رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن فى حكم بلدان المشركين،
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن فى حكم بلدان المشركين،

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن فى حكم بلدان المشركين،

    قال الشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله ; الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب الأدلة على صحته وبينها تبيينا، وأعان من أراد هدايته على طاعته، وكفى بربك هاديا ومعينا.
    من إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: عبد الله آل أحمد، وفقنا الله وإياه لسلوك الطريق الأحمد.
    أما بعد: فقد كتبت تسألني عن الصواب عندنا، في حكم بلدان المشركين، وهل يجوز السفر إليها لمن أظهر دينه؟ وما إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة؟ وأرسلت إلي بما أملاه بعض المنتسبين في إباحة ذلك، وأنه صار عندكم مانع ومجيز، ونعوذ بالله من التفرق والاختلاف.
    وليس هذا بمستغرب في هذا الزمان، الذى ضعف فيه الإسلام والإيمان، وعظمت فيه الفتنة بعباد الأوثان، ومن على سبيلهم من كل منافق شيطان، حتى بلغت الشبهات من أكثر الناس كل مبلغ، فهم كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد: "والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق،

    ص -394- أو حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة بمن فتن به" إلى آخر كلامه هذا.
    والمسألة المذكورة ظاهرة - بحمد الله -، لا تخفى على من عرف أصل دين الإسلام ومبانيه، وما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله، أو تقتضيه ; ولأئمة هذه الدعوة في ذلك ما يشفي العليل، ويروي الغليل، مستدلين له من السمع، بما لو جمع لقارب حد التواتر المعنوي ; وهو ما حصل العلم عنده، مع ما علمتم من حالهم لما ابتلى الله بتلك العساكر المصرية.
    فمن حاد عن طريقهم وتخلف عن رفيقهم، فلسوء حظه في الدين، ولجناية منه على نفسه; والعجب ممن التمس الترجيح منا، وكلام هؤلاء الأئمة موجود بين يديه؛ ونحن لم نصل إلى ساحل ما حققوه وقرروه، ولم نبلغ شأوهم في ميدان ما وضحوه وحرروه، بل نحن معهم كما قيل:
    أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
    ولمثلي خاصة أن يتوقى الأجوبة عن المسائل، اكتفاء بمشائخي الأفاضل، وإخواني الأماثل; لكني لحسن ظني، وبعد السائل، أسعفك بمطلوبك، لأن للسائل حقا وإن جاء على فرس ;وإني أتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجمعنا على كلمة الإسلام، ويلم بها شعثنا، ويجودها

    ص -395- في قلوبنا حتى نلاقي الحمام.
    هذا واعلم: أنه بعد التسليم لحكم السنة والقرآن، ووجوب الرد إليهما على كل فرد من أفراد نوع هذا الإنسان، فقد أجمع علماء السنة أنه إذا تواطأ الكتاب والسنة وصريح العقل على إثبات حكم، فلا يمكن أن يعارض ثبوته بدليل صحيح صريح البتة.
    بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا قطعا، أو كان المعارض به أخطأ في فهمه، أو عقليا فكذلك.
    إذا تقرر هذا الأصل، فالسؤال عن حكم الدار، ليترتب عليه ما زعم المجيز فاسد الاعتبار، من وجهين.
    الأول: أن أهل العلم رتبوا حكم الهجرة، على وجود الشرك، والبدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها.
    ومن المعلوم بالضرورة: أن الشرك بالأموات والغائبين، والتعلق على الأنبياء والصالحين، بل: على المجاذيب والمجانين، قد ظهر في ديارهم شعاره، وتطاير فيها شراره، وثار فيها قتامه وغباره، وعدم فيها للتوحيد أعوانه وأنصاره، مع ما هم عليه من البدع في العبادات والاعتقادات، وأصناف المعاصي التي تشيب اللمم والنواصي.
    فالسؤال عن الدار: هل هي دار إسلام أم لا؟ بمعنى أن المقيم فيها، كالمقيم في بلد سالمة من ذلك، خطأ ظاهر ; وقد تقرر في عبارات أئمتنا الحنابلة وغيرهم: أنهم يوجبون الهجرة

    ص -396- بمشاهدة ما هو دون ذلك، حتى من بلد تظهر فيها عقائد أهل البدع، كالمعتزلة والخوارج والروافض.
    وقد حكى ابن العربي المالكي، عن ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسب فيها السلف ; وقال في "الإقناع وشرحه" - لما ذكرها -: فيخرج منها وجوبا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، فعلق الحكم بالوصف الذي هو وجود البدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها، لا بالدار.
    وإذا كان من المعلوم: أن مصر دار إسلام، فتحها عمرو بن العاص، زمن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، فأين إجماع الناس على أنها دار حرب، أيام بني عبيد القداح؟! وكذلك جزيرة العرب أيام الردة، مع أن الدار دار إسلام، لا دار كافر أصلي بالإجماع.
    لكن لما قام بهم الوصف الذي يبيح الدم والمال، لم يكن لتسميتها دار إسلام حكم ; وصار الحكم لهذا الوصف الطارئ، تعريف على محل طاهر تلوث به المحل؛ وللشيء حكم نظيره، فكيف بما هو أقبح وأشد؟! فبطل ما طرده المجيز من التعلق باسم الدار.

    أما تعريف الدار من حيثية الأحكام المرتبة عليها، فإن كان المستولى عليها هو الكافر الأصلي، فيتعلق به أحكام يخالف فيها المرتد، كحكم اللقيط والأموال وغيرهما؛ وعلى هذا تفاريع

    ص -397- ذكرها الفقهاء، وجعل بعضهم الدار ضابطا لأشياء نوزع في بعضها.
    قال في التنقيح: فإن وجد اللقيط في بلد كفار حرب، لا مسلم فيه، أو فيه مسلم، كتاجر وأسير، فكافر رقيق، أي: اللقيط; فإن كثر المسلمون فمسلم؛ ومثله ما صرح به الحنابلة وغيرهم: أن البلدة التي تجري عليها أحكام الكفر، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر.
    وما حكاه ابن مفلح، عن الشيخ تقي الدين: أن البلدة التي تظهر فيها أحكام الكفر وأحكام الإسلام، لا تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه؛ وهو الذي عنى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.
    فإنه لما سأله الوالد - قدس الله روحه - عن حكم ما باعوه، أو وهبوه، مما استولوا عليه في نجد؟ أجاب: بأنهم مرتدون، دارهم دار إسلام، والمرتد لا يملك عند جمهور العلماء ; ونص كلامه: فهؤلاء العدو الذين استولوا على نجد، من حكمنا بكفره منهم، فحكمه حكم المرتدين، لا الأصليين، لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها ; هذا حاصل كلامه، وهو عندنا بخطه.
    ومعناه: أن الإسلام غالب عليها، بمعنى: أنا نغلب جانب الإسلام فيما استولوا عليه، فلا يملكون والحالة هذه لأنهم مرتدون، والمرتد لا يملك مال المسلم؛ فأخذ الناقل

    ص -398- بمطلق كلامه، ولم يفهم أصل المأخذ، فأين حكم الهجرة وفراق المشركين، المنوط بسماع الشرك والبدع، والمعاصي، ممن لا يستطيع تغييرها، من هذا، لو كانوا يعلمون؟!
    يوضحه: أن متأخري الشافعية، صرحوا به; قال ابن حجر، في شرح المنهاج: والظاهر أن بلد الإسلام التي استولوا عليها، لها حكم بلد الكفر، انتهى؛ فسماها دار إسلام نظرا إلى الأصل، وأعطى الطارئ حكمه.
    الوجه الثاني: أن المجيز علق حكم إباحة الإقامة فيما نقلت عنه، بما إذا لم يمنعوك عن واجبات دينك، مصرحا بأنها هي النطق بالشهادتين، والصلاة، والعبادات البدنية، التي يوافقك عليها المشرك في هذا الزمان; فإذا كان كذلك فالمدعى أوسع من الدليل.
    إذ عدم المنع من العبادات البدنية، والدعاء بداعي الفلاح موجود في أكثر أقطار الأرض، فالسؤال مطرح من أصله؛ ولعل السائل جعله بئرا في الطريق، وعلى نفسها تجني براقش، وعلينا أن نقول الحق، لا تأخذنا في الله لومة لائم، وهذا جوابنا على المسألة الأولى.
    وأما المسألة الثانية، وهي: ما إظهار الدين؟
    فالجواب - وبالله التوفيق -: أن إظهار الدين على الوجه المطلوب شرعا، تباح به الإقامة بقيد أمن الفتنة، ولا تعارض نصوص الهجرة المنوطة بمجرد المساكنة، إذ هي الأصل;

    ص -399- وإبطال دليل الإباحة، ودليل التحريم، ممتنع قطعا ; فيتعين الجمع بما تقرر في الأصول، من أن العام يبنى على الخاص ولا يعارضه.
    وإذا كان كذلك، فلا بد من ذكر طرف منها قبل الكلام عليها. فأقول: قد دل الكتاب والسنة والإجماع، مع صريح العقل، وأصل الوضع على وجوب الهجرة من دار الشرك والمعاصي، وتحريم الإقامة فيها.
    أما الكتاب، فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيتين [سورة النساء آية: 97]، وهذه الآية نص في وجوب الهجرة، بإجماع المفسرين ; وفيها ترتب الوعيد على مجرد المقام مع المشرك ; والقرآن إذا أناط الحكم بعلة أو وصف، فصرفه عنه من التأويل الذي رده السلف ; وقد ذم الله من أعرض عنه، فكيف بمن عارضه؟!
    وقد قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [سورة العنكبوت آية: 56]، قال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى للمؤمنين من عباده: يا عبادي الذين وحدوني، وآمنوا برسولي، إن أرضي واسعة، لم تضق عليكم، فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه؛ ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله، فلم تقدروا على تغييره، فاهربوا منه.
    وساق بسنده عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {إِنَّ

    ص -400- أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [سورة العنكبوت آية: 56]، قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها ; وساق من طريق وكيع عن سعيد بن جبير مثله أيضا ; وعن عطاء: "إذا مررتم بالمعاصي، فاهربوا"، وعنه: مجانبة أهل المعاصي; وعن مجاهد في قوله: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [سورة العنكبوت آية: 56]، قال: فهاجروا وجاهدوا، وذكر عن آخرين إن ما خرج: من أرضي من الرزق واسع لكم، ورجح الأول.
    وقال محيي السنة البغوي رحمه الله، في تفسيره: وهذه الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة؛ وساق كلام سعيد بن جبير وغيره، ثم قال: "ويجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها، الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة،". انتهى.
    فسمى تغيير المعاصي عبادة، يجب على المسلم الهجرة إذا لم تتهيأ له، وأطلق العبادة عليها من إطلاق الشيء وإرادة معظمه؛ والمعصية إذا أطلقت وأفردت لا في مقابلة ما هو أعلى، فهي عامة كما قرره شيخ الإسلام في "كتاب الإيمان"، وقرره غيره.
    وقال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية [سورة النساء آية: 100]، ومعنى الآية: أن المهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مكانا يسكن فيه، على رغم أنف قومه الذين هاجرهم، ويجد سعة في البلاد وقيل: في الرزق، وقيل:

    ص -401- في إظهار الدين، أو في تبديل الخوف بالأمن، أو من الضلال إلى الهدى; فهذا تفسير التابعين ومن بعدهم، وهو الذي فهم علماء التفسير.
    فمن غلب الحقائق وجعلها نصا في عدم وجوب الهجرة، على من لم يمنع من عبادة ربه، التي هي فى زعمه: الصلاة، وما يتعلق بالبدن، وحمل إظهار الدين على ذلك، وفهم من قوله تعالى: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [سورة العنكبوت آية: 56]، أي: في كل مكان من دار إسلام أو كفر، فقد عكس القضية وأخطا في فهمه.
    والحق: أن الحكم فيها منوط بمجرد المقام مع المشركين ومشاهدة المحرمات، قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسيره على قوله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [سورة الكهف آية: 16]: وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم، في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم؛ فحينئذ هربوا إلى الكهف.
    وقال في تفسير آية النساء، لما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [سورة النساء آية: 97]، أي: بترك الهجرة {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [سورة النساء آية: 97]، أي: لم مكثتم ها هنا، وتركتم الهجرة؟ {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } الآية [سورة النساء آية: 97]. انتهى.
    وقال الحنفي، في تفسيره: وأمر الهجرة حتم، ولا توسعة

    ص -402- في تركها، حتى إن من تبين اضطراراه - يعني من هو مستضعف - حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره؟ انتهى ملخصا.
    قلت: واستثناء المستضعفين في هذه الآية، يبطل دعوى من قصر إظهار الدين على مجرد العبادة، لأنه إذا حمل على ذلك، فقد تساوى المستثنى والمستنى منه، إذ هو مناط الرخصة في زعم المجيز؛ ولا يتصور في المستضعف أنه يترك عبادة ربه، فما فائدة تعلق الوعيد بالقادر على الهجرة، دون من لم يقدر؟ وقد علم أن الاستثناء معيار العموم.
    فإن قلت: الفائدة فيه أمن الفتنة، وتكثير سواد المسلمين، والجهاد معهم، قلنا: هذا من فوائد الهجرة، لكن قصرها عليه من القصور، لأن مثل هذا، وإن كان مأمورا به، فلا يحتمل هذا الوعيد الشديد.
    وقد تكون أسباب الحكم الواحد متعددة، وبعضها أعظم من بعض،
    كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} الآية [سورة المائدة آية: 91]، فهذه أسباب المنع، وكل سبب منها مستقل بالحكم.
    وقد تحتم المنع من هذا المحرم إلى قيام الساعة، وإن لم توجد الأسباب؛ فلو ادعى أحد أن الخمر لا يسكره، ولا يصده عن طاعة الله، ولا يوقع عداوة، فإنه لا يسلم له ذلك; فعلم

    ص -403- أنه لا مفهوم للفظ "الفتنة" لتحتم المنع المنوط بسماع الشرك، في الآيات المحكمات، وفي حديث من لا ينطق عن الهوى.
    فمن حمل الآيات والأحاديث، على من فتنه المشركون خاصة، فقد قصر; بل أمن الفتنة قيد إباحة الإقامة لمن أظهر دينه، وصرح بمخالفة ما هم عليه؛ والتنصيص على بعض أفراد العام، معروف في تفسير السلف، لا يقتصر عليه إلا جاهل.
    ولما ذكر الحافظ بن حجر، خصوص السبب، قال: وكذلك المفارقة بسبب فيه صالحه، كالفرار من دار الكفر، وساق كلاما حسنا، ورد على الطيبي قوله: فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، حماية لجناب النصوص.
    وقال الحافظ بن رجب، في شرح الأربعين: فمن هاجر إلى دار الإسلام، حماية لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهارا لدينه، حيث يعجز عنه في دار الشرك، فهو المهاجر حقا، انتهى كلامه.
    والدين كلمة جامعة لخصال الخير، أعلاها وأغلاها التوحيد ولوازمه; فمن قصره على العبادات التي يوافق فيها المشرك، بل يواليك عليها، فقد أخطأ.
    وأما الأحاديث فكثيرة جدا، منها: ما رواه أبو داود والحاكم، عن سمرة مرفوعا: "من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله"1، ولفظ الحاكم "وساكنهم أو جامعهم فليس منا" وقال: صحيح على شرط البخاري.
    ص -404- ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، والترمذي عن جرير بن عبد الله مرفوعا: "أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تراءى ناراهما" 1 رواه ابن ماجه أيضا، ورجال إسناده ثقات، وهو إن صح مرسلا، فهو حجة من وجوه متعدده، يعرفها علماء أصول الحديث; منها: أن المرسل إذا اعتضد بشاهد واحد، فهو حجة.
    وقد اعتضد هذا الحديث بأكثر من عشرين شاهدا، وتشهد له الآيات المحكمات، مع الكليات من الشرع، وأصول يسلمها أهل العلم; ومنها: حديث جرير الذي رواه النسائي وغيره: (أنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويفارق المشركين); وفي لفظ: (وعلى فراق المشركين); ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى، لتأخر إسلام جرير.
    ومنها: ما روى الطبراني والبيهقي، عن جرير موفوعا: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة"، قال المناوي: حديث حسن، يقصر عن رتبة الصحيح، وصححه بعضهم.
    ومنها: ما رواه النسائي وغيره، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين" 2.
    ومنها: ما رواه النسائي وغيره، عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" 3، وفي معناه حديث معاوية: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة" 4 الحديث،

    ص -405- وما رواه سعيد بن منصور وغيره: "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد" 1.
    ففي هذه الأحاديث مع تباين مخارجها، واختلاف طرقها، هيئة اجتماعية يقطع معها بهذا الحكم العظيم، الذي هو من أعظم مصالح الشريعة.
    قال أبو عبد الله الحليمي في المجالس، وهو من أجل علماء الشافعية، وأئمة الحديث في وقته، وهو في طبقة الحاكم، لما ذكر بقاء الهجرة، قال: إنها انتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن السيئات إلى الحسنات، وهذه الأشياء باقية ما بقى التكليف.
    وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد أفصح ابن عمر بالمراد، فيما ذكره الإسماعيلي، بلفظ: (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع ما قوتل الكفار)، أي: ما دام في الدنيا دار كفر، انتهى.
    وكلام أئمة المذهب في ذلك في غاية الوضوح والقوة، قال في الشرح الكبير: وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة، لحديث معاوية، وما رواه سعيد بن منصور وغيره، مع إطلاق الآيات، والأخبار الدالة عليها، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان ومكان.
    وأما الإجماع على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، فحكاه الحافظ بن كثير، ولم ينازع في ذلك أحد فيما نعلم، وقد

    ص -406- تقدم، وقال ابن هبيرة في الإفصاح: واتفقوا، يعني: الأربعة على وجوب الهجرة من ديار الكفار إن قدر على ذلك.
    وأما ما يدل على ذلك لغة ووضعا، فأصل الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال من غيره إليه، ويؤخذ من لفظ العداوة، لأنها وضعت للمجانبة والمباينة; لأن أصل العداوة: أن تكون في عدوة، والعدو في أخرى; وأصل البراءة: الفراق والمباينة أيضا، مأخوذ من براه إذا قطعه; قال الحافظ في الفتح: والعداوة تجر إلى البغضاء، انتهى.
    فعلم: أن العداوة سبب للبغضاء ووسيلة; وبغض الكافر مشروط في الإيمان، محبوب إلى الرحمن، فكانت مطلوبة، لأن وسيلة المطلوب المحبوب مطلوبة محبوبة، فاتفق الشرع والوضع على هذه الشعبة، التي هي من أعظم شعب الإيمان.
    وأما وجوب الهجرة، وفراق المشركين عقلا، فلأن الحب أصل كل عمل من حق وباطل؛ ومن علامة صدق المحبة: موافقة المحبوب فيما أحب وكره، ولا تتحقق المحبة إلا بذلك؛ ومحال أن توجد المحبة مع ملاءمة أعداء المحبوب، هذا مما لا تقتضيه المحبة؛ فكيف إذا كان قد حذرك من عدوه الذي قد طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه، واشترطه عليك في عهده إليك، هذا والله مما لا يسمح به المحب، ولا يتصوره العاقل.
    متى صدقت محبة من يراني من الأعداء في أمر فظيع
    فتسمح أذنه بسماع شتمي وتسمح عينه لي بالدموع

    ص -407- إذا تقرر ذلك، فالكلام على إظهار الدين الذي هو مقصود السؤال، والذي قد وقع فيه الإشكال في مقامين:
    الأول: وهو أعلاها، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وقد تقدم بعض التنبيه عليه، فيما نقله ابن جرير وغيره من السلف، ويأتيك له مزيد بسط، في كلام الحنابلة والشافعية وغيرهم، وإليه يومئ كلام الماوردي رحمه الله.
    الثاني: الامتياز عن عبادة الأوثان والأصنام، وتصريح المسلم بما هو عليه من دين الإسلام، والبعد عن الشرك ووسائله، وهو دون الأول. فاصغ سمعك لبرهان هذين المقامين، لعل الله أن ينفعك به.
    واعلم: أن الدين كلمة جامعة لخصال الخير، وأعلاها التوحيد، كما تقدم؛ وهو على القلب بالاعتقاد، والصدق والمحبة، وعلى اللسان بتقريره وتحقيقه والدعوة إليه واللهجة به، وعلى الجوارح بالعمل بمقتضاه، والسعي في وسائله والبعد عن مضاده.
    قال الوالد رحمه الله، في رسالته لأهل الأحساء: فإن الإنسان لا يصلح له إسلام ولا إيمان، إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه، وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا وقولا وطلبا ورغبة; انتهى بحروفه.
    وقد أوضح ذلك القرآن أي إيضاح، وضمن لمن قام به ودعا إليه، وصبر عليه، السعادة والفلاح; قال تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ

    ص -408- وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يونس آية: 105]، وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ} [سورة الشورى آية: 13].
    فقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [سورة الشورى آية: 13] أمر عام، وقد اقتبسه العماد ابن كثير فيما تقدم من قوله: وليس متمكنا من إقامة الدين.
    وقال تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر آية: 1-2-3]؛ فأقسم سبحانه بالعصر - وهو الزمن أو الوقت - على خسران جميع هذا النوع الإنساني، إلا من استثنى، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، بأن دعوا إليه وصبروا على الأذى فيه؛ وهذا أصل الأصول، وهو طريق الرسول; والصلاة وسائر العبادات فروعه.
    وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة الممتحنة آية: 4].
    ففي هذه الآية أعظم دلالة: على أعلى مقامات إظهار الدين، لأن الله بين هذا الحكم العميم، وأكد هذا المشهد العظيم،

    ص -409- الذي هو مشهد الأسوة بالأنبياء والرسل، معبرا بصيغة الماضي، وبقد التحقيقية الدالة على لزوبه، ولزومه على البرية، ووصفه بالحسن، وضد الحسن القبيح; وأزال دعوى الخصومة بقوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} [سورة الممتحنة آية: 4]، ترغيبا في معية أوليائه.
    ثم صرح: بأنها هي القول باللسان، مع العداوة، والبغضاء; خلافا لمن قال: أبغضهم بقلبي، وأتبرأ من العابد والمعبود جميعا; وقدّم البراءة من العابد، تنويهاً بشناعة فعله، ثم أعادها بلفظ آخر أعم من البراءة، وهو قوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ} [سورة الممتحنة آية: 4]، أي: جحدناكم، وأنكرنا ما أنتم عليه; وكشف الشبهة بقوله: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} [سورة الممتحنة آية: 4]. ومعنى: {وَبَدَا} [سورة الممتحنة آية: 4]، ظهر؛ وقرن بين العداوة والبغضاء إشارة إلى المباعدة والمفارقة، بالباطن والظاهر معا، وأكد العداوة، وأيدها بقوله: {أَبَداً} [سورة الممتحنة آية: 4]، معبرا بالظرف الزماني المستقبل المستمر، إلى غاية وهي الإيمان، وأتى بحتى الغائية، الدالة على مغايرة ما قبلها لما بعدها، المعنى: إن لم تؤمنوا فالعداوة باقية.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    تابع

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    تابع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    سورة الكافرون آية: 1-2]، إلى أخر السورة، أمر الله تعالى نبيه أن يخاطبهم بأنهم كافرون، وأن يخبرهم أنه لا يعبد ما يعبدون، أي: أنه بريء من دينهم; ويخبرهم أنهم لا يعبدون ما يعبد، أي: أنهم بريئون من التوحيد.
    وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي

    ص -410- يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يونس آية: 104-105].
    والآيات في بيان الدعوة إلى الله، ومباينة المشركين، والبعد عنهم، وجهادهم بالحجة واللسان، والسيف والسنان، كثيرة جدا؛ وهذا المقام العظيم، للنفس فيه مغالطات، وللشيطان فيه ركضات، قد غلط فيه أكثر الناس، وأشكل أمره حتى على العباس.
    فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالعلم تحت تدبر القرآن
    قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، على قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    ?وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الزخرف آية: 26-27-28] أي: هذه الموالاة لله، والمعادة التي هي معنى شهادة أن لا إله إلا الله، باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم إلى يوم القيامة، انتهى ملخصا.
    وهو من تفسير الشيء بلازمه؛ والمعاداة والموالاة، من باب المفاعلة الدالة على المشاركة، كالمبايعة والمقاتلة والمعاهدة; المعنى: أن كلا منهما أظهر العداوة للآخر، واشتركا فيها، لأن الاشتراك هو الأصل، كما هو معلوم عن علماء الصرف، وليس مع المنازع ما يدفع هذه الآيات المحكمات، والقواطع البينات، إلا دعوى الخصوصية، وأنى له ذلك؟!
    وقد قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ

    ص -411- بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [سورة آل عمران آية: 110]، وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [سورة الأعراف آية: 165].
    وفي الحديث الصحيح: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، إلى يوم القيامة" 1.
    وقد هاجر جعفر وأصحابه إلى الحبشة؛ وتسمى هجرة الانتقال عن دار الخوف، وصبروا على الغربة وفراق الوطن، ومجاورة غير الشكل، وما ذاك إلا لأجل هذه البراءة، والتصريح بما هم عليه من الدين.
    "ولما قالت قريش لابن الدغنة، بعد إرجاعه أبا بكر إلى مكة، وإجارته إياه: مره أن يعبد ربه بداره ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، أبى إلا الاستعلان بالقرآن، ونبذ إلى ابن الدغنة ذمته، ورضي بجوار الله. ولم يزل على ذلك إلى أن هاجر" والقصة مشهورة مبسوطة في دواوين الإسلام.
    فمن كان بهذه المثابة، داعيا إلى الله، ناهيا عن المنكر، أو مصرحا بما هو عليه، بحيث أن يرجى بإقامته هداية غيره، فمقامه - والحالة هذه – جائز؛ وقد نوزع الماوردي، في إطلاق الأفضلية في حقه، فإنه قال الشوكاني لما ذكره: ولا يخفى ما في هذا الرأي، من المصادمة لأحاديث الباب ويأتيك باقي


    ص -412- الكلام عليه، في الجواب عن المعارضة، إن شاء الله تعالى.
    وقال ابن القيم، رحمه الله في "البدائع" على قوله: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران آية: 28] إلى قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [سورة آل عمران آية: 28]: ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار، اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعداوة في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقية، وليست التقية موالاة لهم، فهو إخراج من متوهم غير مراد، انتهى كلامه.
    فانظر إلى قوله: والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعداوة في كل حال، وأن الاستثناء منقطع، وعليه فالتقية ليست من الركون، ولا حجة فيها لمفتون، بل هي إباحة عارضة لا تكون إلا مع خوف القتل، كما قاله أكثر المفسرين، وعن سعيد بن جبير: (لا تكون التقية في سلم إنما هي في الحرب).
    وقد بنى العلامة ابن قدامة، وابن أبي عمر وغيرهما، كالحافظ وغيره حكم الإباحة على مقدمتين: إظهار الدين، وأداء الواجبات; والحكم إذا علق بوصفين لم يتم بدونهما، خصوصا إذا أعيدت الأداة، وتكررت الصيغة; وقد أعيدت الأداة وتكررت، وأعيدت الصيغة هنا، حيث قالوا: ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجبات دينه، وهذا يدل على أن لكل جملة معنى غير الذي للأخرى.
    ولو كان إظهار الدين هو أداء الواجبات البدنية فقط - كما

    ص -413- فهم المجيز - لما طابق مقتضى الحال، وحاشا الأئمة من ذلك; فالفهم فاسد والمحصل كاسد; نعم: لو سلمنا أن إظهار الدين هو أداء الواجب، فأوجب الواجبات: التوحيد وما تضمنه، وهو أوجب من الصلاة وغيرها؛ وهو الذي ما زالت الخصومة فيه، وهذا اللفظ يصدق عليه.

    فإظهاره هو الإعلان بمباينة المعتقد، والبعد عن ضده، دع الدعوة إليه فإنه أمر وراء ذلك؛ فلو استقل الحكم بما زعمه المجيز - هداه الله - من أن العلة عدم المنع من العبادة، لبقيت نصوص الشارع عديمة الفائدة، لأنه لا يمنع أحد من فعل العبادات الخاصة في أكثر البلاد، فبطل ما زعمه وسقط ما فهمه.
    قال شيخنا العلامة عبد اللطيف، رحمه الله، في بعض رسائله: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في المواضع التي نقلها من السيرة: فإنه لا يستقيم للإنسان إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء.
    قال: فانظر إلى تصريح الشيخ، بأن الإسلام لا يستقيم إلا بالتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، وأين التصريح من هؤلاء المسافرين؟! والأدلة من الكتاب والسنة ظاهرة متواترة على ما ذكره الشيخ، وهو موافق لكلام المتأخرين في إباحة السفر لمن أظهر دينه، ولكن الشأن كل الشأن في إظهار الدين؛ وهل اشتدت العداوة بينه صلى الله عليه وسلم وبين قريش، إلا لما كافحهم بسبب دينهم، وتسفيه أحلامهم، وعيب آلهتهم
    ص -414- وأي رجل تراه يعمل المطي جادا في السفر إليهم واللحاق بهم، حصل منه أو نقل عنه ما هو دون هذا الواجب؟! والمعروف المشتهر عنهم ترك ذلك كله بالكلية، والإعراض عنه، واستعمال التقية والمداهنة؛ وشواهد هذا كثيرة، إلى أن قال: حتى ذكر جمع بتحريم القدوم إلى بلد تظهر فيها عقائد المبتدعة، كالخوارج والمعتزلة والرافضة، إلا لمن عرف دينه في هذه المسائل، وعرف أدلته وأظهره عند الخصم، انتهى كلامه.
    فانظر إلى قوله: وأنه لا يستقيم الإسلام إلا بالتصريح بالعداوة، يعني: أن الإسلام ناقص وصاحبه معرض للوعيد; وانظر إلى قوله: والأدلة عليه من الكتاب والسنة متواترة، أي: على وجوب التصريح، وإلا فالعداوة لا يخلو منها من يؤمن بالله ورسوله، ففرق بين العداوة وإظهار العداوة؛ ومن هنا غلط من غلظ حجاب طبعه ولم يعرف المفهوم من التخاطب ووضعه.
    وكلام الشيخ هذا، هو صريح كلام السلف قديما وحديثا، كما قدمنا لك عن سعيد بن جبير، وعطاء ومجاهد، ومن بعدهم؛ وقد مر بك صريحا في كلام ابن القيم، رحمه الله وغيره، وفي قصة خالد مع مجاعة، حين أسره دلالة ظاهرة، فإنه قال له: قد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذابا خرج فينا، فإن الله يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة الأنعام آية: 164].
    وقول خالد له: "تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان

    ص -415- سكوتك إقرارا له، فهلا أبديت عذرا وتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم فلان وفلان; فإن قلت: أخاف قومي فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولا، فخصمه خالد، فطلب العفو فعفا عن دمه"، والقصة مشهورة.
    قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في شعب الإيمان، ما نصه: فالظاهر منها، أي: من الهجرة هو الفرار بالجسد من الفتن، لقوله صلى الله عليه وسلم "أنا بريء من أهل ملتين تتراءى ناراهما"، فتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منهم، لتخلف شعبة الهجرة عنهم، إذ هي من أعظم شعب الإيمان، ولقوله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الفتن: "لا يسلم لذي دين دينه، إلا من فر من شاهق إلى شاهق"، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيتين [سورة النساء آية: 97].
    وفي البخاري: والفرار من الفتن من الإيمان، فما كان من الإيمان فهو من شعبه بلا شك؛ فالفرار ظاهر من بين ظهراني المشركين، واجب على كل مسلم، وكذلك كل موضع يخاف فيه من الفتنة في الدين من ظهور بدعة، أو ما يجر إلى كفره في أي بلد كان من بلاد المسلمين، فالهجرة منها واجبة إلى أرض الله الواسعة.
    وكلام أبي عبد الله الحليمي في هذا المقام واضح، فإنه قال: وكل بلد ظهر فيها الفساد، وكانت أيدي المفسدين أعلى من أيدي أهل الصلاح، وغلب الجهل، وسمعت الأهواء فيهم،

    ص -416- وضعف أهل الحق عن مقاومتهم، واضطروا إلى كتمان الحق، خوفا على أنفسهم من الإعلان، فهو كمكة قبل الفتح في وجوب الهجرة منها، لعدم القدرة عليها؛ ومن لم يهاجر فهو من السَّمحَاء بدينه.
    وقال: ومن الشح بالدين أن يهاجر المسلم من موضع لا يمكنه أن يوفي الدين فيه حقوقه إلى موضع يمكنه فيه ذلك؛ فإن أقام بدار الجهالة ذليلا مستضعفا، مع إمكان انتقاله عنها، فقد ترك فرضا في قول كثير من العلماء، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيتين [سورة النساء آية: 97]؛ لا يقال ليس في الآية تصريح بذكر المؤمنين، فيجوز أن يكون المراد بها الكافر، لأنا نقول: ذكر العفو عمن استثنى يرد ذلك، فإن الله لا يعفو عن الكافرين، وإن عزم على الإيمان ما لم يؤمن، انتهى.
    وهو صريح في بيان المقصود; بهذا كله تعرف أن من عبر من أهل العلم بأمن الفتنة، أو القدرة على أداء الواجبات، أو إطلاق لفظ العبادة، فكلامه مجمل، يرد إلى صريح الظاهر الذي قد قال به السلف الصالح من سلف هذه الأمة وأئمتها، ممن قدمنا ذكرهم وغيرهم.
    وقد ذكر صاحب المعتمد - وهو من أجلاء الشافعية - أن الهجرة كما تجب من دار الشرك، تجب من بلد إسلام أظهر بها حقا، أي: واجبا ولم يقبل منه، ولا قدرة له على إظهاره; وهو موافق لقول البغوي الذي قدمنا: يجب على من كان ببلد

    ص -417- يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها، الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة، نقله عنهما ابن حجر في شرح المنهاج.
    وقال به جمع من الشراح، منهم: الأذرعي والزركشي، وأقروه؛ ومن متأخريهم البلقيني، ذكر ابن حجر أنه صرح به، وبأن شرط ذلك: أن يقدر على الانتقال إلى بلد سالمة من ذلك; فإظهار الدين هو ما صرح به هؤلاء الأئمة، وكلامهم لا يختلف فيه; والقول بأن الشارع رتب الوعيد على مجرد المساكنة والمجامعة، هو الذي يعطيه ظاهر الدليل، وقد قال به طائفة من أهل العلم; والقول بأن إظهار الدين يبيح الإقامة، رخصة; ومن الجناية على الشرع: أن تفسر هذه الرخصة بما يوافق الرأي والهوى، ثم يدفع به في نحر النصوص الواضحة البينة; وأما متأخرو الحنابلة فكلامهم في الباب أشهر من نار على علم.
    قال في الإقناع وشرحه: وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب، وهو ما يغلب عليها حكم الكفر، زاد جماعة وجزم في المنتهى أو بلد بغاة، أو بدع مضلة، كالرافضة والخوارج، فيخرج منها إلى دار أهل السنة وجوبا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها.
    فعلم: أن إظهار الدين في عبارة الموفق ومن قبله ومن بعده من الأصحاب، هو: إظهار التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، في بلد يخفى فيه، بل يجعل ضده هو الدين؛ ومن تكلم به هو الوهابي الخارجي، صاحب المذهب الخامس، الذي يكفر الأمة.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    ص -418- وقال الشيخ العلامة، حمد بن عتيق: وأما مسألة إظهار الدين، فكثير من الناس قد ظن أنه إذا قدر أن يتلفظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلاة ولا يرد عن المساجد، فقد أظهر دينه، وإن كان ببلد المشركين؛ وقد غلط في ذلك أقبح الغلط.
    قال: ولا يكون المسلم مظهرا للدين، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، ويصرح لها بعداوته؛ فمن كان كفره بالشرك فإظهار الدين له، أن يصرح بالتوحيد والنهي عن الشرك، والتحذير منه؛ ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح عنده، بأن محمدا رسول الله؛ ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده بفعل الصلاة.
    ومن كان كفره بموالاة المشركين، والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين التصريح بعداوته وبراءته منه، ومن المشركين..
    إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى; وقد مر لك هذا صريحا في كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، في المواضع التي نقلها من السيرة، وسماه العلامة عبد اللطيف واجبا، قال فيه: وأي رجل نقل عنه، ما هو دون هذا الواجب؟!
    فالحاصل هو ما قدمناه من أن إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة، هو الامتياز عن عباد الأوثان بإظهار المعتقد، والتصريح بما هو عليه، والبعد عن الشرك، ووسائله؛ فمن كان بهذه المثابة إن عرف الدين بدليله، وأمن الفتنة، جاز له الإقامة، والله أعلم.

    ص -419- بقي مسألة العاجز عن الهجرة ما يصنع؟ قال الوالد رحمه الله، لما سئل عنه: وأما إذا كان الموحد بين ظهراني أناس من المبتدعة والمشركين، ويعجز عن الهجرة، فعليه بتقوى الله، ويعتزلهم ما استطاع، ويعمل بما وجب عليه في نفسه، ومع من يوافقه على دينه، وعليهم أن يصبروا على أذى من يؤذيهم في الدين؛ ومن قدر على الهجرة وجبت عليه، وبالله التوفيق؛ انتهى جوابه، وبه انتهى الجواب عن المسألة، وبالله التوفيق.
    وأما المسألة الثالثة، وهي مسألة السفر إلى أوطانهم، ففرع عما تقدم، فمن حرم الإقامة بين أظهرهم إلا بشروطها حرم السفر، ولكن ليس كمن أقام بين ظهراني المشركين، يشهد ما هم عليه من الكفر الجلي البواح، والحكم بالقوانين، ورد الأحكام الشرعية، وغير ذلك مما لا يحصى، بل لكل درجات مما عملوا؛ فذنب المسافرين أخف من ذنب المقيمين، وذنب المقيمين فقط، أخف من ذنب من تولاهم بالمحبة والنصرة والطاعة، مما هو بنص القرآن مناف للإيمان.
    قال في الإقناع وشرحه: وتكره التجارة والسفر إلى أرض العدو، وبلاد الكفر مطلقا، أي: مع الأمن والخوف، وإلى بلاد الخوارج، والروافض، والبغاة والبدع المضلة، لأن الهجرة منها لو كان فيها، مستحبة إن قدر على إظهار دينه، وإن عجز عن إظهاره فيها حرم سفره إليها; انتهى بلفظه.
    وقد علمت معنى إظهار الدين فيما مر من كلامهم، وقد

    ص -420- جعلوا هنا حكم المسافر حكم المقيم صريحا، موافقين للسلف في ذلك، فجزاهم الله عن الإسلام خيرا.
    قال الشيخ عبد اللطيف في بعض رسائله: ولا بد في إباحة السفر إلى بلاد المشركين، من أمن الفتنة؛ فإن خاف بإظهار الدين الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو شبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه.
    ولما اعترض ابن منصور على إمام الدعوة، قدس الله روحه، بأنه يمنع السفر إلى جميع بلاد الإسلام، قال عبد اللطيف، رحمه الله، في جوابه: يطالب أولا بتصحيح هذا، فإن صح فللسلف فيه كلام معروف، في السفر إلى ما يظهر فيه شيء من شعائر الكفر والفسوق، لمن لم يقدر على إظهار دينه، وللقادر أيضا، كما يعرفه أهل العلم والفقه.
    وقد منعوا من السفر إلى بلاد تظهر فيها البدع، لمن خشي الفتنة، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله، ويستغاث بسواه، ويتوكل على ما عبد معه من الآلهة؟ فماذا على شيخنا رحمه الله لو حمى الحمى، وسد الذريعة، وقطع الوسيلة لا سيما في زمن فشا فيه الجهل، وقبض العلم، وبعد العهد بآثار النبوة، وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام؟
    وأكثرهم يظن أن الإسلام هو التوسل بدعاء الصالحين، وقصدهم في الملمات والحوائج، وأن من أنكر جاء بمذهب خامس لا يعرف قبله؛ فإن كان الحال هكذا، فأي مانع من

    ص -421- قوله - يعني الشيخ محمدا رحمه الله تعالى -، وأي دليل يجيز السفر ويبيحه مطلقا؟ هذا لا يقوله إلا جاهل بأصل الشريعة ومدارك الأحكام، انتهى كلامه رحمه الله.
    ونحن نقول كما قال هذا الإمام: بأنه لا ينكر على منكر السفر والحالة هذه إلا جاهل، أو صاحب هوى، وأنه قد ورث هذا المعترض في أغلوطاته؛ ومن تشبه بقوم فهو منهم.
    ولما سئل العلامة: سليمان بن عبد الله عن السفر إلى بلاد المشركين،
    أجاب: بأنه إن كان يقدر على إظهار دينه، وإظهار الدين هو الذي قدمنا لك مرارا، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر وغيره; وإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على معاداتهم، لم يجز له؛ نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث التي تدل على النهي، لأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك منع منه، وقد يجر إلى موالاتهم وموافقتهم وإرضائهم كما هو الواقع من كثير ممن يسافر من فساق المسلمين انتهى بلفظه.
    وقال شيخ الإسلام، في "اقتضاء الصراط المستقيمط فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها، دال على أن ما أفضى إلى الكفر غالبا حرم، وما أفضى إليه على وجه خفي حرم، انتهى
    .

    ص -422- فظهر لك من كلام هؤلاء الأئمة ما يكفي ويشفي، إذ هم أئمة الإسلام، ومصابيح الظلام؛ فانظر إلى عمن تأخذ دينك، ولا تغتر بمن مال معه العامة عن غير فقه ولا ورع، ولا من قابله بزائد على ما أمر الله به وشرع.
    فإذا تبين لك ما قدمناه، تبين لك جهل من قال: أعطونا دليلا ولو من تاريخ، أننا نقول إذا سافرنا: يا كفار; ولو زال حجاب الدنيا وشهواتها عنه، واتقى الله وحلت الغيرة الإيمانية لله ولدينه من قلبه محل سويداه، لعرف: أن الكتاب والسنة وصريح العقل، مع من أمر بالإغلاظ على المشركين، وحذر عنهم العامة المساكين، إلا لمن ليس في سفره مضرة على الدين؛ وذلك إلا ما شاء الله، قد تعذر، وصار كالكبريت الأحمر.
    ولما عظمت غربة الإسلام، ولاذ أكثر المتفقهة بالأوهام، جعلوا يؤسسون عقد المصالحة بين أهل الإسلام، وضدهم اللئام، وليت شعري إلى أي شيء قاموا به من عداوة المشركين؟ وأي ثغر رابطوا فيه ولو ساعة لنصر الدين؟ لقد والله نسجت على الدين عناكب النسيان، وسمح دونه بكثرة الهذيان، وعد عند الأكثرين في خبر كان.
    فنعوذ بالله من الخذلان، ومن نزغات الشيطان؛ هذا وأنا لا أعرف عين من نسبت إليه هذا الأمر، ولا أدري أهو من أهل الغمر، أو من أهل الغمر؟! لكني أقول: من هذا الذي يرد ما قرره علماء الدين؟ ومن جعل الله دعوتهم رجومًا للشياطين،

    ص -423- بأقوال منبوذة بالعراء، مطروحة من وراء وراء وهذا القول كاف لمن وفق للإنصاف، وبالله التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
    فإن قلت: قد أرخيت عنان القلم في هذا الباب، وأطنبت في هذه المسائل بعض الإطناب، فأجب عن المعارضة، وإن خرج بنا عن قانون الجواب، لشدة الحاجة إلى كشف هذا الحجاب.
    قلت: الجواب عن المعارضة، وإن كان يستفاد مما تقدم لمن جعل الله له نورا، هو من وجهين: مجمل، ومفصل.
    أما المجمل: فإنه لو كان مع المجيز نص في محل النّزاع، وأنى له ذلك، فقد تقرر في الأصول: أنه لا تعارض بين نصين، ولا بين نص وظاهر، ولا بين مجمل ومفصل; لأن التعارض بين النصين محال قطعا، لأن السنة لا تتناقض ولا تتعارض، ولو صح، لأنه قد يكون صحيحا لا صريحا، فيقدم النص الذي لا يحتمل إلا مدلولا واحدا، ويحمل عليه ما عداه.
    وقد صرح أئمة الأصول بأن ما احتمل معنيين، وكان أحدهما أظهر، فدلالته ظنية، ولا يعارض متحد المعنى إجماعا، بل يطلب التوفيق; ثم لو كان كلاهما متحد المعنى في المقابلة، ولا سبيل إلى نسخ ولا جمع، فالتوقف إلى أن يظهر الترجيح، أو تحف القرائن، كالحظر مثلا، فإنه مقدم على الإباحة، خصوصا إذا صار أظهر في سد المفاسد، لأن الشرع جاء بالمصالح المحضة.

    ص -424- ثم إن القضايا العينية مقصورة على مواردها، لا يقاس عليها، ولا تعارض النصوص بوجه عند الأصوليين; ثم لو كان المعارض مساويا، فقد قرروا أن المساوي مدفوع، فكيف بما هو دونه؟ قال الرصفي في آداب البحث:
    فإن يكن مساويا فيدفع وإن يكن أخص ليس ينفع
    وكل ما ذكرنا يجري في مسألتنا عند التأمل والتفصيل؛ فليعرض المجيز بضاعته على هذا الأصل، الذي يسلمه أئمة النقل، وإن لم يتخلص منه فلا يدعي ما ليس له، وليتعلم ثم ليتكلم.
    وليته جمع بين النصوص المتقدمة، وبين ما يستدل به، ولم يضرب الصريح الصحيح بتلك المحتملات، وأعطى كل ذي حق حقه، فلم ينف وجوب الهجرة عن كل أحد، وقوفا مع المنع، ولم يوجب الهجرة على كل أحد، وقوفا مع الرخصة بشروطها، فإنه خير من الإطلاق المتكرر في عباراته، وأحسن عاقبة وأخف ضررا.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وأما الجواب المفصل: فقوله عن المانع: أنه استدل بعمومات أحاديث مع ما فيها، قول ساقط لا يعول عليه، ولا سبقه إليه أحد ممن يعتد بقوله ويرجع إليه; ولعمر الله، لئن كان الرد والقبول بمجرد الهوى، وما لا يلائم الغرض، يقال: هو عمومات وأحاديث فيها ما فيها، فإن الخصم لا يعجز عن مثل هذه الكلمات، فلا يثبت له حجة بشيء منها أصلا.

    ص -425- وإن كان الرد ليس بالهوى، بل بالعلم واعتبار شروطه عند أهله، فلا بد من الاتفاق أولا على الشروط، ثم اتباعها حيث وجدت، وحينئذ فأقول: لا جرم أن المانع معه النصوص القاطعة، والحجج الساطعة التي لا تحتمل غير مدلول واحد، بخلاف ما مع المجيز، فإنها أخبار خاصة لا تعارض العلم المطلق المستغرق لما صلح له، بل لا يعمل بها إلا إذا سلمت عن معارض.
    وأما إذا كان العمل بها يفضي إلى ترك المحكم البين، فيتعين الجمع كما قدمنا؛ ودعواهم أنها عمومات خطأ بين، لأن العمومات عند أهل العلم هي دعوى تناول اللفظ العام للمحكم الخاص، والمنازع لا يسلم ذلك.
    وأما اللفظ العام الكلي المستغرق لما صلح له، الصادق على كل فرد من أفراد الجنس، كالإنسان مثلا، والمنوط بالوصف كالإسلام مثلا، أو الشرك، فهو من الكليات المطلقة؛ ومن زعم أنه يعارض بالمحتمل أو بالمجمل، أو بالقضايا العينية فهو أضل من حمار أهله.
    أما المتعلق بالشخص فهو محل نظر، فإذا لم يعارض بما هو أولى منه، فهو عام ويقال فيه: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وقد رجح عمومه بحديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" وفيه نزاع ذكره في المحصول وغيره; قال في جمع الجوامع، في وجوب الترجيح: ويرجح بما فيه تهديد،

    ص -426- وما كان عموما مطلقا على ذي السبب إلا في السبب.
    وقد وردت بحمد الله نصوص القرآن والسنة في إثبات هذا الحكم العام، المتعلق بكل فرد من أفراد جنسه، فعكس هذا الزاعم القضية، فجعل المتشابه دليلا قاطعا، والمحكم الذي هو عام الخطاب، المنوط بالأوصاف المطابق لمدلوله، جعله من العمومات التي يضعفها أهل العلم، إذا عارضها ما هو أقوى منها. فالله المستعان!
    ومن لم يفرق بين العام المطلق المطابق لمدلوله، وبين المحكم الذي يدعي أن العمومات تتناوله، فهو حاطب ليل وحاطم سيل.
    قال العلامة الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: ثم إن النصوص الواردة في وجوب الهجرة، والمنع من الإقامة بدار الشرك، نصوص عامة مطلقة، وأدلة قاطعة محققة; ومن قال بالتخصيص والتقييد لها، إنما يستدل بقضايا عينية خاصة، وأدلة جزئية لا عموم لها عند جمهور الأصوليين، بل هي في نفسها محتملة للتخصيص والتقييد، ومن قال بالرخصة لا ينازع في عموم الأدلة، الموجبة للهجرة من المجامعة والمساكنة... إلى آخر كلامه فراجعه.
    فإذا علمت أن الشيخ ومن قبله سلفا وخلفا، ممن قد قدمنا لك ذكرهم، وغيرهم، فهموا من النصوص أنها أدلة قاطعة، والمعارض لها قابل للتخصيص والتقييد، تبين لك

    ص -427- خطأ المجيز في تمريضه أدلة المانع، لأن كل مخالف للشرع معه من الشبهات، ومحتملات الدليل التي ساء فيها فهمه ولم يوفق للتوفيق بينها وبين مقابلها، أضعاف أضعاف ما مع هؤلاء؛ فيلزم منا نتوقى رد أباطيله نظرا إلى ملفق دليله؛ كلا، بل نعلم سوء فهمه قبل النظر في وهمه لما تمسكنا به من هذا الأصل الأصيل، وهو: أن السنة يصدق بعضها بعضا، والبدعة ينقض بعضها بعضا.
    وأما قوله: فيها ما فيها، يعني حجة المانع، فمن أين علم أن فيها ما فيها؟ وهو ما رواها ولا اطلع ولا دراها؛ هذا والله سطوة على النصوص، وكأنه قصد حديث قيس بن أبي حازم، وحديث سمرة، وتقدم لك ما يعضدهما من الأحاديث المشتهرة.
    ولو لم يكن إلا حديث جرير المتقدم، وقد تأخر إسلام جرير من مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعبد الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويفارق المشركين، لكان كافيا؛ وقد روى البخاري في صحيحه أنه يعمل بالآخر فالآخر من أمره صلى الله عليه وسلم، قال في "مرقاة الوصول إلى علم الأصول": والحديث إذا تلقته الأمة بالقبول، وكان راويه عدلا وله شاهد، فهو كالمتواتر في أنه يحتج به، انتهى.
    وحكى النووي في شرح المهذب: أن الشافعي يحتج بالمرسل إذا اعتضد بشاهد واحد؛ وهو من أعظم الأئمة توقفا فيه،

    ص -428- وعن المالكيين والكوفيين يقبل مطلقا؛ وقد اعتضد هذا بأكثر من عشرين شاهدا، مع الآيات المحكمات والكليات من الشرع، كما قدمنا لك: منها وجوب عداوة المشركين، والعداوة تقتضي البعد والمفارقة، ومنها القاعدة الكلية والأصل العظيم، وهو سد الذرائع المفضية إلى أشد المفاسد، إذ الوسائل لها حكم الغايات؛ وقد تقدمت الإشارة إلى هذا كله.
    ومنها: أن ما كان في أمر الوعد والوعيد، فالصحابة والتابعون لا يطلقونه مرفوعا، إلا مع الجزم بصحته، فإن قيس بن أبي حازم مخضرم، ويقال له رواية، روى عن العشرة المبشرة، فعلى هذا: إما أن يكون من كبار التابعين، وهو المعتبر عند الشافعي، وغيره، وإما أن يكون صحابيا روايته مرسلة، مرسل صحابي له حكم المرفوع، لأن الصحابة كلهم عدول؛ وقد رجح جمع من المحدثين وصله عن جرير، وأصله في صحيح مسلم، هذا لو لم يكن إلا هو في هذا الباب.
    فقول المجيز: إن المانعين استدلوا بأحاديث فيها ما فيها، مجرد هذيان لا طائل تحته، ولو لم يكن مع المانعين إلا مجرد المنع المترجح بتحقق المفسدة لكفى، لما في آداب البحث: أنه يقدم دليل الحظر على دليل الإباحة عند التعارض، إلا في أشياء ذكروها، الأصل فيها البراءة، كالعقود، أو حسية كالأطعمة.
    وأما قوله: البلاد بلاد إسلام، لأن شعائر الإسلام ظاهرة فيها، من غير ذمة من المشركين ولا جوار; ولهذا إذا كانت

    ص -429- الغلبة لأهل الإسلام، صارت دار إسلام، فكلام متناقض لفظا؛ وقد تقدم التنبيه على ما مر فيه من الوهم معنى. وقوله: من غير ذمة ولا جوار، فأظنه لاحظ ظلم الأموال والأبدان، لأن حب الدنيا قد غلب على النفوس، والمصيبة فيها هي المصيبة العظمى عندهم؛ فإذا كان هذا هو المرام، فهو موجود في جميع الممالك، وللنصارى لعنهم الله في ذلك الحظ الأوفر.
    وأما ظلم الأديان والخفارة فيها، فلا يعرفها إلا من نور الله بصيرته، وكان من الأشحاء بدينه؛ وأي خفارة وذلة أعظم من كون الإنسان يسمع ويرى الكفر البواح في المساء والصباح؟ ولو أظهر أن هذا هو فعل المشركين لقتلوه أو أخرجوه.
    ومن العقوبات القدرية على القلوب: عدم الإحساس بالشر، وهي آلام وجودية يضرب بها القلب، تنقطع بها مواد حياته وصلاحه، وإذا انقطعت عنه حصل له أضدادها بلا شك؛ وعقوبة القلب أشد من عقوبة البدن، فلذلك يصير المعروف منكرا، والمنكر معروفا.
    وهل يشك أحد أن المقيم هناك لا يسعه إلا الحكومة الضالة، وأن مولوده يكون في القرعة، وأن جبايات أمواله ومعشراته لهم، وغير ذلك من البلايا التي كلما ازداد مكوثه ازداد تحكما عليه في قلبه وقالبه؛ فمن ادعى غير ذلك فهو مباهت، ومن له مشاركة فيما قرره المحققون، علم أن البلد بلد شرك، وأن الغلبة فيها للشرك وأهله، وأن الحق مع من حكم النصوص

    ص -430- القاضية بالمنع، وقال العدل وقام بالشرع.
    وأما ما نقله عن الشيخ عبد الله بأن بلدهم بلد إسلام، فقد قدمنا أنه لا يدل على ما قصدوا؛والشيخ درج على ما درج عليه الرعيل الأول من نصر التوحيد والرد على من ناوأه من أهل الشرك والتنديد، وكلامه مجمل على أنها ليست بلاد كافر أصلي، يترتب عليها ما يترتب عليه، وهو الذي يفهم من كلام الأصحاب وغيرهم؛ لكن أتظنه يشك في كفر من تظاهر بدعاء الصالحين وعبادتهم، بالاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل وغير ذلك، على أنهم وسائط بينهم وبين الله في الحاجات والملمات؟.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، وغيره من الأئمة: أن هذا هو الكفر الصريح، وهو دين المشركين وفعل الجاهلين الضالين؛ وهؤلاء زادوا عليهم، بأن طلبوا الحاجات منهم استقلالا كما شاهدناه؛ فظهر لك أن قول المجيز: البلد بلد إسلام، تمهيدا لجواز الإقامة فيها، خطأ لا يتابع عليه، كما تقدم لك مرارا: أن الشارع أناط الحكم بمشاهدة الكفر والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها.
    وما أحسن ما قيل:
    العلم بالرأي إجمال ومغلطة والعلم بالنص تحقيق وتفصيل
    وقد تقدم لك أن المدعى أعم من كون البلد بلد إسلام، أو بلد كفر إذا كان العلة عدم المنع من العبادة، وأن السؤال

    ص -431- ملغى من أصله، فلا حاجة إلى فتوى أبا بطين وغيره.
    وأما دعواه: أن إظهار الدين إذا لم يمنعوك عن واجبات دينك، أي: من الصلاة والعبادة الخاصة، مستدلا بما رواه البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر أو جلس في أرضه التي ولد فيها" 1، وحديث صاحب الخضرمة.
    فجوابه أن يقال: أولا: ليس في الحديثين دلالة على أن البلد بلد شرك، غاية ما فيها إثبات الإيمان لمن أسلم ومات في بلده.
    الثاني: أنهما يدلان على كمال الإيمان، فهما على حد قوله: "وإن زنى وإن سرق" 2، ونحن نقول: بموجبه، فمن أقام في بلاد الشرك مع القدرة على الخروج منها شحا بالوطن، أو غير ذلك من الأعذار، فهو مرتكب كبيرة، فيقال: هو مؤمن ناقص الإيمان.
    الثالث: أن الاستدلال بهما وما في معناهما، خروج عن المقصود، إذ هي فيمن أسلم في بلده، أما الذهاب إلى أوطانهم اختيارا، واللحاق بهم استقرارا، فلا تدل عليه بوجه من الوجوه؛ إذ الاستدلال بالنصوص فرع ثبوتها أولا، ثم مطابقتها للمستدل عليه معنى، كما هو مقرر في مواضعه؛ وإذا كان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ناقصا، فكيف بمن آمن ولم يهاجر من بلدان المشركين.
    ------------------------------

    ص -432- قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في اقتضاء الصراط المستقيم - لما ذكر النهي عن مشابهة المشركين -: وقريب من هذا: مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب، لأن كمال الدين بالهجرة، فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم ناقصا.
    الرابع: أن قوله: هاجر أو جلس، هو معنى قوله: جاهد أو جلس; يدل على ذلك: ما رواه النسائي وغيره، عن أبي الدرداء مرفوعا: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة، ومات لا يشرك بالله شيئا، كان حقا على الله أن يغفر له، هاجر أو مات في مولده" 1، فقلنا يا رسول الله: أفلا نخبر الناس فيستبشروا، فقال: "إن للجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله" 2 الحديث، ثم قال النسائي بعده: ما لمن آمن وهاجر وجاهد؟ يعني من الأجر.
    فدل على أن الهجرة هناك بمعنى الجهاد، وقد جاء في رواية البخاري بلفظ:"جاهد في سبيل الله أو جلس" 3، وترجم له في الجهاد لأنها تطلق أيضا ويراد بها الجهاد، كما روى أحمد عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه مرفوعا: "أي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد".
    فتبين على كلا التقديرين أن المقصود إثبات الإيمان لمن أسلم ولم يهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجاهد، وإن انتفى كماله; فمن أين له: أن الحديث يدل على جواز الإقامة بين ظهراني المشركين؟ ومن درأ بمثل هذه المحتملات في نحر ما تقدم من



    ص -433- النصوص الصريحة الصحيحة، كحديث حكيم بن حزام مرفوعا: "لا يقبل الله من مسلم عملا بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين" 1 رواه النسائي، وحديث أبي مالك الأشجعي مرفوعا: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن" 2، وذكر الهجرة رواه أحمد وغيره، وما في معناها، فليس بمنصف.
    الخامس - وهو من أظهرها -: أن الاحتجاج بمثل هذه الأحاديث المطلقة، ولو بلغت حد التواتر، يستدعي بطلان حكم النصوص المصرحة بفراق المشركين، كما هنا، وكما في حديث نهيك الآتي. 3": وعلى زيال المشركين"، فيحمل المطلق مما احتج به المجيز، ولو صح وتعدد على هذا المقيد من مفهوم الوصف المانع من الإقامة؛ فبزوال هذا المانع الذي تسبب عنه الحكم بفراق الوطن يوجد المقتضي، وإلا فلا، وهذا ظاهر بحمد الله، يتعين المصير إليه توفيقا بين النصوص، إذ لا مجال للرأي في مثل هذا، مع وجود الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    ومما يدل على أن من أسلم ولم يهاجر، يكون كأعراب المسلمين - وتسمى منازله داره - حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعا: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين" 4، وفي بعض ألفاظه: "فإن أبوا واختاروا دارهم، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري
    ص -434- على المؤمنين" 1 الحديث، إلا في حق الأعرابي الذي أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في ترك الهجرة، في قوله: "اعمل من وراء البحار" 2 يعني: القرى "فإن الله لن يترك من عملك شيئا" 3 أي: لا يحرم أجر الهجرة ولا تنقص، لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من قلة صبره على سكنى المدينة، {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيماً} [سورة الأحزاب آية: 43].
    وكذلك أذن لأسلم - القبيلة المعروفة - فيما رواه الإمام أحمد وغيره: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابدوا يا أسلم" 4، قالوا يا رسول الله: إنا نخاف أن يقدح في هجرتنا، قال: "أنتم مهاجرون حيث كنتم" 5، ومعناه: أن تكونوا في البادية وهم في إذنه صلى الله عليه وسلم لا من سواهم، لأن من أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك له حكم المهاجرين، لأن مفهوم الإذن لهم، عدم الإذن لغيرهم.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وأما الأعراب، فالأمر في حقهم أخف، وليس لهم فضل المهاجرين لضعف إسلامهم، وسرعة ميلهم مع الباطل، يدل عليه ما رواه النسائي: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر، وهجرة البادية; فأما البادي فيجيب إذا دعي، ويطيع إذا أمر; وأما الحاضر فهو من أعظمها بلية وأعظمها أجرا" 6.
    وأما ما رواه النسائي أيضا بسنده، عن فضالة بن عبيد:
    ------------------------------
    ص -435- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا زعيم والزعيم الحميل لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة" 1 الحديثين; فتبين أن المقصود: إثبات الإيمان لمن لم يهاجر ولم يجاهد بعد ما أسلم، وأن من جاهد وهاجر فقد كمل إيمانه؛ فأي دليل فيه على جواز الإقامة بين ظهراني المشركين؟!
    وإذا كان المرتد بعد هجرته أعرابيا ملعونا من أجل خوف الجفا ونسيان العلم، ولمصالح الإسلام، كما رواه الطبراني من حديث جابر بن سمرة، مرفوعا: "لعن الله من بدا بعد هجرته إلا في الفتنة"، وما رواه النسائي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: "لعن الله آكل الربا وموكله" 2 الحديث، وفيه "والمرتد بعد هجرته أعرابيا"، قال ابن الأثير في النهاية: كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، انتهى من الفتح.
    ومثله: ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع، أنه لما دخل على الحجاج، قال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو؛ فإذا كان كذلك فهو يدل بالفحوى على البعد عن المشركين لمن أسلم، أما من كان مسلما ثم لحق بهم، واختارهم من غير مصلحة في الدين، فيطالب هذا بدليله، ولو من كلام إمام يعتد به، وإلا فقد قدمنا لك أن الاستدلال بمثل هذه المحتملات خروج عن المقصود.


    ص -436- وأما حديث الأعرابي فقد تقدمت الإشارة إليه، وأنه من القضايا العينية المتعلقة بالأشخاص والأحوال والأزمان. قال القرطبي على حديث الأعرابي: يحتمل أن يكون ذلك خاصا بهذا الأعرابي لما علم من حاله، وضعفه عن المقام بالمدينة، أشفق عليه صلى الله عليه وسلم وكان بالمؤمنين رحيما، انتهى.
    ومن المعلوم: أن هذه القضية إن كانت بعد الفتح، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره، لما فتح مكة:"لا هجرة بعد الفتح" 1، فعلم أنه قبل الفتح، والهجرة واجبة إليه بالإجماع؛ ولم يفهم أحد أن قصة هذا الأعرابي أبطلت حكم الهجرة، وإن كانت بعد الفتح، فالجواب عنها هو الجواب عن الحديثين قبلها.
    ووجه آخر، وهو: أن لأول الإسلام من اللين والهوادة ما ليس لآخره؛ وقد تقدم لك حديث جرير، ومعاهدته النبي صلى الله عليه وسلم على مفارقة المشركين، وقد تأخر إسلامه.
    وبالجملة: فليس في حديث الأعرابي ولا غيره من الأحاديث - ولو كانت صحيحة - ما يدل على مساكنة مشرك البتة، بل هي صريحة في سكنى البادية لمن أسلم ولم يهاجر، ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم اعمل في القرى، لأن القرى إذ ذاك لم تكن بلاد إسلام، ولكن قال له: اعمل من وراء القرى، أي: اعبد الله، وحل منها حيث شئت، وأنت على هجرتك، رفقا به.
    وأما حديث نهيك بن عاصم، فإنه لا يدل على أن

    ص -437- الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له في مساكنة مشرك، بل أذن له في سكنى البادية فقط، وأن يحل حيث شاء ولا يجني إلا على نفسه؛ وقد أشار إلى ذلك، ما رواه البخاري عن الصعب بن جثامة مرفوعا:"لا حجر إلا لله ورسوله" 1. هذا معنى حديث نهيك وما في معناه من الأخبار، أن أهل الجاهلية كان لهم حدود حجر، يمنعون منه من شاؤوا، وقد أبدل الله ذلك بالإسلام، لأن الإسلام يقتضي السلامة، ويأمن به كل أحد.
    ولما ساق العلامة ابن القيم القصة بطولها وفي آخرها: قلت: يا رسول الله: على ما أبايعك؟ فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال: "على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال المشركين، وأن لا تشرك بالله شيئا، قلت يا رسول الله: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده، وظن أني مشترط ما لم يعطه، قال: قلت نحل منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه" 2.
    قال في الكلام عليه، وقوله في عقد البيعة: "وزيال المشرك" 3 أي: مفارقته ومعاداته، فلا تجاوره ولا تواله، كما في حديث السنن "لا تراءى ناراهما" 4 انتهى كلام ابن القيم بحروفه.
    وقوله في الحديث: "نحل منها حيث شئنا" 5 مع قوله: "وزيال المشركين" بالميم، يبين لك مراد الشارع. فانظر إلى هذا المجيز - عافانا الله - يحتج بما هو حجة عليه، ويقول ذكره ابن القيم في الهدى؛ وأما استدلاله بقصة هجرة الحبشة، فهو من إحدى الرزايا، وعكس القضايا، ولا أعلم أحدا سبقه
    ص -438- إليه، إلا بعض من اعترض على إمام الدعوة.
    وقوله: إنهم هاجروا ليأمنوا لا ليفتتنوا، مجرد تمويه، صدر ممن لم يعرف قدر الشرك، الذي هو أعظم هضم لجناب الربوبية، وإبطال لما دعت إليه الرسل، من توحيد الإلهية؛ فأين الأمان واستقرار الجنان، لمن يشاهد عبادة الأوثان، ومسبة الديان، في كل حال وأوان؟!
    ومن استدل بقصة الهجرة على هذا، فتصوره فاسد، وذهنه كاسد، إذ كل من عقل عن الله شرعه، وسبر أحوال الصحابة وما هم عليه، من نصر الدين وزيال المشركين، علم قطعا أن هجرة الحبشة حجة عظيمة في وجوب الهجرة؛ وهو من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وإطلاق لفظ الهجرة عليها كاف في المطلوب على قدر الوسع، وإن لم يتم المقصود كله، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء دعوته أمر بالإعراض، ثم أمر بالصدع، ثم أمر بالجهاد.
    وظهور الدين يطلق ويراد به ظهوره بالقهر والغلبة والجهاد، وهذا قد تأخر، ويطلق ويراد به ظهوره وشهرته، وعدم منع الداخل فيه؛ وهذا قد حصل بأرض الحبشة، وتسمى هجرة وانتقال، كما حكاه النووي في شرح الأربعين له.
    وحكاه مجتهد عصره إبراهيم بن حسن الكردي، عن الحافظ بن حجر، أنه قال: وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين:

    ص -439- الأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
    الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة، وانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا، انتهى.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وذكر عن الأسيوطي: أن الهجرة ثمانية أقسام: الهجرة الأولى: إلى الحبشة، عندما آذى الكفار الصحابة، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى أرض الحبشة; وأذن لهم مرة ثانية وهي الثانية الثالثة: من مكة إلى المدينة; الرابعة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى قومهم لينذروهم.
    الخامسة: هجرة من أسلم من مكة، ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. السادسة: هجرة من كان مقيما بدار الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلد الإسلام؛ هذا لفظ الأسيوطي، في المنتهى، واقتصرنا على المقصود منه، وقد صرح بذلك أصحابنا; وقريب منه لفظ النووي في شرحه لأربعينه.
    ولما قرر هذا المقام من سطعت - بحمد الله - للدين أنواره وطلعت ببرهان دعوته شموسه وأقماره، وتضاحكت في

    ص -440- عرصات المجد كمائمه وأزهاره، اعترضه من اشترى الضلالة بالهدى، وتحول عن السلامة إلى الردى، إن لم يتداركه الله برحمته، فقال: قال محمد ابن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في مواضعه التي كتبها على السيرة: اعلم أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء.
    قال المعترض: فظاهر كلامه أن النجاشي كافر، حيث لم يصرح بعداوة قومه، وكذلك جعفر وأصحابه كفار بهذه العبارة، إلى آخر كلامه، الذي لا يصدر ممن شم للعلم النافع رائحة، أو له في واديه غادية ورائحة.
    وقد أجابه من أجاد وأفاد، ووفق في كلامه لنهج السداد، شيخنا العلامة: عبد اللطيف - بعد ما ساق شبهته - بما ملخصه: وقد ثبت أن النجاشي صرح بعداوتهم والبراءة من مذهبهم، وراغمهم، زيادة على التصريح بالعداوة; وقال: "وإن نخرتم" لما صرح بعبودية عيسى عليه السلام، حيث قرأ عليه جعفر صدر سورة مريم، وما فيها من ذكر عيسى; فقال النجاشي: والله ما زاد عيسى على هذا... إلى آخره.
    فأي عداوة؟ وأي تصريح أعظم من هذا؟ ومع ذلك نصر المهاجرين ومكنهم من بلاده; وقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، من سبكم ندم، ومن ظلمكم غرم; فصرح بأنه يعاقب من سب دينهم، وسفه رأيهم فيه، وهذا قدر زائد على التصريح

    ص -441- بعداوتهم، ولا يقول: إن جعفر أو أصحابه يكتمون دينهم بأرض الحبشة، ولا يصرحون بعداوة الكفار المشركين إلا جاهل.
    وهل ترك جعفر وأصحابه بلادهم وأرض قومهم، واختاروا بلاد الحبشة إلا لأجل التصريح بعداوة المشركين، والبراءة منهم جهارا، في المذهب والدين، ولولا ذلك لما احتاجوا للهجرة، واختاروا الغربة، ولكن ذلك في ذات الإله، والمعاداة لأجله؛ وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تقرير، لولا غلبة الجهل، انتهى باختصار.
    قال الشيخ الوالد قدس الله روحه - في رد ما اعترضه: - أما قوله: ظاهر هذا أن النجاشي كافر إلى آخره. فجوابه من وجوه، الأول: أنه لا اعتراض على حكم القرآن.
    الثاني: أن المهاجرين إلى أرض الحبشة هاجروا، ليأمنوا على دينهم حيث لم يوجد بلد ولا قبيلة يأمنون فيها غير الحبشة؛ قلت: وذلك بأمره صلى الله عليه وسلم لما بلغه من حسن جوار النجاشي ما بلغه
    قال الوالد، رحمه الله تعالى: ثم هذا في أول الدعوة قبل أن تفرض الفرائض، وتنَزل الآيات في بيان الأحكام، وأعظم الفرائض بعد التوحيد الصلاة، ولم تفرض إذ ذاك إلا بعد العشر، وكذلك أحكام الهجرة والجهاد، إلى أن قال:
    الثالث: أن النجاشي وطائفة من قومه أسلموا، فلهم حكم الظهور، وذلك معروف في السير والتفاسير؛ فإذا ظهر

    ص -442- الإسلام في بلد لم تحرم الإقامة بها، على من صان دينه وأظهره، وكذلك جعفر وأصحابه صانهم الله بما جرى لهم من النجاشي، فإنه قال: من سبكم غرم، فمن تبعهم في تلك البلاد قبلوا منه، وأظهروا دينهم على رغم من كرهه، فالآية لا تناولهم، فأين هذا ممن يواد المشركين، ويظهر لهم المحبة والمعاشرة؟! فهذا الذي لا يبقى معه إيمان، انتهى كلامه رحمه الله.
    ولما ساق رحمه الله في رده على صاحب الخرج، قصة النجاشي وما قال لعمرو بن العاص رسول قريش قال: وقد أنزل الله في النجاشي وأصحابه قرآنا، وأثنى عليهم، فلا يجوز أن يحتج على جواز الإقامة مع أهل الباطل وموالاتهم والطمأنينة بهجرة الصحابة، وفرارهم بدينهم، لئلا يفتنهم المشركون عنه.
    وكل أحد يفهم من هذه القصة أنها حجة عظيمة على من ترك الهجرة من وجوه، لا تخفى على من له أدنى معرفة وفهم حتى البليد، ولا يقدر مكابر أن يحتج بحجة هي بعينها عليه، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم، وفساد التصور. انتهى كلامه، من خطه رحمه الله.
    فبطلت الشبهة من أصلها لأن الإنسان إذا أظهر الإسلام ببلد، لم تحرم الإقامة بها لمن فعل، كما فعل جعفر وأصحابه، لأنهم

    ص -443- أظهروا دينهم في بلد من يعتقد مباينة الإسلام لدينه، وهم أقرب مودة من المشركين بنص القرآن؛
    أفيجعل حكمهم حكم من لو علم منك المباينة في الاعتقاد، لجعل توحيد الله عين الكفر والخروج؟ وأقل أحواله الحكم عليك بالطرد والخروج؟ فالله المستعان.
    وبالجملة: فالبلد إذا كانت بهذه المثابة، والإسلام بها يظهر، وواليها عضد لأهل الإسلام، يوافقهم عليه، ويقرهم، ويقول لجنده ما قال النجاشي، فلا يمنع أحد؛ فإن كان التوحيد هو أصل الأصول، وأوجب الواجبات، يجوز إخفاؤه للمصالح الدنيوية، وتسمى سائر العبادات التي هي فروعه إظهار الدين، فما فائدة العلم؟!
    قال ابن القيم رحمه الله في قصة هجرة الحبشة، قال السهيلي: وفيه من الفقه: الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين، وإن لم يكن إلى أرض الإسلام؛ فإن الحبشة كانوا نصارى، يعبدون المسيح، ويقولون: هو ابن الله، وسموا بهذه الهجرة مهاجرين.
    وهم أصحاب الهجرتين، الذين أثنى الله عليهم، وهم قد خرجوا من بلد الله الحرام، إلى بلد الكفر، لما كان ذلك احتياطا على دينهم، وأن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين؛ وهذا حكم مستمر، متى غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجا أن يكون

    ص -444- في بلد آخر، أي بلد كان، يبين فيه دينه، ويظهر عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه، حتم على كل مؤمن؛ وهذه الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة
    {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115]. انتهى كلام السهيلي.
    فانظر إلى قوله: إذا كان الخروج فرارا بالدين، وقوله: فأثنى الله عليهم لما كان فعلهم احتياطا على دينهم، وقوله: يذكرونه آمنين، أي: يفردونه ظاهرا بين من لا يفرده كالنصارى، بخلاف من يوافق على التهليل كاليهود، فلا يكفي إلا التصريح بالرسالة، كما تقدم.
    وقوله: هذا حكم مستمر، متى غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجا أن يكون في بلد، أي بلد كان يبين فيه دينه؟ فما هذا الدين؟ أتظنه من العام الذي أريد به الخصوص؟ كلا! ثم ما هذا الاحتياط يرحمك الله؟ أتظنه في الذهاب إلى بلد المشركين؟ لما أوذيت على الحق في بلد المسلمين؟ ورأيت الباطل قاهرا للحق؟ فما أعظم جناية المجيز لو أخذناه بلازم قوله؟ الله كبر، ماذا يفعل الجهل بأهله، مهلا عن الله مهلا!
    وأما ما نقله عن شيخ الإسلام في الأسير، إذا لم يمنعوه عن واجبات دينه، فلا يدل على ما قصدوا بوجه من الوجوه، لأن كلام الشيخ ليس بظاهر في أن الدين هو مجرد العبادة فقط، وليس بظاهر أيضا في أن أهل أوثان لا يرضون منه

    ص -445- بالتوحيد، فيحتمل أنهم نصارى، يكفي في إظهار الدين عندهم الشهادتان والصلاة.
    ثانيا: أنه قد علم من حال شيخ الإسلام بالضرورة، ما يرد هذا الزعم؛ فإن لشيخ الإسلام من تعظيم النصوص، والذب عنها، ونصر الدين باليد واللسان، والحث على قطع المسالمة بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، ما هو معروف من حاله، ومقاله.
    وقد نقل عنه شيخنا، العلامة عبد اللطيف: أن آيات الوعيد في موالاة المشركين، دالة على انتفاء الإيمان الواجب، عمن واد من حاد الله ورسوله، وأن معاداتهم وبغضهم والبعد عنهم، من واجبات الدين، فيحمل محتمل كلامه على صريحه; وإذا كان الحنابلة صرحوا بأنه لا يتزوج الأسير في أرض العدو، معللين بأنه ربما صار على دينهم، قالوا: وكذلك التاجر، لأنه لا يأمن أن تأتي امرأته بولد، فينشأ على دينهم؛ قالوا: فتزويجه تعريض لهذا الفساد العظيم.
    وهذا كلام المغني مع المتن، قال: مسألة: ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن تغلب عليه الشهوة، فيتزوج مسلمة ويعزل عنها، قال الشارح بعد كلام: وسئل الإمام أحمد عن أسير أسرت معه امرأته، أيطؤها؟ فقال: كيف يطؤها؟ ولعلها تعلق بولد فيكون معهم؛ وإذا كان كذلك بطل ما فهموه من محتمل كلام الشيخ وغيره.

    ص -446- وإذا كانت محتملات النصوص، وإن صحت ترد إلى صريحها، فكيف بأقوال هي مقابلة - بحمد الله - بأصرح منها من كلام السلف من أن إظهار الدين هو إظهار المعتقد، وإنكار المنكر؟ فتبقى النصوص لا معارض لها بحمد الله.
    ولما احتج بعضهم بقول مالك رضي الله عنه فيمن لم يدر: أطلق واحدة أم ثلاثا، إنها ثلاث احتياطا، قال ابن القيم: فنعم، هذا قول مالك رضي الله عنه فكان ماذا حجته هو على الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد رضي الله عنهم، وعلى كل من خالفه، في هذه المسألة، حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله؟ انتهى; وعلى التنَزل: فهذا جوابنا على كل ما احتج به المخالف.
    وأما الاستدلال بقصة العباس، ونعيم بن عبد الله بن النحام، على مجرد الإقامة في بلاد المشركين، فمن الجهل الصرف؛ والقصتان حجة عليه لا له، من وجوه: منها: ما في قصة نعيم، من "أن بني عدي قالوا له، لما أراد أن يهاجر: أقم عندنا، وأنت على دينك، واكفنا ما كنت تكفينا؛ فتخلف عن الهجرة مدة من أجل ذلك، ثم هاجر; وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله"، وهذه تركها صاحبك، وهو من الخيانة في النقل; إذ هي ترد شبهته، لأن من المعلوم أن منعه ممن يريد أذاه، لا يكون إلا على المباينة في الدين، وإلا فمن سكت لا يؤذى.

    ص -447- وفي بعض ألفاظ القصة: أقم عندنا على أي دين شئت، ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"، فهو ظاهر في أنه صرح بدينه، الذي هو مباينة دين قريش، لأنه قد أسلم قديما زمان إسلام عمر، وكان يخفي إسلامه، فلما أراد الهجرة التزموا له أن يمنعوه ممن يؤذيه، فأقام مظهرا لدينه، ومع ذلك فقد تأسف على التثبط عن الهجرة إلى الله ورسوله، لقوله: قومي ثبطوني عن الهجرة، فكان مثبطا عن هذا الواجب؛ لو تم لهذا المجيز الاستدلال به، فلا حجة فيه أيضا.
    ثم لو كان مأذونا له من النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التنَزل، صار من القضايا العينية الخاصة، لأن الإذن لإنسان يدل على المنع، لولا الإذن، عند أهل المعاني، كما أذن للأعرابي، وكما أذن لأسلم بقوله: "ابدوا يا أسلم، وأنتم على هجرتكم" 1.
    وللشارع أن يخص من شاء بما شاء، ومثله العباس، فإنه كان مأذونا له؛ فهو مخصوص من المنع، لأن في إقامته مصلحة للمسلمين؛ فلما ذكر ابن حجر حجة المنع قال: ويستثنى من ذلك، من كان في إقامته مصلحة للمسلمين، لأنه روي "أن العباس أسلم قديما، واستمر إسلامه إلى هجرته، يكتب بأخبارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يحب القدوم إليه، فكان يكتب له أن مقامك في مكة خير".
    قال ابن حجر بعده: ولم يثبت ذلك، فإن لم يثبت له من النبي صلى الله عليه وسلم إذن، فلا حجة فيه أيضا، لأنه قبل الهجرة جارية



    ص -448- عليه أحكامهم، وقد تثبط قبل بدر عن الهجرة، وخرج مع المشركين، فأسره المسلمون وافتدى، كما هو مشهور في السير، فيكون مثبطا كما ثبط نعيم رضي الله عنهما؛ فلا حجة فيه، كما أنه لا حجة في خروجه، في صف المشركين يوم بدر.
    والصحيح: أن العباس كان يظهر إسلامه بعد بدر، لأنه ثبت أنه "لما أخبره الحجاج بن علاط، في مقدمه على قريش: أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، وكان الحجاج قد أظهر لقريش خلاف ذلك، لإذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه; فلما ذهب الحجاج، قام العباس في أنديتهم مصرحا: أن الله قد أعز دينه، ونصر رسوله"، وفي هذا أعظم إغاظة للمشركين؛ فبطل الاحتجاج بالقصتين على كلا التقديرين، وانحلت هذه الشبهة من أصلها.
    وأما قوله عن ابن العربي: إن الهجرة فرضت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، فجوابه من وجوه:
    الأول: أنا قدمنا له، أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،فالاستدلال به استدلال بالمفهوم؛ وهو ضعيف إذا خالف النص، كيف وهو محتمل عبارة لا حجة فيها; الثاني: أن عبارة النووي عنه ترد هذا، فإنه قال في شرح الأربعين له: قال ابن العربي: قسم العلماء رحمهم الله الذهاب في الأرض طلبا وهربا.
    فالأول: ينقسم إلى ستة أقسام: الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وهي باقية إلى يوم القيامة؛ والتي

    ص -449- انقطعت بالفتح، في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح" 1 هي القصد إلى رسول الله.
    الثاني: الخروج من أرض البدع، وذكر قول ابن القاسم عن مالك المتقدم؛ فوازن بين هذا، وبين مجمل عبارة نقلت عنه، لا صراحة فيها.
    الثالث: أن خوفه على نفسه مع إظهار الدين، أقرب الاحتمالين، لموافقة قول سلفه.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    وأما قوله: قال الخطابي: الحكمة في وجوب الهجرة على من أسلم، ليسلم من أذى الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم، ليرجع عن دينه، فلم أقف عليه من كلام الخطابي، بل هو من قول الحافظ؛ وكلام الخطابي قبله بيسير، وهو في الفتح فراجعه.
    ثم هو من تفسير الشيء ببعض أفراده، وقد علل بعضهم: أنها إنما فرضت، لتكثير سواد المسلمين; وبعضهم علل بتعليم شرائع الدين، وبعضهم بخوف الفتنة، وقد قدمنا: أن الحكم الواحد تتعد أسبابه.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه: والسلف رضي الله عنهم يذكرون في تفسيرهم جنس المراد بالآية، على نوع التمثيل، ليس مرادهم تخصيص نوع دون نوع، انتهى.
    وقال الصنعاني، رحمه الله: والعلة المنصوصة لا تقتضي الحصر قيدا فيها عند الأصوليين؛وقد تقدم لك مررا، ما يدل

    ص -450- على أن خوف الفتنة بالدعوة إلى الله وإظهار الدين، إذ لا فتنة تتوقع للساكت حتى في بلاد الروم; أفلا يستحي العاقل من حمل عبارات العلماء على مجرد فهمه، من أن فعل العبادات، غير المعتقد، هو إظهار الدين؟! فالله المستعان.
    ولو سلم هذا لانحلت عروة شعبة الهجرة من أصلها، ولما أطلق الماوردي ما هو مسلم في الجملة، من أن من رجا دخول غيره في الإسلام جاز له ذلك، أنكر عليه هذا الإطلاق ونوزع فيه، كما تقدم.
    وأما نقله عن الماوردي والحافظ، كلاهما على قول عائشة: (لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام)، فكلام عائشة صريح في أن العلة التي من أجلها كان المؤمن يفر بدينه زالت بظهور الإسلام، ونحن نقول بموجب ذلك; ومفهوم الحافظ ليس هو مقتضى كلام عائشة، إن كان على ما زعم المجيز مع أنه لمجرد العبارة، وفي النقل تصرف مخل، لا ينبغي لطالب العلم; وأنا أسوق لك العبارة من أصلها، لتعلم أن هذا العلم دين.
    قال الحافظ: إشارة عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة ربه، في أي موضع كان اتفق، لم تجب عليه الهجرة; ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار دينه، في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، انتهى كلام الحافظ.

    ص -451- فأسقط المجيز قوله: ومن ثم، ولعله ذهول، وهي تدل: على أن عبارة الحافظ تنبني على ذلك، وأن الماوردي فهم كما فهم، لأن معنى: ومن ثم، أي: ومن هذه الحيثية، فعلم أنه لاحظ ذلك المعنى الذي قصده الماوردي من جواز الإقامة لمن أظهر دينه، ورجا إسلام غيره، مع أن كلام الحافظ يشعر بتمريض إطلاق الماوردي الأفضلية؛ وقد قدمنا لك الكلام عليه، وأنه لم يسلم للماوردي ما أطلق، فكذلك لا يسلم للحافظ لو قدر أنه يوافقه، مع أن عبارته محتملة غير صريحة؛ إذ العبادة لفظ عام، لا يحمل على ما زعموا إلا بقرينة، على ما قاله علماء البيان، ولا قرينة حينئذ؛ فحمله، وكذلك حمل ما قبله وما بعده، من مطلق عبارات العلماء، على ما يشهد له البرهان من قول الشارع، أولى، لوجوب الرد إليه عند التنازع.
    وأما نقله عن الحافظ، وابن قدامة، من أن إظهار الدين أداء الواجبات، فقد تقدم لك ما يدل على أنه لا يتم له الاستدلال به على كل تقدير، لأنهم في عباراتهم غايروا بين الجملتين، فقالوا: لا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه أداء واجباته، وأعادوا الجملة ثانيا، فصار هذا الحكم مركبا من جزئين، ولا يصح بدونهما، فظهر أن إظهار الدين هو إظهار المعتقد.
    قال شيخ الإسلام: والأمر المركب من أجزاء، تكون الهيئة الاجتماعية، مبنية على تلك الأجزاء، مركبة منها، لأن

    ص -452- إعادة الأداة عند أهل المعاني، من باب التأسيس لا من باب التأكيد؛ وأظنه لا يفرق بين النوعين كما أنه لم يعرف الفرق بين العام المطلق المستغرق لأفراده، وبين العمومات المتناولة للشيء، وليس ببدع، إذ الدعاوي قد كثرت، ولو كان ثم خلاف لنبه عليه المتأخرون، لأنهم صرحوا بالمراد، كما تقدم.
    وأما نقله عن الحافظ: أنه إذا لم يكن إمام وجب على المسلمين... إلخ،
    فجوابه: أن نصب الإمام حجة ظاهرة في التماس الحوزة، والحوزة لا تكون إلا تنفيذ الأمر والنهي، ومعناه أنهم يجعلون إماما وقاضيا، يقضي بحكم القرآن، فما هذا الإمام؟ وما هذه الحوزة إذا لم تنفذ شيئا؟! فما وجه المأخذ؟ وأين مطابقته للإقامة بين ظهراني المشركين، لمسلم لا يستطيع إظهار ما هو عليه من الدين؟!.
    وقوله: وكلام العلماء يطول، مجرد تهويل لا يعبأ به؛ وإذا كان هذا غاية بضاعته فلو شاء لنقل مجلدات. وقد قدمنا لك أول الجواب كلام ابن القيم أنه إذا تواطأ الكتاب والسنة على حكم، فلا يمكن أن يعارض، فلعل الله أن ينفعك به، فإنه أصل يزيل عنك شبهات كثيرة، وليس الشأن في كثرة التسويد; بل الشأن كل الشأن في فهم النصوص، ورد محتملاتها إلى صريحها.
    ولما رأى بعض المغاربة كلاما أعجبه، قال: وليس الفقيه من يحفظ عددا كثيرا من العلم، وإنما الفقيه من يعرف مواقع

    ص -453- الخطاب ومدلولات الألفاظ، ومن ظن ذلك، فقد عرض له ما يعرض لمن ظن: أن الخفاف هو الذي عنده الخفاف الكثيرة، لا الذي يقدر على عملها، فقد يأتيه إنسان بقدم ليس في خفافه ما يوافقها، فيلجأ به إلى صانع الخفاف، فيصنع له قدر ما يوافقه.
    وأما احتجاجه بسفر أبي بكر، فمن أعظم الجهل، لأنه قد قام بقلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الغيرة لله ولدينه وعداوة أعدائه، وإزهاق النفوس في مرضاته، ومفارقة الآباء والإخوان والعشيرة، ما هو معروف، لا يخفى إلا على من أراد لبس الحق بالباطل. هذا سعد رضي الله عنه لما قدم مكة كافح أمية، وتوعده بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من قتله، وهو نازل عليه، فأغاظه ولم يبال به.
    وهذه أخت عمر رضي الله عنه لما قال لها: أريني هذا الكتاب، قالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون، ولم توافقه، وقد أدمى رأسها، ومع ذلك، قالت: كان ذلك - تعني الإسلام - على رغم أنفك; وكذلك أم حبيبة بنت أبي سفيان، طوت فراش النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها، فقال: بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ قالت: (بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك، نجس، فلا أحب أن تجلس عليه); ومثل هذا كثير من أقوالهم وأفعالهم، رضي الله عنه وأرضاهم.
    والمقصود: أن لهم من الغيرة ما هو معلوم، ومصالح سفرهم للدين، والدعوة إليه ظاهرة، وحججهم على أعدائه

    ص -454- قائمة قاهرة؛ ومن استدل بهذا على ما يصدر من أهل الزمان، فهو المكابر لا محالة، وهو كمن يستدل بجواز القبلة في نهار رمضان، على جواز الوطء فيه.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    والحاصل: أن المسلم لا يكون مظهرا لدينه، سواء كان مسافرا أو مقيما، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، وهو الذي يفهم من كلام السلف. أما قول: يا كافر! وقولك: أوجدنا عليه دليلا، ولو من تاريخ، أو غيره، فهذا لفظ لا يقول به أحد، ولا نعلم أحدا قال باشتراطه، لأنه مما لا مصلحة فيه حتى لو الداعي إلى الدين.
    فإن الله قال لموسى وهارون، في حق من ادعى الربوبية: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [سورة طه آية: 44]، بل يكتفي من ذلك بإظهار التوحيد، وإنكار الشرك والبراءة منهم، والتصريح لهم بذلك؛ والله أعلم. ولا بد من عودة يقتضيها المقام، أعرج فيها على بعض عبارات أئمة هذه الدعوة، أختم بها هذا الجواب، وإن كنت قد ذكرت شيئا منها فيما تقدم، وقد يستلذ المعاد، كما قيل:
    ردد كلامك ما أمللت مستمعا ومن يمل من الأنفاس ترديدا
    وفي أجوبة أولاد الشيخ، لما سئلوا: هل يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفار، وشعائر الشرك ظاهرة، لأجل التجارة أم لا؟
    الجواب عن هذه المسألة، هو الجواب عن التي قبلها

    ص -455- سواء، ولا فرق في ذلك، بين دار الحرب والصلح، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها، لا يجوز السفر إليها.

    وقال السائل أيضا: وهل يفرق بين المدة القريبة، مثل شهر أو شهرين، وبين المدة البعيدة؟
    الجواب: أنه لا فرق بين المدة القريبة والبعيدة، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها ولا على عدم موالاة المشركين، لا يجوز له المقام فيها، ولا يوما واحدا، إذا كان يقدر على الخروج منها، انتهى.
    وفي أجوبة أخرى لهم: ما قولكم في رجل دخل في هذا الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك؛ وأهله يصرحون بعداوة الإسلام، ويقاتلون أهله؛ ويتعذر بأن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم بهذه الأعذار، فهل يكون مسلما هذا؟ أم كافرا؟
    الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل; فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم، ومما هم عليه من الدين، ويظهر لهم كفرهم وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرة، أو مال أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره.
    ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر ومات بين أظهر المشركين، فنخاف أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: {إِنَّ

    ص -456- الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيتين [سورة النساء آية: 97]، فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة ولم يهتد سبيلا; ولكن قل من يوجد اليوم من هو كذلك، إلى آخر المسألة؛ وهذا جواب الشيخ حسين، والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، رحمهم الله وعفا عنهم، وقد فهموا من إطلاق النصوص المنع من المساكنة مطلقا.
    ونحن نقول بالرخصة لمن أظهر دينه، بتصريح أو امتياز يرجى به إسلام غيره، كما قدمنا لك عن السلف؛ لكن هذه الرخصة قد قيدت بأمن الفتنة، وأنت خبير بأن أكثر المسافرين في هذا الزمان، لا يعرفون ما حرم الله تعالى، من موالاة أعدائه وأقسامها، وما يكفر به المسلم، وما لا يكفر به وما يحفظ الدين؛ بل هم إلى موالاة المشركين أسرع من السيل إلى منحدره؛ فأين من يعرف أدلته ويظهره عند الخصم إذا ابتلي فيه؟ بل غالبهم - إلا من شاء الله - يفتتن عند أول شبهة تعرض له؛ وهذا كلام أئمة هذه الدعوة، ومن أنكره، فإنما أنكر في الحقيقة عليهم، وإن تعامى عنهم وجعله في معاصريه.
    وإذا كان الشيخ وأتباعه إلى يومنا هذا يقولون بموجب هذه النصوص التي قدمناها، ويوالون عليها ويعادون، فالآن يسأل ضرورة: هل هم فيما قرروه، على نهج قويم وصراط مستقيم، أو هم ممن لم يفهم درك المعاني، ولم يعرف أصولها

    ص -457- والمباني؟ فليكشف عن النقاب، وليبين وجه الخطأ بفصل الخطاب.
    وأما المغالطات والتلبيس فلا حاجة لنا به، ولا نقبل لمجرد النقل الذي وضع في غير موضعه، لكن على قانون البحث بأن تكون المعارضة بمساو في الصحة، أو نص في الحكم لا يحتمل إلا مدلولا واحدا؛ وحاشا أن يجد ذلك، لأنا لو ذهبنا مع المحتملات والمجاملات، والقضايا العينية المتعلقة بالأشخاص، أو الأزمان، أو الأحوال، لم يبق في الأرض سنة يعمل بها.
    ولا شك أن عقد مناظرة في مثل هذا الأصل الأصيل، ترفع إلى علماء الإسلام، ومن لهم البصيرة والعناية بهذا المقام، وتصير مثله بصاحبها على ممر الأيام، نوع جنون وبرسام؛ فاعرف أخي الحق بدليله، واترك المراء فيه، فإن المراء علامة الحرمان، قال حبر الأمة رضي الله عنه:(المراء لا تفهم حكمته، ولا تؤمن غائلته).

    قال ابن القيم رحمه الله: وحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعارضا بتشديد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد؛ فإن المقصود: هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل؛ وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطتين. انتهى. وما أقرب كلا الخطتين فيمن تمكن منه الشيطان، وتولاه وطلب

    ص -458- العلم لغير الله وما كان كذلك، فهذه عقباه.
    ولفقيه زمانه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، في رسالته إلى آل سليم، كلام يناسب ذكره هنا; قال: وقد أخبر الله عن اليهود أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: يتأولون كتاب الله على غير ما أراد، قال تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة آية: 75].
    وأخبر عنهم أنهم {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [سورة النساء آية: 51]، ولا بد أن يوجد من هذه الأمة، من يتابعهم على ما ذمهم الله به. والإنسان إذا عرف الحق وضده، لم يبال بمخالفة من خالف، كائنا من كان، ولا يكبر في صدره مخالفة عالم، ولا عابد; وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها.
    ثم ذكر الشرك، وذكر ما ابتلي به شيخ الإسلام من علماء وقته; قال: وأكثر الناس اليوم - خصوصا طلبة العلم - خفي عليهم الشرك، انتهى من رسالته المشهورة. والفائدة: معرفة أن هذا الإمام له اليد الطولى في معرفة أصول الدين وفروعه، والحمية الإيمانية لله ولرسوله، وصدق الفراسة في التواء غصن الدين وذبوله.
    وهذا آخر ما أوردناه زائدا على السؤال، حملني عليه النصح للمسلمين، والشفقة بأهل الدين، لما اشتدت غربة الإسلام،


    ص -459- وأعرض المنتسب عما يجب عليه من القيام، ومال إلى ما مالت إليه العوام، منشدا ما قاله بعض العلماء الأعلام:
    قدمت لله ما قدمت من عمل وما عليك بهم ذموك أو شكروا
    وأسأل الله العظيم أن يثبتنا على الدين القويم، والصراط المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين -------------------هذه رسالة مهمة جدا ولم أرى من خلال تصفحى ان احدا من العلماء او طلبة العلم أفردها بالنشر فقمت بنشرها لما فيها من الفوائد والاحكام التى بينها الشيخ العلامة الشيخ اسحاق بن عبد الرحمن بن حسن أجزل الله له الثواب

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي

    ترجمة المؤلف :-
    هو العلامة الحبر الفهامة المحدث الفقيه إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن ابن الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب ولد سنة 1276هـ في بلد الرياض وأخذ العلم عن أخيه الشيخ عبداللطيف ، والشيخ عبدالله بن عبداللطيف، والشيخ حمد بن عتيق ، والشيخ محمد بن محمود والشيخ عبدالله بن حسين بن مخضوب والشيخ عبدالعزيز بن صالح بن مرشد وارتحل إلى الهند سنة 1309هـ وأخذ عن الشيخ محمد بن نذير بن حسين وحصل له منه ومن غيره السماع والقراءة والإجازة وأخذ عنه الحديث المسلسل عن مشايخه ، وأخذ عن طريق علماء الهند عن المولوي وقرأ عليه ثم ارتحل إلى بهوبال وقرأ فيها على الشيخ حسين بن محسن الأنصاري والشيخ سلامة الله وأجازاه وأخذ عن علماء مصر وغيرهم وحصل له منهم السماع والقراءة والإجازة ونبغ في عصره وبرع في فنون العلم الأصول والفروع وغيرهماقال فيه الشيخ العلامة سليمان بن سحمان تعالى :-
    فتى ألمعي لوذعي مهذب …… سلالة أنجاب كرام ذوى مجد
    وأخذ عنه العلم الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف والشيخ عبدالله العنقري والشيخ عبدالله بن فاضل والشيخ عبدالعزيز بن عتيق وغيرهم وله مصنفات نافعة ورسائل تدل على جمعه وعلمه وتحقيقه بعضها في الدرر السنية وبعضها لا يزال مخطوطا تُوفي رحمه الله تعالى سنة 1319هـ فبكاه أهل العلم ورثوه-رحمه الله رحمة واسعة-

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •