جدلية الإسلام السياسي وأنصار الرؤية الاستشراقية

عمل المستشرقون والمغربون جاهدين على أن تشيع في أحراشنا الثقافية ومنذ عقود حالة من الجدل والأخذ والرد والدفع والإنكار حول ارتباط الإسلام بالسياسة ،الأمر الذي جعل محور تحكيم الشريعة الإسلامية وهو أحد محاور الإسلام السياسي لا يزال محل صراع ونزاع فكري بين دعاة المشروع الإسلامي وخصومهم ، وكان أن اصطف الفريقان في مواجهة أشبه ما تكون بمواجهة على الوجود ، ولم تكن تطورات الأحداث الأخيرة في العالم العربي –أعني ثورات الربيع العربي أو انتفاضات الحرية - إلا منشأة لواقع جديد في تاريخ هذا النزال ومعيدة للجدل المحموم القديم الجديد ، ولتذكرنا بالمعارك والمنازلات التي استغرقت جهود أبناء الحركة الإسلامية لعقود طويلة مضت .
وقد كانت هذه القضية محور نقاش طويل وجدل مستمر خلال القرن العشرين ، ولا تعرف قضية ظهرت تفاصيلها على السطح كما هو الحال فى هذه القضية – الحكم بالإسلام – وذلك بسبب ترويج المثقفين الجدد فى تبنيها ، ولعل أشد ما جسد هذا الحراك المثير تلك المناظرة الشهيرة التي دارت بين العلمانيين يقدمهم الدكتور فرج فودة ، والإسلاميين يمثلهم الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى – والدكتور محمد عمارة ، ومن ثم فليس هناك قضية استشراقية بلغت شعبيتها في الطرح كما بلغته هذه القضية .
نبوءة استشراقية :
كثيرة هي الأطروحات الاستشراقية التي تصدرت قضية الإسلام السياسي محاورها الرئيسة ، ولم تكن المعالجة منصبة فقط على رصد هذا التيار وفكره وواقع حركته ، بل حاول المستشرقون جاهدين أن يتنبئوا بمسقبلها ويتوقعوا مآلاتها ونهاياتها ، وغالباً ما كانت هذه النبوءات خارج رحم الواقع وصادرة عن أمنيات ورغبات أقرب منها محاولات الاستشراف العلمي الصادقة ، ولنأخذ مثالاً من هذه المحاولات يقول فرانسوا بورجافي كتابه الإسلام السياسي صوت الجنوب : ) بالنسبة لأحداث اتجاهات النتاج الأكاديمي الفرنسي ، تعتبر الظاهرة الإسلامية منذ الآن "في أفول" بل "لقد تم تجاوزها" وقد جاء عصر "انهيار الإسلام السياسي" . وقد شكلت إشكالية "فشل الإسلام السياسي" من كثير من النواحي المدخل المفضي إلى إشكالية "أفوله" وتجاوزه عبر إشكالية "انهيار الإسلام السياسي" . وبالنسبة لأنصار دعوى انهيار الإسلام السياسي تحت شكل أو آخر من هذه الأشكال ، فإن هذا الفشل و "تجاوز" الإسلاميين إنما ينجم عن عدة عوامل هي :
أولاً : عجز تيارات مختلفة عن الانتصار على الأنظمة الديكتاتورية .
ثانياً : العزلة الاجتماعية التي يفترض أن لجوءها إلى العنف قد وضعها فيها ، مما أدى إلى كسر الائتلاف الاجتماعي– من أفغانستان إلى الجزائر ! – الذي كان قد سمح بتزايد قوتها .
ثالثاً : نوع من العجز يقال إنها قد أظهرته في اتباع الطريق الذي رسمه حرف خطابها السياسي . إذ يبدو أن الإسلاميين قد أصبحوا بشكل خاص .. "حديثين" بأكثر بكثير مما كانوا يعتزمون . وإذا نظرنا إلى الأمر عن قرب ، فقد أصبحوا من ثم مشهورين بأنهم "بسبيلهم إلى الاختفاء" لأن مسلكهم أو مواقفهم (خاصة فيما يتعلق بالتحديث) تبدو بشكل ما خارجة عن حدود التعريف الذي قدمه المراقبون لها . وبمجرد ما أن يقبل الإسلام إدراج فعله في إطار الدول – الأمم أو ينجح في إيجاد تماشٍ بين المعجم الإسلامي وقيم الحداثة ، فلن يكون بالإمكان عندئذٍ بعد اعتباره إسلامياً لأن الإسلامي الذي يحترم نفسه – كما يعلن الملحدون الأكثر وصولاً إلى وسائل الإعلام – يجب أن يرفض إطار الدولة القومية لحساب إطار "الأمة" وحده، تماماً كما يجب له أن يكون خصماً متشدداً لكل شكل من أشكال الحداثة( ) .
وهذا الاستشهاد الآنف يظهر طبيعة الرؤية الاستشراقية لحاضر الإسلام السياسي ومستقبله ، إذ إنها ترى نجمه إلى أفول وترد هذا الأفول إلى أسباب ثلاثة عجز التيارات الممثلة للإسلام السياسي عن الانتصار على الأنظمة الديكتاتورية ، انكفائها على أنفسها وانعزالها عن التفاعل والتأييد المجتمعي والشعبي نتيجة ورطات العنف التي انغمست فيه ، مما جعلها فاقدة لعنصر الجذب والتعاطف بسبب ممارساتها ، خروجهم عن الخطوط الأولى التي وضعوه لأنفسهم منذ بدء حركاتهم نتيجة محاولات كسر الحواجز وإظهار أقدار عالية من المرونة والقابلية للعصرنة والحداثة المسايرة لروح وطبيعة العصر ، وعلى رأس هذا المسايرات قبول فكرة الدولة عوضاً عن الأمة ، والقومية بديلاً عن الوحدة الجامعة .
وهذا التحليل والاستنتاج الاستشراقي الذي يفترضه واحد كــ فرانسوا بورجا ، والذي لم يمض على طرحه سوى عقدين تقريباً ، يجعلنا مطالبين بمراجعة تلك النتائج مع طبيعة الأحداث على أرض الواقع ، ومقارنتها في ضوء مآلات الأمور ، والسؤال الذي يفرض نفسه : هل بالفعل كان هذا التحليل موافقاً لحقيقة الأشياء ؟ وهل كان الاستنتاج المترتب عليه له برهان من الواقع ؟
لقد أتى الوقت الذي أفلت فيه ديكتاتوريات القمع والاستبداد ، وغرب نجمها وما تزال البقية الباقية من أشياعهم تلقى ذات الحتف وذاك المصير ، والعنف الذي رمى به كافة تيارات الإسلام السياسي دون تمييز كان جموحاً في الحكم غير مقبول ، إذ لم تكن وقائع بعض أحداث العنف مسلكاً عاماً بين هذه التيارات وحتى أغلب من لجأ منها إلى هذا المسلم المرفوض كان بمثابة رد فعل في مواجهة القمع والمصادرة والملاحقة و الاستهانة بنتائج الحوار والامناقشة ، فكانت أحداث العنف الدامية حلقة مفرغة لا يعرف مبدأها ومنتهاها ، ثم إن العزلة التي تبعت ذلك بزعم فرانسوا استنتاج غير دقيق ، إن التضييق الذي ضربته الأنظمة الديكتاتورية على هذه التيارات .
ولعلى لا أكون مبالغاً إذا قلت إن قضية السياسة فى الإسلام ، حازت اهتماما من المستشرقين لا تكاد تجد له مثيلاً فى غيرها من القضايا ذات الاهتمام الاستشراقي - لا سيما في النتاج الاستشراقي العالمي كله خلال القرن العشرين -، وهو ما قد أرى له جملة من المبررات والدوافع تتمثل أبرزها في :
1 . أنهم أرادوا مدافعة رغبة المخلصين من أبناء هذا الدين في تحكيم شرعه القويم ، تحت حجة مزعومة مفادها أن الدراسات الاستشراقية الرصينة -بزعمهم – تؤكد عدم صلاحيته للتطبيق .
2 . تخوفهم الشديد من أن يكون تحكيم التشريع لإسلامية وتطبيق النظام السياسي للإسلام فى الدول الإسلامية مقدمة لتوحيد هذه الدول لاحقاً تحت راية الخلافة الإسلامية – والتى أقضت مضاجعهم قديماً – ولما لا وهذه الدول ستكون آنئذٍ فى قبضة الإسلاميين – على حد عبارتهم - .
ولعل هذه الرغبة المحمومة كانت أشد صخباً وأظهر ما تكون – عبر التاريخ الاستشراقي الفرنسي – خلال القرن العشرين ، وذلك لاعتبارات أهمها ما كانت دوائر الاستعمار تلقاه من مقاومة - شريفة - من جانب الشعوب الإسلامية التي كان يستعمرها - في قارتي آسيا وأفريقيا – فأرادت مؤسسات الاستشراق وعرابيها أن تسهم بخدمة كبيرة لإدارتهم الاستعمارية التابعين لها- والذىن هم مدينون لها بالطبع فى الدعم المادى والمعنوى - فكان هجومهم على الحكم الإسلامى شيئاً من رد الجميل ، وإسهاماً - غير شريف ولا نزيه – فى مقاتلة أعداء إمبراطوريتهم الاستعمارية ، وإجهاض أحلامهم .
ولا يمكن تصور أن مؤلفاً واحداً لمستشرق بعينه كفيل برسم تلك الصورة الاستشراقية للسياسة فى الاسلام ، بل إن كل مؤلف كان يستهدف زاوية بعينها فى هذا الباب ، ومن ثم كان جملة ما قدمه المستشرقون خلال القرن العشرين أشبه ما يكون ما بمعزوفة متناغمة القصد متوافقة الأداء باستثناء ما شق المنصفون – على قلتهم كما هو الحال فى كل قضية استشراقية - فيه عصا جماعتهم ، فوجدناهم أصنافاً وفصائل من حيث الاهتمام بالقضايا والكتابة فيها ، فمثلاً وجدنا فريقاً منهم يكتب عن : اتهام الشريعة الاسلامية والتشكيك في صلاحيتها للحكم و تشويه الجماعات الإسلامية وتمثيلها للإسلام على اختلافات توجهاتها وسياساتها ، وادعاء استضعاف المرأة المسلمة في ظل الحكم الإسلامي ، المأساة المزعومة للأقليات غير المسلمة فى الدول المسلمة و تبشيع الصراعات المسلحة التى أجبر الإسلام على الدخول فيها مع البلاد والإمبراطوريات المسيحية .
ومن خلال هذين المحورين استطاع الاستشراق أن يرسم للإسلام صورة شائهة غير محببة ، فتلقفها أذنابه فى الأقطار الإسلامية ، وأعادوا تدويرها في منتج محلى باسم الحرية الفكرية ونصرة الدولة المدنية ، وقد عانينا نحن المسلمين ولا نزال من هذا الفريق الذي يمثل طابوراً خامساً يهدد استقرار المجتمعات الإسلامية ويعيق محاولات المخلصين من أبناء هذه الأمة الرامية إلى العودة إلى ينابيع الإسلام الصافية فى سياسة الإسلام للشعوب والمجتمعات . الإسلام السياسي وأنصار الرؤية الاستشراقية "
د . محمد عشماوي زيدان .

عمل المستشرقون والمغربون جاهدين على أن تشيع في أحراشنا الثقافية ومنذ عقود حالة من الجدل والأخذ والرد والدفع والإنكار حول ارتباط الإسلام بالسياسة ،الأمر الذي جعل محور تحكيم الشريعة الإسلامية وهو أحد محاور الإسلام السياسي لا يزال محل صراع ونزاع فكري بين دعاة المشروع الإسلامي وخصومهم ، وكان أن اصطف الفريقان في مواجهة أشبه ما تكون بمواجهة على الوجود ، ولم تكن تطورات الأحداث الأخيرة في العالم العربي –أعني ثورات الربيع العربي أو انتفاضات الحرية - إلا منشأة لواقع جديد في تاريخ هذا النزال ومعيدة للجدل المحموم القديم الجديد ، ولتذكرنا بالمعارك والمنازلات التي استغرقت جهود أبناء الحركة الإسلامية لعقود طويلة مضت .
وقد كانت هذه القضية محور نقاش طويل وجدل مستمر خلال القرن العشرين ، ولا تعرف قضية ظهرت تفاصيلها على السطح كما هو الحال فى هذه القضية – الحكم بالإسلام – وذلك بسبب ترويج المثقفين الجدد فى تبنيها ، ولعل أشد ما جسد هذا الحراك المثير تلك المناظرة الشهيرة التي دارت بين العلمانيين يقدمهم الدكتور فرج فودة ، والإسلاميين يمثلهم الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى – والدكتور محمد عمارة ، ومن ثم فليس هناك قضية استشراقية بلغت شعبيتها في الطرح كما بلغته هذه القضية .
نبوءة استشراقية :
كثيرة هي الأطروحات الاستشراقية التي تصدرت قضية الإسلام السياسي محاورها الرئيسة ، ولم تكن المعالجة منصبة فقط على رصد هذا التيار وفكره وواقع حركته ، بل حاول المستشرقون جاهدين أن يتنبئوا بمسقبلها ويتوقعوا مآلاتها ونهاياتها ، وغالباً ما كانت هذه النبوءات خارج رحم الواقع وصادرة عن أمنيات ورغبات أقرب منها محاولات الاستشراف العلمي الصادقة ، ولنأخذ مثالاً من هذه المحاولات يقول فرانسوا بورجافي كتابه الإسلام السياسي صوت الجنوب : ) بالنسبة لأحداث اتجاهات النتاج الأكاديمي الفرنسي ، تعتبر الظاهرة الإسلامية منذ الآن "في أفول" بل "لقد تم تجاوزها" وقد جاء عصر "انهيار الإسلام السياسي" . وقد شكلت إشكالية "فشل الإسلام السياسي" من كثير من النواحي المدخل المفضي إلى إشكالية "أفوله" وتجاوزه عبر إشكالية "انهيار الإسلام السياسي" . وبالنسبة لأنصار دعوى انهيار الإسلام السياسي تحت شكل أو آخر من هذه الأشكال ، فإن هذا الفشل و "تجاوز" الإسلاميين إنما ينجم عن عدة عوامل هي :
أولاً : عجز تيارات مختلفة عن الانتصار على الأنظمة الديكتاتورية .
ثانياً : العزلة الاجتماعية التي يفترض أن لجوءها إلى العنف قد وضعها فيها ، مما أدى إلى كسر الائتلاف الاجتماعي– من أفغانستان إلى الجزائر ! – الذي كان قد سمح بتزايد قوتها .
ثالثاً : نوع من العجز يقال إنها قد أظهرته في اتباع الطريق الذي رسمه حرف خطابها السياسي . إذ يبدو أن الإسلاميين قد أصبحوا بشكل خاص .. "حديثين" بأكثر بكثير مما كانوا يعتزمون . وإذا نظرنا إلى الأمر عن قرب ، فقد أصبحوا من ثم مشهورين بأنهم "بسبيلهم إلى الاختفاء" لأن مسلكهم أو مواقفهم (خاصة فيما يتعلق بالتحديث) تبدو بشكل ما خارجة عن حدود التعريف الذي قدمه المراقبون لها . وبمجرد ما أن يقبل الإسلام إدراج فعله في إطار الدول – الأمم أو ينجح في إيجاد تماشٍ بين المعجم الإسلامي وقيم الحداثة ، فلن يكون بالإمكان عندئذٍ بعد اعتباره إسلامياً لأن الإسلامي الذي يحترم نفسه – كما يعلن الملحدون الأكثر وصولاً إلى وسائل الإعلام – يجب أن يرفض إطار الدولة القومية لحساب إطار "الأمة" وحده، تماماً كما يجب له أن يكون خصماً متشدداً لكل شكل من أشكال الحداثة( ) .
وهذا الاستشهاد الآنف يظهر طبيعة الرؤية الاستشراقية لحاضر الإسلام السياسي ومستقبله ، إذ إنها ترى نجمه إلى أفول وترد هذا الأفول إلى أسباب ثلاثة عجز التيارات الممثلة للإسلام السياسي عن الانتصار على الأنظمة الديكتاتورية ، انكفائها على أنفسها وانعزالها عن التفاعل والتأييد المجتمعي والشعبي نتيجة ورطات العنف التي انغمست فيه ، مما جعلها فاقدة لعنصر الجذب والتعاطف بسبب ممارساتها ، خروجهم عن الخطوط الأولى التي وضعوه لأنفسهم منذ بدء حركاتهم نتيجة محاولات كسر الحواجز وإظهار أقدار عالية من المرونة والقابلية للعصرنة والحداثة المسايرة لروح وطبيعة العصر ، وعلى رأس هذا المسايرات قبول فكرة الدولة عوضاً عن الأمة ، والقومية بديلاً عن الوحدة الجامعة .
وهذا التحليل والاستنتاج الاستشراقي الذي يفترضه واحد كــ فرانسوا بورجا ، والذي لم يمض على طرحه سوى عقدين تقريباً ، يجعلنا مطالبين بمراجعة تلك النتائج مع طبيعة الأحداث على أرض الواقع ، ومقارنتها في ضوء مآلات الأمور ، والسؤال الذي يفرض نفسه : هل بالفعل كان هذا التحليل موافقاً لحقيقة الأشياء ؟ وهل كان الاستنتاج المترتب عليه له برهان من الواقع ؟
لقد أتى الوقت الذي أفلت فيه ديكتاتوريات القمع والاستبداد ، وغرب نجمها وما تزال البقية الباقية من أشياعهم تلقى ذات الحتف وذاك المصير ، والعنف الذي رمى به كافة تيارات الإسلام السياسي دون تمييز كان جموحاً في الحكم غير مقبول ، إذ لم تكن وقائع بعض أحداث العنف مسلكاً عاماً بين هذه التيارات وحتى أغلب من لجأ منها إلى هذا المسلم المرفوض كان بمثابة رد فعل في مواجهة القمع والمصادرة والملاحقة و الاستهانة بنتائج الحوار والامناقشة ، فكانت أحداث العنف الدامية حلقة مفرغة لا يعرف مبدأها ومنتهاها ، ثم إن العزلة التي تبعت ذلك بزعم فرانسوا استنتاج غير دقيق ، إن التضييق الذي ضربته الأنظمة الديكتاتورية على هذه التيارات .
ولعلى لا أكون مبالغاً إذا قلت إن قضية السياسة فى الإسلام ، حازت اهتماما من المستشرقين لا تكاد تجد له مثيلاً فى غيرها من القضايا ذات الاهتمام الاستشراقي - لا سيما في النتاج الاستشراقي العالمي كله خلال القرن العشرين -، وهو ما قد أرى له جملة من المبررات والدوافع تتمثل أبرزها في :
1 . أنهم أرادوا مدافعة رغبة المخلصين من أبناء هذا الدين في تحكيم شرعه القويم ، تحت حجة مزعومة مفادها أن الدراسات الاستشراقية الرصينة -بزعمهم – تؤكد عدم صلاحيته للتطبيق .
2 . تخوفهم الشديد من أن يكون تحكيم التشريع لإسلامية وتطبيق النظام السياسي للإسلام فى الدول الإسلامية مقدمة لتوحيد هذه الدول لاحقاً تحت راية الخلافة الإسلامية – والتى أقضت مضاجعهم قديماً – ولما لا وهذه الدول ستكون آنئذٍ فى قبضة الإسلاميين – على حد عبارتهم - .
ولعل هذه الرغبة المحمومة كانت أشد صخباً وأظهر ما تكون – عبر التاريخ الاستشراقي الفرنسي – خلال القرن العشرين ، وذلك لاعتبارات أهمها ما كانت دوائر الاستعمار تلقاه من مقاومة - شريفة - من جانب الشعوب الإسلامية التي كان يستعمرها - في قارتي آسيا وأفريقيا – فأرادت مؤسسات الاستشراق وعرابيها أن تسهم بخدمة كبيرة لإدارتهم الاستعمارية التابعين لها- والذىن هم مدينون لها بالطبع فى الدعم المادى والمعنوى - فكان هجومهم على الحكم الإسلامى شيئاً من رد الجميل ، وإسهاماً - غير شريف ولا نزيه – فى مقاتلة أعداء إمبراطوريتهم الاستعمارية ، وإجهاض أحلامهم .
ولا يمكن تصور أن مؤلفاً واحداً لمستشرق بعينه كفيل برسم تلك الصورة الاستشراقية للسياسة فى الاسلام ، بل إن كل مؤلف كان يستهدف زاوية بعينها فى هذا الباب ، ومن ثم كان جملة ما قدمه المستشرقون خلال القرن العشرين أشبه ما يكون ما بمعزوفة متناغمة القصد متوافقة الأداء باستثناء ما شق المنصفون – على قلتهم كما هو الحال فى كل قضية استشراقية - فيه عصا جماعتهم ، فوجدناهم أصنافاً وفصائل من حيث الاهتمام بالقضايا والكتابة فيها ، فمثلاً وجدنا فريقاً منهم يكتب عن : اتهام الشريعة الاسلامية والتشكيك في صلاحيتها للحكم و تشويه الجماعات الإسلامية وتمثيلها للإسلام على اختلافات توجهاتها وسياساتها ، وادعاء استضعاف المرأة المسلمة في ظل الحكم الإسلامي ، المأساة المزعومة للأقليات غير المسلمة فى الدول المسلمة و تبشيع الصراعات المسلحة التى أجبر الإسلام على الدخول فيها مع البلاد والإمبراطوريات المسيحية .
ومن خلال هذين المحورين استطاع الاستشراق أن يرسم للإسلام صورة شائهة غير محببة ، فتلقفها أذنابه فى الأقطار الإسلامية ، وأعادوا تدويرها في منتج محلى باسم الحرية الفكرية ونصرة الدولة المدنية ، وقد عانينا نحن المسلمين ولا نزال من هذا الفريق الذي يمثل طابوراً خامساً يهدد استقرار المجتمعات الإسلامية ويعيق محاولات المخلصين من أبناء هذه الأمة الرامية إلى العودة إلى ينابيع الإسلام الصافية فى سياسة الإسلام للشعوب والمجتمعات .
بقلم :
د . محمد عشماوي زيدان .