بسم الله أبدأ في ذكر بعض الموضوعات والتحريرات الهامة
التي وردت في كتابي حادثة تعرض النبي للسحر
والغرض من وراء ذلك هو إظهار بعض الفوائد التي قد لا تظهر بسبب خصوصية عنوان الكتاب
ومناقشة بعض الإشكالات والأفكار الواردة فيه
الموضوع الرابع:



ص: 336
خامسا:
من نسب إلى إنكار حادثة السحر وهو يثبتها
1- أبو بكر بن العربي (468-543هـ)
1-1- مذهب ابن العربي في حديث السحر
قال البرهان الحلبي: " ثم رأيت أبا بكر بن العربي قال: (لم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه أمر
وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث لا أصل له).
قال: (ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا واستجرارا إلى القول وإبطال معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ص: 337
والقدح فيها وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبين فعل السحرة وأن جميعه من نوع واحد)
هذا كلامه"([1]).
قلت: لم يُحل البرهان الحلبي على أي من كتب ابن العربي، وهذا النص غير موجود في الكتب المطبوعة لابن العربي
بحسب ما بحثت فيه، وكتب ابن العربي المفقودة والمخطوطة كثيرة
وهي ضخمة وعالجت موضوعات يمكن الجزم بورود الحديث فيها
لكن الإشكال الوارد أنه لم ينقل هذا النص عن ابن العربي غير الحلبي
ولو أنكر ابن العربي الحديث لاشتهر عنه، كما أن النص المنقول مطابق للنقل عن أبي بكر الجصاص
فلعل هناك وهما في المسألة وهي قيد البحث.
وقد ذكر ابن العربي في (أحكام القرآن ج4/469) حادثة السحر في سبب نزول المعوذتين ولم يعلق عليها.

1-2- مذهب ابن العربي في السحر
نقل القرطبي عن ابن العربي قوله: "وأما تصويره الأموال والأهل في واد للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس بحال
ولا هو في طريق السحر فيقال إنه من جنسه، ولو تصور لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن
وهي فوقنا في المعرفة بذلك، فإنه لم يخل زمان قط من السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره"([2]).
قال ابن العربي: "فعل غريب يحدثُ عند قول الساحر وفعله في جسم المسحور أو ماله وضعَه الله تعالى في الأرض
بمشيئته وحكمته فتحق الكلمة على من سبقت عليه بالهلكةِ"([3]).


2- الحبشي الهرري (أشعري صوفي)
قال الحبشي الهرري (أشعري صوفي): "ومما يستحيل عليهم تأثير السحر في عقولهم فلا يجوز أن يعتقد
أن الرسول أثر السحر في عقله وإن كان قاله من قاله، وأما تأثير السحر على
ص: 338
جسد النبي فقد قال بعض العلماء إنه جائز فقد ورد أن يهوديا عمل السحر لرسول الله فتألم الرسول من أثر ذلك"([4]).
علق محمد الجدي: "ولكن مما يؤخذ عليه نفي السحر عن الرسول صلى الله عليه وسلم
وظنه أن إثبات ذلك يقدح في نبوة الرسول بسبب الفهم الخاطئ لديه"([5]).
قلت: يظهر من كلام الهرري عدم إنكاره للحادثة، وأن محمد الجدي أخطأ في نسبة ذلك له.


3- الحاكم
قال الحاكم عن حديث عائشة: "هذا الحديث مخرج في الصحيح وهو شاذ([6]) بمرة"([7]).
فهم بعض المتسرعين([8]) من العبارة أن الحاكم يضعف الحديث
ولو قرأ هذا اللاهث وراء تضعيف الحديث عبارة الحاكم كاملة لفهم قصده
فالحاكم ذكره كمثال للحديث الفرد المتفق عليه، وعده في القسم الرابع من الصحيح([9])
وهو يحتج به وبما دونه، وقصده بالشذوذ التفرد، وهذا استعمال شائع عنده
فهو يقصد بالشاذ مرة ضد الصحيح وأخرى التفرد، ومن عباراته المؤكدة لهذا المعنى
قوله عن حديث «إن للإسلام ضوءا»([10]):
"هذا حديث صحيح على شرط البخاري...ولعل متوهما يتوهم أن هذا متن شاذ
ص: 339
[أي ضد الصحيح] فلينظر في الكتابين [أي البخاري ومسلم] ليجد من المتون الشاذة [أي المتفردة]
-التي ليس لها إلا إسناد واحد- ما يتعجب منه ثم ليقس هذا عليه"([11]).
قلت: وغرضه من هذه العبارة نفي التلازم بين التفرد والضعف.


4- الزمخشري
نسبه عبد الكريم الخطيب إلى التوقف في حادثة السحر، ونسبه محمد حسين الذهبي إلى الإنكار([12])
وجزم الرازي بإنكار المعتزلة له([13])، وجعله محمد رشيد مثبتا للحديث.
قال محمد رشيد رضا: "لولا إرادة قبول رواية السحر، والجمع بينها وبين براءة النبي
مما لا يليق به من كونه مسحورًا بشهادة الله وشهادة العقل وعلم النفس
لما تكلف الزمخشري عَلاَّمة اللغة أن يحمل معنى السحر هنا على غاية درجاته التي قلَّمَا تقع وهي الجنون...
فإن رمي الكفار للرسول بلقب مجنون، هو غير نبزه بلقب مسحور، وقد ذكر في مواضع من القرآن
فدل ذلك على أنهم يعنون بالمسحور ما دون المجنون من المخبولين..."([14]).
والذي أميل إليه أنه لم ينكر الحديث، ولكنه ينكر تأثير السحر بلا أسباب فيتأول الحديث، وعلى ذلك بعض القرائن:
- أنه لم ينكر الحديث أو يرد عليه في أي موضع من كتبه.
- أنه أكد معاني الحديث في فهمه لآية العصمة وفي فهمه لقول الكفار مسحور.
- أن إنكاره في تفسير سورة الفلق لتأثير السحر بلا مماسة لا يمنع وقوع السحر، وفي ذلك تأويلات معروفة لأهل السنة.
- أنه بين غريب الحديث في كتابه الفائق ولم يظهر أو يضمر أي معنى يقتضي إنكار الحديث.


ص: 340
5- محمد رشيد رضا
5-1- نسبة محمد رشيد إلى نفي الحديث
قال يوسف الدجوي([15]) (صوفي قبوري): "ثم رد الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في سحر النبي
وخيالات لا نطيل بها"([16]).
وقال الألباني: "ولقد أخطأ السيد رشيد رضا رحمه الله ومن قلده في تضعيفه لهذا الحديث
وأثاروا حوله شبهات عقلية هي في الحقيقة {}[سورة النور:39]"([17]).
وممن ذكر ذلك كذلك محمد عبد الرزاق حمزة فقد اعتذر لمحمد عبده في إنكاره الحديث بتأثره بفلسفة عصره
وأنه لو عاش حتى رأى انهدام الفلسفة المادية لما أنكر الحديث
ثم قال: "ومثل ما قلنا في الشيخ عبده نعتذر به عما قاله شيخنا السيد رشيد رضا رحمه الله في حديث السحر"([18]).
قلت: وممن نسب إلى محمد رشيد إنكار الحديث كذلك أحمد القصير([19])، وصلاح الدين الأدلبي([20])
ومحمد رمضاني([21])، وحديوى حلاوة([22])، وغيرهم.
5-2- نسبة محمد رشيد إلى إثبات الحديث
وعلى خلاف من سبق قال القرضاوي: "هذا هو كلام العلامة السيد رشيد -رحمه اللّه تعالى- في الحديث وتأويله
وهو كلام عالم فقيه جارٍ على نهج المحدثين الأصلاء، في
ص: 341
الجرح والتعديل، والشرح والتعليل، وهو كلام إمام مصلح
حريص على البناء لا الهدم، وعلى التجديد لا التبديد، يعرف قدر السلف، ولا ينكر حق الخلف، يخالف شيخه
ولكنه يدافع عنه ويؤكد مقدار حبه وتوقيره لرسول اللّه وهذا هو العدل والإنصاف"([23]).
5-3- تحرير الكلام في مذهبه في حادثة السحر
لقد اتهم البعض محمد رشيد بإنكار حديث حادثة السحر كان أولهم الدجوي وتبعه غير واحد
كمحمد عبد الرزاق حمزة والألباني رحمهم الله جميعا، وقد نفى محمد رشيد التهمة عن نفسه
وكرر مرارا تصحيحه للحديث وإيمانه به، وقد جاء بيانه مبنيا على أمور منها:
- الحديث صحيح.
– حصر الحادثة في الربط.
ومما قاله: " قد علم القراء أنني ذكرت هذه المسألة وغيرها في مقالة المنار المشار إليها من باب التمثل
لما أنكره العلماء الباحثون من الروايات حتى التي صحَّحها الشيخان أو أحدهما لا من باب ما أنكره أنا من ذلك"([24]).
لكنه كعادته يخلط كلامه بكلام شيخه محمد عبده بلا اعتراض عليه فيتوهم القارئ أنه مؤمن بما أورده غير حائد عنه
وهذا من أهم الأسباب التي جعلت الناس يظنون أنه ينكر الحديث، وعلى كل حال فيمكننا الجزم
بأن محمد رشيد رضا كان مثبتا للحديث قائلا بما دل عليه، لكن الشيء الذي لا يمكن إثباته
وقد تركه محمد رشيد مبهما بلا تفسير كيف وقع السحر؟
فالعقد والنفث فيها عنده ما هي إلا نوع من الدجل، وخلاصة التأثر والتأثير عنده القوة والضعف النفسي، ومن المستحيل أن يقع مثل هذا التأثير على النبي .


ص: 342
6- مسفر الدميني (ت 2015م)
ناقش رسالته في الدكتوراه (مقاييس نقد متون السنة) وفيها رده لحادثة السحر، وقد اعتمد اعتمادا كاملا في رده للحديث على علي حسب الله، ثم إنه تراجع عن ذلك في كتابه (السحر حقيقته وحكمه)، فأثبت الحديث ورد على المعترضين، وقد نقلنا من الكتابين.
7- الرازي (ت 606ه)
نقل الرازي كلام المعتزلة في رد الحديث فظن رشيد ليزول وغيره أنه كلامه([25])، واختلط الجصاص الرازي بالرازي المفسر (من متأخرة الأشاعرة) عند كثيرين.


8- أبو جعفر الإسترابادي
ذكر عبد الله دشتي (شيعي) أن الإسترابادي أنكر الحديث([26])، وقد أخطأ في ذلك وسبب خطئه أنه التبس عليه نص في بحار الأنوار ينقل فيه المجلسي من الخلاف للطوسي ولأن النص طويل فقد التبس عليه القائل.


9- ابن حزم
ذكر بعضهم أن ابن حزم ينكر الحديث كذا قال الدبيخي([27])، وحديوى حلاوة([28]).
قلت: أثبت ابن حزم تأثير السحر في النبي ، وإنما أنكر أن يكون في ما حصل قلب للأعيان قال: "فليس في هذا أيضا إحالة طبيعية ولا قلب عين وإنما هو تأثير بقوة لتلك الصناعة كما قلنا في الطلسمات والرقي"([29]).
وقد استنكر عبد الكريم الخطيب على ابن حزم إثباته لما ورد في الحديث قال: "ومن عجب أن عالما فقيها مجتهدا، واسع الأفق كابن القيم، وأن عالما كبيرا عرف بنفاذ البصيرة
ص: 343
واحترام العقل كابن حزم- من عجب أن يكون هذا موقف هذين العالمين الجليلين من حديث السحر، يغلب عليهما فيه ما تواردت عليه مقولات العلماء، من قبوله، والاحتجاج إليه.."([30]).


10- الماتريدي
نسبه إلى الإنكار عيسى النعمي([31])، وادعى الدبيخي أنه لازم قوله إن السحر تخييل، وهذا خطأ فقد أثبت الماتريدي الحديث بل زاد على ذلك ذكره الحكمة من تعرض النبي للسحر.


11- النحاس
نسبه إلى ذلك الداخل في دروس المعوذتين (ص: 20)، ولا أثر لذلك في كتبه المطبوعة.

([1]) السيرة الحلبية (ج2/149) ط الكتب العلمية ن شاملة، (ج2/319) ط دار المعرفة ن شاملة.
([2]) تفسير القرطبي (ج15/209).
([3]) القبس (ج1/1125).
([4]) الشرح القويم (ص: 340).
([5]) عقيدة الأحباش الهررية (ص: 304) رسالة ماجستير ن شاملة.
([6])فائدة: (تعريفات الشاذ عند العلماء)
للشاذ ثلاث تعريفات مشهورة عند العلماء:
الأول: مخالفة الثقة للناس (الشافعي وهو المستقر).
الثاني: تفرد الثقة (الحاكم).
الثالث: التفرد مطلقا أو تفرد الشيوخ أو غيره (اختلف الناس في فهم عبارة الخليلي).
([7]) المدخل إلى الإكليل (ص: 39).
([8]) انظر مقالات الأنجري، وانظر عبد الله عكور في كتابه تنزيه نبي الله (ص: 96) وما بعدها ومما قاله فيه "وأن الحق مع الحاكم في الحكم عليه بالشذوذ وأن الحكم عليه بالصحة هو مخالفة لما وضعه الحفاظ من قواعد لحفظ الحديث النبوي".
([9]) المدخل إلى الإكليل (ص: 39).
([10]) أخرجه الحاكم (ج1/70) وغيره.
([11]) المستدرك (ج1/70).
([12]) التفسير والمفسرون (ج1/272).
([13]) تفسير الرازي (ج32/187).
([14]) مجلة المنار (ج33/45).
([15]) كان عضوا بهيئة كبار العلماء بالأزهر (ت 1946).
([16]) صواعق من نار في الرد على صاحب المنار (ص: 19).
([17]) بهامش تحقيقه لمختصر صحيح مسلم (ص: 381).
([18]) ظلمات أبي رية (ص: 270-271).
([19])الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم (ص: 146).
([20]) منهج نقد المتن (ص: 255)
وأحال على أبي رية.
([21]) آراء محمد رشيد (ص: 443).
([22]) علاج الإنسان من السحر والشيطان (ص: 44).
([23]) أجوبة إسلام أون لاين بتاريخ: (22/03/2006).
([24]) مقال المنار ومجلة مشيخة الأزهر (المقال العاشر)، مجلة المنار (ج33/41).
([25])الجن والسحر في المنظور الإسلامي (ص: 192).
([26]) النفيس في بيان رزية الخميس (ج2/243) ن شاملة.
([27]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها (ص: 430-435).
([28]) علاج الإنسان من السحر والشيطان (ص: 44).
([29]) الفصل في الملل (ج5/5).
([30])التفسير القرآني للقرآن (16/ 1739).
([31]) دفع دعوى المعارض العقلي، رسالة ماجستير ترقيم آلي.