اتباع المذهب أم الدليل؟
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2
1اعجابات
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة

الموضوع: اتباع المذهب أم الدليل؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2016
    المشاركات
    595

    افتراضي اتباع المذهب أم الدليل؟

    السؤال

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    شيخي الذي تعلَّمت منه أحكامَ الترتيل، واستفدتُ منه في الفقه وغيره من خِلال مجالس نقاشٍ ومحاورة، ورأيتُ منه أخلاقًا طيِّبة، وإحسانًا وصلاحًا ونفعًا في بعض الأمور الدنيويَّة، والنُّفوس مجبولةٌ على حُبِّ مَن أحسن إليها - كما تعلمون - صار يُسبِّبُ لي حيرةً فكريَّةً، ومَدًّا وجَزرًا في قناعاتي العلميَّة؛ إذ أراه مُتمسِّكًا بالمذهب المالكي في الجلِّ الغالب عليه، ولا يلينُ للدليل، ويردُّ الاستدلال المخالف للمذهب، ولو ظهَر وضوحُه - بحسَب ظنِّي - وقد تعلمتُ من الدعوة السلفيَّة المباركة متابعةَ الدليل، والتسليم للحديث النبوي الشريف، فصارَ عندي نوعٌ من الحيرة، ولَّدَتْها معاملتُه الطيِّبة لي، التي تردُّني عن مخالفته، وبين وُضوح الدليل الذي أراه على غير ما يرى الشيخ، زِدْ على ذلك ما أراه من عدم مُبالاته بمشايخ السلفيَّة المُعتَبَرين كابن عثيمين، ومشايخ الحجاز، الذين أُكِنُّ لهم كلَّ احترامٍ وتقدير، وقد رأيتُ آراءَه تُؤثِّر عليَّ - أحيانًا - حتى صِرتُ لا أدري وجهَ الصواب.
    ولعلَّه من المهم أنْ تعلموا أنَّ للشيخ مكانةً في الفتوى في بلدتنا، فأيُّ مخالفةٍ لفتاواه - ولو كنت أرى ضعفَ دليلها - قد تُسبِّب لي حرجًا؛ خاصَّة وأنِّي أشغلُ مهمَّة إمام وخطيب تحت وصاية وزارةٍ تزعُم مرجعيَّتها للمذهب المالكي، أرشِدُونا مأجورين.


    الجواب

    الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:
    فقد أوجب الله علينا اتِّباعَ كتابه وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32].
    وقال: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 3].
    وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء: 59].
    وقال - تعالى -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].
    وقال - تعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36].
    وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 20].
    وقال: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ﴾[النور: 54].
    وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33].
    والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.
    ورَوَى أحمدُ وأبو داود والترمذي عن العِرباض بن سارية قال: صلى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذاتَ يوم، ثم أقبَلَ علينا فوعَظَنا موعظةً بليغةً، ذَرَفَتْ منها العيونُ، ووجِلت منها القلوبُ، فقال قائل: يا رسولَ الله، كأنَّ هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: ((أُوصِيكم بتقوى الله، والسمعِ والطاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًّا؛ فإنَّه مَن يعِشْ منكم بعدي، فسَيَرَى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنَّتي، وسنَّةِ الخلفاءِ المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ)).
    فالواجبُ على كلِّ مَن ظَهَرَ له الحقُّ بدليلِه الصحيحِ أن يتَّبِعَه وإنْ كان على خلاف المذهب الفقهيِّ الذي يتَّبِعُه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ العدولُ عن الحقِّ إلى قول أحدٍ كائنًا مَن كان، ولا عُذرَ لأحدٍ عند الله في اتِّباع قولٍ يُعلَم أنَّ الدليل ثابتٌ بخلافه.
    قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في "الفتاوى" (20/209): "ولا يَجِبُ على أحدٍ منَ المسلمين تقليدُ شخصٍ بعينه من العلماء في كلِّ ما يقولُ، ولا يجب على أحدٍ مِنَ المسلمينَ التزامُ مذهبِ شخصٍ معيَّنٍ غيرِ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كلِّ ما يُوجِبُه ويخبرُ به، بل واتِّباع الشخصِ لمذهبِ شخصٍ بعينِهِ لعجزِه عن معرفة الشرع بغير ذلك الطريق"؛ انتهى.
    وقالَ في (20/210، 211): "قد ثَبَتَ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع أنَّ الله - سبحانه وتعالى - فَرَضَ على الخلق طاعتَهُ وطاعةَ رسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يُوجِب على هذه الأُمَّة طاعةَ أحدٍ بعينِهِ في كلِّ ما يأمرُ به وينهى عنه إلاَّ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى كان صِدِّيقُ الأمَّة وأفضلُها بعد نبيِّها يقولُ: "أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله، فلا طاعة لي عليكم"، واتَّفَقُوا كلُّهم على أنَّه ليس أحدٌ معصومًا في كلِّ ما يأمرُ به وينهى عنه إلاَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولهذا قال غيرُ واحدٍ من الأئمَّة: كلُّ أحدٍ من الناس يُؤخَذ من قوله ويُترَك إلاَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
    وهؤلاء الأئمَّة الأربعة - رضي الله عنهم - قد نَهَوُا النَّاسَ عن تقليدِهِم في كلِّ ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسنُ ما رأيت، فمَن جاء برأْيٍ خيرٍ منه قَبِلناه؛ ولهذا لمَّا اجتمع أفضلُ أصحابه أبو يوسف بِمالكٍ فسأله عن مسألةِ الصاع، وصدقةِ الخضروات، ومسألةِ الأجناس، فأخبرَهُ مالكٌ بِما تدلُّ عليه السُّنَّة في ذلك، فقال: رجَعتُ إلى قولك يا أبا عبدالله، ولو رأى صاحبي ما رأيتُ، لرَجَع إلى قولك كما رجعتُ.
    ومالكٌ كان يقول: إنَّما أنا بَشَرٌ أُصِيبُ وأُخطِئُ، فاعرِضوا قولي على الكتاب والسُّنَّة، أو كلامًا هذا معناه.
    والشَّافعيُّ كان يقول: إذا صَحَّ الحديث، فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيتَ الحُجَّة موضوعةً على الطريق، فهي قولي، وفي "مختصر المزني" لما ذَكَرَ أنَّه اختصرَه من مذهب الشافعي لمن أرادَ معرفة مذهبِه، قال: مع إعلامِية نَهيِهِ عن تقليدِهِ، وتقليدِ غيرِه من العلماء.
    والإمامُ أحمدُ كان يقول: لا تُقَلِّدُوني ولا تُقَلِّدوا مالكًا ولا الشافعيَّ ولا الثوري، وتعلَّموا كما تَعَلَّمنا، وكان يقول: من قِلَّةِ علم الرجل أنْ يُقَلِّدَ دينَه الرجال، وقال: لا تقلد دينكَ الرجال؛ فإنهم لن يَسْلَموا من أنْ يَغْلطوا".
    وقال: (20/212): "لكن من الناس مَن قد يَعجِزُ عن معرفة الأدلَّة التفصيليَّة في جميع أمورِه، فيسقط عنه ما يعجِز عن معرفتِه، لا كلُّ ما يعجِز عنه من التفقُّهِ، ويلزمُه ما يَقدِر عليه، وأمَّا القادر على الاستدلال، فقيل: يَحْرُم عليه التقليدُ مطلقًا، وقيل: يَجُوزُ مطلقًا، وقيل: يجوزُ عند الحاجة؛ كما إذا ضاقَ الوقت عن الاستدلال، وهذا القولُ أعدلُ الأقوال، فمَن نَظَر في مسألةٍ تَنَازَعَ العلماء فيها، ورأى مع أحدِ القولين نصوصًا لم يَعلَمْ لها مُعارضًا بعد نظَر مثلِهِ، فهو بين أمرينِ:
    إمَّا أنْ يَتَّبعَ قولَ القائل الآخَر؛ لمُجَرَّد كونِه الإمام الذي اشتَغَلَ على مذهبِه؛ ومثل هذا ليس بحُجَّةٍ شرعيَّة، بل مُجَرَّد عادةٍ يُعارِضُها عادة غيْرِه، واشتِغال على مذهبِ إمامٍ آخر، وإمَّا أن يَتَّبعَ القولَ الذي تَرَجَّحَ في نظره بالنُّصوص الدَّالَّة عليه، وحينئذٍ فتكونُ مُوَافقته لإمامٍ يقاومُ ذلك الإمام، وتَبقَى النُّصوص سالمةً في حقِّه عن المعارض بالعملِ، فهذا هو الذي يصلحُ، وإنَّما تنزَّلنا هذا التنزُّل؛ لأنَّه قد يُقال: إنَّ نظر هذا قاصرٌ، وليس اجتِهاده قائمًا في هذه المسألة؛ لضَعفِ آلة الاجتهاد في حقِّه، أمَّا إذا قَدَرَ على الاجتهاد التَّامِّ الَّذي يعتقدُ معه أنَّ القولَ الآخرَ ليس معه ما يدفعُ به النَّص، فهذا يَجِبُ عليه اتِّباعُ النُّصوص، وإن لم يَفْعَلْ كان مُتَّبِعًا للظَّنِّ وما تَهوى الأنفُس، وكان من أكبر العُصاة لله ولِرسولِه، بِخِلاف مَن يقولُ: قد يكون للقول الآخَر حُجَّةٌ راجحةٌ على هذا النَّصِّ، وأنا لا أعلمُها، فهذا يُقال له: قد قال الله - تعالى -: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، وقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استَطعتُم))، والذي تستطيعُه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دَلَّكَ على أنَّ هذا القولَ هو الرَّاجحُ، فعليكَ أنْ تَتَّبِعَ ذلكَ، ثم إنْ تَبَيَّنَ لكَ فيما بعدُ أنَّ للنَّصِّ مُعارضًا راجحًا، كان حُكمكَ في ذلكَ حُكْمَ المجتهد المستقلِّإذا تَغَيَّرَ اجتِهاده، وانتقالُ الإنسان من قولٍ إلى قولٍ لأجل ما تَبَيَّن له منَ الحقِّ هو مَحمودٌ فيه، بخِلاف إصراره على قولٍ لا حُجَّةَ مَعَه عليه، وتركُ القول الذي وضحت حجَّتُه، أو الانتقال عن قولٍ إلى قولٍ لمجرَّد عادة واتِّباع هوى، فهذا مذمومٌ، وإذا كان الإمامُ المقلِّدُ قد سَمِعَ الحديثَ وتركه - لا سيَّما إذا كان قد رواه أيضًا - فمثل هذا وحدَه لا يكون عُذرًا في ترك النصِّ، فقد بيَّنَّا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحو عِشرين عُذرًا للأئمَّة في ترك العمل ببعضِ الحديث، وبينَّا أنهم يُعذَرون في الترك لتلك الأعذار، وأمَّا نحن، فمعذورون في تركها لهذا القول؛ فمَن ترَك الحديث لاعتقاده أنَّه لم يصح، أو أن راويه مجهولٌ، ونحو ذلك، ويكون غيرُه قد عَلِم صحتَه، وثقة راويه، فقد زال عذرُ ذلك في حق هذا، ومَن ترك الحديث لاعتقاده أنَّ ظاهر القُرآن يخالفه، أو القياس، أو عملٌ لبعض الأمصار، وقد تبيَّن للآخر أنَّ ظاهر القُرآن لا يخالفه، وأنَّ نصَّ الحديث الصحيح مقدمٌ على الظواهر، ومقدَّم على القياس والعمل، لم يكن عذرُ ذلك الرجل عذرًا في حقِّه؛ فإنَّ ظهور المدارك الشرعيَّة للأذهان وخفاءَها عنها أمرٌ لا ينضبطُ طرفاه، لا سيَّما إذا كان التاركُ للحديث معتقدًا أنَّه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار أهلُ المدينة النبوية وغيرها، الذين يُقال: إنهم لا يترُكون الحديث إلاَّ لاعتقادهم أنَّه منسوخٌ، أو مُعارَضٌ براجحٍ، وقد بلغ مَن بَعده أنَّ المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عَمِلَ به طائفةٌ منهم، أو مَن سمعه منهم، ونحو ذلك ممَّا يقدحُ في هذا المعارض للنصِّ، وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلمُ أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضةً فاسدةً؛ لأنَّ الإمام الفلاني قد خالَفَه في هذه المسألة مَن هو نظيرُه من الأئمَّة، ولستُ أعلمَ من هذا، ولا هذا، ولكنَّ نسبةَ هؤلاء إلى الأئمَّة كنسبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي، ومعاذ، ونحوهم إلى الأئمَّة وغيرهم؛ فكما أنَّ هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكْفاء في موارد النِّزاع، وإذا تنازَعُوا في شيءٍ ردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضُهم قد يكون أعلمَ في مواضعَ أُخَر، فكذلك مَواردُ النِّزاعِ بين الأئمَّة، وقد ترَك الناس قولَ عمر وابن مسعود في مسألة تيمُّمِ الجنُب، وأخذوا بقول مَن هو دونَهما؛ كأبي موسى الأشعري وغيره، لَمَّا احتج بالكتاب والسُّنَّة، وترَكُوا قول عمر في ديَّة الأصابع، وأخَذُوا بقول معاوية؛ لِمَا كان معه من السُّنَّة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((هذه وهذه سواءٌ))، وقد كان بعض الناس يُناظر ابن عباس في المتعة، فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يُوشك أنْ تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر!
    وكذلك ابن عمر لمَّا سألوه عنها، فأمَر بها، فعارَضوا بقول عمر، فتبيَّنَ لهم أنَّ عمر لم يُرِدْ ما يقولونه، فألَحُّوا عليه، فقال لهم: أمرُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحقُّ أنْ يُتَّبعَ أم أمرُ عمر؟! مع علم الناس أنَّ أبا بكرٍ وعمر أعلمُ ممَّن هو فوق ابن عمر وابن عباس.
    ولو فُتِحَ هذا البابُ لَوَجَبَ أنْ يُعرَض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كلُّ إمامٍ في أتباعه بمنزلة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أمَّته، وهذا تبديلٌ للدِّين يشبهُ ما عابَ اللهُ به النصارى في قوله: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾[التوبة: 31]"؛ اهـ مُختصرًا.
    والحاصل: أنَّ الأئمَّة أخَذوا الفقهَ منَ الكتاب والسُّنَّة، وهم مُجتَهِدون في ذلك، والمجتهِدُ إمَّا مصيبٌ، فله أجران؛ أجرُ اجتِهاده، وأجرُ إصابته، وإمَّا مُخطئ، فله أجرٌ على اجتهاده، ويُعذَر في خَطئه، ولكنْ لا يجوزُ مُتابَعتُهم على الخطأ لِمَنْ بانَتْ له السُّنَّة.
    هذا، وقد تقدَّم في كلام شيخِ الإسلام ابن تيميَّة بعضُ أقوال الأئمَّة التي تنهى عن تقليدِهم، وتدعو إلى العمل بالكتاب والسُّنَّة، وأنهم شرَحُوا نصوصَ الدِّين، وبيَّنوا قواعِدَه، وفرَّعوا عليها، وأفتوا الناس فيما سألوا عنه دُون أنْ يُلزِموا أحدًا من تلاميذِهم أو غيرهم بآرائهم، بل يعيبون على مَن فعل ذلك، ويأمرون أنْ يضرب برأيهم عرضَ الحائط إذا خالَف الحديث الصحيح.
    وفي "تاريخ ابن معين" - رواية الدوري (3/504) -: "قال أبو نعيم: وسمعت زُفَرَ يقولُ: كنَّا نختلفُ إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنَّا نكتبُ عنه، قال زُفَرُ: فقال يومًا أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوبُ! لا تكتب كلَّ ما تسمعُ منِّي؛ فإنِّي قد أرى الرأي اليوم وأتركُه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأترُكه بعد غدٍ"، وهو في "تاريخ بغداد" (12/424).
    وقال الإمام مالك: "ليس أحدٌ بعد النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلاَّ ويُؤخَذ من قوله ويُترَك، إلاَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم".
    وقال الإمام الشافعي: "أجمَعَ المسلمون على أنَّ مَن استبانَتْ له سنَّةٌ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يحلَّ له أنْ يدَعَها لقول أحدٍ".
    وراجع في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (2/307): "فصلٌ في عقد مجلس مناظرةٍ بين مقلِّدٍ وبين صاحبِ حُجَّةٍ مُنقادٍ للحق حيث كان".
    لعلَّه بهذا البيان قد ظهَر لك الحق فيما أثار حيرتَك الفكريَّة، وإن كنتُ أظن أنَّ ما ذكرته لا يسبب مَدًّا وجَزرًا في قَناعاتك العلميَّة؛ لأنَّ تلك المسألة ليست مُؤسَّسة على طيب الخلُق والإحسان للخلْق، وإنما بناؤها على مِقدار العلم الشرعي، والتجرُّد فيه، مع معرفة مَذاهب أهل العلم المتقدِّمين، وتجريد الاتِّباع لله ورسوله، والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.
    فاستَعِنْ بالله، وقُمْ بواجب النُّصح للشيخ، في ظلِّ ما ذكَرْناه لك من أدلَّة ونصوصٍ لأهل العلم، وحاول أنْ تُبيِّنَ له ما هو عليه من خطر عظيم بتركه الأدلَّةَ الصحيح إذا خالفت المذهب.
    ولتتحلَّ بالرفق واللين وحُسن الخلُق، والرَّغبة الصادقة في نفعِه.




    http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4OlbrZm00

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,424

    افتراضي

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمود عبدالراضى
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •