متى نصف الشخص بأنه مؤرخ ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4
1اعجابات
  • 1 Post By زايد بن زايد

الموضوع: متى نصف الشخص بأنه مؤرخ ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    551

    Question متى نصف الشخص بأنه مؤرخ ؟

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

    اعتدنا وصف بعض الرجال، الذين كتبوا في التاريخ، بأنه مؤرخ ، مثل الطبري ، وابن كثير، وابن الأثير، وابن خلدون ، والجزري ، وغيرهم .

    فهل هذا الوصف لهم صحيح ، ومتى نصف الرجل بأنه مؤرخ؟

    وهل نستطيع وصف الرجل هذا العصر بأنه مؤرخ ، أم الاكتفاء بالقول هو ( باحث ) ؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,844

    افتراضي

    من هو المؤرخ؟

    1 - بذل المؤرخون وفلاسفة التاريخ، منذ أن عرف الإنسان كتابة التاريخ، جهودًا جمة في مجال تعريف (التاريخ) وتوضيح حدوده، وتعيين هويته ووظيفته، ومع ذلك فإن جهدًا مماثلًا لم يبذل في تعريف (المؤرخ) نفسه، وهو الكاتب للتاريخ، من هو؟ ما صفاته؟ ما تميزه؟ ما هي الاستعدادات الواجب توفرها فيه قبل أن يكون مؤرخًا؟ مع أن التاريخ، بوصفه علمًا، هو نتاج عمل المؤرخ، وثمرة جهده، ومما زاد هذه الإشكالية إشكالًا أن مصطلح (المؤرخ) - أي: رجل التاريخ - ينصرف إلى معنيين لا معنى واحد، أولهما: أنه من يقوم بتسجيل الحدث ساعة وقوعه، والثاني: من يكتب التاريخ مستندًا إلى شهادات أولئك (المسجلين)، ولا يتسع تعريف المؤرخ للمعنيين معًا؛ فالمؤرخ بمعنى (المسجل للتاريخ) هو شاهد عيان، لا أقل ولا أكثر، يكتب شهادته عما رآه أو سمع به ويمضي، والمؤرخ بالمعنى الآخر هو باحث في شهادات غيره، لا يحق له أن تكون له شهادته بين الشهود؛ فهو قاضٍ يقضي مستندًا إلى ما بين يديه من شهادات، ولا يحق له أن يترك منصته فيفقد حيدته حين يدلي بشهادته مثل سائر الشهود، ولو فعل لما أصبح قاضيًا أصلًا، أو بمعنى آخر: لا يصبح مؤرخًا بذلك المعنى الذي ذكرنا.
    2 - إن اتساع مصطلح المؤرخ ليشمل نوعين من المؤرخين يختلف دور كل منهما عن الآخر، من شأنه أن يخلط بين الدورين خلطًا عجيبًا، من ذلك أن جميع من كتب عن علم التاريخ حدد مواصفات المؤرخ (الشاهد) على نحو لا يمكن أن ينطبق إلا على المؤرخ (الباحث) دون غيره؛ فهم يطلبون منه أن يكون محايدًا حيدة مطلقة تجاه الحدث الذي جرى تسجيله، نزيهًا عن الغرض، سليمًا في حواسه وفي ميوله، ودقيقًا في وصفه، متحليًا بخُلق عالٍ قد لا يوجد إلا في الأنبياء والندرة النادرة من أهل التقى والصلاح، وهذه الأوصاف لا يمكن أن تنطبق على الشاهد، ولا ينبغي أن تنطبق عليه؛ لأنهم يتناسَوْن أنه قبل أن يكون شاهدًا هو مجرد إنسان انفعل بحدث يعنيه فسجله، ولو لم ينفعل به لما سجله أصلًا، والانفعال يعني - ضمنًا - التحيز لطرف أو لأطراف فاعلة للحدث، وأن يتأثر بها وبموقفها، بل أن يكون مشاركًا في صنع الحدث نفسه؛ فالتاريخ علم الإنسان، أو علم ماضي الإنسان، وكل منهما نتاج لانعكاس صورة الآخر عليه، فلا يمكن أن يكون الشاهد قاضيًا محايدًا بأية حال، وإلا يكون خارج إطار إنسانيته، وهو محال.
    3 - أما المؤرخ الباحث في التاريخ، فهو قاضٍ يقف خارج الحدث بمسافة زمنية تقيه من مغبة التحيز إلى أيٍّ من أطراف الحدث، وهو كالقاضي عليه أن يترجل عن منصة القضاء إن وجد نفسه، أو وجده الناس، متحيزًا غير منزهٍ في متابعة القضية المطروحة أمامه، وعلى خلاف ما أبيح للشاهد، فإن القاضي، أو الباحث هنا، باحث عن الحقيقة؛ فهو الذي عليه أن يطالب بالحيدة والنزاهة والصدق.. إلى غير ذلك من صفات القضاة الحميدة، إنه يستقصي شهادات الشهود، أصحاب الروايات المعروضة أمامه، يقارن بينها، ويتأمل جزئياتها ببرودة أعصاب، ليتوصل إلى الحقيقة، فلا يختلف عمله هنا عن عمل القاضي إلا بفارق واحد، وهو أنه يتعامل مع شهادات مات أصحابها، فلم يعد ممكنًا مراجعتهم فيما شهدوا به، ولكنه مع ذلك قادر على أن يتفحصها، ويتعرف على ما هو صحيح أو أقرب إلى الصحة منها، أو نبذها أحيانًا، إن اتبع في ذلك قواعد علم التاريخ، أو ما سُمِّي منهج البحث التاريخي، وهو مثل القاضي، يستطيع أن يفتح ملف أي قضية تاريخية، إذا توفَّر له من الوثائق والمصادر الجديدة ما من شأنه أن يغير نتائج الأحكام، أو القناعات السابقة.
    4 - الباحث في التاريخ، بعد رحيل الشهود، هو ما نحتاج إلى التعرف على هويته، وخصائصه، وملكاته الموهوبة، أو استعداداته الفطرية؛ لأنه هو الذي يقرر الأحكام، وحين يقال: إن فلانًا أو فلانًا هو في ذمة التاريخ، فالمقصود أنه في ذمة القضية التي ينظرها المؤرخون بعد حين لا نعرفه، فيستنطقون الشهادات، ويقارنون بينها، ويستعينون بقواعد العلم؛ علَّهم أن يصلوا إلى ما يقرب من حقيقة ما حدث فعلًا، ومن المؤكد أن رجلًا يتولى هذه المهمة لا بد أن تجتمع فيه من الخصائص والمواهب والاستعدادات ما يستحق البحث، وهو ما نعتقد أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من الجهد، يساوي الجهد الذي بذل في درس التاريخ نفسه.
    5 - من هو هذا المؤرخ إذًا؟ إنه في نظرنا ليس رجلًا درس التاريخ، أو حتى قضى عمره في دراسته، وكفى، إنما هو رجل ملك من الاستعدادات النفسية ما جعله مؤهلًا للكشف عن خفاياه، وتقرير أحكامه، إن المؤرخ هنا (تكوين خاص) لا يشبهه فيه أحد من أولي الاختصاصات الأخرى، وإن هذا التكوين في أساسه فطري، موجود فيه قبل أن يتجه إلى درس التاريخ على أي مستوى من مستويات الدرس، وأتذكر أن أحدهم سأل أستاذه: ماذا أفعل لأكون مؤرخًا؟ فقال له ذلك الأستاذ: عليك بقراءة كذا وكذا من كتب المؤرخين، مع أننا نعلم أن السائل لو فعل ذلك، وقرأ كل كتب المؤرخين السالفين، ما صنع ذلك منه مؤرخًا بأي حال، وكان الأولى بالأستاذ أن يسأله قبل كل شيء: وهل تملك استعدادًا فطريًّا لكي تكون مؤرخًا؟ هذا حتى يجنبه تضييع وقته وتبديد جهده في قراءة الأسفار المطولة دون جدوى.
    6 - إن أول هذه الاستعدادات أو المواهب أن يكون الباحث في التاريخ ذا رؤية أو بصيرة نافذة، قادرة على النفاذ إلى الماضي؛ فالتاريخ ليس إلا علم دراسة الماضي، ومن يعجز عن تحقيق ذلك النفاذ لن يكون مؤرخًا مهما فعل، إنه يستطيع أن يجمع الروايات التاريخية، أو شهادات الشهود، في بحث أو كتاب، لكنه لن يتجاوز ذلك الجمع إلى فهم ما وراءه، ومن ثم لا يستطيع التوصل إلى أي قناعة، أو تقرير أي حكم، وبالطبع فإن المؤرخ، كسائر البشر، محدود بزمانه، فتجاوزه حدود زمانه إلى زمان مضى ليتصوره ويتخيله، لا بد له من قدرات فائقة لا تتوفر لدى غيره من الناس.
    7 - ربما كانت كلمة (الماضي) توحي بمضي الحادثة الماضية (والحادثة هي الوحدة الصغرى في التاريخ)، فمضي الشيء ذهابه وزواله، ولكن الماضي من الحوادث لا يذهب ولا يزول، مهما باعدت المسافة الزمنية بيننا وبينه، إنما هو يتوارى وراء الواقع من الحوادث الحاضرة، التي تتراكم عليه لحظة بلحظة حتى لا يعود يرى، والماضي لا يمضي، وإنما يبقى حاضرًا من خلال ما يعقبه من حوادث، بمعنى أنه يعطينا شكلنا وسلوكنا، بل ويحدد اتجاهات مستقبلنا؛ ذلك أنه كامنٌ فينا، بل كامن في كل شيء حولنا، لا تحجبه عنا إلا قشرة رقيقة من (الحاضر)؛ فالحاضر لا يكون حاضرًا لو لم يستند إلى ماض، وهذا الحاضر نفسه سيكون (ماضيًا) في كل لحظة تمر بنا، ومهمة المؤرخ هي إزالة هذه (القشرة) لينفذ بنظره إلى ما تستند إليه من ماضٍ كامن.
    8 - ليس من فرق إذًا بين الماضي والحاضر سوى (لحظة) من زمن، وحتى هذه اللحظة ليست متولدة من داخل التاريخ؛ أي: ليست نتاجًا له، وإنما هي نتيجة الساعة الخارجية للزمن؛ فالتاريخ بماضيه وحاضره ومستقبله أيضًا، تجربة واحدة لا تنقسم ولا تتجزأ، وهو موجود فاعل مؤثر، حتى لو لم يعد الناس يرونه.
    9 - يستطيع المؤرخ إذًا أن يرى ما لا يراه الآخرون؛ لأن أي قشرة من الحاضر لا تعجزه عن إنفاذ بصيرته إلى ما وراءها، قرُب ما وراءها عنه أو بعُد، وربما قال بعضهم: إن أي إنسان يستطيع أن يفعل ذلك إذا أحاط علمًا جيدًا بالماضي، عن طريق استقصاء (شهادات) الماضين ودراستها على وفق منهج البحث التاريخي، ونقول: إن جزءًا من هذا القول صحيح فعلًا؛ إذ لا بد للمؤرخ أن يبدأ عمله متبعًا قواعد هذا المنهح، بل لا طريق له سواه؛ فهذا المنهج قد استقر عبر تجارِب المئات من المؤرخين، ولكن سلوك الطريق لا يؤدي إلى غايته، إلا إذا توفر شيء يختص به المؤرخ، ويوجد فيه وحده الاستعداد له.
    10 - وأول هذه الاستعدادات أن يكون ذا خيالٍ واسع، وقد تصدم هذه الكلمة القارئ؛ لتصوره أن انضباط المؤرخ بالنص - أي: شهادات الشهود التي بين يديه - يتقاطع مع انطلاقة الخيال، ولكنه هنا خيال منضبط تمامًا، خيال مختلف عن الخيال السائب؛ لأنه لا ينطلق إلا بعد استنفاذ منهج البحث قواعده؛ من درس دقيق لكل تفاصيل الحدث، فينطلق ليرى الحياة قد دبت في الصورة الجامدة للماضي، مما توصل إليه عبر ذلك المنهج، وإن لم يرَ مؤرخٌ الحياة وهي تتحرك في شخوص الماضي، فلن يستطيع أن يرى الماضي وهو يتحرك، ومن ثم يبقى ما جمعه مجرد معلومات، حتى لو كانت صحيحة في ذواتها، لكنها تفتقر إلى اللحمة، أو العلاقات، التي تصل بينها وبين بعضها لتكون صورة مفعمة بالحياة، قابلة لوصفها وتسجيلها، الحياة إذًا هي الغاية التي يسعى المؤرخ لإدراكها في الصورة التي يتوصل إليها من خلال اتباعه المنهج، ولكن هذا المدرك يبقى بعيدًا؛ لأن هذه (الحياة) أمر لا يمكن أن يدرك إلا بقوة خيال نافذ ينطلق إلى نص لا حِس فيه، فتتمثل شخوصه أحياء يتحابون ويكرهون، يتعاونون ويتباغضون، وتحركهم سائر النوازع الإنسانية، فيفهم حين ذاك مبررات أفعالهم، وردود أفعالهم، بل وسلوكهم كله، فيؤدي به هذا إلى فهم حركة التاريخ، أو إن شئت: روح التاريخ لا قشرته، وإذا كان الخيال ضربًا من (الخلق)، كما قال بعض الصوفية المسلمين[1]، فإن المؤرخ بتخيله للماضي يقوم بإعادة (خلق) شخوصه، وظروفه، وعلاقاته؛ لأنه لو لم يفعل، لا يمكنه أن يرى، وأن يصف ما يراه، وكلما تمتع مؤرخ بخيال أكثر قوة وتركيزًا، أصبح أكثر قدرة على رؤية موضوع درسه، فيكتب عنه وكأنه حاضر أمامه، وبذا يستطيع أن ينقل صورته إلى قرائه، وإن لم يفعل تلاشت هذه الصورة، أو بدت باهتة في أحسن تقدير؛ لأنها ستكون مفتقرة إلى الحياة نفسها، وبتعبير آخر لا روح فيها، وإذا كانت الطائرات لا تقلع إلا بعد أن تستنفد آخر متر في (مدرجاتها) ثم تنطلق محلقة بعده، فكذلك هو المؤرخ، إنه يستنفد قواعد المنهج كله حتى آخر قاعدة فيه، فيجمع ويقارن وينقد ويحلل ويجتهد ويستنتج ويصوغ، ثم يجلس ليتأمل بهدوء ما فعله، فإذا ما حلق عاليًا، انقشعت أمام بصيرته حجب الزمن، فيرى ما درسه وهو ماثل أمامه، ولا يكون ذلك إلا بقدرة هائلة على البصر، وذلك ما يتمتع المؤرخ به دون الناس جميعًا.
    11 - فإذا ما تراءى له الماضي حيًّا متحركًا أمامه، أمكنه أن يتجاوز مجرد (الرؤية) إلى (الإحساس) بهذا المرئي، وهذا بدوره موهبة، أو استعداد آخر يختص به؛ إذ كيف يمكن لإنسان حاضر أن (يُحِسَّ) بماضٍ يبدو أنه قضى، ما لم تتوضح صورته أمامه حتى تبدوَ وكأنها تتنفس الحياة؛فالمؤرخ له قدرة على الإحساس بالأموات وكأنهم أحياء أمامه، لسبب بسيط، هو أنه تجاوز موتهم إلى حياتهم؛ فالفرق بين الحياة والموت عنده فارق ضئيل لا يكاد يحس، وهو حين يدرس شخصية قائد أو عالم أو مجرم أو إنسان عادي، مات منذ عشرات أو مئات السنين، فإن صورة هذا الإنسان تنهض (حية) أمامه وكأنه قد عاش معه، أو كأنه لم يفارق الحياة إلا قبل دقائق أو ساعات، وبمعنى آخر: تلاشت أمامه حجب الزمن ليرى ما وراءها من حياة دافقة، وحينئذ فقط يستطيع أن يفهم ذلك الإنسانَ على نحوٍ قريب من حقيقته، وما اتصل به من حوادث على نحو أقرب إلى ما جرى، فنحن لا نتصور أن يفهم مؤرخ إنسانًا أو حدثًا ما لم يكن قد حقق نوعًا من الرؤية له، تصل أحيانًا إلى حد (الإحساس) به، فإذا كتب عن الحياة في مدينة بغداد مثلًا في العصر العباسي، توضحت له، بعد درس دقيق وتأمل نافذ، دروبها وقصورها ومساجدها ومدارسها، وأحس بحركة الناس يسعون بين معالمها، وسمع أصوات الخلفاء في قصورهم ومحافلهم، والعلماء في مدارسهم ومجالسهم، بل والباعة في أسواقهم، وإذا كتب عن القاهرة في عهد المماليك، توضحت له هذه المدينة بخططها وحاراتها، وأبوابها وأسواقها، وتجلى أمام ناظريه المماليك وهم يمتطون شامخين صهوات جيادهم، وتلامعت أمامه زينات أزيائهم الفخمة، ووصل إلى سمعه أصوات سنابك الخيل وهي تضرب على أديم المدينة، وتراءت له في الوقت نفسه فئات من طبقات السكان الأخرى، تجارًا وعلماء وصناعًا وشحاذين، يتحدثون ويتجولون ويمارسون حياتهم العادية، فـ(يتجلى) أو (يتمثل) شيء مما أحس به من هذا كله في بحثه، وإلا سيكون ما يكتبه إثباتًا لنصوص جامدة لا حياة فيها، ومن ثم تبقى ناقصة؛ لأنها تفتقر للحياة.
    12 - وإذا كان للمؤرخ قدرة على الاقتراب من الصورة التاريخية إلى هذا الحد، فإن له قدرة عجيبة على أن يبقى بعيدًا عن تلك الصورة؛ لئلا يصل به القرب إلى حد الاندماج بها، فيكون طرفًا فيها، وهذا ما يمكن أن يتحقق لدى القارئ العادي؛ فالخيال قد يؤدي بهذا القارئ، الخالي من الاستعداد الفطري للمؤرخ، إلى أن يُسقِط عصرًا رآه بخياله وحِسه على العصر الحاضر الذي يعيش فيه، عادًّا نفسه أحد الموجودين في ذلك العصر، تاركًا لنفسه أن تتشرب قيمه ومفاهيمه، وربما شكله ومظهره، فتراه يتحمس لما انحاز إليه تحمسًا هائلًا، ويعادي من لم يجد نفسه منحازًا إليه، نظير ما صوره لنا الأديب الإسباني سِرفانتس في رائعته (دون كيخوته)، وهذا ما نسميه (إسقاطًا)، وهو ليس إلا سوءَ فهمٍ قبيحًا للماضي، حتى لو حقق شيئًا من الاقتراب منه، أما المؤرخ فهو وإن كان قادرًا على النفاذ إلى ذلك العصر والاقتراب منه والإحساس به، كما مر بنا من قبل، فإنه، وهذا استعداد آخر فيه، قادر على ضبط المسافة بينه وبين موضوع درسه؛ أي ألا يصبح جزءًا من الصورة التاريخية، إنه يرى الصورة بوضوح، ويحس بها مفعمة بالحياة، لكنه لا يستطيع أن يكون مجرد جزء منها، أو طرف فيها، لسبب واحد، هو أنه لو أصبح جزءًا منها، لما استطاع أن يرى إلا ما أمامه من جزء، ولانحاز إلى هذا الطرف أو ذاك، فيفقد قدرته على الإحاطة بالعلاقات التي تصل بين سائر أجزائها، ومن ثم رؤية الصورة رؤية شاملة محيطة بخطوطها وكتلها وألوانها، كما يقول التشكيليون، إنه سيرى لونًا دون سائر الألوان، وخطًّا بعيدًا عما يشتبك به من خطوط، وكتلة لا صلة لها بما يتداخل معها من كتل، وسيحرم - من ثم - من فهم الصورة كلها، أو جزء منها.
    13 - وإذا كانت المسألة تبدو معقدة، وربما مستحيلة، لدى الناس العاديين، فإنها ليست كذلك لدى المؤرخ؛ لأنه كالقاضي يستطيع أن يحقق اقترابًا متفهمًا من كل من يمثل أمام منصته من المتهمين والشهود، وفي الوقت ذاته في وسعه أن يحتفظ بنفسه بعيدًا عن الانحياز إلى أي طرف ماثل أمامه، على أن المؤرخ - فوق هذا - قادر على أن يغوص في الصورة التاريخية، فتعيش فيه ويعيش هو فيها في نوع من اتحاد صوفي، وفي الوقت نفسه، تجده يحلق فوقها بارتفاع يمكنه من الاحتفاظ برؤية واضحة ومستوعبة للصورة بكل أبعادها، إنه يختزل هنا المسافة بين القُرب والبُعد، ولا يشبهه في ذلك إلا الفنان التشكيلي، فهو حين يرسم لوحة تجده يعيش في تفاصيلها، يكاد يلتصق بها، وتعيش هي في وجدانه قريبة من أعماقه، أو معبرة عنها، وهو في الوقت نفسه تجده يقف بين حين وآخر بعيدًا عنها ليتأمل ملامحها وليكتشف العلاقة بين مكوناتها؛ من خط وكتلة ولون، وإذا كان ثمة فرق بين صنيع التشكيلي والمؤرخ، فهو أن المؤرخ لا يحتاج إلى أن يغادر موقعه بين حين وآخر، قربًا وبُعدًا، وإنما هو يعيش اللحظتين معًا؛ فهو قريب وهو بعيد في آنٍ واحد، وعلى سبيل المثال، فإنه لو كان يبحث في تاريخ الأحزاب في بلد ما، ووجد نفسه ميالًا إلى أحد هذه الأحزاب، فَقَدَ حيدته؛ لأنه لم يعد يرى إلا هذا الحزب الذي انتمى إليه في وجدانه، وللمؤرخ استعداد لأن يختزل المسافة بين الذات والموضوع؛ فهو يمكن أن يكون ذاتيًّا وموضوعيًّا في آن واحد، ذاتيًّا في قدرته على استبطان الموضوع من داخله، ليكون أقرب فهمًا له، وموضوعيًّا في قدرته على رؤية الذات من خارجها ليتبين علاقاتها مع الذوات الأخرى، وبحسب قدرة المؤرخين على اختزال المسافة بين الأمرين، تتباين مكنتهم في كتابة التاريخ جودة وضعفًا.
    14 - ولا يمكن للمؤرخ إلا أن يكون هادئًا بطبعه، بعيدًا عن الانفعال، وهذا الهدوء هو في حقيقته استعداد آخر في شخصيته لدرس التاريخ، وفي اتخاذ أحكامه، وفي فهمه للجزئيات التي تتجمع أمامه؛ فالتاريخ علم إنساني، ومجرد فهمه يعني أن على المؤرخ أن يكون قريبًا من تجربة الناس الذين يكتب عنهم، فهذا القرب شرط لاحترامه إياهم، والاحترام بدوره شرط لتفهم سلوكهم في الماضي، ومن ثم كتابة تاريخهم، وكما أن القضاة يتفهمون السلوك الذي أدى بالمذنب ليرتكب ما ارتكبه، فإن المؤرخ يتفهم - بيُسرٍ ملحوظ - سلوك شعب في لحظة من تاريخه بما أدى به إلى نصر محقق أو هزيمة منكرة، فلو كتب مؤرخ تاريخ الصين مثلًا، كان عليه أن يدرس البوذية والكونفوشيوسية؛ لأنه دون فهم هاتين الديانتين لا يمكن أن يحقق اقترابًا من سلوكيات الإنسان الصيني في الماضي، وهكذا الحال إذا درس أي شعب في العالم، على أن استعداده كمؤرخ يأبى عليه أن يكون طرفًا، ضد أو مع، هاتين الديانتين؛ فاقترابه هذا لا يعني أن يكون له موقف شخصي من أتباع هذه الديانة، وذلك الشعب، وإنما مجرد فهم أعمق لسلوك كل منهما؛ولذلك كان المؤرخ بطبيعته بعيدًا عن التحيز والتطرف، وهو أميل إلى الهدوء في اتخاذ الأحكام، والاتزان في تكوين القناعات، وقد ينسحب هذا الهدوء والاتزان على سلوكه في حياته، كما ذكرنا، ربما كان الإعلاميون والسياسيون أكثر الناس انفعالًا في أحكامهم؛ لأنهم يعيشون في الحاضر وحده، بأزماته وحروبه وصراعاته ومشاكله، إلا أن المؤرخين هم أهدَؤُهم، وأبعدهم عن التعصب؛ فهم لا يبحثون في الحدث وقت حدوثه، ومن ثم لا ينفعلون، ولا يتأثرون، وإنما يصبرون عليه حتى إذا ما برد تمامًا، ولم يعد له تأثير على حاضرهم، تناولوه بالبحث بأيدٍ هادئة، وتدبروه على وفق منهج علمي محدد، ثم مضَوْا في تأمله بهدوء أيضًا للنفاذ إلى حقيقة ما حدث، لا أكثر ولا أقل؛فالإنسان العصابي أو الانفعالي لا يمكن أن يكون مؤرخًا بأي حال.
    15 - وعلى الرغم من الهدوء الذي يتحلى به المؤرخ، فإنه ميالٌ إلى الشك فطرة فيما يقرأ ويسمع، فهو بخلاف كثيرين لا يميل إلى تصديق كل رواية، والأخذ بكل نص، والشك بوجه عام يسعده؛ لأنه سبيله إلى إحساسه بذاته أولًا، فثقته بذاته لا تتحقق إلا بنقص ثقته بما يرويه الآخرون، مما يشكل دافعًا أساسيًّا لنقدِه مصادرَه؛ فهو لا يتورع عن اتهام شاهد بالكذب، أو التزوير، أو الجهل، وهذا ما سماه المعنيُّون بمنهج: البحث بالنقد التاريخي، وصحيح أن مصطلح النقد ظهر في الدراسات التاريخية قبل قرنين، ووصل إلى بلادنا في مطلع القرن الماضي فقط، إلا أن النقد نفسه كان موجودًا منذ أن بدأت كتابة التاريخ، أخذ به المؤرخون عمليًّا في كتاباتهم في كل العصور، ودليلنا على ذلك أن اقتصارهم على تسجيل روايات بذاتها كان لثقتهم برواتها، ويعني هذا أنهم تركوا غيرها مما لم يثقوا به وبرواته، فلا يكون المؤرخ مؤرخًا ما لم يكن يملك من الجرأة ما يدفعه إلى طرح رواية لشكه بقائلها، أو أن ينتخب منها ما يراه صدقًا ويلقي ما عداه؛ لقلة ثقته بذلك، ونعتقد أن النقد يمثل أحد الاستعدادات الفطرية لدى المؤرخ، فما أن تروي رواية إلا فاجأك بسؤال يعلن فيه عن شكه، مثل: ومن قال لك ذلك؟ وكيف لك أن تعرف ذلك؟ فالشك مجبول في طبيعته، وهو يمارسه في عمله طالما أن عمله سينتهي إلى إصدار أحكام، وتوصل إلى قناعات.
    16 - ونظرًا لأن المؤرخ يميل إلى الهدوء والحيدة في أحكامه، فهو كالصوفي لا يفرحه ولا يحزنه ما جرى أمامه من حوادث الماضي، ولا تهمه النتائج إلا بوصفها مقدمات لنتائج أخرى تنبني عليها، إنما تكمن سعادته بتتبعه حركة التاريخ بحد ذاتها، وربما اعتراه وهو يتابع هذه الحركة - اقترابًا تارة، وبُعدًا وتحليقًا تارة أخرى، تسارعًا مرة وتباطؤًا مرة غيرها - ما يُشبِه حالة من الوجد الصوفي، حالة استغراق ممتع، يقطعه عما حوله من حاضر، وهو في ذلك يشبه المتابع لفيلم يشاهده، يستهويه ويبهره، بغض النظر عما في الفيلم من مشاهد تدعو إلى الفرح أو إلى الألم، إنها نشوة نادرة ربما لا يحسها إلا المؤرخ وحده، وهذه النشوة هي المكافأة السخية التي يحصل عليها لما يبذله من جهد مُضْنٍ في مجال عمله الذهني.
    17 - والمؤرخ لا يكتفي بأن (يرى) الماضي المختبئ وراء قشرة الحاضر فحسب، وإنما هو يسعى - سعيدًا - إلى إشراك قارئه بهذه الرؤية، بتقديم ما رآه على هيئة (صورة) يمكن أن يراها أي قارئ؛ ولهذا فهو هنا يمتلك استعدادًا خاصًّا لأن يكون (تشكيليًّا)، بغض النظر عن طبيعة ما يشكله، فهو قادر على أن يعيد تشكيل شخوص الماضي، بل الماضي نفسه، دون أن يتعارض هذا مع تقيده بمنهج البحث التاريخي، بل ينسجم معه إلى حد بعيد؛ لأننا ما دمنا كنا نتحدث عن صورة تاريخية، فإن هذه الصورة لا تتكون إلا بإعادة تشكيل الشخوص المكونة لها، والفارق الوحيد بين عمل الفنان التشكيلي وعمل المؤرخ: أن الأول يرتب ألوانه على لوحة خاصة بيده، ويشرع بمزج الألوان على النحو الذي يريد أن تظهر فيه الصورة الفنية التي يرسم، أما المؤرخ فإنه يمزج بين الحقائق التي دله عليها منهج البحث؛ أي: يكتشف العلاقات بينها، ليشكل منها الصورة التاريخية التي يكتب، فهذا المؤرخ لا يملك استعدادًا فطريًّا لأن يكتشف العلاقات المركبة بين مكونات الماضي فحسب، لكنه يمتلك استعدادًا آخرليعيد تشكيل هذه المكونات بجرأة الفنان وهو يضرب بفرشاته على قماش لوحته متوخيًا أن تأتي الصورة على وفق رؤيته للواقع الذي يراه، بأي صورة من صور الرؤية، فالجرأة في (التشكيل) تمثل واحدًا من أهم استعدادات المؤرخ الفطرية، ومن دونها لا يستطيع أن يشرك الآخرين، وهم قراؤه، في رؤية ما يراه هو، وما يحسه، ومن هنا فإنه يمتلك استعدادًا كامنًا لتصور أكثرَ من بداية للحدث، وأكثرَ من نهاية، وأكثرَ من مسار واحد، وبذا فإنه يمتلك قدرة على إعادةتشكيل الصورة التاريخية الواحدة غير مرة، وهو هنا يقرب من أن يكون كاتب سيناريوهات عدة لقصة واحدة، وهو يقدم في النهاية لقرائه السيناريو الأكثر إقناعًا بأنه القريب مما حدث فعلًا.
    18 - وبالطبع، ليس كل إنسان له استعدادات مما ذكرنا، هو بالضرورة مؤرخًا، ولكن بدونها لا يصبح الإنسان مؤرخًا، ولا يتفاضل المؤرخون إلا بها، وعلى الإنسان أولًا أن يكتشفها في نفسه قبل أن يفكر بأن يكون مختصًّا بهذا النوع من الدراسة.

    [1] يجب ألا يختلط هذا الاصطلاح بالمفهوم القرآني للخَلق الذي يختص به تعالى وحده.


    رابط الموضوع:
    http://www.alukah.net/culture/0/88390/#ixzz4GeE9h0tK
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    551

    افتراضي

    جزاك الله خيرا كثيرا ،،،، وبارك الله فيك ، وفي علمك ، ونفع بك، وزادك من فضله الكريم ،،،، حقيقة أخي الفاضل قد وفيت وكفيت ، ورفعت اللبس.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو البراء محمد علاوة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,844

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زايد بن زايد مشاهدة المشاركة
    جزاك الله خيرا كثيرا ،،،، وبارك الله فيك ، وفي علمك ، ونفع بك، وزادك من فضله الكريم ،،،، حقيقة أخي الفاضل قد وفيت وكفيت ، ورفعت اللبس.
    الحمد لله
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •