"تعليقات على المخالفات العقدية " في فتح الباري شرح صحيح البخاري. للعلامة البراك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4
1اعجابات
  • 1 Post By أبو مالك المديني

الموضوع: "تعليقات على المخالفات العقدية " في فتح الباري شرح صحيح البخاري. للعلامة البراك

  1. #1
    أبو مالك المديني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,212

    افتراضي "تعليقات على المخالفات العقدية " في فتح الباري شرح صحيح البخاري. للعلامة البراك

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كُلِّه ولو كره المشركون ، وصلى الله على نبينا محمد وآله ، وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

    فلا يخفى عليكم أن كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر العسقلاني من أعظم كتب المسلمين ..
    إلا أن عمل البشر ـ مهما بلغ صاحبه من العلم ـ لا بد فيه من النقص ، وهذا النقص يختلف من كتاب لآخر كمـا ، ونوعا ..
    ومن المعلوم أن من النقص الذي لا يحسن التساهل معه هو:
    ما كان متعلقا بالعقيدة ؛ إذ هي أغلى ما يملك العبد ، وأولى ما يحافظ عليه .
    ولما أراد الإخوة في دار طيبة إخراج الكتاب بتحقيق الشيخ أبي قتيبة نظر الفاريابي ، كان في مقدمة اهتماماتهم التعليق على المسائل التي وقعت فيها مخالفة من الحافظ ابن حجر لمذهب أهل السنة والجماعة بسبب تأثره ـ غفر الله له ـ بعقائد الأشاعرة ؛ فكان أن يسر الله لهذه المهمة الكريمة الشيخ عبد العزيز الجليل ، فقام بعرض فكرة التعليق على الشيخ العلامة عبد الرحمن البراك ، وعرض مشروع التحقيق عليه فشرح الله صدره لذلك ، فعلق على مواضع كثيرة بيَّن فيها الحق ـ مذهب أهل السنة والجماعة ـ بيانا شافيا ، ومعلوم إمامة الشيخ في هذه الباب فقد أمضى حفظه الله قرابة نص قرن من الزمان في تدريس العقيدة السلفية ، ونشرها للناس ؛ فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء .

    ولما كان من الصعب وصول الكتاب لإخواننا المسلمين في بعض البلاد ، أو عدم قدرة بعضهم على اقتنائه عقدت العزم على نقل تلك التعليقات النفيسة النافعة ؛ ليعلقها الإخوة على نسخهم ، وسأبدأ ـ بإذن الله ـ بنقلها هنا واحدا تلو الآخر.. أسأل الله الإعانة على ذلك .

    تنبيه : العزو للطبعة السلفية الأولى .

    والآن أبدأ :

    1 - قال الحافظ في المقدمة ص 136 :
    قـــوله " استوى على العرش " هو من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى ، ووقع تفسيره في الأصل .اهـ


    قال الشيخ البراك : قولــه : " هو من المتشابه ... الخ " إن أراد ما يشتبه معناه على بعض الناس فهذا حق ؛ فإن نصوص الصفات ومنها الاستواء قد خفي معناها على كثير من الناس ، فوقعوا في الاضطراب فيها وعلِم العلماء من السلف وأتباعهم معانيها المرادة منها، فأثبتوها، وفوضوا علم حقائقها وكيفياتها إلى الله تعالى؛ كما قال الإمام مالك وشيخه ربيعة لما سـئل عن الاستواء: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب" وهذه قاعدة يجب اتباعها في جميع صفات الله تعالى ، وقد فسر السلف الاستواء: بالعلو والارتفاع والاستقرار.
    وإن أراد بالمتشابه: (ما لا يفهم معناه أحد، فيجب تفويض علم معناه إلى الله تعالى) فهذا قول أهل التفويض من النفاة المعطلة ، وهو باطل؛ لأنه يقتضي أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمه أحد ، وهذا خلاف ما وصف الله به كتابه من البيان والهدى والشفاء.
    وهذا الاحتمال الثاني هو الذي يقتضيه سياق الحافظ عفا الله عنه.

    2- قال الحافظ في المقدمة ص 208 :
    قوله : (أطولهن يدًا) أي: أسمحهن، ووقــع ذكر اليد في القرآن والحديث مضافًا إلى الله تعالى، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة التي هي من صفات المحدثات ، وأثبتوا ما جاء من ذلك وآمنوا به ؛ فمنهم من وقف ولم يتأول، ومنهم من حمل كل لفظ منهــا على المعنى الــذي ظهر له، وهكذا عملوا في جميع ما جاء من أمثال ذلك.اهـ

    قال الشيخ البراك: قوله: "واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة... الخ": لفظ الجارحة لم يرد إطلاقه في الكتاب والسنة ولا في كلام السلف على صفة الرب سبحانه ؛ لا نفيًا ولا إثباتًا، وهو لفظ مجمل ، فيجب التفصيل فيه نفيًا وإثباتًا ؛ فإن أريد بالجارحة الـيد التي تماثل أيدي المخلوقين ، فيد الله سبحانه ليست مثل يد أحد من الخلق .
    وإن أريد بالجارحة اليد التي يكون بها الفعل، والأخذ، والعطاء، ومن شأنها القبض والبسط ؛ فيد الله كذلك ؛ فقد خلق آدم بيديه، ويأخذ أرضه وسماءه يوم القيامة بيديه، ويقبض يديه ويبسطهما كما جاء في الكتاب والسنة؛ فالنافي للمعنى الأول محق ، والنافي للمعنى الثاني مبطل.
    ولا ريب أن أهل السنة متفقون على نفي مماثلة الله لخلقه في شيء من صفاته ـ لا اليد ولا غيرها ـ بل يثبتونها لله سبحانه على الوجه اللائق به مع نفي التمثيل ونفي العلم بالكيفية.
    وقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "واتفق أهل السنة والجماعة": يدخل فيهم الأشاعرة ونحوهم من طوائف الإثبات كما يقتضيه آخر كلامه ، ومذهبهم في صفة اليدين لله نفي حقيقتهما ، ثم لهم في النصوص الواردة بذكر اليدين أحد منهجين:
    إما التفويض، أي: تفويض المعنى.
    وإما التأويل: بصرف لفظ اليد عن المعنى المتبادر ـ وهو الراجح ـ إلى معنى مرجوح كالقدرة والنعمة.
    وهو صرف للكلام عن ظاهره بغير حجة صحيحة يسمونه تأويلاً، وهو في الحقيقة تحريف.

    3– قال الحافظ في الفتح 1 / 46 :قوله : ( وهو ) أي الإيمان ( قول وفعل يزيد وينقص ) ... والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته ، والسلف جعلوها شرطًا في كماله.

    قال الشيخ البراك: قوله: "والفارق بينهم وبين السلف .... الخ": هذا الفرق بين المعتزلة والسلف لا يستقيم سواء أريد بشرط الصحة أو شرط الكمال: جنس العمل ، أو أنواع العمل الواجبة ، أو الواجبة والمستحبة ؛ فإن الأعمال المستحبة من كمال الإيمان المستحب، فلا تكون شرطاً لصحة الإيمان، ولا لكماله الواجب.
    وأما الأعمال الواجبة: فليس منها شرط لصحة الإيمان عند جميع أهل السنة، بل بعضها شرط لصحة الإيمان عند بعض أهل السنة كالصلاة.
    وأما عند المعتزلة: فالمشهور من مذهبهم ومذهب الخوارج أن ما كان تركه كبيرة فهو شرط لصحة الإيمان، وعلى هذا فلا يصح أن يقال: إن جنس العمل عندهم شرط لصحة الإيمان؛ لأن ذلك يقتضي أن الموجب للخروج عن الإيمان عندهم هو ترك جميع الأعمال، وليس كذلك، بل يثبت عندهم الخروج عن الإيمان بارتكاب ما هو كبيرة.
    وأما عند السلف: فعمل الجوارح تابع لعمل القلب، وجنس عمل القلب شرط لصحة الإيمان، وجنس عمل الجوارح تابع أو لازم لعمل القلب، فيلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم ؛ فإن الإعراض عن جميع الأعمال دليل على عدم انقياد القلب.
    هذا، ولا أعلم أحدا من أئمة السلف أطلق القول بأن الأعمال شرط أو ليست شرطا لصحة الإيمان أو كماله ، وإنما المأثور المشهور عنهم قولهم: "الإيمان قول وعمل" أو "قول وعمل ونية" ؛ يقصدون بذلك الرد على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، وخصوا الإيمان بالتصديق، أو التصديق والإقرار باللسان.
    وبهذا يتبين أن ما ذكره الحافظ بإطلاق القول بأن الأعمال شرط لصحة الإيمان عند المعتزلة، وشرط لكماله عند السلف ليس بمستقيم لما تقدم.

    4– قال الحافظ ابن حجر 1 / 157 : " قوله " فاستحيا الله منه " أي رحمه ولم يعاقبه .
    قوله : " فأعرض الله عنه " أي سخط عليه ، وهو محمول على من ذهب معرضا لا لعذر ، هذا إن كان مسلما ، ويحتمل أن يكون منافقا ، واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره ، كما يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم : فأعرض الله عنه " إخبارا أو ادعاء .

    قال الشيخ البراك : قوله: "فاستحيا الله منه أي رحمه"، وقوله: "فأعرض الله عنه أي سخط عليه": في هذا التفسير للاستحياء والإعراض من الله عدول عن ظاهر اللفظ من غير موجب، والحامل على هذا التفسير عند من قال به هو اعتقاده أن الله لا يوصف بالحياء أو الإعراض حقيقة؛ لتوهم أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه، وليس كذلك بل القول في الاستحياء والإعراض كالقول في سائر ما أثبته الله عز وجل لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات، والواجب في جميع ذلك هو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، وقد ورد في الحديث: "إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" [أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه].
    وفي ذكر الاستحيـاء والإعراض في هذا الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وشواهده كثيرة .

    5 – قال الحافظ في الفتح 1 / 229 : قوله: "إن الله لا يستحيي من الحق" أي لا يأمر بالحياء في الحق.

    قال الشيخ البراك : قوله: "أي لا يأمر بالحياء في الحق": ليس في هذا تفسير للاستحياء مضافا إلى الله عز وجل، ولا تفسير لنفي الاستحياء؛ فليس فيه تعرض لإثبات الاستحياء أو نفيه عن الله عز وجل، بل هو بيان للمراد من سياق هذا الخبر في قوله: "لا يستحيي من الحق"، وهو المعنى الذي قدمت به أم سليم لسؤالها . وانظر: التعليق رقم (4)

    6- قال الحافظ في الفتح 1 / 352 : "والمراد باليد هنا القدرة".

    قال الشيخ البراك : قوله: "والمراد باليد القدرة": يريد في قول ابن مسعود: "والذي نفسي بيده"، وهذا القسم كثيراً ما يقسم به النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: والذي نفسي في ملكه يتصرف فيها بقدرته ومشيئته. هذا هو معنى الكلام مركبا، فإذا أراد الحافظ أو غيره بقولهم: "المراد باليد هنا القدرة"
    المعنى المراد من جملة القسم كان صحيحا، وإن أراد أن يد الله المراد بها قدرته؛ فهذا جار على مذهب أهل التأويل من نفاة الصفات الذين ينفون عن الله عز وجل حقيقة اليدين، ويؤولون ما ورد في النصوص بالقدرة أو النعمة. وهو تأويل باطل مبني على باطل، وهو: اعتقاد نفي حقيقة اليدين عن الله عز وجل. وهذا التأويل صرف للنصوص عن ظاهرها، كقوله تعالى: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"، فلو كان المراد باليدين القدرة لما كان بين آدم وإبليس فرق؛ إذ الكل مخلوق بالقدرة. والحافظ رحمه الله جار في صفة اليد لله تعالى على طريق النفاة.
    وانظر: تعليق رقم (2) .

    7 - قال الحافظ في الفتح1/508:
    "والمراد بالمناجاة من قبل العبد حقيقة النجوى، ومن قبل الرب لازم ذلك، فيكون مجازا، والمعنى: إقباله عليه بالرحمة والرضوان".

    قال الشيخ البراك: قوله: "ومن قبل الرب لازم ذلك ... الخ": هذا القول يتضمن نفي حقيقة المناجاة عن الله عز وجل. والمناجاة هي المسارة في الحديث. وقد ثبتت إضافة المناجاة إلى الله عز وجل في قولـه سبحـانه: "وقربناه نجيا"؛ فالله عز وجل كلم موسى عليه السلام فناداه وناجاه، فهو كليم الله ونجيه. وليس في هذا الحديث ذكر للمناجاة من الله تعالى، بل المناجاة في الحديث من طرف العبد. ونفي حقيقة المناجاة هو مذهب من ينفي الكلام عن الله تعالى من الجهمية والمعتزلة، بل ومذهب من يقول إن كلام الله معنى نفسي ليس بحرف ولا صوت كالكلابية والأشاعرة. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، ويكلم من شاء، فيسمعه كلامه؛ فموسى عليه السلام سمع كلام الله من الله. وهكذا الأبوان في قوله سبحانه: "وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ..." الآية. والذي يظهر أن الحافظ رحمه الله تعالى مشى في صفة المناجاة على مذهب أهل التأويل من الأشاعرة.

    8- قال الحافظ ابن حجر 1/508: "وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته "[أي:حديث : إن ربه بينه وبين القبلة]

    قال الشيخ البراك : وقوله: "وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته...الخ": هذا صريح في أن الحافظ ـ عفا الله عنه ـ ينفي حقيقة استواء الله على عرشه ؛ وهو علوه وارتفاعه بذاته فوق عرشه العظيم.
    وهذا مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، بل ومذهب كل من ينفي علو الله على خلقه؛ ومنهم الماتريدية ومتأخرو الأشاعرة ؛ وهو مذهب باطل مناقض لدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة.
    ومذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وجميع أهل السنة والجماعة: أن الله عز وجل فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه؛ أي ليس حالاً في مخلوقاته، ولا ينافي ذلك أنه مع عباده أينما كانوا، وأنه تعالى يقرب مما شاء متى شاء كيف شاء. وكذلك لا ينافي علوه واستواؤه على عرشه ما جاء في هذا الحديث من أنه سبحانه قِِبل وجه المصلي، أو بينه وبين القبلة؛ فالقول فيه كالقول في القرب والمعية؛ كل ذلك لا ينافي علوه ولا يوجب حلوله تعالى في شيء من المخلوقات؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
    "ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة; مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: { وهو معكم أين ما كنتم }، وقوله صلى الله عليه وسلم: { إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه }، ونحو ذلك؛ فإن هذا غلط؛ وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير }؛ فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال: { والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه }؛ وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى؛ فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك; وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة.... وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
    { إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه } الحديث. حق على ظاهره وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت أيضا قبل وجهه. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك - ولله المثل الأعلى - ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به} فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : {سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ هذا القمر: كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله ; فالله أكبر } أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم". [مجموع الفتاوى 5 / 102 – 107 باختصار].

    9- قال الحافظ ابن حجر 1 / 514: " ويستفـــاد منه أن التحسين والتقبيــــح إنما هو بالشرع ... ".

    قال الشيخ البراك : قوله: "ويستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع": المراد بالتحسين والتقبيح: الحكم على الشيء بأنه حسن أو قبيح، وقد اختلف الناس فيما يعرف به حسن الأشياء وقبحها:
    فمذهب المعتزلة: أن ذلك يعرف بالعقل، وأن حُسْن الحَسَنْ وقبح القبيح ذاتيان، وأن الشرع كاشف لذلك .
    ومذهب الأشاعرة: أن الأشياء في ذاتها مستوية لاشتراكها في الصدور عن المشيئة، وإنما تكسب الحسن والقبح بالشرع؛ فالحسن ما أمر به الشرع، والقبيح ما نهى عنه، فالحسن والقبح عندهم شرعيان لا عقليان، ويجوز عندهم أن يأمر الله بما نهى عنه فيصير حسناً، وينهى عما أمر به فيصير قبيحاً. وهذا ظاهر الفساد.
    ومذهب أهل السنة والجماعة: أن حسن الأشياء وقبحها يعرف بالعقل والشرع؛ فما أمر به الشرع فهو حسن في ذاته ، وزاده الأمر به حسناً، وما نهى عنه الشرع قبيح وزاده النهي قبحاً؛ فالحُسْن والقبح عند أهل السنة شرعيان وعقليان، ولكن الحكم بالوجوب والتحريم، وترتب العقاب موقوف على الشرع.
    وبهذا يتبين أن الحافظ رحمه الله تعالى يذهب في التحسين والتقبيح مذهب الأشاعرة، ودعواه أن ذلك مما يستفاد من الحديث، وتوجيه ذلك بأن جهة اليمين مفضلة على اليسار وأن اليد مفضلة على القَدَم - يعني في الشرع - دعوى غير صحيحة. وما ذكره من الدليل هو حجة على خلاف ما ذهب إليه؛ فإن تفضيل اليمين على الشمال، واليد على القدم كما قد دل عليه الشرع فقد شهد به العقل والفطرة؛ فكل عاقل يدرك قبل ورود الشرع فضل الوجه على الدبر، وفضل اليد على الرجل، وفضل اليمين على الشمال، فتطابق على ذلك الشرع والعقل.

    10- قال الحافظ: 1/514 " لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ، ولا مقابلة ، ولا قرب ... " .

    قال الشيخ البراك: قوله: "لأن الحق عند أهل السنة والجماعة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضوا ... الخ":
    مراد الحافظ بأهل السنة هنا الأشاعرة ، وهو يشير ـ عفا الله عنه ـ بهذا الكلام إلى مذهبهم في الرؤية ؛ أي في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهو أنه سبحانه وتعالى يُرى لا في جهة ؛ فلا يقولون إن المؤمنين يرونه من فوقهم، ولا بأبصارهم، ولامع مقابلة. وهذا كله مبني على نفي علوه سبحانه؛ فحقيقة قولهم في الرؤية موافق لمن ينفيها كالمعتزلة؛ فإن قولهم يُرى لا في الجهة معناه أنه يُرى لا من فوق، ولا من تحت، ولا من أمام، ولا من خلف، ولا عن يمين، ولا عن شمال؛ وحقيقة هذا نفي الرؤية، فكانوا بهذا الإثبات على هذا الوجه متناقضين موافقين في اللفظ لأهل السنة بدعوى إثباتهم للرؤية، وموافقين في المعنى للمعتزلة. وليس في الحديث دليل على جنس هذه الرؤية، بل في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم يراهم من أمامه ومن خلفه. وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" يدل على أن المؤمنين يرون ربهم عياناً بأبصارهم من فوقهم من غير إحاطة؛ فقد شبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي، ولعل الحافظ يريد بأهل البدع المعتزلة.

    11– قال الحافظ 2 / 144 : في قوله : " سبعة يظلهم الله في ظله " قال عياض: " إضافة الظل إلى الله إضافة ملك ، وكل ظل فهو ملكه. كذا قال ، وكان حقه أن يقول : إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره .. ، وقيل : المراد بظله : كرامته وحمايته كما يقال : فلان في ظل الملك .
    قال الشيخ البراك: قوله : "سبعة يظلهم الله في ظله": المتبادر أن المراد بالظل هنا ما يستظل به ويتقى به من الحر، وهو أثر الحائل المانع من شعاع الشمس، والظاهر أن المراد بالظل المضاف إلى الله عز وجل في الحديث هو ما يظل به عباده الصالحين يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، وهو أثر أعمالهم الصالحة كما في الحديث: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس...". [انفرد به أحمد وسنده متصل ورجاله ثقات].
    وعلى هذا فهذا الظل مخلوق وإضافته إلى الله سبحانه إضافة ملك وتشريف كما قال عياض والحافظ رحمهما الله تعالى، وليس إضافة صفة إلى موصوف؛ فلا يقال: إن لذات الله ظلاً أخذاً من هذا الحديث؛ لأن الظل مخلوق كما قال سبحانه: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل"، والمخلوق ليس صفة للخالق، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يوم لا ظل إلا ظله" يعني يوم القيامة. ومعناه: ليس لأحد ما يستظل به من حر الشمس إلا من له عمل صالح يجعل الله له به ظلا، وذلك من ثواب الله المعجل في عرصات القيامة.
    هذا ولم أقف لأحد من أئمة السنة على تفسير للظل في هذا الحديث ، وهل هو صفة او مخلوق ، وما ذكرته هو ما ظهر لي، والله أعلم بالصواب.

    12– قال الحافظ: 3 / 158 : " وفي هذا الحديث من الفوائد : – غير ما تقدم – جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم ، وجواز القسم عليهم لذلك "

    قال الشيخ البراك: قوله: "في هذا الحديث من الفوائد – غير ما تقدم – جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر .... الخ": في هذا الاستنباط نظر؛ فإن التي استحضرت الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته، ويحتمل أن يكون استحضارها للرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضى العادة وحكم القرابة ليسليها ويواسيها، ومما يؤكد رغبتها في ذلك أن أباها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حضوره برد لحر المصاب، ولهذا أقسمت عليه بالمجيء، ولمَّا أقسمت عليه بر بقسمها. ولا ريب أنه يجوز استحضار من ينتفع بحضوره لدى المحتضر في أمر دين أو دنيا مما يعود إلى المحتضر أو أهله بالفائدة، ولا ريب أن استحضار من ينفع المحتضر وأهله بعلمه وتوجيهه مما يرغب فيه. وينبغي حمل قول الحافظ: "لرجاء بركتهم ودعائهم" على هذا؛ لأن مجالسة أهل العلم والصلاح فيها خير وبركة لمجالسيهم.

    13– قال الحافظ 3 / 463 : وقال المهلب : حديث عمر هذا يرد على من قال : إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة .

    قال الشيخ البراك : قوله: "حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده": هذا المعنى الذي نفاه قد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما يعرف من قول ابن عباس. ولفظه: "إن الحجر يمين الله في الأرض، فمن استلمه وقبله فكأنما صافح الله و قبل يمينه". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "قوله : ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال : ( يمين الله في الأرض ) ، وقال : (فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) ومعلوم أن المشبه غير المشبه به؛ ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً وأنه محتاج إلى تأويل؟!".
    [ التدمرية ص: 73،72 ، ط العبيكان، تحقيق د. السعوي]

    وقوله: "ومَعاذ الله أن يكون لله جارحة":
    انظر: تعليق رقم (2) .

    14- قال الحافظ 4 / 105 - 106 حديث رقم ( 1894 ): قوله : " أطيب عند الله من ريح المسك " اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك – مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح؛ إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه – على أوجه:
    قال المازري : هو مجاز؛ لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله ، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم ، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك .
    وقيل: المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهو قريب من الأول، وقيل: المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكاً.
    وقيل: المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف، حكاهما عياض.
    وقال الداودي وجماعة: المعنى أن الخلوف أكثر ثواباً من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر، ورجح النووي هذا الأخير، وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا، فحصلنا على ستة أوجه".

    قال الشيخ البراك : قوله: "... مع أنه سبحانه تعالى منزه عن استطابة الروائح ... إلخ": هذا الجزم من الحافظ رحمه الله بنفي صفة الشم عن الله تعالى الذي هو إدراك المشمومات لم يذكر عليه دليلاً إلا قوله: "إذ ذاك من صفة الحيوان"، وهذه الشبهة هي بعينها شبهة كل من نفى صفة من صفات الله سبحانه من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. وهي شبهة باطلة؛ فما ثبت لله تعالى من الصفات يثبت له على ما يليق به ويختص به كما يقال ذلك في سمعه وبصره وعلمه وسائر صفاته. وصفة السمع ليس في العقل ما يقتضي نفيها فإذا قام الدليل السمعي على إثباتها وجب إثباتها على الوجه اللائق به سبحانه، وهذا الحديث - وهو قوله: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" - ليس نصاً في إثبات الشم، بل هو محتمل لذلك، فلا يجوز نفيه من غير حجة، وحينئذ فقد يقال: إن صفة الشم لله تعالى مما يجب التوقف فيه لعدم الدليل البين على النفي أو الإثبات فليتدبر، والله أعلم بمراده ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
    هذا وقد قال ابن القيم عند هذا الحديث: "بعد ذكر كلام الشراح في معنى طيبه وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم والرضا بفعله، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بورك فيه فهو موكل به. وأي ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟ وكثير من هؤلاء ينشئ للفظ معنى ثم يدعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النص من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عينه أو احتمال اللغة له. ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلوماً بوضع اللفظ لذلك المعنى أو عرف الشارع صلى الله عليه وسلم وعادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى أو تفسيره له به، وإلا كانت شهادة باطلة، وأدنى أحوالها أن تكون شهادة بلا علم.
    ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلوف عند الله بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم. ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا. ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضا، فإن قال رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا استطابة ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. [ الوابل الصيب، ص 44 – 45 ].
    ويلاحظ أن ابن القيم اقتصر على لفظ الاستطابة دون لفظ الشم وقوفاً مع لفظ الحديث.


    15 – قال الحافظ ابن حجر 4 / 253 على حديث رقم ( 2010 ): " والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشــرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة".

    قال الشيخ البراك : قوله: "والتحقيق أنها إن كانت – أي البدعة – مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة .... إلخ": تقسيم البدعة في الشرع إلى حسنة محمودة وسيئة مذمومة مذهب لبعض العلماء، وهو راجع إلى التوسع في معنى البدعة؛ وذلك بالنظر إلى معناها اللغوي ، فإنه يشمل كل ما أحدث في الإسلام مما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كانت أصول الشريعة تقتضيه . ويجري على ذلك قول عمر رضي الله عنه في جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد ، وقد أدى هذا المذهب إلى التذرع به في تسويغ كل ما استحسنه الناس بآرائهم ، وعَدُّوه من الدين.
    والتحقيق أن كل بدعة في الدين فهي سيئة مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم: "وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وعلى هذا فما تقتضيه أصول الشريعة مما أحدث بعد موته صلى الله عليه وسلم ليس بدعة شرعية بل لغوية.




    16– قال الحافظ 5 / 183 على حديث رقم ( 2559 ): "وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره، وقال: صورة لا كالصورة، انتهى.
    وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تقولوا: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك؛ فإن الله خلق آدم على صورته" وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك ...".


    قال الشيخ البراك : قوله: "قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره .. إلخ": ابن قتيبة يعرف بخطيب أهل السنة ، وله جهود في الرد على الزنادقة والمعتزلة كما في "تأويل مختلف الحديث" له. وما ذهب إليه ابن قتيبة رحمه الله تعالى من إثبات الصورة لله عز وجل، وأنها ليست كصورة أحد من الخلق ـ فله سبحانه وتعالى صورة لا كالصور ـ هو مذهب جميع أهل السنة المثبتين لكل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فكما يقولون: له وجه لا كوجوه المخلوقين، يقولون: له صورة لا كصور المخلوقين، وقد دل على إثبات الصورة لله عز وجل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: "وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها"، وهو نص صريح لا يحتمل التأويل، فلهذا لم يخالف أحد من أهل السنة في دلالته.
    وأما حديث: "فإن الله خلق آدم على صورته" فقد استدل به أكثر أهل السنة على إثبات الصورة أيضاً، وردوا الضمير إلى الله تعالى، وأيدوا ذلك برواية من رواياته بلفظ: "على صورة الرحمن". ومن رد الضمير إلى آدم عليه السلام أو إلى المقاتل - وقصده نفي الصورة عن الله تعالى - فهو جهمي كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
    ونفي الصورة هو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتريدية ، ومنشأ ذلك هو توهم التشبيه في صفات الله تعالى ، فزعموا أن إثبات الصورة أو الوجه أو اليدين ونحو ذلك يستلزم التشبيه بالمخلوقات ، وهي حجة داحضة ، وطردها يستلزم نفي وجود الله سبحانه وتعالى .
    ومن رد من أهل السنة الضمير إلى آدم عليه السلام وضعَّف رواية " على صورة الرحمن " فليس مقصوده التوصل إلى نفي الصورة عن الله عز وجل، وليس من مذهبه ذلك ، بل رأى لفظ هذا الحديث " خلق الله آدم على صورته " محتملا ، فترجح عنده عود الضمير إلى آدم أو إلى المقاتل. وهو منازع في تضعيفه لتلك الرواية وفي هذا الترجيح .
    وبهذا يتبين أن إثبات الصورة لله عز وجل لا يتوقف على دلالة حديث " خلق الله آدم على صورته " ، ونقول : بل غلط المازري عفا الله عنه ، ولم يغلط ابن قتيبة.


    17 – قال الحافظ 5 / 292 على حديث رقم ( 2685 ) : قوله : " أحدث الأخبار بالله " أي أقربها نزولا إليكم من عند الله عز وجل ، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم ، وهو في نفسه قديم " .

    قال الشيخ البراك قوله: " فالحديث بالنسبة إلى المنزل إليهم ، وهو في نفسه قديم ": يريد أن وصف القرآن بأنه (حديث ) باعتبار نزوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وأما نفس القرآن ، فهو قديم .
    والقديم هو الذي لا بداية لوجوده ، وهذا جار على مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى؛ فإن كلام الله عندهم هو معنى نفسي ليس هو حروف وأصوات، وهو معنى واحد لا تعدد فيه ، وهو قديم لا تتعلق به مشيئة الله سبحانه ، فعندهم أن هذا القرآن المسموع المتلو المكتوب ليس هو كلام الله حقيقة ، بل هو عبارة عن ذلك المعنى النفسي .
    وهذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع أهل السنة ؛ فعندهم أن الله لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء ، كيف شاء ، وأنه يُسمِع كلامه من يشاء؛ فموسى عليه السلام سمع كلام الله من الله سبحانه، فعندهم أن القرآن العربي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه ، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ، ولا المعاني دون الحروف ، كما قال تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " ، وهو منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ، وعلى هذا فأهل السنة لا يقولون: القرآن قديم ، ولا يطلقون القول بأن كلام الله قديم ، بل يقولون : إن الله لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء ، أو يقولون : قديم النوع حادث الآحاد .
    ومذهب الأشاعرة في كلام الله وفي القرآن هو أقرب إلى مذهب المعتزلة ، وهو يتضمن تشبيه الله سبحانه بالأخرس ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .

    18 – قال الحافظ 5 / 341 عـلى الحديثين رقم ( 2731 ، 2732) : " وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل ، والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة ".
    انظر : تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في هامش 1 / 327 .


    19 – قال الحافظ 5/ 351 على الحديثين رقم ( 2731 ، 2732)
    " وفي رواية موسى بن عقبة ، عن الزهري : فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير ، فقدم كتابه وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدًا ... " .

    قال الشيخ البراك قوله: " وجعل عند قبره مسجدًا ": هذه الرواية منكرة لا تصح سندًا ولامتنًا ؛ فإن بناء المساجد على القبور مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا بالغًا؛ فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الذين يبنون المساجد على قبور الصالحين " أولئك شرار الخلق " ؛ وذلك أن اتخاذ القبور مساجد من أعظم وسـائل الشـرك ، فيمتنع مع هذا أن يبني أبو جندل مسـجـدًا عنـد قبر أبي بصير ، كيف وهو في عصر النبوة، والمعروف أن بناء المساجد على القبور لم يعرف في الإسلام إلا بعد القرون المفضلة؟! والذي يظهر أن قوله : " وجعل عند قبره مسجدًا " ليس في أصل رواية موسى بن عقبة ، وأن قوله " جُعل " مبني للمجهول ، فيكون الفاعل غير أبي جندل ، ولعلها من قول الحافظ أو غيره ، وأن أصل العبارة " وقد جعل " فليحرر من مغازي موسى بن عقبة.اهـ
    أضاف الناشر: في رواية معمر عن الزهري: (...ورد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بصير في الموت يجود بنفسه، فأعطي الكتاب فجعل يقرأه ويُسرُّ به حتى قبض والكتاب على صدره، فبُني عليه هناك مسجد يرحمه الله) [الروض الأنف 7/79 ط.دار إحياء التراث العربي] فورد الفعل (بُني) بصيغة ما لم يسم فاعله، ووردت لفظة (مسجد) مرفوعة على أنها نائب فاعل، وهذا يعني أن بناء المسجد لم يكن من أبي جندل رضي الله عنه، ويحتمل أنه حدث بعد ذلك بزمن طويل.
    وانظر "السيرة النبوية الصحيحة" للدكتور أكرم العمري 2/451،452 بالهامش حيث ذكر رواية الزهري من مخطوط، ولم يذكر فيها قصة بناء المسجد.
    والذي في "الإصابة" في ترجمة أبي بصير (6/375): (وعند موسى بن عقبة في المغازي من الزيادة في قصته: ...ولما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه، ورد الكتاب وأبو بصير يموت، فمات وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه). فلعله التبس على بعض النقلة عن موسى بن عقبة جملة: (وصلى عليه) بجملة: (بُني عليه هناك مسجد) أو جملة: (جعل عند قبره مسجدًا).
    وانظر تعليق الشيخ عبد العزيز ابن باز هامش 1 / 525 .


    20 – قال الحافظ 6 / 40 على حديث رقم ( 2826) قوله : " يضحك الله إلى رجلين " قال الخطابي : الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى ، وإنما هذه مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الإعجاب عند البشر فإذا رأوه أضحكهم ، ومعناه الإخبار عن رضا الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة مع اختلاف حاليهما .
    قال : وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة ، وهو قريب ، وتأويله على معنى الرضا أقرب ، فإن الضحك يدل على الرضا والقبول .
    قال : والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء ، فيكون المعنى في قوله : " يضحك الله " أي يجزل العطاء .
    قال : وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما ، وهذا يتخرج على المجاز ، ومثله في الكلام يكثر " .


    قال الشيخ البراك: قول الخطابي: " الضحك الذي يعتري البشر عند ما يستخفهم الفرح أو الطرب .... إلخ ":
    مذهب أهل السنة في الضحك المضاف إلى الله تعالى في هذا الحديث وغيره إثباته لله عز وجل على ما يليق به ويختص به ، وأنه ضحك لا كضحك المخلوقين كما يقولون مثل ذلك في سائر ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فعندهم أنه تعالى يضحك حقيقة، والضحك منه تعالى غير العجب، وغير الرحمة والرضا، لكنه يتضمن هذه المعاني أو يستلزمها.
    ونفي حقيقة الضحك عن الله تعالى هو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة. وليس لهذا النفي من شبهة إلا من جنس ما تُنفى به سائر الصفات. ثم إن الذين نفوا الضحك عن الله عز وجل من الأشاعرة أو من وافقهم منهم من يسلك في النصوص طريقة التفويض فلا يفسرها، ولا يثبت ظاهرها إلا بلفظ دون معنى، ومنهم من يسلك فيها طريقة التأويل فيفسرها بما يخالف ظاهرها؛ وهذا هو الذي سلكه الخطابي فيما نقله عنه الحافظ رحمهما الله تعالى، وعفا عنهما.
    ونقول: نعم، الضحك الذي يعتري البشر عند ما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى؛ فإن ذلك ضحك البشر وهو مختص بهم، وضحك الرب سبحانه مختص به. فليس الضحك كالضحك، كما يقال مثل ذلك في قدرته وإرادته وغير ذلك من صفاته سبحانه وتعالى.
    وقول الخطابي: " وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة " فيه نظر، والأشبه أن هذا لا يصح عن البخاري، ويؤيد ذلك قول الحافظ رحمه الله تعالى عندما نقل قول الخطابي عن البخاري في كتاب التفسير حديث ( 4889 ) حيث قال: "قال الخطابي: وقال أبو عبد الله : معنى الضحك هنا الرحمة" قلت: - أي الحافظ - ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري.

  2. #2
    أبو مالك المديني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,212

    افتراضي

    21 – قال الحافظ 6 / 40 على حديث رقم ( 2826): قال: " وقال ابن الجوزي: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرونه كما جاء، وينبغي أن يراعى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا تشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه.
    قلت: ويدل على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته بإلى، تقول: ضحك فلان إلى فلان، إذا توجه إليه طلق الوجه، مظهرا للرضا عنه " .


    قال الشيخ البراك : قول ابن الجوزي: " أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرون كما جاء .... إلخ ":
    المعروف عن ابن الجوزي نفي حقائق الصفات الخبرية - مثل الضحك والفرح - كما هو مذهب جمهور الأشاعرة. ثم إن كثيرًا منهم يفسر النصوص الواردة في تلك الصفات بما يخالف ظاهرها، كما فسروا المحبة والرضا بإرادة الإنعام.
    وقد يفسرون الفرح والضحك بمثل ذلك، أو يفسرونهما بالرحمة والرضا. وهذه طريقة أهل التأويل منهم فيجمعون بين التعطيل والتحريف.
    ومنهم من يذهب في نصوص الضحك والفرح ونحو ذلك مذهب التفويض؛ وهو إمرار ألفاظ النصوص من غير فهم لمعناها؛ فعندهم أنها لا تدل على شيء من المعاني. وهذا يقتضي أنه لا يجوز تدبرها لأن المتدبر يطلب فهم المعنى المراد، ولا سبيل إليه عندهم.
    وقد زعم ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ هنا أن هذا – أي التفويض – هو مذهب أكثر السلف. وهو باطل وغلط عليهم، بل إن السلف يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه أو أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفات.
    ومن قال من السلف في نصوص الصفات: أمروها كما جاءت أو أمروها بلا كيف لا يريدون أنه لا معنى لها كما يدَّعي المفوضة من النفاة، بل يريدون إثبات ما يدل عليه ظاهرها وعدم العدول بها عن ظاهرها، فلا يجوز حمل كلامهم ذلك على ما يخالف المعروف من مذهبهم في صفاته سبحانه وتعالى.

    22 – قال الحافظ 6 / 136 على حديث رقم ( 2994 – 2995): قال: "وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ألا يوصف بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك، وإن كان قد أحاط بكل شيء علمًا جل وعز".


    قال الشيخ البراك : قوله: "ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ألا يوصف بالعلو من جهة المعنى ... إلخ": مضمون هذا الكلام أن الله عز وجل كما يستحيل أن يكون في جهة السفل يستحيل أن يكون في جهة العلو، ولا يلزم من ذلك أن لا يوصف بالعلو المعنوي؛ فالمستحيل عليه هو العلو الحسي. ويراد بالعلو الحسي علو الذات، وبالمعنوي علو القدر والقهر. وهذا هو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الأشاعرة؛ فإنهم جميعًا ينفون علو الله عز وجل بذاته فوق مخلوقاته، ولذا ينفون استواءه على عرشه، ثم إما أن يقولوا: إنه في كل مكان - وهذا هو القول بالحلول - وإما أن يقولوا: إنه لا داخل العالم ولا خارجه - وهذا يستلزم عدمه - وبهذا يعلم أن النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع إنما هو في علو الذات، وقد تضافرت كل أنواع الأدلة على إثبات أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه؛ فتطابق على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة، ومضى على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وبهذا يتبين أن ما ذكره الحافظ من نفي علو الذات واستحالته قول باطل، والذي يظهر أنه يرتضيه ويقول به عفا الله عنه.

    23 – قال الحافظ 6 /142على حديث رقم (3005): "هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه؛ فإنـه إنمـا يجعـل للتبرك به، والتعـوذ بأسمائه وذكـره ... ".

    قال الشيخ البراك : قوله: " فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه": التمائم من القرآن قد اختلف فيها السلف؛ فرخص فيها بعضهم، منهم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ومنهم من لم يرخص فيها كعبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال إبراهيم النخعي رحمه الله: كانوا يكرهون التمائم من القرآن وغير القرآن - يريد أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه - وهذا هو الراجح؛ وذلك لأمور:
    منها: أن أحاديث النهي عن التمائم عامة فلا تخص إلا بدليل.
    ومنها: أن تعليق التمائم من القرآن يفضي إلى امتهانه.
    ومنها: أن ذلك وسيلة إلى تعليق غيرها؛ إذ يمكن أن يدَّعي كل من علق تميمة أنها من القرآن. والحافظ رحمه الله تعالى قد اختار هنا القول بالجواز.

    24- قال الحافظ 6 / 145 على حديث رقم ( 3010) "وقد تقدم توجيه العجب في حق الله في أوائل الجهاد، وأن معناه الرضا، ونحو ذلك".
    قال الشيخ البراك : قوله: " وأن معناه الرضا ": هذا يقتضي نفي حقيقة العجب، وقد ثبتت صفة العجب لله تعالى بالكتاب والسنة كما قُرئ: {بل عجبتُ ويسخرون}، وكما قال تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم}. وفي الحديث: " عجب ربك من قنوط عباده ". وأهل السنة والجماعة يثبتون العجب لله تعالى على ما يليق به، كما يثبتون الضحك، والفرح، والحب، والبغض. والنفاة ينفون حقائق هذه الصفات. ومعلوم أن العجب الذي يثبت لله تعالى ليس كعجب المخلوقين؛ لا في حقيقته، ولا في سببه؛ فإن عجب المخلوق يكون لخفاء السبب كما قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، أما العجب من الله تعالى فإنه واقع مع كمال العلم، لكنه يقتضي أن الشيء الذي عجب الله منه قد تميز عن نظائره.
    وتفسير العجب بالرضا لا يصح؛ فإن الله يعجب من بعض ما يحب ويرضى، ويعجب من بعض ما يبغض ويسخط كما في الآيتين والحديث. ومن يفسر من النفاة العجب بالرضا يفسر الرضا بالإرادة؛ فيؤول الأمر إلى تفسير العجب بالإرادة؛ وهذا كله من صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها بغير حجة؛ وهذا هو التحريف الذي نهى الله عنه في كتابه وذم به اليهود في قوله تعالى: "يحرفون الكلم من بعد مواضعه".

    25 – قال الحافظ 6 / 291 على حديث رقم ( 3194) قوله: ( كتب في كتابه ) أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ ... إلخ ".

    قال الشيخ البراك قوله: " أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ ... إلخ ": هذا يقتضي أن الله تعالى لم يكتب بنفسه ، بل أمر القلم أن يكتب ، وأن هذه الكتابة هي الكتابة في اللوح المحفوظ ، وأنه المراد بالكتاب في هذا الحديث.
    وفي هذا نظر؛ فإنه لا موجب لصرف اللفظ هنا عن ظاهره ، فإن الله تعالى يكتب بنفسه ، بيده ما شاء إذا شاء ، وهذا على مذهب أهل السنة المثبتين لقيام الأفعال الاختيارية به.
    وأما نفاة الأفعال الاختيارية كالمعطلة من الجهمية والمعتزلة وكذا الأشاعرة، فإنهم ينفون قيام الكتابة به سبحانه ، فلذا يتأولون كل ما ورد فيه إضافة الكتابة إليه . وإن كان يصح حمله على الأمر بالكتابة في بعض المواضع ، فإن ذلك لا يصح في كل موضع ؛ فإن اللفظ المحتمل يجب حمله على الظاهر ما لم يمنع منه مانع ، أو يدل دليل يوجب صرفه عن ظاهره ، وحمله على المعنى الآخر، وكذلك لا يتعين أن يكون المراد بالكتاب في هذا الحديث هو اللوح المحفوظ ، بل يحتمل أن يكون كتابًا آخر كتب الله فيه ما شاء ، ومنه قوله تعالى: " إن رحمتي غلبت غضبي " ؛ فالواجب إمرار الحديث على ظاهره على مراد الله ومراد رسوله من غير تكييف ولا تحريف.
    وأما قول الحافظ: " ويحتمل أن يكون الكتاب: اللفظ الذي قضاه .... إلخ " فهو أبعد من التأويل الذي قبله ، ولا حجة له في قوله تعالى: " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي "؛ فإنه لا يمتنع أن يكون كتب الله هذا الحكم فيما شاء ، بل هذا هو الظاهر؛ فالآية نظير الحديث في نسبة الكتابة إلى الله عز وجل، ولا موجب لصرفهما عن ظاهرهما، إذ لم يدلا إلا على الحق.

    26 – قال الحافظ 6 / 291 ) على حديث رقم ( 3194) قوله: ( فهو عنده فوق العرش ) ، قيل: معناه دون العرش، وهو كقوله تعالى: " بعوضة فما فوقها " والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش، ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره؛ لأن العرش خلق من خلق الله. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " فهو عنده " أي ذكره أو علمه، فلا تكون العندية مكانية، بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيًا عن الخلق مرفوعًا عن حيز إدراكهم ".

    قال الشيخ البراك : ما نقله الحافظ في شرح هذا الحديث تخبط الحامل عليه نفي علو الله بذاته على خلقه واستوائه على عرشه؛ فإن من ذهب إلى ذلك من الأشاعرة وغيرهم ينفون عن الله عز وجل عندية المكان، فليس بعض المخلوقات عنده دون بعض لأنه تعالى بزعمهم في كل مكان فلا اختصاص لشيء بالقرب منه، فلذا يتأولون كل ما ورد مما يدل ظاهره على خلاف ذلك؛ كقوله تعالى: "إن الذين عند ربك"، وكقوله في هذا الحديث: " فهو عنده فوق العرش"، فجرهم الأصل الفاسد إلى مثل هذه التأويلات المستهجنة التي ذكرها الحافظ وتعقب بعضها، وأهل السنة المثبتون للعلو والاستواء يجرون هذا الحديث وأمثاله على ظاهره، وليس عندهم بمشكل، فهذا الكتاب عنده فوق العرش، والله فوق العرش كما أخبر به سبحانه عن نفسه، وأخبر به أعلم الخلق به  .

    27 – قال الحافظ 6 / 292 على حديث رقم ( 3194) : قال: " والمراد من الغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابق عمل من العبد الحادث ".

    قال الشيخ البراك قوله: " المراد من الغضب لازمه .... إلخ ": صرف للفظ عن ظاهره من غير دليل يوجب ذلك، والموجب لذلك عند من تأوله هو امتناع حقيقة الغضب في حق الله تعالى؛ لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه. وبهذه الشبهة نفى الأشاعرة كثيرًا من الصفات، ونفى الجهمية المعتزلة جميع الصفات.
    ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات الغضب والرحمة وأنهما صفتان قائمتان بالله كسائر الصفات الذاتية والفعلية. ولا يستلزم شيء من ذلك مشابهته للمخلوق كما يقول الأشاعرة مثل ذلك في الصفات السبع التي يثبتونها. ولذلك يلزمهم أن يقولوا في سائر الصفات التي ينفونها نظير قولهم فيما أثبتوه.
    والغضب الذي يفسر بأنه غليان دم القلب طلبًا للانتقام هو غضب المخلوق، وليس غضب الخالق كغضب المخلوق، وبهذا يتبين أنه لا موجب لتأويل الغضب بالإرادة أو العقوبة. ويلزم المتأول فيما تأوله نظير ما فر منه؛ إذ القول في الإرادة كالقول في الغضب.

    28 – قال الحافظ 6 / 299 على حديث رقم ( 3199 ) قال: " قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد، ثم ترجع. قلت: إن أراد بالخروج الوقوف فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج، ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال، فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين ".
    قال الشيخ البراك : قوله: " قال ابن العربي : .... إلخ": دل القرآن على مثل ما دل عليه حديث أبي ذر من سجود الشمس؛ وذلك في قوله تعالى: "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب"، كما دلت الآية على أن سجود هذه المخلوقات غير دلالتها بلسان الحال وصورة الحال على ربوبيته تعالى؛ إذ لو كان سجودها هو دلالتها على الخالق سبحانه أو تسخيرها وانقيادها للقدرة لما خص ذلك بكثير من الناس ونفاه عن كثير- وهم الذين حق عليهم العذاب - فإن الدلالة على الخالق سبحانه والانقياد لقدرته حاصلتان في جميع الناس وجميع المخلوقات، فالواجب إثبات سجود الشمس وما ذكر معها في الآية، وأنه سجود حقيقي يناسب هذه المخلوقات ولا يعلم العباد كيفيته، فإنكاره رد لما أخبر الله به ورسوله، وصرفه عن ظاهره لا موجب له، ولا دليل عليه، فإن هذه المخلوقات لها شعور بالعبودية لله تعالى تسبح وتسجد وتؤوب وتخشى كما قال تعالى: "وإن منها لما يهبط من خشية الله"، وقال تعالى: "ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه". وقال: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم".

    29 – قال الحافظ 6 / 353 على حديث رقم ( 3303) قال: "ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركا بهم .... إلخ".

    قال الشيخ البراك : قوله: "ويؤخذ منه استحباب الدعاء ....": في هذا الاستنباط نظر؛ فإن مأخذه قياس الصالحين على الملائكة. ولا يخفى أن للملائكة شأنًا ليس كشأن الآدميين، وليس لهذا الاستنباط ما يعضده من هدي السلف الصالح، وطرد هذا القياس استحباب التعوذ عند حضور الأشرار، فالأظهر أن ما ذكر في الحديث من السؤال والتعوذ تعبدي لا يقاس عليه.

    30 – قال الحافظ 6 / 366 على حديث رقم ( 3326) قال: " وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها .... إلخ ".

    انظر التعليق رقم (16) .

    31– قال الحافظ 6 / 389 على باب 8 من كتاب أحاديث الأنبياء .
    قال: " والخليل فعيل بمعنى فاعل .... وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة، وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله تعالى، وخلة الله له نصره، وجعله إماما .... إلخ".


    قال الشيخ البراك : قوله: "والخليل: فعيل بمعنى فاعل .... إلخ": في هذا غلط على اللغة وعلى الشرع؛ فالخليل كالحبيب: فعيل بمعنى مفعول، وهذا هو الغالب في هذه الصيغة؛ فحبيب بمعنى محبوب، وخليل بمعنى محبوب غاية المحبة، ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله عنه: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم " يخبر بذلك عن حبه للرسول صلى الله عليه وسلم، لا عن حب الرسول له؛ فتفسير الخليل بمعنى المحب بناء على أن فعيل بمعنى فاعل مبني على نفي صفة المحبة عن الله عز وجل كما هو مذهب الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فجمعوا بين التعطيل والتحريف.
    وأقبح من هذا تفسير الخليل بالفقير على أن اللفظ مأخوذ من الخَلَّة بمعنى الحاجة.
    ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل: يُحِبُّ ويُحَبُّ، كما في قوله تعالى: "يحبهم ويحبونه"، ومحبة الله لأوليائه ليست كمحبة المخلوق، وقد أنكر السلف والأئمة على الجهمية نفيهم للصفات، وأفتوا بقتل إمامهم الجعد بن درهم حين زعم أن الله عز وجل لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً.
    والحافظ رحمه الله تعالى وعفا عنه جرى فيما ذكره في معنى الخليل على مذهب الأشاعرة؛ فإنهم ينفون حقيقة المحبة عن الله عز وجل، وكثير منهم يؤولون النصوص الواردة فيها بأنواع التأويلات المخالفة لظاهرها كما ذُكر هنا.

    32 – قال الحافظ 6 / 436 على حديث رقم ( 3402)
    قال: " وكانوا يرون أنه الخضر ... إلخ ".

    قال الشيخ البراك : الخضر عبد من عباد الله الصالحين، وهذا الذي ذكره الله خبره مع موسى عليه السلام في سورة الكهف في قوله تعالى: " فوجدا عبدا من عبدنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ".
    وصح في خبره حديث ابن عباس، عن أُبي رضي الله عنهما كما رواه البخاري وغيره.
    وقد اختلف الناس فيه هل هو نبي أو غير نبي على قولين أصحهما أنه نبي كما أوضح ذلك الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان ( 4 / 162 )، ولابن حجر نفسه رسالة في إثبات ذلك اسمها: "الزهر النضر في نبأ الخضر".
    كما اختلف الناس في حياته ووجوده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، والذي رجحه الأئمة المتقدمون أنه قد مات، ولم يدرك عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال كثير من المتأخرين بأنه حي، ولم يذكروا على ذلك دليلا يعول عليه في معارضة أدلة أهل القول الأول، بل كل ما ذكروه آثار لم يصح منها شيء، كما أوضح ذلك الحافظ رحمه الله تعالى في هذا الموضع، فالصواب، والله اعلم هو قول الأئمة كالبخاري وغيره.
    وانظر أيضا تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ..

    33 – قال الحافظ 6 / 444 على حديث رقم ( 3408) قال: " لأن الأنبياء أحياء عند الله، وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا .... إلخ ".


    قال الشيخ البراك : قوله: " لأن الأنبياء أحياء عند الله ..... إلخ ": إن أراد أنهم أحياء حياة برزخية تخالف في حقيقتها وأحكامها حياتهم في الدنيا وحياتهم بعد البعث فهذا حق، ولا يخرجون بذلك عن الوصف بالموت الذي هو مفارقة هذه الحياة الدنيا، كما لا تثبت لهم بهذه الحياة البرزخية أحكام الحياة التي بعد البعث، كما لم نثبت لهم أحكام الحياة الدنيا.
    وإن أراد أنهم أحياء في قبورهم كحياتهم في الدنيا إلا أنهم في صور الأموات بالنظر لأهل الدنيا فهذا باطل؛ فإن الشهداء تنكح نساؤهم، ويقسم ميراثهم، وينقطع تكليفهم، وهذه أحكام الميت.

    34 – قال الحافظ 6 / 488 على حديث رقم ( 3441) وإذا ثبت أنهم أحياء ـ الأنبياء ـ من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء .... إلخ " .

    انظر : التعليق (33)

    35 – قال الحافظ 6 / 600 على حديث رقم ( 3581)
    قال: " وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء .... إلخ ".


    قال الشيخ البراك : قوله: " وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء ... ": ليس في القصة تبرك بطعام الأولياء؛ فإن الضيف لم يقصد بأكله التبرك بطعام أبي بكر، وأبو بكر لم يقصد بأكله التبرك بأثر ذلك الضيف، وإنما الذي في الحديث أن الله عز وجل بارك في طعام أبي بكر رضي الله عنه بأن كثَّره كرامة لأبي بكر رضي الله عنه حيث أضاف بعض أهل الصفة طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم. وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم كما جرى مثل ذلك وأعظم منه من تكثير الطعام والشراب على يده صلى الله عليه وسلم .
    وانظر في حكم التبرك بآثار الصالحين تعليق الشيخ عبد العزيز ابن باز - رحمه الله - في هامش 1 / 525

    36 – قال الحافظ 7 / 23 على حديث رقم ( 3658) قال :" ... أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته .... إلخ ".

    قال الشيخ البراك : في هذا صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل. وانظر التعليق (31)

    37 – قال الحافظ 7 / 29 على حديث رقم ( 3667)
    قال: " والأنبياء أحياء في قبورهم .... إلخ ".


    انظر التعليق (33)

    38 – قال الحافظ 7 / 124 على حديث رقم ( 3803) قال : " وليس العرش بموضع استقرار الله.. ".
    قال الشيخ البراك: لا وجه لهذا النفي؛ فإن الله عز وجل مستو على عرشه كما أخبر سبحانه في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش. ومن عبارات السلف في تفسير ( استوى ): استقر. ولكن نفي أن يكون العرش موضع استقرار الله مبني على نفي حقيقة الاستواء، وهو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة؛ فعندهم أن الله في كل مكان، أو يقال: إنه لا خارج العالم ولا داخله، ثم الواجب عندهم في نصوص الاستواء إما التفويض وإما التأويل؛ مثل أن يقال في معنى ( استوى ): استولى. وهذا هو الغالب عليهم، فيجمعون بين التعطيل والتحريف. وكل هذا بلا حجة من عقل ولا سمع.
    ومذهب أهل السنة إثبات الاستواء بمعناه المعلوم في اللغة مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول".
    ومعلوم أن استواء الله عز وجل على عرشه لا يستلزم حاجته سبحانه إليه؛ لأنه الغني عن كل ما سواه، وهو سبحانه الممسك للعرش وما دون العرش .

    39 – قال الحافظ 7 / 156 على حديث رقم ( 3803) قال: " ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شيء ... " .

    قال الشيخ البراك: قوله: " أن الله منزه عن الحركة والتحول .... ": لفظ الحركة والتحول مما لم يرد في كتاب ولا سنة، فلا يجوز الجزم بنفيه، ونسبة نفيه إلى السلف والأئمة من أهل السنة والجماعة لا تصح. بل منهم من يجوز ذلك ويثبت معناه ويمسك عن إطلاق لفظه، ومنهم من يثبت لفظ الحركة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل السنة متفقون على إثبات ما هو من جنس الحركة كالمجيء، والنزول، والدنو، والصعود، مما جاء في الكتاب والسنة . والأولى: الوقوف مع ألفاظ النصوص.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: " وكذلك لفظ الحركة: أثبته طوائف من أهل السنة ... وقال: والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك ، ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة، وإن أثبت أنواعًا قد يدرجها المثبت في جنس الحركة" الاستقامة: 1 / 71 – 72 .
    ثم ذكر قول الفضيل بن عياض: " إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل : أنا أومن برب يفعل ما يشاء " الاستقامة: 1 / 77 .
    ونفي الحركة يتفق مع مذهب نفاة الأفعال الاختيارية من الأشاعرة وغيرهم، وهو الذي يقتضيه كلام الحافظ رحمه الله، وأما لفظ التحول فالقول فيه يشبه القول في لفظ الحركة.

    40 – قال الحافظ 7 / 145 على حديث رقم ( 3827) قال: " والمراد بغضب الله إرادة إيصال العقاب ... ".


    قال الشيخ البراك: الواجب إثبات حقيقة الغضب ، وحقيقة اللعن قولا وفعلا على ما يليق به سبحانه كسائر الصفات والأفعال، وتأويل الغضب بإرادة العقاب هي طريقة أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم ممن يثبت بعض الصفات وينفي بعضها، فيلزمهم القول فيما نفوه نظير قولهم فيما أثبتوه، وإلا كانوا متناقضين مفرقين بين المتماثلات.
    وانظر : التعليق (27)

    41 – قال الحافظ 7 / 412 على حديث رقم ( 4121) قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة" وأرقعة بالقاف جمع رقيع، وهو من أسماء السماء، قيل: سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم، وهذا كله يدفع ما وقع عن الكرماني ( بحكم الملك ) بفتح اللام وفسّره بجبريل ؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام.
    قال السهيلي: قوله: "من فوق سبع سماوات" معناه أن الحكم نزل من فوق ، قال: ومثله قول زينب بنت جحش: "زوجني الله من نبيه من فوق سبع سماوات" أي نزل تزويجها من فوق، قال: ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه ... ".


    قال الشيخ البراك: قول السهيلي: "ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق ..... ": هذا يتضمن أن الفوقية منها ما يستحيل على الرب سبحانه فيجب نفيه، ومنها ما لا يستحيل عليه فلا مانع من إثباته، وعليه يحمل ما جاء من وصف الله تعالى بالفوقية. وهذا التفصيل مبني على نفي علو الله تعالى بذاته على خلقه واستوائه على عرشه؛ فالفوقية ثلاثة أنواع: فوقية الذات، وفوقية القدر، وفوقية القهر؛ فنفاة العلو من الجهمية ومن تبعهم يثبتون فوقية القدر والقهر دون فوقية الذات، وأهل السنة والجماعة يثبتون له سبحانه الفوقية بكل معانيها؛ كما قال تعالى: "وهو القاهر فوق عباده"، كما يقولون مثل ذلك في العلو؛ فعندهم أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه.

    42- قال الحافظ : 8 /155 في كلامه على مقدمة كتاب التفسير قوله: "الرحمن الرحيم: اسمان من الرحمة" أي: مشتقان من الرحمة ، والرحمة لغة: الرقة والانعطاف ، وعلى هذا فوصفه بها تعالى مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات ..


    قال الشيخ البراك : مضمون هذا نفي حقيقة الرحمة عن الله تعالى، وحمل ما ورد في ذلك على المجاز، وتفسير الرحمة من الله عز وجل إما بإرادة الإنعام أو بالإنعام، وهذا جمع بين التعطيل والتحريف، وهو سبيل الجهمية ومن تبعهم.
    والصواب أن الله عز وجل موصوف بالرحمة حقيقة كما دل على ذلك إسماه تعالى: الرحمن الرحيم.
    والقول في الرحمة في حقه تعالى كالقول في سائر صفاته من علمه وسمعه وبصره تُثبت له على ما يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل.
    وتفسير الرحمة بالرقة يناسب رحمة المخلوق، ورحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالواجب اتباع سبيلهم، فإنه سبيل المؤمنين الذي قال الله عز وجل فيه: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" .

    43- قال الحافظ 8/336 على حديث 4670: (قال: إنه منافق فصلى عليه) أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله وإنما لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدم تقريره واستصحابا لظاهر الحكم ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة .. الخ

    قال الشيخ البراك : الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالصلاة على ابن أبي بن سلول، بل وتكفينه بقميصه، الاستجابة لرغبة ولده، وتطييب قلبه، وتأليف عشيرته؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرًا بين الاستغفار وتركه كما في قوله تعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" فلما جاءه النهي انتهى؛ قال الله تعالى: "ولاتصل على أحد منهم".

    44 – قال الحافظ : 8 / 336 على حديث رقم 4670 قال: "وتعقبه ابن المنير بأن الإيمان لا يتبعض، وهو كما قال .. ".


    قال الشيخ البراك : هذا مبني على أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل ليس من مسمى الإيمان؛ وهو مذهب المرجئة، وهو باطل، بل الإيمان كما قال أئمة السنة: قول وعمل، أو هو: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
    وعلى هذا فالإيمان شعب كما قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" وهذا يقتضي أنه يتبعض؛ فقد يترك العبد بعض تلك الشعب، أو كثيرا منها، وكذلك التصديق يتبعض باعتبار التفاوت في العلم بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
    وأما التصديق بما علم من خبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يتبعض ضرورة أنه يجب الإيمان بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا التصديق يتفاوت في القوة والضعف.
    وبهذا يتبين أن إطلاق القول بأن الإيمان لا يتبعض لفظ مجمل يحتاج إلى تفصيل واستفصال عن مراد المتكلم، ولكن إذا عرف مذهبه في الإيمان عرف مراده، والله الهادي إلى سواء السبيل.

    45 – قال الحافظ : 8 / 340 على حديث رقم ( 4672) قال: "وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجى بركته شيئا من ماله لضرورة دينية".


    قال الشيخ البراك : في هذا الاستنباط نظر؛ فإن عبد الله رضي الله عنه لم يقصد مطلق المال، وإنما قصد ما فيه أثر بركة النبي صلى الله عليه وسلم - وهو القميص - رجاء أن ينتفع والده بذلك، فموضع الاستدلال أخص من الاستنباط الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، وهو جار على سنن ما قبله من الاستدلال بمثل ذلك على التبرك بآثار الصالحين، وتقدم أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقاس عليه غيره.
    وانظر التعليق (35) .

    46 – قال الحافظ : 8 / 429 على حديث رقم ( 4731 ) قال: " وحكى ابن التين للداودي في هذا الموضع كلاما في استشكال نزول الوحي في القضايا الحادثة، مع أن القرآن قديم .. ".


    قال الشيخ البراك : قوله: " فإن القرآن قديم ... ": هذا من إطلاقات الأشاعرة؛ فإن من مذهبهم أن كلام الله معنى نفسي واحد قديم، ومعنى ذلك أنه لا تتعلق به المشيئة، ولا بداية لشيء منه؛ فهذا القرآن المسموع المتلو عبارة عن ذلك المعنى النفسي، فإذا قالوا: القرآن قديم، فإنهم يريدون ذلك المعنى. وهذا مذهب باطل؛ لأن مقتضاه أن القرآن المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف ليس كلام الله حقيقة. وهذا خلاف ما عليه أهل السنة من أن القرآن كلام الله حقيقة كيفما تصرف متلوًا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا. والله عز وجل تكلم به بمشيئته، وكثير منه يتعلق بحوادث في عصر النبوة، فنزل في شأنها القرآن خبرًا وأمرًا كالسور والآيات المتعلقة بالغزوات كبدر وأحد والأحزاب.
    وانظر : التعليق (17)

    47 – قال الحافظ 8 /505 :والمراد بالوجه الذات، والعرب تعبر بالأشرف عن الجملة..".

    قال الشيخ البراك: إن أراد بذلك التفسير نفي حقيقة الوجه الموصوف بالجلال والإكرام وبالأنوار فهو باطل، وهو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ووافقهم على ذلك متأخرو الأشاعرة، لذلك يتأولون كل ما ورد في الوجه لله عز وجل، ومن ذلك قولهم: المراد بالوجه الذات، وهذا هو الجاري على طريقة الحافظ في أكثر المواضع.
    وإن أراد بهذا التفسير بيان أن المراد بالكلام إثبات وصف البقاء، وعدم الهلاك للرب سبحانه بذاته وصفاته، لا لخصوص الوجه، فتكون دالة على بقائه سبحانه، وعلى إثبات وجهه، فهذا هو الحق، وهو يستلزم بقاء ما أريد به وجهه، وسياق الآية يرشد إلى هذا المعنى، وذلك في قوله تعالى: "ولا تدع مع الله إله آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه".


    48 – قال الحافظ 8 /551 قال: "والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه". حديث ( 4811 )


    قال الشيخ البراك قوله "والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل ..": المراد بـ(ـهذه الأشياء): الصفات الخبرية كالإصبع واليد والعين.
    وقوله: "الكف عن التأويل": يقال: بل الواجب في جميع صفات الله تعالى الكف عن تأويلها الذي هو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها بغير دليل؛ فإن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه، فما ذهب إليه ابن فورك من تأويل الإصبع هو من ذلك، فهو باطل، بل هو من أقبح التحريف.
    وقوله في العبارة: "مع اعتقاد التنزيه": إن أراد بالكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه إثبات هذه الصفات لله تعالى على ما يليق به فهو حق، وإن أراد نفي حقائقها مع تفويض معاني ما ورد في النصوص من ذلك فيكون مراده بهذا القول ترجيح طريقة التفويض على طريقة التأويل، وكلاهما باطل؛ لأن مبناهما على نفي حقائق هذه الصفات، وهو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشاعرة وغيرهم.
    وهذا التقدير هو الغالب على طريقة الحافظ والنووي – رحمهما الله - وأهل السنة والجماعة يثبتون الأصابع لله تعالى على ما دل عليه هذا الحديث وأنها من صفة اليد، وقولهم في الأصابع كقولهم في سائر الصفات؛ وهو: الإثبات ونفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.

    49 – قال الحافظ 8 /580 قال: " قوله: ( فأخذت ) كذا للأكثر بحذف مفعول أخذت، وفي رواية ابن السكن: " فأخذت بحقو الرحمن "، وفي رواية الطبري : " بحقوي الرحمن " بالتثنية، قال القابسي: أبى أبو زيد المروزي أن يقرأ لنا هذا الحرف لإشكاله ... وقال عياض: الحقو معقد الإزار، وهو الموضع الذي يستجار به ويحتزم على عادة العرب، لأنه من أحق ما يحامى عنه ويدفع، كما قالوا: نمنعه مما نمنع منه أزرنا، فاستعير ذلك مجازا للرحم من استعاذتها بالله القطيعة. انتهى، وقد يطلق الحقو على الإزار نفسه ..
    والمعنى على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة، قال الطيبي: هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية؛ كأنه شبه حال الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذب عنها بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم للمشبه به من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو، فهو استعارة أخرى، والتثنية فيه للتأكيد؛ لأن الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة ". حديث (4830 )

    قال الشيخ البراك : ومن خير ما يقال في هذا المقام: قول الشافعي رحمه الله تعالى: " آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله".
    وقول شيخ الإسلام في نقض التأسيس ( 3 / 127 ) : "هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء ، وردوا على من نفى موجبه".

    50 – قال الحافظ 8 / 596 قال: " واختلف في المراد في القدم .. ، وقيل: المراد بالقدم الفرط السابق..وقيل: المراد بالقدم قدم بعض المخلوقين. أو المراد بالقدم الأخير..حتى يضع الرب فيها موضعًا .. وأنه يجعل مكان كل واحد منهم واحدا من الكفار بأن يعظم حتى يسد مكانه ومكان الذي خرج، وحينئذ فالقدم سبب للعظم المذكور .. قال: المراد بالقدم قدم إبليس .. يكون المراد بالرجل إن كانت محفوظة الجماعة .... ".
    على حديث ( 4848 )

    قال الشيخ البراك : لم يختلف أهل السنة والجماعة في المراد بالقدم المذكور في الحديث؛ فالقدم عندهم هو قدم الرب سبحانه، والرجل كذلك؛ فالله تعالى موصوف بأن له قدمًا ورجلاً كما جاء في الحديث الصحيح، وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في الكرسي أنه موضع قدمي الرب سبحانه. وقول أهل السنة في القدم لله تعالى كقولهم في العينين واليدين والوجه؛ وهو الإثبات لحقائقها اللائقة به سبحانه ، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولا يعلم العباد كنهها؛ فمعانيها معلومة وكيفياتها مجهولة. ويقولون في النصوص الواردة فيها: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ ومرادهم الإيمان بها، وبما تدل عليه من إثبات الصفات من غير تفسير لها بما يخالف ظاهرها، وهو التأويل المذموم الذي حقيقته التحريف.
    والحافظ - عفا الله عنه - أكثر من نقل أقوال الشراح في تأويل القدم والرجل، وكلها أقوال مخالفة لظاهر الحديث ولمذهب السلف. ومبناها كلها على أنه ليس لله قدم حقيقة، كما أنه ليس له يدان حقيقة، ولا عينان حقيقة، ولا وجه، وهو مذهب المعطلة من الجهمية ومن تبعهم في تعطيل الصفات كلها أو بعضها، وليت الحافظ رحمه الله تعالى ضرب عن هذه الأقوال صفحًا؛ لأنها مخالفة كلها لظاهر الحديث، والمقصود منها دفع ظاهر الحديث - وهو إثبات القدم لله حقيقة - وهو مستحيل على الله عند النفاة؛ لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه، ولكن الحافظ ذكر أن مذهب السلف هو إمرار الحديث على ظاهره دون التعرض لتأويله.
    ويظهر من سياق كلامه ترجيح هذه الطريقة. والغالب أن الحافظ يريد بطريقة السلف: التفويض في معاني النصوص لا إثبات ما تدل عليه من الصفات، فترجيحه لطريقة السلف لا يدل على أنه يثبت القدم لله حقيقة؛ يدل على ذلك قوله: (بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله).
    وعند النفاة إثبات كل هذه الصفات نقص، فإضافتها إلى الله تعالى في هذه النصوص يوهم النقص عندهم، فيوجبون نفي ظاهرها، ثم يوجبون فيها:
    إما التفويض، وإما التأويل مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهو مخالف لمذهب السلف كما أسلفنا.

  3. #3
    أبو مالك المديني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,212

    افتراضي

    51– قال الحافظ 8 / 632-633: قال: "قال الخطابي": إطلاق العجب على الله محال، ومعناه الرضا؛ فكأنه قال: إن ذلك الصنيع حل من الرضا عند الله حلول العجب عندكم، قال: وقد يكون المراد بالعجب هنا أن الله يعجب ملائكته من صنيعهما لندور ما وقع منهما في العادة، قال: وقال أبو عبد الله: معنى الضحك هنا الرحمة.
    قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري.
    قال الخطابي: وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة؛ لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا؛ فإنهم يوصفون بالبشر عند السؤال ... " .
    حديث رقم 4889


    قال الشيخ البراك : القول في العجب والرضا والضحك كالقول في سائر الصفات، والواجب إثباتها لله حقيقة على ما يليق به سبحانه.
    وقول الخطابي: "إطلاق العجب على الله محال" يقتضي نفي صفة العجب عن الله تعالى، وصفة العجب ثابتة في الكتاب والسنة كما قال تعالى: " بل عجبتُ " بضم التاء على إحدى القراءتين ، ومن السنة هذا الحديث، والعجب المثبت لله تعالى ليس كعجب المخلوق الذي منشأه أحيانا خفاء السبب؛ كما قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهذا النوع من العجب ممتنع على الله تعالى؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولكن العجب من الله تعالى يدل على عظم الشيء وتميزه على أمثاله فيما يوجب مدحًا أو ذمًا.
    وانظر التعليق (20) و(24) .

    52 – قال الحافظ 8 / 664: قال: " لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء ".
    حديث رقم 4919

    قال الشيخ البراك : لفظ الأعضاء والجوارح من الألفاظ المحدثة في صفات الله تعالى، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة إطلاق نفيها ولا إثباتها، ونفيها من الألفاظ المجملة؛ فمن أراد بذلك نفي التجزؤ عن الله تعالى فهو حق، ولكن اللفظ محدث، ومن أراد نفي حقيقة اليدين والعينين والساق والقدم فهو مبطل، وهذه الصفات لله تعالى لا يقال لها أعضاء ولا جوارح؛ لما في هذا اللفظ من الاحتمال الذي يتوصل به المعطل إلى مراده.
    وقوله في هذا الحديث: "يكشف ربنا عن ساقه" نص في إثبات الساق لله تعالى، والقول فيه كالقول في سائر صفاته تعالى، والآية وإن لم تكن نصا في إثبات صفة الساق لأنها جاءت بلفظ التنكير فالحديث مفسر لها .
    وإن صح أن يُختلف في دلالة الآية، فلا يصح أن يختلف في دلالة الحديث. وتأويل الساق في الحديث بالقدرة هو من سبيل أهل التأويل من النفاة لتلك الصفات، وهم بهذا التأويل يجمعون بين التعطيل والتحريف. وأهل السنة يمرون هذه الصفات على ظاهرها مؤمنين بما دلت عليه، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته سبحانه بصفات خلقه.

    53 – قال الحافظ 8 / 703: قال: "وإسناد الاطمئنان إلى الله من مجاز المشاكلة، والمراد به لازمه من إيصال الخير ونحو ذلك ...".
    وذلك في كلامه في كتاب التفسير، سورة والفجر، باب 89.


    قال الشيخ البراك : يقال: إسناد الاطمئنان إلى الله تعالى هو من لفظ الحسن البصري رحمه الله تعالى، والبخاري رحمه الله تعالى مقرر له، وخير ما يحمل عليه هذا اللفظ ما جاء في الحديث الصحيح: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"؛ وذلك عند الموت كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه لعائشة رضي الله عنها، وعلى هذا فلا وجه لدعوى المجاز.

    54 – قال الحافظ 9 / 69: قال: " وقال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين أن المستمتع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء ...".
    حديث رقم 5023

    قال الشيخ البراك : الأذن في معناه ثلاثة وجوه : منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل ؛ لأنه صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل، ومنها ما لا يصح الجزم بإثباته و لا نفيه.
    فالأول: هو الاستماع؛ وهو ثابت بالقرآن لقوله تعالى: "إنّا معكم مستمعون" وهذا هو الصواب في تفسير الأذن؛ فمعنى: "ما أذن الله " أي: ما استمع .
    والثاني: تفسير الأذَن بإكرام القارئ؛ فإنه يتضمن نفي حقيقة الاستماع إلى الله عز وجل، مع مخالفته لمعنى الأذن في اللغة.
    والثالث: تفسير الأذَن بالإصغاء بالأذُن؛ فإن الأذُن لم يقم دليل على إثباتها ولا نفيها، فيجب الإمساك عن إضافتها إلى الله تعالى نفيًا وإثباتًا.
    واقتصار القرطبي - والحافظ تبعًا له - على ذكر الثاني والثالث مع الجزم بإثبات الثاني ونفي الثالث غلط ظاهر، ولعل الحامل لهما على ذلك نفيهما للصفات الفعلية كما هو مذهب الأشاعرة؛ فإن الاستماع وفي معناه الأذن من الصفات الفعلية.

    55 – قال الحافظ 9 / 320: قال: " قال عياض: ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل الحمية والأنفة، وهو تفسير بلازم التغير فيرجع إلى الغضب، وقد نسب سبحانه وتعالى إلى نفسه في كتابه الغضب والرضا.
    وقال ابن العربي: التغير محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله بلازمه، كالوعيد أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك".
    وذلك في كلامه على كتاب النكاح ، باب 107 .


    قال الشيخ البراك : دل حديث ابن مسعود على إثبات صفة الغيرة لله تعالى، وأن غيرته أكمل وأعظم من غيرة كل أحد، فيجب أن يكون القول فيها كالقول في سائر الصفات؛ وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار حقيقة، وأن غيرته ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة الله تليق به سبحانه. ويدل على أن الغيرة من الله حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد المذكور مع ترجمة الباب: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" والغيرة في مثل هذا السياق تتضمن الغضب لانتهاك الحرمة.
    والله سبحانه يبغض ما حرم، ويغضب إذا انتهكت حرماته، وقول عياض: "ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك" هو من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة، والحامل عليه الحذر من إضافة التغير إلى الله تعالى الذي يُشعِر به لفظ الغيرة، وهو ممتنع عنده وعند ابن العربي؛ ولهذا قال فيما نقله الحافظ ابن حجر: "التغير محال على الله بالدلالة القطعية". والحق أن التغير من الألفاظ المجملة المبتدعة في باب صفات الله تعالى؛ إذ لم يرد إطلاقه على الله تعالى نفيًا ولا إثباتًا، والواجب في مثل هذا التفصيل والاستفصال؛ فمن أراد بالإثبات أو النفي حقاً قُبل، وإن أراد باطلا رد؛ فالتغير إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص فهو ممتنع على الله عز وجل؛ لأنه منزه عن النقص أزلا وأبداً، وإن أريد به التغير في أفعاله تبعاً لمشيئته وحكمته - مثل أنه يحب ويبغض ، ويغضب ويرضى - فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيراً في ذاته ممنوع وباطل، والأسماء لا تغير الحقائق، والمعول في الأحكام على الحقائق والمعاني لا على الألفاظ والعبارات.


    56 – قال الحافظ 10 / 100: قال: "والتبرك بآثار الصالحين ....".
    حديث رقم 5637

    ينظر التعليق رقم (35)

    57 – قال الحافظ 10 / 198: قال: "... وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه، وخصوصا اليد اليمنى".
    حديث 5735

    قال الشيخ البراك : تقدم في مواضع أن ما جعل الله عز وجل في بدنه صلى الله عليه وسلم وآثاره من البركة، وما يتعلق بذلك من التبرك به هو من خصائصه، فلا يقاس عليه غيره من الصالحين مهما بلغ صلاحًا وتقوى؛ يدل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وغيره من الصحابة والقرابة ما كانوا يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم من التبرك بآثاره المباركة.
    وقول الحافظ: "وخصوصا اليد اليمنى" بأن المسح منه صلى الله عليه وسلم كان باليد اليمنى خاصة، وليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا.

    58 – قال الحافظ (10 / 207) على حديث رقم 5742
    " قوله " أنت الشافي " يؤخذ منه جواز تسمية الله بما ليس في القرآن بشرطين : أحدهما: ألا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا ، والثاني: أن يكون له أصل في القرآن . وهذا من ذاك ، فإن في القرآن " وإذا مرضت فهو يشفين " .

    قال الشيخ البراك: يريد ـ رحمه الله ـ أن أسماء الله تثبت بالسنة كما تثبت بالقرآن، وهذا حق، ولكن لا وجه للشرطين الذين ذكرهما؛ فكل ما سمى الرسول به ربه وجب أن نؤمن به ونثبته، ونسمي الله به ولو لم يكن للفظه أصل في القرآن؛ كالجميل والرفيق . وتوهم النقص لا يصلح أن يكون ضابطًا في ما ينفى عن الله تعالى؛ فقد يتوهم بعض الناس ما ليس بنقص نقصًا لقصور في إدراكه، أو لمذهب باطل بنى اعتقاده عليه.

    59 – قال الحافظ (10 / 233) على حديث رقم 5765 : وأخرجه الطبري في التهذيب من طريق يزيد بن زريع، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب" أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح" .. الخ

    قال الشيخ البراك: تمسك بعض الناس بقول سعيد هذا: حل السحر بسحر مثله؛ وذلك بذهاب المسحور إلى ساحر يحل السحر عنه.
    وقول سعيد ـ رحمه الله ـ تعالى ليس صريحا في هذا، بل هو مجمل؛ فإن النشرة، وهي حل السحر عن المسحور، نوعان كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
    الأول: حل بسحر مثله، وعليه يحمل قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر؛ فيتقرَّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، وهذا النوع من النشرة حرام، وهي من عمل الشيطان كما في الحديث.
    والثاني: حل السحر بالأدعية والتعويذات والأدوية المباحة؛ فهذا جائز بلا خلاف، وينبغي أن يحمل قول سعيد على هذا النوع. ومما يدل على تحريم الذهاب إلى الساحر لحل السحر قوله : "من أتى كاهنا أو عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " [رواه الإمام أحمد، والأربعة]، والساحر من جنس الكاهن والعراف.

    60 – قال الحافظ (10 / 258) على حديث رقم 5788
    "قوله: (لا ينظر الله) أي لا يرحمه؛ فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة .. الخ

    قال الشيخ البراك: النظر إلى الشيء يدل في اللغة على مجرد الرؤية عن إرادة، وقد يدل مع ذلك على العناية والمحبة والإكرام. وقد جاء مضافًا إلى الله تعالى على الوجه الأول في سياق الإثبات كما في قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب".
    ويشبه هذا النوع قوله سبحانه: "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" [يونس14]، كما يوضح ذلك قوله تعالى: "فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" [التوبة105].
    وجاء مضافًا إلى الله تعالى على الوجه الثاني في سياق النفي؛ كما في قوله تعالى: "ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم" [آل عمران77]، وفي السنة من هذا النوع كثير، ومن ذلك هذا الحديث، ويشبه هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
    والواجب في ذلك كله: إثباته لله تعالى على ما يليق به كسائر صفاته؛ كعلمه وسمعه وبصره وإرادته وحياته، وكل صفاته؛ فهو تعالى ينظر إلى ما شاء ومن شاء كيف شاء .
    وما ذكره الحافظ أو نقله عن الشراح في معنى النظر من الله كله من التأويل الباطل الذي حقيقته صرف الكلام عن ظاهره بغير حجة، والحامل لهم على ذلك أن من مذهبهم نفي حقيقة العينين عن الله تعالى، ونفي الأفعال الاختيارية التابعة لمشيئته سبحانه وتعالى ومنها النظر.
    ومما تقدم يتبين أن معنى قوله : "لا ينظر الله" أي نظر محبة وإكرام. وقريب من هذا ما جعله الحافظ احتمالا، وهو أقرب إلى الصواب؛ حيث قال: "ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة"، والله أعلم.

    61 – قال الحافظ (10 / 330) على حديث رقم 5879 "وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها".

    تقدم في مواضع التنبيه على أن مثل هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم . التعليق رقم (18) و (35) و(57)

    62 – قال الحافظ (10 / 394) على حديث رقم 5963 " واستدل به على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، للحوق الوعيد بمن تشبه بالخالق ... ". واستدل به على جواز التكليف بما لا يطاق. والجواب ما تقدم، وأيضا فنفخ الروح في الجماد قد ورد معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فهو يمكن وإن كان في وقوعه خرق عادة، والحق أنه خطاب تعجيز لا تكليف كما تقدم والله أعلم ".

    قوله: "واستدل به على جواز التكليف بما لا يطاق" : في هذا الاستدلال نظر؛ فإن الأمر بنفخ الروح المذكور في الحديث أمر تعجيز لا تكليف كما ذكر الحافظ رحمه الله ، وهو كما قال . وما لا يطاق قد يراد به: الممتنع لذاته؛ كالجمع بين النقيضين والضدين، فهذا لا يجوز التكليف به؛ لأنه لا يتصور. وقد يراد به: الممتنع لغيره، وإن كان في ذاته ممكنا؛ كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، واعتبار هذا مما لا يطاق هو مذهب الجبرية. وقد يراد به: ما يشق مشقة عظيمة فوق الوسع؛ فالتكليـف بهذين جائز وواقع كما قال تعالى: "ربنا ولا تحمــل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به .... الآية" [البقرة286] . وقد يراد بما لا يطاق: ما لا قدرة للعبد عليه أصلا؛ كالمشي من المقعد، والكتابة من أقطع اليد، وهذا جائز عقلاً غير واقع شرعًا.

    63 – قال الحافظ (10 / 417) على حديث رقم 5987 "إن المراد بالحجزة هنا قائمة العرش ....".

    انظر التعليق رقم (49)

    64 – قال الحافظ (10 / 418) على حديث رقم 5987 "قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال، وهو القرب منه، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه، وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده. قال : وكذا القول في القطع هو كناية عن حرمان الإحسان ...".

    قال الشيخ البراك: قوله صلى الله عليه وسلم : "أن أصل من وصلك .." الوصل من الله عز وجل لمن يصل رحمه يدل على أن الجزاء من جنس العمل، وهذه سنة الله عز وجل في جزائه ثوابًا وعقابًا. والوصل من الله تعالى يكون بما شاء سبحانه وتعالى مما يدخل في معنى الوصل اللائق به سبحانه، وكلها تدخل في الإحسان، وهو سبحانه يحسن إلى المحسنين بمحبته وتقربه، وبأنواع المنافع والمحبوبات؛ قال تعالى: "وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" [البقرة195] ، وقال في الحديث القدسي: "ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا" ، وقال تعالى: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" [الرحمن60]. وقصر معنى الوصل من الله تعالى على بعض أنواعه تقييد وتخصيص بغير حجة. وقول ابن أبي جمرة: "الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه ... إلخ" هذا كلام متناقض؛ فقد أثبت أن الوصل كناية عن الإحسان، ونفى أن يكون منه قرب الله من عبده، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه. وزعم أن ذلك مستحيل في حق الله تعالى، وهذه الأنواع من أعظم أنواع الإحسان التي يكرم الله بها أولياءه كما في حديث الولي؛ يقول الله تعالى: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".

    65 – قال الحافظ (10 / 432) على حديث رقم 6000
    "قلت: وحاصل كلامه أن الرحمة رحمتان، رحمة من صفة الذات وهي لا تتعدد، ورحمة من صفة الفعل وهي المشار إليه هنا ....".

    قال الشيخ البراك: دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان :
    1 - رحمة هي صفته؛ وصفاته غير مخلوقة، وإضافتها إلى الله هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى عن نبي الله سليمان عليه السلام: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" [النمل19] ، وقال تعالى: "وربك الغفور ذو الرحمة" [الكهف58] ، وقال تعالى: "الرحمن الرحيم"؛ فهذان الاسمان متضمنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدل على الرحمة الذاتية التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدل على الرحمة الفعلية التابعة لمشيئته سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: "إن يشأ يرحمكم" [الإسراء54]، وقال تعالى: "ويرحم من يشاء" [العنكبوت21].
    وأهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله تعالى صفة قائمة به سبحانه، والمعطلة ومن تبعهم ينفون حقيقة الرحمة عن الله تعالى - ومنهم الأشاعرة - ويؤولونها بالإرادة أو النعمة .
    2 - والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قوله تعالى: "فانظر إلى آثار رحمة الله" [الروم50] ، وقوله تعالى: "وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون" [آل عمران107] ، وقوله سبحانه للجنة كما في الحديث القدسي: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء".
    والرحمة المذكورة في الحديث هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها الله عز وجل في مائة جزء.
    والرحمة المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته سبحانه وتعالى ومقتضاها.


    66 – قال الحافظ (10 / 462) على حديث رقم 6040
    " والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة والميل والرضا عنه ..، والمراد بمحبة الله إرادة الخير ....".

    قال الشيخ البراك: قوله"والمراد بمحبة الله إرادة الخير..": هذا صرف للفظ عن ظاهره بغير حجة صحيحة، وهذا هو التأويل المذموم الذي يسلكه نفاة الصفات، أو بعضهم كالأشاعرة ؛ فإن مذهبهم نفي حقيقة المحبة عن الله تعالى زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه. لكن الأشاعرة لما كانوا يثبتون الإرادة لله تعالى صار كثير منهم يَرُدُّ بعض الصفات إليها ويؤولها بها، مع أنه يلزمهم في الإرادة نظير ما فروا منه في المحبة، فلم يستفيدوا بهذا التأويل إلا التناقض والجمع بين التعطيل والتحريف.

    والواجب إثبات كل ما أثبته الله تعالى لنفسه وأن الله سبحانه موصوف به حقيقة على الوجه الذي لا يماثل فيه أحدًا من خلقه. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فيمرون النصوص مؤمنين بها، بلا تكييف ولا تمثيل لمعانيها.

    67 – قال الحافظ (10 / 488) على حديث رقم 6070
    "ويدنو المؤمن من ربه أي يقرب منه قرب كرامة، وعلو منزلة".

    قال الشيخ البراك: يريد بقوله: "قرب كرامة وعلو منزلة" أن دنو المؤمن من ربه المذكور في الحديث دنو معنوي ، لا أنه دنو بقرب المكان، بحيث يكون في مكان هو فيه أقرب إلى ربه. والأصل في القرب والدنو قرب المكان، وهذا هو المعنى المتبادر من لفظ الحديث وسياقه.
    وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه بذاته في العلو فوق كل شيء، وأنه سبحانه يقرب من بعض خلقه إذا شاء، كيف شاء، ويدني ويقرب من عباده من شاء، وأن من الملائكة ملائكة مقربين، فهم عنده.
    وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله لا يتأولون شيئا منه على خلاف ظاهره. وأما نفاة العلو القائلون بالحلول من الجهمية ومن وافقهم - ومنهم الأشاعرة - فعندهم أنه تعالى لا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، وأن نسبة جميع المخلوقات إليه نسبة واحدة. لذلك يلجأون إلى تأويل النصوص المخالفة لأصولهم، ومن ذلك دنو المؤمن من ربه أو إدناؤه له؛ فيؤولونه بقرب المكانة والمنزلة. وهذا هو الذي ذكره الحافظ، ومشى عليه في هذا الحديث ونحوه.

    68 – (11 / 3) قال : "والمراد بالصورة: الصفة....". على حديث رقم 6227

    قال الشيخ البراك : قوله: " وقيل: الضمير لله…": هذا هو الذي عليه أئمة السنة، ومن مذهبهم إثبات الصورة لله حقيقة، وأنها لا تماثل صورة أحد من المخلوقات.

    وانظر التعليق (16)

    69 – (11 / 101) على حديث رقم 6307
    قال الحافظ : "وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية.
    وأجيب بعدة أجوبة: منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر، كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضا....".

    قال الشيخ البراك : قوله: "والراجح عصمتهم من الصغائر أيضاً": في هذا الترجيح نظر، بل الراجح جواز بل وقوع الصغائر منهم، والسهو والنسيان من باب أولى؛ فهذا آدم عليه السلام نسي وعصى، فقال تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما" [طه115] ، وقال تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" [طه121] ، وهذا نوح عليه السلام سأله ربه ما ليس له أن يسأله كما قال تعالى: "فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال ربي إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين" [هود46،47] ، وهذا موسى عليه السلام قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها فندم وقال: "رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم" [القصص16] .
    وإن كان هذا قبل الإرسال فهو وارد على القائلين بالعصمة مطلقًا، وقد عاتب الله عز وجل نبيه في مواضع من القرآن فقال: "عفا الله عنك لم أذنت لهم" [التوبة43] ، وقال: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" [الأنفال67] ، وقال: "عبس وتولى" [عبس1] .
    والمقطوع به أنهم صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، ومن الإقرار على شيء من الذنوب أو الخطأ، ومعصومون من الذنوب التي تنفر عن دعوتهم. والمقتضي للاستغفار أعم من أن يكون ذنبًا، بل قد يكون تقصيرًا عما يطلب من الكمال، وقد يكون شعورًا بالتقصير وإن لم يكن، وهذا من الكمال، وبهذا يتحقق لهم كمال العبودية في سائر مقامات الدين والله أعلم.

    70 – (11 / 106) قال الحافظ: ".. وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه".
    على حديث رقم 6308


    قال الشيخ البراك : قوله: "وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه..." إلى آخر ما ذكره وأورده من النقول في تأويل الفرح: كل ما ذكره الحافظ ونقله في هذا الموضع جار على مذهب النفاة، وأهل التأويل منهم، وفي هذا كله صرف للفظ ( الفرح ) عن ظاهره؛ فمن المعلوم أن الفرح غير الرضا، والرضا غير المحبة، وكلها غير الإرادة؛ فإن الفرح ضده الحزن، والرضا ضده السخط، والمحبة ضدها البغض، وكل هذه الصفات التي وردت في النصوص إضافتها إلى الله تعالى تنفيها الأشاعرة، وأهل التأويل منهم يفسرونها بالإرادة.
    وأهل السنة والجماعة لا يفرقون بين الصفات الواردة في الكتاب والسنة، بل يثبتونها لله عز وجل على ما يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل، ويردون على الأشاعرة بأن حكم الصفات واحد، والتفريق بينها تفريق بين المتماثلات، ولهذا يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فيما نفوه.

    * وقول ابن العربي: "كل صفة تقتضي التغير لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها"
    تقدم التعليق عليه ، وبيان ما يحتمله لفظ التغير . انظر : التعلـيق (55) .

    71 – (11 / 106) قال الحافظ : "وقال ابن أبي جمرة: كنى عن إحسان الله للتائب وتجاوزه عنه بالفرح؛ لأن عادة الملك إذا فرح بفعل أحد أن يبالغ في الإحسان إليه....".
    على حديث رقم 6308

    انظر التعليق (70) .

    72 – (11 / 106) قال الحافظ: "وهذا القانون جار في جميع ما أطلقه الله تعالى على صفة من الصفات التي لا تليق به....". على حديث رقم 6308

    تقدم التعليق على مثل ذلك؛ ينظر التعليق (70)

    73 – (11 / 129) قال الحافظ: "وقال الكرماني: ...النزول محال على الله؛ لأن حقيقة الحركة من جهة العلو إلى السفل، وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه عن ذلك، فليتـأول ذلك بأن المراد نزول ملك الرحمة ونحوه، أو يفوض مع اعتقاد التنزيه....".
    على حديث رقم 6321

    قال الشيخ البراك : "وقال الكرماني : ... النزول محال على الله....": هذا قول منكر، وردٌّ لخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أعلم الخلق بربه، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم الخبر بنزوله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة؛ فقد نقل ذلك الجم الغفير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقى ذلك أهل السنة والجماعة بالقبول فأثبتوا أنه سبحانه ينزل حقيقة كيف شاء، كما قالوا: إنه استوى على العرش وإنه يجيء يوم القيامة كما أخبر عن نفسه سبحانه وتعالى، فقول أهل السنة في النزول كقولهم في سائر أفعاله وصفاته سبحانه؛ وهو إثباتها مع نفي التمثيل ونفي العلم بالكيفية.
    وقول الكرماني: (النزول محال على الله) هو مذهب المعطلة من الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشاعرة، ومن مذهبهم نفي علوه سبحانه بذاته واستوائه على عرشه، ونفي قيام الأفعال الاختيارية به.
    ومن لا يثبت العلو يمتنع عليه أن يثبت النزول، والحامل لهم على هذا الباطل هو توهم التشبيه وقياس الخالق على المخلوق. وهو سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه، وما يثبت له من الصفات هو على ما يليق به لا يماثل صفات المخلوقين؛ فنزوله ليس كنزول المخلوق، كما أن علمه وسمعه وبصره ليس كعلم المخلوق وسمعه وبصره. وتأويل النفاة لنزوله سبحانه بنزول ملك، أو نزول الرحمة هو من تحريف الكلم عن مواضعه؛ فهل يجوز أن يقول الملك: "من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه"، فلفظ الحديث نص بأن الذي ينزل هو الله نفسه، وهو الذي يقول ذلك، فالذين تأولوا النزول بنزول ملك قد جمعوا بين التحريف والتعطيل فضلوا عن سواء السبيل.
    وانظر التعليق ( 39)

    74 – (11 / 208) قال الحافظ: "وقوله: "حبيتان إلى الرحمن" تثنية حبيبة وهي المحبوبة، والمراد أن قائلها محبوب لله، ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم ...".
    على حديث رقم 6406

    قال الشيخ البراك :قوله: "والمراد أن قائلها محبوب لله تعالى ... إلخ": هذا عدول عن ظاهر الحديث بلا موجب؛ فالحديث ظاهر في تعلق محبة الله تعالى بالكلمتين، فهو يفيد أن الله يحبهما، وفي هذا حث وترغيب في الاستكثار منهما، وأن ذلك من أسباب محبة الرب لعبده.
    وقول الحافظ: "ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم": تأويل يقتضي نفي حقيقة المحبة عن الله تعالى، وهو مذهب الأشاعرة وهو باطل؛ فإنه سبحانه يُحِبُّ ويُحَبُّ كما أخبر بذلك عن نفسه في كتابه، ومحبته لما شاء ولمن شاء لا تماثل محبة المخلوق؛ كما هو الشأن في سائر صفاته تعالى، فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهره، وأهل السنة يثبتون المحبة له حقيقة على ما يليق به، وأنه تعالى كما أخبر عن نفسه يحب المتقين والتوابين والمتطهرين، ويحب هذه الخصال والأفعال.

    75 – (11 / 223) قال الحافظ: "واختلف في الأسماء الحسنى هل هي توقيفية بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله أسماء إلا إذا ورد نص إما في الكتاب أو السنة؟ فقال الفخر: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله جاز إطلاقه على الله. وقال القاضي أبو بكر والغزالي: الأسماء توقيفية دون الصفات، قال : وهذا هو المختار ...." .
    على حديث رقم 6410

    قال الشيخ البراك : الصواب أن أسماء الله عز وجل وصفاته توقيفية، ومعنى ذلك أنها مبنية على توقيف من الله تعالى أو رسوله r ؛ فلا يثبت له من الأسماء والصفات إلا ما جاء في الكتاب والسنة، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سمّاه به رسوله r ، ولا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله r كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ لا يتجاوز القرآن والحديث".

    76 – (11 / 227) قال الحافظ: "ومعنى محبته له أنه أمر به وأثاب عليه ...".
    حديث رقم 6410


    قال الشيخ البراك : هذا تأويل ، وانظر : التعليق (74 ) .


    77 – (11 / 301) قال الحافظ: "قلت: المراد بالرحمة هنا ما يقع من صفات الفعل كما سأقرره فلا حاجة للتأويل ....".
    على حديث رقم 6469

    قال الشيخ البراك : يريد الحافظ ـ رحمه الله ـ أن الرحمة في هذه الأحاديث هي الرحمة المخلوقة ، وهي أمور منفصلة ليست قائمة بذات الرب سبحانه وتعالى، وهذا الذي قاله حق، ولكن إطلاقه الصفات على هذه المفعولات هو من الاضطراب في الفهم والتصور عند النفاة ؛ إذ كيف يكون المفعول صفة للفاعل وهو لا يقوم به ؟!
    وبناء على الفهم الفاسد يؤول كثير منهم الصفات الفعلية كالمحبة والرضا والرحمة والغضب والسخط بما يخلقه الله من النعم والعقوبات.
    وقوله: "فلا حاجة للتأويل": يريد به الرد على ابن الجوزي فيما نقله عنه هنا ؛ فابن الجوزي فهم أن الرحمة المذكورة في الحديث هي صفة الرب سبحانه وتعالى القائمة بذاته ، وأن ذكر الأجزاء تمثيل للتقريب ، وهذا غلط منه رحمه الله تعالى ؛ فالرحمة المذكورة في الحديث هي الرحمة المخلوقة لا الرحمة التي هي صفته سبحانه وتعالى، والحديث نص في هذا لا يحتمل غيره؛ فهو يدل على الرحمة المخلوقة بالنص وعلى الصفة بطريق اللزوم ؛ لأن الأولى أثر الثانية.
    وأهل السنة يثبتون الرحمة صفة لله تعالى حقيقة كما يثبتون سائر الصفات، وأنها لا تماثل رحمة المخلوقين و لا يعلم العباد كنهها.
    وانظر التعليق (65)

    78 – (11 / 343) قال الحافظ : "قوله: (يتقرب إليَّ): التقرب طلب القرب؛ قال أبوالقاسم القشيري: قرب العبد من ربه يقع أولا بإيمانه، ثم بإحسانه. وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه، وفي الآخرة من رضوانه، وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه. ولا يتم قرب العبد من الحق إلا ببعده من الخلق. قال: وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس، وباللطف والنصرة خاص بالخواص، وبالتأنيس خاص بالأولياء....".
    على حديث رقم 6502
    انظر التعليق (67)

    79 – (11 / 358) قال: "قال العلماء: محبة الله لعبده إرادته الخير له وهدايته إليه وإنعامه عليه، وكراهته له على الضد من ذلك".
    وذلك في كلامه على كتاب الرقاق ، باب 41 ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).

    هذا تأويل وصرف للكلام عن ظاهره بغير دليل .
    انظر : التعليق (66) و(74)

    80 – (11 / 404) قال الحافظ : "ومعنى قوله: (لا يرضى) أي لا يشكره لهم، ولا يثيبهم عليه، فعلى هذا فهي صفة فعل، وقيل: معنى الرضا أنه لا يرضاه دينا مشروعا لهم، وقيل: الرضا صفة وراء الإرادة، وقيل: الإرادة تطلق بإزاء شيئين: إرادة تقدير، وإرادة رضا، والثانية أخص من الأولى، والله أعلم، وقيل: الرضا من الله إرادة الخير، كما أن السخط إرادة الشر...". على حديث رقم 6538

    قال الشيخ البراك: الصواب أن الرضا ضده السخط كما قال تعالى: "ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم" [محمد28] والرضا يتضمن المحبة، والسخط يتضمن البغض؛ فمعنى قوله: "ولا يرضى لعباده الكفر" [الزمر7] أنه لا يرضاه و لا يحبه بل يسخطه ويبغضه ، وتفسير نفي الرضا بعدم الشكر غير لائق؛ فإن ذلك لا يدل على قبح الكفر ولا يقتضي عقابًا بخلاف نفي المحبة والرضا، والله سبحانه قد وصف نفسه بالمحبة والرضا، وأنه يمقت الكافرين ويسخط عليهم، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة اللائقة به سبحانه، وتأويلها بالإرادة أو ببعض المخلوقات هو طريقة أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم ؛ لأن مذهبهم نفي هذه الصفات عن الله تعالى .
    وقول من قال: "الرضا صفة وراء الإرادة": يعني أنها غيرها، وهو قول صحيح.
    وقول من قال: "الإرادة تطلق بإزاء شيئين: إرادة تقدير، وإرادة رضا" هو معنى قول أهل السنة: الإرادة من الله نوعان: إرادة كونية؛ وهي المتعلقة بجميع الكائنات، وهي بمعنى المشيئة؛ كقوله تعالى: "فعال لما يريد" [البروج16] ، وإرادة شرعية؛ وهي المتعلقة بما يحبه ويرضاه؛ كقوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر" [البقرة185] .

    81 – (11 / 434) قال الحافظ: وقال عياض: استدل بهذا الحديث من جوز الخطايا على الأنبياء..... واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقا....".على حديث رقم 6565

    قال الشيخ البراك : أجمع العلماء على عصمة الأنبياء فيما يبلغونه عن الله تعالى، وأنهم معصومون من الإقرار على الخطأ، أو الإصرار على شيء من الذنوب. وجمهور العلماء على أنه تجوز عليهم الصغائر، وهذا التفصيل هو الصواب .
    وانظر التعليق (69)

    82 – (11 / 441) قال الحافظ: "وفيه جواز إطلاق الغضب على الله، والمراد به ما يظهر من انتقامه ممن عصاه، وما يشاهده أهل الموقف من الأهوال التي لم يكن مثالها ولا يكون، كذا قرره النووي، وقال غيره: المراد بالغضب لازمه، وهو إرادة إيصال السوء للبعض..".
    على حديث رقم 6565

    قال الشيخ البراك : الحق أن الله سبحانه موصوف بالغضب حقيقة كما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، والقول فيه كالقول في سائر الصفات؛ وهو وجوب الإثبات ونفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية. وتأويله بإرادة إيصال السوء عدول عن ظاهر هذا اللفظ بغير موجب، وهذه طريقة كثير من الأشاعرة فيما ينفونه عن الله من الصفات زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه مع إثباتهم للصفات السبع، فكانوا لذلك متناقضين ومفرقين بين المتماثلات؛ إذ القول في بعض الصفات كالقول في بعض.


    83 – (11 / 444) قال الحافظ: "وقوله: (الله يستهزئ بهم) أي ينزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم.." على حديث رقم 6571 .

    قال الشيخ البراك : معنى هذا أن الله سبحانه لا يستهزئ بالمنافقين حقيقة، وإنما سمى جزاءه لهم استهزاء مشاكلة لفظية، والصواب أن الله تعالى يستهزئ بالمنافقين حقيقة، وتلك سنته في الجزاء؛ وهي أنه من جنس العمل.
    ومثل الاستهزاء من الله تعالى الخداع والمكر؛ فقد أخبر سبحانه أنه يخدع المنافقين ويمكر بالكافرين؛ قال الله تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم" [النساء142] ، وقال سبحانه: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" [الأنفال30] . وكل هذه الأفعال من الله تعالى ذكرت جزاءً على خداع المنافقين واستهزائهم ومكر الكافرين، وهي من الله سبحانه عدل وكمال؛ لأنها من المجازاة بالمثل، وما قبوله تعالى لعلانية المنافقين وإعطائهم النور لهم يوم القيامة مع المؤمنين ثم إطفائه عليهم، وما استدراجه للكافرين والمنافقين إلا من ذلك المكر والاستهزاء جزاء وفاقًا.

    84 – (11 / 444) قال الحافظ: قال البيضاوي: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجاز بمعنى الرضا...". على حديث رقم 6571 .

    قال الشيخ البراك : الصواب أن الله تعالى يضحك حقيقـة ضحكًا يليـق بجلالـه، والقـول فيـه كالقول في سائر الصفات.
    وانظر التعليق (20) و(21)
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    163

    افتراضي رد: "تعليقات على المخالفات العقدية " في فتح الباري شرح صحيح البخاري. للعلامة البراك

    و هنا الكتاب كاملاً لمن أراده ؛
    https://www.facebook.com/permalink.p...00007535670625

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •