائكة‏.‏
    (ج8/ 378)
    أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وقد جاء نحو هذا مرفوعا أخرجه أحمد وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابنا له يدعو فقال ‏"‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ‏"‏ وقرأ هذه الآية‏.‏
    وأخرج أيضا ابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنا له يقول‏:‏ اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، فذكر نحوه، لكن لم يقل وقرأ الآية‏.‏
    والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعا أو بطلب معصية أو يدعو بما لم يؤثر، خصوصا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور
    (ج8/ ص 379)
    وأخرجه الحاكم من هذا الوجه، ومن طريق قتادة قال‏:‏ كان لباس آدم في الجنة ظفرا كله، فلما أكل من الشجرة كشط عنه وبدت سوأته ومن طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه قال‏:‏ كان لباس آدم وحواء النور، فكان أحدهما لا يرى عورة الآخر‏.‏
    (ج8/ ص 379)
    قوله تعال ‏(‏في سم الخياط‏)‏ أي ثقب الإبرة وكل ثقب من عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك فهو سم والجمع سموم‏.‏
    ووقع في بعض النسخ ‏"‏ مسام الإنسان ‏"‏ بدل مشاق وهي بمعناه‏.
    (ج8/ ص 380)
    عند ابن مردويه بإسنادين ضعيفين عن عائشة مرفوعا ‏"‏ الطوفان الموت
    واختلف في تفسير القمل اختلافا كثيرا‏:‏ قيل السوس، وقيل الدبا بفتح المهملة والموحدة مخفف وهو صغار الجراد‏.‏
    وقال الراغب‏:‏ وقيل دواب سود صغار، وقيل صغار الذر، وقيل هو القمل المعروف، وقيل دابة أصغر من الطير لها جناح أحمر ومن شأنه أن يمص الحب من السنبلة فتكبر السنبلة ولا حب فيها، وقيل فيه غير ذلك‏.‏
    (ج8/ ص 383)
    (‏لن تراني‏)‏ نفاه رؤية الله تعالى مطلقا من المعتزلة فقالوا لن لتأكيد النفي الذي يدل عليه لا فيكون النفي على التأييد‏.‏
    وأجاب أهل السنة بأن التعميم في الوقت مختلف فيه، سلمنا لكن خص بحالة الدنيا التي وقع فيها الخطاب، وجاز في الآخرة لأن أبصار المؤمنين فيها باقية فلا استحالة أن يرى الباقي بالباقي‏.‏
    بخلاف حالة الدنيا فإن أبصارهم فيها فانية فلا يرى الباقي بالفاني، وتواترت الأخبار النبوية بوقوع هذه الرؤية للمؤمنين في الآخرة وبإكرامهم بها في الجنة، ولا استحالة فيها فوجب الإيمان بها، وبالله التوفيق‏.‏
    (ج8/ ص 388)
    روي عن جعفر الصادق وقال‏:‏ ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة بحسب القوة الإنسانية‏:‏ عقلية وشهوية وغضبية، فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين‏.‏
    وروى الطبري مرسلا وابن مردويه موصولا من حيث جابر وغيره ‏"‏ لما نزلت ‏(‏خذ العفو وأمر بالعرف‏)‏ سأل جبريل فقال لا أعلم حتى أسأله ثم رجع فقال‏:‏ إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 389)
    قوله‏:‏ ‏(‏وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء‏)‏ قال‏:‏ إدخالهم أصابعهم في أفواههم وتصدية الصفير، يخلطون على محمد صلاته ‏"‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ المكاء الصفير والتصدية صفق الأكف ووصله ابن مردويه من حديث ابن عمر مثله من قوله‏.‏
    وقال أبو عبيدة‏:‏ إن كان من العذاب فهو أمطرت، وإن كان من الرحمة فهو مطرت‏.‏
    وفيه مطرت‏.‏
    وفيه نظر أيضا‏.‏
    (ج8/ ص 398)
    قوله‏:‏ ‏(‏سورة براءة‏)‏ هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، واختلف في ترك البسملة أولها فقيل لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل لأنهم لما جمعوا القرآن شكوا هل هي والأنفال واحدة أو ثنتان ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه ولم يكتبوا فيه البسملة‏.‏
    وروى ذلك ابن عباس عن عثمان وهو المعتمد، وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن‏.
    (ج8/ ص 400)
    قال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏رضوا بأن يكونوا مع الخوالف‏)‏ يجوز أن يكون الخوالف هاهنا النساء، ولا يكادون يجمعون الرجال على فواعل، غير أنهم قد قالوا فارس وفوارس وهالك وهوالك انتهى‏.‏
    وقد استدرك عليه ابن مالك شاهق وشواهق وناكس ونواكس وداجن ودواجن، وهذه الثلاثة مع الاثنين جمع فاعل وهو شاذ، والمشهور في فواعل جمع فاعلة، فإن كان من صفة النساء فواضح وقد تحذف الهاء في صفة المفرد من النساء وإن كان من صفة الرجال فالهاء للمبالغة يقال رجل خالفة لا خير فيه‏:‏ والأصلي في جمعه بالنون‏.‏
    واستدرك بعض الشراح على الخمسة المتقدمة كأهل وكواهل وجائح وجوائح وغارب وغوارب وغاش وغواش، ولا يرد شيء منها لأن الأولين ليسا من صفات الآدميين، والآخران جمع غارب وغاشية والهاء للمبالغة إن وصف بها المذكر، وقد قال المبرد في الكامل في قول الفرزدق‏:‏ وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأذقان احتاج الفرزدق لضرورة الشعر فأجرى نواكس على أصله، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا في ضرورة، ولا تجمع النجاة ما كان من فاعل نعتا على فواعل لئلا يلتبس بالمؤنث، ولم يأت ذا إلا في حرفين فارس وفوارس، وهالك وهوالك، أما الأول فإنه لا يستعمل في الفرد فأمن فيه اللبس، وأما الثاني فلأنه جرى مجرى المثل يقولون هالك في الهوالك فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال‏.‏
    قلت‏:‏ فظهر أن الضابط في هذا أن يؤمن اللبس أو يكثر الاستعمال أو تكون الهاء للمبالغة أو يكون في ضرورة الشعر والله أعلم‏.‏
    وقال ابن قتيبة‏:‏ الخوالف النساء ويقال خساس النساء ورذالتهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دينا فيهم‏.‏
    قال المبرد في الكامل في قول الفرزدق‏:‏ وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأذقان احتاج الفرزدق لضرورة الشعر فأجرى نواكس على أصله، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا في ضرورة، ولا تجمع النجاة ما كان من فاعل نعتا على فواعل لئلا يلتبس بالمؤنث، ولم يأت ذا إلا في حرفين فارس وفوارس، وهالك وهوالك، أما الأول فإنه لا يستعمل في الفرد فأمن فيه اللبس، وأما الثاني فلأنه جرى مجرى المثل يقولون هالك في الهوالك فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال‏.‏
    قلت‏:‏ فظهر أن الضابط في هذا أن يؤمن اللبس أو يكثر الاستعمال أو تكون الهاء للمبالغة أو يكون في ضرورة الشعر والله أعلم‏.‏
    وقال ابن قتيبة‏:‏ الخوالف النساء ويقال خساس النساء ورذالتهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دينا فيهم‏.‏
    والمراد بالخوالف في الآية النساء والرجال العاجزون والصبيان فجمع جمع المؤنث تغليبا لكونهن أكثر في ذلك من غيرهن‏.‏
    (ج8/ ص 401)
    هذا الشعر للمثقب العبدي واسمه جحاش بن عائذ، وقيل ابن نهار وهو من جملة قصيدة أولها‏:‏ أفاطم قبل بينك متعيني ومنعك ما سألت كأن تبيني ولا تعدي مواعد كاذبات تمر بها رياح الصيف دوني فإني لو تخالفني شمالي لما أتبعتها أبدا يميني ويقول فيها‏:‏ فأما أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدوا أتقـيك وتتقيني وهي كثيرة الحكم والأمثال‏.‏
    وكان أبو محمد بن العلاء يقول‏:‏ لو كان الشعر مثلها وجب على الناس أن يتعلموه‏.‏
    وأصح الأقوال في آخرية الآية قوله تعالى ‏(‏واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله‏)‏ كما تقدم في البقرة، ونقل ابن عبد السلام ‏"‏ آخر آية نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما ثم نزلت آية البقرة ‏"‏ والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 404)
    فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال ‏"‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة
    ‏‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ اتفقت الروايات على أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، ووقع في حديث لعبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في قوله‏:‏ ‏(‏براءة من الله ورسوله‏)‏ قال ‏"‏ لما كان زمن خيبر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة‏.‏
    ثم أمر أبا بكر الصديق على تلك الحجة‏.‏
    (ج8/ ص 408)
    واختلف في المراد بالحج الأصغر فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد‏:‏ الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد‏.‏
    وقيل يوم الحج الأصغر يوم عرفة ويوم الحج الأكبر يوم النحر لأن فيه تتكمل بقية المناسك‏.‏
    وعن الثوري‏:‏ أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر كما يقال يوم الفتح‏.‏
    وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها‏.‏
    وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كانت صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه، وعن الحسن‏:‏ سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه‏:‏ وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره‏:‏ أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة‏.‏
    ومن طريق سعيد بن جبير أنه النحر‏.‏
    واحتج بأن اليوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات‏.‏
    وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا ‏"‏ يوم الحج الأكبر يوم النحر ‏"‏ ورجح الموقوف،
    (ج8/ ص 415)
    ن ابن الزبير حين مات معاوية امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية وأصر على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بالمدينة فكانت وقعة الحرة، ثم توجه الجيش إلى مكة فمات أميرهم مسلم بن عقبة وقام بأمر الجيش الشامي حصين بن نمير فحصر ابن الزبير بمكة، ورموا الكعبة بالمنجنيق حتى احترقت‏.‏
    ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه فبويع بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثير من أهل الشام، ثم غلب مروان على الشام وقتل الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بمرج راهط، ومضى مروان إلى مصر وغلب عليها، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكمل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة ففر منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قتل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا‏:‏ لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشدد عليهم ابن الزبير وحصرهم، فبلغ المختار فجهز إليهم جيشا فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير فامتنعا، وخرجا إلى الطائف فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رضوى جبل بينبع فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام فتوجه إلى نحو أيلة فمات في آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع وسبعين
    وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقدي أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزعمت الكيسانية أنه حي لم يمت وأنه المهدي وأنه لا يموت حتى يملك الأرض، في خرافات لهم كثيرة ليس هذا موضعها‏.‏
    وإنما لخصت ما ذكرته من طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وغيره
    (ج8/ ص 416)
    كان بعض الناس يسمى ابن الزبير ‏"‏ المحل ‏"‏ لذلك، قال الشاعر يتغزل في أخته رملة‏:‏ ألا من لقلب معنى غزل بحب المحلة أخت المحل وقوله لا أحله أبدا أي لا أبيح القتال فيه، وهذا مذهب ابن عباس أنه لا يقاتل في الحرم ولو قوتل فيه

    ‏.
    (ج8/ ص 420)
    ‏وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة قال في قوله تعالى ‏(‏والذين لا يجدون إلا جهدهم‏)‏ هو رفاعة بن سهل، ووقع عند ابن أبي حاتم رفاعة بن سعد، فيحتمل أن يكون تصحيفا، ويحتمل أن يكون اسم أبي عقيل سهل ولقبه حبحاب، أو هما اثنان‏.‏
    وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوي بدري لم يسمه موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق وسماه الواقدي عبد الرحمن قال‏:‏ واستشهد باليمامة، وكلام الطبري يدل على أنه هو صاحب الصاع عنده وتبعه بعض المتأخرين، والأول أولى‏.‏
    وقيل هو عبد الرحمن بن سمحان وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصة توبته قال ‏"‏ وجاء رجل يزول به السراب فقال النبي صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة ‏"‏ وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة من بني سالم من الأنصار، فهذا يدل على تعدد من جاء بالصاع‏.‏
    ويؤيد ذلك أن أكثر الروايات فيها أنه جاء بصاع، وكذا وقع في الزكاة ‏"‏ فجاء رجل فتصدق بصاع ‏"‏ وفي حديث الباب ‏"‏ فجاء أبو عقيلة بنصف صاع ‏"‏ وجزم الواقدي بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلاني، والذي جاء بالصاع هو علية بن زيد المحاربي وسمي من الذين قالوا إن هذا مراء وإن الله غني عن صدقة هذا معتب بن قشير وعبد الله بن نبتل، وأورده الخطيب في ‏"‏ المبهمات ‏"‏ من طريق الواقدي وفيه عبد الرحمن بن نبتل
    (ج8/ ص 424)
    وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي هذا من فضلاء الصحابة وشهد بدرا وما بعدها واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتله، قال‏:‏ بل أحسن صحبته، أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وفي الطبراني من طريق عروة بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه استأذن نحوه، وهذا منقطع لأن عروة لم يدركه وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلي عليه
    (ج8/ ص 426)
    قال الخطابي‏:‏ إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة على ابنه وعارا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهى فانتهى‏.‏
    وتبعه ابن بطال وعبر بقوله‏:‏ ورجا أن يكون معتقدا لبعض ما كان يظهر في الإسلام‏.‏
    وتعقبه وابن المنير بأن الإيمان لا يتبعض‏.‏
    وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفا‏.‏
    قلت‏:‏ وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي لكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شاف في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة‏.‏
    وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته وذكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة‏.‏
    وقد أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال‏:‏ فأنزل الله تعالى ‏(‏ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره‏)‏ قال‏:‏ فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ وما يغنى عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه‏.‏

  8. #188
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    (ج8/ ص 428)
    ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي ‏"‏ أنبأنا معمر عن الزهري قال‏:‏ قال حذيفة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني مسر إليك سرا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان رهط ذوي عدد من المنافقين؛ قال فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه ‏"‏ ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم أنهم اثنى عشر رجلا، وقد تقدم حديث حذيفة قريبا أنه لم يبق منهم غير رجل واحد‏.‏
    ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف من سواهم فإنهم تابوا‏.‏
    (ج8/ ص 429)
    ثم أورد المصنف حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وقوله فيه ‏"‏ إنما خيرني الله أو أخبرني الله ‏"‏ كذا وقع بالشك
    وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أبي ضمرة الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ ‏"‏ إنما خيرني الله ‏"‏ بغير شك، وكذا في أكثر الروايات بلفظ التخيير أي بين الاستغفار وعدمه كما تقدم، واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه، قال ابن المنير‏:‏ مفهوم الآية زلت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث وقال‏:‏ لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول قاله انتهى‏.‏
    ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاني في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها‏.‏
    وقال إمام الحرمين في ‏"‏ مختصره ‏"‏‏:‏ هذا الحديث غير مخرج في الصحيح‏.‏
    وقال في ‏"‏ البرهان ‏"‏‏:‏ لا يصححه أهل الحديث‏.‏
    وقال الغزالي في ‏"‏ المستصفى ‏"‏‏:‏ الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح‏.‏
    وقال الداودي الشارح‏:‏ هذا الحديث غير محفوظ‏.‏
    والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه من حمل ‏"‏ أو ‏"‏ على التسوية لما يقتضيه سياق القصة، وحمل السبعين على المبالغة‏.‏
    قال ابن المنير‏:‏ ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد انتهى‏.‏
    ومنهم من قال‏:‏ إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرا للإسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحا‏.‏
    وهذا جواب جيد،
    (ج8/ ص 430)
    ‏(‏استغفر لهم‏)‏ أي نزلت الآية كاملة، لأنه لو فرض نزلها كاملة لاقترن بالنهي العلة وهي صريحة في أن قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، وإلا فإذا فرض ما حررته أن هذا القدر نزل متراخيا عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك فحجة المتمسك من القصة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم متمسكا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فلله الحمد على ما ألهم وعلم‏.‏
    وقد وقفت لأبي نعيم الحافظ صاحب ‏"‏ حلية الأولياء ‏"‏ على جزء جمع فيه طرق هذا الحديث وتكلم على معانيه فلخصته، فمن ذلك أنه قال‏:‏ وقع في رواية أبي أسامة وغيره عن عبيد الله العمري في قول عمر ‏"‏ أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين ‏"‏ ولم يبين محل النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة عن العمري، وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم ولفظه ‏"‏ وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ‏"‏ قال وفي قول ابن عمر ‏"‏ فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا معه ‏"‏ أن عمر ترك رأي نفسه وتابع النبي صلى الله عليه وسلم، ونبه على أن ابن عمر حمل هذه القصة عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة، بخلاف ابن عباس فإنه إنما حملها عن عمر إذ لم يشهدها‏.‏
    (ج8/ ص 431)
    جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيا وميتا، لقول عمر ‏"‏ إن عبد الله منافق ‏"‏ ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله‏.‏
    ويؤخذ أن المنهي عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم لا التعريف، وأن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة، وأن الإعلام بوفاة الميت مجردا لا يدخل في النعي المنهي عنه‏.‏
    وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجى بركته شيئا من ماله لضرورة دينية‏.‏
    وفيه رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي‏.‏
    (ج8/ ص 439)
    قد ورد في النهي عن ذلك حديث مرفوع أخرجه مسلم في أثناء حديث طويل وأفرده أبو داود من طريق عبادة بن الوليد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولاكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم‏"‏‏.‏
    فقد أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه قال‏:‏ الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن، وعند عبد الرزاق عن معمر عن قتادة‏.‏
    الحسنى الجنة، والزيادة فيما بلغنا النظر إلى وجه الله‏.‏
    ولسعيد ابن منصور من طريق عبد الرحمن بن سابط مثله موقوفا أيضا‏.‏
    ولعبد بن حميد عن الحسن مثله‏.‏
    وله عن عكرمة قال ‏(‏للذين أحسنوا‏)‏ قالوا لا إله إلا الله، الحسنى الجنة، وزيادة النظر إلى وجه الله الكريم‏.‏
    وقد ورد ذلك في حديث مرفوع أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا إن لكم عند الله وعدا فيقولون ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة‏؟‏ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم منه ‏"‏ ثم قرأ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال الترمذي‏:‏ إنما أسنده حماد ابن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏.‏
    (ج8/ ص 449)
    ورجحه ابن التين وقال‏:‏ الأول واحد والثاني جمع مثل أسد وأسد، قال عياض‏:‏ ولبعضهم بضم ثم سكون فيهما جميعا وهو الصواب، والمراد أن الجمع والواحد بلفظ واحد‏.‏
    وقد ورد ذلك في القرآن فقد قال في الواحد ‏(‏في الفلك المشحون‏)‏ وقال في الجمع ‏(‏حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم‏)‏ والذي في كلام أبي عبيدة الفلك واحد وجمع وهي السفينة والسفن، وهذا أوضح في المراد‏.‏
    (ج8/ ص 451)
    واختلف في المراد بطرفي النهار فقيل الصبح والمغرب، وقيل الصبح والعصر، وعن مالك وابن حبيب الصبح طرف والظهر والعصر طرف‏.‏
    (ج8/ ص 451)
    وفي رواية مسلم وأصحاب السنن من طريق سماك بن حرب عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود ‏"‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، فافعل بي ما شئت ‏"‏ الحديث‏.
    وأخرجه ابن أبي خيثمة لكن قال ‏"‏ إن رجلا من الأنصار يقال له معتب ‏"‏ وقد جاء أن اسمه كعب بن عمرو وهو أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة الأنصاري أخرجه الترمذي والنسائي والبزار من طريق موسى بن طلحة عن أبي اليسر بن عمرو أنه أتته امرأة وزوجها قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقالت له‏:‏ يعني تمرا بدرهم، قال فقلت لها وأعجبتني إن في البيت تمرا أطيب من هذا، فانطلق بها معه فغمزها وقبلها ثم فرغ، فخرج فلقي أبا بكر فأخبره، فقال تب ولا تعد‏.‏
    ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وفي روايته أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر فنزلت‏.‏
    قصة نبهان التمار ذكرها عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه الثعلبي وغيره من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ‏"‏ أن نبهانا التمار أتته امرأة حسناء جميلة تبتاع منه تمرا فضرب على عجيزتها ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إياك أن تكون امرأة غاز في سبيل الله، فذهب يبكي ويصوم ويقوم، فأنزل الله تعالى ‏(‏والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله‏)‏ الآية فأخبره، فحمد الله وقال‏:‏ يا رسول الله هذه توبتي قبلت، فكيف لي بأن يتقبل شكري‏؟‏ فنزلت ‏(‏وأقم الصلاة طرفي النهار‏)‏ الآية‏"‏، قلت‏:‏ وهذا إن ثبت حمل على واقعة أخرى، لما بين السياقين من المغايرة‏.‏
    وأما قصة ابن غزية فأخرجها ابن منده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏وأقم الصلاة طرفي النهار‏)‏ قال‏:‏ نزلت في عمرو بن غزية وكان يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع تمرا فأعجبته‏.‏
    (ج8/ ص 453)
    وتمسك بظاهر قوله تعالى ‏(‏إن الحسنات يذهبن السيئات‏)‏ المرجئة وقالوا‏:‏ إن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة كانت أو صغيرة، وحمل الجمهور هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح ‏"‏ إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر ‏"‏ فقال طائفة‏:‏ إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لما عدا الكبائر من الذنوب، وإن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئا‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ إن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئا منها وتحط الصغائر‏.‏
    وقيل‏:‏ المراد أن الحسنات تكون سببا في ترك السيئات كقوله تعالى ‏(‏إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏)‏ لا أنها تكفر شيئا حقيقة، وهذا قول بعض المعتزلة‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ ذهب بعض أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث الظاهرة في ذلك‏.‏
    قال‏:‏ ويرد الحث على التوبة في أي كبيرة، فلو كانت الحسنات تكفر جميع السيئات لما احتاج إلى التوبة‏.‏
    واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما، وعلى سقوط التعزيز عمن أتى شيئا منها وجاء تائبا نادما‏.‏
    واستنبط منه ابن المنذر أنه لا حد على من وجد مع امرأة أجنبية في ثوب واحد‏.‏
    (ج8/ ص 455)
    قال فضيل‏:‏ الأترج بالحبشية متكا‏.‏
    وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عن فضيل بن عياض‏.‏
    وأما روايته عن حصين فرويناه في مسند مسدد رواية معاذ بن المثنى عنه عن فضيل عن حصين عن مجاهد في قوله تعالى ‏(‏وأعتدت لهن متكأ‏)‏ قال‏:‏ أترج‏.‏
    (ج8/ ص 455)
    والمتكا ما اتكأت عليه لشراب أو لحديث أو لطعام وأبطل الذي قال الأترج، وليس في كلام العرب الأترج، فلما احتج عليهم بأن المتكا من نمارق فروا إلى شر منه وقالوا إنما هو المتك ساكنة التاء، وإنما المتك طرف البظر ومن ذلك قيل لها متكاء وابن المتكاء، فإن كان ثم أترج فإنه بعد المتكأ‏)‏ قلت‏:‏ وقع هذا متراخيا عما قبله عند الأكثر، والصواب إيراده تلوه، فأما الكلام على الأشد فقال أبو عبيدة هو جمع لا واحد له من لفظه، وحكى الطبري أنه واحد لا نظير له في الآحاد‏.‏
    وقال سيبويه واحده شدة، وكذا قال الكسائي لكن بلا هاء‏.‏
    واختلف النقلة في قدر الأشد الذي بلغه يوسف فالأكثر أنه الحلم، وعن سعيد بن جبير ثمان عشرة وقيل سبع عشرة وقيل عشرون وقيل خمسة وعشرون وقيل ما بين ثمان عشرة إلى ثلاثين، وفي غيره قيل الأكثر أربعون وقيل ثلاثون وقيل ثلاثة وثلاثون وقيل خمسة وثلاثون وقيل ثمانية وأربعون وقيل ستون‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ الأظهر أنه أربعون لقوله تعالى ‏(‏فلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما‏)‏ وكان النبي لا ينبأ حتى يبلغ أربعين، وتعقب بأن عيسى عليه السلام نبئ لدون أربعين ويحيى كذلك لقوله تعالى م ‏(‏وآتيناه الحكم صبيا‏)‏ وسليمان لقوله تعالى ‏(‏ففهمناها سليمان‏)‏ إلى غير ذلك‏.‏
    والحق أن المراد بالأشد بلوغ سن الحلم‏.‏
    وقوله ‏"‏ليس في كلام العرب الأترج ‏"‏ يريد أنه ليس في كلام العرب تفسير المتكأ بالأترج، قال صاحب ‏"‏ المطالع ‏"‏ وفي الأترج ثلاث لغات ثانيها بالنون وثالثها مثلها بحذف الهمزة وفي المفرد كذلك، وعند بعض المفسرين أعتدت لهن البطيخ والموز، وقيل كان مع الأترج عسل، وقيل كان للطعام المذكور بزماورد، لكن ما نفاه المؤلف رحمه الله تبعا لأبي عبيدة قد أثبته غيره‏.‏
    قد روى عبد بن حميد من طريق عوف الأعرابي حديث ابن عباس أنه كان يقرأها متكا مخففة ويقال هو الأترج، وقد حكاها الفراء وتبعه الأخفش وأبو حنيفة الدينوري والقالي وابن فارس وغيرهم كصاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏ و ‏"‏ الجامع ‏"‏ و ‏"‏ الصحاح‏"‏، وفي الجامع أيضا‏:‏ أهل عمان يسمون السوسن المتكأ، وقيل بضم أوله الأترج وبفتحه السوسن‏.‏
    وقال الجوهري‏:‏ المتكأ ما تبقيه الخاتنة بعد الختان من المرأة، والمتكاء التي لم تختن، وعن الأخفش المتكأ الأترج‏.‏
    قال الكرماني‏:‏ أراد البخاري أن المتكأ في قوله‏:‏ ‏(‏وأعتدت لهن متكأ‏)‏ اسم مفعول من الاتكاء، وليس هو متكأ بمعنى الأترج ولا بمعنى طرف البظر، فجاء فيها بعبارات معجرفة‏
    (ج8/ ص 457)
    قال ابن خالويه في كتاب ‏"‏ ليس ‏"‏‏:‏ هذا حرف نادر، ذكر مقاتل عن الزبور البعير كل ما يحمل بالعبرانية، ويؤيد ذلك أن إخوة يوسف كانوا من أرض كنعان وليس بها إبل‏.‏
    كذا قال‏
    (ج8/ ص 459)
    ذكر ابن جرير وغيره أسماء إخوة يوسف وهم‏:‏ روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وريالون ويشجر ودان ونيال وجاد واشر وبنيامين، وأكبرهم أولهم‏.‏
    (ج8/ ص 460)
    أما ما نقل عن عكرمة أنها بالحورانية فقد وافقه عليه الكسائي والفراء وغيرهما كما تقدم، وعن السدي أنها لغة قبطية معناها هلم لك، وعن الحسن أنها بالسريانية كذلك‏.‏
    وقال أبو زيد الأنصاري هي بالعبرانية وأصلها هيت لج أي تعاله فعربت‏.‏
    وقال الجمهور هي عربية معناها الحث على الإقبال، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 467)
    وقال أبو نصر القشيري ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل فصرفوه عن أنفسهم، أو المعنى قربوا من الظن كما يقال بلغت المنزل إذا قربت منه‏.‏
    وقال الترمذي الحكيم‏:‏ وجهه أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر أن يتخلف النصر، لا من تهمة بوعد الله بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال واشتد البلاء عليهم دخلهم الظن من هذه الجهة‏.‏
    قلت‏:‏ ولا يظن بابن عباس أنه يجوز على الرسول أن نفسه تحدثه بأن الله يخلف وعده، بل الذي يظن بابن عباس أنه أراد بقوله ‏"‏ كانوا بشرا ‏"‏ إلى آخر كلامه من آمن من أتباع الرسل لا نفس الرسل، وقول الراوي عنه ‏"‏ ذهب بها هناك ‏"‏ أي إلى السماء معناه أن أتباع الرسل ظنوا أن ما وعدهم به الرسل على لسان الملك تخلف، ولا مانع أن يقع ذلك في خواطر بعض الأتباع‏.‏
    وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح‏.‏
    ثم الزمخشري في توقفه عن صحة ذلك عن ابن عباس، فإنه صح عنه، لكن لم يأت عنه التصريح بأن الرسل هم الذين ظنوا ذلك، ولا يلزم ذلك من قراءة التخفيف، بل الضمير في ‏"‏ وظنوا ‏"‏ عائد على المرسل إليهم، وفي ‏"‏ وكذبوا ‏"‏ عائد على الرسل أي وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا، أو الضمائر للرسل والمعنى يئس الرسل من النصر وتوهموا أن أنفسهم كذبتهم حين حدثتهم بقرب النصر، أو كذبهم رجاؤهم‏.‏
    قد روى الطبري أن سعيد ابن جبير سئل عن هذه الآية فقال‏:‏ يئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا‏.‏
    فقال الضحاك بن مزاحم لما سمعه‏:‏ لو رحلت إلى اليمن في هذه الكلمة لكان قليلا‏.‏
    فهذا سعيد بن جبير وهو من أكابر أصحاب ابن عباس العارفين بكلامه حمل الآية على الاحتمال الأخير الذي ذكرته‏.‏
    فعند النسائي من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏قد كذبوا‏)‏ قال‏:‏ استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم‏.‏
    وإسناده حسن‏.‏
    (ج8/ ص 469)
    لكن روى الطبري من طريق سعيد عن قتادة أن المراد بالظن هنا اليقين‏.‏
    ونقله نفطويه هنا عن أكثر أهل اللغة وقال‏:‏ هو كقوله في آية أخرى ‏(‏وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه‏)‏ وأنكر ذلك الطبري وقال‏:‏ إن الظن لا تستعمله العرب في موضع العلم إلا فيما كان طريقه غير المعاينة، فأما ما كان طريقه المشاهدة فلا، فإنها لا تقول أظنني إنسانا ولا أظنني حيا بمعنى إنسانا أو حيا‏.‏
    (ج8/ ص472)
    ومن طريق كعب الأحبار قال‏:‏ لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتم‏.‏
    وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد الملائكة الموكلة بالآدمي فقال‏:‏ لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار، واحد عن يمينه وآخر عن شماله واثنان من بين يديه ومن خلفه واثنان على جنبيه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وإن تكبر وضعه واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه يعني إذا نام‏.‏
    وجاء في تأويل قول آخر رجحه ابن جرير فأخرج بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏له معقبات‏)‏ قال‏:‏ ذلك ملك من ملوك الدنيا له حرس ومن دونه حرس‏.‏
    (ج8/ ص 487)
    واستشهد الطبري لذلك بحديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظعون ‏"‏ أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير ‏"‏ وقد تقدم في الجنائز مشروحا، وقد اعترض بعض الشراح على البخاري لكونه لم يخرج هنا هذا الحديث وقال‏:‏ كان ذكره أليق من هذا؛ قال ولأن اليقين ليس من أسماء الموت‏.‏
    قلت‏:‏ لا يلزم البخاري ذلك، وقد أخرج النسائي حديث بعجة عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ خير ما عاش الناس به رجل ممسك بعنان فرسه ‏"‏ الحديث، وفي آخره ‏"‏ حتى يأتيه اليقين ليس هو من الناس إلا في خير ‏"‏ فهذا شاهد جيد لقول سالم، ومنه قوله تعالى ‏(‏وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين‏)‏ وإطلاق اليقين على الموت مجاز، لأن الموت لا يشك فيه
    (ج8/ ص 495)
    قد بين أبو عبيدة بعض الوجوه التي يرد بها لفظ القضاء وأغفل كثيرا منها، واستوعبها إسماعيل بن أحمد النيسابوري في ‏"‏ كتاب الوجوه والنظائر ‏"‏ فقال لفظة ‏(‏قضى‏)‏ في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجها‏:‏ الفراغ ‏(‏فإذا قضيتم مناسككم‏)‏ والأمر ‏(‏إذا قضى أمرا‏)‏ والأجل ‏(‏فمنهم من قضى نحبه‏)‏ والفصل ‏(‏لقضي الأمر بيني وبينكم‏)‏ والمضي ‏(‏ليقضي الله أمرا كان مفعولا‏)‏ والهلاك ‏(‏لقضي إليهم أجلهم‏)‏ والوجوب ‏(‏لما قضى الأمر‏)‏ والإبرام ‏(‏في نفس يعقوب قضاها‏)‏ والإعلام ‏(‏وقضينا إلى بني إسرائيل‏)‏ والوصية ‏(‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه‏)‏والموت ‏(‏فوكزه موسى فقضى عليه‏)‏ والنزول ‏(‏فلما قضينا عليه الموت‏)‏ والخلق ‏(‏فقضاهن سبع سماوات‏)‏ والفعل ‏(‏كلا لما يقض ما أمره‏)‏ يعني حقا لم يفعل، والعهد ‏(‏إذ قضينا إلى موسى الأمر‏)‏ ‏.‏
    وذكر غيره القدر المكتوب في اللوح المحفوظ كقوله‏:‏ ‏(‏وكان أمرا مقضيا‏)‏ والفعل ‏(‏فاقض ما أنت قاض‏)‏ والوجوب ‏(‏إذ قضي الأمر‏)‏ أي وجب لهم العذاب والوفاء كفائت العبادة والكفاية ‏(‏ولن يقضي عن أحد من بعدك‏)‏ انتهى‏.‏
    وبعض هذه الأوجه متداخل، وأغفل أنه يرد بمعنى الانتهاء ‏(‏فلما قضى زيد منها وطرأ‏)‏ وبمعنى الإتمام ‏(‏ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده‏)‏ وبمعنى كتب ‏(‏إذا قضى أمرا‏)‏ وبمعنى الأداء وهو ما ذكر بمعني الفراغ ومنه قضى دينه‏.‏
    (ج8/ ص 497)
    (‏وقال ابن عباس‏:‏ كل سلطان في القرآن فهو حجة‏)‏ وصله ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا على شرط الصحيح، ورواه الفريابي بإسناد آخر عن ابن عباس وزاد ‏"‏ وكل تسبيح في القرآن فهو صلاة‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 504)
    ديث أبي هريرة ‏"‏ خفف على داود القرآن ‏"‏ ووقع في رواية لأبي ذر ‏"‏ القراءة ‏"‏ والمراد بالقرآن مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة
    (ج8/ ص 506)
    إني أريت كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا، فقيل هي دنيا تنالهم، ونزلت هذه الآية ‏"‏ وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث عمرو بن العاص ومن حديث يعلى بن مرة ومن مرسل ابن المسيب نحوه وأسانيد الكل ضعيفة واستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى بالعين في اليقظة، وقد أنكره الحريري تبعا لغيره وقالوا‏:‏ إنما يقال رؤيا في المنام، وأما التي في اليقظة فيقال رؤية‏.‏
    وممن استعمل الرؤيا في اليقظة المتنبي في قوله‏:‏ ‏"‏ ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ‏"‏ وهذا التفسير يرد على من خطأه‏.‏
    (ج8/ ص 507)
    (‏والشجرة الملعونة في القرآن قال‏:‏ شجرة الزقوم‏)‏ هذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسا من التابعين، ثم روى من حديث عبد الله بن عمرو أن الشجرة الملعونة الحكم بن أبي العاص وولده وإسناده ضعيف وأما الزقوم فقال أبو حنيفة الدينوري في ‏"‏ كتاب النبات ‏"‏‏:‏ الزقوم شجرة غبراء تنبت في السهل صغيرة الورق مدورته لا شوك لها زفرة مرة ولها نور أبيض ضعيف تجرسه النحل ورءوسها قباح جدا‏.‏
    (ج8/ ص 511)
    وقال الإمام فخر الدين الرازي‏:‏ المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته وهل هي متحيزة أم لا، وهل هي حالة في متحيز أم لا، وهل هي قديمة أو حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير ذلك من متعلقاتها‏.‏
    قال‏:‏ وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث وهو قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ كن ‏"‏ فكأنه قال‏:‏ هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه‏.‏
    ال‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله‏:‏ ‏(‏من أمر ربي‏)‏ الفعل، كقوله‏:‏ ‏(‏وما أمر فرعون برشيد‏)‏ أي فعله فيكون الجواب الروح من فعل ربي، وإن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة فيكون الجواب إنها حادثة‏.‏
    إلى أن قال‏:‏ وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها ا ه‏.‏
    وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم، فقيل‏:‏ هي النفس الداخل والخارج، وقيل الحياة، وقيل جسم لطيف يحل في جميع البدن، وقيل هي الدم، وقيل هي عرض، حني قيل إن الأقوال فيها بلغت مائة‏.‏
    ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح، وأن لكل مؤمن ثلاثة، ولكل حي واحدة‏.‏
    وقال ابن العربي‏:‏ اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران وهو الحق، وقيل هما شيء واحد، قال‏:‏ وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس، كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس، وقد يعبر عن الروح بالحياة حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجماد مجازا‏.‏
    وقال السهيلي‏:‏ يدل على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فإذا سويته ونفخت فيه من روحي‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك‏)‏ فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الأخر ولولا التغاير لساغ ذلك‏.‏
    وجنح ابن القيم في ‏"‏ كتاب الروح ‏"‏ إلى ترجيح أن المراد بالروح المسئول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يوم يقوم الروح والملائكة صفا‏)‏ قال‏:‏ وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسا‏.
    وممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم فقال فيما نقله في ‏"‏ عوارف المعارف ‏"‏ عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح‏:‏ وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نقل عن الجنيد أنه قال‏:‏ الروح استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود‏.‏
    وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير‏.‏
    وقد خالف الجنيد ومن تبعه من الأئمة جماعة من متأخري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها‏.‏
    ونقل ابن منده في ‏"‏ كتاب الروح ‏"‏ له عن محمد بن نصر المروزي الإمام المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما ينقل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة والمتصوفة‏.‏
    واختلف هل تفني عند فناء العالم قبل البعث أو تستمر باقية‏؟‏ على قولين، والله أعلم
    والله أعلم‏.‏
    ( ج8/ ص 517)
    أخرج الفراء من وجه آخر عن مجاهد قال‏:‏ ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال، وما كان بالفتح فهو النبات‏.‏
    (ج8/ ص 518)
    روى عبد الرزاق من طريق عكرمة قال‏:‏ كان أصحاب الكهف أولاد ملوك اعتزلوا قومهم في الكهف فاختلفوا في بعث الروح والجسد فقال قائل يبعثان‏.‏
    وقال قائل‏:‏ تبعث الروح فقط وأما الجسد فتأكله الأرض، فأماتهم الله ثم أحياهم، فذكر القصة‏.‏
    (ج8/ 521)
    ختلف في مكان مجمع البحرين، فروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال‏:‏ بحر فارس والروم، وعن الربيع بن أنس مثله أخرجه عبد بن حميد، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال‏:‏ هما الكر والرس حيث يصبان في البحر‏.‏
    قال ابن عطية‏:‏ مجمع البحرين ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان يخرج من البحر المحيط من شماليه إلى جنوبيه وطرفيه مما يلي بر الشام‏.‏
    وقيل هما بحر الأردن والقلزم‏.‏
    وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ مجمع البحرين بطنجة‏.‏
    وعن ابن المبارك قال‏:‏ قال بعضهم‏:‏ بحر أرمينية‏.‏
    وعن أبي بن كعب قال‏:‏ بإفريقية أخرجهما ابن أبي حاتم لكن السند إلى أبي بن كعب ضعيف‏.‏
    وهذا اختلاف شديد‏.‏
    وأغرب من ذلك ما نقله القرطبي عن ابن عباس قال‏:‏ المراد بمجمع البحرين اجتماع موسى والخضر لأنهما بحرا علم، وهذا غير ثابت ولا يقتضيه اللفظ، وإنما يحسن أن يذكر في مناسبة اجتماعهما بهذا المكان المخصوص، كما قال السهيلي‏:‏ اجتمع البحران بمجمع البحرين‏.‏
    وعن سعيد بن جبير‏:‏ الحقب الحين أخرجهما ابن المنذر‏.‏
    وجاء تقديره عن غيرهم، فروى ابن المنذر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ثمانون سنة، وروى عبد بن حميد عن مجاهد أنه سبعون‏.‏
    (ج8/ ص 524)
    جواز قول العالم ذلك، ومحله إذا أمن العجب أو دعت الضرورة إليه كخشية نسيان العلم‏.‏
    (ج8/ ص 525)
    وكان ابن عباس متكئا فاستوى جالسا وقال‏:‏ أكذاك يا سعيد‏؟‏ قلت‏:‏ نعم أنا سمعته ‏"‏ وقال ابن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏‏:‏ كان موسى بن ميشا قبل موسى بن عمران نبيا في بني إسرائيل، ويزعم أهل الكتاب أنه الذي صحب الخضر‏.‏
    قد كانت هذه المسألة دارت أولا بين ابن عباس والحر بن قيس الفزاري وسألا عن ذلك أبي بن كعب، لكن لم يفصح في تلك الرواية ببيان ما تنازعا فيه
    وقد روى الطبري من طريق عكرمة قال‏:‏ قيل لابن عباس‏:‏ لم نسمع لفتى موسى بذكر من حين لقي الخضر، فقال ابن عباس‏:‏ إن الفتى شرب من الماء الذي شرب منه الحوت فخلد، فأخذه العالم فطابق به بين لوحين ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه‏.‏
    قال أبو نصر بن القشيري‏:‏ إن ثبت هذا فليس هو يوشع‏.‏
    قلت‏:‏ لم يثبت، فإن إسناده ضعيف‏.‏
    وزعم ابن العربي أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذ بن لفظ الفتى أو أنه خاص بالرقيق، وليس بجيد لأن الفتى مأخوذ من الفتى وهو الشباب، وأطلق ذلك على من يخدم المرء سواء كان شابا أو شيخا، لأن الأغلب أن الخدم تكون شبانا‏.‏
    (ج8/ ص 525)
    ن ثبت النقل فيها مستند من زعم أن الخضر شرب من عين الحياة فخلد، وذلك مذكور عن وهب بن منبه وغيره ممن كان ينقل من الإسرائيليات‏.
    وقد صنف أبو جعفر بن المنادي في ذلك كتابا وقرر أنه لا يوثق بالنقل فيما يوجد من الإسرائيليات‏.
    (ج8/ ص 528)
    وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى‏:‏ ‏"‏ أتدري ما يقول هذا الطائر‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏
    قال‏:‏ يقول‏:‏ ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما أنقص بمنقاري من جميع هذا البحر
    ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال‏:‏ الخطاف ولعبد بن حميد من طريق أبي العالية قال‏:‏ رأى هذا الطائر الذي يقال له النمر، ونقل بعض من تكلم على البخاري أنه الصرد‏.‏
    (ج8/ ص 534
    (‏يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد‏)‏ القائل ذلك هو ابن جريج، ومراده أن تسمية الملك الذي كان يأخذ السفن لم تقع في رواية سعيد‏.‏
    قلت‏:‏ وقد عزاه ابن خالويه في ‏"‏ كتاب ليس ‏"‏ لمجاهد؛ قال‏:‏ وزعم ابن دريد أن هدد اسم ملك من ملوك حمير زوجه سليمان بن داود بلقيس‏.‏
    قلت‏:‏ إن ثبت هذا حمل على التعدد والاشتراك في الاسم لبعد ما بين مدة موسى وسليمان، وهدد في الروايات بضم الهاء وحكى ابن الأثير فتحها والدال مفتوحة اتفاقا، ووقع عند ابن مردويه بالميم بدل الهاء، وأبوه بدد بفتح الموحدة، وجاء في ‏"‏ تفسير مقاتل ‏"‏ أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي، وقيل‏:‏ هو الجلندي وكان بجزيرة الأندلس‏.‏
    (‏الغلام المقتول اسمه يزعمون حيسور‏)‏ القائل ذلك هو ابن جريج، وحيسور في رواية أبي ذر عن الكشميهني
    وفي ‏"‏ تفسير الضحاك بن مزاحم ‏"‏ اسمه حشرد، ووقع في تفسير الكلبي اسم الغلام شمعون‏.‏
    واستدل به على أن الخضر نبي لعدة معان قد نبهت عليها فيما تقدم كقوله‏:‏ ‏(‏وما فعلته عن أمري‏)

    (ج8/ ص 545)
    طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير كلاهما عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال‏:‏ ‏"‏ أبطأ جبريل في النزول أربعين يوما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا جبريل ما نزلت حتى اشتقت إليك، قال‏:‏ أنا كنت أشوق إليك، ولكني مأمور، وأوحى الله إلى جبريل قل له‏:‏ ‏(‏وما نتنزل إلا بأمر ربك‏)‏ ‏"‏ وروى ابن مردويه في سبب ذلك من طريق زياد النميري أن أنس قال‏:‏ ‏"‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله‏؟‏ قال‏:‏ ما أدري حتى أسأل فنزل جبريل وكان قد أبطأ عليه ‏"‏ الحديث‏.‏
    وعند ابن إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس ‏"‏ أن قريشا لما سألوا عن أصحاب الكهف فمكث النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيا، فلما نزل جبريل قال له‏:‏ أبطأت ‏"‏ فذكره‏.‏
    وحكى ابن التين للداودي في هذا الموضع كلاما في استشكال نزول الوحي في القضايا الحادثة، مع أن القرآن قديم‏.‏
    وجوابه واضح فلم أتشاغل به هنا، لكن ألممت به في كتاب التوحيد‏.‏
    لعاص بن وائل السهمي‏)‏ هو والد عمرو بن العاص الصحابي المشهور، وكان له قدر في الجاهلية ولم يوفق للإسلام، قال ابن الكلبي‏:‏ كان من حكام قريش، وقد تقدم في ترجمة عمر بن الخطاب أنه أجار عمر بن الخطاب حين أسلم‏.‏
    (ج8/ ص 554)
    وقال معمر‏:‏ أحسوا إلخ، ومعمر هذا هو بالسكون وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارة يصرح بعزوه وتارة يبهمه‏.‏
    وقال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏فلما أحسوا بأسنا‏)‏ لقوه يقال هل أحسست فلانا أي هل وجدته، وهل أحسست من نفسك ضعفا أو شرا‏.‏
    (ج8/ 556)
    وجاء عن ابن عباس أن السجل اسم كاتب كان للنبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والنسائي والطبري من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس بهذا، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن مردويه، وفي حديث ابن عباس المذكور عند ابن مردويه‏:‏ والسجل الرجل بلسان الحبش‏.‏
    وعند ابن المنذر من طريق السدي قال‏:‏ السجل الملك‏.‏
    وعند الطبري من وجه آخر عن ابن عباس مثله‏.‏
    وعند عبد بن حميد من طريق عطية مثله‏.‏
    وقد أنكر الثعلبي والسهيلي أن السجل اسم الكاتب بأنه لا يعرف في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا في أصحابه من اسمه السجل، قال السهيلي‏:‏ ولا وجد إلا في هذا الخبر، وهو حصر مردود، فقد ذكره في الصحابة ابن منده وأبو نعيم وأوردا من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له سجل ‏"‏ وأخرجه ابن مردويه من هذا الوجه‏.
    (ج8/ ص 557)
    لتمني التلاوة قال‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏لا يعلمون الكتاب إلا أماني‏)‏ قال‏:‏ الأماني أن يفتعل الأحاديث، وكانت أحاديث يسمعونها من كبرائهم وليست من كتاب الله، قال‏:‏ ومن شواهد ذلك قول الشاعر‏:‏ تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود الزبور على رسل قال الفراء والتمني أيضا حديث النفس انتهى‏.‏
    قال أبو جعفر النحاس في كتاب ‏"‏ معاني القرآن ‏"‏ له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية‏:‏ هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجله‏.‏
    ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال‏:‏ بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا انتهى‏.‏
    وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه هذا كثيرا على ما بيناه في أماكنه وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح انتهى‏.
    (ج8/ 562)
    وقال أبو عبيدة‏:‏ كل شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم، وزاد غير أبي ذر بعد حرف ‏(‏فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة - إلى قوله - ذلك هو الضلال البعيد‏)‏ ‏.‏
    (ج8/ ص 568)
    ‏(‏وقال غيره‏:‏ سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى‏.‏
    فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنا‏)‏ هو قول أبي عبيدة قاله في أول ‏"‏ المجاز‏"‏‏.‏
    وفي رواية أبي جعفر المصادري عنه‏:‏ سمي القرآن لجماعة السور، فذكر مثله سواء وجوز الكرماني في قراءة هذه اللفظة - وهي الجماعة - وجهين‏:‏ إما بفتح الجيم وآخرها تاء تأنيث بمعنى الجميع، وإما بكسر الجيم وآخرها ضمير يعود على القرآن‏.‏
    (ج8/ ص 572)
    ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى قال‏:‏ ‏"‏ أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته ‏"‏ الحديث، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال‏:‏ وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن، قال القرطبي‏:‏ أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب وقال‏:‏ هو خطأ، والصحيح أنه عويمر‏.‏
    وسبقه إلى نحو ذلك الطبري وقال ابن العربي‏:‏ قال الناس‏:‏ هو وهم من هشام بن حسان، وعليه دار حديث ابن عباس وأنس بذلك‏.‏
    وقال عياض في ‏"‏ المشارق ‏"‏ كذا جاء من رواية هشام بن حسان ولم يقله غيره، وإنما القصة لعويمر العجلاني، قال‏:‏ ولكن وقع في ‏"‏ المدونة ‏"‏ في حديث العجلاني ذكر شريك‏.‏
    وقال النووي في مبهماته‏:‏ اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي‏.‏
    ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر‏.‏
    وكلام الجميع متعقب أما قول ابن أبي صفرة فدعوى مجردة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في الصحيحين مع إمكان الجمع‏؟‏ وما نسبه إلى الطبري لم أره في كلامه‏.‏
    وأما قول ابن العربي إن ذكر هلال دار على هشام بن حسان، وكذا جزم عياض بأنه لم يقله غيره، فمردود لأن هشام بن حسان لم ينفرد به، فقد وافقه عباد بن منصور كما قدمته، وكذا جرير بن حازم عن أيوب أخرجه الطبري وابن مردويه موصولا قال‏:‏ ‏"‏ لما قذف هلال بن أمية امرأته ‏"‏ وأما قول النووي تبعا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح‏.‏
    ثم قوله‏:‏ ‏"‏ وقيل عاصم بن عدي ‏"‏ فيه نظر لأنه ليس لعاصم فيه قصة أنه الذي لاعن امرأته، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة‏.‏
    ولما روى ابن عبد البر في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ طريق جرير بن حازم تعقبه بأن قال‏:‏ قد رواه القاسم بن محمد عن ابن عباس كما رواه الناس‏.‏
    وهو يوهم أن القاسم سمى الملاعن عويمرا، والذي في الصحيح ‏"‏ فأتاه رجل من قومه ‏"‏ أي من قوم عاصم، والنسائي من هذا الوجه ‏"‏ لاعن بين العجلاني وامرأته ‏"‏ والعجلاني هو عويمر‏.‏

  9. #189
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع / كتاب التفسير / فتح الباري للحافظ ابن حجر
    الموافق 9/ جمادى الاخرة /1441
    الموافق 4/ 2/ 2020 ميلادي
    (ج8/ ص 607)
    قال الزمخشري : لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف واستعظام الول في ذلك واشتشناعه بطرق مختلفة واساليب متقنة وما ذلك إلا لعلو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطهير من هو منه بسبيل "
    (ج8/ ص 624)
    وقال الخليل‏:‏ الرس كل بئر تكون غير مطوية، ووراء ذلك أقوال‏.‏
    أحدها أورده ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ الرس البئر، ومن طريق سفيان عن رجل عن عكرمة قال‏:‏ أصحاب الرس رسوا نبيهم في بئر، ومن طريق سعيد عن قتادة قال‏:‏ حدثنا أن أصحاب الرس كانوا باليمامة‏.‏
    ومن طريق شبيب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏وأصحاب الرس‏)‏ قال‏:‏ بئر بأذربيجان‏.‏
    في حديث أبي هريرة عند البزار ‏"‏ يحشر الناس على ثلاثة أصناف‏:‏ صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم‏.‏
    فقيل‏:‏ فكيف يمشون على وجوههم ‏"‏ الحديث‏.‏
    ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانا، ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار يحشرون على وجوههم‏.‏
    (ج8/ ص 629)
    قال‏:‏ سألت ابن عباس فقال‏:‏ لما أنزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة‏:‏ قد قتلنا النفس ودعونا مع الله إلها آخر وأتينا الفواحش، قال‏:‏ فنزلت ‏(‏إلا من تاب‏)‏ الآية، قال‏:‏ فهذه لأولئك، قال‏:‏ وأما التي في سورة النساء فهو الذي قد عرف الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم لا توبة له، قال‏.‏
    فذكرت ذلك لمجاهد فقال‏:‏ إلا من ندم ‏"‏ وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفا‏.‏
    وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح مما تقدم‏:‏ فروى أحمد والطبري من طريق يحيى الجابر والنسائي وابن ماجه من طريق عمار الذهبي كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ ‏"‏ كنت عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فقال‏:‏ ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا‏؟‏ قال‏:‏ جزاؤه جهنم خالدا فيها، وساق الآية إلى ‏(‏عظيما‏)‏ قال‏:‏ لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    جاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة‏:‏ منها ما أخرجه أحمد والنسائي من طريق أبي إدريس الخولاني عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت كافرا، والرجل يقتل مؤمنا متعمدا ‏"‏ وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره‏.‏
    (ج8/ 631)
    قوله‏:‏ ‏"‏ لعلكم‏.‏
    فوصله ابن أبي طلحة عنه به، وحكى البغوي في تفسيره عن الواحدي قال‏:‏ ‏"‏ كل ما في القرآن لعل فهو للتعليل، إلا هذا الحرف فإنه للتشبيه ‏"‏ كذا قال‏:‏ وفي الحصر نظر لأنه قد قيل مثل ذلك في قوله‏:‏ ‏(‏لعلك باخع نفسك‏)‏ وقد قرأ أبي بن كعب ‏"‏ كأنكم تخلدون‏.‏
    وقرأ ابن مسعود ‏"‏ كي تخلدوا ‏"‏ وكأن المراد أن ذلك بزعمهم لأنهم كانوا يستوثقون من البناء ظنا منهم أنها تحصنهم من أمر الله، فكأنهم صنعوا الحجر صنيع من يعتقد أنه يخلد
    (ج8/ ص 635)
    وفي رواية أيوب ‏"‏ فيمسخ الله أباه ضبعا
    قيل‏:‏ الحكمة وفي مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه ولئلا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على إبراهيم‏.‏
    وقيل‏:‏ الحكمة في مسخه ضبعا أن الضبع من أحمق الحيوان، وآزر كان من أحمق البشر، لأنه بعد أن ظهر له من ولده من الآيات البينات أصر على الكفر حتى مات‏.‏
    واقتصر في مسخه على هذا الحيوان لأنه وسط في التشويه بالنسبة إلى ما دونه كالكلب والخنزير وإلى ما فوقه كالأسد مثلا، ولأن إبراهيم بالغ في الخضوع له وخفض الجناح فأبى واستكبر وأصر على الكفر فعومل بصفة الذل يوم القيامة، ولأن للضبع عوجا فأشير إلى أن آزر لم يستقم فيؤمن بل استمر على عوجه في الدين‏.‏
    وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحته فقال بعد أن أخرجه‏:‏ هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد؛ فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيا مع علمه بذلك‏؟‏ وقال غيره‏:‏ هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه‏)‏ انتهى‏.‏
    والجواب عن ذلك أن أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه، فقيل‏:‏ كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركا، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وإسناده صحيح‏.‏
    (ج8/ ص 645)
    وأخرج الطبري من طريق وهب بن منبه قال‏:‏ أمر سليمان الشياطين فعملت له الصرح من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته ووضع سريره فيه فجلس عليه‏.‏
    وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، فلما رأت ذلك بلقيس حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لتخوضه‏.‏
    ومن طريق محمد بن كعب قال‏:‏ سجن سليمان فيه دواب البحر الحيتان والضفادع، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، فأمرها سليمان فاستترت‏.‏
    (ج8/ ص 650)
    روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال‏:‏ من دعا قوما إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم‏.‏
    ولابن أبي حاتم من وجه آخر عن قتادة قال‏:‏ ‏(‏وليحملن أثقالهم‏)‏ أي أوزارهم ‏(‏وأثقالا مع أثقالهم‏)‏ أوزار من أضلوا‏.
    وقال الخليل‏:‏ الضعف بالضم ما كان في الجسد وبالفتح ما كان في العقل‏.‏
    (ج8/ 655)
    إن من العلم أن يقول لما لا يعلم‏:‏ لا أعلم ‏"‏ أي أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدري نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف‏.
    (ج8/ ص 654)
    قوله‏:‏ ‏(‏إلا من ارتضى من رسول‏)‏ فإنه يقتضي اطلاع الرسول على بعض الغيب والولي التابع للرسول عن الرسول يأخذ وبه يكرم، والفرق بينهما أن الرسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها والولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام أو إلهام والله أعلم‏.‏
    ونقل ابن التين عن الداودي أنه أنكر على الطبري دعواه أنه بقي من الدنيا من هجرة المصطفى نصف يوم وهو خمسمائة عام قال‏:‏ وتقوم الساعة ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير الباري تعالى فلا يبقى غير وجهه، فرد عليه بأن وقت الساعة لا يعلمها إلا الله، فالذي قاله مخالف لصريح القرآن والحديث، ثم تعقبه من جهة أخرى وذلك أنه توهم من كلامه أنه ينكر البعث فأقدم على تفكيره وزعم أن كلامه لا يحتمل تأويلا، وليس كما قال بل مراد الطبري أنه يصير الأمر أي بعد فناء المخلوقات كلها على ما كان عليه أولا ثم يقع البعث والحساب، هذا الذي يجب حمل كلامه عليه، وأما إنكاره عليه استخراج وقت الساعة فهو معذور فيه، ويكفي في الرد عليه أن الأمر وقع بخلاف ما قال فقد مضت خمسمائة ثم ثلاثمائة وزيادة، لكن الطبري تمسك بحديث أبي ثعلبة رفعه ‏"‏ لن يعجز هذه الأمة أن يؤخرها الله نصف يوم ‏"‏ الحديث أخرجه أبو داود وغيره، لكنه ليس صريحا في أنها لا تؤخر أكثر من ذلك والله أعلم، وسيأتي ما يتعلق بقدر ما بقي من الدنيا في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى‏.‏
    (ج8/ ص 655)
    يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
    وقال ابن مالك‏:‏ المعروف ‏"‏ بله ‏"‏ اسم فعل بمعنى اترك ناصبا لما يليها بمقتضى المفعولية، واستعماله مصدرا بمعنى الترك مضافا إلى ما يليه، والفتحة في الأولى بنائية وفي الثانية إعرابية، وهو مصدر مهمل الفعل ممنوع الصرف‏.‏
    وقال الأخفش‏:‏ بله هنا مصدر كما تقول ضرب زيد، وندر دخول من عليها زائدة‏.‏
    ووقع في ‏"‏ المغني لابن هشام ‏"‏ أن بله استعملت معربة مجرورة بمن وأنها بمعنى غير ولم يذكر سواه، وفيه نظر لأن ابن التين حكى رواية من بله بفتح الهاء مع وجود من، فعلى هذا فهي مبنية وما مصدرية وهي وصلتها في موضع رفع على الابتداء والخبر هو الجار والمجرور المتقدم ويكون المراد ببله كيف التي يقصد بها الاستبعاد، والمعنى من أين اطلاعكم على هذا القدر الذي تقصر عقول البشر عن الإحاطة به، ودخول من على بله إذا كانت بهذا المعنى جائز كما أشار إليه الشريف في ‏"‏ شرح الحاجبية‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ‏"‏ ولا خطر على قلب بشر دخرا من بله ما أطلعتم ‏"‏ أنها بمعنى غير وذلك بين لمن تأمله، والله أعلم
    (ج8/ ص 660)
    ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ قال عمر‏:‏ ما كانت إلا جاهلية واحدة‏.‏
    فقال له ابن عباس‏.‏
    هل سمعت بأولى إلا ولها آخرة‏؟‏ ومن وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ تكون جاهلية أخرى‏.‏
    ومن وجه آخر عنه قال‏:‏ كانت الجاهلية الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس، وإسناده قوي‏.‏
    ومن حديث عائشة قالت‏:‏ الجاهلية الأولى بين نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف‏.‏
    ومن طريق عامر - وهو الشعبي - قال‏:‏ هي ما بين عيسى ومحمد‏.‏
    وعن مقاتل بن حيان قال‏:‏ الأولى زمان إبراهيم، والأخرى زمان محمد قبل أن يبعث‏.‏
    قلت‏:‏ ولعله أراد الجمع بين ما نقل عن عائشة وعن الشعبي والله أعلم‏.‏
    (ج8/ 663)
    ‏ لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى نسائه أمر أن يخيرهن ‏"‏ الحديث أخرجه الطبري والطحاوي، واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكون القضيتان جميعا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، وسيأتي في ‏"‏ باب من خير نساءه ‏"‏ من كتاب الطلاق بيان الحكم فيمن خيرها زوجها إن شاء الله تعالى‏.‏
    وقال الماوردي‏:‏ اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده‏؟‏ على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال‏:‏ إنه الصحيح‏.‏
    وكذا قال القرطبي‏:‏ اختلف في التخيير هل كان في البقاء والطلاق أو كان بين الدنيا والآخرة انتهى‏.‏
    والذي يظهر الجمع بين القولين، لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخرة فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية‏.‏
    ثم ظهر لي أن محل القولين هل فوض إليهن الطلاق
    الطلاق أم لا‏؟‏ ولهذا أخرج أحمد عن علي قال‏:‏ ‏"‏ لم يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 663)
    روى ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة أنها طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا، فأمر الله نبيه أن يخير نساءه‏:‏ أما عند الله تردن أم الدنيا‏؟‏ فإن ثبت هذا وكانت هي السبب في التخيير فلعل البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كن يسألنه النفقة أصح طريقا منه، وإذا تقرر أن السبب لم يتحد فيها وقدمت في التخيير دل على المراد، لا سيما مع تقديمه لها أيضا في البداءة بها في الدخول عليها‏.‏
    وفيه أن صغر السن مظنة لنقص الرأي، قال العلماء‏:‏ إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تستأمر أبويها خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الشق الآخر، لاحتمال أن لا يكون عندها من الملكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت‏:‏ ‏"‏ قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ‏"‏ ووقع في رواية عمرة عن عائشة في هذه القصة ‏"‏ وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثتي ‏"‏ وهذا شاهل للتأويل المذكور، وفيه منقبة عظيمة لعائشة وبيان كمال عقلها وصحة رأيها مع صغر سنها، وأن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها لسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخبر أحدا من أزواجه بفعلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم لما علم أن الحامل لها على ذلك ما طبع عليه النساء من الغيرة ومحبة الاستبداد دون ضرائرها لم يسعفها بما طلبت من ذلك‏.‏
    (ج8/ ص 665)
    (‏إن هذه الآية ‏(‏وتخفي في نفسك ما الله مبديه‏)‏ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة‏)‏
    وقد أخرجه في التوحيد من وجه آخر عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس‏:‏ لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية ‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏ وكانت تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الحديث‏.‏
    وأخرجه أحمد عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد بهذا الإسناد بلفظ ‏"‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد بن حارثة فجاءه زيد يشكوها إليه، فقال له‏:‏ أمسك عليك زوجك واتق الله، فنزلت إلى قوله‏:‏ ‏(‏زوجناكها‏)‏ قال‏:‏ يعني زينب بنت جحش‏"‏‏.‏
    وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقا واضحا حسنا ولفظه ‏"‏ بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا‏"‏‏.‏
    وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحصين بن علي قال‏:‏ أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه وقال له‏:‏ اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله‏:‏ قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه‏.‏
    وقد أطنب الترمذي الحكيم في تحسين هذه الرواية وقال‏:‏ إنها من جواهر العلم المكنون‏.‏
    وكأنه لم يقف على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقا وأصح إسنادا إليه لضعف علي بن زيد بن جدعان‏.‏
    ( ج8/ ص 667)
    يعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس ‏"‏ لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له ‏"‏ أخرجه الطبري وإسناده حسن، والمواد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحا له لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى‏.‏
    (ج8/ ص 676)
    ‏قال أبو العالية‏:‏ صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء‏)‏ أخرجه ابن أبي حاتم‏.
    وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت‏:‏ يحتمل أن يكون السلام له معنيان التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد لم يضف إليهم دفعا للإبهام‏.‏
    والعلم عند الله‏.‏
    (ج8/ ص 677)
    يقوي المنع بأن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم صار شعارا لأهل الأهواء يصلون على من يعظمونه من أهل البيت وغيرهم‏.‏
    وهل المنع في ذلك حرام أو مكروه أو خلاف الأولى‏؟‏ حكى الأوجه الثلاثة النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ وصحح الثاني‏.‏
    وقد روى إسماعيل بن إسحاق في كتاب ‏"‏ أحكام القرآن ‏"‏ له بإسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب ‏"‏ أما بعد فإن ناسا من الناس التمسوا عمل الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين، ويدعوا ما سوى ذلك ‏"‏ ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح قال‏:‏ ‏"‏ لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار ‏"‏ وذكر أبو ذر أن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل من ليلة الإسراء‏.‏
    (ج8/ ص 685)
    وقال الخطابي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارا لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى أو علم ما سألت عنه من مستقرها تحت العرش في كتاب كتب فيه ابتداء أمور العالم ونهايتها فيقطع دوران الشمس وتستقر عند ذلك ويبطل فعلها، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها‏.‏
    قلت‏:‏ وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 699)
    واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا، والمشهور عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاللته منه‏.‏
    نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعرض صاحب الحق عن حقه ولا يعذب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى ‏(‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏)‏ والله أعلم
    (ج8/ ص 702)
    وأفرد هذا القدر من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب ‏"‏ وله من طريق همام عن أبي هريرة قال ‏"‏ إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة‏.‏
    قالوا‏:‏ أي عظم هو‏؟‏ قال‏:‏ عجب الذنب ‏"‏ وفي حديث أبي سعيد عند الحاكم وأبي يعلى ‏"‏ قيل يا رسول الله ما عجب الذنب‏؟‏ قال‏:‏ مثل حبة خردل ‏"‏ والعجب بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال له ‏"‏ عجم ‏"‏ بالميم أيضا عوض الباء‏.‏
    وهو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع‏.‏
    وفي حديث أبي سعيد الخدري عند ابن أبي الدنيا وأبي داود والحاكم مرفوعا ‏"‏ إنه مثل حبة الخردل ‏"‏ قال ابن الجوزي قال ابن عقيل‏:‏ لله في هذا سر لا يعلمه إلا الله، لأن من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبنى عليه‏.‏
    ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد‏.‏
    وقوله في الحديث ‏"‏ ويبلى كل شيء من الإنسان ‏"‏ يحتمل أن يريد به يفتى أي تعدم أجزاؤه بالكلية، ويحتمل أن يراد به يستحيل فتزول صورته المعهودة فيصير على صفة جسم التراب، ثم يعاد إذا ركبت إلى ما عهد‏.‏
    زعم بعض الشراح أن المراد أنه لا يبلى أي يطول بقاؤه، لا أنه لا يفنى أصلا‏.‏
    والحكمة فيه أنه قاعدة بدء الإنسان وأسه الذي ينبني عليه فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدوم بقاء، وهذا مردود لأنه خلاف الظاهر بغير دليل‏.‏
    وقال العلماء‏:‏ هذا عام يخص منه الأنبياء، لأن الأرض لا تأكل أجسادهم‏.‏
    أخذ بظاهره الجمهور فقالوا‏:‏ لا يبلى عجب الذنب ولا يأكله التراب، وخالف المزني فقال ‏"‏ إلا ‏"‏ هنا بمعنى الواو، أي وعجب الذنب أيضا يبلى‏.‏
    وقد أثبت هذا المعنى الفراء والأخفش فقالوا‏:‏ ترد ‏"‏ إلا ‏"‏ بمعنى الواو‏.‏
    ويرد ما انفرد به المزني التصريح بأن الأرض لا تأكله أبدا كما ذكرته من رواية همام، وقوله في رواية الأعرج ‏"‏ منه خلق ‏"‏ يقتضي أنه أول كل شيء يخلق من الآدمي، ولا يعارضه حديث سلمان ‏"‏ أن أول ما خلق من آدم رأسه ‏"‏ لأنه يجمع بينهما بأن هذا في حق آدم وذاك في حق بنيه، أو المراد بقول سلمان نفخ الروح في آدم لا خلق جسده
    (ج8/ ص 704)
    قد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولا ليس هذا موضع بسطها‏.‏
    وأخرج الطبري من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ الم، وحم، والمص، وص‏:‏ فواتح افتتح بها‏.‏
    وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال‏:‏ فواتح السور كلها ق وص وطسم وغيرها هجاء مقطوع‏.‏
    والإسناد الأول أصح‏.‏
    وأما قوله ‏"‏ ويقال بل هو اسم ‏"‏ فوصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال‏:‏ حم اسم من أسماء القرآن‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ لعله يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء والميم الثانية من ميم، ويحتمل أن يكون عيسى فتح لالتقاء الساكنين‏.‏
    قلت‏:‏ والشاهد الذي أنشد يوافق قراءة عيسى‏.‏
    وقال الطبري‏:‏ الصواب من القراءة عندنا في جميع حروف فواتح السور السكون لأنها حروف هجاء لا أسماء مسميات‏.‏
    وروى ابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال ‏"‏ص‏"‏ وأشباهها قسم، أقسم الله بها، وهو من أسماء الله‏.‏
    حم جمع على حواميم قال أبو عبيدة على غير قياس‏.‏
    وقال الفراء ليس هذا الجمع من كلام العرب‏.
    .....
    ( ج8/ ص 707)
    وقال السهيلي في أماليه‏:‏ قيل إن البخاري وقع له في أي من القرآن وهم، فإن كان هذا منها وإلا فهي قراءة بلغته، وجهه أعطيا الطاعة كما يقال فلان يعطى الطاعة لفلان، قال‏:‏ وقد قرئ ‏"‏ ثم سئلوا الفتنة لآتوها ‏"‏ بالمد والقصر، والفتنة ضد الطاعة‏.‏
    وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى انتهى وجوز بعض المفسرين أن آتينا بالمد بمعنى الموافقة، وبه جزم الزمخشري‏.‏
    فعلى هذا يكون المحذوف مفعولا واحدا والتقدير‏:‏ لتوافق كل منكما الأخرى، قالتا توافقنا‏.‏
    وعلى الأول يكون قد حذف مفعولان والتقدير‏:‏ أعطيا من أمركما الطاعة من أنفسكما قالتا أعطيناه الطاعة‏.‏
    وهو أرجح لثبوته صريحا عن ترجمان القرآن‏.‏
    (ج8/ ص 709)
    نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه، ومن جملة ما وقع سؤاله عنه صريحا ما أخرجه الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة قال ‏"‏ سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى ‏(‏هذا يوم لا ينطقون - ولا تسمع إلا همسا‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - وهاؤم اقرءوا كتابيه‏)‏ الحديث بهذه القصة حسب، وهي إحدى القصص المسئول عنها في حديث الباب‏.‏
    وروى الطبراني من حديث الضحاك بن مزاحم قال ‏"‏ قدم نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج مكة ‏"‏ فإذا هم بابن عباس قاعدا قريبا من زمزم والناس قياما يسألونه، فقال له نافع بن الأزرق‏:‏ أتيتك لأسألك، فسأله عن أشياء كثيرة من التفسير، ساقها في ورقتين‏.‏
    زاد عبد الرزاق في رواية عن معمر عن رجل عن المنهال بسنده ‏"‏ فقال ابن عباس‏:‏ ما هو، أشك في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ ليس بشك ولكنه اختلاف، فقال‏:‏ هات ما اختلف عليك من ذلك، قال‏:‏ أسمع الله يقول‏.‏
    وحاصل ما وقع السؤال في حديث الباب أربعة مواضع‏:‏ الأول نفي المسائلة يوم القيامة وإثباتها، الثاني كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه، الثالث خلق السماوات والأرض أيهما تقدم، الرابع الإتيان بحرف ‏"‏ كان ‏"‏ الدال على الماضي مع أن الصفة لازمة‏.‏
    وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم خلق السماء فسواها في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين فتلك أربعة أيام للأرض، فهذا الذي جمع به ابن عباس بين قوله تعالى في هذه الآية وبين قوله‏:‏ ‏(‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ هو المعتمد،
    (ج8/ 710)
    "‏ وقال لي محمد بن إبراهيم الأردستاني قال‏:‏ شاهدت نسخة من كتاب البخاري في هامشها ‏"‏ حدثنيه محمد بن إبراهيم حدثنا يوسف بن عدي ‏"‏ قال البرقاني‏:‏ ويحتمل أن يكون هذا من صنيع من سمعه من البوشنجي فإن اسمه محمد بن إبراهيم، قال‏:‏ ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيد الله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة حديثا مسندا سواه، وفي مغايرة البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بهذا الاصطلاح وأن ما يورده بهذه الكيفية ليس على شرط صحيحه وخرج على من يغير هذه الصيغة المصطلح عليها إذا أخرج منه شيئا على هذه الكيفية‏.‏
    فزعم بعض الشراح أن البخاري سمعه أولا مرسلا وآخرا مسندا فنقله كما سمعه، وهذا بعيد جدا، وقد وجدت للحديث طريقا أخرى أخرجها الطبري من رواية مطرف من طريق عن المنهال بن عمرو بتمامه، فشيخ معمر المبهم يحتمل أن يكون مطرفا أو زيد بن أبي أنيسة أو ثالثا‏.‏
    (ج8/ ص 717)
    سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعا فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم‏؟‏ الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح‏.
    عن عكرمة في سبب نزول صلى الله عليه وسلم 0 وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسرين واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبراني وابن أبي حاتم، وإسناده واه فيه ضعيف ورافضي‏.‏
    وذكر الزمخشري هنا أحاديث ظاهر وضعها، ورده الزجاج بما صح عن ابن عباس من رواية طاوس في حديث الباب، وبما نقله الشعبي عنه، وهو المعتمد‏.
    ....
    (ج8/ ص 725)
    وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال‏:‏ قالت عائشة كان تبع رجلا صالحا‏.‏
    قال معمر وأخبرني تميم بن عبد الرحمن أنه سمع سعيد بن جبير يقول إنه كسا البيت، ونهى عن سبه‏.‏
    وقال عبد الرزاق أنبأنا بكار بن عبد الرحمن سمعت وهب بن منبه يقول ‏"‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد وهو تبع ‏"‏ قال وهب‏:‏ وكان على دين إبراهيم‏.‏
    وروى أحمد من حديث سهل بن سعد رفعه ‏"‏ لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ‏"‏ وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مثله وإسناده أصلح من إسناد سهل‏.‏
    وأما ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ لا أدري تبعا كان لعينا أم لا ‏"‏ وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم والدار قطني وقال تفرد به عبد الرزاق، فالجمع بينه وبين ما قبله أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بحاله بعد أن كان لا يعلمها، فلذلك نهى عن سبه خشية أن يبادر إلى سبه من سمع الكلام الأول
    (ج8/ 750)
    وروى أحمد وأبو داود من طريق الشعبي حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال ‏"‏ فينا نزلت ‏(‏ولا تنابزوا بالألقاب‏)‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله لقبان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا‏:‏ إنه يغضب منه، فنزلت‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 753)
    الذي يختص بهم قوله‏:‏ ‏(‏إن الذين ينادونك من وراء الحجرات‏)‏ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ‏"‏ إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فقال‏:‏ يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ذاك الله عز وجل، ونزلت‏"‏‏.
    (ج8/ ص 754)
    "‏ وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا بكر ‏"‏ وفيه تعقب على من عد في الخصائص النبوية أن أولاد بنته ينسبون إليه لقوله ‏"‏ إن ابني هذا سيد ‏"‏ وقد أنكره القفال على ابن القاص وعده القضاعي فيما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء، وفيه نظر فقد احتج بن يحيى بن يعمر بأن عيسى نسب إلى إبراهيم وهو ابن بنته، وهو استدلال صحيح، وإطلاق الأب على الجد مشهور، وهو مذهب أبي بكر الصديق
    (ج8/ ص 758)
    ‏حاديث الباب حيث قال فيه ‏"‏ ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار ‏"‏ فذكر الحديث وقال فيه ‏"‏ ولا يظلم الله من خلقه أحدا ‏"‏ فإن فيه إشارة إلى أن الجنة يقع امتلاؤها بمن ينشئوهم الله لأجل ملئها، وأما النار فلا ينشئ لها خلقا بل يفعل فيها شيئا عبر عنه بما ذكر يقتضي لها أن ينضم بعضها إلى بعض فتصير ملأى ولا تحتمل مزيدا، وفيه دلالة على أن الثواب ليس موقوفا على العمل بل ينعم الله بالجنة على من لم يعمل خيرا قط كما في الأطفال‏.‏
    قال النووي‏:‏ هذا الحديث على ظاهره، وإن الله يخلق في الجنة والنار تمييزا يدركان به ويقدران على المراجعة والاحتجاج، ويحتمل أن يكون بلسان الحال
    (ج8/ ص 766)
    وذكر ابن إسحاق في السيرة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس‏:‏ أن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة قال قائل منهم‏:‏ احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء، فإنما هو واحد منهم‏.‏
    فأنزل الله تعالى ‏(‏أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون‏)‏ وهذا كله يؤيد قول الأصمعي‏:‏ أن المنون واحد لا جمع له، ويبعد قول الأخفش أنه جمع لا واحد له‏.‏
    وأما قول الداودي‏:‏ أن المنون جمع منية فغير معروف، مع بعده من الاشتقاق‏

  10. #190
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    (ج8/ ص 769)
    وقال أبو حنيفة الدينوري في ‏"‏ كتاب الأنواء ‏"‏‏:‏ الغدرة والشعري العبور والجوزاء في نسق واحد وهن نجوم مشهورة، قال‏:‏ وللشعري ثلاثة أزمان إذا رؤيت غدوة طالعة فذاك صميم الحر، وإذا رؤيت عشاء طالعة فذاك صميم البرد، ولها زمان ثالث وهو وقت نوئها‏.‏
    وأحد كوكبي الذراع المقبوضة هي الشعري الغميصاء وهي تقابل الشعري العبور والمجرة بينهما، ويقال لكوكبها الآخر الشمالي المرزم مرزم الذراع، وهما مرزمان هذا وآخر في الجوزاء، وكانت العرب تقول انحدر سهيل فصار يمانيا فتبعته الشعري فعبرت إليه المجرة وأقامت الغميصاء فبكت عليه حتى غمصت عينها والشعريان الغميصاء والعبور يطلعان معا‏.‏
    وقال ابن التين‏:‏ المرزم بكسر الميم وسكون الراء وفتح الزاي نجم يقابل الشعري من جهة القبلة لا يفارقها وهو الهنعة‏.‏
    (ج8/ ص 773)
    قال النووي تبعا لغيره‏:‏ لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها لذكرته، وإذا اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقا والمراد بالإدراك في الآية الإحاطة، وذلك لا ينافي الرؤية‏.‏
    انتهي‏.‏
    وجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة فإنه قال في كتاب التوحيد من صحيحه‏:‏ النفي لا يوجب علما، ولم تحك عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أنه لم ير ربه، وإنما تأولت الآية‏.‏
    انتهى‏.‏
    وقال عياض‏:‏ رؤية الله سبحانه وتعالى جائزة عقلا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فقال مالك‏:‏ إنما لم ير سبحانه في الدنيا لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي‏.‏
    قال عياض‏:‏ وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلا من حيث القدرة، فإذا قدر الله من شاء من عباده عليها لم يمتنع‏.‏
    قلت‏:‏ ووقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه ‏"‏ واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ‏"‏ وأخرجه ابن خزيمة أيضا من حديث أبي أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلا فقد امتنعت سمعا، لكن من أثبتها للنبي صلى الله عليه وسلم له أن يقول إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه‏.‏
    وقد اختلف السلف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه فذهبت عائشة وابن مسعود إلى إنكارها، واختلف عن أبي ذر، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدا رأى ربه‏.‏
    وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب الأحبار والزهري وصاحبه معمر وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه‏.‏
    ثم اختلفوا هل رآه بعينه أو بقلبه‏؟‏ وعن أحمد كالقولين‏.‏
    قلت‏:‏ جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح وصححه الحاكم أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال‏:‏ أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد‏؟‏ وأخرجه ابن خزيمة بلفظ ‏"‏ إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ‏"‏ الحديث‏.‏
    وأخرج ابن إسحاق من طريق عبد الله بن أبي سلمة أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس‏:‏ هل رأى محمد ربه‏؟‏ فأرسل إليه أن نعم‏.‏
    ومنها ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى ‏(‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏)‏ ‏(‏ولقد رآه نزلة أخرى‏)‏ قال‏:‏ رأي ربه بفؤاده مرتين‏.‏
    على هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب‏.‏
    ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله على الدوام‏.‏
    بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا، ولو جرت العادة بخلقها في العين، وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال ‏"‏ رأى محمد ربه‏"‏، وعند مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال ‏"‏ نور أني أراه ‏"‏ ولأحمد عنه، قال ‏"‏ رأيت نورا ‏"‏ ولابن خزيمة عنه قال ‏"‏ رآه بقلبه ولم يره بعينه‏"‏‏.‏
    قد أنكر صاحب ‏"‏ الهدى ‏"‏ على من زعم أن أحمد قال رأى ربه بعيني رأسه قال‏:‏ وإنما قال مرة رأى محمد ربه وقال مرة بفؤاده‏.‏
    وحكى عنه بعض المتأخرين رآه بعيني رأسه وهذا من تصرف الحاكي، فإن نصوصه موجودة‏.‏
    ثم قال ينبغي أن يعلم الفرق بين قولهم كان الإسراء مناما وبين قولهم كان بروحه دون جسده فإن بينهما فرقا، فإن الذي يراه النائم قد يكون حقيقة بأن تصعد الروح مثلا إلى السماء، وقد يكون من ضرب المثل أن يرى النائم ذلك وروحه لم تصعد أصلا، فيحتمل من قال أسرى بروحه ولم يصعد جسده أراد أن روحه عرج بها حقيقة فصعدت ثم رجعت وجسده باق في مكانه خرقا للعادة، كما أنه في تلك الليلة شق صدره والتأم وهو حي يقظان لا يجد بذلك ألما انتهى‏.‏
    وظاهر الأخبار الواردة في الإسراء تأبى الحمل على ذلك، بل أسرى بجسده وروحه وعرج بهما حقيقة في اليقظة لا مناما ولا استغراقا، والله أعلم‏.‏
    وأنكر صاحب ‏"‏ الهدى ‏"‏ أيضا على من زعم أن الإسراء تعدد واستند إلى استبعاد أن يتكرر قوله ‏"‏ ففرض عليه خمسين صلاة وطلب التخفيف ‏"‏ إلى آخر القصة فإن دعوى التعدد تستلزم أن قوله تعالى ‏"‏ أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ‏"‏ أن فرضية الخمسين وقعت بعد أن وقع التخفيف، ثم وقع سؤال التخفيف والإجابة إليه وأعيد ‏"‏ أمضيت فريضتي ‏"‏ إلى آخره، انتهى‏.‏
    وما أظن أحدا ممن قال بالتعدد يلتزم إعادة مثل ذلك يقظة، بل يجوز وقوع مثل ذلك مناما ثم وجوده يقظة كما في قصة المبعث، وقد تقدم تقريرها‏.‏
    (ج8/ ص 780)
    قال الزجاج‏:‏ خاطب الله العرب بما ألفوا، والمعنى فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه لا تردد عنده‏.‏
    (8/ ص 778)
    عن ابن عباس ولفظه فيه زيادة ‏"‏ كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه ‏"‏ واختلف في اسم هذا الرجل، فروى الفاكهي من طريق مجاهد قال ‏"‏ كان رحل في الجاهلية على صخرة بالطائف وعليها له غنم، فكان يسلو من رسلها ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيسا ويطعم من يمر به من الناس، فلما مات عبدوه ‏"‏ وكان مجاهد يقرأ اللات مشددة‏.‏
    وحكى السهيلي أنه عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، قال ويقال هو عمرو بن لحي وهو ربيعة بن حارثة وهو والد خزاعة انتهى‏.‏
    وحرف بعض الشراح كلام السهيلي وظن أن ربيعة بن حارثة قول آخر في اسم اللات، وليس كذلك، وإنما ربيعة بن حارثة اسم لحي فيما قيل، والصحيح أن اللات غير عمرو بن لحي، فقد أخرج الفاكهي من وجه آخر عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي‏:‏ إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتا‏.‏
    قال هشام بن الكلبي‏:‏ كانت مناة أقدم من اللات فهدمها علي عام الفتح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت اللات أحدث من مناة فهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلمت ثقيف، وكانت العزى أحدث من اللات وكان الذي اتخذها ظالم بن سعد بوادي نخلة فوق ذات عرق فهدمها خالد بن الوليد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح‏.‏
    (ج8/ ص 779)
    وقال ابن العربي‏:‏ من حلف بها جادا فهو كافر، ومن قالها جاهلا أو ذاهلا يقول لا اله إلا الله يكفر الله عنه ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر ولسانه إلى الحق وينفي عنه ما جرى به من اللغو‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق‏)‏ قال الخطابي‏:‏ أي بالمال الذي كان يريد أن يقامر به، وقيل بصدقة ما لتكفر عنه القول الذي جرى على لسانه‏.‏
    قال النووي‏:‏ وهذا هو الصواب، وعليه يدل ما في رواية مسلم ‏"‏ فليتصدق بشيء ‏"‏ وزعم بعض الحنفية أنه يلزمه كفارة يمين، وفيه ما فيه‏.‏
    قال عياض‏:‏ في هذا الحديث حجة للجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبا يكتب عليه، بخلاف الخاطر الذي لا يستمر‏.‏
    قلت‏:‏ ولا أدري من أين أخذ ذلك مع التصريح في هذا الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله ‏"‏ تعال أقامرك ‏"‏ فدعاه إلى المعصية، والقمار حرام باتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزم مجرد‏.
    (ج8/ 782)
    قال عبد الله بن مسعود‏:‏ فلقد رأيته بعد قتل كافرا‏"‏‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏وهو أمية بن خلف‏)‏ لم يقع ذلك في رواية شعبة، وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند الإسماعيلي وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة قال‏:‏ وقيل سعيد بن العاص بن أمية، قال وقال بعضهم كلاهما جميعا، وجزم ابن بطال في ‏"‏ باب سجود القرآن ‏"‏ بأنه الوليد، وهو عجيب منه مع وجود التصريح بأنه أمية بن خلف ولم يقتل ببدر كافرا من الذين سموا عنده غيره‏.‏
    ووقع في تفسير ابن حبان أنه أبو لهب، وفي ‏"‏ شرح الأحكام لابن بزيزة ‏"‏ أنه منافق،
    ( ج8/ ص 784)
    وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة قال ‏"‏ أبقى الله السفينة في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة نظرا، وكم من سفينة بعدها فصارت رمادا‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 790)
    والنبط بفتح النون والموحدة ثم طاء مهملة هم أهل الفلاحة من الأعاجم؛ وكانت أماكنهم بسواد العراق والبطائح، وأكثر ما يطلق على أهل الفلاحة، ولهم فيها معارف اختصوا بها، وقد جمع أحمد بن وحشية في ‏"‏ كتاب الفلاحة ‏"‏ من ذلك أشياء عجيبة‏.‏
    (ج8/ ص 792)
    قلت‏:‏ بل نقل البخاري هذا الكلام من كلام الفراء ملخصا ولفظه‏:‏ قوله تعالى ‏(‏فيهما فاكهة ونخل ورمان‏)‏ قال بعض المفسرين‏:‏ ليس الرمان ولا النخل من الفاكهة، قال‏:‏ وقد ذهبوا في ذلك مذهبا‏.‏
    قلت‏:‏ فنسبه الفراء لبعض المفسرين وأشار إلى توجيهه ثم قال‏:‏ ولكن العرب تجعل ذلك فاكهة، وإنما ذكرا بعد الفاكهة كقوله تعالى ‏(‏حافظوا على الصلوات والصلاة إلخ‏)‏ والحاصل أنه من عطف الخاص على العام كما في المثالين اللذين ذكرهما‏.‏
    واعترض بأن قوله هنا فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا عموم، وأجيب بأنها سيقت في مقام الامتنان فتعم، أو المراد بالعام هنا ما كان شاملا لما ذكر بعده‏.‏
    وقد وهم بعض من تكلم على البخاري فنسب البخاري للوهم، وما علم أنه تبع في ذلك كلام إمام من أئمة اللسان العربي‏.‏
    وقد وقع لصاحب ‏"‏ الكشاف ‏"‏ نحو ما وقع للفراء وهو من أئمة الفن البلاغي فقال‏:‏ فإن قلت لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها‏؟‏ قلت‏:‏ اختصاصا وبيانا لفضلهما كأنهما - لما كان لهما من المزية - جنسان آخران كقوله‏:‏ ‏(‏وجبريل وميكال‏)‏ بعد الملائكة‏.‏
    (ج8/ ص 805)
    وقع مفسرا في رواية الطبراني، وقد نسبته في المناقب إلى تخريج أبي البختري الطائي في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأبو البختري لا يوثق به‏.‏
    (ج8/ ص 806)
    وقال الخطابي‏:‏ إطلاق العجب على الله محال ومعناه الرضا، فكأنه قال إن ذلك الصنيع حل من الرضا عند الله حلول العجب عندكم، قال‏:‏ وقد يكون المراد بالعجب هنا أن الله يعجب ملائكته من صنيعهما لندور ما وقع منهما في العادة‏.‏
    قال وقال أبو عبد الله‏:‏ معنى الضحك هنا الرحمة‏.‏
    قلت‏:‏ ولم أر ذلك النسخ التي وقعت لنا من البخاري، قال الخطابي‏:‏ وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة، لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا فإنهم يوصفون بالبشر عند السؤال‏.‏
    لت‏:‏ الرضا من الله يستلزم الرحمة وهو لازمه، والله أعلم‏.‏
    (ج8/ ص 809)
    وقال ابن الجوزي‏:‏ ليس هذا على الاستقبال، وإنما هو على الماضي، تقديره اعملوا ما شئتم أي عمل كان لكم فقد غفر، قال‏:‏ لأنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر لكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقا في الذنوب ولا يصح، ويبطله أن القوم خافوا من العقوبة بعد حتى كان عمر يقول‏:‏ يا حذيفة، بالله هل أنا منهم‏؟‏ وتعقبه القرطبي بأن ‏"‏ اعملوا ‏"‏ صيغة أمر وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب صيغة الأمر للماضي لا بقرينة ولا بغيرها لأنهما بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله ‏"‏اعملوا ما شئتم ‏"‏ يحمل على طلب الفعل، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي، ولا يمكن أن يحمل على الإيجاب فتعين للإباحة‏.‏
    قال‏:‏ وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه‏.‏
    وقد أظهر الله صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريق المثلي‏.‏
    ويعلم ذلك من أحوالهم بالقطع من اطلع على سيرهم انتهى‏
    (ج8/ ص 810)
    واستدل باستئذان عمر على قتل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس ولو كان مسلما وهو قول مالك ومن وافقه، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أقر عمر على إرادة القتل لولا المانع، وبين المانع هو كون حاطب شهد بدرا، وهذا منتف من غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعا من قتله لما علل بأخص منه‏.‏
    وقد بين سياق على أن هذه الزيادة مدرجة‏.‏
    وأخرجه مسلم أيضا عن إسحاق بن راهويه عن سفيان وبين أن تلاوة الآية من قول سفيان‏.‏
    ووقع عند الطبري من طريق أخرى عن على الجزم بذلك، لكنه من أحد رواة الحديث حبيب بن أبي ثابت الكوفي أحد التابعين، وبه جزم إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر عن عروة في هذه القصة، وكذا جزم به معمر عن الزهري عن عروة‏.‏
    (ج8/ ص 819)
    (‏من أبناء فارس‏)‏ قيل إنهم من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام بن نوح وأنه ولد بضعة عشر رجلا كلهم كان فارسا شجاعا فسموا الفرس للفروسية، وقيل في نسبهم أقوال أخرى‏.‏
    وقال صاعد في الطبقات كان أولهم على دين نوح، ثم دخلوا في دين الص
    دين الصابئة في زمن طمهورث فداموا على ذلك أكثر من ألفي سنة، ثم تمجسوا على يد زرادشت‏.‏
    وقد أطنب أبو نعيم في أول ‏"‏ تاريخ أصبهان ‏"‏ في تخريج طرق هذا الحديث، أعني حديث ‏"‏ لو كان الدين عند الثريا ‏"‏ ووقع في بعض طرقه عند أحمد بلفظ ‏"‏ لو كان العلم عند الثريا ‏"‏ وفي بعض طرقه عند أبي نعيم عن أبي هريرة أن ذلك عند نزول قوله تعالى ‏(‏وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم‏)‏ ويحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كل من الآيتين‏.‏
    وقد أخرج مسلم الحديث مجردا عن السب من رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس حتى يتناولوه‏"‏، و
    من طريق أخرى من هذا الوجه فزاد فيه ‏"‏ يتبعون سنتي، ويكثرون الصلاة علي ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ وقع ما قاله صلى الله عليه وسلم عيانا، فإنه وجد منهم من اشتهر ذكره من حفاظ الآثار والعناية بها ما لم يشاركهم فيه كثير من أحد غيرهم‏.‏
    واختلف أهل النسب في أصل فارس فقيل إنهم ينتهي نسبهم إلى جيومرت وهو آدم، وقيل إنه من ولد يافث بن نوح، وقيل من ذرية لاوي ابن سام بن نوح، وقيل هو فارس بن ياسور بن سام، وقيل هو من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام، وقيل إنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والأول أشهر الأقوال عندهم، والذي يليه أرجحها عند غيرهم
    (ج8/ ص 828)
    في مرسل قتادة ‏"‏ فقال رجل منهم عظيم النفاق‏:‏ ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل‏:‏ سمن كلبك يأكلك ‏"‏ وعند ابن إسحاق‏:‏ فقال عبد الله بن أبي أقد فعلوها‏؟‏ نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلاليب قريش هذه إلا كما قال القائل‏:‏ سمن كلبك يأكلك‏.‏
    (ج8/ ص 829)
    وكانت وقعة الحرة في سنة ثلاث وستين، وسببها أن أهل المدينة خلعوا بيعة يزيد ابن معاوية لما بلغهم ما يتعمده من الفساد فأمر الأنصار عليهم عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر وأمر المهاجرون عليهم عبد الله بن مطيع العدوي، وأرسل إليهم يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش كثير فهزمهم واستباحوا المدينة وقتلوا ابن حنظلة وقتل من الأنصار شيء كثير جدا، وكان أنس يومئذ بالبصرة فبلغه ذلك فحزن على من أصيب من الأنصار، فكتب إليه زيد بن أرقم وكان يومئذ بالكوفة يسليه، ومحصل ذلك أن الذي يصير إلى مغفرة الله لا يشتد الحزن عليه، فكان ذلك تعزية لأنس فيهم‏.‏
    واه النضر بن أنس عن زيد بن أرقم مرفوعا ‏"‏ اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ‏"‏ أخرجه مسلم من طريق قتادة عنه من غير شك‏.‏
    وللترمذي من رواية علي بن زيد عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم أنه كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة، فكتب إليه‏:‏ إني أبشرك ببشرى من الله أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم‏"‏‏.‏
    (ج8/ ص 830)
    وقع في رواية الإسماعيلي في آخر هذا الحديث من رواية محمد بن فليح عن موسى بن عقبة ‏"‏ قال ابن شهاب سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب‏:‏ لئن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فقال زيد‏:‏ قد والله صدق، ولأنت شر من الحمار‏.‏
    ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله ‏(‏يحلفون بالله ما قالوا‏)‏ الآية، فكان مما أنزل الله في هذه الآية تصديقا لزيد انتهى‏.‏
    وهذا مرسل جيد‏.‏
    (ج8/ ص 836)
    وقد أخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق مسروق قال‏:‏ بلغ ابن مسعود أن عليا يقول تعتد آخر الأجلين، فقال‏:‏ من شاء لاعنته أن التي في النساء القصرى أنزلت بعد سورة البقرة، ثم قرأ ‏(‏وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن‏)‏ وعرف بهذا مراده بسورة النساء القصرى، وفيه جواز وصف السورة بذلك‏.‏
    وحكى ابن التين عن الداودي قال‏:‏ لا أرى قوله ‏"‏ القصرى ‏"‏ محفوظا ولا يقال في سور القرآن قصرى ولا صغرى انتهى‏.‏
    وهو رد للأخبار الثابتة بلا مستند، والقصر والطول أمر نسبي،
    (ج8/ ص 837)
    ‏في الحرام يكفر‏)‏ أي إذا قال لامرأته أنت علي حرام لا تطلق وعليه كفارة يمين‏.‏
    وفي رواية معاوية المذكورة ‏"‏ إذا حرم امرأته ليس بشي
    ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال ‏"‏ حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة لا يقرب أمته وقال‏:‏ هي علي حرام‏.‏
    فنزلت الكفارة ليمينه، وأمر أن لا يحرم ما أحل الله ‏"‏
    (ج8/ ص 845)
    عتل بعد ذلك زنيم‏)‏ اختلف في الذي نزلت فيه، فقيل‏:‏ هو الوليد بن المغيرة وذكره يحيى بن سلام في تفسيره، وقيل‏:‏ الأسود بن عبد يغوث ذكره سنيد بن داود في تفسيره، وقبل الأخنس بن شريق وذكره السهيلي عن القتيبي، وحكى هذين القولين الطبري فقال‏:‏ يقال‏:‏ هو الأخنس، وزعم قوم أنه الأسود وليس به، وأبعد من قال إنه عبد الرحمن بن الأسود فإنه يصغر عن ذلك، وقد أسلم وذكر في الصحابة‏.‏
    (ج8/ ص 852)
    وذكر السهيلي في ‏"‏ التعريف ‏"‏ أن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما قيل، وكذلك سواع وما بعده وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته تمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوها بتدريج الشيطان لهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية، ولا أدري من أين سرت لهم تلك الأسماء‏؟‏ من قبل الهند فقد قيل إنهم كانوا المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح، أم الشيطان ألهم العرب ذلك انتهى‏.‏
    وما ذكر مما نقله تلقاه من ‏"‏ تفسير بقي بن مخلد فإنه ذكر فيه نحو ذلك على ما نبه عليه ابن عسكر في ذيله، وفيه أن تلك الأسماء وقعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي، وعن عروة بن الزبير أنهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ود أكبرهم وأبرهم به، وهكذا أخرجه عمر بن شبة في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ من طريق محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ كان لآدم خمس بنين فسماهم قال‏:‏ وكانوا عبادا‏.‏
    فمات رجل منهم فحزنوا عليه‏.‏
    فجاء الشيطان فصوره لهم ثم قال للآخر إلى آخر القصة، وفيها‏:‏ فعبدوها حتى بعث الله نوحا‏.‏
    ومن طريق أخرى أن الذي صوره لهم رجل من ولد قابيل بن آدم‏.‏
    وقد أخرج الفاكهي من طريق ابن الكلبي قال‏:‏ كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن، فأتاه فقال‏:‏ أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة‏.‏
    (ج8/ ص 856)
    اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا‏؟‏ فيصح على هذا قول من قال‏:‏ إن الفرض أولا كان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى ‏{‏فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏}‏ ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، فتكون قصة الجن متقدمة من أول المبعث‏.‏
    وهذا الموضع مما لم ينبه عليه أحد ممن وقفت على كلامهم في شرح هذا الحديث‏.‏
    (ج8/ ص 857)
    وقال بعضهم‏:‏ لم تزل الشهب يرمي بها مد كانت الدنيا، واحتجوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك قال‏:‏ وهذا مروى عن ابن عباس والزهري، ورفع فيه ابن عباس حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزهري لمن اعترض عليه بقوله ‏{‏فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا‏}‏ قال‏:‏ غلظ أمرها وشدد انتهى‏.‏
    وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه مسلم من طريق الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن رجال من الأنصار قالوا ‏"‏ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ رمى بنجم فاستنار، فقال‏:‏ ما كنتم تقولون لهذا إذا رمى به في الجاهلية ‏"‏‏؟‏ الحديث‏.‏
    وأخرجه عبد الرزاق عن معمر قال‏:‏ سئل الزهري عن النجوم أكان يرمي بها في الجاهلية‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ولكنه إذ جاء الإسلام غلظ وشدد‏.‏
    وهذا جمع حسن‏.‏
    ومحتمل أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا رمى بها في الجاهلية ‏"‏ أي جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث ثلاث عشرة سنة‏.‏
    وقال السهيلي‏:‏ لم يزل القذف بالنجوم قديما، وهو موجود في أشعار قدماء الجاهلية كأوس بن حجر وبشر بن أبي حازم وغيرهما‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ يجمع بأنها لم تكن يرمي بها قبل المبعث رميا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت ترمى تارة ولا ترمى أخرى، وترمي من جانب ولا ترمي من جميع الجوانب، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى ‏{‏ويقذفون من كل جانب دحورا‏}‏ انتهى‏.‏
    ثم وجدت عن وهب بن منبه ما يرفع الإشكال ويجمع بين مختلف الأخبار قال‏:‏ كان إبليس يصعد إلى السماوات كلهن يتقلب فيهن كيف شاء لا يمنع منذ أخرج آدم إلى أن رفع عيسى، فحجب حينئذ من أربع سماوات، فلما بعث نبينا حجب من الثلاث فصار يسترق السمع هو وجنوده ويقذفون بالكواكب‏.‏
    ويؤيده ما روى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث محمد حرست حرسا شديدا ورجمت الشياطين، فأنكروا ذلك‏.‏
    ومن طريق السدي قال‏:‏ إن السماء لم تكن تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين ظاهر، وكانت الشياطين قد اتخذت مقاعد يسمعون فيها ما يحدث، فلما بعث محمد رجموا‏.‏
    فإن قيل إذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهدها الآن يرمى بها‏؟‏ فالجواب يؤخذ من حديث الزهري المتقدم، ففيه عند مسلم قالوا‏:‏ كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا أخبر أهل السماوات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا فيخطف الجن السمع فيقذفون به إلى أوليائهم‏.‏
    هذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا إن اختطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه فاتت وإلا سمعوها وتداولوها، وهذا يرد على قول السهيلي المقدم
    (ج8/ ص 861)
    ن الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما ظهر منه من الشر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم كونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث من جهتها‏.‏
    ومع ذلك فغلب عليهم ما قضى لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة سحرة فرعون
    (ج8/ ص 862)
    وجاء عن ابن عباس أنه بالحبشية، أخرجه ابن جرير من طريق يوسف بن مهران عنه قال‏:‏ القسورة الأسد بالعربية، وبالفارسية شير، وبالحبشية قسورة‏.‏
    وأخرج الفراء من طريق عكرمة أنه قيل له‏:‏ القسورة بالحبشية الأسد، فقال‏:‏ القسورة الرماة والأسد بالحبشية عنبسة‏.‏
    (ج8/ ص 892)
    اختلاف أحوال المولود منذ يكون جنينا إلى أن يصير إلى أقصى العمر، فهو قبل أن يولد جنين، ثم إذا ولد صبي، فإذا فطم غلام، فإذا بلغ سبعا يافع، فإذا بلغ عشرا حزور، فإذا بلغ خمس عشرة قمد، فإذا بلغ خمسا وعشرين عنطنط، فإذا بلغ ثلاثين صمل، فإذا بلغ أربعين كهل، فإذا بلغ خمسين شيخ، فإذا بلغ ثمانين هم، فإذا بلغ تسعين فإن
    (ج8/ ص 896)
    وأصح هذه الأقوال الأول أن إرم اسم القبيلة وهم إرم بن سام بن نوح، وعاد هم بنو عاد بن عوص بن إرم، وميزت عاد بالإضافة لإرم عن عاد الأخيرة، وقد تقدم في تفسير الأحقاف أن عادا قبيلتان، ويؤيده قوله تعالى

    (ج8/ ص 907)
    ‏(‏باب ما ودعك ربك وما قلى‏)‏ سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، وذكر في سبب نزولها حديث جندب، وأن ذلك سبب شكواه صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت في صلاة الليل أن الشكوى المذكورة لم ترد بعينها، وأن من فسرها بأصبعه التي دميت لم يصب‏.‏
    ووجدت الآن في الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو كلب تحت سريره صلى الله عليه وسلم لم يشعر به فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ، مردود بما في الصحيح والله أعلم‏.‏
    وورد لذلك سبب ثالث وهو ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال ‏"‏ لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك فقالوا‏:‏ ودعه ربه وقلاه‏.‏
    (ج8/ ص 912)
    (‏وقال قتيبة حدثنا حماد عن يحيى بن عتيق عن الحسن قال‏:‏ اكتب في المصحف في أول الإمام بسم الله الرحمن الرحيم واجعل بين السورتين خطا
    وقوله ‏"‏في أول الإمام ‏"‏ أي أم الكتاب، وقوله ‏"‏خطا ‏"‏ قال الداودي إن أراد خطا فقط بغير بسملة فليس بصواب لاتفاق الصحابة على كتابة البسملة بين كل سورتين إلا براءة وإن أراد بالإمام إمام كل سورة فيجعل الخط مع البسملة فحسن فكان ينبغي أن يستثنى براءة‏.
    قلت‏:‏ المنقول ذلك عن حمزة في القراءة لا في الكتابة، قال‏:‏ وكأن البخاري أشار إلى أن هذه السورة لما كان أولها مبتدأ بقوله تعالى ‏(‏اقرأ باسم ربك‏)‏ أراد أن يبين أنه لا تجب البسملة في أول كل سورة‏.‏
    بل من قرأ البسملة في أول القرآن كفاه في امتثال هذا الأمر‏.‏
    نعم استنبط السهيلي من هذا الأمر ثبوت البسملة في أول الفاتحة لأن هذا الأمر هو أول شيء نزل من القرآن فأولى مواضع امتثاله أول القرآن‏.‏
    (ج8/ ص 915)
    أنه صلى الله عليه وسلم هل كان قبل أن يوحي إليه متعبدا بشريعة نبي قبله‏؟‏ قال الجمهور‏:‏ لا، لأنه لو كان تابعا لاستبعد أن يكون متبوعا، ولأنه لو كان لنقل من كان ينسب إليه‏.‏
    وقيل نعم واختاره ابن الحاجب، واختلفوا في عيينة على ثمانية أقوال‏:‏ أحدها آدم حكاه ابن برهان، الثاني نوح حكاه الآمدي، الثالث إبراهيم ذهب إليه جماعة واستدلوا بقوله تعالى ‏(‏أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا‏)‏ ، الرابع موسى، الخامس عيسى، السادس بكل شيء بلغه عن شرع نبي من الأنبياء وحجته ‏(‏أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده‏)‏ ، السابع الوقف واختاره الآمدي، ولا يخفى قوة الثالث ولا سيما مع ما نقل من ملازمته للحج والطواف ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم والله أعلم‏.‏
    وهذا كله قبل النبوة،
    (ج8/ ص 918)
    ستدل به السهيلي على أن البسملة يؤمر بقراءتها أول كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية من كل سورة، كذا قال، وقرره الطيبي فقال‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏اقرأ باسم ربك‏)‏ قدم الفعل الذي هو متعلق الباء لكون الأمر بالقراءة أهم، وقوله‏:‏ ‏(‏اقرأ‏)‏ أمر بإيجاد القراءة مطلقا، وقوله ‏"‏باسم ربك ‏"‏ حال، أي اقرأ مفتتحا باسم ربك‏:‏ وأصح تقاديره قل باسم الله ثم اقرأ، قال فيؤخذ منه أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة انتهى‏.‏
    لكن لا يلزم من ذلك أن تكون مأمورا بها، فلا تدل على أنها آية من كل سورة، وهو كما قال، لأنها لو كان للزم أن تكون آية قبل كل آية وليس كذلك‏.‏
    وأما ما ذكره القاضي عياض عن أبي الحسن بن القصار من المالكية أنه قال‏:‏ في هذه القصة رد على الشافعي في قوله إن البسملة آية من كل سورة، قال‏:‏ لأن هذا أول سورة أنزلت وليس في أولها البسملة، فقد تعقب بأن فيها الأمر بها وإن تأخر نزولها‏.‏
    وقال النووي‏:‏ ترتيب آي السور في النزول لم يكن شرطا، وقد كانت الآية تنزل فتوضع في مكان قبل التي نزلت قبلها ثم تنزل الأخرى فتوضع قبلها، إلى أن استقر الأمر في آخر عهده صلى الله عليه وسلم على هذا الترتيب، ولو صح ما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس ‏"‏ أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة والبسملة قبل قوله ‏"‏ اقرأ ‏"‏ لكان أولى في الاحتجاج، لكن في إسناده ضعف وانقطاع، وكذا حديث أبي ميسرة ‏"‏ أن أول ما أمر به جبريل قال له‏:‏ قل بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين ‏"‏ هو مرسل وإن كان رجاله ثقات، والمحفوظ أن أول ما نزل ‏(‏اقرأ باسم ربك‏)‏ وأن نزول الفاتحة كان بعد ذلك‏.

    (ج8/ ص 920)
    البزار والحاكم عن عائشة مرفوعا ‏"‏ لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين ‏"‏ وقد استوعبت ما ورد فيه في ترجمته ترجمة من كتابي في الصحابة، وتقدم بعض خبره في بدء الوحي، وتقدم أيضا ذكر الحكمة في قول ورقة ‏"‏ ناموس موسى ‏"‏ ولم يقل عيسى مع أنه كان تنصر، وأن ذلك ورد في رواية الزبير بن بكار بلفظ ‏"‏ عيسى ‏"‏ ولم يقف بعض من لقيناه على ذلك فبالغ في الإنكار على النووي ومن تبعه بأنه ورد في غير الصحيحين بلفظ ‏"‏ ناموس عيسى ‏"‏ وذكر القطب الحلبي في وجه المناسبة لذكر موسى دون عيسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لعله لما ذكر لورقة مما نزل عليه من اقرأ ويا أيها المدثر ويا أيها المزمل فهم ورقة من ذلك أنه كلف بأنواع من التكاليف فناسب ذكر موسى لذلك، لأن الذي أنزل على عيسى إنما كان مواعظ‏.‏
    كذا قال، وهو متعقب فإن نزول يا أيها المدثر ويا أيها المزمل إنما نزل بعد فترة الوحي كما تقدم بيانه في تفسير المدثر، والاجتماع بورقة كان في أول البعثة‏.‏
    وزعم أن الإنجيل كله مواعظ متعقب أيضا، فإنه منزل أيضا على الأحكام الشرعية وإن كان معظمها موافقا لما في التوراة، لكنه نسخ منها أشياء بدليل قوله تعالى ‏(‏ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم‏)
    وتمسك ابن القيم الحنبلي بقوله في الرواية التي في بدء الوحي ‏"‏ ثم لم ينشب ورقة أن توفي ‏"‏ يرد ما وقع في السيرة النبوية لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال والمشركون يعذبونه وهو يقول أحد أحد فيقول‏:‏ أحد والله يا بلال، لئن قتلوك لاتخذت قبرك حنانا، هذا والله أعلم وهم، لأن ورقة قال ‏"‏ وإن أدركني يومك حيا لأنصرنك نصرا مؤزرا ‏"‏ فلو كان حيا عند ابتداء الدعوة لكان أول من استجاب وقام بنصر النبي صلى الله عليه وسلم كقيام عمر وحمزة‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا اعتراض ساقط، فإن ورقة إنما أراد بقوله ‏"‏ فإن يدركني يومك حيا أنصرك ‏"‏ اليوم الذي يخرجوك فيه، لأنه قال ذلك عنه عند قوله ‏"‏ أو مخرجي هم ‏"‏ وتعذيب بلال كان بعد انتشار الدعوة، وبين ذلك وبين إخراج المسلمين من مكة للحبشة ثم للمدينة مدة متطاولة‏.‏
    (ج8/ ص 935)
    اختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل هو العاصي بن وائل، وقيل أبو جهل، وقيل عقبة بن أبي معيط‏.‏
    ( ج8/ ص 936)
    وقد نقل المفسرون في الكوثر أقوالا أخرى غير هذين تزيد على العشرة، منها قول عكرمة‏:‏ الكوثر النبوة، وقول الحسن‏:‏ الكوثر القرآن، وقيل تفسيره، وقيل الإسلام، وقيل إنه التوحيد، وقيل كثرة الأتباع، وقيل الإيثار، وقيل رفعة الذكر، وقيل نور القلب، وقيل الشفاعة، وقيل المعجزات؛ وقيل إجابة الدعاء، وقيل الفقه في الدين، وقيل الصلوات الخمس‏.‏
    (ج8/ ص 937)
    وأخرج ابن أبي داود في ‏"‏ كتاب المصاحف ‏"‏ بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏"‏ إذا جاء فتح الله والنصر‏"‏‏.‏
    وقال ابن القيم في الهدى‏:‏ كأنه أخذه من قوله تعالى ‏(‏واستغفره‏)‏ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور، فيقول إذا سلم من الصلاة‏:‏ أستغفر الله ثلاثا‏.‏
    وإذا خرج من الخلاء قال‏:‏ غفرانك‏.‏
    وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك ‏(‏ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله‏)‏ الآية‏.‏
    قلت‏:‏ ويؤخذ أيضا من قوله تعالى ‏(‏إنه كان توابا‏)‏ فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء ‏"‏ اللهم اجعلني من التوابين‏"‏‏.‏
    ن يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوا
    (ج8/ ص 942)
    وقد أخرج الفاكهي من طريق عبد الله بن كثير قال‏:‏ إنما سمي أبا لهب لأن وجهه كان يتلهب من حسنه انتهى‏.‏
    ووافق ذلك ما آل إليه أمره من أنه سيصلى نارا ذات لهب، ولهذا ذكر في القرآن بكنيته دون اسمه، ولكونه بها أشهر، ولأن في اسمه إضافة إلى الصنم‏.‏
    ولا حجة فيه لمن قال بجواز تكنية المشرك على الإطلاق، بل محل الجواز إذا لم يقتض ذلك التعظيم له أودعت الحاجة إليه‏.‏
    قال الواقدي‏:‏ كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان السبب في ذلك أن أبا طالب لاحى أبا لهب فقعد أبو لهب على صدر أبي طالب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بضبعي أبي لهب فضرب به الأرض، فقال له أبو لهب‏:‏ كلانا عمك، فلم فعلت بي هذا‏؟‏ والله لا يحبك قلبي أبدا‏.‏
    وذلك قبل النبوة‏.‏
    وقال له إخوته لما مات أبو طالب‏:‏ لو عضدت ابن أخيك لكنت أولى الناس بذلك‏.‏
    واسم امرأة أبي لهب العوراء وتكنى أم جميل، وهي بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية،
    يقال إن اسمها أروى والعوراء لقب، ويقال لم تكن عوراء وإنما قيل لها ذلك لجمالها‏.‏
    وروى البزار بإسناد حسن عن ابن عباس قال ‏"‏ لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو تنحيت، قال‏:‏ إنه سيحال بيني وبينها، فأقبلت فقالت‏:‏ يا أبا بكر هجاني صاحبك، قال‏:‏ لا ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر ولا يفوه به‏.‏
    قالت‏:‏ إنك لمصدق‏.‏
    فلما ولت قال أبو بكر‏:‏ ما رأتك‏.‏
    قال‏:‏ ما زال ملك يسترني حتى ولت‏.‏
    (ج8/ ص 950)
    وقد أخرجه أحمد أيضا وابن حبان من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ ‏"‏ إن عبد الله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه
    وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه المعوذتين وقال له‏:‏ إذا أنت صليت فاقرأ بهما ‏"‏ وإسناده صحيح ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين ‏"‏ وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب ‏"‏ الانتصار ‏"‏ وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال‏:‏ لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئا إلا إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، قال‏:‏ فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا‏.‏
    وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها‏:‏ ويقول إنهما ليستا من كتاب الله‏.‏
    ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة‏.‏
    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأهما في الصلاة‏.‏
    قال‏:‏ وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين، يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك‏.‏
    وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال‏:‏ إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرها، وإن قلنا إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر‏.‏
    قال‏:‏ وهذه عقدة صعبة‏.‏
    وأجيب باحتمال أنه كان متوترا في عصر ابن مسعود لكن لم يتوتر عند ابن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى‏.‏


    تم بحمد تلخيص المجلد الثامن من " فتح الباري " للحافظ ابن حجر
    ويليه المجلد التاسع كتاب ( فضائل القرآن )
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    الموافق 13/ 6/ 1441 هجري
    الموافق 7/ 2/ 2020 ميلادي

  11. #191
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تلخيص كتاب فضائل القرآن " المجلد التاسع
    الموافق 16/ جمادى الثانية / 1441 هجري
    الموافق 10/ يناير / 2020 ميلادي

    (ج9/ ص 7)
    ووقع عند مسلم في أوله زيادة حذفها البخاري عمدا لكونها موقوفة ولعدم تعلقها بالباب وهي‏:‏ عن أبي عثمان عن سلمان قال ‏"‏ لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ‏"‏ الحديث موقوف، وقد أورده البرقاني في مستخرجه من طريق عاصم عن أبي عثمان عن سلمان مرفوعا‏.‏
    (ج9/ ص 8)
    ‏حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بخبر جبريل أو كما قال‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ يخبرنا خبرنا ‏"‏ وهو تصحيف نبه عليه عياض، قال النووي‏:‏ وهو الموجود في نسخ بلادنا‏.‏
    قلت‏:‏ ولم أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلا من هذا الطريق فهو من غرائب الصحيح‏.‏
    ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أي قصة، ويحتمل أن يكون في قصة بني قريظة، فقد وقع في ‏"‏ دلائل البيهقي ‏"‏ وفي ‏"‏ الغيلانيات ‏"‏ من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ‏"‏ عن عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يكلم رجلا وهو راكب، فلما دخل قلت‏:‏ من هذا الذي كنت تكلمه، قال‏:‏ بمن تشبهينه‏؟‏ قلت‏:‏ بدحية بن خليفة، قال‏:‏ ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة‏"‏‏.‏
    (ج9/ 20)
    أن للملك أن يتصور على صورة الآدمي‏.‏
    وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدمي أن يراه فيها لضعف القوى البشرية إلا من يشاء الله أن يقويه على ذلك، ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل كما تقدم في بدء الوحي ‏"‏ وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ‏"‏ ولم ير جبريل على صورته التي خلق عليها إلا مرتين كما ثبت في الصحيحين‏.‏
    قالوا وقيه فضيلة لأم سلمة ولدحية، وفيه نظر، لأن أكثر الصحابة رأوا جبريل في صورة الرجل لما جاء فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، ولأن اتفاق الشبه لا يستلزم إثبات فضيلة معنوية، وغايته أن يكون له مزية في حسن الصورة حسب، وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن قطن حين قال إن الدجال أشبه الناس به فقال ‏"‏ أيضرني شبهه‏؟‏ قال‏:‏ لا‏"‏
    (ج9/ 10)
    أن القرآن إنما نزل بالوحي الذي يأتي به الملك لا بالمنام ولا بالإلهام‏.‏
    وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء‏:‏ أحدها حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة، ثانيها صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه، ثالثها ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب، رابعها الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده‏.‏
    ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه، كتمني اليهود الموت، ومنها الروعة التي تحصل لسامعه، ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده وسامعه لا يمجه ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة‏.‏
    ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها‏.‏
    ا ه ملخصا من كلام عياض، وغيره‏.‏
    (ج9/ ص 16)
    والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوي أمره بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة، إلى أن خذله الله وقتله، وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر‏.‏
    (ج9/ ص 17)
    ما أخرجه ابن أبي داود في ‏"‏ المصاحف ‏"‏ بإسناد حسن عن عبد خير قال ‏"‏ سمعت عليا يقول‏:‏ أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله ‏"‏ وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ‏"‏ الحديث فلا ينافي ذلك، لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة، وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور، وأما ما أخرجه ابن أبي داود في ‏"‏ المصاحف ‏"‏ من طريق ابن سيرين قال ‏"‏ قال علي‏:‏ لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه ‏"‏ فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظا فمراده بجمعه حفظه في صدره
    (ج9/ ص 17)
    وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال‏:‏ كيف جاز أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام‏؟‏ والجواب أنه لم يفعل ذلك إلا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أذن في كتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوبا، ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر سورة براءة حتى وجدها مكتوبة، مع أنه كان يستحضرها هو ومن ذكر معه‏.‏
    وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله وينوه بعظيم منقبته، لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ‏"‏ فما جمع القرآن أحد بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة‏.‏
    وقد كان لأبي بكر من الاعتناء بقراءة القرآن ما اختار معه أن يرد على ابن الدغنة جواره ويرضى بجوار الله ورسوله
    (ج9/ ص 18)
    قال ابن بطال‏:‏ إنما نفر أبو بكر أولا ثم زيد بن ثابت ثانيا لأنهما لم يجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول فلما نبههما عمر على فائدة ذلك وأنه خشية أن يتغير الحال في المستقبل إذا لم يجمع القرآن فيصير إلى حالة الخفاء بعد الشهرة، رجعا إليه‏.‏
    قال‏:‏ ودل ذلك على أن فعل الرسول إذا تجرد عن القرائن - وكذا تركه - لا يدل على وجوب ولا تحريم انتهى‏.‏
    (ج9/ ص 18)
    قال ابن الباقلاني‏:‏ كان الذي فعله أبو بكر من ذلك فرض كفاية، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ‏"‏ مع قوله تعالى ‏(‏إن علينا جمعه وقرآنه‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏رسول من الله يتلو صحفا مطهرة‏)‏ قال‏:‏ فكل أمر يرجع لإحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية، وكان ذلك من النصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم‏.‏
    قال‏:‏ وقد فهم عمر أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم جمعه لا دلالة فيه على المنع، ورجع إليه أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك، وأنه ليس في المنقول ولا في المعقول ما ينافيه، وما يترتب على ترك جمعه من ضياع بعضه، ثم تابعهما زيد بن ثابت وسائر الصحابة على تصويب ذلك‏.‏
    (ج9/ ص 23)
    وأما أرمينية فهي مدينة عظيمة من نواحي خلاط‏.‏
    ومد الأصيلي والمهلب أوله وزاد المهلب الدال وكسر الراء وتقديم الموحدة، تشتمل على بلاد كثيرة، وهي من ناحية الشمال‏.‏
    قال ابن السمعاني‏:‏ هي من جهة بلاد الروم يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مائها وشجرها المثل‏.‏
    وقيل إنها من بناء أرمين من ولد يافث بن نوح، وأذربيجان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء،
    وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال ‏"‏ خطب عثمان فقال‏:‏ يا أيها الناس، إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القراءة ‏"‏ الحديث في جمع القرآن، وكانت خلافة عثمان بعد قتل عمر، وكان قتل عمر في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر، فإن كان قوله ‏"‏ خمس عشرة سنة ‏"‏ أي كاملة فيكون ذلك بعد مضي سنتين وثلاثة أشهر من خلافته، لكن وقع في رواية أخرى له ‏"‏ منذ ثلاث عشرة سنة ‏"‏ فيجمع بينهما بإلغاء الكسر في هذه وجبره في الأولى فيكون ذلك بعد مضي سنة واحدة من خلافته، فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه، وذلك في أول ولاية الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة من قبل عثمان‏.‏
    وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر لذلك مستندا‏.‏
    (ج9/ ص 25
    في رواية يونس بن يزيد ‏"‏ فاستخرج الصحيفة التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها فنسخ منها مصاحف فبعث بها إلى الآفاق ‏"‏ والفرق بين الصحف والمصحف أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سور مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفا، وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة، فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال ‏"‏ قال علي‏:‏ لا تقولوا في عثمان إلا خيرا‏.‏
    فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا ‏"‏ قال ما تقولون في هذه القراءة‏؟‏ فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا‏:‏ فما ترى‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف‏.‏
    قلنا‏:‏ فنعم ما رأيت‏.‏
    (ج9/ ص 26)
    وأخرج ابن أبي داود من طريق خمير بن مالك بالخاء مصغر‏:‏ سمعت ابن مسعود يقول لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان‏.‏
    ومن طريق أبي وائل عن ابن مسعود بضعا وسبعين سورة‏.‏
    ومن طريق زر بن حبيش عنه مثله وزاد‏:‏ وإن لزيد بن ثابت ذؤابتين‏.‏
    وقد أخرج الترمذي في آخر الحديث المذكور عن ابن شهاب قال‏:‏ بلغني أنه كره ذلك من مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل الصحابة‏.‏
    (ج9/ ص27)
    ال ابن بطال‏:‏ في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام‏.‏
    وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس أنه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت، وكذا فعل عروة، وكرهه إبراهيم‏.‏
    وقال ابن عطية‏:‏ الرواية بالحاء المهملة أصح‏.‏
    وهذا الحكم هو الذي وقع في ذلك الوقت، وأما الآن فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته‏.‏
    (ج9/ ص 28)
    قال ابن التين وغيره‏:‏ الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره
    اقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة، وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها
    (ج9/ ص 30)
    نزل القرآن على سبعة أحرف‏)‏ أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما‏.‏
    وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعين في العشرات والسبعمائة في المئين ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه‏.‏
    وذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة‏.‏
    وقال المنذري‏:‏ أكثرها غير مختار، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه
    وهذه الأحاديث تقوى أن المراد بالأحرف اللغات أو القراءات، أي أنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات، والأحرف جمع حرف مثل فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه كقوله تعال ‏(‏ومن الناس من يعبد الله على حرف‏)‏ وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها‏.‏
    (ج9/ ص35)
    (‏فاقرءوا ما تيسر منه‏)‏ أي من المنزل‏.‏
    وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يقوي قول من قال‏:‏ المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما‏.‏
    نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة‏.‏
    وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد، اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ نزل القرآن على سبع لغات‏.‏
    منها خمس بلغة العجز من هوازن قال‏:‏ والعجز سعد ابن بكر وجثم ابن بكر ونصر بن معاوية وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن‏.‏
    وقال لهم عليا هوازن، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم‏.‏
    وأخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ نزل القرآن بلغة الكعبين كعب قريش، وكعب خزاعة قيل وكيف ذاك‏؟‏ قال‏:‏ لأن الدار واحدة يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم‏.‏
    وقال أبو حاتم السجستاني‏:‏ نزل بلغة قريش وهذيل وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى ‏(‏وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه‏)‏ فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي وقال أبو عبيد‏:‏ ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بلى اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة
    هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم‏.‏
    قال‏:‏ وبعض اللغات أسعد بها من بعض وأكثر نصيبا وقيل‏:‏ نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر نزل القرآن بلغة مضر‏.‏
    وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات‏.‏
    ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال‏:‏ أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق المعنى‏.‏
    وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، ورد عليه ابن الأنباري بمثل ‏"‏ عبد الطاغوت، ولا تقل لهما أف، وجبريل ‏"‏ ويدل على ما قرره أنه أنزل أولا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرءوه بغير لسان قريش وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة كما تقدم في حديث أبي بن كعب ‏"‏ أن جبريل لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند أضاة بني غفار فقال‏:‏ إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال‏:‏ أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك ‏"‏ الحديث أخرجه مسلم، وأضاة بني غفار هي بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث، هو مستنقع الماء كالغدير
    قال ابن قتيبة في أول ‏"‏ تفسير المشكل ‏"‏ له‏:‏ كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ حتى حين يريد ‏"‏ حتى حين ‏"‏ والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز، قال ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلا وناشئا وكهلا لشق عليه غاية المشقة، فيسر عليهم ذلك بمنه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه لقال مثلا أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات، لما تقدم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا‏:‏ وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل وتعال وهلم‏.‏
    ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك‏.‏
    قلت‏:‏ ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات، لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نبه عليه أبو عمرو الداني أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها، وهذا إنما يتأتى على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تصل الأوجه السبعة في بعض القرآن كما تقدم‏.‏
    وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء‏:‏ الأول ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل ‏(‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏)‏ بنصب الراء ورفعها‏.‏
    الثاني ما يتغير بتغير الفعل مثل ‏"‏ بعد بين أسفارنا ‏"‏ و ‏"‏ باعد بين أسفارنا ‏"‏ بصيغة الطلب والفعل الماضي‏.‏
    الثالث ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ‏"‏ ثم ننشرها بالراء والزاي‏"‏‏.‏
    الرابع ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل ‏"‏ طلح منضود ‏"‏ في قراءة على وطلع منضود‏.‏
    الخامس ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل ‏"‏ وجاءت سكرة الموت بالحق ‏"‏ في قراءة أبي بكر الصديق وطلحة بن مصرف وزين العابدين ‏"‏ وجاءت سكرة الحق بالموت‏"‏‏.‏
    السادس ما يتغير بزيادة أو نقصان كما تقدم في التفسير عن ابن مسعود وأبي الدرداء ‏"‏ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ‏"‏ هذا في النقصان، وأما في الزيادة فكما تقدم في تفسير ‏"‏ تبت يدا أبي لهب ‏"‏ في حديث ابن عباس ‏"‏ وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين‏"‏‏.‏
    السابع ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل ‏"‏ العهن المنفوش ‏"‏ في قراءة ابن مسعود وسعيد بن جبير كالصوف المنفوش، وهذا وجه حسن لكن استبعده قاسم بن ثابت في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها‏.‏
    وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجوا بحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف‏:‏ زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ‏"‏ أخرجه أبو عبيد وغيره، قال ابن عبد البر‏:‏ هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ولم يلق ابن مسعود، وقد رده قوم من أهل النظر منهم أبو جعفر أحمد بن أبي، عمران‏.‏
    قلت‏:‏ وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به، وحاصله أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة‏.‏
    وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود‏.‏
    وقال أبو علي الأهوازي وأبو العلاء الهمداني‏:‏ قوله زاجر وآمر استئناف كلام آخر، أي هو زاجر أي القرآن؛ ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق في العدد‏.‏
    وقال الكواشي‏:‏ كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة فعلى هذا الأصل بنى قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ قلت‏:‏ وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل ‏"‏ التيسير ‏"‏ والشاطبية، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك كأبي شامة وأبي حيان، وآخر من صرح بذلك السبكي فقال في ‏"‏ شرح المنهاج ‏"‏ عند الكلام على القراءة بالشاذ صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذ توهما منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين‏:‏ الأول ما يخالف رسم المصحف فلا شك في أنه ليس بقرآن، والثاني ما لا يخالف رسم المصحف وهو على قسمين أيضا‏:‏ الأول ما ورد من طريق غريبة فهذا ملحق بالأول، والثاني ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا فهذا لا وجه للمنع منه كقراءة يعقوب وأبي جعفر وغيرهما‏.‏
    (‏فصل‏)‏ لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان‏.‏
    وقد زعم بعضهم فيما حكاه ابن التين أنه ليس في هذه السورة عند القراء خلاف فيما ينقص من خط المصحف سوى قوله‏:‏ ‏(‏وجعل فيها سراجا‏)‏ وقرئ ‏"‏ سرجا ‏"‏ جمع سراج، قال‏:‏ وباقي ما فيها من الخلاف لا يخالف خط المصنف‏.‏
    قلت‏:‏ وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، فأوردته ملخصا وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادة على ذلك، وفيه تعقب على ما حكاه ابن التين في سبعة مواضع أو أكثر، قوله‏:‏ ‏(‏تبارك الذي نزل الفرقان‏)‏ قرأ أبو الجوزاء وأبو السوار ‏"‏ أنزل ‏"‏ بألف‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏على عبده‏)‏ قرأ عبد الله بن الزبير وعاصم الجحدري ‏"‏ على عباده ‏"‏ ومعاذ أبو حليمة وأبو نهيك ‏"‏ على عبيده‏"‏‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏وقالوا أساطير الأولين اكتتبها‏)‏ قرأ طلحة بن مصرف ورويت عن إبراهيم النخعي بضم المثناة الأولى وكسر الثانية مبنيا للمفعول، وإذا ابتدأ ضم أوله‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏ملك فيكون‏)‏ قرأ عاصم الجحدري وأبو المتوكل ويحيى بن يعمر ‏"‏ فيكون ‏"‏ بضم النون‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏أو تكون له جنة‏)‏ قرأ الأعمش وأبو حصين ‏"‏ يكون ‏"‏ بالتحتانية‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏يأكل منها‏)‏ قرأ الكوفيون سوى عاصم ‏"‏ نأكل ‏"‏ بالنون ونقله في الكامل عن القاسم وابن سعد وابن مقسم‏.‏
    قوله‏:‏ ‏(‏ويجعل لك قصورا‏)‏ قرأ ابن كثير وابن عامر وحميد وتبعهم أبو بكر وشيبان عن عاصم وكذا محجوب عن أبي عمرو وورش ‏"‏ يجعل ‏"‏ برفع اللام والباقون بالجزم عطفا على محل جعل وقيل لإدغامها
    فهذه ستة وخمسون موضعا ليس فيها من المشهور شيء، فليضف إلى ما ذكرته أولا فتكون جملتها نحوا من مائة وثلاثين موضعا، والله أعلم واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فاقرءوا ما تيسر منه‏)‏ على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط المتقدمة، وهي شروط لا بد من اعتبارها، فمتى اختل شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة، وقد قرر ذلك أبو شامة في ‏"‏ الوجيز ‏"‏ تقريرا بليغا وقال‏:‏ لا يقطع بالقراءة بأنها منزلة من عند الله إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة وأجمع أهل عصره ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال‏:‏ أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءات مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب‏.‏
    وذكر أبو شامة في ‏"‏ الوجيز ‏"‏ أن فتوى وردت من العجم لدمشق سألوا عن قارئ يقرأ عشرا من القرآن فيخلط القراءات، فأجاب ابن الحاجب وابن الصلاح وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها‏.‏
    كمن يقرأ مثلا ‏(‏فتلقى آدم من ربه كلمات‏)‏ فلا يقرأ لابن كثير بنصب آدم ولأبي عمرو بنصب كلمات، وكمن يقرأ ‏"‏ نغفر لكم ‏"‏ بالنون ‏"‏ خطاياتكم ‏"‏ بالرفع، قال أبو شامة‏:‏ لا شك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز والله أعلم‏.‏
    قد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك حتى صرح بعضهم بتحريمه فظن كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معتمدا فتابعوهم وقالوا‏:‏ أهل كل فن أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يتلقى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة فإنه متى خلطها كان كاذبا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا، والله أعلم‏.
    (ج9/ ص 50)
    قال ابن بطال‏:‏ لا نعلم أحدا قال بوجوب ترتيب السور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها وتذليلا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن فهو حرام فيه‏.‏
    وقال القاضي عياض في شرح حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران‏:‏ هو كذلك في مصحف أبي بن كعب، وفيه حجة لمن يقول أن ترتيب السور اجتهاد وليس بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول جمهور العلماء واختاره القاضي الباقلاني قال‏:‏ وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التعليم فلذلك اختلفت المصاحف، فلما كتب مصحف عثمان رتبوه على ما هو عليه الآن، فلذلك اختلف ترتيب مصاحف الصحابة‏.‏
    ثم ذكر نحو كلام ابن بطال ثم قال‏:‏ ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم‏.‏
    (ج9/ ص 51)
    وقد أخرج ابن الضريس في ‏"‏ فضائل القرآن ‏"‏ من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس أن الذي نزل بالمدينة البقرة ثم الأنفال ثم الأحزاب ثم المائدة ثم الممتحنة والنساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم القتال ثم الرعد ثم الرحمن ثم الإنسان ثم الطلاق ثم إذا جاء نصر الله ثم النور ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم التحريم ثم الجاثية ثم التغابن ثم الصف ثم الفتح ثم براءة، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن سورة الكوثر مدنية فهو المعتمد، واختلف في الفاتحة والرحمن والمطففين وإذا زلزلت والعاديات والقدر وأرأيت والإخلاص والمعوذتين، وكذا اختلف مما تقدم في الصف والجمعة والتغابن، وهذا بيان ما نزل بعد الهجرة من الآيات مما في المكي، فمن ذلك الأعراف‏:‏ نزل بالمدينة منها ‏(‏واسألهم عن القربة التي كانت حاضرة البحر - إلى - وإذ أخذ ربك‏)‏ ‏.‏
    (ج9/ ص 53)
    أن تأليف مصحف ابن مسعود على غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ولم يكن على ترتيب النزول، ويقال إن مصحف على كان على ترتيب النزول أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني والله أعلم‏.‏
    وأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبو بكر الباقلاني‏:‏ يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يعارض به جبريل في كل سنة‏.‏
    فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري، وفيه نظر، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول‏.‏
    عم ترتيب بعض السور على بعض أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفا وإن كان بعضه من اجتهاد بعض الصحابة، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال ‏"‏ قلت لعثمان‏:‏ ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المبين فقرنتم بهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال‏؟‏ فقال عثمان‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينزل عليه السورة ذات العدد، فإذا نزل عليه الشيء - يعني منها - دعا بعض من كان يكتب فيقول‏:‏ ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن وكان قصتها شبيهة بها فظننت أنها منها‏.‏
    فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ا ه‏.‏
    فهذا يدل على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفا، ولما لم يفصح النبي صلى الله عليه وسلم بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه رضي الله تعالى عنه‏.‏
    ونقل صاحب ‏"‏ الإقناع ‏"‏ أن البسملة لبراءة ثابتة في مصحف ابن مسعود، قال‏:‏ ولا يؤخذ بهذا‏.‏
    وكان من علامة ابتداء السورة نزول ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ أول ما ينزل شيء منها كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ فإذا نزلت بسم الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت ‏"‏ ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال ‏"‏ كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ‏"‏ فذكر الحديث وفيه ‏"‏ فقال لنا رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ طرأ علي حزبي من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه‏.‏
    قال فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا‏:‏ كيف تحزبون القرآن‏؟‏ قالوا‏:‏ نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى تختم‏.‏
    قلت‏:‏ فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة، بخلاف ما عداه فيحتمل أن يكون كان فيه تقديم وتأخير كما ثبت من حديث حذيفة ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم قرأ النساء بعد البقرة قبل آل عمران ‏"‏ ويستفاد من هذا الحديث - حديث أوس - أن الراجح في المفصل أنه من أول سورة ق إلى آخر القرآن، لكنه مبني على أن الفاتحة لم تعد في الثلث الأول فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من الحجرات وبه جزم جماعة من الأئمة، وقد نقلنا الاختلاف في تحديده في ‏"‏ باب الجهر بالقراءة في المغرب ‏"‏ من أبواب صفة الصلاة، والله أعلم‏.
    (ج9/ ص 57)
    فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة‏.‏
    وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير‏.‏
    وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ‏.‏
    وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية،
    (ج9/ ص 62)
    قال النووي‏:‏ هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام، إما عموما وإما خصوصا، وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر، وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها‏.‏
    وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلا، إذ لو كذب به حقيقة لكفر، فقد أجمعوا على أن من جحد حرفا مجمعا عليه من القرآن كفر ا ه،
    (ج9/ ص 68)
    ل القرطبي‏:‏ اختصت الفاتحة بأنها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه، لاحتوائها على الثناء على الله والإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه، وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين، إلى غير ذلك مما يقتضي أنها كلها موضع الرقية‏.‏
    وذكر الروياني في البحر أن البسملة أفضل آيات القرآن وتعقب بحديث آية الكرسي وهو الصحيح‏.‏
    (ج9/ ص 73)
    وتقرر لفظ السكينة في القرآن والحديث، فروى الطبري وغيره عن علي قال‏:‏ هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وقيل لها رأسان، وعن مجاهد لها رأس كرأس الهر وعن الربيع بن أنس لعينها شعاع وعن السدي‏:‏ السكينة طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء، وعن أبي مالك قال‏:‏ هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوراة والعصا، وعن وهب بن منبه‏:‏ هي روح من الله، وعن الضحاك بن مزاحم قال‏:‏ هي الرحمة، وعنه هي سكون القلب وهذا اختيار الطبري، وقيل هي الطمأنينة، وقيل الوقار، وقيل الملائكة ذكره الصغاني‏.‏
    قال النووي‏:‏ المختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة‏.‏
    (ج9/ ص 76)
    أن البخاري كان يطلق على المنقطع لفظ المرسل وعلى المتصل لفظ المسند، والمشهور في الاستعمال أن المرسل ما يضيفه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسند ما يضيفه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن يكون ظاهر الإسناد إليه الاتصال، وهذا الثاني لا ينافي ما أطلقه المصنف‏.‏
    (ج9/ ص 77)
    ويستأنس لهذا بما أخرجه أبو عبيدة من حديث أبي الدرداء قال ‏"‏ جزء النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ثلاثة أجزاء‏:‏ فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن ‏"‏ وقال القرطبي‏:‏ اشتملت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أصناف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور وهما الأحد الصمد، لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذي انتهى إليه سؤدده فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع خصال الكمال وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثا ا ه‏.‏
    وقد قال بعض العلماء‏:‏ إنها تضاهي كلمة التوحيد لما اشتملت عليه من الجمل المثبتة والنافية مع زيادة تعليل، ومعنى النفي فيها أنه الخالق الرزاق المعبود، لأنه ليس فوقه من يمنعه كالوالد، ولا من يساويه في ذلك كالكفء، ولا من يعينه على ذلك كالولد‏.‏
    وفيه إلقاء العالم المسائل على أصحابه، واستعمال اللفظ في غير ما يتبادر للفهم، لأن المتبادر من إطلاق ثلث القرآن أن المراد ثلث حجمه المكتوب مثلا، وقد ظهر أن ذلك غير مراد‏.‏
    أخرج الترمذي والحاكم وأبو الشيخ من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، والكافرون تعدل ربع القرآن ‏"‏ وأخرج الترمذي أيضا وابن أبي شيبة وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وردان عن أنس ‏"‏ أن الكافرون والنصر تعدل كل منهما ربع القرآن‏.‏
    وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن ‏"‏ زاد ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ‏"‏ وآية الكرسي تعدل ربع القرآن ‏"‏ وهو حديث ضعيف لضعف سلمة وإن حسنه الترمذي فلعله تساهل فيه لكونه من فضائل الأعمال، وكذا صحح الحاكم حديث ابن عباس وفي سنده يمان بن المغيرة وهو ضعيف عندهم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد عيسى الحسين

  12. #192
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    جزاكم الله خيرا، لو وضعتها في ملف واحد حتى نسنفيد منها جزاك الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  13. #193
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تابع/ كتاب فضائل القرآن " فتح الباري لابن حجر رحمه الله
    الموافق 20/ جمادى الثانية / 1441 هجري
    الموافق الجمعة 14/ 2/ 2020

    (ج9/ ص81)
    في رواية ابن أبي ليلى ‏"‏ لرأيت الأعاجيب ‏"‏ قال النووي‏:‏ في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلا والحسن الصوت، قال‏:‏ وفيه فضيلة القراءة وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة‏.‏
    قلت‏:‏ الحكم المذكور أعم من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر، وإلا لو كان الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ‏.‏
    وقد أشار في آخر الحديث بقوله ‏"‏ ما يتوارى منهم ‏"‏ إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير، وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح
    (ج9/ ص 83)
    باب من قال‏:‏ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين‏)‏ أي ما في المصحف، وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان‏.‏
    وهذه الترجمة للرد على من زعم أن كثيرا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتا في القرآن وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة لأنهم لم يكتموا مثل ‏"‏ أنت عندي بمنزلة هارون من موسى ‏"‏ وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي إمامته، كما لم يكتموا ما يعارض ذلك أو يخصص عمومه أو يقيد مطلقه‏.‏
    وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم الذين يدعون إمامته وهو محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب‏.‏
    فلو كان هناك شيء ما يتعلق بأبيه لكان هو أحق الناس بالاطلاع عليه، وكذلك ابن عباس فإنه ابن عم علي وأشد الناس له لزوما واطلاعا على حاله‏.‏
    ( ج9/ ص 83)
    ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل حديث عمر ‏"‏ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ‏"‏ وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة، قال فأنزل الله فيهم قرآنا ‏"‏ بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا ‏"‏ وحديث أبي بن كعب ‏"‏ كانت الأحزاب قدر البقرة ‏"‏ وحديث حذيفة ما يقرءون ربعها يعني براءة، وكلها أحاديث صحيحة‏.‏
    وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر أنه ‏"‏ كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول‏:‏ إن منه قرآنا قد رفع ‏"‏ وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب، لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
    (ج9/ ص 90)
    واحتج أبو عبيد أيضا بقول ابن مسعود ‏"‏ من قرأ سورة آل عمران فهو غني ‏"‏ ونحو ذلك‏.‏
    وقال ابن الجوزي‏:‏ اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال‏.‏
    أحدها تحسين الصوت، والثاني الاستغناء، والثالث التحزن قاله الشافعي، والرابع التشاغل به تقول العرب تغنى بالمكان أقام به‏.‏
    قلت‏:‏ وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في ‏"‏ الزاهر ‏"‏ قال‏.‏
    المراد به التلذذ الاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة‏:‏ بكاء حمامة تدعو هديلا مفجعة على فنن تغنى أطلق على صوتها غناء لأنه يطرب كما يطرب الغناء وإن لم يكن غناء حقيقة، وهو كقولهم ‏"‏ العمائم تيجان العرب، لكونها تقوم مقام التيجان، وفيه قول آخر حسن وهو أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء، قال ابن الأعرابي‏:‏ كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى وإذا جلست في أفنيتها وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني‏.‏
    ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم فإنه أراد بقوله ‏"‏ طويل التغني ‏"‏ طول الإقامة لا الاستغناء لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء، يعني أنه كان ملازما لوطنه بين أهله كانوا يتمدحون بذلك قال حسان‏:‏ أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا يبرحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره، وهو يئول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء وأنه يستغنى به عن غيره من الكتب، وقيل المراد من لم يغنه القرآن وينفعه في إيمانه ويصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه، وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع إذا أريد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر
    (ج9/ ص 91)
    لا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع‏.‏
    وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية، وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة، وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنفية‏.‏
    وقال الفوراني من الشافعية في الإبانة يجوز بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير قال النووي في ‏"‏ التبيان ‏"‏ أجمعوا على تحريمه ولفظه‏:‏ أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم، قال‏:‏ وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في موضع على كراهته وقال في موضع آخر لا بأس به، فقال أصحابه‏:‏ ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز وإلا حرم‏.‏
    وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في ‏"‏ الرعاية‏"‏‏.‏
    وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية‏:‏ إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا‏.‏
    وأغرب الرافعي فحكى عن ‏"‏ أمالي السرخسي ‏"‏ أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ لا يعرج عليه‏.‏
    والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح‏.‏
    ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم
    (ج9/ ص 94)
    وقال ابن عدي‏:‏ جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان، فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة‏.‏
    وهذا مما عد في خطأ يحيى القطان على الثوري‏.‏
    وقال في موضع آخر‏:‏ حمل يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة فساق الحديث عنهما، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدار قطني‏.‏
    وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي فقال ‏"‏ قال شعبة خيركم وقال سفيان أفضلكم‏"‏‏.‏
    قلت‏:‏ وهو تعقب واه، إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد ‏"‏ قال ابن عدي‏:‏ يقال إن يحيى القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث‏.‏
    وذكر الدار قطني أن خلاد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري على زيادة سعد بن عبيدة وهي رواية شاذة
    وذكر الحافظ أبو العلاء أن مسلما سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه‏.‏
    (ج9/ ص 97)
    خيركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ‏"‏ فاختلف في رواية سفيان أيضا في أن الرواية بأو أو بالواو، ‏
    وفي الحديث الحث على تعليم القرآن، وقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث أخرجه ابن أبي داود‏.‏
    وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرئ القرآن خمس آيات خمس آيات، وأسند من وجه آخر عن أبي العالية مثل ذلك وذكر أن جبريل كان ينزل به كذلك، وهو مرسل جيد، وشاهده ما قدمته في تفسير المدثر وفي تفسير سورة اقرأ
    (ج9/ ص 98)
    قال ابن كثير‏:‏ إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف ففيه نظر، لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن، وأيضا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته، وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ولا عدمه‏.‏
    قلت‏:‏ ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر، لأن المراد بقوله ‏"‏ باب القراءة عن ظهر قلب ‏"‏ مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا‏.‏
    وقد صرح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب‏.
    ‏خرج أبو عبيد في ‏"‏ فضائل القرآن ‏"‏ من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفعه قال ‏"‏ فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة ‏"‏ وإسناده ضعيف، ومن طريق ابن مسعود موقوفا ‏"‏ أديموا النظر في المصحف ‏"‏ وإسناده صحيح، ومن حيث المعنى أن القراءة في المصحف أسلم من الغلط، لكن القراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء وأمكن للخشوع‏.‏
    والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص‏.‏
    وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة ‏"‏ اقرءوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن ‏"‏ وزعم ابن بطال أن في قوله ‏"‏ أتقرأهن عن ظهر قلب ‏"‏‏؟‏ ردا لما تأوله الشافعي في إنكاح الرجل على أن صداقها أجرة تعليمها، كذا قال‏:‏ ولا دلالة فيه لما ذكر، بل ظاهر سياقه أنه استثبته كما تقدم‏.‏
    والله أعلم
    (ج9/ ص 100)
    قال القرطبي‏:‏ بئس هي أخت نعم، فالأولى للذم والأخرى للمدح، وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الفاعل ظاهرا أو مضمرا إلا أنه إذا كان ظاهرا لم يكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس أو مضاف إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الموصوف بأحدهما، ولا بد من ذكره تعينا كقوله نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو، فإن كان الفاعل مضمرا فلا بد من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير كقوله نعم رجلا زيد، وقد يكون هذا التفسير ‏"‏ ما ‏"‏ على ما نص عليه سيبويه كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى ‏(‏فنعما هي‏)‏ ‏.‏
    وقال الطيبي‏:‏ و ‏"‏ ما ‏"‏ نكرة موصوفة و ‏"‏ أن يقول ‏"‏ مخصوص بالذم، أي بئس شيئا كان الرجل يقول‏.‏
    (ج9/ ص 101)
    قال القرطبي‏:‏ كيت وكيت يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، ومثلهما ذيت وذيت‏.‏
    وقال ثعلب‏:‏ كيت للأفعال وذيت للأسماء‏.‏
    وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا إلا أنها خاصة بالمؤنث، وهذا من مفردات الداودي‏.‏
    (ج9/ ص 101)
    اختلف في متعلق الذم من قوله ‏"‏ بئس ‏"‏ على أوجه‏:‏ الأول قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان وهو لا صنع له فيه فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول آنسيت أو نسيت بالتثقيل على البناء للمجهول فيهما، أي أن الله هو الذي أنساني كما قال ‏(‏وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏)‏ وقال ‏(‏أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون‏)‏ ‏؟‏ وبهذا الوجه جزم ابن بطال فقال‏:‏ أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبنها جائز بدليل الكتاب والسنة‏.‏
    ثم ذكر الحديث الآتي في ‏"‏ باب نسيان القرآن ‏"‏ قال‏:‏ وقد أضاف موسى عليه السلام النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال ‏(‏إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان‏)‏ ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة ا هـ‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسب النسيان إلى نفسه
    وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال ‏(‏نسيت الحوت‏)‏ وموسى إلى نفسه حيث قال ‏(‏لا تؤاخذني بما نسيت‏)‏ وقد سبق قول الصحابة ‏(‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا‏)‏ مساق المدح، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذم وجنح إلى اختيار الوجه الثاني وهو كالأول لكن سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان‏.‏
    وقال عياض‏:‏ أول ما يتأول عليه ذم الحال لا ذم القول، أي بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الكراهة فيه للتنزيه‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى ‏(‏إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا‏)‏ وقوله تعالى ‏(‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏)‏ ، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه‏.‏
    (ج9/ ص 102)
    وقد قال عمرو بن علي الفلاس‏:‏ الصحيح عندنا أن ابن عباس كان له عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة قد استكملها‏.‏
    وأسند البيهقي عن مصعب الزبيري أنه كان ابن أربع عشرة وبه جزم الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ ثم حكى أنه قيل ست عشرة وحكى قول ثلاث عشرة وهو المشهور، وأورد البيهقي عن أبي العالية عن ابن عباس ‏"‏ قرأت المحكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثنتي عشرة ‏"‏ فهذه ستة أقوال، ولو ورد إحدى عشرة لكانت سبعة لأنها من عشر إلى ست عشرة‏.‏
    قلت‏:‏ والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب أن ولادة ابن عباس كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم في الشعب، وذلك قبل وفاة أبي طالب‏.‏
    (ج9/ ص 107)
    ‏وقول الله تعالى ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ هو مصير منه إلى اختيار ما عليه الأكثر أن ‏"‏ لا ‏"‏ في قوله‏:‏ ‏(‏فلا تنسى‏)‏ نافية، وأن الله أخبره أنه لا ينسى ما أقرأه إياه، وقد قيل إن ‏"‏ لا ‏"‏ ناهية، وإنما وقع الإشباع في السين لتناسب رءوس الآي، والأول أكثر‏.‏
    واختلف في الاستثناء فقال الفراء‏:‏ هو للتبرك وليس هناك شيء استثنى، وعن الحسن وقتادة ‏(‏إلا ما شاء الله‏)‏ أي قضى أن ترفع تلاوته‏.‏
    وعن ابن عباس‏:‏ إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتسن، وقيل لما جبلت عليه من الطباع البشرية
    قال الإسماعيلي‏:‏ النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين‏:‏ أحدهما نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود في السهو ‏"‏ إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ‏"‏ والثاني أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ قال‏:‏ فإما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى ‏(‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏)‏ وأما الثاني فداخل في قوله تعالى ‏(‏ما ننسخ من آية أو ننسها‏)‏ على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة‏.‏
    في الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقه البلاغ مطلقا، وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين‏:‏ أحدهما أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكره إما بنفسه وإما بغيره‏.‏
    وهل يشترط في هذا الفور‏؟‏ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلا‏.‏
    وزعم بعض الأصولين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلا وإنما يقع منه صورته ليسن، قال عياض‏:‏ لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الأسفرايني، وهو قول ضعيف‏.‏
    وفي الحديث أيضا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد والدعاء لمن حصل له من جهته خير وإن لم يقصد المحصول منه ذلك، واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر‏.‏
    وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفا قال‏:‏ ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول ‏(‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏)‏ ونسيان القرآن من أعظم المصائب واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعا ‏"‏ عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها ‏"‏ في إسناده ضعف‏.‏
    وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه ‏"‏ أعظم من حامل القرآن وتاركه ‏"‏ ومن طريق أبي العالية موقوفا ‏"‏ كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه ‏"‏ وإسناده جيد‏.‏
    ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولا شديدا ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعا ‏"‏ من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم ‏"‏ وفي إسناده أيضا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم والروياني واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره‏.‏
    وقال القرطبي‏:‏ من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد‏.‏
    وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن‏.‏
    (ج9/ ص 110)
    ال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏‏:‏ يجوز أن يقول سورة البقرة - إلى أن قال - وسورة العنكبوت وكذلك الباقي ولا كراهة في ذلك‏.‏
    وقال بعض السلف‏:‏ يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم‏.‏
    قلت‏:‏ وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه حديث المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه ‏"‏ لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله ‏"‏ أخرجه ‏"‏ أبو الحسين بن قانع في فوائده ‏"‏ والطبراني ‏"‏ الأوسط‏"‏، وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف‏.‏
    وأورد ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ ونقل عن أحمد أنه قال‏:‏ هو حديث منكر‏.‏
    في ‏"‏ باب تأليف القرآن ‏"‏ حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا ‏"‏ قال ابن كثير في تفسيره‏:‏ ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير قلت‏:‏ وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبو محمد بن أبي حاتم ومن المتقدمين الكلبي وعبد الرزاق، ونقله القرطبي في تفسيره عن الحكيم الترمذي أن من حرمة القرآن أن لا يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النحل وسورة النساء، وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا‏.‏
    وتعقبه القرطبي بأن حديث أبي مسعود يعارضه، ويمكن أن يقال لا معارضة مع إمكان، فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالا على الجواز، وحديث أنس إن ثبت محمود على أنه خلاف الأولى والله أعلم‏.‏
    (ج9/ ص 111)
    أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، و
    وإنما الذي يكره الهذ وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها‏.‏
    وقد ذكر في الباب إنكار ابن مسعود على من يهذ القراءة كهذ الشعر، ودليل جواز الإسراع ما تقدم في أحاديث الأنبياء من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيفرغ من القرآن قبل أن تسرج‏"‏‏.‏
    من طريق أبي حمزة ‏"‏ قلت لابن عباس إني سريع القراءة، وإني لأقرأ القرآن في ثلاث فقال‏:‏ لأن أقرأ البقرة أرتلها فأتدبرها خير من أن أقرأ كما تقول ‏"‏ وعند ابن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة ‏"‏ قلت لابن عباس‏:‏ إني رجل سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ليلة‏.‏
    فقال ابن عباس‏:‏ لأن أقرأ سورة أحب إلي‏.‏
    إن كنت لا بد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعها قلبك ‏"‏ والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس‏.‏
    (ج9/ ص 114)
    استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس أيضا المخرج في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يقرؤها في الصلاة، وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر، وقد أوضحته فيما كتبته من النكت على علوم الحديث لابن الصلاح، وحاصله أنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال فلا تتعين البسملة، والعلم عند الله تعالى
    (ج9/ ص 115)
    وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو ‏"‏ في كم يقرأ القرآن‏؟‏ قال‏:‏ في أربعين يوما‏.‏
    ثم قال ‏"‏ في شهر ‏"‏ الحديث ولا دلالة فيه على المدعي‏.‏
    (ج9/ ص 121)
    وعند أبي داود والترمذي مصححا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ‏"‏ لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ‏"‏ وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود ‏"‏ اقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث ‏"‏ ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث ‏"‏ وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم وثبت عن كثير من السلف أنهم قرءوا القرآن في دون ذلك، قال النووي‏:‏ والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة‏.‏
    والله أعلم‏.‏
    وقال النووي‏:‏ أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والله أعلم‏.‏
    (ج9/ ص 123)
    قال النووي‏:‏ البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى ‏(‏ويخرون للأذقان يبكون‏)‏ ‏(‏خروا سجدا وبكيا‏)‏ والأحاديث فيه كثيرة‏.‏
    قال الغزالي‏:‏ يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب‏.
    أفاد أبو الحسين ابن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج، إلا في قوله تعالى ‏(‏وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‏)‏ فإن المراد به الحلم والله أعلم‏.‏
    وفي وجه للشافعية - كقول الحنفية - أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وقيل مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي، وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف على تسليم المدعى أنها كلها كنايات‏.‏
    وقد جمع اسم النكاح ابن القطاع فزادت على الألف‏.
    ‏.‏
    (ج9/ 125)
    أغرب الداودي فزعم أنه وقع هنا ‏"‏ عن سويد بن غفلة قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قال واختلف في صحبة سويد، والصحيح ما هنا أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال معتمدا على الغلط الذي نشأ له عن السقط، والذي في جميع نسخ صحيح البخاري ‏"‏ عن سويد بن غفلة عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت ‏"‏ وكذا في جميع المسانيد، وهو حديث مشهور لسويد بن غفلة عن علي، ولم يسمع سويد من النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وقد قيل إنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح، والذي يصح أنه قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح سماعه من الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، وصح أنه أدى صدقة ماله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    قال أبو نعيم‏:‏ مات سنة ثمانين‏.‏
    وقال أبو عبيد سنة إحدى‏.‏
    (ج9/ ص 126)
    سببا لنزول ما يسوؤهم كما في قوله تعالى ‏(‏لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏)‏ ، ويحتمل أن يكون المعنى اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة واعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ‏"‏ ويحتمل أنه ينهي عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏ كلكم محسن
    ي رواية زر المذكورة من الفائدة أن السورة التي اختلف فيها أبي وابن مسعود كانت من آل حم، وفي ‏"‏ المبهمات ‏"‏ للخطيب أنها الأحقاف، ووقع عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند في هذا الحديث أن اختلافهم كان في عددها هل هي خمس وثلاثون آية أو ست وثلاثون الحديث، وفي هذا الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه
    .
    كتاب النكاح
    (ج9/ ص 130)
    أفاد أبو الحسين ابن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج، إلا في قوله تعالى ‏(‏وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‏)‏ فإن المراد به الحلم والله أعلم‏.‏
    وفي وجه للشافعية - كقول الحنفية - أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وقيل مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي، وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف على تسليم المدعى أنها كلها كنايات‏.‏
    وقد جمع اسم النكاح ابن القطاع فزادت على الألف‏.
    ..................
    (ج9/ ص 136)
    وقال النووي‏:‏ الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ‏.‏
    وقال الروياني وطائفة‏:‏ من جاوز الثلاثين سمى شيخا، زاد ابن قتيبة‏:‏ إلى أن يبلغ الخمسين‏.‏
    وقال أبو إسحاق الأسفرايني عن الأصحاب‏:‏ المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة‏.
    (ج9/ 138)
    وقال النووي‏:‏ اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد‏:‏ أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه - وهي مؤن النكاح - فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا‏.‏
    والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته‏.‏
    (ج9/ ص 139)
    وقع في رواية ابن حبان المذكورة ‏"‏ فإنه له وجاء وهو الإخصاء ‏"‏ وهي زيادة مدرجة في الخبر لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي أنيسة هذه، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر‏.‏
    فإن الوجاء رض الأنثيين والإخصاء سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة‏.‏
    واستدل بهذا الحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج لأنه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه‏.‏
    وأطلق بعضهم أنه يكره في حقه‏.‏
    (ج9/ ص 140)
    ورد عليهم عياض ومن تبعه بوجهين‏:‏ أحدهما أن الآية التي احتجوا بها خيرت بين النكاح والتسري - يعني قوله تعالى ‏(‏فواحدة أو ما ملكت أيمانكم‏)‏ قالوا والتسري ليس واجبا اتفاقا فيكون التزويج غير واجب إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب، وهذا الرد متعقب، فإن الذين قالوا بوجوبه قيدوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسري، فإذا لم يندفع تعين التزويج، وقد صرح بذلك ابن حزم فقال‏:‏ وفرض على كل قادر على الوطء إن وجد ما يتزوج به أو يتسرى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف‏.‏
    الوجه الثاني أن الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرده لا يدفع مشقة التوقان قال‏:‏ فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه، كذا قال، وقد صرح أكثر المخالفين بوجوب الوطء فاندفع الإيراد‏.‏
    وقال ابن بطال‏:‏ احتج من لم يوجبه بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ومن لم يستطع فعليه بالصوم ‏"‏ قال‏:‏ فلما كان الصوم الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله‏.‏
    وتعقب بأن الأمر بالصوم مرتب على عدم الاستطاعة ولا استحالة أن يقول القائل أوجبت عليك كذا فإن لم تستطع فأندبك إلى كذا‏.‏
    المشهور عن أحمد أنه لا يجب للقادر التائق إلا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هبيرة‏.‏
    وقال المازري‏:‏ الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حق من لا ينكف عن الزنا إلا به‏.‏
    (ج9/ 141)
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح وتعذر التسري - وكذا حكاه القرطبي عن بعض علمائهم وهو المازري قال‏:‏ فالوجوب في حق من لا ينكف عن الزنا إلا به كما تقدم‏.‏
    قال والتحريم في حق من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه وتوقانه إليه‏.‏
    والكراهة في حق مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة من عبادة أو اشتغال بالعلم اشتدت الكراهة، وقيل الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج‏.‏
    والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصودا من كثر شهوة وإعفاف نفس وتحصين فرج ونحو ذلك‏.‏
    والإباحة فيما انتفت الدواعي والموانع‏.‏
    ومنهم من استمر بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته للظواهر الواردة في الترغيب فيه، قال عياض‏:‏ هو مندوب في حق كل من يرجى منه النسل ولو لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏فإني مكاثر بكم ‏"‏ ولظواهر الحض على النكاح والأمر به، وكذا في حق من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا ينسل ولا أرب له في النساء ولا في الاستمتاع فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت‏
    .‏وقد يقال‏:‏ إنه مندوب أيضا لعموم قوله ‏"‏ لا رهبانية في الإسلام‏"‏‏.‏
    وقال الغزالي في الإحياء‏:‏ من اجتمعت له فوائد النكاح وانتفت عنه آفاته فالمستحب في حقه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقه فليجتهد ويعمل بالراجح‏.‏
    قلت‏:‏ الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث ‏"‏ فإني مكاثر بكم ‏"‏ فصح من حديث أنس بلفظ ‏"‏ تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم يوم القيامة ‏"‏ أخرجه ابن حبان، وذكره الشافعي بلاغا عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم ‏"‏ وللبيهقي من حديث أبي إمامة ‏"‏ تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى ‏"‏ وورد ‏"‏ فإني مكاثر بكم ‏"‏ أيضا من حديث الصنابحي
    واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحا لكان الإرشاد إليه أسهل‏.‏
    وتعقب دعوى كونه أسهل لأن الترك أسهل من الفعل‏.‏
    وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة، وفي قول عثمان لابن مسعود ‏"‏ ألا نزوجك شابة ‏"
    (ج9/ ص 143)
    ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث ‏"‏ كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا ‏"‏ أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان‏.‏
    وهن سودة وعائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وأم حبيبة وجويرية وصفية وميمونة‏.‏
    هذا ترتيب تزويجه إياهن رضي الله عنهن، ومات وهن في عصمته‏.‏
    واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية، وهل ماتت قبله أو لا‏؟‏ قوله ‏(‏كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة‏)‏ زاد مسلم في روايته ‏"‏ قال عطاء‏:‏ التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب ‏"‏ قال عياض قال الطحاوي‏:‏ هذا وهم وصوابه سودة كما تقدم أنها وهبت يومها لعائشة‏.‏
    لت‏:‏ قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم لصفية كما يقسم لنسائه، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقدي وليس بحجة‏.‏
    وقد تعصب مغلطاي للواقدي فنقل كلام من قواه ووثقه وسكت عن ذكر من وهاه واتهمه وهم أكثر عددا وأشد إتقانا وأقوى معرفة به من الأولين، ومن جملة ما قواه به أن الشافعي روى عنه‏.‏
    وقد أسند البيهقي عن الشافعي أنه كذبه، ولا يقال فكيف روى عنه لأنا نقول‏:‏ رواية العدل ليست بمجردها توثيقا، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الجعفي وثبت عنه أنه قال‏:‏ ما رأيت أكذب منه، فيترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة كما قاله الطحاوي، لحديث عائشة ‏"‏ إن سودة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ‏
    كن يحتمل أن يقال لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسم لها لكن يبيت عند عائشة لما وقع من تلك الهبة‏.‏
    نعم يجوز نفي القسم عنها مجازا، والراجح عندي ما ثبت في الصحيح، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمدا‏.‏
    وقد وقع عند مسلم أيضا فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج، قال عطاء‏:‏ وكانت آخرهن موتا ماتت بالمدينة‏.‏
    كذا قال، فأما كونها آخرهن موتا فقد وافق عليه ابن سعد وغيره قالوا‏:‏ وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون فقالوا‏:‏ ماتت سنة ست وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن علي وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وقيل بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح‏.
    ‏.‏
    (ج9/ ص145)
    ووقع في ‏"‏ الشفاء ‏"‏ أن العرب كانت تمدح بكثرة النكاح لدلالته على الرجولية، إلى أن قال‏:‏ ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهن عليه فلا يتطلعن إلى غيره، بخلاف العزبة فإن العفيفة تتطلع بالطبع البشري إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهن‏.‏
    والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه
    أحدها أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك‏.‏
    ثانيها لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم‏.‏
    ثالثها للزيادة في تألفهم لذلك‏.‏
    رابعها للزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ‏.‏
    خامسها لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزاد أعوانه على من يحاربه‏.‏
    سادسها نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله‏.‏
    سابعها الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن‏.‏
    ثامنها ما تقدم مبسوطا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه وسلم‏.‏
    تاسعها وعاشرها ما تقدم نقله عن صاحب ‏"‏ الشفاء ‏"‏ من تحصينهن والقيام بحقوقهن، والله أعلم‏.‏
    (ج9/ ص 147)
    فلم أجد من قال إن البخاري يتقيد في تراجم كتابه بما يترجم به مشايخه، بل الذي صرح به الجمهور أن غالب تراجمه من تصرفه فلا وجه لهذا الاحتمال، وقد لهج الكرماني به في مواضع وليس بشيء‏.‏
    ثم ذكر طرفا من حديث ابن مسعود ‏"‏ كنا نغزو وليس لنا نساء، فقلنا‏:‏ يا رسول الله نستخصي‏؟‏ فنهانا عن ذلك‏.‏
    وقد تلطف المصنف في استنباطه الحكم كأنه يقول‏:‏ لما نهاهم عن الاختصاء مع احتياجهم إلى النساء - وهم مع ذلك لا شيء لهم كما صرح به في نفس هذا الخبر
    (ج9/ ص 149)
    فيه إبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة، لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه‏.‏
    وقال النووي‏:‏ يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقا، وأما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره‏.‏
    وما أظنه يدفع ما ذكره القرطبي من إباحة ذلك في الحيوان الكبير عند إزالة الضرر‏.‏
    (ج9/ ص 151)
    وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به‏:‏ ويؤخذ منه أن مهما أمكن المكلف فعل شيء من الأسباب المشروعة لا يتوكل إلا بعد عملها لئلا يخالف الحكمة، فإذا لم يقدر عليه وطن نفسه على الرضا بما قدره عليه مولاه ولا يتكلف من الأسباب ما لا طاقة به له‏.‏
    وفيه أن الأسباب إذا لم تصادف القدر لا تجدي‏.‏
    فإن قيل‏:‏ لم لم يؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته كما أمر غيره‏؟‏ فالجواب أن أبا هريرة كان الغالب من حاله ملازمة الصيام لأنه كان من أهل الصفة‏.‏
    قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ‏"‏ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ‏"‏ الحديث، لكنه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو كما وقع لابن مسعود، وكانوا في حال الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوى على القتال، فأداه اجتهاده إلى حسم مادة الشهوة بالاختصاء كما ظهر لعثمان فمنعه صلى الله عليه وسلم من ذلك‏.‏
    (ج9/ ص 157)
    تفضيل الجملة لا يستلزم ثبوت كل فرد فرد منها، فإن قوله ‏"‏ ركبن الإبل ‏"‏ إشارة إلى العرب لأنهم الذين يكثر منهم ركوب الإبل، وقد عرف أن العرب خير من غيرهم مطلقا في الجملة فيستفاد منه تفضيلهن مطلقا على نساء غيرهن مطلقا
    فالمحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش لا على العموم، والمراد بالصلاح هنا صلاح الدين، وحسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك‏.‏
    (ج9/ ص 162)
    ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم غيره‏.‏
    وقيل يحتمل أنه أعتقها بغير عوض وتزوجها بغير مهر في الحال ولا في المال، قال ابن الصلاح‏:‏ معناه أن العتق يحل محل الصداق وإن لم يكن صداقا، قال‏:‏ وهذا كقولهم ‏"‏ الجوع زاد من لا زاد له ‏"‏ قال وهذا الوجه أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووي في ‏"‏ الروضة‏"‏‏.‏
    ومن المستغربات قول الترمذي بعد أن أخرج الحديث‏:‏ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قال‏:‏ وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرا سوى العتق، والقول الأول أصح‏.‏
    وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي‏.‏
    والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، ولا سيما نص الشافعي على أن من أعتق أمته على أن يتزوجها فقبلت عتقت ولم يلزمها أن تتزوج به، لكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجانا فصار كسائر الشروط الفاسدة، فإن رضيت وتزوجته على مهر يتفقان عليه كان لها ذلك المسمى وعليها له قيمتها‏.‏
    فإن اتحدا تقاصا‏.‏
    وممن قال بقول أحمد من الشافعية ابن حبان صرح بذلك في صحيحه، قال ابن دقيق العيد‏:‏ الظاهر مع أحمد ومن وافقه، والقياس مع الآخرين؛ فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس وبين ظن نشأ عن ظاهر الخبر مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح، وخصوصا خصوصيته بتزويج الواهبة من قوله تعالى ‏(‏وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي‏)‏ الآية‏.‏
    وممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي قال‏:‏ وكذا نقله المزني عن الشافعي‏.‏
    قال‏:‏ وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقا وتزوجها بغير مهر ولا ولي ولا شهود، وهذا بخلاف غيره‏.‏
    وقد أخرج عبد الرزاق جواز ذلك عن علي وجماعة من التابعين‏.
    (ج9/ ص 166)
    وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز‏.‏
    واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ قريش أكفاء بعضهم بعضا، والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفأ لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفأ للعرب، وهو وجه للشافعية والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض وقال الثوري‏:‏ إذا نكح المولى العربية بفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية‏.‏
    وتوسط الشافعي فقال‏:‏ ليس نكاح غير الأكفاء حراما فأرد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدا فله فسخه‏.‏
    وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفء انتهى‏.‏
    ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه ‏"‏ العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض ‏"‏ فإسناده ضعيف‏.‏
    حتج البيهقي بحديث واثلة مرفوعا ‏"‏ إن الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل ‏"‏ الحديث وهو صحيح أخرجه مسلم، لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضم بعضهم إليه حديث ‏"‏ قدموا قريشا ولا تقدموها ‏"‏ ونقل ابن المنذر عن البويطي أن الشافعي قال‏:‏ الكفاءة في الدين، وهو كذلك في ‏"‏ مختصر البويطي ‏"‏ قال الرافعي‏:‏ وهو خلاف مشهور‏.‏
    ونقل الأبزي عن الربيع أن رجلا سأل الشافعي عنه فقال‏:‏ أنا عربي لا تسألني عن هذا‏.
    الحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدده على غيره‏.‏
    وقيل المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة‏.‏
    وقيل المال وهو مردود لذكر المال قبله وذكره معطوفا عليه‏.‏
    وقد وقع في مرسل يحيى بن جعدة عند سعيد بن منصور ‏"‏ على دينها ومالها وعلى حسبها ونسبها ‏"‏ وذكر النسب على هذا تأكيد، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة إلا إن تعارض نسيبة غير دينة وغير نسيبة دينة فتقدم ذات الدين، وهكذا في كل الصفات‏.‏
    وأما قول بعض الشافعية يستحب أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة فإن كان مستندا إلى الخبر فلا أصل له أو إلى التجربة وهو أن الغالب أن الولد بين القريبين يكون أحمق فهو متجه‏.‏
    وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه ‏"‏ إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال ‏"‏ فيحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه ‏"‏ الحسب المال، والكرم التقوى ‏"‏ أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم، وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال

  14. #194
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    كتاب النكاح " فتح الباري " للحافظ ابن حجر
    الموافق 17/ 2/ 2020 م

    (ج9/ ص 170)
    من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعا، وضعة من كان مقلا ولو كان رفيع النسب كما هو موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال
    قال القرطبي‏:‏ معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها، فهو خبر عما في الوجود من ذلك لا أنه وقع الأمر بذلك بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك لكن قصد الدين أولى، قال ولا يظن من هذا الحديث أن هذه الأربع تؤخذ منها الكفاءة أي تنحصر فيها، فإن ذلك لم يقل به أحد فيما علمت وإن كانوا اختلفوا في الكفاءة ما هي‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حل له وإلا فله من ذلك قدر ما بذل لها من الصداق‏.‏
    (ج9/ ص 173)
    ي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى ‏(‏زين للناس حب الشهوات من النساء‏)‏ فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك، ويقع في المشاهدة حب الرجل ولد من امرأته التي هي عنده أكثر من حبه ولده من غيرها، ومن أمثلة ذلك قصة النعمان بن بشير في الهبة، وقد قال بعض الحكماء‏:‏ النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن ومع أنها ناقصة العقل والدين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغله عن طلب أمور الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا وذلك أشد الفساد وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد في أثناء حديث ‏"‏ واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء‏.‏
    (ج9/ ص 177)
    (‏الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة‏)‏ أي وتبيح ما تبيح، وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من التوارث ووجوب الإنفاق والعتق بالملك والشهادة والعقل وإسقاط القصاص‏.‏
    قال القرطبي‏:‏ ووقع في رواية ‏"‏ ما تحرم الولادة ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ ما يحرم من النسب ‏"‏ وهو دال على جواز نقل الرواية بالمعنى، قال‏:‏ ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال اللفظين في وقتين، قلت‏:‏ الثاني هو المعتمد، فإن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي، وإنما يأتي ما قال إذا اتحد ذلك‏.‏
    (ج9/ 178)
    قال العلماء‏:‏ يستثنى من عموم قوله ‏"‏ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ‏"‏ أربع نسوة يحرمن في النسب مطلقا وفي الرضاع قد لا يحرمن، الأولى أم الأخ في النسب حرام لأنها إما أم وإما زوج أب، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الأخ فلا تحرم على أخيه‏.‏
    الثانية أم الحفيد‏.‏
    حرام في النسب لأنها إما بنت أو زوج ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الحفيد فلا تحرم على جده‏.‏
    الثالثة جدة الولد في النسب حرام لأنها إما أم أو أم زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية أرضعت الولد فيجوز لوالده أن يتزوجها‏.‏
    الرابعة أخت الولد حرام في النسب لأنها بنت أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الولد فلا تحرم على الوالد‏.‏
    وهذه الصور الأربع اقتصر عليها جماعة، ولم يستثن الجمهور شيئا من ذلك‏.‏
    وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك لأنهن لم يحرمن من جهة النسب وإنما حرمن من جهة المصاهرة‏.‏
    واستدرك بعض المتأخرين أم العم وأم العمة وأم الخال وأم الخالة فإنهن يحرمن في النسب لا في الرضاع وليس ذلك على عمومه والله أعلم‏
    (ج9/ ص 179)
    قلت‏:‏ وبنت حمزة تقدم ذكرها وتسميتها في كتاب المغازي في شرح حديث البراء بن عازب في قوله ‏"‏ فتبعتهم بنت حمزة تنادي‏:‏ يا عم ‏"‏ الحديث‏.‏
    وجملة ما تحصل لنا من الخلاف في اسمها سبعة أقوال‏:‏ أمامة وعمارة وسلمى وعائشة وفاطمة وأمة الله ويعلى، وحكى المزي في أسمائها أم الفضل لكن صرح ابن بشكوال بأنها كنية‏.‏
    (ج9/ ص 180)
    وفي الحديث إشارة إلى أن التحريم بالربيبة أشد من التحريم بالرضاعة‏.‏
    وقوله ‏"‏ربيبتي ‏"‏ أي بنت زوجتي، مشتقة من الرب وهو الإصلاح لأنه يقوم بأمرها، وقيل من التربية‏.‏
    وهو غلط من جهة الاشتقاق، وقوله ‏"‏في حجري ‏"‏ راعى فيه لفظ الآية وإلا فلا مفهوم له، كذا عند الجمهور وأنه خرج مخرج الغالب،
    ي رواية عراك عن زينب بنت أم سلمة عند الطبراني ‏"‏ لو أني لم أنكح أم سلمة ما حلت لي، إن أباها أخي من الرضاعة ‏"‏ ووقع في رواية ابن عيينة عن هشام ‏"‏ والله لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي ‏"‏ فذكر ابن حزم أن منهم من احتج به على أن لا فرق بين اشتراط كونها في الحجر أو لا، وهو ضعيف لأن القصة واحدة والذين زادوا فيها لفظ ‏"‏ في حجري ‏"‏ حفاظ أثبات‏.‏
    (ج9/ ص 181)
    وذكر السهيلي أن العباس قال‏:‏ لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال فقال‏:‏ ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، قال‏:‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها‏.‏
    (ج9/ ص 182)
    وفي الحديث دلالة عل أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعال ‏(‏وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا‏)‏ وأجيب أولا بأن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به، وثانيا على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ذلك، بدليل قصة أبي طالب كما تقدم أنه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح‏.‏
    وقال البيهقي‏:‏ ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات‏.‏
    وأما عياض فقال‏:‏ انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب؛ وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه‏؟‏ وقال القرطبي‏:‏ هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه‏.‏
    (ج9/ ص 186)
    أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر فيوافق الخبر والمعنى وبهذا قال الجمهور‏.‏
    لكن استثنى الحنفية الحقنة وخالف في ذلك الليث وأهل الظاهر فقالوا إن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه، وأورد على ابن حزم أنه يلزم على قولهم إشكال في التقام سالم ثدي سهلة وهي أجنبية منه، فإن عياضا أجاب عن الإشكال باحتمال أنها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها، قال النووي‏:‏ وهو احتمال حسن، لكنه لا يفيد ابن حزم، لأنه لا يكتفي في الرضاع إلا بالتقام الثدي، لكن أجاب النووي بأنه عفي عن ذلك للحاجة‏.‏
    وأما ابن حزم فاستدل بقصة سالم على جواز مس الأجنبي ثدي الأجنبية والتقام ثديها إذا أراد أن يرتضع منها مطلقا؛ واستدل به على أن الرضاعة إنما تعتبر في حال الصغر لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن بخلاف حال الكبر، وضابط ذلك تمام الحولين كما تقدم في الترجمة، وعليه دل حديث ابن عباس المذكور وحديث أم سلمة ‏"‏ لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام ‏"‏ وصححه الترمذي وابن حبان، قال القرطبي‏:‏ في قوله ‏"‏ فإنما الرضاعة من المجاعة ‏"‏ تثبيت قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغنى به الرضيع عن الطعام باللبن، ويعتضد بقوله تعالى ‏(‏لمن أراد أن يتم الرضاعة‏)‏ فأنه يدل على أن هذه المدة أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة المعتبر شرعا، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادة فلا يعتبر شرعا، إذ لا حكم للنادر وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاك حرمة المرأة بارتضاع الأجنبي منها لاطلاعه على عورتها ولو بالتقامه ثديها‏.‏
    قلت‏:‏ وهذا الأخير على الغالب وعلى مذهب من يشترط التقام الثدي
    (ج9/ ص 187)
    ورأيت بخط تاج الدين السبكي أنه رأى في تصنيف لمحمد بن خليل الأندلسي في هذه المسألة أنه توقف في أن عائشة وإن صح عنها الفتيا بذلك لكن لم يقع منها إدخال أحد من الأجانب بتلك الرضاعة، قال تاج الدين‏:‏ ظاهر الأحاديث ترد عليه، وليس عندي فيه قول جازم لا من قطع ولا من ظن غالب، كذا قال، وفيه غفلة عما ثبت عند أبي داود في هذه القصة ‏"‏ فكانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها ويراها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها ‏"‏ وإسناده صحيح، وهو صريح، فأي ظن غالب وراء هذا‏؟‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏
    وفي الحديث أيضا جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها وأنه يصير أخا لها وقبول قولها فيمن اعترفت به، وأن الزوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته والاحتياط في ذلك والنظر فيه، وفي قصة سالم جواز الإرشاد إلى الحيل‏.‏
    وقال ابن الرفعة يؤخذ منه جواز تعاطي ما يحصل الحل في المستقبل وإن كان ليس حلالا في الحال‏.‏
    (ج9/ ص 190)
    عن ابن سيرين ‏"‏ نبئت أن ناسا من أهل المدينة اختلفوا فيه ‏"‏ وعن زينب بنت أبي سلمة أنها سألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا‏.‏
    وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم بن عليه وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، وأغرب عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم مع وجود الرواية عمن ذكرنا بذلك، وحجتهم في ذلك قوله تعالى ‏(‏وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم‏)‏ ولم يذكر العمة ولا البنت كما ذكرهما في النسب، وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة‏.‏
    هب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة وابن جريج في أهل مكة ومالك في أهل المدينة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحرم وحجتهم هذا الحديث الصحيح، وألزم الشافعي المالكية في هذه المسألة برد أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة ولو خالف الحديث الصحيح إذا كان من الآحاد لما رواه عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة من أن لبن الفحل لا يحرم، قال عبد العزيز بن محمد‏:‏ وهذا رأي فقهائنا إلا الزهري فقال الشافعي‏:‏ لا نعلم شيئا من علم الخاصة أولى بأن يكون عاما ظاهرا من هذا، وقد تركوه للخبر الوارد، فيلزمهم على هذا إما أن يردوا هذا الخبر وهم ولم يردوه أو يردوا ما خالف الخبر، وعلى كل حال هو المطلوب‏.‏
    قال القاضي عبد الوهاب‏:‏ يتصور تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيا والأخرى صبية فالجمهور قالوا يحرم على الصبي تزويج الصبية‏.‏
    وقال من خالفهم‏:‏ يجوز، واستدل به على أن من ادعى الرضاع وصدقه الرضيع يثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج إلى بينه، لأن أفلح ادعى وصدقته عائشة وأذن الشارع بمجرد ذلك‏.‏
    (ج9/ ص 193)
    قوله ‏(‏وقال لنا أحمد بن حنبل‏)‏ هذا فيما قيل أخذه المصنف عن الإمام أحمد في المذاكرة أو الإجازة، والذي ظهر لي بالاستقراء أنه إنما استعمل هذه الصيغة في الموقوفات، وربما استعملها فيما فيه قصور ما عن شرطه، والذي هنا من الشق الأول، وليس للمصنف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع‏.‏
    وأخرج عنه في آخر المغازي حديثا بواسطة وكأنه لم يكثر عنه لأنه في رحلته القديمة لقي كثيرا من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة كان أحمد قد قطع التحديث فكان لا يحدث إلا نادرا فمن ثم أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد
    (ج9/ ص 196)
    حديث مرفوع أخرجه الدار قطني والطبراني من حديث عائشة ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يتبع المرأة حراما ثم ينكح ابنتها أو البنت ثم ينكح أمها، قال‏:‏ لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح حلال ‏"‏ وفي إسنادهما عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفا منه من حديث ابن عمر لا يحرم الحرام الحلال، وإسناده أصلح من الأول‏.‏
    لفظه أن رجلا قال أنه أصاب أم امرأته، فقال له ابن عباس‏:‏ حرمت عليك امرأتك، وذلك بعد أن ولدت منه سبعة أولاد
    كلهم بلغ مبالغ الرجال‏"‏‏.
    وقد روى عبد الرزاق من طريق الحارث بن عبد الرحمن قال‏:‏ سألت سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن الرجل يزني بالمرأة هل تحل له أمها‏؟‏ فقالا‏:‏ لا يحرم الحرام الحلال، وعن معمر عن الزهري مثله، وعند البيهقي من طريق يونس بن يزيد عن الزهري أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة أيتزوج ابنتها‏؟‏ فقال‏:‏ قال بعض العلماء لا يفسد الله حلالا بحرام‏.‏
    (ج9/ ص199)
    وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره‏)‏ أشار بهذا إلى أن التقييد بقوله ‏"‏ في حجوركم ‏"‏ هل هو للغالب، أو يعتبر فيه مفهوم المخالفة‏؟‏ وقد ذهب الجمهور إلى الأول، وفيه خلاف قديم أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما من طريق إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس قال‏:‏ كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب فقال لي‏:‏ مالك‏؟‏ فأخبرته، فقال‏:‏ ألها ابنة‏؟‏ يعني من غيرك، قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ كانت في حجرك‏؟‏ قلت‏:‏ لا، هي في الطائف، قال‏:‏ فانكحها، قلت‏:‏ فأين قوله تعالى ‏(‏وربائبكم‏)‏ قال إنها لم تكن في حجرك‏.‏
    وقد دفع بعض المتأخرين هذا الأثر وادعى نفي ثبوته بأن إبراهيم بن عبيد لا يعرف، وهو عجيب، فإن الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، وإبراهيم ثقة تابعي معروف، وأبوه وجده صحابيان، والأثر صحيح عن علي‏.‏
    وكذا صح عن عمر أنه أفتى من سأله إذ تزوج بنت رجل كانت تحته جدتها ولم تكن البنت في حجره أخرجه أبو عبيد، وهذا وإن كان الجمهور على خلافه فقد احتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏فلا تعرضن علي بناتكن ‏"‏ قال نعم ولم يقيد بالحجر، وهذا فيه نظر لأن المطلق محمول على المقيد، ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى‏.‏
    لأن التحريم جاء مشروطا بأمرين‏:‏ أن تكون في الحجر وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم، فلا تحرم بوجود أحد الشرطين‏.‏
    واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي
    (ج9/ ص 200)
    جمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانتا شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء النسب والرضاع‏.‏
    واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين، فأجازه بعض السلف وهو رواية عن أحمد والجمهور، وفقهاء الأمصار على المنع، ونظيره الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وحكاه الثوري عن الشيعة
    (ج9/ ص201)
    قال الترمذي بعد تخريجه‏:‏ العمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها‏.‏
    وقال ابن المنذر‏:‏ لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه، وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه‏:‏ اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين ا هـ‏.‏
    وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بين، فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن‏.‏
    (ج9/ ص 202)
    وقال الترمذي بعد تخريجه‏:‏ العمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها‏.‏
    وقال ابن المنذر‏:‏ لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه، وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه‏:‏ اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين ا هـ‏.‏
    وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بين، فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن‏.‏
    ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف‏.‏
    (ج9/ ص 203)
    قال النووي‏:‏ احتج الجمهور بهذه الأحاديث وخصوا بها عموم القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏)‏ وقد ذهب الجمهور إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، وانفصل صاحب الهداية من الحنفية عن ذلك بأن هذا من الأحاديث المشهورة التي تجوز الزيادة على الكتاب بمثلها، والله أعلم
    (ج9/ ص 203)
    قال ابن عبد البر‏:‏ ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه‏.‏
    م اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في ‏"‏ المعرفة ‏"‏‏:‏ لا أدري التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك‏.‏
    قال الخطيب‏:‏ تفسير الشغار ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرز بن عون، ثم ساقه كذلك عنهم، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيلي والدار قطني في ‏"‏ الموطآت ‏"‏ وأخرجه الدار قطني أيضا من طريق خالد بن مخلد عن مالك قال‏:‏ سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل إلخ، وهذا دال على أن التفسير من منقول مالك لا من مقوله‏.‏
    زاد ابن نمير ‏"‏ والشغار أن يقول الرجل للرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي وزوجني أختك وأزوجك أختي
    أخرج عبد الرزاق عن معمر عن ثابت وأبان عن أنس مرفوعا ‏"‏ لا شغار في الإسلام، والشغار أن يزوج الرجل الرجل أخته بأخته ‏"‏
    وقال القفال‏:‏ العلة في البطلان التعليق والتوقيف، فكأنه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك‏.‏
    وقال الخطابي‏:‏ كان ابن أبي هريرة يشبه برجل تزوج امرأة ويستثنى عضوا من أعضائها وهو مما لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك أنه يزوج وليته ويستثنى بضعها حيث يجعله صداقا للأخرى‏.‏
    وقال الغزالي في ‏"‏ الوسيط ‏"‏‏:‏ صورته الكاملة أن يقول زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك‏.‏
    ونقل الخرقي أن أحمد نص على أن علة البطلان ترك ذكر المهر، ورجح ابن تيمية في ‏"‏ المحرر ‏"‏ أن العلة التشريك في البضع‏.‏
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ ما نص عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث لقوله فيه ولا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد، ثم قال‏:‏ وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي، ويؤيده حديث أبي ريحانة
    وقال ابن عبد البر‏:‏ أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان‏.‏
    وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي‏.‏
    وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل، وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشافعي، لاختلاف الجهة‏.‏
    (ج9/ ص 207)
    وتقدم في عمرة القضاء من رواية عكرمة بلفظ حديث الأوزاعي وزاد ‏"‏ وبنا بها وهي حلال ‏"‏ وماتت بسرف، قال الأثرم‏:‏ قلت لأحمد إن أبا ثور يقول بأي شيء يدفع حديث ابن عباس - أي مع صحته - قال فقال‏:‏ الله المستعان، ابن المسيب يقول‏:‏ وهم ابن عباس، وميمونة تقول تزوجني وهو حلال ا هـ‏.‏
    وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان ‏"‏ لا ينكح المحرم ولا ينكح ‏"‏ أخرجه مسلم، ويجمع بينه وبين حديث ابن عباس يحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وقال ابن عبد البر‏:‏ اختلفت الآثار في هذا الحكم؛ لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال، جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد ا
    ويترجح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين تحتمل أنواعا من الاحتمالات‏:‏ فمنها أن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي يصير محرما كما تقدم تقرير ذلك عنه في كتاب الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قلد الهدي في عمرته
    قد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ لا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر، ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا‏.‏
    ومنها أن قول ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم أي داخل الحرام أو في الشهر الحرام، قال الأعشى ‏"‏ قتلوا كسرى بليل محرما ‏"‏ أي في الشهر الحرام‏.‏
    وقال آخر ‏"‏ قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ‏"‏ أي في البلد الحرام، وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان فجزم به في صحيحه‏.‏
    (ج9/ ص 210)
    في رواية الثوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدار قطني ‏"‏ أن عليا سمع ابن عباس وهو يفتي في متعة النساء فقال‏:‏ أما علمت ‏"‏ وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيم ‏"‏ عن يحيى بن سعيد عن الزهري بدون ذكر مالك ولفظه ‏"‏ أن عليا مر بابن عباس وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها‏"‏، ولمسلم من طريق جويرية عن مالك يسنده أنه ‏"‏ سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان إنك رجل تائه ‏"‏
    (ج9/ ص 211)
    قال السهيلي‏:‏ ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر، قال‏:‏ فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير لفظ الزهري، وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميدي ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، ثم راجعت ‏"‏ مسند الحميدي ‏"‏ من طريق قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السلمي عنه فقال بعد سياق الحديث ‏"‏ قال ابن عيينة‏:‏ يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة ‏"‏ قال ابن عبد البر‏:‏ وعلى هذا أكثر الناس‏.‏
    وقال البيهقي‏:‏ يشبه أن يكون كما قال لصحة الحديث في أنه صلى الله عليه وسلم رخص فيها بعد ذلك ثم نهى عنها، فلا يتم احتجاج علي إلا إذا وقع النهي أخيرا لتقوم به الحجة على ابن عباس‏.‏
    وقال أبو عوانة في صحيحه سمعت أهل العلم يقولون‏:‏ معنى حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها وإنما نهى عنها يوم الفتح ا هـ‏.
    والمشهور في تحريمها أن ذلك في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح ا هـ‏.‏
    فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن‏:‏ خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع‏.‏
    وبقي عليه حنين لأنها وقعت في رواية قد نبهت عليها قبل، فأما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدا لخطأ رواتها، أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدة‏.‏
    وقال النووي‏:‏ الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثم حرمت تحريما مؤبدا، قال‏:‏ ولا مانع من تكرير الإباحة‏.‏
    ونقل غيره عن الشافعي أن المتعة نسخت مرتين، وقد تقدم في أوائل النكاح حديث ابن مسعود في سبب الإذن في نكاح المتعة وأنهم كانوا إذا غزوا اشتدت عليهم العزبة فأذن لهم في الاستمتاع فلعل النهي كان يتكرر في كل مواطن بعد الإذن، فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن والله أعلم‏.‏
    والحكمة في جمع علي بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس كان يرخص في الأمرين مع
    قال عياض‏:‏ ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض‏.‏
    وأما ابن عباس فروي عنه أنه أباحها، وروي عنه أنه رجع عن ذلك‏.‏
    قال ابن بطال‏:‏ روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة‏.‏
    وقال ابن حزم‏:‏ ثبت على إباحتها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف وجابر وعمرو ابن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال‏:‏ ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة‏.‏
    قلت‏:‏ وفي جميع ما أطلقه نظر، أما ابن مسعود فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح، وقد بينت فيه ما نقله الإسماعيلي من الزيادة فيه المصرحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من طريق أبي معاوية عن إسماعيلي بن أبي خالد وفي آخره ‏"‏ ففعلنا ثم ترك ذلك‏"‏‏.
    ‏"‏‏.‏
    (ج9/ ص 224)
    قال الزمخشري‏:‏ التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شيء لم يذكره‏.‏
    وتعقب بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز، وأجاب سعد الدين بأنه لم يقصد التعريف، ثم حقق التعريض بأنه ذكر شيء مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام، مثل أن يذكر المجيء للتسليم ومراده التقاضي، فالسلام مقصوده والتقاضي عرض، أي أميل إليه الكلام عن عرض أي جانب‏.‏
    وامتاز عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها‏.‏
    والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان، فمثل جئت لأسلم عليك كناية وتعريض، ومثل طويل النجاد كناية لا تعريض، ومثل آذيتني فستعرف خطابا لغير المؤذى تعريض بتهديد المؤذى لا كناية انتهى ملخصا‏.‏
    واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن، وكذا من وقف نكاحها، وأما الرجعية فقال الشافعي‏:‏ لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها‏.‏
    والحاصل أن التسريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح للأولى، حرام في الأخيرة، مختلف فيه في البائن‏.
    (ج9/ ص 225)
    واختلف فيمن صرح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلا بعد انقضائها ‏"‏ فقال مالك‏:‏ يفارقها دخل بها أو لم يدخل‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ صح العقد وإن ارتكب النهي بالتصريح المذكور لاختلاف الجهة‏.‏
    وقال المهلب‏:‏ علة المنع من التصريح في العدة أن ذلك ذريعة إلى الموافقة في العدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق ا هـ‏.‏
    وتعقب بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح، إلا أن يقال التصريح ذريعة إلى العقد والعقد ذريعة إلى الوقاع‏.‏
    وقد اختلفوا لو وقع العقد في العدة ودخل فاتفقوا على أنه يفرق بينهما‏.‏
    وقال مالك والليث والأوزاعي‏:‏ لا يحل له نكاحها بعد‏.‏
    وقال الباقون بل يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء‏.‏
    (ج9/ 232)
    ومن طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر ‏"‏ أن امرأة كانت يقال لها أم مهزول تسافح في الجاهلية، فأراد بعض الصحابة أن يتزوجها فنزلت‏:‏ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ‏"‏ ومن طريق مجاهد في هذه الآية قال ‏"‏ هن بغايا، كن في الجاهلية معلومات لهن رايات يعرفن بها ‏"‏ ومن طريق عاصم بن المنذر عن عروة بن الزبير مثله وزاد ‏"‏ كرايات البيطار ‏"‏ وقد ساق هشام بن الكلبي في ‏"‏ كتاب المثالب ‏"‏ أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية فسمى منهن أكثر من عشر نسوة مشهورات تركت ذكرهن اختيارا‏.‏
    (ج9/ ص 239)
    حتج بهذا على اشتراط الولي، وتعقب بأن عائشة وهي التي روت هذا الحديث كانت تجيز النكاح بغير ولي، كما روى مالك أنها زوجت بنت عبد الرحمن أخيها وهو غائب فلما قدم قال‏:‏ مثلي يفتات عليه في بناته‏؟‏ وأجيب بأنه لم يرد في الخبر التصريح بأنها باشرت العقد، فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيبا ودعت إلى كفء وأبوها غائب فانتقلت الولاية إلا الولي الأبعد أو إلى السلطان‏.‏
    وقد صح عن عائشة أنها ‏"‏ أنكحت رجلا من بني أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت‏:‏ ليس إلى النساء نكاح ‏"‏ أخرجه عبد الرزاق‏.‏
    (ج9/ ص 235)
    واختلفوا فيما إذا مات الأب فأوصى رجلا على أولاده هل يكون أولى من الولي القريب في عقدة النكاح أو مثله أو لا ولاية له‏؟‏ فقال ربيعة وأبو حنيفة ومالك‏:‏ الوصي أولى، واحتج لهم بأن الأب لو جعل ذلك لرجل بعينه في حياته لم يكن لأحد من الأولياء أن يعترض عليه، فكذلك بعد موته‏.‏
    وتعقب بأن الولاية انتقلت بالموت فلا يقاس بحال الحياة وقد اختلف العلماء اشتراط الولي في النكاح فذهب الجمهور إلى ذلك وقالوا‏:‏ لا تزوج المرأة نفسها أصلا، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السبب المذكور في نزول الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه‏.‏
    وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وعن مالك رواية أنها إن كانت غيره شريفة زوجت نفسها‏.‏
    وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلا، ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤا، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخص بهذا القيام عمومها، وهو عمل سائغ في الأصول، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس، لكن حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء، وانفصل بعضهم عن هذا الإيراد بالتزامهم اشتراط الولي ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها، ويتوقف ذلك إجازة الولي كما قالوا لما في البيع، وهو مذهب الأوزاعي‏.‏
    وقال أبو ثور نحوه لكن قال‏:‏ يشترط إذن الولي لها في تزويج نفسها‏.
    (ج9/ ص 236)
    وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة أكثر أصحابه والليث‏:‏ يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور‏.‏
    وعن مالك لو قالت الثيب لوليها زوجني بمن رأيت فزوجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ يزوجهما السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه‏.‏
    ووافقه زفر وداود‏.‏
    وحجتهم أن الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح منكحا كما لا يبيع من نفسه‏.‏
    (ج9/ ص 238)
    أن يقال الأصل في الإيضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السر أورد حديث عائشة، قال المهلب‏:‏ أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ومقابله وتجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا كانت أو ثيبا‏.‏
    (ج9/ ص 241)
    وظاهر هذا الحدث أن الأيم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأيم، ومنه قولهم ‏"‏ الغزو مأيمة ‏"‏ أي يقتل الرجال فتصير النساء أيامى، وقد تطلق على من لا زوج لها أصلا، ونقله عياض عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما أنه يطلق على كل من لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا، وحكى الماوردي القولين لأهل اللغة‏.‏
    (ج9/ ص 243)
    واستدل به لمن قال‏:‏ إن للثيب أن تتزوج بغير ولي، ولكنها لا تزوج نفسها بل تجعل أمرها إلى رجل فيزوجها، حكاه ابن حزم عن داود، وتعقبه بحديث عائشة ‏"‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ‏"‏ وهو حديث صحيح كما تقدم، وهو يبين أن معنى قوله ‏"‏ أحق بنفسها من وليها أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها ولا يجبرها، فإذا أرادت أن تتزوج لم يجز لها إلا بإذن وليها واستدل به على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإلى هذا أشار المصنف في الترجمة، وإن أعلنت بالرضا فيجوز بطريق الأولى، وشذ بعض أهل الظاهر فقال‏:‏ لا يجوز أيضا وقوفا عند ظاهر قوله ‏"‏ وإذنها أن تسكت‏"‏
    واستدل به على أن الصغيرة الثيب لا إجبار عليها لعموم كونها أحق بنفسها من وليها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء ولو كان زنا لا إجبار عليها لأب ولا غيره لعموم قوله ‏"‏ الثيب أحق بنفسها ‏"‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ هي كالبكر، وخالفه حتى صاحباه، واحتج له بأن علة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء وهو باق في هذه لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء لا فيمن اتخذت الزنا ديدنا وعادة

  15. #195
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    تكملة ل كتاب النكاح "
    الموافق 22/ 2/ 2020
    الموافق 28/ جمادى الثاني /1441 هجري

    ك
    (ج9/ ص 250)
    وقال الخطابي‏:‏ هذا النهي للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند الفقهاء، كذا قال، ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع ولكن اختلفوا في شروطه فقال الشافعية والحنابلة‏:‏ محل التحريم ما إذا صرحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له حيث يكون إذنها معتبرا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم، فلو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخطبة لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان، وإن وقعت الإجابة بالتعريض كقولها لا رغبة عنك فقولان عند الشافعية، الأصح وهو قول المالكية والحنفية لا يحرم أيضا، وإذا لم ترد ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة‏:‏ خطبني معاوية وأبو جهم فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهما بل خطبها لأسامة، وأشار النووي وغيره إلى أنه لا حجة فيه لاحتمال أن يكونا خطبا معا أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما فخطبها لأسامة‏.‏
    وحكى الترمذي عن الشافعي أن معنى حديث الباب إذا خطب الرجل المرأة فرضيت به وركنت إليه فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها ولا ركونها فلا بأس أن يخطبها، والحجة فيه قصة فاطمة بنت قيس
    وقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده، وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطا صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، وحكى الطبري أن بعض العلماء قال‏:‏ أن هذا النهي منسوخ بقصة فاطمة بنت قيس، ثم رده وغلطه بأنها جاءت مستشيرة فأشير عليها بما هو الأولى ولم يكن هناك خطبة على خطبة كما تقدم، ثم إن دعوى النسخ في مثل هذا غلط، لأن الشارع أشار إلى علة النهي في حديث عقبة بن عامر بالأخوة، وهي صفة لازمة وعلة مطلوبة للدوام فلا يصح أن يلحقها النسخ والله أعلم‏.‏
    واستدل به على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم
    (ج9/ ص 253)
    أخرجه أبو داود من حديث صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ أن من البيان سحرا‏.‏
    قال فقال صعصعة ابن صوحان‏:‏ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق فيسحر الناس بيانه فيذهب بالحق ‏"‏ وقال المهلب‏:‏ وجه إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أن الخطبة في النكاح إنما شرعت للخاطب ليسهل أمره فشبه حسن التوصل إلى الحاجة بحسن الكلام فيها باستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما كان كذلك لأن النفوس طبعت على الأنفة من ذكر الموليات في أمر النكاح، فكان حسن التوصل لرفع تلك الأنفة وجها من وجوه السحر الذي يصرف الشيء إلى غيره‏.‏
    (ج9/ ص 253)
    ورد في تفسير خطبة النكاح أحاديث من أشهرها ما أخرجه أصحاب السنن وصححه أبو عوانة وابن حبان عن ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ‏"‏ الحديث‏.‏
    قال الترمذي‏:‏ حسن رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، قال فكلا الحديثين صحيح لأن إسرائيل رواه عن أبي إسحاق فجمعهما‏.‏
    قال وقد قال أهل العلم‏:‏ إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم ا هـ‏.‏
    وقد شرطه في النكاح بعض أهل الظاهر وهو شاذ
    (ج9/ ص 254)
    أخرج الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ بإسناد حسن من حديث عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بنساء من الأنصار في عرس لهن وهن يغنين‏:‏ وأهدى لها كبشا تنحنح في المربد وزوجك في البادي وتعلم ما في غد فقال‏:‏ لا يعلم ما في غد إلا الله ‏"‏ قال المهلب‏:‏ في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، وفيه إقبال الإمام إلى العرس وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح‏.‏
    وفيه جواز مدح الرجل في وجهه ما لم يخرج إلى ما ليس فيه‏.‏
    وأغرب ابن التين فقال‏:‏ إنما نهاها لأن مدحه حق والمطلوب في النكاح اللهو فما أدخلت الجد في اللهو منعها، كذا قال،
    (ج9/ ص 255)
    وهو ما أخرجه عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال قال عمر‏:‏ لا تغالوا في مهور النساء‏:‏ فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب، قال وكذلك هي في قراءة ابن مسعود ‏"‏ فقال عمر‏:‏ امرأة خاصمت عمر فخصمته ‏"‏ وأخرجه الزبير بن بكار من وجه آخر منقطع ‏"‏ فقال عمر‏:‏ امرأة أصابت رجل أخطأ ‏"‏ وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر فذكره متصلا مطولا، وأصل قول عمر ‏"‏ لا تغالوا في صدقات النساء ‏"‏ عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، لكن ليس فيه قصة المرأة، ومحصل الاختلاف أنه أقل ما يتمول، وقيل أقله ما يجب فيه القطع، وقيل أربعون وقيل خمسون، وأقل ما يجب فيه القطع مختلف فيه فقيل ثلاثة دراهم وقيل خمسة وقيل عشرة‏.‏
    (ج9/ ص 260)
    ي رواية يعقوب وابن أبي حازم ‏"‏ عدهن ‏"‏ وفي رواية أبي غسان ‏"‏ لسور يعددها ‏"‏ وفي رواية سعيد بن المسيب عن سهل بن سعد ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة على سورتين من القرآن يعلمها إياهما ‏"‏ ووقع في حديث أبي هريرة قال ‏"‏ ما تحفظ من القرآن‏؟‏ قال‏:‏ سورة البقرة أو التي تليها ‏"‏ كذا في كتابي أبي داود والنسائي بلفظ ‏"‏ أو ‏"‏ وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو وعند النسائي بلفظ ‏"‏ أو ‏"‏ ووقع في حديث ابن مسعود ‏"‏ قال نعم سورة البقرة وسورة المفصل ‏"‏ وفي حديث ضميرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا على سورة البقرة لم يكن عنده شيء ‏"‏ وفي حديث أبي أمامة ‏"‏ زوج النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه امرأة على سورة من المفصل جعلها مهرها وأدخلها عليه وقال‏:‏ علمها ‏"‏ وفي حديث أبي هريرة المذكور ‏"‏ فعلمها عشرين آية وهي امرأتك ‏"‏ وفي حديث ابن عباس ‏"‏ أزوجها منك على أن تعلمها أربع - أو خمس - سور من كتاب الله ‏"‏ وفي مرسل أبي النعمان الأزدي عند سعيد بن منصور ‏"‏ زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن ‏"‏ وفي حديث ابن عباس وجابر ‏"‏ هل تقرأ من لقرآن شيئا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إنا أعطيناك الكوثر‏.‏
    قال‏:‏ أصدقها إياها ‏"‏ ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصص متعددة‏.‏
    (ج9/ ص 262)
    أن لا حد لأقل المهر، قال ابن المنذر‏:‏ فيه رد على من زعم أن أقل المهر عشرة دراهم وكذا من قال ربع دينار، قال‏:‏ لأن خاتما من حديد لا يساوي ذلك‏.‏
    وقال المازري تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار لأنه خرج مخرج التعليل ولكن مالك قاسه على القطع في السرقة‏.‏
    قال عياض‏:‏ تفرد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى ‏(‏أن تبتغوا بأموالكم‏)‏ وبقوله ‏(‏ومن لم يستطع منكم طولا‏)‏ فإنه يدل على أن المراد ماله بال من المال وأقله ما استبيح به قطع العضو المحترم، قال‏:‏ وأجازه الكافة بما تراضى عليه الزوجان أو من العقد إليه بما فيه منفعة كالسوط والنعل إن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال يحيى ابن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن أبي ذئب وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه وابن جريج ومسلم بن خالد وغيرهما من أهل مكة والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر والثوري وابن أبي ليلى وغيرهما من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه والشافعي وداود وفقهاء أصحاب الحديث وابن وهب من المالكية‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ أقله عشرة، وابن شبرمة أقله خمسة، ومالك أقله ثلاثة أو ربع دينار بناء على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع‏.‏
    وقد قال الدراوردي لمالك لما سمعه يذكر هذه المسألة‏:‏ تعرقت يا أبا عبد الله، أي سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة وقال القرطبي‏:‏ استدل من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدمي محترم فلا يستباح بأقل من كذا قياسا على يد السارق، وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع ولا كذلك الصداق‏.‏
    وقد ضعف جماعة من المالكية أيضا هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخمي‏:‏ قياس قدر الصداق بنصاب السرقة ليس بالبين، لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز، ونحوه لأبي عبد الله بن الفخار منهم‏.‏
    (ج9/ ص 265)
    ونقل عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقا ولا يحل به النكاح، فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم فقال‏:‏ يجوز بكل ما يسمى شيئا ولو كان حبة من شعير، ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏التمس ولو خاتما من حديد ‏"‏ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شك أن الخاتم من الحديد له قيمة وهو أعلى خطرا من النواة وحبة الشعير، ومساق الخبر يدل على أنه لا شيء دونه يستحل به البضع، وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء، منها عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة رفعه ‏"‏ من استحل بدرهم في النكاح فقد استحل ومنها عند أبي داود عن جابر رفعه ‏"‏ من أعطى في صداق امرأة سويقا أو تمرا فقد استحل‏"‏، وعند الترمذي من حديث عامر بن ربيعة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين ‏"‏ وعند الدار قطني من حديث أبي سعيد في أثناء حديث المهر ‏"‏ ولو على سواك من أراك ‏"‏ وأقوى شيء ورد في ذلك حديث جابر عند مسلم كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نهى عنها عمر ‏"‏ قال البيهقي‏:‏ إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل لا عن قدر الصداق، وهو كما قال‏.‏
    واحتج لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال ‏"‏ زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن وقال‏:‏ لا تكون لأحد بعدك مهرا ‏"‏ وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف‏.‏
    وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال‏.‏
    ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه‏.‏
    وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن عبيد الله بن
    أبي طلحة عن أنس قال ‏"‏ تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، فذكر القصة وقال في آخره‏:‏ فكان ذلك صداق ما بينهما ترجم عليه النسائي ‏"‏ التزويج على الإسلام
    (ج9/ ص 267)
    واستدل به على جواز ثبوت العقد بدون لفظ النكاح والتزويج، وخالف ذلك الشافعي ومن المالكية ابن دينار وغيره‏.‏
    والمشهور عن المالكية جوازه بكل لفظ دل على معناه إذا قرن بذكر الصداق أو قصد النكاح كالتمليك والهبة والصدقة والبيع، ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة ولا العارية ولا الوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة، وأجازه الحنفية بكل لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ملكتكها‏"‏ لكن ورد أيضا بلفظ ‏"‏ زوجتكها ‏"‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ هذه لفظة واحدة في قصة واحدة واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم أحد الألفاظ المذكورة، فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل عن الدار قطني أن الصواب رواية من روى ‏"‏ زوجتكها ‏"‏ وأنهم أكثر وأحفظ، قال‏:‏ وقال بعض المتأخرين يحتمل صحة اللفظين ويكون قال لفظ التزويج أولا ثم قال اذهب فقد ملكتكها بالتزويج السابق، قال ابن دقيق العيد‏:‏ وهذا بعيد لأن سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قبلت لا تعددها وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد جدا، وأيضا فلخصمه أن يعكس ويدعى أن العقد وقع بلفظ التمليك ثم قال زوجتكها بالتمليك السابق
    ال ثم إنه لم يتعرض لرواية ‏"‏ أمكناكها ‏"‏ مع ثبوتها، وكل هذا يقتضي تعين المصير إلى الترجيح ا هـ‏.‏
    وقد قال البغوي في ‏"‏ شرح السنة ‏"‏ لا حجة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك لأن العقد كان واحدا فلم يكن اللفظ إلا واحدا، واختلف الرواة في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب زوجنيها إذ هو الغالب في أمر العقود إذ قلما يختلف فيه لفظ المتعاقدين؛ وم روى بلفظ غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن‏.‏
    ( ج9/ ص 270)
    بن التين فقال‏.‏
    أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية زوجتكها وأن رواية ملكتكها وهم، وتعلق بعض المتأخرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمة فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها فدل على أن كان لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكل لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها ولا حصر في الصريح، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه وهو قول الحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه فأكثر نصوصه تدل على موافقة الجمهور، واختار ابن حامد وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعية، واستدل ابن عقيل منهم لصحة الرواية الأولى بحديث ‏"‏ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ‏"‏ فإن أحمد نص على أن من قال عتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أنه ينعقد نكاحها بذلك، واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بد أن يقول في مثل هذه الصورة تزوجتها، وهي زيادة على ما في الخبر وعلى نص أحمد، وأصوله تشهد بأن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل‏.‏
    وفيه أن من رغب تزويج من هو أعلى قدرا منه لا لوم عليه لأنه بصدد أن يجاب إلا إن كان مما تقطع العادة برده كالسوقي يخطب من السلطان بنته أو أخته‏.‏
    وأن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلا ولا سيما إن كان هناك غرض صحيح أو قصد صالح إما لفضل ديني في المخطوب أو لهوى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في محذور‏.‏
    (ج9/ ص 274)
    قال ابن حبيب‏:‏ حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترض بما قسم الله لها‏.‏
    (ج9/ ص 277)
    قصة تزويج عبد الرحمن بن عوف مختصرة من طريق ثابت عن أنس وفيه ‏"‏ قال بارك الله لك ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ إنما أراد بهذا الباب والله أعلم رد قول العامة عند العرس بالرفاء والبنين فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحو ذلك كحديث معاذ بن جبل أنه شهد إملاك رجل من الأنصار فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكح الأنصاري وقال ‏"‏ على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة في الرزق ‏"‏ الحديث أخرجه الطبراني في ‏"‏ الكبير ‏"‏ بسند ضعيف، وأخرجه فيه ‏"‏ الأوسط ‏"‏ بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البرقاني في كتاب معاشرة الأهلين من حديث أنس وزاد فيه ‏"‏ والرفاء والبنين ‏"‏ وفي سنده أبان العبدي وهو ضعيف، وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفأ إنسانا قال‏:‏ بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ‏"‏ وقوله ‏"‏ رفأ ‏"‏ بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له في موضع قولهم بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها كما روى بقي بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن رجل من بني تميم قال ‏"‏ كنا نقول في الجاهلية بالرفاء والبنين ‏"‏ فلما جاء الإسلام علمنا نبينا قال‏:‏ قولوا بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم‏"‏‏.‏
    وأخرج النسائي والطبراني من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبي طالب أنه ‏"‏ قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له‏:‏ بالرفاء والبنين، فقال‏:‏ لا تقولوا هكذا وقولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم بارك لهم وبارك عليهم ‏"‏ ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال ودل حديث أبي هريرة على أن اللفظ كان مشهورا عندهم غالبا حتى سمي كل دعاء للمتزوج ترفئة، واختلف في علة النهي عن ذلك فقيل لأنه لا حمد فيه ولا ثناء ولا ذكر لله، وقيل لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر، وأما الرفاء فمعناه الالتئام من رفأت الثوب ورفوته رفوا ورفاء وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف فلا كراهة فيه‏.‏
    قال ابن المنير‏:‏ الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلا لا دعاء، فيظهر أنه لو قيل للمتزوج بصورة الدعاء لم يكره كأن يقول‏:‏ اللهم ألف بينهما وارزقهما بنين صالحين مثلا، أو ألف الله بينكما ورزقكما ولدا ذكرا ونحو ذلك‏.‏
    وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس الماضي قال ‏"‏ شهدت شريحا وأتاه رجل من أهل الشام فقال‏:‏ إني تزوجت امرأة، فقال بالرفاء والبنين ‏"‏ الحديث، وأخرجه عبد الرزاق من طريق عدي بن أرطاة قال ‏"‏ حدثت شريحا أني تزوجت امرأة فقال‏:‏ بالرفاء والبنين ‏"‏ فهو محمول على أن شريحا لم يبلغه النهي عن ذلك، ودل صنيع المؤلف على أن الدعاء للمتزوج بالبركة هو المشروع، ولا شك أنها لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له تزوجت بكرا أو ثيبا ‏"‏ قال له بارك الله لك ‏"‏ والأحاديث في ذلك معروفة‏.‏
    (ج9/ ص 285)
    واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما تقدم في بدء الخلق ‏"‏ إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثنى ‏"‏ فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صراخه‏.‏
    ثم اختلفوا فقيل‏:‏ المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم ‏(‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏)‏ ويؤيده مرسل الحسن المذكور، وقيل المراد لم يطعن في بطنه، وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا، وقيل المراد لم يصرعه، وقيل لم يضره في بدنه‏.‏
    وقال ابن دقيق العيد‏:‏ يحتمل أن لا يضره في دينه أيضا، ولكن يبعده انتفاء العصمة‏.‏
    وقال الداودي معنى ‏"‏ لم يضره ‏"‏ أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقيل لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد ‏"‏ أن الذي يجامع ولا يسمى يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه ‏"‏ ولعل هذا أقرب الأجوبة، ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك نادرا لم يبعد‏.‏
    (ج9/ ص 287)
    وروى أحمد من حديث بريدة قال ‏"‏ لما خطب علي فاطمة قال رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه لا بد للعروس من وليمة ‏"‏ وسنده لا بأس به، قال ابن بطال قوله ‏"‏ الوليمة حق ‏"‏ أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب‏.‏
    ثم قال‏:‏ ولا أعلم أحدا أوجبها‏.‏
    كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي وقال‏:‏ إن مشهور المذهب أنها مندوبة‏.‏
    وابن التين عن أحمد لكن الذي في ‏"‏ المغني ‏"‏ أنها سنة، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال وقال بعض الشافعية‏:‏ هي واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة فكانت واجبة‏.‏
    وأجاب بأنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة وهي غير واجبة اتفاقا، وأما البناء فلا أصل له‏.‏
    د اختلف السلف في وقتها هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو موسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول على أقوال‏:‏ قال النووي‏:‏ اختلفوا فحكى عياض أن الأصح عند المالكية استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد وبعد الدخول‏.‏
    وقال له موضع آخر‏:‏ يجوز قبل الدخول وبعده‏.‏
    وذكر ابن السبكي أن أباه قال‏:‏ لم أر في كلام الأصحاب تعين وقتها، وأنه استنبط من قول البغوي‏:‏ ضرب الدف في النكاح جائز في العقد والزفاف قبل وبعد قريبا منه، أن وقتها موسع من حين العقد، قال‏:‏ والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول كأنه يشير إلى قصة زينب بنت جحش، وقد ترجم عليه البيهقي في وقت الوليمة ا هـ، وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقب بأن الماوردي صرح بأنها عند الدخول، وحديث أنس في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول لقوله فيه ‏"‏ أصبح عروسا بزينب فدعا القوم ‏"‏ واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقبها وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيد كونها للدخول لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة ترددوا هل هي زوجة أو سرية، فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة لأن السرية لا وليمة لها فدل على أنها عند الدخول أو بعده‏.‏
    (ج9/ ص 296)
    قال أهل اللغة‏:‏ الحيس يؤخذ التمر فينزع نواه ويخلط بالأقط أو الدقيق أو السويق ا ه‏.‏
    ولو جعل فيه السمن لم يخرج عن كونه حيسا‏.

    (ج9/ ص 296)
    قال الكرماني‏:‏ لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان للشكر لله على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي‏.‏
    قلت‏:‏ ونفى أنس أن يكون لم يولم على غير زينب بأكثر مما أولم عليها محمول على ما انتهى إليه علمه، أو لما وقع من البركة في وليمتها حيث أشبع المسلمين خبزا ولحما من الشاة الواحدة، وإلا فالذي يظهر أنه لما أولم على ميمونة بنت الحارث لما تزوجها في عمرة القضية بمكة وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها فامتنعوا أن يكون ما أولم به عليها أكثر من شاة لوجود التوسعة عليه في تلك الحالة لأن ذلك كان بعد فتح خيبر، وقد وسع الله على المسلمين منذ فتحها عليهم‏.‏
    وقال ابن المنير‏:‏ يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض بالأتحاف والألطاف والهدايا‏.‏
    (ج9/ ص 298)
    ال الذهبي في ‏"‏ مختصر التهذيب ‏"‏‏:‏ ما رأيت أحدا ضعف أبان بن صالح، وكأنه لم يقف على قول ابن عبد البر في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ لما ذكر حديث جابر في استقبال قاضي الحاجة القبلة من رواية أبان بن صالح المذكور‏:‏ هذا ليس صحيحا لأن أبان بن صالح ضعيف، كذا قال وكأنه التبس عليه بأبان بن أبي عياش البصري صاحب أنس فإنه ضعيف باتفاق، وهو أشهر وأكثر حديثا ورواة من أبان بن صالح؛ ولهذا لما ذكر ابن حزم الحديث المذكور عن جابر قال‏:‏ أبان بن صالح ليس بالمشهور‏.‏
    قلت‏:‏ ولكن يكفي توثيق ابن معين ومن ذكر له، وقد روى عنه أيضا ابن جريج وأسامة بن زيد الليثي وغيرهما، وأشهر من روى عنه محمد بن إسحاق‏.‏
    (ج9/ ص 300)
    ن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطف الدعوة عليها من العام بعد الخاص، وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته، وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر، وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري وابن الأثير‏.‏
    وقال صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ الوليمة طعام العرس والإملاك وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره‏.‏
    وقال عياض في ‏"‏ المشارق ‏"‏‏:‏ الوليمة طعام النكاح، وقيل الإملاك وقيل طعام العرس خاصة‏.‏
    وقال الشافعي وأصحابه‏:‏ تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال وليمة الختان ونحو ذلك‏.‏
    وقال الأزهري‏:‏ الوليمة مأخوذة من الولم وهو الجمع وزنا ومعنى لأن الزوجين يجتمعان‏.‏
    وقال ابن الأعرابي‏:‏ أصلها من تتميم الشيء واجتماعه، وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة، وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلثته وغلطوه في ذلك على ما قال النووي، قال ودعوة النسب بكسر الدال وعكس ذلك بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب وكسروا دال دعوة الطعام ا ه‏.‏
    وما نسبه لبني تيم الرباب نسبه صاحبا ‏"‏ الصحاح ‏"‏ و ‏"‏ المحكم ‏"‏ لبني عدي الرباب‏.‏
    فالله أعلم‏.
    (ج9/ ص 300)
    ذكر النووي تبعا لعياض أن الولائم ثمانية‏:‏ الإعذار بعين مهملة وذال معجمة للختان، والعقيقة للولادة، والخرس بضم المعجمة وسكون الراء ثم سين مهملة لسلامة المرأة من الطلق وقيل هو طعام الولادة، والعقيقة تختص بيوم السابع‏.‏
    والنقيعة لقدوم المسافر مشتقة من النقع وهو الغبار‏.‏
    والوكيرة للسكن المتجدد، مأخوذ من الوكر وهو المأوى والمستقر‏.‏
    والوضيمة بضاد معجمة لما يتخذ عند المصيبة، والمأدبة لما يتخذ بلا سبب ودالها مضمومة ويجوز فتحها، انتهى‏.‏
    اختلف في النقيعة هل التي يصنعها القادم من السفر أو تصنع له‏؟‏ قولان‏.‏
    وقيل النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تصنع له تسمى التحفة‏.‏
    وقيل إن الوليمة خاص بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك فيسمى الشندخ بضم المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وقد تضم وآخره خاء معجمة مأخوذ من قولهم فرس شندخ أي يتقدم غيره سمي طعام الإملاك بذلك لأنه يتقدم الدخول‏.‏
    وأغرب شيخنا في ‏"‏ التدريب ‏"‏ فقال‏:‏ الولائم سبع وهو وليمة الإملاك وهو التزوج ويقال لها النقيعة بنون وقاف، ووليمة الدخول وهو العرس وقل من غاير بينهما انتهى‏.‏
    وموضع إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة، ثم رأيته تبع في ذلك المنذري في حواشيه وقد شذ بذلك‏.‏
    وقد فاتهم ذكر الحذاق بكسر المهملة وتخفيف الدال المعجمة وآخره قاف‏:‏ الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي ذكره ابن الصباغ في ‏"‏ الشامل‏"‏‏.‏
    وقال ابن الرفعة هو الذي يصنع عند الختم أي ختم القرآن كذا قيده، ويحتمل ختم ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرد ذلك في حذقه لكل صناعة‏.‏
    وذكر المحاملي في ‏"‏ الرونق ‏"‏ في الولائم العتيرة بفتح المهملة ثم مثناة مكسورة وهي شاة تذبح في أول رجب وتعقب بأنها في معنى الأضحية فلا معنى لذكرها مع الولائم،

    ........
    (ج9/ ص 301)
    في مسند أحمد من حديث عثمان بن أبي العاص في وليمة الختان ‏"‏ لم يكن يدعى لها ‏"‏ وأما قول المصنف ‏"‏ حق إجابة ‏"‏ فيشير إلى وجوب الإجابة، وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وكلام صاحب الهداية يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسنة وليست فرضا كما عرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد في ‏"‏ شرح الإلمام ‏"‏ أن محل ذلك إذا عمت الدعوة أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين، وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء،
    (ج9/ ص 302)
    قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة ‏"‏ قال البخاري‏:‏ لا يصح إسناده ولا يصح له صحبة يعني لزهير، قال وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب ‏"‏ ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها وهذا أصح، قال وقال ابن سيرين عن أبيه ‏"‏ أنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام فدعا في ذلك أبي بن كعب فأجابه ‏"‏ ا هـ‏.‏
    وقد خالف يونس بن عبيد قتادة في إسناده فرواه عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أو معضلا لم يذكر عبد الله بن عثمان ولا زهيرا أخرجه النسائي ورجحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه، ثم أخرج النسائي عقبه حديث أنس ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام على صفية ثلاثة أيام حتى أعرس بها ‏"‏ فأشار إلى تضعيفه أو إلى تخصيصه، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو يعلى بسند حسن عن أنس قال ‏"‏ تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام ‏"‏ الحديث‏.‏
    وعن ابن عباس رفعه ‏"‏ طعام في العرس يوم سنة، وطعام يومين فضل، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة ‏"‏ أخرجه الطبراني بسند ضعيف، وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلا، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان ‏"‏ قال قتادة‏:‏ بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب وقال‏:‏ أهل رياء وسمعة‏.‏
    فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة، قال النووي إذا أولم ثلاثا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة وفي الثاني لا تجب قطعا ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول، وقد حكى صاحب ‏"‏ التعجيز ‏"‏ في وجوبها في اليوم الثاني وجهين وقال في شرحه‏:‏ أصحهما الوجوب، وبه قطع الجرجاني لوصفه بأنه معروف أو سنة، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول وأما الثاني فقالوا سنة تمسكا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود وفيه بحث، وأما الكراهة في اليوم الثالث فأطلقه بعضهم لظاهر الخبر‏.‏
    وقال العمراني‏:‏ إنما تكره إذا كان المدعو في الثالث هو المدعو في الأول
    (ج9/ ص 306)
    والذراع أفضل من الكراع، وفي المثل ‏"‏ أنفق العبد كراعا وطلب ذراعا ‏"‏ وقد زعم بعض الشراح وكذا وقع للغزالي أن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغميم بفتح المعجمة هو موضع بين مكة والمدينة تقدم ذكره في المغازي، وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان، لكن المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء أوضح في المراد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة،
    (ج9/ 307)
    أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقا عرسا كان أو غيره بشرطه؛ ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان لم يكن يدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا، وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام فقال رجل من القوم‏:‏ اعفني، فقال ابن عمر‏:‏ إنه لا عافية لك من هذا، فقم‏.‏
    وقال ابن الحاجب في مختصره‏:‏ ووجوب أكل المفطر محتمل، وصرح الحنابلة بعدم الوجوب، واختار النووي الوجوب، وبه قال أهل الظاهر، والحجة لهم قوله في إحدى روايات ابن عمر عند مسلم ‏"‏ فإن كان مفطرا فليطعم ‏"‏ قال النووي‏:‏ وتحمل رواية جابر على من كان صائما، ويؤيده رواية ابن ماجه فيه بلفظ ‏"‏ من دعي إلى طعام وهو صائم فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك ‏"‏ ويتعين حمله على من كان صائما نفلا، ويكون فيه حجة لمن استحب له أن يخرج من صيامه لذلك، ويؤيده ما أخرجه الطيالسي والطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ عن أبي سعيد قال ‏"‏ دعا رجل إلى طعام، فقال رجل‏:‏ إني صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ دعاكم أخاكم وتكلف لكم، أفطر وصم يوما مكانه إن شئت ‏"‏ في إسناده واو ضعيف لكنه توبع، والله أعلم‏.‏
    (ج9/ ص 310
    قال ابن بطال‏:‏ فيه أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله ورسوله عنه لما في ذلك من إظهار الرضا بها، ونقل مذاهب القدماء في ذلك، وحاصله إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره، ولو كان حراما ما قعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر، فيحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة، وقد فصل العلماء ذلك على ما أشرت إليه، قالوا إن كان لهوا مما اختلف فيه فيجوز الحضور، والأولى الترك‏.‏
    وإن كان حراما كشرب الخمر نظر فإن كان المدعو ممن إذا حضر رفع لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية وجهان‏:‏ أحدهما يحضر وينكر بحسب قدرته، وإن كان الأولى أن لا يحضر‏.‏
    (ج9/ ص311)
    قال البيهقي‏:‏ وهو ظاهر نص الشافعي، وعليه جرى العراقيون من أصحابه‏.‏
    وقال صاحب ‏"‏ الهداية ‏"‏ من الحنفية‏:‏ لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية‏.‏
    وحكي عن أبي حنيفة أنه قعد، وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى به، قال‏:‏ وهذا كله بعد الحضور، فإن علم قبله لم تلزمه الإجابة، والوجه الثاني للشافعية تحريم الحضور لأنه كالرضا بالمنكر وصححه المراوزة، فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرج إلا إن خاف على نفسه من ذلك، وعلى ذلك جرى الحنابلة‏.‏
    وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وإذا كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعا فيه لهو أصلا حكاه ابن بطال وغيره عن مالك، ويؤيد منع الحضور حديث عمران بن حصين ‏"‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجابة طعام الفاسقين ‏"‏ أخرجه الطبراني في ‏"‏ الأوسط‏"‏، ويؤيده مع وجود الأمر المحرم ما أخرجه النسائي من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر ‏"‏ وإسناده جيد، وأخرجه الترمذي من وجه آخر فيه ضعف عن جابر، وأبو داود من حديث ابن عمر بسند فيه انقطاع، وأحمد من حديث عمر‏.‏
    وأما حكم ستر البيوت والجدران ففي جوازه اختلاف قديم، وجزم جمهور الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ أبو نصر المقدسي منهم بالتحريم، واحتج بحديث عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، وجذب الستر حتى هتكه ‏"‏ وأخرجه مسلم‏.‏
    قال البيهقي هذه اللفظة تدل على كراهة ستر الجدار، وإن كان في بعض ألفاظ الحديث أن المنع كان بسبب الصورة‏.‏
    وقال غيره‏:‏ ليس في السياق ما يدل على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر لذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يحتج بفعله صلى الله عليه وسلم في هتكه‏.‏
    وجاء النهي عن ستر الجدر صريحا، منها في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره ‏"‏ ولا تستروا الجدر بالثياب ‏"‏ وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ثم البيهقي من طريقه، وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفا ‏"‏ أنه أنكر ستر البيت وقال‏:‏ أمحموم بيتكم أو تحولت الكعبة عندكم‏؟‏ قال لا أدخله حتى يهتك ‏"‏ وتقدم قريبا خبر أبي أيوب وابن عمر في ذلك‏.

    ز
    (ج9/ ص 349)
    وفي رواية يزيد بن رومان ‏"‏ كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته ‏"‏ وفي رواية عبيد بن حنين ‏"‏ ما نعد للنساء أمرا ‏"‏ وفي رواية الطيالسي ‏"‏ كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا‏"‏‏.‏
    (ج9/ ص 353)
    وقد أخرج المصنف في تفسير سورة البقرة من حديث أنس عن عمر قال ‏"‏ وافقت الله في ثلاث ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت‏:‏ لئن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه فقالت‏:‏ يا عمر، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ‏"‏‏؟‏ وهذه المرأة هي زينب بنت جحش كما أخرج الخطيب في ‏"‏ المبهمات‏"‏، وجوز بعضهم أنها أم سلمة لكلامها المذكور في رواية ابن عباس عن عمر هنا، لكن التعدد أولى، فإن في بعض طرق هذا الحديث عند أحمد وابن مردويه ‏"‏ وبلغني ما كان من أمهات المؤمنين فاستقريتهن أقول لتكفن ‏"‏ الحديث، ويؤيد التعدد اختلاف الألفاظ في جوابي أم سلمة وزينب والله أعلم‏.‏
    (ج9/ ص 363)
    وفيه الصبر على الزوجات والإغضاء عن خطابهن والصفح عما يقع منهن من زلل في حق المرء دون ما يكون من حق الله تعالى‏.‏
    وفيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس الماضي في كتاب الجنائز في المرأة التي وعظها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تعرفه ‏"‏ ثم جاءت إليه فلم تجد له بوابين ‏"‏ محمولا على الأوقات التي يجلس فيها للناس، قال المهلب‏:‏ وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته عند الأمر بطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر عظيم المنزلة عنده‏.‏
    وفيه أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام وأفضل في بعض الأحايين، لأنه عليه الصلاة والسلام لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى، فلما سكت فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقا، أشار إلى ذلك المهلب‏.‏
    وفيه أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت المحجوب لم يأذن‏.‏
    وفيه مشروعية الاستئذان على الإنسان وإن كان وحده لاحتمال أن يكون على حالة يكره الاطلاع عليها‏.‏
    وفيه أن كل لذة أو شهوة قضاها المرء في الدنيا فهو استعجال له من نعيم الآخرة، وأنه لو ترك ذلك لادخر له في الآخرة، أشار إلى ذلك الطبري واستنبط منه بعضهم إيثار الفقر على الغنى وخصه الطبري بمن لم يصرفه في وجوهه ويفرقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها، قال‏:‏ وأما من فعل ذلك فهو من منازل الامتحان، والصبر على المحن مع الشكر أفضل من الصبر على الضراء وحده انتهى‏.‏
    قال عياض‏:‏ هذه القصة مما يحتج به من يفضل الفقير على الغني لما في مفهوم قوله ‏"‏ إن من تنعم في الدنيا يفوته في الآخرة بمقداره‏"‏، قال وحاوله الآخرون بأن المراد من الآية أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا إذ لا حظ لهم في الآخرة انتهى، وفي الجواب نظر، وهي مسألة اختلف فيها السلف والخلف، وهي طويلة الذيل سيكون لنا بها إلمام إن شاء الله تعالى في كتاب الرقاق‏.‏
    وفيه أن المرء إذا رأى صاحبه مهموما استحب له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه، لقول عمر‏:‏ لأقولن شيئا يضحك النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه لقول عمر‏:‏ ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات‏.‏
    (ج9/ 365)
    والكناية عن الأشياء التي يستحي منها كثيرة في القرآن والسنة، قال‏:‏ وظاهر الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلا لقوله ‏"‏ حتى تصبح ‏"‏ وكأن السر تأكد ذلك الشأن في الليل وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك ا هـ‏.‏
    وقد وقع في رواية يزيد بن كيسان عن أبي حازم عند مسلم بلفظ ‏"‏ والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها ‏"‏ ولابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر رفعه ‏"‏ ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة‏:‏ العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى ‏"‏ فهذه الإطلاقات تتناول الليل والنهار‏.‏
    ال المهلب‏:‏ هذا الحديث يوجب أن منع الحقوق - في الأبدان كانت أو في الأموال - مما يوجب سخط الله، إلا أن يتغمدها بعفوه، وفيه جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه فإنما يدعى له بالتوبة والهداية‏.‏
    يه أن الملائكة تدعو على أهل المعصية ما داموا فيها وذلك يدل على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها كذا قال المهلب وفيه نظر أيضا، قال ابن أبي جمرة‏:‏ وهل الملائكة التي تلعنها هم الحفظة أو غيرهم‏؟‏ يحتمل الأمرين‏.‏
    قلت‏:‏ يحتمل أن يكون بعض الملائكة موكلا بذلك، ويرشد إلى التعميم قوله في رواية مسلم ‏"‏ الذي في السماء ‏"‏ إن كان المراد به سكانها قال‏:‏ وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر لكونه صلى الله عليه وسلم خوف بذلك‏.‏
    وفيه الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب مرضاته‏.
    و
    (ج9/ ص 369)
    أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة‏.‏
    قال‏:‏ وفيه أن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح ولذلك حض الشارع النساء على مساعدة الرجال في ذلك ا هـ‏.‏
    أو السبب فيه الحض على التناسل‏.
    (ج9/ ص 370)
    ودلت رواية الباب على تحريم الصوم المذكور عليها وهو قول الجمهور، قال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ وقال بعض أصحابنا يكره، والصحيح الأول، قال‏:‏ فلو صامت بغير إذنه صح وأثمت لاختلاف الجهة وأمر قبوله إلى الله، قاله العمراني‏.‏
    قال النووي‏:‏ ومقتضى المذهب عدم الثواب، ويؤكد التحريم ثبوت الخبر بلفظ النهي، ووروده بلفظ الخبر لا يمنع ذلك، بل هو أبلغ، لأنه يدل على تأكد الأمر فيه فيكون تأكده بحمله على التحريم‏.‏
    قال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏‏:‏ وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع ولا بواجب على التراخي، وإنما لم يجز لها الصوم بغير إذنه وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، ولا شك أن الأولى له خلاف ذلك إن لم يثبت دليل كراهته، نعم لو كان مسافرا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرا، فلو صامت وقدم في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة أن يكون مريضا بحيث لا يستطيع الجماع، وحمل المهلب النهي المذكور على التنزيه فقال‏:‏ هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضره ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يبطل شيئا من طاعة الله إذا دخلت فيه بغير إذنه ا هـ، وهو خلاف الظاهر‏.
    (ج9/ ص 371)
    واختلف العلماء فيمن كف عن جماع زوجته فقال مالك‏:‏ إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يفرق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعية أنه لا يجب عليه، وقيل يجب مرة، وعن بعض السلف في كل أربع ليلة، وعن بعضهم في كل طهر مرة‏.

    س
    (ج9/ ص 380)
    قول ابن عمر ‏"‏ كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تكلمنا وانبسطنا ‏"‏ أخرجه البخاري‏.‏
    (ج9/ ص 382)
    والفرار من حصول الولد يكون لأسباب‏:‏ منها خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة ترضعه، أو فرارا من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلا فيرغب عن قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب، وكل ذلك لا يغني شيئا‏.‏
    وقد أخرج أحمد والبزار وصححه ابن حبان من حديث أنس ‏"‏ أن رجلا سأل عن العزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا ‏"‏ وبه شاهدان في ‏"‏ الكبير للطبراني ‏"‏ عن ابن عباس وفي ‏"‏ الأوسط ‏"‏ له عن ابن مسعود،
    وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحا سوى الصورة المتقدمة من عند مسلم في طريق عبد الرحمن بن بشر عن أبي سعيد وهي خشية أن يضر الحمل بالولد المرضع لأنه مما جرب فضر غالبا، لكن وقع في بقية الحديث عند مسلم أن العزل بسبب ذلك لا يفيد لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار، ووقع عند مسلم في حديث أسامة بن زيد ‏"‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني أعزل عن امرأتي شفقة على ولدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كان كذلك فلا، ما ضر ذلك فارس ولا الروم‏"‏‏.‏
    وفي العزل أيضا إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها‏.‏
    (ج9/ ص 383)
    وقد اختلف السلف في حكم العزل قال ابن عبد البر‏:‏ لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل‏.‏
    ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة، وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أن المرأة لا حق لها في الجماع أصلا، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها، قال الغزالي وغيره‏:‏ يجوز، وهو المصحح عند المتأخرين، واحتج الجمهور لذلك بحديث عن عمر أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ ‏"‏ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها ‏"‏ وفي إسناده ابن لهيعة، والوجه الآخر للشافعية الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان أصحهما الجواز، وهذا كله في الحرة وأما الأمة فإن كانت زوجة فهي مرتبة على الحرة إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان أصحهما الجواز تحرزا من إرقاق الولد، وإن كانت سرية جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقا كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة فالراجح الجواز فيه مطلقا لأنها ليست راسخة في الفراش، وقيل حكمها حكم الأمة المزوجة‏.‏
    هذا واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوجة فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد‏.‏
    ند عبد الرزاق عنه بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الأمة السرية فإن كانت أمة تحت حر فعليه أن يستأمرها وهذا نص في المسألة، فلو كان مرفوعا لم يجز العدول عنه‏.‏
    وقد استنكر ابن العربي القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حق لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حق المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها‏.‏
    وعن الشافعي وأبي حنيفة لا حق لها فيه إلا في وطئة واحدة يستقر بها المهر، قال فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون لها حق في العزل، فإن خصوه بالوطئة الأولى فيمكن وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور ا هـ‏.‏
    ما نقله عن الشافعي غريب، والمعروف عند أصحابه أنه لا حق لها أصلا، نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء وبتحريم العزل، واستند إلى حديث جذامة بنت وهب ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل فقال‏:‏ ذلك الوأد الخفي ‏"‏ أخرجه مسلم، وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر قال ‏"‏ كانت لنا جواري وكنا نعزل، فقالت اليهود إن تلك الموءودة الصغرى، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال‏:‏ كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده ‏"‏ وأخرجه النسائي من طريق هشام وعلي بن المبارك وغيرهما عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مطيع بن رفاعة عن أبي سعيد نحوه، ومن طريق أبي عامر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل فقال‏:‏ زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال فسألت أبا سلمة أسمعته من أبي سعيد‏؟‏ قال لا، ولكن أخبرني رجل عنه‏.‏
    والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذه طرق يقوى بعضها ببعض، وجمع بينها وبين حديث جذامة بحمل حديث جذامة على التنزيه وهذه طريقة البيهقي، ومنهم من ضعف حديث جذامة بأنه معارض بما هو أكثر طرقا منه، وكيف يصرح بتكذيب اليهود في ذلك ثم يثبته‏؟‏ وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه والجمع ممكن، ومنهم من ادعى أنه منسوخ، ورد بعدم معرفة التاريخ‏.‏
    رجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة وحديثها يدل على المنع قال‏:‏ فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان‏.‏
    وتعقب بأن حديثها ليس صريحا في المنع إذ لا يلزم من تسميته وأدا خفيا على طريق التشبيه أن يكون حراما، وخصه بعضهم بالعزل عن الحامل لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يعزل من حصول الحمل، لكن فيه تضييع الحمل لأن المني يغذوه فقد يؤدي العزل إلى موته أو إلى ضعفه المفضي إلى موته فيكون وأدا خفيا، وجمعوا أيضا بين تكذيب اليهود في قولهم الموءودة الصغرى وبين إثبات كونه وأدا خفيا في حديث جذامة بأن قولهم الموءودة الصغرى يقتضي أنه وأد ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيا، فلا يعارض قوله إن العزل وأد خفي فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر أصلا فلا يترتب عليه حكم، وإنما جعله وأدا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة‏.‏
    وقد جنح إلى المنع من الشافعية ابن حبان فقال في صحيحه ‏"‏ ذكر الخبر الدال على أن هذا الفعل مزجور عنه لا يباح استعماله ‏"‏ ثم ساق حديث أبي ذر رفعه ‏"‏ ضعه في حلاله وجنبه حرامه وأقرره، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر ‏"‏ ا هـ‏.‏
    ولا دلالة فيما ساقه على ما ادعاه من التحريم بل هو أمر إرشاد لما دلت عليه بقية الأخبار والله أعلم‏.‏
    ومن عند عبد الرزاق وجه آخر عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون العزل وأدا وقال‏:‏ المني يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم يكسى لحما، قال‏:‏ والعزل قبل ذلك كله‏.‏
    وأخرج الطحاوي من طريق عبد الله بن عدي بن الخيار عن علي نحوه في قصة حرب عند عمر وسنده جيد‏.

  16. #196
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    9,195

    افتراضي رد: [ 2000 فائدة فقهية وحديثية من فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله ]

    ختم وتلخيص كتاب " النكاح " ويليه كتاب " الطلاق " <BR>الموافق 2/ رجب / 1441 هجري<BR>الموافق 26/2/ 2020 ميلادي <BR><BR>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>..............<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>_(ج9/ ص 384)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>قال إمام الحرمين‏:‏ موضع المنع أنه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق ومتى فقد ذلك لم يمنع، وكأنه راعى سبب المنع فإذا فقد بقي أصل الإباحة فله أن ينزع متى شاء حتى لو نزع فأنزل خارج الفرج اتفاقا لم يتعلق به النهي والله أعلم‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا، ويمكن أن يفرق بأنه أشد لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب، ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، وقد أفتى بعض متأخري الشافعية بالمنع، وهو مشكل على قولهم بإباحة العزل مطلقا‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>والله أعلم‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>(ج9/ ص 386)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN>&nbsp;<SPAN dir=rtl lang=AR-SA>ابن سعد من وجه آخر عن القاسم عن عائشة ‏"‏ فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية ‏"‏ واستدل به على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك كما تقدم في أواخر الشهادات، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض‏:‏ هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنه من باب الخطر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها ا هـ<o:p></o:p></SPAN></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وقال القرطبي‏:‏ ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحا بغير مرجح ا هـ‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>(ج9/ ص 388)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء‏</SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt"><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN>)<SPAN dir=rtl lang=AR-SA><o:p></o:p></SPAN></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>أن المراد بالعدل التسوية بينهن بما يليق بكل منهن، فإذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة، وقد روى الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول‏:‏ اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ‏"‏ قال الترمذي يعني به الحب والمودة، كذلك فسره أهل العلم، قال الترمذي‏:‏ رواه غير واحد عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا وهو أصح من رواية حماد بن سلمة، وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ‏(‏ولن تستطيعوا‏)‏ الآية، قال‏:‏ في الحب والجماع، وعن عبدة ابن عمرو السلماني مثله‏.‏<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>(ج9/ ص 390)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>من السنة ‏"‏ وأن رواية أيوب قال فيها ‏"‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ واستدل به على أن هذا العدل يختص بمن له زوجة قبل الجديدة‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وقال ابن عبد البر‏:‏ جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف وسواء كان عنده زوجة أم لا، وحكى النووي أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها وإلا فيجب‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وهذا يوافق كلام أكثر الأصحاب، واختار النووي أن لا فرق، وإطلاق الشافعي يعضده، ولكن يشهد للأول قوله في حديث الباب ‏"‏ إذا تزوج البكر على الثيب ‏"‏ ويمكن أن يتمسك للآخر بسياق بشر عن خالد الذي في الباب قبله فإنه قال ‏"‏ إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا ‏"‏ الحديث ولم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها، لكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، بل ثبت في رواية خالد التقييد، فعند مسلم من طريق هشيم عن خالد ‏"‏ إذا تزوج البكر على الثيب ‏"‏ الحديث‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>أن القسم إنما يكون لمن عنده زوجة أخرى، وفيه حجة على الكوفيين في قولهم‏:‏ أن البكر والثيب سواء في الثلاث، وعلى الأوزاعي في قوله للبكر ثلاث وللثيب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدار قطني بسند ضعيف جدا وخص من عموم حديث الباب ما لو أرادت الثيب أن يكمل لها السبع فإنه إذا أجابها سقط حقها من الثلاث وقضى السبع لغيرها، لما أخرجه مسلم من حديث أم سلمة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثا وقال‏:‏ إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي ‏"‏ وفي رواية له ‏"‏ إن شئت ثلثت ثم درت، قالت ثلث ‏"‏ وحكى الشيخ أبو إسحاق في ‏"‏ المهذب ‏"‏ وجهين في أنه يقضي السبع أو الأربع المزيدة، والذي قطع به الأكثر إن اختار السبع قضاها كلها وإن أقامها بغير اختيارها قضى الأربع المزيدة‏.‏<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ يكره أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن صلاة الجماعة وسائر أعمال البر التي كان يفعلها؛ نص عليه الشافعي‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وقال الرافعي‏:‏ هذا في النهار، وأما في الليل فلا، لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب‏:‏ يسوي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة وفي سائر أعمال البر، فيخرج في ليالي الكل أو لا يخرج أصلا، فإن خصص حرم عليه، وعدوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وقال ابن دقيق العيد‏:‏ أفرط بعض الفقهاء فجعل مقامه عندها عذرا في إسقاط الجمعة، وبالغ في التشنيع‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وأجيب بأنه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها وهو قول الشافعية، ورواه ابن القاسم عن مالك، وعنه يستحب وهو وجه للشافعية، فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان، فقدم حق الآدمي، هذا توجيهه، فليس بشنيع وإن كان مرجوحا، وتجب الموالاة في السبع وفي الثلاث، فلو فرق لم يحسب على الراجح لأن الحشمة لا تزول به، ثم لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة، وقيل هي على النصف من الحرة ويجبر الكسر‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #00b050; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>(ج9/ ص 392)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>وذكر عياض في ‏"‏ الشفا ‏"‏ أن الحكمة في طوافه عليهن في الليلة الواحدة كان لتحصينهن، وكأنه أراد به عدم تشوفهن للأزواج، إذ الإحصان له معان منها الإسلام والحرية والعفة، والذي يظهر أن ذلك إنما كان لإرادة العدل بينهن في ذلك وإن لم يكن واجبا، كما تقدم شيء من ذلك في ‏"‏ باب كثرة النساء‏"‏‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>وفي التعليل الذي ذكره نظر لأنهن حرم عليهن التزويج بعده وعاش بعضهن بعده خمسين سنة فما دونها وزادت آخرهن موتا على ذلك‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>(ج9/ ص 397)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>في حق الله فقال الخطابي‏:‏ أحسن ما يفسر به ما فسر به في حديث أبي هريرة، يعني الآتي في هذا الباب وهو قوله ‏"‏ وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه ‏"‏ قال عياض‏:‏ ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل الغيرة في الأصل الحمية والأنفة، وهو تفسير بلازم التغير فيرجع إلى الغضب، وقد نسب سبحانه وتعالى إلى نفسه في كتابه الغضب والرضا‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وقال ابن العربي‏:‏ التغير محال على الله بالدلالة القطعية فيجب تأويله بلازمه كالوعيد أو إيقاع العقوبة بالفاعل ونحو ذلك ا هـ‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>م قال‏:‏ ومن أشرف وجوه غيرته تعالى اختصاصه قوما بعصمته، يعني فمن ادعى شيئا من ذلك لنفسه عاقبه، قال وأشد الآدميين غيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغار لله ولدينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه ا هـ‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>(ج9/ ص 404)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>على المرأة القيام بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة، وإليه ذهب أبو ثور، وحمله الباقون على أنها تطوعت بذلك ولم يكن لازما، أشار إليه المهلب وغيره‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال ضرورة كما تقدم فلا يطرد الحكم في غيرها ممن لم يكن في مثل حالهم، وقد تقدم أن فاطمة سيدة نساء العالمين شكت ما تلقى يداها من الرحى وسألت أباها خادما فدلها على خير من ذلك وهو ذكر الله تعالى، والذي يترجح حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد فإنها مختلفة في هذا الباب، قال المهلب‏:‏ وفيه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت بخدمة زوجها بشيء لا يلزمها لم ينكر عليها ذلك أب ولا سلطان، وتعقب بأنه بناه على ما أصله من أن ذلك كان تطوعا، ولخصمه أن يعكس فيقول لو لم يكن لازما ما سكت أبوها مثلا على ذلك مع ما فيه من المشقة عليه وعليها، ولا أقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع عظمة الصديق عنده؛ قال‏:‏ وفيه جواز ارتداف المرأة خلف الرجل في موكب الرجال، قال‏:‏ وليس في الحديث أنها استترت ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك، فيؤخذ منه أن الحجاب إنما هو في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ا هـ‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>(ج9/ ص 403)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>تفسير سورة النور ‏"‏ لما نزلت ‏</SPAN><A name=q2></A><A href="javascript:openquran(23, 31,31)"><SPAN style="mso-bookmark: q2"><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; FONT-SIZE: 22pt"><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><FONT color=#0000ff>(<SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏</SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN>)</FONT></SPAN></SPAN><SPAN style="mso-bookmark: q2"></SPAN></A><SPAN style="mso-bookmark: q2"></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA><SPAN dir=rtl></SPAN><SPAN dir=rtl></SPAN>‏ أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ‏"‏ ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب، والذي ذكر عياض أن الذي اختص به أمهات المؤمنين ستر شخوصهن زيادة على ستر أجسامهن،</SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><SPAN dir=ltr></SPAN><SPAN dir=ltr></SPAN>&nbsp;<SPAN dir=rtl lang=AR-SA><o:p></o:p></SPAN></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>قال المهلب‏:‏ وفيه غيرة الرجل عند ابتذال أهله فيما يشق من الخدمة وأنفة نفسه من ذلك لا سيما إذا كانت ذات حسب انتهى‏.‏<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>(ج9/ 404)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>قد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعا ‏"‏ أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ‏"‏ قاله في قصة‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وعن ابن مسعود رفعه ‏"‏ إن الله كتب الغيرة على النساء، فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد ‏"‏ أخرجه البزار وأشار إلى صحته ورجاله ثقات، لكن اختلف في عبيد بن الصباح منهم‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: #002060; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA><o:p>&nbsp;</o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>(ج9/ ص 406)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: red; FONT-SIZE: 22pt" dir=rtl lang=AR-SA>وأصل الغيرة غير مكتسب للنساء، لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام، وضابط ذلك ما ورد في الحديث الآخر عن جابر بن عتيك الأنصاري رفعه ‏"‏ أن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله‏:‏ فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض فالغيرة في غير ريبة ‏"‏ وهذا التفصيل يتمحض في حق الرجال لضرورة امتناع اجتماع زوجين للمرأة بطريق الحل، وأما المرأة فحيث غارت من زوجها في ارتكاب محرم إما بالزنا مثلا وإما بنقص حقها وجوره عليها لضرتها وإيثارها عليها، فإذا تحققت ذلك أو ظهرت القرائن فيه فهي غيرة مشروعة، فلو وقع ذلك بمجرد التوهم عن غير دليل فهي الغيرة في غير ريبة، وأما إذا كان الزوج مقسطا عادلا وأدى لكل من الضرتين حقها فالغيرة منهما إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك‏.‏<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>(ج9/ ص408)<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>أخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة - وهو أحد المخضرمين ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه‏.‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>قال ‏"‏خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أعن حسبها تسألني‏؟‏ فقال‏:‏ لا ولكن أتأمرني بها‏؟‏ قال‏:‏ لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع، فقال علي لا آتي شيئا تكرهه ‏"‏ ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بما خطب ولم يحضر على الخطبة المذكورة فاستشار، فلما قال له ‏"‏ لا ‏"‏ لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهري ‏"‏ فترك علي الخطبة ‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1"><o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>وزاد في رواية الزهري ‏"‏ وإني لست أحرم حلالا، ولا أحلل حراما، ولكن والله لا تجمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل أبدا ‏"‏ وفي رواية مسلم ‏"‏ مكانا واحدا أبدا ‏"‏ وفي رواية شعيب ‏"‏ عند رجل واحد أبدا ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على علي أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل لأنه علل بأن ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله ‏"‏ لا أحرم حلالا ‏"‏ أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع <o:p></o:p></SPAN></P><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1; mso-fareast-font-family: Calibri; mso-fareast-theme-font: minor-latin; mso-fareast-language: EN-US; mso-ansi-language: EN-AU; mso-bidi-language: AR-SA" dir=rtl lang=AR-SA><FONT face="Traditional Arabic">بينهما الذي يستلزم تأذي النبي صلى الله عليه وسلم لتأذي فاطمة به فلا، وزعم غيره أن السياق يشعر بأن ذلك مباح لعلي، لكنه منع النبي صلى الله عليه وسلم رعاية لخاطر فاطمة وقبل هو ذلك امتثالا لأمر النبي صلى الله
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>الله عليه وسلم‏.<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>‏</SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Simplified Arabic', 'serif'; BACKGROUND: white; COLOR: #272727; FONT-SIZE: 14pt" dir=rtl lang=AR-SA> </SPAN><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA>والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتزوج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة عليها السلام‏.‏<o:p></o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal align=center><SPAN style="LINE-HEIGHT: 115%; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic', 'serif'; COLOR: black; FONT-SIZE: 22pt; mso-themecolor: text1" dir=rtl lang=AR-SA><o:p>&nbsp;</o:p></SPAN></P>
    <P style="TEXT-ALIGN: center; MARGIN: 0cm 0cm 10pt" class=MsoNormal